تحميل رواية «ساعة الانتقام» PDF
بقلم دينا اسامة
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ظلام دامس يعم المكان حولها، جالسة هي على الأرضية تشعر بالدماء السائلة التي تغرق يديها وملابسها. حينما فتحت عينيها التائهتين لترى ما هذا الذي يسيل حولها، فُزعت من هول الصدمة وهي تنتفض من مكانها وكأن التبسها جني. وما زاد فزعها رؤيتها لصديقها وحبيبها المدعو سمير. صرخت، لا تدري لماذا، بأنها ستقع لا محالة في هذا الفخ الذي وقعت فيه. حتى وجدت من يكتم أنفاسها من الخلف ويسير بها من هذا المكان بأقصى سرعة. ظلت تركل من يحملها ويكتم أنفاسها. جاء بمخيلتها أنه من قتل سمير ثم يريد قتلها هي الأخرى. لكنه فجأة أدخ...
رواية ساعة الانتقام الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم دينا اسامة
لم يعلم كم مرّ عليه من الوقت وهي بين يديه، مُحاوطًا جسدها المرتجف برقة، مُتنافية مع طبيعته. استفاق من تلك اللحظة التي لم يحظ بها مُنذ قبل، أثر ارتجاف جسدها مُبتعدة عنه تقول بعينين تظهر الخوف:
"ابعد عني."
ضاق ما بين حاجبيه بتعجب مُردفًا:
"اهدي الأول، متقلقيش أنتي كويسة دلوقتي."
"انت عاوز مني إيه؟ عاوزين مني إيه؟"
قالتها بلا وعي مُبتعدة عنه بخوف، تعود بذاكرتها لكل ما حدث معها من مواقف مُماثلة، والسبب الوحيد ثيابها كما تعتقد.
لأول مرة يشعر بالشفقة على حالتها، بل اقترابه إلى هذا الحد كان بمثابة صدمة لما بدر منه. لأول مرة يلمس فتاة غريبة ويشعر هذا الشعور. حمحم بخجلٍ من فعله، وكاد أن يتفوه لكنه توقف، يُتابعها ببلاهة عندما أردفت بتهكم وعصبية:
"انت زيك زييه... كلكم صنف واحد، عاوز الحرق، ابعدوا عني!"
"باشمهندسة اهدي ممكن."
قالها أكرم بنفاذ صبر وضيق من جملتها. انتابها الجزع حينما اختصر المسافة بينهما في لحظة، فارتجف جسدها بعنف وكأن هناك عاصفة عاتية هاجمتها فجأة. رفعت بصرها بترقب حينما اشتدت أنفاسه وقست ملامحه، فظهر طيف الغضب في عينيه. عادت لرشدها ترمقه بخجلٍ من حديثها، تلتقط أنفاسها ثم أردفت:
"انا... أنا آسفة ي باشمهندس، حقيقي شكرًا على اللي عملته."
عقد حاجبيه بتذمر مُتابعًا خوفها البادي، ليردف وهو على مقربة منها:
"أنا طبعًا مقدر انفعالك بسبب اللي حصلك، بس اللي عاوز أقولهولك إن مش كل الرجالة صنف واحد زي ما انتي فاهمه."
"ومش كل الستات زي بعض! ومش اللبس اللي يحكم على الست في أدبها وأخلاقها."
قالت جملتها بقصدٍ ووحدة، ثم أضافت بعدما سنحت لها هذه الفرصة:
"مش حضرتك برضه من أنصار الناس دي؟ الناس يعني اللي بتحكم على الواحدة من خلال شكلها الخارجي؟"
اشتم رائحة السخرية، ينظر إليها بغضبٍ واضح بعد انتهاء جملتها. أخذ يُهدئ من روعها هذا الوقت، خاصةً بعد ما حدث لها. لأول مرة يفعل ذلك، لكن كان ما يتوجب عليه فعله، وإلا سيؤلمها بطريقته. اقترب أكثر مُقابلاً لها، ينظر في عينيها بتمعنٍ واندهاش، ثم أضاف بصرامة وجرأة:
"أيوه بالظبط، أنا من أنصار الناس دي."
لاحت ابتسامة ساخرة أعلى وجهها، تزيل بقية دموعها المُنسابة، ثم أردفت:
"والله أحيك على الاعتراف بالحق."
"لا والله!"
"وأي كمان كملي، خليني ماشي معاكي على الخط كده لحد ما تجيبي آخرك."
"للأسف نسيت الكلام."
"لو مفيش إحراج يعني ممكن تسيبني أرتاح شوية، ومينفعش تفضل كتير هنا."
"ده على أساس إن مكنش معاكي راجل هنا!"
قال جملته بغيظٍ من برودها وتحولها معه في الحديث، يُضيف بلهجة مُهينة قاصدة:
"إيه هيدخل شاب في أوضة بنت نص الليل والباب مقفول من جوه!"
"انت تقصد إيه أنت! انت مسطول ومش واعي أنت بتقول إيه؟!"
"احترمي نفسك."
"احترم نفسك أنت والزم حدودك معايا من هنا ورايح، واتفضل أخرج من غير مطرود."
"جيت على الجرح شكلي، معلش أصل الحقيقة بتوجع."
قال جُملته بسخرية واستهزاء، يُلقي نظرة أخيرة أعلى ثيابها التي تكشف الكثير، ثم ترجل إلى الباب عازمًا على الخروج. لكنها لا تعلم كيف ركضت إليه تجذب يديه بقوة، ثم هوت بصفعة أعلى وجهه بشرارة غريبة برزت من عينيها التي قد لمعت بالدموع، وهي تقول صائحة:
"انت إنسان مُقزز وتافهه، انت فاااكرني إيييه هااا! فاكرني واحدة رخيصة زيك! انت اللي زيك المفروض يتعالج من تفكيره العقيم ده، أنا أشرف من الشرف نفسه، ومسمحش لواحد معندوش بربع جنيه رجولة واحترام إنه يكلمني أنا بالأسلوب ده، واضح إني غلطت اوي."
"بلاش أنا ي مها، بلاش علشان مزعلكش، أنا عامل احترام لمكان شغلي، لولا كده كنت عرفتك قيمتك."
قال جملته بصوت مرتفع جاذبًا مرفقيها بقوة، يرمقها بنظرة غاضبة. تراجعت للخلف وهي تحاول إفلات يدها من قبضته، بينما كانت يده تقبض على ذراعيها بِحدة أكبر كلما حاولت الإفلات منهما، حتى أردفت تصرخ:
"انت إنسان قليل الأدب ومتستاهلش اللي انت فيه، ربنا ينتقم منك على كل كلمة قلتها في حقي مش صح."
"الإنسان القليل الأدب ده برضه عمل بِقلة أدبه وجه أنقذك من اللي كان هيحصلك."
قال جملته ثم ترك يديها بقوة، مُتطلعًا إليها بإشمئزاز، يذهب من الغرفة تاركًا إياها تستند على الحائط بصدمة من ما حدث.
***
"انت هنا إزاي؟"
قالتها شهد بخوف منه أكثر، تحاول جاهدة إبعاد نظرها عن عينيه التي كانت تتفحصها بطريقة أثارت توترها. ابتلعت لعابها في توتر وهي تتراجع إلى الخلف بإضطراب، تُضيف:
"انا... أنا كنت جايه هنا علشان يعني قولت..."
"علشان إيه كملي!"
قالها بابتسامة ترتسم ملامحه لأول مرة عليها بعدما راقب توترها الذي بدا مُضحكًا. لم ترى هي ابتسامته الماكرة، بينما كانت عيناها تنظر إلى الأسفل حتى وقعت أعلى شيءٍ أثار ضوضاء بالغرفة بل بالمنزل بأكمله. من شدة صدمتها وتوترها صرخت صرخة دوت المنزل بأكمله، وهي تقول بعدما تربعت أعلى ذاك الجهاز التي تجهله:
"أنا قاعدة على إيه!"
"جهاز هينفجر بيكي لو مقومتيش دلوقتي ي أكبر مصيبة."
قال جملته بعدما تنهد بِقلة حيلة، مُساهلًا بها، مُتذكرًا أول لقاء جمعهم دون علمها.
فلاش باك.
في نفس ذاك يوم الاحتفال، أي خطبة سمير النوبي وآيه سليم، بعدما علمت شهد بشأن خطوبته المفاجئة للجميع وفقدت وعيها بين يديه. حملها من أمام الجميع مُتجهًا إلى الجهة الأخرى من القصر، يُجلسها أعلى أحد الكراسي مُحاولًا إيفاقتها. وبعد خمس دقائق، دق اللواء سليم به كي يذهب إلى الحفل سريعًا. لم يأتِ بباله سوى رجائي الذي كان يوجد بالحفل هو الآخر. دق به داعيًا بالمجيء.
"إيه اللي بتعمله هنا ي سمير؟"
قالها رجائي مُراقبًا المكان من حوله، ليرد هو عليه بعدما نهض:
"مش وقته ي رجائي، المهم خليك معاها هنا لحد ما تفوق وتطمني عليها."
"أخليني معاها هنا إزاي ي سمير! أنت عارف إني مش فاضي ولازم أدخل الحفلة تاني."
"معلش ي رجائي، كلها خمس دقايق لحد ما تفوق، وسيبها بس متسيبهاش إلا لما تفوق. علشان لازم أمشي أنا."
أنهى جملته ثم رحل سريعًا من أمامه. ينظر هو إليها مُتنفسًا الصعداء، ثم أردف وهو يقترب منها:
"انتي فوقي!... ده أنا حتى نسيت اسمك كان إيه."
ظل لثوانٍ يُراقبها بعناية إلى أن أتته مكالمة هامة جعلته ينصرف بعيدًا. بينما هي في هذه اللحظة استفاقت وهي تنظر حولها بصدمة، تهمس من بين شفتيها بحسرة:
"يعني مكنتش بحلم وده كان حقيقي!"
أنهت جملتها مُجهشة بالبكاء بعدما حاولت النهوض وهي لا تعلم كيف أتت إلى ذاك المكان، تخرج من القصر.
عاد هو بعد عدة دقائق إليها ثم ترنح مكانه يقول وعيناه تتفحص كل شبر بهذا المكان:
"هي راحت فين المجنونة دي!"
باك.
خرج من عمق تفكيره الهادئ على صوت صراخ منبعث منها وهي تقول ببكاء:
"البتاع اللي قاعدة عليه ده سخن أوي، هو هينفجر ولا إيه! انت شغال في إيه بالظبط ي جدع أنت!"
لم يشعر بنفسه إلا وهو جاذبًا يديها بين يديه، يُساعدها على النهوض، يُغلق هذا الجهاز بعدما حرر أسلاك توصيله.
"مقولتليش برضه إيه دخلك أوضتي اللي المفروض أهلي نفسهم مش بيقربوا منها!"
"ابدًا، أنا قولت أدخل أريح شوية عمل ما تيجي، وكنت هقوم علشان يعني مزعجش ميسون وهي نايمة جوه."
قالتها بتنحنح، وما أن انتهت جملتها حتى صدر صوت طلقات نارية بالخارج. صرخت هي وقتها تدفن وجهها في صدره مُحاولة الفرار من تلك الأصوات التي تأبى سماعها منذ الطفولة.
لم يفكر كثيرًا وقتها، مال نحوها يضمها إلى صدره في عناق كبير حار، فيما يفرك كفوفه فوق جذعها العلوي، يقربها منه، شاعرًا بالسعادة والأمان، وتلك الألوان الوهمية المنبثقة من حرارة مشاعرها تلتف من حوله وتحتويه من جديد.
لم تتردد وقتها وهي تبادله العناق، تلف ذراعيها بقوة وهي تبكي. مال نحوها أكثر يقول في أذنها بنبرة حنونة هادئة:
"اهدي، أنا عارف إنك بتخافي من المسدسات والنار."
رفعت بصرها إليه بطريقة أثارت شيئًا داخله، جعلته في لحظة ضعف مُقتربًا من وجهها، لكنه فاق عندما أردفت هي بتعجب وهي تبعد قليلاً:
"وأنت عارف منين!"
"أنا أعرف عنك كل حاجة ي شهد."
قال جملته بعدما أعاد لرئتيه قليلاً من الهواء، ثم أضاف بنبرة تحمل الشوق الذي كان يخفيه منذ اللقاء الأول:
"أنا أعرف عنك اللي انتي متعرفيش، مانا بقولك إنك تعبتيني أوي."
"أنا حاسة إن جملتك دي بتتردد في وداني وكأني سمعتها قبل كده!"
قالتها وهي تعود بذاكرتها إلى مشهدٍ ما لم تنساه حتى الآن.
فلاش باك.
كان يجلس أعلى أحد الكراسي صوبها، يُتابع تلك الحركات الهوجاوية بعدما جلبها من النادي الليلي في حالة سُكر، ولم تعِ أي شيءٍ حتى الآن.
في تلك اللحظة، تابع انفعالاتها وحركات جسدها وكأنها على وشك الرقص، وبدأت بالفعل تتمايل برشاقة وهي تتمتم آخر أغنية سمعتها بالنادي الليلي:
"يا صيف... يا صيف، دهب يا صيف.."
ضرب ساقيه بقوة دلالةً عن عدم صبره لتحملها، فعادت تضحك بدلال، ثم فجأة ارتمت جانبه بجسدها. توسعت عيناه وكأنه أُلقيت فوقه قنبلة فجرت مشاعره المكبوته أثر قربها بهذا الشكل المُهلك له. كانت ترمقه بهيام والرؤية ضبابية أمامها، فقط ترى أمامها حبيبها سمير النوبي. لم يخطئ بنظراتها، لقد كانت تحمل مشاعر... حب! فاق من صدمته على شيء لم يتوقعه حتى في أحلامه. كانت تغمض عينيها وتمط شفتيها للأمام وكأنها على وشك تقبيله. هنا انتفض بهياج من جانبها، يُجاهد فرط مشاعره المتأججة طالبة بأمورٍ لا تُصح، يقول بلهجة حادة وقوية:
"بنتي انتي فوقييي، انتي تعبتيني معاكي اوي! أنا مش عارف إيه اللي وقعني الوقعة السودة دي."
كانت تفترش مكانه مُغمضة العين، تبتسم بهيام، ثم بعد ذلك غفت مكانها، يرمقها هو بغضبٍ يزفر بقوة بعدما دبت حرارة غريبة تسري في جسده، ثم حك أنفه بطريقة يفعلها عندما يشعر بمثل هذا الشعور.
باك.
"أنا شفتك قبل كده صح؟!"
قالت جملتها بثقة ترمقه بتعجب، ولم تُكمل حديثها بسبب همس خفيض آتٍ من فمه قائلاً في محاولة كتم ضحكاته:
"أيوه أنا بتاع يا صيف يا صيف."
شهقت بصدمة وخجلٍ في آنٍ واحد، ثم أردفت بعدما ابتعدت بشكلٍ كلي ومازالت الأنوار مُطفأة، فقط يُنير هاتفه:
"يعني كنت أنت مش سمير!"
"اها، شوفتي بقي إني استحملتك كتير ومعايا حق في اللي بقوله."
"أنا مش فاهمة حاجة! أنت مين وعارفني إزاي!"
قالتها مُستفسرة بإندهاش وهي لا تفقه أي شيء يدور حولها، إلى أن أردف:
"مش وقته، كلها ساعات وتعرفي كل حاجة، وعلفكرة قريب هترجعي بيتك."
نظرت إليه مُتعجبة رغم سعادتها بعد جملته، تقول بإكتراث والفضول يقتلها كي تعلم ما كل هذه الأحداث الغامضة التي تحدث فجأة:
"بس أنا عاوزة أفهم! عاوزة أفهم كل حاجة، أنا حاسة إني بحلم! مش قادرة أصدق كل الحاجات اللي بتحصل في حياتي دي حتى بدون علمي!"
رمقها بنظرةٍ حائرة، يعلم كيف تشعر، بدايةً من خذلانها وفقدانها لحبيبها إلى صمتها طيلة هذه المدة واستغلالها بسبب هذا المدعوّ زياد. طالت نظرته أعلاها حتى صدر صوت أمه من الخارج، ومن الواضح أنها عادت من الحنة التي كانت بها. شهقت شهد بصدمة وتوتر وهي تقول:
"هعمل إيه! هخرج إزاي دلوقتي يادي المصيبة!"
وبخطٍ مرتجف توجهت إلى باب الغرفة وقامت بفتحه بأنامل مُرتعشة، يحكي هول ما يعتمل بداخلها. تُراقب الوضع بالخارج حتى أنها كادت أن تصرخ عندما جذبها إليه بينما كتم فمها وهو يقول بصوتٍ منخفض:
"إيه اللي بتعمليه ده، انتي عاوزة تفضحيني وتفضحين نفسك!"
شعر بارتجاف جسدها وخوفها البادي وعينيها التي قد أوشكت على البكاء. تذكر هو وقتها فعله، ثم أشاح يده بتوتر، مُحمحمًا بقول:
"أقصد يعني هتطلعي إزاي قدامها في الوقت ده من عندي."
التقطت أنفاسها التي تسارعت وهي تمسح وجهها، تومئ له بخجلٍ. بينما هو توجه ناحية الباب يفتحه ببطءٍ، مُتابعًا من بالخارج، حتى أنه فجأة وجد أمه تتجه ناحية غرفته. أغلقها فوراً بصدمة وهو يقول:
"الحجة جاية على هنا."
"يعني إيه!"
قالتها بصدمة أكبر، بينما لم يُمهلها أكثر للحديث عندما أخذ بيديها ذاهبًا بها إلى دولابه، ثم أجلسها به وأغلقه، مُتناسيًا تمامًا أمر تلك الفوبيا التي تعاني منها من الأماكن المغلقة. وهي بالداخل كانت تُجاهد نفسها كي لا تخرج حتى وإن ماتت. دلفت أمه فوراً دون حتى الطرق بملامحٍ قلقة وهي تقول:
"الحقني ي بني، ملقتش شهد في البيت."
"إزاي بس ي أمي، أنا لسه شايفها من شوية قاعدة في الصالة! ممكن تكون في أوضة ميسون."
"ي بني أنا دورت عليها في البيت كله ملهاش أثر، هتكون راحت فين يعني في الوقت ده!"
قالتها فردوس بخوف وقلق، ليرد رجائي مُسرعًا بقول:
"ممكن تكون خرجت قاعدة برا شوية في الهوا، تعالي نشوفها."
قال جملته بصوتٍ مرتفع قاصدًا ذلك، ثم خرج ومعه أمه. بينما شهد ترجلت فوراً من ذاك الدولاب بجسدها المرتجف، تذهب إلى الخارج وهي تلتقط أنفاسها بتفاوت، حتى أنها صرخت بفزع عندما أردفت ميسون من الخلف بعدما خرجت ولاحظت خوفها:
"مالك ي شهد فيه حاجة!"
"لأ لأ ابدًا."
قالتها دون وعي، حتى لاحظت ميسون وجهها بالكامل الذي كان يتصبب عرقاً وكأنها كانت تُجاهد شيئًا ما. كادت أن تُردف متسائلة حتى ولجت فردوس ومعها رجائي إلى المنزل ثانيةً. اقتربت منها بخوف وهي تقول بلهجة حنونة:
"كنتي فين ي بنتي ده أنا قلبت البيت عليكي."
"أنا... أنا كنت..."
"شكلك كنتي برا؟!"
قالها رجائي يُساعدها على الرد، لترد هي بعدما أدركت مقصده تقول:
"آه فعلاً كنت بتجول برا شوية بشوف الأجواء."
أومأت لها فردوس رغم تعجبها تقول:
"بس ماله وشك كده وإيه العرق ده؟!"
"اصل... أصلي شفت كلب قام جري ورايا وفضلت أجري لحد ما رجعت هنا تاني."
"كلاب! غريبة بس مفيش كلاب في القرية هنا."
قالتها ميسون بإندهاش، بينما نظرت شهد إليها بتوتر، ثم أردفت:
"لأ إزاي ده أنا شفت كلب حتى كان لونه أسود."
أومأت لها فرودس هي الأخرى بعدم اقتناع، لكن كانت تحمد الله على عودتها تقول:
"المهم إنك كويسة وبخير ي بنتي."
"ماما عندها حق، المهم إنك كويسة وعرفتي ترجعي هنا تاني. بعد كده لو عاوزة تخرجي ابقي قوليلي ونخرج سوا علشان انتي متعرفيش حاجة هنا."
أومأت لها شهد مُتنهدة براحة، بينما دلفت فردوس إلى الداخل كي تستريح وتبعتها ميسون التي قالت قبل أن تذهب:
"عاوزة أقعد معاكي شوية ي شهد نتكلم."
أومأت لها، ثم بعدما ذهبوا زفرت بقوة وهي تخبط رأسها لتجده يقول بلهجة ساخرة:
"كلاب! ملقتيش إلا الكلاب تجيبي سيرتهم! دول أبرياء منك ي شيخة."
"أومال عاوزني أقول إيه!! وأنا إيه هيعرفني إن قريتكم الراقية دي مفهاش كلاب! غريبة دي."
"دانتي اللي غريبة ومصيبة متحركة."
"أنا!!"
قالتها بصدمة وغضبٍ وهي تُكاد أن تُردف بصوت مرتفع، لكنه منعها عندما اتجه غرفته ثم أغلقها، بينما هي دبت الأرض بضيقٍ طفولي، ثم ذهبت هي الأخرى إلى ميسون.
***
كانت آيه تجلس بأحضان أبيها وهي تقول:
"بابي أنا خايفة أكون بحلم."
"ي ستي مش حلم، مش حلم إيه هنكون بنحلم كلنا سوا!"
قالها فريد بضحكٍ يذهب إليهم بعدما انتهوا من الطعام، لتقاطعه هي قائلة بغضبٍ وضيق:
"انت تسكت خالص علشان انت أكتر بني آدم كداب شفته في حياتي، تخيل كدبت عليا كام مرة لحد دلوقتي ولسه بكتشف فيك حاجات."
"رد عليها انت ي سليم بيه علشان دي آيه صعبة التفاهم."
قالها وبيديه ثمرة التفاح التي كان يأكلها، مما جعلها تشعر بالغيظ وهي تلقي عليه بأخرى صائحة:
"هيرد يقول إيه هاا! انتو الاتنين مخادعين ومبتحبونيش ولا عمركم فكرتوا فيا أصلاً."
قالتها مُبتعدة عن والدها بذعرٍ بعدما حاولوا بصعوبةٍ تهدئتها، ليردف اللواء سليم بحنان مُمسدًا أعلى شعرها:
"متقوليش كده ي حبيبتي، أنا مش هعاتبك ولا هزعل منك على اللي بتقوليه لأني مقدر صدمتك وده حقكك، بس خليكي متأكدة إن محدش بيحبك قدنا."
"قولها ي سليم بيه وقولها كمان إني أكتر واحد اتعذبت بسبب شكك فيا في الرايحة والجاية."
أنهى جملته مُمتثلاً الحزن، مُقتضمًا التفاح، لترد هي بالمقابل بغيظٍ:
"انت كمان مكنتش عاوزني أشك فيك! دانت كل تصرفاتك كانت توحي إنك قاتل سمير وبتحاول تخفي ده."
"خلاص حصل خير وأنا مش زعلان، وانتي كمان متزعليش مني على كل اللي عملته معاكي في لحظة غضب، كان غصب عني صدقيني."
أردفت وقتها بعدم فهم، تتحسس وجهها:
"وبالنسبة للي حصل في الطيارة كان مُخطط ليه برضو؟!"
"اللي حصل كان مُقدر، محدش ليه دخل فيه، لكن الوش الجديد اللي أخدتيه كانت لعبة كبيرة أوي ومقصودة."
"أيوه أنا عارفه."
قالتها ثم أكملت بضيقٍ بعدما تذكرت فعله الأناني:
"جيسيكا صاحبتك هي اللي عملت كده."
"عرفتي منين!"
قالها بتعجب، لترد هي تحكي له عن ما قالته جيسي لها، ثم انتهت بقول:
"الله يسامحها بقي على اللي عملته."
"جيسيكا عميلة لزياد وكل ده كان متخططله كويس، وكمان هي اللي حاولت تقتلك."
"إيه!"
"كنت هتوقع منها إيه وهي صاحبة عليا! حاولت كتير أكذب نفسي لكن اتأكدت أنها خاينه وبتساعد زياد، يوم ما قولتيلي على أن فيه واحد شافك في الفندق وبعدين اختفى. هو كمان كان تبعهم وقدرت بطريقتي أجيبه لحد عندي أعرف منه كل اللي أنا عاوزه."
"معقولة فيه ناس بالشر ده!"
قالتها بإشمئزاز، ثم تابعت:
"ربنا المنتقم، وإن شاء الله دم سمير مش هيروح هدر."
نظر إليها فريد لثوانٍ بتعجبٍ، فبرغم حزنه هو الآخر، لكنه أردف بتساؤل:
"آيه انتي حبيتي سمير؟"
"أيوه حبيته!"
قالتها دون تردد، بينما هو وجد عينيه كالصقر تكاد تأكله من تفحصها. اهتزت أوصالها تردف مُصححة:
"الحب أنواع ي فريد، أنا حبيت سمير حب أخوي، كان نفسي دايماً يبقى عندي أخ ولد بس محصلش للأسف، ومن وقت ما اتعرفت على سمير وأنا حاساه أخويا حتى لآخر يوم. وإحنا على وشك إننا نتجوز على اعتبار طبعًا أنها كانت خطة، فكنت مكملة حتى لو الوضع والظروف كانوا أقوى واضطريت اتجوزه كنت هتجوزه عادي. سمير مليون بنت كانت تتمناه. بعد غياب بابا أنت بعدت عني أوي ي فريد، وسمير قرب مني وحسسني بالأمان في غيابك، شارك معاكم في الخطة على حساب نفسه وحياته وأنه كان بيحب واحدة تانية علشان يحميني بابا ويحميني، دي أقل حاجة أقدمهاله وهي الحب."
"طيب ربنا يهني سعيد بسعيدة."
"الفاتحة ليه ي ولاد."
بدأ يقرأ له، ثم بعدما انتهى كاد على وشك النهوض، لكن منعته آيه تقول بعدم فهم:
"أنا مش فاهمة ده معناه إيه بقي؟!"
"شكل نقاشاتكم هتطول، أروح أنا أنام."
قالها اللواء سليم ثم رحل وحرب النظرات مُشتعلة بينهم.
تنهد بثقل وهو يربت فوق يدها بلطف:
"تعالي يلا علشان تطلعي تنامي."
"هتسيبني!"
همست بالقرب من وجهه، فتراجع للخلف برأسه يجاهد التحكم بنفسه. فعادت تكرر همسها بنعومة أشد، ذابت عاطفته بسببها. ظلت تكرر بلا انقطاع، فهز رأسه بنفي والكلمات تعرقلت على طرف لسانه. يغمض عينيه يخشى النظر لملامحها القريبة منه، حتمًا سيسقط صريعًا فاعلًا تلك الأشياء التي يأبى حدوثها. وهي مُغيبة تهذي بكلمات لا تدركها، ولكن صوتها الهامس جعله يفتح عينيه بدهشة:
"بس أنت اللي اختاره قلبي يكون شريك ليه."
حثها بنظراته وبأنفاسه المشتعلة، حتى أنه سنحت له الفرصة بالاقتراب منها. بينما هي اقتربت بجسدها لتلتصق في صدره وهي تمسك يده بين يديها تضغط عليها بقوة وتحدثت بلوعة:
"انت إزاي مش شايف نفسك في عنيا!"
"علشان شايفك انتي."
أنهى جملته بهيامٍ وابتسامة مُحب ترتسم ثغره، حتى أنهما لم ينتبها عما حولهما، إلى أن أردف سليم بضحك عندما كان يُتابعهم:
"الله الله.. في بيتي وعلى سريري!"
انتبهت آيه لوجوده لذا ابتعدت فورًا بخجلٍ وهي تُعيد خصلاتها إلى الخلف مُتجهة إليه وهي تقول:
"كده ي بابي تكسفني بالشكل ده."
"قولها ي عمي مش عارف أعمل فيها إيه وفي دلعها ده."
قالها فريد بعدما ضرب يدًا فوق الأخرى، ثم ذهب إلى أحد الغرف. بينما هي همست بصدمة وضيق من جملته:
"عمك!"
"بقي كده ي فريد!"
جذبها سليم بابتسامة حنونة ثم قال:
"تعرفي أن مش جايلي نوم النهارده، تعالي عاوز أحكي معاكي للصبح."
أومأت له بسعادة تحتضنه، ثم غادرت معه.
بينما بذاك الفندق وبالأخص بغرفة تُقي، كانت تتقلب أعلى الفراش وهي لا تشعر بالنعاس بتاتًا. نهضت في محاولة كي تنير تلك الأباجورة التي كانت جانبها، وما أن وضعت يدها حتى شعرت بيد تقبض أعلى يدها، ثم شعرت بغمامة حولها عندما فقدت وعيها بالكامل، وحملها ذاك الشخص بتخفٍ يذهب بها بعيدًا عن الفندق.
رواية ساعة الانتقام الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم دينا اسامة
بينما عند وصول ذاك الشاب مجهول الهوية إلى وجهته وبين يديه "تقي" المغيبة، وضعها أعلى الفراش ثم قام بنزع ما كان يرتديه أعلى وجهه يقول محاولاً إيقاظتها:
"تقي ي حبيبتي قومي أنا آسف على اللي عملته"
وبعد محاولات عدة قام بجلب عطره ثم نثره بالقرب من أنفها، برشت بعينيها ثم استفاقت بعدها بشكل كلي وهي تنظر إليه بصدمة من وجوده تتابع ذاك المكان الغريب:
"زياد!!! أنت جيت هنا ازاي!"
_ الحمد لله إنك فوقتي ي حبيبتي، أنا بجد آسف على اللي عملته.
_ آسف! زياد فهمني إيه اللي جابك هنا ممكن؟!
ابتلع ريقه بتوتر من حدتها فهو يعلم جيداً رد فعلها لذا تنحنح يجلس أمامها محسساً أعلى خديها يقول بلطف:
"حبيبتي انا جيتلك هنا علشان انا وأنتي في خطر وهنسافر بكره برا مصر نستقر هناك"
_ وده ليه أن شاء الله؟!
قالتها عاقدة حاجبيها بتذمر ثم أكملت بتوتر متسائلة:
"أنت عملت حاجه غلط؟!"
_ هعمل إيه يعني ي تقي، ده شغل ولازم اسافر.
قالها بلهجة مذبذبة يتحرك من مكانه بتوتر بينما هي شعرت بتوتره البادي، وقفت تقابله تقول بحدة:
"زياد احكيلي الله يخليك فيه إيه، انا واثقه إن فيه حاجه وأنت مخبيها عليا"
_ هكون مخبي إيه يعني ي حبيبتي، ارتاحي أنتي دلوقتي انا خارج شويه.
_ زياد احكيلي من فضلك، وبعدين أكيد فيه كارثه حاصله وإلا مكنتش جيتلي هنا واخدتني من شغلي.
_ في داهيه شغلك المهم حياتك ي تقي.
قالها بخوف محتضناً وجهها بين كفيه بينما هي تسرب القلق داخلها أكثر لتردف:
"زياد وحياتي عندك لتقولي... طيب وحياه عاليا أنا عارفه إنك بتحبها أوى احكيلي واوعدك إني مش هتعصب وهفهمك."
_ مينفعش ي حبيبتي دلوقتي أوعدك لما نوصل وجهتنا هحكيلك.
_ طيب رجعني الفندق علشان شغلي ولما تحب تحكيلي انا موجوده هسمعك.
قالتها بضيق وعينيها مصوبة عليه بغضب ليجذبها هو دون وعي من مرفقيها بقوة صائحاً:
"تقي انا مش صغير، انا اخوكي الكبير واللي بقوله هتسمعيه، أنتي فاهمه؟"
تألمت من يدها المصابة محاولة إبعاده بينما هو ابتعد فوراً بصدمة يقول وملامح الخوف تعتليه:
"أنتي كويسه؟ حصلك حاجه، حقك عليا انا مقصدش والله"
ابتعدت عنه بنفور وهي تمسح دموعها المنسابة وما زالت تردف بتحدي:
"بس انا خلاص مش عاوزه أسمعك وعاوزه ارجع شغلي"
زاد التقوس في حاجبيه، وظهر الضيق على ملامحه وأجابها بصوته الحانق وهو يجذبها نحوه بشكل أكبر:
"مفيش شغل ي تقي، قولت مفيش شغل يعني مفيش"
_ أنت فاكرني هسمع كلامك زي عاليا؟! لأ مش أنا ي زياد، عمري ما هسمع كلامك عارف ليه؟ علشان أنت مش سوي زيها بالظبط وانا واثقه إنك عملت مصيبه وعاوز تهرب ومش هسمحلك بده.
أبعدها بدفعه قوية عنه ونظر لها بضيق واضح ثم تحرك ناحية باب الغرفة صائحاً بتحذير قبل أن يغلق بالمفتاح يحتبسها كالأسيرة:
"اخرررسي بقي كفايه لحد كده، انا عديتلك ودلعتك كتير بس خلاص كفايه عليكي كده وانتي اللي هتخليني اضطر أحبسك"
أنهى جملته بغضب بعدما وجدها أعلى الأرض تنظر إليه بإنكسار من فعلته ثم رحل يلكم يديه في الحائط بعنف.
بينما هي كانت تتوسط الأرضية ولم يستطع عقلها استيعاب ما فعله، احاطت جسدها بإحدى يديها بصدمة مقتربة من السرير تضم ساقيها بخوف من ما هو آتٍ.
وهو بالخارج بينما كان يتجول بتلك الشرفة بعدما أعرن عن غضبه بتلك الطريقة القاسية التي جعلت يديه منتفخة دق هاتفه ليحمله ملبياً، فآتي صوت الطارئ يقول:
"كله زي الفل ي زياد هما رايحين دلوقتي المكان اللي شاكين فيه"
_ مش عاوز حد يأذيها بأي طريقة، اتصرفوا معاه واقتلوه بأبشع الطرق هو وكل اللي معاه لكن هي عاوزها سليمة انتو فاهمين؟.
_ اللي عاوزه هيحصل ي زياد بيه.
أغلق "زياد" ينظر في الفراغ بعمق واضعاً يديه بقوة أعلى الحامل الحديدي يفكر فقط في خطته الخفية.
*************************
بينما في منزل "ريم" كانت تجلس تسرد لهم عن تلك الحقيقة التي كانت تخفيها لزمن، انتهت من حديثها بحزن كلما تذكرت أخيها وما حدث له بسببها، لتردف "ناهد" بعتاب:
"اخص عليك ي ريم، بقي كل ده يحصل معاكي ومتقوليش حتى لخالد إبن عمك!"
_ هقوله إيه ي ماما ناهد وانا عارفه أنه متهور وحياته كانت هتبقي في خطر، مقدرتش اعمل كده، خفت اخسره ويجراله حاجه زي "وحيد" الله يرحمه.
وافقتها "سوسن" الرأي تردف:
"ريم اللي عملته صح مكنش ينفع تعرف خالد، خالد متهور ومتسرع وكان ممكن يعمل أي حاجه وبعدين"
ماهر اللي بتقول عليه ده كان شكله مريض يعني مكنش هيسمي عليه هو كمان
بينما "ورد" رغم صدمتها من تلك الحقيقة عن مقتل إبنها لكنها أردفت بحزن:
"وهو ماهر قالك أنه مات وهو بيصلي؟!"
_ أيوه ماهر بيه بلغني بكده بس أنا مش قادره اسامحه، مش قادره.
_ انا كمان لو مكانك مكنتش هقدر ي بنتي حقكك متزعليش إنك مش قادره ده غصب عنك.
قالتها "سوسن" بحزن بادٍ تتذكر شيئاً ما بينما "ورد" هتفت وسط دهشة الجميع:
"بصي ي ريم ي حبيبتي كل بني آدم خطاء، ايوه انا محروقه كأي أم علي موت إبنها بالطريقه دي بس ي بنتي من خلال كلامك عنه الشاب ده مريض مش طبيعي ولا حرج ع المريض اللي زيه وبعدين موتته حلوه وشكله فعلا تاب، أكيد فيه عوامل خلته كده، حاولي تسامحيه ي بنتي واحتسبي اللي عمله عند ربنا، ربنا كبير"
_ انا موافقه ورد في اللي بتقوله ي ريم شكله فعلاً مريض نفسي أو فيه حاجه مأثره عليه ووحيد الله يرحمه غلط في تصرفه معاه وانتي كمان ي بنتي متزعليش مني، طبيعه أي شاب مش بيحب الرفض لأي سبب، وهو زي ما بتقولي غني ومش ناقصه حاجه فبعد رفضك انتي واخوكي طبيعي يتحول.
_ وهو أي حد بيترفض بيعمل كده ي ماما ناهد؟! مش مبرر خالص اللي عمله.
_ ي بنتي مهو علشان مريض، المريض اللي زيه شاف أنه مينفعش يترفض، ماهر ده مريض بالتحكم، شايف أنه أي حاجه عاوزها لازم ياخدها حتى لو بالغصب.
_ كله ييجي بالغصب إلا الحب ي ناهد.
قالتها "سوسن" بحزن وما زالت شارذة الذهن، نظرت إليها "ريم" بترقب تلاحظ شرودها بينما أردفت حينها تؤكد جملتها:
"عندك حق ي ماما سوسن كله إلا الحب وللأسف هو مكنش فاهم معنى الحب ولا بيعرف يحب"
طرق باب شقتهم بخفوت لتردف "ناهد":
"بقولك إيه يا "ريم" افتحي الباب، شكله خالد أبني"
حركت رأسها موافقة بتوتر ثم نهضت من أمامهم، فتحته بتوتر وضيق فوجدته أمامها ينظر إليها بتوتر هو الآخر وطالت النظرات بينهما بعتاب متواصل منهما إلى الآخر ليردف هو بصوت رخيم حاول فيه الثبات أمام عينيها الحزينة:
"ماما هنا؟"
حركت رأسها موافقة ثم أشارت نحو الداخل وقالت بثبات يتنافى مع تلك الضجة التي حدثت بمجرد رؤيته:
"أيوه اتفضل"
ترجل هو بقدميه بعدما تنهد بقوة ثم دلف وهو يقول:
"إيه ي ماما مش هتطلعي ولا إيه؟!"
_ كنت طالعه اهو ي خالد بس تعالي أقعد عايزاك.
_ مش وقته ي ماما لأحسن ده انا هلكان من الصبح.
قالها مبتلعاً لعابه عندما رمقته "ريم" شزراً وهي تتجه ناحية غرفتها لتوقفها أمها تقول بصرامة:
"تعالي هنا ي ريم متدخليش وتسيبينا، خالد لازم يفهم كل حاجه هو كمان"
_ هو عندكم اهو ي ماما لو حابين تحكوله تمام، انا هدخل أريح شويه.
لمحت العروق تظهر في رقبته وعينيه التي بدت حادة بعد جملتها لذا ترجلت إلى الغرفة فوراً بغضب أكبر.
بينما هو بعد إصرار من أمه جلس بخفة ثم بدأت هي بمساعدتهم في سرد تلك الحكاية له.
**********************
بينما عند "ماهر" في منزله كان يغطو في نوم عميق حظي به بعد مدة حتى دق هاتفه هذه اللحظة ليخرجه من تلك الحالة التي وصل إليها بعد فترة، زفر بقوة يرد بضيق:
"أيوه مين"
_ نهارك مش فايت! مين إزاي!
اعتدل "ماهر" في وضعيته محاولاً فتح عينيه يردف بعدما علم هوية المتصل:
"ايوه ي مهاب عاوز إيه خير"
رد مهاب بالمقابل:
"أنت نايم ولا إيه؟!"
_ كنت، والحمد لله متهنتش على النومه بسببك، قول ي جلاب المصايب فيه إيه.
_ ابدًا انا لقيت نفسي مخنوق، قولت ي واد ي مهاب اكلم مين يخرجني من مود الاكتئاب ده ملقتش غيرك ي صاحبي ي عشره عمري.
_ ي أخي ي ريتني ما عرفتك.
قالها "ماهر" بعدما مسح وجهه بضيق ليردف "مهاب" بصدمة:
"بقي كده ي ماهر؟!"
_ بقي تقومني من النوم علشان مخنوق! ي أخي تولع أنت والخنقه بتاعتك.
_ أولع! دانت شكلك نايم على نفسك، والله انا غلطان إني كلمتك من الأساس.
_ أيوه أنت غلطان عندك حق اقفل دلوقتي ولما يبقى عندك حاجه مهمه أبقى كلمني.
قالها "ماهر" وأخذه النعاس حتى ارخت جفونه ببطء ليفيق على صوته الغبي مثله يقول:
"أنت روحت فين!"
_ عاوز إيه تاني ي جدع أنت.
زفر بها بملل يمسك رأسه محاولاً التماسك ليرد "مهاب" على الجهة الأخرى:
"اصل حصل موقف كده الصبح نسيت احكهولك، احكي ولا إيه؟!"
_ مهاب أنت متخلف؟! بقي ي راجل عارف إني نايم ومنمتش من يومين وتقولي موقف! ي أخي تولعوا، سلام ي مهاب علشان مزعلكش بكلامي.
_ أنت مش صاحب جدع س.. سلام سلام.
قالها "مهاب" بضيق يلقى بهاتفه أعلى فراشه هامساً:
"طيب وحياتك عندي مانا رادد عليك تاني.
****************
وعلى النقيض الآخر كانت "يارا" شبه مغيبة وأنفاسها تتلاحق بعنف وتحرك رأسها بوجل بدا عليها تردد:
"لأ لأ مينفعش ده يحصل... لاااا"
انتفضت صارخة حتى وجدته يكتم فمها فبدت صرخاتها مكتومة، رفع يده عنها بعدما لمح العرق يملأ جبينها والخوف البادي على ملامحها الرقيقة، توتر بعدما شعر بارتجاف جسدها حتى تنحنح يقول:
"هل أنتِ بخيرٍ عزيزتي؟!"
_ ابعد عني.
قالتها "يارا" منتفضة وهي تتذكر ذاك الكابوس المرعب فأسوأ مخاوفها قد حدثت به ثم أكملت بتهكم:
"متقربش مني اوعي تقرب مني"
نهض مقابلها بعدم فهم يردد بخوف على حالتها عندما بدأت تتحرك بشكل عشوائي:
"اهدأي، لا تخافين عزيزتي لن اقترب، فأنتي عدوه لي ولأبي لا تتخيلي تلك الأشياء الوردية"
لم تصدق حديثه فما رأته في حلمها عن نشأة تلك العلاقة بينهما للمرة الثانية وبإرادتهم، شعرت بالخوف وهي تحمي جسدها لا تريد حدوث هذا الشيء مطلقاً حتى أرتدت إلى الخلف بذعر أكثر عندما وجدته يقترب تقول محذرة له:
"ابعدد... لو قربت هصوت وهخلي شيراز المجنونه دي تعرف إنك عاوز تقرب مني"
_ لن تستطيعي فلا أحد الآن يستطيع سماعك سواي.
قالها مقهقهًا على حالتها بينما هي نظرت لأسورة تفكر ثم لمعت فكرة برأسها حتى اقتربت منه بخفوت وبطريقة مثيرة جعلته يرفع أحد حاجبيه بتعجب من تغيرها المفاجئ ثم أخذت تقترب أكثر وهي تلف ذراعيها حول عنقه تقول برقه وإثارة:
"وانا مبقتش مضايقه ولا خايفه منك! عارف لي؟!"
رفع حاجبه الآخر بصدمة من قربها الحاد حتى تلاقت أعينهم وبدأت أنفاسهم بالامتزاج والتفاوت وفجأة شعر بما تخطط له لتجد يديها مكلبشتين، ثم جذب منها تلك الأسورة يقول بضيق وسخرية:
"تلك الطريقة الرخيصة مثلك لن تجدي معي شيء"
صُدمت هي بعدما جذب منها أهم شيء كانت تمتلكه لحماية ذاتها بسبب حماقتها، كادت على وشك البكاء لكنها لم تستسلم بهذه السهولة عندما لمعت فكرة أخرى ثم قامت بتنفيذها على الفور أثناء اقتراب "شيراز" منهم بتعجب من وجوده.
اقتربت "يارا" منه وهي على وشك تقبيله لكن منعتها "شيراز" عندما زجتها بقوة حتى تعمدت هي السقوط وتأوهت بصوت مرتفع، نظر إليها "شادي" بصمت لثوانٍ يتابع حالتها ثم أردف:
"لِما آتيتِ إلى هُنا شيراز؟!"
_ هذا سؤالي لِما آتيتِ مرة أخرى إلى هذا المكان؟!
_ فقط كُنت أراقبها.
نهضت "يارا" بخبث مقابل "شيراز" التي كانت تلتهمها بعينيها تقول:
"مش انتى بتحبيه؟! حاولي تبعديه عني وتطلعيني من المكان ده، إيه مش خايفه يقع في حبي تاني؟!"
رمقتها بغيظ وغل ثم أردفت:
"اصمتي وإلا قتلتكِ."
_ تؤتؤأنتي خايفه بس مش قادره تعملي حاجه بسببه صح؟! عاوزه أقولك أنه بدأ يحبني وده مش لمصلحتك علفكرا، تعالي نعمل ديل انتي تطلعيني من هنا وانا بوعدك مش هشوفه تاني وهبعد عنكم.
أنهت جملتها بخبث تنظر إلى "شادي" الذي سمع كل شيء،
ليهتف بضيقٍ من أفعالها:
"لِما كل هذه الدراما ي فتاه؟!"
كان على وشك إكمال جملته لكنه توقف بصدمة عندما أمرته "شيراز" بقتلها:
"تخلّص منها ريحان."
توترت "يارا" بعد جملتها فهي تعلم أنها تستطيع السيطرة عليه خلال سِحرها لذا ابتعدت قليلاً بصدمة تنظر إليه بأعين مُتوسلة.
أردف هو وقتها:
"سأتخلص منها لا تقلقين لكن ليس الآن."
_ إذاً سأقوم بتلك المهمة.
وبعد انتهاء جملتها قامت بإصدار شعاع ناري إليها حتى تأوهت "يارا" وهي تحاول الفرار لكنها وقعت أرضًا متأوهة وسط صدمة "شادي" عندما بدأ ينظر إليها بصدمة وإلى تلك شيراز العنيفة، حتى كادت أن تُفتك بها لكن منعها هو بقوة صارخًا بوجهها، ثم اقترب إلى "يارا" يجثو على ركبتيه مُحتضنًا وجهها بكفيه يقول بخوف حقيقي:
"أنتي بخير عزيزتي؟ لا تقلقين لن يحدث معكِ أي شئ في وجودي."
فرغم ضعفها وتلك الدوار الذي أصابها لكنها التقطت تلك الأسورة سريعًا من بين يديه حتى وجهتها ناحيتهم بتعبٍ، نهض هو وقتها مُتجهًا إلى "شيراز" يخرج بها سريعًا قبل أن ترى تلك الأسورة وتنتشلها هي.
سار بها وعينيه مُعلقة معها حتى اختفى ثم ارتدت هي تلك الأسورة وهي تغلق عينيها بتعبٍ.
*****************
أدرك "خالد" وقتها خطأه بعدما عَلِم كم عانت طيلة هذه السنوات كي تحميه، نهض من مكانه بنفورٍ من ذاته مُتجهًا أمام غرفتها حتى طرقها بخجلٍ عدة طرقات وبعدها فتحت هي بعينيها الباكية، لم يستطع رؤيتها لتلك الدموع لذا احتضنها ثم شدد على عِناقه مُرَبِّتًا على قلبها، يُقال أن لغة العناق حنونة على القلب، لا يمكن أن يعلو عليها أي شئ في المواساة، نبس بحنو بالغ بِكلماته:
"حقك عليا ي ست البنات، أنا آسف وجاهز لأي عقاب."
تمسكت بِه ببكاءٍ أكثر ثم قامت بضربه من الخلف وهي تقول بِعتاب:
"أنت قسيت عليا أوى ي خالد بدون ما تعرف أنا اتعرضت لأيه وكل مرة كنت بتجرحني أكتر من اللي قبلها."
_ أنا غلطان وأستاهل ضرب الجزمة كمان بس حقك عليا متزعليش مني.
تنهدت بضيقٍ حاولت إخفاءه لترضيه الآن، ثم رسمت ابتسامة على فمها ورفعت بصرها له تردف:
"طب أنا جعانة أوي ومش هسامحك إلا لما تنزل تشتري لي كل الأكل اللي بحبه."
_ كل الأكل كل الأكل!
قالها بضحكٍ لتُقابله هي بالإيماء ثم جذبها مرة أخرى بين يديه وخرج بها إليهم.
************
خرجت "شهد" رِفْقَة "ميسون" من الغرفة تقول بتعجب:
"انتو بتاكلوا في الوقت المتأخر ده؟!"
_ آه ده ميعاد عشانا.
_ بس ده مش صحي خالص ي ميسون ده حتى تتخنوا بالطريقة دي.
قهقهت "ميسون" ترد بِخفة:
"معلهش تعالي على نفسك وكلي معانا علشان متزعليش ماما."
_ صدقيني مش هقدر، أنا طالعة أقعد معاكم علشان طنط متزعلش مني.
تقدمت "شهد" حيث كان يجلس "رجائي" يتابع عمله على حاسوبه بينما كانت "فُرُودِس" تشاهد التلفاز، قررت "شهد" أن تشاركهم أبسط أمور حياتهم كي تعتاد على أوضاعهم وبالفعل بدأت تشعر بالراحة النسبية لمعاملتهم اللطيفة.
_ يلا ي ميسون أدخلي جيبي الأكل علشان أخوكي يلحق ياكل.
أومأت لها ميسون ثم ذهبت وتبعتها "شهد" التي توترت حينما رفع بصره نحوها بطريقة أثارت حواسها هذه المرة.
وبعدما جلبوا الطعام، وضعوه أعلي تلك السفرة الصغيرة أمام "فردوس" و"رجائي" بينما كانت تضع "شهد" ذاك الطبق الساخن أمامهم حتى لَسَعَتْها تلك السخونة فشهقت بألم، اعتدل هو في جلسته تاركًا حاسوبه مُتَفَحِّصًا إياها بقلقٍ واضح حتى أردفت أمه قبل أن يقول أي شئ:
"إيه اللي حصل ي بنتي مالك؟"
_ مفيش ي طنط دي لسعة بسيطة.
_ طيب يلا ي بنتي اقعدي معانا.
_ معلهش ي طنط أنا مش متعودة أكل في الوقت ده.
قالتها "شهد" بتوتر لترد الأخرى:
"ليه عاملة ريجيم ولا إيه ي بنتي؟!"
_ خالص والله، أنا حقيقي مش باكل دلوقتي.
_ سيبيها على راحتها ي ماما.
أومأت لها الأم على مضض لتجلس شهد مُقَابِلَهُم على الناحية الأخرى وفور جلوسها وجدوا الباب يُكْسَر بِشِدَّة وظهر ثلاثة أشخاص من العدم أمامهم وبيد كل منهم مسدس ثم قام واحدٌ منهم بإطلاق رصاصة صوب "رجائي" وسط صراخ "شهد".
رواية ساعة الانتقام الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم دينا اسامة
الفصل الثالث والثلاثون
بينما بذلك القصر الذي يمكث بِه اللواء سليم، كان يجلس متوترًا وجانبه اللواء جمال وأمامهم على الجانب الآخر "فريد، ماهر و رجائي"
_ جمال بيه كان معانا أول بأول، كان الجندي المجهول في الحرب دي.
قالها "فريد" بتوضيح ليرد "ماهر" في هذه الاثناء بصدمه من ما سمعه يردف بلهجه بدت عليها التوتر :
" أنا شكيت فيه يوم ما حول القضيه لزياد بشكل مفاجئ وده مكنش مرسوم ليه في الخطه "
_ دي كانت خطه بديله.
قالها "اللواء سليم" ليرد "ماهر" بعدم فهم وإكتراث :
"بمعنى؟!"
_ بمعنى أن مكنش ينفع أنت بالذات ي ماهر تعرف عنها حاجه وكنا قاصدين نخليكم تشكوا فيه، كان لازم زياد وأعوانه يحسوا بالأمان من ناحيته، وكنت عارف إنك ذكي ي ماهر ومش هتبوظ علينا حاجه وهتكمل معانا رغم شكوكك.
_ أيوه بس ي سليم بيه كان ممكن بسبب الموضوع ده الخطه تروح علينا لقدر الله.
قالها "رجائي" بتعجب ليردف "سليم" يهز رأسه بالنفي مُصححًا :
" دي كانت الخطه البديله اللي اتفقنا نحطها لو حسينا بحاجه وفعلاً اللوا جمال حس أن فيه حاجه بتحصل وكبيره أوي، اضطر يقرب منهم ويحسسهم بالأمان في كل خطوه حتى لو كانت على حساب الداخليه لحد ما وصلنا لبر الأمان اللهم لك الحمد"
اعتدل" ماهر" في جلسته بإحراج من تفكيره يردف بإعتذار :
" حقيقي مُتأسف ي جمال بيه إني شكيت فيك وفي ولائك "
تبعه "رجائي" مُتأسفًا، ليومأ هو برأسه بإبتسامه بشوشه يردف :
" متتأسفوش، عمومًا ده كان لازم يحصل علشان ننجح كلنا، انا عاوز اشكركم على تعبكم معانا الفتره دي، اشتغلتوا أحسن شغل ي رجاله الداخليه كلها فخوره بيكم"
_ ده كان واجبنا ي جمال بيه والحمد لله أنه قدّر ولطف.
_ الحمد لله ي ماهر والنهارده هيتكلل نجاحنا بشكل فعلي.
قالها "جمال" ثم نهض واضعًا يديه في سرواله ثم أكمل :
" زياد واخد اخته وسايبين البلد كمان ساعات ودي مهمتكم ي رجاله، عاوزينه حي وهنتعامل معاه بطريقتنا"
_ زي ما جمال بيه قالكم، وخلوا بالكم زياد ذكي وأكيد عارف إننا مش هنسيبه يخرج بالسهوله دي.
_ متقلقوش، زياد انا قاري كل أفكاره السخيفه اللي زيه ومش هسيبه.
قالها "ماهر" بثقه ليتبعه "رجائي" عندما قال بخوف :
" طيب كده الحجه وكلهم مُعرضين للخطر في مكانهم ده!"
_ عيب عليك ي رجائي ودي هتفوتنا، العماره كلها مرشقه كاميرات مراقبه والمنطقه كلها مخبرين تبعنا يعني في أمان.
قالها "فريد" مُربتًا أعلى يديه، إبتسم هو وقتها براحه ثم اردف بتعّهد :
" زياد النهارده هيكون في أقذر زنزانه فيكي ي مصر اطمنوا "
ابتسموا جميعًا بعد إنتهاء جملته لينهض ثلاثتهم بإستعداد، مردفًا "سليم" :
" إحنا واثقين فيكم ي رجاله، لا إله إلا الله "
_ محمد رسول الله، بإذن الله خير.
قالها "ماهر" بينما كان يحمل مسدسه واضعًا إياه في سرواله.
خرجت " آيه" في هذا الوقت بتوتر تقول مُصوبه بصرها تجاه "فريد" :
" أنت رايح فين!"
إبتسم "فريد" مُقتربًا منها وهو يقول بهدوء كي يطمأن قلبها :
" أن شاء الله خير وهنرجع كلنا سالمين ونرتاح"
_ ايوه بس أنت كده حياتك في خطر! أقصد يعني كلكم بتعرضوا نفسكم للخطر ما تسيبوه يسافر هو أكيد خايف وهيسيبكم في حالكم بعد كده.
_ آيه ي حبيبتي أهدى الموضوع أبسط من كده، إحنا تقريباً عرفنا مكان أعوان زياد وقواتنا محاصراهم مبقاش غير زياد اللي بيحاول يهرب وده مش هنسمح بيه لازم نخليه فُرجه للناس الخسيس الخاين.
قالها "سليم" ثم نهض يربت أعلى يديها بينما هي ما زالت تشعر بالقلق، هزت رأسها على مضضٍ بقله حيله تنظر في عينيه وهي تقول :
" خلي بالك من نفسك، لا إله إلا الله "
_ محمد رسول الله، ادعيلي أنتي بس نخلص علشان نتجوز بقي لأحسن الموضوع طوّل والواحد مبقاش مستحمل.
تهلهلت أسارير وجهها بسعاده من جملته ثم أبعدت عينيها بخجل عنه تقول :
" هدعيلكم "
_ ي ابويا على النحنحه بتاعتك.
قالها "رجائي" بصوت أشبه للهمس بينما لكمه "فريد" في معدته يقول :
"هدي الفولت ي جدع أنت"
قهقه "رجائي" متأوهًا ثم خرجوا سريعًا، ليردف فريد بضيقٍ :
" يعني أنت عاوز تفهمني إنت وهو محبتوش قبل كده؟! "
دبت مشاعر غريبه في جسده يتذكرها فور إنتهاء جملته، يتذكر اللقاء الأول إلى واقعه الحالي الذي ظنه ليس إلا وهم فلطالما لم يشعر تجاه أي فتاه بتلك الاحاسيس والمشاعر لكنها الوحيده التي تسللت كعدو خفي داخله.
راقب" فريد" وجهه وملامحه الشارده الهائمه ليقول بإبتسامه خبيثه :
" الله الله شكل في حد وقع ماهر الطوخي ولا سمي عليه "
_ بتقول إيه! ركزوا الله يهديكم في اللي رايحين ليه الأول.
قالها "ماهر" مُتنحنحًا بتوتر ثم تقدمهم إلى السياره بينما "فريد" ضحك في اثره وقد تأكد من ظنونه هذه اللحظه لكن السؤال من هي تلك الفتاه التي سلبت عقل"ماهر الطوخي" بهذه السهوله؟!
***********************
كانت تجلس مُنكسه الرأس تضم ساقيها بقوه وخوفٍ إلى أن صُدر صوت شعرت بأنها تعلم صاحبته عندما قالت :
" عزيزتي عاطِفه لا تحزني، تستطيعي خوض هذه المعركه بمفردك، لا تستسلمي"
رفعت بصرها صوب هذا الصوت بصدمه وهي تراقب المكان الذي لم يوجد بِه أحد سواها، شعرت بالتوتر أكثر، تمسك رأسها وهي على وشك البكاء لكنها نظرت مره ثانيه عندما قالت :
" لا تخافين عزيزتي، أنا معكِ في كل مكان وأشعر بكِ، تماسكي قليلاً وستنجحي "
_ مين اللي بيكلمني!! أنتي ميين وإزاي مش شايفاكي.
_ أنا امكِ عزيزتي عاطِفه، جئت كي أساعدك.
شعرت بالتشويش وهي تتذكر ذاك الحلم التي حلمت بِه عندما رأت امرأه غريبه تدعوها بأمها لذا اردفت وهي تنهض ناحيه ذاك الصوت :
" انا شفتك قبل كده في حلمي! "
_ أعلم صغيرتي، أنا من جئت إليكِ.
_ ولما أنتي تقدري تساعديني ليه مخلياني قاعده هنا في المكان الغريب ده! مستنيه شادي يقتلني!
_ أهدأي حبيبتي، ريحان لن يستطيع قتلك حتى إذا اُرغم على ذلك.
تذكرت "يارا" وقتها كيف انقذها من تلك الشريره شيراز بل سمح لها بأخذ اسورتها وذهب بها كي لا تراها وتأخذها لكن قلبها يشعر بالخوف منها فهي تستطع السيطره عليه لذا قالت :
" شيراز بتعرف تسيطر عليه وممكن في أي لحظه تخليه يقتلني! إيه الحل من فضلك انا عاوزه أطلع من هنا وأروح للعالم بتاعي وأعيش حياتي "
_ نعم أعلم إنها ساحره قويه لكنها لم تستطع أن تقف أمام سطوه الحب.
_ يعني أعمل إيه؟! إيه المطلوب مني علشان أخرج من هنا، أنا مستعده أعمل أي حاجه.
_ هل تستطيعي التقرب منه؟!
_ من مين!
قالتها " يارا" بتوتر لترد عليها :
" ريحان، وتجلبي ذاك الساحر الصغير فقط إن فعلتي ذلك ستخرجي رِفقته من هذا العالم للأبد"
دق قلبها بعنفٍ وهي تمسح وجهها بقوه من ذاك الحل التي لم تستطع فِعله لذا قالت :
" مفيش حل غير ده! "
_ هذا الحل الوحيد في حالتِكم تلك، أنا اُخبرك فقط بِما سيحدث حتى إن لم تُريدي ذلك، المشاهد ستُعاد عزيزتي، فقط تذكري أن ريحان يعشقككِ إبنتي وسيُخرجكِ من هذا المكان وستجلبي هذا الطفل حتمًا كما فعلتي سابقًا لكن الفرق ستظلي هُنا كي يصل سالمًا ونأخذه وتسطيعي وقتها الرحيل.
كادت أن تردف بصوتٍ مرتفع وقد تحولت ملامح وجهها للذعر من ما قالته لكن منعها ذلك عندما وجدت "شادي" يأتى إليها مهرولاً ينظر إليها نظرات لم تفهمها حتى كادت أن تركض من أمامه لكن جذبها إليه يهتف بصوتٍ فاتر اثار تعجبها :
" أهدأي سأُخرجكِ من هُنا لا تقلقين"
تاهت بملامحه ونظراته حتى أنها كادت على وشك الانصياع دون وعي منها لكنها تفادت ذلك سريعًا مُحاوله الإبتعاد وهي تقول :
" أنت عاوز إيه؟! أنت كداب وبتضحك عليا وعاوز تأذيني بأمر منهم واكيد دي خطه منك بس على مين انا مش هسمحلك تمسني أنت فاهم! "
_ لا تقولي هذا عزيزتي، لقد أشعر بالضعف بسببكِ وها أنتِ الآن تتهميني بهذه الأشياء؟! حقًا أهذا عدل؟!
قال جملته مُحسسًا على وجهها بِرقه وحنان لا يعلم مصدرهما فقط يشعر هذا الشعور تجاهها ولا يستطيع إيذائها.
_ يعني مش هتأذيني وهتخرجني من هنا وهترجعلي شادي ؟!
إبتسم هو مُداعبًا شعرها بهيامٍ ثم اقترب وطبع قُبله عميقه أعلى ثغرها وهو يقول :
" لن أستطيع حتي إن كلفني ذلك حياتي، ومن هذا شادي التي تهذين بإسمه مرارًا؟! "
توهج خديها اثر فِعلته تنظر إليه بصدمه وهي تقول دون وعي :
" أنت بوستني! "
ضحك هو يقول مُتابعًا حالتها :
" ماذا! تقصدين أني طبعت قُبله أعلى خديكِ؟"
_ هي فرقت يعني ما الاتنين واحد! المهم إنك اتزفتت، بص متكررهاش تاني.
_ اعتذر عزيزتي.
قالها مُداعبًا أنفها حتى أنها تذكرت هذا المشهد الذي جمعهم من قبل، توترت عندما استعادت وعيها وهي تتذكر جملتها " المشاهد ستُعاد" فهي الآن تشعر بالضياع والخوف من هذا الاقتراب.
_ سأُخرجك الآن.
_ دلوقتي!
قالتها بتعجب وفرحه في آنٍ واحد لكن لم تدوم فرحتها كثيرًا عندما شعرت بإقتراب ما تآباه.
_ نعم هذا الوقت المناسب، فقط اغمضي عيناكي.
قال جملته وقد شعر بخوفها البادي لذا أضاف :
" لا تخافين فقط اغمضي عيناكي وسأخذك من هُنا بسحري"
امآت له بعدما تنهدت بإرتياح، حتى اغضمت جفونها بهدوء لتجد يديه تلف حول خصرها بتملك، اسبلت عيناها عِده مرات بتوتر من اقترابه حتى هو شعر بإرتجافه جسدها بين يديه، ولا يعلم لِما إبتسم من هذا الشعور، اغمض عيناه هو الآخر ثم لف بها عِده مرات إلى أن اختفوا من هذا المكان.
**********************
بينما كان زياد يقود سيارته وجانبه " تُقي" التي كانت تعنفه بأبشع الألفاظ لكنه لم يُبالي.
_ أنا مش عاوزه اسافر أنت مبتفهمش! سافر أنت واهرب انا واثقه إنك عامل مُصيبه ي ظابط ي محترم.
_ بطلي رغيي ي تُقي، صددعت منك.
_ مش هبطل إلا لما تنزلني، وبعدين أنت بتاخذ قرار نيابهً عني ليه أفهم بس؟! هو انا مش موجوده وليا قراري اللي أنت ولا غيرك يقدروا يغيروه؟! ليه بتتحكم في كل حاجه بعملها زي ما كنت بتعمل مع عاليا؟! تقدر تقولي إيه آخره اللي عملته معاها؟ ماتت وكمان ماتت كافره، يعني أنت السبب في موتها وهتكون السبب في موتى ي زياد علشان ترتاح.
انهت جملتها مُنفجره بالبكاء، ليردف هو وقتها بألم وضيقٍ من ما قالته :
" أنا عمري ما اجبرتكم على حاجه ولا اخدت قرار يخصكم بالعكس انا دلعتكم أوي ويمكن دلعي اللي عمل كده في أختك الله يرحمها، مش عاوز اخسرك أنتي كمان علشان كده لازم تسمعيني ي تُقي وصدقيني كل اللي عملته علشانكم، انا وعدت عاليا إني هنتقملها يمكن لسه موفتش بوعدي كله لكن حاولت ومش هستسلم وانتى دلوقتي بقيتي مصدر ضعفي، لازم ابعدك عنهم انا مش هقدر اخسرك أنتي كمان "
_ أنت قتلت؟
قالتها بصدمه وخوف وهي تهز يده حتى إنها لم تتخيل أن يُجيبها بهذه السرعه بقلبٍ من حجر :
" أيوه قتلت ي تُقي، قتلت اللي رفض أختك وخلاها تفكر تروح تعتذر لفريد اللي هو كمان رفضها واتصرف نفس تصرفه "
لم تستطع السيطره على ذاتها بعد ما سمعته منه بكل تبجح وجرأه لذا حاولت إيقاف سيارته بالقوه وهي تصرخ بإنهيار، يحاول هو منعها لكن ما صدمه أن سيارته توقفت فجأه رغم أنه يقودها، نظر جانبه بصدمه وقد أدرك وقتها أن هذا لم يكن سوي ملعوبِهم.
بينما هي سنحت لها هذه الفرصه كي تخرج وتهرب منه ومن جبروته، خرج هو بصدمه وركض صوبها يمنعها بقوه وهو يقول :
" متبعديش ي مجنونه، ده فخ معمولي"
بينما كان هناك أحد في إحدى السيارات وبأذنيه سماعات بلوتوثيه يقول بتحذير :
" متأذوش أخته بأي طريقه هي ملهاش زنب احنا عاوزينه هو "
رد "ماهر" وقتها :
" متقلقش ي فريد "
خرج ماهر ومعه رجائي بأسلحتهم يُتابعهم " فريد" من زجاج سيارته على الناحيه الأخرى
_ سيبني ي زياد انا مش عاوزه اشوفك تاني انا بكرههك، ربنا ينتقم منك.
قالتها " تُقي " بغضبٍ وقسوه حتى لكمت صدره ثم ركضت لكن ما منعها تلك الأصوات الناريه التي أُطلقت في عنان السماء وصوت رجولي يقول :
" إيه ي زياد بتجبر أختك تهرب معاك؟! "
تيبست قدمين "زياد" بعدما علم هويه صاحب ذاك الصوت ليُخرج مسدسه مُقربًا أخته إليه بخوفٍ ثم وجه المسدس في كل إنش يقول شزرًا :
" أبعد عني ي ماهر لأحسن أنت عارفني كويس وعارف إني خلاص مش باقي على نفسي حتى أبعد علشان مبعتكش للي خلقكك "
وصل إليه صوت ضحكاته المُرتفعه الساخره وهو يقول :
" نفسي أفهم ثقتك دي جايبها منين؟! "
قال " ماهر" جملته ثم ظهر أمامه مُباشره مُوجهًا مسدسه صوبه، ضحك زياد وقتها بعدما رآه حتى هُيئ له أشياء كثيره لذا قام بتعمير مسدسه بإبتسامه ساخره يهتف :
" اتشاهد على روحك علشان على الأقل تكون ميت شهيد ي ماهر ي طوخي "
وجده قد بدأ بالضحك الهيستيري على حالته وهو يقول :
" وتفتكر ماهر هيموت بالسهوله دي؟! لأ وعلي ايدين مين! ايديك أنت ي زباله! "
_ قوله ي ماهر لأحسن ده شكله نسي نفسه ونسي العلقه اللي عطتهاله آخر مره.
جاء هذا الصوت من الخلف لينظر" زياد " بصدمه خلفه وقد بدأ عقله بالتشويش والارتباك ليُضيف رجائي بسخريه :
" كنت حابب تعرف أنا مين صح؟! وصلت لحاجه ي حبيب قلبي ولا لسه؟ "
_ أنتو الاتنين والله لاندمكم على اليوم اللي جيتو الدنيا فيه.
_ إحنا التلاته تقصد!
قالها " فريد" هو الآخر يظهر أمامه بضيقٍ وغل اتضح من عينيه، نظرت إليه " تُقي" بصدمه وهي تقول :
" فريد! "
_ أيوه فريد ي تُقي، كان نفسي أشوفك في ظروف أحسن من كده بس هنعمل إيه في اخوكي الخاين عديم الدين والوطنيه.
_ انا عاوزه أفهم إيه اللي بيحصل، هو في إيه!
فريد أنت اللي هتقولي الحقيقه، قولي وريحني فيه إيه.
_ اخرسي أنتي لسه بتتكلمي معاه وهو قاتل أختك!
قالها " زياد" بجنون لتدفعه هي بغضبٍ تقول :
" أنت مجنون وعاوزه مصحه، عاليا انتحرت افهم بقييي"
انهت جملتها ثم تذكرت شيئاً لتقول بإستفسار وإبهام :
" بس انا شفتها في الفندق! هي إزاي عايشه "
_ دي مش عاليا ي تُقي، دي آيه سليم اللي بسبب مُخطط اخوكي الرخيص خلي ناس تغير وشها ليها، اخوكي قاتل وعميل للأرهابيين، حاول قتل اللوا سليم دويدار بمساعده الجبان رفعت اللي كان هدفهم واحد هو نهب البلد لولا ستر ربنا لأ ومكتفاش بكده
قتل رجل الأعمال سمير النوبي اللي أنتي أكيد تسمعي عنه ولسه قضيته متقفلتش لحد دلوقتي كل ده ليه علشان رفض حب وطمع أختك الخاينه.
_ لأ كمان نسيت تقولها إني حاولت اقتلك أنت وآيه مانتو كمان سبب في موتها ومش هيهدالي بال إلا لما اخلص عليكم.
قالها " زياد " بإستشاطه وقد بدت عليه امارات الغضب، تطلعت إليه بإستياء وهي تبتعد بفزع من تحول أخيها إلى شخص بِلا قلب أو رحمه.
_ سلم نفسك ي زياد وكفايه لحد كده لأنك ميت ميت.
_ عندك حق ي ماهر أنا ميت ميت مجتش على دي بقي.
أنهى جملته ولم يفهم "ماهر" مقصده حتى وجه مسدسه وأطلق طلقه ناريه صوبه.
هُنا قد تدخلت " تُقي" تعترض تلك الطلقه تقف أمامه حتى اخترقتها وأصابت قلبها، وقعت بعينين باكيه وهي تلتقط اخر انفاسها تقول :
" مش مسامحاك ي زياد "
سقط " زياد" ارضًا في مشهد مأساوي من كان يراه سيشفق على حالته حتمًا، ظل على هذه الوضعيه إلى أن اغلقت هي عينيها بإستسلام وقد صعدت روحها إلى خالقها ليبدأ هو بالصراخ بأسمها حتى بدأ يتحدث بشكل هيسيتري آثار شفقتهم جميعًا ومن بينهم " فريد " الذي ادمعت عيناه لأجل ما حدث لتلك المسكينه التي ضحت بحياتها من اجلهم.
اتجهه " ماهر" وتبعه رجائي يمسكون زياد وقد بدي عليهم الحزن من ما حدث واخذوه معهم وهو في غايه الاستسلام هذه المره بينما "فريد" لم يستطع كبح دموعه عندما حملها وبدأت ملابسه تتلطخ بدمائها النقي مثلها تمامًا وسط صوته بالكاد الذي خرج لا يحمل الثبات :
" إن لله وإن إليه راجعون"
********************
توهجت عيناه بنيران ساطعه، وبدت أنفاسه ثقيله للغايه، بينما ملامح وجهه كفيله بإثاره القلق في نفس "مها" التي كانت تراقب إنفعالاته عن كثب من خلف غلاف رقيق من الدموع احتل عينيها وذلك بعد أن أخبرته بكل شئ حتى أدق التفاصيل، كانت تتحدث.. تتحدث فقط أما هو لا يصدر عنه كلمه واحده ولا إنفعال خارجي واحد بل كانت تعابيره مكتومه رهن انفجار وشيك، ارتجف قلبها المسكين وهي ترى إنقباض يده وكأنه مصارع يقوم بتحفيز عضلات جسده قبل المعركه، تراجعت بالمقعد الخشبي الصغير للخلف من هيئته وهي تقول :
" انا حكيتلك عن كل حاجه كنت بعملها زمان بس من.. من ساعه ما قابلتك وانا اتغيرت والله"
وجدته ينهض في صمت من مقعده ولم ينظر إليها ولو نظره واحده يرحل من أمامها، نهضت هي الأخرى بحزن تعطيه ظهرها مُتأهبه الرحيل وهي تبكي بصوت مُرتفع وصل إليه، توقف هو يزفر بقوه وكلماتها في أذنيه حتى أنه نظر إليها بضيقٍ ونيران صدره تشتعل إلى أن رمقها بصدمه عندما كانت تسير بِلا وعي وهذه القطعه الصغيره التي كانت ترتديها بجزعها العلوي كادت على وشك أن تسقط، ركض إليها وأنفاسه تتفاوت حتى جذبها إليه وقام بربط ذاك الرباط من الخلف ثم تنهد بقوه قائلاً قبل أن يرحل :
" أبقى اطلعي غيري اللي أنتي لبساه ده "
وفي منزل " ريم" كانت "فردوس" ما زالت مُسطحه فاقده لوعيها منذ ليله أمس وجانبها إبنتها التي قد فاقت مُنذ قليل تُحاول إيفاقتها :
" ماما بالله عليكي قومي، هو إيه حصلها خلاها يغمى عليها كده ي جماعه! "
اقتربت " شهد " من أمها وهي تقول مُستفهمه :
" ماما أنتي تعرفيها أو هي تعرفك؟! "
بينما "خالد" خرج من تلك الغرفه مُتجهًا إلى فادي وهو يقول :
" فادي ي حبيبي بقولك اطلع ذاكر فوق عمل ما الجو يهدي علشان تركز "
_ هو إيه اللي بيحصل ي خالد؟! انا من إمبارح وانا حاسس بدوشه وناس كتير عندنا!
_ مفيش ي حبيبي، أطلع بس خد حاجتك وذاكر.
امآ له فادي ليخرج "خالد" يقف جانب شهد التي كانت تستعلم من أمها :
" ماما أنتي ساكته لييي!! "
وعند ريم بالمطبخ كانت تُحضر بعض الفواكه لهم وهي تقطعهم بتلك السكينه إلى أن أصابت يديها مما جعلتها تصرخ صرخه مكتومه عندما وجدت الدماء تغطي يديها، دق الباب حينها وخرجت دون وعي وهي تفتح، ابتلعت ريقها بتوتر عندما رآته وهي تقول :
" أهلًا ازي حضرتك ي ماهر بيه "
كاد أن يرد بإبتسامه ظهرت عليه عندما وجدها أمامه لكن ما منعه يدها التي كان يُسقط منها الدماء بغزاره، جذب يدها بقوه بعدما دلف وخلفه رجائي الذي اندهش من فِعلته وهو يقول :
" إيه اللي عمل فيكي كده! إزاي ايديكي مليانه دم كده وانتي ولا على بالك! "
تصنمت مكانها وهي تنظر في عينيه التي رأت بها الخوف والاضطراب تجاهها، ابعدت يدها بتوتر وهي تقول :
" ابداً كنت بقطع تفاح والسكينه جات فيها "
انهت جملتها ثم نظرت إلى رجائي وهي تقول :
" حضرتك إبن طنط فردوس صح؟ "
امآ لها ثم اردف سريعًا بلهفه :
" هي فين لو سمحتي"
_ جوه في الاوضه دي.
قالتها وهي تشير بإصبعها ليتجه هو فورًا تجاهها بينما هي نظرت إلى "ماهر" الذي كان مُحملق النظر بها بطريقه اثارت ريبتها وتوترها لذا حاولت الذهاب من أمامه لكن وجدته يجذبها ناحيته بطريقه لأول مره يفعلها ينظر في بحر عينيها الخصراوتين بشرود.
وقبل أن يمد يده لسرواله همست تجذب أنتباهه والتوتر يلتهم ثباتها :
" ممكن حضرتك تبعد شويه "
انهت جملتها في محاوله للابتعاد عن نظراته لكن منعها عندما أخرج منديل قطني ثم قام بلفه أعلى يدها في صمت، تأوهت هي اثر ربطه القوي مما جعله ينظر إليها ثانيهً بوهنٍ واشتعال في صدره يهمس بِلا وعي :
" كفايه "
لم تفهم كِلمته وهي تعقد حاجبيها بتذمر ثم ابتعدت مُتجهه إلى المطبخ ثم دلفت وعندها
صرخت بخوف وهي ترتد إلى الخلف عندما وجدت نيران تنبش بتلك القماشه التي تحمل بها الطعام، ركض هو إليها بفزع إلى أن قام بإخماد تلك النيران على الفور بينما هي أخذت تلتقط أنفاسها بصعوبه وهي تضع يدها أعلى قلبها، توتر يُراقب حالتها بخوف وهو يقول :
" أنتي كويسه؟ "
_ طيب اهدي، حاولي تاخدي نفسك بهدوء.
قالها ثم جلب لها كوبًا من المياه لترتشفه بيد مُرتجفه، حاول هو حملها كي تشرب ثم قال :
" انتي بتخافي من النار؟"
امآت له ثم زفرت بقوه بعد أن هدأت قليلاً إلى أن سمعوا صوت صياح آتي من الداخل، ركضوا هما الاثنان إلى الغرفه التي كانت تصرخ بها
" شهد" كالمجنونه وهي ترى أمها تبكي فقط :
" هو انا مجنونه مش بتردي عليااا!! ردييي عليا ي ماما انتي تعرفيهاا! "
حاول خالد تهدأتها محاوطها من الخلف وهو يقول :
" اهدي ي حبيبتي اديها فرصتها وهي هتجاوب بلاش تعملي كده "
نظر "رجائي" إليه بغضبٍ لم يعلم مصدره وعينيه مصوبه أعلى يديه التي تلمسها بينما تنهدت
"سوسن" بإرتجاف وهي تزداد في البكاء ثم اردفت :
" فرودس تبقي أختي "
.
رواية ساعة الانتقام الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم دينا اسامة
لسه بتيجي هنا يا شهد، كل ما بتضيق بيكي الدنيا؟
قالها خالد، مُربتًا على يدها.
لتنظر إليه وقد انفجرت في البكاء، تضع رأسها فوق صدره وهي تقول بلهجة مُثيرة للشفقة:
أعمل إيه يا خالد، أنا مش قادرة أستوعب اللي سمعته، مش قادرة أتخيل إن بعد العمر ده كله أطلع بنت حد تاني وعايشة مع واحدة خاينة!
أنا مقدّر اللي إنتي حاسة بيه يا شهد، بس صدقيني رغم الصدمة اللي اتصدمتها من الحج الله يرحمه لماما سوسن، لكن ده كله في كفة وأني اكتشفت إنك أختي ده في كفة لوحدها. أنتي مش متخيلة أنا حاسس بإيه دلوقتي، حاسس بشعور مُتناقض. كان نفسي يبقى عندي أخت بنت، كانت أمنيتي في الحياة وطلعتي إنتي الأمنية دي، وفي نفس الوقت مش قادر أستوعب ده.
قالها خالد، مُحاوطًا رأسها بيديه بحنو بالغ بأعين مصدومة.
وأيه الجديد يا خالد؟ ما إحنا طول عمرنا بنعتبر بعض أخوات، يعني مفيش جديد. لكن اللي جد اللي سمعناه. أنا حاسة إني بحلم، يا رب أقوم بسرعة، يا رب فوقني من الحلم البشع ده.
اهدي يا شهد، كله بالهدوء. الحقيقة خلاص بقت أمر واقع، لازم نتجاوزها ونحاول نفهم أكتر عن الموضوع ده، عشان إنتي ترتاحي وأنا كذلك. أمي اللي مش عارف حالتها إيه دلوقتي بعد اللي سمعته.
أكيد زينا يعني، هتبقى حالتها إيه بعد العمر ده كله وتكتشف إنها عاشرت راجل خاين وواحدة مُخادعة وخطافة رجالة.
قالتها، تبعد رأسها بتضجر، وبدأت بلملمة شعرها على هيئة كحكة عشوائية. ثم أزالت دموعها المُرتجفة وهي تقول بحزم لأمرها:
أنا مكنش ينفع أرجع هنا تاني، تقريباً الحاجة الوحيدة اللي عملتها صح إنها بعدتني عن هنا. أنا مبقتش قادرة أكمل عيشة هنا.
يعني إيه؟ تقصدي إيه بكلامك؟
قالها بخوفٍ من تفكيرها وما تُخطط له.
لتجيبه بثبات عكس ما يتأجج داخلها:
يعني هرجع بيتي اللي عشت فيه حياتي كلها مع أبويا الحقيقي، خالد الجبالي. بس المرادي هقعد لوحدي ومش عايزة أشوفها مقربة مني ولو بالغلط.
بس أنا مش هسيبك يا شهد تاني، مش هتخلى عنك أكتر من كده. إنتي لازم تكوني معانا، مقدرش أعيش من غيرك.
قالها بلهجة قوية ضعيفة في آنٍ واحد.
لترد هي مُتمثلة الثبات:
إنت لو بتحبني فعلاً هتسيبني أروح المكان اللي هرتاح فيه يا خالد، وللأسف عمري ما هقدر أرتاح هنا بعد اللي حصل.
حتى لو قولتلك علشان خاطري؟ علشان خاطر أخوكي اللي اتحرم منك سنين؟
قالها، ولأول مرة تظهر الدموع في مقلتيه كما الأطفال.
حتى أصدرت هي آنين كان ينهش بقلبها، ثم هتفت:
هنشوف بعض طول الوقت، عمري ما هبعد عنك. إنت الوحيد اللي ممكن أثق فيه بعد بابا خالد الله يرحمه. إنت ضهري وسندي يا خالد. يوم ما هعوزك هلا قيك في ضهري، بس ريحني وسيبني أمشي، لأحسن هفجر لو فضلت دقيقة زيادة عن كده.
أنا هسيبك اليومين دول تريحي نفسيتك فيهم يا شهد، لكن مش هسيبك. هفضل معاكي لحد ما تتجاوزي كل حاجة وحشة حصلتلك وترجعي شهد بتاعة زمان.
أنا نفسي نسيت شهد القديمة من ساعة ما رجعت هنا وأنا في دوامة ومش عارفة أخرج منها، كل ما أحاول أخرج أقع تاني لحقيقة أصعب.
مش هقدر أسيبك كده، طيب هاجي معاكي أوصلك.
مفيش داعي يا خالد، خليك إنت هنا جنب ماما ناهد، الله يعينها. وأنا عارفة طريقي كويس.
بس شقتكم بقى فيها ساكنة جديدة يا شهد، هتروحي على فين؟
إن شاء الله أقاسمها فيها. محتاجة أقعد فيها وأفصل عن الدنيا كلها.
اللي يريحك، أنا مش هجبرك على حاجة. بس أوعديني وقت ما تعوزي حاجة مش هتترددي تتصلي.
أوعدك يا أحلى أخ، يا مكسب الوحيد في الدنيا دي.
قالتها، ثم احتضنته بكل حبٍ وتوجهوا إلى الأسفل قاصدين شقتها كي تجلب منها ثيابها. كان بابها مفتوحًا لتدلف هي متجهة إلى غرفتها تجذب شنطتها، ثم بدأت بلملمة أشياءها حتى انتهت وحملتها إلى الأرض كي تسير بها. أوقفتها سوسن التي نظرت إليها بصدمة بأعين ممتلئة بالدموع وهي تحاول عناقها بقول:
إنتي رايحة فين يا شهد؟ رايحة على فين وسيباني! هو أنا لحقت أشبع منك يا بنتي؟
بنتك! ابعدي عني من فضلك.
أيوه بنتي وبنت قلبي كمان، مش هقدر أسيبك تبعدي عني لحظة.
سيبيني في حالي بقى، إنتي إيه يا شيخة، كفاية بقي!
إنتي لازم تقعدي تسمعيني، متحكميش عليا كده يا بنتي، متظلمنيش.
مظلمكيش! سيبيني في حالي الله يسهلك.
حقك عليا يا بنتي، صدقيني خبيت عليكي خفت من اليوم ده، وأهو جه وهم وانزاح من على قلبي.
والهم ده جالي أنا وخلاص، اللي بينا انتهى، مبقتش طايقة أشوفك ولا أسمع صوتك.
علاقة الأم بولادها مش بتنتهي يا شهد، متقوليش كده يا بنتي وتزوديها عليا.
يبقى خلاص تسيبيني أعيش مع نفسي، وإنتي من سكة وأنا من سكة عشان نرتاح.
وتفتكري دي هيريحني؟
هيريحني أنا، وده المهم اللي بقيت أدور عليه، راحة بالي بس.
إنتي شايفة كده؟
قالتها سوسن ببكاء.
لتجيبها هي مُسرعة:
أيوه، ومش هشوف غير كده.
أنهت شهد جملتها، ثم سارت بشنطتها إلى الأسفل وسط شهقات أمها التي ارتفعت بألم وحزن. توقفت شهد مكانها عندما وجدت فردوس أمام شقتهم وجانبها رجائي وميسون. التي اردفت فوراً بصدمة عندما لاحظت ما تحمله:
إنتي رايحة فين يا بنتي؟
رايحة زي ما أنا رايحة يا طنط، أرجوكي بلاش تحاولي تمنعيني لأني خلاص مش هقدر أكمل هنا.
طنط؟ أنا خالتك يا بنتي. تعرفي من أول يوم رجائي جابك فيه البيت وأنا حبيتك، حسيتك حتة مني زي ميسون، كنت لازم أحس إنك من ريحة الغالية.
أنا كمان حبيتك يعلم ربنا، بس صدقيني مش هقدر أتقبل كل ده في وقت واحد، لازم أمشي من هنا.
خالد عرفنا إنك عايزة تمشي وتسيبي خالتو، بصي أنا كميسون مش من حقي أمنعك، بس هقترح عليكي اقتراح هيريح جميع الأطراف.
قالتها ميسون بلهجة حائرة تراقب نظراتها التي تبدلت للتعجب وهي تقول بأعين تائهة:
معلش يا ميسون، أنا عارفة المكان اللي هرتاح فيه.
إحنا بيتنا الأساسي هنا زي ما قولتلك، وهتيجي تقعدي معانا يومين، وصدقيني هتنسي اللي حصل.
قالتها بحماس وهي تتطلع إليها عندما وجدتها تنظر إلى رجائي الذي يراقبهم في صمت. قد خرج منه عند اقتراح أخته، ينظر إليها بتعجب وتوتر. لترد شهد كي تخمد توتره الذي رأته:
كده هتخليني أفتكر أكتر يا ميسون، سيبيني على راحتي معلش، ولما أحس إني بقيت كويسة أنا بنفسي هاجي أزوركم.
ده بقى بيتك يا شهد، إنتي بنت أختي الوحيدة يعني زي بنتي، ومرضاش إنك تبعدي عننا كلنا. عشان خاطري تيجي معانا.
حمحمت شهد من لهجتها الحنونة، ابتلعت لعابها بتوتر لتنظر إليها مرة أخرى عندما أكملت:
عشان خاطر أبوكي الراجل الجدع توافقي، ولو معجبكيش المكان ابقي امشي.
وسط إلحاحها المستمر هي وميسون، وافقت بإعجوبة وسط توتر رجائي البادي. رغم شعوره بالسعادة لوجودها معهم. اردفت فردوس وقتها:
انزلوا إنتو مع رجائي وهحصلكم.
نظرت إليها شهد وهي تراقب أعينها المُصوبة تجاه شقتها وكأنها تريد الدلوف. لذا أضافت هي مبررة:
مقدرش أسيبها وهي زعلانة مني، أنا ظلمتها يا بنتي أنا وجدك الله يرحمه، مبهقاش أنا والزمن عليها، كفاية اللي حصلها.
تعجبت شهد منها وقد بدأت تشعر باللين، لكنها رفضت ذلك سريعًا عندما ولجت أمامهم إلى الأسفل عندما تذكرت ما قالته. وصلوا إلى السيارة ليقول رجائي بعدما أغلق الهاتف:
فيه حد عايز يشوفك يا شهد.
حد مين؟
قالتها وهي ترمقه بتعجب.
ليرد بالمقابل:
هتعرفي لما نروحله.
توقف شادي بيارا في جزيرة تبعد عن جزيرته الكثير، وبعدما استقروا في مكانهم بدأ يشعر بالصداع الشديد الذي جعله يصرخ بطريقة أرعبتها وهي تحاوط وجهه بين يديها بخوف تقول:
شادي مالك، حصلك إيه؟
وفور انتهاء جملتها وجدته يحتضنها والصدمة تتقسم وجهه يردف:
يارا الحمد لله إننا خرجنا من هناك، الحمد لله.
إمآت هي مبتسمة لتتوسع عيناها بصدمة أثر ما تفوه به، تبعده بقول:
يارا! إنت عرفتني؟
أيوه يا يارا. قدرت أشوف كل حاجة حصلتلي. الحمد لله إني مأذيتكيش، وإلا مكنتش هسامح نفسي أبداً.
ده بجد!! يعني خلاص المجنونة دي مبقاش ليها تأثير عليك وافتكرتني.
قالتها بفرحة عارمة ثم ارتمت في حضنه تجهش بالبكاء وهي تقول:
تعرف أنا حسيت بإيه لما لقيتك متغير ومش فاكرني؟ تعرف إني خفت منك أوي وخفت تأذيني وتمشي وراها، بس إنت معملتش كده يا شادي، الحمد لله.
استجاب لها يحاوطها بذراعيه وقد تحول ذاك العناق إلى شيء آخر عندما بدأت هي تستجيب لِ لمساته الذي بدرت منه دون شعور. وبعد قليل ابتعدت هي بخجلٍ مُحاولة الابتعاد عن عينيه التي رأت بها شرارة غريبة تجاهها. وجدته يقترب منها بشكل ملحوظ وعينيه تجول بها. توترت وهي ترتد إلى الخلف تهمس بصوتٍ منخفض:
فيه إيه يا شادي؟
أنا اكتشفت حاجة مهمة يا يارا.
قالها بلهجة هائمة، ثم جذبها إليه وذاكرته تتعلق بالماضي يرى الماضي وكيف نشأت علاقتهم إلى أن فاق عندما ابعدته هي بقوة تقول:
اكتشفت إيه مش فاهمة!
إننا ماليناش إلا بعض مهما حصل.
قالها وهي تنظر إليه بإبهام لِما يقصده. ليُكمل هو بتوضيح:
أقصد إن مصيرنا واحد، ومهما نبعد هنرجع نقرب تاني لأن مكتوبلنا كده.
تقصد إيه كلامك يا شادي؟ إنت عايز تقرب مني؟ إنت مجنون صح!
قالتها بتوتر وهي تنظر بكل إنحاء حولها بعدما شعرت بالخوف تجاهه، تريد الفرار من ما يود فعله. لكنه أدرك خوفها لذا اقترب بهدوء يحاوط ذراعيها بحنوٍ يقول:
متخافيش مني، أنا عمري ما هجبرك على حاجة إنتي مش عاوزاها.
طيب وهنخرج من هنا إزاي؟
قالتها مُتسائلة بتضجر.
ليجيبها هو بثبات عكس ما بداخله:
نخرج بقى وقت ما نخرج، معدتش فارقة. المهم إننا نلاقي مكان آمن نقعد فيه دلوقتي.
وافقته الرأي بحزن لِما يمروا به، لتسير معه بخوف من تلك الأماكن التي تراها لأول مرة. حتى استوقفها صوت هي تعلمه جيداً جعلتها تنظر إلى الخلف فجأة وهي تقول:
إنتي!!
أهلاً بكِ عزيزتي.
نظر شادي إليهم بتعجب وهو يقول:
إنتي مين؟
دي أمي يا شادي.
قالتها يارا بتلقائية وهي تجول بوجه تلك السيدة التي كانت تشبهها إلى حد كبير. ليرد شادي بصدمة:
أمك!! أمك إزاي؟
أمي يا شادي في العالم ده، زي ما دراكو أبويا. إيه مستغرب أوي اللي بتسمعه؟
أيوه، وإنتي ليه واثقة كده إنها أمك يعني؟
قالها شادي بتعجب.
لترد تلك السيدة كي تخمد ذاك الشك بداخله:
نعم، كما قالت لك. عاطفة فتاتي ولن أسمح أن يحدث معها شئ، لذا أتيت.
أنا قبل ما أجي هنا حلمت حلم، شفتها فيه وكنت بقولها ي ماما. مكنتش فاهمة طبعاً اللي هيجرالي والحقيقة اللي مكناش على علم بيها.
قالتها يارا بتقبل لتلك الفكرة، فقد ضاق صدرها من تلك الحقائق وعن كُنيتها وماهيتها ما هي عليه الآن. استوقفتها أمها بحنان مُبتسمة:
لا تخافي عزيزتي، سأساعدكم كي تخرجوا من هذا العالم.
إنفرجت أسارير وجهها وهي تجذب يديها بقول:
بجد!! يعني تقدري تخرجينا؟ أرجوكي بجد، أنا عايزة أخرج من هنا، مبقتش قادرة أكمل.
لكن هُناك شيء لم تعلموه حتى الآن.
قالتها تلك السيدة بشموخ تنظر إلى كليهما. ليرد شادي بإستفهام ولهفة:
إيه هو؟ إحنا المهم نخرج من هنا.
سأُخرجكم، سأفعل ذلك بالتأكيد. لكن ما لا تعلمونه أن بعد مماتكم ستُولدوا مرة أخرى، وهذا العالم سيدعوكم كل مرة كي تُنجبوا ذاك الطفل.
مش مهم، المهم إني أخرج. وبعدين حتى لو كلامك ده صح، اللي هييجوا بعدنا، مش هنكون لينا علاقة بيهم.
خطأ عزيزتي، أرواحكم واحدة. ستظل أرواحكم مُقيدة، وستأتوا من جديد. ها قد أبلغتكم بكل شيء، وأنتم من ستقرروا مصيركم الآن.
إحنا موافقين، بس خرجينا الله يخليكي.
قالتها يارا بلهفة. ينظر إليها شادي بقلق من ما قالته، رغم سعادته من ذاك الخبر. لكن بعدما رأى السعادة تغمرها من جديد وافق هو الآخر. إمآت لهم تلك السيدة بهدوء، ثم تقدمتهم في السير ولحقوها حتى وصلت بهم إلى بوابة كبيرة سحرية تُظهر أضواء غريبة. رمقتهم مرة أخيرة قبل خروجهم وهي تحتضن يارا التي شعرت بشعور غريب دبّ بها. لتُحمحم وهي تقول:
طيب إحنا لما نخرج، إنتي هيبقي مصيرك إيه؟ مش هتتعاقبي على اللي عملتيه زي بابا؟
قالتها يارا بقلقٍ. لتبتسم هي في سعادة وهي تقول:
لا تقلقي بشأني. نعم سأُعاقب مثل أبيكِ، لكن كل ما يهمني أنتي عزيزتي.
بادلتها يارا ابتسامة حنونة، ثم ودعتها واتجهت بِرفقة شادي إلى تلك البوابة التي فور دلوفهم اختفت سريعاً وسط سعادة أمها وهي تزيل دموعها بأنها الآن في أمان، وهذا ما يهمها.
وبمجرد دلوفهم إلى تلك البوابة قد وصلوا بآمان إلى عالمهم بجانب ذاك البرج الذي يمكثون به. صرخت يارا وقتها وهي تدور حولها بصدمة، ثم بعد ذلك احتضنت شادي وهي تقول بصوت مرتفع يغمره السعادة:
رجعنااا يا شادي، رجعنااا أخيراً، الحمد لله يارب.
أنا مش قادر أصدق! أنا خلاص كنت فقدت الأمل إني أرجع تاني وأعيش حياتي الطبيعية.
قالها شادي بأعين مُبحلقة بكل إنحاء حوله. عقله لا يستوعب ما حدث سريعاً في غمضة عين، ويديه تحاوطها بِشدة. عناق طويل وقوي كاد أن يحطم صدورهم، وبكاء حار صدر منهم جعل المارة يتلفتون إليهم، ولكنهم لم يأبهوا لذلك. فقد طال الشوق وتعَاظم بالصدور حتى أضناها. ولكن همسات الناس من حولهم جعلتهم يتراجعون. يقول هو بتوجس:
تعالي ندخل البرج.
شادي أنا عايزة أعترفلك بحاجة.
قالتها يارا وعينيها مُصوبة تجاه خاصته بجرأة جعلته يعقد حاجبيه بتعجب من ما تفعله. لكن اتسعت مقلتيه بصدمة من اعترافها الحاد:
شادي أنا بحبك.
بتحبيني؟
قالها بعدم فهم، ثم بدأ بلمس وجهها لعل حرارتها قد ارتفعت. لكزته بغيظٍ وهي تقول:
بتعمل إيه إنت؟!!
مهو أصل كلامك وأفعالك متناقضين، مبقتش فاهمك.
بس دي الحقيقة اللي فضلت كتماها في قلبي من ساعة ما شفتك لأول مرة. كنت بكذب نفسي إنه مجرد إعجاب، يمكن عشان شركتك وأنك حد ناجح، لكن بعد كده...
إيه القط أكل لسانك، كملي!
قالها بخبثٍ لتستدير هي بخجل ثانيةً، ثم كادت أن تدلف البرج. لكن منعها هو عندما حاوطها من الخلف بحبٍ يهمس بصوت هائم:
أنا حبيتك غصب عني زي ما إنتي حبيبتيني. يمكن ظروفنا وحياتنا هي السبب في مشاعرنا دي؟
يمكن!
قالتها هي بسعادة وهي تلتف إليه. ثم تخصرت قائلة بعدما لاحظت الجميع يرمقهم:
يلا ندخل عشان الناس بتبصلنا بطريقة غريبة.
طيب مهو من حقهم.
قالها بضحكٍ لتنظر إليه بغيظٍ مرة أخرى، ثم وقع بصرها أعلى سيارتها. صرخت بفرحة وهي تقول:
عربيتي عربيتي! ده أنا قولت مش هشوفك تاني ي حبيبتي.
طبعاً، مانتي مش خسرانة حاجة، عربيتك وفي الحفظ والصون.
قالها بوجل بعدما تذكر سيارته وأنه فقدها. لتقترب هي بضحك على حالته تردف:
معلش ولا تزعل نفسك. وبعدين إنت صاحب شركة، الله أكبر يعني تقدر تجيب غيرها اتنين وتلاتة.
محسساني إنك غلبانة يعني ومش لاقية الجنيه؟
قالها رافعاً أحد حاجبيه بتذمر.
لتجيبه بغرور:
ربنا مرضيليش بالخسارة زي ناس.
أنا نفسي أفهمك، أنا مبقتش فاهمك. كنتي خايفة أقرب منك بقالك شوية وعاملالي فيها المحترمة اللي مبتحبش. اللي يشوفك دلوقتي ميشوفكش قبل كده بنص ساعة.
قالها بحيرةٍ لأمرها، ثم عقد حاجبيه أكثر بعدما انفجرت بالضحك. ليقول هو بغضبٍ:
فيه إيه؟ بتضحكي على إيه؟
عليك أصل شكلك يضحك أوي.
تسلمي، كلك ذوق. يلا بينا ندخل لأحسن لو فضلنا واقفين كده هيطلبولنا بوليس الآداب، وما شاء الله لبسك يهيئ لكده.
تبدلت ملامحها واختفت ابتسامتها سريعاً من جملته، ثم استدارت في صمت تدلف البرج حتى قابلها العم عبدالله بترحيب، فتجاهلته تماماً عندما وقفت أمام باب شقتها ليأتيها ثم أعطاها المفتاح بعدم فهم لحالتها. تبعها شادي يُعنف ذاته، ثم قابل العم عبدالله الذي قال:
أهلاً ياباشمهندس، نورتوا الدنيا. خير الباشمهندسة مالها؟
أهلاً يا عمي عبدالله، معلش شوية وراجعلك.
اقترب شادي منهم ثم دلف خلفها قبل أن تغلق الباب في وجهه يقول بأسف:
يارا أنا مقصدتش حاجة بكلامي.
ممكن متكلمنيش بالأسلوب ده تاني؟ ملكش دعوة بلبسي ومتدخلش في خصوصياتي من فضلك.
إيه اللي حصل طيب لكل ده! صدقيني مقصدتش حاجة، ويا ستي بعد كده مش هتكلم عن لبسك تاني، إنتي حرة.
بالظبط، أنا حرة، يا ريت تفهم.
قالتها بجمود ثم أبعدت بصرها عنه. ليُقربها إليه يرفع وجهها صوبه يقول على مقربة منها:
إنتي شكلك نسيتي اللي لسه اعترفتيلي بيه.
أيوه نسيته، ومش هحب حد تاني زيك بعد كده.
قالتها بضيقٍ ثم أكملت:
أنا عايزة أرتاح شوية.
طيب.
قالها بتعجب ثم رحل يتركها تنظر في أثره بغيظٍ.
يا حبيبتي يا آية، مريتي بكل ده!
مش أكتر باللي مريتي بيه يا شهد. فريد حكالي كل حاجة، وبجد مش قادرة أصدق إنك مريتي بكل ده طول فترة غيابي.
يا ولاد، انسوا اللي فات بقى وفكروا في حياتكم ومستقبلكم. مش جايز كل اللي حصلكم ده كان اختبار من ربنا، والحمد لله كنتم قدها.
قالها اللواء سليم.
لترد شهد بالمقابل:
تعرف يا عمو، أنا مبسوطة أوي إن حضرتك عايش بجد، دي من أحسن الحاجات اللي حصلتلنا.
وأنا مبسوط منك يا شهد، إنك عديتي كل ده وكنتي قوية للنهاية.
بس أنا مش مبسوط منها.
قالها فريد يقترب منهم يجلس أمامهم ثم أكمل:
بقى تخبي عني موضوع زياد طول الفترة دي؟!
أعمل إيه بجد يا فريد! كان مهددني بأهلي، بس صدقني أنا معملتش حاجة غلط واتبعت كل اللي قولتهولي من يوم الجريمة.
رغم إني لسه زعلان وغيري اتنين هيولعوا منك، بس سماح عشان خاطر بس آيه.
قالها فريد مُقهقهًا.
لتضحك آيه هي الأخرى بصوت مرتفع. نظرت إليهم شهد بعدم فهم وهي تقول:
اتنين؟! مين دول؟
ماهر ورجائي بيه. بجد الله يعينهم على اللي شافوه.
بجد يا فريد، دول كانوا متخلفين بشكل! أنا مش فاهمة هما إزاي كده بجد.
قالتها مزفرة بضيقٍ.
لترد آيه بضحك:
يا شيخة، ده بعد اللي حكوه بجد أحيهم على إنهم اتحملوكي، ده إنتي ورّيتيهم النجوم في عز الضهر.
أنا ي آيه!
قالتها شهد بلومٍ.
ليردف في هذا الوقت اللواء سليم:
المهم دلوقتي إننا كلنا بخير. فرح آيه وفريد يوم ٨ في الشهر ده يا شهد، ولازم تبقي جنبها الفترة دي.
إبتسمت شهد بسعادة تنظر إليهم ثم قالت:
يا حبيبتي ألف مليون مبروك بجد، فرحتلك أوي، ربنا يهنيكم.
عقبالك يا شوشو، إنتي واللي في بالي يا رب. ياآه لو تفكري تعملي فرحك معايا هتبقى أحلى فرحة بجد.
اللي في بالك؟!! وده مين بسلامته!
قهقهت هي على الجانب الآخر تردف:
ماتاخديش في بالك. المهم دلوقتي لازم تنزلي معايا، عايزة أشوف فستان فخم كده.
أصل رجائي كان قايلي إنه هيرجع ياخدني. ثواني أتصل عليه أفههمه اللي هيحصل.
متتصليش، قومي معاها وأنا هبلغ رجائي.
قالها فريد ثم حمل هاتفه.
لتومأ هي له رغم ما بداخلها، لكن رؤيتها لهم واهتمامهم جعلوها تتعافى إلى حد كبير. سارت معها وسط ابتساماتهم. ليردف فريد وقتها إلى رجائي على الجانب الآخر:
متقلقش، إن شاء الله هتبقى كويسة وتنسي اللي حصل. شهد زي أختنا يا رجائي، متقلقش عليها.
ياريت يا فريد، إنت متعرفش هي قد إيه اتصدمت بعد اللي عرفته. أنا نفسي أقدر أبعد عنها كل الحزن ده ومش عارف أعمل إيه.
تقدر يا صاحبي، مش إنت بتحبها؟
قالها فريد بضحك يتخيل حالته.
ليردف رجائي بصدمة وتوتر:
إنت بتقول إيه!
بلاش نخبي على بعضنا يا صاحبي. إنت من أول ما شفتها وانت متغير وبتخاف عليها من نفسك حتى. إيه مش فاكر ساعة ماهر كان ناوي يخطفها كنوع من التهديد وإنت وقفت قصاده؟
ابتلع رجائي لعابه بتوتر وظل صامتاً لا يعلم بما يرد. ليأتيه صوته عندما قال:
بلاش تعند وعيش حياتك مع اللي قلبك اختارها ومتفكرش كتير. هسيبك دلوقتي ومستنيك بكرة ي صاحبي.
رواية ساعة الانتقام الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم دينا اسامة
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير"
هكذا أنهى المأذون عبارته ليصبحا أمام الجميع زوجين.
نظر "فريد" إليها وحدقتاه تتعلقان بها بحب.
فور انتهاء المأذون من زواجهما، صفق الجميع وتهافتت المباركات لهم.
حتى أنه اقترب منها، أحاط خصرها بذراعيه بتمّلك وهمس بجانب أذنيها بشغف واشتياق:
"أخيرًا بقيتي حلالي."
رمقته بخجل من نظرات الجميع صوبها وهي تحاول الابتعاد قليلاً كي تلتقط أنفاسها التي بدأت تتصارع بطريقة أدهشته.
ليبتعد قليلاً مبتسمًا بخبث وهو يقول:
"كل ده حصلك من جملتي؟! أومال هتعملي إيه لما يتقفل علينا باب واحد و..."
"اسكت أنت، مبتتكسفش! الناس بتبص علينا يا فريد."
"هاتكسف من إيه؟! أنا مبعملش حاجة غلط يا حبيبتي، أنتي بقيتي مراتي ودي ليلتنا."
قالها بهيام، يقترب ثانيةً حتى دفعته بيديها الصغيرتين.
ثم حمحمت بخجل تردف:
"مراتك في البيت مش هنا يا فريد، متكسفنيش أكتر من كده لأني بجد حاسة قلبي هيوقف."
"بعد الشر عليكي، أوعي تقولي كده تاني أنتي سامعة!"
قالها بغضب، ثم جذب يديها بين يديه بقوة وأكمل:
"من هنا ورايح مش عاوز أسمع منك الكلام الخايب ده، أنتي طول عمرك مسؤوليتي ودلوقتي بشكل رسمي بقيتي ملكي وحتة مني. آيه، أنا فضلت لسنين منتظر اليوم ده ييجي والحمد لله حقق لي أمنيتي إنك تبقي ليا وتكوني بتحبيني زي ما حبيتك، فمش هسمح لا في يوم زي ده ولا بعدين كلام منك يزعلني. مهمتي إني أبسطك وتفضلي عايشة في سعادة طول ما أنا جنبك."
"ربنا يخليك ليا يا فريد، أنا محظوظة بيك أوي وأتمنى تكون المشاكل بعدت عننا خلاص. بقيت خايفة في أي وقت حاجة تحصل لك أنت وبابا وتبعدوا عني، مش قادرة أتخيل حياتي من غيركم."
"من هنا ورايح مفيش غير الهنا، طول ما انتي معايا مش هسمح لحاجة تأذيكي."
"يا حبيبي أنا مش خايفة على نفسي قد ما خايفة عليكم، انتوا في أماكن حساسة وخطر أوي يا فريد ومعرضين في أي وقت للاغتيال. هعمل إيه أنا لو حصل لأي حد فيكم حاجة؟"
"بصي، إحنا آه مكانتنا حساسة بس ده ميخوفكيش. وبعدين تعالي هنا، أنتي المفروض تشجعينا على اللي بنعمله، هتبدأي من دلوقتي يا ست آيه؟!"
"غصب عني والله."
"طيب تعالي نرقص ولا نعمل أي حاجة، مش المفروض إن النهارده فرحنا برضه؟!"
ابتسمت هي بسعادة ليقابله هو مبتسمًا.
ولكن قبل أن يذهب بها، أوقفته بيدها وهي تقول:
"فريد، ممكن توعدني إنك مهما حصل متقساش عليا تاني حتى لو بتقسي عليا لسبب، ابقي قولهولي ومتسبنيش لدماغي تودي وتروح."
"أوعدك يا آيه هانم إني عمري ما هزعلك حتى لو بالغلط."
قالها، ثم طبع قبلة أعلى يدها.
لتردف هي في حرج:
"وكمان أنسى آيه هانم دي تاني و..."
"إيه تاني؟ عايزة تقولي إيه؟"
"مش هتيجي في يوم تاخدني بذنب عليا بسبب وشي؟ أوعدني أنك هتفضل شايفني آيه بوش آيه الحقيقي اللي حبيتها."
"والله على حسب!"
قالها هو بخبث مراقبًا حالتها.
"على حسب إيه إن شاء الله؟!"
"تلبي لي كل احتياجاتي بدون نقاش."
تابعها بخبث أكبر مقتربًا منها.
انتابها الجزع حينما اختصر المسافة بينهما في لحظة، فارتجف جسدها بعنف وكأن هناك عاصفة عاتية هاجمتها فجأة.
رفعت بصرها بترقب حينما وجدته على مقربة منها، غير آبهٍ لوجود الجميع، يقول:
"بحبك."
تزاحمت المفردات بعقله، ولم يجد ردًا أبلغ من قبلة عميقة فوق باطن كفها ودعوة للرقص على نغمات البيانو الذي يُعزف.
نظرت هي بتعجب إلى من يعزف وهي تقول:
"مش معقول، هو بيعرف يعزف؟!"
بدأت بالرقص معه وهي في عالم آخر خاص بهما.
وهناك "ماهر" الذي كان يعزف بطريقة أثارت إعجاب الجميع وانبهارهم، ومن بينهم "ريم" التي كانت تراقبه باكتراث طوال الوقت.
حتى أنها كانت تبعد عيناها كلما وجدته ينظر صوبها.
بينما هو كان يعزف بأوتار قلبه الذي كاد أن يخرج من مكانه لمجرد رؤيتها له، فما كان له إلا أن ينهي هذا سريعًا كي لا يُكشف.
انتهى من فقرته التي وعد بها "فريد"، ثم بدأ يرتشف المياه وقلبه ينبض بشدة.
اقتربت "آيه" برفقة فريد وهي تقول:
"بجد عزفك كان مميز جدًا يا ماهر بيه، مكنتش أتوقع حد بالإحساس ده، شكل حضرتك دارس."
"الحمد لله أنه عجبكم، أنا من زمان معزفتش ولا إيدي خطت على آلة موسيقية، بس فريد طلب مني ده ودي كانت أقل حاجة أقدمها لكم في يوم زي ده. ألف مبروك ليكم، ربنا يسعدكم."
"الله يبارك فيك وعقبال حضرتك يا رب قريبًا، وحقيقي شكرًا."
قالتها "آيه" ثم اتجهت إلى "شهد".
بينما "فريد" يقف بخبث وهو يراقب حالة ماهر، يردف:
"فيك إيه؟ قولي، مالك مش على بعضك كده؟!"
"أبدًا مفيش، بس اتوترت شوية، خفت لأحسن أكون نسيت العزف."
قالها "ماهر" ثم بدأ يرتشف المياه ثانيةً.
حتى أتى شخص وبدأ بالمباركة وأنهى مباركته وهو ينظر صوب تلك الطاولة التي كانت تجلس بها ريم وشهد، يقول:
"بقولك يا فريد بيه، هي البنت اللي على الترابيزة اللي هناك دي متعرفش هي مرتبطة ولا إيه؟"
نظر "فريد" إلى تلك الطاولة ثم رد:
"أنهي واحدة فيهم؟"
"اللي لابسة أبيض."
وفور انتهاء جملته، قست ملامح "ماهر" وبدا طيف الغضب يتضح من عينيه وهو ينظر إلى ملاكه كما وصفها.
ليجدها تجلس بتوتر وتتفادى توترها من وجودها بهذا المكان وهي تحمل هاتفها تنظر به.
ليرد "فريد" بذلك الوقت بعدم تأكيد:
"على ما أظن لأ، إيديها مفهاش حاجة. إيه، ناوي تتقدم ولا إيه؟!"
أنهى "فريد" جملته بضحك وجانبه من يستشيط ولا أحد يدري لذلك.
ليرد ذاك الشخص:
"بصراحة عجبتني وشايفها مناسبة. باقي خطوة بقى إني أتقدم."
"ربنا يعمل لك اللي فيه الخير يا مازن."
أردف بها "فريد" ثم لمح "ماهر" الذي كان ينظر إلى الجانب الآخر وعيناه كانت تظهر شرارة غريبة.
يحمل كأس المياه بين يده بطريقة أثارت ريبة وشك فريد، الذي أخذ يقول:
"مالك في إيه يا ماهر، أنت فيك حاجة قولي بقى."
وعلى الجهة الأخرى، كانت تجلس "آيه" رفقتهم وهي تقول:
"مبسوطة إني عرفتك يا ريم، فرصة سعيدة."
"أنا أكتر يا حبيبتي، وألف مبروك عليكي، ربنا يهنيكم."
"تسلمي يا حبيبتي، عقبالك انتي وشهد يا رب."
ابتسمت لها ثم استأذنت وخرجت إلى جنينة القصر تتجول بها بعدما شعرت بالإحراج في الداخل.
ثم بدأت تتفحص هاتفها.
وبالداخل رد "ماهر" بجمود كعادته:
"هيكون فيا إيه يا فريد! بقولك إيه، اهتم بضيوفك، أنا خارج شوية وراجع."
خرج "ماهر" وسط حيرة فريد الذي بدأ يفكر في أمره.
وعندما خرج بدأ يتجول هو الآخر بتلك الجنينة حتى وقع بصره عليها وهي تهاتف أحد.
ظل مكانه شاردًا يتأملها في سكون حتى فاق عندما صدع صوتها وهي تقول:
"الو.. الو..."
قالتها ثم زفرت بقوة وقلبها بدأ بالاضطراب والخوف.
كادت أن تتجه إلى الداخل كي تخبر "شهد" بشأن ما حدث، لكن توقفت عندما وجدته يقترب منها بتعجب وقلق يسألها وأعينه وحواسه جميعها معلقة بحركاتها وإيماءتها:
"خير، فيه حاجة حصلت؟!"
"لا.. لأ، مفيش."
قالتها بتوتر وتعجب من سؤاله واهتمامه الملحوظ هذه الفترة.
ثم ترجلت بقدميها لتستوقفها جملته التي لم يشعر بها:
"مفيش! أنتي مش شايفة وشك مخطوف إزاي؟!"
"يعني وهو المفروض حتى لو فيه حاجة أقول لحضرتك؟!"
قالتها بتعجب وإبهام من نظراته.
ليرد هو بالمقابل:
"آسف طبعًا على التدخل، بس حسيت إني محتاج أعرف لو فيه مشكلة ولا حاجة."
أنهى جملته، ثم وقعت عيناه على نفس ذاك الشخص الثقيل الذي رآه بالداخل، لينظر إلى ريم بشك التي كانت تنظر في نفس الجهة، وهو يقول بغيرة قاتلة:
"أنتي تعرفيه؟"
"هو مين؟"
"اللي باصة عليه."
قالها والغيرة تلتهمه، حتى أنها هتفت بغضب من جملته:
"أنا مش باصة على حد حضرتك، وبعدين هو إيه شغل التحقيقات ده؟! التحقيقات دي تعملها مع المجرمين اللي بيتعرضوا عندك مش عليا، ممكن؟"
"ممكن توطي صوتك!"
"وأوطي ليه بعد كلامك ده؟! أنا مش فاهمة إيه مشكلتك معايا!"
"ولا أي حاجة. إن شاء الله تبصي على مليون زيه وأنا إيه هيفرق لي."
قالها "ماهر" باشتعال وغيظ.
بينما هي لم تستطع الثبات أكثر من ذلك، حتى أنها ولجت إلى الداخل في حالة غريبة جعلت "شهد" تنتفض من مكانها بصدمة وهي تقول:
"مالك، فيه إيه؟!"
قصت لها "ريم" بدايةً من ذلك الاتصال إلى ما دار بينها وبين ماهر، ثم انتهت بقول:
"لازم نمشي دلوقتي يا شهد، ولو أنتي مش عاوزة تمشي تمام، هتصل بخالد ييجي ياخدني، مش هقدر أقعد أكتر من كده."
"طيب اهدي، أنا همشي، استني أستأذن منهم وراجعة."
استوقفها "رجائي" يقول:
"إيه، على فين؟!"
"رجائي، أنا وريم لازم نمشي دلوقتي لأن أخوها تعب، فمعلش هسبقكك أنا."
"لأ، استني، أنا جاي معاكم."
أومأت له ثم خرجت معه وريم خلفهم بعدما استأذنوا.
فاتجهوا إلى سيارته، وكان جانبهم "ماهر" الذي كان يستند أعلى سيارته بشرود عاشق.
إلى أن فاق عندما ردف "رجائي":
"إيه يا ماهر، أنت كمان سايب فريد لوحده جوه ليه؟!"
انتبه "ماهر" لوجودهم ليعتدل، ثم بدأ بالاقتراب وعيناه تجول فوقها باتهام:
"أبدًا، قولت أشم هوا شوية. أنت رايح فين كده؟"
"هسيبكم أنا لأن فيه ظروف خارج إرادتي لازم أرجع."
نظر "ماهر" إليهم بترقب وعدم فهم، يردف:
"ظروف إيه، خير؟"
"ممكن يلا علشان بس الوقت!"
قالتها "ريم" بضيق من وجوده، ثم حاولت فتح باب السيارة لكنها فشلت.
ليرد "رجائي" بتوضيح:
"أخو ريم الصغير تعبان وفي المستشفى، فهنمشي إحنا دلوقتي."
صُدم "ماهر" ثم نظر إليها بتعجب وكاد أن يردف، لكن أوقفته "شهد" وقتها وهي تقول:
"معلش يا ماهر، هنمشي إحنا علشان مفيش وقت."
"طيب، استنوا، أجي معاكم."
"مفيش داعي يا ماهر، خليك جنب فريد أنت كفاية أنا."
قالها "رجائي" مربتًا أعلى يده، ثم دلف سيارته وهم معه، يراقبها ماهر بتعجب من جمودها معه بالحديث وعدم سبب إخباره بذلك.
***
تمر الأيام والخوف لا يمر، ويمضي الوقت وما زال كل منهما يخفي مشاعره داخل سريرته المشعثة.
هو يستصعب البوح بمكونات قلبه، وتخاف هي أن يكون حضوره مجرد خيال كالذي تعيشه في أحلامها المظلمة.
وظنت أن ما تتمناه مستحيل، وهو أقرب إليها من شريان الوتين.
وخلال تلك الفترة لم يتمكن "ماهر" من التقرب منها منذ آخر مرة.
نهضت من سريرها بضيق وهي تعنف ذاتها، تنظر إلى مرآتها وهي تقول:
"بفكر فيه أنا دلوقتي ليه؟! ليه بقى شاغل بالي الفترة دي ومش قادرة أطلعه من دمااااغي!"
زفرت بقوة ثم توضأت وبدأت بالصلاة.
وبعدها شرعت في تبديل ثيابها بأخرى كي تذهب إلى الجامعة اليوم.
وبعدما انتهت، نظرت لذاتها برضا لأول مرة.
تلاحظ كم هي جميلة، بل زادها ذلك فخرًا على غير العادة.
وبدأت بوضع بعض مساحيق التجميل التي لم تتطلع إليها يومًا.
فلا تعلم كيف تغيرت ولِما هذا التغير ولأجل من.
كل هذه التساؤلات شكلت حيرة غريبة فوق رأسها.
وبعدما انتهت، خرجت وبدأت تتناول بعض المعجنات مع كأسًا من النسكافيه سريعًا وهي تقول لأمها التي كانت تفطر:
"ماما سوسن، عاملة إيه دلوقتي يا ماما؟"
"دي زعلانة منك أوي يا ريم إنك مش بتسألي."
"مانتي عارفة ي ماما أن اليومين اللي فاتوا كانوا عاملين إزاي، وإن شاء الله لما أرجع هطلعلها، بس هي أكتر حد محتاجاه دلوقتي شهد يا ماما، ياريت تحاولي معاها تاني ترجع بقى. ماما سوسن متستاهلش كل ده."
"والله عندك حق يا ريم، دي وشها بقى قد اللقمة من الزعل. وشهد برضه زودتها عليها، مكنش ينفع تبعد عنها طول الفترة دي برضه."
"تعرفي يا ماما إني أكتر حد حاسس بماما سوسن! زعلانة عليها أوي. هي يمكن آه غلطت، بس مش هي لوحدها، بابا عطوه كمان غلط خالص وهو السبب في إن كل ده يحصل."
"هنعرف إيه بقي، اللي حصل حصل، المهم إنهم يرجعوا زي الأول. أنا هروحلها النهارده أحاول أقنعها، وانتي يا بنتي لما ترجعي من جامعتك اطلعيلها فوق وخففي عنها."
"حاضر يا ماما، يلا باي دلوقتي."
***
صوت ضجيج داهم المكان. هل هو صوت حقيقي؟ أم أن هذا ضجيج رأسها؟
ذلك الضجيج الذي يرفض به عقلها بأن يعود إلى الواقع ويستقبل الحقيقة ويعيش عذابها.
يريد أن يبقى هكذا، لا يريد أن يعود إلى الواقع المرير الذي طالما كان قاسي لا يرحم أحد.
ذلك الواقع المؤلم الذي تُرغم بأن تعيش آلامه وتتذوق مرارة اللاذع.
تتصارع معه لتبقى.
تسمع صوته بجانبها، تشعر به وبصوته الذي يكرر اسمها مرارًا وتكرارًا.
نظرت صوبها لتجده ينظر إليها بتعجب من حالتها وهو يقترب، يجلس جانبها يردف:
"ليه عاملة في نفسك كل ده؟!"
"يعني أنت مش شايف اللي بيجرالي؟! ليه بيحصل معايا كده!! لييه كل المشاكل المعقدة اللي ظهرت في حياتي فجأة دي! حياتي كلها اتبدلت بعد ما سبتني وروحت يا سمير، ليه سبتني أنت كمان؟!"
"أنا سبتك، لكن معاكي دايماً يا شهد. متعمليش في نفسك كده، وبعدين مانتي غلطتي وغلطتي كتير يا حبيبتي، إيه مش هتسامحي أمك اللي كدبت عليكي علشان مصلحتك؟!"
"أيوه بس..."
"بس إيه يا شهد! أنتي مش فاكرة كام مرة كدبتي فيها ومشيتي ورا زياد وكدبتي عليا أنا كمان!! هتقولي لي كدبك كان مبرر وأنك عملتي كده علشان خاطر أهلك، أمك كذلك عملت كده علشان خاطرك وعلشان شكلك، ليه بتعاقبيها وبتعاقبي نفسك بالشكل ده؟!"
"مش قادرة يا سمير، مش قادرة أشوفها. كل ما افتكر اللي قالته غصب عني بكره المكان ده ومش عاوزة أعيش فيه تاني."
"لازم تنسي علشان تكملي حياتك، خلاص كل المشاكل اتحلت. الشاطر اللي يقوم ويقدر يتعافى ويكمل حياته بشكل طبيعي."
"ليه مشيت! أنا محتاجالك أوي."
"كان لازم أمشي، أنا في مكان أحسن دلوقتي وكل اللي يهمني سعادتك. عيشي حياتك وحبي واتحبي."
"مهقدرش أحب حد غيرك، مش قادرة أنساك."
"إن شاء الله نتقابل في الجنة، يمكن كان وجودنا مع بعض هيسبب مشاكل. ربنا مش بيجيب حاجة وحشة، ملناش نصيب يا حبيبتي دلوقتي."
"بس أنا برضه مش هنسالك وهفضل أحبك."
أنهت جملتها، ثم وجدته يتبخر كالابخره.
أخذت تبكي بحرقة وهي تغمض عينيها تضم ساقيها نحوها، إلى أن أتاها صوته الرخيم يقول:
"كفاية عياط ممكن."
رفعت بصرها نحو صوته لتجده ناحية الباب، لتزيل دموعها بوهن، ثم اردفت:
"أهلاً يا رجائي، إزيك."
تقدم بضع خطوات ثم عقد حاجبيه ووضع يديه خلف ظهره يقول بثبات:
"ممكن أفهم العياط ده هيفيدك بإيه؟!"
"تقدر تقول بيريحني شوية."
قالتها وهي تعتدل في جلستها أمامه.
ليرد هو بخبث:
"طيب حيث كده لو بيريحك عيطي علطول بقى."
ابتسمت رغم ما كانت عليه، ليقابله هو بوجه مبتسم يردف:
"طيب عندي لك خبر هيبسطك أوي."
رمقته بتعجب، ليُكمل:
"بنك الاستثمار العربي كان طالب حديثي التخرج، وقدمت لك وجالك القبول النهارده يا باشمحاسبة."
"أنا هبقى محاسبة! أنت بتهزر؟!"
"شفتي الدنيا، شهد العواطلية اللي من ساعة ما شفتها وهي جايبة المشاكل هتبقى محاسبة قد الدنيا."
"أنا عواطلية يا رجائي!! طيب أخرج بقى، مش عاوزة شغل ولا حاجة منك، مش عاوزة حاجة من حد."
قالتها بغضب وهي تنظر إلى الجانب الآخر، لتجد يده تعدل وجهها مقابله، يردف:
"أنا بهزر معاكي مش أكتر، بحاول أخرجك من اللي انتي فيه. وبعدين هما هيلاقوا أحسن منك فين؟ هتبقي أشطر حد، أنا واثق فيكي."
"بالظبط، هيلاقوا أحسن من بنتنا فين تشتغل عندهم!!"
قالتها "ميسون" متجهة إليهم تحمل بيديها صينية بها الإفطار من أجلها، لتضعها جانبها وهي تحتضنها بقول:
"ألف مبروك يا حبيبتي، ربنا كبير أوي وأكيد مش هيسيبك، ويمكن الوظيفة دي اللي تنسيكي اللي حصلك وتبقى وش السعد عليكي."
بادلتها "شهد" العناق وعينيها مصوبة تجاه "رجائي" الذي كان يتابعها بسعادة لأجل تلك الفرحة التي رآها بعينيها بسببه.
همست هي من بين شفتيها إليه:
"شكرًا."
***
وعلى الجانب الآخر بشركة شادي، قد وصل الفريق منذ ثلاثة أسابيع إلى الشركة بعدما انتهوا من مشروعهم ونجحوا فيه ببراعة.
كانت "مها" تتابع عملها بجد هي وبقية المهندسين ويترأسهم "أكرم" الذي كان يراقبها منذ الصباح بخبث وكأنه ينوي على شيء.
رفعت بصرها لتجده محلقًا بها، حتى أنه لم ينتبه لهاتفه الذي يدق.
وبعدها بثواني فاق وابتعد قليلاً ثم رد.
وبعدما انتهى، وجدته يجلس جانب إحدى المهندسات ويضحك معها، مما جعل دمائها تغلي والغيرة تتملك منها.
كورت قبضة يديها وبدأت تشعر بالغضب.
نهضت بضيق متجهة كي تحضر كوبًا من القهوة لعلها تهدأ قليلاً.
جلبته وبدأت تجلس وعلى مضض انتبهت لعملها بإعجوبة رغم اختلاسها لبعض النظرات المصوبة لهم.
لكن عزمت أن لا تريه كم هي تحبه أو تهتم لأجله.
ودون شعور منها، سقطت دمعة من عينيها عندما وجدته يخرج علبة بها خاتم ويدقق بها.
نظرت إليه بصدمة وهي تراه يتطلع إلى تلك الفتاة.
لم تعلم كيف نهضت فجأة وبدأت بتعنيفه أمام الجميع دون وعي، صائحة:
"أنت كدااااب ومُخادع! أنا ندمانة إني صدقتك وحبيت واحد زيك!"
تطلع جميع من كان يجلس إليها بصدمة من تلك الحالة التي كانت بها.
بينما هو ابتسم بخبث لنجاح خطته.
وما زاد غضبها صمته الذي قتلها، حتى أنها كادت أن تذهب من أمامه لتكون قبضته هي العائق عندما جذبها وهو يقول:
"رايحة فين؟!"
"سيبني، متلمسنيش تاني أنت فاهم."
كان في هذه الأثناء شادي يقف من بعيد وجانبه يارا يتابعون ما يحدث بعدم فهم.
"مانتي السبب، إيه عاوزه تتجاهليني أكتر من كده وأسكت؟!"
رمقته بعدم فهم، ليُكمل هو بتوضيح:
"كان لازم أعمل كده علشان تطلعي اللي جواكي ده وترجعي مها! أنتي بقالك أسبوع لا بتكلميني ولا بشوفك، كل ده ليه هاا؟! فاكرة إني ممكن اسمح لك إنك تبعدي تاني؟! لأ، أنتي غلطانة، أنا مش هبعد عنك لأني بحبك."
توسعت عيناه بصدمة من ما تفوه به.
لم تستوعب أو تصدق ما قاله.
شعرت بأنها تحلم لا محالة.
كادت أن تسقط من شدة صدمتها لتلتقطها يده يحاوط خصرها بخوف وهو يقول:
"مش هسمح لك إنك توقعي حتى! يمكن مش عارف قولتها إزاي، بس ده اللي حاسه ناحيتك من زمان وكنت بكذب نفسي، لكن مقدرتش أبعد عنك، مش قادر أشوفك بتبعدي وأسكت."
"بتحبني أنا؟!"
قالتها وما زالت في حالة صدمة من ما تسمعه من ما كانت تدعو وتحلم منذ عدة سنوات بأن يكون من نصيبها.
هل دعائها قد تحقق!
"والخاتم ده علشانك أنتي، علشان اللي قلبي اختارها."
أخرج ذاك الخاتم بحب ثم ألبسه إياه وسط تصفيق الجميع الحار.
نظرت هي إليه في يدها وإلى الجميع وعينيها قد بدأت تذرف الدموع، مما جعله يزيلها وهو يقول:
"مش عاوز أشوف دموعك دي تاني، آسف على كل كلمة قلتها ضايقتك، من هنا ورايح مش عاوز أشوف غير ابتسامتك."
عانقته بقوة وهي تلف يديها حول عنقه بسعادة لأول مرة تنتابها وقلبها الذي بدأ يعلو ويهبط أثر كلماته واعترافه.
لهمس بالقرب من أذنيه بخجل أذابه عشقًا:
"وأنا بحبك ومش عاوزة حاجة من الدنيا غيرك."
بينما "يارا" كانت تبتسم تلقائيًا من ما حدث وهي تتخيل ذاتها بذاك الموقف برفقته!
بينما هو رغم إعجابه الواضح من ذاك المشهد إلا أنه أخفى ذلك سريعًا عندما ولج إلى مكتبه وتبعته "يارا" التي كانت تقول:
"عالم بتفهم، شفت الحب، هو ده الحب الحقيقي."
توقفت قدميه لينظر إليها يرفع حاجبيه يقول بتذمر:
"عاوزة إيه أنتي دلوقتي؟!"
"هعوز إيه يعني! مش أنت اللي عاوزني وكنت باعت لي؟!"
قالتها بتوتر من نظراته وعينيه التي كانت تجول بها.
حتى أنه رد فجأة:
"لبسك حلو أوي، اللهم بارك."
"شكرًا."
قالتها بتوتر ثم دلفت معه تجلس أمامه.
ثم بدأ يشرح لها ما ستفعله الفترة القادمة، حتى أنها كانت تلف أحد خصلاتها، وتمسك قلم بيدها تضعه من حين لآخر في فمها.
تلك ما تفعله على غير دراية جعله يتصبب عرقًا وبدأ بالتشويش.
حتى أنه فجأة سحب يدها وهو يقول:
"متعمليش كده تاني."
"أنا عملت إيه؟!"
قالتها بصدمة من فعلته.
لتجده يقترب بوجهه يهتف:
"حركاتك دي بتوترني، كفاية."
"بتوترك! عاوزة أقولك أن القعدة معاك لوحدها توتر، ما بلاش تقولي هنا اللي عاوزه وتبعتيلي ع الواتساب أفضل؟!"
قالتها هي الأخرى بتوتر وهي تملص يدها من قبضته.
لتجده ينهض يجلس قبالتها يردف:
"ممكن أسألك سؤال؟!"
"أتفضل."
قالتها بقله حيله.
ليرد بالمقابل:
"أنتي غيرتي طريقة لبسك ولا لبستي النهاردة بالغلط؟!"
"لأ، لبست بالغلط."
قالتها بضيق، ثم زفرت بقوة وهي تنهض لتجد يده عائق عندما نهض هو الآخر يردف سريعًا:
"بتكلم بجد، وطبعًا دي حريتك في الأول والآخر، وأتمنى طبعًا تجاوبيني بدون زعل زي كل مرة."
"يعني بدأت أحاول أغير بعض لبسي، ربنا يثبتني بس."
قالتها وهي تعيد خصلاتها المتمرده إلى الخلف.
لتجده يردف بهيام:
"أنا معجب."
"بمين؟!"
قالتها تبتلع لعابها في توتر وعينيه تجول بكل أنثى بها.
ليهمس:
"معجب باللي معجب بيه، إيه هتشاركيني؟!"
ابتسمت في خجلٍ ثم أفلتت يدها عنه تقول بتوتر:
"طيب أنا شايفة أن ممكن نتكلم ف البيت أفضل من هنا، ولا إيه رأيك؟!"
"أوي أوي، أنا تحت أمرك."
قالها بولع لتذهب هي سريعًا من أمامه ثم خرجت وأغلقت خلفها.
تستند أعلى الباب مغمضة العين وقلبها قد بدأ بالارتجاف وابتسامة هادئة زينت وجهها في هذا الوقت.
***
في صباح يوم مشمس، مدت "آيه" ذراعيها تحاول الانفلات من بين ذراعي "فريد" المطوقة إياها بقوة.
ثم تنهدت في راحة حين نجحت في الهروب دون إيقاظه.
فاليوم ليس مجرد يوم عطلة عادي، ولكنه يوم حماسي بالنسبة لها.
استدارت تتأكد من أنه يغط في سبات عميق، ثم جذبت هاتفها وخرجت إلى الشرفة وأغلقتها خلفها.
ثم هاتفت أحد ما وقالت:
"تمام، كل حاجة تكون جاهزة على الساعة ٧، مش عاوزه غلط."
أنهت معه ثم ولجت إلى الداخل لتجده ما زال يغفو.
ابتسمت بحنان ثم اتجهت إلى الأسفل بعدما أخذت دش بارد وقامت هي بعمل الإفطار.
وبعدما انتهت، جلبته.
تقدم، يقف هو خلفها ويسير ورائها عندما وجدها تنادي به باندهاش:
"فريد! فريد، روحت فين؟!"
كادت أن تدلف إلى المرحاض لتجده يحاوطها من الخلف يُقبل عنقها وهو يقول:
"صباح الخير يا حبيبتي."
"صباح النور يا حبيبي، إيه، كنت ناوي تخضني صح؟!"
"بصراحة آه، بس مهنتش عليا."
قالها بحبٍ يديرها مقابله متأملًا وجهها.
ثم أضاف باشتياق:
"وحشتيني."
"وحشتك! ده على أساس إني كنت مسافرة ولا حاجة؟!"
"بتوحشيني وأنتي معايا!"
"طيب شكرًا يا سيدي، تعالي بقى، أنا عملت لك فطار بجد هيعجبك أوي."
قالتها بدلال متجهة أمام ما أحضرته بفخر وهي تقدم له ما صنعته لأجله.
حتى أنها توقفت عن الإكمال عندما وجدته مساهيًا بها.
صفقت كي ينتبه وهي تردف:
"خليك معايا."
"ماهي المشكلة إني معاكي."
"فريد، ادخل خد دش سريع علشان تفوق كده ونفطر سوا."
قالتها بقله حيله ثم جلست أعلى الفراش تتفحص هاتفها إلى أن يأتي.