تحميل رواية «رحماكي» PDF
بقلم أسما السيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تقف تستند بيديها على حوض المطبخ. دموعها تنزل في قهر، كل يوم يمر عليها تخسر جزء من روحها ونفسها القديم. لم تكن تتصور يومًا أن حياتها البسيطة ستؤول لذلك المنحدر. نظرت لطفلتها التي تحبو ببراءة بأرضية المطبخ وطفلها النائم بسلام بجوارها، من كثرة التعب والبكاء. طفلها الذي يكبر أخته ببضع شهور، لقد حملت بأخته وهو بعمر الشهرين. ظلمت نفسها وظلمتهم معها. ولكن ماذا كانت ستفعل هي؟ والجميع يخبرونها أنها إن لم تتزوج الآن لن تتزوج ثانية. مجتمع ظالم ظلمها وحط عليها. لقد تركت جامعتها بعدما تزوجت. أجبرها شبيه الرج...
رواية رحماكي الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم أسما السيد
حاول فتح عينيه، وهو يستمع لصوتها تحادث أحدهم. هل يخطئ صوتها؟
فتح عينيه قليلاً، وصوتها الباكي بالقرب منه. حاول فتحها واستطاع أخيراً. دار بعينيه التائِهة، وآثار المخدر مازالت تداعب عينيه. ولكنّه استفاق في تلك اللحظة، ووقعت عينه على أوجع مشهد قد يراه زوج. كان يتمنى لمحة حب، ولو بسيطة، من عين زوجته. والآن، وجدها بأحضان آخر يعطيها ما افتقدته منه.
أغمض عينيه وأعطى الحرية لسمعه وقلبه لينتشيا بما رواه فيها غيره. هي تستحق أفضل منه، وهو يستحق ما حدث فيه.. وأكثر. بالرغم مما فعله بها، هي هنا، بجانبه. ضحت بابنها. غص حلقه وكبتها بحرقة. هو ابنها، ربّيبها. يخاف أن يطالب بالحق به. وهل يجرؤ؟ لقد تنازل بكل خسة عنهم. أضاعهم، وأضاع طريقهم. تاهت خطواتهم وتفرقت. فريدة وهي فريدة.
غصباً عنه، فرّت دمعة حبيسة من داخل عينيه. وسؤال آخر في عقله وفي تفكيره يؤرقه، يتعبة. يخشى إجابته. ماذا جنى؟ لا شيء.
حاول صم أذنيه عن حديثهم الجانبي، ولكن غصباً عنه، اخترقت أذنيه تلك الكلمة. سؤال ابنه البريء عنه. كانت تجلس بجانب ابنها في الغرفة المشتركة بينه وبين والده، ويجاورها كيان. الطبيب طمأنهم أن لا خطر عليه وأنه بخير، ولكن غصباً عنها قلبها يؤلمها.
همس بأذنها: "كيان... حبيبتي الولد كويس، متقلقيش. دا تربية دياب الجبل، ابننا بطل متخافيش."
ابتسمت من بين حزنها. "هههه انت بتقول فيها، دا مصمم يروح يعيش مع وجدي وعم راجي في الجبل."
ابتسم كيان وأحاطها بذراعه وقبّل رأسها. "هيبقى تمام، متقلقيش."
انتبهوا لهمسه وفتح عينيه. "ماما..!"
أجابته بلهفة: "عيون ماما، حمد الله عالسلامة يابطل."
لم يصبر وبأغتها بسؤاله: "ماما، هو كدا بابا هيبقي كويس صح؟"
ابتلعت ريقها بصدمة، ونظرت لكيان الذي رد نظرتها له بأخرى متفهمة. "حنونة، أراحتها." وهبط مقبلاً رأسه. "حبيبي البطل، تربية ذئاب الجبل، مادام انت اتبرعتله، أكيد هيبقي تمام. أنا فخور بيك ياسليم."
همس سليم بضعف: "بجد يابابا..؟"
ابتسم كيان وهطلت دموعه وهو يستمع لكلمة "بابا" من شفتيه الصغيرتين. وفي عقله: أي مجنون يبيع طفلين كالملاك كسليم وسيليا، مؤكد ليس بوعيه. "بجد ياقلب بابا..؟"
غرست الكلمات بقلب النائم كسهم قاتل. وعلم أنه خسرهم للأبد. ابنه مازال يتذكره، ولكنه ينادي آخر بفخر: "بابا". يبقى سؤال وحيد يؤرقه: هل سامحتني؟ هل ستسامح؟
فجأة استمع لانسحاب ذلك الذي يقف بجانبها، وبقت هي بمفردها. فتح عينيه يتأملها بذلك الحجاب الذي طالما ود أن ترتديه، ولكنها كانت تأباه، عنيدة. علم سبب ذلك، قلبها كان ملكاً لغيره، وليس وحده من كان قلبه في متاهة. ولكن يبدو أن متاهة عن أخرى تفرق وكثيراً. هي أحبت شخصاً وكان رجلاً معها للنهاية. أما هو، أحب حية رمت سمومها بوجه الجميع، وأولهم كانت أخته.. وزوجته.
همس وحطت عينه بعينها أخيراً. همس بضعف: "فريدة.."
لاحظ تصنم جسدها وتفاجؤها به. فأكمل: "قربي يافريدة، عاوز أقولك حاجة، ممكن..؟"
اقتربت ببطء منه. وغصباً عنه وجد لسانه يسألها: "اتجوزتي..؟"
ردت باستنكار: "أيوا، مش من حقي..؟"
أغمض عينيه من ردها الهجومي وقرر قول ما بقلبه: "عارف إني ظلمتك كتير، مستحقش اللي عملتيه عشاني.. سامحيني يافريدة."
ردت بتهكم: "في حقي لا، أنا أسفة مقدرش أخدعك وأقولك سامحتك، لأني مش ملاك. أنا عمري ما هسامحك يا أحمد. أنا هنا عشان خاطر الإنسانية، عشان ميجيش يوم وسليم يسألني: ليه مساعدتيش بابا؟ ويحملني نتيجة مرضك وموتك."
همس بضعف: "تفتكري بيعتبرني فعلاً بابا..؟"
ابتسمت بحزن: "أيوا بابا، مقدرش ينساك رغم جحودك، رغم كل اللي حصل. أول ما فتح عينه سألني وقال: بابا كدا هيبقي كويس..؟ بص يا أحمد، أنا مش حابة أفتح في الماضي، إحنا خلصنا، واللي فات مات. واللي بيني وبينك، سليم وسيليا. وللأسف عمري ما هقدر أقسيهم عليك، مش عشان خاطرك، لأ، لأني مش عاوزة أغذيهم كره وغل وحقد. ولادي يستحقوا عيشة أفضل، يعيشوا بأمان. وقت ما تحس إنك عاوز تشوفهم ويشوفوك، أوعدك مش هحوشهم عنك."
همس بغصة لينتهي الحوار: "كلامك.. كسهم قاتل. كلام منمق، ولكنه قاتل. شكراً يافريدة."
استمع لهمس ابنه وسؤاله: "بابا، انت كويس؟ أنا أهو."
التفت بتعب بدموع وغصة لم يعد قادر على ابتلاعها. ستخرج بشكل فاضح بأي وقت. لابنه الراقد بجواره على سرير مقابل. "حبيب بابا، أنا كويس ياقلب بابا. انت كويس يابطل، بطلي أنا."
"أنا كويس يابابا." ورفع ذراعه السليم يريريه عضلاته. "حتى شوف."
دخل هو واحتد عيناه وهو يراها بالقرب منه. اقترب مسرعاً واختطفها بيده لقربه وجز على أسنانه. "حمد الله عالسلامة."
ابتسم بوجع وهو يراه يخبئها عنه وهمس: "الحمد لله."
دخلت الممرضة وهيأت سليم لإكمال علاجه بغرفة أخرى. بعدما خرج وحدثهم كيان تحسباً لموقف كذلك. استأذنت هي وذهبت خلف ابنها. واقترب منه كيان بغيظ.
"عارف لولا رقدتك دي، وإني متعودتش أجي على الأضعف مني، زيك، استقويت على ست ضعيفة وهنتها، كنت قتلتك بإيدي وقطعتك حتت. خليك ممتن لتدابير القدر. إيدك اللي مديت إيدك بيها عليها تستحق البتر. بس عشان خاطر عيون سليم وسيليا عفيت عنك.. عشان كلمة بابا اللي بسمعها منهم وتخليني ملكت الدنيا بإيديا. عشان خاطر عيونهم بس. وبيني وبينك، مش عارف هتحس بكلامي ولا لأ. أنا خدت منك تلات جواهر، هفضل طول عمري أحمد ربنا عليهم، وخصوصاً إنك معرفتش قيمتهم دي عندي كفاية. بس، نصيحة مني، استرجل، واعرف إن الرجولة مش بالضرب، الرجولة مواقف." وأكمل بتهكّم: "ياضكر."
انتبه من شروده بذلك اليوم الذي لن ولن ينساه أبداً. على خبط الباب. ابتلع غصته ومحى دموعاته الحزينة وشوقه لأبنائه الذي اشتد عليه وكثيراً. واستقام يفتح الباب.
فتح الباب ووجده أمامه. "مين حضرتك..؟"
"مش دي شقة أستاذ عابد..؟"
"أحمد بتفهم: أنا أخوه أحمد. عابد فوقنا. اتفضل ادخل وأنا هناديله."
هز رأسه ومد يده له: "أنا قاسم رضوان."
لم يكمل إلا وباغته أحمد: "انت قاسم رضوان؟ أمل معاك؟ هي فين..؟"
قاسم ببرزانة: "لأ مش معايا. ممكن ندخل بس وبعدين نتكلم بعد ما تنادي أستاذ عابد."
أحمد: "اتفضل، عندك حق. اتفضل. اتفضل."
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"هنعملوا إيه يا أماي؟ بجالنا شهرين مستخبيين والعين مفتحة علينا. والكبارات بيستعجلونا. موتنا هيكون على يدهم. دا إحنا واخدين منهم شئ وشويات عشان الحفر والمعدات. كل حاجة راحت يا أماي."
سعدية بغل: "لولا غباء أختك الله ينتلها مطرح ماراحت كان زمانيتنا جاثيين ياسويلم."
سويلم: "جولتلك يا أماي بلاش تجنديهم لسلوى. أصريتي. أدينا اتلعنا."
"فكري يا أماي، إحنا لازم نرجعوا جدراتك تاني."
"أو علمني إن يسعديه مهتجدرش على طلباتهم يا ولدي. إني جندت سلوى عشان كانت حبلى وكانت هتجدم اللي هتولده قربان ليهم."
سويلم: "يعني إيه يا أماي الكلام ده؟ جرابين إيه؟ اللي كانت هتجدمه سلوى؟ تجصد واد ولدي كيان؟"
سعدية بسخرية: "واد ولدك إيه بجي؟ ما انفجرت الحكاية ومش واد ولدك."
سويلم بغل: "الجادرة؟ كيف أمها كانت عاوزة تلبسه لولدي؟"
سعدية: "بجولك فوضنا من ده سيرة. أدينا خلصنا منيه الوسخ ده. زمانيت الديابة.. كلته."
سويلم: "كان فاكر إنه هيجدر يهددني. أهو راح في خبر كان."
سعدية: "حسام ده كان خطر علينا. لو كان اتمسك كان هيعترف إننا اللي قتلنا مراد. الواد ده كان يعرف كتير. وكله من الفاجرة بت سحر."
سويلم: "يالا يا أماي، أهو خد نصيبه. بجى المهم يا أماي إني مستعد أجدم القربان."
سعدية: "كيف ده؟"
سويلم بخبث: "هجدم القربان؟"
سعدية: "هضحي بمين يا ولدي؟ لازم دم ويكون غالي عليك."
سويلم: "عندي يا أماي. بس جوليلي يا أماي، ضحيتي إنتي بمين جبل سابجك؟"
ضحك بغل: "ضحيت بقرة عينه. مرت الكبير فريدة. فكرك اللي ولدته زمان نزل ميت كيف مابيجولوا. إني جتلته. كتمت نفسها لحد ما ماتت بعد ما ولدت. خدت ابنها ودبحته وجدمته قربان ليهم."
سويلم بصدمة: "كيف ده يا أماي؟ واللكبير مسألش على ولده..؟"
ضحكت بغل: "لأ يا ولدي ماني بدلته بعيل ميت ودفنتهم التنين. المهم فوتك من السيرة المغفلجة دي. وجولي مين اللي هضحي بيه؟"
سويلم بخبث: "بتي سولاف."
انتفضت تلك التي تتسمع لحديثهم بقلب مرتعش وخبطت صدرها: "بنتي..! آه يا شياطين، مش هسمحلكوا تأذوا بنتي أبداً. دي هي اللي طلعت بيها من الدنيا. ياريتني ماشوفتك ياسويلم ولا عرفتك."
وبلوعة جرت لغرفة ابنتها تدعو بقلب مكلوم: "اللهم اضرب الظالمين بالظالمين، واخرجنا من بينهم سالمين. أنا لازم أتغدى بيكو قبل ما تتعشوا بيا أنا وبنتي."
(سيما، امرأة بالأربعين من عمرها، كانت ترقص بالموالد. قابلها سويلم وتعرف عليها بنية الحب. تزوجها سراً وتابت ورجعت إلى الله. أنجبت منه سولاف بالصف الثاني الإعدادي. كانت تحسبه رجلاً شريفاً، ولكنها صدمت بما يفعله هو ووالدته. منذ قدمت تلك الحية للمكوث معها وهو يكيل لها ولابنتها الضربات. يعيشون بعذاب. مسبقاً كان مصدراً للدخل لهم فقط، أما الآن، مصدراً لعذابهم. وياليتها أفاقت لنفسها قبلاً..)
صعدت الدرج مسرعة: "الوقت مازال مبكراً. هذه فرصتها الأخيرة. سيقومون بفروض الطاعة غداً."
هزت ابنتها بهمس: "سولاف.. سولاف.."
فتحت سولاف عينيها الرمادية المتورمة من كثرة البكاء. "نعم ياماما."
"قومي ياسولاف بسرعة ومتعمليش صوت. لازم تمشي من هنا."
ارتعشت وخبطت قدميها ببعضهما: "هروح فين ياماما؟ بابا هيقتلني."
جزت على أسنانها بغيظ: "هتروحي لجدك راشد تطلبي منه الحماية. يالا بسرعة ياسولاف مفيش وقت."
لملمت حاجياتها مسرعة وعقدت حبلاً من الشرفة. أسقطت متعلقاتها. سمعت وقع أقدام. خرجت ورقة من ثيابها. "اسمعيني ياسولاف، خدي الورقة دي. فيها عنوان جدك راشد. أنا وريتك بلدهم قبل كدا فاكراها؟"
"أيوه ياماما، فاكراها."
"تمام ياقلب أمك. اهربي ياسولاف. البلد مش بعيدة. اخرجي للموقف وخدي الفلوس دي واسألي على عمك محسن. أنا اتصلتلك بيه. هتلاقيه مستنيكي هناك. عارف الطريق؟ روحي لجدك وامسكي التليفون ده. عليه تسجيلات مهمة. اديها لجدك. فاهمة ياسولاف؟ واحكيله اللي تعرفيه. متخافيش منهم. أخواتك هيحموكِ من شر أبوكي. إنتي قدها يالا."
اقتربت الخطوات. ومعها ارتجفت سولاف. "تعالي معايا ياماما."
"هيقتلك بابا."
دفعتها بحدة: "انزلي ياسولاف مفيش وقت. هيقتلوكي ياسولاف، بسرعة."
اطمأنت لنزولها وهرولت للخارج. وبمكر لتعمي أعينهم عن ابنتها حتى تهرب بسلام. خرجت تتصنع السعادة: "آه سويلم.. على وين أكده..؟"
سويلم بشك: "مالك يامرة، مش على بعضك أكده..؟"
سيما بتوتر: "مفيش ياسويلم، إني بس اتوحشتك. من يوم ما جت أمك عندنا وانت بعيد. موحشتكش، ليالينا ياسويلم."
لمعت عينه كالثعبان: "وحشتيني يامرة. تعالي."
دخل وادخلها بحدة للغرفة ودموع القهر والظلم تسربت من عينيها. دفعها بيده: "ارجصيلي يا غازية، ولا نسيتي أصلك."
ابتلعت غصتها وفي نفسها ستفعل أي شيء لتلهيه عن ابنتها: "لا منستش ياسويلم، حاضر هرقصلك."
مع دقات رقصها الحزين، كانت قدماها الضعيفتان تشق سكون الليل. حقيبتها على ظهرها، تجري بسرعة. إلى أن وصلت أخيراً لذلك الموقف الخاص ببلدتهم والبلاد المجاورة. دارت عيناها بين السائقين إلى أن حطت على رجل كبير بالعمر يبدو على ملامحه الطيبة. هي خبيرة بقراءة الوشوش كما علمتها والدتها. اقتربت منه وهمست له: "انت عم محسن صح..؟"
الرجل بمحبة: "أؤمري يابتي. إنتي سولاف؟ كبرتي ياسولاف. نسيتيني. عموماً يالا بسرعة."
"مفيش وقت أوصلك يابنتي."
تمتمت بخوف: "هتوديني لجدي..؟"
"إني أوديكي على عيني يابتي. تعالي اركبي. دانتي كيف سمية بتي.. يا غالية يا بت الغالية."
أخذها الرجل معه. حمدت الله وارتمت برأسها للخلف. وأخيراً ستخرج من ذلك العذاب. نظر لها الرجل بخوف عليها وبقلبه: "ربنا ينجيكي يابتي. أما جولت لامك سويلم ده شكل الثعبان بيتلون على ميت لون. مصدجتش."
(محسن، كان السائق الخاص بالفرقة التي كانت ترقص بها سيما)
بعد نصف ساعة، كانت تقف تنظر لذلك الدار الشبيهة بالقصور بانبهار. اقتربت من الغفير الواقف و ندهت عليه. "لو سمحت يا عمو عاوزه الشيخ راشد."
نظر لها شرزاً وصرخ بها: "همي من أهنه يابت، الله يحنن عليكي."
جحظت عيناها وصعبت عليها نفسها وقررت الانتظار للصباح. يبدو أن هيئتها الرثة تدل على أنها من الشحاذات.
لمحها ذلك الذي يتسحب كالعادة للدخول. "إيه دا؟ دي إنس ولا جن دي؟ إنتي مين؟"
نفخت خدها وأدارت رأسها للجهة الأخرى. استدار خلفها: "لأ مانا مش هسيبك وراكي وراكي."
فجأة صرخ كيان به: "ارجعه وأرجعها معه للخلف."
بخوف من صوته الجهوري. لمحها من كاميرات المراقبة، ولا يعلم لما أحس أن هناك بها شيئاً يعرفه. وجهها العابس الذي رآه بالكاميرا وابتعادها بخوف أوجع قلبه وخرج ليعلم من هي وماذا تريد. رمق محمد بحدة: "اوعى أنت."
حطت عينه على عينها المذعورة وشعر بشيء غريب بقلبه. وهدأت حدة صوته. وسألها بحنان: "إنتي مين..؟"
أدمعت عيناها وهمست: "عاوزة الشيخ راشد. أرجوك. موضوع حياة أو موت."
أوجعه قلبه عليها ومد يده لها بالدخول. "طب تعالي ندخل."
دخلت خلفه بتوتر إلى أن أصبحت بقلب الدار. نظرت حولها بانبهار. نزلت سمر وفريدة معاً يتسامران. وفوجئ بها. "فريدة.. مين دي..؟"
سلمى بانبهار من جمالها: "إنتي مين..؟"
توترت وأخرجت ما بحوزتها من أوراق. شهادة ميلاد وصورة من بطاقة والدها ووالدتها وقسيمة زواج. وأعطتهم للواقف بجانبها. مد يده باستغراب وأخذهم منها. قرأهم جميعاً وتسمر بمكانه. عيناه تتنقل بينها وبين الأوراق بصدمة. دموع عيناها وهمسها الخائف: "أرجوك متأذنيش. أنا هربت من بابا وستو. ماما قالت إنهم هيقتلوني ويقدموني قربان. هي ادتني العنوان وقالتلي روحي لجدك راشد هيحميكي."
وقعت عصاه الجد بصدمة مما سمعه. بعدما استمع للضجة. خرج ليرى ما يحدث. التفت فريدة له بلهفة: "جدي.."
بعد ساعة. مع انتهاء رقصها المتوتر وشكه بأمرها. خرج باحثاً عن ابنته ولم يجدها. كشف ما فعلته. والآن سالت دماؤها وفارقت الحياة.
سويلم: "لازم نهرب يا أماي من أهنه. زمان سولاف وصلت لأبوي وبلغوا البوليس عنينا يالا بسرعة."
"الأول أفش غليلي من الغازية يا ولدي."
أنهت ما برد قلبها وقطعتها قطعاً بكل قسوة وقالت: "يالا يا ولدي."
وفي الدوار، التف الجميع حول الطفلة المذعورة. هاتف كيان راضي وأخبره بما أخبرته سولاف. وانطلق هو مسرعاً للقبض عليهم. رفع الجد يده باتجاهها وهي تجلس ترمق الجميع بخوف. وبحنان همس: "تعالي يابتي. متخافيشي."
نظرت لفهد الواقف بثبات والذي علمت أنه أخوها. فعدل من نظرته من الصدمة للحنان. لمح ترددها وأومأ لها. مرت عينها على كيان الصامت. ابتسم لها واقترب منها وأخذ يدها. "تعالي. بصي حواليكي كدا. متخافيش. كل حاجة هنا ملكك. عارفة؟ أنا فخور إنك أختي. قدرتي توصلي لينا ومخوفتيش وتحافظي على نفسك."
همست بغصة: "بجد..؟"
قبل رأسها وأحكم بذراعه عليها. "جد. الجد كمان. ومن انهاردة أخت كيان وفهد. متبكيش أبداً. فاهمة..؟"
همست بدموع: "بس أنا خايفة على ماما أوي. أرجوك يا أبيه. عاوزة ماما. سعدية هتقتلها. دي كانت عاوزة تقتلني."
ابتلع غصته وهو يعلم أن جدته قادرة على ذلك وتفعلها. وطمأنها: "متخافيش. أنا بعت الشرطة ليها. زمانها في أمان. روحي بقي كلمي جدك."
أجلسها الجد بجانبه وهمس لها: "نورتي دارك يابتي."
اقتربت منه وهمست بأذنه: "أنا فخورة بيك يا كيان. كويس إنك احتويتها. شكلها شافت كتير على إيد سعدية. منها لله."
كيان بابتسامة حنونة وعينه عليها: "هتصدقيني؟ من أول ما شوفتها في الكاميرا وأنا حاسس إنها من لحمي ودمي. حاجة لا إرادية خليتني أخرج جري أشوف مين دي. سبحان الله."
ابتسم. وعادت لها ذكري لقائهم معاً. "مصدقاك. مانا مجربة."
ابتسم لها وتذكر أيضاً: "بحبك يا فريدة. لقائك كان أحلى صدفة."
"وأنا بعشقك يا أجمل صدفة."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"عدنان، الله يخليك، آخر نوبة. ماهعملهاش واصل تاني."
يجلس صامتاً ولا يرد عليها. لقد حذرها مراراً من تلك التي تدور وتدعي قراءة الودع. هو يعلم غرضها من كل ذلك، ولكنه لا يرى إلا تلك الغبية التي تجلس بجواره تتحايل عليه بكلماتها، ولكنه لن يسامحها. هكذا يجب أن تتعلم درسها جيداً.
همست بحزن وهي تتمسح به كالقطة: "عدنان، ليه ما بتردش؟ والله آخر مرة."
نفخ بغيظ: "ساجدة، إني حذرتك جبل سابج منها وإنتي كالعادة مابتسمعيلي ولا بتعمليلي خاطر. ولولا شي عزيزة كانت جربك وسمعت خطاريفها كنتي هتصدجيها. ومش بعيد كان دا فخ من الغازية. ولأجل عيونك كانت هتطير بيها رجابولولاشي ماني حابب حدا يسمع بحواديتنا وحكاياتنا. كنت بنفسي شكيتك لخالي. وعارف خالي بالحج مابيتفهمش. كان بيجتلك جتيل وإنتي خابرة. فاجصري الشر ياساجدة وفوتيني لحالي. الودع شرك، ولرب العباد استغفري يابت خالي."
هطلت دموعها وعبست كالأطفال: "خلص يا عدنان بجبل العقاب. بس ماتخبر بويتنهد بحزن لدموعها التي تحرق قلبه قبل خدها. وأدار وجهه عنها. يجب أن تتعلم درسها."
ــــــــــــــــــــــــــ
ينظر بصدمة للدماء المنتشرة بكل البيت وتلك السيدة التي ماتت وقطعت جثتها لأشلاء ومثلت بها. مال للجهة الأخرى وغض بصره عن أشلائها. ما فعلوه بها أبشع شيء قد يراه بمسيرته المهنية. منذ استلم وظيفته كضابط شرطة لم يصادفه قضية كتلك وجثة كتلك. انتزعت من قلوبهم الرحمة إلى هذا الحد. لطالما سمع من زملائه عن هكذا حوادث ولكنه لم يرها. غص بحلقه وابتلع ريقه بصعوبة وقاوم دواره وأشار بيده لمن خلفه.
"اتصلوا بالطبيب الشرعي. محدش يمد إيده على حاجة. سيبوا كل حاجة مطرحها."
أدمعت عينه غصباً عنه وردد: "ربنا ينتقم منكم. حسبي الله ونعم الوكيل. ذنبها إيه دي بس..؟"
استمع لرنين هاتفه الذي لم ينقطع. أخرجه ونظر به. كان كيان.
كيان بلهفة: "هااا ياراضي لقيتها؟ مسكتهم..؟"
ابتلع غصته وهو يبتعد قليلاً من هول منظر الدماء حوله. "كيان، اسمعني."
وحكى له ما حدث. ارتد كيان للخلف بصدمة وهو يرمق أخته الصغيرة التي ظهرت لهم من العدم. وكبر همه وهي ترمقه بأمل طفلة صغيرة. وما ذنب الأطفال الأبرياء بالشر والظلم وهم لم يجنوا بحياتهم لا حسنة ولا سيئة. غامت عيناه بالحزن. فلمحتها هي. ذكية أخته الصغيرة. ولكن عذراً يا أختاه. هؤلاء ليسوا بشراً أبداً.
اقتربت منه مسرعة تسأله بلهفة: "لحقوا ماما؟ مسكو سعدية؟ أرجوك طمني."
رفع نظره لأخيه الذي ينظر له بذهول وكأنه فهمه. سريعاً. ابتعل غصته واقترب من أخته التي تجلس أرضاً بجانب قدمي كيان الواقف بصمت. يقسم كل خلية به ترتعش مما سمعه. وربت عليها وساعدها على الوقوف. "تعالي ياسولاف خلينا نفهم في إيه. متخفيش كدا. أكيد لسه موصلوش."
أدمعت عيناها وهي تتوسله: "أرجوك أنا مش عاوزة حاجة. أنا عاوزة ماما بس. أرجوك. مش عاوزة غيرها. قتلتها صح يا أبيه؟ صح..؟ قتلتها. ملحقوهاش."
صمت كيان. بث بقلبها اليقين أن والدتها قتلت. صرخت وانهارت. رمق الجد كيان فأومأ له بالإيجاب. فردد بحزن: "إن لله وإن إليه راجعون."
أغمضت عينيها واستسلمت لغيامتها لتأخذها كيفما شاءت وأينما شاءت. حملها فهد مسرعاً لغرفة قريبة وأسعفتها فريدة. وانتهت حياة بريئة.
(يا أيها القارئون، هؤلاء أناساً ضلوا طريقهم فاتبعوا طرق الضلال وجعلوه منهجهم وشريعتهم. غرسوا بأقدامهم بالوحل واتبعوا طريق الشياطين. نسوا أن الله قادر على أن يخسف بهم الأرض أحياء. زاد الله بأعمارهم ليعطيهم فرصة ليتطهروا، فزادوا ظلماً وبغياناً. فيارب، بحق كل دم بريئة سالت بطريق الظلم والطغيان، وبحق كل أطفال العالم الذين كتبت في صحائفهم أيتاماً وجعلهم الله سبباً في يتمهم، اجعل يا الله كيدهم في نحرهم. هؤلاء أطفال لا حسنة لهم ولا سيئة. ما هو إذن ذنبهم؟ رددوا معي: اللهم اضرب الظالمين بالظالمين، واخرجنا من بينهم سالمين.)
ــــــــــــــــــــــــــ
"انت واعي للي بتقوله دا يابشمهندس؟ انت بجد عاوز تتجوز أمل..؟"
نظر له قاسم بهدوء. ولم يعجبه ما قاله بحقها. فهم صمته عابد الجالس يستمع لهم بهدوء. للآن لم يتدخل بشيء.
"وبهوء أجابه قاسم: وإيه اللي يعيب أمل عشان تستغرب كدا؟ آه أنا عاوز أختك بحلال وشرع ربنا. كلنا بنغلط يا أستاذ أحمد. وأنا اللي فات من حياة أمل ميخصنيش، مش عشان غلطة الشيطان وقعها فيها وبدون ذكر تفاصيل. كنتوا انتوا أحد أسبابها. فانت متصور إني هجلدها بيها..؟"
نكس أحمد رأسه بخزي. ولم يصمت قاسم. "أمل من أول يوم حكتلنا كل حاجة. مخبتش علينا. رغبتها في التوبة وإنها نفسها تتغير للأحسن. عرفتني أد إيه معدنها أصيل. كلنا بنغلط. كلنا نستحق فرصة تانية. انهاردة جيت ليكوا وطالب إيد أمل الجديدة. اللي تصميماتها سمعت إسكندرية بحالها. نجحت وبامتياز بالمعهد في قرص التصميم وبقت من ضمن كاست التدريس فيه. أنا فخور بيها. وليا شرف إنها تبقى على اسمي. أنا عارف إن عابد من أول يوم كلمته فيه وهو بيدور ورايا. وواخد بالي من اللي ماشي ورا أمل رايح جاي. وأظن انتوا عارفين عني كل حاجة."
سكت يأخذ نفسه. ولكن عابد الصامت أخيراً رد عليه. "من أول يوم كلمتني فيه ياقاسم، وأنا عارف إنك عملت أبويا الطيب اللي قعدلها. أنا عارف إنك عارف إن بعت حد يمشي ورا أمل زي ضلها. غصب عني كان لازم أطمن إنها في أمان. دي أختي مهما عملت."
"عندك حق. أختي أمل اللي حصلها جزء منه إحنا السبب فيه. سمعتك اللي الكل حكالي عنها كفيلة إني أديلك أختي وأنا مطمن إنها هتبقى بخير. مخبيش عليك من شهر نزلت إسكندرية وشوفت أمل الجديدة. آه لمحتها من بعيد بس كان قلبي طاير من الفرحة وأنا سامع الكل بيتكلم عنها وعن أدبها. إحنا مديونيلك بكثير ياقاسم. أنا موافق. إذا هي موافقة. ولو إنّي متأكد إنك مش هتيجي إلا إذا كنت واثق من موافقتها."
ابتسم بهدوء وردد: "يبقى على خيره الله."
"أمل رفضت تماماً موضوع الفرح والهيصة. وبيني وبينكم أنا كمان مبحبوش. إحنا هنكتب الكتاب بس. وبعدها هنعمل بفلوس الفرح والكلام دا عمره. هستناكم إن شاء الله الخميس الجاي. وكل اللي تطلبوه.. أنا عيني ليها."
ابتسم عابد: "لأ متخدناش في دوكة يا أبو نسب. إنت هتبات هنا إنها رده. وعروستنا هتخرج من بيتنا. أنا آسف بس دا شرطي."
ابتسم قاسم: "حقك طبعاً. بكرة إن شاء الله هتكون عندكوا. أستأذنك أنا."
"أحمد بلهفة: لأ إنت هتبات معايا. الوقت اتأخر مش هينفع."
"لأ معلش عشان عندي شغل ضروري. وكمان أقدر أجيب أمل الصبح."
"أحمد بلهفة: لأ حيث كدا. أنا هاجي معاك وأجيب أمل أنا. البت دي وحشتني جدا."
عابد: "خلاص على خيره الله. أحمد هييجي معاك. وعلى تليفون إن شاء الله."
ــــــــــــــــــــــــــــــ
بمنتصف الليل. بعدما اطمأنوا على سولاف. أخرجت هاتفها بقلق. لا تعلم تريد أن تستمع لصوته. هنا بداخل قلبها. تريده بجانبها ولكنها تكابر. أعادت كلمات خالتها برأسها. وحطت يدها على بطنها وهمست بسعادة مستترة: "إيه رأيك نكلم بابا؟ إنت كمان وحشك، صح..؟ أف بقي. خلاص هكلمه. بس أصله وحشني أوي."
سمعتها هي وهي تمر بجانبها وضربتها على رأسها: "هبلة والله. إنتي لسه هتقعدي تفكري. كلميه بسرعة. ربنا يهديكي ياسمر يابت خلتي."
نفخت خديها ونظرت لفريدة التي جلست بجانبها تنظر بهاتفها. وهمست: "فريدة، بقولك إيه.. عاوزة أسألك سؤال لولبي."
نظرت لها فريدة ببلاهة. ولكن سمر أكملت: "هو إنتي بتحسي كدا زي ما أنا بحس ولا أنا اللي اتجننت..؟"
فريدة باستغراب: "ماكلنا بنحس ياسمر. إيه الجديد..؟"
سمر بغيظ: "يووه افهمي. أصل أنا ساعات أحس إني بحب راضي أوي وعاوزة أحضنه. وساعات أحس إني عاوزة أخنقه. هو أنا كدا طبيعية ولا اتجننت ولا إيه؟ أنا متوترة وخايفة."
ضحكت عليها: "بس ياهبلة دي هرمونات الحمل عادي. ما أنا امبارح زهقت على كيان وعضيت دراعه."
اقتربت منهم والدتها بعدما اطمأنت على سولاف وخرجت لهم. وضربتها على رأسها: "إنتوا الاتنين هبل ماشاء الله." ونظرت لابنتها. ورمقتها بغيظ. "وبعدين إنتي عضيتي كيان يافريدة؟ قولتلك ميت مرة متزعلنيش في كيان."
رمقتها فريدة بغيظ: "ياماما، أنا نفسي أعرف إنتي معايا ولا ضدي. أنا اللي بنتك مش هو."
ردت نادية ببساطة عليها: "وكيان دا ابن روحي وقلبي. آه مش ابني بس أكتر من ابني. لولاه هو وراضي كان زماني في خبر كان. وكنتيش شوفتيني أبداً. كيان وراضي انظلموا معاكو والله."
سمر: "مقولتليش يا خالتو، هما السبب إزاي؟"
يعني نادية بحب: "جدك راشد كان عارف اللي بيدور هنا من زمان. وكان متفق مع الحكومة إنهم يوقعوهم. وراضي كان الظابط اللي ماسك القضية. ساعتها جدك فهم كيان الحكاية. ولما انتقلت بيتي ودخلت سعدية الأجهزة الأمنية كانت زارعة كاميرات في البيت. لأن مراد اتقتل هناك بردو. وياجل الحظ استمعوا للي قالتهولي راجي. وقبل ما انتو تكتشفوا الجريمة كانوا هما في طريقهم لهنا هما والإسعاف. كل حاجة تمت بسرعة. هي فكرت إنها قتلتني وحاولت تعمل فخ لراجي. ولأن الحكومة كانت عاوزة تمسكها متلبسة وتوقع اللي بيساعدوها، قاله يسيبوها تقع في الفخ. ساعتها الضربة كانت أثرت على رجلي. سفروني بره. وراجي هربوه مع وجدي في الجبل. بس كدا ياستي فهمتي. بس كيان مقدرش كالعادة. وأنا كمان كنت هموت وأشوف فريدة. رجعت من السفر في اليوم اللي فاجأك فيه كيان. وفضلت في المزرعة."
سمر: "يعني جدي من الأول كان عارف إن فريدة وسلمى ومحمد عند الراوي..؟"
ردت نادية بفخر: "طبعاً. بس اللي مكنش يعرفه والكل كمان وأنا أولهم إن فريدة بنتنا. هي فريدة اللي بيحبها كيان."
سمر بذهول: "قصة ولا في الأحلام."
ضربتها نادية على كتفها وقالت: "وبعدين سيبك بقي من الكلام دا دلوقتي. خلينا فيكي يا خايبة انتي."
نفخت خدها: "أف يا خالتي، أعمل إيه أنا دلوقتي."
نادية بمكر: "هقولك. تعالي."
أخذتها من يدها ونادت لمحمد. "واد يامحمد."
تأفف: "أيوا ياماما."
نادية بحدة: "إنت بتزهق عليا يامحمد. وبعدين مالك واقف مش على بعضك ليه."
رمق الباب المغلق عليها وحك رأسه: "أبدا. هي سولاف كويسة."
عوجت سمر فمها بتهكم: "أهلا. إنت طبيت. مرحبا بك بنادي البؤساء."
نظر لها بسخط وأدار وجهه عنها بغيظ: "عاوزة إيه ياماما."
نادية بغيظ: "ماشي يامحمد. خد سمر وديها بيتها يالا."
ابتلعت ريقها: "لأ يا خالتي، بلاش. أنا خايفة."
رمقتها خالتها بحنان: "بيت جدك مفتوح ليكي مانقفلش. صحيح هنا حنان وحب وكلنا بنحبك ياسمر. بس هناك في حضنه حاجة تانية. راضي يستحق إنك تيجي على نفسك عشانه. راضي بيحبك. مضيعيش عمرك ياقلب خالتك."
نظرت لها بخوف: "بس أنا خايفة من ستي. ممكن تقتلني. مش بتحبني..؟"
"راضي ساب بيت جده من يوم مارفضتي ترجعي له ياسمر. جدك كان عاوز يجوزه عليكي ويكسرك. بس هو اختارك إنتِ وبعد عنهم. قالهم هستناها العمر كله."
ضحكت بسعادة: "بجد يا خالتي."
ابتسمت نادية وأومأت لها: "بجد ياقلب خالتك."
جرت وسحبت محمد خلفها وهو يسبها أن تترك يده. "يالا يامحمد خدني على بيت حبيبي."
محمد بغلب: "طب سيبيني يا أختي. إنتي مجرجراني كدا ليه. على محمد واللي جابو محمد. أدي اللي بناخده منكم. روح يامحمد. تعالي يامحمد."
فلتت ضحكات فريدة ووالدتها عليها وعلى جنانها. رفعت نادية يدها بالدعاء لها: "ربنا يهديكي ياسمر يارب. ويهديكي."
ردد من خلفها بحرقة: "آه ياعمتي ادعي بحرقة. والنبي. أحسن أخطفها وإنتي حرة بقي."
استدارت له وضربته على رأسه: "اختشي ياواد. أحسن أفركشها خالص."
فهد باستنكار: "تفركشي إيه يانادية؟ دانا قتيلك هنا. طب ادخل دنيا الأول وبعدين فركشي."
أزاحته من أمامها: "طب أوعى يا أخويا. خليني أدخل للبت الغلبانة اللي جوا دي."
تنهد بحزن عليها بعدما ذكرته بها: "هي عاملة إيه دلوقتي..؟"
التفت له بحنان: "هتبقى كويسة إن شاء الله. مسير الغمة دي تنقشع ونرجع نلتم من تاني. مسير الظالم هياخد عقابه. مهو مش هنفضل طول عمرنا في ظلام يافهد."
أغمض عينيه بأمل: "عندك حق يا عمتي."
"ربنا كبير."
"أوي."
ردت فريدة عليه بأمل وضحكة على استحياء: "قول يا هم. عندي رب كبير."
ردد خلفها: "ياااارب."
ــــــــــــــــــــــــــــــ
مهما طالت عتمة الليل، سيأتي الفجر. مهما طال الظلم، مسيره يتحقق العدل. بالدعاء والصبر وبقلب محروق يقول يارب. قول يارب وهو سامع. هيجيب لك حقك من حنك السبع. متقولش يا هم. قول يا هم عندي رب. هو شايفك، سامعك. وخلي عندك يقين إن بعد عتمة الليل أكيد هيجي الفجر. بس إحنا بقلب خاشع نقول: يااااارب.
رواية رحماكي الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم أسما السيد
منتصف الليل، واقفة بقلق، تنظر للطريق. أخبرها أنه ذاهب لأخيها، ولم يرسل لها شيئاً منذ ساعات. قلقة بشدة عليه.
ماجدة من ورائها: "يابنتي، دلوقتي ييجي. متقلقيش."
نفخت خديها بقلق: "قلقانة عليه، اتأخر أوي."
ابتسمت وسحبتها للداخل: "تعالي، بس الغايب حجته معاه. دلوقتي ييجي."
رجعت بظهرها لآخر الأريكة، وسألتها سؤالاً لطالما أرادت سؤاله لها. عيناها الحزينة دائماً تخبرها أن هناك شيئاً مستتراً بها.
"قُوليلي يا خالة، هو أنا ليه حاسة إنك مخبية عني حاجة؟"
ماجدة بارتباك: "هخبي إيه ياهبلة انتي، مانتي عارفة اللي فيها."
أمل بمكر: "أنا كل اللي أعرفه إن الراجل طالع نازل، عينه هتتقلع عليكي. بس شكلك انتي اللي سايقة فيها."
ضربتها على كتفها بغيظ: "اسكتي يا أمل، إيه اللي بتقوليه دا."
أمل: "أقول إنك بتضيعي عمرك ع الفاضي. الراجل هيعملك إيه أكتر من كدا؟ اتقدملك كام مرة. انسي اللي فات، وعيشي اليومين اللي فاضلينلك في حضنه."
فلتت دموعها منها غصباً عنها، والماضي يعود لذاكرتها وبقوة.
"وهل نسيته أساساً؟ مش قادرة أنسى يا أمل، إنه باعني عشانها. أنا لا يمكن أسأمه أبداً. أنا اه كنت بعشقه، بس عمري ما هسأمه. أنا مش عارفة حاجة."
أمل: "مش عارفة إيه؟"
"مش عارفة حاجة خالص."
أمل بدهشة: "أنا حاسة إنك شايلة هم كبير جواكي. احكيلي يا خالة."
ردت بوجع: "احكيلك إيه بس يا أمل؟ احكيلك إني كنت متهورة زيك كدا وأنا صغيرة. أنا يا أمل عشقت رضوان أبو قاسم عشق مجنون لدرجة محدش يتخيلها. كنا جيران وأكتر من إخوات، متربيين سوا. كان هو راجل في التلاتين. الناس كانت كلها بتقولي، إنه شاب فاسد وبيضحك عليكي. بس أنا مكنتش شايفة غيره. لو كنت ركزت شوية في أفعاله وحركاته معايا، كنت عرفت إنه فعلاً بيضحك عليا. أنا كنت ١٨ سنة أياميها، كنت لسه عيلة وأخدة الدنيا عافية، وبتغني بالحب والمحبين."
وبدموع ازدادت، وخرجت كشهقات: "وقتها عرض عليا نتجوز عرفي، وعملي البحر طحينة زي ما بيقولوا. وافقت. وافقت على ضياعي وكسرة نفسي، وياريتني ما وافقت. كل خطوة كنت بخطيها، كان ليا صاحبة اسمها ناهد، بعتبرها كل حاجة ليا. مانا وحيدة وملقتش غيرها سند ليا. كانت ناهد صحبتي، تعرف كل حاجة. لا واللي يضحك، كانت بتشجعني. مطولش عليكي، المهم مرت الأيام. وفي كل مرة أقوله هتيجي تتقدملي امتى، كنت ألاقيه بيتوه. مرة على ما تخلصي جامعة، ومرة على ما أكون نفسي. لحد ما وقعت في شر أعمالي. وفجأة لقيتني حامل. أمي وأبويا كانوا ناس على قد حالهم. أبويا كان راجل طيب، بس أمي كانت ست قاسية. ارتجيته، بوست رجله، إنه يتجوزني ويستر عليا. تعرفي كان رده إيه؟ 'اللي تفرط في نفسها مرة، تفرط في نفسها ألف مرة. انتي مش أمينة على بيتي وشرفي'."
"أسودت الدنيا في وشي، وكلامه سكاكين بتنخر في قلبي. بعد دا كله، بعد ما أبويا كان بيعتبره ابنه اللي مخلفوش. كنا جيران وأهل، كانوا بيقولوا ماجدة لرضوان، ورضوان لماجدة. فجأة، لقيتهم نازلين زغاريط في العمارة. وال ايه، فرح رضوان وناهد. وقتها عرفت إني أستاهل اللي جرالي. لا عرفت أختار صاحب ولا راجل أتسند عليه. في أقل من أسبوعين كان متجوز ناهد. بقيت أبص للي بيحصل كأني في دوامة، وهفوق منها ألاقيه مستنيني. بيمدلي إيده عشان يقولي زي العادة: 'تعالي متخافيش، كنت بهزر معاكي'. اتغدر بيا في ثانية. وقتها مستحملتش، انتحرت. وأبويا لما عرف من الدكتور إني حامل، طب ساكت، راح فيها. أمي كانت ست قوية، دفنت أبويا، وطلعتني من المستشفى من غير ولا كلمة. وبعد ما اتعافيت، خدتني لدكتور من بتوع بير السلم، ونزلتلي اللي في بطني. أجهضت اللي في بطني، وزهدت الدنيا. هو كل يوم مشاكله كانت بتزيد مع ناهد، وحاول يرجعلي وأنا زي الهبلة، قلبي حن ليه. وقُلت هاخد طاري من ناهد برجوعه ليا ندمان، مكسور. فوجئت بيه بيقولي: 'تبقي زوجة في السر'. وقتها صعبت عليا نفسي، ولقيت نفسي بصرخ في وشه وبقوله: 'ليه؟ هو أنا ناقص إيه عشان ينكتب عليا أعيش عمري كله في السر؟' ضحك وقالي جملة عمري ماهنساها: 'هو دا اللي عندي، وانتي مقامك إنك تبقي زوجة في السر، أهو أمتعك وأتمتع بيكي بدل ما انتي قاعدة زي البيت الواقف'. ولأنه كان عارف إن مليش ضهر أتسند عليه، اتجبر عليا. لقيت نفسي بدعي في وشه بحرقة: 'ربنا يحرق قلبك زي ما حرقتو قلبي، وينتقم منك واشوفك واقف عاجز'. وسبته ومشيت. أمي كل يوم عن يوم كانت بتزيد في جبروتها، تصوري عيشتني زي الآلة، اشتغل وأجيب فلوس بس. اترجيتها نبعد عن العمارة وننقل، مهو أنا مش حجر، أنا دم ولحم بردو. رفضت وجبرتني أشوف نظرة السخرية والشماتة من صحبة عمري في الطالعة والنازلة. كانت ست قاسية، كانت تقولي: 'لا هنعيش ونشوفهم عايشين مبسوطين وانتي تعيشي مذلولة مكسورة، ماهو دا مقامك. يوم محب يختار زوجة صالحة، اختارها هي. وكان عندها حب، ما أنا فرطت في نفسي'. مرت الأيام، وخلفوا قاسم. عارفة هتقولي إزاي واحد زي قاسم، يبقى ابن رضوان الفاسق؟ هقولك... قاسم اتربى مع جده، كان راجل تقي وبتاع ربنا وشيخ جامع. كان زي ما بيقولوا، 'يخلق من ظهر العالم فاسد'. اهو دا بالظبط اللي ينطبق على حالهم. قاسم عاش عمره كله مع جده، دا حفظه القرآن، وعلمه تعاليم الدين الصحيح. كان شايف إن ابنه ومراته مينفعوش يربوا أطفال، عشان كدا قاسم كان دايماً عايش مع جده في الدور اللي تحتينا ده. لحد ما جه اليوم اللي حصل فيه الحادثة، وانقلبت بيهم العربية. ناهد النار أكلتها وخرجت متفحمة، وهو كالعادة استندل ونط من العربية قبل ما تنفجر. وأصبح عاجز بيمشي بعكاز. مرت الأيام وزي ما بيقولوا، أو زي ما بيدعي هو، عرف غلطه، وحكى لأبوه الحكاية. أبوه حب يصلح غلطته ويجوزنا، بس أنا رفضت. قُلتلهم أنا هعيش طول عمري راهبة من غير جواز، ولا إني أتجوزه ولا دقيقة. أمي حبت تضغط عليا، ساعتها ثرت، لأول مرة، وسبتلها البيت، وهي رضخت بعدها، مانا رزقها الوحيد. ومرت الأيام وقاسم كبر، رعيته كأنه ابني، ماهو لو كان عاش ابني كان هيبقي قده. وهو كل شوية أيام زي كدا، ييجي يغني ويقولي: 'سامحيني وتعالي نتجوز'. أنا فاهمة هو عاوز إيه، ماهو عاجز، مين هترضي بيه غيري؟ ما أنا الهبلة اللي كنت بحبه بجنون. اللي زي رضوان، عمره ما هيتغير. ابنه بنفسه قالي: 'متتجوزيش رضوان يا خالة'. "
أمل بصدمة: "قاسم عارف؟"
ابتسمت ماجدة بتهكم: "مش قُلتلك قاسم دا تربية جده الطيب، طول عمره ذكي ولماح. لما شد عوده وكبر، جده حكاله. لما عرفت إنه عرف، كنت خايفة يبعد، أو يفهم حبي ليه غلط. بس فاجئني بدموعه وحزنه على حالي، قالي: 'ياريتك كنت أمي'. أنا فخورة بيكي. ساعتها بس حسيت إن الدنيا لسه بخير، وإن ربنا قبل توبتي. وإنه عوضني ابني اللي راح بقاسم. وانتي تقوليلي أتجوز رضوان؟ يا شيخة دا الموت أهون من قربه، دانا مبكرهش حد قده."
اقتربت أمل واحتضنتها بحزن: "عشان كدا كنتي دايماً تقولي عمري ما هخليكي نسخة مني."
ماجدة: "انتي مش زي يا أمل، انتي ربنا رزقك براجل حنين زي قاسم، احتوى ضعفك وحزنك، وإخوات ماشاء الله عليهم، ربنا يحميهم."
قبلت رأسها بحزن: "ورزقني بيكي أحلى أم في الدنيا. ياريتك كنتي أمي."
ضربتها على رأسها بخفة: "مانا أمك، وأمه. عاوزاكو تملوا عليا البيت ولاد وبنات، وتسيبوهملي يا أمل، فاهمة؟ لا إما هخطفهم وانتو حرين بقى."
أمل بابتسامة: "فاهمة يا عيون أمل. ربنا يخليكي ليا يا ماما."
علت شهقاتها وهي تقبلها بحزن وفرحة امتزجا معاً: "آه لو تعرفي عشت عمري كله أتمنى الكلمة دي إزاي."
أمل بدموع: "خلاص من انهارده هناديلك ماما، يا أحلى ماما."
انتبهت لخبط الباب وانتفضت مسرعة من أحضانها: "دا أكيد قاسم، هروح أشوفه."
ضربت كفاً على كف ومحت دموعها: "آه ياهبلة، البسي النقاب يابت."
أمل: "حاضر، حاضر."
فتحت الباب وشهقت بصدمة: "احمد."
أحمد بابتسامة: "إيه؟ مش هتسلمي عليا يا أمولة؟"
أفاقت من صدمتها واقتربت منه وتعلقت بأحضانها.
أحمد بفرحة: "وحشتيني يا قلب أخوكي، بس إيه يابت ده، خسيتي أهو، كنتي زي البقرة."
ضربته على ظهره بسعادة ممزوجة بدموعها: "آخرس، أنت اللي بقرة."
لمحته واقفاً ينظر لها ببسمة ممزوجة بغيرة واضحة. ولكنها أشاحت نظرها عنه خجلاً.
***
بعد ساعة، كانت تعد حقيبتها لترافق أخاها صباحاً، بعدما صعد ليبيت مع قاسم.
ماجدة: "مع إني كنت عايزة أكون معاكي، بس معلش، ملحوقة."
أمل باستنكار: "دا اللي هو إزاي بقى؟ هو انتي مش هتيجي مع قاسم؟"
ماجدة: "مهو رضوان هيكون موجود، وانتي عارفة اللي فيها."
أمل بحنان: "ودي فرصتك تثبتيله إنه ولا حاجة، مش دا كلامك؟ وبعدين انتي رافضة تيجي معايا، هتسيبني كدا لوحدي؟"
ماجدة بحنان: "عشان عيونك هاجي يا أمل، ربنا يخليكو ليا. وآه، هو ولا حاجة."
أمل: "ربنا ما يحرمني منك أبداً."
***
استغرب رن الجرس بمنتصف الليل هكذا، من سيأتيه الآن؟
استقام من الفراش بحزن، ومنظر الدماء ما زال بمخيلته. إلا أن اقترب من الباب وفتحه بسرعة، ورجعت هي للخلف معها.
صدم. تسمرت قدماها، وهو يهمس باسمها: "سمر. انتي."
محمد من خلفهم دفعها بحدة بيده، سقطت بأحضان راضي. غامزاً لراضي: "خد مراتك أهي، زهقتني طول الطريق، عمالة تغني 'ودوني على بيت حبيبي'. خد ياشيخ، دي قرفتنا. الـ حبيبي ال. راضي جبل الجليد، بقى دلوقتي حبيبي."
تركهم وهرول للخارج.
وتبقى هو وهي.
ابتلعت ريقها وهي تهز رأسها يميناً ويساراً، وببراءة قالت: "ماتصدقوش، يا جبل التلج انت. كداب."
جحظت عيناه، ودفع الباب الذي ما زال يمسكه بإحدى يديه ويسندها هي بيده الأخرى. وهمس: "مصدقش إيه يا سمر؟"
عضت شفتيها بغل من محمد، وهمست: "هاااأصل..."
راضي بهدوء: "أصل إيه؟ قولي."
رمشت بعينيها، ورفعت عينيها وثبتتها على عينيه التي اشتاقتها، وعبست بطفولة: "أصلك بصراحة، وحشتني أوي يا راضي."
"بص، أنا مش طايقاك، بس برضو وحشتني أوي."
نظرت له بسخط واستنكار، وهو ينظر لها بعينين جاحظتين. وبحدة سألته: "إيه؟ مش هتقول حاجة يا بارد انت؟ مش هتقولي وحشتيني والكلام دا؟"
ابتعدت عنه وأزاحته بيدها: "طب أوعى بقى، يا بارد انت. اف."
فلتت منه قهقهات رجولية عالية، جعلتها تنظر له وتضيق عينيها. وبغيظ ضربت الأرض بقدمها، واستدارت لترحل، متمتمة بحزن: "أنا غلطانة إني جيت."
انتشلها من على الأرض بذراعيه كالريشة، قائلاً بضحكة متقطعة من بين كلماته: "تروحي فين ياحلوة؟ هو دخول الحمام زي خروجه."
همست بخجل: "راضي..."
"إوعي."
رد همسها وهو يصعد الدرج بها عدواً كالبرق: "عيون وقلب راضي. انتي كمان وحشتيني أوي، أوي يا قلب راضي."
ردت همسه بطريقة أخرى ملتاعة، مشتاقة، بشفاهها التي حطت على عنقه، تنتشي من رائحة عطره التي اشتاقتها وبشدة. لا تدري ماذا بها، ولكنها كانت لها ترياقاً شافياً، وعلمت أنه هو من بين جموع البشر. بين يديه وجدت تلك التي يسموها "الراحة". همسها باسمه وشفاها التي حطت على عنقه أنسته ما رآه، لوعته، وليالي الفراق. أخذته معها على سطح سفينة، وكانت هي إحدى ساكناها. انتشت روحه وسكنت لوعة ما رآه. أغمض عينيه راحلاً معها، صارخاً بها: "يا امرأة، رحماكي."
***
بعد ثلاثة أيام، يقف ينظر لها بحب وابتسامة مكبوتة لما تفعله.
نظرت له بحدة: "بتضحك على إيه؟"
رفع يده باستسلام: "مبضحكش، بتفرج عليكي."
نفخت خدها وتركت ما بيدها بحزن: "شكلها باظت. أنا كل ما أعمل حاجة أبوظها. أنا فاشلة."
اقترب منها وهمس لها: "وريني كدا."
كانت تعد الأرز بجانب طاجن من البطاطس بالفرن. وضعت إصبعها بفمها، كمن ينتظر نتيجة امتحانه. أخذ ملعقة من البطاطس وابتلعها. وابتسم. فتح إناء الأرز وتذوقه، وحبس ضحكاته. وهمس: "تسلم إيدك يا قلبي، جميل. كل اللي ياسمينة بتعمله جميل."
نظرت له بحزن: "اضحك يابودي، متكتمهاش."
فانفلتت ضحكاته عليها. عبست بحزن: "اف، أنا زهقت، أنا فاشلة. فاشلة."
أخذها بحنان من يدها وأجلسها على قدمه. يده امتدت كعادته لتحاوط خصرها، ويده الأخرى تمسد بطنها، موضع طفليه. نظرت له بحزن وهي تعلم ما يود أن يحادثها به. منذ أيام وهي تتهرب منه، تمكث هنا. لا تريد أن تلقاها منذ أتت. هي لن ولن تسامحها أبداً. أغمضت عينيها وصدي اعترافات عصام لها بعدما انتهى من ذبحه لها، ترن بأذنيها اعترافاته. لا تزال تذلذل أعماقها.
انتبهت لهمسة: "ياسمينة."
أجابته بهدوء: "نعم."
نظر لها قليلاً بصمت، فنكست رأسها للأسف. وهمست: "أنا آسفة، مش قادرة. أرجوك متزعلش."
تنهد وقال: "الموضوع مش كدا ياياسمين، حاسس إنك مخبية حاجة عني. أنا عمري ما هجبرك تسامحي أمل، على اللي عملته في فريدة. انتي فهماني غلط يا قلب عابد. مش عاوزة تكلميها، مش هجبرك. أنا عتبي عليكي إنك حابسة نفسك هنا، من ساعة ما جت. حتى ديما ودينا، معنتيش بتنزليلهم. ياسمين، انتي حاجة كبيرة أوي عندي. أنا عارف إن أمل غلطت كتير، بس انتي بنفسك طلبتي أسامح وأتفاهم. فليه يا قلب عابد، في إيه؟ فهميني. مخبية عني إيه؟"
مد يده وأشار لقلبها: "في إيه هنا بيوجعك ومخبياه عني؟ مش اتوعدنا، تشاركيني وجعك، ومتخبيش عن عابد حاجة. ومتقوليش مفيش، لأن في، أنا قلبي حاسس بكدا."
ابتسمت ابتسامة باهتة، كتمت بها غصتها: "مفيش يابوده، أنا بس..."
غصت بحلقها ولم تستطع أكثر. لم تستطع. شهقت وبكت بحرقة وأحاطت عنقه، تبكي وتبكي.
جن جنونه: "ياسمين في إيه؟ قوليلي في إيه؟ أقسم بالله ماهقدر أستحمل دموعك دي. لو مش عاوزة تكلمي أمل، متكلميهاش. بس في إيه؟ قوليلي، متبكيش يا ياسمين."
صدح صوتها المتوتر أمامهم مباشرة: "أنا هقولك."
تفاجأ وهو ينظر لها: "أمل."
رفعت نقابها ومسحت دموعها التي تسيل بخزي: "أنا آسفة إني دخلت كدا، بس الباب كان موارب. ندهت محدش رد. سمعت صوتكو فدخلت."
نظرت لياسمين الجالسة بأحضان أخيها، يحتويها كطفلة صغيرة. وأغمضت عينيها بحزن. وتذكرته هو، وياليته معها الآن. ابتلعت ريقها. وانتبهت لسؤال أخيها المصدوم.
عابد: "في إيه يا أمل؟ هتقوليلي إيه؟"
نطقت بحزن: "هقولك ليه ياسمين مش عاوزة تشوفني ولا تقابلني."
نقل نظره منها لتلك التي بأحضان أخيه باستفسار: "تقصدي إيه؟ حد يفهمني."
التفت لها بضعف، بحزن ودموعها تنهمر كالسيول، وذكري ما مضى يمر أمام عينيها، كلماته واعترافاته ترن بأذنيها. صرخت بها: "اسكتي، اسكتي، اقفلي على اللي فات، اقفلي بقى، كفاية حرام عليكي."
ضربات قلبه علت كالطبول، ارتجف قلبه لمرأى أحب اثنين لقلبه ينتحبون معاً. كانت لا تزال تتشبث بأحضان أخيه كطفلة تتمسح بأبيها، ويديها تمسك بقميصه بقوة وكأنها تتألم. دموع عينيها أغرقت قميصه. همس لها: "في إيه ياسمين؟ خايفة منه أوي كدا؟"
ردت همسه: "قولها تمشي، أنا مش قادرة أبص في وشها، يا عابد، حرام عليكو. أنا كان إيه ذنبي."
ابتلع ريقه وهم أن يجلسها بجانبه، فأبت أن تفارق صدره وتمسكت به، هامسة بضعف: "خبيني، أرجوك. حاسة إني عريانة."
أحاط بيديه جسدها الذي هزل وضعف منذ تلك الليلة، كطفلة صغيرة. همس بأذنها: "ششش، اهدي، أنا جنبك... جنبك أهو، مش هسيبك أبداً."
رفع نظره لأخته التي تنتحب بصمت. بنظرة فهمتها، أن تحدثي. وبدأت، وياليتها ما بدأت.
عابد: "أنا عارف إني غلطت كتير، وانت سامحتني. أنا عارف إني مستحقش العفو، بس والله ما كان بإيدي. أنا كنت عاملة زي المغيبة، روان كانت بتهددني."
"أنا..." صرخ بها: "انطقي."
رد هو من خلفه بعدما تركته أمل بالأسفل، لتعترف لأخيها وتطلب السماح من ياسمين. لقد نصحها ألا تفعل، ولكن حدث ما حدث. نظر لأخته بحزن وتنهد قائلاً: "أنا هقولك أنا يا عابد."
نقل نظره بينهم بضياع، بخوف من القادم، وتلك تأبى أن تترك أحضانه.
عابد: "انت عارف طبعاً إن اللي نزل صور أمل كان عصام."
جز على أسنانه وهو يستمع لاسمه، وقال بغل: "كمل."
نطقت هي: "أمك وروان كانوا عاوزين ينتقموا من فريدة وأمها بأي طريقة، وطبعاً انت عارف عملوا إيه في فريدة. في نظرهم مقدروش على فريدة، ومقدروش يوجعوا أمها عليها. فخططوا يوقعوا ياسمين، ومكنش في طريقة غير إنهم يأذوا ياسمين، غير عن طريق عصام. ليتفقوا وخططوا لكل حاجة. وساعتها أنا كنت على علاقة بعصام وروان كانت بتهددني دايماً، وكمان بدأت أحس من عصام بالغدر، فروان بخت في وداني إني يعني..."
هطلت دموعها وسكتت.
وأكمل هو: "إنك إيه؟ انطقي. إني أقوله على ياسمين. كلام محصلش. كانت مفكراها سهلة، بس اللي مكناش عاملين حسابه إن عصام يقع في حب ياسمين من أول نظرة. ولما صدته مرة واتنين، حبها بجنون، ورفض يأذيها، لحد ما جه اليوم اللي سمعته هو وروان بيخططوا إنهم يفضحوني، ساعتها عرفت إني خلاص انتهيت. كان عشقه ليها معدي الحدود، وقررت انتقم منه. أنا والله ما كنت عارفة بعمل كده إزاي، أنا كنت يأست وكدا كدا ضايعة. بعدها رحت ليه وكان زي المجنون وبيخرف باسمك واسمها. أنا محسيتش بنفسي غير وأنا بقوله إنك ماشي مع ياسمين و..."
وهو زي ما يكون كان بيدور على أي مبرر يعمل بيه اللي هيعمله. وحصل اللي حصل. أنا والله يا عابد ما كنت عارفة بعمل إيه. ولا كنت أعرف إنك هتتجوز ياسمين فعلاً. أنا..."
نظرت له بخزي ولم تستطع أن تنطق. نزلت دموعها بخزي أمامه. اعترافات وخبايا جعلته يترك تلك التي تنتحب بين ذراعيه، وجسدها يرتجف، وكأن الزمن عاد وكل ذكريات تلك الليلة وما مرا به عادت لتسخر منه. اعتصر وجهه بيديه بوجع.
"ما أقساه أن تقع بين اختيارين، أحدهما أمر من الآخر."
علت شهقاتها وهي تعتذر وتعتذر: "أسفة يا ياسمين، سامحيني، والله ما كان بإيدي. سامحيني يا عابد، أنا..."
لم يمهلها. يده حطت على خدها بصفعة مدوية، لاول مرة بحياته، قائلاً بوجع، بحزن، باشمئزاز: "اخرسي... كفاية، كفاية بقى."
كادت أن تسقط من صفعته لها. التقطها أحمد بيده، ناظراً لها بحزن: "ارتحتي؟ ضميرك ارتاح كدا؟"
أومأت له بحزن وكسرة، وهمست: "أوي."
"يعدلها وأخذها تحت ذراعه بحنية. ووجه كلماته لأخيه الذي جلس واضعاً وجهه بين كفيه بخزي."
عابد: "أنا عارف إنك قلبك كبير. اللي حصل كان غلطنا كلنا، أرجوك انسي الماضي."
رفع نظره له بتهكم: "أنسي؟ لحد إمتى هفضل أنسي؟ هو أنا يعني مش لحم ودم زيكو؟ ولا عاوزني أتكه على زرار وأقول أنسي؟ يبقى أنسي. امشي يا أحمد، خد اختك وانزل، وسيب الأيام تنسيني. المرة دي الوجع كبير، آسف غصب عني."
همست لاخيها: "عابد، أرجوك."
"أرجوك سامحني، أنا همشي مش هرجع هنا تاني، بس ارجوك سامحوني، وخلي ياسمين تسامحني."
أغمض عينيه وعينه دارت على تلك التي كانت هنا وليست هنا الآن. اشتعل قلبه وهو يراها تخرج من المرحاض تميل يميناً ويساراً، وجهها شاحب كالموتى. الدماء تسيل من بين قدميها. جحظت عيناه ولمح بنطاله الغارق بدمائها التي سالت ولم يشعر بها. رفعت عينها له بتعب. التقط نظرتها بأخرى موجوعة، فصرخ عليها بلوعة: "ياااسمين."
***
صعد الجبل ليلاً. بعدما استمع لذلك التسجيل التي أعطته إياه سولاف. اشتعلت نار الثأر بقلبه، وأقسم أن ينهيها بيديه. سيحرقها حية، مثلما حرقت قلبه عليها. وعلى ولده.
هلل وجدي وهو يراه يهبط من سيارته: "يا أهلا، يا أهلا يا شيخ راشد، نورتنا يا كبير."
راشد بهدوء: "ده نورك يا وجدي."
وجدي: "اتفضل يا كبير. ده الجبل نور."
بعد نصف ساعة.
راشد: "اسمع يا وجدي، طبعاً مستغرب أنا ليه جايلك بذات نفسي، مش بعتلك تجيني زي كل مرة؟ لأن المرة المهمة اللي جايلك فيها، فيها ثأري، اللي جايدة من سنين، وتار ولدي، ولازم آخده بنفسي."
وجدي بحماس: "رُجبتي يا كبير، أنت تؤمر أمر. وأني انفذ."
راشد بحسم: "عشان أجده إني جيتلك الليلة، سعدية."
وجدي: "مالها؟"
راشد: "عاوزها حية، تاري عنديها، لازم آخده بيدي."
وجدي بمكر: "اعتبره تم يا كبير، يومين بالظبط وتكون قدامك."
راشد: "مع إنه كتير يومين، بس هصبر، يا جل ماينشف غليلي. ومتنساش سويلم ولدي معاها. عاوزهم الاتنين."
وجدي: "أمرك يا كبير."
نظر له بتشفي: "أملي فيك كبير وعارف إنك جدها يا وجدي." وودعه، قائلاً: "إني هستناك على نار يا جل مايناري اللي جايدة من سنين تبرد."
وجدي: "تارك تاري، يا كبير. يومين بالظبط وتكون تحت رجليك."
***
لملمت حاجياتها بحقيبتها الصغيرة، مثلما أتت بها. ودموع عينيها تسيل وتسيل. رفعت هاتفها تتأمل اسمه. هم لن يسامحوها أبداً. هي وصمة عار عليهم. شهقت بخوف عليها. هي لم تكن تتمنى أبداً ما حدث لها. كانت تود السماح. سخرت من نفسها، عن أي سماح تتحدث. ليس الجميع كقاسم. نزلت دموعها وهمست: "ياريت الكل شكلك." رفعت كفها بالدعاء لها بصدق: "يا رب، أنا عارفة إني غلطت. غلط كبير، والله أنا تبت. أنا أستحق اللي يجرالي. هي مذنبهاش حاجة. احميها، يارب وخليلها ولادها. يارب انت عارف أنا إيه من جوا، أنا موجوعة أوي، وهي بردو موجوعة أوي. سامحني يارب، واعفو عني، وخد بيدها."
شهقاتها علت وعلت، ولم تستطع.
فجأة وجدت نفسها لاول مرة تدق رقمه. كانو يتواصلون بالرسائل. هو حاميها، لا أحد غيره يتفهمها. تريده هو وفقط. تشعر بالحنين له هو. غريبة هي هنا، وبجانبه موطنها. شهقت وهي تستمع لنبرة صوته التي تريحها وتزيح عنها أوجاعها. همست بدموع: "قاااسم."
كان يجلس بالورشة ينهي أعماله ليتفرغ لمناسك العمرة بعد الكتاب. وجد هاتفه يرن. نظر به وصدم أنها لاول مرة تدق عليه. ابتلع ريقه واستشعر قلقاً عليها بقلبه. فتح الاتصال وميز شهقاتها. لم تسعفه الكلمات لنطق حرفاً واحداً، تيبست قدماه وهو يستمع لهمسها باسمه. لاول مرة بلا تكليف. "قاااسم."
رد عليها بلهفة، بخوف: "أمل، مالك؟ انتي كويسة؟"
علت شهقاتها أكثر وهي تجيبه بكلمة واحدة فقط قبل أن تغلق الهاتف: "محتاجاك أوي."
قاسم، ترك ما بيده ولم يرى أمامه غيرها وهمسها الباكي، يتردد بعقله بكلمتها الوحيدة: "محتاجاك أوي."
ومع هدوء الليل، كانت سيارته تسارع الريح. ليصل إليها. يلبي نداءها، وهل يستطيع صم أذنيه عن وجعها؟
***
أيها الماضي، لم لا ترف بنا وتنسانا؟
لما تعود وبسمومك تنهش في بنيانا؟
ألا يحق لنا أن نعيش ونتمرد على دنيانا؟
لما بكل فرصة تأتي وتقلب حلو دنيايا؟
أيها الماضي اللعين، ارحل عن سمانا.
يامفرق الجماعات وهادم ملذاتنا، ارحل.
يكفيك عنا ربي، مثلما طهرنا ونجانا.
ياماضينا، ابتعد، فجروح القلب عنك تنهانا.
ارحل، وحل عن سمــــــانا.
رواية رحماكي الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم أسما السيد
يقف يهزي، يخبط رأسه في الحائط، ثيابه غارقة بدمائها.
هامساً بهزيان: "يارب، أنا مش عاوز غيرها، والله ما عاوز غيرها."
ابتلع أحمد ريقه، واقترب منه.
"عابد، تعالا اقعد، هتبقي كويسة إن شاء الله. متعملش في نفسك كدا."
نظر له بعين عاتبة، حزينة، وكأنه يخبره: "هذا ما جنيته منكم أنتم."
أبعد عينه بعيداً، للجهة الأخرى، وسالت دموع عينيه، بلا إرادة منه. دموع حزينة، على حاله وعلى حالها.
متمتماً: "أكيد ربنا مش هيأذيني فيها، أصلاً إحنا معملناش حاجة وحشة في حد. ربنا عالم بحالي وحالها، ربنا كبير، وفرجه قريب. صح يا أحمد؟ مش هيأذيني فيها. أنا عندي يقين بربنا."
أغمض أحمد عينيه بحزن، لكلماته التي نخرت بقلبه، تذكرته بما مضى. بما افتعلته أيديهم به. هو لا يستحق ذلك.
اقتربت منه دينا، التي هرولت وراءهم هي وأختها ديما، لإنقاذ ياسمين. وجذبته من يده كطفل صغير.
"تعالا، يا أحمد، سيبه هيبقي كويس."
أطاعها، وجلس بجانبها، هامساً لها: "قولتلها بلاش، هي اللي صممت. كانت عاوزة ترتاح من عذاب ضميرها، كانت نفسها ياسمين تسامحها. كان عندها أمل إنهم يفتحوا صفحة جديدة. مكنتش أعرف إن الصفحة القديمة بالقساوة دي. إحنا مش وحشين أوي كدا، إحنا بس كنا مغيبين. صدقيني يا دينا."
ضغطت على يده، بحب.
"مصدقاك يا أحمد، مصدقاك. أنا شايفة في عينك صدق مش موجود في ناس كتير."
ابتسم بحزن، وتمتم: "يا ريتني قابلتك من زمان."
ضغطت على يده: "كل شيء بأوانه. المهم إننا مع بعض."
خرجت ديما، وبجوارها طبيبة ياسمين النسائية. هرول عليها، ولم ينطق. ترك الأمر لعينيه.
لتسأل بلهفة:
ابتسمت ديما: "اهدي يا عابد، الحمد لله. قولتلك هتبقي تمام. الحمد لله النزيف مأثرش عالأجنة ولا حاجة. هي بس..."
سكتت، وتكلم هو: "بس إيه، متخبيش عني يا ديما. أنا مش عاوز أطفال ولا أي شيء غيرها. كل حاجة تتعوض، وأنا راضي والله راضي. المهم عندي هي."
طبيبتها بهدوء: "بص يا أستاذ عابد، النزيف دا ملوش أي سبب عضوي. السبب للأسف نفسي. إحنا لحقنا المدام، حالياً، بحقن التثبيت. بس المدام دخلت في حالة انهيار عصبي. يا ريت تبعدها عن التوتر اللي حصل ليها ووصلها للحالة دي. هتفضل معانا النهارده، ومعاكم دكتورة ديما. وطبعاً لولا الحقنتين اللي ادتهوملها قبل ما تنزلوا من بيتكم كان للأسف الخسارة هتبقى كبيرة. فاحمدوا ربنا."
تمتم بالحمد لله، وقال لديما القريبة منه: "عاوز أشوفها يا ديما. أرجوكي."
نظرت له وتنهدت بحزن: "بمنظرك دا، بلاش متخضهاش. هي أساساً نايمة مش دريانة بحاجة. غير هدومك الأول. على ما تفوق."
اقترب أحمد ورتب على كتفه: "حمد الله على سلامتها يا عابد. أنا هروح أجيبلك هدوم تغير هدومك. أنا عارف إنك مش هترضي تتحرك من هنا. فأنا هروح أجيبلك غيار من البيت وأجي. مش هتأخر."
أومأ بهدوء، وجلس على الأريكة، شارداً.
نظر أحمد لأخيه بحزن، واستدار راحلاً ليجلب له ثياباً ويطمئن على تلك التي تركها تبكي بقهرها وخوف.
بعد ربع ساعة، لقرب المنزل من المشفي. دخل شقته، يبحث بعينيه عن أخته. وجدها تنزوي على نفسها على إحدى الأرائك بكامل ثيابها، التي أتت بها. تجاورها حقيبتها، متقوقعة على نفسها، رأسها بين قدميها كطفلة مذنبة، أذنبت ذنباً لا يغتفر، فعاقبتها والدتها بالنبذ والطرد.
اقترب منها وقلبه يؤلمه عليها. ابتلع غصته، وهو يقر أن الماضي لن يتركهم أبداً. سيظل وصمة عار لهم، ودائماً. لا أحد سينسى لهم ما حدث. الناس تحكم بالمظاهر، لا على القلوب. البعض منهم يرى جوهرك، أما الباقي... رحماك يا الله.
مد يده ومسد رأسها، فرفعتها هلعاً. وهمست بذعر: "أحمد، أنت جيت؟ هي كويسة؟ قولي أنا مقتلتش ولادها صح؟ أنا والله ما كان قصدي يا أحمد."
ابتسم بحزن عليها، ورد بوجع: "عارف يا حبيبتي، عارف. اهدي كدا. هي كويسة، والتؤام كويسين."
همست براحة: "بجد؟ كويسة؟ احلف؟ أنا خايفة أوي يا أحمد، أنا مش حمل ذنوب تاني، كفاية اللي على كتافي."
ابتسم: "يابت والله كويسة. أنتي قاعدة كدا ليه وإيه الشنطة دي؟"
خفضت نظرها وابتسمت بحزن، وسالت دموعها: "عشان دا مش مكاني يا أحمد. أنا غلطت، واضح إن لسه ربنا مش قابل توبتي. عشان كدا مكاني مش هنا. أنا أذيت ناس كتير في طريقي. وللأسف اللي فات كان صعب."
أحمد بحدة: "إيه اللي بتقوليه دا يا أمل؟ أنتي بتلومي عابد على رد فعله؟ دا طبيعي. أخوكي، إحنا أذيناه كتير، وياسمين مكنش ليها ذنب يا أمل، وإتأذت. أنتي مش متخيلة أخوكي وياسمين مروا بإيه. غصب عنه يا أمل، اعذريه."
أمل بوجع: "عارفة والله عارفة. أنا عارفة إني السبب، وإني ليها حق متسامحنيش. عشان كدا مش لازم أبقى هنا. طول ما أنا وهي في نفس المكان، عمرها ما هتنسى. لا وكمان هفرح وأتجوز، كأني بخرج لها لساني وأقولها أنا أذيتك وبقيت أحسن منك. مينفعش يا أحمد. أنا غلطت لما وافقت إني أجي هنا، بس كان عندي أمل بسيط إنها تتقبلني وتسامحني. أنا لازم أمشي من هنا. قاسم زمانه جاي. همشي معاه."
أحمد بجنون: "هتمشي مع مين؟ أنتي اتجننتي؟ أنتي هتخرجي من هنا مراته. غير كدا لا."
توسلته: "أرجوك يا أحمد، خليني أمشي من هنا. أنا مش مرتاحة. أنا مكنتش أعرف، إن الأمور هتوصل لكدا. لو أعرف مكنتش جيت. هناك بحس بأمان محستوش هنا. قاسم وطني وسكني. أرجوك يا أحمد."
همس بحزن: "أنتي مجنونة. هتقوليله إيه؟ بس، هتبرريله بإيه اتصالك بيه واستنجادك بيه في نص الليل كدا. ليه صغرتي نفسك يا أمل؟ ليــــــــه؟"
أمل بابتسامة: "أنا مصغرتش نفسي يا أحمد. أنا مخبتش على قاسم حاجة أبداً. هو اللي شجعني عالـ مواجهة دي. أنا حكيتله كل حاجة. قاسم عمره ما كان سبب قلقي، بالعكس، احتواني واحتوى ضعفي. هو الوحيد اللي شايف إني جوايا أحسن. أنا كنت عاوزة أبدأ معاه على نضيف. عشان كدا، دي كانت آخر أعمالي، واتمنيت يسامحوني عليها. وأنا الحمد لله راضية. أكيد ربنا له حكمة في كدا."
أحمد بوجع: "بقي أقرب لك مننا."
لوت فمها بحزن: "وإنتوا من امتى كنتوا قريبين يا أحمد؟ أنت عارف أنا كنت بغير من فريدة، عارف ليه؟ لأنها كانت أقرب مني لعابد، بتاخد وتدي معاه في الكلام، أما أنا كنت بخاف منكم. كنت بشوفها رغم الفقر وأشوف إخواتها حواليها، كنت بغير، وأقول إشمعنى أنا. كان نفسي في حنية، كان نفسي أتحب زيها. هو أنا كنت وحشة أوي كدا يا أحمد؟ عشان تبعدوا عني."
هطلت دموعه مع دموعها، دموع خزي. وأكملت: "طب أنت عارف كام مرة فكرت أجي وأقولك ابعد عن روان، متستاهلكش، بس كنت بخاف من رد فعلك، وأقول يستاهلها، مش مقدر النعمة اللي في إيده. كام مرة فكرت أجي أشتكيلكم من تهديدات عصام وروان ليا، وأخاف وأرتعش لتقتلوني زي ما روان صورتلي. أنا كنت طفلة، مش محتاجة غير بس تحبوني. النبذ والعزلة اللي عشت فيهم وكره أمك وحقدها اللي زرعتيهم فيا كان السبب. بس أنا والله مش وحشة، مش وحشة أبداً، أبداً."
على صوتها ببكاء يشبه بكاء الأطفال. اقترب منها واحتواها بين ذراعيه وقبل رأسها.
"أنا آسف، سامحيني. هعملك اللي أنتِ عاوزاه. بس اهدي."
شهقت: "أنا زعلانة أوي من نفسي يا أحمد، زعلانة أوي."
"حقك عليا يا قلب أخوكي، كل حاجة هتبقى تمام صدقيني. أوعدك."
اقتربت من مكتبه، تناغشه كعادتها منذ انفصلا، وبشماتة. فتحت باب مكتبه، ووقفت تردد بمياعة.
المثل الشهير: "طلعت فوق السطوح، هز الهوا كمي، كل البنات يافهد اتجوزتك، وأنا قاعدة جمب أمي."
استمع لحديثها الساخر، ورفع نظره بحدة لها، كالصقر.
"ده الكلام ده ليه بقى؟"
نظرت له بتلاعب: "أومال لأمي. عن إذنك بقى، أنا قلت أمسي يا أبو الفهود يا جامد أنت يا خطر."
جز على أسنانه وانتفض من على كرسي مكتبه. وفي ثانية، كانت قدماها ترفرفان بخوف من بين يديه.
صرخت بخوف: "عاااا..."
"نزلني يا أبو طويلة."
انت...
جز على أسنانه، واجتمع الجميع على صراخها.
"نادية، في إيه يافهد؟ أنت شايل البت كدا ليه؟ نزلها."
"عيب كدا يا فهد، بقولك إيه يا نادية، بنتك بتعايرني، وبتستفز رجولتي اللي حطيتو عليها إنتِ وبنتك، فوسعي بقى الله يرضي عليكي، عشان مقلبهاش ليكو مندبة هنا."
سلمى، بخوف: "لا يا ماما، متصدقيهوش. أنا كنت بنغشه بس. نزلني يا طور إنت."
فضحتني.
نظر لعمته بغل: "شايفة بنتك؟ وطولة لسانها."
"كيان، قالتلك إيه؟ عشان تعمل فيها كدا؟"
"فريدة، قولي له إيه يا سلمى؟ انطقي."
فهد، بحدة: "قولي قولتي إيه؟ يالا، لو جدعة."
فريدة بزهق: "ما تقولي يا سلمى، قولتي إيه خلتيه عاوز يقتلك كدا."
سلمى، بتراجع: "هااا، مش فاكرة."
رفع حاجبه بسخرية لها، ومازالت بين ذراعيه: "مش فاكرة؟ طب أنا بقى فاكر، وهقول."
سلمى بهمس، بأذنه: "استر عليا يا جوزي، يا حبيبي يسترك، ما يفضحك."
لمعت عينه بمكر، وهمس بأذنها: "هسترك، بس بشرط."
جزت على أسنانها: "بتصطاد في المية العكرة صح."
رد بلامبالاة: "خلاص، إنتي حرة بقى."
بلهفة أجابته: "خلاص، موافقة. ياباي عليك."
همس لها بأذنها تحت أنظارهم المذهولة مما يحدث: "بما يريد."
زفر محمد بغيظ منهم: "ما تخلصونا بقى، في أم الليلة دي. إيه جو العشق الممنوع ده."
أنزلها، بمكر، قائلاً: "خلاص يا جماعة، سلمى هتقولكوا هيو."
وقفت تتلجلج بالكلام: "ماهو أنا..."
الجد، من وراءهم: "ماهو إيه؟ في إيه بيحصل أهنه؟ ملمومين أجده ليه؟"
فهد بمكر: "والله يا جدي فيك الخير. أصل كنا هنيجيلك أنا وسلومتي دلوقتي."
الجد بمكر: "سلومتك؟ ده من ميتا أجده. بس ماشي يا ولدي، أديني جيت لوكم بنفسي أهاه. خير."
سلمى، بهمس: "منك لله يا فهد، يا فضحتك يا سلمى. هقولها دي إزاي؟ دي نادية هتخلص عليا. بص، بتبصلي إزاي."
نظر لها بتلاعب ووجه كلامه لجده بدلاً عنها: "أصل يا جدي، سلمى خلاص رضيت عني وسامحتني، وكنا جايين نستأذنك هننتقل لشقتنا فوق."
نادية، بحدة: "نعم؟ الكلام ده حصل امتى؟ من غير رأيي."
سلمى، بخوف: "والله يا ماما ده هو اللي..."
وضع يده على فمها وزغر لها بعينه، فابتلعت كلامها: "بعد إذنك يا عمتو، بقية رايك يا جدي."
الجد: "وإني هيهمني إيه يا ولدي غير سعادتكو. على خيره الله. من الليلة هتباتوا بشجتكم."
فهد، بصدمة: "بجد؟"
الجد: "أيوا، جد."
مرر عينه بين الوشوش، أحدهما مغتاظاً، والآخر مبتسماً ببلاهة عليهم.
جرها خلفه: "طب عن إذنكم بقى. فوتكم بعافية."
صاحت به وهو يجرها خلفه: "استنى هقع يا أبو طويلة إنت. والله لأطين عيشتك يا فهد."
اقتربت نادية من زينب التي تبتسم بهدوء كعادتها، وبجانبها سولاف تمسد لها شعرها بحنان: "عجبك كدا يازينب عمايل ابنك؟ إن سلمى سقطت السنة دي، يبقى ابنك السبب."
زينب بفرحة: "باه يا نادية، خلينا نفرحوا، والفرح يملي دوارنا. الفرحة غايبة عنينا بجالها كتير."
الجد بشرود: "هانت يابتي، والفرح يملي دارنا ودوارنا. هانت جووي."
اقترب محمد من سولاف، وهمس لها: "سولاف."
نظرت له بحزن: "نعم."
"تعالي، أفرجك على الخيول بره."
سولاف بفرحة: "بجد ينفع أشوفهم."
هز رأسه: "طبعاً ينفع. تعالي."
استأذنت زينب وجدها وخرجا معاً، وهم يبتسمون على عشق محمد الفاضح لها منذ قدمت سولاف للدوار.
"ابعد عني يا فهد، بعينك تقربلي."
فهد بتلاعب: "ده بعينك إنتِ، لازم تتربي."
زفرت بهدوء: "فهد، استهدي بالله كدا."
فهد بابتسامة: "الله مانا هادي أهو. إنتي اللي مش على بعضك ياسلومة. أومال إيه كنتي عاملهالي فيها شجيع السيما تحت. وأمثال وحركات."
سلمى بولولة: "كان مثل أسود ومهبب عليا، يا ريتني ما نطقت ولا قولتهولك."
فهد بتلاعب: "لا أخص عليكي. ده أنا هبروزه وأعلقه عالحيطة، بس مقولتليش جبته منين ده."
سلمى، من الزفتة سمر، منها لله، هي اللي قالتهولي."
فهد بقهقه: "أنا قلت كدا بردو. بس بت والله طلعت بتفهم."
سلمى بغيظ: "طب أوعى كدا، هفرجك عليها بس أما أشوفها."
"وكمان بتزقيني ياسلمى؟ لا ده أنا قتيلك النهارده."
صرخت وهو يميل بها على الفراش: "عااامنك لله ياسمر. أوعي."
"إنت هتفطسني يا أبو طويلة إنت."
همس وهو ينظر بعينيها: "ششششاهدي."
تسمرت عينيها بعينيه، ذابت بنظرته لها. همست: "فهد."
رد همستها: "وحشتيني أوي يا قلب فهد."
وغابا معاً، برحلة على البساط. رحلة لا يدخلها إلا العشاق.
عدنان.. طال فراجك، والقلب على خصامك داب. ليش ما بتسامحني يا عدنان.
أدار وجهه عنها يستدعي القوة والثبات.
همست بدموع: "عدنان.. ما اشتقت يا عدنان."
استدار لها، بقله حيلة: "يابنت الخال.. غلطتي ولا ما صار."
عبست، وهمست: "غلطت وجبلت العقاب. ليه خصامك عليا طال."
زفر بقله حيلة: "فكرك على قلبي سهل خصامك ياساجده. بس جتلني شكك، ومشيِك ورا الودع، مابيصير يابنت الخال."
"آخر مرة يا عدنان، واديها فارجتنا.. للابد. سامحني، يا جلب ساجده. والله على خصامك صار ليلي نهار."
تنهد وقربها له، بحنان: "سامحتك، يا قلب عدنان. والله على خصامك اليوم بيعدي كأنه عام. مابجدر على خصامك، يابت الخال، بس عالله الدرس يكون صاب."
ابتسمت براحه وهي تدفس نفسها بأحضانه: "صاب، والله صاب يا عدنان."
تقف، تستند بيدها على سور الشرفة، بشقتهم بالدوار الجديد.
اقترب منها، وجلبها لتجلس على الأرجوحة. جلست واقترب واضعاً رأسه على قدميها. يدها امتدت لتمسدها، كما يحب.
أغمض عينيه، وهمس: "فريدة..."
"مممم... قلب فريدة."
"فريدة غنيلي، يا فريدة، وحشني صوتك."
خفضت رأسها وقبلت رأسه، بحب: "أغنيلك إيه."
شرد، للبعيد، وهمس: "فاكرة الأغنية اللي غنيتهالي في الكوخ."
ردت بسعادة لذكراها: "يا اه، لسه فاكر."
"وأنا عمري هنسى. صداها كان بيتردد في ودني طول سنين الغياب. غنيها لي يا فريدة. خليني أنسى اللي حصلي من بعدك. رجعيني لكيان بتاع زمان."
رددت ومع غنائها:
"الأحبة اجتمعا معاً، رغم الفراق، والمسافات. كل بأوجاعه، بكلمات تصف بعضاً من أحوالهم."
تماشت معهم ومع أوجاعهم، حزنهم وابتساماتهم.
"مهما يحاولوا يطفوا الشمس
مهما يزيدوا علينا الهم
مهما يقولوا ... مهما يعيدوا
أنت في قلبي ... أنت وبس"
وكأن صوت فريدة يصل إليهما من أقصى الصعيد، لهما هنا بغرفة بمستشفى تغرقها رائحة الدواء والمخدّر.
اقترب عابد منها مبتسماً بحزن على حزنها، يخفي دموع عينيه، وغصته. ببسمته الحزينة، يمسد شعرها بحنان. وهي تنظر له بلا حديث، فقط تركت نفسها لأحضانه ليغمرها، لينسيها آهاتها، وما مرت به.
وأكملت فريدة تحكي حالاً كحالهم:
"كل كلامهم مش هيأثر
وأنا ولا حبعد ولا حتغير
يمكن حتى هقرب أكتر
مهما يحاولوا الناس بالعكس
حبنا جوا قلوبنا بيكبر
مهما يحاولوا يطفوا الشمس"
وبمكان آخر، قريب منهم، بشقة أخيها، بعيد عن الصعيد. قريب من مشفاهم. وبليلة، أصرت على اجتماع الأحبة، كان المأذون يردد عليهم: "اللهم بارك لهما وبارك عليهما واجمع بينهما في خير."
خرج الجميع وبقيا هما. رفع نقابها، أخيراً. سينظر لها بلا استغفار، سينظر لما أحله له الله. قابلته دموع عيناها، قبل رأسها، ومد يده بحنان. مسح دموع عيناها، فانهمرت أكثر، وارتمت بأحضان. ضمها له وشدد عليها بذراعيه. هامس لها بحب: "ششش انسي، واعرفي، لو كل الدنيا ضدك، أنا هفضل جنبك، متخافيش... يا قلب يا قاسم، أنا فخور بيكي."
همست بوجع: "قاسم.. خدني من هنا."
"حياة قاسم وصدفته الحلوة، حاضر. كل اللي تقوليه عليه حاضر. بس متبكيش."
أحكم على يدها بيده، وودعوا فصلاً، وأكملت فريدة:
"يلي حياتي بتحلم بيك
وبشوف كل الكون بعنيك
أنت العمر الحلو اللي زمان كان متأجل
عشتوا وشفتوا جوا عنيك في معاد وبيوصل
ليه عايزين ياخدوا من قلبي ... ليه يلومني الناس على حبي"
وعلى صوت غنائها، كان يقف ينظر لها بصدمة، يدور ويدور، لا يصدق.
اقترب منها وجلس بجانبها، يسألها للمرة التي لا تعلم عددها:
"سمر، أنتي حامل بجد؟ يعني إنتي في هنا بيبي وكدا."
ضحكت ومدت يدها تأخذ بيده ليتحسس بطنها: "اه في هنا، في هنا. نونو صغنن. يعني إنت هتبقى بابا البارد، وأنا ماما الجميلة."
قهقه على جنانها وحملها بسعادة يدور ويدور، صارخاً بعلو صوته: "بحبك يا أحلى سمر في الدنيا، بحبك يا بت عمي، بحبــــــــك."
سكتت، فأعتدل وأكمل هو، ناظراً لعيناها:
"بيني وبينك حب كبير
أكبر ما يفكروا بكتير
ده اللي مابيني وبينك كان في السما متقدر
لازم كنت هحبك مهما لقانا اتأخر
حتى في آخر يوم من عمري ... كنت هجيلك برضه يا قدري"
"بحبك يا فريدة، بحبك وهفضل أحبك زي أول مرة شوفتك فيها. بحبك أد دموع الفراق، اللي بكيتها في بعدك، وأد ليالي الشوق والسهر، وأد عذاب ضميري، وأنا فاكر إني خونت عهدك مع غيرك. بحبك."
"وأنا بعشقك يا قلب وروح فريدة."
أنهت اعترافها، وانتفضا معاً من صوت الرصاص وصراخ محمد باسم: "سولاااف."
كان يساعدها على امتطاء الفرس. وفجأة تسمرت قدماها، وهي تصرخ باسمه: "محمد، حاسب يا محمد."
انتهى كل شيء بدقيقة، وبدلاً عنه أخذتها هي. سالت دماؤها، وشقت صرخاته الحزينة سكون الليل، حولتها من ليلة لقاء، لليلة أخرى تحسب على ليالي الوجع والفراق.
أيها الوجع، المرابط في دمي.. أما آن لعهدك أن ينجلي.
أيها العمر القصير الحزين، أتعشق دموعنا وترتوي.
رفقاً بقلوب أهلكها الفراق.
رفقاً بدموع لم تعد تنتهي.
ندعوك يا الله بقلب خاشع، أن تنتهي تلك الغمة وتنجلي.
لا عدنا على الوجع قادرين، ولا إلى الفرحة ننتمي.
يا وجعاً، أما آن لعهدك أن ينجلي.
رواية رحماكي الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم أسما السيد
بين أحضانه، الدنيا وما فيها.
يضحكان بسعادة، مراهقان على وشك النضوج. لا يحملون بقلوبهم حقداً ولا كرهاً لأحد.
"تعالي يا سولا، اركبي متخافيش."
"لا يامحمد خايفة، أول مرة أركبه. هيوقعني."
"قربي بس أنا جنبك أهو. بجد هتمسكني؟ يعني مش هقع؟"
ضحك، ومد يده لها لتمسك به.
"متخافيش."
مدت يدها لتصعد على الحصان، ولكن لمحت شخصاً ملثماً يصوّب بالسلاح على محمد.
"أوعي يامحمد، حاسب!"
مدت يدها لتزيحه بدقيقة، وهي تبعده عن اتجاه السلاح، أصيبت هي ووقعت غارقة بين يديه بدمائها.
انتهى كل شيء بلحظات.
علت صرخاته، والتف حوله الجميع بلحظة.
أفاق من شروده على صوت أخته.
"أنت متأكد يامحمد من اللي هتعمله ده؟ الموضوع خطر ليك وليها."
نظر لها بحسم.
"قلتلك محدش هيتبرعلها غيري. في إيه يافريدة؟ هو انتي شايفاني عيل صغير؟ مش كفاية إنها فدتني بروحها، عايزاني أسيبها تروح فيها؟ يالا خلصي واعملي التحاليل المطلوبة بسرعة."
اقترب كيان منه بحزن.
"محمد متحملش نفسك فوق طاقتها. اللي حصل قدر ونصيب، ملكش دخل بيه. دي أختي وأنا أولى إني أتبرعلها."
نظر له بحدة.
"أنا قولت أنا اللي هتبرع. انتو ليه مش عاوزين تريحوني؟ كفاية بقى، لو سمحتوا كفاية."
اقترب فهد، وأمسك بكيان.
"تعالى ياكيان، سيبه على راحته. لو التحاليل ما طبقتش، إحنا موجودين مش هنسيبها تروح فيها. إن شاء الله كله هيبقى تمام."
"تعالى راضي بره وعاوزنا."
أومأ له بحزن، وخرج.
وتركهم، نظر لها بخوف.
"فريدة.."
نظرت له وهي تسحب من يده عينه الدماء لتحليلها.
"هي هتبقى كويسة صح؟"
ابتسمت بحزن.
"أيوه يامحمد، إن شاء الله. الضربة ما أثرتش غير على كليتها، والتانية للأسف حصلها دمار. وإن شاء الله لما نزرعلها الكلية هتبقى كويسة. وترجع أحسن من الأول."
همس.
"إن شاء الله."
"فريدة، عايز أقولك حاجة."
"قول يامحمد."
"لو اضطريتوا تضحوا بحد فينا، ضحي بيا أنا. متسيبهاش تموت، خليها تعيش أرجوكي."
ضربته على رأسه، وهطلت دموعها.
"اخرس ياواد، انتوا الاتنين هتعيشوا. وإن شاء الله نجوزكم مادام الحب ولع في الدرة كدا. ادعي بس التحاليل تتطابق."
همس بأمل.
"إن شاء الله هتتطابق، يا رب."
***
"في إيه ياراضي؟"
راضي بهدوء.
"انت عارف إن اللي ضرب النار، انمسك."
كيان بلهفة.
"بجد؟ مين؟ وإزاي انمسك بالسرعة دي؟"
راضي.
"جدك. أظاهر كان واثق إن في حاجة زي دي ممكن تحصل عشان كدا كان مالي المكان حراسة من مطاريد الجبل. رجالة وجدي مسكوه، ورافضين يسلموه للحكومة. جدك محكم راسه ياكيان."
كيان بلهفة.
"هو مين اللي عمل كدا؟"
هز رأسه بحزن.
"للأسف، طلع حسام صاحبك."
كيان.
"إيه؟ أنت متأكد؟"
راضي.
"أيوه متأكد. جدك بيقول التار تاري، ومتحفظ عليه، ورجالة وجدي زي ما أنت عارف شداد عليه. أرجوك أقنعه ياكيان."
كيان بحدة.
"جدي عنده حق. التار تارنا. ابعد انت ياراضي لو سمحت، قفل المحضر على كدا."
راضي بحدة.
"انت اتجننت؟ انت هتعوم على عومة؟ سلمه للبوليس. أساساً بالمصايب اللي عرفناها عنه، هيروح فيها."
فهد.
"ما قولنالك التار تارنا ياراضي، وانت عارف تار الصعايدة بيتاخد إزاي."
زفر منهم.
"انتوا خلاص مفيش أمل فيكم. عن إذنكم."
كيان.
"فهد خليك انت هنا وأنا هروح لجدي. لو حصل حاجة والتحاليل بتاع محمد ما طبقتش، اتصل عليا. أختك لازم تعيش، انت فاهم."
فهد.
"فاهم ياكيان، روح انت، توكل على الله."
***
بعد نصف ساعة، بحجرة مغلقة بدوار راشد. يجلس مستنداً على عكازه برأسه، ينظر لما يفعله حفيده بتشفي. كلما تضعف همه كيان، يبث به العزيمة.
"كمل ياولدي، انت جدها، ما عايزهاش تعرف تمشي على رجليها. حفيد راشد، لازم ياخد تاره بيده ويشفي غليله."
همس حسام بضعف.
"ارحمني ياكيان، أنا هقولك كل حاجة."
بصق كيان عليه.
"دا مش بمزاجك ياوسخ ياخاين، هتقول غصب عنك. انت كدا كدا ميت."
حسام.
"هقول، هقول كل حاجة، بس سبني."
كيان وهو يجلس بجانب جده بتشفي.
"تمام، ابدأ بقى، من الأول خالص، من أول خيانتك ليا مع سلوى.. مراتي وبنت عمتي ياخسيس."
حسام بهمس.
"هقولك، بس عايزك تعرف إني مش ندمان إن عملت فيك كدا. أنا لو رجع بيا الزمن لورا هعمل كدا وأكتر عشان تحبني."
كيان بجنون.
"انت بتتكلم على مين؟ انطق."
ابتسم بسخرية، وأكمل.
"أنا عمري ما كنت بكرهك ياكيان، أنا كنت بعتبرك أكتر من أخويا. أنا كل مشكلتي معاك إني حبيتها. حبيتها من أول ما وقعت عيني عليها وهي بتجري في الشارع. أنا حبيتها بجنون، وهي حبتك انت."
اقترب كيان منه بصدمة.
"تقصد مين؟ تقصد مين ياوسخ؟"
ابتسم بسخرية.
"أقصد فريدة. هو في غيرها؟"
هجم عليه كيان، وعاد عليه لكمات مميتة، صارخاً به.
"اسكت ياوسخ، ماتنطقش اسمها على لسانك."
ولكنه لم يصمت، وأكمل، كأتون مشتعل، يغلي قلبه، وقرر أن يبصق حممه بالجميع.
"حبيتها، عشقتها، كنت كل ما أشوفها معاك بتجنن. النار بتقيد فيا. ليه انت تفوز بيها؟ مانها حبيتها أكتر منك. حاولت أقرب منها واعترفتلها أكتر من مرة وهي صدتني. كل مرة مفيش على لسانها: أنا بحب كيان. كانت بتشعلل ناري أكتر."
لكمة كيان بفمه.
"اخرس، اخرس ياوسخ."
"ضربتني بالقلم، قلم عمري ما هنساه. كسرت قلبي، وقررت أكسرها. فكرت أغتصبها وأحرق قلبك عليها، بس هي قدرت تهرب مني لما حاولت أخطفها. كل السكك ليها كانت مقفولة. محبتنيش، لحد ما قررت انتقم منك، وخصوصاً إني عرفت إنك مخبي عليها جوازك من بنت عمك. قابلتها وهي كانت سهلة ورخيصة، مقابلة في التانية. وصلتلها بسهولة، واتفقنا نزيح فريدة ونحرق قلبك عليها. في كل مرة كنت بروح أقولها بحبك، كانت بتسيبني وتمشي وكأني نكرة. كان قلبي بيتحرق عليها. ولأنها كانت عارفة إنك هتكدب الكل وتصدقني، أنا خفت تقولك. لحد ما وصلت لخطه أنا وسلوى إنها تروح لها وتقولها إنك بتضحك عليها. بس حصلت صدفة واتقابلوا في الشركة وحصل اللي حصل. قدرنا نبعدها عنك، وللأسف بعدت عني أنا أكتر. أنا كرهتك على قد ماحبيتك، ولو خرجت من هنا وعلى رجلي، هحرق قلبك ميت مرة عليها. انت تستاهلهاش، أنا اللي بحبها."
لكمة وجز على أسنانه.
"يابن 🐕، مش لما تخرج من هنا على رجلك ياروح أمك أصلاً. ومحمد ذنبه إيه ياوسخ؟ كنت عايز تقتله؟"
حسام بضعف.
"اللي حصل الليلة من تنفيذ أبوك هو اللي جبرني أعمل كدا عشان يخرجني من الأوضة اللي حبسني فيها. كان هيرميني للديابة."
كيان بصدمة.
"أبويا؟ هو فين أبويا ده؟ انطق. عارف مكانه؟"
دق الباب عليهم، وأخيراً نطق الجد المستمع بهدوء.
"من البداية، وأمر الطارق بالدخول. كان أحدي رجال وجدي."
الرجل بلهفة.
"ياكبير، وجدي بيجيلك. تم المراد ياكبير، واللي عليهم العين والنية زي ما وجعنا، كانوا بالدوار الجديم، بيحفروا على الآثار. متحفظين عليهم. أهنيك."
كيان.
"جدي، أنت تقصد..؟"
الجد.
"أيوه ياولدي، وجت الحساب بدأ. خليهم يربطوا الوسخ ده، ويحصلونا بيه على الدوار الجديم."
كيان بتشفي وهو يبصق على حسام.
"أمرك ياجدي."
اقترب منه قائلاً.
"عمري ما توقعت إن الضربة تجيني منك انت، كنت أخويا. كنت فاكرني نايم على وداني؟ لا يا حسام، أنا كاشفك من أول يوم. وعارف إنك مبتحبنيش، أنت بتحب نفسك أكتر. عارف من امتى؟ من يوم الصفقة اياها، اللي بسببها بعتني للشركة المنافسة. اليوم اللي انضربت فيه بالنار، كنت عارف إنك أنت اللي وراها."
جحظ عين حسام وابتلع ريقه.
"كنت عارف."
كيان بسخرية.
"آه كنت عارف. انت مشكلتك إنك دايماً بتبص للي في إيد غيرك، مع إني كنت بعتبرك أخويا. ساعدتك في ظروفك الصعبة، وقفت جنبك، وفي الآخر طعنتني في شرفي. فاكرك مكنتش عارف بعلاقتك بسلوى؟ كل اللي قولته كدب. انت تعرف سلوى من قبل ما أنا أكتب عليها. بتخدع مين انت هنا؟"
ضحك وأكمل.
"حتى الواد اللي كنت عايز تلبسهولي، كنت عارف إنه ابنك. بس قولت ياواد عديها، يمكن غلطت في الليلة اياها، ويطلع ابنك فعلاً، متظلمهاش، يمكن تابت. بس للأسف الوسخ هيفضل طول عمره وسخ."
بصق بوجهه، وأمر رجاله.
"هاتوه."
صرخ من خلفه.
"بكرهك ياكيان، بكرهك وهاخدها منك زي ماخدت سلوى قبل كدا وعلمت عليك."
استدار بشماتة له.
"سلوي مكانتش تهمني، أنا فريدة قبل ما تقربلها. هكون خلصت عليك. نجوم السما أقربلك من نظرة عينيها، مش إيدك تلمس إيديها. احلم على قدك."
***
نظرت حولها وسألته.
"إحنا رايحين فين ياقاسم؟ دا مش طريق البيت."
ابتسم لها بحنان، وقبل يدها التي تفتحها وتغلقها بتوتر.
"متقلقيش، طول ما أنا معاكي."
أمل بخجل، وببسمة باهتة من تحت نقابها، وهمست.
"مش خايفة."
نظر لها بحنان، ووجدت نفسها أمام بيت جميل بمنطقة قريبة من بيتهم القديم، ولكن يبدو عليها التحضر والجمال. بيتاً يشبه الفلل ولكنه صغير. مزروع بحديقته أنواع لم ترها أبداً من الأشجار والورود.
بعد نصف ساعة، كانت تقف تنظر بانبهار لما حولها، من جمال يشبه صاحبه. وقف خلفها، وهمس لها.
"عجبك؟ من زمان وأنا بجهز فيه."
ابتسمت بفرحة.
"جميل أوي، وخصوصاً المنظر من هنا اللي بيطل على بحر إسكندرية. جميل أوي."
ابتسم وأدارها له.
"طب ليه مش عاوزة تبصيلي؟ أنا جوزك دلوقتي على فكرة. يعني النظر في عيونك حلال. يعني مش هفضل أستغفر طول الليل."
رفعت وجهها له، والتقطت عيناها الحزينة بعينيه التي تشع إيماناً وراحة.
"وهمست بتلقائية. لما ببص في عينك، بحس براحة وهدوء عجيب، زي سحر بيجذبني. فبخاف أبص ليك، تفهمني غلط."
قالت ما قالته وخفضت نظرها.
رفعه بيديه وابتسم ابتسامة مهلكة ككلماته.
"بس من انهارده تقدري تبصيلي زي ما انتي عايزة. انتي حلالي ياأمل، صدفتي الحلوة اللي هفضل أدعي ربنا ليل نهار إن رزقني بيها."
همست بحزن.
"يعني مش هيجي يوم وأسمعك بتقول ياريتني ما عرفتك."
وضع إصبعه على شفتيها.
"ششش.. متكمليش. محدش جبرني عليكي. يمكن الناس كلها تشوفك وحشة، تشوفك بلون تاني. بس اتأكدي إن أنا شايفك بعيون قلبي. أنا ميهمنيش اللي فات قد ما يهمني انتي إيه دلوقتي."
سالت دموعها بصمت، بخزي، بقهر.
قبل رأسها وأخذها من يدها.
"تعالي."
ابتسمت وسارت خلفه. شعرت بدفء يسري بأوردتها يجعلها كالمغيبة في حضرته.
بغرفة نوم عادية، ولكنها مميزة، هادئة، تريح العين. بها شيء مميز، ربما المميز بها أنه هو بجانبها. ترك يدها بجانب الخزانة، وقال لها.
"الخالة ماجدة جابتلك كل حاجتك هنا من يومين. ادخلي غيري هدومك هستناكي نصلي سوا. عاوزين نبدأ حياتنا بطاعة الله. أنا مش عايز أغضب ربنا فيكي يا أمل."
ابتسمت وأومأت له. وسكتت تنتظر خروجه. نظرت له بخجل، فحك ذقنه وابتسم، وفهم.
"حاضر هخرج. بس متتأخريش."
ضحكت عليه وهو يبدو كطفل صغير تائه كحالها.
بعد نصف ساعة أخرى، كان صوته العذب يشق سكون الليل، وهي خلفه. وكأن سحر العالم اجتمع بصوته، جعلها تنسى نفسها وما كان، وعادت تلك الطفلة الصغيرة التي كانت تقف خلف والدها تقلد خطواته وهو يركع ويسجد.
انتهت صلاتهم والتف لها، مردداً على رأسها دعاء الزواج. رددته بعده كما أخبرها.
أمسكها من يدها بحنان، واستقام بها.
اقتربت من المرآة تتهرب من عينيه بخجل. فحطت عينها بعينيه في مرآتها، تقف أمامه وهو خلفها.
همست.
"عارف ياقاسم، حاسة إن النهاردة اتولدت من جديد. كل هم وكل ذنب ارتكبته وأنا زي المغيبة، كأن ما كان. مش عارفة دا سحر صوتك، ولا إيدك اللي أول ما حطيتها عليا وأنا حاسة إني رجعت طفلة صغيرة. ولا هو سحر الجواز من الشيخ قاسم."
رد ابتسامتها، وحاوط جسدها الهزيل الذي لا يقارن مع جسده بتاتاً بيده اليمنى، ومد يده الأخرى، وحرر شعرها الذي ستره في أول ليلة التقاها بها بقطعة من ملاءة كان يخزنها بخزانته.
ابتسم ومد يده وفرده على ظهرها وهمس بأذنها.
"عينيكي بتبقى زي نهر العسل في النور والشمس، خدودك بتحمر لما بتكسفي، شعرك زي سلاسل الدهب."
استدارت وضحكت.
فهمس.
"بتضحكي على إيه؟"
عبست.
"انت طويل أوي ياشيخ قاسم."
ضحك بعلو صوته.
"شيخ؟ ما ضاعت المشيخة على إيدك يا قلب الشيخ."
ردت باستنكار ويدها امتدت لتلمس نتوءاتيه الظاهرتين بخديه الاثنين.
"وأنا مالي ياشيخ."
همس وهو ينظر ليدها التي تتحرك براحة على خده.
"بتعملي إيه؟"
فلتت من بين يديه، واقتربت وأغلقت الإضاءة. غزا ضوء القمر الغرفة.
اقتربت وجلست بجانبه على تلك الأريكة التي جلس عليها، بجانب الفراش. ابتسم ومد يده، جذبها لتجلس ملتصقة به. حطت برأسها على كتفه.
فهمس.
"عارفة يا أمل، أول ماشوفتك الليلة إياها حسيت بإيه؟"
ردت بلهفة.
"بإيه؟"
تنهد.
"أنا دايماً أدعي ربنا وأقوله: اللهم اجعلني نوراً أميز به بين الحق والباطل. عشان كدا شوفتك بقلبي، مش بعيني. وفي فرق بين اللي بيشوفه القلب وبين اللي بتشوفه العين. أنا شوفتك ملاك تايه وسط شياطين. فكرتيني بنفسي زمان وبحالي."
مد يده وفك عبست وجهها من استغراب كلامه، وابتسم.
"عارف إن الخالة ماجدة حكتلك حكايتي، بس اللي متعرفيهوش إن أنا كنت بشوف أبويا وأمي شياطين، بيتلونوا على ميت لون. جدي دايماً كان يقولي: أنت الحسنة الوحيدة اللي طلعت بيها من جحر الشياطين. عشان كدا كان دايماً يقولي: اللي تشوفه عينك مش زي اللي يحكم بيه قلبك، متخليش المظاهر تخدعك. أنا مش شيخ يا أمل، أنا بس واحد عارف تعاليم دينه كويس. ربنا ميزني بطلاقة اللسان، أعرف أوصل بيه لقلوب الناس. ميزة من ميزات تانية حطها بردو في ناس تانية. كل واحد ميزه بميزة، ودي كانت ميزتي. ناس كتير بتفهم الدين غلط. الدين مش جلد، دينا دين رحمة، وربنا غفور رحيم."
أمل.
"بصيلي."
استدارت له، بعدما أشاحت بوجهها عنه، بهدوء، وابتسمت ابتسامة غصباً عنها حزينة.
"اللي فات من النهاردة ميلزمنيش، مش هنفتكره. عايز أعمل معاكي عيلة حلوة تملي حياتنا، عايز ولاد كتير يبقوا أهلي وأهلك، نربيهم على رضا ربنا، وننسي بيهم اللي فات. من النهاردة أنا أهلك وانتي أهلي. مفيش مكان للماضي. اللي فات باللي فيه مات بالنسبالي."
ابتسمت ونزلت دمعة حزينة من عينها.
"خايفة ربنا ميسمحنيش. أنا، أنا زانية."
كتم فمها ونظر لها بحدة.
"ششش.. متكمليش. انتي أطهر واحدة في عيني، أحسن من ناس كتير. انتي بس كنت محتاجة حد يفهمك، يقرب منك، ويحتوي ضعفك. أوعي أسمعك تقوليها تاني."
شهقت وارتمت بأحضان.
"أنا خايفة أوي ياقاسم. أنا والله ما كنت أعرف اللي عملته دا حلال ولا حرام. أنا اتربيت مع أم مكنتش بتركعها، عمري ما سمعتها بتتكلم عن الحرام والحلال. واحدة كل شهر كانت بتمشي حياتها كلها بالدجالين."
قاسم.
"أمي كنت بشوفها بنفسي بتحط الكتابة لابويا وإخواتي في الأكل. كنت أقولها إيه دا؟ تقولي دا مايه مبروكة. كبرت على إنها فعلاً مايه مبروكة. لحد ما كبرت وفهمت. وخوفت أتكلم. أبويا وعابد كانوا بيصلوا عشان كدا، مكنتش بقدر عليهم. أما أحمد وأنا بقينا نسخة منها. أنا والله ما كنت أعرف بعمل كدا إزاي. أنا كل ما أفتكر بستحقر نفسي."
تركها تخرج ما بقلبها، إلى أن هدأت شهقاتها. قبّلها بهدوء.
"هدتي."
أومأت، ورفعت رأسها له.
"مصدقني؟"
ابتسم بهدوء، وأجابها.
"مصدقك."
أمل.
"عفا الله عما سلف."
"أنا قولتلك وهقولك، كلنا بنغلط، ومادام القلب طاهر وتاب، صدقيني ربنا بيقبل توبته. الرسول صلى الله عليه وسلم قال: 'كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ'. عشان كدا، انتي أحسن من ناس كتير. امسحي دموعك دي، مش عايز أشوفها. إيدي بإيدك، وأوعدك إن اللي جاي أحسن بس انتي متبكيش."
أومأت بابتسامة مرتاحة.
"حاضر يا شيخ."
قبل رأسها، وهمس بجانب أذنها، وهي يميل بها، آخذاً من العمر لحظة لن تعوض، سيبقى صداها للأبد.
"بحبك يا قلب الشيخ."
استسلمت لقبلاته، التي تشبه قطرات الندى، تنزل على ثغرها تشفي الجروح. سلمت له وبكل لمسة منه، كانت تنزل على جسدها تمحو ما كان من قبله، وكأنها خلقت لتكون هنا بين ذراعيه، بين ذراعي رجل يدعي شيخاً، البعض يحسبونه متشدداً، وهي وحدها تعلم أن بقلبه جمع حنان العالم. بين أحضانه موطنها، وسكنها. من بين أوجاعها، كان لها أملاً، ومن بين جروحها الدامية، كان لها بلسم شافياً. وفي ليلة عدتها أسوأ لياليها، كان لها بالمرصاد وتحولت على يديه لأخرى ستبقى من أجمل أمانيها.
أغمضت عينيها براحة على صدره، وهمست.
"بحبك ياقاسم."
***
صباحاً.
"ها يافريدة، طمنيني يابنتي."
فريدة براحة.
"محمد تحاليله اتطابقت مع سولا. هندخلهم العمليات كمان ساعتين. ادعولهم انتوا بس."
زينب ونادية.
"يارب."
نظرت نادية لمحمد الجالس بجوارها بفخر، وربتت على كتفه.
"أنا فخورة بيك ياقلب أمك. اللي خلف ممات."
وكأن الأيام بتعيد نفسها من جديد.
محمد باستفسار.
"يعني إيه يامي؟"
ابتسمت نادية.
"يعني أنا متأكدة إنك قدها، هتخرجوا منها. مهو أصل أبوك عملها زمان وأصر إنه هو اللي يتبرعلها بكليته. مهو أنا مقلتلكش أنا كنت مريضة فشل كلوي."
سمر بجانبهم.
"انت بتتكلمي جد ياخالتي؟"
ردت زينب.
"كانت سعدية الله لا يكرمها، هاريها معدة خالتك بالسحر والكتابة، لحد ما جالها فشل كلوي، وخلاص كانت كلها أيام وتودع الدنيا. وكالعادة سويلم رفض يديها كليته والحاج. منطبقتش تحاليله. ولأن مراد كان روحه في نادية، أصر إن يشاركها كليته. وفعلًا ربك كان كريم. شالوا كليتين نادية، وحطوا مكانها كلية خوي مراد، وعاشوا روحين بروح واحدة. ورغم السحر والشر، مجدرتش سعدية تفرق بيناتهم، بس بالأخير طالته يد الغدر."
سمر.
"ياااه، للدرجة دي؟ دي كان بيعشقك ياخالتو."
نادية بحزن.
"كان حياتي كلها. نوري في وسط عتمة الدنيا. ربنا ينتقم منها. اللي فرقتنا."
سمر.
"بس أنا مش فاكرة ياخالتو، عمو مراد مات إزاي؟"
زينب بحرج.
"كان يا كبد أخته حالته يوم عن يوم بتسوق. حاله اتبدل، وعلطول تعبان. لحد ما في يوم دخلنا عليه لقيناه سايح بدمه. السكينة شجت جلبه شج، وجنب منها.."
كملت نادية بدموع.
"كأنه كان بيعافر عشان يوصلنا حاجة معينة. الوقت ده أنا كنت في مصر أنا والولاد، ويا ريتني مانزلت ولا سبته. رجعت لقيته سايح في دمه وجمبه حرفين كتبهم بالدم عالأرض. س، ع.. ومات ومقدرش يكملهم. طبعاً كلنا شكينا، بس أنا رحت في دنيا غير الدنيا. كنت فاكرة إن جدك نسي وخلاص. فوجئت إنه عارف كل حاجة. بيخطط للتار من سنين."
محمد بغل.
"القادرة! آه لو أطولها كنت قتلتها بإيدي. حتة.. تار أبويا لازم آخده بإيدي."
دخل الجد عليهم بسعادة مستترة.
"تم ياولدي، قوم انت بالسلامة وتار بوك، وعد تاخده بيديك."
محمد بلهفة.
"مسكتوها ياجدي؟"
الجد.
"جدك وعدك يابن الغالي، تقوم بالسلامة وتاخد تار بوك، وننصب الصوان، وناخد عزا بوك."
محمد بعزيمة.
"هقوم إن شاء الله ياجدي، وآخد تاري وتار أبويا بيدي."
الجد.
"عفارم عليك. يالا يا بطل، قوملنا انت بالسلامة."
واقترب هامساً بأذنه.
"انت وحبيبة القلب."
ابتسم بخجل، وحك رأسه.
"دايماً فهمني صح انت ياجدي."
ابتسم الجد.
"فاهمك يابن الغالي، شهم ياولدي كيف بوك."
***
منذ فتحت عينيها بالمشفي ولا تتحدث، عيناها شاردة وموجوعة. أغمض عينيه وهو يراها متقوقعة على نفسها على فراشها منذ عادت للمنزل، يحدثها ولا ترد عليه. حل الليل عليهم، ولا أمل أبداً. نظر لها بحزن على حاله وحالها. طيلة اليوم يحاول معها ولا فائدة. أغمض عينيه وتنهد بحزن وخرج بخفي حنين. لا تأكل، ولا تتحدث.
جلس على الأريكة بحزن، واضعاً كفه على وجهه يكتم شهقاته حتى لا تسمعها هي. وحيد، ضائع، من غيرها. اعترف لنفسها، هي كل حياته، وما يملك. لن يضيع عمره مرة أخرى بإرضاء من حوله، كل مسئول عن أفعاله. ماذا جني هو؟
همس بغصة.
"ياسمين، محتاجلك أوي. ارجعلي. أنا من غيرك ضايع."
أحست ببرودته بجسدها. نظرت حولها يميناً ويساراً، وأحست بأن ظهرها عارياً، لا أحداً خلفها لتلتصق به كالعادة، يحاوطها فتشعر بالدفء. وكأن عقلها كان بثبات عميق، واشتغل الآن. أين هو؟ عادت بذاكرتها، وتذكرت ما حدث. همسه، كلماته الحنونة لها. سالت دموعها حينما تذكرت ما حدث. لم تكن تريد تلك النهاية. ابتلعت ريقها وهي تعتدل، تبحث عنه بعينيها داخل الغرفة. شعرت بالوحدة تغزو قلبها. أين موطنها وسكنها؟
نزلت ببطء ورأت تلك الدماء مازالت أثرها على فخذها العاري. لقد حاول معها أن تأخذ حماماً، ولم تستجب له. توترت، ومنظر الدماء يوّترها. منذ تلك الليلة وما حدث وهي تتوتر من منظر الدماء وتخاف وبشدة.
صرخت بهلع، فقز هو من مكانه، راقداً لها.
"ياسمين، في إيه، مالك يا حبيبتي."
أشارت بيدها بخوف، ودموع، وجسدها يرتجف.
"عابد، دم، دم ياعابد."
اقترب منها متسائلاً بخوف.
"فين ياياسمين؟ مفيش حاجة، انتي كويسة، متخافيش."
أشارت لآثار الدماء.
"اهو ياعابد، اهو."
أغمض عينيه بحزن، وتذكر أنها تخاف من منظر الدماء منذ تلك الليلة.
"اهدي ياقلبي تعالي، أغسلهالك."
استسلمت ليديه، تسحبها كيفما شاء. خلع لها ثيابها، وسحبها لأحضان، يهدئ من رجفتها.
"ششش.. شوفي، أنا معاكي، مش هسيبك أبداً."
همست.
"عابد، احضني أوي. أنا خايفة."
"هما بخير، صح؟"
ابتسم من بين دموعه.
"بخير. طول ما انتي بخير هما بخير."
أغمضت عينيها براحة، وحاوطت عنقه بيدها، مستسلمة للمسات يديه على جسدها، تمحي آثار دمائها وانهيارها والمياه تسيل من فوق رؤوسهم، تطهرهم وتطهر أجسادهم.
همست بأذنه.
"عابد."
أبعدها ونظر لعينها.
"عيون عابد."
ابتسمت بخجل، وهمست.
"أنا جعانة."
حملها بعدما أحاطها بمئزر الاستحمام، وارتدي هو مثله. وأجابها بابتسامة.
"عيوني حاضر."
جلس يطعمها بيديه كطفلته، وهي تفتح فمها بهدوء تستقبل ما يعطيه لها بسعادة.
بعد ساعة، كان يحتويها بين ذراعيه، وهي مستسلمة لدفء أحضانه. ابتسمت، وقالت.
"بودي."
"عيون بودي."
"بحبك. احضني أوي."
"وأنا بعشقك، وعمري ما هسيب أبداً، متخافيش."
***
بين أحضانه، الدنيا وما فيها.
يسكن القلب، ودموعي يمحيها.
وإن ابتعدت، نار تسكن القلب.
لا ماء ولا رماد، تطفيها.
أهلوس، أين أنت؟ يا من لي الدنيا وما فيها.
بعدك لا دار، ولا سكن، أرتاح أنا فيها.
أنت الأمان، أنت الحنان، ولي كنت الدنيا وما فيها.
إن غبت عني، تسيل دموعي، ولا غيرك يا حبيب القلب يمحيه.
بين أحضانك الدنيا وما فيها.
رواية رحماكي الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم أسما السيد
بعد أيام.
فريدة:
ـ ها، نعم، قلت لك لا، مش هينفع، هي كويسة وخلصنا.
نظر لها بغيظ، وزفر:
ـ ما فيش فايدة فيكِ، قلت لك حطينا بعض بأوضة واحدة، ما عندكيش قلب أبداً.
نظرت له بغيظ:
ـ أنا ما عنديش قلب؟ طيب يا نحنوح أنا كنت هعمل فيك جميلة وأخليك في أوضة واحدة، بس غيرت رأيي، أصلاً جدك لو عرف هيطين عيشتك.
محمد بصدمة:
ـ ها؟ لا جدي لا، أنا هسكت أهو، آسف يا دكتورة فريدة، يا حبيبتي، انتي أختي حبيبتي، ودايقة الحب ومرارة، حني بقي علي أخوكي الغلبان ده، وانقليها هنا معايا.
الجد بحده، بعدما دخل ولم يلاحظه أحد:
ـ باه إيه اللي بيحصل أهنه ده، ومين دي اللي تجيبها؟ نسيت عاداتنا ياك يا محمد؟
محمد بهمس:
ـ جدي، يا وقعة مهببة.
الجد بحدة:
ـ بتبرطم تجول إيه يا واكل ناسك إنت.
محمد:
ـ أبداً يا جدي بقول دا إيه الخطوة العزيزة دي، جدي بنفسه هنا، يا مشالله، نورتنا يا جدي.
الجد بضحكة مكبوتة:
ـ نورك يا حبيب جدك. عموماً، إني أجده ولا أجده، طلبت من خيتك تشوف لنا موضوع إنكم تكملوا علاج بالدوار، واهى خيتك دكتورة وهترعاكو، بدل جعدة المستشفيات دي. إني ما أحبهاش.
محمد بلهفة:
ـ ينصر دينك يا جدي، هو ده الكلام. المهم بقي، هتجوزني سولاف، زي ما وعدتني قبل ما أدخل العمليات.
الجد بشماتة:
ـ لع، إني كنت برفع من روحك النفساوية.
محمد باستنكار:
ـ نفساوية مرة واحدة، يعني إيه يا جدي؟ دا أنا أصوّر لك قتيل.
ضحكت فريدة على أخيها وجدها.
فنظرت له محمد بحدة:
ـ اضحكي يا أختي، شمتانة فيا.
الجد:
ـ باه احترم حالك يا محمد، وبعدين مستعجل على الجواز أوي أكده ليه؟ مش أما تتخرج أحسن، دانت لساتك صغير.
محمد بغيظ:
ـ إني لسه هستنى دا كله، تكون الموزة طارت.
الجد بضحك:
ـ لع مهتطرش، سولاف على اسمك، وانتوا لساتكم صغار، ودا وعد من جدك العجوز، خلص علامك، وإني أجوزهالك.
محمد بانتصار:
ـ هو ده الكلام.
فريدة:
ـ طيب يا ناصح، أما نشوف، ياكشي تخلص تعليم ومتتعبناش.
محمد، وهو يرمقها بغيظ:
ـ انبري يا أختي، مانتي عديتي.
***
بقولك يا دينا، مش دا أحمد جارك؟
التفتت خلفها بلهفة، ووجدته يقف بانتظارها بشرود أمام الجامعة.
صديقتها:
ـ يخربيت كدا، إيه الواد المرسوم ده.
التفتت لصديقتها بحدة:
ـ منار، عينك يا ماما، لا أقلعها لك، أحمد دا ملكية خاصة.
منار بضحك:
ـ هبلة والله، أنا أفرح لك يا غبية، بس الواد فعلاً عسول.
تنهدت بحب ولمعت عيناها وهو يلتفت لها، يبتسم تلك الابتسامة المهلكة التي تجعل قلبها يخفق بشدة.
نظرته الضائعة كطفل صغير، تجعلها تشعر أنها بأعلى السماء، تغيبها، وكأنها أمه، يضحكون عليها بالمنزل، ويخبروها أنها كأمها، وهل تمتلك هي طفلاً آخر غيره، يشرفها أن تلعب معه جميع أدوار حياته التي حُرم منها.
ابتسمت، وأطلقت قدميها للريح، باتجاهه.
وفي عقلها، ترددي:
قولوا اللي يقولوه، وإيه يعني؟
أخيراً هي أمامه.
ابتسمت بسعادة:
ـ أحمد، أنت هنا.
أحمد بشرود:
ـ آه يا دينا، حسيت إني وحيد، ما لقيتش غيرك، أنا ماليش غيرك يا دينا.
ابتسمت له وأمسكت يده بسعادة:
ـ تعالى.
نظر ليدها وهي تسحبه:
ـ هنروح فين يا مجنونة؟
ـ استني.
نظرت له بلمعة مجنونة بعينيها:
ـ معاك الموتوسيكل.
هز رأسه بضحك:
ـ مجنونة والله، أيوه معايا.
صفقت بيدها، وسحبته:
ـ طب يالا بسرعة.
أحمد بضحكة من القلب لا تطلع إلا في حضرتها:
ـ يا مجنونة، استني هنروح فين.
ـ يالا بس يا حمادة، وهقولك.
ـ وجامعتك؟
ـ مش مهم، يعني هبقى دكتورة، يالا يا عم.
صعد، وصعدت خلفه بسعادة، صارخة به:
ـ يالا انطلق.
***
بعد نصف ساعة، على الطريق الصحراوي.
وهي تطلق يديها للريح، وتقف خلفه بسعادة:
ـ طير يا أحمد، طير.
أحمد:
ـ اقعدي يا مجنونة، هتقعي.
هزت رأسها بسعادة:
ـ لا، أنا مبسوطة كدا.
بقولك يا أحمد.
أحمد بضحك عليها، وجنون، وصوتهما العالي مسموع للمارين بجانبهما.
ـ أحمد بصوت عالٍ: قولي يا دينا.
ـ دينا بغيظ: ألا أنت مش عايز تقول لي حاجة؟
أحمد ببلاهة:
ـ حاجة زي إيه؟
ـ دينا بضيق: يا أخي أي حاجة؟ أنت غبي أوي يا أحمد، ليه.
ـ فرد أحد المارين: الشباب، بضحك، يشاركهم جنانهم.
ـ أي حاجة يا عم أحمد، افهم بقى.
ضحك أحمد ورد عليه:
ـ غشوني، معرفش.
دينا بغيظ:
ـ قولوا والنبي، ما تقول يا أحمد، بقي.
أحمد وقد فهم أخيراً ما ترمي إليه:
ـ انزلي يا مجنونة، فضحتنا.
دينا:
ـ طب فضيحة بفضيحة، بقي أسمع.
أجلجت حنجرتها، وصاحت بأغنية لعبد الحليم:
قولي حاجة، أي حاجة.
قول بحبك، قول كرهتك.
قول وما يهمكش حاجة.
قولي عايزك، قول بعتك.
بس قولي أي حاجة.
يا حبيبي، يا حبيبي.
صمتت، وفي منتصف الطريق، أمام السيارات.
وقف، ووقفت جميع السيارات حولهم.
نزل هو، ونزلت خلفه بصدمة.
رفع صوته:
ـ باسمها.
دينا.
أومأت برأسها بسعادة وجنون، وردت:
ـ عيون دينا.
ضحك، وضحك الجميع على ردها.
الجميع هبط من سيارته ليشاركهم اللحظة.
دينا:
ـ أنتِ مجنونة، بس خليتي لحياتي أمل أعيش عشانه.
سكت، وصاح الجميع بتشجيع له:
ـ كمل، كمل.
ـ هو دا.
ابتسم وأكمل:
ـ خليتي لحياتي طعم ولون.
دينا:
ـ أنا مش إنسان كامل، ولا قديس، مبيغلطش.
ـ لا أنا غلطت، مقدرتش النعمة اللي كانت بين إيديا زمان، ورفستها.
ـ أنا كنت فاسد، ضايع، بس على إيدك بقيت واحد تاني.
ـ استحملتيني وقت مرضي، ووقفتي جنبي.
ـ لو تايه ولا ضايع، ما بلاقيش غيرك جنبي.
نزلت دموع عينيها بصمت، وصمت الجميع في حضرت كلامه المؤثر هذا.
دينا:
ـ أنتِ حاجة حلوة أوي، حلت أيامي، عاملة زي شمعة، دخلت نورت عتمة حياتي.
ـ فهمتيني، واحتويتي ضعفي.
ـ أنا أهو، قدام الناس دي كلها، بعترف بذنوبي قبلك، أنا مش إنسان خيالي زي اللي بتتمناه كل بنت.
ـ ومش سوبر مان هقدر أحقق لك كل اللي بتتمنيه.
ـ ولا قديس مبغلطش، أنا أحمد، كلي ذنوب وخطايا، بس بحبك.
ـ أنا أحمد الضايع، من غيرك، وملوش غيرك في الدنيا دي.
ـ بعد ربنا.
تقبلي تشاركيني حياتي الجاية.
جلس أرضاً، وأحنى إحدى ركبتيه، وأخرج من جيبه دبلتين، إحداهما ذهب، وأخرى فضية.
ـ تقبلي تتجوزيني يا دينا؟
ـ أنا أحمد سليم، بكامل قواي العقلية، آه مريض وتعبان شوية، مش كتير يعني، بس على إيدك إن شاء الله هبقى أحسن.
ـ اتجوزيني يا دينا.
سكت قليلاً. وأكمل:
ـ كوني لي أما، فأنا ضائع بلا أم.
ـ كوني أختاً، فلا أخت بجانبي، ولا أب.
ـ كوني صديقاً وقت ضيقي، وتحملي جنوني.
ـ كوني أنا، وتغلغلي بداخلي، كوني أنا، ولغيري إياكِ أن تكوني.
ـ كوني فرصتي الأخيرة، فلا فرصة بعدك بعد اليوم.
هل تقبلي بي رغم كل هذا، وإن ثقلت عليكي يوماً، فلا يهم.
كوني زوجتي وتمسكي بي، لا تتركيني، وإن صرخت بكِ يوماً، اصرخي وقولي أني لكِ، ولغيري لن تهتمي.
هل تقبلي بي زوجةً لآخر العمر.
صمت وصفق له الجميع، وعالت أصواتهم:
ـ وافقي، وافقي.
صمتت، وفجأة ارتفع صوت شهقاتها الباكية.
استقام مسرعاً، واندفعت هي بقوتها تحوط عنقه بيدها.
همس بأذنها:
ـ دينا، بحبك، ما تعيطيش.
صمت، وبكاء.
همس بضحك عليها:
ـ طب إيه، الناس بتبص علينا.
ـ أوعي تقولي لا، اجبري بخاطري طيب، وقولي بحبك، وبعد كدا اسحبيها.
ضربته بيدها على ظهره بقوة:
ـ اخرس.
ـ أنا موافقة يا غبي، وبحبك، كل ده وما فهمتش.
دفعها بعيداً عنه، وقال:
ـ بجد موافقة.
أخذت العلبة من يده، وفتحتها، وأخذت دبلته، ومسكت يده، وألبستها له بحدة، ودموعها لا تتوقف.
صفق الجميع، وصاحوا:
ـ هيييه، وافقت، وافقت.
ضحكت من بين دموعها وهو يقف مصدوماً.
ضربته بيدها:
ـ خلص يا نحنوح، واقفة أنا مستنية أهو.
أفاق أخيراً وألبسها الدبلة بيدها.
علت التصفيقات الحارة خلفهم.
وانتسلها من الأرض وزرعها بأحضانِهِ، صارخاً بها:
ـ بحبك، بحبك يا مجنونة انتِ.
أبعدته عنها، وتوسطت خصره:
ـ لا، ماليش فيه.
ـ غني لي.
ضحك، وقال:
ـ اسكتي يا مجنونة، ما بعرفش.
وجهت نظرها لهم:
ـ عجبكوا كدا، خلوه يغني لي.
صاحوا:
ـ غني لها.
فابتسم، وغنى:
من أول يوم في لقانا
خدني هواك، عشت معاك
أحلى سنين عمري يا غالي
بان على طول إيه جمانا
لما العين جت في العين
ولا حسيت باللي جرالي
بينا نعيش، ده العمر ليلة
ما تقوليش ننسى ليلة
دي الأيام جنبك جميلة
وعمري يا غالي لقيته معاك
بينا نعيش، ده العمر ليلة
ما تقوليش ننسى ليلة
دي الأيام جنبك جميلة
وعمري يا غالي لقيته معاك
قرب لي كمان يا حبيبي
سيبني أعيش، نفسي أعيش
ليلة ما كانت على بالي
من الأول وأنا يا حبيبي
بتمنالك، قبل لقاكي
ما قبلتك في خيالي
بينا نعيش، ده العمر ليلة
ما تقوليش ننسى ليلة
دي الأيام جنبك جميلة
وعمري يا غالي لقيته معاك
بينا نعيش، ده العمر ليلة
ما تقوليش ننسى ليلة
دي الأيام جنبك جميلة
وعمري يا غالي لقيته معاك
من أول يوم في لقانا
خدني هواك، عشت معاك
أحلى سنين عمري يا غالي.
سكت، وفتح ذراعيه لها، ارتمت بداخلهم بسعادة:
ـ بحبك يا أحمد، أنا قبلك بعيوبك، قبل ميزاتك.
ـ أنا بحبك جداً، ومش بشوف في حياتي غيرك.
ـ وأنا بعشقك يا دينا، أنتِ عوض ربنا ليا، لأنه عارف إني مش وحش، والله ما وحش.
ـ ششش، اسكت، إياك أسمعك تقول على نفسك كظ.
ـ فاهم.
ـ فاهم يا قلبي، فاهم.
***
بمشفى السجن.
ـ يا دكتور، الحق يا دكتور.
ـ في إيه يا ابني، مالك.
ـ يا دكتور المريض اللي بيتعالج من المخدرات، هرب من المستشفى.
ـ الطبيب بحدة: إزاي يهرب منكم يا بهايم؟ أنا منبه عليكوا، دي حالة خطر.
ـ يا دكتور، التمريض كان داخل يديله الدوا، غفله وضربه بالسكينة، روحه طلعت، الحقنا يا دكتور، قبل ما نروح كلنا فيها.
ـ الطبيب بحدة: اوعى، غور من وشي، إنت خايف على نفسك، مش خايف على المصايب اللي هتيجي من تحت راسه.
***
بالمنصورة.
ـ عصام، يخربيتك، إنت هربت إزاي.
عصام بتعب وملامح شاحبة:
ـ مش وقته يا أشرف، أنا عايز تصبيرة، هموت.
أشرف:
ـ تصبيرة، ماشي، بس كله بتمنه.
عصام:
ـ اخلص بس، ونتحاسب بعدين.
بعد نصف ساعة.
عصام بتوهان:
ـ أشرف، متعرفش راحت فين.
أشرف بمكر الأفاعي:
ـ هي مين.
عصام وهو يرمي أمامه رزمة من الأموال.
التقطها هو مسرعاً:
ـ ياسمين، طريقها فين.
أشرف وهو يتحسس الأموال:
ـ طول عمرك لماح يا عصام.
ـ أقولك أنا، أنا عرفت من واحد حبيبي، إنهم في القاهرة، فضوا كل حاجة هنا، بعد عملتك المهببة، ونزلوا مصر، عابد فتح شركة كبيرة هناك، وبيقولوا بقى راجل أعمال إيه.
عصام بسخرية:
ـ بجد.
أشرف:
ـ أيوه، أومال، ماهو طول عمره واقع واقف ابن الـ...
ـ مكتوب على وشه راجل أعمال من صغره.
عصام بغيظ:
ـ عايز العنوان بسرعة.
أشرف بلهفة:
ـ نص ساعة ويكون عندك يا كبير.
ـ أنا في الخدمة.
***
بالإسكندرية.
دخلت البيت أخيراً بعدما ذهبت للمعهد القريب، التي بدأت بتعليم تصميم الملابس به.
جدتها، والدة والدتها، كانت تحيك الملابس بمهارة، علمتها كل شيء قبل وفاتها، كانت ذكية جداً بتعليم المهنة، كانت دوماً ما تطلب من والدتها أن تحترف بها وتتعلمها جيداً، وكالعادة والدتها سخرت منها ومن جدتها، كانت دوماً تلقي على مسامعها (عاوزة تشتغلي خياطة، وأبوكي تاجر كبير، بلا قرف، فقرية زي ستك، الله ينتلها مطرح ما راحت).
استغفرت ربها، ودخلت، اشتمت لرائحة الطعام والمكان من حولها يلمع، لقد تركته بلا تنظيف، آملة أن تأتي مسرعة لتنظفه قبل أن يعود من مشواره.
ـ أيعقل، عاد قاسم وفعل ما فعل.
أخذت نفساً، ودخلت، وجدته يقف أمام الحوض، يجلي الأواني بلا تملل ولا تذمر.
همست بصدمة:
ـ قاسم! أنت... بتعمل إيه؟
أدار وجهه لها ببساطة:
ـ بغسل الأطباق.
اقتربت منه وخلعت نقابها:
ـ طب ليه أنا كنت هعمل أنا، ليه عملت كدا؟
رفع حاجبه لها، وابتسم، ووضع آخر كوب بيده، ومسح يديه وخلع المريول.
اقترب منها، ورفعها بيده، وأجلسها على المنضدة خلفها، وقبلها بنعومة:
ـ حمدلله على سلامتك.
ـ عملتي، أخذتي إجازة.
أومأت بالإيجاب:
ـ أيوه، شهر بالعافية، مش كانوا راضين.
حك لحيته قليلاً:
ـ ماشي مش مهم، إحنا كدا كدا العمر 15 يوم بس.
ـ أومال فين الخالة ماجدة، ما جبتيهاش معاكي ليه.
ـ مرضيتش، قالت ورايا شغل.
عبست وهي تنظر للمكان:
ـ أنا زعلانة منك يا قاسم، ليه عملت كدا؟
ابتسم ومد يده فك رباط شعرها، وسألها:
ـ وليه يا أمل ما عملتش كدا؟
ـ ببساطة، عشان أنت راجل يا قلب أمل.
ضحك عليها، وردد كلامها:
ـ عشان أنا راجل يا قلب أمل، لا يا حبيبتي، مين قال إن مساعدة الراجل لمراته تقلل من قيمته، أمل يا حبيبتي.
ـ سمعتي الحديث اللي بيقول... قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (حرمت النار على كل هين، لين، سهل).
ـ صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هزت رأسها بالرفض، وقالت:
ـ أول مرة أسمعه.
ابتسم وهو يلعب بشعرها:
ـ ربنا حرم النار على كل متواضع، إيده بإيد غيره، مبيكبرش على الفاضي.
ـ سيبك من اللي فات واتعلمتيه، فيها إيه لما أساعد بحاجة أنا أقدر أعملها، يعني أشيلك مرة، وإنتي تشيليني مرات.
ـ أمل، مش من الرجولة إني أشوفك طول النهار واقفة على رجلك، وأجي أنا أرمي قرفي وغلي وزهقي من اللي حواليا فيكي، فبدل ما تحبيني ألاقيكي بتلعني اليوم اللي اتجوزتيني فيه.
ـ أنا بحبك يا أمل، وما عنديش أدنى استعداد أشوف في عينيكي نظرة ندم أبداً.
ـ أنا اتجوزتك عشان أسعدك وتبقي أميرتي، مش عشان أهينك وتكرهيني.
ـ انتي أمانة، أخواتك أمنوني عليها، مش رجولة إني أكسرهم بيكي.
ارتمت بأحضانِهِ بسعادة:
ـ أنا كل يوم أسأل نفسي أنا عملت إيه حلو في حياتي، عشان ربنا يرزقني براجل زيك.
ـ أنا بحبك أوي يا قاسم.
قاسم بضحك:
ـ أنتِ عملتي أجمل حاجة في الدنيا.
نظرت باستغراب له، وقالت:
ـ إيه بقي الحاجة دي.
قاسم وهو يحملها على ظهره كطفلة صغيرة:
ـ خليتي قلب قاسم المقفول يتفتح ليكي، يا قلب قاسم.
أمل بسعادة:
ـ نزلني يا قاسم.
قاسم وهو يهرول بها لأعلى:
ـ لا، من انهارده، لازم أعيشك اللي اتحرمتي منه.
أمل وهي تتمسك برقبته:
ـ مش بتنسى حاجة أبداً، آه منك إنت يا شيخ قاسم.
قاسم بقهقهة:
ـ أبداً، أبداً، حبيبي نفسه يتشال، يبقى لازم أشيله.
أمل بهمس وهو يميل بها على الفراش:
ـ يا شيخ اعقل.
قاسم بضحك وهو يخلع ثيابه مسرعاً:
ـ شيخ إيه بقى، ضيعتي المشيخة يا أمل.
***
ـ هموت يا أما ي، مجدرش أتنفس أهنه.
سعدية وهي تلهث من شدة الحر والظمأ:
ـ نور بالكشاف ده، جبر يلمك.
سويلم وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة:
ـ فصل يا أمي، جولتلك بلاش، أدينا هنموت أهنه ولا حدش حاسس بينا.
ـ من منك لله يا أمي، ضيعتينا، انتي وعفاريتك.
ـ أهي المجبرة جفلت علينا.
سعدية بغل:
ـ اللي غيظني إنجفلت كيف، واحنا واخدين احتياطنا كيف.
ـ إلا إذا.
سويلم بخوف:
ـ إذا إيه يا أمي.
فجأة فتح الباب، وبثواني قذف شيئاً عليهم.
هو بهمس من كثرة الضرب والوجع:
ـ اااه.
سويلم:
ـ باه دا بني آدم، إنت مين ياللي بتوجع إنت؟
حسام بضعف:
ـ أنا حسام، انتوا اتكشفتوا، الكبير اللي حبسكم.
صمت تام، ورعشة أصابتهم بمقتل.
سويلم:
ـ باه يا ويلي، الكبير يا أمي، هيقتلنا.
الأم بجنون وكأن عقلها سحب منها:
ـ بس حرجت جلبك برديك، بكفاية إنه انحرج جلبه على عشيقته وحبيبته.
ـ جلتها، جلتها.
سويلم:
ـ وجت جنانك ده، عودي لوعيك يا أمي، شوفيلنا حل للنصيبة دي.
حسام بضعف:
ـ مفيش حل، انتهينا، الكبير هيقتلنا كلنا، بس بالبطيء.
انفتح الباب مرة أخرى، وقذف لهم زجاجة وبطارية ضعيفة جداً، بالكاد يرون ما تحتهم.
فتح سويلم الزجاجة بلهفة ليروي عطشه، وصدم مما بها.
سويلم:
ـ يا جرفي، مايه من الترعة.
قذفها بعيداً.
بعد ساعة أخرى، كان يشرب بلهفة ما بها.
ارتمى أرضاً بعدها، وهو يصرخ:
ـ حرمت يا أبوي، حرمت، ارحمني يا أبوي.
ـ اقتلني وارحمني من نار جهنم دي.
راضي للكبير، وهما يستمع لصوت سويلم من أسفل.
ـ سلمى لينا، يا جدي، كفاية عليه أجده، مهما كان ولدك.
ـ سيبه لينا واتصرف في الباقي، وأنا هتكفل بكل شيء.
رفع الجد نظره لكيان الذي يستمع لصوت والده، غصباً عنه بحزن، وحطت عينه بعين كيان الحزينة، ولكنّه أبعدها مسرعاً.
مرر عينه على فهد الذي يضع يده على أذنه حتى لا يستمع لصراخ والده.
وابتسم قائلاً:
ـ جلبكو حن ليه يا ولاد سويلم، باااه، أومال هو ماله كان جلبه جاسي جوي عليا، وخطط ودبر وحرمني من كل حاجة حلوة بحياتي.
ـ اللي جلبكو حزين عليه ده، شيطان رجيم، مايستهلش شفقة ولا رحمة.
ـ الحمدلله إنكم ما ورثتوش جساوة جلبه، عشان أجده، إني هسلمه للبوليس.
ـ يالا يا راضي خده، ما عيزش أسمع عنه حاجة واصل، بكفياه أجده.
راضي:
ـ كنت عارف إن قلبك طيب يا جدي.
الجد بحزن:
ـ دا ولدي، مهما كان صلبى، ربيته حرباية وزرعت جساوة الجلب فيه، حاولت معاه كتير هو وخيته، بس للأسف، خدوا.
ـ يا حرجة قلبي على ولادي، فاكرها سهلة إياك، على جلبي، وإني شيفهم بيروحوا للمشنقة واحد ورا التاني.
ـ مهياش سهلة أبداً يا ولدي، كسروا ظهري، ولطخوا سمعتي اللي بنيتها بسنين، بس إني راجل تقي وعارف ربنا.
ـ خدوا يا ولدي، خدوا من أهنه.
نفذ راضي سريعاً، وسحب سويلم، وألقي القبض عليه.
ركع سويلم أمام قدم أبيه وقبلها:
ـ سامحني يا أبوي، سامحني، إني غلطان.
ـ سامحني يا أبوي.
أغمض الجد عينيه بحسرة:
ـ أسامحك على إيه ولا إيه يا ولدي.
ـ على ظهري اللي كسرته، ولا على فضيحتي وكسرة هيبتي وسط الناس، ولا على قتل خيته، ولا بتك اللي كنت عاوز تجتلها.
ـ طب إني هان عليك من زمان، إنت هان عليك ضناك، ليه أجده يا ولدي.
ـ جوم، استعوضت ربنا فيكم، الله ينتقم منكم ومن أمكم.
ـ جوم، استنيتك كتير تتوب وترجع لربنا، وأجول إنها رودة، بكرة هيجي ويعترف بغلطه، بس مجيتش يا ولدي.
ـ جوم، الله لا يرحمك لا دنيا ولا آخرة.
رفعه راضي، واستدار هو لأولاده، ينظر لهم بنظرة استنجاد بهم.
نظر له كيان بنظرة حسرة قائلاً:
ـ أنا مكسوف منك، يا ريتك ما كنت أبويا.
ـ لولا إنك أبويا، كنت دفنتك بإيدي، وما سبت طار أختي يبات ليلة برا.
أكمل فهد بحقد:
ـ بتتكلم مين يا كيان، دا إنسان بلا ضمير، اللهم لا شماتة.
ـ خدوا يا راضي وتأكد إنه ياخد إعدام، خلي الزرعة الشيطاني دي تنوءد وما يبقاش ليها أثر.
***
بالدوار.
ـ في إيه يا كيان، بقالك أيام متغير، مالك.
لم يرد عليها، وخلع ثيابه وألقاها بإهمال.
دخل للمرحاض، ودخلت هي خلفه.
أمسكته من يده وأدارته لها:
ـ في إيه، مبتردش ليه عليا، مالك.
نطر يديها، ولم يعرها اهتمامه، يكظم غيظه منها.
أغمض عينه ونزل بجسده تحت الماء البارد، وهي تقف تنظر له بذهول من عدم رده عليها، لأول مرة منذ التقيا، يتجاهلها هكذا، هذا البارد أمامها ليس من عاشت عمرها كله عاشقة، زاهدة عن الدنيا به.
رفع نظره لها، وجدها تنظر له بذهول، ولم تنطق بحرف.
دارت حرب النظرات بينهم، هو ببرود، وهي بعتاب واضح.
وجدت يدها تمتد لصابونة أمامها، قذفته بصابونة الاستحمام بوجهه، وتفاداها بصعوبة، كادت تحطم رأسه، وتركته وخرجت، تسبه بأفضع السباب.
وأغلقت الباب خلفها بقوة، كادت تكسره.
كتم ضحكاته من أن تخرج بصعوبة عليها، وتنهد:
ـ لازم تتربي يا فريدة، عشان تحرمي تخبي عني حاجة تانية، اصبري عليا بس.
أغمض عينه بشدة، وكلمات حسام تتردد برأسه، عن اعترافه لها بالحب.
ـ ألهذا الحد كانت لا تثق بحبه؟
سخر من نفسه، وهو يهمس:
ـ لو كانت واثقة في حبي، ما كنتش هربت مني لما سمعت اسمي.
ـ غبية يا فريدة، ولازم تتربي، أنا دلعتك كتير أوي.
ابتسم حينما تذكر غيظها منه، وجرأتها التي اكتسبتها من الراوي، وأرض البدو.
هو يقر أن فريدة هذه ليست كتلك.
تنهد وهو يغلق المياه، وردد:
ـ جننتني، مأعدتش نافع لأي حاجة، بهدلتني، وراها في كل البلاد.
ـ ماشي يا فريدة اصبري عليا.
نظر لنفسه بالمرآة، وهمس:
ـ الل يعني هقدر أخاصمها، يا شيخ اتلهي.
وأكمل بهمس:
ـ هي بس تقولي يا كيان بصوتها الحنين دا، وأدوب أنا في أمها.
فتح الباب بقوة مثلما أغلق، ورمت بوجهه ثيابه:
ـ اتفضل، البس يا بيه، سلمي برا.
وخرجت كالقطر مثلما دخلت.
ـ سب سلمي بس، وأخده وقته يعني.
ـ إف أصالحها أنا امتى بقى.
ـ كان يعني لازم أعمل فيها رشدي أباظة، أديها وقعت فوق راسي.
***
ـ أنتِ متأكدة من اللي هتعمليه ده يا ولية انتِ.
عزيزة درابة الودع بغل:
ـ أيوه، متأكدة، عايزك تخطفيها، وتحرج جلبها عليها.
ـ ماهو إني مهسيبوش يعني مهسيبوش.
ـ داني فوت جبيلتي، ودوروت وراه بين الجبايل، وبالأخير، تاجي تاخده أجده، له.
ـ لازم ولابد أحرج جلبيه عليها.
ـ جولتلك نفذ يا مطاوع، وليك عليا أحلى لك خشمك ده.
مطاوع بنظرة ثعالب له:
ـ إني حلاوتي، هاخدها من جلب جلبي ساجدة، إني هموت عليها.
ـ انتي اشبعي بعدنان، وأني أفرحلي يومين مع حبة الجلب.
عزيزة بغل:
ـ اشبع منيها، ارميها لكلاب السكك والغراب تنهش فيها، بس انتقم وأشفي غليلي منه.
مطاوع بحدة لها:
ـ إياكي تجربيها، والله بخلص إني منكِ، فاهمة ولا لأ.
عزيزة بغل:
ـ فاهمة، بس خلصني منها.
مطاوع بفرحة:
ـ سيبها على الله، وعلى مطاوع، والله وهتيجي ليا ياساجدة.
***
عدنان:
ـ وين رايح.
استدار لها وقبلها سريعاً:
ـ رايح في مشوار أجده، تبع الراوي.
ساجدة بحزن:
ـ هاتغيب كتير يا عدنان.
عدنان وهو يأخذها بين أحضانه:
ـ لع يا ساجدة، على آخر اليوم بكون جارك، يا روح الروح، يالا البسي تيابك، بوديكِ عند خالي، لبال ما أرجع.
عبست:
ـ خليني أهنه، مابرتاح غير بداري.
عدنان بابتسامة:
ـ جلب عدنان، طاوعيني، انهاردا، إني ببجي جلقان واني مش أهنه، عليكِ.
أومات بطاعة:
ـ حاضر يا جلب ساجدة، حاضر.
***
ـ ها يا أشرف، عرفت العنوان.
أشرف وهو يعطيه ورقة:
ـ طبعاً، العنوان اهو، كل حاجة هتلاقيها هنا.
ـ شركة، بيت، وحتى مدرسة المحروسة.
لمعت عيناه وهو يردد اسمها:
ـ ياسمين.
ـ جبت اللي قلت لك عليه.
أخرج سلاحاً من جيبه:
ـ أيوه يا صاحبي، بس خلي بالك، مش عايزين مشاكل مع الحكومة، لو وقعت متجبش سيرتي.
عصام:
ـ متقلقش، شوف لي حد بقى يوصلني في الخباثة كده.
أشرف:
ـ ودي تيجي يا عصوم، إني بنفسي هوصلك، وأهو كله بتمنه.
عصام بسخرية:
ـ على قولك، يالا بينا، بسرعة.
أشرف:
ـ يالا يا صاحبي.
***
بشقة عابد.
ـ حبيبتي، بلاش عند بقى، يالا عشان أوديكي الامتحان.
نظرت له بخوف وهزت رأسها:
ـ بلا، لا يا بودي أنا كدا كدا هسقط، فبلاش أروح، هنام هناك.
ـ فسبني أنام هنا أحسن.
ضحك عليها:
ـ لا مش هتنامي، وبعدين ما أنا بقالي يومين براجع لك وموقف شغلي عشان جنابك، دا جزاء بودي حبيبك، يعني تقوليها في وشي، هسقط.
عبست بوجهه، ومدت شفتيها بحزن:
ـ مش فاكرة حاجة يا بودة، خالص.
ـ مييح.
قهقه عليها، وقال:
ـ متقلقيش، أول ما تمسكي الورقة هتفتكري، يالا بقى تعالي، البسي هدومك بقى.
عبست وهي تنظر لملابسها بحزن، وبطنها التي تزداد يوماً بعد يوم بحزن.
وأزاحت وجهها عنه.
عابد بضحك:
ـ في إيه تاني، عوجتي وشك ليه.
ـ اتريق يا بودة، الل يعني مش عارف، بقي بزمتك الوسط ده هيخش في الكرش ده.
نظر لها بصدمة، وابتلع ضحكاته التي على وشك الانفجار، وصمت.
نظرت له بغل:
ـ اضحك، ما أنت وولادك السبب، أعمل إيه أنا دلوقتي.
اقترب واحتضنها بحنان بين ذراعيه، هامساً:
ـ في إيه بس يا ياسمينة قلبي وروحي، ها، دا كله ليه.
ـ أغمضت عينيها باسترخاء بأحضانِهِ، وهمست:
ـ خليني كدا يا بودي في حضنك، مش عاوزة أروح في حتة.
ـ أنا مبسوطة كدا.
قبل رأسها بحنان:
ـ طب لو قولت لك عشان خاطر بودي، عاوزة ولادك يطلعوا يقولوا ماما فاشلة، مع إن اللي أعرفه إن ماما كان نفسها تبقى دكتورة، راحت فين بقى ياسمين دي.
ياسمين بحزن:
ـ كان زمان، مش عاوزة أبقى حاجة.
جز على أسنانه، وقد يأس معها، باقي فقط نصف ساعة ويبدأ الامتحان.
رفع صوته لأول مرة عليها، صارخاً باسمها:
ـ ياسمين! قسماً عظماً لو ما قمتي حالا غيرتي هدومك، هغير لك بنفسي، وبرضو هتروحي، مفيش وقت.
اغورقت عيناها بالدموع، وهمست:
ـ عابد.
ـ أنت.
لم تكمل، إلا وعلا صوته:
ـ مرة أخرى.
ـ يالا قولت يالا، البسي هدومك.
جرت من أمامه، وهو يبتسم خلفها:
ـ ماشي يا ياسمين، أنا وراكي، لحد ما أشوفك أحلى دكتورة.
***
ـ أنتي يا زفتة انتِ، راجعتي، ولا هتسقطي وأمك تفضحنا.
سلمى بغل، وهي تلسذها بكوعها:
ـ زفتة، بقي سلومة حبيبتك بقت زفتة، تقلقيش إنت، هرفع راسك للعالي يا فهد الفهود.
فهد وهو يرفع حاجبه لها بمكر:
ـ يا سلام يا سلام، الل يعني مقطعة الدنيا مذاكرة.
ـ ما إحنا دفنينه سوا يا سلومة.
سلمى وهي تقترب تهمس له:
ـ طب بذمتك مش أنت اللي عطلتني، وتعالى أراجع لك والكلام ده.
فهد وهو يزيحها بيده، ضاحكاً على جرأتها:
ـ ابعدي يا سافلة، إحنا في العربية، والمدرسة كلها شيفانا.
سلمى وهي تقذفه بقلبه:
ـ عندك حق يا فهودي، خد دي، تصبيرة لحد ما أرجع لك، دعواتك بقى.
فهد بقهقهة، وهو يرفع يده داعياً لها:
ـ إلهي يرزقك بمراقب أعمى، عشان تعرفي تغشي ونرتاح بقى.
سلمى وهي تنظر له من شباك السيارة:
ـ أموت فيك وانت فاهمني بقى.
ـ يا بت أنا فاهمك صح، بس انتي اللي مش قرياني.
ضحكت عليه، وأشارت له، ودخلت.
***
نزلت بحدة، ووقفت الباب خلفها بقوة.
ناداها ولم تستدر له.
ـ ياسمين، وحياة قلبي عندك تبصيلي.
استدارت وعادت له:
ـ عايز إيه، مش أنت شخطت فيا.
تنهد وقبل يدها التي تسندها على شباك السيارة:
ـ حقك عليا يا قلب عابد.
ـ أنا عاوز مصلحتك، لازم تنجحي يا ياسمين، عشان خاطري.
عبست، ومدت يدها له:
ـ ماشي، فين شيكولاتي.
ضحك، وهو يخرجها من درج السيارة:
ـ أهي، بس قولي، بحبك يا بودة قبل ما تمشي.
ابتسمت وهي تخطفها بسرعة، وصاحت وهي تبتعد:
ـ بحبك يا بودة.
غير واعية لمن استمع لحديثها، وعينيه ستخرج من مكانها لرؤيتها.
صرخ بها:
ـ متتحركيش من مكانك يا ياسمين، إلا لما أجلك، فاهمة.
ـ أجابته وهي تدلف للداخل:
ـ حاضر، حاضر.
تنهد واستدار بسيارته، متمتماً:
ـ ربنا يستر.
***
ببيت راضي.
ـ لمحتها تدخل البيت الذي أنشأه حفيدها لها.
نظرت لها بغل، ونزلت مسرعة من السيارة خلفها.
تنادي بغل عليها:
ـ بت يا سمر، انتي يابت.
ارتعشت سمر، وهي تستدير لها:
ـ ستي، أيوا يا ستي.
ـ تعالي، ادخلي.
دخلت خلفها بغل، تنظر يميناً ويساراً للبيت وفخامته.
الجدة:
ـ والله ولعبتيها صح، يا بت العجربة.
سمر بخوف منها:
ـ في إيه بس يا ستي، أنا عملت إيه، أنتي ليه بتكرهيني كدا، أنا والله بحبك وبحب جدي، ليه بتعملوا معايا كدا.
الجدة بحدة، وهي تصفعها على وجهها:
ـ اخرسي يا فاجرة، عشان أمك كانت حرباية، وانتي أكيد شكلها، يا خاطية.
وضعت يدها على خدها مكان صفعتها، وهطلت دموعها، وقالت بقهر:
ـ أمي خلاص ماتت يا ستي، وأختي كمان، ذنبي إيه أنا، في اللي عملته أمي، اللي أنا أساساً مش فاكرة إنها عملت فيكم حاجة، من يوم ما وعيت على الدنيا، وأنا في بيت جدي، حتى أبويا ما وعيت عليه.
ـ ليه بقى بتكرهينا.
الجدة وهي تمسكها من شعرها بحدة:
ـ يميناً ويساراً، شغل السهوكه دي ما يكلش معايا يا بت العجربة.
ـ جتلت الجتلة، عايزة تعرفي ليه بكرهك يا حية يا بت الحية.
ـ عشان أمك الخاطية، كانت عاشقة غير بوكي، كانت كارهة، وكارهة عيشته، كانت جايدة حريجة بيناته وبين أخواته، بعدته عني، وحرقت جلبى عليه، هي وأمها الحرباية، فضلت تسجيه، سحر وكتابة، لحد ما بقى مسخ، ماشي على الأرض.
ـ ولما غلبت فيه وحبت تخلص منه، سجته دم حيض، لحد ما غلب فيه الدكاترة، ومات فيها.
ـ وب تسألي عملت إيه.
ـ لولا شي جدك راشد، حاشها منينا، كنا جتلناها بإيدينا وشفينا غليلنا.
ـ وانتي أكيد كيف أمك، وعملتي عمل لواد ولدي، كبير ناسه، دوبتيه في هواكي.
ـ لازم ولابد أخلص منك قبل ما تخلصي أنتِ عليه.
سمر ببكاء:
ـ والله يا ستي ما عملت حاجة، والله ما أعرف، أرجوك يا ستي سيبيني، حرام عليكي، أنا سمر بنت ابنك، والله ما عملت لولدي حاجة.
الجدة بغل، وهي تقذفها أرضاً:
ـ خاطية كيف أمك، لازم أموتك بيدي، كيف ما أمك جلت ولدي، ما هسيبكِ، تجتلي، نوار دارنا وكبيرنا.
أشارت بيدها لنساء العائلة خلفها:
ـ تعالوا يا نسوان، عاوزاكو متخلوش فيها نفس.
ارتعشت، ورجعت بظهرها للخلف، وهمت لتقف، صارخة بها:
ـ لا يا ستي، لا والنبي، أنا حامل، حرام عليكي.
صرخت بقهر:
ـ يا راضي، الحقني يا راضي.
استمع النساء لصراخها بأنها حامل.
واحدة منهم:
ـ باااه دي حامل، يا حاجة، حرام دا ابن حفيدك برضه، فوتيها.
ـ راضي ما يفوتناش فيها.
الجدة بحقد:
ـ وإنتي بيغرك الكلام ده، دي خاطية كيف أمها.
ـ كدابة.
استطاعت أن تخرج هاتفها من جيب عباءتها التي ترتديها، ودقت رقمه مسرعة.
دخل مكتبه بعدما سلم سويلم وأمر باحتجازه.
جلس ليلتقط أنفاسه، ورحل تفكيره بها، لا يعلم لم يشعر أنها بها خطب ما، لقد بات ليلته هنا، وهي بمنزل جدها.
قفز من مكانه ليذهب ويطمئن قلبه.
همس:
ـ اهدي يا راضي، سمر في بيت جدها، إنت طول عمرك موسوس كدا.
تنهد، وهمس لنفسه:
ـ ربنا يستر، ربنا يهديكي يا سمر، ومتكونيش روحتي من عند جدك.
ـ أه لو تعرفي يا قلب راضي، أنا حايشهم عنك إزاي.
ـ ربنا يستر.
وجد هاتفه يرن، أخرجه من جيبه، وألقى نظرة به، وجدها هي.
زفر براحة، وأجابها:
ـ سمر، يا قلب راضي، أنا جاي أهو يا قلبي، اتأخرت أنا عارف.
ـ حقك عليا.
لمحتها تعبث بهاتفه، فصرخت بهم:
ـ هاتوها، موتوها بنت المحروجة دي.
صرخت وهرولت مسرعة للأعلى، صارخة به:
ـ الحقني 3، ستي جايبة ستات العيلة كلها وعاوزة تقتلني، الحقني والنبي.
ـ هو برعب وهو يقفز للموتوسيكل أمامه:
ـ انتي فين يا سمر.
ـ آخر ما سمعه:
ـ أنا في بيتنا، يا راضي الحقني.
لحقت بها إحداهن وأنزلتها غصباً للأسفل، مع توسلاتها وبكائها، ولكن لا حياة لمن تنادي.
عزمت أمرها، وانتهى كل شيء بلحظة.
سالت دماؤها، وتركوه جثة هامدة.
***
ـ إيه ذنبي.
ـ إيه ذنبي أنا، ألا يحق لي أن أفرح ولا أبكي.
ـ ماذا جنيت، ليسيل هكذا دمي.
ـ عشت عمري، ألمح بين عيناكم كرهي.
ـ فهل أنا المذنبة، أم كانت ذنوب أمي.
ـ لست أدري، ولكن ما كان ذنب طفلي.
ـ يا عشاق، قولوا، يا عشاقي، هل ذنبي أني عشقتك يا قلبي.
ـ لا سحر أجيد، ولا كنت أهتم لقلبي.
ـ ولكن، هو الله من زرع عشقه بقلبي.
ـ أعشقه فوق العشق عشقاً، وإن غرسوا خنجراً بقلبي.
ـ سأصرخ، لا أريد غيرك بقربي.
رواية رحماكي الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم أسما السيد
خرجت، تلتفت يميناً ويساراً بسعادة، تبحث عنه.
سعيدة بإنجازها.
تأففت وهي تبحث بعينها عنه: "آه ماشي يا بوده."
صدح صوت من خلفها صارخاً باسمها: "ياسمين."
يقف منذ دخلت، يترنح يميناً ويساراً بعدما استنشق جرعة كافية من المخدرات. لا يرى أمامه غير صورته وهو يقبل يدها وهي تبتسم له.
صياحها بحبها له.
جز على أسنانه بغيظ وهو يقسم بداخله أن يحرق قلبها عليه.
جحظت عيناه وهو يلمحها تخرج من بوابة المدرسة، سعيدة تبحث بعينيها يميناً ويساراً عليه.
ناداها بجسد مرتعش وقلب ملتاع لرؤيتها: "ياســــمين."
ارتعشت وهي تستمع لصوته القذر مرة أخرى.
لمحت عابد آتياً من بعيد ليقلها مثلما أخبرها. هرولت باتجاهه ولم تلتفت للصوت، تكذب أذنها.
"لا ليس هو."
عاد الصوت يرن بأذنها، مرة، اثنتين.
نفضت رأسها.
جحظ عابد وهو يلتقطها بين ذراعيه بمنظرها الخائف هذا.
لم يخمن ماذا حدث، يراه هنا أمامه. لقد هاتفوه من المركز وأخبروه بهروبه، لكن وجوده هنا بالسرعة هذه، هذا ما لم يعمل حساباً له.
هو هنا ويصوب سلاحه بعشوائية باتجاههم.
ارتعش صوته ببكاء مرتفع كالطفل تحت تأثير المخدر، لا يعي ما يقوله. واجتمع الجميع على صراخه باسمها: "ياسمين، بصيلي، آخر مرة، نفسي أقولك كلام كتير."
وبجسد يترنح: "نفسي أقولك إني آسف يا ياسمين."
شدد هو على جسدها المرتعش وهمس لها: "اهدي، متخافيش."
همست برعب وهي تشد من احتضانه بيديها: "خايفة يا عابد، ابعدنا من هنا أرجوك."
أحكم حصاره على رأسها بين أحضانه. لن يجعلها ترى هذا.
"اهدي يا قلب عابد، متقلقيش، الشرطة محاوطة المكان."
همست بجد.
قبل رأسها بحنان: "بجد، استرخي خالص، فكري في حاجة حلوة، فكري في ولادنا، متفكريش في حاجة أبداً."
هزت رأسها وشدت عليه أكثر وأغمضت عينيها وهمست: "نفسي في ولد وبنت، ياخدوا طيبتك، حنيتك، عليا، عيونك السمر."
ابتسم وهو يستمع لها وقال: "وايه تاني؟ كملي."
والآخر يصول ويجول وبيده سلاحه، يصوبه باتجاههم. حاوطت الشرطة مكانه مصوبين أسلحتهم عليه.
الظابط: "سلم نفسك يا عصام، المكان كله محاصر."
استمعت لصراخهم عليه وارتعشت وصمتت.
فأكمل هو يلهيها حتى لا تدخل بحالة انهيار: "أنا بقيت نفسي أشوفك دكتورة كبيرة، نفسي أشوفك أم. هتبقي جميلة وأنتي بتجري وراهم هنا وهنا، هتجننوني وتعطلوني عن شغلي، بس هيبقي أسعد وقت بقضيه معاكم. أنا بحبك يا ياسمين، فخورة بيك."
سكت وهو يراه يضغط على سلاحه ويصوبه على رأسه.
أغمض عينيه باستسلام وردد الشهادتين.
التفتت هي بسرعة وصرخت حينما رأته يصوب عليه: "لا يا عابد، لا، أرجوك."
صوب الظابط على قدمه. ارتد عصام للخلف وسالت دموعه وهو يقول بوجع: "للدرجة دي بتحبيه؟ محبتنيش."
صرخت هي به: "بكرهك، بكرهك يا عصام."
ابتسم وصرخ بصوته كله: "وأنا بعشقك يا ياسمين، مش قادر أشوفك مع غيري، الموت عليا أهون يا قلب عصام، والله أهون."
صوب السلاح على رأسه.
أنهى بنفسه عذابه وإلى الأبد.
سالت دماؤه وارتعشت هي.
اختطفها عابد مسرعاً وهي تصرخ بخوف، كاتماً صراخها بقبلة من شفتيه لها. لم يعبأ بمن حوله.
قبلات كثيرة هامساً بين قبلاته لها: "شش، بحبك، اهدي، انتي بخير، كل حاجة انتهت."
كان همسه وقبلاته كلمسات فراشة تطير بأنحاء وجهها. هدأت.
أجلسها على مقعد أمام مدرستها. دارت عيناها وحطت على مكان رقدته. لمعت عيناها بالدموع وهي تراهم يغطونه بإحدى أوراق الجرائد.
مد يده وجذبها لأحضانه هامساً: "الحمد لله."
همست: "عابد."
"قلب عابد، انتي كويسة؟"
ابتسمت: "كويسة، من يوم ما عرفتك وأنا كويسة."
ترددت ولكن حسمت أمرها لتسأله وينتهي كل شيء هنا والآن: "عابد، في سؤال كان نفسي أعرف إجابته من زمان، أوعدني تجاوبني عليه بصراحة."
نظر لها بصدمة: "سؤال إيه دا يا ياسمين؟ دا وقته؟"
ابتعدت عن أحضانه ونظرت له بجدية وألقت قنبلتها عليه: "آه وقته، خلينا ننهي كل حاجة هنا مع بعض. عابد، انت كنت بتحب فريدة؟"
جحظت عيناه وهو يستمع لسؤالها.
ابتلع ريقه ونظر لها بجدية: "أول حاجة، بتصدقي؟"
"عابد، يا قلب عابد."
ردت بتلقائية: "طبعاً."
ابتسم وأكمل: "طب هتصدقيني لو قولتلك إني من يوم ما اسمك اتكتب على اسمي وقلبي مدقش غير ليكِ."
نظرت له بحيرة وقالت: "يعني؟"
"عابد، بحب، اللي فات من يوم ما عرفتك مات. انتي حبي الحقيقي يا ياسمين، جيتي محيتي كل المشاعر المزيفة اللي مريت بيها."
صمتت وعلمت الإجابة. خفضت نظرها للأرض.
همس: "ياسمين، مصدقاني؟"
رفعت نظرها وقالت بعتب عليه: "أنا مش بصدق غيرك يا عابد."
ابتسم وهو يلتقطها بين ذراعيه: "وأنا بعشقك يا قلب عابد، لا قبلك يملي عيني ولا بعدك يرضيني. انتي وبس."
سمعت صوت الظابط قادماً باتجاههم فأبعدته عنها برجال.
الظابط: "أستاذ عابد، لقينا الجواب ده بجيبه مكتوب عليه ياسمين، أنا حبيت أديهولك عشان ميروحش النيابة. وأنا وعدتك إن الموضوع ينتهي هنا، عشان كده ياريت تتفضل أنت والمدام، وإن شاء الله إحنا هنلم الموضوع."
"عابد، شكراً يا سيادة المقدم."
بعد نصف ساعة، كان يقف بالسيارة على كوبري قصر النيل. نزل ونزلت خلفه.
"ياسمين."
"جبتنا هنا ليه؟"
مد يده لها وأخرج من جيبه الظرف وأعطاه لها.
ترددت ونظرت له.
فقال: "امسكي اقريه، وأي كان اللي فيه هننهيه هنا، ونقفل الصفحة دي بقي."
همست بخوف: "مش عاوزة أقرأه، ارميه."
نظر لها بهدوء وهو يرى فضولها بعينيها. ابتسم وقال: "خلاص هقرأهولك أنا."
هزت رأسها بالرفض وقالت: "هقرأه، هاتوه خلاص."
نظر لها بغيره وهو يراها تفتحه بخوف. لا يعلم لما الغيرة تدب بقلبه، لقد رحل من كتبها وإلى الأبد.
فتحته أخيراً وبتردد وأيد مرتعشة قرأت ما به:
(ياسمين، حبيبتي الكارهة لي، المذعورة مني، حين تقرأين رسالتي أكون قد رحلت لعالم طالما دعيتِ علي أن أرحل له. أعلم يا جميلتي، لا تخافي، لن أحزن، لطالما تمنيت هذا، أن أرحل من العالم طالما لستِ أنتِ فيه. أحبك كثيراً، لا أعلم متى وكيف، ولكن منذ حطت عيناي عليكِ وأنا أحبك، أحبك كثيراً لدرجة الجنون. ياسمين، الجميلة، حبيبتي، أسأتِ يوماً وتسـامحي عبداً ضعيفاً بخطى مهزوزة في طريق المعاصي كان يمشي مغيباً. سامحيني واغفري ذلتي، سامحي انتقامي الأعمى منكِ، كنت مغيباً. والله ما ندمت يوماً بقدر ندمي على لمسك بتلك الطريقة، كل نساء العالم استحليت لمسها إلا لمسك أنتِ. سامحيني يا حلوتي. الآن وقد رحلت عن الدنيا لا أطلب إلا مسامحتك وغفرانك. سامحيني. أحبكِ، يا من كنتِ لي داءً ودواءً. ياسمين.. وإلى لقاء لن يأتي أبداً، ولن تجتمع دروبنا يوماً، فلتغفري لي، يا من كنتِ لقلبي عذاباً وكنتُ لكِ جلاداً.)
انتهى كلامه وانتهت رسالته وسالت دموعها غصباً عنها.
لمحته يقف كالأسد الثائر ينظر لها بغيره، لاول مرة تراها بعينه. صدره يعلو ويهبط.
ابتسمت وكورت الرسالة بيدها ونظرت له بحب وقالت بدلع: "بوده."
اقترب منها بغيظ: "نعم."
ضحكت: "إيدي بتوجعني، تعالي ساعدني أرميها هناك هنا."
جز على أسنانه وقرب يده ومسح دموعها بعنف قائلاً: "الأول امسحي دموعك دي وانظبطي كده أحسن لك."
قهقهت وهو يخطفها من يدها قائلاً بغل: "هاتي عنك أرميها أنا."
قذفها بعيداً واستدار لها بحدة وسحبها من يدها: "يلا يا سبب غلبي."
همست: "بوده."
استدار بغيظ منها فالقت بنفسها محاوطة عنقه بسعادة بحب.
تنهد وأحكم يديه بعنف على خصرها وحملها: "وأنا بعشق أمك، بحبك، بحبك يا ياسمين."
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تركوها أخيراً بعدما صرخت فاطمة والدته، التي اتصل بها راضي لتنقذها. ولم يستطع إلى الآن الوصول لها. دخلت وصرخت بهم وهي ترى الدماء تسيل من زوجة ابنها.
"ابعدوا عنها، ابعدوا."
استمعوا لصوته الغاضب آتياً أخيراً فهرولوا للخارج. وبقيت هي تنظر لها بانتصار.
جرى عليها وهو يلمحها غارقة بدمائها.
صرخ بصوته صرخة موجوعة: "سمــــر."
نظر لها وبكى دموع الحسرة وهو يراها تنظر له بشماتة: "ليه كدا، عملت فيكي إيه هي؟ منك لله يا ستي، قتلتيها، والله ما هسيبك أبداً."
حملها وصاح بكيان الذي لمحه آتياً مهرولاً لهم بعدما هاتفه هو الآخر لينقذها منهم. وخلفه فريدة.
"فريدة، أوعي، نزلها بسرعة، حطها هنا، أشوف نبضها."
أنزلها بهدوء وفريدة اقتربت لتسعفها.
دخل الجد راشد ومعه رجاله. أمراً بحرقه: "امسكوها، هاتوها."
دخل رجاله وحاوطوا جدتها التي لم تحيد بعينها عن حفيدتها بغل.
"يمسكوني، ما يمسكوني، المهم شفيت غليلي وخدت بتار ولدي، حرقت جلبكم زي ما حرقتم قلبي عليه."
الجد بحرج: "اخرسي، اخرسي، لولا شي إنك حرمة وحفيدك راجل زين كنت دفنتك بيدي."
"راضي بخوف: طمنيني يا فريدة، أرجوكي."
فريدة بحزن: "الجنين تقريبا مات، أنا اديتها حقنة توقف النزيف، يلا بينا على المستشفى."
حملها مسرعاً: "يلا بينا."
هامساً بهستيرية: "أنا مش عاوز أولاد، أنا عاوزها هي، هي وبس."
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت تتمشى بجانب منزل أبيها تنتظره، لم يأتِ للآن.
لمحها ذلك الملثم الذي يتربص بها من الصباح.
نظرت خلفها بفزع وهي تلمحه. وفي لحظة كان يكمم فمها ضاحكاً بسعادة: "أخيراً يا ساجدة بجيتي بحضني."
أخذت تضربه بقدمها ويديها، إلا أنها لم تستطع أن تزيحه عنها.
مشي بها قليلاً، ولكن قبل أن يخطو خطوة أخرى كان رجال المزرعة الفرسان يحاوطوه من جميع الجوانب.
لمحته هي آتياً من بعيد بحصانه. فرحت وضربته بكوعها ببطنه فابتعد عنها.
اقترب وهبط سريعاً، ارتمت بأحضانه. "عدنان."
ابتسم لها وقبلها: "جلب عدنان، لا تخافي يا جلب عدنان."
حاوط الرجال مطاوع وكالوا له ضرباً مبرحاً حتى أصبح يترنح يميناً ويساراً.
عدنان بشماتة: "بكفاية أجده يا فرسان، علجوه عالشجرة دي."
فعلوا مثلما أراد. واقترب منه بشماتة: "كنت فاكر إني هسيبك تجرب من مرتي يا عرة الرجالة."
مطاوع بخوف منه: "إني مليش صالح، دي عزيزة درابة الودع، هي اللي خططت."
عدنان وهو يلكمه: "وأنت راجل كيف واللي بيمشيك حرمة يا حرمة."
ساجده بخوف: "أنت كنت عارف يا عدنان باللي هيعملوه."
عدنان وهو يبصق بوجهه: "الصبح لمحته بيحوم حوالين الدار، شكيت بيه وأنا عارف إنه دلدول عزيزة. الفار لعب بعبي وخوفت عليكي، كلمت الفرسان وحاوطنا الدار وباللحظة الحاسمة أنقذنا عليه."
رفع سلاحه وصوبه باتجاهه: "طبعاً عارف يا مطاوع، اللي يجرب الحريم شو بيصير له."
هز رأسه بخوف وقال: "السماح، آخر مرة يا عدنان."
الراوي من خلفه: "هي صحيح آخر مرة."
مطاوع بنواح: "السماح يا كبير العشاج."
الراوي بابتسامة: "السماح لأهل السماح، خد بتارك يا عدنان."
صوب عدنان على أطراف يديه وقدميه.
الراوي بحسم: "بكفاية أجده يا عدنان، اتركوه ومن المزرعة خدوه وارموه. من اليوم ممنوع من دخولها وممنوع دخول عزيزة ضرابة الودع، اكرشوها."
اقتربت النساء وهم ممسكين بها: "أهي يا كبير، عزيزة."
عزيزة: "كذاب يا كبير، مالي صالح بيه."
الراوي بابتسامة بطياتها الكثير: "إني خابر شو رايدة من يوم ما دخلتي مزرعتنا وجلت يمكن تتوب وترجع لربنا. فرجتي الأحبة بسحرك وكلامك، وجعتي ستات برجالتهم من مكرك وحواكيعاشرتي رجال القبيلة بقله حياكي وعهرك. وعشان أجده جبل ما تخرجي من القبيلة والمزرعة، لازم نجيم عليكي شرع ربنا."
نظر للرجال قائلاً: "احفروا فحرة ليها وارجموها."
فعلوا إلا أنها هلكت وكادت تفارق الحياة.
"سيبوها، يلا من المزرعة، اخرجوها."
الراوي للجميع: "اسمعوا، المزرعة كبرت بالحب والمحبين، ماتخلو حدا يخرب بيناتكم ويشتت عيالكم. مامنع الحب عنيكم، بالعكس حللته ورويته. فليه أنتم بالكلام الفارغ والخزعبلات تهدموه وتخربوه. ظلوا على عيالكم واحمو نسوانكم ووعوهم. ما بيعلم الغيب إلا رب الغيب."
صاح الجميع داعين له.
اقتربت سليمة منه وأمسكت بيده وهمست له: "كل يوم بيمر علي معك، برفع راسي إني في يوم حبيتك واخترتك أنت كل ناس."
تنهد وهو ينظر لها بحب: "لساته حبي بقلبك يا سليمة مثل ماهو؟"
ابتسمت وهي تسحبه قائلة: "زاد، زاد، يا عوضي أنت عن كل أهلي وناسي."
ومن ورائهم ضربها هو على رأسها بغيظ: "تعي يا ساجدة، يا تعبة قلبي ورأسي."
ضحكت وهي تتأبط ذراعه بسعادة: "بحبك يا زادي وزوادي."
"اليوم عندي ليك خبر راح ينسيك اسمك يا عدنان."
عدنان بضحك عليها: "عارف يا جلب عدنان."
نظرت له بدهشة: "عارف إيش يا عدنان؟"
مد يده ولمس بطنها: "حامل يا أم وهدان."
ضحكت وقالت: "من وين عرفت يا عدنان؟"
ابتسم وهمس بأذنها: "أصلك الشهر ده ما بعتيني عند الصيدلي يا جلب عدنان."
خجلت وضربته على ذراعه: "عدنان يا خيبان، استحِ."
حملها مسرعاً بعدما لمح وهدان آتياً خلفه مهرولاً.
صاح به: "اهدي يا خال، بنتِك حامل في وهدان."
وهدان من خلف الباب الذي أغلقه عدنان عليهم بابتسامة: "صح الكلام ده يا أم وهدان؟"
ساجده بسعادة: "صح يا بوي."
وهدان بفرحة: "يا فرحة جلبك يا وهدان."
سكت وصاح بحدة: "من وين جبلت يابت الخيبان، افتحي يا ساجدة."
"هجتلك يا عدنان."
عدنان بولولة: "يا خال، بنتك مرتي، والله يا خال، مرتي مرتي."
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
بالمشفى.
"ها يا فريدة، طمنيني والنبي."
فريدة بهدوء: "للأسف عملنالها إجهاض، ودلوقتي تمام، ما عدا الكدمات في جسمها وكسر في دراعها الشمال."
نظرت لهم قائلة: "أنا آسفة، أنا عملت تقرير بالحالة، هقدمه للشرطة، دي شروع في قتل."
"راضي بحدة: اعملي الصح يا دكتورة، عن إذنكم."
تركهم وذهب باتجاه غرفتها. وجده ينظر له بذهول.
هرول والده خلفه: "استنى يا راضي، جنيت يا ك، هتسجن جدتك؟"
صرخ به: "واسجنك أنت نفسك لو عملت عملتها، ذنبها إيه تقتلوها، وذنبي أنا إيه تحرقوا قلبي على ابني اللي كنت بعد الأيام عشان أشوفه."
صمت والده وأكمل: "هو فاكرني مش عارف إنكم كنتوا متفقين كلكم سوا؟ قلت لكم ميت مرة، سمر مالهاش دعوة، متأذونيش فيها، لو خسرتها هخسركم كلكم. من انهاردا ماليش علاقة بيكم، انتهينا، أنتم من طريق وأنا من طريق، ودور كبير العيلة ده مينفعنيش."
"ناصبين نفسكم قاضي وجلاد، أنا مش سيف الضعيف ولا ڤيرولين اللي جنيتوا عليها."
الأب بحدة: "اخرس، متجبش سيرة الخاطية دي."
"راضي بحدة: اخرس ليه، عشان دي الحقيقة. ڤيرا اللي دفنتوها بجسم راجل ودمرتوها، ولما رجعت تطالب بحقها وباسم حقيقي لهويتها، عاوزين تقتلوها. لكن لا، من انهاردا أنا متبري منكم، ميشرفنيش أبقى منكم."
لمح عمه آتياً ينظر له بحدة، فنظر له بسخط وتركه مردداً بكره بوجهه: "اكتملت فرقة التعابين، ربنا ينتقم منكم بحق الظلم اللي ظلمتوه لڤيرولين وسمر."
عتمان بغل لأخيه: "ولدك فضحنا، حط علينا يا سالم."
سالم بسخرية: "ما الحال من بعضه... عالأجل ولدي راجل، مش راجل وجلب ست."
عتمان بحقد: "اخرس."
والدهم بسخط: "اخرسوا أنتم الاتنين، حسابكم بعدين. وأنت يا عتمان، جفل، كفانا فضايح، جبر يلمكم ويلم اللي خلفتكم معاكو."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد ساعات.
بالمشفى. يجلس بجانبها أرضاً ممسكاً بيدها.
يقبلها بحزن: "همس باسمها، سمر، اصحي بقى، وحشتني يا راضي، يا قلب راضي."
ناداها مراراً وتكراراً ولا رد.
ترك يدها وجلس بجانبها أرضاً كطفل ضائع شريد. وضع رأسه بين قدميه وبكى. بكى حاله وحالها.
فتحت عينها قليلاً. دقائق واستوعبت ما حدث. التفتت حولها تتسمع لصوت بكائهم.
مدت يدها باتجاه صوته وحطت على شعره. أغمضت عينها براحة وقربت يدها أكثر من شعره، غرستها بهشعر بيدها التي حطت على رأسه. وصدم.
رفع رأسه لها حينما وجدها تجاهد للوصول لها. همس بدموع: "سمر."
"سمر بتعب، راضي."
استقام سريعاً: "سمر، حبيبتي، انتي كويسة؟"
فرت دموعها وهزت رأسها بلا. مدت يدها لبطنها التي تشعر بآلامها وهمست بدموع: "نزل، مش كده؟"
راضي وهو يدس رأسه بعنقها: "مش مهم، انتي أهم، انتي قدامي وبخير، كل حاجة بعد كده مش مهم."
بكت وقالت: "أنا مش بخير، مش بخير أبداً، أنا عاوزة ابني، أرجوك يا راضي."
راضي بدموع: "بكرة ربنا يرضينا بغيره. أرجوك اهدي، وأنا هاخدك وهنمشي من هنا، أوعدك يا قلب راضي."
أدارت وجهها عنه وسالت دموعها. استدار لها وجلس أرضاً: "عشان خاطري يا سمر، متحرقش قلبي عليكي، متبعديش وشك عني، أنا مصدقت لقيتك."
شهقت وقالت: "أنا زعلانة أوي يا راضي، زعلانة أوي."
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
"ها يا ولدي، جاهز."
محمد بعزم: "جاهز يا جدي."
الجد وهو يربت على كتفه: "قوي كيف بوك، الله يبارك فيك."
"اسمع يا محمد، دا تار بوك، وعشان أجده خدوه كيف ما بدك."
كيان من خلفه: "وتاري مع حسام، عشان كده هدخل معاك يا محمد."
محمد: "تمام، يلا بينا."
الجد وهو يجلس بحديقة الدوار: "وأني مستني تاخدوا تاركم هنا."
فهد وهو يهرول خلفهم حاملاً شيئاً بيده: "استنوا، أنا جاي معاكم."
ابتسم الجد عليهم ودعا لهم: "ربنا ما يفرقكم أبداً."
فهد وهو يأتي من خلفهم حاملاً جركن بنزين: "مش قلت لكم استنوني، دانا جايب لكم فكرة انما إيه."
محمد وكيان: "فكرة إيه دي؟"
فهد وهو يرفع جركن البنزين: "بص."
لمعت عين محمد وأخذه منه: "هات، التار تاري، وأنا اللي هفجر."
فهد: "تمام يا بطل."
كيان: "وأنا عليا الكبريت."
استمعوا لصراخ سعديه من الأسفل: "هتحرجوني يا أحفادي، هونت عليكم إني جدتكم."
فهد بخوف منها: "هي لسه صاحية."
كيان: "دي عاملة زي القطط بسبع أرواح."
محمد بعدما فتح باب المقبرة ورش البنزين عليهم: "متقلقوش هخلصكم منها، ابعدوا. دا تاري وتار أبويا، ابعدوا."
كيان بخوف عليه: "اهدي يا محمد، أنت لسه تعبان."
محمد وهو يخطف القداحة من يده: "اخرجوا."
فهد: "مش هنخرج من غيرك."
صاح حسام من الأسفل: "يا كيان، سامحني يا كيان، أرجوك، دانا حسام صاحب عمرك."
ابتسم بوجع وهو يستدير آخذاً بيده محمد وفهد: "شالله يا صاحبي."
استداروا أخيراً خارج الغرفة. ونظر كيان لمحمد وربت على كتفه قائلاً: "خد تارك يا محمد."
أشعل محمد قداحته وقذفها، فاشتعلت النار وعلا صراخهم من الأسفل. خرجا مسرعين يشاركون الجد جلسته.
نصف ساعة وكانت النار تأكل الدوار بأكمله. التف أهل البلدة حولهم يتوددون فيما بينهم متعجبين من الجد المجنون وأحفاده.
ساعة أخرى واستمعوا لدوي انفجار هائل آتٍ من الدوار.
نظر الجد لهم وقال وهو يستقيم: "تم المراد، اتصلوا بهيئة الآثار، تلم الغنيمة وتستلم الدوار."
كيان بابتسامة: "تم يا جدي."
خرجا وأغلقا البوابة وأصبح المكان رماداً. وأغلقت صفحة من حياتهم البائسة وإلى الأبد، معطين درساً غالياً حصد العديد من الأرواح بطريقة: إن بعض الحقوق لا تسترد إلا بالقوة، وما أخذ بالقوة لا يأتي إلا بالقوة، معلنين شعار: أن العين بالعين والسن بالسن، والبادي أظلم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد أيام.
ببيت راضي.
ناداها: "سمر."
التفتت له وابتسمت ابتسامة حزينة وأجابته: "نعمل عملية، عملتي كدا يا سمر، ليه ضيعتي حقك ومقولتيش اللي حصل؟"
سمر بحزن: "عشان زهقت، أنا مش حمل عداوة تاني، أنا عاوزة أعيش في سلام يا راضي. أرجوك خلينا نمشي من هنا، مش عاوزة حاجة غيرك."
راضي بابتسامة: "خلاص يا قلب راضي، طلب النقل اللي قدمته اتقبل، وانتقلت القاهرة، هنسافر بكرة بإذن الله. أنا وعدتك يا سمر، هنمشي من هنا، مش هنرجع تاني."
سمر وهي ترمي بأحضانه: "أنا بحبك أوي يا راضي، ربنا يخليك ليا، أنا مليش غيرك."
راضي بحب: "وأنا من انهاردا مليش غيرك. من انهاردا سمر وراضي وبس."
ابتسمت، فنظر لها وقال: "قولي ورايا: سمر وراضي وإيه؟"
ابتسمت وقبلت ثغره قائلة: "وبس."
رفع حاجبه لها وهمس: "أد البوسة دي؟"
سمر بخبث: "اممم، أدها."
راضي وهو يعتليها: "طب تعالي بقي، انتي اللي جبتيه لنفسك."
ضحكت بسعادة وقالت: "راضي، عيب."
راضي بمكر: "وأنا بموت في العيب."
سمر: "إيه دا؟ إيه دا؟"
راضي بخوف: "إيه في إيه؟"
سمر بقهقهة عليه: "بدور على راضي جبل الجليد."
راضي بغيظ وهو يعتليها: "هوريكي جبل التلج هيعمل فيكي إيه يا بجرة انتي."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"تفضلي كدا أتحايل عليكي ومبتكلمنيش بردو."
نظرت له بغل وأدارت وجهها عنه.
جلس بجانبها وهمس: "قلبك أبيض بقى، دانا كيان حبيبك، خلاص بقى. طب وحياة البت اللي حرقت قلبي بدري بدري دي لتسامحيني."
لكزته بكوعها وقالت بغل: "اسكت، بطل تقول على بنتك كدا. ما أنت اللي سرك باتع، أعمل إيه."
كيان بغيظ: "طب إيه، مش الأربع شهور عدوا ولا إيه، هفضل متسلسل كدا."
جحظت عيناها وهي تستمع لوقاحته: "انت خلاص مفيش أمل فيك... راح فين كيان المحترم."
كيان: "الله ما حقي دا ولا مش حقي يا دكتورة."
فريدة بغيظ: "متوهش في الكلام، أنا زعلانة منك."
كيان باستنكار: "كمان أنتِ اللي زعلانة! ماشي ياستي، وأنا بقالي أسبوع أصالِح في أمك ومفيش فايدة."
فريدة بغيظ: "سافل."
كيان: "أنا سافل، وأنتي بقى ملاك. تقدري تقوليلي ليه محكتليش عن موضوع حسام ده."
فريدة بغيظ: "تاني حسام؟ وأقولك ليه؟ موضوع واتقفل من زمان. أنت ليه مش مقتنع إن مكنش ينفع أقولك، أنا متربتش على كده، افهم بقى."
كيان بهدوء: "ماشي يا فريدة، ماشي يا مراري، هسكت حاضر، الكلام معاكي مش جايب نتيجة. خلينا فينا دلوقتي، هااا، هنتصالح ولا لا."
فريدة باستنكار: "لا."
كيان بغيظ: "وحياة أمك، دانا أصورلك جناية هنا."
"فريده."
فريدة بدلع: "كيان."
اقترب بحب: "عيون كيان."
"فريدة صالحيني بقى، حرام عليكي."
ابتسمت بشرط: "توديني الكوخ بتاعنا."
كيان بفرح: "بس كدا، أنت تأمر يا جميل."
فريدة بسعادة: "طب إيه، يلا بينا."
كيان: "يا مجنونة، يلا يا أختي، بينا. يا كشي، الهرمونات ما تشتغلش وترجعي تخاصميني."
فريدة: "تؤ تؤ، مش هيحصل."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بالحرم المكي.
أمام الكعبة. رفعت يدها تبكي بدموع مرددة بالدعاء: "يارب أنا أذنبت كتير، اغفر لي ذنوبي وسامحني يارب. أنا خايفة أموت وأنت مش راضي عني، سامحني يارب."
اقترب منها وحاوطها بذراعه قائلاً: "يلا بينا."
أومأت وسارت بجانبه قائلة: "ربنا يخليك ليا يا قاسم."
قاسم بحب: "ويخليكي ليا يا أحلى أمل. إيه رأيك نعمل عمرة لوالدك."
أمل بفرحة: "بجد؟ ينفع."
قاسم: "أيوا ينفع، أنا هعمل لأمي الله يرحمها، وأنتي لوالدك."
أمل بفرحة: "ربنا يباركلي فيك ويرزقني منك بالذرية الصالحة، نفسي في أولاد كتير يكونوا شبهك، أنت أحلى حاجة حصلتلي في حياتي."
ابتسم وقبل جبينها: "ربنا يجمعنا دايماً تحت طاعته، ويقدرني وأفضل أشوف لمعة عينيكي دي."
ابتسمت وأراحت رأسها على كتفه مطمئنة، سعيدة. لاول مرة بحياتها، ماذا تتمنى أكثر؟ هي هنا بأطهر بقاع الأرض وبجانبها أحب شخص لقلبها وكل عالمها، تشعر بأنها طفلة صغيرة ولدت من جديد. لا شيء آخر تريده بالحياة.
أغمضت عينها وتنهدت متذكرة أخيها عابد ودعت بقلبها: "يارب يسامحني، يارب بحق حبيبك النبي يسامحني."
ــــــــــــــ
كان يجلس هو وأخيه وياسمين ودينا بشقة عابد. أخيراً أنهت ياسمين ودينا امتحاناتهم.
ياسمين بفرح: "يعني خلاص هتكتبوا الكتاب الأسبوع الجاي، مبروك يا دينا."
دينا بسعادة: "يبارك فيكِ يارب، عقبال ما أفرح بنتيجتك."
لكزتها ياسمين بجنبها: "اخرسي، لازم تفكريني وتوجعي بطني. إللي يعني الحلوة مش مستنية النتيجة."
ضحك عابد: "ليه كدا يا دينا، افتكري لينا حاجة عدلة، دانا حاسس إني أنا اللي بمتحن."
نظرت له بغيظ وتأففت. رفع يده وقال باستسلام: "آسف يا برعي."
سكت وهو ينظر لأحمد الذي يكتب شيئاً بهاتفه.
عابد: "مالك يا أحمد سرحان في إيه."
أحمد بحسن نية: "أصل بكلم أمل، بتعمل عمرة هي وقاسم، بقولها هترجع امتى عشان تحضر كتب الكتاب."
صمت عابد ونظر لياسمين. ابتسمت له. ولمحت حزنه. هي بالاخير أخته.
صمت أحمد بعدما انتبه لما قاله وقال: "آسف."
"مش يلا يا دينا بقى."
فهمت دينا وقالت: "آه اتأخرنا أوي."
نزل أحمد ودينا وبقي هما.
ابتسم لها وفتح لها ذراعه، فاقتربت بهدوء وجلست بأحضانه.
همست: "عابد."
"ممم، نعم."
وضعت يدها على بطنها المنتفخة وقالت: "أنا مسامحة أمل."
اعتدل ونظر لها بذهول: "بجد؟"
هزت رأسها قائلة: "بجد، أنا مسامحاها، هي كمان ضحية. بص، أنا مش عاوزة أولادي يكبروا يلقونا معاديين بعض، وبعدين إذا كان ربنا بيسامح، أنا يعني مش هسامح."
استدارت له: "عابد، أنا مسامحاها، كفاية لحد كده، الكره خد مننا كتير ومن حياتنا. كلمها يا عابد، متخلينيش أحس إني السبب، أنا عارفة إنك هتموت وتسأل عنها."
تنهد وحاوطها بذراعه: "ياسمين، متجيش على نفسك عشان خاطري."
ابتسمت وأحاطت خصره: "والله أنا مسامحاها. وبعدين، أنا عارفة إنك مش قادر على فراقها، وده ميقللش منك في نظري، ده بيكبرك أكتر. أنا فخورة بيك يا بوده."
ابتسم وقال بحزن: "أنا فعلاً هموت وأكلمها. كل ما افتكر إني كسرت فرحتها وخليتها تمشي بالطريقة دي وتتجوز كمان وهي نفسها مكسورة، قلبي بيتقطع عليها. سامحيني يا ياسمين، دي أختي، حتة مني، وصية أبويا وهو بيطلع في الروح. أنا عارف إنها غلطانة، بس غصب عني، مهما عملت هي أختي."
ياسمين بابتسامة: "أنا كمان آسفة، محسيتش بنفسي أول ما شفتها. خلينا نقفل صفحة الكره والحزن ونبدأ صفحة جديدة، يلا كلمها."
نظر لها بتردد وقال: "متأكدة؟"
أومأت له: "متأكدة؟"
ـــــــــــــــ
انتهوا من أداء العمرة وعائدان إلى الفندق. دق هاتفه فرفعه ونظر به وجده.
"سألته: مين يا قاسم."
ابتسم وقال: "دي الدعوة اللي دعيتي بيها انهارده، شكلها اتحققت."
نظرت له باستفسار فوجه هاتفه لها فصدمت.
"عابد."
أومأ لها ورد عليه: "إزيك يا صاحبي."
تكلم قليلاً وقال: "معاك أه."
نظرت له بسعادة وأخذت الهاتف منه. وسبقها هو لتتحدث بحريتها.
همست: "عابد."
عابد بحب: "أموله، إزيك يا حبيبتي."
سالت دموعها وهمست: "كويسة، أنت كويس؟"
عابد: "كويس طول ما انتي كويسة."
سكت قليلاً وقال: "حقك عليا يا أمل، كسرت فرحتك ومشيتك زعلانة."
أمل من وسط دموعها: "مش مهم، المهم إنك رجعتلي من جديد وسامحتني."
"مش انت سامحتني؟"
عابد: "سامحتك يا قلب أخوكي، سامحيني انتي، وادعيلي، هستناكي في كتب كتاب أحمد."
أمل بابتسامة: "حاضر إن شاء الله. في رعاية الله، مع السلامة."
أغلقت ووجدته آتياً. ارتمت بأحضانه تبكي بفرحة مرددة: "الحمد لله، دلوقتي بس حسيت إن توبتي اتقبلت."
قاسم بحنان: "الحمد لله يا قلبي."
"الحمد لله."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"أنتي يا مجنونة انتي، انتي بقيتي واكلة شيكارة مانجة، بتودي دا كله فين."
سلمى وهي تقذفه بالقشرة: "اف منك، انت بصصلي في الكام حباية اللي كلتهم، اخص عليك. وبعدين معرفش، في إيه، نفسي هفاني عليها."
فهد بتفكير: "تكوني شي بتتوحمي يا أملي الأسود."
سلمى بتفكير: "تفتكر أنت؟"
فهد بغيظ: "افتكر أنا إيه يا بقرة انتي، هو أنا اللي هحمل ولا انتي؟ عليا النعمة أنا اتغفلت بالجوازة دي."
سلمى بغيظ: "طب اوعي كدا يا أمور، خليني أعرف أحسبها بقى."
صمت بصدمة وهو يراها تعد على يديها.
"ها يا أختي وصلتي لحاجة؟"
سلمى ببلاهة: "لا، ولا حاجة، فكك، هات المنجاية دي."
فهد وهو يزيحها بغيظ: "يمهل ولا يهمل، منك لله يا سلمى."
سلمى باستنكار: "ليه بقي؟"
فهد: "بقي في واحدة في الدنيا متعرفش تحسب إذا كانت حامل ولا لا؟"
سلمى بتفكير: "طب بص، فريدة مش هنا عشان تفيدنا، روح هات لي اختبار من الصيدلية على ما أخلص المانجة دي."
فهد باستنكار: "نعم يا أختي، دا اللي ناقص، لا خليكي في المانجة أحسن. أنا نازل."
سلمى: "استنى."
فهد بغيظ: "خد أقولك."
فهد بغيظ: "بلا فهد بلابتاع، يا شيخة."
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد ساعة.
"ها يا سلمى خلصتي."
سلمى من خلف الباب: "اف، استني يا فهودي."
فهد بغلب: "أديني مستني يا قدري."
خرجت بيدها الاختبار.
"أهو."
أخذه ونظر به: "إيه دا أنا مش فاهم حاجة."
سلمى وهي تجلس ممسكة بالمانجة: "معرفش، روحي نادي لامك ولا لامي بقى، أنا عملت اللي عليا."
فهد بغيظ منها: "طب فين العلبه."
سلمى: "معرفش، شطحتها من الشباك."
أمسك بشعره بغيظ وخرج منادياً عمته ووالدته بصوت مرتفع.
هرولت نادية وخلفها زينب: "في إيه يا فهد، مالكم."
فهد وهو يشير لابنتها: "بنتك البقرة بقت مخلصة شيكارة مانجة وبقولها انتي حامل بتقول معرفش، قالت يا فهد انزل هات اختبار، جبت زفت، عملت الزفت وبقولها في إيه، رمته كدا وقالت معرفش، بلتيني ببلوة يا نادية."
نظرت نادية لابنتها التي تأكل ولا تهتم لما يقولونه. وقالت وهي تنظر لمنظر الغرفة: "والله عندك حق."
زينب بسعادة: "طب فين الاختبار ده وريني."
أعطاه لها.
"خدي يا أمه، أهون."
نظرت به وضحكت بسعادة وأطلقت زغرودة: "مبروك يا ولدي، مراتك حامل."
نظرت لها سلمى ببلاهة: "بجد يا عمتي؟"
زينب بجد يا جلب عمتك، أنت تجعديني أجده واحنا نخدموكي."
نظرت له بشماتة: "سامع الكلام."
نظر لها بغيظ واستدار لعمته: "عجبك كدا وتقولي أنا خايفة على بنتي منك. بقي بذمتك دا منظر واحدة يتخاف عليها."
ضحكت وقالت بصراحة: "لا."
نفض جلبابه وخرج متمتماً: "ماشي يا سلمى، ماشي."
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
مد يده لها: "يالا يا سولاف، تعالي."
سولاف بسعادة: "اوعى توقعني."
محمد: "أبداً، هفضل ماسك فيكي لآخر العمر."
سولاف وهي تستقر أمامه على الحصان: "توعدني؟"
محمد بهمس لها: "أوعدك."
"تعالي بقى أوريكي مكان سري محدش يعرفه غيري."
سولاف بجد: "فين دا؟"
محمد: "أهو." أشار بيده لشجرة كبيرة بآخر أرضهم. "أهي، تعالي ننزل."
سولاف بانبهار: "الله، إيه الجمال دا."
محمد وهو يجلسها أسفلها أمام البحيرة: "دا بقي مكاننا، من دلوقتي، سولاف ومحمد."
سولاف: "خلاص نكتب عليه."
محمد: "نكتب عليه."
حفر اسمه واسمها على الشجرة.
ناقشا بجانبه: "بحبك، والى الأبد."
نظرت له بخجل وصمت، تبتسم على خجلها. وهمس بأذنها: "بحبك."
نظرت له بخجل وقالت: "وأنا كمان."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"فريدة."
اقتربت منه وحاوطت عنقه قائلة: "عيون فريدة وقلب فريدة."
كيان: "إيه الرضا دا كله، لو أعرف إنك هترضي عني كده كنت جبتك هنا من زمان."
فريدة بحب: "اممم، يا ريت، أنت مش عارف أنا بحب هنا إزاي."
كيان بحب: "وأنتي مش عارفة أنا بحبك إزاي، بحبك أوي يا فريدة. بعد ما يأست وتعبت إني ألاقيقي، ربنا راضى قلبي بيكي، أنا أسعد واحد في الدنيا."
"وأنتي أجمل وأحلى ست في الدنيا كلها."
همست بأذنه: "على فكرة، الثلاث شهور عدوا."
نظر لها بصدمة: "بجد؟"
ضحكت وأومأت له.
ابتسم قائلاً: "أخيراً، هو دا."
"كيان، احترم نفسك."
"بتعمل إيه."
كان يغازلها بوقاحة. جرت من أمامه وهو يجري خلفها بعينك أنا قتيلك انهاردا.
ضحكت بسعادة وهو يجري خلفها. حررت شعرها وعادا معاً مراهقان صغيران، لا اثنان ناضجان، أحدهما على وشك الأربعين والآخر ستنهي الثلاثون. وهل تحسب السعادة بالسنين؟
(يا أعزائي اقتنصوا من العمر فرصة واستغلوها جيداً، ربما لن تأتي مرة أخرى. واعلموا أن السعادة لا تحسب بالسن ولا بالشكل ولا بالعرق ولا بالجنس، هي هبة يهبها الله لنا، إما نستغلها وإما نضيعها ونظل نعاني من حسراتها. وإن لم تجدوا الفرصة اخلقوها بأيديكم، لا تستسلموا.)
ناداها وهو يجري خلفها: "غني يا فريدة."
وقفت واستدارت له وحاوطت عنقه وقالت بسعادة: "هغنيلك أغنية ليك أنت، بس ألفيتها عشانك."
همس: "بجد، غني لي يا قلب كيان."
عانقته وشقت حنجرتها سكون الليل.
غنيت لك يا كيان
بعد سنين
بعد ما قلبي داب من الشوق والحنين
يا حبيبي قلبي من غيرك كان حزين
ضايع، تايه، كنت بدور عنك وسط الليل الحزين
بعدت عنك بس روحي كانت معاك
كنت أملي وعشت أتمنى لقاااك
يا حبيبي أنت روحي والأمنيات
ضحكة صافية وسط كومة ذكريات
آه يا قلبي آه لو تعرف كنت عايشة إزاي هناك
زي ميت والحياة من غيرك مش حياة
وانهاردا بعد عمر اجتمعنا وانتهى العمر الحزين
نفسي أصرخ، نفسي أقولك يا حبيبي من زمان
انت كنت فين؟
نفسي أقول للكون بحاله إنك أنت عشقي المستحيل
بحبك يا كيان.
"وأنا بعشقك يا قلب كيان."
رواية رحماكي الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم أسما السيد
فهد: متنهدي بقي، يا زفته، خيلتيني..
سلمي: بغيظ، اف منك، يا أخي حرام عليك، مش حاسس باللي أنا حاساه، دي نادية هتولع فيا لو مجبتش مجموع، عااا، وانت عمال تقطم فيا..
فهد: نظر لها، بشماته، وأنا مالي، اللي نجح نجح يا ماما.
سلمي: اقتربت منه بقلق، طب ادخل كدا عالموقع شوف النتيجة، قالوا بعد قليل.
فهد: بخبث، تدفعي كام، وأكلم واحد صاحبي يجبهالك من الكنترول.
سلمي: نظرت له باستنكار، يعني انت تعرف حد يجبها، وساكت؟
فهد: بفخر، طبعًا، نسيتي ياسلومة إن جوزك مهندس كمبيوتر كبير، يابت دا جوزك مهم أوي.
سلمي: صمتت قليلاً، وهي تنظر له بحقد.
فهد: خاف هو من نظرتها، ورجع للخلف، إيه في إيه ياسلمي، بتبصيلي كدا ليه، لا استني، دانا زي جوزك بردو، اهدي.
سلمي: بهدوء، اممم اهدي، طب تعالي بقي.
فهد: انقضت عليه كالأسد الثائر، يابت المجنونة، اتمني انتي حامل، يا غبية، اصبري طيب، اااه، طب هقولك والله نجحتي.
سلمي: لا كداب، بتقول كدا عشان أسيبك.
فهد: بضحك، والله نجحتي، جبتي ٩٦٪. انهدي بقيه.
فهد: كان ممددًا على الفراش، مستسلمًا لضرباتها، حتى لا تؤذي نفسها، وهي تجلس فوقه.
سلمي: اعتدلت، بصدمة، قول بجد، أنا نجحت.
فهد: وهو يرفع رأسه لينظر لها، والله نجحتي، مبروك ياسلومة، بس إيه يابت دا مكنتش أعرف إنك شاطرة كدا، قولي واعترفي غشيتي من مين؟
سلمي: بفخر، وهي تزيح شعرها، أغش، لا طبعًا، دا احنا جامدين أوي.
فهد: بخبث وهو ينظر لمنحنياتها بوقاحة، لا من جهة جامدة، فهي جامدة بصراحة.
سلمي: بصدمة، آه ياسافل، اوعى، هروح أقول لماما.
فهد: وهو يجذبها لتصبح أسفله، لا مش أما أباركلك أنا الأول.
سلمي: بمكر، ما أنت قولت مبروك مرة، اوعى بقي هي قصة.
فهد: بمكر، وماله أقول تاني، واحنا ورانا حاجة.
سلمي: همست بدلع، فهد.
فهد: بحب، عيون فهد.
***
ياسمين: استمعت لفتح قفل الباب، فهرولت كالعادة، لتستقبله، بود.
عابد: التقطها بذراعيه، قلبي بودة.. مالك وشك مخطوف ليه؟
ياسمين: بخوف، ها بجد؟
عابد: بمكر، أه مالك كدا.
ياسمين: امسكت بطنها، وقالت بغيظ، هو وشي بس، دا بطني وكل حاجة فيا مخطوفة؟
عابد: ضحك بعلو صوته، عليها، ليه ياقلب بودة؟
ياسمين: وهي تدب بالأرض، عابد متحور، أنت عارف، أف بقي، النتيجة ظهرت، وخايفة أخش أجيبها.
عابد: بحنان، أخذها من يدها، وأجلسها وجلس بجانبها، اهدي كدا، يا ياسمينة. الموضوع مش مستاهل، يا قلب عابد، أنا متأكد إنك هتنجحي.
ياسمين: بتوتر، بردو خايفة.
عابد: مد يده وجذبها لأحضانه، يعلم أنها تتوتر وتخاف بسرعة، وهذا خطر عليها، خدي نفس يا قلب عابد، واستهدي بالله كدا.
ياسمين: نظرت له وجدته يعبث بهاتفه.
ياسمين: نظرت له بخوف، بتعمل إيه؟
عابد: بهدوء، هوريكي حاجة.
عابد: فتح هاتفه، بسعادة، وأعطاه لها، شوفي كدا.
ياسمين: بخوف، أشوف إيه؟
عابد: بصي بس، متخافيش.
ياسمين: شجعت نفسها، ونظرت، لما أمامها، نتيجتها، أغمضت عينيها عدة مرات، وهمست، دا بجد؟
عابد: ابتسم، واحتضنها، جد الجد، إن شاء الله تلحقي طب القاهرة، أنا فخور بيكي يا ياسمين.
ياسمين: وضعت يدها علي فمها بصدمة، عابد أنا جبت ٩٨.٥ بجد؟
عابد: بضحك عليها، وهو يزيح يدها عن فمها، بجد يا قلبي، عابد، مبروك يا أحلى ياسمين.
ياسمين: بسعادة، حاوطت عنقه، وبكت، مش مصدقة بجد، الحمدلله يا رب.
عابد: أبعدها، هامساً بحنان، الحمدلله يا قلبي، مبسوط إنك هتحققي حلمك.
ياسمين: بامتنان، لولاك كنت ضعت وضيعت حلمي، ربنا يخليكي ليا، أنا بحبك أوي يا بودة.
عابد: بهمس، وهو يلتقط شفتيها، وأنا بعشقك يا قلب بوده.
***
في قاعة المحكمة.
حكمت المحكمة حضورياً، على كل من، سعدية متولي، وسويلم راشد، بإحالة أوراقهم إلى فضيلة مفتي الجمهورية.
وعلى حسام الصادق، بالأشغال الشاقة المؤبدة.
رفعت الجلسة.
محمد: صاح، يحيا العدل، وخلفه سولاف، يحيا العدل.
نادية: اقتربت من القفص الموضوعين به.
سعدية: نظرت لها بكره، وقالت، جايا تشمتي فيا يابت فريدة أني كانت النار أهون عندي، ولا إنك تنتصري علي.. وتمني عليا.
نادية: بتهكم، يعني أنقذتك من النار، وبردو اتمنتيها، تصدقي أنا غلطانة، فعلًا، بس معلش، بردو، كفاية عليا إن ابني مشلش ذنبك، مع إن كان سهل أسيبك جوه، بس قولت لا مش هضيع عمري وعمر ولادي بـ انتقام عقيم، ما أنت عشتي عمرك تدوري عالانتقام. خدتي إيه؟
سعدية: بغل، خدت روح جوزك اللي مش هترجع أبدًا، أني اللي سقيته دم الحيض ياجل ما يودع الدنيا، بس اتأخر، جولت أريحه بدري بدري.
نادية: بتهكم، يا عيني عليكي، وعلي آخرتك، بجد شفقانة عليكي، انتي إزاي كدا، أنا جوزي في الجنة ونعيمها عشان ما أذاكيش في حاجة، إنما انتي واللي زيك، ونظرت لحسام وسويلم بكره، جحيم وبئس المصير.
سويلم: بحزن، سامحيني يا خيتي، أنا مش طالب غير السماح، عاوز أموت مرتاحة.
نادية: تنهدت بحزن، مسامحاك يا سويلم، ربنا يرحمك.
كيان: اقترب من عمته، يالا، يا عمتي. ملهاش لازمة الوقفة هنا.
سويلم: سامحني يا ولدي، وخلي أخوك يسامحني.
نادية: ربتت على كتف كيان، مسامحينك يا سويلم. صح يا كيان.
كيان: ابتسم بحزن، قائلاً، صح يا عمتي.
سعدية: صاحت بغل، كنت عاوز تحرج ستك يا كيان.
كيان: بسخرية، للأسف معرفتش يا ستي، في آخر لحظة، مطاوعنيش قلبي، مهما كان، ما أنتي بردو ستي، واللي واقف جنبك دا، أكل معايا عيش وملح، وأنا مش ربنا عشان أحرقك. وأنا كنت متفق مع عمتي، على كل حاجة، إحنا كدا كدا، كنا هنحرق الدوار، عشان الآثار اللي تحته، ودم الأبرار، اللي قتلتيهم يا ستي بدم بارد. وأظن، في اللحظة الحاسمة، لقيتو اللي خرجو.
حسام: بحزن، سامحني يا كيان، كنت متأكد إنك استحالة، قلبك يطاوعك تعمل كدا، واديني خدت جزائي.
كيان: بتهكم، بتسمي، الأشغال الشاقة، جزاء، أنت كان عدالك المشنقة، أنت حاولت تقتل روح بريئة، ما أذتكش في حاجة، كان ذنبه إيه محمد، جاي تقتله. يالا، ربنا يتولاك، أنا عن نفسي، سامحتك. سامحتكو كلكو.
سعدية: رفعت عينها وحطت عالجد، الجالس برزانة.
سعدية: بغل، وحرقة، أني عشقتك أنت، يا راشد، وانت عشقتها، لو رجع الزمن بيا كنت قتلتها بيديا، وقطعتها جطيع.
راشد: رفع رأسه لها، بحزن، قائلاً، وأني لو رجع الزمن بيا لورا، كنت اتخليت عن الدنيا بحالها وخدتها ومشيت، أني كنت عارف إنك حية، بس متوجعتش إنك شيطان رجيم.
راشد: أدار وجهه، وصاح بهم، يالا يا نادية، يالا كيان، يالا دول ميستهلوش، السماح.
بالسيارة.
محمد: الحمدلله يا ماما، إنكم خرجتوهم، قبل ما ينحرقوا، بجد كنت خايف، أنا كنت بس عاوز أعيشهم حرجة الجلب عالدنيا.
الجد: بابتسامة، عفارم عليك، يا محمد، إحنا يابني مش جد عذاب الآخرة، دي برديك روح (ولا يعذب بالنار إلا رب النار).
محمد: وهو يقبل يد جده، لولا إنك فهمتني يا جدي، كنت وقعت بالغلط دا، بس بردو، نفسي يبقوا عبرة، لمن يعتبر.
الجد: بهدوء، متجلجش يا ولدي، ربك بالمرصاد.
محمد: بس مقلتليش يا كيان، أنت خرجتهم إزاي.
كيان: بابتسامة، يا ابني اللهم احفظنا، ستك كانت عاملة أوضة كدا للخزعبلات بتاعتها، الأوضة دي، بتوصل للمقبرة علطول، مينفعش تتفتح إلا من برا، هي حاولت تفتحها، بس معرفتش، ولأن اللي معاها، غضبو عليها بعد موت سلوى، رجالة وجدي، أول ما النار ولعت أدتهم رنة، دخلو، وسحبوهم، وبرا كان راضي مستنيهم في البوكس، وانتهي الموضوع، انسي هما خدوا جزاءهم.
محمد: وهو يستكين للخلف، بجواره سولاف.
سولاف: عندك حق، كدا الواحد يعرف ينام، بأمااااان.
محمد: أخيرا.
سولاف: نظرت له وابتسمت.
محمد: فهمس لها، بحبك.
سولاف: خجلت وخفضت رأسها.
نادية: ضربته أمه، وهمست، عيب، جدك قاعد.
محمد: باستنكار، ماشي، اديني اتلميت أهوو.
***
بعد شهرين.
فريدة: مالك.
كيان: نظر لها وصمت.
فريدة: جلس بجانبها، في إيه مالك؟
كيان: تنهدت، وقالت، كيان، أحمد، عاوز يشوف الولاد. طلبهم كام مرة، وفي كل مرة بطلع بحجة جديدة. أنا مش عارفة أصرف إزاي.
كيان: بهدوء، رغم الثورة بداخله، مازال، اسم ذلك الشخص يثير الذوابع به.
كيان: طب تعالي، نخرج، نتمشى شوية بالعربية.
فريدة: دا وقته، مليش نفس.
كيان: ابتسم، ومد يده يتحسس بطنها المنتفخة، طب لو قلتلك هنروح الكوخ أنا وانتي وسليم وسيليا، والمفعوصة دي.
فريدة: ابتسمت وهي تعانق يده التي تسير بحنان على بطنها، بجد، مع إنك كنت رافض، حد يدخله غيرنا.
كيان: ابتسم، ومد يده ليجذبها، مهو ولادنا، هما إحنا، عشان كده مسموح لهم هما بس يشوفوه، يالا بقي، قبل ما جدك يقفشنا، وكالعادة يمنع سليم وسيليا، يخرجوا معانا.
فريدة: ابتسمت، عندك حق، يالا دا جدك مستحوذ عليهم بطريقة صعبة، أوي.
بعد نصف ساعة، كانو يجلسون على تلك الأريكة أمام الكوخ، وسليم وسيليا، يلعبان بسعادة، أمامهم.
كيان: قهقه، وهو يرى سليم، يصف لأخته، كيف يذهب من هنا، لو جدي بالجبل.
فريدة: ما شاء الله سليم، له مستقبل مع مطاريد الجبل.
كيان: ضربته على صدره التي تضع رأسها عليه، وكأنه خلق لها. اخرس، ابني هيبقى ظابط أد الدنيا.
فريدة: ضحك، وقال، أحلى ظابط إن شاء الله.
كيان: تنهدت وسكتت، فعلم ما تفكر به.
كيان: حرر شعرها، ومد يده يعبث به، هامساً بأذنها، بحبك.
فريدة: قبلت صدره، وردت عليه، وأنا كمان.
كيان: تنهد، وقال، خليه يشوفهم يا فريدة. متحرميهومش من أبوهم.
فريدة: ابتلعت ريقها، ونظرت بتردد له، بس.
كيان: بهدوء، مبسش، اسمعيني، عارفة يا فريدة، لو كان طلب الطلب ده في وقت غير دلوقت، يمكن كنت قمت الدنيا وقعدتها، ومخلتش يشوفهم، لأنه ببساطة ميستحقهمش. الأبوه مش كلام وبس، دي مشاعر فطرية بتنولد جواكي، من أول ما بينحط بذرتها.
كيان: ابتسم، وقال، عارف مش فاهمة حاجة؟
فريدة: ببساطة، أنا حاسس باللي هو فيه، لأن جربته وعشت فيه، كلمة بابا اللي بسمعها من سليم وسليم، بتخليني طاير من الفرحة، كنوز الدنيا متسواش عندي حاجة، أد كلمة بابا أول ما يشوفوني ويجروا عليا عشان أحملهم. لما بيتعبوا بحس أنا اللي تعبان، أنا حاسس، بيه جدا، وخصوصًا، لما يكون عارف ومتأكد إن ولاده نسوه وبينادوا لغيره بابا. خليهم يروحوا يا فريدة، بدل ما يجي اليوم ويروحوا من ورانا، خليهم يروحوا بإرادتنا. خلينا نبدأ بالخير، وبلاش الأولاد ندخلهم بمشاغلنا، بكرة هننزل القاهرة إن شاء الله، طالت قعدتنا هنا، والشركة بقالي كتير مش متابعها. يقدر ياخدهم، ويجيبهم يناموا في حضنك آخر الليل.
فريدة: تنهدت براحة، وشدت على أحضانه. ربنا يخليك ليا يا كيان. متعرفش، ريحتني إزاي.
كيان: ابتسم وقبل رأسها، ويخليكي، يا قلب كيان.
***
دينا: جلست بجانبه، بهدوء، تزوجا منذ شهر.
دينا: بقلبه حنية العالم، أحيانًا يبدو، رجلاً ناضجاً، والكثير طفلاً تائهاً، عشقته وقبلت به كما هو، بغلطاته القديمة وذنوبه، هي رأت به جانباً لم يره أحد، ولم يحاول أحد أن يخرجه للنور. أحمد شخصاً حنوناً، عطوفاً، ارتكب العديد من الخطايا، ولكنها سامحته، من منا بلا خطيئة.
دينا: تنهدت من شروده، الدائم تعلم مابه، مدت يدها وجذبته بهدوء لأحضانها، وكالعادة استجاب لحضنها الدافئ.
أحمد: مد يده وحاوطها من جميع الجهات، ترك نفسه لأحضانها، تفعل به ما شاءت، هي الوحيدة المسموح لها أن ترى ضعفه. لا يخجل منها، هي ذاته، وهل يخجل شخص من ذاته.
أحمد: أغمض عينه، واستسلم لدفء يديها التي تسير على رأسه.
دينا: همست، وحشوك؟
أحمد: تنهد، أوي، الضنا غالي أوي، معرفتش قيمتهم إلا لما بعدوا عني، أد إيه كنت مغيب، أنا لما بفتكر إني اتنازلت عنهم بكل خسة ببقي عاوز أموت نفسي. أنا مستحقهمش، بس غصب عني، نفسي أشوفهم. دول ولادي، والله بحبهم، بحبهم أوي يا دينا.
دينا: ابتسمت وقبلت رأسه، عارفة يا قلب دينا. عارفة.
رن جرس الباب، فاستقام، هشوف مين.
دينا: أومأت له، ومدت يدها تتحسس، بطنها، بابا حنين أوي، أكيد هيفرح بيك، زي أخواتك متقلقش.
أحمد: فتح الباب وصدم، مما أمامه.
أحمد: بصدمة، أنت.؟
كيان: بهدوء، جاي عشان أتكلم معاك شوية، ممكن.؟
أحمد: ابتلاع ريقه وأشار له بالدخول، اتفضل.
كيان: دخل، ولمح دينا، فابتسم لها، إذيك يا دينا.؟
دينا: بابتسامة، ازيك يا كيان، اتفضل.
أحمد: أومأ وجلس، تركتهم دينا، عن إذنكم، هعملكم حاجة تشربوها.
أحمد: أومأ لها. ودخل.
صمت تام حل عليهم.
كيان: وتكلم أخيرًا، طبعًا مستغرب زيارتي دي، عمومًا ياسيدي هخش في الموضوع علطول. أنت طلبت تشوف الولاد، مش كده.
أحمد: هز رأسه، وأجابه، بتريث، أيوا.
كيان: تمام. أنا معنديش مانع إنك تشوفهم، بص يا أحمد اللي فات بحلوه ومره، مالوش لازمة إننا ننبش فيه، اللي بينا دلوقتي الولاد. وأنا يهمني مصلحتهم، وأهم حاجة، إنهم يطلعوا أسوياء نفسياً، مش عايز يجي يوم وسليم يسألني، ليه يابابا منعتني من بابا الحقيقي. أو يسألني فين بابا. عشان كدا، نتفق اتفاق، هسمح ليهم يجولك، بس ياريت تقفل، على اللي فات، ولو حصل وسألوك، أي حاجة، عنك وعن والدتهم، ياريت تقول زي ما احنا بنقول، سوء اتفاق. ومن النهارده، كل شهر هجبلك ولادك يقعدوا معاك الأسبوع اللي هنجيه هنا، القاهرة، لأن صعب عليا أسيب البلد حاليًا. إيه، رأيك؟
أحمد: بفرحة، طبعًا موافق، ولو حتى يوم واحد أنا موافق. متشكر جدًا.
كيان: بابتسامة باردة، تمام، كدا متفقين، تقدر تنزل معايا تاخد الولاد، هيقعدوا معاك الأسبوع دا، إن شاء الله، طول اليوم هيبقوا عندك بس أسف، آخر الليل لازم تجيبهم يناموا في حضن فريدة.
أحمد: بحزن، عارف، إن روحها فيهم، خلاص تمام، موافق.
***
فريدة: كانت تجلس بالسيارة تنتظره أن يهبط، خائفة وبشدة أن يفتعل كيان مشكلة معه.
فريدة: لمحته يخرج أخيرًا من البناية وخلفه أحمد.
فريدة: كان سليم، وسيليا يلعبان بالمقعد الخلفي.
فريدة: لمح سليم والده آتياً خلف كيان، فصرخ بسعادة، بابا أحمد، بابا اهو ياماما.
فريدة: نظرت لابنها الذي اندفع، فاتحاً قفل الباب وخرج مهرولاً لأبيه.
فريدة: بحزن، بابا.
أحمد: رآه يأتي مهرولاً، له، فضحك وامتلأت عينه بالدموع، فتح ذراعيه له، يستقبل طفله. حبيب بابا، وحشتيني أوي ياسليم.
سليم: بفرحة، وأنت يابابا، وحشتيني جووي، جووي.
أحمد: يقبله قبلات كثيرة بوجهه، هامساً بفرح، وأنت وحشتني يا قلب بابا.
أحمد: لمحها تقف على مقعد السيارة تنظر له ولأخيها بخوف، كانت طفلة صغيرة، لا تعي عليه.
أحمد: اقترب منها ومد يده لها، سيليا يا قلب بابا، مش هتسلمي على بابا.
سيليا: هزت رأسها، بدموع وخوف، ومدت يدها، لكِيان الذي يقف ينظر للمشهد بصمت.
كيان: لا رد فعل.
سيليا: همست، لكيان، ومدت يدها ليلتقفها، بابا.
أحمد: صدم وابتلع غصته، وهو يراها تختبئ منه بأحضان غريمه الوحيد.
كيان: بحنان، قلب بابا، إحنا قولنا إيه.
سيليا: هزت رأسها، وانفتحت في البكاء. رفضت رفضًا تامًا، أن تذهب مع والدها.
أحمد: ابتلاع غصته وهو يراها أخيرًا تهبط من خلف زجاج سيارته المغيمة.
أحمد: ابتلاع ريقه وهو يرى منظر بطنها المنتفخ وكبت حزنه بداخله وقال، إزيك يا فريدة.
فريدة: أومأت له، بلا مبالاة، إزيك أحمد، معلش خد سليم، سيليا لسه مش واخدة عليك، خليها معايا، واحدة واحدة على ما تعرفك.
أحمد: أومأ، براسه، حزينا، يكبت خيبته، ومرارة حلقه، قائلاً، تمام، مفيش مشكلة، يالا ياسليم.
سليم: ابتسم وهو يمسك بيد أبيه، يالا يابابا، استدار لهم، سلام يابابا، سلام ياماما، أشوفكم بالليل.
أحمد: مد يده وحاوطها بحنان، يعلم ما تمر به. متقلقيش هيبقي كويس.
فريدة: همست، بخوف، يارب. يارب يبقي كويس.
***
قاسم: مالك يا أمل. فيكي إيه يا حبيبتي.
أمل: ردت بتعب، وهو يمسح لها وجهها، بعدما تقيأت للمرة التي لا يعلم عددها. مش عارفة يا قاسم، تعبانة أوي.
قاسم: أجلسها بهدوء على الفراش. وجفف وجهها، ولا كلمة تاني، هنروح المستشفى، أنا غلطان إني سمعت كلامك، كنا لازم نروح من الصبح.
أمل: بخوف، أنا هبقى كويسة، هشرب حاجة سخنة وهبقى كويسة.
قاسم: وهو يخلع لها ثيابها، بلا كلام فارغ، يالا البسي، هنروح يعني هنروح.
أمل: استسلمت له، فهي بالفعل مريضة.
قاسم: أنهى لها ارتداء ملابسها، وجذب نقابها، وألبسه لها، يالا يا قلبي.
أمل: بضعف، حاضر يا قاسم.
بعد ساعة.
قاسم: في إيه يا دكتورة طمنيني.
الدكتورة: بابتسامة، متقلقش كدا، هو أول حمل ولا إيه.؟
أمل: ابتلاعت هي غصتها، وردد هو بذهول، حامل، وتناسي ما قالته قصدًا؟
الطبيبة: أه حامل، مبروك، المدام حامل، في ٣ شهور، إزاي محستيش.
أمل: بخجل، أصلها مش كانت منتظمة، لأني بعاني من فقر الدم.
الطبيبة: للأسف فعلاً، ودا خطر جدا عالجنين. لازم راحة وتغذية، سبحان الله، احمدي ربنا، إن رزقكو على طول، غيرك بيقعد سنين يتعالج.
أمل: بابتسامة، الحمدلله. دي أول دعوة دعتها عند الحرم، يرزقني منه بالذرية الصالحة.
قاسم: ابتسم وأحاطها بحنان، الحمدلله يا حبيبتي، الحمدلله.
بالمنزل.
قاسم: أغلق الباب، ووقف ينظر لها بذهول، ممزوج بسعادة، على صدمة. أنتي حامل يا أمل، بجد، أنا مش مصدق.
أمل: الحمدلله، مبسوط يا قاسم.؟
قاسم: بذهول، مبسوط بس، أنا أسعد واحد النهارده.
قاسم: حملها بسعادة، صاعدًا للأعلى، من النهارده متعمليش حاجة خلاص، شبيك لبيك قاسم بين إيديك فاهمة.
أمل: فاهمة، بس كدا أنا هاخد عالراحة، وأنت حرق.
قاسم: بحب، ارتاحي يا قلب قاسم، من حق الكبير يدلع.
***
سمر: تنظر للاختبار بيدها بصدمة، للمرة التي لا تعلم عددها.
سمر: بهمس، أنا حامل، أخيرًا.
سمر: ابتلعت غصتها، ونزلت دموعها، وهو يدفع باب المرحاض عليه.
راضي: مالك يا سمر بنادي عليكي، من بدري، دا كله في الحمام قلقتيني.
سمر: ابتلعت ريقها ومدت يدها له بالاختبار.
راضي: إيه دا، مش فاهم حاجة.
سمر: بسعادة، أنا حامل يا راضي، حامل.
راضي: ابتلاعه ريقه، وهمس، بجد ولا بتهزري.
سمر: هزت رأسها بسعادة، أه بجد، بجد.
راضي: اختطفها لخارج المرحاض، وقال، إحنا خرجنا أهو، احلفي بقي.
سمر: بسعادة، والله، حامل، حاااامل.
راضي: فرت دموعه، وهو يذرعها بأحضانه، مش قلتلك ربنا كبير وأهو عوضنا أهو، الحمدلله يا رب. اللهم ديمها نعمة واحفظها من الزوال.
***
دينا: أنتي حامل.
دينا: هزت رأسها بفرحة.
أحمد: فجذبها بسعادة لأحضانه، ضاحكاً بسعادة، مبروك يا دينا، لو تعرفي أنا مبسوط إزاي.
دينا: بخوف، بجد يا أحمد مبسوط بابني.؟
أحمد: بعدما فهمها، مبسوط بابننا يا دينا، كلهم ولادي يا دينا، ربنا يقدرني وأقدر أعوضهم كلهم عن اللي عملته زمان.
دينا: ابتسمت، بسعادة، وحاوطت عنقه، هتقدر أنا متأكدة إنك هتقدر. حبيبي البطل، اللي فخورة بيه، هيقدر.
أحمد: بسعادة، هقدر وانتي معايا، أنتي أحلى حاجة حصلتلي يا دينا. بحبك.
دينا: وأنا بعشقك يا قلب دينا.
***
بعد ثلاثة أشهر آخرين.
عابد: يقف على المرحاض ينتظرها بقلق، افتحي يا قلب عابد، أشوف فيكي إيه.
ياسمين: خرجت تستند على الحائط، هموت يابوده، مش قادرة، هولد.
عابد: أسندها، بخوف، طب إيه مش فاضل لسه أسبوع.
ياسمين: هزت رأسها بتعب، لا وديني المستشفى بسرعة، يا عابد، أنا تعبانة أوي.
بعد ساعة كان يقف ينظر لباب غرفة العمليات بخوف، لقد قرروا أن تلد الآن وقيصرية.
بجانبه أحمد ودينا المذعورة ببطنها المنتفخة قليلاً.
فريدة: أتت مسرعة حينما أخبرها عابد، لقد أصرت ياسمين أن تأتي، لها.
فريدة: بقلق، هي فين؟
عابد: اهدي يا فريدة، هيولدوها قيصري.
فريدة: أومات، ونظرت لدينا، وابتسمت، إزيك يا دينا، عاملة إيه؟
دينا: بحب لها، (فريدة لطالما كانت أختاً لهم)، الحمدلله، تمام. وحشتيني يا فريدة.
فريدة: بابتسامة، وأنا يا دينا ومامتك، وحشتوني.
كيان: جاء من خلفها، حبيبتي تعالي نقعد، لتعمليها انتي كمان، لسه بدري.
فريدة: أطاعته، بتعب، أنت بتقول فيها، أنا حاسة إن هعملها دلوقتي.
كيان: جحظت عيناه، نعم. يختي، بتكلمي جد.
فريدة: استمعت، لصوت أطفال شقيقتها، ومعه ارتفع، صوتها هي. اااه، الحقني يا كيان.
الجميع: جرى الجميع على صراخها، واختبأت دينا، بحضن أحمد بخوف.
أحمد: بحنان، اهدي يا حبيبتي متخفيش، انتي لسه بدري عليكي.
***
مساء اليوم التالي.
عابد: الله يابوده، شكلك بالظبط، شوفت إزاي؟
ياسمين: ضحك عليها، وهو ينظر لابنته النائمة بسلام على يديه، لا دي هي اللي شبهك بالظبط. بصي كدا.
ياسمين: ردت بلهفة، وريني كدا؟
عابد: قربها منها، بصي شكلك إزاي؟
ياسمين: عبست، لا كذاب، شكلك يابوده، محدش فيهم شكلي.
عابد: قهقه عليها، أومال إيه، نفسى يجوا شكلك كل شوية دي. زعلانه ليه بقي؟
ياسمين: ابتسمت، وقالت، مش زعلانه، أنا أسعد واحدة في الدنيا، قولي بقي هنسميهم إيه.
عابد: أنا هسمي البنت، وانتي سمي الولد. متفقين.
ياسمين: ماشي موافقة، أنا هسمي علي.
عابد: ابتسم، وقال، وأنا هسمي ريما.
ياسمين: رددت، علي وريما، جميل.
ياسمين: رفعت رأسها، وجدتها تقف تنظر لها بحنان، صدمت وقالت، ماما. أنتي جيتي.
شريفة: اقتربت منها، قلبي ماما، حمد الله على سلامتك يا أم علي.
ياسمين: احتضنتها، قائلة، وحشتيني أوي يا ماما. أووي.
شريفة: وأنت كمان يا قلب أمك، لما عابد كلمني مكنتش مصدقة، إنك انتي وأختك مع بعض، جيت جري.
***
كيان: يقف ينظر لابنته بغلب، بين يدي أمه وعمتهم.
كيان: هتجيبي أشيلها شوية يا عمتي، أشوف شكلها إيه؟ من ساعة ما خرجت من الحضانة وانتي مكلبشة فيها.
نادية: بغيظ، قولتلك لا، البنت لسه عضمها طري، توقعها، وبعدين اسكت خالص، أنت السبب في ولادتها بدري، قولتلكو بلاش نطيط، كل يوم رايح جاي.
كيان: بغلب، يادي النيلة، ماشي يا عمتي، شكرا.
كيان: جلس بجانبها، عجبك كدا.؟
فريدة: أراحت رأسها على كتفه، سيبك منهم، خليك معايا أنا.
كيان: بخبث، مانا معاك اهو يا جميل، أظن كدا بقي هينفك الحظر، وتبقي مليطة.
فريدة: بصدمة، سافل، والله، وبعدين لسه أربعين يوم.
كيان: باستنكار، ٤٠ يوم، طب ياختي اوعي كدا. بلاش تلعبي على مشاعري.
فريدة: ضحكت عليه واستدارت برأسها. لمحتها تدخل من الباب.
فريدة: صاحت بسعادة، ماما، شريفة.
الجميع: صدم الجميع من صياحها.
شريفة: رفعت يدها لها، وسالت دموعها. ماما، أنتي هنا، بجد.
فريدة: اقتربت منها، وأخذتها بأحضانها، بكت بحرقة وهي تقبلها، من كل مكان، طالته شفتيها، بنتي حبيبتي، وحشتيني يا نور عيني، مصدقتش روحي لما قالولي إنك هنا.
شريفة: وحشتيني يا قلب أمي، وحشتيني أوي.
فريدة: بدموع، أنتي أكتر يا ماما، وحشتيني أوي.
زينب: همست، لكيان الواقف بصمت، وحزن، مين دي يا كيان؟
كيان: دي والدة فريدة، اللي ربتها.
نادية: بهدوء، أعطت الطفلة لزينب. واقتربت منهم، مدت يدها وحطتها على كتف شريفة.
شريفة: امرأة رغم فقرها جميلة، أنيقة بثيابها البسيطة، وجهها المتسامح، يظهر رقي وتحضر.
شريفة: التفت لها، بحيرة، مش عارفاني، أنا نادية مامت فريدة.
نادية: بغصة، أهلا بيكي. كان نفسي أشوفك من زمان، راجي كان دايما يحكي لنا عنك، وللأمانة أنت زي ما حكى عنك بالظبط.
نادية: ابتسمت، وأنتي زي ما وصفتك ليا فريدة، كل ما تشتقلك كانت تيجي تترمي في حضني وتبكي. كان صعب عليا أسمعها بتبكيكي انتي. بس بردو كنت برجع، وأقول الحمدلله إن قفلها ست طيبة، أدتها الحنان اللي اتحرمت منه، أنا مديونة لك بكتير أوي.
شريفة: سالت دموعها وهي تميل على فريدة تحتضنها، دي بنت روحي، أنا صحيح مخوفتهاش، بس هي أغلى من ولادي نفسهم. متشكرنيش، أنا معملتش حاجة.
شريفة: طب وأنا، يا فريدة موحشتكيش.
فريدة: جحظت عيناها، وهي تراهم معا، كريم، بابا.
والدها: بعتاب، كريم بس، وأبوكي لا.
كريم: اقترب منها، واحتضنها، وحشتيني يا فار.
فريدة: ضربته على رأسه بحدة، قولتلك متقولش الاسم دا تاني، شايف يابابا.
والدها: ابتسم وهو يضرب ابنه، على رأسه، اتلم يا كريم اختك الكبيرة.
فريدة: مدت يدها له، فاقترب واحتضنها بحنان، وحشتيني يا قلب أبوكي.
والدها: وأنت كمان وحشتني يابابا.
فريدة: هدأت لوعتها وهم يحاوطها جميعًا.
كيان: ينظر لها بحب وفرحة لفرحتها، رفعت نظرها وحطت عيناها بعينه، حركت شفاها، بكلمة، بحبك.
كيان: رد عليها، بهمس يشبه همسها، وأنا كمان.
***
بعد يوم.
بمنزل كريم أخيها.
كريم: أصر أن يأخذ أختاه الاثنان معه، حتى يتم نفاسهما، ببيته الذي اشتراه، من ماله الذي جمعه بسنين الغربة والشقي. لقد تغرب طفلاً، بعدما افتعل الحادث اللعين وأثر على قدمه، اضطر والده غصبًا أن يرميه بيديه للبحر، في رحلة اللا عودة، الهجرة غير الشرعية.
سافر ولم يكمل عامه الثامن عشر، إلى إيطاليا، قبض عليه الصليب الأحمر وأدخلوه لمدرسة داخلية، أكمل تعليمه، وشق طريقه، هو الآن بعمر،٢١، كـون مستقبله ونزل بعدما حصل على إقامة البلد، علم من والده ما حدث بغيابه، وأصر أن ينتقلا للقاهرة، اشترى هذا البيت، وباقي أمواله سيستثمر بها.
وتحت رغبة فريدة وياسمين، بالبقاء معا، رضخ الجميع.
تحت حزن نادية المستتر.
كريم: وهو يجلس بجانب أختاه، بسعادة. وحشتني لمّتنا أوي، يا بنات.
فريدة: وأنت وحشتنا أكتر، يا كيمو.
ياسمين: بعبوس، بودة وحشني أوي.
كريم: ضربها أخوها، يابت اتقلي دا لسه ماشي.
شريفة: اقتربت والدتها، منها، متقلقيش يا قلب أمك أنا روقت الأوض، وأبوكي حلف على عابد ليقعد معانا، وكيان كمان. وهما جبروا بخاطره ووافقوا. ياريت أمك وأم كيان تيجي يا فريدة، أنا حاسة إنها زعلت.
فريدة: بهدوء، ماما لا يمكن تزعل، دي أطيب قلب في الدنيا وبعدين هي زمانها جاية، امسكي فيها، هي ماهتصدق، وهتقعد.
شريفة: خلاص هعمل كدا.
عبدالله: دخل والدها، وجلس بجانب ابنه.
فريدة: تنظر لها بحنان. سميتيها إيه يا فريدة.
فريدة: بغيظ، كيان سماها، سدرة، يا بابا.
ياسمين: بضحك، حلو سدرة دا. من دلوقتي علي، لسدرة.
عبدالله: رفع عينه يتأمل وشوشهم، التي اجتمعت بعد غياب وتنهد بحب، وراحة، أخيرًا. ربنا ما يحرمني من جمعتكم، يارب، سامحوني يا ولاد، أنا عارف إني كنت أب ضعيف، بس غصب عني، العين بصيرة والأيد. كانت قصيرة. سامحيني يا فريدة. أنا عملت كدا عشان مصلحتك.
فريدة: بحب، انسي يا بابا وخلينا نفرح. متفكرش غير في دلوقتي. في جمعتنا دي.
عبدالله: أغمض عينيه، بسلام، عندك حق يا بنتي، ربنا يكملها بالستر علينا يارب.
شريفة: ربتت على كتفه، وهمست بأذنه وهي تلتصق به، وحبيتني، يا شريفة؟
عبدالله: همس، بأذنها، حبيتني، يا شريفة؟
شريفة: مدت يدها وأحاطت بها كفه الذي برزت عروقه من التعب والشقاء، لسه بتسأل يا عبدالله. أنا حبيتك أكتر من نفسي، النومة جارك على الأرض، كانت أحلى عندي، من سراير الدنيا. أنت أحلى نصيب، يا أبو فريدة.
عبدالله: وأنتي أجمل ست في الدنيا، ربنا يخليكي ليا.
***
بعد ٧ أيام.
بأسبوع، علي وريما، وسدرة ابنة فريدة.
بمنزل كريم.
فريدة: بصدمة، إيه، دا، دي العيلة كلها هنا.
كريم: من ورائها، أومال إيه، يابت، أخوكي بقي جامد أوي، زمن الفقر انتهى، وانهارده بقي هعملكم أحلى سبوع، لأحلى فريدة. ياسمين.
فريدة: بحنان، يا حبيبي يا كريم، كبرت ياصغنن وبقيت راجل، ربنا يحميك.
كريم: بحب، عارفة يا فريدة، كنت كل ما أيأس في الغربة، أفتكر نومتنا على الأرض، وحوجتنا، تعب أبوكي بالليل وهو شايل إيده بيزعق بيها، من الشغل، والمرار. أمك وهي مكفية بتخيط على المكنة، عشان تلم قصقوصة كدا ولا كدا عشان تظبطها، ونلبسها.
فريدة: بضحك، بس متنكرش، كانت بتطلع أحلى من الجديد.
ياسمين: من ورائهم، دي كانت البنات بيحسدونا على اللي ماما بتلبسهولنا.
شريفة: بحب، من خلفهم، عشان كنتوا راضيين، الرضا أحلى حاجة في الدنيا. وأهو الحمد لله، رضينا وربنا رضي.
شريفة: تعالوا بقي في حضني، عشان لسه مش مصدقة إن انتوا حواليا.
الجميع: ارتموا بأحضانها، بسعادة.
نادية: جاءت من خلفهم، على فكرة أنا غيرانة، هو مينفعش تحضنوني أنا كمان.
سلمي ومحمد: من خلفهم، بضحك، ينفع يا نادية، متحضنوها، يا جماعة.
الجميع: اقتربوا منها جميعًا يحتضنوه.
نادية: بضحك، هفطس مش عايزة أتحضن، يخربيتكو.
نادية: بعدما ابتعدوا عنها، ربنا ما يحرمنا من جمعتنا أبدًا.
شريفة: يارب.
محمد: نستوني، يالا تعالوا عشان تحضروا الدبح، جدكو مصمم، تحضروا. يالا.
ياسمين: هييه بجد، أنا عاوزة أشوف.
محمد: طب يالا بقي هاتوه العيال دي.
بحديقة المنزل.
عابد: اشترى يومان، المنزل المجاور، وفتح الحديقتين على بعضهما.
ياسمين: بجد يابوده، هننقل هنا.
عابد: بحنان، بصراحة أنا مصدقت، لقيتها فرصة، آه ومنها نبقى مع بعض، وأهو ماما معاكي، عشان الولاد، وانتي تلتفتي لدراستك. بقي.
ياسمين: حاوطت خصره، بحبك يابوده، بحبك أوي.
عابد: وأنا بعشقك يا قلب بوده، كنتي عاوزاني أسيبك ٤٠ يوم بعيد عني، مقدرش أنا.
وبالناحية الأخرى، كان كيان يدفع البوابة الفاصلة، عن المنزل المجاور.
فريدة: إيه دا.؟
كيان: بغمزة، دا بيتنا يا قلب كيان.
فريدة: بجد.
كيان: غمزء لها، جد الجد، أصل حسيت إن نادية غيرانة، قولت أراضيها.
فريدة: ضحكت عليه، وقالت، عندك حق، أنا كنت لسه هقولك نشتري هنا، شكل عابد، المكان تحفة وبصراحة عاوزة، أقعد مع بابا وماما.
كيان: بابتسامة، بس كدا، أنت تؤمر وأنا أنفذ يا قمر.
فريدة: بحبك، يا كوكو.
كيان: وأنا بعشقك يا قلب كوكو. تعالي بقي شوفي جوزك الأسد وهو بيدبح.
فريدة: بجد.
كيان: بفخر، أومال إيه دانا جامد أوي.
الجد: يا كيان يا ولدي، جرب، وسمي الله.
كيان: اقترب، وامسك بالسكين، وسمى الله. ونحر ذبيحته.
الجد: يالا يا عابد يابني، تعالي انحر، عقيدة ولادك.
عابد: حاضر يا حاج.
ياسمين: امسكت به، بودة، لا اوعي تتعور.
عابد: بابتسامة، متخافيش يا قلب بوده.
عابد: اقترب، ونحر ذبيحته.
صاح صوتا سعيدا آتيا من اتجاه البوابة. واه، اجده يا راشد، هتفضل اجده هتغير مني، ولا لم أحفادك وسايبني.
راشد: بضحكة صافية، الراوي. يا أهلاً وسهلاً.
فريدة: اقتربت وسلمى مسرعين من سليمة وساجدة. ماما سليمة، وحشتيني أوي، دا أسعد يوم في حياتي.
سليمة: بحنان، اتوحشتكو جوي يا حبايب جلبي.
الراوي: أعرفك يا راشد، فارس جبليتي، عدنان، ودي ساجدة مرته.
راشد: ومين ما يعرف فارس الفرسان عدنان. أهلاً يا ولدي.
كيان: عدنان، إزيك يا صاحبي.
عدنان: مبارك ما جا لك يا بو الولاد.
كيان: الله يبارك فيك يا صاحبي، عقبالك يارب.
عدنان: وهو ينظر لساجدة بفرحة، آمين، امتى بقى.
كيان: بقهقه، بس أنصحك ابعد عن وهدان.
عدنان: بغيظ، جفلنا عالسيرة المغفلجة دي الله يرضى عنيك، بياجي عالسيرة.
مساء.
سولاف: الله يا محمد، إيه الجمال ده.
محمد: بحنان، عجبتك.؟
سولاف: جميلة، أوي، بس مين عمل كل ده.؟
محمد: أنا وكريم وعابد وكيان وفهد، وراضي، من الصبح بنزين فيها.
سولاف: جميلة الحديقة بقت كأنها حتة من الجنة.
ياسمين: عجبك البيت.
عابد: جميل يابوده، أنا بحبك قوي، قوي.
عابد: وأنا بعشقك يا قلب بوده، يالا تعالي، ألبسك. عشان السبوع هيبدأ.
ياسمين: بقلق، هي أمل اتأخرت ليه؟
عابد: بفرحة، كلمتها قالت قاسم سايق زي السلحفة، عشان الحمل.
ياسمين: بضحك، هههه عنده حق، بصراحة.
عابد: طب إيه يالا بينا.
ياسمين: يالا يا حبيبي.
فريدة: ها إيه رأيك يا فريدة.
كيان: تحفة، أوي، كويس إنك عملت كدا، ماما كانت محرجة من القاعدة عندنا.
فريدة: قبل خدها، وهمس، سيبك انتي، هو إحنا هنفضل متسلسلين لامتى.
كيان: ضربته على يده التي تحاوط خصرها، ساااافل، مفيش في دماغك غير كدا.
سليم: من خلفهم، ماتيالا بقي كفاية محن، خلصونا، عاوزين نقول حلقاتك برجالاتك.
كيان: بخوف، يالا يا قدري، يالا ياختي، مش نبرتي فيها.
كيان: مشي أمامها، واستدار، بقولك إيه اعملي حسابك، مفيش عيال تاني. كفاية فرقة حصبه الله دي.
فريدة: اقتربت منه، وتأبطت ذراعه، عندك حق، أنا بقول كدا بردو.
***
أمل: دخلت بسعادة، الله يا قاسم، إيه الجمال ده.
قاسم: بحنان من خلفها، أوعدك يبقي سبوع ابننا أحلى منه.
أمل: بحب، ربنا يخليك ليا يارب. بس امتى بقى، الشهور دي تعدي.
قاسم: وهو يحتويها، تحت ذراعه، هتعدي، كل حاجة بتعدي، وحشة حلوة بتعدي. مبيفضلش غير ذكرياتها.
أمل: بسعادة، عندك حق، وأنا من يوم ما عرفتك، بقت ذكرياتي معاك أحلى ذكريات، بحبك يا شيخ.
قاسم: وأنا بحبك يا قلب الشيخ.
***
على درج الحديقة، اشتعلت الموسيقى.
كريم: تقدم من اخته، وأعطاها، مايك، وتكلم بالأخير. أخواتي وحبايب قلبي. اللي اتجمعنا بعد فراق، انهارده أسعد يوم في حياتي. وهعوز إيه تاني، عشت سنين في الغربة، أحلم بجمعتنا تاني. وغنانا تاني، فاكرين. الحمد لله اللي جمعنا بعد فراق وانهارده بقي، هغني لكم أغنية، وفريدة هتشاركني بيها. مخصوص لحبايب خالوو، اللي جم نوروا الدنيا.
الموسيقى: اشتعلت الموسيقى، وعلى أغنية مدحت صالح، وعفاف راضي، غنى الأخوات.
الجميع: يا اسم بينتهي باسمي يا واخده دم من دمي وشبهي لما تبتسمي وشبهي لما بتسمي.
عابد: اقترب حاملاً ابنته، وعلي يديها ابنها، ربنا يخليكو ليا، انتو عوضي من ربنا، الحمدلله.
ياسمين: همست، ويخليك لينا. يابوده، دانت اللي ربنا، عوضني بيك.
فريدة: يا بنتي يا أحلى بنوتة معوضني الزمان بيها يا بطلة كل حدوتة بقالي عمر بحكيها.
كيان: حمل ابنته، وقربها لوالدتها التي تغني بسعادة، ومنها اقتربت سيليا. أعطاها سدرة وهبط حاملاً سيليا الجميلة. هامساً، حبايب بابا.
سليم: وهو يشد بنطاله، وأنا ابن البطة السودة، شيلني يابابا.
كيان: قهقه، وابتسمت فريدة، وضحك الجميع، نزل وخطفه على يده الأخرى. أحلى سليم في الدنيا.
سليم: وأنت أحلى بابا في الدنيا.
كريم: يا واخدة من سنيني سنين يا واخدة من حياتي حياة، وفيكي اتجمعوا الغاليين في إيه مني انتي مش واخداه.
كيان: احتضنها من الخلف هامساً، بأذنها، بحبك ياسلومه، يامجننه امي.
سلمي: وهي تربت على يده المحاوطة بطنها، وأنا بعشق يا أبو طويلة.
كريم: يا واخدة من سنيني سنين يا واخدة من حياتي حياة، وفيكي اتجمعوا الغاليين في إيه مني انتي مش واخداه.
أحمد: ابتسم وهو يقبل رأسها، بحبك ياسمر، بحبك أوي، يابت عمي.
سمر: أدمعت عيناها، وهي ترمي بأحضانه، وأنا بعشقك يا ابن عمي.
راضي: بهمس، يعني حبيتي لوح التلج. ياسمورة.
سمر: بضحك، ما خلاص بقي، ما داب.
راضي: داب على إيدك يا بنت عمي.
سمر: ابتسمت، ومدت يدها، تتحسس بطنها بسعادة. وسألته، فاضل سبع شهور، ونبقى ماما وبابا.
راضي: بسعادة، هتبقي أحلى ماما. في الدنيا، الحمدلله.
سمر: الحمد لله.
فريدة: يا غنوة لما غنيتها لقيت قلبي مكملها يا دعوة لما أنا دعيتها سمعها ربنا قبلها.
ساجدة: اقتربت من عدنان، وأمالت رأسها على كتفه. ابتسم وقبل رأسها، وسألها، فاضل قد إيه يا ساجدة.
ساجدة: بفرحة، ٥ شهور.
عدنان: وهو يمد يده ليجذبها له، كتير، جووي، وأني اتوحشك جووي يا ساجدة.
ساجدة: خجلت ودفنت نفسها بأحضانه. بحبك يا عدنان.
عدنان: وأني بحبك يا جلب جلب عدنان.
فريدة: وهي تنظر لابنتها، الكبيرة. يا عليا لما تتشاقي بتملي الدنيا دي عليا ولخبطتك لاوراقي ترتب كل حاجة في ايدي اوضتك لما انورها تنور دنيتي معايا هدومك لما احضرها بحس بستر جوايا.
فريدة: صمتت، وأكمل الجميع، يغنوا معا.
الجميع: يا هوا رد الحياة ليا بسببك راضي عن عيشتي يا نعمة ورزق وهدية يا راس مالي وتحويشتي.
عابد: ابتسم وقبل رأسها، والله من يوم ما قابلتك وأنا راضي عن عيشتي يا أحلى أمل.
ياسمين: همست، بوجع، بجد يا قاسم.
عابد: همس بحب، بجد يا قلب قاسم. أنتي اللي رديتي ليا روحي، وحيتيها من جديد، بحبك، يا قلب قاسم.
ياسمين: وأنا بحبك يا قاسم، بحبك أوي.
الجميع: وأكملوا معا. يا واخدة من سنيني سنين يا واخدة من حياتي حياة، وفيكي اتجمعوا الغاليين في إيه مني انتي مش واخداه.
***
الراوي: والتقينا، من جديد، واجتمعنا. بعد ما هلكنا من الفراق، وصار رفيقنا الليل الحزين. اجتمعنا، في ليلة حلوة، ليلة تشرح القلب الحزين. اجتمعنا، واجتمع كل الأحبة، صوت غنانا، بيرج الحديد. مين كان يصدق، إن بعد سنين، فراقنا، نجتمع، ونصير يا عمري، أنا وأنت لبعض من جديد. اضحكي، افرحي، غني، قولي للدنيا بحالها، كانت ليا، وصارت من جديد. هو يعني أنا ينفع أبقى لحد غيرك، لا أكيد. أنت ضي عيوني، روحي اللي اتردتلي من جديد. آه، من هوانا والحنين. آه من لقا الأحبة، بعد طول غياب سنين. لقا الأحبة، فرحة حلوة، ضحكة صافية، تبدد، الليل الحزين. طب قولولي، هو في أحلى من لقا الأحبة بعد غياب طال سنين. أقول. أنا لا مفيش.
تمت رواية كاملة .