تحميل رواية «رحماكي» PDF
بقلم أسما السيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تقف تستند بيديها على حوض المطبخ. دموعها تنزل في قهر، كل يوم يمر عليها تخسر جزء من روحها ونفسها القديم. لم تكن تتصور يومًا أن حياتها البسيطة ستؤول لذلك المنحدر. نظرت لطفلتها التي تحبو ببراءة بأرضية المطبخ وطفلها النائم بسلام بجوارها، من كثرة التعب والبكاء. طفلها الذي يكبر أخته ببضع شهور، لقد حملت بأخته وهو بعمر الشهرين. ظلمت نفسها وظلمتهم معها. ولكن ماذا كانت ستفعل هي؟ والجميع يخبرونها أنها إن لم تتزوج الآن لن تتزوج ثانية. مجتمع ظالم ظلمها وحط عليها. لقد تركت جامعتها بعدما تزوجت. أجبرها شبيه الرج...
رواية رحماكي الفصل الأول 1 - بقلم أسما السيد
تقف تستند بيديها على حوض المطبخ. دموعها تنزل في قهر، كل يوم يمر عليها تخسر جزء من روحها ونفسها القديم. لم تكن تتصور يومًا أن حياتها البسيطة ستؤول لذلك المنحدر.
نظرت لطفلتها التي تحبو ببراءة بأرضية المطبخ وطفلها النائم بسلام بجوارها، من كثرة التعب والبكاء. طفلها الذي يكبر أخته ببضع شهور، لقد حملت بأخته وهو بعمر الشهرين. ظلمت نفسها وظلمتهم معها. ولكن ماذا كانت ستفعل هي؟ والجميع يخبرونها أنها إن لم تتزوج الآن لن تتزوج ثانية. مجتمع ظالم ظلمها وحط عليها. لقد تركت جامعتها بعدما تزوجت. أجبرها شبيه الرجال الذي تزوجته أن تتركها، وهي من كانت تحلم ليلاً نهاراً بكلية الطب وبعدما دخلتها أجبرها على تركها لتربية الأولاد وخدمة أهله.
نزلت دموعها بقهر وذل وهي تتذكر كلماته لها.
***
صباحًا.
"انتي ياهانم، انتي لسه نايمة لدلوقت. قومي ولا مستنية لما أمي تعمل كل حاجة."
التفتت له بقلة حيلة وانتشلت يدها بهدوء من تحت رأس طفلها النائم بأحضانها أخيراً بعد بكاء طال لساعات. استقامت بضعف، قائلة له بهدوء: "في إيه بس يا أحمد؟ الساعة لسه خمسة ونص. سيبني شوية بس وبعدين هنزل. الولاد لسه نايمين."
نظر لها بتلك النظرة المشمئزة التي ينظر لها بها منذ ولدت طفلتها سيليا. لقد ازداد وزنها قليلاً قليلاً فقط، ولكنه يقرف منها ومن منظرها. كما يخبرها دائماً. حتى وجودها بجانبه ليلاً لم يعد يطيقه أبداً.
انكشفت الغمة من على عينيها وفهمت أنه لم يكن يريدها يوماً، وأن زواجه منها كان لينساها هي. حبيبته التي عادت لتستعيده وباستماتة. رفعت رأسها له تستجدي منه الرأفة، تبحث بين خبايا عينيه تسأل نفسها: "ياقلب زوجي أين ذهبت تلك الرحمة؟"
انتفضت على صوته، يخبرها بتوتر من نظرة عينيها التي ترمقه بها: "اخلصي وقومي."
ردت بصوت مختنق من كبت دموعها: "حاضر يا أحمد. حاضر."
رفع نظره ينظر باتجاهها وهي ترتدي ثيابها لبدء رحلة عذابها اليومي. تفتح باب خزانتها بيد مرتعشة من شدة التعب. لم تأخذ وقتاً بانتقاء ما سترتديه. هي لا تملك غيرهم أساساً، كما تخبرها والدته: "خرق بالية لم ولن تليق بابنك وعائلته الثرية."
نعم، هي تلك الفقيرة الغنية التي انتشلوها من عالمها الوردي ونزعوا منها دراستها التي تعشق، وأصدقائها التي لا تملك مؤنساً غيرهم، وأهلها التي يمنعوها عنهم ولا تزورهم إلا في نوبات غضبها والتي لا تستمر أكثر من ساعتين، ويعيدوها بيديهم.
ارتدت عباءتها البيتية لتبدأ يومها. رجعت بنظرها لأطفالها النائمون بسلام أخيراً، فوجدته ينظر لها بنظرة لا تعرف ماهيتها. نظرة لا مبالية أم شفقة لحالها؟ ولكنها تجاهلتها كما تجاهلت العديد من أمور حياتها.
ورفعت صوتها تحدثه، بتوتر من رده التي تتوقعه: "طب ممكن بس تخلي بالك من سليم وسيليا على ما يصحوا؟ بلاش أنزلهم معايا دلوقتي الجو برد وهيتعبوا."
رد برده التي تعلمه جيداً.
أحمد بلامبالاة: "وانتي لزمتك إيه؟ أومال أنا متجوزك ليه. خدي عيالك معاكي نيميهم تحت، مش عايز صداع."
وباستهزاء أكمل: "وبعدين ما يتعبوا يا ست الدكتورة، أومال إيه ست سنين طب اللي خدتيهم. وعشانهم عاملالنا فيها دكتورة."
وضعت يديها على أذنيها تكتمها حتى لا تسمعه، فتذكرها بخيبتها وضياع حلمها وأده بمكانه. لا تريده أن يذكرها، وهل نست ليذكرها كل دقيقة.
اقتربت مسرعة غير عابئة لنظرته التي تحولت من السخرية إلى أخرى لا تعلمها، وهو يراها تحمل أطفالها الصغار كل على ذراع، ودموعها غلبتها لتغرق وجهها بقهر.
وصلت للطابق الأرضي بهم أخيراً. وجدته موصداً، ما زالوا نائمون. نظرت لصغارها النائمون بمرارة ولم تجد غير قدمها لتدق به الباب. انفتح الباب بغل وصراخ.
"انتي يا غبية في حد يصحي حد دلوقتي؟ نزليهم من دلوقتي ليه؟"
صراخها أيقظ النائمون على ذراعيها، فاستيقظوا صارخين من صياح عمتهم العالي.
فريدة بحزن: "معلش يا أمل. مكنتش أعرف إنكم نايمين. أخوكي اللي صمم إنزل دلوقتي."
أمل بصراخ: "ما طبعًا تلاقي قرفان منك ومن منظرِك العكر ده. حاجة تقرف كل يوم على الموال ده."
اندفع أخوها عابد باتجاه الصوت بلهفة: "في إيه بتشخطي كدا ليه؟ قلتلك ميت مرة متعليش صوتك على مرات أخوكي."
وقعت عينه على فريدة الواقفة تخبئ عينيها الباكيه بحضن ابنها الباكي. نظر لأخته بتوعد واقترب حاملاً سيليا من بين يديها، قائلاً بحزن: "معلش يافريدة حقك عليا. هاتي سليم معايا أنا هنيمهم جنبي."
ابتسمت بحزن تعلم أنه أحن عليهم من والدهم نفسه، وأعطتهم له بهدوء وتسللت للمطبخ لتمارس عاداتها اليومية، تتمنى نفسها أن غداً أجمل. تكتم آهاتها بداخلها تنفذ وصايا والدتها: "اتحملي ومسيرها تتعدل. الست مالهاش غير بيت جوزها."
***
جففت يدها واقتربت حاملة طفلها النائم بوجهه متسخ من شدة البكاء والتعب. تقبله بحزن، هامسة بأذنه: "أسفة يا حبيبي معرفتش أختارلك أب صالح. مكنش بإيدي. والله ما كان بإيدي."
التفتت لطفلتها التي تمسك بقدمها، ونزلت بصعوبة لتحملها هي الأخرى. لقد أنهت الغذاء أخيراً. وضعتهم على سرير عمها عابد، فهو الوحيد الذي يسمح لها باستعمال غرفته. الجميع يعاملونها كأنها حشرة معدية لا يصح لها أن تستعمل حاجياتهم. وأه لو يعلمون.
وضعتهم واستندت أخيراً على جانبها منذ الصباح. دقائق... واندفعت حماتها صارخة بها: "قومي انتي هتنامي؟ يالا الرجالة جم عاوزين يتغدوا ولا مستنية أنا اللي أحط الأكل."
قامت من مكانها بصمت تنفذ بآلية. انتهت واقترب الجميع من المائدة لتناول الطعام.
سليم الأب: "يالا يافريدة يابنتي تعالي عشان تتغدي معانا."
اندفعت حماتها بقرف: "لا، غيري هدومك الأول لو عايزة تقعدي معانا عالسفرة. هتوسخي الكرسي."
علت الصدمة وجوههم وانتظرت أن يخيب ظنها ويرد عنها، ولكنها كالعادة ينظر لها بخجل من منظرها ويصمت. وحده عابد كعادته من اندفع مدافعاً عنها.
عابد بحدة: "إيه اللي بتقوليه دا؟ مالها هدومها مش شايف فيها حاجة عشان تغيرها. تعالي يا أم سليم اقعدي."
نظرت له بامتنان وشكرته بهدوء، قائلة: "شكراً يا عابد. أنا سبقتكم بالهنا والشفا. عن إذنكم."
سليم الجد: "ليه كدا يا أحمد؟ من امتى وانت كدا؟ استغفر الله العظيم. دي البنت من صباحية ربنا واقفة على حيلها."
انتبهوا لجرس المنزل فاندفعت والدته قائلة: "أكيد دي روان، أصلي عزمتها عالغدا."
ارتعشت يده من ذكر اسمها، حبيبته ابنة صديقة والدته التي رفضت الزواج منه لأنه لم يكمل دراسته وتزوجت بغيره. وتزوج بفريدة عنداً بها ولكي يخبرها أن غيرها وبمكانه أعلى ارتضت به. فريدة التي تفوقها جمالاً وعلماً. ولكنه كما جرت العادة، الإنسان يبحث دائماً عما يرفضه. لقد تطلقت بعدما تزوجت بستة أشهر وعادت حرة من جديد، ومن يومها عاد الأمل لقلبه من جديد. وهي من أعادته.
رفع رأسه باتجاهها بعدما ألقت السلام عليهم، ورمقته بتلك النظرة التي يفهمها جيداً، نظرة تخبره بها أنها حرة وله.
صاحت والدته: "فريدة. انتي يابت."
أتت فريدة بهدوء كعادتها بعدما استمعت لترحيبهم بها، وبيدها ما تريده قبل أن تطلبه طبقاً لها. بعدما رمقت روان بنظرة سخرية ولا مبالاة.
فريدة: "اتفضلي ياماما."
رفعت نظرها له وجدته ينظر لها بنظرة خجل. اندفعت للداخل بغصة بحلقها. وهل هناك أوجع على المرأة من أن تعلم أن زوجها عاشق لأخرى؟ أهناك أوجع وأصعب من أن يقترن اسمك بآخر يسخر منك ويقلل منك، يعيب بفقرك ويهينك به، يقتل روحك ويعنفك، فيجعلك تنسي روحك ونفسك، وتدفنها بخجل وضعف من قلة حيلتك. أهناك أصعب من أن ترتضي بالذل والمهانة من أجل قطعة منك؟ هذا حالها، هذه حياتها.
تنهدت بتعب وعيناها تغيم من شدة الإرهاق والتعب، وغصباً عنها شعرت بالجوع، لم تذق الطعام منذ هبطت للأسفل. وضعت بضع معالق من الطعام المتبقي ولم تجد مكاناً تجلس به بالمطبخ، فتمتعت بحزن وجلست أرضاً.
***
كان اندفع واقفاً بعدما جلست روان، غير راضٍ عما يحدث. يعلم تماماً ما تريده والدته لتكسر أنف تلك الجميلة الهادئة. ليتها كانت زوجته لحارب الدنيا من أجلها. ولكنها الدنيا لا تريح أحداً. تعطي لغيرك ما تتمناه أنت، فتقف متعجباً من غيرك التي لا تقدر قيمة ما تملكه. ولكنها أقدارنا، وهل نغيرها؟
روان بسخرية: "إيه يا عابد؟ أنا جيت قومتك ولا إيه؟"
عابد بسخرية: "أبدًا، شبعت. عن إذنكم."
اندفع للداخل باحثاً بعينيه عنها، وجدها تجلس أرضاً تبتلع طعامها بغصة وبجانبها ابنتها تطعمها بيدها بهدوء. رفعت رأسها فوجدته هو، فنظرت له بخجل وحزن.
اقترب منها يمنع حرجها، قائلاً بابتسامة: "تصدقي الأكل عالأرض أحسن. أنا كمان هاكل معاكوا."
فريدة باستغراب: "مأكلتش معاهم ليه؟"
عابد: "بصراحة نفسي انسدت، بس لما لقيتكوا قاعدين كدا انفتحت تاني."
فريدة بابتسامة: "طيب هحطلك طبق. بس معلش بقى الأكل اللي هنا مش شكل اللي برا، ومش مقامك الأرض."
ضحك قائلاً: "يابت، إحنا طول عمرنا ناكل عالأرض. مبدأناش ناكل عالسفرة إلا من قريب."
تنهد وهو يجلس بجانب سيليا الصغيرة: "لما انتقلنا هنا بعد ما ربنا وسعها علينا في التجارة، ماما اللي أصرت إننا نعمل أوضة للسفرة وناكل عليها زي ولاد البشوات، بس إحنا أساسًا عمرنا ما أكلنا عليها."
أومأت بهدوء وهي تعطيه طبقه، متذكرة تلك المثل التي تقوله والدتها دوماً وينطبق على حماتها (شبع بعد جوعة). مد يده وأخذه منها، وتناولوا طعامهم مع تبادل الحديث بينهم.
استمع لتمتمة كلمات من الداخل وهو يتناول طعامه، تحت نظراتها اللعوب. فباغتته أخته ببرود، غامزة لصديقتها روان: "متستغربيش، دي تلاقي اسمها إيه اللي انت جبتهالنا دي بتتكلم؟ هي وعابد بصراحة، عابد أخويا دا نفسه حلوة، مش عارفة بيجيله نفس إزاي يتكلم معاها بمنظرها دا."
ارتعشت يده ونظر لها بتوتر، فأكملت بوقاحة: "والله انت ليك الجنة يا أحمد. أنا عارفة بتنام جنبك كدا إزاي، ولا انت نفسك بتجيلها إزاي."
صراخ والدها أسكتها: "آآآه يا أمل. اخرسي. مش هسمحلك. إيه قلة الحيا دي؟ اللي بتتريقي عليها دي، لولا تحكمات أخوكي اللي ملهاش لازمة، كان زمانها دكتورة محدش زيها، وكانت وصلت لمكانة عمرك ما كنتي تحلمي توصليلها. أول وآخر مرة أسمعك بتكلمي عنها كدا. فاهمة."
ابتلعت ريقها بخوف، فوالدها كأخيها عابد لا يسمح لها أبداً بإهانتها. لا تعلم ماذا فعلت بهم، أهو سحر أم ماذا؟
رفع والدها نظره لأخيها الجالس بإحراج، ناظراً له بخيبة وغيظ من ضعفه وخجله من زوجته. لكم من المرات نصحه ولكن لا حياة لمن تنادي. نظرة والده له كشفته أمام نفسه، فحمد الله وقام من مكانه.
سمع صوت ضحكاتها التي تناساها منذ شهور، فاقترب بهدوء من باب المطبخ، وجدها تجلس بأريحية مع أخيه يتجاذبان أطراف الحديث بسلاسة يتناولون طعامهم على أرضية المطبخ. جميلة هي كما رآها أول مرة، ليس بها غلطة، حتى وزنها الذي ازداد وما يعايرها به ما زادها إلا جمالاً. لقد وصل أخيه معها لمرحلة من الألفة لم يصل له هو بحياته معها. لقد أجبرها على ترك كل شيء تحبه، لم تؤثر به توسلاتها ولا دموعها الحزينة. لم يشفق قلبه لها يوماً. أهى بسيطة من عائلة فقيرة كما يخبره والده، فيتجبر عليها.
لمح ابنته بحضن أخيه تناديه "بابا". أنه حتى لا يذكر أنه حملها يوماً هكذا. زوجته وأبناؤه. لم يعلم من الأساس أنها بدأت بالكلام وتنادي أخيه "بابا". هل بالفعل لا يستحقها كما يخبره والده وأخيه؟ لما دائماً لا يرى غير أنه يريد قهرها وذلها؟ هو لا يكرهها، لقد أحبها وارتاح معها من أول مرة جلس بها معها. ولكن لا يعلم ما يحدث له. يسخرون من ملبسها وهيئتها. وهل هو اشترى لها يوماً ثياباً لتصبح أجمل؟ هل يعطيها أموالاً من الأساس؟ كما يخبره أخيه. هل يجعلها ترى الخارج؟ هو يخجل منها فقط.
رفعت نظرها فوجدته ينظر لها بصمت مريب، فخافت غصباً عنها وارتعشت متذكرة ما حذرها منه مجالسة أخيه والشكوى، وهل تشتكي؟ لم ولن تشتكي يوماً.
ارتعشت يدها ووقعت منها الملعقة بخوف، خوفاً من أن يمد يده عليها كما فعل مسبقاً. لاحظ عابد فعلتها، فاستدار ناظراً لما تنظر له، ووجده أخيه. همت بأن تستقيم فسحبها عابد بعنف لتجلس مكانها، قائلاً: "اقعدي يافريدة كملي أكلك." رامقاً أخيه بنظرة استحقار وخجل منه ومن رجولته المنعدمة.
فريدة بتوتر: "شبعت الحمد لله. هعملكم الشاي."
تنهد وهو يستقيم حاملاً سيليا، قائلاً: "خلاص يافريدة، أنا كمان شبعت. شكراً. متعمليش حسابي معاكي. هاخد سيليا أنيمها معايا. ابقي اطلعي انتي لما الولاد تصحى، هبقى أطلعهم لك."
رمق أخيه بغيظ ورحل باتجاه غرفته. اقترب منها بهدوء، ناظراً ليدها التي ارتعدت وأوقعت الأطباق من شدة الخوف. رفعت نظرها له مبررة بتلعثم: "والله يا أحمد هو اللي قعد معايا. أنا كنت قاعدة في المطبخ بتغدا لوحدي والله."
أحمد بهدوء: "ششش اسكتي. خلاص." مد يده يمسك يدها المرتعشة، فازدادت رعشة. لمح جرح يدها التي سببه لها يوماً من ضربه لها بأحد الجوانب، فأغمض عينيه بخجل من نفسه. لما أوصلها له. ترك يدها التي لم يستطع بيده طمأنة رعشتها، فوقعت عينه على ما كانت تأكله، بضع من الأرز المحروق وفقط.
استدار لها فلمح جلبابها المتسخ من الجوانب، المهترئ من كثرة الغسيل، فصرخ بها غصباً عنه رؤيتها هكذا، تعريه هو أمام نفسه. لم ينقصه أموال لتكون زوجته بهذا المنظر.
"اطلعي على فوق، مش عايز أشوفك قدامي."
فريدة: "بس لسه هغسل مواعين الغدا وألمّه يا أحمد. وهعملكم الشاي."
صرخ مجدداً: "قلت اطلعي."
دخلت والدته له، تخبره بحدة: "تطلع فين وتسيب المطبخ يضرب يقلب كدا ومين يلم السفرة؟ اطلع انت يا حبيبي اقعد مع روان وأمل، ميصحش تسيبها لوحدها وهي تخلص شغلها وتغور تطلع. مش عايزينها."
نظر لها فوجد عينيها غامت بدموع القهر، والتفتت مسرعة تعد الشاي. فاندفع للخارج ومنه للأعلى، غير عابئاً بنداء أخته.
انتهت أخيراً وصعدت للأعلى. دخلت للغرفة فوجدته نائماً واضعاً يده على عينيه. ذلك الرجل زوجها. غامت عيناها بذكري حلمها الوردي. رجل آخر بمكان آخر. كان حلمها الوحيد وخذلها كما خذلته هو حبيبته. لقد تزوجها لينسي بها من رفضته، وتزوجته جبراً آملة أن تنساه، وليتها نسته.
رجعت للخلف بهدوء. مكانها ليس هنا. لن تزعجه بالأساس، لا يرحب بها بجانبه، مكانها كما يخبره بالأرض. ذهبت لغرفة أبنائها واعتلت الفراش متقوقعة على نفسها تحتضن جسدها المتعب كطفلة صغيرة، غير عابئة بملابسها المبتلة المتسخة. ظهرها يؤلمها، لن تستطيع بتعبها النوم عالأرض.
رفع يده من على عينيه بعدما خرجت بهدوء كما دخلت. استقام باحثاً عنها، فوجدها متقوقعة على نفسها على سرير الأطفال بملابسها تلك. تنهد مقترباً منها إلى أن وقف قبالتها. لاحظ دموع عينيها التي تنزل بهدوء كهدوء صاحبته.
لما لا يرتضى بها؟ ماذا ينقصها هي وهو يعلم أن زوجته كانت حلماً لجميع شباب قريتهم ومن يراها. لقد فاز بها هو. إذن لما لا يرضى ويرضيها؟ لما يعنفها هكذا؟ ماذا ينقصها لتستحق معاملته تلك؟
يده امتدت لا إرادياً تمسحها، فانتفضت ناظرة له بخوف بعينيها النجلاوتين التي أوقعتنه بهما يوماً.
فريدة وهي تمسح دموعها بخوف: "إيه؟ في حاجة؟"
أحمد بغصة: "لا مفيش بس..."
فريدة بخوف من أن يعنفها لنومها على الفراش بمنظرها هذا: "لملمت ثيابها واستقامت مسرعة، تخبره بأنها آسفة. آسفة معلش مخدتش بالي. آخر مرة. أنا بس كنت تعبانة ونمت بس أفرد ظهري." والتفتت بغصة، تخبره: "اللي زي مكانه في الأرض عارفه. عن إذنك."
لما لم تنس؟ لما ما زالت تتذكر؟ لقد قالها بلحظة غضب. لما؟ ولما؟
ضرب بيده على الحائط، شارداً بتلك الليلة وما حدث بها.
***
وحيدة وضايعة وقلبي بيبكي.
فقري وحالي ذنبي ووجعي.
دايماً يصرخ ويعنفني،
يخرج حقده في ضربي وذلي.
ذنبي أنا إيه إن كانت هي خانت عهدك،
فارتميت أنت عليّ.
تطلع عقدة جهلك فيّا،
تظلم وتحجر أنت عليّ.
بس ما تنسى إن في رب وحده عالم بيا،
يجبر ضعفي وينصف فيّ.
ورغم دموعي راضي عليّ.
يا ظالم.
رواية رحماكي الفصل الثاني 2 - بقلم أسما السيد
ضرب بيده عالحائط
شارد بتلك الليله وما حدث بها..
التي كانت كفيله بقلب حياتهم من سئ لاسوأ وما فعله بها وما حدث بعدها..
flash back..
بعد أربعه اشهر من زواجهم..
كان بالاسفل عند والدته كالعاده..
ولم يكن حالهم بجيد. أبدا..
لقد انقشعت الغمه المزيفه التي كان يرتديها...
لقد بدأت تسأم منه ومن شخصيته الضعيفه امام والدته..
ولكنه كان يملك بعضا من الرحمه مازالت باقيه بقلبه..
وكانت هي لم تنطفي شمعتها بعد..
دخل عليها بعدما سممت اذنه امه من ناحيتها كالعاده..
فسمعها تتحدث بهدوء كالعاده.. مع صديقتها..
دخل عليها وجدها تسجل شيئا ما بدفترها.. ومنتبه له..
وجد صوته يخرج حادا رغما عنه...
"بتكلمي مين يافريده...؟"
ارتعبت من صوته ووقع دفترها..
فأخذه يقرأ ما به فوجدها تدون جدول محاضرتها...
اخذ الهاتف منها وأغلقه مسرعه..
صارخا بها..
"أحمد.. بتعملي ايه يافريده.. هو انتي فاكره نفسك هتكملي وتبقي رأسك اعلي مني لا فوقي.. انا جايبك هنا خدامه ليا ولامي.."
وقع كلامه عليها جعل قلبها يقع بين قدميها وارتعشت يدها وشفتيها ولكن غصبا عنها.. نطق لسانها...
"فريده... ليه ياأحمد انت وعدتني انك هتخلينياكمل السنه اللي فاضله... ووعدت بابا بكدا..."
أحمد بحده ومازالت كلمات والدته تترد بأذنه..
"لازم تكسرها عشان تفضل طول عمرها تحت طوعك مذلوله ياواد.. اومالجامعه ايه وكلام فارغ ايه.. مااحنا اهو لا اتعلمنا ولا بنعرف نقرا ولا نكتب وعايشين وزي الفل..واهي اختك في الدبلوم.. وبكره تتجوز وتبقي أحسن من الكل.. سيبك من الكلام دا مراتك حامل ومعدش ينفع تتنطط كل شويه في المواصلات.. تقعد تخدمك وتربي العيال.."
افاق علي توسلها
فريده بدموع..
"بالله عليك يأحمد سيبني دي أخر سنه.."
غصبا عنه وجد نفسه يردد كلام والدته..
بكت وعلمت أنها هي من سممت اذنيه..
ورغم توسلاتها له لم يرأف بها..
أحمد..
"هيا كلمه.. مفيش چامعه.. عاجبك علي كدا ماشي.. مش عاجبك الباب يفوت جمل.."
اشتعلت عينها بروح القتال.. واختارت الرحيل..
فريده..
"خلاص يبقي كل واحد يروح لحاله أنا عاوزه اكمل تعليمي دي هيا سنه اللي فاضله.."
وجدها بالفعل تلملم حاجياتها وبالفعل تنوي المغادره..
اشتعل قلبه وتذكر من تركته لتعليمها الاعلي منه..
روان ابنه صديقه والدته الحاصله علي كليه آداب اما هو بالكاد اخذ الشهاده الفنيه بالغصب..
مؤكد ستشمت به..
وجد نفسه يصرخ بها....
واندفع نحوها خاطفا حقيبه ثيابها..
أحمد..
"بتعملي ايه.. وريني سرقتي ايه.."
واخذ يبحث بين ثيابها.. عن شئ لا تعلمه..
فريده.. بذهول
"بتدور علي ايه.."
أحمد... بسخريه..
"فين الدهب والموبايل طلعيهم..."
فريده.. بحزن..
"انا مخدش دهبك ياأحمد في الدرج.. مفيش غير الدبله في ايدي والحلق في ودني بابا اللي جيبهولي.."
اندفع للدرج يبحث عنه وجده بمكانه استدار لها قائلا بحده...
"اقلعي الدبله هاتيها... االلي ذيك مش مقامه الدهب ولا العيشه المرتاحه زي ماأمي بتقول.. اظاهر ان فكرتي نفسك بني ادمه لما لبستي الدهب ونمتي علي المراتب الفايبر.. اللي زيك مكانه الارض.. كان لازم اسمع كلام امي من الاول.. حتي الهدوم اللي معباياها دي أمي اللي جيباها من فلوسي.. عاوزه تخرجي.. اخرجي بالهدوم اللي جيباها من بيت ابوكي الكحيان.. اللي بيكمل عشاه نوم ووريني هتكملي تعليمك بايه.. يا شاطره.. ولعلمك اول ماتولدي هاخد ابني منك بالذوق بالعافيه.. هعرف اخده.. يااا.. ياست الدكتوره.."
ابتلعت ريقها... بقهر وجمدت دموع عينيها... بمكانها رافضه النزول..
جردها من كل شئ حتي هاتفها... الذي أرسله لها أخيها من الخارج هديه لها...
حين همت باخذه.... انتشله منها قاذفا اياه بالارض فتحطم لاشلاء..
صرخت به فتهور ومد يده عليها لاول مره ولم تكن الاخيره..
صعد اخيه ووالده وعنفاه وابعدوه عنها..
وأخري شامته بها تنظر لها بغل.. والدته ومن غيرها..
اصطحبها عابد لمنزل والدها... ليلا.. بثياب المنزل..
بعدما حرق لها ثيابها جميعا امام ناظريهم ولم يستطيعا الحديث..
ومىت يومين عليها وبعدها جء والده بها ليلا ولكن كانت تغيرت النفوس وتغيرت الاحوال وماعاد يأخذها الا غصبا ولا عادت تلك الورده.. المتفتحه.. اصبحت اخري بلا صوت.. بلا رد فعل.. الحيه الميته...
back..
رفع نظره وصوت بكائها الحاد من داخل الحمام واصلا له بوضوح..
نزل الدرج هاربا من ذكرياته المخذيه معها.. بحقها..
قابلته اخته.. امل..
"ايه يااحمد بقالي ساعه بدور عليك تعالي عاوزاك.."
آحمد بزهق..
"في ايه ياأمل.. انا نازل الشغل.."
سحبته لشقه عابد المغلقه..
"تعالا بس.. ادخل.."
دخل فوجدها تجلس بانتظاره..
خرجت اخته قائله..
"يالا اتكلمو وانا هرقبلكو الطريق.."
ابتلع ريقه...
روان بجرأه...
"وحشتني ياأحمد.. بقالك يومين مبتردش عالتليفون.. في ايه انا زعلتك في حاجه.."
أحمد بتوتر..
"مفيش ياروان بس كنت مشغول شويه في الشغل.."
روان..
"طب ايه هفضل مستنياك كتير.. عملت ايه في موضوعنا يااحمد أنا جايلي عريس وماما وبابا مصممين عليه.."
احمد بلهفه..
"ازاي يعني هيغصبوكي عليه.."
روان بخبث..
"زي ماغصبوني من قبل ياأحمد وانت وقفت تتفرج عليا.."
احمد...
"انا اتقدمتلك ياروان وانتي رفضتي عشان فرق التعليم.."
روان.. بكذب..
"محصلش يااحمد ماما اضطرت تقول لمامتك كدا لانهم كانو غصبوني فعلا واتقرت فتحتي وبابا محبش يرجع في كلامه فجابها فيا.. بس انا مقدرتش واطلقت بعدها بشهور.. بس انت كنت اتجوزت يااحمد ونستني.."
احمد بلهفه...
"أنا عمري مانسيتك ياروان.. انا بحبك.."
نطق الكلمه بآليه ولا يعلم لما لم يعديشعر بها..
روان بخبث
"خلاص نتجوز.."
احمد.. بصدمه..
"نتجوز طب وفريده والولاد.."
روان..
"طلقها وخد الولاد منها وانا أوعدك ولادك يبقوا ولادي.. ومامتك مبتحبهاش ولا اختك وكله هيرحب بالفكره.."
أحمد مبتلعا ريقه بتوتر..
"بس فريده متستحقش كدا.. أنا هتجوزك بس هسيبها علي ذمتي وتربي الولاد.."
روان بحده..
"لا.. ياانا لوحدي.. ياخلاص.."
اقتربت منه.. بدلع تضغط علي نقطه ضعفه..
"طب بذمتك أنا ولا هيا.. انت ازاي طايقها بمنظرها دا.. وبعدين انت بتحبني انا صح ياأحمد.."
احمد.. بضعف..
"صح ياروان... بحبك.."
امل من الخارج..
"أيوا بقي واخيرا هنخلص منك.. يافريده هانم.. يا روان يا جامده.."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رفعت وجهها تنظر لمنظرها الباكي ولشعرها المرهق بالمرآه ولجسدها المتعب..
شارده بذلك اليوم حيث قالها بوجهها صريحه.. ومازالت وقعها يتردد بأذنيها
خادمه.. لا مكان لها الا الارض..
واخر كان يقلب الدنيا لو يري دمع عينيها...
أين هو الان وأين تركها...
ولما يحدث معها ذلك...
وضعت يدها علي أذنها.. تردد أسمه بهمس..
تذكر نفسها به.. حتى لا ينساه يوما وتنسي غدره بها..
كيـــــان..
رفعت يدها من علي اذنيها بتصميم.. متذكره كلمات والدتها.. تصبر نفسها بها..
flash back.
حينما قررت الرحيل لاكمال تعليمها بعدما جردها احمد من كل شئ..
مر يومين عليها..
ناصرها والدها أولا.. ولكن والدتها.. كان لها دوما رأيا اخر..
شريفه بحزن وهي تمسد علي رأسها بحنيه..
"انت عارفه يافريده انك نور عيني حبيتك اكتر من ولادي نفسهم.. ولا لا..؟"
فريده بدموع..
"عارفه ياماما... انتي عندي بالدنيا بحالها بس بالله عليكي ياماما متغصبنيش.. مترجعونيش ليهم دول معيشني زي الخدامه.. بالله عليكي ياماما.."
بكت شريفه بحزن.. واحتضنتها تقبلها..
"خلاص لو مش عاوزه ترجعيله.. يبقي مقدمكيش غير حل واحد ودا علي عيني وانتي عارفاه كويس.."
فريده بخوف...
"لا لا لا ياماما استحاله.. انسي.. متقوليهاش.."
شريفه.. باصرار..
"روحي لامك يافريده.. روحي لاهلك واخوكي اهو سفرناهمحدش هيقدر يأذيه يابنتي.. ورزقه علي الله.."
فريده.. بخوف..
"لا ياماما لا.. مقدرش اخاطر باخويا انا مليش غيركو انتو اهلي استحاله اقبل بكدا ابدا.. أنا اتجوزت عشان أخويا انت ناسيه المره الوحيده اللي قلت فيها هروح لاهلياخويا جراله ايه ولا الجواب اللي جالنا بعدها... اني لو حاولت اوصل لاهلي هيموتوه.. استحاله ياماما.."
شريفه.. بحزن..
"يبقي خلاص يافريده مقدمكيش غير انك ترجعي يابنتي... ارجعي لجوزك.. وعيشي يابنتي احنا غلابه وقادر ربك يزيح الغمهويرجع اخوكي بعد سنين وينشلنا من الفقر والجوع دا.. والحوجه للخلق يابنتي.. ياريت بايدي يابنتي كنت خدتكو ومشينا لبعيد بس انت عارفه الحال وابوكييدوبك يوميته بتكفينا بالعافيه.."
ارتمت بأحضانها وشاركتهم اختها ياسمين.... أيضا بالبكاء علي حالهم.. وقد قررت ستتحمل ولها الاجر والثواب عند الله..
back..
مسحت وجهها وخرجت تمني نفسها أن غدا أجمل..
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
بمكان أخر..
بمحافظه سوهاج..
يجلس واضعا راسه علي نبوته بحزن..
هو كبير عائلته.. لطالما حكم بينهم بالعدل..
عادلا هو.. بينهم جميعا.. الا هي.. حفيدته الغائبه منذ ولدت...
ثمره ابنته البكريه من زوجها وابن عمها الذي اخذ غدرا بثأر ليس لهم ذنبا فيه....
نارا اشعلتها النساء ومازالت توابعها الي الان..
لقد أصيبت ابنته بعد فقد زوجها منذ سنوات باكتئاب حاد وأغلقت علي نفسها وتركت باقي أبنائها وزهدت الدنيا..
لقد عانت كثيرا ابنته.. حينما فقدت ابنتها بعد ولادتها بأسبوع...
اختطفتها يد الغدر والظلم.. ولم يعرفو لها طريقا... الي الان..
يعلم ان الخائن من بينهم ولكنه لم يتأكد منه بعد..
لقد كبر أحفاده.. وتكاثروا والحمدلله..
ولكن قلبه لم ولن يطمئن حتي يلقاها هي..
ثمره ابنته الاولي.. وابن أخيه الذي رباه علي يديه ووصيته له بأن يلقاها ويعيدها لاحضان والدتها..
ابنته وأبنائها وحالهم المشتت....
نزل الدرج بهيبته بذلك الجلباب الصعيدي..
فلمح جده.. متكأ علي عصاته.. شاردا كعادته..
تنحنح بهدوء.. وباحترام لجده..
كيان..
"السلام عليكم كيفك ياجدي.."
الجد راشد بهدوء..
"بخير.. فضل ونعمه ياولدي... طالت غيبتك المره دي ياولدي.. لعله خير.."
كيان.. بغصه..
"معلش ياجدي الشغل بقي... ماانت خابر عاد.."
الجد بضحكه مهمومه..
"لساتك فاكر لهجه بلدك اهو الحمدلله.."
كيان..
"مهما الف وادور ياجدي.. بحن لاهنه وانت خابر.. في شئ هنا بيشدني.. المهم سيبك مني اني... جولي مالك مهموم اجده.."
الجد.. بتنهيده..
"جولي عملت ايه في اللي خبرتك بيه.."
كيان بتنهيده..
"للاسف ياجدي احنا بندور علي ابره في كوم قش.. والمحقق اللي جولتلك عليه ما قدرناش نعرف منه حاجه واصل.. وبعدين ليه منحطش احتمال تكون لاقدر الله ماتت ولا حاجه.."
الجد بلهفه..
"لع ان شاءالله ... عايشه... وزينه.. وترجع لحضن امها المحروج ده... اوعي تيأس ياكيان ياولدي.. لو جرالي حاجه بنت عمتك امانه برجبتك... وعمتك وولادها أمانتك انت الكبير بعديا ياولدي... أني عديتك قوي وصلب لليوم ده..."
كيان بتنهيده..
"بعد الشر ياجدي عليك.. متجلجش ان شاءالله هلاقيها.."
الجد..
"طب ايه يا ولدي نفسي اشوفلك حته عيل نفسي افرح بيك ياكيان.. ياولدي.."
كيان بزوغان..
"ان شاءالله ياجدي كله بأوانه.."
الجد..
"كيف ده.. متجوز من بت خالتك بجالكو سنتين ومدورتش علي خلف ليه ياولدي.. وبعدين ليه مبتجييش معك اهنه.."
كيان..
"ياجدي كله بأوانه ان شاءالله بالاذن.. اني بقي الخيل وحشني هطل عليهم.."
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
نزلت الدرج بهدوء..
وخجل فرمقها هو بنظره سخريه.. فعلمت ما يفكر به منظرها وهيئتها..
سلمي.. فتاه بالصف الثاني الثانوي.. فتاه جميله جدا يهيون ناعسه تداريها بنظارتها ولباسها المحتشم كالشوال كما يخبرها ذلك المهندس ابن خالها فهد..... المرشحه لزواجها منه..
هي ليست كباقي الفتيات والدتها المنغلقه علي نفسها تعاني اكتئابا حادا منذ ثلاث سنوات منذ انتقلت من الطفوله للمراهقه ولم تكن بجانبها وحيده هي وبجانبها أخيها الاصغر منها بالمرحله الاعداديه..
رغم دلال الجد لهمالا انهم منعزلون تماما يسخر منها باقي فتيات العائله..
لقد سمعت بقصه أختها الغائبه...
لكم تتمني ان تعود يوما وتوجهها تشكي لها وتصادقها.. علها تجد منها صدرا حنونا ترتاح به..
يوما.. القت السلام عليه فرمقها بلا مبالاه ولم يرد.. كعادته مكتفيا بهز رأسه..
لمحت جدها الجالس بعيدا... فتوجهت له..
الجد..
"أهلا اهلا بسلمي هانم.. حبيبه جدها.. تعالي ياجلب جدك.."
سلمي بغصه..
"صباح الخير ياجدي.."
الجد..
"ياصباح الهنا ياجلب جدك.. خيك فين لساته نايم.."
سلمي..
"اه ياجدي مااحنا اخدنا اجازه خلاص.."
الجد بحزن لحالهم..
"ربنا يصلح حالكم يابتي ويقرب البعيد.."
سلمي. بمراره...
"يااارب.."
ــــــــــــــ
أوقف فرسه أخيرا بعيدا عند ذلك الكوخ
بالقرب من سفح جبل بنهايه البلد.. متطرف لا يعلم به الا هو وهي..
بناه خصيصا ليناسب أحلامها الورديه كما وصفته يوما.
واصطحبها لهفي يوم كان الاخير لهم معا...
رغم رفضها وخوفها من التجربه..
حبيبته البريئه... المذعوره دائما كما كان يلقبها..
flash back..
"حبيبتي الجبانه.. قولتلك ميت مره.. اوعي تخافي وأنا معاكي.."
فريده.. بخجل..
"مش خايفه علي فكره.."
كيان..
"طب بصي في عيني كدا.."
فريده..
"اهووو واوعي بقي...."
ضحك عليها وجري خلفها وهي تجري بسعاده حول الكوخ..
"استني يامجنونه.."
فريده.. بسعاده..
"الله جميل اوي ياكيان.."
كيان وهو يمسك بها..
"عجبك ياعيون كيان.."
فريده بسعاده..
"اوي اوي.."
back..
تنهدو رأسه يرفض أن يترك ذكرياتها..
وهبط.. دخل بقدم يملؤها الامل أنها هنا.. تنتظره..
واه لو كانت هنا....
التفت هنا وهنا.. باحثا عن شئ ربما نسته ذلك اليوم..
ولكن لم يبقي شيئا من رائحتها فيه..
فقط ذكرياته التي اشتعلت كاتون.. معها..
كيف التقيا وكيف افترقا....
جلس واضعا يده علي رأسه بحزن.. متذكرا ذلك اليوم القريب البعيد..
flash back..
حسام..
"الساعه بقت خمسه المغرب ياكيان.. الشغل مش هيطير يالا نروح.. انا تعبت.."
كيان..
"انت علطول كدا.. يالا ياسيدي.. انا اساسا خلصت.."
اندفعا خارج الشركه التي يديرها هو وعائلته للاستيراد والتصدير..
وبمنتصف الطريق لمح سياره ما تلاحقه....
وبلمح البصر كان هناك من اطلق النار عليه وهرب..
كياان. ممسكا بذراعه...
"ااه.. الحقني ياحسام...."
حسام.. وهو يتحكم بالسياره صارخا به....
"كيااان.."
كانت خارجه تجري. من جامعتها....
لقد تأخرت اليوموحتما ستغلق المدينه الجامعيهولن تتدخل الا بعد محايله منها لهم.
كعادتهم.. ديما صديقتها...
"استني يابت راحه فين بتجري ليه كدا.."
فريده..
"اتأخرت ياديما مش هيرضو يدخلوني.."
ديما..
"ماقلتلك تعالي اقعدي معانا في السكن يابنتي احسن من الذل دا.."
ديما مغتربه كفريده يدرسان معا.. ولكن فريده من المنصوره وديما من محافظه مرسي مطروح.. ولكنهم أكثر من الاشقاء..
تقابلا معا بسنتهم الاولي بكليه طب القاهره..
فريده..
"خلاص نكلم بعدين في الموضوع دا خليني ألحق دلوقت سلام.."
تركتها وجرت ولكن أثناء جريها لمحت سياره تنحرف يمينا باتجاهها حتي كادت تصدمها..
فريده بحده..
"انت بهيم مش تفتح.."
ولكنها رأت ماصدمها. وبشهقه..
"هيييه. اية دا.."
لمح حسام مئذرها الطبي علي ذراعها.....
فنزل مسرعا صارخا بها..
"انتي دكتوره مش كدا... ساعديه بسرعه.."
فريده بخوف..
"انا لسه طالبه معرفش وديه المستشفي.."
تمتم كيان بهمس..
"مستشفي لا ياحسام هاتها.."
شهقت وكادت تفر منهم.. ولكن حسام أحكم حصاره عليها.. وادخلها عنوه..
غاب هو عن الوعي واستمرت هي بصياحها..
اخذها حسام لبيت يملكوه قريبا من موقعهم.. وأمرها بأن تعالجه..
فريده.. بتوتر..
"لازم مستشفي أرجوك.."
حسام. بتنهيده..
"اهدي يادكتوره وخدي نفس.. الضربه في كتفه.. انتي في سنه كام الاول.."
فريده..
"6طب.."
حسام..
"طب عاال.. اهدي كدا وافتكري اللي اتعلمتيه.. واوعدك أوديكي بنفسي ماكانت مخدتك بس انقذيه ارجوكي.."
فريده بتوتر..
"طب وايه المشكله بالمستشفي هناك رعايه اكتر من كدا.."
حسام.. بزهق..
"اخلصي انتي هترغي.."
وبأيد مرتعشه ولشده ذكائها وعملها كممرضه بدوام جزئي لتكاليف دراستها المرهقه.. والتي لم يكن بمقدور والدها امدادها به.. أنهت عملها كمحترفه صغيره.. وساعدها حسام بجميع ماطلبته..
بعد ساعات رفض فيها حسام ان تتركه حتي يستعيد وعيه ..
بعدما أنهت عملها..
فريده بدموع.. بعدما لمحت الساعه
"انا كده هبات في الشارع حرام عليك.. وغير ماهيتصلو يعرفو أهلي.. منك لله ياشيخ.."
كان هو استعاد وعيه قليلا وسمع ماقالته..
فتح عينيه فوجدها تجلس بحزن ويدها علي خدها..
سرقت قلبه من أول نظره من عينيها له..
بعدما لمحته يفتح عينيه واستفاق اخيرا..
فريده بلهفه..
"هيييه انت صحيت.. حمدالله عالسلامه.."
كالاطفال ابتسمت بسعاده لانجازها..
حسام..
"كيان حمدالله عالسلامه.. تصدقي يا..."
ال انتي اسمك ايه....
نظرت له بغيظ.. ونطقت بغل..
"فريده.."
حسام.. بضحك لمنظرها المغتاظ..
"فريده.. شكلك هيجي منك.. اهو تدريب عملي أهو.. أي خدمه.."
ضربت الارض بقدمها.. بفستانها المحتشم الرقيق.. وشعرها المنسدل الذي سبقها لفمها.. جميله بعيون زيتونيه وبشره خمريه لا بيضاء ولا سمراء.. كملكه متوجه.. تتمايل بعصبيه.. متمتمه بغيظ.. بكلمات لم يفهموها..
كيان بهمس. بعدما اعتدل..
"تعالي يافريده.. اقعدي.."
ارتبكت لوقع اسمها من بين شفتيه.. ونطقت بضياع..
"هااا.."
تجاهلها.. ونظر لحسام.. قائلا..
"روح هات حاجه ناكلها وتعالا.."
حسام..
"فعلا أنا جعان جدا.. مش هتأخر عليكو..."
وانطلق.. يجلب ما امره به..
رفع نظره لها بتعب..
"ممكن تيجي هنا يافريده.."
لمح خوفها.. فابتسم.. محاولا بس الطمأنينه بداخلها..
"بذمتك واحد بشكلي ومنظري دا.. يتخاف منه.."
ابتسمت واقتربت بخجل وجلست بجانبه..
"فعلا عندك حق.."
ابتسم لها وجلسا.. يتبادلا الحديثواخبرته بما فعله حسامولم خائفه....
كيان.. بهدوء..
"معاكي رقم المدينه.. لو معاكي خدي اكتبيه هنا.."
فريده.. بتردد
"هاااا ليه..؟"
كيان..
"بس اعملي اللي بقولك عليه.. وهتعرفي.."
أخذته من يده ودونت رقم المدينه.. ثواني وقد حلت مشكلتها بعدما علموامن هو وأنها قريبه له.. وهي تنظر له بصدمه..
فريده..
"ببساطه كدا.."
ضحك واخبرها..
"ببساطه كدا.."
فريده..
"انت ليه مبلغتش البوليس دي جريمه.."
كيان بهدوء..
"متشغليش بالك الصغير بالحاجات دي انا أعرف اجيب حقي كويس.. أوي.."
تنهدت وسكتت. وهو ينظر لها ولمحياها بانبهار وتملك جديد عليه.... وقلبا راقصا كالاطفال.. لاول مره يدق هكذا وبعنف..
جاء حسام بالطعام وتناولو طعامهم وشاركتهم علي استحياء.. ووعدوها باعادتها صباحا...
ومن هنا ابتدأت حكايته معها.. حكايه بدايتها كالحلم وانتهي سريعا..
back..
أغمض عينيه.. مرددا بشرود اسمها..
"فريده.. فريده"
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
فريده واسمها زي محياها فريد..
نظره عينيها وحسنها زي النجوم دي بعيد..
اه لو يعود الزمن وتقرب المواعيد..
كنت احبس روحي في حضنها.. ومحلهاش من الايد.
اه لو تعودي ياضحكه غايبه وألمحك
ياجرح قلبي من فراقك والغياب..
ايه جانيته بعد ما حسنك عني غاب..
خايب أنا سارح في دنيا ذهاب من غير إياب..
نقشت اسمك علي الضلوع..
يجلي ما ينمحي غير لما رب العرش يأذن بالطلوع..
اسمك مميز والاسامي.. هناك كتير..
اسمك فريده.. وكل شئ فيكي فريد..
ــــــــــ
عاشق أنا لو طالت المواعيد
رواية رحماكي الفصل الثالث 3 - بقلم أسما السيد
فريده..
التفت باتجاه الصوت فوجدته هو..
اقتربت بهدوء مهلك لقلبه.. فتأوه بداخله...من طلتها..
تلك الفتاه انتزعت قلبه ودهسته بقدميها وانتهي أمره..
قلبه القاسي أصبح فتات منذ فتح عينيه تلك الليله..
رمقته بغابات الزيتون خاصتها..
لا يعلم ماذا اصابه..
لعنه باسمها حطتت عليه..
لم يكن اسمها يوما يلفت انتباهه ولكن منذ التقاها واسمها ان تردد بمكان يخفق قلبه مطالبا برؤياها هي..
قلبه يريدها وعيناه تريد رؤياها دائما..
فريده بهدوء: كيان ازيك....بتعمل ايه هنا..؟
لم يتوقع سؤالها وبماذا سيجيبها..؟
حك رأسه بيده.. وكأنه أخيرا وجدها..
كيان بتوتر كالمراهقين.. بعمره ال28 والعشرون لم يمر بموقف كهذا من قبل:
جيت عشان تغيريلي عالجرح وتشوفي حالتك بنفسك..
ولا عندكو مفيش متابعه عالحاله..؟
فريده بدهشه وببراءه:
اغيرلك هنا طب ازاي..؟
كيان:
لا طبعا اتفضلي معايا لو مش عندك اعتراض..
فريده بتوتر:
أتفضل فين..؟
بص ياأستاذ انا مهمتي خلصت كدا.. عندك المستشفي تقدر تغير هناك..
عن اذنك بقي فرصه سعيده..
وفرت من أمامه مسرعه..
كيان بمغزي وهو يذهب خلفها:
جبانه....معندكيش ثقه في نفسك....
التفتت له بحده مشيره باصبعها علي نفسها:
ده انا..؟
لا طبعا.. مين قال كدا..
كيان بتريث:
لو مش جبانه مكنتيش اترددتي في عمل خير..
مكنش هيزودك ولا هينقصك..
بس كان هيريح ضميرك..
فريده باستغراب مردده كلماته:
هيريح ضميري ازاي بقي..؟
كيان وهو يقترب منها هامسا بهدوء:
يعني عايزه تفهميني انك لما تروحي وتفتكري اني رفضتي تساعديني وانتي عارفه اني تعبان.. ضميرك مش هيأنبك....
فريده بتردد:
بس.. دا مش قصدي..
كيان:
بس ايه.. وان يكن..
عموما ياستي خلاص مش عاوز منك حاجه..
بس نصيحه متبقيش جبانه..
الحياه عاوزه قلب جامد..
مبتحبش الضعيف.. بتموت الضعيف بالبطئ..
يا فريده..
رمقها بنظره عاشقه لم تخطئ بها يوما واستدار راحلا باتجاه سيارته..
وقفت هي تردد كلماته بذهنها...
هي بالفعل جبانه..
أدار محرك سيارته ورمقها بابتسامه وهم بالرحيل..
ولكنها في لحظه وجدها بجانبه....تجاوره بالسياره..
فتح عينيه بصدمه.. ممزوجه بسعاده لم يستطع اخفائها..
فريده بتوتر وجرأه جديده عليها منذ التقتهم تلك الليله..
هي تعلم انه لن يؤذيها..
لقد قضت ليله كامله معهم وعاملوها بحب كأختا لهم..
هاجي معاك بس بشرط..
نظر لها ولم يتكلم فأكملت:
تردلي جميلي اللي عملتهولك..
وساعدتك في الليله اياها..
كيان بدهشه:
ازاي..؟
فريده بدون تردد.. فهي تحتاج لذلك وبشده:
تعلمني ازاي أبقي قلبي جامد.. كدا وماخفش من حاجه..
أنا فعلا جبانه..
كيان بسعاده بعدما استوعب حديثها.. ولمعه بعيونه..
غمز لها بسعاده قائلا بجديه:
موافق......
فريده بدهشه:
بجد..؟
كيان بلهجته الصعيديه:
جد الجد كومان..
فريده بعيون مصدومه:
صعيدي..! كمان..؟
كيان بفخر مبسطا يده لها:
ودا وعد صعيدي..
هعلمك تاخدي حقك من عين الكل..
مدت يدها توثق وعدها ببراءه:
وعد صعيدي..
علمني ارجوك..
كيان:
هعلمك..
ودا يبقي اسمه وعد كيان لاحلي فريده..
فريده بسعاده مردده وراءه:
وعد كيان لفريده..
انتبهت من شرودها....
علي ندائه باسمها..
وفي قلبها اشتعلت تلك الروح التي دفنتها منذ سنوات..
وبرأسها بدأت تتذكر قواعده...
واحده تلو الاخري..
أحمد بتوتر وهو ينظر لهيئتها التي رغم ارهاقها جميله.. مغريه..
كانت تقف امام المرآه تمشط شعرها شارده...
وترتدي قميصا بيتيا قصير.. قديما لكن من ترتديه أضافت سحرا له..
ليس بالقديم ولا بالجديد.. بمن يرتديه..
ابتلع ريقه مدركا أن مايفكر فيه لن يأخذه منها الا غصبا فهي زاهده به لا تريده..
لمحه بالمرآه يبتلع ريقه وقد فهمت ما يفكر به ولكنها تعلم انه لن يجرؤ..
التفت له.... بهدوء:
خير ياأحمد..؟
احمد بتوتر:
هااا.مفيش..
التفت مره اخري غير مكترثه له..
فأغمض عينيه يستعيد كلام روان التي أملت رأسه به...
فلاش باك..
أحمد: انتي بتقولي ايه.. ازاي..؟
روان: زي مابقولك كدا.. انت تخليها تروح عند أهلها يومين.. كدا.. وفي اليومين دول نكون جهزنا كل حاجه.. ولما تيجي ناخد منها الولاد ونطردها.. ولا انت بقي مبتحبنيش..؟
احمد بضعف: لا ازاي بحبك طبعا بس فريده...
روان بغيظ: فريده.. فريده.. هو انا كل ما اكلمك تقولي فريده... اوعي تكون بتحبها..؟
ابتلع ريقه... مفكرا.... هل يحبها.. ولما خائف من خسارتها هكذا..
احمد: انتي فاكره الموضوع سهل.. ابويا وعابد مش هيسمحوا بأذي فريده... ولا هيسمحولي بالجواز عليها اصلا.. ولا اهلك.. نفسهم.. هيرضو بي..؟
ياروان بتأكيد: متقلقش من اهلي.. احنا هنحط اهلك واهلي قدام الامر الواقع.. هنتجوز ونيجي نحطهم قدام الامر الواقع.. ولو علي امك وامي.. فهما عارفين وهما اللي مخططين لكدا.. مانت عارف امك مبتحبش فريده..
احمد بتوتر: ربنا يستر..
روان بخبث: انا همشي بقي وانت اطلع اعمل زي ماقولتلك.. وهكلمك بالليل.. سلام..
باك..
نظر لها مودعا.. ربما من الافضل أن يتركها.. هو لا يستحقها.. فتاه كالنسمه مثلها لا تستحق رجلا مثله.. شيطانه يعمي قلبه.. وعينه..
تنهد هامسا باسمها... فريده..
التفت له مره أخري.. فردت بزهق:
في ايه يااحمد.. عاوز تقول ايه..؟ بقالك ساعه واقف كدا.. هات من الاخر.. ملهاش لازمه تتردد.. ومتقلقش.. انا اتعودت..
بلع ريقه بحزن.. وسحبها من يدها بهدوء.. للفراش..
جلس وأجلسها بجانبه..
رفع يده بهدوء يبعد شعرها المستكين علي عينيها يمنعه من رؤيتهم.. يريد ان يراهم لربما المره الاخيره..
ابتعدت بوجهها عنه بنفور.. فأغمض عينه.. بحزن..
احمد: عاوزه اتكلم معاكي شويه... ممكن..؟
فريده بتنهيده:
اتفضل....
وبتهكم أكملت: بس مش شايف انها غريبه شويه.. اول مره من يوم مااتجوزنا تكون حابب تكلم بلسانك معايا.. وتلغي ايدك.. ولا تكونشي ايدك وجعتك..؟
احمد بتأنيب داخلي لنفسه: هو من أوصلها لذلك.. وقد قرر. مصارحتها ضاربا بكلام روان عرض الحائط.. علها تثور ويلمح بعينيها بعضا من التمسك به..
احمد: فريده.. انا هتجوز روان..
رفعت نظرها له ببرود.. وكان ماقاله لا يعنيها.. او كانت تتوقعه..
منذ عادت تلك الروان لحياته وهي تتوقع ان يأتيها يوما ويخبرها بذلك..
لم تستغرب أبدا.... هي لا تشعر بالغيرة.. ولا بالوجع.. لقد تبلدت مشاعرها..
ابتسمت وصدي صوته يردد بأذنها..
فلاش باك
في ليله ماطره وبأخر بقاع المدينه في رحله مجنونه من رحلاته ليعلمها قواعد التمرد والشجاعه..
كيان: بصيلي كدا.. ياأحلي فريده..
فريده بابتسامه وهي تنظر له باهتمام: اهوو..
ضحك.. وآكمل.. باصرار: متخافيش.. اتمردي وقولي لا.. لكل اللي مش علي كيفك.. قولي لا.... واوعي تخافي أبدا.. طول مانا جمبك.. عاوزك تقولي لا في عين الكل..
وبحب اقترب منها هامسا امام وجهها: ولو الكل اتخلي عنك.. فانا لا..
فريده بتوتر من قربه: ياسلام.. افرض مكنتش جمبي وانا عاوزه اتمرد واقول لا وخايفه من اللي قدامي.. اعمل ايه..؟
كيان بهمس وهو يقترب منها أكتر: ساعتها غمضي عينك وافتكري كيانك حبيبك.. وهو بيقولك قولي لا... ووقفي بهدوء وبصي في عينهم.. خلي عيونك تتكلم.. زي ماهي بتتكلم وبتبرجلني.. كدا..
فريده بهمس: طب.. وبعدين..؟
كيان: بعدين تقومي وقفه كدا بكل جبروت وتمشي.. الصمت يافريده قوه اكتر من الكلام..
نفسه..
فريده: بص انا أصلا مبعرفش اتكلم.. حلو حل الصمت دا.. خلاص هسكت..
ضحك بسعاده.... علي براءتها.. مهما علمها لا تتعلم..
خلاص اسكتي ياقلب كيان.. بس اوعي تبيني للي قدامك ان سكوتك ضعف.... ثوري واتمردي.. متخفيش.. انتي قويه.. ولو مش بيا.. يبقي بنفسك... انتي قويه يا أحلي فريده في الدنيا..
باك..
احمد: متسكتيش يافريده.. انتي ليه دايما ساكته.. انا بالنسبالك ايه يافريده..؟
فريده بتهكم وسخرية أجابته:
ولا حاجه..
احمد بصدمه:
ولا حاجه ازاي..؟
رفعت عينيها ببرود ناظره له.. واكملت:
فلتخرج ما بجوفها وتنتهي..
انت ولا حاجه ياأحمد.. بالنسبه لي..
أقولك علي حاجه.. كمان.. انت تستاهل روان.. وروان تستاهلك.. انتو شكل بعض اوي.. ولايقين علي بعض..
وببرود اكملت: مبروك..
احمد بدهشه:
ببساطه كدا..؟
فريده:
اه ببساطه كدا..... روح اتجوز.. ربنا يسعدك.. انت طريقك من البدايه مكنش طريقي.. سكه غلط ودخلتها.. ومعلش الواحد مبيتعلمش ببلاش..
أقولك حاجه.. عارف كام مره استنيت فيها تختارني.. ومختارتنيش.. طب عارف كام مره احتجتك تدافع عني وكالعاده بتخذلني.. كام مره هنتني وقليت بيا.. انت بتتكسف مني ياأحمد.. مع ان لو بصيت لنفسك انت تكسف بلد..
اشتعلت عينه وكتم غيظه وهي تعريه امام نفسه.. ولكنها قررت الكلام وانتهي الامر.. قررت البوح وليحدث ما يحدث..
عارف كام مره احتجتك وملقيتكش.. كام مره ولادك تعبو واحتجتك معايا بالليل وانت قافل علي نفسك وبتحب في ست روان بتاعتك.. كام مره سمعتك وانت نايم معاها في التليفون.. وبتأكيد.. أكملت: نايم معاها يااحمد زي المتجوزين.. وبتهمس لها بكل وضاعه وقرف بحاجات قذره.. كام مره أشوفك بتعري نفسك ومنسجم معاها... كام مره سمعتك بتهيني معاها.. وبتتكلم وتعيب فيا..
اتجوزها ياأحمد.. بس خلي بالك الدنيا دواره.. واللي بتعمله بكره يقعدلك.. وأتمني يقعدلك.. وهدعي ليل نهار أشوف فيك يوم..
ألجمت لسانه وعلت صدمته.. وجحظت عينه.. وهي ترمقه بقرف واشمئزاز..
ابتلع ريقه... وخرج صوته مهزوزا:
انتي السبب.. انتي اللي..
صرخت بأعلي صوتها به:
انتي ايه..؟ انا ايه.. انت اللي مقرف وقذر.. انا بقرف منك.. يااأخي.. ياريتني ماكنت شوفتك ولا عرفتك.. واحد زيك وسخ قذر.. بلاش تجيبها فيا.. أنا بكرهك يااخي.. مابكرهش حد في حياتي قد ما بكرهك.. اتفو عليك.... جبان وواطي.... حقير..
كف يده التي حطت علي وجهها بغل وصراخ من أخرستها..
احمد: اخرسي.. انتي نسيتي نفسك..
ولم يعد يدري ماذا يقول كعادته.. انطلق مارده:
انا اشتريتك بفلوسي.. مبتبصيش لنفسك في المرايه.. انت مقامك الخدمه وبس.. وهتجوز روان وانتي هتعيشي تخدميها وبس.. وابقي وريني مين هيقف جمبك.. أبوكي اللي في كل مره بتروحيله بيرجعك زي ال... ليا.. ولو عاوزه تتطلقي يبقي تتنازلي عن الولاد ومع السلامه..
فريده بصراخ:
اه ياخسيس.. هتفضل طول عمرك خسيس.. ولادي بعينك.. كله الا ولادي.. مش هسمحلك.. أبدا.. هاخدهم من عينك.. انت تعرف ايه عنهم اصلا.. انت ولا حاجه بالنسبه لهم..
ازداد شجارهم وملأ المكان وازداد صراخهامع ازدياد ضرباته لها..
كان صاعدا للاعلي ليعطيها اولادها.. فاستمع للمشاده بينهم وما القاه علي مسامعها.. حرفا حرفا..
ازداد الصراخ واشتعلت النار بقلبه من اخيه.. سيحطم فكه....
وضع سليم ارضا وبجانبه أخته.. وارتفع صوته.. ينادي علي اخيه..
خبط الباب المرتفع لم يثنيه عن ضربها واصبح كالمجنون..
لم يجد حلا الا بكسر الباب.. ولا احد هنا غيره.. لقدذهبوا جميعا..
عابد: افتح ياأحمد.. افتح ياجبان..
ارتفع صراخ الصغار.. ولم يجد ردا.. فاستجمع قوته وكسر الباب..
دخل وجده يكيل لها الضرباتوهي فقط مستقبله بلا حراك..
أزاحه من عليها بغضب وفوجئ بهيأتها.. العاريه..
عابد: ياوسخ.. بتضربها ياوسخ.. قسما بالله لو ماكنت اخويه لقتلك... دلوقتي..
أحمد بغل منه: اه الفارس الهمام.. متقول بقي ان عينك منها.. بدافع عنها اوي وبحرقه.. عينك من مراتي... بتحبها..؟
لكمه عابد بفكه: اه ياوسخ.. ياريتها ترضي بيا.. وانا كنت أجيبلها الدنيا تحت رجليها.. ياوسخ.... انت متستهلش ضفرها..
تبادلو اللكمات.. وهي تبكي بقهر.. لمحت صغارها الباكين.. قد اقتربو منها ولم تستطع أن تضمهم بيدها لتطمأنهم..
عابد وهو يزيحه بيده للخارج:
غور من قدامي.. والا هخلص عليك.. غور.. انت اللي زيك ميستهلش غير واحده زي روان فعلا.. واحده خرج بيت روح.. ربنا ياخدك..
فر من أمامه... هاربا... كالفأر.. متمتما بأقذر الكلمات بحقه وحقها..
استند بيده علي باب الشقه ينهج بتعب.. لمح عباءتها بأحد الجوانب.. فجلبها لها واعطاه لها ومازال مستديرا يغض بصره عنها..
عابد: خدي يافريده.. استري نفسك..
جذبته بأيد مرتعشه.. ترتديه بتعب...
خبط علي باب المنزل القديم.... جعله يتحدث بلهفه.. بعدما انتظره طيله النهار..
شوفي مين ياام فريده.. دا اكيد راجي..
شريفه: حاضر ياعبدالله.. قايمه اهوو..
دخل راجي بعدما رحب بشريفه..
راجي ابن عم عبدالله يعمل حارسا ببيت الحاج راشد.. من زمن.... حينما انتقل باحثا عن لقمه العيش.... وهو حلقه الوصل بين اهل فريده وعبدالله ينقل له اخبارهم..
بعد الترحيب به..
عبدالله بلهفه: ها ياراجي.. ايه الاخبار..؟
راجي بحزن: مطمنش يا عبدالله.. الحاج قالب الدنيا علي بنت بنته.. وامها تعبانه اوي وحالتها صعبه... علي عيني اشوف الست ناديه كدا ومطمنهاش.. منها لله اللي كانت السبب..
عبدالله بحزن: مش هيا بس اللي حالتها كرب.. بنتها كمان.. شايفه الذل ومش قادره تتنفس.. قولتلك قول للحاج راشد واطلب الحمايه.. منه..
راجي: ومين جالك.. محاولتش.. اني حاولت كتير اجوله.. لكن المره السو وجفالي بالمرصاد.. و بتهددني بعيالي.. دا حتي يوم ما جررت تبعت فريده لامها من سنين معرفش منين عرفت.. وكانت هتموت ولدك فيها..
عبدالله: يااه.. للدرجادي الغل والغيرة عامينها..
راجي: طبعا.. الست ناديه كيف البلسم.. ويتغار منها.. ربنا قادر يشفيها..
عبدالله بتنهيده: علي عيني يابنتي.. كل مااقول هتفرج.. اظاهر ان قدرك كدا.. يابنتي... ربنا يقرب البعيد....
راجي: يارب..
انتبهت لوقع أقدام آتيه باتجاهها..
كانت تجلس بالشرفه ناظره للاشئ كعادتها..
دخل باحثا عنها بعينيه... عمته الحبيبه.. تفهم عليه أكتر من والدته.... يرتاح بجانبها ويفضي ما بصدره لها.. لطالما كانت تسمعه وتحاوره.. منun تعبت ودخلت بحاله صمت وهو يأتي كل فتره يفضي بمكنون قلبه وتسمعه بصمت.. وحدها عينيها التي تعبر عن تعاطفها معه.. ولما يخبرها به.. يعلم انها تفهمه وتشعر به.. يدها التي تمسد علي رأسه تجعله مستكينا.. يدها الحنونه تذكره بيد أخري لطالما كان يخبرها بأنها دائه ودوائه..
وسط شروده لم ينتبه انه جلس بالفعل أمامها كطفل صغير وأرجع رأسه للخلف.. وبالفعل يدها الحنونه امتدت لتمسد رأسه بهدوء.. لم يخطئ ابدا.. هي تفهم وجعه..
كيان.. بلهجتهه الصعيديه التي دائما ما كانت تؤنبه علي تناسيه لهجته وتخبره دائما ان يتحدث بها معها... ابتسم متذكرا حديثها يوما وهو يتحدث معها كأهل المدينه..
فلاش باك.
واه ياكيان ياولدي جلتلك ميت مره.. كلمني صعيدي ياواد انت.. لهجتك الصعيديه بتوصل لجلبي طوالي..
باك..
تنهد.. يذكرها..
خابره ياعمتي.. البنت اللي خبرتك عنها زمان... كانت يدها بتشبه يدك أكده.. بتاخدني لعالم تاني.. لما كنت اشتاجلك.. والدنيا تقفل بوشي.. كنت اجري اخطفها لبعيد واجولها.. امشي يدك علي شعري.. تعبان ونفسي ارتاح.. يدها كانت كيف يدك ياعمتي.. كيف السحر ياعمتي....
ضحك مقلدا: ايه.. خابر هتجولي ايه.. بسرك.. هتجولي دلوك.. يدي برديك ياواد اخوي.. ولا يدها..؟
ابتسمت بزاويه فمها لحديثه ولم يلحظها هو.. مسترسل بحديثه..
هجولك.. عندك حج ياعمتي.. يدها كيف السحر.. وعنيها كيف شجر الزيتون.. وضحكتها كانت بتنسيني همومي لو كانت حمل جبال..
ارتعشت يد عمته وابعدتها من علي راسه شارده.. بعينين تشبه وصفه.. ولكنها باغتها بسحب يدها ووضعهاعلي رأسه مره أخري.. قائلا بصوت يملؤه الغصه..
قلبه يؤلمه.. هي ليست بخير.. يشعر بها.. واه من قلبه ومراره الفراق.. واه من ضعفه لذاكراها.. واه من حنين قلبه.. وقهرته عليها.. واه وألف اه من قهر الرجال....
همس بتعب.. متبعديش يدك ياعمتي.. عاوز ارتاح.. ريحيني ياعمتي.. يمكن نار جلبي تهدي.. تعبان جووي.. جووي ياعمتي...
تايه ضايع وانتي بعيد
ذكري بعيده وقهر جديد
نار كوياني وقلب شريد
في بعدك عني ناري تزيد
بدعي ياروحي كل دقيقه يبرد قلبي
وبلقياكي ينبض قلبي بعشق جديد
بعشق روحك.. لمسه ايدك..
وعارف انك زي وحيده..
وهيا مريضه وهي حزينه وهي في ضيقه..
قلبي بينبض حاسس بيها... حاسس انك واقعه..
ياعمري في ضيقه..
شاوري ياعمري ونادي بقلبك..
وانا أفديكي يااحلي فريده..
رواية رحماكي الفصل الرابع 4 - بقلم أسما السيد
أغمضت عينيها بحزن وقهر.
واسودت الدنيا في عينيها، ولم تستطع أن ترفع يدها لتجلب جلبابه لتستر به عورتها التي انتهكها زوجها، ولم يلقي بالاً أنها هي عرضه وشرفه.
باتت عارية هنا.. أمام أخيه.
تحاملت على نفسها ومدت يدها تلتقطها، ولم تستطع. دوارها غلبها وجسدها يؤلمها، كل شيء بها يؤلمها.. حتى روحها المقهورة تؤلمها.
وجداً.. ما أصعب أن يعريك من كنت تتوقع أن يسترك بيديه، يخبئك بأحضان عن العالم كله.
وما أصعب أن يخيب ظنك بمن كنت تحسبه الدنيا وما فيها، فيعريك بيديه ويتلذذ بعذابك.
صرخت صرخة موجوعة مهمومة ودارت بها الدنيا، واستسلمت لغيامتها السوداء التي تناديها.
وصورته هو صارخاً بها آخر ما أبصرته.. ذكري بعيدة... كانت آخر صورة له.
flash back..
قطع المسافة بينها وبينه مهرولاً، قلبه يخبره بأنها النهاية.
كيان بلهفة، ودموع حبيسة.
"فريدة.. استني يا فريدة.. عشان خاطري اسمعيني.. فريدة..."
مدت يدها منه صارخة به: "ابعد عني.. روح لمراتك. وبمرارة ودموع انهمرت على خديها. متجوز! مبروك..."
كيان بهيسترية: "اسمعيني يا عمري.. أنا.. وحياتك ما في غيرك في حياتي.."
فريدة وهي تضع يدها على أذنها: "اسكت.. اسكت.. مش عايزة أسمعك.. انت خذلتني زي كل حاجة حواليا خذلتني.. ابعد عني."
هرولت مبتعدة.. تجري ويجري خلفها.. متوسلاً إياها أن تسمعه.
غابت بين زحام الطريق وغاب هو.. وانتهت الحكاية.
back..
أغمضت عينيها واسمه يتردد.. على لسانها بهمس.. أن ينتشلها.. ينقذها.
ياليتها استمعت له.. وياليت...
ياليتني.. انتظرت وبين ذراعيك.. ألقيت مر دنيايا.. راضية أنا وأكتفي..
إن كنت لقبي.. وإن لم تكن يا فرح وهنايا..
ياليتني عدت ولم أصدق ما سمعته أذنايا.. ياليتني.. وياليتني..
ولكن هل بالمني.. يا عمري.. تلتقي دنيانا..
التفت مسرعاً على صرختها.
"عابد.. فريدة.. مالك فيكي إيه."
أغمض عينيه عن عورتها وجلب جلبابها وحاول ستر عورتها به قليلاً.. حتى يستطيع رؤية ما أصابها.
عابد بتوتر: "فريدة.. فوقي.. فوقي يا فريدة."
التفت لابن أخيه ذي العامين.
"سليم يا حبيبي.. هات إزازة الماية اللي هناك دي.. بسرعة."
انتبه الطفل لعمه وذهب يلبي ندائه.
كانوا بالخارج وصادفوه.. أثناء خروجه بتلك الحالة.
ضربت الأم يدها على صدرها.
الأم: "أحمد.. مالك يا عين أمك.. مين عمل فيك كدا."
لمعت عينه بخبث.. وماردة تحكم.. به.
انتبه لوالده. يتحدث بخوف.
"في إيه يا أحمد.. مين بهدلك كدا."
أحمد بصراخ مصطنع: "ابنك الكبير اللي عامله كبير العيلة وكله يمشي تحت طوعها.. اطلع شوفه في حضن مراتي."
سليم بصياح: "انت اتجننت.. اخرس يا وسخ.. إيه اللي بتقوله على أخوك دا."
أحمد: "مش مصدقني.. اطلع شوفهم بنفسك."
وكأن.. والدته فهمت ما يريده..
فصرخت بأعلى صوتها..
إلى أن التمت الحارة التي يسكنون بها على أثرها.
طلعت مسرعة وهو وراءها.. يتمنى أن يكونوا كما تركهم.. حتى تثبت تهمته عليهم.
ووالده أيضاً.. صعدت الدرج بـ هرولة.. تتمنى بداخلها أن يكون ما يقوله صحيح.
ستكون فرصتها لتزيحها.. وتشفى غليلها منها ومن والدتها.
وأخيراً.. اندفعت لداخل الشقة.. فوجدتها تصارع لفتح عينيها.. بين يدي عابد.
ضربت صدرها.
"يلهوي.. بتعمل إيه يا عابد.. ملقتش غير مرات أخوك.. يلهوي..."
سليم الأب بصدمة: "لم يكن يتوقع بهم هكذا.. يا خسارة يا عابد.. مكنش العشم يابني."
عابد بعدم فهم: "في إيه يا بابا.. اطلب الدكتور لو سمحت.. فريدة تعبانة جدا."
اندفع أحمد ليكمل ما بدأه.
"أهو يابابا.. شوفت عريانة وفحضنهم.. مقدرتش أستحمل.. لولا إنه أخويا كنت قتلته."
اشتعلت عين عابد واقترب منه صارخاً به: "انت بتقول إيه يا وسخ.. يا حصل لكدا.. اتقي الله يا أخي.. متصدقوش يابابا.. دا هو.."
صمت بصدمة حينما حطت يد والده على خده.. لأول مرة.
عابد بصدمة وبعيون جاحظة: "بابا.. انت مصدق إن أنا أعمل كدا بجد."
كانت استفاقت وامسكت بجلبابها لتستر نفسها به.
انقضت عليها حماتها.. خاطفة إياه من بين يديها.. صائحة بها.
"لا هتخرجي كدا يا وسخة.. عشان تشرفي أبوكي وأمك الشريفة.. وعيلتك.. وبغل أمسكتها.. قومي معايا..... خلي الدنيا بحالها تشوفك.. وتشوف وساختك.. أويناكي ولميناكي.. بس تقولي إيه.. الوسخ وسخ.. مانتي كنتي مدوراها في مصر.. والآه دكتورة..."
صاحت بأعلى صوتها: "تعالوا شوفوا الدكتورة المحترمة."
فريدة بقهر.. لحالها وحال أبنائها الباكين.
"أنا معملتش حاجة.. قولهم يا عابد.. قولهم.. أرجوك يابابا..."
سليم الأب باشمئزاز لابنه: "هتقولي إيه.. وأنا شايفها بالمنظر دا في حضنك.. اخص عليك يا خسارة تربيتي فيك.. امشي من هنا وخد الوسخة دي معاك."
عابد بصدمة.. لتاني مرة.. يعيد عليه عتابه الخلوق.. لربما يفيق والده ويصدقه.
"حتى انت يابابا.. انت تصدق إن أنا أعمل كدا.. انت مصدقهم فعلاً."
الأم بغل.. وهي تدفعها وتصرخ بها وتسحلها لأسفل.. حتى أصبحت بالخارج.
والتجمّع الجميع على صراخها.
"برا.. برا يا وسخة.. تعالوا ياناس شوفوا الست الدكتورة جيبنها منين...."
ازدادت الهمسات حولها.. وضعت يدها حول جسدها العاري.. تستره بيدها.
صرخ بهم.. أن يصمتوا.. وانتزع قميصه واندفع يلبسها إياه.
فريدة بهيستيريا: "ولم يعد يعنيها شيئاً غيرهم.. ولادي يا عابد.. ولادي."
عابد بصلابة: "امشي يافريدة.. امشي.. وحياة دموعك وظلمي وظلمك دا.. لجيبنهم لك من عينهم."
فريدة: "لا.. مش هسيب ولادي.. لشبيه الرجال دا."
واجمعت بها قوة العالم.. ونفضت يده الممسكة بها.. واقتربت منه.. تخبره بقوة.
"ارمي عليا يمين الطلاق.. ياشبيه الرجال.. وهات ولادي بالذوق."
أحمد بحقد.. بعينه.. "تشوفهم.. أبقى خلي عابد بيه ينفعك."
عابد بحزن وتهكم: "يا عيني عليك يا أخويا.. آخرتك هتبقى وحشة.. وحشة أوي.. اديها ولادها بالذوق.. وخليني أمشي.. ميشرفنيش أبقى من العيلة دي."
الأم بغل: "اسكت يا عابد.. ضحكت عليكو.. خسرتك أخوك."
اقترب ذلك الشيخ أمام الجامع جارهم المقرب.
"اتقوا الله يا جماعة.. دي أعراض.. ولا إيه."
الأم: "تقصد إيه.. إحنا بنتبلى عليه.. ما تبص بعينك وشوف."
استغفر الرجل في سره وغض بصره هامساً.
"ربنا يتولاكي برحمته يابنتي.. استعوضي عيالك واستودعيهم عند ربنا.. اللي زي دول انعدمت الرحمة من قلوبهم."
اقتربت بحزن ودموع عيونها اغرقتها.
"منه.. قولهم يا عم الشيخ.. قولهم بالله عليك.. خليهم يدوني ولادي."
اقتربت زوجة الشيخ.. ولعلمها بما تعانيه فريدة.. منها.. وبيدها جلباب.
"تعالي يا فريدة يا بنتي.. البسي هدومك.. ربنا عالمفتري يابنتي."
استسلمت لها وسترت جسدها.
كان عابد أدار سيارته واقترب منها.. قائلاً بأمر: "اركبي يافريدة."
نظرت لطفلها الباكي وحماتها تكتفه بيدها.. وهو يصرخ مادداً يديه لها صارخاً بماما.
وكذلك ابنتها التي يحملها أحمد.. لأول مرة بحياته.. وينظر لها بشماتة وانتصار.
صرخ بها عابد: "اركبي يافريدة."
أغمضت عينيها أخيراً.. واستسلمت لرياح الغدر لتحملها كيفما تشاء.
بيت روان..
أمل: "روان.. بقولك إيه.. انتي متأكده من اللي انتي بتقوليه.. أنا خايفة.. أوي.. هو مش كدا يبقى اسمه زنا بردو."
روان بخبث: "يابت زنا إيه.. انتي غبية.. ده كله كلام في التليفون.. هو انتي شيفاه يعني في حضنك.. انتي كدا هتضيعيه من إيدك.. ده مهندس يا بت.. يعني فرصة تغيظي بيها ست فريدة بتاعتكم دي.. اللي حاطة مناخيرها في السما.. وبعدين ما أنا أهو.. أنا وأخوكي.. وأهو خلاص هنتجوز.. يابت اتعلمي بقي."
لمعت عين أمل بتحدي.
"عندك حق يا بت يا روان.. أنا لازم أسمع كلامه.. عشان يجي يتقدملي.. وساعتها تبقي الروس اتساوت.. بس انتي ضامنة ابن خالك دا."
روان بخبث: "طبعاً.. بقولك.. هو زمانه جاي.. هبقى أسيبكم تقعدوا شوية مع بعض.. وأروح أقضي حاجة كدا... وأمي مش هنا دلوقتي.. انتي فاهماني بقي.. أي حاجة يقولك عليها تعمليها.. عصام بيحبك ومعجب بيكي."
رن جرس المنزل.. فجرت تفتح.. له.
"أهو جه أهو.. ظبطي خلقتك دي يالا."
أمل: "حاضر.. أهه.. والله وهكسر نفسك يا فريدة هانم."
روان: "بقولك إيه.. البت جوة.. أنا هسيبكم شوية.. عايزك تنفذ اللي اتفقت معاك عليه.. عايزة أجيب مناخيرها الأرض."
عصام بخبث: "عيوني يا جميل.. بس كله بتمنه."
روان بدلع: "طبعاً.. هو أنا ليا إلا انت يا عصومي."
عصام: "هو دا.."
سوهاج..
نزلت الدرج بعدما تخلت عن احتشامها.. استعداداً للنوم.. وارتدت منامتها الوردية التي تعشقها.. كانت أهداها لها والدتها بأخر عيد ميلاد لها قبل الحادث.
جاءت لتخلد للنوم وبحثت عن أخيها.. ولم تجده.. فرجحت أن يكون بالخارج مازال يلعب بالكرة.. فلم ترتدي ثيابها المحتشمة كعادتها ولا نظاراتها الطبية.
نزلت الدرج مسرعة.. تبحث هنا وهنا.. فلمحها ذلك الجالس على حاسوبه.. ناظراً لها ولما ترتديه.. بصدمة.
من تلك.. انطلقت لخارج.. البيت العريق كما يسموه.. الدوار.. تنادي أخيها.
"محمد.. يا محمد...."
خرج وراءها... ينظر لها بصدمة من جمالها وشعرها الذي يهفو خلفها.. جسدها التي كانت تخفيه بتلك الثياب التي كان يسميها شوالاً عليها.
ابتلع ريقه.. وهو يعلم أنها تخشاه ولا تريد الاقتراب منه دائماً.. وهو لم يكن أكثر حالاً منها.. فكان ينبذها دائماً.. هي ابنة عدوهم كما يخبره والده.. وعمته.. إذن ماذا حدث له.
سلمي: "وينه ده."
"اف يا محمد."
اقترب رحيم ابن راجي لغياب والده.. فقد رحل لأقاربه بالمنصورة.. كما أخبرهم.
رحيم أكبر منها بعامين فقط.
"أيوه يا سلمي.. بدوري على محمد.. لسه عم يلعب بره.. خشي انتي جوة واني هروح أندهولك."
سلمي: "ماشي يا رحيم.. بس جولة يا جي.. بسرعة.. الله يرضى عنيك.. أنا جلجانه عليه جوي."
رحيم بابتسامة: "عيوني يا سلمي.. فوتي انتي للدوار واني هروح أشوفه."
سلمي: "لا.. هملني اهنه وروح انت."
صرخ بها بغيره.. وبلهجة صارمة: "ما قالك خشي للدوار.. ولا عجبك المرقعه دي."
التفت بانتفاضة من صوته المرتفع.
"فهد.. انت."
فهد بحده: "خشي جوا.. استري نفسك وبلاش مرقعه."
سلمي بحدة: "الزم حدك يا فهد.. ومتتحدتش معاي تاني مرة.. أجدها.. ظاهر إني أكمني سكت لك.. علطول هتسوج فيها.. بلاش دور البطل الهمام ده.. إني حرة.. أعمل كيف ما بدي.. لا إني أخصك ولا انت تخصني.. واظن ده حدتك.. ولا نسيته."
فهد بصراخ: "سلمي."
أتاه صوته الحاد.
"كيان."
بحدة: "فهد.. متعليش صوتك.. على بنت عمتك.. فاهم.. خشي ياسلمي جوا."
دخلت للدوار بعدما رمقته بنظرة حارقة.
فهد: "انت بتقويها عليا يا كيان."
كيان: "لا بقويها ولا حاجة يا أخويا... ملكش دعوة بعد كده بسلمي.. واظن انت بنفسك رفضت جوازك منها.. لأنها مش استايلك.. زي ما بتقول.. وفضلت بنت عمتك سحر عليها.. يبقى خلاص.. ملكش دعوة بيها."
فهد: "بلاش دور الصعيدي اللي عيش لي فيه دا يا كيان."
كيان بلهجة حادة: "له.. الزم حدك يا فهد.. ومدام مش عاجبك الصعيد.. متجيهوش تاني.. واسمع.. سلمي ومحمد في حمايتي.. واللي يتعدى عليهم.. اتعدى عليا.. فاهم.... ونصيحة.. بلاش تسمع لعمتك كتير.. وأبوك.. عشان متندمش.. وانت اخترت.. يبقى خلاص.. ملكش دعوة بسلمي."
فهد بغيظ: "ومالهم بقي ولاد سحر.. ما انت متجوز منهم.. ولا حلال ليك وحرام عليا."
اشتعلت عينه وقد تذكر بلاءه وزواجه من ابنة عمته سحر.. غلطته الوحيدة.. ولولا إجبار والده.. لما تزوجها أبداً.
نظر لفهد بتهكم.. قائلاً: "عندك حق.. ربنا يسعدك.. بس أتمنى يا أخويا.. مترجعش تندم.. عن إذنك."
مساء..
بمنزل والد فريدة.. تجلس محتضنة ابنتها تبكي على ماصابها.
دخل راجي وعبدالله بعدما انتهت الجلسة العرفية التي أعدوها كبار البلدة في محاولة للصلح بينهم.. وإعادة أطفالها.
دخل مسرعاً منقضاً عليها.. ممسكاً بها من شعرها.
"فضحتيني.. فضحتيني يا بت الأكابر.. وارتحتي.. أودي وشي فين من الناس.. منك لله.. يا فريدة.. ده جزاء تربيتي فيكي.. عملت إيه عشان تفضحيني كدا.. وقفتي حالي وحال أختك.. فضحتيني."
فريدة: "والله يا بابا.. ما عملت حاجة.. دول بيكدبوا.. صدقني يابابا...."
عبدالله: "وفكرك.. بعد ما خرجتي عريانة بقميص النوم.. هيصدقوكي."
راجي: "حرام عليك يا عبد الله.. سيب البت.. هتبقى انت والزمن عليها."
عبدالله بصراخ له: "انت السبب.. انت اللي بليتني بيها.. خدها من هنا.. مش عايزها.. بسببها ابني كان هيموت.. وبنتي هيقف حالها.. مش هتلاقي اللي يتجوزها."
كان يقف بجوار المنزل.. بعدما أتى مسرعاً خوفاً من والده.. بعدما استطاع أحمد ووالدته أن يثبتوا التهمة عليهما.. لقد توقع أن يثور والدها.. ولكنه لم يتوقع أبداً ما يستمع إليه.
راجي: "حرام عليك يا عبد الله.. ياريتني ما جبتها لك.. ولا أمنت عليها.. انت السبب.. أوعى.. تعالي يا فريدة يا بنتي."
فريدة بدموع: "ولادي فين.. فين ولادي يا عم راجي."
عبدالله: "ولادك.. هتتنزلي عنهم.. وهتغوري من هنا.. أنا اتبريت منك قدام البلد كلها.. ميشرفنيش تبقي بنتي.. والحمد لله إنك مش بنتي."
دخل عابد بتلك اللحظة ولم يعد يحتمل.
"إيه اللي بتقوله دا يا عم عبد الله.. انت مصدق كدا في بنتك."
عبدالله: "أهلاً.. انت شرفت.. يالا.. خد الوسخة دي من هنا وامشي.. معدتش تلزمني.. برا."
راجي بذهول: "انت اتجننت يا عبد الله."
عبدالله: "وانت كمان برا.. وخد البلوة دي اللي بليتني بيها معاك.. مش بنتي.. ولا عاوز أعرفها من اليوم دا.. اللي بيني وبينك انتهي."
شريفة وهي تتمسك بابنتها التي ربتها ببكاء: "حرام عليك يا عبد الله.. فريدة لا يمكن تعمل كدا."
عبدالله وهو يخلصها من أحضان ابنتها: "ابعدي ايدك عنها.. برا.. برا بيتي."
احتضنها راجي بعدما دفعها عبدالله.. فارتمت بأحضانه بقهر.
"ولادي يا عم راجي.. عاوزة ولادي.. أرجوك."
راجي بحزن ووجع لوجعها: "على عيني يا غالية.. يا بنت الغاليين.. على عيني.. يابنتي."
ضنايا ودمه من دمي.. عليه ماتسموا وتصلوا.
ولادي وهما مأساتي.. عشانهم أعيش وأتحمل.
كنوز الدنيا دي بحالها.. ماتسوي شئ بعيد عنهم.
ولو خيروني بين الدنيا وأحضانهم.. هسيب الدنيا وأفضالهم.
عشان ما يعيشوا مأساتي.. ويبقوا في يوم نسخة جديدة من حالي.
ولادي.. يا ضي في عيوني.. يا نجم في سمايا.. بيلالي.
لو بعدوني عنكم في يوم.. يبقى الموت أهون ويحلالي.
رواية رحماكي الفصل الخامس 5 - بقلم أسما السيد
الماضي...ذكريات من عمر فات..
ارتمت شريفه أسفل أقدام زوجها عبدالله تبكي بحرقه علي ابنتها وما صابها. هي ليست ابنتها بالفعل، ليست من دمها ولكنها ابنة روحها، ربتها واكتفت بها عن الدنيا حينما استعوضت الرب حينما تأخر إنجابها. ذلك الرجل الذي يقف أمامها كان أحن عليها منها نفسها، ماذا حدث له؟ ولم فعل؟
صرخت به بحرقه:
"شريفه... ليه يا عبدالله، ليه كدا؟ دا أنت روحك في فريدة يا عبدالله. ليه؟ دا أنت الدنيا بحالها كانت تيجي عليها وأنت تقف في ظهرها. ليه بعدتها عني وعنك وسبتها من غير ظهر؟ فرطت فيها ليه يا عبدالله؟ بنتي استحالة تعمل كدا... استحالة. حرام عليك يا عبدالله، حرااام... هاتلي فريدة يا عبدالله، هاتها."
انحنى الرجل الذي غزى الشيب رأسه وتهالكت قواه بجلبابه المهترئ من العمل بالأجرة هنا وهناك، ودموعه أغرقت وجهه.
"عبدالله... قومي يا أم فريدة، قومي. أنا عارف بنتي إيه وربيتها إزاي."
شريفه بصدمه وصراخ:
"عارف؟ ومع ذلك صدقتهم وطردتها من حضنك ومن بيتك؟ يا أما قلت لك بنتك مكنش ليها الجوازة دي وأنت اللي قلت راجل وهيشيل عنها غدر الزمان ويقويها. كنت شايفها بتنطفي يوم بعد يوم وسبتها تغرق لوحدها. حرام عليك والله حرام."
أغمض عينيه ودموعه أغرقت لحيته.
"عبدالله... عشان تقوي يا شريفه طردتها. عشان تعرف تاخد حقها من عينهم وترجع لحضن أهلها. طول ما لقاني صدر حنين ليها هتفضل في حضني وعمرها ما هترجع لأهلها. فريدة لازم تقوي يا شريفه... فريدة لازم تتعلم تاخد حقها."
شريفه:
"كان ممكن تاخد حقها وهي في حضن في بيتي."
عبدالله بحدة:
"افهمي بقي فريدة طول ما هي معانا هتفضل المرة السوء عينها عليها. لازم تبعد عن هنا... لازم."
تركها ودخل غرفته يبكي مرارة فراقها. صرخت شريفه بصوتها الذي ضعف من كثرة الصراخ تنادي ابنتها بحزن، تناجيها وكأنها تسمعها. ابنتها ربيبتها، وهل ينكر أحد.
هناك أهل قادرون على جعلك تكره الدنيا وما فيها، يحطون منك ومن قدراتك، يخبرونك بكل الطرق أنك عالة وأنكتبت عليهم. غير قادرون على فهمك وفهم تخبطاتك، ومن وسط عتمتك يظهر لك أشخاص، يجعل الله بهم القليل كثير والشر خير لك. هي أقدار قدرها الله لنا، وعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا، فلتؤمنوا بأنفسكم أولًا، وبأنكم قادرون.
***
بيت راجي بالبلدة نفسها، بعدما اصطحبهم راجي له، جالسون وكلهم بواديهم. إلى أن قطع عابد الصمت متسائلًا وعينيه عليها يؤلمه قلبه عليها وكثيرًا. لقد دخلت بيتهم وردة متفتحة وانتهى بها الحال هنا وهكذا. تنهد بعدما خطر على باله ما حدث بالماضي، لو لم يحدث لكانت أميرته هو، زوجته، ولكنها أقدار.
استدار لراجي الجالس بخزي.
"عابد... ممكن بقي أفهم إيه الحكاية؟ وإزاي فريدة مش بنتهم؟ عاوزك تحكي لي وتقول لي الصراحة."
راجي بتنهيدة، بعدما رمقها متسائلًا بعينيه أن يخبره، فأومأت بإيجاب لثقتها بعابد.
"هحكيلك يا ابني، من 25 عام... كنت راجل غلبان، على قد حالي وعاوز أكون نفسي وأتجوز ويبقالي بيت وعيال. لفيت بلاد كتير أدور على لقمة العيش هنا وهناك، لحد ما حد ابن حلال دلني على دوار الحاج راشد اليماني، راجل كبارة كان راجل ولا كل الرجال، راجل حكيم وعادل، من سوهاج. الراجل كان خيره كتير ومغرق الكبير والصغير. روحت ورحب بيا وعاملني زين، وارتحت قوي عندهم. ومن هنا بقي ابتدت الحكاية. الراجل ده كان متجوز بنت عمه فريدة وكان بيحبها حب كبير قوي يا ولدي، وخلف منها بنته ناديا، اللي هي بقت والدة فريدة. بس يشاء القدر تحمل تاني وتموت وهي بتولد ابنها الثاني ويموت ولدها الثاني معاها. حزن راشد كتير عليها. سنتين مرت، بس أياميها والد اليماني الكبير غصب عليه يتجوز بنت عمه الثانية، سعيدة. اتجوزها وخلف منها بنتها سحر وولده سويلم. بس كانت بنته ناديا عنده غالية جوي عشان من ريحة مرته اللي لساته عم يعشقها. بنت عمه اللي اتجوزها كانت مرة سو... زرعت في جلب ولادها الاثنين الحقد والغل، لحد ما خلتهم كرهوا ناديا وعدوها. ولأن ناديا كانت كيف القمر زي أمها الله يرحمها، حبها ابن عمها مراد وعشقها. بس سحر كانت عينها على مراد. مراد كان حبيب عمه راشد وكان بيعده إنه يبقى كبير العيلة من بعده بعد ما ظهر الحقد على ابنه سويلم. ساعتها عرف إنه مينفعش يبقى كبير ناسه، هينشر الظلم والفساد. اتجوزت ناديا من مراد وحملت في فريدة بعد عذاب كبير وسنين من اللف هنا وهناك، كان مراد طاير من الفرحة. ومعاه كانت بتجيد نار سعيدة وبنتها سحر كانت عاوزة بنتها تتجوز مراد عشان تكون مرت الكبير. وجه يوم الولادة، ولدت ناديا بنت كيف الجمر، سموها على اسم الغالية أم ناديا، فريدة. فات أسبوع، والنجع كله بيدعي بالخير والبركة لراشد وحفيدته الغالية اللي جت بعد سنين وابن أخوه مراد. وفي ليلة كانت قاسية والمطر شديد جوي، فاكره كيف النهارده؟ كنت قاعد بالغرفة اللي بناها ليا الشيخ راشد، مداري من المطر. لمحت ضل حد بيخرج بسرعة. الفار لعب في قلبي، كانت الساعة داخلة على نص الليل. اتسحب وجريت وراه. لقيتها سعيدة، وبإيدها لفة صغيرة لفاها. فضلت ماشية واني وراها، لحد ما وصلت لآخر النجع، حتة مقطوعة بينها وبين الجبل مفيش. لمحتها وهي بترميها بغل على الأرض. وقتها معرفتش أتصرف، وقفت مشلول. معرفتش أتصرف..."
فلاش باك...
سعدية وهي تستدير بحده له:
"فكرك إنك هتخوفني يا أك وأنت عم تتسحب أكده ورايا؟ إني هخلص عليك أهنه ولا كأني حاجة حصلت."
راجي:
"إيه ده؟ لا أحب على يدك يا ست سعيدة، إني مشوفتش حاجة. أؤمريني."
تلألأت عينيها بخبث.
"سعدية... يبقى تنفذ اللي هقولك عليه بالحرف."
راجي:
"أمرك يا ست سعيدة. أمرك."
سعدية وهي تلف حوله كالشيطانه:
"أنت خابر بنت مين دي؟" وأشارت لقطعة القماش الملفوفة بها.
راجي:
"أيوه خابر يا ست سعيدة، دي فريدة بنت ست ناديا."
سعدية:
"عفارم عليك. أنت خابر إني لو سبتها أهنه هتموت وهترتاح، وهيحزنوا يومين، وهينسوا والعجيزة دي هتخلف تاني وتالت وهيتهنوا. إنما لأ، إني عاوزاها تعيش العمر كله محروجة جلبها على بنتها."
راجي:
"ليه أكده يا ست سعيدة؟ دي طفلة صغيرة إيه ذنبها."
سعدية بصراخ:
"اخرس! أنت هتسمع اللي بجولك عليه، وإلا هخلص عليك أهنه."
راجي بخوف على عمره:
"حاضر، هسمع يا ستنا."
سعدية:
"أيوه أكده. أنت تاخد البت دي وتشوف أفجر واحد في بلدكم وتديهاله... يربيها... يعلمها الشحاتة، يعلمها السرقة، أي شيء."
راجي:
"بس يا..."
سعدية مسرعة وهي تقرب المسدس من رأسه:
"جولت إيه؟"
راجي:
"أمرك يا ست سعيدة."
سعدية:
"عفارم عليك."
باك.
عابد بصدمة:
"مش معقول..."
راجي وهو يبتلع ريقه وينظر لفريدة التي تستمع بصمت:
"كان عبدالله ابن عمي أول واحد جه في بالي. كانت مرته معوجة في الخلفه وحالته عدمانة، ولأني عارف إن شريفه وعبدالله مفيش في حنيتهم، جبتهالهم وبقت بنتهم رسمي. استخرجولها شهادة ميلاد باسمها، ولأني عارف غلاوة اسم فريدة عندهم، خليته يسيبها باسمها فريدة. كان عايش بالمحلة، ولما حكيتله حكايتها صعبت عليه، وانتقلنا كلياتنا أهه المنصورة، وفضلت إني حلقة الوصل بيناتهم."
عابد:
"طب وليه... محاولتش تقول لجدها أو أبوها؟"
راجي بسخرية:
"حاولت كتير، بس في كل مرة كانت بتهددني بولادي، وخصوصا بعد ما الحاج راشد أمر يبني لي الاستراحة واتجوزت من هناك وخلفت كمان. كانت طول الوقت بتهددني بيهم. ولما فريدة كبرت وحبت تدخل طب، الشجاعة خدتها وقالت هروح لجدي وأحكيله، وقتها كان أبوها لسه موجود. بس يا فرحة ما تمت، كانت شريفه بعد سنين ربنا كرمها بأكرم وياسمين. أكرم وقتها كان بالإعدادية، فجأة عمل حادثة وكان هيموت. لقيت بنتها سحر بتجولي: 'جول لعبدالله قريبك، دي قرصة ودن، والمرة التانية لو فكر يبعت فريدة هيموت'."
عابد:
"نعم... دي عصابة. طب وعرفت منين، إن فريدة ناوية تروح لأهلها؟"
راجي بخزي:
"سمعتني يا ولدي واني بكلم فريدة بالتليفون وأوصف لها الطريق."
راجي:
"سامحيني يا بنتي، سامحيني. إني جبني وخوفي هو اللي وصلوكِ لاهنه. حرمتك بيتك وعيشتك المريحة. بس لو مكنتش نفذت كانت سبتك للديابة تاكلك، ودي ولية معدومة الضمير والرحمة."
عابد بإصرار:
"إنتي لازم ترجعي لأهلك يافريدة. أنا هروح لجدك بنفسي وأحكيله."
فريدة بإصرار:
"لا."
عابد بصدمة:
"لا ليه؟ ده حقك. إنتي بتفكري إزاي؟"
فريدة:
"لا... وانتهينا. يوم ما أرجع لأهلي أرجع لهم بعاري ده. إزي كان أبويا اللي رباني وعارفني صدقهم؟ عاوزهم هما الصعايدة يصدقوني؟ ده مش بعيد يقتلوني. عايزني أرجع لهم يا عابد؟ وكدا؟" وأشارت لنفسها كدا. "لا والف لا. لو عاوز تساعدني بجد... عاوزة ولادي... وبس. أرجوك يا عابد، عاوزة ولادي."
"أنا استكفيت من الدنيا بحالها، لا عاوزة أهل ولا عيلة، عاوزة ولادي وبس."
عابد بتنهيدة ووجع على حالها:
"حاضر يافريدة، حاضر. أوعدك."
***
ليلى... ببيت أحمد، ومع دعوات بقلب مكلوم وقلوب تعبت من الظلم، ورب عادل أقسم بعزته وجلاله لأنصرنك ولو بعد حين. كانت تجلس أمام حاسوبها مغلقة على حالها تنفذ كلامه كالمسحورة، وكأنه رمى تعويذة ما عليها، فأصبحت طوع بنانه. فأصبحت تخلع ملابسها له قطعة وراء قطعة، منغمسه فيما حرمه الله، أمام ذئب كان تخصصه هي وفقط. سلط عليها... وكانت هي فريسة سهلة.
أمل:
"كالمسحورة... أنا بحبك أوي يا عصام. أنا كدا بقيت مراتك صح؟"
عصام بخبث:
"طبعًا يا قلبي، أومال الورقتين اللي كتبناهم دول إيه؟ طبعًا مراتي. بقولك إيه يا أمولة... هستناكي بكرة في... زي ما اتفقنا هااا."
أمل بتردد:
"طب هتيجي تتقدملي إمتى؟"
عصام:
"يا حبيبتي أنا بس شقتي اللي في مصر تجهز وأجي لأبوكي علطول. أنا بحبك أوي يا أمل."
أمل:
"بجد؟ وأنا بموت فيك."
عصام:
"طب إيه مش يلا بقي؟ وحشتيني جدا." وغابا معًا بملذات الحرام.
***
بدوار راشد، تنزل الدرج بخيلاء كعادتهم وتجاورها أختها بعدما أتوا صباحًا تصطحبهم والدتهم كتلة الشر المتحركة.
سعدية بسعادة:
"يأهلًا يأهلًا بالغالين، ولاد الغالية. حمد الله على سلامتكم."
سلوي:
"تيته وحشتيني جدًا. والبلد كمان وحشتني."
سعدية:
"أهلًا بمرت الغالي، نورتي الدوار يا جلب ستك."
سمر بمياعة:
"الله وأنا يا تيته. موحشتكيش."
سعدية:
"وإنتي يا جلب تيته."
اقتربت سحر ابنتها وشريكتها.
"روحوا أنتم يابنات وأنا هكلم مع تيته وأحصلكم." ذهبا وتركاها.
سحر بلهفة:
"ها يا أمي، إيه الأخبار؟"
سعدية:
"أخبار إيه يا بت، إنتي جلتلك جبل سابق أنسيها من دماغك. استحالة هتهوب ناحية الدوار ولا تفكر ترجع أهه واصل من آخر مرة."
سحر بانتصار:
"عفارم عليكي يا أمي. خليها كده تموت بالبطيء على بنتها."
سعدية:
"اخرسي، إياكي تتحدتي في الموضوع ده تاني، جلتلك انسيه. وبعدين... ركزي شوية مع ولاد خيك. بنتك الخايبة لحد الآن معرفتشي تربط كيان بحتة عيل."
سحر بغيظ:
"اسكتي يا أمي، متفكرنيش. ده لولا إني قعداله ليل مع نهار في البيت هناك مكنشي بات معاها في أوضة واحدة، ولا في البيت من أساسه. ولولا سويلم أخوي ضغط عليه مكنشي اتجوزها. قلبه متعلق بالبت بتاعة البندر دي."
سعدية ببغل:
"ياما جلت لسويلم متسبش ولدك لناديا ومراد يربوه، ادي النتيجة. طلعت دماغه كيف دماغهم، نسخة من اللي ما يتسمى اللي اتجوزته. أبوكي... جوي وجلبه مهيعشقش غير واحدة. بنتك لازم تربطه بحتة عيل."
سحر بحسرة:
"يا أمي، ده مدخلشي عليها تقولي تخلف منه."
خبطت سعدية على صدرها.
"يامرك يا سعدية! كيف ده يا مخبلة إنتي؟"
خبط نبوته على الأرض من نبأتهم بهبوطه. هبط الدرج، ناظرًا لهم بتمعن، لا يطمئن لجمعتهم. اقتربت سحر مسرعة منه تقبل يده.
سحر:
"كيفك يا بوي؟ اتوحشتك جوي."
الحاج راشد:
"أهلًا يا بنتي. أتمنى تكون المرة دي جاية وناوية تقعدي في بيتك وتحلي عن بنتك وجوزك."
سحر بغيظ:
"يا بوي، مانت خابر إني هناك عشان سمر لسه في الجامعة، كيف أروح أسيبها مع الشباب لحالهم أكده."
راشد:
"وأظن يا بنتي إن الأوان ترجعي بنتك خلاص، خلصت جامعة."
سحر:
"يا بوي بس..."
راشد بحزم:
"جفل. هنتحدتوا في الموضوع ده بعدين. يلا على الفطور."
***
على الفطور، بمجلس يشبه المجلس العربي، على الأرض، حيث يفضل الجد تناول الطعام به، لا يحبذ الجلوس على تلك الاختراع الذي يسمونه هم بالسفرة، رغم تجديدهم الدوار فأصبح يشبه القصور العريقة بأساسه المذهب، ونقوشاته العصرية التي لا تخلو من التميز. التف الجميع حول الطعام، أحدهم يجلس بحب وفخر، وأحدهم بتأفف وقرف.
سحر بتأفف لأخيها الجالس بعمامته الصعيدية بعيون تقطر غلا وكرها لأبناء أخته المريضة:
"أبوك هيخليه لامنا على الأرض لامتى؟ أومال اخترعوا السفرة ليه؟"
سويلم بخبث:
"هانت يا بت أبوي، بجي راجل جوه ورجل بره. وأمسك إني الكبير وهنغنغك يا بت. ونخلص من الحوش اللي حوالينا دول."
سحر بغل:
"يسمع من بوجك ربنا."
نظرت له زوجته بتهكم لحاله، شبيه أخته. زينب زوجة سويلم وصديقة ناديا الوحيدة، أخت مراد زوج نادية، رحمه الله. امرأة طيبة القلب تعشق ناديا وأبنائها كأولادها. اقتربت من ابن أخيها وابن أخيها الجالسين بخجل كعادتهم منذ مرضت والدتهم، تغرف لهم الطعام بحب.
زينب:
"كلوا يا جلب عمتكم... عشان هاخدكم وننزل مشوار بعد إذنك يا عمي."
راشد بحب لهم:
"إذنك معاكي يا بنتي. جولي للسواق ياخدكم وين ما بدكم."
محمد:
"هتجيب لي يا عمتي الفسبا اللي جلت لك عليها."
الجد:
"لا، مفيش فسبا إلا بعد الإعدادية يا محمد. لسه إنت صغير يا ولدي."
محمد بحزن:
"أمرك يا جدي."
كيان بضحك:
"فسبا مرة واحدة يا محمد، وأنت اتعلمت فين تركبها على أكده."
محمد بسعادة:
"من عماد صاحبي يا كيان."
على صراخ سلوي بحقد به:
"إنت يا بهيم إنت! كدا حاف، اسمه أبيه كيان، إنت عارف بينك وبينه كام سنة؟ إيه الارف ده؟"
كيان بصراخ:
"سلوي..."
محمد وهو ينكمش بأخته بتوتر، التي نزلت دموعها بحزن على أخيها وكرههم الواضح لهم بلا سبب:
"أنا آسف، مقصدش."
سلوي بتحدي وبصوت مرتفع:
"متعتذرش يا محمد، إنت مغلطتش بشيء. وإن كان كلامنا بيزعجكم جوي أكده، من اليوم مارح نتحدت مع حد منيكم." همت واقفة وأمسكت بيد أخيها وسحبته معها. "عن إذنك يا جدي، شبعنا."
الجد بأمر:
"اجعدي ياسلمي، كملي واكلك. إنت وخيك. لسه إني مامتش عشان حد يتعدى عليكم بكلمة مسخة. إني أهه الكبير وبجولكم محمد وسلمي خط أحمر. اللي يهينهم هاني، ومن أهه ورايح اللي يعلي صوته عليهم مطرود برا الدوار."
كيان بحب:
"معلش يا محمد، إنت تجول كيف ما بدك، ولا تزعل نفسك. حقك عليا." ونظر لسلوي نظرة تعلمها جيدًا. "كيان... اعتذري حالا."
سلوي بخوف وحقد:
"أسفة يا محمد."
جلست سلمي بعدما اعتذرت لأخيها جبرًا، تقلب طعامها بشرود. لمحته هي ينظر لها بشرود ونظرة مترددة، فاقتربت منه بمياعة.
"فهدي حبيبي، مبتكلش ليه؟"
فهد:
"هااا، مانا باكل أهو."
رفعت نظرها ووقعت على همسهم، فرمقتها سمر بتحدي، فبادلته بأخرى ساخرة.
كيان بهمس لها:
"أقسم بالله يا سلوي، ماهعديهالك."
سلوي بتوتر:
"أنا كان قصدي... يعني..."
كيان بسخرية:
"أه، مكنش قصدك. هتفضلي طول عمرك تغلطي وتقولي مكنش قصدي. يا شيخة إمتى أخلص منك بقي."
***
راجي وهو يضع آخر طبق على السفرة:
"يالا يا فريدة يا بتي، لقمة كدا على ما قسم. ما أكلتيش حاجة من امبارح."
فريدة:
"مليش نفس يا عم راجي."
راجي وهو يجلس بجانبها بحب:
"طب لو قلت لك عشان خاطر عمك راجي."
التفت له، ولمعت دموع عينيها على وشك النزول. وبخاطرها سؤالًا واحدًا خطر ببالها. إن كان قلبها يحرقها على فراق أبنائها من يوم واحد، فكيف هي والدتها وقد شارفت على عامها الخامس والعشرون بعيد عنها؟ كيف هي والدتها وأشقائها؟ هي لا تريد شيئًا سوى الاطمئنان عليهم. تعرف شكلهم. لربما التقتهم صدفة يومًا.
فريدة بتردد:
"عم راجي..."
راجي:
"أيوه يا غالية."
فريدة:
"أمي عاملة إيه؟ وإخواتي؟ شكلهم إيه؟ معاك صور ليهم؟ هو أنا يعني ينفع أشوفهم؟"
راجي ببساطة، وبسعادة لأول مرة تسأل عنهم:
"استني أكده." وأخرج هاتفه من جيبه.
راجي:
"بتعرفي في المدعوج ده؟ عليه صورهم إني خليت الواد ابني يصورهم عليه، لاجل ما أخليكي تشوفيهم. بيوم من الأيام. خدي أكده."
أخذت الهاتف منه وفتحتها على معرض الصور.
راجي:
"أيوه يا بتي، هي دي. أمك. صورتها أهي. ودي أختك المحروسة سلمي، كيف القمر، شكلك بالظبط. ودي بقي محمد الصغير. ودي يا ستي جدك."
لم تستطع إكمال المشاهدة وأعطته الهاتف، واه لو أكملت.
فريدة بدموع:
"هي عاملة إيه يا عم راجي؟ احكي لي عنها."
راجي:
"هي مين يا بتي؟"
فريدة:
"أمي."
تنهد وحكى لها كل شيء وما تعانيه وما يعانوه وما حدث لوالدها.
فريدة ببكاء:
"كل ده؟ يارب بقي مكتوب عليا وعليهم الشقاء والمرار العمر كله."
راجي:
"متقلقيش يا بنتي، الحاج راشد شايلهم بعينه. يالا بقي ريحي قلبي وقولي لك لقمة."
فريدة بدموع وبكاء حاد:
"آكل إزاي يا عم راضي وأنا مش عارفة أولادي جعانين ولا شبعانين. والله ما قادرة. يارب... ارحمني. ياااارب."
***
أمل:
"إيه القرف ده؟ ما كنتوا سبتوها تاخدهم معاها. من صباحية ربنا زن زن، حاجة تقرف."
الأم لسليم الباكي:
"اخرس ياواد إنت وكلسليم."
سليم ببكاء:
"أنا عاوز ماما."
الأم بغل:
"أمك ماتت، انساها."
أمل:
"خدي البت دي يأمي، شكلها عملتها على روحها. إيه القرف ده؟ إنتي لسه بتعمليها على روحك."
انكمشت الطفلة وكتمت بكائها من شدة الخوف.
الأم:
"أنا هربيكم من أول وجديد. سخني لي يأمل المعلقة، عشان تحرم تعملها تاني."
أمل بسعادة:
"عيوني يا أمي."
سليم بخوف طفولي على أخته ودموع:
"تيته خلاص مش هتعملها تاني. وبقهر طفولي... خلاص والنبي."
وكأن الرحمة انعدمت من قلبها، واقتربت تنفذ ما عزمت عليه. ولكنها لم تحسب حساب لجري الطفلة ناحية الدرج خوفًا، إلى أن...
***
فريدة بوجع بصدرها، لعابد الذي أتى يطمئن عليها:
"روح شوفهم ياعابد بالله عليك، حاسة إنهم بيصرخوا وأنت عارف محدش هينجدهم. محدش هيعرف عاوزين إيه. أرجوك ياعابد."
عابد بإصرار:
"فريدة بصي لي وانسى شوية وفوقي. إحنا في مركب واحدة دلوقتي. بصي لي ومش عاوزك تضعفي. دلوقتي، إنتي لازم تكملي سنة الامتياز اللي فضالك عشان تقدري ترفعي قضية وتكسبيها وتاخدي ولادك."
فريدة:
"هو أنا لسه هستنى المحاكم يا عابد؟ دي فيها سنين."
عابد بعزم:
"يبقى خلاص ما قدمناش غير حل واحد."
فريدة بلهفة:
"إيه هو ياعابد؟"
عابد:
"هنخطفهم يافريدة. هخطفهم وتهربي من هنا."
فريدة:
"إزاي؟"
عابد:
"متقلقيش، أنا مخطط لكل حاجة. عشان كدا، مش عاوزك ضعيفة. اللي جاي صعب، ولازمله قلب قوي، فهماني."
فريدة:
"فاهمة."
وياليتها تعلم. وياليتها أصرت عليه الرحيل لرؤياهم.
يا عيني لا تبكي ولا تنحبي
رب العباد موجود
لا تحزني
عالم بحالنا وما صابنا
عالم بشوقنا وجروحنا
وكل اللي فات مكتوب
كل اللي جاي موعود
عائد أنا من الماضي
والجودة بالموجود
راضي أنا يارب
راضي أنا بحالي
راضي أنا يارب
وطعم المرار مرافقني
دايما
مرافقني
كان حالي
والله كان حالي
قربني منهم يارب
واجمعني بالغالين
رواية رحماكي الفصل السادس 6 - بقلم أسما السيد
جرت الطفلة ببطء، بأقدامها التي بدأت حديثاً بالسير، خوفاً من جدتها وأخيها ورائها يحثها على الجري، ولكن قدمها لم تسعفها، فتدحرجت للأسفل. وأخوها الباكي يصرخ بطفولة باسمها تارة، وبوالدته تارة.
"سليم.. سيليا.. ماما.. يا ماما."
كان الشيخ جارهم يمر أمام المنزل، ذلك الشيخ الذي دافع عن والدتهم أمس أمام الجميع هو وزوجته، ووجد الطفلة غارقة بدمائها، وأخاها يرتعش بجانبها، وتلك المرأة التي انعدمت من قلبها الرحمة تصرخ بها:
"الجده.. قومي.. قامت قيامتك.. انتي هتمثلي.. هاتي يابت يا أمل شوية بن أما نكتم الدم دا."
نظر الشيخ بصدمة.
"عن أي بنت تتحدث تلك؟"
"لا حول الله ياربي.. لا إله إلا الله.. البنت مبتنطقش.. أوعي ياستي انتي أما نوديها المستشفى."
التف الجميع على صوت المرأة العالي، والتف شباب الحي حولها، والمرأة تصر عليهم ألا أحد يتدخل. أخذها أحدهم، صديق عابد، من يدها مسرعاً صارخاً بها:
"أوعي يا جاحدة.. منك لله.. هاتي البت."
واقترب الآخر خاطفاً الطفل الباكي.
"محمد.."
"صديق عابد: منك لله ياشيخة.. أنا هوديكي في داهية وكلنا هنشهد ضدك.. إنك انتي اللي وقعتي البت.. البت قاطعة النفس."
"هات ياعاصم سليم ويالا بينا عالمركز."
ارتعشت الجدة بخوف وتركتها يأخذوها.
"خدوها في داهية."
رمقها الشيخ بنظرة مشمئزة، هي وابنتها التي تقف بلا مبالاة تمضغ علكتها، قائلاً:
"يمهل ولا يهمل.. يا أم عابد.. دين تدان.. خلي بالك."
"الجده بحده: جرا إيه ياشيخنا.. انت هتعيش الدور.. يالا برا."
"اللي انت عاوزه أعمله."
أغلقت الباب بحدة بوجوههم، وانطلق الشباب على الطبيب القريب منهم.
"الطبيب: البنت حالتها خطيرة.. لازم مستشفى.. وحد يتبرع بالدم.. بسرعة على المستشفى المركزي.. وأنا هاجي وراكم."
أخذها الشباب ومعهم صديق عابد الذي اتصل به، فهرول وخلفه هي، تصرخ بلوعة.
***
بعد ساعة، كانت تقف أمام غرفة العمليات، تحتضن طفلها الباكي المفزوع بأحضانها، يرتجف مما شاهده وعاناه. تبكي بصمت، وقد أسندت جسدها للحائط، بعدما انهارت جالسة أرضاً. وأمامها هو ينظر لها بحقد، وبجانبه والده الحزين على حال أبنائه.
خرج عابد يترنح بتعب. فصيلة الطفلة لم تتوافق إلا مع فصيلته.
"هو: رمق أبيه بنظرة لوم وجلس على كرسي جلبه له أصدقاؤه الذين اصطفوا حوله برجولة. وأخوه مناصرين له."
أغمض الأب عينيه بحزن، يفهم نظرة ابنه الملتاعة، ولكن هل يكذب عيناه؟
خرج الطبيب أخيراً، فهبت واقفة.
"أرجوك طمني يادكتور.. بنتي جرالها إيه؟"
"الطبيب: احمدي ربنا يابنتي.. انكتب لها عمر جديد.. بس دي جريمة حسب ما حكالي الشباب.. محاولة قتل.. وأنا مضطر أبلغ البوليس."
"عابد بإصرار: أيوا يادكتور.. بلغ البوليس."
"الأب بحده: عابد.. انت اتجننت؟"
"عابد بسخرية: أبقى اتجننت فعلاً لو مبلغتش عنكو.. ذنبها إيه طفلة صغيرة يابابا؟ ذنبها إيه.. فريدة.. وأنت عارف شافت إيه مع ابنك الواطي."
رمقه باشمئزاز. ثار أحمد كعادته وامتدت يده. وهذه المرة لم يواجهه أخيه، بل شباب الحي جميعاً. خرج من تحت أيديهم حطام. وتركهم الطبيب بشماتة بعدما رمق عابد، الذي اتفق معه على ذلك، لهدف ما، برأسه وغمزة وذهب.
"فريدة بخوف: عابد.. عاوزه أشوف بنتي."
"عابد: بنتك هتبقي كويسة إن شاء الله.. الطبيب يسمح بس تشوفيها."
"فريدة بامتنان: مش عارفة أشكرك إزاي.. لولاك كانت راحت بعد ما رفض الخسيس يتبرعلها بدمه."
"عابد بمرارة: أنا أديكوا روحي يافريدة.. وتبقى شوية عليكو."
"فريدة بخجل: ربنا يخليك لينا ياعابد.."
رمقها بحب، وبنفسه: أكمل.. أنا أديكي روحي يافريدة.. مش دمي بس.
***
بعد يومين.. بالمنصورة. اطمأن عليهم راجي ورحل، وبقلبه عزيمة أنه سيخبرها وانتهى الأمر.. وليحدث ما يحدث.
***
توسدت أحضانه تتغنى بكافة ألوان العهر لكسب رضاه، غافلة عن عيون اصطناعية زرعت بأركان الغرفة لتوقعها بالشرك، ولتنفيذ مشيئة الله بأن ربك لبالمرصاد.
"أمل.. وهي ترتدي ثيابها بعدما انتهى منها: أظن كدا بقي بقيت مراتك رسمي.. امتى هتيجي بقي تتقدملي ياعصام؟"
"عصام بقرف: لم تلحظه هي.. بقولك إيه يا أمل.. مش كل شوية اللي نعيده نزيده.. مقولنا حاضر لما الشقة تخلص."
"أمل بخوف من حدته: يا حبيبي أنا مقلتش حاجة.. أنا بس خايفة حد يشوفني معاك ويقول لبابا.. وانت عارف المشاكل اللي هتحصلي."
"عصام بتهكم: انتي بتخافي يا أمل؟ مش معقول.. دانتي يابنتي كان أبوكي وأخوكي في القسم.. وانتي هنا في حضني.. مابلاش الشويتين دول.. ومتصدعنيش.. يالا شوفي هتروحي إزاي."
"أمل بتردد: طب.."
"صرخ بها: أااامل.."
"يالا برا.. مش عاوز صداع."
لملمت ثيابها وانطلقت مسرعة.
"عصام بقرف: ال.. اتجوزها ال.."
وأخرج هاتفه المتصل بتلك العدسة ليرسله لها بانتصار. أغلق الهاتف، وأرجع جسده للخلف سارحاً بتلك العيون البريئة التي التقاها بالأمس، مردداً اسمها بشرود:
"ياسمين.."
***
نزل الدرج باحثاً بعينه عنها منذ ذلك الإفطار اللعين وما حدث، ولم يراها، بالتحديد منذ أتت سلوى وسمر. لا يعلم لم عيناه تبحث عنها، قلبه يريدها أمامه. لمحها تجلس برفقة والدتها بتلك الشرفة. لقد انتقلوا منذ يومين بمبناهم الذي بناه والدهم لهم قبل وفاته، يجاور الدوار ويحوطهم معاً جدار واحد. كان هذا المنزل ملكاً لعائلة والدهم، وقام والدها بترميمها على الطريقة العصرية، فأشبه المبنيان بالناقد والنقيد، بيت جده بعراقته وبيتهم بحداثته. اختارته عمته نادية كل شيء به قطعة قطعة كما تحب.
هي.. ومنذ وفاة زوجها وهي تعيش معهم بالدوار. إذن.. ماذا حدث لينتقلا؟ هكذا.. الآن عمته سحر وبناتها.. أجبرهم الجد على الاستقرار بالبلدة أم ماذا؟
أفاقه نبوت الجد.
"مالك يا ولدي.. واقِف شارد أكده ليه؟"
"فهد بتوتر: هااا.. ابدا يا جدي.. ولا حاجة."
"الجد بنظرة خبيرة: يعني مش واقف تطل على بت عمتك؟"
"فهد: هااا.. لا يا جدي.. بس أصلي استغربت يعني.. إنهم رجعوا بيتهم."
"الجد: الطبيب هو اللي أمر بكده يا ولدي.. اللي جابو كيان ليها من البندر.. قال رجعوها بيتها وذكرياتها.. يمكن دا يساعدها بأنها تخرج من عزلتها.. وبعدين سلمي ومحمد كانوا من فترة بيلحوا بالرجوع لبيتهم.. وأني اللي رفضت."
اقتربت هي بميوعة منهم.
"صباح الخير يا جدي.. صباح الخير يا فهد."
رمقها الجد باشمئزاز من منظرها ولم يتحدث، واتجه للخارج، مستغفراً بسره. فهد، بعدما رفع نظره لمكانها، يخشى أن تراهم معاً هكذا. ولكن وجدها تنظر له بتهكم وقرف واضح. دفع يدها بحده صارخاً بها:
"قولتك ميت مرة احترمي نفسك قدام جدي.. إيه المياعة دي."
"سمر: الله.. مالك يا فهد بس.. اخص عليك.. بتزعقلي."
نطر يدها واتجه للخارج. لا يعلم لم بات قلبه اللعين يدق خوفاً لرؤيتها له مع تلك السمر. لا يعلم أبداً.
***
ليلاً.. بالمجلس العرفي التي أعده الشيخ وكبار البلدة، والذي حكم به بطلاق فريدة وإعطائها أبنائها، لتتنازل عن شكواها ضدهم. يجلس الشيخ وبجواره مأذون البلدة، وعابد وأحمد.
"المأذون: ارمي عليها اليمين يابني."
"أحمد بحقد وتوعد: انتي طالق."
"فريدة بحدة: طلقني طلقة بائنة."
"أحمد: لا.. مش هطلق غير طلقة واحدة."
"المأذون: بلاش يابنتي.. يمكن الأمور تتصلح في يوم وترجعوا."
"عابد: هطلق يا أحمد.. ولا مفيش تنازل عن المحضر.. ونتقابل في المحكمة."
"بغل: هطلق."
انتهت الإجراءات ووقعوا عليها.
"فريدة: أنا هتنازل عن القيمة والمهر والمؤخر ومش عاوزة نفقة.. بس يمضيلي تنازل رسمي عن الأولاد."
"أحمد بقرف: خديهم.. مش عاوزهم.. مش عاوز من ريحتك حاجة.. وابقي وريني هتتصرفي عليهم منين."
"فريدة بتهكم وحزن: ليه.. لهم رب هيرزقهم.. متقلقش انت."
نزلت دمعة خائنة من عينيها. هو محق، ولكنها على ثقة أن مع كل نهاية بداية جديدة. رفعت نظرها، ووجدته يبتسم لها بطمأنينة: أن لا بأس.. أنا معك. اطمأن قلبها لنظرته. هو هنا.. لطالما كان هنا. عابد ومن غيرها.. انتهت الجلسة.. وانتهت أمانيها وانطفأت شمعتها.. وحازت بلقب مطلقة. وهل تنتهي مآسيها؟
***
اقتربت بقميصها الذي يكشف أكثر ما يستر، تقترب منه وهو منكب على حاسوبه في محاولة منها لإغرائه كالعادة، علها تنجح بمرة. شعر بيدها الملتفة حول عنقه، واشتم عبيرها الذي يكرهه، يخنقُه، يشعره دائماً بالقئ. أزاحها بعنف.
"كيان: إيه القرف دا؟ قولتك ميت مرة متحاوليش."
"سلوي بغيظ: لامتة.. أنا مراتك.. ودا حقي."
اقترب منها هامساً بكرهه:
"انتي عارفة إني مش عاوزك.. ومع ذلك استمريتي في خططك.. وخلتي بابا يجبرني عالجواز.. اعترفتلك.. وقولتلك بحبها.. ملكيش مكان في حياتي.. اتسحبتي وادحلبتي زي الحية.. لحد ما قدرتي توصليلها.. وتقوليلها إنك مراتي."
"سلوي بحدة: عشان بحبك.. عملت كده.. ولا كنت عاوزني أسيبك ليها؟ انت ابن خالي.. وأنا أولى بيك.. وبعدين ما أنا كنت فعلاً مراتك.. أنا مكدبتش."
"كيان: كتب كتاب بس.. وانتي بنفسك وافقتي عالانفصال.. وقولتي ربنا يوفقك.. انتي إيه يا شيخة؟"
"سلوي بتهكم: طب وانت بقي مفهمتهاش ليه إنه كتب كتاب بس.. ومتجوزتهاش ليه؟ وراحت فين ست الحسن والجمال؟"
"كيان بشرود: راحت.. زي ما كل حاجة حلوة راحت من بعدها."
وخرج من الغرفة لوجهه تذكره بها، وتركها واقفة يتأكلها الغيظ.
***
رأته يتسلل لمنزل نادية.. فتسلل القلق لقلبها. هل سيخبرها شيئاً؟ لن تتركه.. ستقتله إن لزم الأمر. صعدت ورائه. ولحسن حظها لم يكن أحد بالمنزل، فسلمى ومحمد لا يزالان بفرح إحدى صديقات سلمى ومعهم عمتهم زينب. صعد راجي لغرفة نادية، ففزعت هي، ورمقته بتوتر.
"راجي: اهدي يا ست نادية.. أنا راجي.. يا ست نادية.. متخافيش.. جايلك في موضوع.. مهم.. اسمعيني.. قبل ماحد يجي."
اقترب مسرعاً منها، وأخبرها بعجالة بما يخفيه عنها. ارتجفت حدقتاها بصدمة، ودموعها أغرقت عينيها. وتحرك لسانها بكلمة:
"بنتي.."
"راجي بسعادة: أيوا يا ست نادية.. هي بعينها."
"نادية بفرحة: بجد؟ انت بتتكلم جد؟ بنتي عايشة؟ هي فين؟ وديني ليها بسرعة.. والنبي ياراجي.. وديني ليها."
ارتعشت حدقتاها وهي تستمع لحديثه معها، وعلمت أن الأمر انكشف، وأنها الآن لابد وأن تفعل ما كان يجب أن تفعله من سنين. لقد جنوا على أنفسهم. ضحكت بشيطنة، وظهر ماردها الماجن بجسدها يملي عليها ما ستفعله وكيف ستفعله. خرجت مسرعة تنتظره حتى ينزل الدرج.
"نادية.. بعدما انتهى من قص الحقيقة عليها.. نادية بصدمة ودموع: بنتي.. كدا في خطر.. مش لازم تظهر دلوقتي.. لازم تفضل بعيد.. سعدية دي شيطانة.. هيموتوها.. لازم تفضل بعيد.. اسمعني ياراجي.. اتصل بعابد دا دلوقتي.. وقوله اللي هقولك عليه."
بالفعل أخرج هاتفه وحادث عابد، وأملى عليه ما قالته بالحرف. انتهت المكالمة. ولاحظها.. أن تلك الأفعى لم تسمع فحواها.
"نادية.. مسرعة وهي تهم بفتح خزانتها وتخرج منه متعلقاتها وممتلكاتها، وبحقيبة صغيرة وضعتهم بها، ستغادر هنا وإلى الأبد هي وأبنائها. أنهت ما بدأته.. والتفت تستشعر بأن هناك شيئاً سيحدث.. قلبها يخبرها بذلك."
"تعال معايا."
سحبه لمخرج لا يعلم به إلاها هي وزوجها، يطل على الشارع الخلفي.
"نادية: امسك ياراجي.. ادي الحاجات دي لفريدة.. وقولها لو الوشوشات قابلت.. وقدرت أوصلها.. وأملي عيني منها.. هيبقي سعدي وهنايا.. ولو ما تقابلناش.. والروح طلعت.. للي خالقها.. قولها أخواتك أمانة في رقبتك."
"راجي بحزن: ليه بتقولي كده يا ست نادية؟ هتتقابلو وهتتهنوا إن شاء الله."
"نادية بصرامة: اسمع اللي بجولك عليه ياراجي.. انت هتمشي من هنا وحالا.. دا كل ما أملك.. أنا وأبوها.. الناس اللي هتروحلهم.. هيعلموها تبقى قوية وتعتمد على روحها.. لو انكتب لي عمر.. هحصلكم قريب.. لو مانكتبش ليا عمر.. قول لفريدة.. أخواتك أمانة.. حافظي عليهم.. وقولها.. أوعي تدوري عالانتقام.. ولا تنتقمي.. سيبيها لرب العباد.. قولها عيشي حياتك انتي واخواتك.. خليها تاخدهم بعيد عن هنا.. عن الغل والحقد.. قولها أخواتك أمانة أبوكي وأمك.. حافظي عليهم."
"راجي: انتي طيبة أوي يا ست نادية."
"نادية بمرارة: أنا مصدقت لقيتها ياعم راجي.. عاوزة أعوضها.. ما اغرسهاش في الوحل والانتقام.. قولها.. أخواتك أمانة.. روح ياراجي.. روح بسرعة.. ومتلتفتش وراك."
جري راجي باتجاه الخروج، واتجه مهرولاً لطريق.. كُتب على بدايته.. ظلماً جديداً.. فهل سيصل؟ أم سينتهي قبل بدايته؟
رواية رحماكي الفصل السابع 7 - بقلم أسما السيد
صعدت الدرج مسرعة تبحث بعينيها الجاحظتين عنه.. ستقتله وتقتلها وترتاح إلى الأبد.. لقد تأخر.
صدمت نادية من منظرها وعيناها الجاحظتان.. تلك المرأة شيطان متنكر لطالما خافت منها.. تعلم بطقوسها الشيطانية وتلك الغرفة السرية التي رأتها يوما وهي تتسلل خلفها.. تلك الغرفة التي بأسفل الدوار.. يطلقون عليها غرفة الكراكيب.. وهي غرفة لأفعالها الشيطانية.. وطقوسها الخرافية.
نادية وهي تبتلع ريقها: انتي.. عاوزة إيه؟
سعدية بقهقهة: والله طلع لك صوت يا بت المحروجة.
انتي.. اقتربت كالأفاعي منها تدور خلفها حتى أصاب نادية الدوار وعلمت أنها النهاية.
يكونشي فرحتي لما عرفتي إن بتك لساتها عايشة؟
نادية بتوهان: انتي السبب في كل ده.. أنا عرفت كل حاجة.. ليه؟ أنا عملت فيكي إيه؟ أنا طول عمري عايشة معزولة عنكم في حالي.. حرام عليكي.. تفتكري لما الحاج يعرف هيكون مصيرك إيه؟ أنا هقول لبحاج كل حاجة.
سعدية بضحكة وقد جحظ شيطانها وتكلم بدلاً عنها، فارتعشت نادية بخوف.
سعدية بصوت جاحظ: مش لما تخرجي من هنا الأول.. إيه خايفة من صوتي؟ وكأنك مش شايفة إني قبل سابق عارفة إني إيه.. إني عملت لك الرضي.. إني اللي هخلي فرحتك ما تكملش.. إني هحرق جلب بتك عليكِ زي ما حرقت جلبك عليها السنين اللي فاتت.. لا يمكن أخليكم تجتمعوا أبداً.. لا يمكن.
أمك زمان حرقت جَلبي واتجوزت أبوكي.. وأنا كنت هعشجه.. عملت كل شيء ممكن تخليه يعشقني أنا بدالها.. لكن لأ.. معرفتش.. سحر وعملت.. وقرابين للسحرة وقدمت.. بعت نفسي للشيطان وبقيت أنا الساحر وبرضيك منفعش.. جسم أبوكي جامد ما يمسوش أذى.. وما بيدخلوش سحر بس أمك كانت ضعيفة جوي وما استحملتش شوية سحر صغيرين.. وماتت.. واتجوزت أبوكي وبرضه ما عشقنيش كيف ما عشقها.. عشقك انتي بدالها.. حتى بتي اللي كانت بتعشق مراد.. خطفتيه انتي منها وكان الظن بيعيد نفسه.. ومراد يعشقك كيف ما أبوكي عشق أمك.. سحرت لك سنين بحالها عشان الخلفه.. لحد ما رحتي اعتمرتي وانقلع السحر منك.. وخلفتي.. بتك اللي غلطتي لما وافقتي على اسم فريدة.. أنا وفريدة.. ما ن يجتمعش أبداً بدوار واحد.. حتى لو كان اسم بس.. كان لازم أحرق جلبك عليها.. أنا اللي خطفت بتك وأنا اللي قتلت جوزك.. وضحكت بشيطنة.. وأنا اللي هقتلك.. وهخلص على سلسالك كله.. كبار وصغار..
علت ضحكاتها.. وازداد دوار نادية وانسالت دموع عينيها.. وارتفعت يد الغدر وحطت بقلب نادية.. شهقت نادية.. شهقة الوداع هامسة باسم ابنتها..
فريـــــــده.....
ورحلت إلى الأبـــــــــــــد.
أفاقت من نوبتها ونظرت لها وجدتها فارقت الحياة بعيون جاحظة.. انسالت من جانبيها الدموع.. دماؤها أغرقت يدها.. اقتربت مسرعة وبقلب بارد.. وانتشلت السكين بلا رحمة.. وخبأتها بثيابها.. وكأنها اعتادت.
نظرت لها نظرة أخيرة.. هامسة: ابقي سلميلي على المحروسة أمك.. وجوزك.. في الجنة ونعيمها..
وضحكت بغل.
"يا فريدة شهلي شوية."
"فريدة.. بغصة بقلبها: لا تعلم مصدرها.. هنروح فين بس يا عابد.. قولي الله يرضي عليك.. أنا ما عدتش متحملة مفاجأت تاني.. والولاد كمان تعبوا."
"عابد: هنروح مكان كان لازم تبقي فيه من زمان.. يلا بس.... انتي بتثقي فيا؟"
"فريدة: طبعاً بثق فيك."
"عابد: طب يلا عشان الطريق طويل."
صعدت الدرج هي وأخوها.. فرحين.. يتغنون بتلك الأغاني التي استمعوا لها بالفرح.. بعد سهرة جميلة قضوها بالخارج بفرح صديقتها.
"محمد: الفرح كان واعر جوي."
"سلمى: العروسة كانت كيف الجمر.. والله."
وقف محمد بصدمة.. وعيون جاحظة.. وجسد تخشب بمكانه.. بعدما لاحظ والدته غارقة بدمائها.. نطق لسانه بآلية: ماما.
"سلمى بعدما نظرت لما ينظر له.. بصراخ: ماااااااما."
صراخ وصراخ.. والتم الجميع.. على صراخهم.. ووقع الجد مغشياً عليه.. في الحال.. لم يصدق ما رآه بعينيه.. ابنته.. ربيبته ونور عينيه.. بنفس مكان زوجها من سنوات.. غارقة بدمائها.. مثلما وجدوه.. هو.
وصل راجي.. وحكى للرجل العجوز الذي استقبله بحفاوة حينما علم مرسله من هو.. مرسال انقطع منذ سنوات.. منذ رحل مراد.. ربيبه.. مراد.. ابن صديقه الغالي.. كان الراوي من البدو الرحالة يعيش بالجنوب.. إلى أن التقى بوالد مراد عبدالرحمن.. واشتركا معاً بتجارة الماشية.. استقر الراوي بعدما ربحت التجارة وأنشأ معاً تلك المزرعة.. بدأت صغيرة وانتهت هكذا بقطعة من الجنة.. تسر الناظرين.. تجمع البساطة والرقي معاً.. استمرت تجارتهم في الخفاء ومات عبدالرحمن واستلمها ابنه مراد الذي سار على نهج والده ولم يخبر بها أحداً.. إلا زوجته وعشقه نادية.. كانت نادية زوجته تعشق البساطة وهؤلاء البدو الطيبين وتعشق عشرتهم ومجالستهم.. جميع من بالمزرعة يحبونها كباراً وصغاراً.. انقطعت أخبارهم بعدما طالت مراد يد الغدر والخسة.. ساعد مراد كثيراً بالبحث عن ابنته وللأسف لم يجدوها..
"مكان.. الراوي: معقول ده يا راجي اللي بتقوله؟"
"راجي: الست نادية بتقول لك بتي أمانتك.. وولادي بأمانتك.. وجالت لي أقول لك.. فريدة ضعيفة.. زي ما أنا كنت ضعيفة.. خليها تجوي.. ولو ما جتش بنفسها ابعت خد ولادها بطريقتك.. خليهم تحت عينك لحد ما يجوا وعضمهم ينشف ويقدروا يواجهوا."
"الراوي بثقة: طمنها وجول لها الراوي وعدك.. يا أم فريدة ومهيخلفش وعده أبداً.. فريدة وولادها وأخواتها بأمانتي ليوم الدين."
بضع ساعات ووصل عابد ومعه فريدة.. بعد عناء من طول الرحلة.
"فريدة بانبهار: الله.. إيه الجمال ده.. إحنا فين يا عابد؟"
"عابد بابتسامة لرؤيتها سعيدة مبتسمة: انتي في ملكك يا فريدة."
"فريدة باستغراب: ملكي.. إزاي؟"
صدح صوتاً من ورائها.. مسروراً.. مرحباً بها.. يملأ عينه من رؤيتها: "إزاي دي فوتيها علي يا غالية يا بت الغالين.. انتي هنا في الجنوب.. بلدك التاني.. كل شيء هنا ملكك.. وبين إيديكي."
"فريدة بخوف: لذلك الرجل الصلب رغم وجهه الذي غزا الشيب لحيته.. وظهره المحني متكئاً على عكاز بهيئة ثعبان فاتحاً فاهه.. جعلت سيليا تنكمش بأحضانها خوفاً.. ردت: ملكي.. أيوه يا بنتي.. ملكك.. فوتي."
اقتربت المرأة العجوز.. يبدو زوجته.. ولكنها أصغر منه قليلاً.. ترحب بها.. بحفاوة.. بملابس تراثية جميلة لطالما ودت رؤيتها وارتدائها يوماً.. "ياااا كني شايفه جدتك فريدة قدامي.. كانت شكلك بالظبط.. سبحان الله.. يا دي النور.. اللي هل علينا.. تعالي يا غالية.. نورتينا."
استشعر الراوي خوفها.. فنظر لها ومد يده لها بمحبة: "جربي يا فريدة.. يا بنتي.. انتي هنا بأمان."
قربها عابد له.. هامساً: "متخافيش.. انتي هنا في أمن مكان في الدنيا."
نظرت له فطمأنها بعينيه.. اطمأنت ووضعت يدها بيده.. وسحبها الرجل خلفه.. للداخل.. قصراً عريقاً كقصور الأحلام.. وأهلاً طيبون وعالم آخر.. بمزرعة بوسط الصحراء.. بالجنوب.. شمس ساطعة وخضرة غناء.. وخيول كثيرة تجري هنا وهناك.. وأناس في حركة مستمرة.. بثياب الجنوب.. جنوب أهل سيناء.. مزرعة قطعة من الجنة.. جلست بانبهار.. تتطلع لتلك الوجوه التي تشع براءة.. وطيبة.. وفوجئت براجي..... وعلمت أنها على وشك رحلة جديدة.. بداية جديدة.. سترى والدتها وإخوتها أخيراً.. ولكن لما تشعر أن قلبها يؤلمها.. مرت ساعات وساعات.. هنا.. أخبرها راجي برسالة والدتها.. وأخذت منه أمانتها وكم فرحت بقرب اللقاء.. وعلمت أن هذا المكان شيده والدها مع ذلك الرجل الودود منذ سنين لا يعلم عنه غير والدتها وهم فقط.. حتى جدها راشد لا يعلمه.. وكم استمتعت بحكاوي ذلك الرجل عن أبيها.. وجدها لأبيها المغوار.. تمنت لو لقيته يوماً.. وكم تمنت وكم تمنت.....
ليلاً... بعدما ارتاحوا من تعب السفر.. اتجه عابد لها بتوتر وخوف من الفراق.. كانت تجلس بالخارج.. على أريكة تتطلع لذلك الجمع الجميل حول نار شيدوها ويجلسون حولها يتراقصون ويتغنون ببراعة وسعادة.. وأولادها السعداء بذلك الجمع الذي يرونه لاول مرة.. سحراً وجمالاً تراه لاول مرة بحياتها.
اقترب وجلس بجانب الأطفال الضاحكين بسعادة يصفقون بأيديهم مع الأغاني.
"عابد: أول مرة أشوفكم مبسوطين كدا."
"فريدة: فعلاً.. حاسة إني مبسوطة أوي.. من زمان ما انبسطتش كدا.. الجو هنا تحفة.. والوشوش الطيبة دي بتريح القلب."
"عابد بحب: ربنا يسعد أيامك يا فريدة."
"فريدة: أنا.. عاوزاكِ تقوي.. تمدي إيدك وتاخدي نصيبك من الدنيا.. متستسلميش للوجع.. متضعفيش.. عاوزاكِ تكملي تعليمك.. متوقفيهوش."
"فريدة: عندك حق.. أنا عاوزة أرجع فريدة بتاع زمان."
"عابد: أنا كلمت الشيخ علي هيخلص لك موضوع الجامعة.. انتي أساساً المفروض تكوني في السنة الامتياز.. هو له علاقات هيخلصها لك وهتبقي جنبه بالمشفى القريبة.. عاوز أسمع عنك كل خير يا فريدة."
"فريدة بتوتر: هو أنا ليه حاسة أمك بتودعني؟"
"عابد بمرارة.. وقد عقد النية وانتهى الأمر.. سيرحل من البلاد وإلى الأبد.. لم يعد له مكاناً هنا.. من كان يجبر نفسه على البقاء بجوارها ليحميها من بطش والدته وأخيه.. أصبحت بأمان.. سيرحل وإلى الأبد.. ابتلع مرارته بحلقه.. واقترب يخطف قبلات كثيرة وكثيرة من أبناء أخيه.. يشبع نفسه من رائحتهم التي تشبه رائحتها هي.. استجمع قواه.. أخيراً."
"عابد: فريدة.. أنا لازم أرجع دلوقتي."
ارتعش قلبها بخوف.. هو أمانها الوحيد هنا.. مهما كان.. هم ما زالوا غرباء عنها.. خافت وتلبكت بعدما وجدت راجي هو الآخر سيرافقه.. ويتركاها هنا.
"فريدة بدموع: عابد.. أنا خايفة.. انتو هتسيبوني هنا وتمشوا."
"عابد بابتسامة مطمئنة لها.. ودموع مكبوتة.. ابتسامة تحمل بطياتها معنى الفراق."
"عابد: فريدة.. أنا حطيتك على أول الطريق.. يا تكوني قده.. وتقوي وتعرفي تاخدي حقك.. يا أما هاتي إيدك ويلا معايا.. وساعتها هتفضلي فريدة الضعيفة اللي أنا نفسي ما أتمناش أشوفها."
ارتجفت يدها ومر شريط ذكرياتها الأليمة المريرة أمام عينيها.. رفعت نظرها.. ونظرت حولها ولمحت تلك الوشوش.. حولها ينظرون لها بطيبة.. بابتسامة.. محبة افتقدتها منذ زمن.. أمسك يدها المرتجفة بيديه.. يبث بها الطمأنينة.. يودعها.
"عابد بابتسامة: هتبقي أقوي.. صدقيني.. هفضل مستني اليوم اللي تجيلي فيه وتشكريني.. وساعتها هضحك وأفكرك.. بخوفك دا ورجفتك."
ابتسمت بمرارة.. وغصة.. سألته: "تفتكر."
"عابد بإصرار: هفضل جنبك دايماً.. وقت ما تقولي يا عابد.. هتلاقيني في ضهرك."
والتفت ليكتم مرارة فراقها بقلبه كما كتمها منذ سنوات.. منذ حطت عينه عليها وأبصرها وتمناها له.. لولا عين الغدر التي حطت عليها وانتشلتها منه حقداً وكرهاً.
أخيه.. flash back...
كان جالساً يحكي لصديقه محمد عليها.. عن جمالها وحسنها.. غافلاً عن أعين تتلصص عليه من وراء مكتبه.. وأذنين تستمع بخبث.
"عابد بحب: بحبها أوي يا محمد.. آه بس لو ترضي بيا."
"محمد: طب وانت مستني إيه.. متتقدملها.. انت راجل ملو هدومك ومش ناقصك حاجة."
"عابد: إن شاء الله.. أول ما الحاج يجي من السفر هفاتحه في الموضوع."
"محمد: ربنا يجعلها من نصيبك يا صاحبي."
بعد يومين.. بعدما أتى والده على مائدة الطعام..
"أحمد بلهفة.. وعيون ماكرة: بابا.. أنا عاوز أتجوز."
"سليم بسعادة: تتجوز مين؟"
"أحمد بخبث وهو يرمق عابد.. المستغرب لنظراته: عاوز أتجوز فريدة بنت عم عبد الله."
وقعت المعلقة من يده ونظر بوجع لأخيه الشامت به.. وعلم أنه وكالعادة مكيدة منه.. ابتلع غصته وبدأت المناورات والمشاورات.. وكالعادة أمام إلحاحه أنصتت والدته.. اندفع للخارج.. وانتهت آماله.. ودفن عشقه لها وإلى الأبد.
back..
انتبه لنظرتها.. واستودعها الله.. ورحل بقلبه غصة يبتلعها كلما نظر لعينها.
"فريدة: والي لقاء.. قد يكون قريباً أو يطول.. وإلى الأبد.. وآه من لوعة العشق ومن مر الفراق."
رحل عابد.. ورحل فصلاً من حياتها.
اقترب الشيخ الحكيم منها بعدما لاحظ دموعها وغصتها وخوفها الظاهر.
حطت يده على كتفها بمحبة.. ذلك الرجل البشوش.. علي الراوي.. بالسبعين من عمره.. بعمر جدها كما يخبرها.
سألها بتريث: "خايفة؟"
"فريدة ببراءة: أوي.. أوي."
"الراوي بطمأنينة: مد يده لها.. طب.. هاتي يدك بيد جدك العجوز ده.. واني هخلي جلبك كيف الحديد."
"فريدة بتردد: بجد هبقى قوية؟"
"العجوز بطيبة: كيف الجبل ده.. وأشار للبعيد."
"فريدة.. بعدما لمعت ذكرى أخرى برأسها ووعداً آخر بمكان آخر.. تناست يده الممدودة.. فلمح الرجل شرودها.. وفهم تخبطاتها.. ونظراتها العاشقة.. فضحك بمكر.. فانتبهت لضحكته الماكرة.. فاخبرها.. بهدوء: عشقانه يا بت مراد."
"فريدة بخجل: هااا.."
ضحك واصطحبها من يدها.. باتجاه الجمع.. البعيد.. وأمر الحارس بجلب الأطفال معه: "تعالي نشاركهم جمعتهم.. هتنبسطي أوي."
جلسا قريبان منهم قليلاً.. نظر لها قائلاً: "عارفة يا بت مراد.. إني دايماً كنت أجول لابوكي.... العشق لعنة وحطت عليكو.. ياما جلت لابوكي وجدك.. العشق مرار.. محدش صدقني."
"فريدة: وعرفتي منين بقي.. إن العشق مرار.. شكلك عاشق يا جدي."
ضحك الجد واللمعت عينه وهو يراها تقترب بهدوء بطلتها البدوية التي يعشقها.. ووضع يده على قلبه شارد بها.. "جوي.. جوي.. يا بنتي.. عشقتها.. واجتلتها من جذورها.. وزرعتها أهنه بقلبي.. زرعتها ورويتها بحبي."
انتبهت فريدة لنظرته العاشقة لتلك التي تبتسم بسعادة مقتربة منهم.
"فريدة بانبهار: الخالة سليمة."
اقتربت منهم هي وجلست بجانب حضرته.. بسعادة.. وكأنها كانت تعلم بأن حديثه عنها هي.. وهمست سليمة.. بهمس سمعته بوضوح.. عيون سليمة.
العشق مرار.. سهاد وسهر.. وروح منقولة من دوار لدوار.. العشق لوعة وروح حيرانه.. تهمس باسمه ليلاً ونهار.. تنام مرتاح.. تقوم حيران.. قلوب حساك.. قلوب فهماك.. قلوب بالعشق.. تبليك.. تحرسك ومن الدنيا تحميك.. تصون عهدك.. ومهما يطول البعد.. ما يملأ قلبه غير معاليك.
رواية رحماكي الفصل الثامن 8 - بقلم أسما السيد
بعد 6 شهور..
على وقع خطوات الخيول الراقصة، وتنافس الفرسان بمزرعة الأحلام والأمنيات بمدينة العشق الفاضلة، كل من عليها عاشقون يتغنون بليلة غناء كلياليهم.
صاحت حنجرته، هو الفارس العاشق:
أم العيون مكحلة
مرت على ربعنا
شبه الورود ياهلا
لو كان بتسكن جنبنا
سحبتها أختها سلمى بسعادة، تتراقصان معاً على نغمات البدو وأغانيهم التي عشقوها. واقترب محمد بحصانه الأسود يتراقص به، وصوته يشدو وعيناه عليها:
ساجـــده..
كيف الغزال بمشيتها تمشي على خطوتها
الله على بسمتها
بسمة تداوي جرحنا
أم العيون مكحلة
شبه الورود ياهلا
اقترب عدنان الذي يشدو بحنجرته من ساجدة، يتغنى بعيونها، يشهد الكون على عشقه لها. اختبأت هي بفريدة الضاحكة بسعادة على عشقهم الفاضح، تصفق بيديها وتضحك من خلف اليشمك البدوي وجلبابها ذي الألوان المبهجة. لقد أغدقتهم سليمة بالعديد منه، وكم أحبوا ارتدائه بتلك التجمعات الليلية.
تشبه ورود الندى
ما كيف عيونها حدي
ياريت قلبي تسعده
بنظرة تجدد فرحنا
الله عليها صغيرة
هواها جلبي حيرة
وعاااه الليل وسهره
ياريت بتسهر زينا
أم العيون مكحلة
ساجدة: وااه يادكتورة، شفتي جليل الحياء كيف عم يتغزل بعيوني؟
سحبت فريدة أختها بجوارها، ونظرتا لبعضهما بخبث على ساجدة، وانفجرا ضاحكين من وجهها التي يشع وهجاً كالنار التي يلتفون حولها.
ساجدة: عم تتمسخروا علي؟
انفجرا ضاحكين أقوى وأقوى.
اقترب عدنان، ماسكاً بقلبه، منهم، بعدما لمح خجلها:
أحكولها أن الجلب مال
والشوق أضناني
قولولها تتغنى بالموال
وترأف بحالي
عاشق أنا ياناس
وعشقك ياساجدة كيف النخل ده عالي
فريدة: ياسيدي ياسيدي، ماتخف ياعم عدنان، البنت بتتكسف.
عدنان: بهيام، جلبي احترق، صوتي انخلع، وبحبك قلبي انحرق.
ساجدة لفريدة: يا وجعه مطينة، بوي لو لمحني هيقطع خبري، قوليله يمشي يافريدة، ضرب بنوبته.
على الأرض.
الراوي: وااه ياعدنان، جلتلك مالكش صالح بساجدة.
عدنان: بهيام، رايدها تكون حلالي، ليش ماعم يرضى بيا بوها، وبالأصل يكون خالي.
الراوي: بابتسامة، عاشق ياعدنان.
عدنان: جوي جوي يا شيخنا الراوي، همل البنية، وعود لحالك لساتها صغار.
عدنان بتنهيدة: صابر وراضي، راضي ياساجدة بانتظارك، ولو ضاع عمري بعشقك الغالي.
عدنان: 30 سنة، فارس بقبيلة الراوي، رجل المهام الثقيلة زي مابيجوله الراوي، بيتغنى بالمواويل، عاشق للخيل وتروديهم، عاشق ولهان.
ساجدة: بنت خاله وهدان، بيعشقها عشق نار، وما بيفوت ليلة إلا وبعشقها بيتغنى عالربابة حولين النار، 18 سنة، وحيدة أبوها، بيغار عليها من عدنان، ورغم أن القبيلة بيتجوزو صغار، إلا أنه رافض يجوزها لابن اخته اللي عارف أنه بيعشقها وهي بتعشقه، بس تحكمات وخلاص، كيف مابيجوله الراوي.
***
محمد يامحمد، تعالي هنا.
محمد: يا فريدة، شوية بس وجاي.
ضحك الراوي: سيبيه يابتي، يجل ما جلبه يجوي.
فريدة بسعادة: مش مصدقة يا جدي إن ربنا جمعني بيهم بعد سنين، بخاف عليهم أوي غصب عني، مش عارفة أشكرك إزاي، لولاك بحياتنا ماكناش اجتمعنا، ربنا يخليك لينا يا جدي، ويخليكي يابت الغالين، انتوا نورتوا حياتنا ومليتوا علينا الدنيا.
سكتت بسعادة وشردت بما حدث منذ ستة أشهر وكيف اجتمعا.
***
flash back
مر أسبوعان عليها هنا، لم يحادثها بهم راجي كما أخبرها، ولم تأتِ والدتها ولا أشقاؤها كما توقعت. هي سعيدة جداً هنا، لقد بدأت حياة جديدة مختلفة كلياً عن ما كانت تعيشها. هنا تشعر بالحياة وبالكمال، تشعر بالحب التي افتقدت له على مر عمرها، ولكن هناك غصة بقلبها لا تعلم مصدرها.
اقتربت سليمة، تلك المرأة العجوز الحكيمة، بحنانها التي تحمله بقلبها. لم يرزقها الله بالأطفال، زوجها كان عقيماً، خيرها واختارته هو، طفلها وابنها، اكتفت به عن الدنيا وملذاتها، فرضها الله بعشق تلك الجموع لها، جميعهم ينادونها بـ "أمي".
سليمة: مالك يا جلبي؟
فريدة: قلبي مشغول أوي وقلقانة يا خالة، من يوم ما عم راجي مشي ولا حس ولا خبر، خايفة يكون حصلهم حاجة.
سليمة: فعلاً يابتي، الراوي جلج وبعت عدنان يتعسس هنيك، واليوم إن شاء الله بيجينا الخبر اليقين.
فريدة باستغراب وتساؤل: عدنان مين؟
سليمة: عدنان دا يابتي فارس مغوار، بيعشق الخيل والمواويل، عاشق للرحلة والترحال، بس من يوم ما جلبه عشق وهو مرابط القبيلة، بيجري وراها يمين وشمال.
فريدة بذهول: هي مين وللدرجة دي؟
سليمة بابتسامة: وأكتر. أكملت: ماتستغربيش أكده من سيرة العشق هنا، كل اللي هنا عشاج.
فريدة: معقول؟
سليمة: هحكيلك حكاية المزرعة مع العشق وكيف ابتدت. رفعت يدها مشيرة على البراح الواسع: شايفة البراح دا كلياته قدامك؟ كان فراغ. عشت عمر كبير من عمري في ترحال هنا وهناك مع قبيلتي، لحد ما في يوم اتجابلت أنا وياه. كان فارس واعر مابيخافش، صوته عالي. في الحج، وبليلة من ليالي الأنس اجتمعت جبيلتي مع جبيلته بمكان واحد. ووجعت عيني في عينه لأول مرة وهو بيتغنى عالربابة، وصوته كان بيشج سكون الليل بمواويله. ساعتها كأن سحر وربطني بيه. ارتبطت جلوبنا بعشق من نار، لا أني جدرت ولا هو جدر عالبعاد. دارت خلافات ومناوشات بين الجبايل، لأن مابصير البنت تتجوز من غير جبيلتها، بس أني اتنمردت واخترته هو. وجدام عشقنا المفضوح اللي صارت تتغنى بيه الجبايل، اضطروا يجوزونا. بس كان التمن أن القبيلتين اتبروا مني ومنه. وجتها ظهر جدك كيف أبطال الحواديت. كان هو والراوي معارف، اتصادفو بيوم بترحال القبيلة وصار بينهم عشم كبير ومصالح. لجأ ليه الراوي وهو ماخذلوش، وبقرش من الراوي وبقرش من جدك، اشتروا قطعة أرض اللي عليها القصر ده. ويوم بعد يوم صارت مزرعة كبيرة كيف ما انتي شايفة. ربنا ما أردش لينا الخلف والعوض. جالي اختاري، وأنا اخترته هو، سندي وعكازي في وقت المرض والتعب بلاقيه جاري. كبرت عيلتنا بالعشق والعشاقين. ماني مخبرتكيش أن الراوي بعد أكده فتح بيبان المزرعة لكل العشاق المنبوذين كيف حالاتنا. يدخلها العشاق حيارى تايهين خايفين، ونجوزهم وتكبر عيلتنا فرد جديد. الراوي عودهم اللي يعشق يصرخ بعلو صوته ويجول أنا عاشج، ويكون له كيف ماراد، مافي غصبانية ولا جواز وخلاص. كل اللي انتي شيفاهم قدامك دول عشاق، أما منبوذين أو حكم الهوى عليهم، ولساتهم حيرانين. هنا كل الجلوب نضيفة، لساتها بخيرها، المدينة العاشجة كيف مابيجولوا.
فريدة بانبهار: مرددة المزرعة العاشقة.
سليمة: أيوه يابتي، مزرعة العشق والعشاج. وعدنان الفارس، عاشق ولهان لساجدة وهدان، لا طايل سما ولا أرض، من يوم ما عشق وهو بيتغنى بيها كل ليلة عالرباب ياجل مايحن أبوها بيوم وينول هو المراد.
وعلى وهج حكايات الجدة نامت تلك الليلة بسلام، وسليمة تقص وتقص عليها من الحواديت أقواها. إلا أن أتى المرسال وانقلبت الأحوال، قتلت والدتها واتهم راجي بها، يسجن راجي ويقتل بالسجن، وانتهت الحكاية قبل البداية. بكت وبكت حالها ومرارة الفراق، إلى أن فاجأها الراوي بعد شهر من وفاة والدتها، بعدما يأس من أن تجف دموعها وذبلت هي، فاجأها بهم، أشقائها، بهم تفتحت دنياها وازدهرت الحياة. هنا ابتدأوا جميعاً حياة جديدة، عهداً جديداً، تناسوا به الماضي واتخذوا من وصايا والدتهم منهجاً: فليدعوا الحقد والانتقام جانباً، وليحيوا سعداء، وليتركوها لرب العباد. ولكنها تعلم أن الراوي يضمر بنفسه شيئاً، يريد الانتقام ويعد عدته، ولولاه ما درّبهم على ثلاثتهم على القتال وحمل السلاح وركوب الخيل كالابطال.
back
تنهدت بحب وابتسامة سعيدة، فرحة. لقد عوضها الله بأكثر مما تمنت يوماً، والحمد لله.
***
بالمنصورة، تجلس على كرسي المطبخ تبرد أظافرها ببرود، تملي أوامرها عليهم بعدما نالت منهم وتزوجت أحمد.
روان: إيه القرف دا؟ ماتشيلي يا ست أمل، زمان الرجالة جايين، شيلي كدا.
أمل بكسرة: مانا خلصت أهو، إيه تاني؟
روان: نعم، خلصتي إيه والمواعين دي؟
أمل: لا بقي أنا زهقت، اعملي انتي.
روان بخبث: انتي بتعلي حسك عليا؟ تؤتؤ، بلاش ياحلوة، ما انتي عارفة اللي فيها، بمكالمة مني صورك الملط هتلف البلد كلها، فاقصري الشر أحسن لك، وكفاية إني سايباكي خارجة داخلة مع سي عصام، هااا فهماني طبعاً.
أمل بخوف: خلاص خلاص، هعمل أهو، بس بلاش ياروان عشان خاطري.
روان بقرف: اشتغلي وانتي ساكتة.
خرجت وتركتها تبكي مرارة أفعالها. لقد وصلت لأمل صورها مع عصام، وهو من فعلها وغدر بها، ومع ذلك مستمرة معه، يهددها، وكل مرة بفيديو جديد، وهل تستطيع الكلام؟ تنهدت وأكملت. ولكنها شعرت بذلك الدوار اللعين الذي يراودها منذ أسبوعين. تركت مابيدها، متذكرة، ولطمت خديها.
أمل: يلهووي، يلهووي، لا أكون حامل! دي بقالها أسبوعين مأخراني، يخرااابي، يخرااابي، يا فضحتك يا أمل، يا فضحتك.
دخلت والدتها: مالك يابنت يا أمل، بتعيطي ليه؟
أمل بارتعاش وبكاء: أبداً يا ماما، أنا بس مخنوقة من روان وعمايلها، أنا زهقت.
الأم: ومين سمعك، اتمسكنت لحد ما اتمكنت، بس على مين؟ زي ما دخلتها هخرجها، زيها زي غيرها.
أمل بلهفة: غافلين عن تصنتها عليهم.
الأم: إني خدت أطرها وهروح للشيخ مجاهد اللي في البلد اللي جنبينا يزرفها عمل ونخلص منها.
أمل: ياريت يا ماما، وياريت لو يقضي عليها ونخلص منها.
الأم: هيحصل يابنتي، هيحصل.
أمل بتردد: بس إني يا ماما أسمع أن الشيخ مجاهد ده مبيشتغلش إلا على نجاسة.
الأم بضحكة رقيقة: وماله؟ نجاسة نجاسة.
أمل بصدمة: بجد؟
الأم: سيبك انتي بس، انتي غطي عليا بكرة وقولي لابوكي أمي راحة لخالتي المحلة، فاهماني.
أمل: فاهماكي يا أمه.
روان بغيظ: ساحر ومجاهد ههههه، إن ما وريتك انتي وبنتك مابقاش أنا، اصبروا عليا. ال مجاهد ال.
***
التفت بخوف ورائها، منه هو، يلاحقها بكل مكان، خائفة منه بشدة، سمعته السيئة تلاحقه بكل مكان.
ياسمين: انت عاوز مني إيه يا عصام؟ ابعد عني.
عصام: بحبك يا ياسمين.
ياسمين: ويا ترى النغمة دي قولتلها لكام واحدة؟ ابعد عني الله لا يسيئك، إني معنديش إلا شرفي، ابعد عني.
عصام: بحب حقيقي لها، والله بحبك يا ياسمين، انتي ليه مش مصدقة؟ أنا عمري ما أذييكي، صدقيني.
ياسمين: وأنا مبحبكش، أنا بخاف منك، برتعش لما بلمحك، انتي بتخوفني، ابعد عني.
جرت من أمامه مسرعة.
ياسمين: اخت فريدة، ابنة عبد الله وشريفة، جميلة رقيقة كالوردة بجسد مهلك، جعلها مطمعاً للجميع، بالصف الثالث الثانوي.
جرت وجرت إلى أن اصطدمت به هو، عابد، وهو يلقفها بيديه.
عابد: مالك يا ياسمين بتجري ليه كدا؟
رفعت نظرها بفرحة له: عابد.
عابد: اه يا ياسمين، مالك، في حاجة؟
لمحته يأتي خلفها، فامسكت بيد عابد بتوتر ونظر خلفها وجده هو.
عابد بغيظ: بيضايقك؟
سحبت يده: تعالي نبعد من هنا واحكيلك، الله يكرمك يا عابد.
رمقه بغيظ وصار بجانبها، واشتعلت عين الذئب خلفهم بحدة.
عصام: ماشي يا ياسمين، عاملة شريفة عليا ومدوراها مع عابد، ماشي، ماهو يا أنا يا مفيش، ومش هخليكي نافعة لحد غيري.
***
بسوهاج، بالمجلس الكبير الملحق بالدوار الخاص باجتماع العائلة، جميعاً. يجلس الجد واضعاً رأسه على نبوته بحزن وشرود، بعدما فقد روحه بفقد ابنته وأبنائها تباعاً. كبر عمراً فوق عمره بفقد ابنته الحبيبة وهروب أحفاده. لم يعد يريد شيئاً إلا لقياهم والاطمئنان عليهم، أين رحلوا وكيف يعيشون. أصبح هيكلاً بلا روح. يجاوره يساراً ابنه سويلم، الذي يجلس بفخر بانتظار لحظة التتويج، وحفيده فهد بجانبه. وعلى اليمين كيان بجلبابه الصعيدي، وباقي أفراد العائلة.
صدح صوت واحداً منهم بغل بالمجلس: اسمع ياشيخ، إحنا سكتنا كتير احتراما ليك، لكن بت نادية، لازم وأدها، هربت وجابت لنا العار، لازم نحلل دمها.
شخص آخر: صوح، جابت لنا العار، إحنا الفهايدة، مفيش مرة حطت راسنا بالطين إلا بت نادية.
علت الهمهمات ودارت الاحتجاجات بين رافض وبين مؤيد.
كيان بصراخ: وحده، اسكُتوا! أظاهر أن نسيتو أصول المجلس، مافي حدا بيعلي حسه على حس الكبير، واللي صار صار، والأمر يخصنا إحنا وبس.
واحداً منهم: كيف دا يا كيان يا ولدي؟ بنت نادية بنتنا، والعار طالعنا وطالع بناتنا.
كيان بحدة وقوة: جلت خلص الحديت وانتهينا منه، سلمي واخوها يخصونا إحنا، وعار إيه اللي بتتحدتو عليه؟ سلمي ما هربتش بخطرها، هربت من الظلم والمرارة اللي عاشوه هنا بيناتكم، وانتو زي مابتجولوا أهلهم وناسهم.
صمت الجميع. وساد الصمت المجلس. إلى أن قطعه الجد.
الجد راشد: خلص، خلصتو تقطيع في بتي وبناتها وابنها، ممرعينش حرجة جلبي وجهرتي عليهم.
سكت الجميع بخزي.
الجد بعزيمة: إني لساتني موجود، وطول ماني موجود، ما حدا بيجدر يمسهم بشي، والموضوع اتجفل على أكده، وأي حد هيفكر يمسهم بكلمة هيواجهني أنا، فاهمين ولا لأ؟
وافق الجميع، وهل يجرؤ أحد؟ عموماً، إني اليوم جمعتكم ياجل شيء تاني، اليوم هسلم مهام العائلة وهمها لغيري، وكلمته هتبجي سيف على رقبتكو.
علت الهمهمات بينهم، على من سيفوز أخيراً باللقب؟ الكل يمني نفسه أنه هو.
الجد: من اليوم كيان حفيدي هو الكبير، وأني بضهره، أي حاجة تخص العيلة كبيرة كانت ولا صغيرة، هو المسؤول عنها.
علت الاعتراضات، فخبط بنبوته الأرض: خلص الكلام. وانفض المجلس. انتهى المجلس. وتبقي هم فقط، الجد، وابنه، وحفيديه فهد وكيان.
سويلم بحدة: إزاي دا يا بوي؟ ابني يبجي كبير عليا؟ إني المفروض أبجي الكبير من بعديك.
الجد بحدة: وإني لساتني عايش، مموتش، وبيدي بسلم كيان المجلس وأمور العيلة، وأي حد عنده اعتراض يوفره لنفسيه يا ولدي.
اندفع سويلم بحدة للخارج يتحسر على ضياع آماله. تبقي فهد الجالس شارداً بها منذ رحلت، وأين ذهبت؟ قلبه مشغول بها، جفاه النوم منذ رحلت، هل عشقت غيره؟ هل هربت معه؟ وإلى هنا واشتعلت بقلبه النار. وكيان الشارد بعظم المسؤولية وحياته الجديدة، وبها هي، وما عرفه أخيراً عنها. وأخيراً بعدما علم طريقها، وما عرفه، وما سمعه، وهروبها الكبير. فريدة... حبيبته. أغمض عينيه بوجع وحزن. الفراق نصيبهم، وإن كان اللقاء بالأمس أمنية، فاليوم بات استحالة.
الجد بهدوء: انتهى سهادكم ولا لسه يا ولاد سويلم؟ انتبهوا عليه.
كيان بانتباه: معاك يا جدي. مش شايف إنك استعجلت شوية يا جدي بموضوع المجلس دي؟
الجد بتعب: إني كبرت يا ولدي وهمي عم يكبر، وفراق الأحبة أضناني، خايف يجي اليوم ومن شرودي بهمي ما أحكم بالعدل بيناتهم. أما أنت لساتك بخيرك يا ولدي، سيبتلك الحكم، احكم بالعدل، بالشدة أو جات، وباللين أو جات. عارف المسؤلية كبيرة عليك، وانت باجدك هترتبط بأهنه، بس أهنه الأصل يا ولدي، ومهحرمكش من اللي انت رايده أبداً. أفضل أهنا وروح وتعالى عليا وافتح فرع ليك أهنه ببلدك يا ولدي. وأنت يافهد، آن الأوان يا ولدي تجف بظهر خوك وتحميه، مترميش ودنك يا ولدي للحريم وحواديتهم.
فهد بخزي: أمرك يا جدي. عندك حق.
مد الجد يده يستقبل وحدتهم، وبمحبة وضعوها بيده: اليوم عاهدوني تبجوا إيد وحدة، ضهرك بضهر خيك يافهد، مايهزكم ريح.
كيان وفهد: نوعدك يا جدي.
الجد: توعدوني؟
كيان: نوعدك.
الجد: فريدة وسلمى ومحمد بعيونكم، دوروا عليهم، ودوروا عالحجيجة.
كيان: لساتك ممصدقش في راجي يا جدي؟
الجد بتنهيدة: لا يمكن يعملها يا ولدي، وإلا مكنش اتقتل قبل ما يستجوبوه يا ولدي. مسير الحجيجة تظهر يا ولدي، المهم دلوك، أوعدوني.
فهد وكيان: نوعدك يا جدي.
***
بالمزرعة العاشقة، هبط من على حصانه بسعادة، بعدما لمحها جالسة مع سليم الصغير وسيلي بجانب غرفة الكشف التي بها فريدة، شعرها الغجري انسدل من تحت حجابها. نظر لها بغيره، ودارت عيناه هنا وهناك، وجد الجميع نساء بأطفالهن آتون لفريدة بأطفالهن. اقترب منها هامساً بحدة: داري شعرك اللي كيف وهج النار ده يا ساجدة، وإلا خدتك دلوك لداري علمتك كيف الحشمة بتكون.
انفلتت من مكانها وارتعبت.
ساجدة: عدنان، انت هنا؟
عدنان: داري شعرك ياساجدة، ملكي ما بيشوفو غيري.
ساجدة بعدما لملمته من تحت حجابها: استحى يا عدنان، وفوت من هنا، لاحسن بوي يلمحك وتجيد النار.
عدنان: النار جايدة بجلبي ياساجدة، ميتا تحني علي؟
ساجدة بخجل: وايش بيدي؟ لو كان بيدي كنت جارك ومن زمان.
عدنان بسعادة: صوح يا جلب عدنان، ريداني كيف ماني رايدك.
ابتسمت بخجل وسكتت.
عدنان: بيجولوا السكوت رضا وجبول، جبلاني ياساجدة.
ساجدة: جبلاك من جلب جلبي يا عيون ساجدة.
صدح صوته الغاضب قاطعاً لذة الاعتراف، وهدان، هادم اللذات، ومن غيره، والدها، صارخاً به: عدنااااااان!
قفز مسرعاً على حصانه متمتماً: يا ويلك يا عدنان، ضاعت الفرحة، وكلتك للرب يا خال.
ساجدة بسعادة: الله يرحمك يا عدنان.
عدنان وهو يلكز حصانه راحلاً: فداكِ يا روح عدنان.
***
بيقولوا العشق وسط النار
بسمة بتيجي بعد مرار
ضحكة صافية وسط شجار
فرحة جديدة وسط الدار
عشاق اتحدوا بعد فراق
وبينهم تبدأ الأشواق
أنا العاشق، أنا الولهان
أنا الحزنان، أنا الفرحان
أنا التايهة وبعيونك لقيت عنواني
أنا العاشق، وبين إيدك واحد تاني
عاشق بيتغنى بمواويلك
تايهة وعنواني مابين إيدك
أنا العـــــاشـقـ
رواية رحماكي الفصل التاسع 9 - بقلم أسما السيد
بين ايدك واحد تانـــــــي
(من رحم الالم يخلق..الامل)
جالسا بمكتبه بمتجره الجديد الذي أنشأه من ماله الخاص واستأجر شقه هنا بجواره، مبتعدا عن عائلته.
بالامس حينما التقاها وحكت له سبب اندفاعها واحتمائها به، فارت دمائه واشتعلت الغريزه بقلبه مجددا لتلك الصغيره بنظره. ولولا خوفه علي سمعتها وخصوصا بمنطقه كمنطقتهم، لاردي ذلك الحقير قتيلا. ولكنه طمأنها واصطحبها لمنزلها بأمان. وحينما عاد كلف شخصا موثوقا به لمتابعتها ذهابا وايابا.
دخل مسرعا علبه.
"ألبكه.. مسعد.. الحق ياعابد.. الحق.."
"في ايه يامسعد؟"
"ياسمين جرالها حاجه؟"
"ياسمين... كانت مروحه من الدرس وانا وراها زي ماقولتلي، فجأه جت عربيه في ثانيه زي الصاروخ.. خطفتها ومشيت..."
"خطفها فين؟ وانت سيبتها وجيت ليه ياااغبي؟"
"اهدي ياعابد.. انا قطرتهم بالفذبه.. وجيت اقولك.. يالا بسرعه المكان بعيد.."
انطلق خلف مسعد، صارخا به ان يسرع.
"بسرعه يامسعد.. بسرعه.. اه يابن 🐕 ياعصام.. هقتلك.."
"انت عرفت منين انه عصام؟"
"اخلص بسرعه..."
بأخر البلده، بمنطقه زراعيه ببيت قديم نسبيا يطل علي مقابر البلده، حيث ألقي بها الخاطفون أرضا بذلك المنزل.
دموعها المقهوره تسيل من عيناها، يشاركها كحل عيناها الاسود الحزين المرتعب كقلبها المذعور. ماذا سيفعلو بها؟ صرخت وصرخت.
وهو ينظر لها كالذئب من خلف ستار قديم متهالك، قلبه حزين كحزنها، ولكن لابد وان تكون له. قلبه المريض بها يؤلمه. علي صرخاتها المفزوعه، يعشقها ويهيم بها، ولكنها تكرهه وتكرهه بشده.
ضرب برأسه الجدار، صارخا بصوته المخنووق.
"اسكتي اسكتيي يا ياسمين... انتي اللي وصلتينا لهنا.. انتي.."
سمعت صراخه عليها فعلمت انها النهايه.
"عصام انت.. انت اللي خطفتني.. طب ليه؟"
اقترب منها، خطواته البطيئه التي تتقدم منها كانت تدب بقلبها الرعب. لم تبغض شخصا بحياتها كما تبغضه. جلس علي ركبتيه أمامها.
الجو حار للغايه، عرقه الذي سال علي جبينه ووجهه شارك دموع عينيه.
"ليه محبتنيش.. بقالي سنين مستني اللحظه اللي تقوليلي فيها بحبك ياعصام.. خايفه ليه علي طول مني؟"
ارتعشت وارتعش كل شئ بها ودموعها تسيل وتسيل، وخرج صوتها مهذوذا يزيد من عذابه ومراره.
"أنا بخاف منك. اوي ياعصام.."
"لييييه؟"
أمسك يدها المرتعشه بحده.
"بصيلي ياياسمين وقولي ليييه.. دا أنا حياتي وقفه عليكي... قلبي دا مدقش ولا ارتعش غير ليكي.. لو طلبتي الدنيا بحالها هجبهالك.."
"الدنيا اللي بتجي من عرق الستات وتهديدهم متلزمنيش ياعصام..."
دفعها بحده، صارخا بها.
"وسي عابد بتاعك هو اللي شريف.. هااا... شريف اومال لو كان منمسكش مع المحروسه اختك.."
"اخرس اختي اشرف منك ومن عينتك.. وانت عارف دا كويس.. ولا ست امل اللي انت مدورها معاها والبلد كلها عارفه مقلتلكش ان اختي بريئه.. منكو لله.."
"بدافعي عنه بحرقه اوي.. بتحبيه..؟"
أمسكها من حجابها.
"بتحبيه.. عاوزاه.. انا بقي هخليكي متنفعيش غير ليا انا... انا بس ياياسمين.."
"ابعد عني ياعصام انا مبحبش حد.. ابعد. ابعد وحياتي عندك ابعد ياعصام متخلنيش اكرهك.. أرجوك.."
وهو يخلع ثيابه ويكتفها اسفله بقدميه.
"يعز عليا وجعك ياقلب عصام... يعز عليا تتحايلي عليا وأرفضلك طلب.. بس انتي اللي اضطرتيني لكدا..."
"لا ياااعصاام ارجوك. بلاش.. هكرهك.. هموت نفسي.. عمري ماهكون ليك..."
"المهم ماتكونيش لغيري.. ياااسمين.."
وضاعت صرخاتها.
***
قفز مسرعا باتجاه المنزل المتهالك بذلك المكان المهجور، يتتتبع بقدماه صرخاتها المكلومه.
"عااابد.. يااااسميـــــــن.."
ويالمراره مصيرك ياياسميـــــن.. انتهي منها وانتهي جنونه. مع ازدياد صياحه من خلف الباب، لمح نزيفها وعيونها التي أغلقتها مستسلمه كالموتي. لملم نفسه وهز رأسه بجنون.
"لالا.. ياسمين.. ياسمين.. أنا أسف.. والله أسف.. بصي أنا هتجوزك.. أنا عملت كدا عشان تبقي مرااتي... انتي مرااتي صح.."
"هقتلك ياوسخ.. مش هسيبك.."
اندفع الباب بقدمه فتركها مسرعا ورحل من الشباك يجري وسط المزروعات، الي ان اختبأ بالمقابر. فسخ الباب بقدمه ودخل مسرعا يبحث عنها. التفت لمسعد قلبه يخبره أنه لا يجب ان يكون معه.
"مسعد استني انت هنااا."
"امرك.."
دخل وفزع، وياليته ما دخل. أغمض عينيه بحزن واقترب ململما جراحها بيديه، كابتا غليان قلبه بقلبه، ودموعه أغلقت لحيته، قبل رأسها هامسا.
"سامحيني ياياسمين مقدرتش احميكي."
***
"بسوهاج.. خلاص ياولدي.. راحل."
"أيوه ياأمي.. شغلي متعطل ولازم اسافر ضروري."
"هتغيب كتير ياولدي؟"
"مش عارف ياأمي.. دعواتك.. بس.."
"وخلي بالك من نفسك... ومن صحتك."
"معنتش عايزاها ياولدي.. بعد مارحلو الحبايب."
"وحياتك لجبهوملك ويرجعو لحضنك من تاني."
"جد ياولدي."
"جد الجد.. كمان.. انا مش ساكت وقريب اوي هوصلهم... بس خلي بالك انتي من نفسك واوعاك تجيب سيره عنهم قدام عمتي وبناتها او جدتي سعديه."
"حاضر ياولدي.. مهجولشي طمنت جلبي.. الهي يريح جلبك ويراضيه ياولدي."
"الله علي دعوتك ياأمي.. ادعيلي بيها دايما.. ادعيلي وقوليلي ربنا يبرد قلبك ياكيان...."
"ربنا يجربلك البعيد ياولدي.. وينولك اللي في بالك.. ويجي اليوم اللي تلاقي اللي تخطفهواشوف عيونك بتضحك. وبتلمع من العشج لمعان."
"امين ياأمي.. امين...."
تركته والدته واقترب جالسا علي طرف فراشه بحزن، مخرجا سلسالا من خلف قميصه الفاخر، ممسكا به.
سلسالا باسمها.. فريده...
***
(flash back)
"هاتي ايدك يافريده متخافيش."
"هنروح فين ياكيان انا خايفه."
"خلاص انتي حره."
واقترب مسرعا حاملا اياها من خصرها كالاطفال، كريشه خفيفه هي.
"عاا.. هقع.. هقع.."
وهو يضعها بحرص علي باب الطائره الخاصه بعائلته.
"انا افديكي بعمري يافريده.. قبل ماتقعي أكون انا بدالك."
رمقته بتلك النظره التي تجعله بدنيا اشبه بدنيا الحكايات، مبتسمه بوجهه، مطلقه بوجهه كلمتها القاتله.
"بحبك ياكيان.. لو مر سنين وسنين.. وبقيت عجوز ومكحكح هفضل احبك زي اول يوم."
امسك قلبه متأوها بوجع، هامسا ببتحته القاتله.
"دوما ماتخبره الا يتحدث بها.. اد كلامك يافريده.."
"أده وأده وأده.."
انتشلها من علي الارض زارعا اياها بين أحضانه هامسا لها بكم هائل وهائل من كلمه احبك. أغلق باب الطائره راحلا بهم لمكان، يشهد مغامره جديده لمغامراتهم المجنونه.
علي أرض دهب الجميله حطت طائرته الخاصه، وعلي رمالها الذهبيه باحدي شواطئها الفيروزيه، جرت هي بسعاده طفله وهو خلفها. عادا كطفلان صغيران، معها ينسي نفسه وقوانين عائلته العقيمه وانه هو كبير العائله وتحكمه العادات والتقاليد. معها يرجع شابا لم يكمل العشرين، صغيرا يعيش مراهقته معها لاول مره بعمره.
استدارت تلهث بسعاده وخانتها قدماها فجلست علي شاطئ البحر بتعب واجهاد. جلس بجانبها، راميا بحمل ظهره للخلف، ملقيا بجسده علي الرمال.
"تعبت ياصغنن.."
وهو يصارع خصلاتها التي حاوطت وجهه من جميع الجهات.
"ابعدي شعرك دا يافريده قلتلك لميه متخرجيش بيه كدا.. وبعدين مش وعدتيني تلبسي الحجاب.. ايه بقي فين راح الوعد."
"أنا لسه صغننه... بص يوم فرحنا اوعدك هلبسه."
"وانا لسه هستني يوم فرحنا يكون الكل شبع منه."
"يووه ياكيان بقي.. هي دي كل سنه وانتي طيبه.. انهاردا عيد الحب.."
"وانا هغلبك يعني.. ماشي يافريده.. بس تبقي مراتي وانا أمشيكي عالعجين متلغبطيهوش."
"الله امتا بقي يجي اليوم دا وابقي مراتك."
يريد ان يخبرها وخائفا من رده فعلها بالاخير. لابد وان تعلم انه زوجا لاخري وان كان لا يحمل للاخري شيئا. لابد ان تتفهمه وتعلم انها زوجته من قبل ان يلقاها هي. لقد اجبره والده من شهور علي كتب كتابه من ابنه عمته سلوي. سيخبرها وانتهي الامر.
التف لها، وجدها تعطيه هديه صغيره بيديه.
"ايه دا."
"كل سنه وانت معايا.."
فتحتها وطل منها سلسالا فضيا مزرقشا باسمها. فريــــــــــــــده. لمعت عينيه بفرحه.
"عشان تفضل فاكرني.. تفضل لابسها دايما... اليوم اللي هتقلعها فيه... هعرف ان معدش ليا مكان بقلبك.. وساعتها هنساك زي ماهتنساني.."
"فريده أنا.. عاوز اقولك حاجه مهمه.."
وضعت يدها علي فمه مسرعه.
"لو هتقولي حاجه تزعلنــي.. بلاش.. مش عاوزه حاجه تنكد عليا انهارده.. أرجوك ياكيان.."
تنهد يجبر نفسه علي ابتلاع غصته وارتدي سلسالها بعدما جعلته يقسم بألا يخلعها يوما. أخرج من جيبه شيئا وأغلق بكفيه عليه.
"ايه هنا.."
"حظري فظري.. خمنت بكل ما كانت تتمناه ورفضه.. الا هو.."
"خلاص غلب حماري.."
"طب غمضي عينك.."
"اهو.."
اقترب من قدمها المفروده، والبسها اياه بهدوء وصمت. شعرت بملمس اصابعه علي قدمها، ففتحتها مسرعه تصفق بيديها.
"خلخـــــــــــــال.. الله.."
"خمنتي كل حاجه رفضتها الا هو..."
"عشان انت يومها زعقتلي جاامد.."
"ولسه.. علي فكره... دا هيتلبس بس ليا.. في أوضه نومي.. هااا فااهمه.. والااا."
"فاااهمه.. فااهمه بس ميمنعش ان اجرب الجري بيه."
"استني يامجنونه.."
(back)
ضحك لذكراها. وياليتها كانت دامت. وياليتها لم تأتي ذلك اليوم للقياه. وياليته اصر علي اخبارها ذلك اليــــوم. تنهد شاردا بما عرفه من صديقتها التي مازالت علي تواصل مع حسام، الذي بدأ بقصه حب ملتهبه بعدما التقته باحدي الكافيهات. صديقتها ديما، تزوجت وأنجبت وتطلقت ورحلت لمكان لا يعلماه.
بحث وبحث حتي علم ماألهب قلبه، حبيبته البريئه. اتهمت بشرفها وفضحت ببلدتها. تلمعت عينيه بحده وهو يتذكر ماعلمه عن زوجها وما لاقته علي يديه.
"وحياتك عندي لخليه يتمني الموت وميطولوش.. بس ترجعيلي يافريده.. ياترا انتي فين.. وفين ألاقيكي... يااارب..."
***
"اصلبي ظهرك يافريده وانتي عم تنشني علي النجطه البعيده."
"أهوو ياجدي.."
"عفارم عليكي.. يالا وريني كيف البعيد بيتصاوب.."
اعتدلت واللمعت عيناها وهي تتخيل تلك النقطة البعيدة هي، تلك التي سلبتها والدتها قبل مرآها. تخيلتها شيطانه بأنياب، وانطلقت رصاصتها تصوب ناحيه قلبها بقوه. أصابت هدفها مره وأخري الي ان انتهت رصاصاتها وهدأت شعله قلبها.
"عفارم يابتي.. عم تتعلمي بسرعه يافريده يابتي."
"تعليمك ياجدي."
ضحك وحط بيده علي كتفها بفخر.
"تعي يابتي خلينها نعاود.."
"يالا ياجدي..."
جدك بيتعسس بكل مكان مخلاش مكان الا ودور بيه عنك وعن خواتك.
"قرب ولا لسه."
"وصل لخيط رفيع.. ومش بعيد الخيط يكر."
"تفتكر هيقدر يوصلنا."
"اللي متوكد منه انه اتاكد واطمن ان سلمي ومحمد معاكي.. بس ان يوصل لمكانكم.. اهنه.. لسه جدامه كتير.. لسه مأنش اوانه... مهيعرفش واصل يوصل ليكو ولا الجن الزرق.. يعرف.. الا وجت ما أقرر اني.. امتا يبتدي الحساب."
"تقصد ايه ياجدي."
"متشغليش فكرك انتي.. يالا نعاودو...."
اقترب احدهم مسرعا عاملا بقصر الراوي العريق.
"الحجنا ياشيخنا.."
"في ايه يا حمدان الولد جرالهم شي."
"لع دا عدنان.. عم يصرخ ولامم الجبيلهوعم يجول.. بحبك ياساجده ووهدان بدو يجتله.. الحجنا ياشيخ.."
"همي يافريده يابتي اما نشوف ولد الفرطوس ده.."
ضحكت بسعاده وجرت امامه.
"يالا ياجدي بسرعه.. اما نلحق المشهد من اوله.."
***
في الساحه حيث يتسامرون ليلا، يقف علي حصانه الصامدوكانه يعلم بما صاب صاحبه، يهاوده ثابتا بمكانه. وصاحبه يقف كالجبل الشامخ، صارخا بعشقه لها.
"جولو لها ان عاشج لها.. عاشج أنا ياساجده..،. ولأجل عيونك الناعسهبتغني بالمواويل.. في البعد نار بجلبي انا..،. واه لو تجرب المواعيد.."
"ياعدنان ياجامد غنيلها..."
"غنيلها.."
"بتشجيع غني ياعدنان.."
"يافضحتك بالجبيله ياساجده... جال يغني جال.. بوي هيموته.. الله يرحمك ياعدنان.."
"فتوني عليه... هجتلك ياعدنان وما بعطيك بتي.."
"غني ياعدنان وقول للكل انك بتحبها.."
اقترب الراوي وفريده من الجمعومعه صدحت حنجره عدنان.
حبيت الحب من عيونك
وبقيت حبيبك مجنونك
عمري ياحبيبي ما فكرت في يوم اني أخونك
وأحب عيون غير عيونك
ياعيون أخدتني في دوامه
ياعيون نستني عمري وأيامي
حبيت الحب من نظراتك
قلبي سحرني ببسماتك
غنيت لعودك وحدودك
لكن ما وصلتش لحدودك
ياأجمل حبيب.. ولا أجمل شاعر يقدر يوصف فيك
ياطيري ياناري ولهيبي.. اوعدني ما تبعد عني
يالي عشانك بغني.. عن حبي في قلبك طمني
ياشوج ياحبيبي
"ياويلك مني ياعدنان.. غني ايش ما تغني ما بعطيك بتي.."
"بحبها ياخلج.. واللي خلج الخلج بحبها.. جولو لابوها اني بحبها.."
علا صوت الراوي.
"ياعدنان.. ياعدنان.. انجدني ياشيخ.."
"ايش راح يكون مهرك اذا بنعطيك ساجده."
"فجير انا بأحوالي.. عايش رحال وبيها بيستجر حالي.. قلبي زواد.. ومن حبي بسجيها وارويها بحناني.. اذا بتجبل بجلبي والله من الفرحهبتتغير احوالي.. وا اذا ما بتجبل بيموت جلبي ومن الدنيا بتنجطع أخباري.."
"سلامه جلبك ياروح الروح.. والله ما بريد غير جلبك ياأغلي الغوالي.. بيصير صدرك مخدتي ومن حنانك يكون زادي... راضيه انا بمرك.. وفجرك بيحلالي.."
"بتكسري كلمتي ياساجده..."
"من اليوم..... عدنان لساجده وساجده لعدنان.. ادبحوا الدبايح وعلجوا الانوار.. وبعد يومين،.. بيتم المراد.."
قفز عدنان من علي حصانه مسرعا مقبلا يد الشيخ.
"ياسلم بجك ياشيخنا.. والله فرح جلبي.."
"من اليوم مافي غنا عالربابهليوم الفرح ومافي جري ورا ساجدهممنوع تشوفها الا بيوم العرس.."
"كله يهون لاجل عيونك ياساجده.."
ضربه الراوي بعكازه صارخا به.
"اتحشم ياولد.."
***
"برافو.. عليك يامجاهد.. هو دا.."
"أنا تحت امرك يا ملبن.. عشان ترضي علي مجاهدوينول المرادروان.."
"انت مبتشبعش يامجاهد.."
"وانتي يتشبع منك ياملبن.."
روان.... متجاوبه مع لمساته التي تسكرها.
"طب ايه هتخلصني منهم امتا..."
"هي جلسه كمان.. وتبقي رقبتها في ايدك.."
"وانا بين ايديك يامجاهد.. مدام هتخلي رقبتهم تحت ايدي.."
"انتي بس ركزي معاياوانا اجبلك رقبتهم ياملبن انتي.."
وانغمسا بالحرام.
***
بمنزل أمل.
"يلهووي يلهووي أنا فعلا حامل... أعمل ايه... أنا لازم أروحله يتصرف.. بس دا مبيردش عليا.. لا مبدهاش بقي انا هروحله دلوقت.."
ارتدت ثيابها وجسمها يرتجف ذعرا وخوفا من مصيبتها.
***
بعد يومين، بالمشفي. يجلس واضعا رأسه بخزيوحزن من فضيحه ابنته وما جري له. وبجواره والدتها تبكي وتصفع خديها.
"شريفه.. يامرك ياشريفه.. يامرك.."
يقف يستند بيديه علي الحائط ناظرا للفراغ بشرود. لم يستطع ان ينقذها لقد وصل متأخرا بعدما ذبحها ذلك الوغد وتركها غارقه بدمائها وهرب. حتي ذلك البيت الذي وجدها به لم يكن ملكا له، جلبها مسرعا للمشفي نازفه. منظرها لا يغيب عن باله وعقله. حتي والدها المتخاذل دائما بحق بناته رفض أن يبلغ عنه. ولكننه يقسم سينتقم ولو بعد حين.
اقترب مسعد منه، فساله عابد بلهفه.
"هااا يامسعد عرفتله طريق."
"فص ملح وداب.... حتي امه متعرفش عنه حاجه.."
أومأ برأسه وقد اهتدي عقله لحل ولابد منه. اقترب من عبدالله الجالس بحزن.
"عم عبدالله..."
رفع عبدالله رأسه بهم.
"ايوه ياولدي..."
"أنا عاوز أتجوز ياسمين.."
***
بعد ساعات، بمنزل عبدالله. بعدما سمح الطبيب لها بالخروج، انتهي المأذون من كتب كتابهم. بعدما أطلعوه بكل شئ وذهب.
"أنا هعمل لياسمين فرح الكل يتحاكي بيه ياعم عبدالله بنتك ما يعبهاش شي وانا يشرفني تكون مراتي.."
ياسمين بدموع توشك عالانهيار، وضعت يدها علي أذنها صارخه بهم.
"كفايه.. كفايه.. مش عاوزه حاجه ولا عاوزه فرح.. مش عاوزه شفقه من حد.. سيبوني في حالي.. سيبوني في حالي.."
انهارت. لقد تعبت وتشعر بالاشمئزاز من نفسها. فاقترب مسرعا منها محتويها بين ذراعيه، دافعا بها لغرفتها، مغلقا الباب خلفهم. لا يريد غيره يري ضعفها. غريزه فطريه زرعت بقلبه تجاهها منذ انتهي المأذون وردد أخر كلماته. يشعر بأنها لا تخص احدا الا هو. احتواها بذراعيه. بكت وبكت، وهو يهدهد بها كطفله صغيره.
"انت ذنبك ايه تشيل بلوه غيرك.. مش هيسيبك قالي اللي هيقرب منك هقتله.. ابعد عني الله لا يسيأك كفياني ذنب نفسيمش عاوزه أشيل ذنبك معايا.... أرجوك.. يا عابد.."
بهدوء وبابتسامته التي تبث الطمأنينه دائما. مسح دموعها بيده ورفع وجهها، مقبلا عينيها الباكيتان بحنان.
"خلاص هديتي.. عاوزك تخرجيكل اللي جواك مره واحده.. عشان مش هسمحلك بعد كدا.."
نزلت دموعها وارتمت بين ذراعيه.
"مش عاوزه فرح.. خدني من هنا.. أرجوك ياعابد.... أنا مخنوقه هنا... حاسه اني روحي بتطلع.."
واحتراما لوجعها، نامت ليلتها علي صدره ببيته هو، كطفلته الصغيره. يحكي لها وتستمع الي أن أغمضت عينيها أخيرا، مطمئنه بين ذراعيه. دقات قلبه العاليه بقربها جعلته يدرك أن طريقه معها يشبه السهل الصعب، وأن هناك بداخل قلبه زرعه جميله أنبتت به، زرعه اقتلعها غيره، ونمت بداخله هو.
تضيق الدنيا دي عليا
تنتهي حكايه.. وتبدأ حكايه
ونفتكر اد ايه كانت صعبه النهايه
تبتسملي وأضحكلك
تشاورلي علي قلبك
أمد أديا وأندهلك
بين ايدك لقيت عنواني
تايهه وعلي شطك
أنا وحداني
بتقوليلي ايه ذنبك
ذنبي اني في عشقك
انا الجاني
والله ياعمري أنا الجاني.
رواية رحماكي الفصل العاشر 10 - بقلم أسما السيد
بالمنصوره..
يجلس وبيديه صورة لهم يوم زفافهم، صورتها هي.
لأول مرة منذ تزوجا، ينتبه لتلك النظرة بعينيها. ألهذا الحد كان معمي على عينيه؟ لم يلمح دموع عينيها، وكأنها كانت مساقة للموت ليس لزفافها. ألتلك الدرجة كانت كارهة، ناقمة؟
أغمض عينيه.. وذاكرته تأبى أن ترحل بذكراها كما رحلت هي من عالمه، وبلا رجعة.
ولا أمل من العودة. يومه هو من جني على حياتهم معاً. هو من أساء وأهان وغدر. والآن.. جالس بعد شهور ليست بالكثير، يشتاقها. يشتاق لمحة من عينيها. الندم عنوان أيامه.
ماذا جني غير زواجه من إنسانة اكتشف علاقاتها المشينة وطرقها الملتوية؟ وهل يستطيع الكلام؟ يعيش ديوثاً لها، يعلم بعلاقاتها ويصمت طواعية.
ماذا جني غير الوحدة والمرارة؟ سيعيش باقي حياته بلا سند ولا ولد. تلك الحية التي تزوجها لا تنجب. حتى ذكراه من الدنيا تخلى عنهم بدناءة. ماذا تبقي له؟ ومن تبقي بجانبه؟ غير كومة بالية من نساء حاقدات، أمه وزوجته وأخته التابعة لها.
ارتمى برأسه للخلف.. دموع عينيه خانته. يشتاقها، يشتاق وبشدة.
ضرب على صدره صارخاً بوجع: أنا غبي.. غبي.. ضيعتك من إيدي. أنا غبي، وأنتِ أنانية أوي يا فريدة، أنانية أوي.
أمسك بصورتها يحدثها كما لو أنها تسمعه:
لو كنتي حبيبتيني بجد، كنتي حاولتِ. كنتي احتويتي ضعفي. كنت هغير عشانك. بس انتي محبتنيش للأسف. من أول يوم وانتي مستسلمة. ولا كأنك زهدانة فيا وفي الدنيا. كنتي ثوري، كنتي اصرخي فيها وقولي دا بتاعي. انتي محبتنيش يا فريدة، بس أنا حبيتك. والله حبيتك. انتي السبب، اللي بيحب بيدافع عن حبيبه. وانتي محبتنيش. استنيتك تصرخي فيا، تتمسكي بيابس. سيبتيني أضيع وأضيعك من إيدي. دانا عديت أخويا وأنا عارف إنه كان عاوزك. عشان خطفتيني من أول ما شفتك. أنا ظالم وعارف، بس انتي أنانية.
***
بشقة عصام..
تجلس هي تتوسله بخزي، تتوسل أن يحمي شرفها وعارها. خائفة، ضائعة، بقلبها غصة. وفكرها شارد، يردد: أن كما تدين تدان. وما فعلته بفريدة.. رد لها وبأبشع الطرق.
أغمضت عينيها بقهر، هامسة: سامحيني يا فريدة. أنا اتهمتك زور. دلوقتي هيتهموني وبرهان. يارب.
عادت توسلاتها به:
أمل بدموع: أنا حامل يا عصام. عصام رد عليا، هنعمل إيه في المصيبة دي؟ انت لازم تيجي تتجوزني.
رفع نظره بعينيه الداميتين من أثر البكاء والنحيب منذ علم بزواجها منه. ضعيف هو بهواها. هائم بها ومريض. كلما تذكر أنها الآن بين أحضانه، يواسيها على فعلته هو. دمرها، وماذا جني؟ يقسم سينتقم منه، سيحط هامته بالأرض، سيقتله ويأخذها له. سيهرب بها. هي له.. له هو.
أمل: يا عصام، أرجوك. أنا هنفضح.
عصام ببرود: وإش ضمني إن اللي في بطنك ده ابني؟
أمل بصدمة: يعني إيه؟ انت بتقول إيه؟ أنا مراتك.
عصام بسخرية: اثبتي.
انهارت جالسة أمامه. دموعها أغرقت وجهها، تترجاه:
أبوس إيدك يا عصام. أنا عارفة إنك دلوقتي بتقول زي ما سلمتلي نفسها.. سلمته لغيري.
وبانهيار لطمت خديها، صائحة به: بس والله ما كان في غيرك يا عصام. انت أول واحد. أنا حبيتك. أنا.. أنا.. عارفة إنك كنت متفق مع روان عليا. بس أنا حبيتك عشان كده سلمتك نفسي وأنا سعيدة. أرجوك يا عصام، انت قولتلي إن جوازنا حلال، وأنا والله صدقتك. أنا اتعلقت بيك، انت.. غصب عني. أنا ملقتش حد جنبي يقولي ده عيب وده حرام. والله غصب عني. اتجوزني وأنا والله هصونك. بص، هعمل اللي تقولي عليه. أرجوك يا عصام، اتجوزني وطلقني حتى. ذنبه إيه اللي جاي؟ أرجوك.
نظر لها بشرود وتوسلات أخرى ترن بأذنيه، توسلاتها هي. ولكن شتان بين الذهب والنحاس. الاثنان يلمعان، ولكن يختلفان بالجوهر. هي ياسمين زهرته النادرة، وهذه نبتة شيطانية نمت لتشوه منظر المزروعات. أزاحها بيده واستقام صارخاً بها:
بره.. بره يا وسخة. روحي الزقي وساختك في غيري. روحي لأخوكي الهمام يستر عليكي. غوووري.
أمل: لا لا والنبي يا عصام. عشان خاطري. ده ابنك انت. أخواتي لو عرفوا هيقتلوني. أرجوك.
دفعها بيده للخارج وأغلق الباب، هامساً بغل:
دي البداية. بس.. هخليكم تتمنوا الموت ومش تطلبوه. اللي يمد إيده على حاجة تخص عصام لازم ينتهي.
ودخل مصراً على تنفيذ ما برأسه. سيجعلهم علكة بفم الجميع ويروا.
***
مشت هائمة، ضائعة. عالمها ينهار، وكل ما جنته يداها حصدته اليوم. وبراسها فكرة واحدة: الانتحار.
***
بيوم العرس.
فريدة.. فريدة..
سلمى بحماس: إيه رأيك بالفستان ده؟ ولا ده.. ولا ده؟
فريدة بابتسامة: اهدي يا سلمى، جننتيني. كلهم حلوين عليكي. وبعدين خلصي عشان نلحق نروح لساجدة.
سلمى بهيام: امتى بقى يجيلي فارس يخطفني زي ساجدة كده.
فريدة: لا ماهو بمنظرك ده والنيولوك الجامد ده.. هتطلعي النهارده بجوز مش واحد.
سلمى: هيييه أيوه بقى. انتي عارفة يا فريدة، أنا كنت استحالة ألبس كده. لولاكي في حياتي كنت هفضل سلمى بلبسها الشوال.
فريدة: شوال؟ مين اللي قال كده؟
وبسخرية أكملت: هي الحشمة اليومين دول بقت شوال؟
سلمى بحزن: أيوه فهد.. كان دايما يتنمر على لبسي ونضارتي. هو أنا وحشة يا فريدة؟
فريدة بتنهيدة، وهي تجذبها لأحضانها: مفيش واحدة اتخلقت وحشة يا سلمى. إحنا اللي بنحط من قدر نفسنا. كل ست ربنا ميزها عن التانية بميزة وسبحان الله.. بيخلق لها حد يحب مخصوص الميزة دي. شخص يكملك وتكمليه. ساعات مش بنتوفق في اختياراتنا يا سلمى، ونستسلم ونقول أمر واقع. زي ما أنا كنت عايشة حياتي مع أحمد كده. أنا اللي جنيت على نفسي باستسلامي وضعفي. وأنا فكرة إني بكده بحافظ على ولادي. سلمى، أنا مش عاوزاكي نسخة مني. عاوزاكي قوية. تثوري وتعترضي. حبيبتي، إحنا بدأنا هنا صفحة جديدة. اللي فات ارميه ورا ضهرك، بحلوه ومرة. ومتتجوزيش إلا اللي قلبك يختاره. حتى لو فضلتِ سنين تدوري على الحب ده. اتجوزي لما تلاقي عينك بترقص من الفرحة أول ما تشوفيه. اتجوزي وانتي راضية عن نفسك وعن حياتك. عشان متفضليش طول عمرك تقارني بين عيشتك وعيشة غيرك. اتجوزي اللي تلاقي الفرحة بتنط من عيونه أول ما يلمحك. مش جواز والسلام. انتي النهارده.. سلمى جديدة، قوية واثقة في نفسها. ما يهزهاش حد. فاهماني؟
ابتسمت بدموع بأحضانها: ربنا يخليكي لينا يا فريدة. أنا كنت حاسة بالوحدة والضياع بعد ماما اتقتلت. بس من يوم ما اجتمعنا وأنا حاسة بالحياة. حاسة إني طايرة يا فريدة.
هجم هو عليهم: أه طايرين انتو. وسايبني أنا مش عارف البس البتاع دي ولا البس كيف الفرسان؟ يالا سيبوني. ويقولوا عليكوا فاشلين.
فريدة بضحكة سعيدة: يخرب عقلك، انت جبت اللبس ده منين؟
سلمى: كده بقيت بدوي رسمي.
محمد بفخر: طبعاً يا بنتي دي قدرات. خلصوني بقى.
فريدة وهي تطلع للعمامة البدوي بيديها: بص مش عارفة.
سلمى: ولا أنا.
قفز سليم الصغير بسعادة: بس أنا عارف إيه رأيك يا ماما.
فريدة: يلهوي! إيه العسل ده؟ مين لبسك كده؟
سليم: جدتي سليمة.
محمد مسرعاً: أنا رايح للخالة سليمة تلبسني.
ضحكاً عليه وأودعت أبناءها برفقة أخيها، وانطلقا لساجدة. وياليتها أخذتهم معها.
***
بسوهاج..
دخل.. ووجدي مسرعاً للمجلس: يا كبير، جبتلك الخبر اليجين. خبر طازة.
راشد بلهفة: طمن جلبي لجيتهم.
وجدي بهمس: الحيطان ليها ودان يا كبير. أيوه لجيتهم. كيف ما خمنت. بأرض البدو. مع الراوي.
راشد: براحة. كلياتهم يا وجدي؟
وجدي: كلياتهم. صارو كيف الوحوش. الراوي بيدربهم ليل مع نهار. وخصوصي الدكتورة الكبيرة.
راشد بلهفة: كيفها؟ كيف شكلها؟
وجدي: بتشبه اللي انسمت على اسمها. ربي يبارك لك فيها.
راشد: وإيه تاني؟
وجدي: ليها ولدين. سليم واسم أكده بنته. معرفش أنطجه. جوزها مطلجها.
راشد وهو يدورها براسه: عال.. عال.
وجدي: الراوي بيحرسهم من حديد وعامل عليهم حصار كيف ما يكونوا بجبهة. بس العبدلله عنده الحل.
راشد بلهفة: حل إيه؟ لا يمني عليه.
وجدي: اليوم.. في بالمزرعة عندهم فرح واحد من فرسانه. والمزرعة كلياتها قايمة على رجل. وما في أحسن من اليوم.
راشد بقلق: بس معيزش أذي ليهم.
وجدي بمكر: لا هخليهم يجولك برجليهم. هخلي الدكتورة تجولك أوامرك يا جدي. وتدخل النجع برجليها.
راشد: كيف ده؟ خبرني.
وجدي: هجولك.
راشد بزهول: كيف راحت عن بالي ده. أني أكده لازم أتصل بكيان. عفارم عليك يا وجدي. أن تم المراد. صوح. تشاور وأني أنفذ.
وجدي بامتنان: خيرك سابج يا كبير. أني برد دينك. اللي مغرجني.
راشد: ربنا يسدد خطاك يا وجدي. على بركة الله.
(وجدي.. كبير مطاريد الجبل.. بينه وبين راشد صداقة جميلة خد وهات. ورغم إنه من المطاريد.. إلا إنه تاب على إيد راشد وبقى عينه اللي بيشوف بيها. بعد هروب سلمي ومحمد اللي هو بالأساس مصدقهوش. طلب المساعدة منه. ومن يوم ما مشيت سلمي ومحمد وهو عارف إنهم عند الراوي. أو الراوي بنفسه اللي حب يطمنه على أحفاده. هنعرف)
***
دخل شقته التي استأجرها بالقرب من عمله.
لقد تركها صباحاً تغط بنوم عميق، واضطر للذهاب لمتجره وكي يطلع على أي شيء يوصله بذلك الحقير. دارت عينيه عليها بأرجاء الشقة، ولكن كانت كما تركها. كل شيء بمكانه. دخل الغرفة التي غفوا بها أمس، وجدها مازالت متقوقعة على نفسها. اقترب منها بهدوء. جلس مقابلاً لها على قدميه، تطلع لمحياها البهي. جميلة هي، تشبه نسمة خفيفة.. كوردة كانت على وشك التفتح واقتطفت ولم يكتمل نموها.. فذبلت، ولم تجد من يحافظ عليها. بشعرها الأسود القصير، ابتسم متذكراً ما كان يخبر به أصدقائه يوماً. كان يخبرهم أنه لا يحب الشعر القصير. إذن فلم الآن يراه عليها؟ أحلى ما رأته عيناه. تنهد شارداً بكوابيسها التي لم يستطع أن يغفو منها ليلاً.
فتحت عينها الناعسة أخيراً، هامسة باسمه:
عابد.
وبضحكة صافية لها:
أكمل يناغشها: إيه النوم ده كله؟ أنا قلت هاجي جعان ألاقي مراتي مجهزةالي الغدا بقى زي الستات اللي بدلع جوزها دي. مش أجي ألاقيكم نايمة يا ياسمين.
ابتسمت بهدوء، وهمست بتوهان:
عابد، أنا بردانه أوي.
نظر لما تتلحف به بصدمة:
كل ده و بردانه يا ياسمين؟ ده إحنا في عز الصيف. انتي تعبانة يا ياسمين.
مد يده يتحسس حرارتها فابتسمت بوجع:
أنا تعبانة أوي يا عابد، أوي. بس مش جسمي. دي روحي.
اقترب مسرعاً مقبلاً رأسها بحزن لحالتها:
ياسمين، أنا قلت إيه؟ إياكي يا ياسمين. مش هسمحلك تضعفي كده. فاهمة؟ قومي يا ياسمين. يالا خدي دش، على ما أعملك أحلى غدا. بس ده انهارده بس. بكرة أجي ألاقيكم مقبلاني وتقوليلي حضرتلك الغدا يا سي عابد.
ابتسمت على مزاحه، وابتسم هو والتقطها بذراعيه كطفلته ناحية الحمام. أنزلها بهدوء، ورفع بيده رأسها وقبل جبينها:
يالا فوقي كده. وهستناكي بره متتأخريش.
أغلق الباب، وتنهد بحزن، هامساً بوجع:
طريقنا طويل أوي يا ياسمين. بس أوعدك.. ينتهي بنهاية واحدة. وانتي في حضني.
***
انتبهت لغلق الباب. نظرت حولها بضياع. هي بدونه ضائعة، خائفة. هو أمانها الوحيد. اقتربت من المرآة، نظرت لوجهها الذي بهتت ملامحه:
من هذه؟ أهذه هي؟ أنا.. ياسمين. تلك هي، أم حطام أنثى حطت عليها يد الخسة والدناءة.
رفعت يديها تتحسس وجهها الباهت. تذكرت آمالها وحلمها الضائع بليلة زفاف أسطورية على فارس من أبطال الروايات التي طالما حدثت فريدة عنها. فارساً يخطفها لعنان السماوات، كما كانت تحكي لها أختها دوماً. كانت تحكي لها عن رحلات كيان الأسطورية معها. ولكن أين فريدة؟ وأين كيان؟ وأين هي؟ لعنة حطت عليهم كما تخبرها أمها. ماذا ينقصهم ليعيشوا سعداء؟ أقوياء؟ أهو المال؟ أليس الإنسان هو الإنسان؟ ألم يعلموا أن الله سيحاسبنا جميعاً على أعمالنا لا أموالنا؟ ماذا أجرمت ليكون مصيرها هكذا؟ وبماذا أجرم هو ليشيل نكبة غيره؟ هو لا يستحق فتاة بلا شرف مثلها. لا يستحق هذا أبداً.
امتدت يدها لباقي جسدها، التي طالته يد الغدر. هطلت دموعها وهي تتذكر كم توسلته وكم ترجته، وهو فقط يصرخ بعشقها. أي عشق هذا الذي يجعله يسلبها روحها قبل شرفها؟ تشعر بالقيء كلما تذكرت لمساته وكلامه البذيء عن جسدها. جسدها التي كرهته، وقرفت منه. لمحت شفرة موضوعة بجانب المرآة. أخذتها بيد مرتعشة، وباعتقادها هكذا ستزول لمساته عن جسدها. ستزول.. حتماً ستزول.
خلعت ثيابها وبقت عارية، وأخذت الشفرة تشق جسدها. شقت كل مكان طالته يداه هو. لتتخلص منه.
صرخت بقهر: اخرج.. من عقلي.. وجسمي.
سالت دماؤها وانهارت حصونها. جلست القرفصاء أرضاً بحوض الاستحمام، والماء الساخن يهطل على رأسها، يكويها ويكوي جراحها، لعله يلتهب ويقلعه من جذوره. لعلها تحصل على الراحة ولو قليلاً. على صوت بكائها.. إلى أن..
رحماكي
أسما السيد
***
بكائها العالي وصله بالخارج. قفز مسرعاً من مكانه، يبحث بعينيه عنها. استمع لنحيبها من خلف الحمام. مازالت بالداخل. دق بيديه وجسده ينتفض على بكائها. شيء هنا بداخل قلبه يبكي معها. ارتعدت يده وازدادت خبطاته:
ياسمين.. افتحي يا ياسمين عشان خاطري.
استمعت لندائه باسمها. ليس له ذنب بمأساتها. لم يكن عليه أن يدخل تلك الدائرة معها. شفقة بها.. على بكائها، وصاحت به تشاركه أفكارها التي تغص بقلبها وتؤرقها:
ليه اتجوزتني؟ أنا حطام ست، منفعش ليك ولا لغيرك. ليه تضحي وتشيل شيلة مش بتاعتك؟
عابد بوجع: مين قال إنك حطام ست؟ انتي أجمل ست في الدنيا يا ياسمين. أنا عمري ما كنت سعيد ومرتاح قد دلوقت. انتي هتبقي بنتي مش مراتي. بنوتي الحلوة، ونور أيامي.
ياسمين ببكاء وهي تمزق جسدها بيديها: كدااااب. بتكدب يا عابد. كداااب. أنا لو ما كانش حصلي كده، عمرك ما كنت هتتجوزني أبداً. كداااب. أنا عالة عليك.
أكمل غير عابئ بترهاتها. أكمل بصدق. مشاعره الصادقة تحكمت به:
عابد: جميلة.. من جواكي ومن براكي. حب الجسد زايل يا ياسمين. روحك.. ابتسامتك.. وضحكة عيونك. أحلى عندي من جمال شكلك.
ياسمين بضياع: عارف. حتى جسمي بقيت بقرف مني. أنا قرفاااانة من نفسي أوووي يا عابد. كل لمسة لمسها لي.. وكل كلمة. أنا قرفاااانة.. قرفاااانة.
دق الباب بعنف أكبر، بعدما سكتت همساتها. صارخاً بها:
ياسميـــــــــــن.
***
ضرب الباب بقدمه بعدما يئس أن تفتح هي له. صدم من منظرها المهلك لقلبه. رغم دمائها التي تسيل من جميع أنحاء جسدها. ابتلع ريقه واقترب منها. همس باسمها:
يااسمين.
رفعت عينيها ببطء، وعيون تائه، هامسة باسمه برجاء:
عابد.. أحضني. أنا خايفة أوي.
لبي نداءها بلا عقل. تخلى عن عقله واقترب مسرعاً، مختطفاً إياها بين ذراعيه، مخفياً وجعها بصدره هو.
أنت هي بتعب. فهمس معاتباً لها:
ليه كدا يا ياسمين؟
همست بحزن:
عاوزة أتخلص من كل حتة لمسها.
عابد: شششش اسكتي يا ياسمين. اسكتي.
غامت عيناها، وارتمت بأحضان. تنهد حاملاً إياها بين ذراعيه. وضعها على الفراش، واقترب يضمد جراحها. فتحت عينيها مبتسمة بوجع. اقترب مقبلاً جبينها فتعلقت به. سحبها لاحضانه، يسيطر بصعوبة على ارتعاشة يده من قربها. هكذا.. منه. اقترب من أذنها هامساً:
فين بيوجعك يا ياسمين؟
التفتت ناظرة لعينيه. همسة باسمها.. جعلها تسلم بطمأنينة له. ارتعدت شفتيها ببكاء جديد، هامسة بوجعها:
كل جسمي بيوجعني يا عابد. أنا قرفانة منه أوي.
اقترب من موضع جراحها، لامساً إياه بإصبعه يسألها وتجيبه فيقبله لها، فتبتسم بفرحة طفلة، وكأن تلك الطفلة ألقت على قلبه تعويذة سحرية، تسحبه لدوامتها رويداً رويداً. استسلمت لقبلاته، واستلم هو لدوامتها. همست به تخبره أن يقترب يمحي بشفتيه آثار نكساتها وجراحها:
المسني ياعابد.. نسيني.. أرجوك.
ابتلع توسلاتها بش