تحميل رواية «شاهد قبر» PDF
بقلم اسماعيل موسي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
عندما سمعنا نقرات عنيفة على باب الشقة، كنت أنا وأختي تقى نلعب داخل غرفتنا. ما إن انفتح باب الشقة حتى سمعنا صياح صاحب العمارة. كان يصرخ ويهدد والدتي بطردنا من العمارة إذا لم نسدد الإيجار المتأخر، وأنه سيلقي بنا في الشارع. قالت والدتي لصاحب البناية: "عندما يصل زوجي، رجل البيت، يمكنك أن تتحدث إليه." كانت المرة الأولى التي أسمع فيها تلك الكلمة. "عن أي رجل تتحدثين؟ زوجك ليس رجل." فتح باب غرفتنا، ورمقنا الرجل الغاضب الذي يشوح لوالدتي ويسب والدنا. عندما عاد والدي متهالكاً من عمله في المعمار، أخبرته وال...
رواية شاهد قبر الفصل الحادي عشر 11 - بقلم اسماعيل موسي
لاحقًا بعد عدة سنوات.
تعرف ترقص؟
رقص عادي، سلو، تانجو، رقصة وينزداي؟
لما طال صمتي، أردفت: شكلك متعرفش؟
أطلقت نحوي نظرة استقرت داخلي، وشعرت بعدها أنني فقدت قلبي.
ليه مش بتعرف ترقص؟
مجتش فرصة، مش من السهل تلاقي شخص يعلمك الرقص.
ثم إيه رقصة وينزداي دي؟
ضحكت. معقولة متفرجتش على جينا أورتيجا؟
لقد بكيت من أعماق قلبي الأسود.
قالت بعد ما ضخمت صوتها: متقلقش، أنا هعلمك!
انت ليه واثقة كده؟ مين قالك إني عايز أتعلم الرقص؟
ضحكت. ضحك كل وجهها. لأني أدرك إنك تود الرقص معي.
أشاحت بوجهها للناحية الأخرى حيث تقف المرأة.
انت جاي معاها؟
أنا، أيوه.
هي حلوة وأنيقة، بس كبيرة عليك.
إنت بتقول إيه؟ دي مش صحبتي، أنا شغال عندها.
ياه، بجد؟ أصلها غريبة. شاب زيك وسيم يخدم واحدة قريبة من عمره وحلوة كمان، زي المسلسلات الكورية كده.
كان زوجها جالسًا في الصالة، يرتدي شورت أزرق وتيشيرت أبيض ضيق.
كان يخنق كرشه.
ماذا قالت لك؟
كنت خرجت للتو من غرفتها، ولم أفهم حرصه على معرفة كل كلمة تنطق بها.
قلت، سألتني عن أختي تقى.
قال: آه، لقد وضعتها في رأسها. ثم شرد لبعيد وهو ينظر تجاه الغرفة.
نهض وتحرك.
كنت جالسًا على الأريكة. لا أعلم ما علي فعله.
كل ما أرغب به سعادتها. أبذل كل جهدي لأدْخال الفرحة على قلبها.
لكنها لا تساعدني. منذ يومين لم تخرج من غرفتها. أشعر بالسوء وكلي حذر مما سيحدث لاحقًا.
آه. وأطلق تنهيدة ألم. ثم نظر نحوي.
هل يمكنك مساعدتي؟
قلت: إن مجرد طفل يا سيدي. أنا حتى لا أعلم لماذا أنا هنا، كيف أساعدك؟
أنت هنا لأنها أمرت بذلك. كلنا هنا لأنها ترغب بذلك.
ماذا سيكون عملي هنا؟
قال: لا أعرف، أنا أنتظر مثلك. اسمع، قد يبدو لك الوضع جنوني. أنت تعتقد إني شخصان معقدان، بلا عقل.
لكن لا تصدق كل ما تراه عيناك.
ناصر!
سمعت اسمي من داخل الغرفة. قال الرجل: ادخل بسرعة.
دلفت داخل الغرفة التي فتح بابها.
ما رأيك؟
كانت ترتدي فستانًا قصيرًا أحمر، منتعلة حذاء بياقة عنق طويلة وشعرها مسدل خلف ظهرها.
قلت: جميل سيدتي.
قالت: ناصر، قل الحقيقة، لا تخف.
الحقيقة. قلت، الفستان جميل، لكنه قصير وغير محتشم.
ضحكت. قل ذلك مرة أخرى، سأعاقبك.
قلت: الفستان جميل لكنه قصير وغير محتشم.
أنت معاقب يا ناصر. كنت أظنها تمزح حتى قالت: انزع ملابسك.
عندما انفتح الباب، ظننت أن ناصر عاد من عمله. كان الساعة قريبة من منتصف الليل. خرجت بسرعة لأعاتبه ونسيت أنني بلباس النوم.
لأصطدم بوجه أبي المترنح على الباب.
انصدمت. وقبل أن أتحرك نحو غرفتي، كان والدي ينظر نحوي نظرات غريبة.
كيف حالك؟ سألني.
كانت أول مرة يوجه لي الكلام بعد تلك الحادثة.
قلت: بخير. واتجهت نحو غرفتي.
انتظري. صرخ والدي. ظل يحدق بي. لقد كبرتي تقى.
اصنعي لي كوب شاي. شعرت بالخجل ينخرني. تسللت نحو الغرفة وبدلت ملابسي.
بعد أن وضعت الشاي أمامه، قال: تعالي هنا.
اقتربت.
امنحني والدك عناقًا.
ارتعش جسدي، ورجعت خطوات للوراء.
قال: ما بك؟ غريب أن يطلب أب من ابنته عناقًا.
قلت بتلعثم: لا.
اقتربي إذا. تركته يحتضنني. لما طال عناقه، نفضت يديه ودخلت غرفتي.
لا أعرف لماذا بكيت. إنه والدي، لكنني لا أشعر نحوه بأي عاطفة.
بعد دقائق، طرق باب غرفتي ودخل. سألني: أين ناصر؟
قلت: في العمل.
ممم. سأجلس معك لبعض الوقت. منذ مدة طويلة لم نجلس معًا. وأغلق باب الغرفة.
رواية شاهد قبر الفصل الثاني عشر 12 - بقلم اسماعيل موسي
إفتح عينيك، الحقيقه أمامك، لكنك لا ترغب، ترفض من أجل الأحتياج، انت لا تريد لشيء ان يتغير !!
تمدد والدى على السرير وكانت تفوح منه رائحة السكر، كانت عينيه حمراء متورمه وكان جسدى يرقص من الخوف، لا يمكننى ابدآ إدراك أفعال والدى، منذ هجرته والدتنا وجزء من عقله يرفض الحياه.
"انت مثل والدتك" نطق أخيرآ، "تشبهينها، تلك اللعينه المتعفنه، العاهرة القذره". كان حتى ذلك الوقت لازال يفتش عنها، كان يذكرنا بذلك كل مده ويقسم انها لن تفر من عقابه.
ثم حدق بوجهى، "انت قبيحه جدا ولا اعتقد ان هناك شخص سيتقبلك في حياتها".
قرب منى والدى بعد أن نهض، شممت رائحة فمه، وضع أصبعه على عينى المفقؤة، ثبته ثم لفه.
"كان على ان افعل ذلك بها ان لا اتركها ترحل دون عقاب".
دفعنى للوراء، الصقنى بالجدار، "وانت نسخه منها، الافعى لا تنجب".
"حمل!"
"انت تؤلمنى!" صرخت، "أتركنى ارجوك".
"بابا انت لست فى وعيك، انا ابنتك تقى".
"هذه هى المشكله، انك ابنتى، كيف لى ان اعلم ذلك بعد الذي فعلته والدتك؟"
"مع ادرانى انك ابنتى؟كيف لكل ذلك أن يكون حقيقيآ؟"
"أتركنى، انت تخنقنى!"
"اصمتى!" لطمنى والدى على خدى، "قلت اصمتى، لن اتركك تهربين مثل والدتى".
"لن اجعل العار يطالنى مرتين!"
حاولت دفعه بيدى، كان السعال يقتلنى، احكم قبضته على، "موتى يا عاهره".
"أتركنى!"
برقت عينى والدى، التمع الشر داخلها، القانى على السرير، شل حركتى.
"سأقتلك يا مديحه، سأقتلك".
"انا تقى"، صرخت بصعوبه، "أتركنى، سأموت".
كنت أحاول ان افهم، هذا كل ما اردته، كلما امرتنى ان انزع ملابسي تنظر للجهه الأخرى، إنها حتى لا ترانى، شعرت بأستياء داخل اعماقى.
لكنى تحملت، كان لدى ما اطلبه منها.
قلت، "انتهيت سيدتى".
نظرت تجاهى مره اخره وضحكت.
سألتها بنبره دافئه، "ما المضحك فى الأمر؟"
قالت، "انا انتظر! اسأل نفسى إلى متى ستصمد؟ مقدار تحملك سأصل إليك".
نظرت تجاه الشرفه، "كل شخص فى هذه الحياه يرحل".
"يأتى يوم ولا تجده جوارك، لا أحد صادق".
"الذين يقسمون على البقاء يكونون اول الراحلين دائمآ، عليك ان تعى ذلك، لا أحد يظل إلى جوارنا، الحياه مزيفه".
"على المرء ان يخلق عزلته الخاصه قبل أن يجبر عليها".
"وانت سترحل يوم ما، لن تكون موجود هنا، لكن" وضحكت فى وجهى، "أفعلها بشهامه كن رجل".
قلت، "اختى سيده أروى".
"ما بها؟" سألتنى.
"تحتاج عين بديله انها غير قادره على النزول للشارع".
"افتح الحقيبه الى جوارك" امرتنى.
فتحت الحقيبه كان بها رزمه من النقود، قلت، "ماذا أفعل؟"
"خذ ما يكفيك".
وضعت فى جيبى أربعة آلاف جنيه ووقفت فى مكانى.
"ماذا تنتظر؟ اذهب إليها، عد لاحقآ واختك معك".
خرجت من باب الشقه.
عندما وصلت باب الشارع ركضت، كان الشارع خالى الساعه الواحده صباحآ تقريبآ.
عندما وصلت كانت الشقه مكركبه، مقعد محطم وزجاج، غرفة تقى مفتوحه.
ركضت نحو الغرفه، كان والدى ممدد على السرير، فاقد للوعى رأسه تنز دم ولم أجد تقى.
لطمت خد والدى، سكبت عليه ماء، استعاد وعيها.
"وين تقى؟" سألته؟
"لأنها مثل والدتها قذره".
نزلت درجات السلم وانا اركض، اخذت الشارع طول بعرض وانا انادى بأسمها، "تقى، تقى!"
لم أجدها فى كل مكان فتشت خلاله، لم أتقبل فكرت رحيل تقى للأبد.
سألت أصحاب الدكاكين، الباعه ان كان أحد رأها.
لم يلحظها احد.
جلست على جانب الطريق أبكى بصوت مسموع نحيب ازعج قطط الشارع وكلابه.
"تقى ماذا فعلت بى؟"
"إلى اين ذهبت؟"
"كيف ستعيشين بمفردك أختى؟"
رواية شاهد قبر الفصل الثالث عشر 13 - بقلم اسماعيل موسي
بعد أن فرغت حيلى تمددت على الرصيف.
نمت حتى انزاح الليل وصدح صوت الباعة في الصباح الباكر منادين على بضاعتهم، مع أن الشوارع كانت لا تزال خالية.
انهضت جسدي واتكأت على جدار منزل قديم.
بسطت نظري للأمام عبر الأزقة متخيلًا في أي لحظة أن تظهر تقى.
هكذا نحلم نحن الأطفال ونقتنع أن آمالنا من الممكن أن تتحقق بكل بساطة.
لم تظهر تقى، حتى بعد أن أشرقت شمس أول يوم دونها.
كانت الساعة تشير العاشرة صباحًا.
أمواج البشر متلاطمة في الشارع، موظفين، طلبة، عائلات، أطفال بمثل عمري، الكل لديه شيء يفعله.
تبدد أملي في عودة تقى.
كنت أعرف أنها عندما تتخذ قرار وتركب رأسها لا تتراجع أبدًا.
شعرت أن صدري شق نصفين ولم أقو على الذهاب للشقة، رؤية الأماكن دونها ستقتلني أكثر.
مررت على العمارة، منحت صاحب البيت إيجار شهرين وشهر مقدم.
طلبت منه إذا رأى تقى تصعد الشقة أن يهاتفني.
واضطررت لأن أسمع وقاحته.
رحلت مثل والدتها.
كنت أتوقع عودتها لذلك دفعت للإيجار، لكنني قررت عدم رؤية والدي مرة أخرى.
كنت أعرف أنه السبب في رحيل تقى ولم أتمكن من الصفح والغفران.
كانت الأيام الأولى قاسية جدًا، كل ليلة كانت بطول شهر.
حاولت السيدة أروى وزوجها مساعدتي.
اتصلوا بالمستشفيات، أقسام الشرطة، قدموا بلاغ، لكن تقى اختفت ولم تظهر أبدًا.
تركت تيار الحياة يقودني نحو مصيري، لم أكن مهتمًا لما سيحدث لي.
محوت إرادتي، كنت مثل قش الشارع تدفعه الرياح بلا وجهة.
تلك الفترة التي كنت فاقدًا فيها للهوية أعادت السيدة أروى تشكيلي.
تعلمت كل ما أرادتني تعلمه، المخاطبة، التصرف، اللغة، النشاط الرياضي.
كنت تحت تصرفها وكانت تعرف ما ترغب به بالضبط.
جعلتني نسخة من شخص محفور في ذهنها، شخص تعرف هي فقط ماهيته.
تعلمت العزف على البيانو، الرقص، التحدث بالإنجليزية والفرنسية، قراءة الأدب، درست بعض العلوم المتفرقة.
لا أنكر أن الوضع كان صعبًا في البداية.
بمرور الوقت بت أحب تلك الأشياء التي تغذي ذهني المشتت.
عندما نتحدث عن كتاب، رواية، نبتة، كاتب، الموضة، العطور، الطبخ، الأرضيات والأثاث الأوروبي.
كل ذلك مع الذهاب للجيم كل يوم تقريبًا رفقتها لأنها كانت حريصة على الاعتناء بقوامها.
كنا نتدرب في نفس الصالة الفخمة حتى يتعرق كلانا.
نركض بعدها نصف ساعة.
كما أنها مع حرصها على تهذيبي لم تنسَ أناقتي.
أستطيع أن أقول إنها كانت مهتمة بكل تفصيلة في حياتي.
كان زوجها خلال تلك الأعوام مسرورًا من انشغالها معي.
لم يبدِ تذمره ولا مرة.
كان يشجعني ويدفعني على مرافقتها والاعتناء بها.
لم أعرف الأسباب التي دفعت كليهما للأعتناء بي، لم يكن مهمًا أصلًا.
والإنسان ابن العادة، سرعان مع أتقنت طريقتهم.
مع مرور الأعوام عندما كنت في عمر الثامنة عشر استخرجت رخصة قيادة.
من بعدها كنت أقود سيارة السيدة أروى في كل مكان.
وراحت تدريجيًا تعرضني لبعض صديقاتها، متفاخرة بما أحدثته من تغير.
كنت أرافقها في حفلات السهر التي تدعى إليها عندما لا يكون زوجها حاضرًا.
كنت الحارس الشخصي، الحارس الأمين الذي يعرف أسرارها، خباياها.
في على قدر ما كانت السيدة أروى غريبة أطوار كانت لها علاقات مزعجة.
واحدة منها علاقتها بدكتور العيون الذي كان يعالج تقى وعرض دفع كلفة عينها البديلة.
عرفت ذلك لاحقًا بعد أن تبدل مظهري ولم يعرفني الدكتور نفسه.
لكنها كانت سريعة الملل ولا تظل في علاقة أكثر من شهرين أو ثلاثة.
كما أنها بعد أن أعادت تشكيلي استغنت عن الكثير منهم.
لا أقول إن علاقاتها كانت شريرة أو غير محتشمة، لكنك لا تعرف أبدًا ما تفكر فيه أروى.
وكانت ترسلني أحيانًا لإخراج إحداهن من ورطة وقعت بها من أجل كلمة شكر تحظى بها في جلسة نسائيها.
وحتى من أجل مرافقة إحدى صديقاتها إلى مكان معين.
لم أخزلها ولا مرة.
إلا أنني لم أختلط مع ولا واحدة منهم.
حتى عندما كانوا يجتمعون كعصابة كنت أجلس بعيدًا عنهم.
فأنا لا أهوى ثرثرة النساء التي لا طائل من ورائها غير الصداع.
كانت أروى جميلة جدًا وأنيقة.
إلا أنها لسبب ما فاقدة للثقة بعض الشيء.
وكانت أحايين كثيرة تطلب رأيي في ملبسها أو عطرها، قصة شعرها ولون حذائها.
كنت ضليعًا بتلك الأشياء وكانت اختياراتي موفقة دومًا.
النساء بعد سن الثلاثين يتغيرن جدًا وتتبدل اهتماماتهم إلى درجة مفزعة.
كانت هذه حياتي في الفترة الأولى.
وكانت أروى حريصة على قطع أي علاقة لي مع أي أنثى قبل بدايتها.
وكان زوجها الذي لا ينجب حريصًا على سعادتها مقدرًا تمامًا قرارها الاستمرار معه رغم حلم الأمومة.
أستطيع أن أقول كان بينهما تواطؤ غريب من نوعه.
تعرف ترقص؟
لما طال صمتي قالت، شكلك ما تعرفش.
كانت هذه الحفلة أواخر ديسمبر عام 2004 وكنت وقتها واقف جوار باب صالة الرقص أدخن لفافة تبغ.
تابعت أروى مع رفيقاته.
ليه متعرفش ترقص؟
عادي مفيش سبب يخليني أحب الرقص.
أنا هعلمك متقلقش.
أنت معاها؟
بس دي كبيرة عليك، قالت وهي تشير تجاه أروى.
قلت أنا أخدمها، حارسها الشخصي.
ابتسمت، غريبة عمرها قريب من عمري.
لم أكن مهتمًا حتى لكزتني في يدي وقالت اتفرج عليه.
دَلفت لحلقة الرقص وراحت تهز عودها وأطرافها تتمايل.
اقتربت مني أروى، سألتني كانت عايزة إيه منك؟
عادي، كانت بتسألني تعرف ترقص ولا لأ.
وأنت قلت إيه؟
قلت معرفش أرقص.
عايز ترقص معاها؟
إذا كانت رغبتك سأفعلها.
حدقت أروى بالفتاة التي ترقص بفرح وشدتني للخارج.
سنغادر الآن.
رواية شاهد قبر الفصل الرابع عشر 14 - بقلم اسماعيل موسي
رواية شاهد قبر الفصل الخامس عشر 15 - بقلم اسماعيل موسي
اقتربت من البناية. استوقفني حارس سيكوباتي نحيل يدخن سيجارة مخدرة.
"أين تظن نفسك ذاهب؟"
قلت: "سأدخل البناية."
"ارحل من هنا، هذه بناية خاصة، هل تفهم؟" ومص فمه بطريقة مقززة.
قلت: "من الممكن أن أدفع مثلهم!؟"
"امشِ،" حذرني الحارس، "بعد دقيقة لن تجد نفسك واقفًا على قدميك."
لم تعجبني طريقته. إذا ظللت في مكاني وطلبت منه أن يتنحى عن طريقي، بسرعة أخرج سكينًا ولوح بها في وجهي.
"ارحل قبل أن أقتلك."
نظرت داخل البناية، لمحت السلم. ودون أن أنتبه، طعنني بالسكين. مزقت سترتي.
"الطعنة القادمة ستكون في القلب."
"هذا بيت دعارة؟"
"أنت لا تفهم شيئًا، لا توقع نفسك في المشاكل، ارحل من هنا."
نزعت سترتي، عصبت بها يدي، واقتربت منه، تلاشيت ضربته الأولى.
قبل أن أكبله، كانت يده خلف ظهره، يصرخ من الألم. دفعته أمامي نحو سلم البناية. صعدنا طابقًا كان به شقتان، مفتوحتان الباب ولا أحد بداخلهما.
صعدنا الطابق الثاني، وللغرابة كان هناك سلم يهبط لأسفل من الناحية الأخرى. كنت على وشك تركه والرحيل عندما سمعت صوت أنين قادم من الظلام.
نزلنا درجات السلم لما يشبه قبوًا أو جراشًا تحت بنيان العمارة. كان هناك سلم متصل يخرجك للناحية الأخرى. تحته بأربعة أمتار صالة واسعة مليئة بالأسرة تفوح منها رائحة الدماء.
لم أتمالك نفسي من الصدمة. حولي سبعة أطفال ورجل وامرأتان مكبلون في الأسرة. بعضهم فاقد للوعي ملطخ بالدماء، والبعض الآخر حي يتنفس لكن في حالة من التيه. بدأ أنهم حقنوا بمخدر أو دواء ذهني لا أعرف بالضبط.
"يا أولاد الكلب!" صرخت وأنا أدهس قدم الحارس والكمه في معدته.
تكوم الحارس على نفسه على الأرض غير قادر على الحركة.
حللت قيود بعضهم لكنهم كانوا غير قادرين على الحركة. البعض الآخر كانت هناك جروح عميقة في أجسادهم. كان مشهدًا مأساويًا كاد أن يفقدني عقلي. آخر الرواق توجد غرفة مغلقة. اتجهت نحوها وفتحتها بقوة.
كان هناك طفل ممدد على سرير متعفن، معدته مفتوحة واثنين من الأشخاص يرتدون لباسًا أبيض يخرجون أحشاءه. كانت نظرة الطفل تائهة، مزيج بين الألم والضياع. نظرة تكاد تجعلك تصرخ من القسوة.
"بتحملوا إيه يا أولاد الكلب؟"
أزحت المشارط الطبية والحقن على الأرض. هربت الفتاة التي كانت تساعدهم وأوسعت الشخصين الآخرين ضربًا. اتجهت نحو الطفل الذي يكاد يموت وفككت قيوده. حملته في حضني والتفت لأخرج به من الغرفة.
كان هذا ترتيبي كما فكرت. لأن الشخص المجاور لي كان رقمه عشرة. وكان هناك خمسة أسرة فارغة.
حاولت التملص من قيودي وأنا أتملل وأصرخ. ثم سمعت صوتًا من ورائي.
"أنت فقت؟"
وتلقيت حقنة أخرى في عنقي. كانت حقنة غير عادية لأن الصور راحت تتلاطم أمامي. الرؤية تغبشت وقواي انهارت بسرعة البرق. كنت مبصرًا غير واعي أو قادر على الحركة. أرى أعضاء تخرج من تلك الغرفة مغلفة محفوظة في الثلج مكتوب عليها اسم العضو. كنت غير قادر على الالتفاف لكنني أسمع بعض الكلمات المتفرقة.
"دا لازم يموت. هناخد كل أعضائه."
رواية شاهد قبر الفصل السادس عشر 16 - بقلم اسماعيل موسي
كان الوضع ضبابيآ وكنت مغيب.
لا أعرف كم مر من الوقت عندما فتحت عيني واستعدت قدرتي على التركيز.
لابد أني أخذت وقت طويل فاقد للوعي حتى أن الأرقام وصلت تسعة.
كان الدور على السرير رقم عشرة وكان الوقت فجر تقريبًا.
حاولت أن لا أبدو مستيقظ حتى لا يحقنوني بنوم مرة أخرى.
لاحظت أن هناك غرفة أخرى لم أرها عندما دخلت يخرج منها سرير فوقه أحد الأشخاص وكانت الملاءة ملطخة بالدم.
حلوا قيوده ووضعوه في جوال أسود يشبه أكياس الزبالة وحمله شخصين لخارج القبو.
شعرت بالخوف بعدم قدرتي على فك قيودي أو التملص منها.
ما زاد رعبى أكثر أن السرير رقم عشرة أصبح فارغًا.
تمنيت أن تكون الشمس على وشك الإشراق حينها ربما يتركوني للغد.
حتّى أدعو في سري وأتمتم بأدعية.
حتى خرج سرير آخر من الغرفة وأدركت أن الدور عليّ.
كنت آخر واحد في القبو، لذلك كما لاحظت، أخليت إحدى الغرفتين.
رحل طبيبان وممرضة وتبقت غرفة واحدة من أجلي.
شاهدت رجلين ضخمين يقتربان مني ويدفعان السرير للداخل.
خاطب أحدهم الطبيب:
خلص بسرعة مفيش وقت.
رفع الطبيب يده الملطخة بالدماء وقال:
إن أبذل كل ما في وسعي.
الكبير مش هيكون مبسوط لو اتلفت أحد الأعضاء.
مستعد تتحمل المسؤولية؟
قال الرجل الضخم:
طيب، حاول تخلص بسرعة.
سوف ننتظر بالخارج حتى تنتهي.
كنت داخل الغرفة العفنة ورأيت الأحشاء مبعثرة على الأرض.
دماء تلطخ كل مكان.
أعادوا تقييدي مرة أخرى.
عندما لاحظ الطبيب اللعين خطتي ابتسم.
هذا الوغد غير فاقد للوعي، كانوا يعرفون عملهم جيداً.
أحدهم غرس حقنة في وريدي بسرعة.
قال الآخر:
هبدأ!
رد الطبيب الثاني:
لم يفقد الوعي بعد.
انت بتهزر!
زعق فيه الآخر:
هتفرق إيه يعني؟
كمم فمي لم أعد أريد سماع صراخكم.
فمّي وعرو جسدي ووضعوا أول مشرط على معدتي وأنا أفقد وعيي.
رأيت أول نقطة دم تخرج مني.
رواية شاهد قبر الفصل السابع عشر 17 - بقلم اسماعيل موسي
كان الألم متضاعف، تكاد تشعر به وأنت مغيب، وجع متغلغل داخل أحشائك ولا يمكنك الفكاك منه.
أمشي مترنح أجر قدامي في غرفة يفوح منها رائحة الدم. أحاول أن أستعيد وعيي. لازالت الرؤية ضبابية.
كنت مستند على السرير بكلتا يدي. يسندني شخص آخر. كان يطالبني بالحركة، يستجديني.
"تحمل، أرجوك!!"
ويري على جرح في معدتي بيدين متلطختين بالدماء.
أنهضت جسدي وأنا أشعر أن ألف سكين محشور في جسدي. يدي على كتف فتاة. عرفت ذلك من طول شعرها من غير قدرة على تأمل ملامحها. أجر قدمي أتعثر في جسدها.
كان هناك شخصين يرتديان الأبيض مستلقيان على الأرض. وسمعت أنين وجع.
في ركن الغرفة كانت هناك ممرضة. أعرف ذلك عندما دخلت الغرفة. كانت محشورة جوار الحائط مفزوعة. تضع يدها على فمها، تكتم صرخة. وعلى وجهها إمارات الفزع.
مررنا بين الأسرة المحشورة بين أكوام الملاءات الملطخة بالدماء. كانت الرؤية أفضل. وسمعت صوتها.
"صوتها، حقنتك بمضاد للمنوم، ستستعيد وعيك في أقرب وقت."
تسلّقنا السلم. كنت أتحرك بصعوبة. وكانت الفتاة تجرني. جرت.
كانت خائفة وتترقب كل حركة. ولاحظت أن هناك فتاة أخرى تراقب الطريق. كان وجهها مقنع. كانت تخفي وجهها عني.
وصلنا الطابق الثاني. أخذتني الفتاتين بينهم وأوصلوني للشارع على بعد عشرة خطوات من البناية. عرفت إحدى الفتاتين. والتي رحلت أولًا بعد أن طالبتني بعدم العودة هنا مرة أخرى.
كانت هي نفسها فتاة المرقص التي رأيتها تصعد البناية مع ذلك الرجل الغامض. وكانت مطيعة لتعليمات الفتاة الأخرى. والتي قالت بالحرف:
"اذهبي قبل أن يراكِ أي شخص أو يتعرف عليكِ السائق."
أوقفت الفتاة المقنعة سيارة أجرة. ووضعتني داخل السيارة. وطمأنت السائق المزعور بأجرة.
"أنصحك عدم الذهاب لمشفى. ابحث عن أي مكان آخر. ويستحسن عدم رؤيتك هنا مرة أخرى."
كنت شارد في صوتها الحذر المألوف.
"هل أعرفك؟" سألتها.
لوحت للسائق وهي تهمس في أذنه. والذي انطلق فورًا بسيارته. بعدها فقدت وعيي مرة أخرى.
كان السائق تركني أمام عمارتنا القديمة. عرفت ذلك لاحقًا بعد أن قام جيراننا بنقلي لداخل الشقة. كنت ممدد على السرير في غرفتنا القديمة.
إلى جواري امرأة وفتاة. المرأة كانت سعاد جارتنا التي كانت تمنحنا بقايا الطعام في الماضي. بينما كانت الفتاة ابنتها صديقة تقى.
بحثت بعيني عن والدي. كان ممدد على الأرض. يشخر مثل آلة بوذي.
شعرت بألم في معدتي. وضعت يدي على الجرح.
"هذا أقصى ما استطعت فعله." قالت الفتاة بصوت متهدج.
طالبني السائق بعدم نقلك إلى مشفى. عرفت أنها تعمل ممرضة في إحدى المستشفيات الحكومية.
رواية شاهد قبر الفصل الثامن عشر 18 - بقلم اسماعيل موسي
لا يمكن لأي شخص أن يأخذ منك إلا ما تمنحه إياه. الأمر يعود إليك، فلا تلقِ باللوم على الحياة. عليك أن تكون محددًا، صلبًا، واثقًا بأن عليك أن تأخذ من كل امرئ ما تحتاجه لأنه يأخذ منك ما يحتاجه بالضبط. ولا تحدثني عن النية الطيبة وطيبة القلب.
أحاول أن أتذكر ما حدث. الفتاة التي قامت بإنقاذي، الفتاة المقنعة، وكل تلك الأحداث الملخبطة. جرحك نظيف، لكن هل يمكنني سؤالك عن ما حدث معك بالضبط؟
ولأنني أحترم المرأة، قررت عدم الرد.
كانت صديقة تقى تحدق بي. لقد نسيت اسمها. لدي مشكلة مع الأسماء تورطني في الإحراج دومًا.
قلت: أنا أعتذر، ما اسمك؟
تورّدت وجنتا الفتاة. كنت أعرف أنه سؤال بارد. أنا أيضًا أشعر بالخزي.
قالت: أنا أسماء.
وهذه...
قلت: والدتك رحاب. أعرفها.
تصعبت. كنا أطفالًا. مضى وقت طويل. تفهمين الأمر؟
قالت: نعم.
حاولت أن أنهض. قالت: ممنوع. وثبتتني بقبضتها. تحتاج راحة.
سألتها: هل يمكنني استعارة هاتفك؟
نظرت تجاه والدتها. هكذا تفعل الفتيات. قبل أن تضعه في يدي.
هاتفت أروى. كنت أعلم أنها تبحث عني وربما اتصلت بالشرطة.
أتاني صوتها الهلع.
قلت: أنا بخير.
استمعت لوصلة من الادعاءات والاتهامات قبل أن أقرر إنهاء المكالمة.
أنا بخير. سلام.
ربما لم تعتد أروى تلك الطريقة. عليها تقبل الأمر. كل الناس تتغير تقريبًا. هذا مبدأ أساسي في العلاقات.
سأحقنك بمضاد حيوي؟
كانت تنتظر رأيي. ممدت لها يدي. ابتسمت بخجل.
عُد يا ناصر...
ظللت يومين بلا حراك وأسماء تعود كل فترة. منذ مدة طويلة لم يهتم بي أي كائن بشري. لابد أنني وجدت الأمر ملفتًا. كنت أتناول طعامي في السرير وأستمع لشخرات سيمفونية قادمة من الصالة من شخص مغيب. والدي.
بعد يومين، استطعت الحركة رغم تحذيرات أسماء. كانت طلبت مني عدم مغادرة الشقة وقالت إذا كان لدي أمر ملح يمكنها أن تنفذه من أجلي.
طلبت منها مراقبة ذلك المكان بعض الوقت بحيث لا يلمحها أي شخص، وإذا رأت أي شيء غير مألوف أن تهاتفني. وأن كنت أتساءل ما يدفعها لمساعدتي بكل ذلك الوفاء.
إلا أنها نفذت تعليماتي بالحرف.
اشتريت هاتفًا جديدًا واتصلت بتلك الفتاة. عدت مرات لم أتحصل على رد. كان هاتفها مغلقًا أو تخلصت منه. وكان قلبي ينهشني عليها. لا أعرف كيف أنقذتني ولا ما حدث لها. وكان قلبي يخبرني أنها وقعت في مشكلة بسببي.
كان أول شيء فعلته بعد أن استعدت قواي الذهاب لصالة الرقص والتسكع هناك كل ليلة محاولًا التشبث بأي خيط يوصلني إليها.
كان صاحب الصالة حريصًا، حويطًا، وكنت أعرف أنه يخفي العديد من الأسرار ولا يستطيع الإفصاح عنها.
نسيت أن أقول، لقد ذهبت للمكان الذي تم فيه تقييدي ووجدته مجرد جدران خالية ولا أثر لأي شخص هنا.
لم يكن هناك بد. بعد أن التئم جرحي، اشتريت مسدسًا، استعدت لياقتي.
أول يوم في ديسمبر تحت مطر يغرق الشوارع. على الناصية الأخرى من الطريق، بعد منتصف الليل، كنت واقفًا أدخن لفافة تبغ أنتظر خروج آخر شخص من صالة الرقص. خفت الحركة وبدأ العمال في الرحيل.
حينها ارتديت قناعًا، اقتحمت المرقص، صوبت مسدسًا على رأس صاحب الصالة وجررته خلفي نحو السيارة. وقبل أن يفتح فمه، ضربته على مؤخرة رأسه ضربة أفقدته الوعي.
عندما فتح عينيه كان مقيدًا في مقعد في صالة فارغة من الأثاث. لوحات جدارية كبيرة تغطي الحوائط. على طاولة ملحوظة رصت مشارط طبية، مسامير، سكاكين، منشار كهربائي. وكانت هناك موسيقى مرعبة تصدح بخفوت.
تركته ربع ساعة يتأمل وأنا أراقبه من غرفة أخرى مستمتعًا بسيجارتي.
لا أحب التعذيب، لكن خلف كل هدف سامٍ معضلة.
كان الهاتف على أذني وكنت أرتدي زيًا أبيض يخص الأطباء.
وكنت أقول بوضوح: انتهيت من المريض الأول. أنا في طريقي للآخر.
نحيت الهاتف جانبًا واقتربت من صاحب الصالة الصارخ. أخرجت حقنة من جيبي وحقنتها في عنقه.
كان يصرخ طالبًا للرحمة، يتوسلني أن أخبره بما أريد، يترجاني، يكاد يقبل يدي.
جررته بمقعده، ثبته على سرير متحرك وقيدته بالقوائم. كل ذلك تحت وقع صراخه الذي لا ينتهي.
جردته من ملابسه. كان بدأ يشعر أن الأمر ميؤوس منه ولم يسمع ولا كلمة مني حتى الآن.
انسحبت أول مشرط طبي ووضعته على معدته. لامست به بطنه.
بدرت منه صرخة يأس مدوية.
ضربت المشرط بالطاولة. قلت: أنا مش هعرف أشتغل كده.
"هما عايزين يخلصوا منك ليه؟ أنت عملت إيه؟"
قسمًا، لقد نفذت ما طلب مني بالضبط. أقسم أنني لا أفهم السبب.
كان متورطًا معهم من بعيد، مكتفيًا بترتيب لقاءات وتوصيل أشخاص بعضهم ببعض.
قلت: أنا لا تعنيني مشاكلكم.
تعرف فتاة ووصف له شكلها. قال: أجل، اسمها شيماء.
أين اختفت؟
رحلت مع من؟
تلعثم دقيقة. جررت المشرط بخفة. أسقطت قطرة دم.
رحلت مع محمد عيسى.
أخذت منه رقم هاتف الرجل، مكان إقامته، بعض معارفه.
لما انتهيت منه، قلت: سأتركك على عهدتي الخاصة. أقسم إذا رأيتك مرة أخرى حتى في لوحة رسم سأترك أحشائك على الأرض.
لما فككت قيده، ركض وهو يرتدي ملابسه بمؤخرة عارية.
تبعته بسرعة للشارع ثم بعدها استقل سيارة أجرة إلى مكان في وسط البلد. نزل من السيارة وهو يرتجف. أخرج هاتفه. نظر خلاله.
التفت من حوله وتسلل داخل مقهى.
رواية شاهد قبر الفصل التاسع عشر 19 - بقلم اسماعيل موسي
الأحداث السعيدة في حياتنا تتأخر، تتأخر لدرجة عند وصولها لا نشعر بحلاوتها.
كم مرة قلت أنك مخطئ، لمت نفسك وكنت مقتنع لدرجة لا تحتمل الشك أنك تستحق العقاب.
لماذا عدت إذاً لنفس النقطة؟
كان المقهى الذي يعمل أربعة وعشرين ساعة إلى جوار مسجد الفتح يستقبل رواد محطة مصر صاخباً حتى الصبح.
واستطعت أن ألمح الرجل الأنيق يدلف داخل الصالة الضيقة.
بعد خمسة دقائق لمحت خلالها إشارات الامتعاض، التلويح باليد، هز الكتف، نظرات التنمر.
خرج مرة أخرى.
وعندما استقللت سيارة أجرة لاتبعه، لمحت في المرآة سيارة مسرعة تصدم صاحب المقهى الذي خرج خلفنا للتو.
حاول السائق العجوز أن لا يفقد السيارة التي أمامنا كما طلبت منه.
عندما تعد أي شخص بمبلغ مالي محترم لا يخذلك في العادة مهما كانت الصعوبات والعقبات.
انمحت الزحمة والصخب.
وصلنا شارع راقٍ يظهر ذلك من مبانيه ونظافة شوارعها.
أخيراً توقفت السيارة أمام بناية من طابقين.
نزل منها ذلك الرجل ودلف داخل البناية.
منحت السائق أجرته، والذي أبدى استعداده لانتظاري، لكنني كنت أشك أنني سوف أحتاجه مرة أخرى.
ظللت واقف بعيد عن البناية أراقبها بعدما تأكدت أن لا مخرج ثاني لها.
أكثر من ساعتين، كان هذا منزله بلا أدنى شك.
منزل فخم فاخر.
وعندما هبط من السيارة كان يعامل الحارس برقي.
حتى أعتى المجرمين والأشرار لديهم انفصام في الشخصية.
في عام ٢٠٢١ أكدت الإحصائيات الرسمية اختفاء ثلاثة آلاف وخمسمائة طفل في جمهورية مصر العربية لم يتم العثور عليهم أحياء.
هذه الإحصائيات الرسمية لا تشمل أطفال الشوارع، المشردين وفاقدي الهوية.
كانت الساعة تشير للحادية عشر صباحاً عندما ترك الحارس مكانه.
فرصة لن تتكرر مرة أخرى.
تأكدت أن مسدسي محشو بالرصاص.
وضعته في جيب بنطالي وتسلقت السلم.
أكثر من فكرة وردتني، آثار ارتيابي عدم وجود حراسة.
وكنت أعتقد أن ذلك الشخص من الدهاء بحيث يتوقع مراقبتي وحضوري.
طرقت باب أول شقة، فتحت لي الباب فتاة غانية متبرجة.
دفعتها لبعيد وأغلقت الباب.
"إذا فتحتي فمك أعدك أنك لن تمتلكي الوقت لأخذ غسل قبل دفنك، ستموتين بنجاستك، هل تفهمين؟"
وحشرت المسدس تحت ذقنها.
اقتربت من غرفة مفتوحة كان بها رجل نصف عارٍ مستلقٍ على السرير يدندن بأغنية.
"مين يا دلال؟"
ظهرت أمامه.
شد الغطاء فوق جسده عندما لمح المسدس في يدي.
"خذ كل النقود ولا تقتلني."
كانت لهجته خليجية.
وكدت أضحك.
فتشت باقي الغرف وأنا أجره خلفي مثل حشرة.
"خذ أول تذكرة وعلى بلدك."
دحرجته على السلم وعدت لتلك الفتاة.
"صاحب العمل؟" سألتها.
"قلت لقد صعد أمامي منذ دقيقة؟"
"هناك شقة أخرى."
"أقسم لك سأمنحك فرصة أخرى لتتطهري من عهرك. القتل في المرة الثانية."
الشقة المقابلة سحقت الباب وأنا أشهر مسدسي.
كانت صاخبة بأكثر من فتاة وامرأة في حالة سكر.
حالة من الذعر مرت قبل أن آمرهم بالصمت.
من إحدى الغرف خرجت امرأة تركض مترنحة شبه عارية.
وكنت أعرفها.
تسمرت في مكاني أكاد أصرخ من الصدمة.
"لما تذكرت معالم وجهي انصدمت، صرخت، أقسم لك أن الأمر ليس كما تفهمه."
كادت الدموع أن تفر من عيني.
قبضت على شعرها جررتها خلفي وأنا أفتح بقية الغرف، غرفة غرفة.
لم أجد الرجل الذي كنت أراقبه.
ألقيت بها على الأرض، صوبت طلقة على جسدها وضغطت الزناد.
كان هناك صخب في الشقة المجاورة وعلى السلم.
كنت أعلم أن الرجل الذي تركته برحل والفتاة سيحدثون ضجة.
كنت أنتظر تلك اللحظة.
صرخت في الفتيات أن يهرب.
امتلأ السلم بأجساد نصف عارية تهرول نحو الشارع.
من بينهم استطعت التسلل وسط الصخب.
كنت أركض وعيوني تقطر دمع.
لطالما استبعدت تلك اللحظة.
وسألت نفسي ماذا سأفعل حينها.
ابتعدت عن البناية وأنا لا أستطيع تمالك نفسي وسط شرودي.
وصلتني رسالة من رقم غريب.
"فعلت ما رغبت به بالضبط."
"كانت تلك خطته من البداية، كان يعرف أنني أراقبه، أن أصل البناية، أن أرى والدتي في أحضان شخص آخر. أنا أقتلها..."
رواية شاهد قبر الفصل العشرون 20 - بقلم اسماعيل موسي
تأكد لي ما كنت أسعى إليه. قابلت أسماء بعد انتهاء عملها في أحد المقاهي الشبابية. لقد كانت هذه الفتاة عند حسن ظني دائمًا. ورغم أنها قدمت متأخرة في حياتي بصورة تصادفية، إلا أنها ربما نجحت بعض الشيء في تحسين صورة الفتيات في نظري. نادرًا ما تجد فتاة يمكنك الاعتماد عليها.
وكان يمكن للقاء أن يمضي بصورة جيدة بعدما وصلني من أخبار، لكن أروى هبطت علينا كعاصفة من السماء بكامل أناقتها، بهائها، وتصرفاتها المجنونة. لاحظت أن أسماء انكمشت على نفسها. لقد كان لأروى طلة تجعل أي فتاة تشعر بالتقزم في حضرتها.
قلت لأسماء: "أروى سيدة عملي، أسماء صديقة قديمة."
تجاهلت أروى أسماء. سألتني عن سبب اختفائي. قالت إنها متأكدة أن هناك ورطة كبيرة وأن عليّ أن أخبرها بكل التفاصيل. لم تعاملني أروى أبدًا كخادم لها، وكان ذلك سبب احترامي الكبير لها. وأنا من جهتي لم أرفع سقف تطلعاتي ولم أفكر أبدًا فيها بصورة غير لائقة، رغم إمكانية ذلك.
على مدى نصف ساعة، شرحت لأروى تطورات الأحداث منذ آخر لقاء لنا. بدت مزعورة.
قالت: "أنت لا تعرف خطورة الموقف."
قلت: "أعلم، ولن أتراجع حتى أنقذ الفتاة التي ساعدتني على الهرب."
"يدك ملطخة بالدماء يا ناصر. في أي وقت قد تقبض عليك الشرطة."
"لا تشغلي بالك بالشرطة يا أروى. لن تتحرك من مكانها."
رتبت بعض الخطوات، وكان لأروى دور كبير فيها. كانت تحتاج لتجربة تخرجها من الملل.
واظبت أروى على الذهاب لصالة الرقص. كما توقعت، ظهر الرجل مرة أخرى. كان يعرف أروى من بعيد، وكان يعرف أنني حارسها الشخصي.
لأكثر من أسبوع لم يحاول التواصل معها. أروى الأخرى بدت لا تعرف أي شيء. وهكذا راحت الأيام تمضي واللعبة تتحرك.
كنت أراقب الرجل مثل ظله من مكان لمكان. كنت حريصًا ألا أنكشف تلك المرة.
عرفت كل الأماكن التي يذهب إليها. بعد شهر من الانتظار، تمت أول صفقة بيع أعضاء. ورأيت بعيني أطفالًا مترنحين مقتادين نحو القبو الذي أعرفه. لم تظهر تلك الفتاة بعد، وشعرت أن هناك مصيبة حلت بها.
قبل أن يتم أي شيء، اقتحمت المكان. عاقبت كل من اعترض طريقي. حررت الأطفال واحتفظت بأحد الحراس، والذي كنت رأيته المرة السابقة.
أجبرته أن يهاتف ذلك الرجل، أن يطلب منه مقابلته. كنت أعرف ما سأقوم به.
كان اللقاء في مصنع مهجور. هناك تتم الصفقات المشبوهة. توقفت سيارة الرجل أمام المصنع، وظهر الحارس من طرف الباب، وكنت أصوّب المسدس نحوه.
عندما دلف داخل الباب، أفقدته وعيه فورًا. ثم قمت بحقنه بأحد الأدوية التي يستعملها الأطباء النفسيون. قيدته في قائم من الحديد وجلست أمامه.
"ستخبرني بكل شيء قبل أن أقوم بقتلك. تعرف أنني قتلت مرة، ولن أتراجع عن تمزيق أشلائك."
ضحك الرجل: "أنت لن تفعل أي شيء. لا يمكنك ذلك. كنت أعرف أنك ستصل إليّ."
"شخص مثلك يعرف أنني لن أترك ظهري مكشوفًا. أنا أحتفظ بشخص يهمك."
"الحقيقة؟ شخصين."
أخرج هاتفه. كان هناك مقطع فيديو مصور لأروى وتلك الفتاة التي أبحث عنها، مقيدين بملابس ملطخة بالدماء وآثار تعذيب.
"إذا حدث لي أي شيء، ستحضر دفنتهم."
كان واثقًا جدًا. أعدت الفيديو أكثر من مرة. كنت أبحث عن شيء ما، ولم يحالفني الحظ.
"ستتركنني أرحل بالمقابل. سأفرج عن الفتاتين."
"ستفعل ذلك الآن، وإلا سأنحر عنقك."
ضحك الرجل مرة أخرى: "أنت لا تعرف أساليبنا. لقد أوضحت لهم مهما قمت بالاتصال بكم وطلبت الإفراج عن الفتاتين أن لا يفعلوا، لأنني بصورة ما سأكون تحت تهديد سلاح."
لم أصدقه. أجبرته أن يهاتفهم ويطالبهم بترك الفتاتين، وسمعت بأذني: "لا، لا. ليس قبل أن تحضر بشخصك، هذا هو الاتفاق."
لم أضيع الوقت. كبلته ووضعته في حقيبة السيارة، وقُدت نحو الطريق الصحراوي حيث توجد البناية التي يحتجزون أروى داخلها.
عندما أخرجته من السيارة، قال: "صدقني، أنا غير مهم. فكرت التخلي عني مطروحة بشكل كبير منذ تورطت معك في المشكلة. هؤلاء أشخاص لا يعرفون الرحمة، سترى بعينك."
كانت منطقة معزولة. وكان عليّ أن أحدد بضع نقاط للهرب إذا تأزم الموقف، خاصة أنني قررت التخلص من ذلك الشخص في أول فرصة. يستحق عقابًا مناسبًا لما قام به من أعمال خسيسة ولا إنسانية. كانت صور الأطفال قبل موتهم تطوف في ذاكرتي. أرواحهم ترفرف حولي منادية بالانتقام.
كان هناك اثنان من الحراس على المدخل. أشهروا أسلحتهم فور رؤيتنا. وكنت حشرت مسدسي في ظهر الرجل.
"أمرهم أن يلقوا أسلحتهم."
"لا تفعل، صدقني ستخسر الكثير. أنا لم أكشف كل أسراري."
كنت أعرف أنه يناور، لكن شعورًا داخليًا كان يصدقه.
"أفرج عن الفتاتين وتنتهي القصة. سأرحل من هنا ولن تراني مرة أخرى؟"
"أنت مجبر على العودة مهما كانت النتائج. صدقني يا ناصر."
كان يتحدث بثقة، وشعرت بذرة شك داخلي.
"القوا أسلحتكم!" صرخت، "وإلا سأقتله!"
استجاب الحارسان عندما لمحوا مسدسي في رأس الرجل.
عندما وصلت، أمرته بتقييدهم. لم أتحرك إلا عندما تأكدت من عدم قدرتهم على الفرار أو الحركة.
داخل المخزن كان هناك باب داخلي، وكانوا يحتجزون الفتاتين خلفه. وضعته على خشب الباب وطرقت الباب. أخبرهم أن يفتحوا الباب.
"افتحوا الباب!"
بلحظة، سمعت صرير الباب يفتح. كانت أروى مقيدة هي وتلك الفتاة في حالة مزرية، وثلاثة أشخاص يحملون بنادق آلية يصوبون نحوي.
"فكوا قيودهم،" أمرتهم. توقفوا لحظة للتفكير، لكني أطلقت رصاصة على ساق الرجل ليتأكدوا من جديتي.
صرخ الرجل وهو يزعق حلو قيوده. اقترب أحد الرجال من أروى ليحل قيوده.
من ركن مظلم سمعت: "توقف عندك." وظهر رجل خمسيني غزير الملامح.