تحميل رواية «ساعة الانتقام» PDF
بقلم دينا اسامة
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ظلام دامس يعم المكان حولها، جالسة هي على الأرضية تشعر بالدماء السائلة التي تغرق يديها وملابسها. حينما فتحت عينيها التائهتين لترى ما هذا الذي يسيل حولها، فُزعت من هول الصدمة وهي تنتفض من مكانها وكأن التبسها جني. وما زاد فزعها رؤيتها لصديقها وحبيبها المدعو سمير. صرخت، لا تدري لماذا، بأنها ستقع لا محالة في هذا الفخ الذي وقعت فيه. حتى وجدت من يكتم أنفاسها من الخلف ويسير بها من هذا المكان بأقصى سرعة. ظلت تركل من يحملها ويكتم أنفاسها. جاء بمخيلتها أنه من قتل سمير ثم يريد قتلها هي الأخرى. لكنه فجأة أدخ...
رواية ساعة الانتقام الفصل الأول 1 - بقلم دينا اسامة
ظلام دامس يعم المكان حولها، جالسة هي على الأرضية تشعر بالدماء السائلة التي تغرق يديها وملابسها.
حينما فتحت عينيها التائهتين لترى ما هذا الذي يسيل حولها، فُزعت من هول الصدمة وهي تنتفض من مكانها وكأن التبسها جني. وما زاد فزعها رؤيتها لصديقها وحبيبها المدعو سمير.
صرخت، لا تدري لماذا، بأنها ستقع لا محالة في هذا الفخ الذي وقعت فيه. حتى وجدت من يكتم أنفاسها من الخلف ويسير بها من هذا المكان بأقصى سرعة.
ظلت تركل من يحملها ويكتم أنفاسها. جاء بمخيلتها أنه من قتل سمير ثم يريد قتلها هي الأخرى. لكنه فجأة أدخلها سيارة هرباً.
بدون مقدمات، قاد السيارة بجنون وهو على وشك الانهيار هو الآخر. لكن عندما رأته هذه الفتاة، شهقت بصدمة عندما علمت هوية هذا الشخص التي لم تتوقع أن يكون هو.
"فريد...!!! أنت!! لا لا، استحالة تكون... أنت اللي عملت كده!!"
"رد عليا، مش بتتكلم ليه. خرجني من العربية دي حالاً."
جاء صوته بهذه اللحظة وهو يقول بتهجم مخيف أخافتها منه على غير العادة:
"اسكتيييي..! عاوزه تروحي في داهية!!"
نظرت له برعب، ما زالت تتذكر رؤيتها لسمير الذي قُتل بأشد الطرق قسوة. لتردف باكية:
"فريد مش انت اللي عملت كده صح!! بليز قولي إني صح وإحساسي صح."
"وتفتكري فريد هيقتل سمير ليه!!"
قالها بغضب كبير وعنفوان، وكأنه هو من اقتتله بالفعل. لكن بسبب غموضه وتغيره المفاجئ، قررت الأفلات منه وهي تفتح باب السيارة لتنزل منها.
لكنها صُدمت عندما وجدت الباب لم يُفتح. فنظرت إليه بشك كبير يتزايد وقلبها بدأ بالاضطراب. لكنه تحدث فوراً قبل أن يصيبها شيء، لأنه يعلم حقيقة مرضها، ليقول:
"آيه هانم، مش عارف اللي هقولهولك ده صح ولا لأ، لكن لازم أقولك على اللي شوفته واللي كنتي هتدبسي فيه وانتي ولا على بالك."
توترت آيه من كلامه المبهم الذي لم تعتاد عليه، لتقول مسرعة:
"فريد، أنا تعبت من طريقتك.. خلصني، قول فيه إيه. إيه اللي تعرفه؟ مين عمل كده في سمير وليه عمل كده وإيه مصلحته؟"
"بصي، هدي نفسك الأول. أنا مش عارف أجبهالك إزاي."
"خللللصني ي فريد، حرام عليك كده!"
قالتها ببكاء وهي تشعر بشيء غريب. لكنه جذب يدها إليه وهو يقول:
"شهد صاحبتك هي اللي قتلت سمير وكانت عاوزة تلبسك الجريمة."
قال جملته بخوف نوعاً ما من رد فعلها، لكنه وجدها هادئة تماماً. لم تستجب لما قاله. فحركها كي تتحدث. لتقول هي بعدم تصديق:
"انت كداب..!"
"والله ما كداب، وحياتك عندي ما بكذب في حرف. أنا زي ما انتي عارفة سبتك انتي وسمير بيه سوا وفجأة النور انطفى. فروحت أشوف فيه إيه، لكن لقيت شهد واقفة تتكلم مع حد وبتقوله: 'هقتله يعني هقتله'. وبعدها مفهمتش هي بتقصد مين. ولسوء الحظ، في الوقت ده جالي تليفون، خرجت أرد عليه. وبعد ما جيت ليكم لقيت سمير مرمي وبالمنظر اللي انتي شوفتيه ده، ولقيتك واقفة مصدومة. فاخدتك لأني عرفت وقتها إن شهد مش نيتها خير وناوية تلبسهالك ي آيه هانم. صدقيني ده اللي حصل. أنا عارف إنك مصدومة زي ما أنا مصدوم في شهد، لكن ده اللي حصل ومش عارف هي عملت كده ليه."
"انت كدددداب، شهد عمرها ما تعمل كده. وقف العربية ي فريد ونزلني حالا، لأحسن أوديك في داهية. بقووولك، وووقف ياما مطرود من شغلك من دلوقتي."
قالتها آيه بعصبية وجنان، فقد وصلت لأشد مراحل العصبية التي لم تتحكم بها. وعندما بدأت تضربه بيديها الصغيرتين، وجدته يقف أمام كوخ بسيط بمكان شبه مهجور وهو يقول:
"آيه هانم، أنا آسف."
لم تفقه جملته إلا عندما وجدت غمامة سوداء حولها وهي تفقد الوعي تدريجياً. خرج فريد من السيارة يحملها برقة تتنافى مع هيئته القاسية. وعندما دخل إلى ذاك الكوخ، وضعها أعلى سرير وهو ينظر لها بحزن وغموض نوعاً ما.
ثم بعد ذلك خرج سريعاً بعدما تأكد من خلو المكان من الناس. لكنه قبل أن يرحل، صدرت أصوات مخيفة. وأشبه عليها بقلق أن يمسها شيء، لذا قرر الدلوف إليها مجدداً.
يضع يديه أعلى رأسه وهو على وشك فقدان السيطرة من هول ما حدث اليوم. لكنه قرر أن ينقذ هذه الفتاة البريئة التي كانت ستقع ضحية بسبب صديقتها اللعينة. ظل يترجل يميناً ويساراً بالغرفة. عزم ألا ينام كي يحميها، لأنه علم أن هذه الجريمة ستقع على عاتقها، فهي آخر من خرجت معه بهذا اليوم وسيُحقق معها بهذا الأمر. ظل واقفاً ينظر لها بألم لما كانت ستتعرض له إن لم يتدخل بالوقت المناسب. فزفر بشدة وهو يحرك شعره بطريقة هوجاوية.
وبمكان آخر، كان صوت سيارات الشرطة. حيث كان يقف عدة ضباط حول الجريمة يتفحصون الجثة بعناية. فقال شخص منهم:
"سمير النوبي!! مش معقول!"
ليرد عليه آخر:
"انت تعرفه ولا إيه؟"
"ده صديق ليا ي ماهر. مش ممكن اللي حصل ده!! ده أنا لسه مكلمه الصبح! إزاي ده حصل."
رد ماهر وهو يزفر:
"ربنا يرحمه. واللي عمل فيه كده، في أقرب وقت هيتعرف ي زياد. انت عارف لو مسكت حاجة مهسيبهاش إلا لما المجرم ينال عقابه."
رد زياد:
"ده اللي مخليني مطمئن ي ماهر إنهم اختارو انت بالذات تتولى المهمة دي."
وضع ماهر يديه في سرواله وهو يترجل للأمام لينظر حول المتهم قائلاً:
"أكيد عارف أهله ي زياد."
"أهله للأسف ميتين. مفيش في حياته غير آيه سليم بنت اللوا سليم بيه المرشدي، ربنا يرحمه."
عقد ماهر حاجبيه يقول متعجباً:
"معقول!! طيب متعرفش عنوانها ي زياد."
رد زياد بالإيماء، ليبتسم ماهر بحدة قائلاً قبل أن يذهب وخلفه بعض رجال الشرطة:
"اطمن ي زياد، إن شاء الله في أسرع وقت هنعرف مين اللي ورا العملة السودا دي."
وباليوم التالي، سطعت الشمس صافية في سماء يوم صيفي منعش. فسقطت أشعتها المفعمة بالطاقة والتفاؤل على أحد الأحياء المصرية المتوسطة والهادئة. تحديداً فوق جدران مبنى أسري صغير ومتواضع مكون من ثلاث طوابق، غير آبهة بالضجيج الذي يخالف الأجواء المشرقة والذي يرعد بشدة داخل المبنى ومن الطابق الأول تحديداً، منذرًا بهبوب عاصفة أقوى من عواصف الشتاء القاسية.
كانت فتاة تتنقل بغرفتها بخوف وهي تفرك كلتا يديها. وهي تسمع ما يدور خلف غرفتها، عند علمت بقدوم والدتها التي تتسم بالشدة والغلظة. لترتعش هي عندما دلفت إليها تهم في ضربها بكل قوتها تقول:
"آه ي قليلة الرباية، بقى تفضحيني أنا ف المنطقة وفي الرايحة والجاية يقولولي بنتك بتتشقط ع المخروب النت.. والله ما أنا سيباك ي ريم، أما أشرب دمك ي قادرة."
صرخت ريم حينها وهي تبكي بتوسل لأمها التي لم تعرها أي اهتمام. لكن ظل أخوها الأصغر يبعد أمه عنها. لكنها لم تكترث لذا، هرول إلى الطابق العلوي يدق عليه بشدة وهو يكاد قلبه أن يقتلع من مكانه. وعندما رأى شاباً أمامه يبلغ من العمر سبعة وعشرين عاماً تقريباً، قال له ببكاء:
"الحقني ي وحيد، ماما بتضرب ريم جامد وقربت تموتها في إيديها."
انتفض خالد بفزع وهو ينزل معه إلى الأسفل وقلبه يعتصر خوفاً عليها. لكنه عندما دخل، ترنح مكانه عندما رآها ملقية أمامه وجسدها مليء بالدماء والكدمات. بل وما زالت أمها اللعينة تضربها بعنف وكأنها لم تكن ابنتها. لذا قرب منها بقوة يبعدها بصراخ يكاد يفقد أعصابه بوجهها. ثم حمل ريم بين يديه وأجلس بها على فراشها يحاول إفاقتها بقلب ينبض بشدة، لكن دون جدوى.
لتقول له تلك السيدة المتغطرسة:
"شفت بنت عمك ي خالد....! شفت الدكتورة اللي بتقول عليها واعية عملت فينا إيه، فضحتنا في المنطقة، كان ربنا خدها قبل ما تجبلنا العار."
وكادت أن تقرب ثانيةً، لكنه وقف كالحائط المنيع أمامها وهو على وشك تلقينها درساً قاسياً لأجل ما فعلته. لكن أوقفته أمه بهذه اللحظة عندما دلفت بخوف وقلق حقيقي تقول:
"ريم مالها...! عملتي فيها إيه ي ورد!! حرام عليكي بنتك متستاهلش منك كده."
ردت ورد حينها بغيظ وسخط وهي تلقي محمولها في يد خالد قائلة له:
"بدل ما انت قاعد تبصلي باتهام كده وخايف عليها، شوف الفيديو ده كده وشوف انت إيه رأيك ي دكتور ي محترم. وانتي ي ناهد تعالي معايا برا عاوزاكي."
خرجت معها ناهد بتعجب. بينما كان خالد يشاهد ذاك الفيديو وعيناه تشتعل غيظاً وغضب. ينظر لها وكأنه يريد قتلها هو الآخر. لكنه توقف لحظة عندما وجد ثيابها في الفيديو. فلم تكن ثياب ريم المعتادة على لبسها، فكانت ملابس جريئة وضيقة بشكل مغرٍ. دقق بالفيديو بشك وهو على وشك أن يفقد أعصابه. فقلبه يخبره أنها ليست هي وعقله غير قادر على التصديق. فكيف لفتاة أن تكون مثله لها بهذه الطريقة؟!
جلس جوارها بتوتر يتنهد بحيرة. يناجي بأخيه الأصغر:
"ي فادي، اطلع جبلي علبة الإسعافات من أوضتي فوق."
استجاب له فادي على الفور قلقاً على أخته. ثم عاد فادي وأعطاه إياها. ليبدأ خالد بمداواة جرحها والكدمات الحمراء التي أصيبت بها. يزفر بألم شديد لأجل ما حدث لها، متمنياً إلغاء هذا اليوم من حياتها وحياته هو الآخر.
"هي ريم مش راضية تقوم ليه ي خالد؟!.. هي ماما عملت فيها إيه."
قالها فادي ببكاء وحزن. ليحتضنه خالد مهدئاً له قائلاً:
"متخافيش ي حبيبي، هتفوق علطول. أنت دلوقتي روح ذاكر وعمل ما تفوق هنادي عليك."
ابتسم فادي مستجيباً له. ليكمل خالد ما بدأه جالساً جوارها إلى أن تفيق كي يطمأن عليها وكي يعرف ما هذا الفيديو..!!
بعد مرور ساعة، رمشت ريم بعينيها وهي تفتحهما بوهن شديد. لترى خالد أمامها ينظر لها بترقب. بينما هي قفزت في أحضانه فوراً تقول ببكاء:
"الحقني ي وحيد، والنبي متسبنيش لوحدي تاني، أنا خايفة أوي."
لف خالد يديه حولها مهدئاً لها رغم حزنه من هذا الاسم التي تناديه به دائماً. يشعر بألم عندما تناديه باسم وحيد!
"اهدي ي ريم، متخافيش، أنا معاكي."
أكمل حديثه وهو يميل عليها بحنوٍ يقول:
"ممكن تهدي وتفهميني الموضوع وإيه حكاية الفيديو اللي شوفته ده؟!"
زادت شهقات بكائها وهي تبعد عنه تضع يديها أعلى وجهها خجلاً من نظراته المراقبة. ردها لتقول:
"والله ما أعرف، والله ما ليا علاقة بالفيديو، صدقني أنا معرفش مين اللي في الفيديو دي، مش أنا والله ي خالد."
ابتسم خالد بعدما تأكد أن هذا الفيديو مُفبرك كما شك. ليُعيد سؤاله عليها:
"أنا عارف إن ده مش انتي ي ريم، لأن استحالة ريم تعمل كده.! بس متعرفيش مين ناشر الفيديو ده! ومين عمل فيكي كده؟"
"مش عارفة ي خالد، مش عارفة."
قالتها بانهيار من هذه الحالة التي وصلت لها. ليدق هاتفها وكأن رسالة قد وصلت لها. عزمت أن تفتح هاتفها كي ترى ما هذا الإشعار. لترى رسالة من مجهول يقول بها:
"عجبك الفيديو ي حبيبتي، تعيشي وتاخدي غيرها، دي لسه ساعة الانتقام جايه.!"
قرأتها ريم بصدمة ويدها ترتعش. ليتلقى خالد منها الهاتف ليري ما هذا. فصُدم هو الآخر بأن أحد وصلت به الحقارة لهذا المستوى. لكنه شعر أن هناك خطب ما. لينظر لريم المصدومة التي تنظر بالفراغ وكأنها تعلم من هذا المجهول. ابتلع خالد ريقه جاذباً ذراعيها بقوة إلى حد ما يقول بنبرة غريبة كانت لأول مرة تسمعها ريم منه، من أقرب الأشخاص إليها..!
"ريـم انتي تعرفي مين بعتلك الرسالة دي صح؟؟؟؟ انطقي ي ريم متسكتيش قوليلي مين اللي عمل فيكي كده وليه عمل كده... بقولك انطقي.!!"
وقعت ريم بين يديه مستسلمة لقدرها وكأنها تريد أن لا تفيق بعد الآن.
صرخ بها خالد بفزع وقلب مضطرب:
"رررريم... ريم فوقيي.. متخافيش ي ريم أنا معاكي."
ظل يهذي بهذا الكلام ويحرك بجسدها كي تفيق. لكن الجواب كان الصمت حينها.
وبمكان آخر، فاقت آيه وما حدث أمس ينعرض أمامها. لتهب فازعة عندما وجدت نفسها بكوخ مُخيف. وآخر ما تتذكره عندما قال لها فريد:
"أنا آسف."
وجدت نفسها بهذا الكوخ وشنطة ملابس جوارها. ومن العجيب عندما فتحت هذه الشنطة وجدت ملابسها بها، فكيف حدث ذلك!!!
وجدت فريد يدلف إليها وبيديه حاويات طعام. نظر إليها بقلق نوعاً ما يردف:
"آيه هانم، متزعليش، حقك عليا."
"انت جبتني هنا ليه؟?"
قالتها بشك وهي تشعر بشيء غريب تجاه فريد لأول مرة، وكأن هذا لم يكن فريد الذي تعرفه منذ عدة سنوات.!
حمحم فريد بتوتر واضح مجيباً:
"ي آيه هانم، انتي بيحاولوا يوصلولك دلوقتي علشان يحققوا معاكي في قضية قتل سمير بيه."
"بتقول إيه...!"
قالتها آيه بخوف وقلق حقيقي هذه المرة من فكرة أنها ستُسجن بتهمة قتله..!
"ي آيه هانم، صدقيني. شهد صاحبتك دلوقتي مختفية وانتي الوحيدة دلوقتي اللي ليكي علاقة بسمير بيه ده غير إنك آخر حد خرج معاه قبل الجريمة. صدقيني فيه حاجة كبيرة ورا اللي حصل ده، وانتي كنتي مقصودة بالجريمة دي. ده كل اللي أقدر أقولهولك. وبالنسبة لبسك، أنا خرجت بدري وروحت الفيلا بتاعتك وحاولت أجيبلك كل اللي هتستخدميه، لأن عارف إن بيتك دلوقتي عليه العين وهيحاولوا يوصلولك بأي طريقة."
"انت بتقول إيه!!.. وبعدين لو اللي بتقوله صح، يبقى أنا كده روحت في داهية ي فريد بل وزدت الطين بلة. هربتني من بيتي علشان التهمة تلبس فيا صح. انت مش عارف إنك كده ودتني في داهية..! رجعني بيتي ي فريد حالاً وأنا مستعدة يتحقق معايا، هحكيلهم عن كل حاجة حصلت في اليوم ده وبعدها هيتأكدوا إني مليش دخل بالجريمة دي."
تنفس الصعداء مقترباً إليها يريها هاتفه، وبالأخص فيديو مُنتشر منذ عدة ساعات على قنوات إخبارية.
قفزت آيه من مكانها بصدمة عندما وجدت صورتها بكل الصحف والمجلات.
حاول فريد أن يسيطر عليها قبل أن يحدث معها شيء، لأنه يعلم هذا الخبر سيقضي عليها لا محالة.
"صدقيني مكنتش حابب أوريكي الفيديو ده، بس لازم أعرفك أن فيه خطر عليكي أوي لو خرجتي من هنا. لازم تسمعي كلامي ي آيه هانم لحد ما نكتشف مين ورا الجريمة دي."
"انت ودتني في داهية، منك لله ي فريد، منك لله."
"أنا ي آيه هانم..!"
قالها فريد بحزن شديد، رغم أنه أنقذها من فم الموت كما يُقال، لكنها الآن تلقي عليه اللوم.
"أيوه انتت.. انت مش فاهم انت عملت إيه..! انت السبب، أنا لو فضلت مكاني وقتها إمبارح جنب سمير مكنش حصل اللي حصل. كل ده حصل بسببك. ثم بعدين انت إزاي عارف شهد؟!! أظن أنها عمرها ما جتلي البيت غير مرتين تلاتة، وإزاي بتقول إنها قتلته وهي ملهاش علاقة بسمير أصلاً."
قالت كلماتها بشك كبير تنظر إليه وكأنها ترى شخصاً آخر غير فريد حارسها الشخصي..!
"انت بتشكي فيا ي آيه هانم..! بعد كل ده وبتحطي اللوم عليا..! مكنتش أتوقع أن في يوم تبصيلي البصة دي."
قال كلماته بوجع شديد من اتهام آيه له ونظراتها الغريبة التي لم يعتاد عليها..!
نظرت آيه على الجانب الآخر وهي تضع يديها أعلى رأسها قائلة بتوتر:
"فريد ممكن تسكت، أنا عقلي شلّ، مش قادرة أفكر، عجزت ي فريد، سيبني دلوقتي أرتاح شوية مش عاوزة أتكلم مع حد."
"طيب ي آيه هانم، الأكل عندك أهو ولبسك موجود وأي حاجة تحتاجيها بلغيني."
خرج فريد يغلق الباب خلفه بعنف جعلها تنتفض فزعاً تغلق عينيها تريد أن تنشق الأرض وتبتلعها.
وبمنزل ما، كانت فتاة تهلوس وهي نائمة تهذي بهذه الكلمات:
"أنا مقتلتوش!!. لأ مش عاوزة أموت. ابعدو عني، الدم لا.. لا.."
قفزت وقتها بصدمة وجبهتها تتصبب عرقاً غزيراً وقلبها يعلو ويهبط.
تقدمت أمها وقتها تجلس جوارها بقلق منذ الأمس تقول:
"مالك ي شهد ي بنتي!.. إيه الكلام اللي بتقوليه ده! وامبارح جيتي وش الفجر كنتي فين ي حبيبتي وكان مالك، طمنيني عليكي ي بنتي."
انفطرت شهد بالبكاء وهي تصرخ من هول ما حدث أمس. ثم احتضنت أمها بشدة وهي ترتعش.
"ماما متسبنيش، ماما احضنيني أوي، خليكي معايا أنا خايفة ي ماما، هيقتلوني ي ماما، هياخدوني منك."
قالت كلماتها بتلعثم وكأنها طفلة تتعلم الكلام حديثاً.
"ي بنتي بالله عليكي طمنيني مالك شهد، أنا أمك ي بنتي احكيلي ع اللي فيكي ي حبيبتي."
نظرت شهد لها بتوتر وخوف. وقبل أن تردف بحرف، سمعت أحد يطرق باب منزلهم بشدة وكأنه على وشك كسره...
رواية ساعة الانتقام الفصل الثاني 2 - بقلم دينا اسامة
مم.. مين بيخبط؟
قالتها شهد بخوف ظاهر أرعب والدتها، لتهب واقفة ببكاء:
ما.. ماما والنبي متفتحيش، والنبي ي ماما خليكي معايا.
ارتبكت الأم من تصرفات ابنتها غير المعتادة، فكانت تعتاد منها المرح وحسها الفكاهي التي كانت تنشره أينما كانت، لكن من أمامها الآن ليست بإبنتها شهد!
وبهذه اللحظة توقفت شهد عن البكاء عندما علمت هوية من بالخارج، لتخرج أمها كي ترى. ثم بعد قليل اتجهت إليها تقول:
ده صاحب البرج ي حبيبتي اطمني، كان بياخد قسط الشهر ده.
تنهدت شهد بقوة وهي تفرك بيديها، تنظر لعيون أمها، وهي ترى ملامح التعجب والإبهام على وجهها، لتجلسها بجوارها برقة، تضع وجهها بين يديها بحنوٍ قائلة:
ماما ممكن أطلب منك طلب واوعديني إنك مترفضيش، وحياة بابا الله يرحمه.
اطلبي ي حبيبتي اللي عاوزاه، واوعدك مش هرفض أي حاجة تقوليها.
قالتها الأم بابتسامة هادئة، شعرت بهذه اللحظة أن بهذا الطلب الذي ستطلبه سيعيدها إلى حياتها الطبيعية، لكنها صُدمت عندما تحدثت شهد بأمر غير متوقع بالنسبة لها:
ماما أنا عاوزة نرجع بيتنا القديم ونستقر هناك، أنا كنت مرتاحة هناك كتير عن هنا ي ماما، من ساعة ما جيت هنا وأنا..
توقفت عندما وجدت أمها تهب واقفة تقول بعنفوان:
لأ لأ.
ماما انتي وعدتيني!
صرخت بها فذلك الوقت تقول وقد بدا عليها علامات الاضطراب والتوتر:
قلت لأ يعني لأ، انتي فااااهمة! ثم بعدين انتي من امبارح مش مظبوطة، فيه إيه قوليلي ي شهد، انتي مخبية عني إيه؟ انتي عمرك ما خبيتي عني حاجة!
لم تعلم شهد بما تجيبها بهذا الوقت، لكنها عزمت على قرارها، تقف أمام أمها تقول بجدية زائفة:
ماما انتي وعدتيني إنك هتوافقي على طلبي، وأنا مصممة أرجع وأستقر هناك، بين أهلي اللي بعدتيني عنهم سنين، وكل ده ليه؟
جرالك إيه ي شهد! أنتي سمعتي أنا قولت إيه، قولت لأ.
وأنا مصممة ي ماما، ولو مش هتيجي معايا ف أنا همشي لوحدي وأقعد هناك.
قالتها شهد وهي تعقد ذراعيها أمامها بتحدٍ ظهر من لهجتها، لكنها صُدمت عندما هوت صفعة أعلى وجهها من أمها التي تحذرها بشدة:
أنا بحذرك إياكي تجيبي السيرة دي تاني، ومرواح هناك ف مش هنروح لا أنا ولا انتي، وأه بخصوص الشقة ف أنا هريحك منها وهبيعها ي شهد، وشوفي بقى هتعرفي ترجعي لها إزاي.
خرجت في ذلك الوقت، بينما وقعت شهد أعلى سريرها تبكي بحرقة، تشعر بأن هناك قدر مليء بالظلام ينتظرها، فمنذ مجيئها هذه المدينة وهي تقع بالمشاكل عنوة، تذكرت شخص واحد وهي بهذه الحالة لتعزم على مقابلته والجلوس معه، فهو الوحيد بعد وفاة أبيها من تشعر معه بالأمان.
***
إزاي اللي اسمها إيه سليم دي مختفية؟
ي ماهر إحنا عرفنا من الحرس اللي عندها إنها مسافرة من أسبوع دبي في شغل، يعني متعرفش حاجة عن الجريمة، ولو عرفت أكيد هتنزل مصر.
عقد ماهر حاجبيه بتعجب، شاعراً بخطأ بالموضوع، فكيف سفرها المفاجئ هذا، بل وأن هناك من أخبرهم إنها كانت برفقة سمير قبل وفاته بدقائق.
زياد انت مش حاسس إن الموضوع فيه حاجة غلط؟
جلس زياد بتعجب قائلاً:
غلط في إيه ي ماهر!
يعني انت مقتنع إن واحدة يكون فرحها كمان أيام وتكون مسافرة بره لوحدها ولحد الآن مرجعتش، ليه مش بتفتح نت، ليه القريبين منها مبلّغوهاش، وخصوصاً انت عارف كويس سمير النوبي ومكانته، وأن أخباره أول بأول بتتعرف، زياد فيه حاجة غلط أنا واثق.
توقف ثواني يرتشف قهوته يقول متذمراً:
هي ملهاش أصحاب، ملهاش قرايب؟
ليها صديقة واحدة اسمها شهد خالد الجبالي، ودي أقرب واحدة ليها، لأن إيه اللي عرفته إنها مش بتختلط بحد، وحارسها الخاص فريد وده معاها برا بدبي، كان اللوا سليم قبل وفاته كان حارسه الشخصي وأكتر حد بيثق فيه، فهو اللي بيتولى كل حاجة بتعملها.
مكانها فين؟
رد زياد بإبهام:
هي مين!
هتكون مين ي زياد! اللي اسمها شهد دي، اعرفلي مكانها بسرعة لأني واثق إن حل لغز الجريمة دي في إيدها.
رد زياد بإيماء ليخرج، بينما جلس ماهر يرتشف ما تبقى من قهوته، يشعر بأن تلك الجريمة على وشك أن تُكشف كما اعتاد!
***
متخافيش ي آية هانم، أنا عملت المطلوب، انتي أمانة في رقبتي بعد وفاة اللوا سليم الله يرحمه، وأفديكي بحياتي.
قالها فريد عندما دلف فوراً إليها دون أن يطرق الباب، فتوترت آية قليلاً، فكانت ترتدي ثيابها، ليحمحم فريد معطياً ظهره لها قائلاً بتوتر:
آسف ماخدتش بالي.
أكملت آية ملابسها لتقترب منه تقول بشك:
فريد أنت إزاي عرفت تعملي إقامة مزورة بدبي فجأة وأني مقيمة هناك من أسبوع! وإزاي الحرس قالوا كده!! فريد أنا مش فاهمة حاجة بجد!
نظر لها فريد يقول بهدوء كي تهدأ:
آية هانم مفيش أسهل من التزوير، ليا حبايب هناك بدبي وكانوا على صلة باللوا سليم، ف عرفوا يعملولي الموضوع ده في ظرف ساعتين، وبالنسبة للحراس ف دول يفدوكي برقبتهم، فهمتهم اللي حصل وطلبت منهم يعملوا اللي هقولهم عليه، متخافيش أنا ظبطت كل حاجة ومفيش حاجة هتمسك طول ما أنا موجود.
هدأت آية قليلاً، لكن ليس بشكل كافٍ لأنها ما زالت تشعر بشيء غريب، فنظرت إليه تقول بلهجة آمرة:
فريد أنا عاوزة أشوف شهد ضروري.
توتر فريد وارتعدت فرائصه ليقول بنفي:
لأ لأ.
لأ إيه؟!! بقولك عاوزة أقابل شهد، أنا واثقة إن عمرها ما تعمل كده، وأكيد اللي عمل كده كان قصده يتخلص مني أنا وهي، أنا متأكدة.
آية هانم مينفعش تقابليها خالص الفترة دي، ده لمصلحتك صدقيني.
لمصلحتي!!! أنا بأمرك ي فريد، إيه انت نسيت نفسك ولا إيه؟!! أنا أطلب وانت تنفذ انت فاهم!
قالتها آية بجدية وغرور لأول مرة، لأول مرة تتحدث معه بهذه الطريقة التي كان يخشاها، حزن قلبه، بعدت عينيه عنها كي لا ترى لمعة عينيه، لكنها شعرت بمدى بشاعة ما قالته في وقت غضب، تشعر بتوتر شديد من الذي حدث فجأة لها، اقتربت منه بحرج تقول بنبرة دافئة أنثوية:
ف.. فريد أنا آسفة، أنا بس..
أوقفها فريد ينظر إليها بابتسامة زائفة وبداخله نيران تشتعل:
دي الحقيقة ي آية هانم، متتأسفيش، دي وظيفتي فعلًا، بس صدقيني، عمل ما أحس إن العين مش عليكي وعلي شهد هخليكي تقابليها، صدقيني.
مش فاهمة كلامك ي فريد، ممكن توضح!
آية هانم دلوقتي عرفت إنهم بيحاولوا يعرفوا مكان شهد عشان يعرفوا يوصلوا لك من خلالها.
ي حبيبتي ي شهد، قالتها آية بقلق عليها، لأنها تعلم جيدًا خوفها من رجال القضاة والشرطة منذ طفولتها، وأن سيحدث معها هذا الشيء بسببها!
تعجب فريد لرقة قلبها، فكيف لفتاة بهذا الصفاء والنقاء! فهي المتورطة بهذه الجريمة لكنها تشعر بالشفقة والحزن من أجل الآخرين وهي بهذه الحالة!
أبتسم فريد قليلاً يتفحصها جيداً، يتفحص كل إنش بها بدايةً من عينيها الخضراوين التي تجعله أسيراً وعبداً لها، كيف لأحد أن يقف بشموخ وصمود أمام تلك العيون! تلك العيون هي أيضًا التي أسرتْه منذ سنين إلى الآن!
لاحظته آية لتبتلع ريقها بخجل منه لأول مرة، وهي تعيد خصلاتها المتمرّدة خلف أذنيها بتوتر واضح جعلها في قمة الأنوثة أمامه، تماسك فريد وهو يتفادى النظر إليها، فكلما رآها أو تحدث معها تحدث معه هذه الحالة التي ستصيبه بالجنون يومًا ما.
احم فريد أنا جعانة.
حمحمت آية كي تتفادى نظراته هي الأخرى لتمثل بأنها جائعة، لكن عندما وجدته يشير إلى الطعام بجوارها وعلى وشك الخروج، أردفت:
رايح فين!! تعالي افطر معايا ممكن؟!
نظر لها فريد بصدمة مشيراً لنفسه ببلاهة، فلأول مرة تطلب منه هذا الطلب، لكنه عزم أن يبقى هذا الحاجز بينهما حفاظًا عليها، فهو سيظل حارسها وليس شيئًا آخر.
فريد أنا بكلمك!!
قالتها آية متعجبة من صمته، لكنه قال بلهجة متكلفة هذه المرة:
أنا فطرت ي آية هانم، افطري انتي وأنا هعمل اتصال برا على ما تخلصي.
طيب ممكن متبعدش عن هنا!
شعر فريد بخوفها الذي رآه بعينيها ولهجتها المضطربة، ليؤمئ لها بابتسامة حنونة كي تشعر بالأمان، ليخرج بعدها بعد أن شعر بأنها على ما يرام.
***
عاملة إيه ي ريم ي حبيبتي دلوقتي؟
قالتها ناهد بحب وهي تجلس بجوارها هي وفادي أخوها الصغير الذي كان يبكي من أجلها.
أنا كويسة ي ماما ناهد اطمني.
دايمًا ي حبيبتي، هقوم أجيب لك تاكلي لأحسن وشك اصفر خالص.
أومأت لها ريم ليقترب فادي منها قائلاً بخوف:
ريم ممكن تحكيلي فيكِ إيه؟
أنا كويسة ي قلب ريم، المهم انت واقف وبتعيط كده ليه زي البنات ي طفل انت!! مش أنا قولتلك قبل كده اوعي تعيط في حياتك أبداً.
أنا مش زي البنات ي ريم، أنا بعيط عشان خايف عليكي، خايف لأحسن أخسرك زي وحيد!
انهمرت ريم وقتها بالبكاء فور نطقه لهذا الاسم لتحتضنه بشدة تقول نافية:
لأ ي حبيبي متخافش أنا هفضل معاك ووحيد الله يرحمه هيفضل معانا بروحه ومش هسيبك أبداً.
طيب ممكن تعتبريني زي وحيد وتحكيلي زي ما كنتي بتحكيله كل حاجة!
قالها فادي براءة طفل، لكنه وجدها صرخت به وهي تهلوس بكلام غريب:
لأ... لا مش هحكي لحد حاجة، أنا كده أحسن، روح ذاكر أنت ي فادي عشان تبقى زي وحيد وينبسط منك ي حبيبي.
تقدم خالد بهذا الوقت قائلاً بلهجة آمرة لفادي:
اسمع كلام ريم ي حبيبي وروح شوف مصلحتك.
خرج فادي بخيبة أمل مجددًا، فكلما ذكر اسم أخيه وحيد رأى ريم بهذه الحالة.
ممكن أقعد ولا كمان هتقوليلي روح شوف مصلحتك!
قالها خالد بهدوء عكس ما يجول بداخله من تساؤلات كثيرة يريد لها أجوبة أكثر.
اتفضل اقعد.
قالتها ريم بهدوء عكس ما بداخلها هي الأخرى، دلفت ناهد بهذا الوقت تضع صينية الأكل أمام ريم ثم بعد ذلك خرجت بناءً على طلب خالد، ليقترب خالد منها يقول بلهجة آمرة:
كلي الأول ي ريم وبعدين نتكلم.
نتكلم في إيه؟!!
قالتها ريم بتوتر واضح بدا عليها، ليقترب منها أكثر ينظر لها بنظرات لائّمة قائلاً:
نتكلم في اللي مخبياه عني ي ريم، انتي ي ريم!!
وقعت الملعقة من يديها لتفركها بتوتر تنظر بأحد أركان الغرفة لا تريد رؤية تلك النظرات اللائّمة.
كلي ي ريم الأول عشان تروقي لكلامي لأن دي شكل قعدتنا هتطول أوي..!
أنا شبعت ي.. خالد ممكن أنام شوية.
لأ هتاكلي ي ريم لحد ما تشبعي كمان، كفاية نوم، فوقيلي لو سمحتي عشان والله والله لو اتكلمتي كلمة تانية واعترضتي انتي عارفة أنا ممكن أعمل فيكي إيه، انتي فاهمة!!
قالها بهمجية شديدة، فعصبيته الزائدة نادرًا ما تظهر، لكن بمثل هذا الموقف شعر بالجنون.
ارتبكت ريم وهي تجذب الملعقة تبدأ بالأكل وهي تنظر له بخوف تبكي وهي تأكل، لا تعلم ما الذي يحدث معها.
متعيطيش! أنا هسيبك دلوقتي عشان فيه حد كده هيقعد يسمع معانا حوارك ده ورايح أجيبه.
تعجبت ريم لتقول متسائلة:
حد مين ده!!
كلي الأول وهتعرفي أما أرجع بيه.
***
يعني ي آنسة شهد متواصلتيش معاها من امبارح لدلوقتي؟
أبدًا والله ي ماهر بيه، أصل أنا وهي كان بينا مشاكل كده في آخر فترة، وعلى ما أظن هي لو كانت عرفت الخبر كانت اتصلت بيا فوراً، لأن آية كانت بتحب سمير الله يرحمه أوي، ده غير أكيد تعرف حضرتك إن فرحهم كمان أيام.
رد ماهر متعجبًا:
منين فرحها كمان أيام وهي لسه برا؟!!
فركت شهد يديها بتوتر وبداخلها خوف كبير، لم تعلم كيف تخطت هذه المشكلة وهي الآن تجلس أمامهم ولم يصيبها شيء، لكنها نظرت إليه تقول بتبرير:
على ما أعتقد إنه كان هيسافر لها برا، لأن فرحهم كان هيبقى بدبي، دي كانت أمنية حياة آية على ما أتذكر.
على ما تتذكري!!!
قالها ماهر بشك كبير بكلامها الغير مفهوم والذي لم يقتنع به، لكنه وقف عازمًا على الخروج.
طيب اشرب الشاي ي ابني على الأقل.
مرة تانية ي مدام سوسن، أكيد هنتقابل الفترة الجاية كتير، ولا إيه ي آنسة شهد؟!
قال جملته بابتسامة ساخرة وكأنه يعلم ما يجول بذهنها هذه اللحظة.
ها! آه أكيد إن شاء الله ي فندم، حضرتك تشرف في أي وقت.
خرج ماهر وهو يعلم جيدًا أن ورائها شيء كبير تخفيه، خلفها لغز كبير هو من سيحله فقط.
بعدما خرج جلست شهد وهي تتنفس بصعوبة تشعر بخنقة شديدة، فجلبت لها أمها مياه، فار تشفت منها القليل وهي تفرك برأسها وترتعش، لتهدئها أمها قائلة:
مشيو ي حبيبتي متخافيش.
أنا مكنتش أتوقع إن فيه يوم من الأيام يحصل معايا كده ي ماما! أنا مش عاوزة أشوفهم تاني ولا حتى في خيالي.
أهدي ي حبيبتي أنا معاكي، وبعدين انتي ليه أخدتيني على جنب كده وخلتيني أقول الكلام ده، رغم إن آية صاحبتك مش بدبي، إيه اللي بيحصل ي بنتي، فهميني طيب!
وقفت شهد فجأة تتصبب عرقًا تقول:
معلش ي ماما مش هقدر أعرفك حاجة دلوقتي، بس صدقيني هتعرفي قريب.
دلفت غرفتها، ثم بعد قليل خرجت بالعديد من الشنط التي كانت تحمل بها ثيابها وكل شيء يخصها، لتهب سوسن واقفة تقول:
إيه اللي في إيدك ده ي شهد!!
ماما ارجوكي متمنعنيش، أنا ماشية ورايحة بيت بابا وهستقر هناك، وأنا عرضت عليكي وانتي موافقتيش، لكن بليز متمنعنيش لأني مش مرتاحة هنا!
نعممم!! انتي بتحطني قدام الأمر الواقع ي شهد!! قولت مش هنروح يعني مش هنروح، إيه مبتفهميش!
حتى لو قولتلك إن قعدتي هنا فيها خطر عليا وعليكي!
قالتها شهد ببكاء لتبتلع سوسن ريقها تقول بتوتر:
إيه !!!
صدقيني زي ما بقولك كده ي ماما، على ما نروح هناك ونستقر هحكيلك على كل حاجة، لكن إحنا هنا في خطر صدقيني، ومتسألنيش عن حاجة لأن مش هجاوبك هنا.
قلقت أمها كثيرًا وشعرت بمدى الخطر الذي سيتعرضون إليه! فملامح ابنتها تقول لها الكثير، تترجاها أن لا ترفض وتأتي معها لتقول بهدوء:
أنا موافقة ي شهد، بس إحنا هنمشي إزاي والليل ليل كده، خليها للصبح ي بنتي.
متخافيش ي ماما خالد جاي ياخدنا.
خالد مين!!!
قالتها سوسن بتعجب متسائلة.
خالد ابن عمي ي ماما، يلا بسرعة جهزي هدومك عشان ده في مسافة السكة.
إيه!!!
رواية ساعة الانتقام الفصل الثالث 3 - بقلم دينا اسامة
قالتها أمها بصدمة كبيرة، لكنها حاولت إخفائها قليلاً.
عندما دلفت غرفتها تلملم بثيابها وبداخلها نيران تشتعل والماضي القديم الذي تركته خلفها سيتجدد عليها.
لكن ما باليد حيلة، فحياة ابنتها فوق كل شيء.
خرجت بعدها بعدما سمعت صوته بالخارج.
تقدمت إليه بابتسامة زائفة حاولت رسمها:
- إزيك يا خالد عامل إيه يا بني.
- أنا الحمد لله يا ماما سوسن، إنتي إيه أخبارك؟ وحشتيني إنتي والقرَدة الصغيرة بتاعتنا.
خرجت شهد حينها تقول بشهقة من ما قاله بأنها قرَدة!
- نعم يا سي الدكتور انت! معلش متعملهمش علينا عشان درست طب وكده، عرفة بقى إني خريجة تجارة وإن شاء الله هيجيلي شغل في البنك قريب وأبقى محاسبة قد الدنيا.
ابتسم خالد بعدما رآها، فهي وحدها من تستطيع أن تخرجه من أي حالة يمر بها.
منذ الصغر وإلى الآن لم تتغير بعد!
- أخص عليك، أنا قولت كده برضه! وبعدين تقلانة علينا ليه إنتي وماما كده؟ مش بتفتكرونا إلا في المشاكل.
قالها خالد مازحاً إياهم، لكن نظرت إليه سوسن متعجبة تقول:
- مشاكل! مشاكل إيه خير؟ ربنا يبعدها عنا!
تنحنح خالد بعدما نظر لشهد التي لامته بعينيها وكأنها تريد قتله.
فضحك بصوت عالي يقترب من شهد يضمها إليه يهتف غامزاً لها:
- مهو للأسف بقى كل ما بشوف شهد بنت عمي بيبقى فيه مشاكل، ولا إيه رأيك يا قمر إنت!
توسعت عينا شهد بصدمة وهي تلكذه بيديه ناهره له:
- طيب أشطا كده، يلا روح بيتك بقى مش هرجع أنا.
كانت سوسن تراقبهم بصمت، تريد إبعادهم عن بعض ولا تريد اقترابهم هذا الذي سيسبب لهم الألم فيما بعد.
فما فعلته كان الصواب بعد وفاة زوجها، لكن للقدر رأي آخر هو من جعلها تائهة الآن لا تعلم ما تفعله، هل هو الصواب!
لكنها تؤمن بشدة بالقدر وحكمة الله من عودتهم.
فاقت من شرودها على صوت خالد الذي كان ينادي بأحد كي يساعده بحمل الحقائب.
وبعدما أغلقت المنزل اتجهت ناحية صاحب البرج تعطي له المفتاح وتخبره بأنها سترحل إلى منزلها القديم.
تقدمت شهد حينها تقول له:
- عمي عبد الله الله يخليك لو أي حد جه هنا وسأل علينا قولهم سابوا البيت وسافروا ومتعرفش مكانهم.
- دي خدمة مش هنسالك أبداً.
- اطمني يا بنتي، سرك في بير.
- هتوحشونا أوي، كنتوا عاملين روح للبرج.
- بس ربنا يسعدكم في المكان اللي هتروحوه، مسيرنا نتقابل إن شاء الله.
ابتسمت له شهد بحب وهي تودعه.
وأثناء خروجها من البرج التصقت بشخص ما، الذي نظر إليها بغموض كبير.
يرى تلك الحقائب التي تخرج من البرج ومن الواضح أنهم سيرحلون.
لم تعلم شهد من هو فلم تراه بهذا البرج من ذي قبل، لكنها قالت معتذرة:
- أنا آسفة، ما أخدتش بالي معلش.
- لأ ولا يهمك، محتاجة مساعدة!
تعجبت شهد من عرضه ونظراته الغريبة، لكنها شكرته ورحلت سريعاً إلى خالد الذي كان ينتظرها.
وبمجرد دخولها إلى السيارة رحلت سريعاً مختفية عن الأعين للأبد!
ظل ذاك الشخص ينظر بالفراغ أمامه يعلم أنها رحلت الآن.
ليخرج من شروده على صوت العم عبد الله يقول له:
- خير يا شادي بيه! محتاج حاجة؟
نظر له شادي متسائلاً:
- بقولك إيه يا عم عبد الله، هما السكان اللي كانوا ماشيين دول هما راحوا فين؟
توتر العم عبد الله يقول له بناءً على طلب شهد منه:
- دول سافروا يا بيه ومش هيرجعوا تاني.
- إيه!!
قالها شادي بألم شديد من فكرة أنه لم يراها بعد الآن!
رحل من أمامه يتجه صوب شقته الذي يسكن بها بمفرده، يغلقها بحزن شديد وتحول كل شيء أمامه إلى ظلام حالك بعد بُعدها!
***
- ماهر بيه، شهد وأمها جالهم واحد غريب النهاردة ومشوا معاه.
- وباين كده إنهم سابوا البيت اللي كانوا قاعدين فيه.
- بس لما سألت صاحب البرج قالي إنهم سافروا ومش هيرجعوا تاني.
فكان شك ماهر بمحله من هذه الفتاة المحتالة التي ترتدي قناع البراءة أمامه.
فهي تعلم عن هذه الجريمة جيداً.
نهض من مكانه يغلق هاتفه يلقيه أعلى المنضدة.
يتذكر وجهها وطريقة حديثها وتمثيلها البارع، لكن على مين كما يقال!
فهذا ماهر الطوخي الذين يطلقون عليه المخادع بذاته.
فهو يعلم ماهية الكائن أمامه وبماذا يخطط وعلى ماذا ينوي.
وقف أمام مرآته مبتسماً بسخرية على فعلتها الطفولية هذه التي أكدت له الكثير.
فلابد من شكرها الآن، فهي أثبتت بأن لها صلة بسمير النوبي ولها علاقة بقتله!
- هتروحي مني فين يا شهد! هجيبك يا غالية لحد عندي ترقعي!
خرج من منزله متجهاً لسيارته يقوم بقيادتها بسرعة مهولة.
يتصل بأحد من أعوانه قائلاً له:
- اعرفلي مين اللي مشيت معاه ده ومشوا على فين بسرعة، إنت فاهم.
- أوامرك يا فندم.
أغلق هاتفه يمسكه في قبضته يسير إلى عمله.
***
حل ظلام الليل وبذلك الكوخ الغريب الذي كان تجلس به آية.
شعرت بحركة غريبة أمام الكوخ، قررت أن تنهي خوفها هذا.
فوقفت أمام الباب كي تفتح وترى ماذا يحدث بالخارج.
لكنها تذكرت فريد عندما طلب منها أن لا تخرج منه لأي سبب كان.
عادت مكانها بخيبة أمل تشعر بالخنقة في أفعالها.
فكانت فتاة حرة تفعل ما يحلو لها، لكن الآن عليها اتباع ما يقوله فريد لأجل سلامتها.
جلست مكانها كي تغفو قليلاً فتشعر بإنهاك شديد.
أغمضت عينيها لكنها لم تبقى على هذه الحالة.
فجأة فتحتهما بصدمة عندما وجدت أفعى تتربص لها تلتوي أمامها وهي تقترب منها.
صرخت آية حينها بفزع تهب واقفة من مكانها.
اقتربت من الباب وعزمت على فتحه لكنه لم يُفتح!
تبلورت عيناها وهي تراها على مقربة منها وهي لم تستطع فعل شيء.
صرخت بالمساعدة وقتها تنادي بفريد بخوف شديد لعله ينقذها مثل كل مرة.
شعرت بأنها ستموت لا محالة عندما وجدت الأفعى أمامها مباشرةً وهي غير قادرة على الحركة.
شلت أطرافها لم تستطع فعل شيء.
أغلقت عينيها مستسلمة لما سيحدث معها.
لكنها وجدت من يحملها من مكانها يلقي بالأفعى بعيداً عنه.
تمسكت به ببكاء عندما علمت أنه فريد، منقذها الوحيد بعد أبيها.
ضمه فريد إليه يقول وهو يربت على ظهرها برقة:
- خلاص اهدي، إنتي بخير دلوقتي اطمني.
- أنا.. كك.. كنت هموت يا فريد!
قالتها ببكاء هستيري تتمسك به أكثر وكأنه طوق نجاة بالنسبة لها.
- متخافيش، أنا معاكي.
- أنا آسف إني سبتك لوحدك وقفل عليكي من برا، بس صدقيني خوفت لأحسن تخرجي وده خطر عليكي، لكن معرفش إن ده هيحصل.
- سامحيني.
وجدها تبكي أكثر ف حملها ووضعها على فراشها يقوم بتهدئتها.
يربت على شعرها الحريري المسترسل يبث بها الطمأنينة.
لتقول له:
- نام هنا يا فريد من فضلك متخرجش تاني.
- حاضر يا آية هانم، اللي تشوفيه.
- ممكن بلاش هانم دي تاني!
قالتها آية بعصبية تريد صفعه الآن فهذه الكلمة تثير بها الاشمئزاز.
- مش فاهم قصدك إيه!
- يعني قولي يا آية، ممكن! وأنا اللي بأمرك أهو تقولي يا آية عشان هانم دي مبحبهاش.
ابتسم فريد بخفة يقول:
- حاضر يا آية هانم.. قصدي يا آية!
أومأت له آية لتطلب منه وقتها أن ينام.
ابتسم فريد يقول لها بحب:
- نامي إنتي وبعد ما أطمن إنك نمتي هنام أنا كمان.
نظرت له بقلق، فَعَلِم مصدر قلقها ليقول لها:
- مش هخرج وأسيبك، متقلقيش، هفضل معاكي هنا.
ابتسمت له قبل أن تنام.
ابتسم لها هو الآخر وعندما علم بأنها غفت في نوم عميق اقترب منها يجثو على ركبتيه.
يعيد خصلاتها التي تعيق رؤيته لوجهه الملائكي.
ظل مساهياً بها يردف من بين شروده:
- ببعد عنك أكبر وقت عشان مأضعفش يا آية! إنتي مصدر ضعفي.
- أنا عمري ما كنت ضعيف كده.
- عمر ما حسيت بالشعور ده إلا معاكِ.
- معرفش اللي بعمله ده صح ولا لأ، لكن اللي أعرفه إني لازم أفضل معاكي.
- لازم أحميكي من أي حاجة حواليا حتى من نفسي.
امتلأت عيناه بالدموع ليهب واقفاً يبعد نظره عنها ينظر بالفراغ محاولاً السيطرة على مشاعره الدفينة الذي ظل يكتتمها بداخله.
لكن إلى متى سيخفي هذا الحب الكبير الذي أخفاه منذ عدة سنوات!
فتحت آية عينيها بصدمة من ما سمعته.
فسمعت كل ما قاله فريد لها.
كان قلبها يدق بعنفوان شديد.
تنظر له ببلاهة، لكنها أغمضت عينيها فوراً عندما نظر إليها ليقترب يجلس على الأرض جوارها عازماً أن يغفو جوارها.
كانت آية تشعر بشعور غريب نحوه هذه المرة!
شعرت بنغزة بقلبها لا تعلم سببها، لكنها قررت تجاهل ما سمعته أفضل لها وله هو أيضاً.
***
كان شخص ما يتقلب على فراشه وكأنه يقاوم شيئاً شنيعاً يحدث له.
فكان نائماً ولا بد أنه يحلم الآن من علامات وجهه والعرق الغزير الذي كان يملأ جبهته.
فكان يرى شخصاً ما لم يعلم هويته يخنق فتاة بشدة.
وعندما أتت فتاة أخرى خلفه لم يعلم من هي خنقها أيضاً وكأنه يتلذذ بتعذيبهما.
لكن ما صدمه أن كانت من بين تلك الفتاتين شهد!
كان يخنقها بشدة وكأنه يريد إخفاء سر تعرفه هي وحدها.
لذلك قرر التخلص منها.
وعندما أتت فتاة كي تنقذها حاول التخلص منها هي الأخرى.
ليهب فزعاً من ذاك الكابوس المخيف ينادي باسم شهد.
ثم نظر ليديه وكأنه يعلم أن شيئاً سيظهر على يديه.
وجد كلمة "خطر" ظهرت على كفه يديه.
ثم اختفت سريعاً وكأنه معتاد أن تظهر مثل هذه الكلمات على يديه.
وقف من مكانه يفرك بشعره ووجهه يتصبب عرقاً.
كان قلقاً بشدة من ذلك الحلم الذي يأتيه للمرة الأولى.
لكن كيف أن تأتي شهد بمنامه دون إنذار!
تذكر عندما التصق بها قبل أن ترحل من البرج.
فلهذا السبب حلم بها ورأى حالتها النفسية وما سيحدث.
فكان خائفاً حقاً.
فهو يعلم جيداً أن أحلامه حقيقة مئة بالمئة.
لأن وحده من يعلم هوية نفسه ويعلم من هو!
لذا قرر الوصول إليها بأسرع وقت قبل أن يصيبها شيء.
***
كانت تبكي بشدة وهي تحمل هاتفها تحاول أن تتصل بأخيها.
تهرول خارج المنزل تجري بها الرياح.
لكنها توقفت عندما أرسل لها شخص فيديو كي يريها ماذا سيحدث لأخيها الآن.
كانت تقف تتابع الهاتف ببلاهة إلى أن صرخت بشدة عندما وجدت سيارة تدفع أخاها.
ليسقط غريقاً بالدماء.
أخذت تجري إلى ذلك المكان وهي تصرخ باسمه:
- وحيددد... وحيددد!
توقفت قدماها عندما وجدت حشداً من الناس متجمعين حول أحد ملقى أثر حادثة.
كانت تتقدم بضع خطوات وتتراجعها أيضاً.
لم تقتنع أن هذا أخيها إلى الآن.
ظنت أن هذه مزحة ولم يفعل معه ذلك الحقير شيئاً.
لكن عندما أبعد رجل تلك ورقة الشجر التي كانت تعيق رؤية وجهه كي يرى ملامح وجهه.
صرخت ريم بفزع وهي تضع يديها على وجهها تجري إليه تهزه بشدة تدعوه بأن يفيق والا يتركها بهذه الطريقة!
- وووحيددد... وووحيد لأ قوووم.. قوووم متعملش فيا كددده.
- إنت بتمثل صح! قوووم يا وحيد!
وجدت من يشير لها من بعيد ويرسل لها قبلة بالهواء.
فلم يكن سوى ذاك الشخص الذي قتله.
صرخت أكثر بحرقة وهي تهزه كي يفيق لكن دون جدوى.
لتلتهب ريم فازعة من نومها تنادي به وتهلوس ببعض الكلمات الغريبة:
- اا.. أنا السبب.. أنا السبب في موتك يا وحيد... لااااااا... وحيدددد..
تقدمت إليها أمها بهلع تجلس أمامها رغم عصبيتها وما فعلته معها، لكنها شعرت بالقلق عليها:
- مالك يا ريم؟! ده كان كابوس من كوابيسك صح؟
أومأت لها ريم بصمت.
وبعد قليل دلف خالد إليها الغرفة وخلفه شهد التي جرت إليها تحضنها:
- وحشتينييي يا ريمووواخص عليكي كده متسأليش عليا!
احتضنتها ريم بفرحة عكس ما كانت عليه منذ قليل:
- شهد إنتي هنا! مش مصدقة حاسة إني بحلم.
نظرت لتجد سوسن تنظر لها بحب ف قامت من مكانها بتعب تقول:
- ماما سوسن وحشتينيي!
احتضنتها سوسن تقول لها بحب:
- وإنتي أكتررر يا حبيبتي.
- أخبارك إيه طمنيني.
- أنا بخير الحمد لله طول ما إنتوا بخير.
اقتربت شهد منها تلف يديها على ذراعها تقول بمزاح:
- خدي الكبيرة بقيمش إحنا نوينا نستقر هنا زي زمان.
صرخت ريم بفرحة وهي تحتضنهم ثانيةً.
ابتسم خالد لرؤيته لها فرحة بهذا الحد، فكان يعلم مجيء شهد سيغير الكثير بمجرى حياتهم سواء هو أو هي..!
جلست سوسن هي وورد برفقة ناهد بينما تحدث خالد بهذا الوقت قائلاً:
- اقعدولي إنتو الاتنين بمشاكلكم دي.
لوت شهد فمها وهي تجلس جانب ريم التي توترت كثيراً لأنها تعلم جيداً أن خالد لن يتركها الآن إلا أن عَلِم كل شيء وهذا ما تخشاه كثيراً.
فسبق وعلم شخص بهذا الموضوع وتركها ورحل..!
لا تريد أن تفقد أحد آخر بحياتها.
ففراق أخيها وحيد ليس هين عليها.
إلى الآن تشعر بالذنب ترى دمائه ملطخة يديها، فهي السبب في موته بهذه الطريقة!
عندما كانت شهد على وشك أن تتحدث بشيء نادت أمها بها لتتجه إليها قائلة:
- خير يا ماما.
- مش قولتيلي لما نوصل هنا هتبلغيني بكل حاجة.
- يلا بينا على شقتنا فوق وتحكيلي الحكاية.
قالتها سوسن بجدية واضحة، بينما هدأت شهد من روعتها تقول لها:
- اهدي يا ماما هقولك كل حاجة والله بس مش دلوقتي.
- سيبيني أقعد مع ولاد عمي مشفتهمش من زمان، عاوزين نتكلم مع بعض شوية.
لوت سوسن فمها لتقول لها:
- طيب أنا هسبقكك على فوق وتحصيني متتأخريش إنتي فاهمة.
- حاضر يا ماما حاضر.
قالتها شهد بتعب من أمها ومن تصرفاتها الغريبة مع أقارب أبيها، فلم تعلم لماذا هذا التجنب من ناحيتها تجاههم!
التصقت بخالد الذي كان يتابع شرودها يقول:
- احم آسف قطعت عليكي اللحظة الرومانسية العظيمة دي.
- إني آسف!
ابتسمت شهد بمرح تركله بمعدته قائلة:
- هتفضل طول عمرك تضايقني كده! مش هترحم منك يا بني!
- لأ.
قالها خالد بثقة تامة يغمز لها لتتنهد هي بخيبة أمل من حالته عندما يراها فيحب مضايقتها وإزعاجها كثيراً منذ الصغر وإلى الآن لم يتغير شيء.
رواية ساعة الانتقام الفصل الرابع 4 - بقلم دينا اسامة
جلست شهد بتوتر واضح، بدا على ملامحها بعد حديث أمها، فلا تعلم حتى الآن لماذا تتجنب أهل والدها، وخاصةً خالد وأمه، منذ الصغر.
هذا ما أثار دهشتها.
فاقت من شرودها على صوت ريم وهي تتجادل مع خالد. تقول بصوت مرتفع قليلاً، وبه بعض الألم والخوف لاحظته:
"خلاص ي خالد، قولت مش هقول حاجة! قولتلك الفيديو ده متركب ليا وأنا مش دي، وأظن أنت عارف كويس ده. وبالنسبة لمين اللي عمله، ف أنا معرفش. ممكن تهدى بقي."
"- وعاوزاني أصدقك ي ريم؟ ريم، إنتي مخبية إيه عننا؟ إيه اللي مخليكي خايفة تحكي؟ متخافيش ي ريم، إحنا معاكي، أنا وشهد، كلنا معاكي. حتى وحيد الله يرحمه معاكي على طول، وهو لو موجود دلوقتي كان هيعمل معاكي نفس اللي بعمله. أنا واثق."
قال خالد كلماته بصدق، يرسل بعينيه طمأنينة كبيرة لريم، التي فور ذكر اسم أخيها تذكرت ذاك اليوم. وضعت يديها أعلى وجهها تجهش بالبكاء.
اقتربت شهد منها تحتضنها مهدئةً إياها قائلة:
"وحيد هيفضل معانا على طول. ربنا يرحمه، وأكيد هو في مكان أحسن ي حبيبتي."
أومأت لها ريم، لتقول شهد بعدم فهم:
"هو فيديو إيه اللي بتتكلموا عليه؟ مش فاهمة."
حكى لها خالد ما حدث، وعن تلك الرسالة التي وصلت إلى ريم كنوع من التهديد.
"- الفيديو ده متفبرك فعلاً، وأنا أقدر أعمل زيه بالظبط بالذكاء الاصطناعي. بس مين هيكون بيكره ريم كده علشان توصل بيه الدرجة إنه يأذيها بالطريقة دي؟ على ما أعتقد ممكن تبقى بنت وغيرانة منها ومبتحب لها الخير."
نفي خالد كلامها، يقول وهو ينظر بشك لريم، التي كانت تتابعهم في صمت تام:
"- أنا إحساسي بيقولي إن ده شاب مش بنت، لأن من خلال طريقة الكلام في الرسالة حسيته إنه شاب. وكمان ريم تعرفه، ولا إيه رأيك ي ريم؟"
نظرت ريم بالفراغ، لم تعلم بما تجيب، وخاصةً أنها الآن على وشك أن تُكشف لا محالة، وهذا ما تخشاه لأجل سلامتهم، وبالأخص سلامته هو.
"- ريم، إحنا بنكلمك، ردي علينا!"
"مخبية إيه؟ انطقي!"
قالها خالد بنفاذ صبر منها، فلم يعتاد عليها هكذا، فكانت واضحة وصريحة دائماً. ماذا حدث لها ليجعلها بهذا الغموض؟
"- اهدي ي خالد، كله بالراحة. أكيد ريم متوترة، بس شوية وشوية هتقولنا."
قالتها شهد بهدوء كي تلطف الأجواء بينهم، لكنها فشلت عندما هبّ خالد بعصبية شديدة، يقول كلامه موجهاً لشهد:
"- شهد، هي شكلها مش ناوية تقولنا حاجة. خليها على راحتها، أنا مش هضغط عليها. بس كل اللي بتعمله ده هيضيعها لو فضلت ساكتة."
ثم نظر لريم، يقول بلهيب محذراً إياها:
"- تعرفي لو اتحطيتي في مشكلة بسبب الموضوع ده ووسختي اسم عائلة الجبالي، وجيتي حكيتي في وقت مينفعش فيه الكلام، هشرب من دمك ي ريم. أنا بحذرك ولآخر مرة هقولك، أنا موجود في أي وقت هتعوزيني فيه، لكن لو حاجة حصلت أكتر من كده والموضوع اتطور، ساعتها إنتي الجانية على روحك. إنتي فاهمة!"
قال كلماته بتهور، غير آبهاً بتلك التي تنفطر بالبكاء من ألفاظه وشراسته غير المعهودة. وقبل أن يرحل من أمامها، أوقفنه تقول بتحدي وهي تمسح دموعها بثقة:
"- وأنا مش هحتاجك في أي حاجة ي خالد. وعمري ما هحكيلك أي حاجة بتحصل معايا. فكرتك زي وحيد أخويا، لكن للأسف مفيش غير وحيد واحد في حياتي وربنا خده مني."
نظر إليها خالد بسخرية قائلاً:
"- ده اللي كنت عاوز أقولهولك. أنا مش وحيد، أنا خالد ابن عمك! وللأسف وحيد ابن عمي الله يسامحه على اللي عمله فيكي. دلعك آخر دلع. مبقاش حد عارف ياخد ويدي معاكي من بعد ما مات، لكن مش هبقى زيه وأحسس عليكي في المعاملة. لأ، فوقي ي ريم."
لاحت على وجهها ابتسامة ساخرة من حديثه وكلامه الذي مزق قلبها وجعلها تشعر لأول مرة أنه ابن عمها فقط كما قال. بل وهي كانت تراه وحيد أخيها، منقذها وملجأها، لكن هي بالنسبة له ابنة عم فقط. صمتت صمت تائه، لا تعرف بما تجيبه بهذه الحالة، ففضلت أن تصمت وإلا سيصيبها شيء الآن.
لام خالد نفسه بعد ما قاله، وخاصةً عندما وجدها صامتة، تجلس على فراشها تنظر للفراغ. شعر بمدى بشاعة ما قاله، لكنه قال تلك الكلمات كي تثير انفعالها وتخبره بما في قلبها. لكنها هربت وما زالت تكتم الكثير من الأسرار داخلها. لكنه عزم أن يعلم ما تخبئه بأقصى سرعة، وهذه الطريقة الذي ستساعده.
كانت شهد تائهة بينهم، ومن بين كل هذه المشاكل التي وُضعت بها، من مشاكلها الخاصة إلى مشكلة أمها، ولا تعلم ما تخبئه، وبالأخير ريم وما تخبئه هي الأخرى. شعرت بشيء غريب وقتها، أنها ستقع ضحية هذه المشاكل في القريب العاجل. كادت أن تفقد وعيها بعدما شعرت بدوران، لكن جذبها خالد فوراً، يقول بخوف:
"- شهد، مالك!! إنتي كويسة؟!"
هبت ريم تقترب منها وتلمسها كي تطمئن، لكنها لمست يدين خالد بالمقابل، الذي نظر لها بعتاب كبير ظهر في عينيه.
ابتعدت يديها سريعاً عنه بغضب، تقول:
"- مالك ي شهد، حاسة بأيه؟"
"- أنا كويسة ي شباب، أنا بس دوخت شوية، عادي. ارتاحي إنتي ي ريم، شكلك أعصابك تعبانة. أنا هطلع الشقة دلوقتي وبكرة هنكمل كلامنا، وبالمرة تكوني فوقتي إنتي وخالد شوية."
ذهبت شهد من أمامهم، فاتبعها خالد دون أن يعير ريم أي اهتمام، وهذا ما أثار غضبها، لتدب الأرض بقدميها بذعر طفولي.
"- شهد، إنتي كنتي عاوزة تكلميني بموضوع يخصك! تعالي نقعد عندي واحكيلي، خير."
نظرت له شهد في البداية بتوتر، لكنها عزمت أن تخرج ما في قلبها، لعله يساعدها بأي شيء. وافقت بعدها وذهبت معه.
***
"- خلي بالك من نفسك ي آيه، متثقيش بحد ي حبيبتي. أقرب الناس ليكي هما أعدائك وبييتمنولك الأذية. ابعدي عنهم!"
ردت آيه عليه بالمقابل بعدم فهم:
"- مش فاهمة قصدك ي سمير! مين أقرب الناس ليا دول اللي بيكرهوني! وبعدين أنا معارفي قليلة جداً، وأغلبها سطحية، واللي على علاقة بيهم كلهم واثقة فيهم!"
"- مش كل حاجة بتتشاف هي الحقيقة ي آيه. أنا ماشي دلوقتي، بس أوعديني إنك هتحافظي على نفسك في وسط الغابة دي!"
ردت آيه متعجبة من لهجته، تقترب منه، لكنها وجدته يتبخر في الهواء. هبت من نومها تنادي باسمه بخوف وهي تتصبب عرقاً:
"- سميررر .... سميررر لأ..."
فاق فريد من نومه على صوتها وحالتها المريبة التي رآها بها، فكانت تجلس القرفصاء تضم ساعديها حول قدميها وتهز بجسدها بخوف كبير من ذاك الحلم ومن رؤيتها لسمير وملامحه المضطربة بالحلم، وكأنه كان يريد إخبارها شيئاً لكنه لم يجدر به. كانت ملامحه متعبة وكان حقاً خائفاً عليها. بكت أكثر وهي تتذكر لحظاتها معه، فهو كان أقرب شخص لها، كان الشخص الذي أحبته بصدق وهو كذلك، لكن كان حبهم الأخوي طاغياً. فعل المستحيل لأجلها ولأجل يوم زفافهم الذي أتى لكنه لم يأتي!
اقترب فريد بقلق، يقول:
"- خير ي آيه هانم، ده كان كابوس؟!"
هزت برأسها علامة الإيماء وهي تبكي، تقول له بألم:
"- شفت سمير بالحلم."
"- ربنا يرحمه ي رب. خير، اللهم اجعله خير."
"- كان بيحذرني من ناس قريبة مني وبيقولي إنهم أعدائي. ي فريد، هو قصده مين ي فريد؟!"
قالت كلماتها ببرآءة شديدة وهي تبكي. بدت على ملامحه الدهشة، يقول لها:
"- أعداء!! أعداء مين دول!! آيه هانم، إنتي متعرفيش حد. إنتي في حالك، وأكيد مش كل حلم حقيقي وليه مغزى."
"- لأ، أنا حسيت إني قاعدة مع سمير. حسيت بيه، شميت ريحته! كان خايف عليا أوي ي فريد. أنا واثقة إن الحلم ده ليه مغزى، ربنا بعتهولي. بس مين القريب مني اللي بيكرهني ي فريد!"
قالت كلامها وهي تنظر في عيني فريد، الذي تاه في عينيها الخضراوين، ونسي كل شيء حوله. توقف الوقت حينها. ظل شارداً بها وبعينيها المنتفختين أثر البكاء، وأنفه وخدودها الحمراء. كانت أمامه كقطعة جاتوه يريد أكلها، بل وأنها أجمل قطعة جاتوه رآها بحياته.
شعرت آيه بنظراته التي تتفحصها، قلقت وتوترت وهي تبتعد عنه قليلاً، تحمحم، قائلة:
"- آسفة إني قومتك من النوم!"
تنحنح فريد، يؤنب نفسه مجدداً على ما يصدر منه بهذه الفترة دون دراية منه، فأصبح غير قادر على الابتعاد عنها، بل يقترب أكثر وأكثر. وما أحزنه داخله أنه استغل هذا الشيء بعد وفاة سمير وبدأ بالاقتراب منها. ونسي أنه حارسها، بل أكثر، أنها لم ولن تحبه بيوم من الأيام، فحبها لسمير كان عميقاً وصعب نسيانه مهما فعل، هذا ما كان يشعر به.
نهض من مكانه، يقول بحرج:
"- ارتاحي ي آيه هانم وكملي نومك. كان كابوس وراح لحاله."
"- برضو آيه هانم تاني!!"
قالتها بعلامات معترضة، لكنه ابتسم ابتسامة سريعة، مردفاً:
"- ارتاحي ي آيه دلوقتي، علشان بصراحة أنا حجزت تذكرتين لينا علشان هنسافر بكرة."
"- اييييه!"
قالتها بصدمة وهي تعتدل في جلستها، هاتفة:
"- إنت بتقول إيه! وإحنا نسافر ليه؟!"
"- آيه هانم، إحنا ملناش قعدة هنا اليومين دول، والمكان اللي إحنا قاعدين فيه ده مبقاش آمن لينا، بل مصر كلها دلوقتي. مينفعش نقعد فيها. لو هنسافر أسبوعين برا على ما نشوف إيه اللي هيحصل في القضية، لأني مش هرتاح إلا لما تتقفل وتبقى بأمان، وفي الحالة دي ترجعي تاني."
"- فريد، إنت عارف إنت بتقول إيه!!!"
"- فريد، هما فاكرين دلوقتي إني بدبي ولسه مرجعتش، بل الأسوأ إن ده أصلاً خطر عليا. أكيد مش هيقتنعوا إن إزاي واحدة برا ومعرفتش بخبر وفاة خطيبها اللي كمان يومين هيبقى جوزها! أنا مبقتش فاهمة حاجة ي فريد. فريد، أنا خايفة منك! مش عارفة شعوري ده صح ولا غلط، بس تصرفاتك كلها الفترة دي مش مريحاني. إنت مش فريد اللي أعرفه، وبقيت غامض ومش عارفة إنت بتفكر إزاي، وإزاي بتلاقي الحلول دي وبتفكر بطريقة مجنونة. فريد، أنا آسفة إني ضايقتك، بس ده اللي في قلبي تجاهك. بقيت خايفة منك وكل مدى كل ما بخاف أكتر!"
شعر فريد بنغزة في قلبه من كلامها وخوفها الواضح منه، بل وشكها فيه، بعد ما فعل المستحيل لأجلها ولأجل حياتها. أهكذا رد الجميل! كيف تشك به وهو يعرض حياته للخطر لأجلها وغير آبهاً بحياته. كل ما يريده حمايتها وأن يبقى منقذها دائماً، لكنها بهذا الكلام جعلته يشعر بأنه غريب. أبعدت المسافات فجأة. جعلته متوتراً. بداخله نيران تشتعل قهراً، لكنه تفادى كل ذلك وهو يبتعد عنها، يهم بالخروج من ذلك الكوخ كي يلتقط أنفاسه.
حزنت آيه من أجله كثيراً، لكنها قالت كل ما في قلبها، كل ما تشعر به كي يجيبها أو يبرئ نفسه من اتهام عقلها اللعين، هكذا وصفته، لتزفر وقتها بضيق، مقررة الخروج خلفه كي تعتذر عن ما صدر منها. ذهبت خلفه، واضعة وشاحاً أعلى كتفيها، تتجول حول ذلك الكوخ وهي تنادي به:
"- فريد...! فريد، إنت فين!؟"
شهقت بفزع عندما استدارت ووجدته خلفها، ينظر لها بعتاب واضح.
"- خضتني ي فريد! كنت فين؟"
تماسك فريد هذه المرة، وقرر معاملتها برسمية مثل قبل، قائلاً بلهجة زائفة:
"- كنت بشم هوا شوية، ولا حضرتك عاوزة تشاركيني فيه برضو؟"
نظرت له بتعجب من كلامه الذي بدا لها قاسياً، لتقترب معتذرة:
"- فريد، أنا مكنتش أقصد أجرحك. أنا بس قلت اللي حاسة بيه! مش إنت قولتلي مش شرط كل اللي بنحسه يطلع صح؟! ليه أخدت كلامي بجد وزعلت؟"
ابتسم ابتسامة جانبية سخيفة، لاحظتها آيه، وكأنه يستهزأ من كلامها، يقول واضعاً يديه خلف ظهره بلهجة قوية:
"- آيه هانم، أنا مزعلتش من كلامك لإني عارف حالتك، وطبيعي تحسي بالشعور ده حتى لو بأقرب الناس ليكي! مش ده كان كلام سمير بيه برضو ليكي في الحلم، واللي قومتي تطبقيه عليا؟!"
"- فريد، بتقول إيه!!!"
"- أنا مقصدش حاجة بكلامي! فريد، إنت الوحيد اللي وثقت فيه بعد بابا الله يرحمه، وإن كان كلامي ضايقك ف أنا آسفة."
نظر إليها متعجباً، يردف:
"- وليه واثقة فيا أوي كده ي آيه هانم؟!"
"- علشان بابا كان بيثق فيك وكان دايماً بيلجألك في مشاكله!"
"- بس كده!"
قالها فريد يريد معرفة شيء آخر. فأجابته بقول:
"- وعلشان برضو إنت دايماً معايا وبتعمل المستحيل علشان أبقى كويسة و..."
أوقفها فريد مبتسماً لها، يقول:
"- طيب الدنيا بردت، ممكن تدخلي علشان متبرديش."
"- فريد.!"
خرج اسمه من شفتيها بترنيمة أعذب من عندلة العنادل، وكأنها سحابة من نغم، أومضت فأضاءت مصابيح الهوى بين أضلعه، ليجيبها بتعابير متسائلة زائغة:
"- نعم."
"- أنا آسفة.!"
قالتها ببساطة، وكأنها طفلة ارتكبت خطأ فادح وتريد السماح. ارتبك فريد، ينظر لها وبداخله يعنف نفسه ألف مرة لقلبه الذي لم يتحكم به ولو لدقيقة واحدة أمامها. ليجيبها بسرعة، مغيراً مجرى الحديث:
"- محصلش حاجة! يلا تعالي ادخلي."
تقدمت أمامه بسعادة طفيفة، راضية عن اعتذارها، إلى أن تعثرت قدماه، لتقع بين يديه بشهقة مرتفعة، وهي تمسك ياقة قميصه بشدة. للحظة، شعر ببعض السعادة لوجودها على مقربة منه، ولا أحد يفصل بينهما. تنبش بأظافر جمالها الرقيقة أرضاً مجهولة في باطنه لم يكتشفها من قبل، فأنعكس لؤلؤ الحب داخل مقلتيه، وأصبحت مشاعره مرئية. لكنه لم يعلم لمَ عند التقرب منها يشعر بذنب كبير، وكأنه ارتكب جريمة ما. أهذا خوفاً من حقيقة مشاعره وحبه العميق؟ أم خوفاً من المقبل عليه! حملها بين يديها عندما وجدها تتألم وانتفخت قدمها، ليُسرع بها إلى الكوخ.
***
كان شادي بهذا الوقت عائداً من عمله في منتصف الليل. وجد العم عبدالله أمامه، فسنتحت له الفرصة ليقترب منه متسائلاً:
"- عم عبدالله، إزيك."
"- في نعمة ي شادي بيه."
"- دايماً ي رب ي عم عبدالله. ممكن خدمة ي عم عبدالله."
"- إنت تؤمر ي شادي بيه."
"- ميؤمرش عليك ظالم ي عم عبدالله. هو بالنسبة للسكان اللي عزلو، متعرفش مكانهم فين دلوقتي؟"
توتر العم عبدالله، يجيبه بسرعة:
"- أبداً ي شادي بيه، اللي أعرفه إنهم سافروا ومش هيرجعوا تاني."
شعر شادي بتوتره وتلعثمه بالجواب، شك به، ليقترب منه قاصداً لمس يديه. أغمض عينيه فجأة ليسمع ما يدور داخل العم عبدالله، وأنه على علم بمكانهم، وأنه يُخفي هذا الشيء. فتح عينيه مبتعداً عنه، مبتسماً قبل أن يذهب من أمامه، قائلاً:
"- طيب، متشكر ي عم عبدالله."
اندهش العم عبدالله قليلاً من فعلته هذه، لكنه لم يأخذ بباله ورحل هو الآخر. بينما اتجه شادي إلى شقته، يفتحها، وبداخله يريد معرفة سبب عدم إخبار العم عبدالله له بمكانها، رغم معرفته! أهذا طلبها؟! شعر بشيء غريب على وشك الحدوث، لذا قرر الضغط على العم عبدالله كي يجيبه بمعلومات أكثر.
***
انتهت شهد حديثها مع خالد، الذي كان مصدوماً مما تقوله. كانت شهد ترتشف بعض القهوة التي أحضرتها ناهد لهم. وضع خالد يديه أعلى خديه، منتظراً المزيد، لكنها فاجأته ببرودها حينما وضعت فنجان القهوة فارغاً، تقول له:
"- بعد اللي قولتهولك ده، تقدر تفهمني؟ هل دي صدف؟ وهل أنا مش مقصودة منها ي خالد! خالد، في ناس عاوزة توقعني أنا وآيه في بعض، بس مش عارفة إيه الاستفادة من ده بجد!!"
رد خالد بالمقابل:
"- ناس! إنتي مش قولتي فيه شخص غامض متعرفيش هو مين، وده اللي بيعمل كل ده؟!"
قامت شهد تترجل يميناً ويساراً بتوتر، قائلة:
"- على ما أعتقد ي خالد، مش حد واحد بس. أنا حاسة إن فيه كذا حد بيكره آيه وبيحاولوا يأذوها، وكانوا عاوزين يستغلوني بحكم إني أقرب حد ليها!"
رد خالد، محللاً الكلام الذي قالته بعناية وتركيز:
"- طيب، وبالنسبة لفريد اللي بتتكلمي عليه ده!"
ردت شهد بعدم فهم:
"- ماله!"
وقف خالد مقابلها، يقول بتعجب:
"- يعني من خلال كلامك، وإنه بعتلك الرسالة بيقولك فيها تنفذي اللي يقولك عليه، وإنتي نفذتي كلامه فعلاً، ولما الشرطة جاتلك قولتي لهم إنها بدبي. إنتي واثقة أوي بفريد لدرجة إنك تنفذي اللي بيقوله! وتكوني عارفة إن صاحبتك معاه، وده شيء يضرها ومش من مصلحتها إنها تختفي فجأة بعد وفاة خطيبها. إنتي مش حاسة إن الموضوع كله على بعضه غلط؟!"
ما زالت شهد لم تفهم ما يعنيه، لتقول مستفهمة:
"- وضح أكتر ي خالد! مش فاهمة عاوز تقول إيه؟!"
"- يعني دور فريد كله على بعضه في الليلة دي غلط في غلط. أنا حاسس إن وراه حاجة كبيرة، وإنه السبب في قتل سمير."
ردت شهد نافية لكلامه:
"- أكيد لأ ي خالد، بتقول إيه!! فريد أكتر واحد بيحميها، واستحالة يعمل كده! وبعدين هو إيه علاقته بسمير أصلاً؟ هو كان في اتجاه، وسمير في اتجاه تاني خالص."
"- برضو مش مستريحله ي شهد. إزاي في نفس وقت الجريمة بالسرعة دي أخدها وخباها وعرف يعملها إقامة مزورة في دبي فجأة! باين أوي إن متخططله ي شهد. هو كان عارف إن سمير هيتقتل بالوقت ده واستغل الفرصة وهرب بآيه. لو مكنش هو يعني القاتل!"
رفضت شهد كلامه بثقة تامة، قائلة:
"- استحالة ي خالد. فريد كان معايا الوقت ده، وفجأة سمعنا صوت صراخ آيه والنور انطفى فجأة، وبعدها روحت أنا وهو المكان ولقينا سمير مقتول وآيه مغمى عليها لحسن الحظ. ما أظن إن القاتل كان عاوز يقتلهم الاتنين، بس ملحقش من صراخها. وبعدين فريد خلاني أمشي من هناك وقالي إنه هينقذها وهيبلغني أول بأول باللي هيحصل، وده فعلاً حصل. أخدها وكان على تواصل معايا وبيبلغني أخبارها أول بأول."
"- هو برضو اللي خلاكي ترجعي هنا وتسيبي المكان هناك؟!"
قالها خالد متعجباً، غير مقتنع بأي ما تقوله شهد، يشعر بخطب في الموضوع.
"- أيوه، بلغني إني لازم أختفي فترة زي ما هو اختفى هو وآيه، علشان إحنا على علاقة بيها وكان هيتحقق معانا."
رد خالد بسخرية كبيرة من كلامها غير المنضبط:
"- وإيه المشكلة لو كان اتحقق معاكم ي شهد!! خفتوا من إيه؟ مش إنتو ملكوش علاقة بالجريمة، يبقى ليه اخترتوا إنكم تهربوا وتسمحوا للشرطة تشك فيكم؟"
"- أنا معرفش حاجة ي خالد، معرفش. أنا خوفت من بعد اللي شوفته. خفت يتحقق معايا حتى لو دقيقة. إنت عارف إني بخاف منهم ومن شكلهم وهيئتهم وبكرههم. أنا مليش علاقة بالجريمة ولا حتى فريد. فريد عمل كده علشان ينقذ آيه، لأنها كانت هتدخل في حوارات كتير أوي لو فضلت موجودة وقت الجريمة."
قالت كلامها ببكاء عندما تتذكر تلك الليلة، فتريد محو هذه الليلة من ذاكرتها بأي طريقة ممكنة.
"- طيب، وليه فريد يعمل كل ده! هيستفاد إيه من إنقاذه ليها وإنه يدخل نفسه في مشاكل هو في غنى عنها؟!"
قال خالد كلماته بتحقيق، فكانت هيئته وطريقة كلامه وتحقيقه مع شهد بكل حرف قالته، يبدو لها وكأنه ظابط. وجدها توترت، تفرك بكلتا يديها، فعلم مصدر خوفها، ليوقف عن تحقيقه السخيف هذا.
اقترب منها محتضناً إياها، قائلاً وهو يمسد على شعرها بحنو بالغ:
"- آسف ي شهد، مقصدش أخوفك. أنا بس حسيت إني عاوز أعرف أكتر عنهم وأعرف كل تفصيلة. المهم إنك بخير دلوقتي وهتفضلي بخير."
ابتسمت شهد وهي تزيد من احتضانه، ليقول لها:
"- تعرفي إني بعتبرك أختي اللي أمي مجبتهاش!"
تعجبت شهد قليلاً، ليقول لها:
"- أصل وأنا طفل كان نفسي أوي الحجة تجيبلي أخت بنت، بس الحمد لله إنك موجودة. إنتي أحسن أخت في العالم."
ابتسمت شهد وهي تقول بصوت مرتفع، دلفت على أثره سوسن:
"- وإنت أحسن أخ في العالم."
لم تفهم سوسن بما كانوا يتسامرون كل هذه الفترة، لكنها قررت التحدث، قائلة بصوت متوتر:
"- مش يلا ي شهد علشان الوقت اتأخر ي حبيبتي، وخالد شكله تعبان. سيبيه ينام، وراه عيادته."
هزت شهد رأسها علامة الإيماء، قائلة لخالد:
"- طيب ي دكتور، أسيبك دلوقتي علشان شغلك. تصبح على خير."
ابتسم لها قائلاً:
"- وإنتي من أهل الخير. لينا قاعدة تانية زي دي هااا.."
أومأت له بحب وهي ترحل مع أمها، التي كانت تلعن نفسها داخلها لأنها وافقت على مجيئهم هذا الحي ثانيةً.
رواية ساعة الانتقام الفصل الخامس 5 - بقلم دينا اسامة
كان فريد يقود السيارة وبرفقته آيه التي كانت تجلس بجانبه تلومه بالكلام فقط:
- انت متأكد من الخطوة دي ي فريد؟!
أبتسم فريد إليها يقول وبداخله حُب كبير:
- ايه هانم ثقي فيا، وثقي أن عمري ما هخذلك ف يوم، وإن كل اللي بعمله علشان مصلحتك.
قابلته آيه بهدوء تنظر جانبها وهي تقول:
- تعرف أن سمير وحشني اوي! كان فرحنا بكره لولاه...
توقفت وهي تحاول جاهدة أن تمنع دموعها، لكن دموعها خائنة دائماً.
كان فريد برغم حزنه عليها، لكن كان يستشيط غضباً وغيرةً من حبها لسمير. لم يعلم لِما هذه الشعور العدواني تجاه سمير رغم أنه تُوفي وكان طيبًا مع الجميع، لكن كان يحسده لحب آيه له ووفائها.
تماسك مهوناً عليها بكلمات تخرج بالكاد:
- ربنا يرحمه. إن شاء الله ربنا يعوضك خير، وهو أكيد ف مكان أحسن.
- أنا اللي مخنوقة منه ي فريد إنه اتقتل..! إحساس صعب أوي عليا ي فريد. يمكن انت مش هتحسه، لكن صدقني بيوجع. أوُي، اتقتل جنبي مقدرتش أعمل حاجة. فجأة اختفى من حياتي.
كانت تبكي بوجع وهي تتذكر تلك الليلة التي لم تنساها أبداً. تتخيله أمامها يودعها قبل أن يرحل، لتفلت صرخة منها دون قصد وهي تقول:
- سميررر..!
هدأها فريد طيلة الطريق قائلاً:
- أنا أكتر حد هيحس بيكي ي آيه..!
قالها فريد بألم ووجع هو الآخر وكأنه يستذكر شيئاً، لتقابله آيه التي رأت الوجع ف عينيه تقول:
- أنت كمان حبيبتك ماتت!
رد عليها وهو يمسح تلك الدمعة التي كادت آيه أن تراها، لكنه أبعد عينيه يقول:
- حاجة زي كده. ربنا يرحم أموات المسلمين جميعاً.
- ممكن أسألك سؤال؟!
قالتها ببراءة والفضول يقتلها كي تعلم عنه المزيد، فمنذ عِدة سنوات وهو صامت لم يعلم أحد عما بداخله.
أبتسم لها بسعادة يردف:
- أكيد اتفضلي.
- هو انت عمرك حبيت قبل كده؟!
انتظر لحظةٍ قبل أن يجيبها وبعينيه شيئان متناقضان:
- حبيت أوووي وكرهت أوووي.
لم تفهم آيه مقصدها. استدارت مُنتبهة له ولحديثه هاتفهً:
- منين حبيت ومنين كرهت!!
- دي حكاية طويلة أوي ي آيه هانم. بلاش أدوشك بكلامي، انتي فيكي اللي مكفيكي، الله يعينك.
لمست يديه بفضول كالطفلة تقول:
- لأ بليز قولي، أنا حابة إني أسمعك.
نظر ليديها تائهاً. أفبحق السماء يُريد إبعادها عنه، ولكنها تتقرب؟ يُريد الأبعاد لكن يقترب أكثر!
لاحظت يديها لتبعدها خجلة تقول:
- مش قصدي طبعاً أتدخل ف خصوصياتك، آسفة. بس أنا بحب الغاليين عندي أعرف عنهم كل حاجة. أعرف اللي بيحبوه واللي بيألمهم ويزعلهم، فاهمني؟!
لمعت عيناه فرحاً بما قالته، فهي تعتبره غالياً بالنسبة لها، أي كان اعتبارها، ففرح بشدة بأنها تعتبره مهماً بحياتها. ليهم بقول:
- الله يخليكي ي آيه هانم، تسلمي. بس بعتذر منك مش هقدر أحكي لأسبابي الشخصية، وأننا ف موقف مينفعش فيه حزن أكتر من كده. أتمنى تعذريني.
تفهمت آيه ما يقوله لتعتدل بجلستها وبداخلها فضول غريب حول حياته ومن هذه التي أحبها ثم كرهها! لكنها علمت جيداً أنه عانى كثيراً وما زال حزيناً بشأن ما حدث.
وبعدما وصلا إلى المطار، توقفت آيه تقول له بخوف:
- فريد هندخل إزاي؟ أكيد عارفين شكلي، أنا صوري ملت النت!
جذب يديها بيديه يقول:
- علشان كده لبستك اللبس ده. لبسي النضارة بقي وادخلي بثقة واتصرفي طبيعي جداً، متخافيش.
أومأت له بإبتسامة صافية تذهب معه.
لكنهم توقفوا عندما أوقفته فتاة تقول له من الخلف بلغة فرنسية:
- فارس!! مش معقول!
رد عليها فريد بإبتسامة كبيرة محتضنها يقول بنفس تلك اللغة، فكان حقاً يجيها:
- جيسيكا!! إيه الصدفة الجميلة دي. أخبارك عاملة إيه.
- أنا بخير بعد ما شفتك. ليك وحشة بجدايا. مش ناوي ترجع كندا بقي؟!
رد عليها بنفس هذه الإبتسامة العريضة التي أثارت غضب آيه:
- عاوز أقولك أن كمان عشر دقايق أهو وأرجع كندا تاني.
- صرخت جيسيكا بفرحة وهي تتعلق برقبته وكأنها حبيبته!
لاحظ فريد آيه التي كانت تتابعهم ف صمت تام بملامح جامدة، ليقول:
- نسيت أعرفك، دي تبقي هيلانة صاحبتي رايحة معايا كندا.
غمزت له جيسي قائلة بمرح:
- اووه! حبيبتك يعني! بس زي القمر، برافو عليك عرفت تختار. مفيش مقارنة بينها وبين عاليه خالص.
توتر فريد من ذكر اسم عاليه أمامه وأمام آيه، لكنه هدأ بعدما علم أنها لم تفهم هذه اللغة من الأساس، ليغير الموضوع قائلاً:
- يلا بينا ي آيه.
لتوقفه جيسي قائلة:
- حيلك حيلك، واخدها وسايبني. أنا علفكرة كنت بمصر شهر وراجعة تاني كندا بنفس طيارتك.
أبتسم فريد لها يأخذهم الاثنين معه إلى الطائرة.
جلس فريد على أحد الكراسي وكان بجانبه كرسي فارغ، فأشار لآيه بالجلوس. كادت على وشك أن تجلس، لكن جلست جيسي بدلاً منها تقول باللغة الفرنسية:
- آسفة آسفة ي هيلانة. أنا مش هعرف أقعد لوحدي لأني بخاف من الطيارات، فـ هضطر أقعد جنب فارس.
ابتلع فريد ريقه ولم يعلم ماذا يفعل، فـ نظر لآيه الواقفة التي كانت تنظر لهم بغرابة، ليقول لها باللغة المصرية كي يفهمها ما قالته جيسي:
- هي بتقول أنها بتخاف من الطيارات، فـ هتضطر تقعد جنبي.
أومأت له آيه غير مباليةً، تجلس بأحد الكراسي الذي كانت توجد بالمنتصف جانبه.
كان فريد يتابعها وهي تجلس. كان ينظر أمامه وخلفه خائفاً عليها بشدة، ليقول موجهاً كلامه لجيسي:
- جيسي هفضل قاعد جنبك لحد لما تهدي، وابقى أروح لهيلانة.
ابتسمت له قائلة:
- تمام ي فارس.
وبعدما أقلعت الطائرة، كانت جيسيكا تحتضن فريد بشدة وهي تبكي، ليهدئها برقة وهو يمسد على شعره.
رأته آيه التي كانت تجلس هي الأخرى بتوتر من هذا الإقلاع، فهي تخشاه هي الأخرى، لكنها لم تخبر فريد بهذا. رآها فريد وهي تغمض عينيها بخوف واضح، فكانت تضع يدها على قلبها واليد الأخرى تتمسك بزوايا الكرسي.
ابتعد عن جيسي فجأة يقول:
- اطمني خلاص بقيتي ف أمان.
ثم رحل من جانبها متجهاً لآيه التي ما زالت تجلس مغمضة العيون، ليطلب من تلك السيدة التي كانت تجلس بجانبها أن تجلس هي بجوار جيسي، فوافقت ليجلس هو يقول لها بقلق:
- انتي بتخافي من الطيارات؟
فتحت عينيها تنظر لتجده جوارها بدل تلك السيدة، لتقول له:
- متخافش، أنا مش زي جيسيكا.
قالتها بجمود قليلاً، ليلاحظ وجهها الذي تبدل للون الأحمر بطريقة أقللته، ليقول بخوف:
- إيه هانم انتي وشك احمرّ أووي.
ردت عليه بسذاجة طفلة قائلة:
- طبيعي عشان لما بخاف وبتوتر بيحصل معايا كده!
انفجر ضاحكاً يقول وسط شهقات ضحكه:
- يعني خايفة؟!
ابتلعت ريقها بتوتر وهي تعيد خصلات شعرها خلف أذنيها تقول:
- مش هتفرق كتير بقي. المهم انت إيه جابك جنبي هنا وخلاك تسيب جيسيكا لوحدها؟
- أنا جاي معاكي انتي مش مع جيسي، انتي دلوقتي مهمتي إني أحميكي وأفضل معاكي.
ابتسمت آيه لاهتمامه الصادق تقول له بشكر:
- شكراً جداً إنك معايا ي فريد.
أبتسم لها مردفاً:
- ده واجبي.
***
يعني إيه ي ماهر!!! انت أول مرة حاجة تفلت منك كده! فين ماهر بتاع زمان.
رد ماهر حينها وبداخله نيران:
- ي فندم صدقني بعمل اللي عليا، وإن شاء الله قريب جداً هتسمع أخبار تفرحك وهتقول ماهر قال.
- أما أشوف ي ماهر ثقتك دي هتودينا لفين. انت عارف إن الجريمة دي بالذات لازم ملفها يتقفل. فيه شوشرة وقلق ولازم المجرم يتعرف بأسرع وقت.
وافقه ماهر الرأي قائلاً:
- معاك حق ي فندم، لازم يتقفل. وأنا مش هسيبه إلا لما يتقفل، ده وعد مني.
رحل هذا الشخص من أمامه ليجلس ماهر واضعاً قدماً فوق الأخرى ينظر بالفراغ وبداخله غضب كبير بسبب تلك الجريمة التي لم يكتشف عنها أي شيء حتى الآن. لا يعلم لِما كل هذا الغموض، فقد أقسم أن تلك الجريمة خلفها شخص ذكي لم يترك خلفه أي شيء يلوّشه!
فاق من شروده على صوت زياد الذي دلف منذ بضعة دقائق يقول:
- ماهر أنا واقف هنا من ساعة! انت مش معايا خالص.
وقف ماهر يرتشف بعض الماء لعله يهدأ قليلاً يردف:
- قضية سمير النوبي دي فيها ألف حكاية وكلها ألغاز وشفرات! تعرف ي زياد أنا عمري ما حسيت بالعجز ده إلا دلوقتي!
- حيلك حيلك ي ماهر! بقي ده ماهر اللي أعرفه! انت عمرك ما استسلمت ودايماً بتحل كل الألغاز، مش هتيجي على دي بقي!
أوقفه ماهر يقول بِحدة ولهجة مخيفة:
- الاستسلام ده مش ف قاموسي! صدقني القاتل ده هخليه يركع تحت رجلي وهخليه يموت كل يوم، مش هرحمه ي زياد صدقني.
هدأه زياد من تهوره، فـ يعلم بشاعة ما يفعله صديقه حينما يغضب:
- أهدي ي ماهر، كله بالهداوة، وإن شاء الله أنا واثق إنك قدها.
- معرفتش اللي اسمها شهد دي راحت على أنهو زفت مكان!
- لسه ي ماهر، بس عاملين تحرياتنا وهنعرف نوصلها.
- مش لسه هستنى تحريات. أنا هروح المكان اللي كانت ساكنه فيه وأعرف من صاحب البرج.
أجابه زياد:
- وتفتكر مسألناش! قالنا ميعرفش مكانها وأنها سافرت وهتستقر بره.
أبتسم ساخراً من تصديقها لهذه الحيلة السخيفة:
- وتفتكر شهد هانم هتسيب حاجة وراها تلوّشها! تعرف ي زياد أنا شفت ف عيني البنت دي الخوف والقلق طول ما كنت قاعد معاها، بس كانت بتحاول تظهر طبيعية. أنا واثق أنها تعرف حاجة ومخبية.
- يعني قصدك أنها ممكن تكون اللي قتلته؟!
صمت ماهر لحظةٍ قبل أن يجيبه. فـ إحساسه يخبره بأنها بريئة، لكنها تخفي شيئاً فقط، لكن عقله كان المهيمن الذي كان يفترض أسوأ الأشياء...
- مقلتش كده، بس ممكن! كل حاجة بقت جايزة ف القضية دي!
رحل من أمامه مرتديًا تلك النظارة وبداخله إصرار كبير على مقابلة هذه الفتاة والاستفهام منها.
***
- ممكن أعرف انت ليه قولت لجيسيكا إنّي صاحبتك واسمي هيلانة؟! وليه نادتلك بفارس؟!
نظر لها فريد بصدمة من معرفتها ما كان يدور بينه وبينها ليقول بلهجة قلقة:
- انتي عرفتي تترجمي اللي بنقوله!!
وضعت يديها حول صدرها تقول بثقة:
- أها، بعرف ف الفرنش جداً. إيه كنت فاكرني واقفة هبلة مش عارفة انتوا بتقولوا إيه؟
- لأ لأ سمح الله مقلتش كده. أنا بس معرفش إنك بتعرفي الفرنسية.
- امم! طيب أديك عرفت! مجاوبتنيش عن سؤالي برضو!
فرك يديه قبل أن يجيبها بقول:
- جيسي كنديه وأنا أعرفها من خمس سنين، وبالنسبة لاسم فارس ده فـ ده اسمي الحقيقي، يعني فـ البطاقة اسمي فارس بس معروف بفريد.
أومأت له آيه ليُكمل قائلاً:
- وبالنسبة لهيلانة فـ أنا حاجزلك بـ باسبور مزور بـ اسم تاني علشان تعرفي تخرجي من مصر وتعرفي تعيشي الفترة دي بكندا بهوية تانية بكل سهولة!
اندهشت آيه قليلاً من سرعته، فـ فعل كل شيء، لكنها لم تهتم لتقول متسائلة بخجل:
- هي مين عاليه اللي صاحبتك اتكلمت عليها؟!
ابتلعت غصة مريرة بحلقها عندما وجدته صامت تائه بعد ما قالته، لتقول معتذرة:
- معلش آسفة! أنا عارفة إنّي مليش حق أسألك. بعتذر منك.
أجابها بهدوء وصمت بعد ذلك لم تتوقعه:
- ولا يهمك، حصل خير.
كانت تتوقع بعد ذلك أن يجيبها أو يخبرها أي شيء، لكنها وجدته صامت ينظر بالفراغ شارداً.
وبذلك البرج التي كانت تسكن به شهد وأمها، كان ماهر أمامه يتفحصه بعناية، ثم بعد ذلك انتزع نظارته ليضعها فوق رأسه متجهاً إلى العم عبد الله.
وبمجرد أن رآه العم عبد الله هبّ من مكانه يقول بترحيب:
- ماهر بيه آنست وشرفت.
همس ماهر بين أسنانه بسخرية:
- ياريت الجملة تثبت!
ليقول مسرعًا:
- الله يخليك ي عم عبد الله، كنت عاوزك ف موضوع كده على جنب.
أبتسم له العم عبد الله يقول:
- انت تؤمر ي ماهر بيه.
أبتسم ماهر يضع كلتا يديه ف سرواله قائلاً بلهجة صامدة واثقة:
- عم عبد الله أنا ظابط ومبحبش اللف والدوران كتير، وانت عارف اظن، فتجاوبني بكل صراحة على اللي هقوله، يا أما هيبقي ليا تصرف تاني معاك، أتمنى ملجألوش.
ابتلع ريقه بتوتر غير قادر على السيطرة على قدميه بعد ما قاله ماهر، فـ هيئته كفيلة بزعزعة ثقة أي شخص، ليقول بلهجة متذبذبة:
- خير ي ماهر بيه.
- خير إن شاء الله. شهد وأمها مشيو على فين؟
قالها ماهر منتظراً رده بأسرع وقت لأنه واثقًا بأنه يعلم أين ذهبت.
- شهد مين!
- لأ شكلنا بدأنا بقي، وده مبحبوش. عم عبد الله أنا عاوز رد صريح ومختصر علشان أسيبك ف حالك، لأن صدقني لازم تقولي هي فين بالذوق أو بالعافية، وآسف إنّي بتكلم معاك كده، بس دي طبيعة شغلي اللي فرضها عليا.
- هو انت عاوز منها إيه ي باشا خير!
قالها العم عبد الله بخوف حقيقي عليها، فهو يعلم من هي وطبيعتها النقية وأمها وأبيها، رآها تكبر أمامه، لم يصدر منها أي شيء خارج، فهي طيبة القلب.
- تعجبني كده ي عم عبد الله، بس سؤالك ده ملوش رد. هي فين بقى؟!
قالها ماهر بغطرسة ورسمية يضع يديه حول خصره منتظراً رده وبداخله نيران تشتعل.
- صدقني ي ماهر بيه، دي شهد دي غلبانة أوي هي وأمها وأبوها سيادة العقيد الله يرحمه.
رفع ماهر أحد حاجبيه وقد بدأت عروق وجهه تظهر استعداداً لرد فعله الهمجي:
- فيه إيه ي عم عبد الله، ده شغلي ولا شغلك! أعتقد أنا بسأل سؤال يترد عليه مش أكتر.
توتر العم عبد الله من كلامه متذكراً وعده لشهد، لكن ماذا سيفعل بهذا الكائن الشرس الذي كان يتربص له بعينيه ولم يتركه، ليعتذر داخله قبل أن يجيب. أخبره بمكانها وعن كل شيء يعلمه عنها، ثم بعد ذلك نظر لماهر الذي وضع نظارته ثانياً وقد شفي غليله ليقول:
- الله يخليك ي باشا، ما تعمل فيها حاجة، دي غلبانة ويتيمة الأب وعمرها ما عملت حاجة غلط.
تنهد ماهر يجيبه بهدوء:
- عم عبد الله أنت مهمتك كده مخلصتش معايا، عارف ليه؟ لأن لو روحت المكان ده وملقتهاش تعرف هيحصلك إيه! فـ حط ده في اعتبارك أوي. وآه حاجة كمان، لو رنيت عليها وعرفتها إني عرفت مكانها، ساعتها هعرف لأنك متراقب من اللحظة دي، فـ خاف على نفسك ي رجال ي طيب.
ابتسم له ابتسامة سمجة قبل أن يرحل.
وعندما اتجه صوب سيارته، التصق بشادي ليتركه فوراً بصمت يرحل من هذا المكان، يشعر بأنه على وشك حل هذا اللغز.
دلف شادي إلى البرج ليري العم عبد الله أمامه يجلس بتوتر واضح، ليقول شادي:
- صباح الخير ي عم عبد الله.
- صباح النور ي شادي بيه.
قالها ينظر إلى الأرض بحزن واضح.
- مالك ي عم عبد الله خير!
قالها شادي مستفهماً ليرد:
- أبداً ي شادي بيه، شوية صداع مش أكتر.
- الف سلامة عليك.
قالها شادي، ثم بعد ذلك دلف شقته مندهشاً من العم عبد الله وتوتره الواضح، لكنه تفادى ذلك سريعاً، فـ كان لديه عمل كثير هذا اليوم، ليجلس أعلى حاسوبه يعمل به.
***
- تعرفي ي شهد أنا مش مضايقة من الفيديو اللي اتنشرلي قد ما مضايقة من اللي عمله.
- ومتضايقيش من الفيديو ليه ي ريم!! الفيديو مخل جداً ومحدش يستحمل إنه يتعمل فيه كده!
قالتها شهد متعجبة من هدوء ريم.
لتبتسم ريم بسخرية قائلة:
- أنا اتعمل فيا كتير أوي ي شهد! مش هتيجي على حتة فيديو معروف إنه متفبرك في زماننا ده!
ردت شهد بإقتضاب:
- مستغرباكي بصراحة. يعني أنا لو كنت مكانك كان ممكن يجرالي حاجة، سبحانه إنه مصبرك كده!
نهضت ريم تترجل أمامها تقول بخيبة أمل:
- شهد أنا مريت بحاجات محدش يقدر يستحملها أو يعيشها. كان بيجي عليا أوقات وبحاول أنتحر. مش عارفة ليه ربنا عامل فيا كده!
نهضت شهد مقابلةً تقول بإستجواب:
- تنتحري إيه ي عبيطة متقوليش كده! وبعدين ليه كاتمة ف نفسك ومش بتحكي؟! خالد معاكي طول الوقت، دي فرصة متتعوضش ي ريم إنك تلاقي حد قريب منك تشكيله همك. صدقيني لو شاورتي عقلك تاني هتحكي لخالد بعدها، انتي بس هدي نفسك واحنا معاكي بكل حاجة.
- ي شهد مقدرش أحكيله، مقدرش!!
- طيب ليييه؟!!!!
قالتها شهد بتعجب لترد ريم بنبرة خائفة:
- هيتأذي ي شهد، وأنا مش عاوزاه يتأذي! سبق ووحيد عرف، كان حصل إيه لما عرف! سابني بعدها لوحدي.
لم تفهم شهد ماذا تعنيه، لتقول مستفهمة:
- أنا مش فاهمة انتي بتقولي إيه ي ريم!
فركت ريم يديها بخوف من ذكر هذا الحديث، تأخذ نفس عميق قبل أن تجيبها قائلة:
- وحيد مات مقتول ي شهد.
توسعت عينا شهد صدمةً لتهزها قائلة:
- بتقولي إييه!!! انتي واعية للي بتقوليه!
- صدقيني أنا مش عارفة أنا قولتلك إزاي بالسهولة دي! أنا خبيت الموضوع ده سنين بسبب خوفي عليهم هنا، وبالأخص خالد وفادي.
كانت شهد مصدومة حقاً من ما تقوله ريم، لتحاول أن تستفهم أكثر، لكن لسوء الحظ دلف خالد قبل أن يطرق الباب، يدلف موجهاً نظره لريم التي ترنحت مكانها، تجلس أعلى السرير فـ خانتها قدماها من شدة الخوف.
تقرب منها وقبل أن يردف بأي حرف، هوت صفعة أعلى وجهها بغضب كبير ولهيب.
فزعت شهد على أثرها صائحة:
- خااالد!
***
كانت آيه جالسة تتذكر هذا اليوم وما حدث به بحياتها إلى الآن، فلم تتخيل أن كل هذا سيحدث. سيُقتل حبيبها! ثم تهرب خوفاً من القبض عليها إلى أن تضطر للسفر وإخفاء هويتها. شعرت بخزي كبير بحياتها. لم تتهنى بسعادة بحياتها ولو للحظةٍ. كل من تحبه يتركها ويذهب وتظل وحيدة، لكن الآن ليس لها أحد بعد وفاة سمير. تنهدت ثواني لتفلت نظرة منها إلى فريد الذي كان يحمل هاتفه وكأنه يراسل أحد. نظرت للجهة الأخرى تهمس داخلها:
- خايفة أخسرك انت كمان ي فريد! انت آخر حد أعرفه وموجود ف حياتي!
شعرت بنعاس شديد لتأخذ غفوة بجانبه.
وبمجرد أن انتهى من ما كان عليه، نظر لها ليجدها قد غفت بجواره. ظل مساهياً بها بعض الوقت، إلى أن انقلب كل شيء. فقد صدر صوت يقول بأنهم ف حاجة إلى هبوط اضطراري فوراً بسبب تلف الأنظمة الهيدروليكية، لذا من المفترض الهبوط فوق سطح الماء لأسباب قسرية. وفي هذه الحالة إما أن تتعرض الطائرة للغرق أو الإصابة بأضرار لا يمكن أن تُحل.
وبمجرد أن سمعها فريد، كانت عيناه تقع على آيه، دق قلبه بعنف. شعر بخوف كبير يحيطه. يريد أن يحتضنها، يأخذها بين يديه مُكلبشاً بها. ظل يهز برأسه علامة النفي بأن لن يحدث معها شيء. بدأ ركاب الطائرة بالصياح والصراخ والاستنجاد فور معرفة هذا الخبر.
فاقت آيه من نومها بفزع على صياح الركاب حولها. معظمهم يبكي ويحتضنون بعضهم البعض. لم تفهم ماذا يحدث، لتنظر لفريد الذي كان يتابعها وعيناه قد امتلأت بالدموع، ينظر بخوف أن يفقده. مجرد التفكير بهذا يجن عقله!
- فريد فيه إيه، طمني ليه كل الناس بتعيط كده؟!
سقطت دمعة من عينيه قبل أن تقترب إحدى يداه تلمس وجهها ليقول وقد شعر أن هذه النهاية حتمًا، لكنه قرر أن يقول هذه الكلمة، فلم تسنح له هذه الفرصة ربما:
- آيه أنا بحبك.
وفور انتهاء جملته احتضنها بشدة يغرسها بين ضلوعه، وهي ما زالت تائهه لا تفقه أي شيء، إلى أن هبطت الطائرة بشكل عمودي مخيف، ومن الواضح أن الطيار لم يستطع التحكم بها. صرخت آيه حينها فزعة وقد علمت وقتها سبب بكائهم. ظل فريد محتضنها بشدة. يريد الموت معها وبجانبها. هبطت داخل الماء بقوة إلى أن اصطدمت ببعض الأحجار، ثم بعد قليل انفجرت الطائرة لِيهب النيران بكل إنش!
رواية ساعة الانتقام الفصل السادس 6 - بقلم دينا اسامة
نظرت له ريم بصدمة تراقب تعبيرات وجهه ونظراته التي كانت تلتهمها.
تدخلت شهد حينها محاولة تلطيف الأجواء، تقول بلوم:
- ميصحش كده ي خالد! انت عمرك ما رفعت إيدك ع واحدة ست!
شعرت شهد بأنه يقترب أكثر من ريم التي كانت تنكمش بنفسها غير قادرة على قول أي شيء خوفاً من هيئته القاسية.
كانت ترى الأمان والحب بعينيه، لكن عيناه الآن خالية من أي شيء سوى الكره والغضب.
وقفت شهد أمامه تبعده بيديها قائلة بصوت مرتفع:
- ابعد ي خالد، اهدي وهي هتفهمنا كل حاجة. متغلطش اكتر من كده.
أبعدها شهد بجمود ليجذب ريم بين يديه، يقول بفحيح كالأفعى وهو على مقربة منها يلتهمها بعينيه:
- وصلت بيك الدرجة إنك تعملي فينا كده طول السنين دي! دانتي طلعتي كدابة كبيرة أوي.
- وانتي خنتي ثقتنا فيكي ي دكتورة! ولا دكتورة إيه بقي دي خسارة في واحدة كدابة ومُخادعة زيك.
كانت ريم تتألم بين يديه، تؤمئ برأسها علامة النفي على ما يقول، تبكي بشدة لكنه كان فقط يعنفها بالكلام.
اقتربت شهد محاولة إبعاده بأشد الطرق، لكنه كان كالجبل لا يُقهر هذه المرة.
كان مكلبشاً بها يسبها بأبشع الألفاظ.
شعرت شهد بأن ريم سيحدث لها شيء لا محالة.
تدخلت هذه المرة بكل قوتها وهي تصرخ به، تمسك يديه ليدفعها فجأة.
التصقت شهد بالحائط لتُصاب رأسها بكدمة مليئة بالدماء.
ترنحت مكانها وهي تضع يدها أعلى رأسها ترى دماء بيدها.
ارتعدت أوصالها، أصاب جسدها رجفة تسري به.
فعندما ترى الدماء لا تستطيع السيطرة على أي شيء حولها.
فاقت من هلوستها الداخلية على صوت نحيب ريم التي كانت تصرخ من شدة بكائها ومن هذا الوحش الذي ظهر أمامها فجأة لم يرحمها بأي شيء.
فقط يعرف كيف يُهينها ويجرحها نفسياً وبدنياً.
خرجت شهد وقتها تستنجد بهم بالخارج، تقول بارتجاف:
- الحقوووني خالد هيموت ريم في إيديه.
هبّ الجميع متجهين إلى الغرفة بعدما سمعوا صوت صراخ ريم، بينما ترنحت شهد مكانها ترتد للخلف وهي ترى أمامها ماهر الذي وقف بهيئته المخيفة يتفحصها بعناية.
أخذ يقترب منها بثقة وهي ترتد إلى الخلف بخوف من رؤيته مجدداً، لكن كيف؟!!
كادت أن تركض من أمامه وهي تردف باكية:
- انت عاوز مني ايه..!
ابتسم ماهر بسخرية يقابلها بقول:
- كنتي فاكرة إنك هتعرفي تهربي مني!
- عاوز مني ايه بقولك!! وعرفت مكاني منين!
كانت تردد كلماتها وهي ترتد للخلف بخوف أكثر بعدما رأت سلاحه بسرواله.
لم يبالي لخوفها الواضح بل تلذذ أكثر من ارتجافة جسدها التي شعر بها وعينيها المليئة بالدموع، حتى كدمة رأسها الواضحة لم يهتم بها.
فقط هو جاء لهدف وهذا الهدف سيحرزه هذه المرة.
كادت أن تقع وقتها لكنه جذبها إليه يقول بنفس تلك الابتسامة الساخرة:
- على مهلك ي حلوة، عاوزاكِ فايقة كده لحد ما اخد منك اللي عاوزه.
كانت شهد ترى بعينيه شرارة الحقد والكره، حتى من أول لقاء وهي ترى هيئة الظابط القاسي معدوم الضمير، ترى به أكثر شخص تكرهه بحياتها!
ارتفعت الأصوات داخل الغرفة وقتها لتتجه إليها شهد بقلق شديد وخلفها ماهر الذي اتبعها ولم يعلم ما هذا الذي يحدث.
كانت ريم ملقاة على السرير وهي تختنق إثر ما فعله بها خالد الذي كان يحاول الاقتراب منها يصرخ بها وكأنه يريد قتلها، بل سوسن وناهد وأمها كانوا يمنعونه بالقوة.
اقتربت شهد منه تمسك يديه تقول بغضب كبير من تصرفه الأحمق:
- أنت اتجننت ي خالد!! إيه كنت عاوز تقتلها!
- ابعدي عني ي شهد الساعة دي لأحسن مش شايف قدامي.
قالها خالد بهمجية وقد وصل بالفعل لمرحلة غريبة يصل إليها فقط عندما يغضب، حاله يتغير بها ثلاث مئة وستون درجة وهذا ما تعلمه عنه شهد.
كان ماهر يتابع ما يحدث بغضب كبير، فهو جاء لهدف معين.
فما هذه الدراما الآن!
رحل خالد من أمامهم بعدما كسر كل شيء بالغرفة لتعوق شهد حركته هذه المرة بغضب كبير صائحة:
- اااانت مجنوووون! انت اكيدددد مريض ي خالد كان حصل إيه لجنانك ده!
- ابعدي ي شهد ابعدي مش شايف قدامي بقولك.
ظلت أمامه تعنفه وتصرخ به كي يفيق لتقول بين صراخها:
- أنا أول مرة أكتشف إنك مش إنسان سَويِ!
كادت أن تُكمل جملتها لكن منعتها تلك الصفعة القوية التي هوت أعلى وجهها منه قائلاً يهز جسدها بين يديه محذراً لها:
- لو مبعدتيش عني انتي كمان هشرب من دمك، أنا مش شايف قدامي دلوقتي.
ثم ألقاها لتقع أرضاً بصدمة من فِعلته.
اشتعل ماهر غيظاً يغلق عيناه وبدأت عروقه تظهر ليقول بصوت عالي يقترب من خالد الذي توقف متعجباً:
- مين المجنون اللي معيشينه معاكم ده!! ده مريض عاوز مصحة.
شهقت شهد بخوف من رد فعلهما هما الاثنان لتقف فوراً تقول:
- معلهش ممكن حضرتك تهدي!
نظر لها ماهر نظرة أرعبتها يردف:
- اهدي إيه ده مريض! لولا إني مش فاضيله وجاي لمهمة تانية كنت عرفته يعني إيه يرفع إيده ع واحدة ست، دي مش رجولة ي إسمك إيه انت!
- انت اتجننت!! انت بتوجهلي أنا الكلام ده!
كادت شهد على وشك الإغماء من ما يدور بينهم، فهما الاثنان نفس العصبية حتى نفس الهيئة عند الغضب، لتقف أمام خالد تقول:
- خالد خالد اهدي واسمعني ملكش دعوة بيه كأنه مقلش حاجة، معلش.
اقتربت سوسن من ماهر الذي كان يستشيط غضباً من هذه العائلة الغريبة:
- حقك علينا ي ماهر بيه، خالد ميقصدش هو بس زي ما شوفت متعصب النهارده، فتلاقيه بيقول أي كلام.
- ماهر بيه قولتيلي! انت بقى ماهر اللي شهد حكتلي عنك.
علم خالد وقتها أنه ماهر الذي تحدثت شهد عنه ليُكمل حديثه:
- قولي بقى خير جاي ليه هنا وعاوز منها إيه بالظبط.؟
اقترب ماهر إليه يقول وكاد على وشك أن يلكمه:
- المريض اللي زيك ملوش رد عندي.
قالها ماهر ساخراً ليمسك يد شهد هاتفاً بلهجة حادة:
- وانتي تعالي معايا علشان لازم أتكلم معاكي.
يمسك خالد يد شهد الأخرى يقول مقابله بتحدي واضح تجلى بصوته:
- وشهد مش هتروح معاك ف حتة! انت فاكر نفسك مين!
كانت شهد تنظر لهم الاثنان وهم يجذبانها وكأنها بيعة يتقاضون بها.
تصرخ شهد وهي تبعدهم عنها تقول بلهجة ضعيفة وحزينة:
- بس بقيييي، كفاااايه! ابعدووو عني.
قالتها ثم بعد ذلك خرجت من الغرفة بل من الشقة بأكملها.
صعدت الدرج ببطء تجر همومها فوق أكتافها وقد صار الوقت لعنة، كلما تعاقبت عقاربه حاوطت الآلام والأفكار رأسها.
لتجلس على سلالم العمارة تضع يديها على وجهها وهي تنهمر باكية.
تشعر بأن العالم كله ضدها.
يقع على عاتقها مشاكل أكثر كلما حاولت التدخل بحياة أي شخص وحاولت مساعدته! لِما يحدث كل هذا!
كان ماهر يراقبها من الخلف وهي تبكي بصوت متوجع.
تردد كثيراً أن يتجه إليها ويجلس جوارها، لكنه عزم أن يجلس كي يتحدث معها مُنفردًا رغم أنه يعلم أنها ليست بخير.
لكن ماذا يفعل فهذه الفرصة الوحيدة كي يعلم منها بشأن هذه الجريمة.
نظرت لتجده جانبها يتابعها.
انقبض قلبها في ذعر لتبتعد عنه بخوف قائلة:
- أنا مليش ذنب حضرتك في كل اللي حصل. انت عاوز مني إيه!
- بصي أنا عارف إنك تعبانة من اللي حصل ومقدره كويس، لكن أنا جاي لهدف ومش همشي إلا لما أعرف كل اللي عاوزه منك، ف حاولي تهدي نفسك الشوية دول.
كان ماهر يتحدث بهدوء عكس ما يكون عليه دائماً.
نظرت له شهد متوترة وكادت على وشك أن تردف لكنه منعها قائلاً:
- انتي كويسة الأول؟!
هزت رأسها بالنفي وهي تبعد نظرها تضع يديها حول رأسها وقد بدأت تشعر بالصداع والدوار.
حمحم يقول بهدوء:
- طيب ممكن نتكلم جوه مش هعرف أتكلم هنا!
نظرت له شهد بغضب فكل ما يهمه الآن مصلحته وأن يأخذ إفادتها غير مراعياً لمشاعر الآخرين وما حدث معهم بالداخل:
- انت معندكش إحساس!
- إزاي مُصر لسه تستجوبني في حالة زي دي!
زفر ماهر محاولاً السيطرة على نفسه يقول:
- ي آنسة شهد ده شغلي أعتقد والمفروض إنك تقومي معايا فوراً علشان الأمور تمشي مظبوطة. أنا محبتش أجلك غير لوحدي علشان مشوشرش عليكم.
- لأ فيك الخير.
قالتها بسخرية وهي تنهض بتعب محاولة الاستناد بأي شيء.
كادت أن تسير معه لكنها وقعت بين يديه مُغيبة.
صُدم ماهر يقول:
- آنسة شهد!!.. فوقي!
حملها فوراً دون مقدمات ودلف بها إلى الشقة مُجدداً.
***
كان شادي نائماً حتى بدأ يرى كوابيسه المعهودة. رأى ماهر في حلمه الذي قابله بالصباح.
رآه يركض خلف شهد ومعه مسدسه يهددها به، لكنها كانت تبكي وتتوسل له بأنها لم تفعل شيئاً.
كاد على وشك إطلاق النار عليها لكنه فجأة سقط إثر رصاصة أُطلقت عليه من الخلف لتصرخ شهد حينها هاتفه:
- ماااهر!!
قفز شادي وقتها ووجهه يتصبب عرقاً.
ينظر بيديه بسرعة ليرى كلمة (غدر) ثم بعد قليل اختفت.
هبّ شادي من مكانه بصدمة.
فعلم أن هذا الذي رآه الصباح يُدعى "ماهر" لكن لم يعلم أي شيء عنه.
رتب كل شيء في رأسه ليفهم أن هذا المدعو ماهر كان الصباح مع العم عبدالله يستعلم عن مكانها ومن خلال حلمه تأكد أنه علم مكانها من العم عبدالله.
شعر شادي بحزن كبير وحيرة يجلس على فراشه يقول:
- ي رب ساعدني أني أوصلهم وأحميهم قبل ما يجرالهم حاجة الاتنين.
آتي اتصال له هذا الوقت ليرد قائلاً:
- أيوه مين!
- أنا يارا ي شادي!
- يارا مين؟!
أجابته بقول:
- جرالك إيه ي شادي! يارا بنت عمتك!
- إزيك ي يارا معلش مأخدتش بالي.
ردت يارا:
- الله يسلمك ي شادي ولا يهمك، معلش إني بتصل في وقت زي ده بس كنت عاوزه أطلب منك طلب.
- انتي تأمري ي يارا خير.
- بص ي سيدي أنا اتقبلت في شركة عندك وناوية استقر عندك بالجيزة وكنت حابة تلاقيلي مكان كويس أسكن فيه ويكون الإيجار بتاع الشقة متوسط.
- مليون مبروك عليكي ي يارا تستاهلي كل خير حاضر إن شاء الله هشوفلك وأبلغك.
ابعتيلي انتي اللوكيشن تبع الشركة وأنا هشوفلك أقرب سكن ليها.
شكرته يارا كثيراً ثم أغلقت معه لتبدأ بمحادثته واتساب على الفور كي ترسل له اللينك.
وبعد قليل وصلت رسالة من يارا إليه ليُسجل رقمها ثم بعد قليل لاحظ صورتها كخلفية.
لم يستوعب أن هذه يارا ابنة عمته!
أخذ يدقق بملامحها وغير مستوعب إلى الآن، فهو لم يعلم كيف تبدو ولم يراها يوماً ما إلا إذا كان اتصال.
يملك أخت لأبيه واحدة وهذه ابنتها لكن لم يتوقع أن هذا شكلها وهذه ملابسها!
تنهد قليلاً ليغلق هاتفه يرتشف بعض المياه يفكر كيف يساعد ماهر وشهد.
***
وبمدينة فانكوفر بكندا.
كان فريد يجلس بأحد أفخم المستشفيات وبه إصابات خفيفة.
أما عن آيه فهي بحالة حرجة يصعب على فريد نفسه فهمها.
كان يجلس ويتذكر رؤيته لوجهها الملئ بالدماء.
لم يستطع التعرف على وجهها إلا من ملابسها وشعرها!
كان يجلس جانب جيسيكا التي أُصيبت هي أيضاً بشدة.
كانت جيسي تهدأه بالكلام عندما وجدته على هذه الوضعية منذ مجيئهم المستشفى:
- فارس متقلقش خير، هي هتبقى كويسة زينا كده.
كان صامت ينظر بالفراغ وكأن أصابه الجنون.
لا يتحرك، لا يرمش، لا ينطق بأي حرف.
خرج الدكتور متوجهاً إليه يقول بالفرنسية:
- الحمد لله تجاوزنا مرحلة الخطر وهي بأمان لكن لازم نعملها عملية تجميل.
أبتسم تلقائياً وقد بدأ الأمل يتجدد داخله يقول بلهجة متلهفة:
- الحمد لله ي دكتور الحمد لله. اللي انت شايفه اعمله المهم تبقى بخير.
أومأ له الدكتور لكنه قال كي يفهمه شيئاً:
- فارس عملية التجميل دي يعني إن ملامحها هتتغير، يعني باختصار شكلها كله هيتغير!
صمت فريد ثواني محاولاً استيعاب ما قاله الدكتور ليقول له مستفهماً:
- وليه يحصل ده ي دكتور هو ضروري!
أجابه الدكتور بالإيماء موضحاً له الأمر:
- دي إسمها جراحة ترميمية ي فارس وده بيحصل لو اتعرض الشخص لحروق صعبة زي آنسة هيلانة كده وده بيأثر على الأنسجة الرخوة وعظام الوجه وده بيعيق الشخص إنه يتكلم أو يرمش أو ياكل حتى يعني باختصار العملية دي لو متعملتش هيبقى فيه خطورة عليها جامدة.
تفهمت جيسيكا الأمر لأنها طبيبة هي الأخرى لتنظر لفريد الذي كان تائهاً لا يعلم ماذا يفعل بهذا الأمر.
لكن لابد أن تعيش مهما كلفه الأمر.
- طيب ي دكتور اللي تشوفه اعمله المهم تبقى بخير زي ما قولت ليك.
- وحاجة كمان ي فارس العملية تمنها 5 مليون، لازم نصهم يتدفعوا قبل ما العملية تتعمل والنص التاني بعد نجاح العملية.
وافقه فريد قائلاً:
- ف داهية الفلوس ي دكتور المهم هي ابدأ انت شغلك وأنا هحولكم نص الفلوس على حسابكم حالاً.
أومأ له الدكتور ليتجه إلى غرفة العمليات شارعاً في البدأ.
جلست جيسي جواره تهدأه بقول:
- أنا حاسة بيك ي فارس دلوقتي وإنك بين نارين بس ده اللي المفروض يتعمل لأن لو معملتش كده هتفقدها للأبد بس ربنا عطاها حياة تانية احمد.
- الحمد لله على كل حال، أهم حاجة تبقى كويسة بعد العملية ي جيسي.
***
- أنا مش فاهم انت لسه قاعد ليه!!
ي برودك بعد اللي عملته فيها.
نظر له ماهر بغضب يقول بلهجة حازمة:
- بقي أنا اللي عملت! مهو أنا هستنى إيه من واحد مريض زيك غير كده!
اقترب منه خالد بغيظ يوجه يديه إليه لكن قبل أن تلمسه يديه تلقاها ماهر بقوة يقول وهو يكز على أسنانه بغضب أكبر يحذره:
- أنا هادي علشان عامل خاطر لأهلك دول لكن غير كده أنا ممكن آخدك معايا أسجنك بكل سهولة انت فاهم!..
أشاح خالد يده منه يقول بسخرية:
- بقي بتهددني في بيتي!
- ده مجرد تحذير بس بعد كده شكله هيبقى تهديد فعلاً، ف مش عاوز أسمع منك كلمة عمل ما تفوق علشان أنا جبت آخري منك خلاص.
ضرب خالد كفاً فوق الآخر يرحل من أمامه وهو يقول:
- معرفش إيه البلاوي اللي بتتحدف علينا دي!
رمقه ماهر بنيران داخله تشتعل غيظاً من برود هذا الكائن لكنه تمالك نفسه يوجه كلامه لسوسن بقول:
- هي مش راضية تفوق ليه لحد دلوقتي! طب جبولها دكتور طيب.
شكلها مش بخير.
- مهو خالد ابني دكتور ي باشا وهو قال شوية كده وتفوق.
قالتها ناهد لينظر إليها بصدمة قائلاً:
- ده دكتور!! ده أكيد بالحب بقى!
ابتسمت ناهد أثر جملته رغم ما يمرون به لكن كان منظره مضحك حقاً.
كان قد حلّ الليل عليه وهو بهذا المنزل الذي لم يرتاح به ولا أفراده حتى وكل هذا بسبب الدراما التي حدثت.
- مكنش يوم ما أكتشف ي رب مكانها وأكون قدامها يجري كل ده ومعرفش أخد منها عُقد نافع.
كان يهمس بين أسنانه يلعن هذا اليوم بأكمله.
ينظر إلى شهد التي فاقت وهي تحاول النهوض من مكانها.
اقتربت سوسن إليها تقول بخوف:
- انتي بخير ي حبيبتي طمنيني؟
أومأت لها شهد بضعف بينما نظرت لماهر الذي كان يقف يتفحصها بعناية يعلم مدى ضعفها وحالتها السيئة فكان بموقف حرج لا يعلم ماذا يفعل أيرحل ويقابلها بالغد أم يبقى ويتحدث معها بهدوء!
لكنه صمم أن يبقى فهذه فرصته الوحيدة ليقول مستأذناً جميع من بالغرفة:
- معلش ي جماعة ممكن أقعد مع آنسة شهد شوية على انفراد. أنا ما صدقت ما فاقت.
نظرت شهد لأمها باستنجاد لتومئ لها أمها وهي تربت على يديها هاتفة:
- متخافيش إحنا معاكي. أحنا برا وهما خمس دقايق ي حبيبتي وماهر بيه ابن حلال متخافيش منه.
ابتسم لها ماهر يقول:
- تسلمي ي طنط!.
خرجوا جميعاً وتركوهم بمفردهم بينما كاد على وشك أن يغلق الباب خلفهم وجدها تصرخ بقوة تمنعه...
- متقفلش الباب ممكن!!
رفع حاجبه بتذمر من هذه الطفلة فلِما تخفْ وهي بين أهلها!
اقترب منها يجلس على كرسي مقابلها يقول:
- بصي أنا بحب الصراحة ومليش في اللف والدوران ف ممكن تجاوبيني بكل صراحة وهدوء علشان أخلص أنا من القضية دي!
أومأت له شهد تقول:
- عاوز تعرف إيه بالظبط ي ماهر بيه.
- مين قتل سمير؟
- إجابة سؤالك مش عندي للأسف. تعبت نفسك ي ماهر بيه طول اليوم على الفاضي!
قالتها شهد بجرأة قليلة تحلت بها لكنه لم يهينها عليها. اقترب أمام وجهها بغضب يقول:
- بتكابري برضو! هتفضلي مخبية لحد إمتى صدقيني ده مش لصالحك! اعترفي علشان نقدر نساعدك.
- هو أنا كلامي عبر ي ماهر بيه!! قولتلك معرفش! أنا هعرف منين يعني!
مسك يديها بقوة وغضبه قد أعماه يردف:
- لأ ي روح أمك بلا شطارة علشان سمير وناري اللي بيتذاكى عليا.
شهقت شهد من لفظه المقزز مثله لتبعد يديه صائحة بوجهه:
- اخرررج براااا اخرررج مش عاوووزه أشوفك.
كور ماهر يديه بعصبية من صوتها المرتفع ومن الواضح أنها لم تعترف بهذه السهولة فهي فتاة عنيدة للغاية.
- انتي مش عاوزه تعترفي ليه وتخلصي نفسك من الفيلم الهابط ده! ولا حابة تتأذي انتي وأهلك!
قالها ماهر يضع يديه حول خصره قائلاً بلهجة تحذيرية وكأنه يهددها كي تعترف لكنها نهضت بقوة إلى حد ما.
تقف مقابله وهي تعقد ذراعيها تقول بنبرة ثابتة:
- متقدرش تعمل حاجة انت واللي زيك! سبق وقولت أنا مش على علاقة أصلاً بسمير علشان أعرف مين قتله، ده اللي عندي غير كده مفيش ي ماهر بيه وأنا لحد الآن محترماك لأنك في بيتي لكن زيادة عن كده أنا ممكن أوديك ف داهية وأشكي فيك بكل حتة إنك جايلي بيتي تحقق معايا بالقوة وبدون إذن نيابة وساعتها شوف هتبقى ظابط بصحيح ولا هيقعدوك في البيت.
كظم ماهر غيظه بإعجوبة من بجاحة هذه الفتاة بل وما تفعله أمامه يجعله متأكداً أنها تعلم من قتله أو تعلم عن هذه الجريمة لكنها تخفي.
اقترب منها يحذرها لآخر مرة بقول:
- أنا لحد الآن عاملتك بكل هدوء ورحمة واتساهلت معاكي وده مش في قاموسي انتي فاهمة!
أنتِ مجرد متهمة في عيني وواثق إنك ورا الموضوع ده ومش هسيبك إلا لما أعرف كل حاجة.
قال آخر جملة يجذبها إلى صدره بقوة يلوي يديها خلف ظهرها مردفاً:
- مهو انتي لو مجاوبتنيش بالذوق هتضطري تجاوبيني بالعافية وده محبهوش لبنت رقيقة زيك.
أكمل جملته يبتسم ساخراً لكنها صُدمت من بجاحته بمنزلها بل وما يفعله الآن وقربه وتهديده.
لتركله بصدره بكل قوتها ثم بعد ذلك صفعته بشدة وهي تشير بيديها إليه تقول بجرأة لم تعلم كيف أتت بها:
- انت إنسان وضيع وزبالة وده طبيعي لأنك ظابط! كلكم كده.
عاوزة أعد ثلاثة ملاقيش أثر ليك قدامي.
مش عاوزه أشوفك تاني انت فاااهم!
واه صحيح افضل دور وابحث واشتغل على نفسك لحد ما تلاقي دليل يديني بحاجة وابقي تعالالي بإذن نيابة وساعتها هقولك ي أهلاً وسهلاً غير كده ملقكش عندي غير الإهانة دي!
- انتي مجنونة!!! انتي عارفة انتي عملتي إيه وهنتِ مين؟!!
انتوا شكلكم عيلة هباب منها ومش خسارة فيها الموت والله.
قالها ماهر بغضب كبير وتوعد لهذه الفتاة الحمقاء فلعن نفسه أنه لم يرفع يديه كي يضربها لكن ما منعه أنه لم يضرب فتاة أو يهينها يوماً ما.
فمن هذه الفتاة التي تجعله أن يلمسها وتستفزه بهذه السهولة!
- انت إنسان مش محترم و... لم تكمل كلامها عندما وجدته يوقفها بيديه صائحاً بتهديد حقاً هذه المرة:
- أنا همشي دلوقتي لكن صدقيني هدفعك تمن اللي عملتيه ده غالي أوي.
وبكرة تشوفي نفسك انتي وكل عيلتك في السجن ووقتها هتيجي تتذلي ليا علشان تقوليلي الحقيقة وبعدين أبقى أفكر أطلعهم ولا لأ.
عيدي الكلام في دماغك وابحثي عني شوية واتعبي وهتعرفي مين هو ماهر الطوخي اللي لما بيقول كلمة بتبقى حُكم.
قالها ورحل من أمامها يتوعد لها بالكثير فهذه الفتاة تخطت معه كل الحدود.
بينما كان شادي يفتح هاتفه لم يجدر به النوم، فتح اللينك الذي أرسلته يارا ثم بعد قليل قال متعجباً:
- مش ممكن دي شركتي!!
أبتسم من أنها ستتعين بشركته كمهندسة بل وازداد اندهاشاً أنها تخرجت من كلية الهندسة فمظهرها ليس يدل على ذلك!
قرر إرسال رسالة إليها منتظراً ردها:
- انتي عارفة مين صاحب الشركة دي ي يارا؟!
ردت عليه يارا بنفس ذاك الوقت لحسن الحظ تقول:
- مش عارفة بصراحة ي شادي.
و أنا أعرف معلومات عنه بس محبتش أعرف كل حاجة إلا لما أروح الشركة.
ادعيلي انت بس أعرف أمشي في الوظيفة دي وخاصةً إن الكل بيحذرني من أنه عملي جداً وشخص جامد ومنضبط وبصراحة أنا خايفة من كده.
ضحك شادي حينها يرسل لها:
- خايفة ليه ي يارا؟! انتي أكيد شخص عملي وهتحبي شغلك لأنك ما شاء الله خريجة هندسة تبقى كنت شاطرة جدا.
- بص بصراحة اللي عرفته إن أغلب شركته الموظفين فيها محجبين وأنا بصراحة مش محجبة خايفة أبقى شكلي وحش وأتفهم غلط.
- امم مشكلة فعلاً بس أكيد فيه برضو مش محجب متقلقيش بس أهم حاجة تراعي لبسك ويكون محتشم إلى حد ما.
- إن شاء الله خير ي شادي.
أسيبك أنا دلوقتي تصبح على خير.
- وانتي من أهله.
أغلق هاتفه ينظر لصورتها مجدداً فكانت تظهرها بالكامل لكن ملامح وجهها كانت غير واضحة ورأى بوضوح طبيعة ثيابها لذا نصحها بالاحتشام والعفة لأنه يكره هذا الصنف لكن ما أدهشه أن عمته كيف تسمح لها بارتداء هذه الملابس وكأنها فتاة قادمة من الخارج!
- أنا بفكر في إيه دلوقتي!
قالها بتعجب من هذا الذي يفكر به.
ثم تذكر إنه يجب أن يصل إليهم بأسرع وقت.
رواية ساعة الانتقام الفصل السابع 7 - بقلم دينا اسامة
هرولت شهد متجهة إلى شقتها، وخلفها أمها التي رأت شرارة غريبة في عيني ماهر عندما خرج في صمت تام.
بعد ذلك، تبعته شهد بعصبية شديدة، تهلوس بالكلام:
"والله لاوديك في داهية، بقيت بتهددني أنا بأهلي؟ اتجرأ أنت بس واعمل حاجة وشوف هعمل فيك إيه!"
أغلقت سوسن باب شقتهما، متجهة لغرفة شهد التي كانت تترجل يميناً ويساراً، تسبه بأبشع الألفاظ.
"خير يا شهد، حصل إيه بينكم؟ ماهر بيه خرج مرة واحدة ومشي في وشه، بس من ملامحه كده باين إنه حصل حاجة."
نظرت إليها شهد بغضب كبير وهي تقول:
"ده بيهددني يا ماما، بيهددني بيكم! وصل بيه الجرأة إنه يهددني في بيتي وسط أهلي وناسي!"
لم تفهم سوسن منها شيئًا، لتهدأها قائلة:
"طيب اقعدي وفهميني كده يا بنتي. يا بنتي وعدتيني إنك تحكيلي كل حاجة يا شهد، وآدي آن الأوان يا حبيبتي أعرف عشان أساعدك."
قالتها سوسن بحب وهي تقبل يديها. لتقبل شهد يديها هي الأخرى قائلة:
"عندك حق يا ماما، أنا لازم أحكيلك كل حاجة، بس والنبي اعمليلنا فنجانين قهوة عشان نار طالعة من دماغي."
أومأت لها مبتسمة، ثم اتجهت إلى المطبخ فورًا.
بينما في الطابق الأسفل، كانت ناهد تصرخ في خالد الذي كان يريد أن يرى ريم، لكنها كانت تمنعه بالقوة.
"مش هتنزل يا خالد، مش كفاية اللي عملته فيها! إيه عاوز تموتها المرة دي؟"
"يا ماما، انتي مش فاهمة الموضوع، والله أنا لازم أنزلها دلوقتي، لازم أقعد معاها عشان متروحش في داهية بعد اللي بتعمله في نفسها."
رفضت ناهد، غير مبالية له، تقول:
"وأنا رافضة دلوقتي خالص يا خالد! أنت مبتحسش؟ أنت عارف ريم لو شافتك دلوقتي ممكن يجرالها إيه؟ اللي عملته مش قليل فيها، عشان كده مش هتنزل عندها خالص من هنا ورايح، ولا هتهتم بيها وتتحكم في تصرفاتها إلا لما هي تطلبك، أنت فاهم!"
غادرت بهذا الوقت من أمامه بغضب من ابنها الدكتور، التي كانت تدعيه بالعاقل الرزين، لكن بعد فعلته هذه اتضح أنه مجنون على الأغلب.
كانت ريم بالأسفل، تجلس القرفصاء تحمي نفسها بيديها، تبكي بصوت مرتفع.
طرق فادي بابها عدة مرات، ثم بعد ذلك دلَف وجلس جوارها، ينظر لها بحزن، يقول وهو يلمس يديها:
"متعيطيش يا ريم، كفاية! دموعك غالية علينا، مش عاوز أشوفك بتعيطي تاني."
نظرت له بحزن، وشهقات بكائها تزداد، لتقول له بألم:
"ومعيطش ليه يا فادي؟ خالد مد إيده عليا! ضربني يا فادي ووجعني بكلامه أوي، وكأنه ميعرفنيش، كأني بنت من الشارع!"
مسح فادي دموعها، يقول لها كي يهدأها:
"متزعليش منه يا ريم، خالد والله طيب وبيحبك وخايف عليكي وعاوز مصلحتك."
"انت لسه صغير يا فادي، مش فاهم حاجة."
قالتها ريم بألم، وهي تتدلي برأسها أعلى الفراش وأخذت وضعية النوم.
ليقول لها فادي:
"لأ، أنا مش صغير يا ريم، وبطلي تقوليلي الجملة دي علطول! أنا في تالتة ثانوي، وإن شاء الله هبقى دكتور قد الدنيا، ووحيد هيفضل فخور بيا زيك كده، وهتشوفي."
ابتسمت بألم فور ذكر اسم وحيد، لتغلق عينيها تتذكر موقفًا ما بينها وبين أخيها.
"بقي كده يا دكتور وحيد! طيب استنى عليا، وكلها كام شهر وهتقولوا الدكتورة راحت، الدكتورة جات."
ابتسم وحيد ليحتضنها قائلاً:
"أنا واثق فيكي، وواثق إنك هتبقي أكبر دكتورة في مصر يا ريمو."
"وساعتها هاجي اشتغل وأتدرب معاك بكل سهولة."
قالتها ريم بطفولية، ليحتضنها أكثر قائلاً:
"دانتي تنوري المركز بتاعي يا دكتورة قلبي انتي."
فاقت ريم على صوت أخيها الذي كان يقول:
"روحتي فين يا ريم!"
مسحت ريم دموعها سريعًا، وهي تقول ناصحةً أخيها:
"أنا كويسة يا حبيبي دلوقتي، المهم أنت روح كمل مذاكرتك ومتشغلش بالك بأي حد عشان تبقى دكتور قد الدنيا."
ابتسم لها فادي يقبلها بقول:
"طيب بشرط واحد، هروح أذاكر وأكل الكتب!"
ابتسمت تُجيبه:
"أنت تؤمر يا سيدي."
"أنا جعان وعاوزك تعمليلي أنا وانتي أكلة آخر الليل بتاعتنا، عمل ما أخلص مذاكرة الكميا، وبعدها نسهر أنا وانتي شوية زي زمان، مبقتش بعرف أقعد معاك ساعة على بعضها."
أومأت له بفرحة وهي تنهض بحماس، وقد نست فجأة كل ما شعرت به هذه الليلة، لكنها توقفت تقول له بترنح:
"طيب ومذاكرتك يا فادي؟"
"متقلقيش، معنديش دروس بكرة، يعني بكرة هقضيها على الكتاب."
ضربت كفه لترحل، متجهة إلى المطبخ بفرحة من قلبها، أتت بعد فترة.
خرج فادي ليقابل أمه التي ابتسمت له تقول:
"ربنا يخليكم لبعض يا بني."
"مش ناوية تسهري معانا ولا إيه يا ماما؟"
"مرة تانية يا فادي، انبسط أنت وأختك وأنا هدخل أنام."
أومأت له ليدخل غرفته بسعادة داخلية غريبة، فهذه أول مرة بعد وفاة وحيد توافق ريم على السهر معه والتشاور.
حيثُ بدأ يدرس وقتها بحماس أكثر.
بينما كان ماهر بشقته، يحادث أحدًا بالهاتف بعصبية كبيرة.
"انت اتجننت يا ماهر! عاوز تودي نفسك في داهية!"
رد ماهر باقتضاب ولا مبالاة غريبة من جريمة ما فعله:
"أهو اللي حصل يا زياد، وصدقني البنت دي عارفة كل حاجة ومخبياها، عارف ليه بتعمل كده ولصالح مين!"
رد زياد بعصبية خوفًا على ماهر ووظيفته:
"يا ماهر اعقل، خاف على وظيفتك، تغور القضية لكن أنت وظيفتك دي لو أقلوك منها هتعمل إيه؟!"
رد ماهر بتحدٍ تجلى بصوته يقول:
"صدقني مش فارق معايا حاجة دلوقتي غير إني أعرف منها كل الحقيقة، حتى لو ده كلفني وظيفتي، لكن مش بنت زي دي اللي تتحداني، ده أنا أمحيها هي وكل أهلها قبل ما تفكر في كده!"
"يا ماهر بلاش. البنت دي لو شكت فيك فعلاً زي ما بتقول، وعرفوا إنك قابلتها وروحت هددتها وحققت معاها ببيتها بدون إذن نيابة هيبقي فيه ضرر عليك."
"والقضية يا زياد! إيه عاوزني أخاف من البنت دي وأبعد عنها وأفشل في مهمة في حياتي لأول مرة، وتكون كمان هي السبب! لأ، ده بُعدها. صدقني في خلال أسبوع بالظبط هتلاقيها جيالي بنفسها المركز تترجاني إني أسمعها بس، ووقتها بقى أفكر."
رد زياد بتعجب لأول مرة من صديقه، فدائمًا ماهر يعمل بحرص ولم يخطئ بأي شيء خوفًا على وظيفته، لكن الآن لم يبالي لأي شيء سوى تلك القضية.
"كل ده عشان حتة قضية!! ما تتحرق القضية يا أخي."
"دي قضيتي أنا يا زياد، ومش ههدا إلا لما أحل كل حاجة غامضة فيها، وعلم على كلامي ده، قريب كل حاجة هتظهر!"
أغلق معه ماهر، يجلس على أحد الكراسي المتحركة وجانبه أباجورة مضيئة، يغلق بها ثم يفتحها. ظل هكذا عدة دقائق شاردًا، حتى استعرت نيران الغضب داخل صدره كالحمم البركانية، حتى شعر بصرير مزعج من أذنيه، ليقفز من مكانه يلقي كل ما في وجهه بغضب عندما تذكر لهجتها وطريقة حديثها معه والثقة التي رآها بعينيها.
"والله ما ههنيكي على حياتك، اصبري بس عليا، هعيشك أسوأ أيام حياتك الفترة دي، وأنتي اللي جبتيه لنفسك."
كان يقول ويرد على نفسه كأنه يخاطب شخصًا ويهدده. فدائمًا شخصان متناقضان داخله، منهم من يفكر بقلبه، والآخر بعقله، لكنه المهيمن في أغلب الوقت. فماهر دائمًا يفعل كل شيء بعقله منذ الصغر، لم يتعامل بقلبه ومشاعره تجاه أي موقف يستدعي ذلك، فيُحكّم عقله دائمًا، وهذا ما يخشاه هذه المرة لأنها فتاة، وإذا بقيت على هذا الحال فستتعلم درسًا قاسيًا لم تستطع نسيانه دائمًا.
أنهت شهد حديثها مع والدتها لتقول:
"هو بقي الظابط ده يا ماما فاهم إني أعرف مين قتل سمير، وأنا والله ما أعرف هو مين، وكل اللي حصل قولتهولك أهو، لكن ده مقدرش أحكيهوله بناءً على طلب فريد."
"كل ده حصل، فاكرة لسه تقولهولي يا شهد!"
قالتها أمها بلوم كبير اتضح من عينيها، لتعتذر لها شهد قائلة بصدق:
"صدقيني والله غصب عني، أنا لحد الآن مش قادرة أتعافى من اللي حصل."
"برضو كنتي حكتيلي يا شهد ومعملتيش في نفسك كده. ثم بعدين، لا انتي ولا إيه ولا فريد ده ليكوا علاقة بالجريمة ليه، مخليكي تسكتي ومتقابليش حد!"
"يا ماما، وقتها فعلاً كانت الجريمة هتتدبس في إيه لأنها كانت معاه، لولا ربنا سترها وكنت أنا موجودة صدفة، وفريد كان معاه. بقعد بيني وبين نفسي أقول لو فضلت قاعدة هنا وظهرت نفسها عادي للناس، كان ممكن ميجرالش حاجة وتعيش حياتها طبيعية ويكتشفوا القاتل الحقيقي، وبعدين بفكر وبشوف إن الصح اللي فريد عمله ده، بس اللي مستغرباه إنه لحد الآن مبعتليش مسدج يطمني عليهم، وصلوا كندا ولا...!"
"انتي على تواصل معاه يا شهد!؟"
قالتها أمها مستفهمة، لتجيبها شهد بالإيماء:
"أيوة يا ماما، كل خطوة بياخدها بيبقى قايلي عليها، وهو برضو اللي خلاني أرجع أعيش هنا وأبعد عن هناك لأنه شايف إن اللي حصل ده كان مقصود بيه أنا وإيه، فمش عارفة والله يا ماما إيه الصح من الغلط، أنا بقيت حاسة إني عايشة في غابة ومش عارفة أخرج منها."
شعرت أمها بالخوف عليها لتقول لها:
"يا بنتي وليه عاملة في نفسك كده! ما تقولي لماهر بيه اللي تعرفيه واللي حصل، وأنا متأكدة إنه يقدر يساعدك وهيعرف يحل اللغز ده، صدقيني لأنه من الواضح إنه ذكي أوي."
أشاحت شهد رأسها عدة مرات بنفي، تقول لأمها بتحذير:
"لأ يا ماما، أوعي يا ماما، أوعي ف يوم تحكي لحد حاجة عن اللي قولته، محدش يعرف غيرك أنتِ وخالد وكفاية، أنتوا بجد. ماهر ده مش سهل يا ماما، أنا شفت الغل والكره في عينيه، وشفت إنه قد إيه عاوز يعرف أي حاجة عن القضية عشان يثبت قدام نفسه والكل إنه حل القضية كعادته! متوقعش ف يوم إنه يساعدني لو احتجته. ماهر من أمثال الناس اللي بتفكر في الشو والمظاهر، وأنه يفضل بمظهر الظابط الناجح اللي مفيش قضية بتفلت من إيديه، بس أنا مش هسمحله بده المرادي."
لوت سوسن فمها متعجبة تقول:
"طيب يا بنتي، إذا كان عليا ف سهل، أنا عمري ما هتكلم في الموضوع ده، بيني وبين نفسي حتى، الدور والباقي على خالد بقى، نبهيه عليه."
"اطمني يا ماما، خالد كأني مقولتلوش حاجة، أنا بثق فيه أكتر من نفسي."
زمت أمها شفتيها بحيرة تقول:
"مهو واضح من اللي حصل تحت من شوية!"
شعرت شهد بالحرج تقول بدفاع:
"هو بس اتعصب ف هبت منه يا ماما، لكن والله خالد أطيب حد شفته في حياتي."
"طيب وبالنسبة للي عملو فيكي؟!! انتي إزاي سمحتي له إنه يضربك ويعمل فيكي كده يا شهد! لا عاش ولا كان اللي يمد إيده عليكي حتى لو كان مين!"
قبلت شهد يد أمها تقول مهدئة لها:
"معلش يا ماما، اعتبريه معملش حاجة، وبعدين خالد ده أخويا الكبير، يعني مش زعلانة منه."
تنهدت سوسن بخيبة أمل أكثر، فكلما أرادت الأبعاد بينهم يتقربون أكثر..!
وبمكان آخر، كان يجلس فريد بصمت تام، وجانبه جيسي التي كانت تهدأه طوال الوقت، تردف:
"فارس، دي حكمة ربنا، متعملش في نفسك كده، وهي إن شاء الله هتفوق والعملية هتنجح."
كان فريد يجلس متذكرًا صرختها بين يديه وخوفها، ولم يجدر به فعل شيء! لام نفسه كثيرًا واعتبر أنه السبب فيما هي عليه الآن، لو ما فكر بهذه السفرية لِما كان حدث ذلك، فهو المذنب الوحيد، وأي حال وصلت إليه هو السبب به. قرر الإضراب عن الطعام إلى أن تفيق ويراها طبيعية أمامه مرة أخرى، حتى وإن تغير شكلها، فهذا لم يفرق معه، فهي ستظل آية، ستظل الأنثى النقية، طيبة القلب الذي تعلق بها قلبه.
شعرت جيسي بأنه ليس على ما يرام، فجلبت له كأسًا من العصير لأنها تعلم أنه لم يأكل حتى الآن ويعاقب نفسه على شيء ليس له ذنب به!
"اتفضل يا فارس، ارجوك اشرب العصير على الأقل."
"اشربي انتي يا جيسي، انتي كمان مصابة وتعبانة."
ابتسمت له تقول:
"أنا شربت، المهم أنت تشرب لأنك تعبان يا فارس، وميصحش تعمل في نفسك كده! هيلانه هتبقى بخير صدقني."
رفض فارس بألم، ليرحل من أمامها، تاركًا المستشفى بأكملها، بينما هو يتجول بطرقات هذه المدينة. تذكر شهد وقتها، ليحمل هاتفه يرسل لها بعض الرسائل، ثم بعد ذلك أغلق هاتفه وظل يسير وجسده قد بدأ بالضعف من شدة البرد القارص، لكنه لم يشعر بكل ذلك، إلا أنه يريدها أن تفيق. لكنه فجأة تذكر شيئًا هذه اللحظة بغاية الخطورة، ليحمل هاتفه مجددًا وقد بدأ بمراسلة شخص ما.
أما على الجهة الأخرى، كانت تجلس شهد جوار أمها التي كانت تقرأ لها رسائل فريد. امتلأت عيناها بالدموع تقول:
"ي حبيبتي يا آيه، ي رب قومها بالسلامة ي رب."
سوسن بحزن:
"لا إله إلا الله، ربنا يتولاها برحمته يا بنتي."
شهد بألم:
"ي رب يا ماما، ي رب، إن شاء الله هتبقى كويسة طالما فريد جنبها."
وبشقة ماهر، كان قد غفى مكانه ليدق هاتفه، رد على المتصل يقول:
"أيوه مين."
"ماهر، آيه سليم ماتت!"
هبّ ماهر من نومه فزعًا يقول:
"ماتت إزاي يا زياد!"
"في طيارة كانت نازلة مصر النهاردة، وكان المتوقع إنها تبقى فيها، وللأسف الطيار اضطر يعمل هبوط اضطراري، فهي ماتت محروقة وغيرها كتير."
لم يستوعب ماهر ما يسمعها، حقًا ماتت! شلّ عقله من هذا الذي يحدث بهذه القضية! ليُعيد متسائلاً:
"وأنت عرفت منين الخبر ده يا زياد! أنا مكنتش على علم بالموضوع ده."
"اللوا جمال بلغني لأنه كان متابعها الفترة دي وعرف وقتها موضوع الطيارة دي وأنها احتمال تبقى فيها، وطلع شكه في محله. المهم بكرة تنزل المركز ضروري لأن اللوا جمال طالبك."
أغلق معه ماهر، يتنهد بتعب، فهذه القضية أنهكته بشدة!.
وبعد مرور يومان على الجميع، كان شادي عائدًا من عمله بوقت متأخر عكس عادته، فهو أغلب الوقت يتابع شركته وعمله من المنزل بواسطة حاسوبه، يدير كل شيء به، ليقابل العم عبد الله، فسنتحت له هذه الفرصة يقول:
"إلا صحيح يا عم عبد الله، كان فيه واحد بقاله يومين كده كان خارج من البرج متعصب، وكان بيعمل إيه ولا عاوز مين؟"
"واحد! أبدًا يا بني، معرفش أنت تقصد مين!"
قالها العم بتوتر واضح بدا عليه. ليحاول شادي الاقتراب منه ولمسه، لعلّ يعلم ما يفكر به وما هو الصدق، لكنه شعر بضعف من عمله الشاق طوال اليوم، وهذا يمنعه من رؤية أي شيء وتبدأ قواه بالاختفاء تدريجيًا، لذا كان من الأفضل أن يرحل كي يرتاح قليلاً ثم بعد ذلك يفكر بالأمر. لكنه توقف ثانيةً متسائلاً:
"طيب يا عم عبد الله، بالنسبة للشقة اللي كانو فيها السكان اللي عزلو، هي متاحة دلوقتي؟!"
أومأت له قائلاً:
"كان فيه ناس كلموني وحابين يشوفوها على بكرة، لكن أنت لو محتاجها خلاص اعتبرها بتاعتك."
ابتسم له شادي يقول:
"الله يخليك يا عم عبد الله، تسلم. أنا فعلاً فيه حد من قرايبي عاوزها."
اتفق معه العم عبد الله، ليرحل شادي متجهاً لشقيقته، ثم بعدما انتزع ثيابه. وبعدها فتح هاتفه كي يرسل لها بأنه وجد شقة كما طلبت.
"أنا لقيتلك الشقة اللي بتدوري عليها وإيجارها مناسب ليكي، وإن شاء الله ترتاحي فيها."
ردت عليه بعد قليل شاكرةً تقول:
"شكرًا جدًا يا شادي، تسلم ي رب."
"متقوليش كده، المهم توصلي بالسلامة، وعمل ما توصلي اتصلي بيا أجي أجيبك من المكان اللي أنتي فيه."
"ف الحقيقة يا شادي، أنا وصلت الجيزة النهارده وقاعدة في فندق هنا عمل ما كنت تلاقيلي الشقة، والحمد لله لقيتها، ف إن شاء الله هرن عليك بكرة تيجي تاخدني لو مش هتعبك معايا."
رد شادي متعجبًا يقول:
"وصلتي!! طيب وليه مقولتيش إنك هتيجي بدري كده؟!"
"وصلتلي رسالة إني لازم أروح الشركة بكرة لأن المدير عامل اجتماع يتعرف على الموظفين الجُدد، ف كان لازم أنزل."
تذكر شادي هذا الأمر بالفعل، ليرد عليها:
"طيب تمام، المهم بعد ما ترجعي من الشركة اتصلي بيا."
"أكيد بإذن الله، تصبح على خير."
كاد على وشك أن ينهض ليري رسالة لها تقول بها:
"إلا صحيح يا شادي، أنا معرفش شكلك خالص، لو مش هتعبك ممكن صورة ليك عشان لما تجيلي بكرة أعرفك."
نهض شادي يبتسم متجهاً للمطبخ يصنع بعض الطعام له، وقرر عدم إرسال صورة لها لتتفاجئ هي به بالغد!!
كان ماهر يعمل بمكتبه وهو شارداً أغلب الوقت بعدما رأى جثة آيه المحروقة.
دلف إليه زياد الذي كان ينظر له متعجبًا:
"إيه مالك كده!"
نظر له ماهر يقول:
"مش عارف ليه حاسس إنه موضوع موتها ده مش داخل دماغي! حاسسها لعبة ملعوبة كويس جدا."
"ده اللي كنا حاسين بيه أنا واللوا جمال، لكن بعد ما عملنا للجثة تحليل DNA اتأكدنا فعلاً إنها آيه."
ما زال ماهر غير مقتنع ليقول متسائلاً:
"طيب وبالنسبة لفريد حارسها الشخصي!!؟"
"دي بقى منعرفش، هل هو كان معاها ولا فضل في دبي!"
نهض ماهر يترجل يميناً ويساراً أمامه، يقول وقد بدأ الشك يزداد بقلبه:
"صدقني يا زياد، أنا واثق إن دي مش جثتها ولا هي آيه ولا غيره، ودي لعبة."
"وإيه اللي مخليك واثق كده يا ماهر؟!!"
قالها زياد متعجبًا من حال صديقه:
"إحساسي يا زياد، وأكيد اللي أنا حاسه ده مش غلط."
رد زياد باستنكار:
"ومن إمتى واحنا بنتعامل بإحساسنا بشغلانتنا دي يا ماهر! إحنا لينا بالأدلة اللي قدامنا، غير كده منقدرش نتكلم في حاجة خارج الأدلة."
كاد ماهر أن يتحدث، لكن دلف إليهم اللوا جمال بوجه عابس يقول موجهاً حديثه لماهر:
"ماهر بيه، لسه مفيش جديد!"
"لأ يا فندم، مفيش أي جديد، بس..."
لم يُكمل جملته عندما منعه يقول بحدة:
"ماهر بيه، آخرك معايا الأسبوع ده، ولو معرفتش تحل القضية دي، غيرك هيستلمها."
شعر ماهر بحرارة تسري بجسده بعد ما قاله اللوا جمال، ثم رحل.
بينما هو وقف ينظر بالفراغ بلهيب، وقد بدأ يشعر بأنه لأول مرة سيخسر أمام نفسه قبل الجميع، مجرد ذكر هذا يجعله في حالة جنون.
نهض زياد أمامه يقول قبل أن يرحل، وقد علم أنه في حالة عصيبة:
"متزعلش من اللوا جمال، ده أفضل ليك يا ماهر، عشان متعملش حاجة غلط تندم عليها. أنت بتعمل اللي عليك، والباقي عند ربنا."
كسر ماهر كل ما أمامه يقول بلهيب وعلامات الاشمئزاز والغضب تتقسم وجهه:
"مش هسمح لده يحصل...! هعمل المستحيل، لكن مهطلعش خسران من القضية دي لو على جثتي! عطيتك مهلة يومين تعقلي، لكن انتي الجانية على روحك بقيتي، مكنتش أحب أعمل اللي هعمله مع بنت وتكوني انتي!"
أخذ نفسًا عميقًا وقتها، يُعيد شعره للخلف.
حلّ الليل، وبالمستشفى كان فريد وبرفقته جيسي جانب الدكتور الذي كان على وشك أن ينتزع ما على وجه آيه لكي يتأكد من نجاح عمليته، ليقول لفريد الذي كان واقفًا بتوتر يراقب الوضع:
"إن شاء الله خير، متقلقش."
أومأت له فريد، يغلق عيناه يدعو الله داخله كثيرًا، بينما كان الدكتور يفعل، ليبتسم بعدما رأى نجاح عمليته وتغير وجهها بالكامل.
شهقت جيسي وقتها تقول بصوت مرتفع:
"عاليه!!!"
فتح فريد عيناه بغضب فور ذكر اسمها، لكنه ارتد للخلف بصدمة، وتبلورت عيناه فور رؤية وجهها الجديد! كانت الغرفة تدور به، رأى كل شيء اثنين أمامه، إلا وجهها كان واضحًا بالنسبة له بشكل كبير، ليسقط أرضًا في حالة صدمة.
رواية ساعة الانتقام الفصل الثامن 8 - بقلم دينا اسامة
كان فريد بحاله يُرثي لها من رؤيته لوجه آيه.
كأنه يراها الآن، لم يرى آيه!
ظل على هذه الوضعية إلى أن أردف الدكتور قائلاً بتعجب:
- خير يا فارس! متقلقش هي هتبقى كويسة. في خلال الـ 24 ساعة الجايين هتفوق، ده بس أثر المخدر.
هب فريد من مكانه فجأة ينظر للدكتور بتوعد وغضب واضح ظهر من عينيه:
- انت! انت إزاي تعمل حاجة زي دي من غير ما تاخد إذني!!! هاااا رد عليا ساكت ليه؟!!!
ارتد الدكتور للخلف فَزِعاً من هيئة فريد التي يراها لأول مرة. فهو على علمه أن كان لديه حبيبة تُدعى عاليا وكانت تعمل دكتورة وكان يحبها كثيراً. توقع أن يفرح بعد رؤية وجهها، لكنه صُدم من رد فعله!
- فارس أهدي فيه إيه! أخد إذنك في إيه! أنا قايلك إن وشها كله هيتغير، إيه الغلط في اللي عملته!
جذبه فريد من ياقة قميصه بعصبية مفرطة يقول وهو يعنفه:
- أخدت إذني وموافقتي في العملية، لكن أخدت إذني إنت في اللي عملته ده!!! ليه عملت كدة لييي!
فهم الدكتور ما يقصده ليجيبه بهدوء وتعجب من تصرفه المبهم:
- يا فارس أنا قولت أعملهالك مفاجأة. أنا عارف إنك كنت بتحب عاليا الله يرحمها، لكن أنا...
لم يكمل جملته عندما لكمه فريد بقوة غريبة في وجهه، وكأنه ينتقم منه على ذكر اسم هذه المدعوة عاليا!
- متجبش سيرتها تاني انت فااااهم!!! أنا مش هسيبك أما تصلح اللي عملته ده اتصررررف يلاااا مش عاوز أشوف وشها الجديد دددده...
- استهدي بالله يا فارس إيه اللي بتقوله ده!! أصلح إيه! أنت فاهم إن دي عملية ترميمية يعني لازمها كمان حوالي خمس سنين شغل على ما تفكر تعملها تاني لأنها خطر والشخص بيتعرضلها مرة واحدة في حياته!
اعترض فريد بجنون على ما سمعه. يرفض عقله الباطن ما سمعه، لم يتقبل رؤيته لها كل هذا الوقت! كيف ستكون معه بكل لحظة! لم يستطع أن يتحمل. انهارت حصونه وكاد على وشك أن يفقد عقله بهذه الحالة، لكن اقتربت جيسي إليه مسرعة بخوف وهي تبعده عن الدكتور الذي فوراً فرّ إلى الخارج بصدمة. بينما كان فريد يحتضن جيسي وقد انهار بالمعنى الحرفي. يقول وسط بكائه:
- ليه يا جيسي لييييه!! ليه حصل كدة! ليه ربنا مصر يعذبني بيها كل ما باخد خطوة لقدام! ليه مبيخلنيش أتهنى على نسيانها! مش هقدر أستحمل تاني. اتصرفي ي جيسي مش انتي دكتورة!
كان يخاطبها كالطفل المجنون بينما هي بكت تقول وهي تهز رأسها:
- مينفعش يا فارس مينفعش. الكلام اللي الدكتور قاله صح، مينفعش حد يتدخل ولا نعمل أي حاجة لأنه هيبقى خطر عليها وتروح فيها..!
تركها فريد فجأة ينظر لعيناها يقول وهو يهز رأسه باعتراض:
- تقصدي إيه!!! تقصدي إني أتعايش معاها بالشكل ده!! عاوزاني أتعامل معاها وأكلمها!! ده مستحيلللل.. مستحيللللل!! مستحيل أشوف البني آدمة دي في حياتي تاني.
قالها بألم كبير وهو ينظر نظرةً مطولة لآيه قبل أن يرحل بجنون تاركاً المستشفى بأكملها.
صباح اليوم التالي.
كانت شهد تغلق باب الشقة تنزل إلى أسفل قاصدة الشارع كي تشتري بعض مستلزمات المنزل. رآها خالد ليتجه إليها فوراً ودون مقدمات قبّلها بخدها يقول معتذراً:
- آسف على اللي عملته.
ردت شهد وقتها وهي تدّعي الحزن:
- معلش مش هقبل اعتذارك يا خالد. بعد كده أنت من طريق وأنا من طريق.
قالتها وهي على وشك الخروج من العمارة. لكنه اعترض طريقها يقول بحزن واضح معنفاً نفسه:
- حقك عليا يا شهد وادي ي ستي راسك أبوسها كمان. سامحيني بقي والله ما كنت شايف قدامي وقعدت أقولك ابعدي علشان عارف نفسي وعارف إني هاذي اللي حواليا.
- الفقرة الرومانسية السخيفة بتاعتكم دي انتهت ولا لسه؟!
قالها ماهر بهذا الوقت وهو ينتزع نظارته ينظر إليهم بإشمئزاز. بينما شهد اتسعت حدقتيها من مجيئه لثاني مرة! فكيف يتجرأ كل مرة على القدوم. كادت أن تعنفه بالكلام مثل ما فعلت ذي قبل، لكن أوقفها خالد هذه المرة يقف أمامها قائلاً بتحدي متفحصاً ماهر الذي كان ينظر له بسخرية:
- ممكن أفهم ليه الزيارات المفاجئة دي من غير ميعاد!
اقترب منه ماهر يعدل ياقة قميصه وهو يقول جانب أذنه:
- الزيارات دي حبيبة القلب على دراية بيها ولا إيه رأيك يا آنسة شهد؟!
تعجبت من جملته "حبيبة القلب" لكنها لم تبالي ليأتي صوتها هذه المرة بهدوء:
- عاوز إيه تاني؟
- عاوزك..!
قالها دون مقدمات ليشتعل خالد غضباً وهو على وشك صفعه. لكن جذب يديه ماهر بقوة ثم قال بفحيح يشبه فحيح الأفاعي:
- قلة أدب مش عايز انت فاهم!
قالها ماهر بتهديد ثم عاود جملته بتوضيح أكثر:
- عاوزك تيجي معايا المركز. وده مش هيكلف جنابك نص ساعة حفاظاً على وقتك الثمين يعني.
قاله بإستهزاء ليتابع ملامحها وقتها وثقتها وطريقتها التي أغرته هذه المرة فلم تُخيب له ظن شهد وقتها. عقدت ذراعيها تنظر بعينيه بقوة مماثلة لقوته تقول بتحدي واستهزاء:
- معلش اعذريني مش فاضية النهارده. ممكن تجيلي كده على بكرة احتمال أبقى فاضية وساعتها هفكر بإذن الله.
نظر لها خالد بإعجاب وهو يبتسم بشدة من سخريتها منه. بينما ماهر الذي كان يتابعهم بتماسك شديد فلم يعلم كيف هادئاً حتى الآن! فهذا ليس من طبعه لكن مع هذه الفتاة أخذ يعتاد على ما يصدر منه هذه الأيام.
- صاحبتك آيه ماتت.
قالها بجدية هذه المرة لا يريد الرد على سخافتها هذه. أراد أن يتخلص من هذا الموضوع بأسرع وقت.
- لترد عليه بسخرية: نعم!! ماتت إزاي يعني؟!
أشار بيديه يحذرها بقول:
- جلسة السخرية بتاعتك دي تخلص بسرعة عشان مزعلكيش. أنا لحد الآن محترم معاكي ومراعي إنك بنت، لكن أقسم بالله انتي والمجنون اللي جنبك ده كلمة تانية وهسجنكوا.!
شهقت شهد من جرأته وألفاظه الحقيرة مثله تماماً. بينما خالد تقدم منه بعصبية كبيرة. لكن أعاقت شهد طريقه تقف هي أمام ماهر تقول بجدية مستفهمة:
- حضرتك أنا زهقت من الوقفة. ورايا مصالح. ممكن تدخل في الموضوع وتقولي عاوزني في إيه بس على الله ميكونش زي المرة اللي فاتت لأني باختصار هرد عليك وأقولك معرفش! لو ده سؤالك ف أنت سمعت جوابه للمرة التانية ف تقدر تتفضل دلوقتي.
- وأنا دخلت في الموضوع وبقولك آيه سليم ماتت. كانت نازلة مصر وحصلت مشكلة في الطيارة عمل هبوط اضطراري وده أدى أن الطيارة تنفجر وهي دلوقتي جثتها بالمركز واتأكدنا إنها هي. تقدري تيجي معانا تتعرفي عليها وتودعيها قبل ما تتدفن.
ردت عليه بحيرة مما يقول ف نصف كلامه صحيح لكن النصف الثاني من أين أتى به؟!! لكنها عزمت أن تسير معه بهذا الخط تقول بملامح مصدومة:
- بتقول اييييه!! آيه في دبي إزاي كانت نازلة!! انت بتقول أي كلام صح؟!
- يعني انتي مش على علم بنزولها؟!
قالها بشك يزداد لترد هي بتوتر:
- أنا معرفش حاجة عن آيه. سبق وقولت لحضرتك إن أنا وهي على خلاف ف معرفش عنها حاجة. لكن اللي أعرفه إنها بدبي.
- طيب يا آنسة شهد دلوقتي تقدري تتأكدي إذا كانت هي ولا لأ. أنتي برضو كنتي صديقتها في يوم من الأيام وتقدري تأكدي لنا إذا كانت هي ولا التحاليل غلط.!
قالها ماهر بهدوء عكس ما بداخله وكأنه ينوي على فعل شئ.
لترد هي متعجبة:
- تحاليل إيه ؟!
- عملنا للجثة تحليل DNA وقال إنه هي. في انتظارك مش هناخد من وقتك نص ساعة.
نظر إليه شهد وبداخلها حيرة كبيرة ف كيف هذه المعلومات التي يقولها! أيعقل أن تكون هذه حيلة فريد! لكن لِما لا يخبرني!!! أومأت له كي تتخلص من ملاحقته لها. ووافقته آملة أن يتركها وشأنها بعد هذا اليوم لكن لا تتوقع ما ينتظرها.
_______________________________________
كانت فتاة تبلغ من العمر أربعة وعشرون عاماً تتجه نحو شركة ما مرتدية ثياباً مغرية إلى حد كبير وهذا ما جعلها طيلة الطريق تتلقى معاكسات.
أخذت تهمس وهي تدلف الشركة:
- الناس جرالها إيه!! هما أول مرة يشوفوا بنت!
بالنسبة لها ما كانت ترتديه هو قمة الاحتشام مقارنة ببقية ثيابها. حيثُ كانت تقيم بأمريكا منذ الصغر. أرادت أن ترتدي باحتشام من أجل مقابلة ذاك المدير الفظ كما أطلقت عليه. لكنها لم تعلم أن ما ترتديه جعلها في قمة الإغراء والأنوثة في مصر.
لم تفق من الثرثرة الداخلية إلا على صياح أغلب موظفين الشركة يتجهون إليها بصدمة يقولون في صوت واحد:
- يارا رشدي!! مش معقول!
وقفت جوارها موظفة محجبة تحتضنها بقوة وهي تقول:
- أنا بحبك جداً. أنا عاملالك فولو على الانستجرام وتويتر وفيس بوك وكل التطبيقات.
ابتسمت يارا وقتها تحتضنها هي الأخرى ولم تعلم إنها معروفة إلى هذا الحد بمصر!
أردف شخص منهم يقول:
- الشركة نورت والله. أنتي جاية تعملي دعاية ليها ولا إيه؟!
ابتسمت يارا لتقول بمرح:
- لأ أنا هشتغل معاكم هنا. هنبقى صحاب إن شاء الله..
شهقت فتاة بفزع من جملتها لتفقد الوعي فجأة. بينما يارا فزعت هي الأخرى تصرخ بهم كي يأتون بماء ثم حاولت أن تفوقها لتستجيب لها.
فأردفت يارا متوسلة:
- أبوس إيديكي فوقيي. أنا إنسانة والله زيك زييك اهو.
أخذوا يتصورون معها بحب وهي أيضاً التي شعرت بسعادة كبيرة بأن هذا العدد يعلم من هي. لم تتوقع بيوم أن تصل بها الشهرة لذلك!
بينما كان شادي يجلس بمكتبه يراقب ما يحدث بالخارج بواسطة حاسوبه. وجد موظفينه يتجمعون حول فتاة ما ويتصورون معها وكأنها ممثلة. ماتعصب وقتها لتأخرهم جميعاً على موعد اجتماعه على عكس عادتهم بسبب تلك الفتاة التي لم يعلم من هي!
وبعد مرور خمس دقائق بدأ الجميع بالحضور تدريجياً ومن بينهم يارا التي دلفت بإنبهار من المكان وتصميمه الرائع بل الشركة بأكملها أخذت عقله حقاً.
نهض شادي وقتها بجدية يجلس على أحد الكراسي مقابلهم ينظر لتلك الفتاة التي كانت بالخارج يتصورون معها. صُدم عندما دقق بملامحها عكس عادته. ف لم يهتم بالنظر إلى أي فتاة ليردف بصوت خافت لم يسمعه أحد....
- يارا!! مش معقول!
أخذ يتحدث بالموضوع ويتعرف عليهم واحدًا تلو الآخر. لينظر إلى يارا التي كانت تنظر له متعجبة بل ومعجبة بطريقته. فلم ترى شخصية كهذه إلا بالأفلام والروايات.
ليقول لها بحدة بعدما لاحظ ثيابها وطريقتها المنفتحة بشكل كبير:
- اتفضلي عرفيني بنفسك.
كادت يارا أن تجيبه ليردف أحد الموظفين بلهجة متعجبة:
- هو حضرتك متعرفش مين دي يا باشمهندس!!
رمقه شادي بحدة يقول بتعجب أكثر:
- والمفروض إني أعرف منين!!
- دي يارا رشدي أشهر بلوجر وشخصية عامة على مستوى العالم عندها أكتر من 5 مليون متابع من كل البلدان.
رمقه شادي بغضب رغم تعجبه مما يقوله لكنه قال بعصبية ظهرت:
- هو المفروض يا باشمهندس مين يرد عليا هي ولا انت!
الشخص بتوتر:
- هي بس أنا توقعت إن حضرتك تعر...
أوقفه شادي يقول وهو يرجع بظهره للخلف:
- لا توقع ولا غيره ولا تحب حضرتك تتطرد من قبل ما تشتغل!!
شهقت يارا من تصرفه مع موظفينه لتقول هي معترضة:
- لو سمحت حضرتك هو مغلطش في حاجة علشان ترد عليه بالأسلوب ده!!
كان شادي يتفادى النظر إليها بعد رؤية ثيابها لكنه نظر لها بسخرية يرفع أحد حاجبيه قائلاً:
- والله!! طيب ما تيجي تقعدي مكاني وتديهم انتي الأوامر! مين بيشتغل عند مين!؟ أعتقد انتو أسوأ ناس اتوافق عليهم إنهم يشتغلوا في مكان محترم زي ده.
اتسعت عيناها من الصدمة تقول بصوت ارتفع قليلاً:
- طيب كويس إن حضرتك عارف إننا جايين نشتغل. يعني انتوا اللي محتاجيننا ومحتاجين لمؤهلاتنا. إحنا مش عبيد عشان نسمع أي كلام يتقالنا سواء صح أو غلط.
نهض شادي وقتها بعصبية وهو يدق بيديه أعلى المكتب الكبير هاتفاً:
- اتفضلي قومي من مكانك. انتي ملكيش شغل عندي.
نهضت يارا تنظر له بتحدي وهي تقول:
- وأنا ميشرفنيش إني أقع هنا لحظة.!
كادت أن ترحل لكنه أوقفها ثم أنهى هذا الاجتماع وخرجوا جميعاً في حالة صدمة من ما حدث مع يارا وما ستلقاه مع هذا المدير. لتنظر له هي تقول بجدية:
- افندم خير.!
تقدم ناحية مكتبه يجلس على كرسيه الخاص يقول بتنهيدة ثقيلة:
- طيب واستلم النص مليون بتوعي على امتى كده ان شاء الله؟!
كادت أن ترد لكنها تذكرت في هذا العقد الذي مضت عليه في حال تركها للوظيفة ستدفع هذا المبلغ. لذا لابد أن يقرر المدير أن يطردها هو من العمل بناءً على رغبته هو وليست رغبتها وإلا تدفع!
لتقترب منه وهي تدق أعلى مكتبه بعنف تقول بإشمئزاز:
- انت إنسان زبااالة. أنا في حياتي ما شفت إنسان زيك.
أغمض شادي عينيه بضيق وغل ثم قال معاوداً سؤاله باستهزاء:
- ها مجاوبتنيش المبلغ هستلمه امتى؟ وآه صحيح ياريت يبقى كاش.
عقدت ذراعيها بتحدي واستهزاء هي الأخرى تقول رغم أنها تمتلك الكثير من المال:
- وأنا مش همشي من الشركة.
- مسيرك هتمشي النهاردة ولا بكرة. أنا بس حبيت أفكرك بالمبلغ عشان متنسيش.
- لأ كتر خيرك!
قالتها بسخرية وهي ترحل من أمامه.
ليوقفها مردفاً:
- بالنسبة لبسك ده مش مسموح بيه في المكان المحترم ده وأظن انتي عارفة المعلومة دي!
ابتلعت يارا ريقها بتوتر تتفحص ثيابها لتنظر إليه تقول:
- بس أنا مش محجبة.
نهض شادي مقابلها يراقب ملامحها وتوترها الواضح فور حديثه عن الملابس ليقول:
- مش بتكلم على الحجاب. عندي في الشركة مش محجبين، لكن بيلبسوا محتشم.
نظرت لثيابها ثانيةً تقول بتعجب:
- وأنا لبسي ده مش محتشم؟!!
- هو فين اللبس ده اصلا؟!!
قالها شادي بإشمئزاز من ثيابها. بينما هي شعرت بإهانة كبيرة. تجمعت الدموع بعينيها لترحل من أمامه إلى الخارج وهي تمسح دموعها. بينما هو بالداخل كان يتابع أثرها بحزن واضح من كلامه الذي جرحها.
خرج خلفها بعدما علم إنها خرجت من الشركة. طلب الأسانسير لكنه لم يعمل لينزل خلفها وسط ذهول من كان بالشركة.
خرجت من الشركة لترى حشد من الناس ينتظرها أسفل وبعض الإعلاميين. ارتدت للخلف من هول الصدمة وهذا العدد الذي تراها. اقتربوا منها، منهم من كان يريد التصوير ومنهم من كان يريد أن يعمل معها حوار إعلامي. بينما هي كانت متعبة من ما حدث بالأعلى. أخذت تتوسلهم بأن يتركوها هذه المرة وهي ترتد للخلف وهم يحاصرونها أكثر.
وصل شادي وقتها ليراها وسط هؤلاء الناس وهي تحاول الفرار منهم لكنها لم تنجح. اقترب يصيح بهم كي يتركوها لكن دون جدوى. لذا طلب الأمن فوراً الذي أتو مسرعين يبعدونهم عنه. بينما ضايقها بعض الأشخاص منهم من جذب يديها بقوة وجرحها كي لا ترحل. ومنهم فتاة كانت مبهرة بها ف جذبت شعرها. ومنهم من كان يمسك كتفيها.
بكت هي وقتها بقوة من ما يحدث. فأول مرة تتعرض لهذا التحرش العلني!
منعوهم الأمن وابعدوهم عنها ليأخذها شادي في أحضانه بعدما رأى تعرضها للعنف والتحرش.
ظلت تبكي بفزع بين يديه. يمسد هو على شعرها بحنو بالغ يقول:
- أهدي... مفيش حاجة. عدت عدت متخافيش.
توقفت هي عن البكاء ثواني لينظر لها إلى أن فزع يصيح بها قائلاً:
- يارااا!! يارااا فوقيي! ياراااا ردددي عليا.
حملها بين يديه يضعها بسيارته ليقول له أحد رجال الأمن:
- يا باشمهندس شادي الباشمهندسة يارا كانت جايه بعربيتها الحمرة دي.
أومأ له شادي ليطلب أحد كي يقود سيارتها. ثم قاد هو سيارته بها ينظر لها من حين لآخر بقلق.
____________________________________
بينما ع الجانب الآخر كانت شهد تقف أمام تلك الجثة وهي تضع يدها أعلى أنفها. فلم تستطع تحمل تلك الرائحة أكثر من ذلك. كادت أن تخرج من هذه الغرفة لكنها وجدت الباب مغلق. صُدمت وهي تحاول فتحه مرة ثانية لكنه لم يفتح. أخذت تصيح بهم بخوف وتوتر من هذه الغرفة المريبة تقول:
- افتحولييي الباب!...
جاء صوت ماهر إليها الذي كان يتابعها في صمت بهذه الغرفة. كان يقف بأحد الأركان ليقترب منها قائلاً:
- محدش هيسمع صوتك هنا غيري!.
ابتلعت شهد ريقها بتوتر وجسدها قد بدأ بالارتعاش تقول:
- انت بتعمل إيه مش فاهمه!!
- سؤال وجيه صراحة..! حبيت أستخدم معاكي أساليب العنف اللي بنستخدمها مع المجرمين عشان يجاوبوا على اللي عاوزينهم. مكنتش حابب أعمل معاكي كده بس انتي اللي وصل تيني لده.
قالها ماهر بصرامة بينما هي ارتدت للخلف تقول وقد شعرت بقواها التي تحلت بها تخور تدريجياً:
- بس أنا مش مجرمة عشان تعمل معايا كده!! انت إنسان مخادع وحقير ربنا ينتقم منك.
- عرفت إن فيا كل العبر. خلصيني بقى وقوليلي تعرفي إيه عن القضية دي!!
قالها ماهر بجدية وبعض العصبية تتملك منه.
- معرفش حاجة، معرررفش!
قالتها شهد ببكاء وهي تشعر باختناق كبير بهذه الغرفة. لا تحب الأماكن المغلقة تشعر بأنها ستموت وستقبض روحها بأي وقت.
اقتربت من الباب ثانية تدق به بشدة وهي تصرخ ووجهها يتصبب عرقاً. ورغم كل ذلك لم يرمش له رمش من رؤية حالتها فقط ما يهمه استجوابها.
- هتعاندي على نفسك لحد امتى هاا؟!
كانت تبكي شهد ولم تسمع من كلامه أي شيء. لذا تسطحت أرضًا وهي تضم ساقيها وتخفي وجهها كي لا ترى هذه الغرفة المغلقة وهي تقول بصوت مضطرب خائف:
- افتت.. افتحلي الباب حرااام عليك. وحياة أغلى حد عندك لتفتحلي الباب. مش قادرة أستحمل.
شفق ماهر على حالتها قليلاً وهو يتذكر عندما أراد غلق الباب عندما كان بمنزلها رفضت هي بخوف وكأنها تهيب شيئاً ما. زفر ماهر بقوة وقتها يتجه نحو الباب يفتحه ثم قال لها قبل أن يخرج:
- اخرجي.
____________________________________
وبالمستشفى.
كانت آيه تبربش بعينيها بتعب كبير وهي تحرك جسدها ومن الواضح أنها ستفيق. كان الدكتور يتابعها ليساعدها على النهوض والاعتدال بجلستها. لتقول هي فوراً بصوت ضعيف:
- فين فريد؟!!
لم يفهم الدكتور ما تقوله ليقول لها بالفرنسية:
- مش فاهم بتقولي إيه!!
لترد عليه بالفرنسية تقول بتصحيح:
- فين فارس؟!
أجابها الدكتور:
- هو برا دلوقتي. هروح أناديلك عليه.
أومأت له آيه وهي تتذكر ما حدث بالطائرة. فكان جسدها يتشنج بعد ما تذكرت ما حدث. لتتذكر أيضاً ما قاله لها وعن حبه لها الذي اعترف به وكأنه كان يتوقع أن هذه نهاية لهما..!!
دَلفت جيسي بهذا الوقت تطمأن عليها وتخبرها بأن فريد على ما يرام وهي أيضاً.
- هو فين فارس؟!!
- فارس جاي اهو. كان برا بيشتريلك أدوية.
قالتها جيسي بتوتر. بينما دلف الدكتور ومعه مرآة يعطيها لآيه التي نظرت له بتعجب وهي تقول:
- لأيه دي؟؟!!
- عشان تشوفي وشك الجديد بعد العملية.
- عملية إيه!!
قالتها وهي تضع المرآة أمام وجهها بابهام. لكنها صرخت بفزع وسقطت المرآة من يديها وهي تقول:
- وشيييي!!! وشييي! عملتو فيااا ايه!!!
دلف فريد بهذا الوقت على صراخها وهي تضع يديها أعلى وجهها بصدمة ترفض هذا الوجه مثلما هو يرفضه تماماً..!.
رواية ساعة الانتقام الفصل التاسع 9 - بقلم دينا اسامة
خرج ماهر من الغرفة مُكتتماً غيظه يتجه إلى مكتبه المجاور لهذه الغرفة.
بينما ما زالت شهد تتسطح على الأرض تبكي بخوف كبير وهي تتذكر شيئاً ما، وكأنه كان يدور أمامها الآن.
كانت مُختطفة منذ أن كانت طفلة، يحتجزها المجرمون بغرفة مُغلقة وهي طفلة لم تتعدى التسع سنوات.
وذلك كنوع من التهديد لأبيها الذي كان يعمل بالشرطة ويعمل على قضيته ما.
فاختطفوها كي يهددوه ويفعلوا ما يريدون.
وبذلك اليوم رأت الكثير من الدماء والأسلحة.
ومن وقتها وهي ترهب الدماء والتهديد وكل شيء يخص رجال الشرطة.
نهضت بضعف وهي تمسح دموعها بأعلى يديها.
تخرج من هذه الغرفة بأقصى سرعة لتصطدم باللواء جمال الذي ترنح يقول بدهشة.
- شهد..!!
ردت شهد بنفس هذه الدهشة.
- عمو جمال..!
قلق اللواء جمال ليربت على شعرها يقول بهدوء مُستفسراً.
- خير ي حبيبتي إيه جابك هنا؟!!
نظرت شهد لغرفة ماهر الذي كان يجلس أعلى مكتبه ينظر بالفراغ بتمعن.
بينما هي قررت أن تهينه هذه المرة من أجل كل ما فعله.
لتقول.
- عمو جمال الظابط ده مش كويس خالص، هو اللي عمل فيا كده.
جابني من بيتي علشان يحقق معايا في حاجات أنا معرفش عنها حاجة.
قالتها وهي تشير إلى ماهر الذي لاحظها ليعقد حاجبيه مُتعجباً من ما تفعله.
وكأنها تشير إلى شخص ما ليهبّ وقتها واقفاً عندما تقدم اللواء جمال بعصبية إليه صائحاً.
- ممكن أعرف إيه اللي عملته ده ي ماهر؟!!!
نظر ماهر لكليهما بتعجب عندما وجد جمال يحيط شهد بذراعيه.
تنظر هي له بتحدي هذه المرة وكأنها تريد أن تشفي غليلها منه.
رد ماهر مُتذمراً يقول.
- خير ي جمال بيه!
ارتفع صوت جمال يقول.
- لأ مش خير ي ماهر، طالما بتتصرف من دماغك!
إزاي تحقق مع حد ومش معاك إذن نيابة؟!!
إزاي تجيبها لحد هنا وتتصرف معاها بقله ذوق دي!!
هي دي وظيفتك ي ظابط ي محترم.!
ابتلع ماهر ريقه ثم تنهد تنهيدة قوية قبل أن يجيب مُزمجراً.
- جمال بيه ممكن تهدي وتفهمني إيه فيه؟؟!!
ومين دي علشان تتكلم وتدافع عنها كده!!
اللي بتدافع عنها دي تعرف مين قتل سمير النوبي.
انت عارف كويس إني مبقولش حاجة من فراغ إلا وحققت فيها.
توسعت عينا اللواء جمال من حديثه معه بهذه الطريقة وكأنه يحاسبه.
ليقول وقتها.
- انت نسيت نفسك ولا إيه ي ماهر!!
أنا ممكن أرفدك من شغلك بمكالمة وانت عارف ده كويس.
لكن عامل خاطر للمرحوم.
كان ماهر مصدوماً من رد فعله لأجل هذه الفتاة.
بل وإنه يوبخه الآن دون أن يسمح له بالدفاع عن نفسه!!
- حضرتك ده شغلي وواجبي إني أعمل كده.
- وشغلك برضه اللي فرض عليك تتهجم على بيوت الناس وتاخدها من وسطهم وتعذبها هنا بدون إذن نيابة!!!
ندمت شهد على ما حكته للواء جمال لتقول مُسرعة قبل أن يتشاجروا بسببها.
- عمو جمال أنا خلاص مسامحاه بس خليه يوعدني أنه ميحاولش يشوفني ولا يعرف مكاني.
رفع ماهر أحد حاجبيه يسخر من كلامها وكأنه يعلم لِما فعلت ذلك!
لكن ما لا يعرفه لِما تنادي له (بعمو)!!
أردف اللواء جمال وقتها مُعترضاً على ما تقوله.
- دي ميكفيش طبعاً ي شهد على اللي عمله فيكي.
عقابي ليه أنه زي ما أخدك من وسط بيتك هيرجعك بيتك برضه ويعتذرلك قدامهم.
لاحت ابتسامة ساخرة على وجهه لاحظها جمال ليقول بعصبية.
- ماهر أنا لحد دلوقتي هادي لكن صدقني لو معملتش كده اعتبر نفسك مش موجود معانا هنا.
توسعت عينا شهد بشدة تنظر لماهر الذي كان ينظر لها بِحدة وغل كبير يتدفق من بؤرة عينيه تجاهها.
بينما هي أردفت مُسرعة بخوف من أن يوافق.
- عمو جمال صدقني أنا مش محتاجة اعتذاره في حاجة.
أنا بس عايزة أمشي وأكون متأكدة أنه ميلحقنيش تاني وينساني.
- وأنا موافق ي جمال بيه اللي تشوفه.
بس سؤال كده لحضرتك، هي مين دي علشان تبقى في صفها بالشكل ده!!
قالها ماهر بتحدي يقابلها وكأنه يعلم نواياها وما تسعى لفعله.
لكنه لم يتركها وحسب!
- دي بنت العقيد خالد عبدالرحمن الجبالي الله يرحمه.
شعر ماهر بأنه يعلم من هو ليقول مُسرعاً بتساؤل...
- الشهيد!؟
- بالظبط كده.
واظن بعد ما عرفت هي بنت مين أكيد اتحرجت بعد اللي عملته!
انت عارف قد إيه العقيد خالد خدمنا، خدمة الوزارة كلها تشهد له بيها.
أنقذ حياتنا كلنا في وقت كنا خلاص بنودع.
ده اللي قدمته ليه بعد وفاته؟!!
تعمل في بنته كده!
تعجب ماهر قليلاً من كونها ابنته، فهو لم يراه إطلاقاً.
لكن بعدما انتقل إلى هنا سمع عنه الكثير وعن تضحياته من أجل بلده وفقدانه لحياته بأبشع الطرق كي ينقذ الجميع.
لكنه لم يمنع ذلك كون ابنته مُتهمة بنظره.
ولم تتغير هذه النظرة مُطلقاً ليقول موجهاً كلامه لشهد التي كانت شارده فور ذكر اسم أبيها.
- آنسة شهد بعتذرلك عن اللي عملته.
ومستعد أوصلك بيتك واعتذرلك كمان قصادهم واوعدك من هنا ورايح مش هتشوفي وشي تاني.
نظرت له شهد بتوتر تفرك بكلتا يديها لا تعلم بماذا تجيبه.
لكنها ترفض أن يأتي معها، فمجرد وجوده بحياتها ولو للحظة واحدة يدمرها.
كادت أن ترد لكن منعها اللواء جمال قائلاً.
- يلا ي حبيبتي هيوصلك.
- كانت فرصة حلوة أوي إني أشوفك.
إن شاء الله أشوفك قريب في ظروف أحسن من كده.
احتضنته شهد بحب كبير، تشتم رائحة أبيها التي لم تتهنى عليها به لتجيبه.
- فرحت إني شوفتك أوي، كنت واحشني ي عمو.
كان ماهر يتابعهم بتعجب وإندهاش يزداد من حين لآخر.
لا يعلم لِما يشعر بالتناقض بشخصيتها.
يشعر للحظات بطيبة قلبها ونقائها.
وف وقت آخر يشعر وكأنها قاتلة محترفة أمامه!
وشيييي.. وشيييي!! لااااوشييي فيننن عملتتوو فيااا ايه!
كانت ترددها آية بصراخ وهي ترى ذاك الوجه الجديد.
تتذكر فقط هبوط الطائرة وما حدث، لكن لا تعلم كيف تغير وجهها كلياً بهذه الطريقة!
جلست جيسي جوارها تقول بالفرنسية.
- اهدي ي هيلانة، حمد الله على سلامتك الأول.
كانت حالتك خطر ي حبيبتي ووشك اتشوه وكان لازم يتعملك عملية تجميل.
نظر لها الدكتور ليقول لجيسي.
- مش هتفهم كلامك ي جيسي.
بينما كانت آية تنظر بالفراغ مُحملقة به بصدمة بعد ما قالته.
لا تعلم أتفرح بأن الله أعطاها حياة جديدة بهذا الوجه كي تعيش أم تحزن لتغير وجهها لوجه آخر أزعجها كثيراً.
شعرت بأنها لا تريد رؤية هذا الوجه، فهذا الوجه لم يناسبها!
نهضت جيسي كي تخبر فريد بأن يجلس جوارها.
لكنها لم تجده لتخرج خارج الغرفة تلقي نظرة بعينيها على المكان.
لتراه يرحل بهدوء غريب.
أسرعت إليه توقفه بقول.
- فارس رايح فين وسايب هيلانة في الحالة دي؟!!!
- عاوزاني أروح لها وأقتلها ي جيسي!!!
عاوزاني أأذيها؟!
ده أحسن ليها لأني لو قربت عارف إني هأذيها أوي وهي ملهاش ذنب.
قالها فريد بعنفوان وملامح مُتهجمة.
بينما هي لمست يديه تقول بهدوء.
- اهدي ي فارس!
أنا عارفة ده ومقدرة كل اللي هتمر بيه.
لكن لازم تنسي ماضيك علشان تعرف تعيش مستقبلك!
قول بقى إنك لسه منسيتش عاليا ولسه بتحبها علشان كده!
أوقفها فريد بعنف يقول وهو يقبض على يديها بشدة.
- معرفش حد اسمه عاليا انتي فاهمه!
أنا عمري ما حبيت إنسانة حقيرة زيها.
كانت مجرد نزوة في حياتي وراحت لحالها.
أفلتت جيسي من بين يديه تقول.
- طالما مجرد نزوة ليه بتتهرب من هيلانة ومش عايز تشوف وشها!!!
صمت فريد صمت حائر لا يعرف بما يجيبها.
لكنه تركها ورحل مُتجهاً إلى آية التي ما زالت تجلس تنظر بالفراغ دون حركة.
دلف إليها ليجدها تحتضن نفسها ببكاء.
اقترب إليها يجلس على مقربة منها متفادياً النظر إليها إلى حد ما يقول بلهجة حذرة.
- حمد الله على سلامتك ي آية هانم.
نظرت إليه آية بعينيها التي لم تختلف عن عاليا، فنفس رسمة العيون حتى لونها!!
ثواني واحتضنته وهي تجهش بالبكاء تقول وسط شهقاتها التي كانت ترتفع.
- وشي ي فريد...!
ليه سمحتلهم يعملو فيا كده!!
أنا كان عندي الموت أهون من إني أعيش كده.
ربت أعلى ظهرها بتردد وصراع كبير داخله يقول بهدوء.
- متقوليش كده ي آية هانم.
احمدي ربنا إنه عطاكي حياة تانية.
أنتي آية وهتفضلي آية، وشك الجديد مش هيغير حاجة.
- ونعمة بالله ي فريد، بس مكنش فيه حل غير كده؟!!
أنا مش مرتاحة بشكلي ده، حاسة أنه مش لايق عليا ولا على شخصيتي.
اتفق فريد معها يتحدث داخله قائلاً.
- عندك حق ي آية.
وشها عمره ما يليق على حد بريء ونقي زيك.
تقدم الدكتور وقتها يقول.
- فارس تقدر تاخدها دلوقتي.
هي كويسة الحمد لله.
ابتعد فريد عنها يومأ له ليقول لآية متفادياً النظر إليها بشكل كلي.
- آية هانم انتي بقيتي كويسة دلوقتي ف جهزي نفسك علشان هنخرج من المستشفى على بالليل كده.
لاحظت آية توتره وبُعد نظره عنها وملامحه الجامدة لتومأ له مُتعجبة من نهوضه فجأة وخروجه من الغرفة دون إذن منها حتى كما كان يفعل سابقاً.!
فاقت يارا لتجد جوارها ذاك المدير الفظ يقود السيارة بها.
لتنتفض هي من وجوده تقول.
- انتي إيه جابك بعربيتي!!؟
ابتسم شادي ساخراً يقول.
- واضح أن الشهرة أثرت على دماغك!
دي عربيتي ي آنسة يارا!
نظرت يارا للسيارة جيداً لتشهق فزعةً من وجودها بسيارته لتقول بصدمة.
- عربيتي فين!!
وأنا إيه جابني هنا؟!
لاحت ابتسامة ماكرة على ثغره يقول بتخطيط.
- غمّي عليكي وبعدين في شخص اسمه شادي اتصل بيكي كان عاوز يعرف مكانك علشان يجيلك.
فعطاني عنوانه علشان أوديكي ليه.
دي كل الحكاية.
لكن لو مش عاوزاني أوصلك عادي معنديش مشكلة.
انتهى شادي من حديثه يتابعها بضحك جانبي.
لتقول هي بشكر رغم انزعاجها بما قاله في شركته.
- شكراً جداً على المساعدة.
أومأ لها شادي بالإيماء.
بينما هي اعتدلت في جلستها وهي تعدل ثيابها جيداً.
تنظر له مُتذكرة ما قاله عن ثيابها لتقول له مُستفهمة.
- ممكن أسأل حضرتك سؤال؟؟
- اتفضلي!
- هو ليه حضرتك بتحكم على البنت من لبسها؟!
يعني مثلاً ممكن تبقى بنت لابسة مُحتشم جداً وهي متعرفش حاجة عن الأخلاق والأدب والدين!
مش شرط كل حد بيلبس مُحتشم يبقى هو إنسان كويس وم..
أوقفها شادي يقف أمام برج ما يجيبها قائلاً بصرامة.
- كلامك مظبوط بس مع ناس ناس ي باشمهندسة!
لم تفهم يارا جملته لتجد سيارتها بالخلف وأحد يقودها.
لتشهق صائحة.
- عربيتي!!
مين بيسوقها!
- ده شخص كلّفته أنه يجيبها ورايا علشان أعرف أوصلك.
تعجبت يارا لترد عليه بإندهاش.
- طيب حضرتك كنت ممكن تسوق عربيتي وتجبني عادي بيها ليه تركبني عربيتك!!
ابتسم شادي يقول وهو يفتح باب سيارته.
- مهو أصل أنا حابب أتعرف على شادي بصراحة.
يلا انزلي وصلنا.
ترجلت يارا من السيارة بإبهام من تصرفاته الغريبة.
لتدلف معه هذا البرج ليقابلهم العم عبد الله يقول لشادي.
- هي دي قريبتك ي شادي بيه اللي كلمتني عنها؟!
الورق جاهز ناقص إمضتها بس.
شهقت يارا تنظر للذي كان يقف جانبها مُبتسماً يتابعها.
لتقول وهي تُكذّب أذنيها عن ما سمعته.
- هو قصدة شادي مين؟!!
هو حضرتك اسمك شادي!
- أيوه بالظبط أنا شادي اللي المفروض ابن خالك على ما أظن كده!.
قالها شادي بإبتسامة وسيمة على حالتها وهي تنظر له بصدمة من كونه شادي.
لتلقع بين يديه فاقدة وعيها من الصدمة.
حملها فوراً متجهاً لشقة شهد التي ستكون لها الآن.
يضعها أعلى أحد الكراسي يقول للعم عبد الله.
- دلوقتي تقدر تتفضل ي عم عبد الله.
عمل ما تفوق هجيبهالك تمضي على اللي انت عاوزه.
رحل العم عبد الله.
بينما وقف شادي مطولاً ينظر ليارا المُسطحة أمامه.
دلف بعض رجاله بشنط الملابس خاصتها يقولون.
- أي خدمة تانية ي باشمهندس؟
- عربيتها فين؟
- في الجراش زي ما قولتلنا ي باشمهندس.
شادي بشكر.
- طيب متشكر جداً ي شباب تعبتكم معايا.
خرجوا من الشقة ليفتح شادي إحدى الشنط كي يأخذ أي شيء يستر جسدها من الأعلى.
فكانت ما ترتديه يزعجه كثيراً.
وجد هذه الشنطة مليئة بالمعطر والبرفيوم والميك أب.
اتسعت عيناه من كثرتها واستخدامها لكل هذه الأشياء رغم أنها جميلة لِما تشتري كل هذا!
وفتح الأخرى ليجدها مليئة بالشنط بمختلف الألوان.
لاحظ كثرة عدد الشنط أمامه وكأنها ترحل بالمنزل كله معها!
انزعج من فتحه لكل هذه الشنط دون جدوى.
ليتجه إلى أحد الغرف يجلب قماشة أمامه ليستر بها جسدها.
جلس أمامها مُنتظراً إفاقاتها.
فاقت بعد ربع ساعة من جلوسه لتجده يتحدث بالهاتف وكأنه يعنف أحد ما به.
هبّت من مكانها تنظر له بصدمة وهي تستعيد ما سمعته منذ قليل لتقول بصوت منخفض.
- هو انت شادي فعلاً؟!!!
أغلق شادي هاتفه، ينظر لها قائلاً بإبتسامة وسيمة.
- آها ي بنت خالتي..!
- يعني انت شادي ابن خالي صح؟!!
قالتها بإبهام وما زالت مصدومة ليرد وهو يضحك ع حالتها ونظراتها له.
- والله هو بعينه!
وقفت يارا مقابله تتفحصه تنظر له بهيام قائلة.
- معقول ابن خالي يبقى بالحلاوة دي!
حمحم شادي بحرج من جملتها التي قالتها وكأنها مُعتادة على هذه الكلمات.
ليقول وقد ارتسم قناع الجدية أمامها خوفاً من أن تتطاول معه فيما بعد.
- أفندم!
هو لسه فيه بنات جريئة للدرجة دي؟!!
لم تفهم يارا ما يقصده فهي قالت هذه الجملة بِراحة.
تتسم هذه الفتاة بالجرأة بعض الشيء، فعملها جعلها بهذه الجرأة وشادي قريب لها فلم تنحرج منه.
لم تعلم أن قول هذه الجملة في مصر أو لشباب مصر بالأخص يفهمونها بطريقتهم.
لتقول بعدم فهم.
- جريئة إزاي يعني!
قصدك إيه!
صمت شادي ولم يجيبها فيعلم إذا أجابها فسيجرحها مجدداً.
لذا خرج عن الموضوع يقول بمرح مُصطنع بعض الشيء.
- كل دي شنط جايباها!!
انتي لو بتتاجري في الحاجات دي مش هيبقى معاكي الكمية دي!
وضعت يارا ذراعيها حول صدرها تقول بفخر وهي تعيد شعرها للخلف.
- مش أنا اللي بشتري الحاجات دي على فكرة!
بتجيلي هدايا من شغلي.
رفع شادي حاجبيه يقول متذمراً.
- شغل إيه ده بقى اللي يجبلك كل اللبس والحاجات دي وكلها براندات؟
- أعتقد مش هتفهم اللي هقوله لأن شكلك مش متابع.
وإلا كنت عرفتني من أول ما شفتني.!
قالتها يارا بثقة كبيرة تنظر لعينيه بإعجاب شديد من شخصيته وشكله بل ووظيفته وكل شيء به.
كانت تقف وما زالت مصدومة أنه قريب لها!
تعجب شادي من جرأتها وطريقتها بالحديث ونظراتها.
لم يرتاح لها بعض الشئ لذا قرر الرحيل فوراً يقول.
- باشمهندسة ارتاحي دلوقتي.
دي شقتك الجديدة وكمان شوية صاحب البرج هيجيلك وتمضي على بعض العقود وكده تكوني استلمتيها بشكل رسمي.
وأنا طالع شقتي.
لو احتاجتي حاجة بلغيني.
توسعت عينا يارا تقول وبداخلها فرحة كبيرة لم تشعر بها من ذي قبل.
- هو انت قاعد في نفس البرج؟!!
أومأ لها بتعجب ليرحل.
لكنها أوقفنه تقول مُستفهمة.
- دقيقة دقيقة!
هو أنت طالما عارف إني يارا بنت خالتك ليه مقولتليش في الشركة إنك شادي وليه هنتني بالطريقة دي بدون سبب!!؟
وقف شادي أمامها يضع يديه في سرواله يقول بِحدة وجمود.
- بصي ي يارا مش عشان أنا ابن خالك يبقى يحقلك تقولي أي حاجة وتتصرفي التصرف ده.
متتخيليش إني هنحاز ليكي أو هسامحك عشان قريبتي.
لأن ده شغل وأنا في الشغل مبعرفش غير الصح!
أومأت له يارا بتوتر من لهجته لتقول.
- مش قصدي كده ي شادي.
أنا بس استغربت اللي عملته.
- على العموم محصلش حاجة.
بكرة تقدري تيجي الشركة وتشتغلي ولا كأنك سمعتي حاجة.
كاد أن يقول شيئاً لكنه توتر من أن تتعب وتحزن من كلامه.
لذا رحل فوراً.
بينما هي أخذت تتجول بالشقة وهي ترتب أشياءها بعناية كبيرة تتذكره من حين لآخر وهي تبتسم بشدة.
كان فادي عائداً من درسه ليقابله خالد المتجه إلى عمله.
فأوقفه يقول.
- إزيك ي فادي ي حبيبي عامل إيه وريم عاملة إيه؟
- أنا كويس بس ريم مش كويسة.
كده ي خالد تعمل فيها كده ومتجيش تصالحها حتى!!
دي مكنتش بتهون عليك.
قالها فادي بإنزعاج من خالد ليقول له.
- كنت سايبها لحد ما تهدى وبعدين خفت أجيهالها من بعد اللي عملته لأحسن تتعب.
المهم هي في الشقة دلوقتي؟
- لأ هي وصاحبتها بيشتروا لبس علشان الجامعة.
أومأ له خالد يقول.
- لما ترجع ي فادي قولها إني هتصل وضروري ترد عليا.
تعجب فادي ليقول بعدم فهم.
- طيب ليه مش راضي تيجيها وتقعد معاها؟!!
- ي فادي ي حبيبي أنت مش هتفهم، روح انت شوف مصلحتك ومتنساش اللي قولتهولك عليه.
أومأ له بتعجب يرحل مُتجهاً إلى الشقة.
وعلى الجانب الآخر كان ماهر يقود سيارته الخاصة وتجلس جانبه شهد التي كانت تتفادى النظر إليه حتى ولو بالخطأ.
كان ماهر يراقب صمتها وملامحها بحيرة كبيرة داخله تجاهها.
شعرت هي بسرعة السيارة لتنظر له فوجدته شارداً بشيء ما ولم ينتبه لهذه السرعة.
لتصيح بقول.
- هدديي العربية ممكن!!
- دي سواقتي إذا كان عاجبك يعني.!
رد بسخرية ولا مبالاة.
لتقول هي بغضب وتحدي.
- لأ مش عاجبني ي تسوق عدل ي تنزلني هنا.
مكنش ليه داعي إنك تعتذر ولا توصلني.
ولا صحيح أكيد خايف على وظيفتك!
رمقها ماهر بغضب يزداد بسبب تلك الفتاة التي ستجلطه قريباً.
لتزداد سرعة سيارته بطريقة أفزعتها.
صرخت هي به بجنون محاولةً فتح باب السيارة لكن لا تعمل.
نظرت إليه بغلّ وهي تمسك يديه كي يوقف هذه السيارة ليقول هو بإنزعاج وغضب.
- اوعييي إيدك دي ابعددددي ي مجنونة.
- مين فينا اللي مجنون دلوقتي.
دانت أكبر مجنون شفته في حياتي الله لا يسامحك ي شيخ على اللي بتعمله فيا.
قالتها شهد برعب وبكاء بينما هو لم يتأثر بما قالته.
ليبعد يداها عنه بالقوة يقول بتحذير.
- انتي اتجننتيييي!!
عاوزة تموتينا!
شهقت هي بإندهاش منه.
يُدعيها هي بأنها تريد قتلهم وهو من يفعل ذلك الآن هذا المُختل.
رد ماهر بها ثواني ينظر لعينيها الباكية وشفتيها التي ترتجف وجسدها الذي بدأ بالانتفاض.
تصرخ هي فجأة وهي تضع يديها أعلى وجهها.
بينما هو نظر أمامه لتتوسع عيناه بصدمة يحاول التحكم بسيارته.
ليدلف في منحدر خطر أدى إلى انقلاب سيارته إلى الجانب الآخر عده مرات.
وداخله هو الذي ضم شهد إليه بحماية ولأول مرة يشعر بخوف حقيقي عليها وواجب عليه حمايتها هذه المرة.
رواية ساعة الانتقام الفصل العاشر 10 - بقلم دينا اسامة
يقولون أن الليل قاسي على البعض، ولما لا يكون كذلك وهو وقت الذكريات؟
إنه وقت حضور الذكريات المحفورة في القلب، كأنه يقول لصاحبه: اقبل، فمحاولتك في نسيان الأمر طوال اليوم، الآن سوف تتذكرها. سأكون أنا سرك الذي تبكي معه دون أن يشعر بك أحد، سأكون أنا مصدر دموعك، ومعه سأكون مصدر ألم قلبك.
تبقى ريم ساكنة مع الليل والدموع متصلبة في عينيها، كأنها تعاند قساوة الليل ووحشته.
تتذكر ما مرت به حتى وصلت لهذه النقطة. كم كانت الحياة قاسية عليها، وكيف أصبحت وحيدة لهذه الدرجة. كيف اختلست الحياة منها كل شيء تحبه لتبقيها وحيدة.
تنهدت تنهيدة ثقيلة على قلبها عندما تقدم فادي منها مستأذناً قبل الدخول.
"عاملة إيه دلوقتي يا ريمو؟ أخبارك؟"
اعتدلت ريم بجلستها، تقترب منه تقول بابتسامة محبة.
"زي الفل يا صغنن أنت، المهم أنت عامل إيه في دراستك؟ طمني."
"أنا زي الفل أنا كمان، كنت عاوزك في موضوع كده."
أومأت له ريم تقول.
"خير يا حبيبي قول، سمعاك."
"خالد قابلني النهارده وأنتِ برا، وبيقولي لازم تردي عليه علشان مش عارف يوصلك وعاوزك ضروري."
انزعجت ريم فور ذكر اسمه، لكنها تعجبت قليلاً من عدم مجيئه لها كل هذه الأيام. لت تقول بجدية لأخيها.
"خلاص يا فادي يا حبيبي حاضر، هرد عليه."
ابتسم لها ثم خرج، لتدلف ورد في هذه اللحظة والابتسامة تعلو وجهها. تجلس جانب ريم تتأملها تقول بفرحة.
"جايلك عريس يا ريم يا حبيبتي."
توسعت عينا ريم بصدمة وهي تقول بانزعاج.
"إيه!!"
"الواد لهطه قشطة وميتعوضش يا بنتي ومناسب ليكي من كل حاجة. شقة وعربية وفرش ومهر ووظيفة، فرصة يا بنتي متتعوضش."
"إن شاء الله يكون لهطة بسبوسة حتى! أنتِ عارفة أن مفيش تفكير في الموضوع ده أساساً وأنا لسه بدرس!"
قالتها ريم باندفاع وعصبية، بينما قالت الأم.
"يا بنتي دي كلها السنة دي وتتخرجي، وهو معندوش مشكلة يخطبك سنة ويستناكي، ده هيموت عليكي كده."
"نعم!! ده على أساس أنه يعرفني بقى؟!"
أومأت لها الأم مسرعة تقول.
"ما هو يا عبيطة ده مهاب ابن صاحبتي سوزان اللي قاعدة في شبرا، وابنها لسه راجع من السفر وبيدور على عروسة."
عقدت ريم حاجبيها تقول مستفهمة.
"وسي مهاب بقى عرفني منين؟ لما أنا أصلاً مشفتش أمه أصلاً ولا هي تعرفني؟!"
"إمبارح كانت بتكلمني وكانت هتموت وتشوفكم، فبعتلها صورة ليكي وصورة لفادي، والنهاردة لقيتها بتكلمني على مهاب ليكي."
"والله؟! عاوزة تفهميني أنها اللي طلبت منك صورنا ولا أنتِ اللي بعتيلها؟ ماما أنتِ عاوزة تخلصي مني ليه! أنا مسببالك إيه!! ليه كل شوية تضايقيني بالموضوع ده وكأني قاعدة بايرة بتبعتي صوري للي يسوى وميسواش ليه!! قد كده مش مستحملاني!"
نفت الأم بصدمة من كلام ابنتها لتقول مسرعة.
"والله يا بنتي بقول الحقيقة، المرادي هي اللي طلبت مني، وبعدين ليه تسميها إني عاوزة أخلص منك! أنا عاوزة أفرح بيكي يا ريم وأشوف ولادك قبل ما أموت، ليه مصممة تعملي كده!"
"بعد الشر عليكِ يا ماما متقوليش كده، وبعدين ربنا يطولنا في عمرك متقوليش كده تاني، وأنا بوعدك والله بعد ما أخلص السنة دي هبقى أفكر في الموضوع، مفرقتش السنة دي من السنة الجاية."
لا تعلم بما تقول لها ورد، فهذه الفتاة عنيدة للغاية وصعبة. لتقول بتوتر من رد فعل ابنتها.
"طيب يا حبيبتي، أنا عزماهم الحد الجاي."
انتبهت ريم لما تقوله لتردف بحدة.
"تاني يا ماما تاني!!"
"والله يا بنتي هي اللي طلبت مني إنها تيجي، فكان لازم أعزمها، ميصحش."
"طيب يا ستي هي صاحبتك وأنتِ حرة في اللي بتعمليه، بتقوليلي أنا بقى ليه؟!"
"علشان لازم تشوفيهم وتسلمي عليهم ومتكسفنيش زي كل مرة يا ريم."
علمت ريم ما تنويه أمها هذه المرة لتقول بحسم للأمر.
"معلش يا ماما، أنتِ عارفة أن الحد بداية الدراسة، وبعد ما هخرج هنتمشى أنا وصحباتي وهنعوق شوية، فمش عارفة هلحقهم ولا لأ."
"إن شاء الله تلحقيهم يا بنتي، هفضل مقعداهم لحد ما تيجي."
قالتها الأم وهي تنهض لتغلق الباب خلفها، بينما زفرت ريم بشدة من حال أمها هذه الأيام، وكأنها تريد التخلص منها بأسرع وقت.
***
كانت آية تجلس بغرفة بأحد الفنادق الشهيرة بمدينة فانكوفر السياحية، تشعر بتشتيت وتوتر شديد كلما نظرت إلى المرآة لتجد وجهها الجديد التي لم ترتاح له مطلقاً.
كانت بانتظار فريد التي أتى بها إلى هذا الفندق، ثم قال إنه سيأتي لها بعد نصف ساعة، ولكنه لم يعد حتى الآن.
شعرت بتوتر شديد ووحدة غريبة تشعر بها وهي بهذه الغرفة، بل بكندا بأكملها، وعن ما حدث معها وما يحدث وسيحدث!
لا تعلم ما كل هذه الدراما التي تحدث بحياتها منذ قتل سمير، وكأن كل شيء كان مخطط له من مفهومها، بل وما زاد الطين بلة كما يقال، تغير وجهها المفاجئ!
شعرت بإرهاق شديد لتتسطح أعلى الفراش تستريح قليلاً إلى أن يأتي فريد ويخبرها ماذا ينوي أن يفعل فيما بعد.
وبعد قليل استيقظت على صوت طرقات الباب، لتنهض كي تفتح لتجد نادل ومعه طعام لها، وهو يقول.
"مساء الخير آنسة هيلانة، أستاذ فارس طلب الأكل علشانك وبيبلغك تاكلي وتاخدي الدوا."
ردت عليه آية مسرعة تقول بالفرنسية.
"طيب وهو فين دلوقتي؟"
"هو في الشاليه الخاص بيه جنب الفندق."
ردت آية متعجبة تقول.
"شاليه!! هو صاحب الشاليه اللي جنب الفندق ده؟!"
أومأت له لتقول بإضافة.
"وكمان الفندق ده ملك ليه."
توسعت عينا آية من الصدمة لتشكره وتغلق خلفه.
بينما تسطحت على أحد الكراسي بذهول من امتلاكه لكل هذه الأشياء بكندا!!
كيف يمكن ذلك! هل ثري لهذه الدرجة، وكيف امتلكهم وهو يقيم بمصر منذ فترة!
شعرت بغرابة شديدة وشعور أرادت تفاديه، لتهب واقفة رغم ضعفها، ترتدي أي شيء وجدته بالخزانة، تنزل درج الفندق بأكمله رغم وجود المصعد!
وجدت من يوقفها من الخلف يقول.
"آنسة هيلانة رايحة فين؟"
"أنتِ مين؟"
قالتها آية بتعجب لترد الأخرى.
"أنا سكيورتي هنا، وفارس باشا منبه علينا متخرجيش إلا لما هو يجي."
"باشا!!!"
قالتها آية بلا وعي وهي تتركها وتركض من أمامها، وكأنها تكتشف لأول مرة من يكون هذا فريد، أو كما يدعونه فارس، أيهما أقرب!
الذي عمل عندهم عدة سنوات كحارس رغم كل ما يملكه!
هل كل هذا كانت خطة منه مقصودة!
كانت تركض وهي تبكي بشدة على خيانته طوال هذه السنين، بل تأكدت هذه اللحظة أنه من قتل سمير وفعل بها كل ذلك، وأيضاً من سمح أن يتغير وجهها بهذه السهولة، لكن ما لم تستطع فهمه هو لِما يفعل كل ذلك!
دلفت الشاليه لتجد فتاة تعيق طريقها، تصيح بها قائلة.
"لو سمحتي مفيش دخول لفارس بيه دلوقتي لأنه في جلسة استرخاء."
"استرخاء مرة واحدة!!"
قالتها آية بسخرية كبيرة لتمسح دموعها بلا وعي تقول.
"ادخلي قولي له إن هانم عاوزة تقابلك."
قالتها بكبرياء وثقة، تعقد ذراعيها أمام صدرها، بينما قالت الفتاة.
"آسفة مش هقدر لأنه ف جلسة ومحدش بيقدر يدخل عليه غير لما بيطلع، ده لمصلحتك."
"لمصلحتي!! هو فيه إيه!! إيه اللي بيحصل هناااااا أناااا فيننننن! ناديلي بيه يا أما مش هيحصل لك كويس، أنتِ فاهمة!"
"يا فندم مينفعش اللي بتعمليه ده، اتفضلي اخرجي بالذوق بدل ما أطلب الأمن يتصرفوا معاكي."
شعرت آية بإهانة كبيرة لتصيح وهي تدلف غير مبالية لما قالته الفتاة.
أخذت تتجول بكل إنش به، إلى أن وجدت غرفة بعيدة عن الأعين يخرج منها بعض الأبخرة.
اتجهت إليها فوراً وفتحتها بدون تردد، بينما هو كان جالساً يغمض عينيه وكأنه يتأمل شيئاً ما وسط هذه البخور الغريبة التي أشعرتها بالخنقة.
اتجهت إليه تقف أمامه تقول بصوت عالٍ.
"ممكن تفهمني ليه بتعمل كل دددده؟!!"
لم تجد رداً منه، عندما لاحظت سماعات بأذنه، فانتزعتها منه تلقيها بغضب صائحة.
"انت اللي قتلت سميرررر!! انتتت قاتل... انت مجرم، إزاي خدعتني إزاااي...."
نهض فريد بصدمة من رؤيته لها بهذا المكان، بل وبهذا المكان الذي سيؤذيها فقط، ليجذب يديها قائلاً.
"بتعملي إيه هنا يا آية، اخرجي بسرررعة إيه جابك هنااا."
زمت شفتيها بذعر تقول متخصرة.
"انت اللي جبتني هنا، خيانتك وحقيقتك اللي جابتني هنا يا خااااين، أنا بجد مش مصدقة اللي عملته فياااا، انت اييييه يا أخي.."
لم يفهم فريد أي شيء منها، فكان كل ما يهمه أن تخرج من هذه الغرفة لمصلحتها.
أخذها بالقوة كي تخرج فوراً، لكنها اعترضت بقوة وهي تبعده عنها، ليغلق الباب فجأة، ثم بدأت الغرفة بالتحرك.
أخذت تجول بعينيها بالغرفة، لتجدها تهتز وتدور بها.
اقترب فريد منها بخوف عليها يقول.
"قولتلك اخرررجي، ليه بتعملي كدددده!"
"إيه اللي بيحصل ده!!"
قالتها آية بخوف وتوتر وهي تشعر بأن قلبها سيتوقف لا محالة، ليقترب منها ممسكاً بها يقول.
"مسمعتيش كلامها بره ليه ودخلتي!! الأوضة هنا محدش بيدخلها غيري، ومحدش بيستحمل عذابها غيري بردوا، ليه عاوزة تأذي نفسك!"
بعدت عنه آية بصعوبة وهي تشعر بدوار شديد وكأن العالم يدور بها، لتقول بصوت ضعيف.
"هي دي جلسة الاسترخاء بتاعتك!! أنت مريض بقى!! انتتت إنسان مرررريض... أنا إزاي صدقتتتك إزاااي... انت كدااااب..."
قالتها آية بانهيار وهي ترى حقيقته لأول مرة، بينما هو تقدم منها بخوف يجذبها إليها بقوة يقول.
"آية ارجوكِ متبعديش، هتتأذي!"
"أكتر من كده!"
قالتها آية بلوم وعتاب ظهر من عينيها، بينما هو كان في حال يرثى له، عندما نظر في ساعته ليقول.
"لسه خمس دقايق..."
كان يجذبها بين أحضانه بشدة خوفاً من ما هما مقبلين عليه، إلى أن بدأت الغرفة بالانقلاب رأساً على عقب.
ظل محتضنها بشدة يتلقى هو كل الصدمات كي يحميها، بينما هي كانت قد دخلت في حالة إغماء فور انقلاب الغرفة.
كان فريد يصيح بها من حين لآخر، يراها لا تعي أي شيء بسببه هو!
ظلوا على هذه الوضعية لمدة خمس دقائق، ثم بعد ذلك انفتح الباب تلقائياً، ليقف هو يحملها بصعوبة ويخرج من هذه الغرفة، لتركض إليه الفتاة بخوف بعدما وجدت آية مغيبة.
"والله يا فارس بيه حذرتها، هي اللي مسمعتش الكلام."
لم يعيرها فريد أي انتباه، هرول إلى أحد الغرف يُسطحها بقلق غير طبيعي، يربت على وجهها بطريقة هيسترية يقول.
"آآآآية.... آية فوقي... آية رديييي علياااا...!"
كسر كل شيء بالغرفة بهمجي.
يتذكر ما حدث معها بسببه، ليجلب عطراً خاصاً به يقربه من أنفها كي تستنشقه، لكن دون جدوى.
ليلقيها بعنف وهو يتحسس شعره، ثم خرج فوراً من الغرفة قاصداً تدمير كل شخص تسبب في مجيئها لهذا الشاليه..! الذي يدعيه بالجحيم !!.
***
صباح اليوم التالي كانت يارا تغلق باب شقتها، لتجد في طريقها شادي الذي قال.
"صباح الخير."
يارا بابتسامة بشوشة.
"صباح النور يا شادي."
رأتها طفلة من سكان البرج يبلغ عمرها حوالي اثني عشر سنة، لتجري إليها قائلة.
"ممكن أتصور مع حضرتك."
ابتسمت لها يارا لتحمل هاتفها وتلتقط معها بعض الصور.
ثم غادرت هذه الفتاة بسعادة، بينما كان شادي يتابعها متعجباً من شهرتها ومعرفة الأطفال لها..!
نظرت إليه يارا لتجده محلقاً بها، لتقول بتعجب.
"خير بتبصلي كده ليه!!!"
حمحم شادي يردف.
"أبداً، أنا بس مستغرب معرفتها ليكي."
ضحكت يارا قائلة.
"عاوزة أقولك أنا خايفة أخرج دلوقتي من الناس بجد، من ساعة ما جيت مصر وأنا مستغربة إزاي كل ده عارفني ومتابعني!"
تعجب شادي قليلاً ليقول مستفهماً.
"هو انتي مكنتش عايشة في مصر الفترة اللي فاتت؟"
"أنا لسه راجعة من أمريكا من كام شهر يا شادي، حياتي كلها كانت هناك وتعليمي، تخيل أنا لحد دلوقتي مش عارفة بتكلم مصري لسه إزاي!!"
"آه علشان كده!!"
قالها شادي ينظر مطولاً لها لطريقة ثيابها ولهجتها المتذبذبة ببعض الأحيان حينما تتحدث، بل وجرأتها!
تعجبت يارا تقول.
"علشان كده إيه؟!!!"
"أبداً مفيش، انتي رايحة الشغل ولا إيه؟"
"آه رايحة شركتك يا سيدي، بجد برافو عليك إنك في السن ده وقدرت تعمل حاجة عظيمة زي دي."
قالتها يارا بإعجاب ليرد هو عليها مبتسماً.
"عقبالك يا يارا إن شاء الله."
"يا رب يا رب."
قالتها يارا بدعاء، ليبتسم هو خفيفاً يرحل من أمامها وهو يقول بعرض.
"تحبي أوصلك؟"
يارا بشكر وبداخلها كانت تود أن ترافقه.
"لأ شكراً، أنا هاجي بعربيتي علشان محتاجاها."
أومأت لها شادي ليرحل متجهاً لسيارته، بينما هي ابتسمت في أثره، تركب سيارتها هي الأخرى متجهة إلى عملها.
***
كان خالد يجلس بجانب سوسن بتوتر وهو يقول بقلق.
"يعني هتكون فين دلوقتي؟!"
سوسن بقلق هي الأخرى.
"استر يا رب."
ثم تابعت بلوم.
"سبتها تمشي معاه لوحدها ليه يا خالد؟ أنت عارف أنها مش بتتقبل الظابط ده، تكونش ضايقته بالكلام قام حابسها يا بني!"
نهض خالد يقول بتعجب وحيرة.
"حابسها إيه بس يا ماما! وبعدين هو ميقدرش يعمل معاها أي حاجة لأن ده هيبقى خطر عليه هو مش عليها، المشكلة مش بترد على تليفونها، مش عارف أوصلها إزاي."
ردت عليه سوسن وقتها وهي تنهض أمامه تقول بخوف على ابنتها.
"طيب يا بني متعرفش الظابط ده شغله فين بالظبط، كنت تروح تشوفهم، أنا مش مطمنة وقلبي متوغوش عليها."
رد حينها خالد باقتراح يقول.
"إيه رأيك نروح البرج اللي كنتوا قاعدين فيه، مش ممكن تكون هناك!"
سوسن باقتناع بعض الشيء.
"عندك حق، يلا بينا على طول مفيش وقت."
"اهدي اهدي، مينفعش تروحي معايا في وقت زي ده، هروح أنا وأطمنك لما أوصل."
رفضت سوسن بإصرار تقول عازمة.
"لأ هروح معاك يا خالد، دي بنتي لازم أطمن عليها بنفسي."
شعر خالد بإصرارها ليومئ برأسه، يخرج هو وهي فوراً متجهين إلى ذاك المكان مجدداً...!
بينما كانت ريم تهاتف صديقتها هاتفياً وهي تقول.
"خلاص يا هنا بطلي عياط بقى، مش مستاهلة."
"- مش مستاهلة إيه حرام عليكي، دول عاوزيني أتجوزه بالعافية وكل ده علشان غني حبتين تلاتة، أعمل أنا إيه بفلوسه طالما مبحبوش يا ريم..! أنا راسي هتنفجر وأنتِ تقوليلي مش مستاهلة...!!"
كتمت ريم ضحكتها عن ما تمر به صديقتها، نفس ما تمر به هي الأخرى، لتقول.
"حبيبتي ده مش حبتين تلاتة، ده تقريباً على اللي بتقوليه ده هو أغنى من نجيب سويرس نفسه. وبعدين متزعليش منهم، هما أكيد عاوزينك تتجوزي جوازة مرتاحة وتعيشي حياة كريمة."
ردت هنا وقتها بغيظ وذعر طفولي تقول.
"ده كلامك أنتِ يا ريم!! مش مصدقاكي والله! دانتي أكتر واحدة مشجعاني إني متجوزش إلا لما أخلص، وأنتِ بذات نفسك بتزعلي من اللي مامتك بتعمله فيكي، يعني حلال ليكي وحرام عليا!!"
كانت ريم تضحك بشدة من طريقتها الطفولية لتردف.
"مقصدتش والله، ولسه عند كلامي على فكرة، أنا بس ببرلك أهلك بيعملوا فيكي كده ليه. وبعدين صدقيني هما استحالة يجبروكي على جوازة أنتِ مش عاوزاها، عمو وطنت متعلمين وفاهمين، وأكيد دي فترة كلنا بنعدي بيها وبعدين بتنتهي."
ضربت هنا يدها برأسها تقول.
"لأ لأ دانتي شكلك فاهمة بابا وماما غلط خالص..! المهم فكك من السهرة دي بقى، مليت بجددددد إيه رأيك نخرج بكرة قبل الدراسة؟"
"- معلش يا هنا أنا بجد مليش نفس أخرج اليومين دول، خليها ليوم تاني، ثم بعدين أنتِ وعدتيني إنك هتجيلي في يوم تقضيه معايا، فين وعدك ده بقى؟!"
ردت هنا تقول.
"هجيلك والله قريب وهعملهالك مفاجأة."
أغلقت معها سريعاً وقتها عندما دلف إليها أخيها يقول باعتراض وذعر.
"لسه بتكلميها ي هنا!!!"
"- أكرم أنت بتتصنت عليا!!!"
"هتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتت تتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتت تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتت تنت تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتا تتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتت