تحميل رواية «شاهد قبر» PDF
بقلم اسماعيل موسي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
عندما سمعنا نقرات عنيفة على باب الشقة، كنت أنا وأختي تقى نلعب داخل غرفتنا. ما إن انفتح باب الشقة حتى سمعنا صياح صاحب العمارة. كان يصرخ ويهدد والدتي بطردنا من العمارة إذا لم نسدد الإيجار المتأخر، وأنه سيلقي بنا في الشارع. قالت والدتي لصاحب البناية: "عندما يصل زوجي، رجل البيت، يمكنك أن تتحدث إليه." كانت المرة الأولى التي أسمع فيها تلك الكلمة. "عن أي رجل تتحدثين؟ زوجك ليس رجل." فتح باب غرفتنا، ورمقنا الرجل الغاضب الذي يشوح لوالدتي ويسب والدنا. عندما عاد والدي متهالكاً من عمله في المعمار، أخبرته وال...
رواية شاهد قبر الفصل الأول 1 - بقلم اسماعيل موسي
عندما سمعنا نقرات عنيفة على باب الشقة، كنت أنا وأختي تقى نلعب داخل غرفتنا.
ما إن انفتح باب الشقة حتى سمعنا صياح صاحب العمارة.
كان يصرخ ويهدد والدتي بطردنا من العمارة إذا لم نسدد الإيجار المتأخر، وأنه سيلقي بنا في الشارع.
قالت والدتي لصاحب البناية: "عندما يصل زوجي، رجل البيت، يمكنك أن تتحدث إليه."
كانت المرة الأولى التي أسمع فيها تلك الكلمة.
"عن أي رجل تتحدثين؟ زوجك ليس رجل."
فتح باب غرفتنا، ورمقنا الرجل الغاضب الذي يشوح لوالدتي ويسب والدنا.
عندما عاد والدي متهالكاً من عمله في المعمار، أخبرته والدتي بما حدث.
حينها ظننت أن والدي سيغضب، يركض للشارع ويضرب ذلك الرجل.
لكن والدي رفع كتفيه بقلة حيلة وقال: "ماذا يمكنني أن أفعل؟ أنا لا أملك نقوداً."
تلك الليلة، لم تتوقف والدتي عن النحيب طوال الليل.
لم يكن صاحب البناية آخر المطالبين بالنقود.
اعتدنا الطرقات العنيفة على باب الشقة، الصياح، السب، التهديد.
كان أول شيء فعله والدي أن منعنا من الذهاب للمدرسة لتوفير النفقات.
شيء آخر، منتهى الخزي.
كان يتسلل لشقتنا كلص، متحاشياً الرجال الذين يطالبون والدتي بالديون.
تدحرج حال والدي للأسوأ.
لم يبحث عن عمل جديد، لكنه أدمن المخدرات.
كان يصرف كل نقوده على المقهى، ولا يعود إلا قريب الفجر.
أيام طويلة، كنا نكتفي بوجبة واحدة طوال يوم كامل.
تعودت أنا وأختي تقى ألا نترك غرفتنا، حتى لا نتعرض لهيجان والدي وضرباته، نزعاته التي لا تنتهي مع والدتي.
كانت الساعة تشير للتاسعة ليلاً عندما سمعنا طرقات على باب شقتنا.
نقرات خفيفة، انفتح بعدها الباب ودخل رجل لا نعرفه.
طالبتنا والدتي بعدم ترك غرفتنا والبقاء داخلها مهما حدث.
غلبنا النوم أنا وأختي قبل رحيل ذلك الرجل.
كان أمراً غريباً بالنسبة لنا، لكن ولا واحد منا كان مستعداً أن يفتح فمه.
أصبح حضور الغرباء لبيتنا معتاداً.
صاحب البناية، البقال، الجزار.
في كل مرة تأمرنا والدتنا بالبقاء في غرفتها.
توقف الدائنون عن طرق بابنا.
لم نعد نسمع صراخاً أو سباً أو لعناً.
والدي المترنح، الغائب عن وعيه، كان يعود كل ليلة ساكراً، ولا يستيقظ إلا قريب العصر.
حاولت أن أمنع أختي تقى عن الحديث لوالدي الذي كان مستلقياً على الأريكة، حينها كانت والدتي خارج المنزل تبتاع الطعام.
لكن تقى رفضت.
وقفت بجوار والدي وقالت: "أبي، أبي؟"
حرك والدي جسده الثقيل وفتح عينيه بكسل.
"لماذا تريدين يا بنت الكل..."
علمت ما سيحدث لاحقاً.
جلست على الأرض ملتصقاً بالجدار، واضعاً رأسي بين ركبتي داخل غرفتي ذات الباب الموار.
رأيت والدي يحمل تقى، يطوح بها على الأرض، محطماً بجسدها الضعيف المقاعد القليلة داخل الصالة، ممسكاً بشعرها ويجرها خلفه على البلاط.
لم يسمح لها بفتح فمها.
ألقى بها على الأرض وراح يركل معدتها ورأسها، ظهرها وكل جسدها.
لم أسمع سوى صراخ تقى وهي تعتذر وتطلب العفو.
أخيراً، انهد حيل والدي.
جلس على الأريكة وأشعل لفافة تبغ.
كانت تقى متكومة على بعضها، جسدها مرتعش، تئن من الوجع.
قدمي والدي على الأرض، ظهره منحني للأمام، يرمق تقى بعينين مشتعلتين.
"افتح فمك القذر!؟"
كان والدي قد استعاد وعيه أخيراً.
وقفت تقى بجسد مرتعش أمام والدي بعينين منتفختين من التورم.
"هسه انطفى يا ابنة..."
كنت واقفاً على طرف الباب، ونظرت تقى نحوي.
وضعت يدي على فمي محذراً إياها أن تقول أي شيء.
قالت تقى بفم معوج: "كنت جائعة وأرغب بابتياع الطعام."
بصق والدي على وجه تقى: "انتظري والدتك يا لعينة، توقظيني من نومي من أجل هذا السبب التافه."
اعتذرت أختي تقى مراراً لوالدي، كنت غير قادرة على نصب طولي.
أخيراً سمح لها بالرحيل.
قبل أن تسقط على الأرض، استقبلت تقى بحضني.
ساعدتها الوصول لسريرنا.
أضجعت تقى وهي تنتحب، كان كل جسدها متورماً يتألم.
كنت أحاول أن أخبرها، دافعت تقى، لكنه لم يسمح لي.
همست في أذنها: "لكن والدتي حذرتنا أن نفتح فمنا."
لم ترد تقى، ظلت تبكي حتى نامت والدموع على خدها.
رواية شاهد قبر الفصل الثاني 2 - بقلم اسماعيل موسي
عندما عادت والدتي من الخارج كان والدي قد رحل.
كانت تقى بوجهها المتورم والسحجات التي تغطي جسدها، مستلقية على السرير كأنها ميتة، بينما كنت أنا راقدًا على الأرض تحت السرير.
دَلفت والدتي لغرفتنا فورًا بعدما راعها حجم التحطيم الذي طال الصالة. مقاعد مكسرة، أواني مسحوقة، مزهرية مهشمة.
فتحت الباب بهلع: "أنتم بخير؟ ماذا حدث؟"
كان عليّ اختلاق كذبة، وهكذا فعلت.
جلست والدتي جوار تقى تطببها وتمسح بمنشفة فمها وجبهتها المتورمة. نامت واختي في حضنها.
عندما انتصف الليل، سمعت نحيب والدتي، بكاء مرير خارج من أعماق صدرها المنقبض. حشرجة هزيمة إنسان في معركة خاسرة مع الحياة.
بدأت تقى تتعافى بعد يومين، تضحك مرة أخرى. كنا تعلمنا الدرس ولم نقترب من والدنا مرة أخرى. نلعب في الصالة، وعندما يحضر الغرباء لمنزلنا، نحبس أنفسنا في الغرفة ولا نخرج منها أبدًا.
بعد شهر كامل، كان الجو باردًا. الوقت شتاء، والسماء على وشك الأمطار مصحوبة برياح عاتية تضرب النوافذ والشرفات.
الساعة العاشرة ليلاً، اقتحم والدي الشقة. لم يكن موعد عودته، وشعرنا أن مصيبة حدثت.
أغلقت باب الغرفة وأنا أسمع والدي يصرخ في والدتي: "أنتِ أيتها العاهرة القذرة! لطختِ اسمي في التراب! كل شخص في الحارة يعرف أنكِ عاهرة كبيرة!"
كان يصرخ وهو يضرب والدتي بعصا المكنسة في كل مكان في جسدها. يلكمها، يركلها، يسبها، يبصق عليها. ثم قبض على رقبتها بيديه يخنقها.
كافحت والدتي للتملص منه. ركلته في خصيتيه. تلوى والدي من الألم، وتركها.
"أنا غير قادرة على التحمل. أتظن أنني سعيدة؟"
"لعينة، قذرة!" صرخ والدي. "أنتم كلكم ملعونون، أولاد و..."
"أقسم أنني سأقتلك يا مديحة، والله وبالله لا أشرب من دمك!"
غادر والدي الشقة في كامل هيجانه وثورته.
رأيت والدتي تحشر ملابسها في حقيبتها والدموع تغرق عينيها. وضعت حقيبتها في الصالة. فتحت باب غرفتنا، قبلت تقى، قبلتني، وأخذتني في حضنها، ثم رحلت للأبد.
رواية شاهد قبر الفصل الثالث 3 - بقلم اسماعيل موسي
عاد والدي للمنزل فاقدًا للوعي، تخبط في بقايا المقاعد، سقط على الأرض وأحدث ضجة ثم نام. هكذا رأيته عندما قصدت الحمام مع شروق الشمس، ممددًا على بطنه يشخر. تسحبت على أطراف أصابعي وعدت للغرفة مرة أخرى. لا يمكنني توقع رد فعل والدي إذا شعر بي في تلك الحالة.
لم نترك غرفتنا أنا وتقى، كنا نعلم أن والدتي رحلت، وأن والدنا إذا قرر ضربنا، فلن نجد من يدافع عنا.
كان والدي يضربنا بسبب ودون سبب، لا يمكننا أبدًا توقع ما يفكر به.
الساعة الرابعة عصرًا يوم الخميس السادس من ديسمبر.
بقايا ريح تضرب النافذة، باب غرفتنا مغلق، نسمع صوت والدنا بالخارج يسعل بشدة، يكاد يفقد أنفاسه. أشعل والدي لفافة تبغ وزعق: "وين والدتكم اللعينة؟".
كان على أحدنا أن يرد قبل أن يقتحم والدي الغرفة ويوسعنا ضربًا.
تقى لازالت محطمة، تعاني آلام قبل أمس.
فتحت باب الغرفة بأدب.
زعق والدي: "تقدم هنا يا قذر".
جررت قدامي وقفت أمامه، محني الرأس.
"وين والدتك؟"
"لا أعلم." قلت.
"لا تعلم؟" صرخ والدي وأمسك بشحمة أذني. "انطق يا ملعون، أين ذهبت والدتك؟"
بصوت يكاد لا يسمع قلت: "والله لا أعلم."
"لا تعلم؟" رفع يده اليمنى، اليد القوية. أغمضت عيني ولفحني الريح قبل أن أتلقى الصفعة على خدي.
صاعقة ضربت جانب وجهي الأيمن، اشتعلت حريقة. بكيت لأستجديه.
"ممممم." مص والدي شفتيه. "لماذا لم تخبرني بما يحدث من وراء ظهري؟ ألست رجل المنزل في أثناء غيابي؟"
صفعة أخرى طوحتني أرضًا.
"سيركلني الآن في معدتي." انكمشت على نفسي وأنا مدد على الأرض.
انفتح باب غرفتنا، سمعت صوت تقى: "اتركه في حاله، أردت أن أخبرك لكنك لم تمنحني فرصة."
تقى همست في سري: "لماذا خرجتِ من غرفتنا؟ كان والدي سيضربني وينتهي الأمر."
نهض والدي بسرواله الأبيض القصير وكرشه المهتز وركض نحو تقى.
"كيف تجرئين يا كلبة؟ العاهرة لا تنجب سوى عاهرة."
وقفت تقى بثبات، لم تتحرك حتى عندما جذ بها والدي من شعر رأسها. بدت ثابتة.
تلقت تقى مجموعة من اللكمات والركلات، سقطت فوقي.
"أين والدتكم يا كلاب؟"
"رحلت!" صرخت تقى وهي تنتحب. "والدتنا تركتنا ورحلت."
"رحلت؟ تعني أنها هجرتني؟"
انطلق والدي تجاه باب الشقة، كنت أعرف ما سيفعله.
بقايا عصا المكنسة، تناولها وراح يضربنا في كل مكان في جسدنا.
"أنتم لستم أطفالي، أشعر بذلك، أنتم أولاد حرام."
حطم والدي العصا فوق أجسادنا، كنت أصرخ بلا توقف بينما تقى تتلقى الضربات بصمت.
تناست آلامها تحاول الشرود نحو عالم أفضل، لكن والدي لا يرغب بذلك. عندما يضربنا يجب أن نصرخ، نطلب الرحمة ونقبل قدمه.
أنت وجر تقى خلفه على الأرض. "فتاة لعينة قذرة." بما تبقى من العصا ضربها على وجهها.
حافة العصا مدببة انغرست في عين تقى الشمال وفار الدم منها.
تلطخت يدي والدي وملابسه بالدماء.
صرخت تقى وهي تضع يدها على عينها: "عيني، أنا لا أشعر بعيني."
ركلها والدي بقدمه، أبعدها عنه، بصق عليها، بدل ملابسه وخرج.
رواية شاهد قبر الفصل الرابع 4 - بقلم اسماعيل موسي
كانت تقى تتلوى على الأرض من الوجع، واضعة يدها على عينها المفقؤة، ترفص بقدميها بجسد متشنج. كنت أعلم أن هناك مستشفيات تعالج المرضى. أسندت تقى على كتفي، طرقت باب جارنا سيد محمد طلبًا للمساعدة.
"أولاد توحا؟" قال وهو يفتح الباب، "عايز إيه؟"
"أختي، قلت، والدي قام بضربها، انظر عينها…"
أبعدني الرجل بيده، "اذهب للمشفى" قال وهو يصك الباب.
هبطنا درجات السلم حتى وصلنا الشارع. في الطريق بملابسنا الممزقة كان الناس ينظرون نحونا كأننا حثالة، ولا واحد اقترب منا. السيارات كانت تهرب منا.
"أولاد توحه…" سمعت الكلمة بأذني من نادل المقهى عندما سأله أحد الرواد عنا.
مشينا على الرصيف. كان المشفى يبعد عنا عدة كيلومترات، وتقى لم تتوقف عن النحيب. أشفق علينا رجل يقود عربة خشبية يجرها جواد، وقام بنقلنا في طريقه لأقرب نقطة من المشفى.
كنت أسند أختي التي تترنح نحو باب المشفى.
"رايح فين؟" سألني حارس أمني بلهجة غليظة.
"أختي تحتاج لعناية طبية؟"
حملق بنا الحارس أنا وأختي. كاد أن يضع يده ليربت عليها، لكنه أبعدها فجأة.
"فين أهلك؟"
"والدتي رحلت."
"والدي ترك المنزل."
"مشردين يعني؟" لم أفهم علاقة ذلك بأختي التي تصرخ من الوجع، ولا أعلم ما تعني تلك الكلمة. إذا كان من تركته والدته ووالده مشرد، فنحن مشردون. قلت: "نعم…"
"ارحلي" صرخ الحارس، "ابتعدوا من هنا…" فهمت أن تلك الكلمة معيبة.
"زعقت: لسنا مشردين، اسمح لنا بالدخول."
انشغل الحارس مع امرأة أنيقة واقفة على باب المشفى، كانت تسأل عن اسم طبيب قريب لها. تسللنا للداخل، لم أعلم ما علينا فعله.
رأيت أناسًا يرتدون زيًا أبيض وآخرين يرتدون زيًا موف. كنت أطلب منهم المساعدة، لكنهم كانوا ينظرون إليّ شرزًا، بلا مبالاة.
أرقدت تقى على المقاعد وركضت أبحث عن مساعدة. أخيرًا رد عليّ أحد الموظفين وقال: "انتظر دورك."
فهمت أن علينا أن ننتظر، وأن شخصًا سيقوم باستدعائنا حينما تسنح الفرصة، لكن الوقت مضى ولم يستدعنا أحد.
إحدى السيدات كانت في رفقة ابنها. اقتربت منا، سألتنا: "ماذا تفعلون هنا؟"
قلت: "أختي مصابة، عينها…" أشارت إلى إحدى الغرف، حملت أختي ودلفنا داخل الغرفة.
رمقني أحد الأطباء بطرف عينه، تذكره قال: "فين التذكرة؟"
"لا أملك تذكرة" قلت.
"ادفع تذكرة!"
"لا أملك نقود" قلت.
أزال الطبيب القماشة التي تغطي بها تقى عينها، تأفف من مظهرها.
"تحتاج عملية جراحية" قال.
"قم بها من فضلك سيدي."
"ليس هكذا، العملية تحتاج إجراءات، أشعة، مصاريف، مسح الدماء بقطنة، نظف الجرح وغطاه بلاصق طبي."
كتب بعض الطلبات في ورقة، قال: "خلص دي وتعالى."
صرفنا أول موظف، أبعدنا، صرخ فينا، "بره،" عندما عرف أننا لا نمتلك نقودًا.
"أنا بخير" نطقت تقى، "لنعد للمنزل."
هكذا قدت تقى نحو المنزل. وصلنا بعد منتصف الليل، نمنا بلا طعام، ولم يظهر والدي.
في الصباح كان عليّ أن أبحث عن طعام. البقايا المتعفنة من الخبز لم تشبعنا. طرقت باب معظم شقق العمارة. أخيرًا منحتني سيدة تدعى نوال خبزًا، طبقًا بداخله بقايا فول، وكيس بلاستيك بداخله بقايا فلافل.
تناولت الطعام أنا وأختي تقى. كانت عينها هدأت وخف الألم بها.
عاد والدي بعد يومين. كان أول شيء سألني عنه: "من أين أحضرتها الطعام؟"
قلت: "من جيراننا."
"ووالدتك لم تعد بعد؟"
قلت: "لا."
صفعني والدي على وجهي وتركني أرحل.
بعد أسبوع لم يعد أحد يفتح لنا باب شقته. عندما يسمع صوتي كانوا يعرفون ماذا أريد! عندما طلبت من والدي نقودًا لشراء طعام أوسعني ضربًا. نلت علقة موت كسرت عظامي.
تعرضت أنا وتقى على مدى ثلاثة أيام لجوع مبرح. كنا نسمع صوت معدتنا الشاكية. كانت المرة الأولى التي أنزل فيها للشارع وأبحث خلال القمامة عن بقايا طعام.
رواية شاهد قبر الفصل الخامس 5 - بقلم اسماعيل موسي
أحضرت معي ما شعرت أنه من الممكن أن يأكل، بقايا الأطعمة الملقاة في أكياس بلاستيكية حتى وإن كانت متعفنة، لكنها غير مختلطة مع عفونة سواد صندوق القمامة.
كانت مضت خمسة أيام كاملة منذ إصابة عين تقى، يحضر والدي متأخرًا، نحرص نحن على عدم الخروج من غرفتنا حتى رحيله.
كنت أسمعه يهذي وهو نائم، يسب ويشتم، يقسم أنه سيقتلها، والدتي.
في اليوم السادس وتقى تغسل وجهها، انزاحت اللاصقة الطبية.
كانت عين تقى مفرغة، متعفنة بالقيح.
لقد صدمت عند رؤيتها وكدت أصرخ.
لقد حمدت الله أننا لا نمتلك مرآة.
حاولت أنا وتقى تنظيفها من القيح ووضع اللاصقة الطبية مرة أخرى في مكانها، لكن اللاصق تلف ولم نفلح بتثبيته في مكانه.
لقد كان وجهها مشوهًا بطريقة مفزعة جعلتني أبكي.
بعد العشاء شعرنا أن باب الشقة سينقلع من النقرات، كان صاحب البناية يريد نقوده، إيجار الشقة.
سألني عن والدي بغضب، طلب مني أن أخبره أنها آخر فرصة بالنسبة إليه بعدها سيطردنا من الشقة.
أخبره بذلك يا ابن توحا، ضحك الرجل وبرم شاربه وهو يذكر لقب والدتي.
الظلام في وجهه جعلني أكاد أتقيأ، كان سخريته مني مؤلمة جدًا ويعاملني كحيوان.
أنزل لصناديق القمامة عندما ينتصف الليل وتخلو الشوارع من المارة.
كان يوم قاسٍ ولم أجد أي طعام متروك في الصناديق، لم أجد سوى حذاء قديم مهترئ حملته في يدي من أجل تقى.
"انت، يا ابن توحا، تعال هنا؟"
اقتربت من رجل مسن أمامه أكوام من الشكائر المغلقة.
"أرني هذا الحذاء."
قدمت له الحذاء، عاينه الرجل ومنحني جنيهًا معدنيًا.
قال: "سأشتريه منك، سأشتري منك كل الأغراض التي تستطيع جمعها، ملابس قديمة، أحذية، حديد، نحاس، قطع معدنية، اجمع كل شيء في شكارة بلاستيكية وانتظرني هنا كل ليلة."
ثم قال: "اسمع، هذه منطقة فقيرة، عليك أن تعبر ثلاثة حارات هناك ستجد أشياء كثيرة، علب كنز بيبسي كولا، أحضرها كلها."
وضعت الجنيه في جيبي، حملت الشيكارة وسرت خلال الطريق الخالي وأنا أجمع من صناديق القمامة كل الأشياء التي أجدها.
في آخر صندوق وجدت بقايا ساندويتش برجر وضعته في جيب بنطالي.
منحني الرجل عشرة جنيهات كاملة، كدت أطير من الفرحة، تسلقت السلم ركضًا، أيقظت تقى، منحتها بقايا الساندويتش.
قسمته تقى نصفين ومدت لي نصيبي.
"تناوليه أنت."
أكلت ساندويتش كامل لوحدي، كذبت وصدقتني تقى.
كان هذا عملي بعد ذلك، البحث خلال صناديق القمامة، كنت أنزل خلال النهار أحيانًا وأذهب لأماكن بعيدة حتى قادتني قدامي لبناية فاخرة، كان صندوق القمامة مملوء بأشياء كثيرة جمعتها كلها.
جلست على الرصيف أتناول ساندويتش فلافل، توقفت سيارة أجرة.
نزلت منها امرأة جميلة شابة وصعدت سلم البناية.
بعد ربع ساعة توقفت سيارة فاخرة أمامي.
من باب السيارة خاطبني رجل يرتدي نظارة سوداء.
"انت يا ولد تعالى هنا!"
تركت ما في يدي وسرت نحوه.
"رأيت امرأة تدخل تلك البناية!؟"
"نعم."
"انتظر هنا حتى تخرج، سأحضر مرة أخرى، عليك أن تخبرني عن الوقت الذي غادرت فيه، هل تفهم؟"
"أفهم."
أخرج ورقة نقدية من فئة 200 جنيه ووضعها في يدي وانطلق بسيارته.
رواية شاهد قبر الفصل السادس 6 - بقلم اسماعيل موسي
عليك أن تحكم على الأشخاص من وجهة نظرهم قبل أن تبدأ بإلقاء اللوم عليهم. هل تعلمت الدرس؟
تفحصت الورقة النقدية. كنت رأيتها مرة في يد والدتي. كانت جديدة لامعة ووددت تقبيلها. مسحت الشارع ببصري قبل أن أخفيها في جيب بنطالي. ثم جلست على الرصيف في مكاني ثابت لا أتحرك.
مضت ساعة وأكثر حتى رأيت تلك المرأة الساحرة تخرج من البناية وتستقل سيارة أجرة. الغريب أنها نظرت نحوي. كانت شارده. رأيتها من زجاج السيارة تتفحص هاتفها.
انتظرت حتى عاد الرجل مرة. توقف بسيارته. ركضت نحوه. قلت: "يا سيدي، المرأة خرجت منذ بضع دقائق ورحلت."
قال: "أعلم." ثم أردف بنبرة حزينة: "بالغد انتظر هنا. سأمر عليك. إذا رأيتها عليك أن تخبرني." ثم قال: "لا تقلق، سأمنحك أجرتك."
انطلق الرجل بسيارته. حملت شيكارتي وقصدت فرج، ذلك الرجل الذي يشتري مني تلك الأغراض.
أفرغت الشيكارة. بدا مسرورًا من محتوياتها. وضع في يدي مئة جنيه. "أحضر كل يوم شيكارة مثل هذه وسأغرقك بالنقود."
"أختي مريضة، تحتاج زيارة طبيب." فهم الرجل ما أعنيه.
أخرج ورقة أخرى بخمسين جنيه ومنحها لي. لم يتجادل معي. لم يوبخني. لقد أحببت ذلك الرجل.
قال الطبيب وهو ينظر إلينا بقرف: "لا فائدة. العين تلفت. تعفنت. كل ما أستطيع فعله تنظيفها ومنع التلوث من الانتشار لباقي وجهها."
هذا طبيب. لا يمكنني أن أفهم أكثر منه. بعدها قام بتنظيف عينها ورحلنا. في الطريق أنا وتقى جعلنا نضحك على كلام الطبيب.
قالت تقى بنبرة رجولية:
"العين تلفت يا ولد. لا يمكنني إعادتها."
اشترينا طعامًا كثيرًا. شيبسي، بيبسي، حواوشي، كبدة. أستطيع أن أقول بمجرد أن أكلنا نمنا في مكاننا.
منذ النجمة نزلت للشارع. وصلت تلك البناية التي أصبحت حارسها. مع طلوع الشمس جمعت القمامة كلها. وجلست على الرصيف. كانت الساعة تشير للواحدة ظهرًا عندما ظهرت تلك المرأة. قصدت البناية من فورها وحضر الرجل بسيارته.
قلت: "المرأة دخلت يا سيدي!"
قال بهمس: "أعلم." منحني نقودًا كثيرة تلك المرة ثم قال: "اسمع، أنا لا أستطيع الظهور هنا كل يوم. عليك أن تلتقيني في مكان آخر."
"قد أخرج هاتفًا صغيرًا." قال: "تعرف تستعمل هذا الهاتف؟"
قلت: "لا."
أشار لي الرجل أن أدنو منه. قال: "انظر، تفعل كذا وكذا. هذا اسمي ثم تضغط على ذلك الزر وأنا سأرد عليك."
قلت: "حاضر."
جعلت الهاتف بين يدي أتأمله. سرحت لدقائق حتى فجأة توقفت تلك المرأة أمامي.
قالت: "أنت؟ ماذا تفعل هنا؟"
قلت: "أجمع القمامة يا سيدتي."
"لا تراقبني يعني؟"
قلت: "الحقيقة لا أعلم!"
ضحكت تلك المرأة. ثم قالت: "افعل ما يطلب منك." ورحلت.
أخذت حمولتي وأفرغتها عند العم فرج. منحني قيمة الأشياء.
كان لدي ٨٠٠ جنيه.
كان أول شيء فعلته أن منحت صاحب البناية أجرة شهر ونصف متأخر واحتفظت بالباقي!
كانت الأمور تسير بطريقة جيدة لكن بالنسبة لنا هناك حية تظهر كل بضعة أيام.
عند استيقاظ والدي طلبني عنده. لقد أوسعني ضربًا دون أن أعرف السبب. طلب مني نقودًا.
لكن والدي كان يرمي لشيء آخر.
"والدتك منحتك تلك النقود؟"
"أين مكانها؟"
أقسمت له أنني لا أعرف مكان والدتي ولم أقابلها منذ رحلت.
لم يصدقني.
قام بكي بالنار. عذبني حتى فقدت وعي.
رواية شاهد قبر الفصل السابع 7 - بقلم اسماعيل موسي
انتهى والدي بوجه متورم وقدم أجرى خلفي، لم يكن مستعدًا لتحمل فكرة رحيل والدتي للأبد. لم تروقه فكرة أنني صادق وأنه فقد انتقامه. كان حطام رجل يجري خلف أمل زائل لن ينبت مجددًا.
لزمت تقى غرفتها كما طلبت منها، قلت لها مهما حدث لا تغادري غرفتك. كان والدي قد جعلها عدوته، حتى بعد أن أفقدها عينها لم يسأل عنها. كان يعدها عاهرة مثل والدتنا. كان يصرخ أثناء نومه: "كل النساء عاهرات". كنت ألمح تقى ترتعش كلما سمعته يصرخ، كان عقابها الذي لا ذنب لها فيه.
تحاملت على نفسي وجمعت بعض القمامة، ليس القدر الكافي لإرضاء تطلعات العم فرج.
رأيتني أضغط على زر الهاتف وأطلب ذلك الرجل. رد علي بعد دقيقة.
قلت: "سيدي، أعلم أن الوقت غير مناسب، لكنني أحتاج بعض النقود."
طلب مني الرجل أن أقابله في الشارع. حدد لي عنوانًا، ووصلت بعد ساعة.
قلت: "أقسم يا سيدي أنني سأرد إليك المال، هذا وعدي على رقبتي."
منحني ورقة بـ 200 جنيه وكرر مطالبه بضرورة مراقبة تلك المرأة ومهاتفنه فور دخولها تلك البناية أو خروجها منها.
قلت: "حاضر."
صعد الرجل عمارته، وكنت لازلت على مقربة منها. أبتلع سندوتش عندما رأيت تلك المرأة تخرج من نفس البناية وتستقل تاكسي.
ركضت نحو البناية التي أحرسها، كنت متعرقًا، ألهث عندما وصلت. ألقيت بمؤخرتي على الرصيف، كنت منهكًا جدًا وقدمي تشتعل نارًا.
انتظرت حتى خرجت من البناية. سارت نحوي بلا تردد.
نهضت من مكاني فور اقترابها.
"أين كنت؟" سألتني؟
لم أتحصل على رد. كذبت.
قلت: "كنت أجمع القمامة."
ابتسمت.
"لكنك لا تمتلك تلك العبوة (bag) التي ترافقك كل يوم."
وهي راحلة.
قالت: "لقد رأيتك."
ظننت أن كل شيء انتهى، أن ذلك الرجل إذا عرف أنها رأتني لن يطلب خدماتي. رغم ذلك هاتفته وقمت بعملي.
قال: "عمل جيد أيها الرجل الصغير."
لأول مرة أفكر، من ذلك الرجل؟ ومن تلك المرأة؟ وهل يعقل أنهم يعيشون في نفس البناية؟ لماذا يراقبها؟
كنت غير قادر على العمل. كمنت تحت باب العمارة حتى رحل والدي، ثم صعدت السلم نحو شقتنا. حكيت لتقى ما حدث معي. كنت أعلم أنها تفكر أفضل مني.
فكرت تقى ثم قالت: "ربما زوجها."
صبيحة اليوم التالي ابتعت طعامًا لأجلي أنا وتقى. كانت الساعة تشير للعاشرة صباحًا. ورن هاتفي.
"أين أنت؟" سألني الرجل بنبرة خائبة.
قلت: "في منزلي."
"لديك منزل؟" وزم شفتيه. "كنت أظنك مشردًا؟"
قلت: "لدينا شقة إيجار."
قال: "قابلني نفس عنوان البارحة، ارتدِ ملابس جيدة."
تركت الطعام ونهضت. ارتديت أفضل ملابس امتلكها، وكانت ممزقة.
وصلت العنوان كما طلب مني.
كان الرجل ينتظرني وهو يفرك يديه.
"تأخرت." قال بنبرة هادئة.
"أقطع الطريق سيرًا على الأقدام يا سيدي."
"اتبعني." أمرني الرجل وهو يصعد درجات السلم.
سرت خلفه بصمت وريبة. بناية فاخرة، سلم يلمع من النظافة ليس مثل سلمنا المتهدم، مصابيح إنارة ومصعد. لم نستقله.
في الطابق الثالث توقفنا. وفتح ذلك الرجل باب شقة كبير مزركش داخله مقبض مذهب.
فتح الباب ورأيتها جالسة في الصالة على الأريكة بلباس منزلي قصير.
كانت هي المرأة التي أراقبها.
رواية شاهد قبر الفصل الثامن 8 - بقلم اسماعيل موسي
تسمّرت في مكاني واعتراني الخجل. شعرت بتقزمي ووددت أن تبتلعني الأرض من الخزي. كانت قدمي متصلبة وطلبت مني تلك المرأة أن أقترب منها.
دفعني الرجل برفق من ظهري. استجاب عقلي وتحركت قدمي. توقفت على بعد خطوات منها. علمني الشارع أن لا أقترب من السادة البرجوازيين لأنهم يتأففون سريعاً وعالمهم غير عالمي.
"اقترب؟" همست بصوت طروب كأغنية أطفال.
اقتربت بحذر. "لا بأس به"، قالت وأشارت لزوجها. "يحتاج للتنظيف".
كان حمامهم واسعاً جداً، بمساحة صالة كبيرة. نزعت ملابسي ونزلت تحت الماء. غسلت الأوساخ الملتصقة بجسدي. جليت جلدي.
شذّبت شعري. استعملت منشفة لتجفيف المياه. وقبل أن أرتدي ملابسي،
قال الرجل: "هناك ملابس جديدة على يمينك، ارتديه".
بحثت على يميني. في خزانة صغيرة كانت الملابس مرتبة. سراويل داخلية، فانلات، تيشرتات. كان هناك طقم خاص بي. ارتديته.
شذّبت شعري وثبّته بكريمات الشعر. تعطّرت. فعلت كل ما طُلب مني وخرجت.
كنت أشعر بجسدي يرتعش كلما سمعت الباب يُصك. كان وجود والدي في المنزل بعد الذي حدث معي يجعلني متوترة وغير قادرة على الحركة. كان وجود ناصر يطمئنني، لكني الآن وحيدة أقاسي أوجاعي بمفردي.
في الفترة الأخيرة، كنت أضع يدي على عيني المفرغة كثيراً. كان جسدي لا يزال لم يتقبل فكرة اختفاء جزء منه. كما أن الرؤية بعين واحدة تشبه مشاهدة نصف شاشة.
كنت أغلق باب الغرفة على نفسي ولا أخرج منه أبداً طالما والدي راقد في الصالة. لم أكن مستعدة لمواجهته بعدما كسرني. كنت أكرهه من صميم قلبي وأتمنى موته. كان قاسياً جداً، أجوف، وكان الإدمان جعله شخصاً سريع الهيجان وغير متزن.
قلبي كان مع ناصر أخي. كنت أعد الدقائق والساعات لحين وصوله. كان هو ملجئي الوحيد بعد رحيل والدتنا. وكان الآن يحكي لي ما يحدث في الشارع. لكن ناصر اليوم رحل فجأة ولم يخبرني عن وجهته.
كان ناصر ترك لي نقوداً مخفية في حال اضطررت النزول للشارع.
منذ فقدت عيني، لم تلمس قدمي أرض الشارع. لم أكن جائعة، لكن وجود والدي في الصالة كان يؤرقني. شعرت برغبة في الهرب منه، أن لا يجمعنا مكان واحد. حاولت أن أخفي عيني بطرحة قدر ما استطعت.
نزلت درجات السلم ببطء شديد جداً. كان أقرب سوبر ماركت يبعد عنا شارعاً واحداً فقط. أخذت الرصيف وسرت عليه. رمقني بعض الأطفال بتطفل. كنت زميلة بعضهم قبل أن يفصلني والدي من المدرسة. لوحت لي فتاة تسير مع والدتها. وسمعت سيدة تبيع خضار تقول: "ابنة توحة"، "ابنة توحة" وتغمز لسيدة أخرى.
في الماركت، ابتعت كيس شيبسي وباكو بسكوت. ولم يمنحني البقال الباقي. قال: "عليكم دين متأخر".
كان جسدي يرتعش في طريق عودتي. شعرت أن العالم كله ينظر نحوي ويتفحصني ويصرخ علي.
وصلت أولى درجات السلم. كانت زميلتي هبة هابطة من شقتها ولم أفلح في تفاديها.
"إزيك يا تقى؟ كيف حالك؟ ظنت أنك رحلت من البناية؟"
"بخير شكراً لك". حاولت أن أمر من جوارها لكنها أمسكت يدي.
"لماذا تخفين وجهك مثل اللصوص يا تقى؟"
قلت: "لا شيء بعد إذنك".
سحبت هبة الطرحة. وقبل أن أخفي عيني، رأت التجويف داخل وجهي.
صرخت: "يا إلهي، أنت بشعة، تشبهين مسخ زومبي".
"ماما، ماما؟ انظري يا تقى!"
"أوف"، علّقت والدة هبة عندما رأت عيني.
"يا لطيف"، قالت امرأة أخرى، بينما صكت جارتنا باب شقتها وهي تلفظ "ابنة توحة" كأنها لعنة.
تسللت على السلم نحو شقتنا وأنا ألعن الفكرة التي جعلتني أنزل الشارع. على فتاة مثلي أن يكون حدود عالمها أربعة جدران ولوحة جدارية قديمة مهترئة.
رواية شاهد قبر الفصل التاسع 9 - بقلم اسماعيل موسي
مرحباً يا سيدي، وانتظر. الأمر متعلق بمزاجه المتعكر، لكنه سيرضيك عندما يرضي نفسه.
شعرت أنني غريب داخل تلك الملابس، ولا أعرفني. كان عمري حينها اثنتي عشرة عاماً وحفنة أشهر، لا أذكرها. لكن بعض المواقف، الذكريات، تحفر في الذهن ولا يمكنك تجاوزها ولا حتى نسيانها.
لقد طلبت مني تلك المرأة أن أنزع ملابسي كلها. عندما استنجدت بذلك الرجل، أشاح بوجهه للناحية الأخرى، مثل الحياة تصفعك عندما تطمئن لها.
قلت: "أنا أشعر بالخجل!"
قالت: "الأمر لك، يعني اختيارك!"
بكل خزى العالم نزعت ملابسي. لم تنظر نحوي، ظلت دقيقة تحدق بهاتفها، كانت ترد على رسالة. بعدها، دون أن تنظر إلي، أمرتني أن أرتدي ملابسي مرة أخرى. وبلا أدنى مبالاة، نظرت نحو الرجل وقالت: "أحسنت، يمكنه البقاء هنا." ودلفت لغرفتها كعروسة بحر ابتلعها المحيط.
اقترب مني الرجل، احتضنني بلطف. أمسك بكلا خدي، قال: "ألم أخبرك؟ زوجتي طيبة، لكن مزاجها سيء جداً."
الحقيقة أنني لا أتذكر أنه أخبرني أنها زوجته، لكن سعادتي كانت بالغة بانتهاء تلك العملية الإذلالية المتعفنة.
ذهب للمطبخ، دفعني الرجل من ظهري ككلب. تناول طعامك، كل حتى تشبع. كان المطبخ يعج بأصناف عديدة، أكلت منها ما أعرفه حتى امتلأت معدتي.
"ستقيم هنا معنا"، أخبرني الرجل بسعادة. شعرت بصخرة تحطمت فوق رأسي. قلت: "لدي أخت لا يمكنني تركها. إنها مريضة و..." أردت أن أقول فقدت عينها، لكنني صمت.
"هذه مشكلة كبيرة يا فتى. زوجتي عندما ترغب بشيء تفعله. والآن لدينا هذه الأخت، ما اسمها؟"
قلت: "تقى."
قال: "هذه التقى، ماذا سنفعل بشأنها؟"
"انتظر هنا." توجه ناحية غرفة زوجته، توقف لحظة أمام الباب وهو يضع إصبعه فوق ذقنه قبل أن يطرق الباب. دقيقة واحدة وخرج من الغرفة، وطلب مني أن أدخل أنا.
قلت: "ماذا حدث؟"
قال بارتباك: "ترغب في رؤيتك." كأن الأمر لا يعنيه.
طرقت باب الغرفة المفتوح من قبل. قالت: "ادخل، ناصر."
كانت أول مرة تنطق اسمي، ولم أعرف أنه بمثل تلك الحلاوة.
كانت غرفة شاسعة مبهرة بها كل أنواع الأثاث المنتقاة بعناية. مزهريات ملونة، أباريق، مكتبة رصت داخلها الكتب، لوحات جدارية، بيانو، جهاز موسيقى، سرير بعرض أربعة أمتار.
أمرتني أن أجلس. لاحظت توتري، فابتسمت. جلست على طرف السرير الذي استلقت فوقه نصف عارية، كبعوضة استوائية.
"أختك ما اسمها؟"
قلت: "تقى سيدتي."
"تقول مريضة؟"
قلت: "تعرضت لإصابة وفقدت عينها."
تصعّبت في أسى: "يا إلهي الرحيم، كيف حدث ذلك؟"
قلت: "والدي كان يضربنا، كان في نوبة سكر وفقد رشده."
"الآباء؟"
"والأمهات أيضاً، هم سبب تعاستنا."
"كم عمرها؟"
قلت: "14 عاماً."
برقت عينيها بلون لامع. كتبت ملاحظة في ورقة بجوارها. قالت: "عليّ أن أعاينها أولاً، هل يناسبك ذلك؟"
رواية شاهد قبر الفصل العاشر 10 - بقلم اسماعيل موسي
لقد عصفت بي العديد من الأزمات التي ظننت أنها ستعصف بي ولن أستطيع النهوض بعدها أبداً.
لكني شخص لا أحب البقاء في القاع لفترة طويلة.
أحياناً أحتاج لبعض الوقت للتكيف مع آلامي في صمت ومحاولة الهرب منها.
فكلما استمعت للناس أكثر غرزوا مخالبهم في حياتك أكثر.
الانتظار صعب، لكن هناك أشخاص يستحقون أن ننتظرهم، صدقني.
فالحياة نادراً ما تجود بشخص يتوافق معنا كلياً، يفهمنا ولا يسألنا عن أسباب وينبش في ذكرياتنا التي نحاول نسيانها تحديداً.
كونك جميل، رائع، لا يتعلق بك.
ومن يؤمن بك لا يستحق نظرة اللوم والعتاب وعدم التصديق التي تطل من وجهك.
نحي تلك النظرة الاتهامية جانباً، جرب...
كان الأمر مبهم بالنسبة لي.
في طريقي فكرت ألف مرة أن تقى لا تستحق أن تقف مثل وقفتي ولا أن يتأملها شخص آخر عارية غير محتشمة.
ما أقبله على نفسي ليس بالضرورة أن أقبله على أشخاص آخرين.
كان ذلك يعني أنني سأفقد وظيفتي الجديدة، اليد التي تمنحني النقود.
لا يزال ذلك الشعور يرافقني دوماً منذ أيام صغري.
أن اليد التي تمنح تكون ملوثة، فلا أحد يمنح الهدايا بالمجان حتى الأهل والعائلة.
هناك مطالب مستترة خلف كل هبة.
كانت تقى مستلقية على سريرها تبكي حينما عدت.
ولأن نفس تقى عزيزة احتجت أكثر من ساعة من الاستجداء حتى قررت فتح فمها.
لقد ابتلعت حزنها، هزيمتها، انكسارها كأنها تخصني شخصياً.
قلت لها: "حسناً، علينا زيارة الطبيب مرة أخرى."
"الطبيب؟" قالت تقى، "ذلك الذي قال لقد فقدتي عينك ولا يمكنني إرجاعها؟"
قلت: "لدي خطة أخرى، بدلي ملابسك ربما تنجحين."
ولأن تقى تعلم أنني كاذب كبير كانت متشككة من كلامي، لكني نجحت في إقناعها هذه المرة أيضاً.
"بغض النظر عن أي شيء، الفتيات طيبات وليس مثلنا."
قطعنا كشف وانتظرنا في الرواق حتى حان دورنا.
نعاين المرضى الآخرين، ذلك العالم المليء بالقرح والآثام.
فأنت لا تشعر أنك أفضل من غيرك إلا في باحات المستشفيات والعيادات.
"تفضلوا،" خاطبنا قاطع التذاكر النحيل.
كان الطبيب جالساً فوق مقعده عندما دخلنا، ولابد أنه ابتسم.
"تمددي على الطاولة،" خاطب تقى.
قلت: "لقد حضرنا من أجل شيء آخر، كما تعلم، لقد فقدت أختي عينها ولن تعود مرة أخرى؟"
بدا الفضول يجوب ملامح الطبيب الشاحبة.
قلت: "تعلم، أنت تدرك، تدرى تلك التي يضعها الذين فقدوا عيونهم على وجوههم وتخفي العين؟"
رفع الطبيب حاجبيه.
قلت: "يا دكتور، تلك القماشة السوداء التي تغطي العين."
"مثل جاك سبارو؟"
"أجل، أو أي شخص لا أعرف، المهم أن نخفي ذلك التجويف في وجه أختي."
فكر الطبيب دقيقة، "لكننا سنحتاج للمال، اسمع لدي فكرة أفضل!"
"؟"
"هناك تقنية العين البديلة."
"عين بديلة؟"
"أجل، عين قريبة من العين الطبيعية توضع مكان المفقودة ولا يعرفها أي شخص إلا بصعوبة."
أخرج مجموعة من الصور كانت متقنة ولم نعرف الفرق.
"هكذا ستبدو أختك بعد اقتنائها تلك العين."
قلت: "موافق."
كانت تكلفة العين كبيرة وكنت أحتاج لسلفة.
قلت: "سأحضر لك المال قبل أن توفر العين."
كنت سعيداً أنني سأستطيع أن أمنح تقى بعض السعادة، لو كنت رجلاً حقيقياً لأوسعت كل من سخر منها ضرباً.
لكنني لا أستطيع فعل ذلك وأبي غير مهتم.
جزء بسيط من المبلغ، منحت الطبيب كل ما أملك في جيب بنطالي.
نهض الطبيب من على مقعده، كان له وجه المليجي في الأفلام القديمة.
للحظة ظننت أنه سيلطمني على خدي.
"لماذا يتمسك إنسان مثلك بالحياة؟"
"لأنك لا تمتلك حل آخر، إنها غريزة البقاء."
"لقد رأيتك من قبل؟"
قلت: "أنا؟"
قال: "أجل!!"
لم تسرقني ضحكة تقى التي صدحت في غرفة الكشف كنغمة هاربة من لعبة العروش.
"بحقك يا دكتور، كنا عندك منذ أسبوعين تقريباً."
أطلق الطبيب العنان لضحكة خبيثة قبل أن يقول: "أن تفهم ما أعني."
"أخطر البشر عادة الذين يعيشون في الظلام."
وضع الطبيب يده فوق رأسه، "أنت، رأيتك عند البناية التي أقطن فيها أكثر من مرة."
"كنت جالساً على الرصيف ترافقك شكارة جلدية."
قلت: "أنت أيضاً تقطن تلك البناية؟"
"أجل، أنا أقطن هناك، أرأيت الأمر ليس غريب كما يبدو."
"إن العمل، أيه الطبيب، تعلم أن شخص مثلي من أجل جمع كلفة كشف يحتاج للنقود."
جلس الطبيب على مقعده مرة أخرى، "انظر أنت يا وجه السلحفاة الخبيث، سأبرم معك اتفاقية."
تأففت تقى من الكلمة مع أنها كانت معتادة أن تغمرني بكل الصفات الوسخة، كانت تدافع عن حقها الطبيعي كأخت يحق لها فقط أن تبهدل أخاها.
قلت: "حسناً، تفضل."
"ستخبرني عن السبب الحقيقي لحراستك للبناية ومراقبتك لها كمخبر سري، بالمقابل سأتحمل نصف تكلفة العين البديلة."
قلت: "شكراً لك يا دكتور، سأدفع لك كلفة العين."
صمت الطبيب للحظة.
ابتسم، "فعلاً أن تبدو لعين حقيقي."
"سأمنحك العين ولن تدفع ولا قرش."
"لماذا قد أفعل ذلك يا دكتور؟"
"لأنك ليس الشخص الوحيد الذي يرغب في معرفة لماذا تحضر تلك الفتاة الحسناء للبقاء في شقة فارغة مدة ساعة أو ساعتين كل يوم قبل أن ترحل."
"للأسف،" قلت، "لا أعرف السبب، أنا غير مهتم بنبش مقابر الآخرين."
صافحني الطبيب، "العرض قائم، فكر، ربما يحتاج كل منا الآخر."
صبت تقى فوق رأسي العديد من الأسئلة عن علاقتي بامرأة غامضة ولماذا يحاول الجميع اكتشاف سرها.
قلت: "لا أعرف، صدقاً لا أعرف."
"ثم تلك المرأة الغامضة ترغب بمقابلتك."
"طلبت منى ذلك؟"
"جميلة؟ سالتني؟"
قلت: "مذهلة، غير عادية، تتساقط النجوم من وجنتيها ولها رائحة الورد."
"شعرها يرفرف كشراع قارب ولديها ابتسامة تشبه القمر."
"تشبهني يعني؟"
لم يكن من بد، ضحكت، "تقى تشبه أخي الذي لم تنجبه أمي."
"ثرثارة، لو توقفت النساء عن الثرثرة سيموت نصفهم كمداً، النصف الآخر سيصاب بالجنون."
عدنا للمنزل وقت العصر، أسوأ وقت على الإطلاق موعد استيقاظ والدي.
أوقفنا على عتبة الباب وطرح علينا أسئلة لعينة ثم طلب المال.
لم يكن بجيبى ولا جنيه.
وتعرضت لضرب مذل كان أن يكسر أحد أضلاعي، لم يتوقف والدي عن ضربي إلا عندما وعدته أنني سأحضر المال من أجله.
استقبلني ذلك الرجل على باب الشقة، كان سعيداً وهو ينطق اسمي.
"ناصر، قال زوجتي تنتظرك."
"تصدق؟ لم تخرج اليوم من المنزل."
"كانت مستلقية كما تركتها على السرير تقرأ رواية مكتب البريد لبوكوفيسكي وعلى وجهها نصف ابتسامة، نصف إطلالة لأفروديت."
"عليك أن تذهب للحلاق، وجهك سيبدو أكثر لمعاناً مع قصة سايكو بات."
"لكن الآن ذكرني، ماذا فعلت بخصوص أمري؟"
قلت: "تقصدين أختي؟"
صمتت لم ترد.
قلت: "سيدتي."
نهضت، كانت حافية وسارت ناحية البيانو، أمرتني أن أطوي ستائر الشرفة، أشعلت سيجارة، ووضعت يدها على البيانو.
كل ظفر كان بلون طلاء مختلف عن الآخر.
"دوري مي،" أغمضت عينيها، استجمعت تلك العواطف الجامحة.
حركت أناملها، صدحت الموسيقى، معزوفة قديمة لموزارت.
عشرة دقائق من الغفلة، عندما انتهت كانت عيناها دامعة وأمرتني بالخروج.
اعتذر عن التأخير كان لدي ظروف قهرية.