تحميل رواية «والتقينا» PDF
بقلم ندى ممدوح
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
نسمة ريح طيبة هلت، باردة منعشة تترع فؤاد المرء بالسرور والانتعاش، تطاير على إثرها وريقات الشجر اليابس التي تساقطت فوق الأرض، زقزقة العصافير تطرب الأذان وهي تحوم حول إحدى المساجد، الشمس لم تتكبد عنان السماء، لكن ضوء الصباح ملأ الأفق بلون جميل مريح للنفس. برز شاب على أسكفة المسجد، يرتدي حذاءه اللامع السواد، ولسانه يردد بخشوع بعض الأذكار، وانتصف واقفًا وقد أسبل جفناه ملتقطًا نفسًا عميقًا من هواء الصباح ماليئًا به رئتيه، وزفره بتمهل، ولسانه لا ينفك عن ذكر الله، وعبر باب المسجد بخطوات هادئة رصينة، ثم...
رواية والتقينا الفصل الأول 1 - بقلم ندى ممدوح
نسمة ريح طيبة هلت، باردة منعشة تترع فؤاد المرء بالسرور والانتعاش، تطاير على إثرها وريقات الشجر اليابس التي تساقطت فوق الأرض، زقزقة العصافير تطرب الأذان وهي تحوم حول إحدى المساجد، الشمس لم تتكبد عنان السماء، لكن ضوء الصباح ملأ الأفق بلون جميل مريح للنفس.
برز شاب على أسكفة المسجد، يرتدي حذاءه اللامع السواد، ولسانه يردد بخشوع بعض الأذكار، وانتصف واقفًا وقد أسبل جفناه ملتقطًا نفسًا عميقًا من هواء الصباح ماليئًا به رئتيه، وزفره بتمهل، ولسانه لا ينفك عن ذكر الله، وعبر باب المسجد بخطوات هادئة رصينة، ثم أوقفه صوت طفل صغير يقبل من داخل المسجد، صائحًا:
"أخي بلال، انهاردة في تسميع؟"
فأفتر محياه الأسمر عن بسمة رائعة، وهو يومئ برأسه قائلًا بوجهه الصبوح:
"طبعًا يا عمرو في موعدنا، فأحفظ حلو وإلا…"
فضحك الصغير، وهو يقول مداعبًا وقد كان خفيف الظل، حلو الدعابة:
"بلال، يا أخي وإلا إيه؟ أنت مش بيهون عليك تزعق حتى فينا، هقعد أحفظ أنا والعيال لحد ما تيجي."
"تمام يا عمرو، وبلاش مشاغبة."
انصرف بلال متوجهًا إلى سيارة لقمة عيشه، واستقلها وهو يذكر الله بصوت مسموع، وأدار محركها منطلقًا بها، وهو يدعو الله التوفيق، وفتح باب الرزق من أجل عائلته التي يعولها.
لم يكن عمله كسائق لأنه فاشل، حاشاه. لقد تعب وكد حتى حصل على شهادة الهندسة، لكن بدون واسطة في هذا الزمن يجعل المرء مركونًا على رف النسيان والإهمال، فلم ييأس وها هو ذا راضيًا بما كتبه الله له، المهم هو راحة النفس، ورضى القلب، ودون ذلك فلا يهم.
***
"بصي يا ماما، مش دي إسراء اللي بتيجي على التلفزيون؟"
هتف بها طفلًا صغير مهللًا داخل ذلك النادي الشهير في قلب القاهرة، واستقبلت النجمة إسراء الهتاف بفرحة غامرة وهي تبتسم بإشراق له. فسارت نحوه وهي ترفع نظارتها فوق رأسها الأسود الحرير المنسدل بنعومة فوق ظهرها، أنفها دقيق رقيق صغير، وجهها مستدير منير كالقمر، عيناها واسعتان براقتان تظللهما رموش سوداء طويلة، أما لونهما فهما سر جمالها، فقد كانتا بنيتين لامعتين على الدوام.
قدها نحيف، وقامتها قصيرة لم ينقصان من جمالها البراق شيء. سلمت على الصغير وعانقته بمودة، وصافحت والدته والتقطت معهما بعض الصور، ثم أخذت تعدو خارج النادي لتتابع ركضها بعيدًا عن ضوضائه.
وبينما هي تعدو، غافلة عن عينين ترصدانها رصدًا من داخل سيارة مغلقة النوافذ فلا يظهر من يقودها، والتي تحركت رويدًا رويدًا وراءها. توقفت إسراء تلتقط أنفاسها وهي تتجرع بعض الماء من الزجاجة التي كانت في يدها، عندئذ تناهى لها صوت سيارة تقبل نحوها، فالتفتت سريعًا وتقهقرت مبتعدة من أمامها وهي تغمغم:
"إيه الغباء ده؟"
لكن السيارة دارت حول نفسها، واتجهت نحوها، فاتسعت عيناها في ذعر وارتياع، وركضت بكل ما أوتيت من قوة والسيارة تلاحقها. كان الطريق خاليًا في ذاك الوقت، فكانت تصرخ في انهيار مستنجدة دون جدوى، وحاولت مناورة السيارة وهي تبتعد يمنى ويسرى وتركض في كل اتجاه، حتى تيقنت أن سائق السيارة لا يبغي شيئًا إلا قتلها شر قتلة.
سقط في نفسها، وحل الرعب قلبها، وهوت دموعها بكل خوف. وبينما هي تلتفت اصطدمت بها السيارة بكل قوة، فضُرب جسدها في مقدمتها ثم سقطت جثة هامدة. وتوقفت السيارة ما أن تأكد صاحبها إنه صدمها، وفُتح بابها وكاد يترجل لولا تلك السيارة التي أقبلت.
***
عندما رأى الرجل الذي صدم الممثلة إسراء بسيارته السيارة المقبلة، إذ فر هاربًا وقد هاب أن يراه، تاركًا جثة إسراء وقد تفجر من رأسها الدم وفار. توقفت سيارة بلال وهرع منها مسرعًا في لهفة وجزع، ومال على وجهها المصبوغ بدماءها وهو يردد:
"لا حول ولا قوة إلا بالله، إن لله وإنا إليه راجعون."
وتجمع الناس حوله ملتفين حول جسد إسراء، التي تم إسعافها في سرعة بعد ما تعرف عليها الممرضات والأطباء، وعلموا بشهرتها. وتبرع بلال لها بنصف كيلو من دمه، وأحضر كل ما تحتاج إليه من علاج، ودفع ثمن عمليتها مما تبقى معه.
وجلس أخيرًا يلتقط أنفاسه. ثوانٍ وكان شارد الفكر وهو يتذكر إنه كان عليه أن يجلب دواء الكبد لوالدته. لكن لم يتبق معه شيء. بل لقد أخذ سلفة من رفقائه حتى يدفع عملية الفتاة التي لا يدري عنها شيئًا. فأدحر التفكير عنه متوكلًا على الرزاق عز وجل. وراح يردد من صميم قلبه الأذكار، وهو على يقين إن الله سيرزقه من حيث لا يشاء، وعلاج والدته سيحضره في وقته إذا شاء الله سبحانه وتعالى.
وبقي طيلة اليوم في المستشفى، لم يغادرها إلا لمامًا حين كان يحادث والدته ليطمئنها عليه. ولما استبد به التعب، وغزا النوم أجفانه، أغلقهما مستدعيًا النوم الذي جاءه مرحبًا.
وفي غبش الليل نهض منتفضًا على صوت أنثوي يطلب منه أن يستيقظ ويفتح عينيه، وابتدرته الممرضة، تقول:
"يا أستاذ الأستاذة إسراء فاقت، وعمالة تصرخ مش عارفين مالها، لو سمحت تعالَ شوفها، لإن مفيش حد معاها غيرك."
فنظر لها بلال لثوانٍ، ثم لم يلبث أن سألها:
"هو محدش كلم أهلها للآن ليه؟"
أجابته الممرضة نافية:
"كلمناهم يا فندم، بس محدش جه يشوفها، هياخدوا وقت عشان يوصلوا لإنهم في بلد تانية."
ضيق بلال عينيه في ضيق، وهو يغمغم:
"وأنا عليَّ أعمل إيه دلوقتي؟"
هزت الممرضة منكبيها في حيرة، قائلة:
"معرفش تعالَ شوفها."
مسح بلال وجهه بكفه في غلظة وهو يكظم غيظه، ونهض سائرًا وراء الممرضة التي قادته إلى إحدى الغرف الصادر منها صوت بكاء رقيق، وتركته وانصرفت. فتسمر مكانه ولم يدرك ماذا عليه أن يفعل! وخفق قلبه في قلق. لم يكن من الشباب الذين لهم علاقات مع النساء. بل إنه شاب ذا خلق يخاف إن يخطئ في الحديث مع إحداهن فيغضب منه الله. فمن خاف الله فعل كل شيء تقربًا إليه.
ازدرد لعابه وهو يستعين بالله، ويطرق الباب بظهر سبابته، ثم دفع الباب وهو منكس الرأس، ملقيًا السلام:
"سلام الله عليكِ، تسمحيلي أدخل."
ولما لم يتلق ردًا، وطال وقوفه، تجرأ على رفع رأسه لينظر إليها، وتلاقت الأعين.
وللقاء العيون حديث. حديث لا يعلمه إلا القلوب. فكفت إسراء عن بكاءها الخافت، وتأوهت بألم بسبب الألم الحاد في رأسها الذي تحيطه الضمادات، وتأملته بمقلتين بريئتين مليئتين بالدموع الحبيسة. وفي نفسها هابته مهابة لم تهب مثلها لأي رجل في عمرها الحافل بالرجال.
قطع الصمت الذي ساد فجأة صوت بلال الرخيم، قائلًا:
"أهلك جايين كلها شوية وقت وهيكونوا هنا."
وأتبع يقول والأسى يصبغ وجهه:
"للأسف أنا مقدرتش أشوف الشخص اللي خبطك بالعربية. كان مجرد حادثة، والحمد لله إنك نجيت."
بتر عبارته صيحة إسراء المنفعلة:
"حادث؟ حادث إيه؟ ده حد بيحاول يقتلني."
رفع بلال نظره إليها، ولم ينبس لدقيقة، تاركًا إياها تفرغ ما بداخلها من دموع، ثم قال في هدوء:
"سواء كان حادث أو قتل عمد فكل ده تقدري تبلغيه للشرطة."
قاطعته ضحكة متهكمة نَدَت عنها، وهي تكرر في سخرية:
"شرطة! هأ.. وهتعملي إيه الشرطة؟"
تنهد بلال وهو يسمع آذان الفجر يعلو في الأرجاء، فأغمض عينيه دون مبالاة بها وراح يردد وراء المؤذن في خشوع باطن وظاهر. وما إن انتهى، حتى فتح الباب وهو يقول:
"أنا همشي دلوقتي طالما حضرتك بقيتِ بخير حال."
وما هم أن يخطو للخارج، استوقفته صيحتها صارخة:
"استنى أنت رايح فين؟ أكيد مش هتسبني لوحدي؟"
فرفع حاجبه ذاهلًا وهو يكرر في تعجب:
"مش هتسبني لوحدي؟"
والتفت إليها مغمغمًا:
"تقصدي إيه؟"
همت أن تجيبه لكنه قال مستدركًا:
"أنا هنزل أصلي الفجر، وراجع لإن الشرطة هتيجي تاخد أقوالنا وبعدها همشي."
وخرج مغلقًا الباب وراءه وهو في حيرة من أمرها.
***
بقت إسراء في سريرها تفكر وتخطط لما ستفعله. هي لا تريد أن تعود للمنزل بسبب القاتل الذي لا تدري عنه شيئًا، ولن تشعر بالأمان. ومتى شعرت به من الأساس؟! هو لم يزرها يومًا. ولم تذق شعوره. ولم تحياه. وتفجر في نفسها الأسى كله.
***
توقف ضابط الشرطة جوار فراش إسراء ليأخذ أقوالها، وشرع يسألها إذا كانت تشك في أحد معين، لكنها نفت ذلك، وأخذ الكاتب يدون وراءهما ما يقولون. حتى سألها الضابط وهو يشير إلى بلال الواقف في آخر الغرفة مطرق الرأس، ولسانه لا ينفك عن ذكر الله:
"أنتِ تعرفي الشخص اللي أسعفك هنا، مش يمكن هو اللي خبطك بالعربية، عشان كده أسعفك بسرعة؟"
رمقت إسراء بلال الذي لم يلتفت إليها قط في غيظ من لامبالاته، وأسرعت تقول:
"مستحيل يا فندم."
فسألها الضابط مندهشًا:
"ليه مستحيل يا آنسة إسراء؟"
انبعث صوت إسراء وهي تقول في رقة:
"مستحيل لإنه…"
وتعمدت الصمت ثوانٍ، استرقت خلالها نظرة إلى بلال، وازدردت لعابها وهي تلي قولها بخوف:
"لإنه خطيبي…"
رواية والتقينا الفصل الثاني 2 - بقلم ندى ممدوح
"مستحيل.. لإنه خطيبي."
دوت العبارة كالصاعقة علىٰ مسامع بلال، وكف لسانه عن لهج الذكر في صدمة طغت علىٰ ملامحه الرجولية.
"أبلالٍ هو؟! إمَّا يوجد أحد أخر يُدعى بلال! أيُّ خطيب! عمَّ تهذي تلك الساذجة! إنه لم يفكِر بإن يخطب قط، وهكذا فجأة يُصبح مخطوبًا؟! دون عِلمه، ولا إدراكه!؟ ومن خطبته فتاة دون حتى استئذان!"
غضبٍ هائل تشبعت بهِ ملامحه، وهو يرفع بصرهُ إليها.. إليها هي بالذات.
لم يكن قد تنبه لمغادرة الضابط من صدمته التي بدت له كمطرقة هوت فجأة على رأسه فغيبته عن العالم لردحٍ من الزمن. أكثر ما يكرهُه في حياته هو الكذب! وتلك المرأة تبدو بارعة في إختلاق المعاذير، و تهوى الكذب كعينيها.
ازدردت إسراء لُعابِها في خوف ملأ جُم جوانحها، وطل الذعر من عينيها، وهي ترمقه في توتر. أرادت أن تُحسن من صنيعها الذي اقترفته، فأستحضرت أكثر شيء تجيده.. التمثيل. وهل يوجد شيء تجيده مثله!
فاستمطرت عينيها بكاءً حارقًا يُدمي القلوب، وأبدعت في التمثيل، فبدت كأنما تلعب دورًا في إحدىٰ مسلسلاتها ينقصه فقط الجمهور ليصفق.
وتفاجأ.. تفاجئ بلال من بكائِها، وتسمر مكانه مبهوتًا ولم يلبث ببنت شفة، وأن شفت كل خلجة من خلجاته عن غضبٍ عظيم نجح في كظمه بأعجوبة يُحسد عليها لا ريب.
هتفت إسراء دون أن تنظر إليه باكية:
"كنت مجبورة أأقول كده! صدقني أنا مجبورة وغصب عني.."
وصمتت تختلس النظر نحوه، لترى ردة فعله، لكن ملامحه لم تشف عن شيء ألبتة، فأردفت تقول:
"باين عليك راجل وابن ناس وهتقف جنبي، أكيد مش هترد أيد اتمدت لك، أنا في حد معرفهوش بيحاول يقتلني.."
كانت صادقة في آخر عبارتها، وذرفت عيناها دمعًا صادقًا هذه المرة، وهي تسترسل:
"ليه وعشان إيه معرفش! كل اللي اعرفه أني خايفة.."
لا يكذب إنه تأثر، وحديثها ترك في نفسه أثرًا عظيمًا في سويداء القلب، ورمقها في أسف عندما استكملت بصوتٍ واهن، وبوجه ممتقع عاده تمثيله:
"خايفة من كل اللي حواليا، إزاي أنام لـ يجيلي الغدر من أأقرب ما ليا، حاولوا يسمموني في نص بيتي ولولا ربنا مكنتش نجيت.. ولا عشت، وحاول حد يخنقني وأنا نايمة وبرضو ربنا نجاني، ودلوقتي الحادثة زي ما أنت شايف."
تزلزل قلبه من حديثها لا شك، واضطربت نفسه، وتهدج صوته، قائلًا:
"طب.. طيب وأنا اعمل إيه دلوقتي؟"
كان حائر.. وحق له أن يحتار، لأول مرة يجابه موقفٍ كهذا، وتبكي فتاة أمامه ناهيك عن أخته فقط. لأول مرة يتعامل مع النساء لا سيما أولاء الآتي يقلهم بالسيارة.
"تتعامل كأنك خطيبي عشان الشرطة متورطكش في حاجة أنت مش قدها.. وتاخدني معاك بيتك."
عبارتها الأخيرة دوت علىٰ أذنيه بما يشبه الصدمة فخشبت جسده وهو ينظر لها في بلاهة، وحدجها بنظرة غاضبة وافتر ثغره عن حديث لم يلبس أن احتبس في حلقه، عندما أردفت تقول بنبرة تفيض بالشجن:
"أكيد مش هتسبني في الشارع، انا مستحيل ارجع مع اهلي وأنا مش عارفه مين عايز يقتلني فالقاتل اكيد حد منهم."
قضقض بلال أسنانه وهو يتميز غيظًا، وغمغم بحدة سرت قشعريرة في جسدها:
"وهو في عيلة ممكن تأذي حد منهم؟ أنتِ الخبطة أثرت على دماغك غالبًا."
"بلال المهيب" هكذا همست في نفسها وهي تنوي منادته دائمًا بينها وبين نفسها بهذا اللقب، فهي باتت تهابه حقًا ولم يحدث إن هابت يومًا رجلًا مثله قط. بالحقيقة، من كانوا في حياتها هم اشباه رجال، فسيكون خطأٌ جثيم إن فعلت مقارنة بينهم.
ليتها تنفذ في داخله فتسبر أغواره، وتعلم أيُّ الطريق تسلك لقلبه! فتعلم كيف تتود إليه، فيوافق أن يحميها.
وانبعث صوته حادًا، صارمًا، حاسمًا، مهيبًا وهو يجأر:
"أنا همشي وأتمنىٰ مشوفكيش قدامي تاني في أي مكان."
وغادر الحجرة صافقًا الباب بقوة جعلتها أُجفلت وهي تشيعه بنظرات لامعة بالدموع الحقيقية، وبقىٰ بصرها معلقًا علىٰ الباب، كأنما تنتظر أن يعود، وضاقت بها نفسها وهي تشعر إنها منبوذة لا يحق لها العيش، فغطت وجهها بكفيها وانخرطتت في بُكاء يُبكي الحجر.
ما به هذا الرجل لم يحاول أن يستميلها كما يفعل الرجال عادةً، علاوة على غزلهم وملاطفتهم كأنه قُد من صخر. ألا يعرف من هي ليرفض لها طلبًا، كان عليه هو أن يدعوها إلى منزله لا العكس.
أواصر الألفة تنبع فجأة من صميم القلب تنبئها إن ذاك الراحل ثمة رِباط بينهما، فحتمًا سيعود ولن ينتهي المطاف، وإن لم يعد فما الضير من السير إليه.
كفكفت أدمعها وهي تمعن في التفكير لحل لهذه المعضلة، وكيفية الوصول إليه، ولم يدُم تفكيرها طويلًا، وهي تبتسم في ظفر وبلمعة ماكرة.
مكالمة هامة أجراها بلال وهو يقف مستندًا بظهره على مقدمة سيارته، غافلًا عن تلك التي ترتدي ملابس المرضى، وتتسلل في خفة منبعها ضئل قدها، وهي منحنية ومخفية وجهها مخافةً أن يدركها، وفتحت صندوق سيارته بكل حذر ودقة، واندست بداخله وأغلقته بذات الحذر، ولم يمض حينٌ من الوقت وكان بلال يستقل سيارته وهو يصل هذه وذاك ويباشر عماله متناسيًا تلك الفتاة العابرة التي مرت في حياته كذكرى نثرها حطام الحياة في مهب الرياح.
وفي مخبئها كانت إسراء متكورة في الصندوق الذي بالكاد احتواها وجسدها راح يرتج من سرعة السيارة، وهي تتمتم في غيظ:
"ما براحة بقا أنت سايق طيارة، إيه ده؟ بقى أنا إسراء يحصل فيَّ كده، إن ما وريتك!"
ثُم سكتت لهنيهة، وأتبعت تقول في حنق:
"اوريه إيه بس وعليه هيبة تخوف انا هسكت خالص."
وغفت في مكانها من الإعياء، وعندما فتحت عيناها، تثاءبت وهي تفرد ذراعيها الذين ضربا في الصندوق فتأوهت بألم وهي تتذكر أين هي الآن في تلك اللحظة، وتمتمت في مرار:
"أنت لسه موقفتش!؟ هتشل انا كده!"
ورفعت غِطاء الصندوق وأطالت النظر من الفرجة الضيقة لتبصر ليلٌ بهيم غشىٰ الدنيا بظلامه، فأغلفت الغطاء وهي تتمتم:
"الليل ليل، مش هيروح ده؟!"
ومع همهمتها كان بلال يوقف سيارته ويترجل منها، فلما أحست بذلك رفعت الغطاء، وكان بلال يسير حيثُ منزله، وهي تُخرج ساقها في حذر خفية أن تنصدم في شيء، و وقفت تتلفت حولها حتى وقعت عيناها عليه، وسارت في حذر نحوه.
"يا مصيبتي"
صيحة هادرة فزعة أستوقفتها.
رواية والتقينا الفصل الثالث 3 - بقلم ندى ممدوح
"يا مصبتي، مين دي؟" عبرت العبارة أُذني بلال، صادمة جامدة وهو ينظر لقريبته التي تجاوزته راكضة إلىٰ حيث سيارته، فأستدار بتأنٍ مبهوتًا في حيرة راحت تأكل شغاف قلبه، حينما وقعت عيناه عليها.. هي بذاتها!
بشعرها المنسدل وراء ظهرها في نعومة، وتحيطه ضمادة لفت جُل رأسها، وبملابس المستشفى، فما الذي تفعله! كيف لحقت به؟! بل كيف عرفت بمكان بيته فتبعته..
لكن.. الأمر لم يدُم إن أستبان له، لقد كانت مختبئة في صندوق سيارته لا ريب.. لا غرو! إذًا إنه لم يشعر بها ولا بوجودها من الأساس.
وتفجر غضب هائل في نفسه، وهو يندفع نحوها بخطوات تكاد تلتهم الأرض، فتراجعت.. تراجعت في خوفٍ انفجر كـ بركان زفر حممه بغتةً في داخلها، وتملكها رعبٌ لم تذق مثله قبل، وازدردت لعابها وهي توشك على البكاء قائلة بصوتٍ متهدج:
"أنت .. أنت شكلك متوحش كده ليه؟"
وأغلقت عيناها في عنف وهي ترى أندفاعه نحوها، وما كاد يصل حتى كان يلكم قبضته المتكورة في سيارته، وهو يهتف جازًا علىٰ أسنانه:
"أنتِ إيه اللي جابك ورايا، أنتِ مجنونة، بتعملي إيه؟"
فقرع قلبها طبول الخوف أكثر، وتلاحقت أنفاسها وهي تحاول إيجاد ثغرة تنفذ منها فتنجو من براثن غضبه المندلعة:
"اللي جبني، إيه اللي جبني صح؟"
فصرخ فيها في غيظ:
"أنتِ هتهزري، إيه اللي جابك وراءيا.. انطقي!"
تلعثم فمها وهي تدير عينيها في المكان متحاشية النظر إلى عيناه، وهمت بكلامٍ لم تدري كيف تنطق به، فتراجعت للوراء بخطوات حذرة، وهي تنظر لعيناه بعينين دامعتين، هامسة كطفلة صغيرة ضائعة:
"اللي جبني الشكر!"
لم تكن تعلم ما الذي تهذي به، فكانت تنطق اول ما يأتي على شفتيها.
صرخ بلال فيها:
"نعم! اللي جابك إيه؟! مفهمتش."
فضحكت في بلاهة وهي تهمس:
"الشكر، إني أشكرك يعني وكده!"
فرفع بلال حاجبه في دهشة، متسائلًا في تهكم:
"احلفي .. والله بجد؟!"
ازدردت إسراء لعابها، وغمغمت بذات الصوت المشتت:
"والله، والله، والله ده اللي جبني.."
كانت كاذبة وتعلم هذا، ولم يصدقها، فنظر لها بإزدراء، وبوجهٌ كالح عابس، فهتفت في لهفة:
"اصبر بس متتعصبش ، مش مصدقني ليه؟ ونبي ونبي ونبي ده اللي جبني!"
صرخ بلال وهو يتقدم منها في تعصب:
"اسكتِ.. اسكتِ خالص وكفاية حلفان ومتقوليش والنبي تاني أنتِ فاهمة."
فاستكانت كطفلة وديعة وهي تغطي شفتيها بفمها وتؤميء برأسها، وانبعث صوت فتاة مذهولًا مما يحدث، تهتف باستنكار:
"بلال، أنتَ تعرفها! تعرف الممث…"
ابتلعت باقي حروف عبارتها عندما استدركتها إسراء مكممة فمها بكفها وتهز لها رأسها برجاء ألا تسترسل، فلم تفهم الفتاة.
وانحنت إسراء عليها هامسة:
"بالله عليكِ اسكتي خالص هو ميعرفش مين أنا!"
ففركت الفتاة عينيها وهي تحملق فيها بعينين تكادان تخرجان من محجريهما، وهتفت:
"ده أنتِ بجد ولا حلم!"
وهمست متعجبة بصوتٍ خفيض:
"أنتِ بتعملي إيه هنا؟"
وشملتها بنظرة فاحصة من قمة رأسها لأخمص قدميها، واستطردت:
"أنتِ بتمثلي في المنطقة عندنا؟!"
واختلست نظرة إلى بلال الذي بدا يروح ويجيء كانما يحاول السيطرة على نفسه وهو ينفث في غضب، واستتبعت تقول بذات الهمس:
"هو بلال مبقاش بلال ولا في إيه؟ هو من امتى بيمثل!"
دنت منها إسراء وكادت تخبرها بشيء لولا أن اجفلها صوت بلال الصارخ:
"تعالي هنا .."
فألتفتت إليه مرتجفة، بينما اردف هو وهو يفتح باب سيارته في عنف، مشيرًا لها:
"اركبي!"
وحاد بصره إلى قرييته، فصرخ فيها:
"وأنتِ التانية يلا على البيت."
فردت عليه الفتاة في إصرار:
"مش هتزحزح من مكاني غير لما اعرف إيه الحكاية."
فأسدل جفنيه مستدعيًا الهدوء قبل أن يصاب بالجنون، وأجابها بحدة صارمة:
"قُلت على البيت.. يلا مش عاوز اعيد كلامي."
فدبت الفتاة بقدميها، واسترقت نظرة إلى إسراء وانصرفت وهي تتمتم على مضض.
دار بلال نظرهُ إلى إسراء وأشار لها بعينيه أن تدخل السيارة، فتصنعت القوة وهي تعقد ساعديها امام صدرها في رفض بيَّن، وتقول في نبرات قوية:
"لأ مش هركب معاك عشان ترجعني المستشفى حتى لو هتسبني في الشارع."
ولم تترك له الفرصة ليعقب، بل هتفت في لهفة:
"يرضيك طيب إن ادخل المستشفى وحد يقتلني.."
قاطع عبارتها قول بلال في برود مثير للدهشة:
"ما تتقتلي وأنا مالي! ميهمنيش."
فسالت دمعة حزينة على وجنتيها محتها سريعًا، وهي تسير صاعدة السيارة في إحباط وأسى.
حتى إنها لم تشعر به وهو ينطلق بالسيارة.. فقد شغلها التفكير عن كل شيء آخر.. ماذا لو فلح القاتل ذات مرة بالتخلص منها! فليس كل مرة تسلم الجرة كما يقولون؟! فهل ستموت! وهي لم تحيا حياتها بعد! لا تزل لم تعش الفرحة التي تتمناها.. لا يزل الحزن يسيطر على نفسها رغم كل شيء.. ثمة ضيق دائم يكاد يهلك أنفاسها، والعجب أن الجميع يظن إنها تملك سعادة العالم كله ما دام تملك المال. أغبياء لا يعلمون إن الأمان لا يساويه مال الدنيا. وإن راحة القلب وسكونه هو الكنز الحقيقي الذي يجب أن يسعى إليه الإنسان..
لم تعرف متى توقفت السيارة و وصلا إلى المستشفى التي بدت لها خاوية مخيفة كأن ملك موتها يحوم فيها في انتظارها، وقبضة باردة اعتصرت قلبها دون هوادة، ونظرت إلى بلال بنظرة خاطفة.. فلم يبدِ على وجهه أدنى أثر للتأثر، وهو يغادر السيارة في برود، مغمغمًا في حدة:
"أنزلي، مش هسيبك غير لما اطمن إنك في اوضتك."
وتبعته دون حرف وسارت وراءه وهي مطرقة الرأس كلا يعرفها أحد.. لماذا أظلمت الدنيا في عينيها فجأة وهو يفتح الباب مفسحًا لها الطريق، وخطت داخل الحجرة كمن يُساق للموت.
وأحست بحركة من لدن الفِراش جعلتها ترفع رأسها مجفلة وما كادت تفعل حتى شهقت في فزع وهي تتقهقر للخلف.. فهناك عند فراشها كان شابٌ ملثم يقبض على مقبض ذا نصلٌ حاد، وهناك الوسادة التي وضعتها مغطاة بدلًا عنها كي لا يعرف أحد بعدم وجودها وقد تناثر قطنها فعلمت إنه طعن الوسادة المسكينة التي كانت سبب نجاتها.
وتحرك الشاب.. بحركة سريعة مجفلة للجميع وهو يرفع يده ويهوى بالنصل الامع اتجاه صدرها.. صدرها مباشرةً واغمضت عينيها وهي تصرخ في هلع.. لكن بلال تحرك بعدما خرج من صدمته ليمسك بيده قبل أن تصل إليها ويدفعها للوراء في حركة عنيفة، ويركل الشاب للخلف في غضب، فما كاد يرتد هذا الأخير حتى هجم عليه بغضب بنصله، فانحنى بلال متفاديًا الطعنة وضرب ساعده في وجهه، ويده الأخرى قبضة على النصل مجبرة الشاب على افلاته.
و وقفت إسراء تراقب ما يحدث في انهيار يُدمي القلب، وخبطة عنيفة تلقتها من الشاب وهو يندفع فارًا من المكان، ولحق به بلال عبر الرواق، وتعالت صرخات زائرين ومرافقين المرضى، وشهقات الخوف من الممرضات المندفعات في خوف.
ارتقى القاتل درجات السُلم وبلال وراءه، وتقلصت المسافة بينهما وفلح بلال في أن يقبض عليه من تلابيب ملابسه ويسقطه ارضًا ويعلو فوق صدره وينقض عليه لكمًا بعدما أماط اللثام عن وجهه، وهو يصرخ:
"أنت مين، وعايز تقتلها.. ليه؟"
أجابه الشاب بأن رفع قدمه وضرب ظهر بلال الجاثم على صدره فسقط إثر ذلك منقلبًا واعتدل بسرعة بارعة، ولم يجد ادنى أثر للملثم، فزفر متنهدًا وهو يلتقط أنفاسه، وأسرع يهبط الدرج متجهًا إليها.. إلى إسراء.
وكان لأول مرة يدق قلبه في خوف على أحد غير عائلته.. وعندما عاد كان رجال الأمن منتشرين في المكان، سعيًا وراء القاتل، واستجوابًا له عما حدث بالتفصيل، وعلم إن إسراء فقدت الوعي، وجلس في إحباط أمام غرفتها، وهب في لهفة مع خروج الممرضة، التي تساءلت:
"أنت بلال؟!"
فأجابها:
"ايوة أنا هي كويسة؟"
فردت تطمئنه:
"ركبنا لها المحاليل وساعة كده وهتفوق، بس قبل ما يغمى عليها.. وصتني بحاجة …"
لم يدعها بلال تستكمل، وهو يسألها في شغفٍ نطقت به عيناه وإن لم تعبر نبرته الجامدة:
"وصتك بإيه؟"
"إنك متسبهش، الممثلة قالتلي بالحرف (قولي لبلال ميسبنيش)"
وتابعت في فضول:
"هو مش حضرتك خطيبها برضو؟!"
لم يشعر بلال بنفسه وهو يهز رأسه موافقةً على سؤالها، بل لم ينتبه للقب ( الممثلة) وقد غرق تأثرًا في جملتها التي تركتها إليه.
وغادرت الممرضة من أمامه، وعاد هو ليجلس في استرخاء لا يعلم مصدره، وأسند رأسه على الجدار واسدل أهدابه على حيرة نفسه، لماذا استلذ ذاك الشعور الذي بدأ يتولد بداخله؟ شعور أنه ثمة من تكون أنت حمايته! ولو كان غريبًا.. لا تربطكما أيّ صلة قرابة! وتبسَّم تبسُّم المحتار.. كان عسيرٌ عليه ان يصل لقرار! أيتركها! أماذا يفعل! أما يفر من المكان ويكون في منأى عن كل ذلك. لكن هذه ليس رجولته ولا من شيم الرجال.
مر بهِ الوقت دون أن يشعر وهو لا يزل مسبل الجفنين في غمرة أفكاره، حتى نبئته الممرضة إنها استعادت وعيها، فشحذ همته للذهاب لتلك الغريبة التي ألتصقت به بغتة كعلكة علقت في ملابسه ولا يدري كيف يزيلها.
وطرق علىٰ الباب في هدوء ودخل دون كلمة ودون حرف وبخطوات هادئة ساكنة رغم صلابتها.. وتحير بما يبدأ الحديث، متخبط المشاعر، و ود لو لم يسعفها وتركها على قارعة الطريق..
ونظرت هي له وهي ممدة في فراشها بغيظٍ، وهتفت:
"إيه صدقتني دلوقتي إن في حد بيحاول يقلتني ولا برضو هتكذبني؟!"
آه.. تأوهت متألمة عندما حركت ذراعها الموصول به المحقن المغذي، فرفع بصره إليها، وقال في هدوء:
"بلاش ترهقي نفسك، أنا دلوقتي مصدقك، وإن شاء الله الشرطة هتقدر تقبض على القاتل أنا أدتهم مواصفاته."
فسألته بلهفة تطل من عينيها:
"أنت شفت وشه؟"
فرد بإيجاز:
"ايوة."
واستطرد وهو يغض بصره متحركًا للخارج:
"أنا مستني برة لحد ما المحلول يخلص عشان …"
وسكت لهنيهة، ثم قال بإنفعال:
"عشان هتيجي معايا بيتي."
وخرج مغلقًا الباب وراءه، أما هي فقد تنفست الصعداء، وامتزج بداخلها شعور الأمان بالبهجة وسريا في دماءها وقلبها.
وقف بلال أمام الحجرة بعد ما أغلق بابها، وحيدًا يترقب لعلّ وعَسَىٰ تُغير رأيها ولا تذهب معه. ولكن آمله اضمحل إزاء سماعه لفتح الباب و وقوفها وراءه، وهي تغمغم:
"أنا جاهزة اروح معاك!"
فأغمض عيناه آخذًا نفسًا عميقًا، ولم يلبس ببنت شفة وهو يتحرك أمامها فلحقت به وهي مطرقة الرأس عاقدة الذراعين، واضعة وشاحٌ تُغطي به رأسها، وتشد طرفه علىٰ وجهها كي لا يعرفها أحد حتى استقرت داخل السيارة الذي انطلق بها دون صوت.
وهو يخبرها عمن يعيش معه في البيت.. فقد كان يحوى أمٌ لا هم لها إلا سعادة ابناءها، وأختٌ في الثلاثين من العمر مخطوبة تُدعى ( سُهير) و (عمرو) أخيه الصغير، هذه كانت عائلته الصغيرة، وجل همه في الحياة.. هو توفير لهم حياة كريمة.. فلا يحتاجون أحد ولا يطلبون العون من غريب.. فمنذ وفاة والده وهو الأب والأخ والمعول لأحتياجتهم.. وهو لم يمل ولم يكل ولم يُعيّه ذلك.. فما الدنيا أمام بسمة رضى من عينين والدته.. وضحكة سعادة من ثغر أخته.. وقفزت سرور من أخيه الصغير..
لكن ما صدمها هو قوله الأخير وهو جامد الملامح وبصره مصوبًا للطريق أمامه:
"أنتِ اكيد مش هتقعدي اكتر من يومين تلاتة كده، وطبيعي اهلك هيرجعوا من بلاد بره ويقدروا يحموكِ، فعشان كده أنتِ هتقعدي في شقتي ودي محدش بيقعد فيها وهجيبلك الأكل والمياة لحد عندك و متسمحيش لحد يشوفك."
فصرخت وهي تلتفت إليه في اهتياج:
"أنت عاوز تحبسني عندك!"
فعصفت رياح الغضب بقلبه، وهو يصرخ فيها ضاربًا عجلة القيادة:
"ده اللي عندي عاجبك خير معجبكش خلاص، مش من مسؤليتي اصلًا أن احميكِ وقعدك في بيتي."
وزفر في ضيق وهو يهمس في نفسه:
"أستغفر الله العظيم وأتوب إليه، اول مرة حد يخليني بالغضب ده وممسكش نفسي قدامه."
واستعاذ بالله ليزول عنه الغضب.
ركن سيارته في مكانها المخصص، وترجل وهو يغمغم بصوت جاف:
"انزلي.."
فترجلت في ترقب وهي لا تدري أي بيتٌ هو بيته، وحينما سار لحقت به في هدوء، ودخلت وراءه بيتًا بسيط ذا أثاث يدل عن فقر صاحبه او حاله المتوسط، وطافت مقلتيها في إنحاءه لتستطلع محتوياته، وبينما هي علىٰ تلك الحالة، وقدميها تسيران وراء بلال كأنما هي ظله الذي لا يفارقه، توقف هذا الأخير فجأة فأصطدمت به وابتعدت سريعًا وهي تزمجر بنبرة خفيضة:
"مش تقول إنك هتقف لازم تخبطني يعني! ولا أنت بتنتقم مني؟"
فتجاهلها تمامًا وهو يحدجها شزرًا، ويغمغم باقتضاب:
"آه ما هو أنا عامل زي القطة اللي ماشية تتسحب بدون صوت وراء أي حاجة وخلاص!"
كان يقصدها ويستهزأ بها، فاتسعت عينيها وفغرت فاه لثوانٍ، قبل أن تجيبه بأنفعال:
"تقصد مين بقطة؟ أنا …"
وأشارت إلى نفسها وهي، تسترسل:
"أنا أنا قطة!"
تبسَّم بلال في سخرية، وهو يرمق قامتها الضئيلة... بل الضئيلة جدًا.. بجانبه.. فبدت كقزمة وكتم ضحكة كادت أن تفلت من بين شفتيه تلاشت وخفتت سريعًا عندما اردفت هي في زهو:
"يا عم قطة إيه بس؟"
وضحكت في خفوت، مضيفة:
"قول لبانة ولزقت فيك، ومش هتعرف تشيلها."
وضحكت بصوتٍ عال، لم تلبث إن كبتتها في داخلها عندما رمقها بنظرة صارمة رادعة، وانبعث صوت امرأة كبيرة في السن، تهتف:
"بلال، أنت جيت، هو في حد معاك؟"
فأجابها بلال رافعًا صوته ليصل إليها:
"ايوة يا ست الكل جيت، دقايق هغير وأجيلك."
وأشار برأسه لـ إسراء كي تتبعه، وارتقى درجات الدرج ليفتح لها باب شقته التي كانت خالية من الأثاث، ومن كل شيء تقريبًا، بينما أفسح لها لتعبر للداخل وهو يقول في صلابة:
"هتقدي هنا.. وإياكِ تطلعي."
فطافت إرجاء الشقة بأمتعاض وصاحت به:
"وهنام فين أنا؟ على الأرض أنت عاوزني اتكسر."
فجز بلال على أسنانه وهو يرد عليها ساخرًا:
"لأ، ودي تيجي برضو! هجيبلك حالًا حاجة تفرشيها وتنامي عليها."
همت أن تعلق، لكنه لوح بسبابته مغمغمًا:
"ده اللي عندي عاجبك او مش عاحبك فالباب يفوت جمل."
فصمتت على مضض، واوقفته عندما استدار ليغادر، قائلة:
"استنى يا بلال أنا جعانة هموت من الجوع."
فأستدار بحركة حادة لتتراجع مستدركة:
"مش جعانة مش جعانة …"
ثم اتبعت تقول في نفسها:
"اموت احسن من الجوع ولا أموت من عينيك اللي تخوف دي يا بلال المهيب، والله يليق عليك بلال المتوحش."
وتنبهت من شرودها على تلويح كفه أمام وجهها، وهتافه:
"أنتِ .. روحتِ فين؟"
فنظرت له، متسائلة:
"كنت بتقول حاجة!"
فأجابها بالامبالاة وهو يكاد ينصرف:
"بقول إنك بقيتِ عالة على الواحد."
فعبس وجهها وطل الحزن في عينيها، واستوقفته مجددًا وهي تسأله بنبرة تفيض بالشجن:
"هو أنت مش عايز اهلك يشوفوني ليه؟!"
فرد وهو يغادر:
"لإنك بلاء مش بيسيب صاحبه.. وبلوة على دماغ الواحد."
شيعته بنظرات حزينة وهو ينصرف وأطرقت برأسها ساهمة، ثم راحت تتحرك دون سبيل في إنحاء الشقة حتى عاد إليها بطعام وزجاجةً من الماء المثلج، وألقى أسفل قدميها غطاء (ومرتبة) صغيرة، وهو يغمغم:
"الأكل والمياه عندك والمرتبة عشان تنامي عليها وغطا، وكده مفيش حاجة نقصاكِ."
وتحرك خارج الشقة غافلًا عن أخيه الصغير الذي تبعه لأعلى عندما شاهده يأخذ المرتبة والطعام متعجبًا لشقته، و وقف مبهوتًا وهو يرَ ويسمع كل شيء من مخبئه وراء الجدار، ثم غمغم يسأل نفسه:
"هو مش دي الممثلة اللي بتطلع على التلفزيون اللي بتحبها اختي سهير!"
وصاح في حماس:
"ايوة هي أنا متأكد.."
وتفكر لحظة، ثم اضاف:
"بس بتعمل إيه عندنا؟! انا لازم أأقول لماما وسهير."
وقرن قوله بفعله ونزل درجات السُلم عدوًا.
رواية والتقينا الفصل الرابع 4 - بقلم ندى ممدوح
كان عمرو يمسك جسد شقيقته سهير التي تغط في سبات عميق، وهمس لها بخفية خوفًا أن يسمعه أخوه بلال:
_ سهير، سهير.. قومي عايز أقولك حاجة.
لم يتلق ردًا سوى همهمة ناقمة من إزعاجه، فأعطته ظهرها. فعاود يهز كتفها هاتفًا:
_ يا سهير بقا قومي عشان تعرفي مين عندنا!
صعد جاثيًا بجوار فراشها، ولا يزال يحاول دون ملل في إفاقتها:
_ يا سهير قومي عشان تشوفيها، والله أنا شفتها فوق.
لما لم تجد بدًا من إجابته، أجبرت نفسها قسرًا لتنزع نفسها عن النوم وتجيبه في نعاس:
_ مين، مين دي يا عمرو؟
فصاح عمرو ملهوفًا:
_ إسراء، الممثلة إسراء الشهاوي.
فظنت بأنه يهذي ولم تصدقه، فما لها ومال الممثلين هي... أين هم وأين هن.. فما الذي يأتي بممثلة لمنزلها وهي لا شك لا تدري حتى بوجودهم من الأساس!
فجذبته لحضنها بعدما التفتت تجاهه، وهي تهمس بتثاؤب:
_ نام يا عمرو يا حبيبي تعالَ.
فهتف عمرو مهتاجًا:
_ يا سهير أنام إيه، بقولك الممثلة فوق في شقة بلال.
وذهبت عبارته سدى، مع انتظام أنفاسها وذهابها في النوم. فظل كالح الوجه حتى زاره النوم هو الآخر.
جلست إسراء على الأرض حائرة تفكر، فيمن ممكن أن يكون القاتل! وجال بخاطرها كل من تعرف الجميع دون استثناء، حتى أبيها. لا تدري لماذا فعلت كل ذلك مع بلال، لكنها توسمت فيه خيرًا. ذاك التوسم الذي أنبأها إنه رجل يعتمد عليه، لكنها لن تنسى صنيعه قط، سيظل له عظيم الأثر في نفسها.
ضحكت وهي تتذكر اللحظات القلائل التي استفزته فيها، لا تعلم لماذا تحب أن تثير ثائرته. واستحضرت طيفه في ثنايا قلبها، وراحت تتأمله.
كان شابًا في أواخر العشرينات، ذات بشرة قمحاوية، ذقن نامية زادته وقارًا، وعينين ضيقتين تظللهما رموش سويداء تحيطان بمقلتين سوداوين... وفي سوداويته تاهت هي. كان فارع الطول، عريض المنكبين إلى حد ما. ملابسه بسيطة جدًا من بنطال جينز أسود مع تي شيرت أسود اللون مشمرًا عن ساعديه، ورغم بساطته إلا إنه أنيق ساحر.
وأسبلت أهدابها على صورته كلا تغيب وغفت.
في صباح اليوم التالي، غادر بلال إلى عمله، وكانت شقيقته سهير تعد الطعام في المطبخ، عندما دخل عليها عمرو راكضًا وهو يسأل في حماس:
_ يا سهير، شفتيها ولا لسه؟!
فتسألت سهير في تعجب وهي تقلب طبق الفول:
_ شفت مين يا بني! أنت مالك من إمبارح! قولي الأول بلال مشي؟
فهز عمرو رأسه وهو يقول سريعًا:
_ أيوه أيوه، صلينا الضحى في الجامع ومشي على طول.
فرفعت نظرها إلى السماء من نافذة صغيرة تتوسط الجدار، وقالت في دعاء صادق نابع من صميم قلبها:
_ يا رب أسألك بكل اسم هو لك أن تفتح له أبواب رزقه، وتعوضه على أيام الشقا دي، وترزقه ببنت الحلال.
فآمن عمرو على دعائها بيقين، وعاد يسألها في فضول يكاد يقتله:
_ ها مقولتيش شفتيها!
فصرخت فيه سهير بانفعال وهي تترك ما بيدها وتستدير له في عصبية:
_ يا دي النيلة هي مين دي اللي هشوفها!
فرد عليها عمرو وهو يشوح كفيه ويدب بقدمه الأرض:
_ بتزعقي ليه؟ بسألك لو شفتيها اللي فوق دي.
فتخصرت وهي تضيق عينيها وتسأله بحذر:
_ هي مين دي اللي فوق؟
فرفع عمرو حاجبه في غيظ، وغمغم:
_ معرفش، روحي شوفي أنتِ مين فوق!
فهتفت به في غضب:
_ عمرو ما تستهبلش! قول في إيه فوق.
فصاح عمرو وهو يعدو خارج المطبخ:
_ معرفش.
فلحقت به وأمسكته من تلابيب ملابسه، وسألته وهي تهزه في حنق:
_ ولا تكلم في إيه؟
فأفلت يديها بزهو مصطنع وهو يقول:
_ طب بس ابعدي إيدك كده وهقولك.
_ قول يا آخرة صبري.
هتفت على مضض، فمال على أذنيها كمن سيفضي بسر خطير، وهمس وهو يظلل بكفه على فمه:
_ الممثلة اللي بتيجي على التلفزيون اللي اسمها إسراء فوق، شفتها إمبارح في شقة بلال.
فلم تصدقه وهي تضيق عينيها ناظرة إليه بإمعان، وسمعته وهو يقول منذرًا:
_ وهعرف بلال إنك بتتفرجي على التلفزيون.
_ ده لو لسه كان فيك روح يا حبيب أختك.
جأرت بتلك العبارة سهير وهي تهب ناهضة رافعة قدمها في الهواء ليتطاير فردة نعلها، فتلتقطها وتعدو وراءه، ووالدتها الكفيفة تصيح وهي تحمي عمرو الذي تشبث بها مستنجدًا:
_ يا بنتي أنتِ صغيرة بتجري وراء أخوكِ.
همت سهير بالرد عندما سمعت صوت الباب يفتح ويغلق، فخرجت مسرعة وتعجبت كل العجب عندما وجدت بلال الذي نزع نعليه واستدار إليها ملقيًا السلام:
_ السلام عليكم.
وضربها على رقبتها بخفة ضاحكًا، وهو يضيف:
_ إيه يا بنتي مبلمة كده ليه؟
فزالتها الدهشة بسرعة، وغمغمت:
_ أنت راجع بدري النهاردة ليه؟ مش من عوايدك.
فانعقد حاجبه، وسألها:
_ آه أصل نسيت حاجة كده.
_ نسيت إيه، وإيه اللي في إيدك ده؟!
فرد عليها وهو يتجه للدرج مسرعًا:
_ حاجة وخلاص، طالع دقايق ونازل.
كان سبب عودته إنه تذكر تلك البلوة التي ابتلى بها، وإنها بالطبع ستصحو جائعة، فأحضر طعامًا وعاد ليعطيه لها. وأختفى من أمامها، وبقت هي تفكر حائرة، ولم تلبث أن صاحت:
_ هو في إيه فوق؟ وليه عمرو من إمبارح بيقول كلام غريب.
وفي طرفة عين كانت اتخذت قرارها واتجهت إلى الأعلى.
وفي الأعلى كان بلال يطرق الباب بخفة، حتى فتحت له إسراء وهي تتمطى، مغمغمة في نعاس:
_ هوف، في إيه دلوقتي بتصحيني بدري كده ليه؟
وأقتربت من الباب وأسندت رأسها عليه، وأسبلت جفنيها وهي تهمس:
_ مش كفاية إني معرفتش أنام من نوم الأرض اللي كسر ظهري.
شهقة عنيفة ندت من وراءهما، لم تكن إلا من سهير الذي أسرعت بإلتهام باقي الدرج، وتتفحص إسراء التي أُجفلت وقد أذهلتها المفاجأة.
بينما أطرق بلال في غضب. ما يخشاه قد حدث! وأخته ستختلط بتلك الفتاة حتمًا. وما حاول تجنبه لم يفلح والأمر انكشف. فأخذ نفسًا عميق، وأطلق زفرة حادة مفرغًا فيها انفعاله وضاقت نفسه بكل ألم. هذه الفتاة خطر على أهل بيته، حدسه يخبره بذلك. هو رآها ليست من الفتيات المحتشمات الذين يبدو عليهم الأخلاق الحسنة، ورغمًا عن ذلك لم يظن بها سوءًا، فربما هي أقرب إلى الله منه ومن ألف فتاة محتشمة، فخبايا السرائر لا يعلم بها إلا رب السرائر. لكنه لا يود المخاطرة.
وشعر بالاختناق فجأة فأسرع مبتعدًا عنهن وهو يقول:
_ أنا همشي، عرفيها أنتِ سبب وجودك.
لم تصدق سهير عينيها وهي تفركهما محملقة في إسراء أمامها، وقد طار عقلها من الدهشة، وراحت تحوم حولها وهي تهتف:
_ إيه ده دا أنتِ بجد ولا أنا في حلم ولا إيه اللي حصل بالضبط!
وقفت قبالتها وراحت تتلمسها بأعين برقتان، وتقول:
_ دا أنتِ بجد، أ.. أنتِ الممثلة إسراء صح؟ ولا أنتِ وحدة شبهها، مهو طبيعي أنا مش بحلم وأنتِ مش هنا، ما هو أصل إيه اللي هيجيبك في مكان زي ده!
انكمشت إسراء على نفسها، وتبسمت في تهجم وهي تومئ برأسها، هامسة:
_ أيوه أنا.
فصرخت سهير في انفعال:
_ لا، لا أكيد أنا بحلم مستحيل لا، لا.
وانقضت عليها فجأة وجذبتها في حضنها في قوة، بل اعتصرتها. فـتـأوهت إسراء، مغمغمة بحنق:
_ هتكسري ضلوعي كده.
فأبتعدت سهير عنها وظلت لثوانٍ تتأملها في هيام، حتى تنبهت لضمادة رأسها، فسألت في جزع وهي تتحسسها:
_ إيه ده إيه اللي على رأسك ده وريني! أنتِ تخبطي ولا إيه؟
فتلمست إسراء بدورها الضمادة وردت عليها ببسمة حالمة:
_ لأ عملت حادثة، بس أفضل حادثة عملتها، حادثة بحبها أوي.
عقدت سهير حاجبيها في تعجب وهي تسألها:
_ الحادثة غالية عليكِ!! مش غريبة دي؟
فهزت إسراء رأسها رافضة، وتبسمت بتنهيدة عميقة وهي تقول بنبرة شغوفة:
_ مش غريبة خالص، أصلها عرفتني على أخوكِ.
فأستعادت سهير صرامتها، وهي تعقب في حذر، كأنما توشك على الانقضاض عليها، مدافعة عن شقيقها:
_ أخويا! أخويا أنا تقصدي، بلال ذات نفسه؟!
فأومأت إسراء إيجابًا، وتعلقت في ذراعها وهي تردف:
_ تعالي أما أحكيلك اللي حصل وليه أنا هنا.
قصت أسراء على مسامع سهير كل شيء. من لحظة الحادث وحتى جلستهن تلك. فتفجر كل الأسى في نفس سهير، وهي تهمس في إشفاق:
_ كل ده، بس مين وليه اللي بيحاول يقتلك؟!
هزت إسراء منكبيها ببسمة خفيفة باهتة وهي تزم شفتيها، وافتر ثغرها عن بسمة صادقة ودودة، وسهير تسترسل:
_ بس مكنتش متخيلة الممثلين زينا كده عادي ومتواضعين وكل الصفات الحلوة دي.
فردت إسراء ببساطة وهي تقلب شفتيها:
_ ليه إحنا مش بشر زييكم! بس مش كلهم طيبين ومتواضعين، في وفي طبعًا فالناس أصناف، والقلوب متفاوتة.
فقامت سهير وهي تؤيد قولها:
_ معاكِ حق والله سبحان الله عز وجل.
وجذبتها من معصمها، وهي تقول:
_ تعالي أعرفك على ماما وعمرو.
ثم أوقفتها فجأة وسألتها في حذر:
_ هو بلال يعرف أنتِ مين؟
ازدردت إسراء لعابها في توتر، وهزت رأسها في قلق، فمالت عليها سهير، وقالت بصوت خفيض:
_ طالما ميعرفش يبقى يستحسن ميعرفش لإن هو بيخاف علينا أوي.
وضحكت متابعة:
_ بيخاف من الفتن تدخل بيتنا فنتفتن. دا غير إن التلفزيون عنده محرم مش بيقعد قدامه خالص أصلًا ولا بيتفرج عليه.
كانت متعجبة من تلك المودة والألفة التي لاقتها بها سهير. متعجبة كل العجب. فهي تضاحكها وتحادثها بكل مرح وبساطة كأنما تعرفها منذ سنوات، وكان لذلك أثر جميل في نفسها فلم تشعر بالغربة بل بالانتماء. بإنها كانت تحيا في غربة موحشة وها هي تجد الوطن. أقسى ما قد يحياه المرء هو غربة قلبه وسط أهله فيكون فارغًا من كل شيء، موحشًا مرتحلًا دائمًا في البحث عن وطن السكينة فيعود خالي الوفاض، لكن هذه المرة في ارتحاله لم يعد. لقد وجد الموطن. وأبى أن يعود، وأنّى له أن يعود وهو بين أحضان السكينة ينهل. وفي حضن عينيها يحيا. فهنيئًا لمن وجد موطنه. فغربة النفس قاسية.
كان بلال يجلس خلف عجلة القيادة قابضًا عليها بقبضتين تعتصرانها من شدة الغضب. لقد نشد دائمًا الأمان لعائلته بعيدًا عن ملاذات الحياة التي لا تشبع ولا تغني من جوع، فما بال الدنيا تعصف بالفتن الهوجاء داخل بيته. لماذا لا تعصف بعيدًا عنه. لما الدنيا لا تتركه وشأنه!
توغل الحزن في مسام روحه، وسرى في دمه وأحس بالخطر يحوم حوله، وقبضة باردة اعتصرت عنقه وهو يشعر بالاختناق، وبغصة أليمة في حلقه، وماجت أعاصير شتى مشاعر القلق في نفسه تموج كأمواج البحر المتلاطمة.
كان في انتظار إحدى زبائنه التي يقلهم كل يوم في ذات الموعد والحين. وأحس إنه بحاجة إلى كوب من الشاي عل سخونته تذهب بنيران روحه الملتهبة، فترجل من سيارته وعبر للجانب الآخر، ودخل القهوة وأتخذ طاولة خارجها وطلب كوبًا من الشاي وانتظر متأملًا سيل السيارات المندفع أمامه. كم تشبه قطار عمره الذي مر دون أن يقف به على إحدى المحطات. كأنه لا يبالي براحته. بهدوئه. بسكينته.
كانت شاشة التلفاز منشغلة وراءه، وهو لم يبال، ولم يلق حتى نظرة واحدة إليها. حتى صكت مسامعه عبارة المذيعة تقول: (خبر عاجل اختفاء غامض للممثلة إسراء الشهاوي يثير القلق، فبعدما عرف الجميع إنها في المستشفى إثر حادث على الطريق اختفت ولا أحد يعلم أين هي! فدعونا نرحب بوالد إسراء...)
عند هذا الحد توقف سمعه عن السمع وأستدار برأسه. وتلقى الطامة الكبرى وهو يرى صورتها تأخذ نصف شاشة العرض، وهب واقفًا والشرر يتطاير من عينيه وهو يدقق النظر في صورتها المعروضة. هي بذاتها، بملامحها الطفولية، وبملابس تكشف أكثر مما تستر. فأخرج هاتفه وكتب اسمها في خانة البحث وراح يستقصي كل أخبارها. وكل صورها الفاضحة مع الشباب وغير. والغضب يتفاقم في داخله.
رواية والتقينا الفصل الخامس 5 - بقلم ندى ممدوح
غضبٌ عظيم نما في جسد بلال، وأترع قلبه.. كظمه في داخله، وهو يدخل للدار وقد نوى في جنبات نفسه أن يُخرجها من منزله، لم يكن ذلك هينٌ عليه..
ممثلة في منزله؟ وسط عائلته! ربما قد تدمر المنزل الذي مضى عمره يرممه ويبنيه لُبنة لُبنة.
ما بالِ الفتن لا تتول عنه رغم توليه عنها؟
تلتفت إليه رغم إنه يحاول تجنبها قدر استطاعته وهو يستعين بالله العلي العظيم.
ولج بلال للداخل، وغضبٍ هائلٌ يتدفق من عيناه، وأول ما وقعت عيناه عليه هو والدته بوجهها البشوش، ورنت ضحكتها على أوتار قلبه فأزالت كل غضبٍ حل فيه..
وكل حزنٌ خامره..
وكل خوفٍ زاره..
وكل وجعٌ سكنه..
كأنما رؤية والدته سحرًا محى كل عصبيته، وإذا بوجهه يلين، ويستعذب الضحكة الأنثوية الرقيقة التي ندت من إسراء، وتنبه لصوت أخته سهير تقولُ وهي تضع كفها على منكبه في حيرة:
"بلال، مالك واقف كده ليه؟ وإيه رجعك بدري كده! في حاجة حصلت معاك، أنت كويس؟"
فتفرس بلال النظر في عينيها بشك ملأ لُبه.
أخته لا ريب تعلم من تكون إسراء حق العلم، لذا فجذبها من مرفقها وسحبها وراءه لأقصى مكانٍ في الصالة، وانحنى على رأسها والشرر يتطاير من عيناه، وسألها في غلظة، وهو يضغط على مرفقها بقوة ألمتها:
"أنتِ تعرفي مين هي صح؟"
تفاجئت سهير بصنيعه، ومن قسوته التي لأول مرة تذوقها، فهمهمت بتلعثم متصنعة عدم الفهم:
"هـ.. هي مين دي؟"
فضغط بلال على مرفقها وهو يقول من بين أسنانه:
"متستعبطيش يا سهير أنتِ عارفة اقصد مين، إسراء الشهاوي مش ممثلة برضو..."
وجاءه الرد، لم يكن من أخته، بل انبعث من ورائه بصوت متوتر ناعم رقيق يهمس:
"ايوة أنا."
وما كاد يلتفت إليها، وقد كانت إسراء تتقمص دور المقهورة، وتستجلب دموعها في يسر إلى مآقيها، وتنهمران على وجنتيها بطريقة مشفقة، وهي تقول بصوتٍ واهٍ:
"مقولتلكش عشان خوفت مترضاش إني أعيش معاكم."
فجز بلال على أسنانه وأشار لها بطول ذراعه على الباب وهو يهتف:
"طيب بما إنك كدبتي عليَّ فـ يلا اطلعي من بيتي وانسي في يوم إنك شوفتيني."
فترقرق دمع صادق في عينيها، لا تدرِ لمَ يعاملها بهذه الطريقة، ولمَ قلما رآها يتعصب، فدافعت عن نفسها بصوتٍ شاحب وهي مطرقة:
"قبل ما امشي لازم تعرف إني مكدبتش عليكَ لإنك مسألتش، والغلط كان منك لإنك منتبهتش لما كنا في المستشفى لأي حد نادني بـ (الممثلة إسراء)."
ورفعت عيناها تنظر بعمق في عيناه فارتبك..
وانتفض قلبه..
عيناها كانت تعاتبه..
تعاتبه كأنه تخل عن مسؤليته تجاه ابنته..
تخبره إنها تكِن له معروفًا لن تنساه..
ومشاعر ستحياها..
أيمكن للقلب أن يعرف تؤمه؟! فيطئمن ويأنس ويسكن!
أسبلت جفنيها هربًا منه وهي توليه ظهرها بعدما ألقت نظرة خاطفة إلى سهير التي بادلتها النظر في إشفاق وعجز، وتحركت في تؤدة جهة الباب فأوقفها صوت والدته:
"استني يا بنتي.."
وهمت بالنهوض فهرول بلال إليها وأسندها بكل حنان الدنيا، لكنها شدت على يديه وعاتبته قائله:
"من أمتى وإحنا بنعامل ضيوفنا كده؟! تعالي يا بنتي أنتِ مش هتطلعي من البيت ده غير لما تطلبي بنفسك الخروج منه، واللي مش عاجبه كلامي فـ..."
وصمتت، وفهم بلال ما ترمي إليه، كانت تقصده إن لم يعجبه حديثها فليرحل، فلاذ بالصمت، قُول أمه أمر يجب تنفيذه في الحال.
وتبسمت إسراء في ظفر، وتبادلت نظرة تحد مع بلال، الذي أجلس والدته في حنان آسرها..
فأضحت حبيسة لهذا الحنانتتمنى لو تطاله..
أن تذقه..
وتتذوقه..
وتحرك بلال للخارج، وما هم بعبور الباب حتى توقف متذكرًا هيئته إسراء في ملابس المستشفى، فدس يده في جيبه وأخرج من محفظته بعض الأموال، ونادى أخته التي أقبلت عليه سائلةٌ في اهتمام:
"إيه؟"
فمال على أذنها، وهو يضع المال في كفها، قائلًا:
"هاتيلها لبس بدل لبسها ده."
ومن وراءهما كانت إسراء تسترق السمع، وتفجر في نفسها الفرح كله..
سعادة لا تدرِ سببها اترعت فؤادها..
ثمة من يهتم لأمرها..
لأول مرة تأخذ مال من أحد، شبت في منزل هي من تعوله، تملك أبٌ دون عمل فقط كل ما يبغيه هو الجلوس والأكل والشراب والنوم فقط وأن يأتيه كل ما يريد حتى لو كان ذلك على حسابها هي..
أو حساب عرضها..
وترقرق دمع الأسى في مآقيها، وانفطر قلبها أين نخوة الرجال الذين يتحدثون عنها في أب باتت هي المسؤلة عنه لا العكس!
لماذا لا تملك احد يرعاها!
لِمَ وُلدت للشقاء؟
غادر بلال، وذهبت سهير لشراء ملابس لها، وقد آثرت عدم الخروج حتى لا يعرفها أحد وتسبب مشاكل لمن آواها في بيته.
وبقت هي برفقة والدته (عايدة) تلك المرأة الكفيفة التي تعاملها بحنان وعندما علا الآذان، قالت لها المرأة وهي تهم بالنهوض:
"هروح اتوضى عشان الصلاة، أنتِ مش هتصلي؟"
تساءلت ويا ليتها لم تسأل!
فلم تكن إسراء من المصلين، وتملكها الخجل من رأسها إلى أخمص قدميها، وهي تعاون المرأة على الوضوء، بعدما عللت:
"لا أنا.. انا مش هقدر أصلي."
وصمتت المرأة محتسبة إنها تعاني عذرًا يمنعها من تأدية فرضها، وشرعت في صلاتها، وإسراء تتأملها حائرة..
ذاك الخشوع والسكون الذي غشى المرأة جعلها أسيرة..
وقبضة باردة اعتصرت قلبها..
واستمطرت عينيها الدمع بخنقة تكاد تُدميها..
حتى عمرو الصغير أخيه يصلي، لكنه يصلي في الجامع..
الصغير يصلي ويعرف كيفية الصلاة ويؤديها..
وهي لا؟!
أليس هذا خزيًا؟
لكنها لم تملك من يعلمها، لقد درجت في منزلها على جشع أبيها الذي كل همه المال..
والعجيب إنه يُريد المال وهو جالس، مرتاح..
فألقاها هي في طيات الحياة تسعى لجلب ما يحتاج إليه ويأخذه هو على طبقٍ من ذهب، دون ان يسئل عن حالها وما الذي تبتغيه..
ما دام الأمر فيه راحته فتبًا لها بعد ذلك..
كان أبٌ يخجل العالم منه، فما بالك بها!؟
لم تمض سويعات قليلة، وعادت سهير، والحزن يكسى وجهها، حتى إنها لم تنبس معها ببنت شفة، فقد وضعت لها الحقائب التي تحوى الثياب، وسارت تجاه غرفتها كصنمٌ من الشمع يذوب وجعًا دون أن يشعر به أحد لظنهم إنه ما دام متوهجًا فلا يعاني.
فتحير قلبها لأجلها، ونهضت في تأنٍ متجهة إلى حجرتها، فوجدتها قد استلقت على جانبها، وأولت الباب ظهرها، فطرقت الباب في خفوت متوتر، وبحركات بطيئة مرتبكة انحدرت نحوها، وجلست بجوار رأسها..
وتناهى إليها بكاءها الخافت المؤلم، فأوجعتها تلك الدموع، وشعرت بالأسى لإنها لا تدرك ما ألَم بها، وبعد ثوانٍ من التردد، وضعت كفها على منكبها، وهمست بصوتٍ خفيض:
"سُهير، أنتِ.. أنتِ كويسة؟"
وعندما لم تتلقَّ رد، استدركت في قلق:
"هو بلال زعلك بسببي؟!"
فهزت سهير رأسها، واستوت جالسة وهي تنفجر في بكاء ونحيب يُدمي القلب، فأضنى ذلك إسراء وأسرعت تضمها وقد انهمرت دموعها تشاركها الدموع، فأستكانت سهير في حضنها، وهي تقول بصوت متهدج إثر البكاء الذي لم ترقأ عيناها منه:
"هقول لبلال إزاي انا دلوقتي؟! هحمله هم زواجي إزاي! قوليلي إيه الحل؟"
في حنانٍ دافق، مسحت إسراء بسبابتيها دموع سُهير، رغم عينيها التي تستمطر الدمع حزنًا لحزنها، وأردفت بصوتٍ حنون مفعم بالاهتمام:
"اهدي يا سُهير، كل حاجة وليها حل، قوليلي إيه اللي مخليكِ تبكي كده! مين مزعلك؟"
شردت سُهير للحظات قبل أن تقول بخفوت:
"خطيبي عايز نقدم الفرح بس المصيبة مش هنا!"
سكتت عند هذا الحد، وانفجرت باكية في انهيار وهي تدفن وجهها في حجرها، فرقت إسراء لحالها، ولم تطق صبرًا على بكاءها:
"اهدي طيب عشان افهم، ماله خطيبك؟ ومصيبة إيه؟"
ثم رفعت كفها وأدارت وجه سُهير إليها، وغمغمت:
"بطلي عياط عشان افهم وتعرفي تتكلمي."
فلاذت سُهير بالسكوت لفترة، حتى خفت نحيبها، وخمدت شهقاتها، وقالت:
"خطيبي…ثم قاطعة قولها مستدركة: قصدي جوزي يعني لإننا كاتبين كتابنا، طالب مني أكلم بلال عشان نقدم الفرح وكمان.."
بترت عبارتها وقد خنقتها الدموع، فأسبلت اهدابها فهطل الدمع في غزارة، مع قولها بصوت خافت:
"عايز يجي يعيش هنا وكمان يكون كل متطلبات الفرح على بلال وإلا.."
تهدج صوتها وهي تنفجر أكثر في البكاء وترتمي في حضن إسراء:
"وإلا هيسبني ومش هيتجوزني."
طار عقل إسراء من قولها، وتفاجئت مما تفوهت به، فمسدت على ظهرها، وهي تصرح بهدوء:
"متشليش هم حاجة انا مستعدة اتكفل بكل الفرح واعملهولك في احسن مكان لو تحبي، ولو على الشقة أنا هشتريلك واحدة."
فأبتعدت سهير في ضيق، وحدجتها بنظرة خانقة، وغمغمت:
"اسكتي الله يرضي عنك."
ولم تنبس إسراء ولم تحاول قيل ما قالته مجددًا، وفجأة سألتها سؤال حار فيه العقل:
"سُهير، أنتِ بتحبي جوزك ده؟ باين له مش زيكم!"
فشردت سُهير طويلًا، واحترمت إسراء ذلك فلم تنبس ببنت شفة، حتى انبعث صوت سهير بحزنٍ دفين كأنما يأتِ من مكانٍ سحيق، وهي لا تزل ساهمة:
"بحبه أو مش بحبه هتفرق إيه؟ مش المهم خلاص سكتت ألسنة الناس ومحدش بيقول عليَّ عانس تاني، هو أنا جالي الأحسن منه وقُلت لأ!
وضحكت في وجع يُفطر القلب وهي تسترسل:
"مفيش غيره المتاح، مين هيرضى بعانس زيي؟!"
فعبست إسراء متعجبة؛ عن أي عانس تحكي.
ومن طالها العنوسة!
إنها لا تزال شباب!
ذات ملامح رقيقة!
واسفاه.
على البشر حين يظنون تأخر الزواج عنوسة!
وإن قطار الزواج لا يقف لمن تخطت الثلاثون!
تبًا لهم! وهل يفوت القطار أحد؟!
هذا القطار بالذات يقف في كل المحطات.
فهتفت إسراء مستنكرة بانفعال:
"نعم!! أنتِ بتقولي إيه بجد؟ مين دي اللي عانس! أنتِ مش بتشوفي نفسك في المراية ولا إيه؟ يا بنتي أنتِ قمر."
لكنَّ سهير تبسَّمت في سُخرية مريرة، ظنٌ إن إسراء فقط تطيب خاطرها، ثم غمغمت باختناق مؤلم:
"بلال هيتحمل قد إيه دلوقتي؟ لولا إن تمني الموت حرام كنت تمنيته..."
فضمتها إسراء ولم تنبس، لم تجد كلمة تواسيها، فآثرت الصمت والطبطيب على ظهرها في مؤزارة.
وعندما عسعس الليل بظلامه، كان بلال يعود تنوء ملامحه بهمٍ جثيم يجثم علىٰ صدره، رغم ذلك كان متبسَّم المحيا، منشرح الملامح في رضى تام، وقد أبلغ سُهير في فرحة أن تتجهز لعرسها الذي اقترب..
ثم أنبأهم بمكوثه في السيارة حتى الصباح، بسبب تواجد إسراء.
أحست إسراء بتأنيب الضمير، فلحقت به وقبل أن يدلف إلى سيارته توقف على صوتها المنادي باسمه في رقة، فأغمض عيناه مستغفرًا، ورد دون أن يجيبها، بإيجاز:
"خير، بلال كره اسمه من يوم ما شافك!"
فابتلعت إهانته وهي تهمس في توتر:
"هو أنت هتنام في العربية بسببي؟"
فرد بضيق:
"وهو في سبب غيرك!"
ثم لم يلبث إن غضب من نفسه بسبب معاملته الحادة لها، فنفخ في حنق، ولان صوته قليلًا، ثم أردف يقول:
"نفسي أعرف أنتِ بجد وراءكِ إيه؟ إزاي جالك قلب تقلقي والدك عليكِ بالشكل ده؟ قلبك مرقش ليه ولا أنتِ مفكيش رحمة، دا أنا صعب عليَّ وأنا بتابع البرنامج اللي استضافُه.."
قطع عبارته، ضحكتها المنطلقة بصوتٍ عالٍ، ممزوج بالوجع، فلم يجد بُدًا من الإلتفات إليها، ورأى رأسها المرتفعة مع ضحكاتها العالية، وتساؤلها بصوت ضاحك متألم:
"كان بابا ماله بالله عليك قولي؟!"
وعاد رأسها يرتفع مقرونًا بضحكتها الصاخبة، وتفاجئ بلال عندما سكتت بغتة كما ضحكت على حين غرة، وتلاقت عيناه بعينيها المشبعتين بالحزن، وراقب خطين من الدمع التي أخذت بالإنحدار على وجنتيها، حاول أن يغض الطرف عنها لكن قلبه لا يغض، فازدرد لعابه في ثقل، وسألها بحيرة:
"بتضحكِ ولا بتبكِي؟! إيه اللي يضحك في كلامي!"
فأمعنت النظر في عينيه، ثم بثت له شجون قلبها، قائلةً:
"اللي يضحك إني مصعبتش عليك، وصعب عليك بابا، أوقات كتير بسأل نفسي يا ترى مين فينا اللي بيعرف يمثل.. أنا ولا هو؟! اصل في بعض الأحيان بيكون هو ممثل أفضل مني."
قطب بلال حاجبيه بعدم فهم، وأفصح:
"مش فاهم!"
فتنهدت آخذة نفسٌ عميق، ورددت:
"عمرك شفت أب بيشغل بنته عشان يرتاح؟!
يشغلها في أي شغل عشان الفلوس!؟
عمرك شفت بنت هي اللي بتصرف على أبوها؟! تأكله وتشربه وتصرف عليه وهو واكل نايم شارب مرتاح، مش مهم اصلًا راحتها هي ولا سعادتها اهم حاجة الفلوس اللي هتيجي منها تغور هي بقا. ده باختصار بابا شخص كده عايز يفضل نايم مرتاح وكل حاجة تجيله لحد أيده، اكدب عليك لو قولتلك إني بعتبره أب، لإنه عمره ما حسسني بكده."
سخطٌ هائل تعاظم في صدر بلال على هذا الأب، و ود لو يلقاه فيعلمه كيف يكون أب..
وتمنى لو يمحو كل ذاك الحزن القابع في عينيها والساكن قلبها لكن ما باليد حيلة، لذلك فقط عرف إن أمان إسراء ليس أبيها، فتاة مثلها بحاجة إلى أمان..
والأمان شيء محال أن نجده، في زمان بات فيه الطغيان يغشى قلوب الجميع.
وبات الرجال أشباهٌ لرجالٌ قد غادرو الحياة.
لم يعرف كيف يواسيها او ما ينطقه، فخرجت الكلمات من فمه بلغته الفصحى التي يهيمُ فيها، قائلًا:
"لا يكلف الله نفسًا إلى وسعها، الله عز وجل لم يختارك لهذا البلاء عبثًا إنما لحكمة يعلمها هو الواحد الأحد، الإبتلاء يا إسراء لا يكون فقط في المال والصحة والغنى والفقر إنما.. في الأهل أيضًا وابتلاءك عظيم فتسلحي بأعظم الأشياء وهو الصبر ذاك الباب الذي يدخله الصابرون بدون حساب وإن مع كل دمعة تكفيرة، يقول الحبيب ﷺ "ما يصيب المسلم من هم، ولا حزن، ولا وصب، ولا نصب، ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه" رواه مسلم.كل دمعة أنتِ مأجورة عليها."
أيمكن لكلماتٍ أن تكون بلسمًا للندوب!
أيمكنها أن تمحو كل دمعة!
وتزيل كل نغصة!
وتطيب الفؤاد!
هكذا كان وقع كلماته على قلبها، كلماتٌ طيبت روحها، فإذا بها تسأله في راحة لم تخامر قلبها يومًا:
"وليه ربنا يبتلينا؟!"
فتبسَّم في إشراق، وشرد للحظات قبل أن يقول في خفوت:
"لتكفير الخطايا، ومحو السيئات، وزيادة الحسنات، ورفع الدرجات.. يبتلينا لنتوب ليغفر لنا ويقربنا إليه حتى نعلم إن لا ملجأ لنا إلا هو وإن الحياة الدنيا ما هي إلا لعبٌ ولهو."
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل... فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة" رواه البخاري.ربما أرد الله أن يمحص قلبك، ربما هو عتاب لكِ لكي تعودي إلى الصراط المستقيم وتهتدي وتهدى.
وزفر زفرة ثقيلة مخرجًا فيه كل ما يعتمل صدره، ونظر لها متابعًا:
"وتارة يكول البلاء عقاب للمؤمن كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، ولا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد العمر إلا البر" رواه أحمد، فعليكِ بالدعاء والتضرع إلى الله والصبر والتحمل، ومن يدرِ قد يهتدي أبيكِ."
أرادت أن تضمه أن تختبيء في صدره وتخبره إن لذة كلامه آسرت قلبها، وإن حديثه شرح صدرها، ولأول مرة يتبسم فؤادها بصدق.
استيقظت إسراء على حركة سهير التي كانت تفتح ضلفتي النافذة وتستنشق هواء الفجر النقي البارد بنفسٍ راضية، فسألتها حائرة:
"إيه اللي صحاكِ الفجر لسه هيأذن!"
فغمغمت سهير وهي تستدير إليها:
"صحيت لصلاة الفجر، وبحب اسمع صوت بلال في الأذان."
هتفت إسراء في لهفة وهي تقفز واقفة بجانبها وقد زال كل أثر للنوم من عينيها:
"هو.. هو بلال بيأذن؟"
وجاءها الجواب عندما علا صوت أذان الفجر، بصوت بلال متوغلًا في مسام روحها، مستقرًا في شغاف قلبها، كانت لأول مرة تهتم بالأذان أن تسمعه في هدوء دون أدنى حركة..
وأدنى صوت..
ويا له من شعور..
وعندما أقبل الصباح، وعاد بلال من الجامع، هرعت إلى النافذة، تراقبه وهو يداعب أخيه الصغير عمرو دون كلل..
من يراقب شخصٌ كبلال..
لا يتطرقه كلل ولا ملل..
فمراقبته حياة لقلبها..
وبرؤيته تتفتح اكمام روحها..
ليتها تستطع مشاركته تلك الجلسة، فكم تحسد عمرو الصغير على إمكانه الجلوس معه وقتما يشاء ومتى يحلو له..
ليتها جزء من عائلته!
لم يمض دقائق قليلة وهي تقف في النافذة لا تحيد البصر عنه وهو في سيارته مفتوحة النوافذ، إذ أقبل صبي هاتفًا في جزع:
"الحق يا بلال، الحق يا بلال الست أميرة بتتخانق..."
ورأت بلال ما أن اخترق الاسم سمعه يهرع من سيارته تاركًا بابها مفتوحًا إلى ثُلة من الرجال وأخرى من النساء وبدا إن عراكًا حاد نشب بينهم.
كل ذلك لم يثر اهتمامها إلا اسم أميرة الذي جعله يهرع بكل لهفة إليها، ومن مكانها رأت صراعًا ينشب بينه وبين أحد الشباب..
كان شاب بدينًا يبدو على ملامحه الشر والبلطجة، فتوجست خفية في نفسها، وعاد بلال يختفي عن أنظارها، وتهدأ المعركة ويمر وقت قبل أن يمر بلال من وسط الجمع ممسكًا بحنان بكف فتاة.
رواية والتقينا الفصل السادس 6 - بقلم ندى ممدوح
تأججت نيران الغيرة في قلب إسراء، نيران أكلت قلبها الخافق بين ضلوعها، وملكها خوف عظيم وضيق تضخم في نفسها حتى ملأ كل حناياها. غابت بنظرة شاردة على راحته التي تضم كف الفتاة في حنان وعتاب، وجمع دمع غزير في عينيها.
لم تدرِ ما تلك المشاعر الغريبة التي تجتاحها. غريب أمرها ومحير. هل وقعت في حبه بتلك السرعة؟ لقد أرادت أخذه جسر تمر عليه وتتوقف قليلًا متوارية فيه عن والدها، فتتعثر في قلبه؟
لم تنتبه إليهما عندما دخلا الدار ودار بينهما حوار حاد، بل لم تفق من شرودها إلا على صوت أميرة التي قفزت إليها وامسكت بها وهي تهتف وقد طار صوابها:
"إيه ده؟ إيه ده؟ الممثلة إسراء بنفسها هنا؟ بتعمل إيه عندنا؟"
فدفعت إسراء يديها عنها في عنف بيّن وكره نما على ملامح وجهها، وهي تصيح فيها متراجعة للوراء:
"إوعي كده، أبعدي عني."
فذهلت أميرة من ردة فعلها الحادة العدائية، وتلاشى مرحها سريعًا وتجهمت. وهُنا علا صوت بلال، هاتفًا في صرامة:
"اتكلمي مع أهل البيت اللي آوينك، حلو. وإياكِ وأميرة عشان مش هسمح لك."
فتساقطت الدموع على وجنتيها وولّت مغادرة المكان. فعاتبته سهير على قوله، وتبعتها لداخل الغرفة وهي تقول:
"إسراء، متزعليش من بلال، هو بس مبيحبش حد يزعل حد فينا. اللي بيزعلنا يزعله، وأميرة دي أخته اللي محدش يقدر يهوب يمّيها بحرف وحش."
فوثبت إسراء عن الأريكة، وبعينين برّاقين، هتفت متهللة:
"أخته؟ البت اللي برة دي اختكم؟ غريبة، محدش قلي."
فجذبتها سهير من معصمها وجلست بها على الأريكة وهي تغمغم:
"هي بنت خالتنا، وتبقى أخت بلال في الرضاعة."
فتنفست إسراء الصعداء، وأشرقت أساريرها بالفرح.
في الخارج كان بلال يدلف إلى سيارته، وما كاد يشغل محركها، إذ ارتفع رنين هاتفه برقم زوج أخته. فنفخ بضيق وهو يتذكر شجاره معه ليلة أمس عندما أخبره دون حياء أنه يود بعد الزواج من أخته أن يسكن معهم، متعللًا من أين له بشقة في هذا الغلاء. فجذبه بلال من تلابيب ملابسه ونشب بينهما شجار فكّه المارة.
وحينها لم ينس صرخته له وهو يقول:
"خلاص ياخويا، خلي أختك تعنس جنبك وشوف مين هيرضى بيها. بذمتك انت أخ؟ هو الأخ يكسر قلب أخته ويحرمها من اللي بتحبه؟!"
وذهب بلال إلى المسجد حين ذاك بكل الهم الجاثم على قلبه، وهناك ناجى ربه وفكر طويلًا قبل أن يتخذ قرار الموافقة. لا يمكنه كسر قلب أخته. لن يحدث ويكون سبب تعاستها. سيقوم هو باستئجار شقة لهما ويتولى دفعها، لا بأس من أن يحرم نفسه مما يريد في سبيل راحتها، ولا ضير من التعب لساعات إضافية لسعادتها. هو من الأساس لم يقبل بهذا الرجل زوجًا لأخته، لم يرآه يومًا الرجل الذي يستحقها، هو لن يكون زوجًا جيدًا، يعلم هذا وربما قد تعاني أخته، لكن ما باليد حيلة. فحين رفضه عندما تقدم لخطبتها، ثارت وماجت وخاصمته وقضت أيامًا لا تبرح غرفتها، والدموع لا ترقأ من عينيها، فعلى مضض تقبل الخطبة، كان يدرك أن أخته مثلها كمثل باقي الفتيات تفرح بقدوم العريس دون أن تفكر بالعواقب. لكن أخته ليست مثلهم، فقط تخطت الثلاثين ولم يتقدم لها أحد، فشآء القدر أن يأتي عماد ويكون هو النصيب.
ثم تذكر وهو يغتصب نفسه اغتصابًا ويتحامل عليها ويذهب إليه موافقًا، بأنه هو من سيتكفل بالشقة ولن يعيشوا معهم، هو لن يقبل بغريب يسكن منزله وأمه موجودة، وإنه سيشاركه مصاريف الزفاف.
انتشل بلال نفسه ليرد على عماد الذي لم ينفك من الرن دون كلل، فجاءه صوته البغيض قائلًا:
"مرحب بأبو نسب، اخبارك إيه؟ واخبار مراتي؟"
فرد بلال بصوت حانق ولم يقاوم إخفاء ضيقه:
"خير يا عماد، عايز إيه؟"
صمتت مسامعه ضحكت عماد، فأبعد الهاتف عن أذنه وسمعه يقول:
"بقول بلاش تأجيل أكتر من كده ونعمل الفرح، بس آه، أنا يا بلال يا خويا بقول نعمل الفرح على الضيق كده، بلاش نعزم ناس كتير ونصرف الفلوس على الفاضي. ولو عايز تعمل فرح كبير وتعزم كل الحبايب، يبقى كل حاجة عليك. قُلت إيه؟"
فأغلق بلال الهاتف في وجهه، ولكم قبضته في عجلة القيادة، وهو يكبح غضبه. ذاك عماد لا ينفك عن رأسه، رغم إنهما حددا يومًا للزفاف، إلا إنه يحاول أن يقدمه أكثر. وهو لا يريد. لا يريد لأخته من الأساس أن تتزوج.
في ذاك الوقت كانت إسراء تراقبه من النافذة بقلق حقيقي تشعب في روحها وهي ترى ضيقه وغضبه الواضحان وضوح الشمس، فلم تستطع على ذلك صبرًا، وجزعت وهي تتحرك مبتغية الحديث معه، وما أن فتحت الباب وكادت تعبره حتى رأته ينطلق بسيارته، فشيعته بقلب واجف، وعينين حزينتين، ثم عادت أدراجها للجلوس برفقة سهير و... أميرة التي لم تستطع منها فكاكًا.
عندما عاد بلال في المساء، عاد بعينين غائبتين، وقلب شارد مهموم، وروح هائمة. ضم أخته بضمة حنونة مشحونة بالعاطفة وهو يخبرها بصوت خفيض كأنما يأتي من مكان سحيق:
"حددنا الفرح أنا وعماد الأسبوع الجاي."
أيمكن للمحب أن يسفر فؤاده أمام محبوبه صفحة بيضاء فيشعر به؟ يتألم لألمه.. ويبكي لبكائه.. ويتعذب بعذابه! أمَّا أنّه سَل عليها أشعة غشتها فلا ترى عينيها إلا هو؟ أم باتت عيناه كنافذة يطل منها وجع قلبه دون تواري! آهٍ لو تكون جزءًا من هذه العائلة الدافئة، وتنعم بالحب والأمان. يا ويح فؤادها أن غادرهم وعاد لغربته.
لم تشعر إسراء بدمعها الذي تساقط مع بكاء سهير التي تضم أخيها كأنها لا تود الابتعاد عنه، وهو يطمئنها بأنه سيظل معها.. سيبقى أبد الدهر السند الذي لا يميل.. والعكاز الذي لا ينحني.
ثم غادرتهم سهير إلى والدتها لتبشرها، وخرج بلال دون أن يلقي عليها نظرة واحدة، فقط قال قبل أن يغادر:
"أكيد سمعتي دلوقتي اللي قولته، وبعد رحيل سهير لازم متبقيش في البيت عشان مينفعش وأنا لازم أهتم بأمي."
فجاءه الرد من والدته التي تخرج من غرفتها بمعاونة سهير:
"إسراء هتفضل يا بني تعوضني غياب أختك، هي وأميرة لحد ما تعود على غيابها.. وتبقى تمشي لما تزهق مننا وتقول عايزة أمشي."
فنفخ بلال بثقل وأخذ أخيه عمرو وغادر ليظل في سيارته التي يقيم فيها الليل. فأسرعت إسراء إلى عايدة تبارك لها زواج سهير، ثم أخذت سهير جانبًا وسألتها بهمس:
"سهير، أنتِ واثقة أنك عايزة تتجوزي الإنسان ده؟ دا أنا قرفت منه وأنتِ بتحكيلي عنه، صدقيني مش ده اللي راحتك هتكون معاه."
فألتمع الدمع في عينين سهير، وهي تقول:
"هو نصيبي وأنا رديت بيه."
ثم ضحكت متصنعة المرح، وغمغمت:
"أأقولك أنا عايزة عريس زي بلال كده، عارفة هعمل إيه؟"
هزت إسراء رأسها، وسألتها:
"هتعملي إيه؟"
قالت سهير بضحكة مكتومة:
"همسك فيه بإيدي واسناني.. ثم تابعت بيأس: بس للأسف اللي زي بلال نادرين جدًا."
فتهللت أسارير إسراء وهي تهتف:
"يا ريت الكل زي بلال كده."
رن في هذه الأثناء هاتف سهير، فأسرعت لتجيب على زوجها وهي تستأذن من إسراء، التي تحركت بتردد إلى الخارج وهي لا تدري لِمَا.. أو ما الذي ستقوله له؟!
وفي خطوات متلكئة اتجهت إلى السيارة، وقبيل وصولها رأته جالسًا على مقدمتها، ثانيًا إحدى ركبتيه وفاردًا الأخرى، وبجواره أخيه الصغير عمرو، وتسمرت قدماها، عندما تخلل صوته الرخيم إلى أذنيها، متسللًا إلى قلبها وهو يقول بصوت هائم:
"بلال بن رباح؟"
"بِلال..!"
"وما يدريك من بِلال؟ إنه رجلٌ إذ ذُكر وثبَ القلب من رقاده من هيبته، يسألُ من أي الجوانب أتأمل؟ ومن أي جانب ألتقط صورة لهذا الصحابي الجليل الذي نال من العذاب شتى أنواعه ولم يتزعزع ولم يتقهقر، بل ظل شامخًا، رافع الرأس يُردد ذكر الله. إنه صنديد من صناديد صحابة رسول الله إذ سُمع اسمه انحنت الرؤوس مهابة تسحُ الدمع خجلًا منه. نعم هذا الباسل من ذلك النوع الذي تحيرت إزاءهم، من أي جانب ألتقط صورة له! أألتقط صورة معذبوه الذين ملوا وتعبوا من تعذيبه وهو المعذب الذي لم ينل الإعياء من روحه وقلبه! بل زاده إيمانٌ وإصرارٌ وتحمل. حقًا.. نحنُ بصدد الترحال مع صحابي ستشتاق الأذنُ إلى سماع صوته المؤذن، ولتهفو الروح إلى تطيب جراحه، وليتقوى القلب من إيمانه، ويتعلم من صبره. هيا بنا إذن إن كنت جاهزًا.. وإن أصغى قلبكَ بكل شغفٍ ولهفةٍ.. وإذ تلألأت عيناك ببريق الاشتياق.. هلم بنا ولا تبطأ. إلى حيثُ مؤذن رسول الله.. إلى من سمع الحبيب خشخشت نعليه في الجنة. هيا بنا إلى بلال بن رباح.."
ودق قلبها في عنف، وتلاحقت أنفاسها، وأصغت بكل حواسها، وجوارحها، فلا تدري ما أصابها.. من صوته الخاشع السجي.. أم وقع اسم الصحابي الجليل على قلبها.. أم مهابة؟! مشاعرها ماجت في داخلها وهي تترقب، حتى تناهى لها تنهيدة راحة ندت عنه، وهو يسترسل بصوت يقشعر الأبدان:
"هيا بنا إلى بلال بن رباح.. نحيا معه بعض من بطولاته التي ستظل أسوة لنا.. نشأ بلال في مكة، لأبٍ كان يُدعى (رباح) وأمٌ تدعى (حمامة) وهي جارية سوداء مملوكة. عندما هل نور الإسلام على مكة المكرمة، كان بلال من السابقين إلى الإسلام. كان بلال في ذاك الوقت عبدًا مملوكًا، لأناس من بني جُمَح بمكة، وكان يسمع أخبار النبي ﷺ مع أمية بن خلف وهو يتحدث مع أصدقائه ورجال قبيلته عن الرسول ﷺ وقلوبهم تمتلئ غيظًا وكرهًا. وسمع بلال ما يتفوهون به عنه، وهم لا ينكرون اخلاقه وصدقه وأمانته، فأحس بلال بأن هذا الدين هو الدين الحق.. واستجاب بلال للدين الحق ورحب قلبه بنور التوحيد ليجري في أوردته مجرى الدم.. فيذهب إلى النبي ويعلن إسلامه رضي الله عنه.. ومن هنا تبدأ أجمل بطولات بلال.. ونرَ كيف تشعب الإيمان في قلبه حتى بلغ كل مبلغ.. وعندما علم أولئك المشركين بإسلامه، حتى أذاقوه شتى أنواع العذاب.. والآن تعالَ نرتحل مع بلال وهو يعذب من قِبل أمية بن خلف وقومه.. لعلك تعرفها… ولكننا سنذكرها ونظل نرددها أبد الدهر لا نمل ذلك، ونعلمها لأبناءنا لنخلدها في نفوسهم، ولتعلم البشرية جمعاء كيف تغلبت قوة الإيمان على قوى الجاهلية، كان هؤلاء الكفار يعذبون المستضعفين من العبيد الموحدين فيمعنون في تعذيبهم ويتفنون فيه، لذا قد رخص لهم النبي ﷺ لمن يلاقي العذاب في سبيل دينه أن يوافق المشركين بلسانه لا بقلبه حتى يكفوا عن تعذيبه.."
أسبل بلال جفنيه لبرهة، غافلًا عن تلك الباكية في صمت مرتجف وراءه، وعاد يقول في هيام يسلب لب المرأة، وبصوت يبث الراحة والسكينة في القلب:
"أيمكن أن تتخيل تلك المأساة، وهذا العذاب؟ فاحمد الله على أن ولدت مسلمًا، وحافظ على تلك النعمة التي وصلت إليك على أشلاء رجال لا يتكررون مرة أخرى، ولا تهجر هذا القرآن فيهجرك، ولا تترك سنن حبيبك فتتيه في هذه الدنيا الزائلة، ولا تدع صلاتك فإنها قرة عينيك، وراحة قلبك، ولقاءك مع الله العزيز، رزقكم الله لذة النظر إليه.. وجمعنا في فردوسه الأعلى."
سكت بلال لبرهة، اختلج فيها قلبه مما عانى بلال بن رباح، وتهدج صوته وهو يسترسل:
"هيا بِنا نرتحل معًا إلى حيث رمالٌ ملتهبة على مد البصر، والشمس تتوسط كبد السماء، وأنظر هناك فثمة رجال نُزعت الرحمة من قلوبهم ينزعون ثياب العبيد ومنهم بِلالًا، ويُلبسونهم دروع الحديد، ثم يُعرّضونهم لحرارة الشمس المحرقة في الصحراء لتكوي أجسادهم بما يلبسون من الحديد. ولم يكتفوا بذلك العذاب.. وإذ بقلوبهم تزداد قساوة، فيلهبون ظهورهم بالسياط، ويأمرونهم أن يسبوا محمدًا ﷺ. وكانوا هؤلاء الموحدين إذا اشتد عليهم العذاب، وعجزوا عن تحمله، استجابوا لهؤلاء المشركين فيما يريدون من سب دين الله أو رسوله ﷺ، فيفعلون ذلك وقلوبهم تفطر بالأسى عما يشعرون به من ضعف وهوان. أما بلال_رضي الله عنه_ فقد أبىٰ إلا أن يعلم البشرية جمعاء معنى التوحيد، والصبر، وقوة التحمل والإيمان. كانوا يلهبون ظهره بالسياط، ولسانه يلهج بـ (أحد.. أحد). ويطبقون على ظهره بالصخور فما يردد إلا (أحدٌ.. أحدٌ). لقد هانت عليه نفسه.. لقد ملك قلبٌ من صخر.. وجسدٌ من الفولاذ.. وقوة إيمان عجيبة.. فلا غرو أن تتعجب وتتسع عيناك ذهولًا وأنت تتخيل تعذيب بلال، لقد كانوا يخرجون به في وقت الظهيرة حيثُ تصبح صحراء مكة قطعة من جهنم، فيطرحونه على الحصى الملتهب مجردًا من ثيابه، ثم يعمدون إلى حجر يتوقد نارًا فيجتمع عليه جماعة من الرجال فيسحبونه، ثم يضعونه فوق صدر بلال فتلهبه حرارته ويرهقه ثقله. فيا للألم ويا للعذاب هذا، وبلال صابرًا محتسبًا يردد أحدٌ أحدٌ. فتخيل ذلك ولو تصورته لعلمت كم مؤلم هذا وصعب ولتفكرت كيف تحمل بلالًا! ولم؟ إنها الجنة.. إنه حب الله.. وحب رسوله.. لقد أعانه الله على أن يذيق معذبوه التعب والعذاب ولا يناله هو.. أي كلمة سحرية كان يرددها بلال بلى كلل أو ملل فتزيده صبرًا؟ لقد صار تعذيب بلال تعذيبًا لمعذبيه. انظر إليهم وهم يتوسلونه ويرجونه أن يثلج صدورهم بكلمة يذكر فيها اللات والعزة بخير، فيذكر الله ورسوله، ويقولون له: قل كما نقول. فيقول لهم «إن لساني لا يحسنه»."
صمت بلال لاهثًا من فرط الانفعال، وظل دقيقة عالق البصر في السماء ببسمة حزينة تزين ثغره، ثم تابع بقبضة ألم وهو يتخيل تعذيب بلال، وفي عينيه لمعت دمعة أسى وإجلال:
"وتتواتر محاولات أعدائه ومراودتهم له مرة باللين ومرة بالعذاب فيظل راسخًا كالصخر، ولسانه لا يقوى إلا على كلمة الحق. وذات مرة يمر أبو بكر ويرى تعذيب بلال فيرق له، فيجمع من ماله ما يفتديه به من العذاب، ويجيء لأمية بن خلف ليساومه، فأغلى أمية الثمن ليعجز أبو بكر، ولكن أبو بكر كان كريمًا لا يأبه بما ينفقه في سبيل الله. فاشتراه منه بتسع أوراق من الذهب. فقال له أمية: لو أبيت أخذه إلا بأوقية لبعته. فقال له الصديق: لو أبيت بيعه إلا بمائة لاشتريته. ومنذُ ذلك اليوم أصبح بلالًا حرًا مستعليًا بدينه. يقول جابر (أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا) يعني بلال. ولما أذن الله لنبيه بالهجرة إلى المدينة... هاجر بلال رضي الله عنه مع من هاجر. واستقر في يثرب بعيدًا عن أذى قريش، وظل مع الرسول. يغزو معه إذا غزا ويصلي معه إذا صلى. وكان أول مؤذن في الإسلام. وقد شهد بلال بدرًا، ورأى بعينيه مصرع عدوه أمية بن خلف."
التقط بلال نفسًا عميقًا ملأ به صدره، ثم أردف يقول:
"وفي فتح مكة هناك فوق الكعبة الشريفة شابٌ شديد السواد، نحيف الجسد، مفرط في الطول، صاحب الشعر الغزير في رأسه. انظروا إليه وتأملوه جيدًا. هل تعرفون ذلك العبد الحبشي؟ نعم، إنه بلال من كان عبدًا في الأمس بات حرًا طليقًا موحدًا. تطلعت أنظار قريش حينذاك إلى بلال وهو فوق الكعبة، يصدح فوقها بالآذان بصوت شجي مترنمًا به في سعادة. وتهافتوا القوم وهم لا يصدقون أعينهم: هذا هو بلال؟ العبد الحبشي؟ ورأوا السراج المنير محمد ﷺ يتقدم جحافل المسلمين، ويؤذن بلال وتنطلق عبارات هؤلاء الحاسدين الحاقدين، فيقول خالد بن أسيد: الحمد لله الذي أكرم أبي فلم يشهد هذا اليوم. وكان أبوه قد مات قبل الفتح بيوم واحد. وهذا الحارث بن هشام يقول: واثكلاه! ليتني مت قبل أن أرى بلالًا فوق الكعبة. وهذا الحكم بن أبي العاص يقول: هذا والله الخطب الجلل، أن يصبح عبد بني جمح ينهق على هذه البنية. وهذا أبو سفيان يقول: أما أنا فلا أقول شيئًا.. فإني لو تكلمت بكلمة لنقلتها هذه الحصاة إلى محمد. لقد نصر وأعز الله بلال. كيف يكون هذا العبد الحبشي هو مؤذن الرسول ﷺ وصاحب الدعوة.. إنها عظمة الإسلام. لقد نصر الله فنصره. ردد كلمة التوحيد، فكان جزاؤه هذا النشيد العظيم. أبعد ذلك تظن إن الله لن يكافئك على كل ما عانيته، من ألم وحزن، وهم، ووجع وتعب! حاشاه. الجزاء من جنس العمل. هُنا وحق لك أن تتعلم إن الله يكافئ عبده على كل ما يبدر منه. فهل تعلمت من بلال شيء؟!"
سكت بلال على شهقات ندت من أخيه عمرو، فالتفت إليه وهاله دمعه الغزير، فضمه إليه مشاكسًا، وهو يقول:
"بتعيط ليه طيب؟"
فهتف عمرو الصغير وهو يمسح دمعه بكف يده:
"عشان كنت عايز أشوف بلال وهو بيأذن، وفرحة المسلمين بالفتح، يا ترى كان بلال فرحته إزاي وهو واقف فوق الكعبة بيأذن بعد كل العذاب اللي عاشه، يا ريتني كنت معاهم، وقدرت أخفف من عذاب بلال."
فتبسّم بلال من رحابة صدر أخيه، وقال:
"اللي بيحب حد عمره ما يقتدي بيه، وأنت لو بتحب نبيك محمد يبقى حافظ على سنته."
قاطعه فجأة عمرو مبتعدًا عن صدره، وسأله بتفكير عميق:
"أنت بتحب تأذن عشان بتحب بلال؟"
ضحك بلال بخفة، وقال بصدق:
"بأذن عشان بحب بلال وعشان بحب الأذان وبحب ربنا وعشان الرسول ﷺ قال: إن الله وملائكته يصلون على الصف المقدم، والمؤذنُ يغفر له بمد صوته، ويصدقه. رواه أحمد والنسائي."
ثم استدرك يقول:
"أنت مش عاوز كمالة قصة بلال ولا إيه؟"
فصاح عمرو مهللًا:
"عايز طبعًا."
فارتسمت على وجه بلال بسمة حنان، وتابع يقول:
"إليك، فهل تعلمت من بلال شيء؟! هل تأملت قصته جيدًا وأسكنتها شغاف قلبك! بل لنذكر جانب آخر من قصة بلال أعظم شأنًا، فقد نزل فيه آيات تُتلى إلى أبد الدهر. عن سعد، قال: كنا مع رسول الله ﷺ ستة نفر، فقال المشركين: اطرد هؤلاء فلا يجترؤون علينا، وكنت أنا وابن مسعود وبلال ورجل من هزيل وآخران، فأنزل الله: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} (سُورَةُ الأَنْعَامِ: ٥٢) (أخرجه مسلم)."
"وتعال نعلم ماذا يفعل بلال ليسمع الرسول صوت نعليه في الجنة. عن بريدة رضي الله عنه قال: دعا رسول الله ﷺ بلالًا، فقال: يا بلال بمَ سبقتني إلى الجنة؟ إني دخلت البارحة فسمعت خشخشتك أمامي. فقال بلال: يا رسول الله ما أذنت قط إلا صليت ركعتين، وما أصابني حدث قط إلا توضأت عندها، فقال رسول الله ﷺ: بهذا."
توقف بلال وضم رأس أخيه إلى كتفه برفق، وتمتم متابعًا بكل شوق يغمر فؤاده الهائم بصحابة نبيه:
"ظل بلال يؤذن للرسول ﷺ طوال حياته، ولما انتقل الرسول الأعظم إلى الرفيق الأعلى وحان وقت الصلاة، قام بلال يؤذن في الناس والنبي ﷺ مسجى لم يدفن بعد. فلما وصل إلى قوله «أشهد أن محمدًا رسول الله» خنقته الدموع.. واحتبس صوته في حلقه. وأغرقوا المسلمين في النحيب.. ثم أذن بعد ذلك ثلاثة أيام، فكان كلما وصل إلى قوله «أشهد أن محمدًا رسول الله» بكى وأبكى. ثم طلب من أبي بكر خليفة رسول الله ﷺ أن يعفيه من الأذان بعد أن أصبح لا يحتمله. واستأذنه في الخروج للجهاد في سبيل الله، والبقاء في بلاد الشام.. فتردد الصديق في الاستجابة لطلبه، فقال له بلال: إن اشتريتني لنفسك فأمسكني.. وإن كنت أعتقتني لله فخلني لمن أعتقتني له. فقال أبو بكر: والله ما اشتريتك إلا لله.. وما أعتقتك إلا في سبيله. وظل ممسكًا عن الأذان حتى لقاه عمر بن الخطاب في بلاد الشام بعد غياب طويل، وهناك جعلوا الصحابة بلال يؤذن في حضرة الفاروق، فما أن رفع صوته بالأذان بكى عمر وبكى الصحابة حتى ابتلت اللحى بالدموع، وظل بلال في دمشق حتى جاءه اليقين، فكانت امرأته بجانبه في فراش الموت وتصيح قائلة: واحزناه.. وكان هو يجيبها قائلًا: وافرحاه.. ثم لفظ أنفاسه الأخيرة وهو يردد: غدًا نلقى الأحبة محمد وصحبه.. وعند انتهاء بلال إلى قول (محمد وصحبه) حتى سال دمع عينه شوقًا لرؤية أولاء الرجال العظماء وقد شُحن قلبه بعشق بلال بن رباح وتألم على ما لاقاه في سبيل الله.. لقد حُرم من رؤية رسوله في الدنيا! فويح قلبه إن حُرم منها في الجنة.. واحزناه إن لم يشرب من كوثرة يوم القيامة.. ويا أسفاه لو لم يُرزق لذة رؤيته.. ويسبغ على قلبه بصحبته."
استرق نظرة إلى أخيه فوجده قد غط في النوم، كان قد عود أخاه على التكلم بالفصحى ومعرفة الصحابة، فحمله بين ذراعيه وما كاد يستدير، حتى جاءته شهقة قوية من تلك الواقفة بجسد مرتعش كأنما رياح هوجاء أصابت جسدها الضئيل، والدموع تغرق وجهها، وعندما وقع بصرها عليه، وتلاقت عيناهما طويلًا كان نحيبها قد خفت، وشهقاتها قد ازدادت..
وتقدم بلال خطوة نحوها في جزع حقيقي، يصيح بتوجس:
"إسراء، مالك في إيه.. بتعيطي ليه كده؟"
وقبل أن تجيبه كانت تستدير راكضة.. كنت تفر منه بعد أن أحست قلبها يود الفرار إليه. هربت منه بعدما شعرت بروحها تنسل منها إليه. آه لو تدرِ ماذا فعلت مقلتاها الحزينتان من أفاعيل في قلبه.. لو بقيت فسمعت همسه الخفيض لنفسه:
"لو تدرين ماذا تفعلُ عيناكِ الحزينتان في قلبي، لِمَا بكيتِ عيناكِ قط، ولا ذقتِ طعم الحزن.. قلبي يرفرفُ كالذبيح وهو يغرقٌ في بحرٍ ذا أمواجٍ ثائرةٌ لا يجدُ مرسىٰ إلا عينيكِ لينجو، أبعد ذلك تُسكنين الحزن فيهما وأنتِ تعلمين إنهما سكني!"
وسكت، وشيع قلبه رحيلها وروحه تهمس له في ألم:
"ليتها تغادر قبل أن تسكن أكثر، ليت الصدف لم تجمعنا، فأين أنتِ وأين أنا؟"
وأغمض عينيه.. هي الدنيا تفرق الأحبة، وهو يعلم إن مآلها الفراق.. وإنه كُتب على قلبه العذاب.. وإن الزمان سيسلبها منه..
رواية والتقينا الفصل السابع 7 - بقلم ندى ممدوح
يُفرق الفراق دائمًا بين القلوب، حتىٰ تحتار لماذا يجمع الأفئدة وتتلاقى الأرواح إذا كان مآلها الفراق؟!
غريبٌ كان الأمر في قلب بلال، مشاعر شتى متفاوتة، بعضها يريدها والآخر يتمنى رحيلها.
صدفة غريبة هي من جمعته بها، ويا ليت الصدف لا تأتي.. هذه الغريبة بات يخشى تواجدها لا لشيء إلا لأجل قلبه الذي أضحى يدقُّ كالطبول كلما رآها، وتشرقُ الشمس في سماء قلبه الذي دجا فيه الليل ولم يعقبه نهار إلا حينما وقعت عيناهُ عليها.
كان يتحاشى حضورها بكل جهده، فلا يأتي للمنزل إلا لماما، وقد ساعده في ذلك زفاف أخته الذي انغمر في تحضيره على قدمٍ وساق.
آن يوم زفافها، اليوم الذي ستغادر فيه المنزل، وستذهب لتمكث في منزلٍ آخر سيكون لها وطنٌ.
وسكينة..
ستغيب عنه ربما لأيامٍ وليالي.
فلا يدري كيف سيغلق أجفانه قبل النوم وهو لا يدري أهي بخير أم تعاني!
جائعة أم عطشة.
مؤلم رحيلها عنه، وإتخاذها لكتفٌ آخر غيره.
كان يلقي البسمات على كل المتواجدين وبداخله يتآكله حزن الغياب.
يعلم إنها ستؤوب إليه لكن ستجعل البيت خاوٍ من صوتها ومن وجودها سيصبح كئيبًا.
غادر القاعة البسيطة التي لا تبعد عن منزله، وتوجه ليطمئن على والدته، بعد رحيل أخته وأميرة إلى مخصصت التجميل لم يكن يدرِ إذ ذهبت معهن إسراء أم لا.
طرق الباب مخافة أن تكون بالداخل ولم تذهب، وسمع خطواتٍ تقترب مسرعة، وأحس بالباب يُفرج بالتدريج ليطالعه وجهها، فتلاقت عيناهما صدفة.
ولم يستطع أن يغضهما.
ولم يخف عليه الحجاب الذي أصبح ملازمٌ لرأسها منذ حلَّت في بيته.
بالتحديد بعد ذلك اليوم الذي خرجت يومًا تحادثه بشعرها فزمجر في وجهها، وأمرها بأن تغطي رأسها، فلم يبرح خصلاتها منذُ ذلك الوقت.
لقد تبوأت في قلبهِ مكانًا رحبًا.
خفقات قلبه العالية نبأته بالخطر، فأسدل جفنيه وأخفض رأسه وهو يبتعد خطوة عن الباب مغمغمًا:
أنتِ هنا؟!
فأومأت برأسها وهي تتنحى جانبًا، وتقول بهمسٍ رقيق:
إيوة، مكنش هينفع اروح، لإني لو روحت هيتعرف مكاني، وكمان عشان مامتك لوحدها.
رفع بصره إليها في حدة، لم يعرف هل هي صادقة أم كاذبة ولكن.
فتاة مثلها بارعةً قي التمثيل وتجيده كإسمها، ليس عسيرٌ عليها الكذب، فتنهد في ضيق وهو يتذكر ذلك اليوم الذي كان فيه يحكي قصة بلال لأخيه فإذا بها باكيةً في إنهيار.
فسألها مستدركًا، وخرج صوته يقطر حنانًا رغمًا عنه:
كنتِ بتعيطي ليه لما كنت قاعد أنا وعمرو على العربية في الليل.
فتحت عينيها إليه بدموعٍ امتلأت في مقلتيها.
بالله كيف تخبره إن قصة بلال التي كان يحكيها فعلت في قلبها فعل السحر.
كيف تقول له إنها لأول مرة تسمع عن صحابي من صحابة رسول الله.
إنها حتى لم تكن تدرِ اسمه ولا اسم صحابي آخر.
كيف تبثه شجون قلبها ذاك اليوم، وكيف بكت لإيمان بلال وتحمله العذاب!
هي لا تعرف ما سرُّ بكاءها حينئذ بالتحديد.
ولو يدرِ إنها منذ ذلك اليوم تبكي قلما تسللت ذكرآه وهو يصف تعذيب بلال فما سيقول!
لقد بكت شوقًا إلى ربها.
بكت لإنها تمنت إن يخبرها هو عن تلك القصص ويعلمها كيف تقترب من الله.
لم يحر بلال جوابًا، فرفع بصره إليها، وهاله الدمع في عينيها، فأسرع يسأل في لهفة:
بتعيطي ليه تاني؟!
وصمت لهنيهة ثم قال متهكمًا:
ولا دا تمثيل!
إلتقاء عيناهم في تلك اللحظة كان عجيبًا، مزيجًا من عتابها ومن ندمه مما قال.
وخرج صوتها تجيبه في صعوبة:
لا مش تمثيل، مش عارفة إيه حكايتك مع التمثيل!
وهدرت بإنفعال:
أنت ليه بتعاملني كده؟! عشان ممثلة يعني؟! وهي الممثلة مش إنسانة ليها مشاعر واحتياجات عادي؟ أنت شايفني مبحسش، على فكرة في فرق كبير جدًا بين إني قدام الكاميرات بمثل وبين حياتي هناك حاجة وهنا حاجة، دموعي حقيقية عادي مش بحط حاجة عشان ينزلوا.
ومتقلقش انا همشي بعد فرح أختك على طول وأمك في عيوني حاليًا، وأتمنى يجي اليوم اللي تتغير فيه نظرتك ليا ونتكلم بدون تجريح.
معها حق لا ينكر!
هو أساسًا متعجبًا من تصرفاته!
لكن قناع القسوة أحيانًا نرتديه ليواري عن حبًا قد يفضحنا.
والكلمات القاسية لتكتم عبارات الحب التي تود الخروج دون عالق.
تركها وغادر بعدم يأس من جلب أي كلمة قد يقولها، وصفقت هي الباب وراءه وانهارت في البكاء.
كان عسير عليها ان تغادر تلك العائلة التي آلفتهامحال لقلبها أن يعود كالسَّابق بعدما انتمى لجدران هذا المنزل.
الصقيع في الخارج سيمزق جسدها الضئيل ولن يكون لها دواء إلا دفء هذا المنزل وساكنيه.
لكن حذار يا قلب.
فإنك على حافة السقوط.
السقوط في حبٍ لن يكون لك.
ولن تكون له.
بلال بأخلاقه لن يتمنى مثلها زوجة.
هو بعيد المنال، كقمرٌ فوق السماء يضوي يحيط بهِ سياجٌ من النجوم كلا تطاله الأيدي.
لقد أخبرتها سهير إنه يود زوجة حافظة للقرآن وهي هاجرة للقرآن من يصدق إنها كانت حتى لا تعرف تقرأ ولا تكتب إنها لم تكمل دراستها فقد اخرجها والدها متعللًا بسوء الحال وعدم قدرته على الإنفاق عليها.
لكنها لم يهدأ لها بال وبعدما بدأت في توالِي شئون نفسها، حتى أخذت كورسات ودورات في ذلك ومع ذلك لم تقرب مصحفًا، ولم تلمسه يومًا.
كانت ترى نفسها إنها لا تستحق وإن لمسته سيتلوث بذنوبها.
لم تؤدي فرض يومًا وبالأخص عندما أضحت نجمة مشهورة.
بداية طريقها كانت عجيبة فذات يومًا رأها فيه صديق أبيها وقد استشف فيها موهبتها كم يقول، فإذا به يسرع إلى قريبه المخرج ويخبره عنها.
فلا تسل عن سرعة ذلك بعد إذ.
فلم يمر الكثير وجاء ذاك المخرج ليقيم بضاعته ويقبلها.
ثم دور صغير ثانوي في إحدى الأفلام تلاها دور بطولة لإحدى المسلسلات وتوالت شهرتها ونجميتها.
كانت القاعة مكتظة بالأقارب والجيران، ورغم إن بلال مشغولًا بإستقبال المدعوين هو وبعض اصدقاءه إلا أن عيناه لم تغيبا عن والدته من الحين للآخر، فإذا أحس إنها بحاجة لشيء، هرع إليها ناسيًا الدنيا وما فيها.
ورغم إنشغاله إلا إنه كان حزين القلب، وقَر خاطر جثيم بقلبه إن أخته العزيزة ستعاني.
لمعت عيناه ببريق البهجة وهو يرآها تترجل من السيارة وكفها في كف زوجها، فألتمعت دموع الفرح في عينيه، وتأملها طويلًا بفستانها الأبيض، وخمارها المحاط بوجهها فباتت كالبدر، وبخطوات رصينة، وبثغرٍ باسم تقدم إليها وضمها في حنان، وهمس في أذنيها بنبرة حنونة، تنبع بالعاطفة:
زي القمر يا حبيبة قلبي، ربنا يتمم لك على خير، إياكِ تنسي أن بيت أبوكِ هو بيتك.
وإني سكنك واليوم اللي يبكيكِ فيه بس مش هتحتاجي غير مكالمة تلفون تقوليلي.
فدفنت وجهها في صدره وهي تكتم دموعها كلا تسيح كحلة عينيها، وابتعدت عنه ولم تنبس ببنت شفة لاذت بالصمت وقد خُيل إليها إنها لو انفرجت شفتاها لبكت منهارة وهي لا تريد ذلك على الأقل ليس الآن.
ثم انشغل بلال عنها بملاطفة أميرة التي تأبطتت ذراعه، قائلة:
ما تعتبرني عروستك انهارده وتكسب فيَّ ثواب.
وعندما لم تتلقَّ ردًا، تركت طرف فستانها الذي كانت تعدل فيه، ورفعت عيناها إليه، فوجدته ساهمًا، ينظر لشيءٍ ما، فألتفتت برأسها تنظر لما ينظر وتبسمت لـ إسراء التي علقت بين الناس وقد ارتدت نقاب ليخفي وجهها حتى لا يعرفها أحد، والتقت عيناها بعينين بلال طويلًا دون أن يحرك أيًا منهم، حتى شدته أميرة قائلة:
هي صنارة الحب غمزة ولا إيه؟
فلكزها بمرفقه، وقال في هدوء:
روحي هاتيها وخليكِ معاها أحسن.
فأفلتت ذراعه على مضض وتحركت إليها.
بعد إنتهاء الزفاف، ودموع العروس في حضن أمها طويلًا ثم رحيلها مع زوجها، إلى بيتٍ آخر سيكون مآبها، وستترك موئل أخيها، وحنان أمها، عادت الأم مكلومة على فراق ابنتها وادخلها بلال لحجرتها في حنان ودثرها بالغطاء وقبل رأسها، كان يريد ان يواسيها، لكن.
كل عبارات المؤازرة فرَّت من جوفه، فلثم جبهتها وخرج منفعلًا بخطوات سريعة، وبغشاوة من الدمع تملأ مقلتاه، ولم ينتبه إلى إسراء التي تبعته للخارج.
"بلال، ممكن اتكلم معاك شوية؟!"
توقفت يد بلال لثوانٍ على إثر صوتها الناعم متسللًا إلى أذنه، فعاد يغلق باب سيارته الذي قد أنفتح لفرجة صغيرة، وألتقط نفسًا عميقًا، ملأ به صدره، في محاولة للسيطرة على توتر أعصابه، وهو يرسم على شفتيه في صعوبة، ابتسامة مصطنعة، ملتفتًا إليها، قائلًا وهو مسبل الأطراف:
ممكن، اتفضلي.
أردفت إسراء في تردد:
ممكن اقعد يومين تاني مع مامتك لحد ما تتعود على غياب سهير؟!
أجابها في برود:
تمام.
وإستدار في نية لإنهاء الحوار وهو يفتح باب السيارة، وما كاد يدلفها توقف مجددًا عندما قالت:
أنا همشي بعد يومين؟
هي لا تدرِ لما أخبرته مجددًا بذلكفي نفسها تمنت أن يخبرها أن تبقَّى أكثروإنه سيفتقدها.
لكنه فجائها عندما قال في نبرة تسلل إليها الصرامة:
يكون أحسن بالسلامة.
لم تره عندما أغلق جفناه في شدة وهو يخبرها عبارته بصعوبة شقت قلبه، لم ترَ توتر ملامحه، ولا الحزن الذي أطل من عينيه جليًا، فخفق قلبها من قسوة رده في ألم وكادت تعود ادراجها كاتمة مشاعرها تسيرُ بقلبٍ طاوٍ شجونه، لكنها توقفت بغتة وإستدارت تتأمله لبرهة، قبل أن تتقدم واقفة وراءه، وقالت بصوتٍ خفيض:
بلال، هو ربنا ممكن يتقبلني بكل ذنوبي؟ والمعاصي اللي عملتها! هو أنا قدامي فرصة إني اتغير؟! ربنا هيفتح لي بابه ولا هيفضل مقفول؟ ولا أنا خلاص مفيش لذنوبي توبة؟
تنهيدة عميقة ندَّت عن بلال، قبل أن يلتفت إليها بكل وجدانه، وتجول عيناه على وجهها المليح، ثم أسبلهما في حدة، ونفث ضيقٌ اقترن مع عبارته بالفصحى:
ربنا دائمًا باب مغفرته مفتوح لمن إلتجأ إليه بكل إخلاص وإنابة.
إنابة ليس فيها رجوع للمعصية، يذهب إليه وفي نفسه قد وقر الإقتلاع عن ذنوبه.
أي يذهب منسلخًا عن كل ذنبٍ فعله.
سكت لهنيهة، ورفع بصره فألتقت عيناه بعينيها، فعاد يخفضهما، وهو يسترسل بصوتٍ رخيم مفعم بالصدق:
ربنا سبحانه وتعالى حذرنا من الدنيا وملذاتها ونعيمها الزائل فقال عز وجل.
سكت متعوذًا ثم بسمل ثم رتل بصوتٍ شجي يخلب الألباب:
{ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ }
{ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى }
إنتهى من تلو الأيات فنظر لها، ورأى خطين من الدمع ينهمران على وجنتيها، فشعر بالعاطفة والشفقة يتوغلانه، ولانت ملامحه ورق قلبه وأردف قائلًا:
الدنيا فانية فعيشي فيها كعابرة سبيل، فهي لن تبقى لأحدٍ ولن تدوم، كل إنسان مآله الموت، وما دام فيكِ نفسٌ يتردد إلجي إلى الله وتوبي مما اقترفتي فالحياة ما نحنُ إلا ضيوفٌ عليها وسنغادرها عاجلًا أو آجلًا والآخرة هي دار البقاء، ودار السعادة، فخافي من ربك سبحانه وتعالى، وخافي عذابه، واحذري النار.
صمت وتطلعت هي له بقلبٍ خافق، خائف وتساءلت في نفسها.
ماذا لو جاءها الموت؟
قبل أن تتوب؟!
هل ستقدر على عذاب القبر؟ بل هل تتحمل خروج الروح؟! كيف ستتلقى الملائكة روحها؟ كيف سيكون قبرها.
عذاب؟! وضمة القبر كيف ستنجو منها، بل ماذا تفعل يوم القيامة؟!
يجب أن تسرع بالتوبة، لا يزل أمامها وقت يجب أن تستغله.
ستصلي، ستصوم، ستقيم الليل، ستحرق كل ملابسها الفاضحة وستبدلها بملابس محتمشة، لن تكون إلا فضفاضة، وسترتدي الخمار، ستمحو كل أفلامها ومسلسلات، ستفسخ كل العقود التي مضتها، ستتغير.
لكن هل تضمن حياتها لغدًا حتى تبدأ في كل ذلك؟
أفاقت من شرودها، على صوت بلال المتسلل بداخلها إلى قلبها:
هل تعرفين نبي الله يونس؟!
هزت رأسها بالنفي كانت تدرك مغزى سؤاله هو لا يقصد إلا قصة نبي الله يونس وهي لا تعلمها.
لا تعلم اي شيء، لم تنال تلك لذة وتحيا مع الأنبياء والصحابة وقصص القرآن لم تنال تلك النعمة ولم تقرأ بل هي لم تفكر أن تفعل، فتبسَّم بلال وشرد ذهنًا وعينًا، وأتكأ على سيارته عاقد الذراعين أمام صدره، وفي هيام وصوتٌ يقطر حبًا، قال:
نبي الله يونس.
النبي الذي ابتلعه الحوت!
ألا تعرفيه!؟
كيف لا تعرفيه وهو من علمنا ألا نمل من ذكر الله في أحلك المواقف والمحن، هيا بنا نطوف معه في رحلته، ونرتحل سويًا نشاركه مصابه.
أُرسل الله نبيه يونس إلى قرية (نينوي) بالعراق ليدعوهم إلى الإيمان والتوحيد، وقد كانوا علىٰ الشرك، ولكنهم أصروا على الشرك ورفضوا التوحيد، فعندما يئس نبي الله يونس.
وعدهم بحلول العذاب بهم بعد ثلاثة أيام.
وخرج يونس من القرية دون أذن ربه، أو أمره بذلك، ولما بدت طلائع الهالك والعذاب تحيط بقومه، ساورهم الخوف وعلموا أن يونس على حق، ودعوته مستجابة، وإنذاره صدق، وإن العذاب واقع بهم، فلجؤوا إلى الله عز وجل، وتضرعوا إليه، وتوجهوا إليه بالدعاء، وتجردوا من الشرك، وكانت توبتهم صادقة مع الله، فتقبل منهم الإنابة، فرد عنهم العذاب.
ألتقط بلال نفسًا عميقًا، ثم اتبع يقول:
لما ذهب يونس غاضبًا من قومه، ركب سفينة في البحر، فهاج البحر.
واضطربت السفينة وأصابها الثقل بمن عليها وكادوا يغرقون، فأقترعوا فيما بينهم، فمن وقعت عليه القرعة ألقوه في البحر.
فلما أقترعوا وقعت القرعة على نبي الله يونس، فلم يسمحوا له وأعادوها مرة أخرى فوقعت مجددًا عليه، فلم يأبهوا بذلك، فعادوا القرعة ثالثةً، فخرجت عليه أيضًا.
فعلم يونس إن في ذلك أمرٌ وتدبير، وألقى نفسه في غياهب البحر، فبعث الله إليه بحوت عظيم فألتقمه وأمره الله تعالى ألا يأكله، ولا يهشم عظمه، وقبع يونس في بطن الحوت وقد أدرك خطأه، وعلم خطيئته، وبات يونس في ظلمات ثلاث.
ظلمة الليل، وظلمة قاع البحر، وظلمة بطن الحوت.
وأحس بذنبه، وآناب إلى الله يستغفر ويدعوا، وكان ليظل في بطن الحوت إلى يوم القيامة لولا دعاءه واستغفاره يقول الله عز وجل { فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ } { لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ }
اختلس نظرة سريعة إليها، فوجدها تنظر له بعينين براقتين متلألئتين، يطل منهما الأهتمام، فابتسم، وعاد يقول في هدوء:
العجيب إن عزيمة نبي الله يونس وسط ظلمات بعضها فوق بعض لم تفتر، رغم كل ما يحيط به، بل ألتجأ إلى الله ولهج قلبه قبل لسانه بـ ( لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين).
فتاب الله عليه، وتقبل توبته، وأوحى سبحانه وتعالى إلى الحوت أن يلقي به في العراء، فألقاه على الشاطيء سقيمًا هزيلًا، ضعيفًا عليلًا، فأنبتت عليه شجرة من يقطين، فراح يونس يتغذى من ثمارها، ويستظل بظلها، فعادت إليه عافيته، وأوحى إليه ربه أن يعود إلى قومه بعد إن أخبره بإيمانهم، وأنهم ينتظرون عودته، ليعيش بينهم داعيًا إلى الله.
وإستدار إليها بكل كيانه، وهمس:
نحنُ في التهلكة ما دمنا نريد ذلك.
ما دمنا على الذنوب والمعاصي.
وإن أغرقتك الآثام.
وملئتك الذنوب.
وعصفت بكِ الفتن.
فالملجأ إلى الله هو السبيلهو النجاةتأملي تفكري وضعي نفسك وأنتِ تلقين نفسك في ظلمات البحر ثائر الأمواج وهائج ومضطرب، ويعصف مياهه عصفًا، وتسبحين ثم يشق حوت مهيب عظيم أمواج البحر ويلتقمك.
فكه لا ريب مخيف.
داخله لا شك مهيب مُرعب مظلم.
تتفآجئين إنك حية ترزقين، لا بصيص لضوء، سوا تلك الحركة التي يشقها الحوت في ظلمات البحر، فتمكثين فيه لوقتٍ لا يعلمه إلا الله.
أتفكر أحيانًا كيف كان حال نبي الله يونس!
كيف تحمل وصبر!
لقد عصى الله في أمرٍ واحد، فانظري ماذا فعل به الله، وكيف كان عقابه وهو نبيه وداعيهفما لنا لا نلتزم بأمر الله!
ما لنا نعصيه!؟
ألا نخاف.
وقد كان نبي الله يونس ليبقَّ باقيًا إلى يوم القيامة في ظلمات ليس لها أي نور!
ألا تقتربي من الله؟
فتصلي وتسجدي وتنيبي.
فتلتزمي بخمارك ولبسك الشرعي.
تصيمين خوفًا، وطمعًا في عفوه ورضاه، ومخافةً من نارِ جهنم.
فتبعدين عن الحرام مخافةً أن يأتيك ملك الموت قبل التوبة والإقلاع عن الذنب.
فالموت ليس له إنذاريأتِ بغتة فينتشلنا بما نحن عليه.
نبي الله يونس قد يكون كان محاط في لُجة الظلمات لكن نور قلبه لم ينطفيء، فسرعًا ما علم ما اقترفه من معصية ولجأ إلى الله يُردد (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) يستغفر ويلوذ بالله الذي لا إله إلا هو.
فيا حظ من استلذ لسانه بهذا الدعاءولهج قلبه به.
وكان له نورًا يستضيء به في ظلماته.
ويقولُ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «دعوةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعا بها وهُو في بَطْنِ الحُوتِ: لَا إلَهَ إلَّا أنت سبحانَكَ إني كنتُ من الظَّالمينَ. لَم يَدْعُ بها رَجُلٌ في شيءٍ قطُّ إلَّا اسْتَجَابَ اللهُ لَه». أخرجَه أحمدُ والتِّرمذيُّ.
إن المسلم إن وقع في كرب وهم وشدة، ولجأ إلى الله بالدعاء عز وجل، فإن الله مفرج كربه، وأذكري إن الله استجاب ليونس { فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ }
سينجينا الله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.
وسبحانه؟
تخيل! إن ربنا بيفرح بتوبة العبد العاصي، قال الرسولﷺ لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة. رواه البخاري.
واسترق نظرة إلى وجهها، وألتقط أنفاسه لثوانٍ، ثم عاد يردف بصوتٍ حنون:
إليكِ هذه الوصية التي تبين لكِ حقيقة هذه الحياة يقول الرسول_صل الله عليه وسلم_ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا، كما بُسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم.
ويقول_صل الله عليه وسلم_لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال عن عمره فيمَ أفناه؟ وعن شبابه فيمَ أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه؟ وعن علمه ماذا عمل فيه.
فاتقي الله فإنك ستُسألين، عن عمرك وعن شبابك وعن مالك وعن عملك، اتقي الله وخافي عذابه وتفكري في الموت، عندئذٍ لن تتوهين في هذه الحياة.
كانت دموع إسراء وقتئذٍ تغرق وجهها، ومع ذلك خرج صوتها متهدجًا بشهقات متقطعة:
أشكرك، أشكرك اوي يا بلال لإني بجد.
مش عارفه أأقول إيه.
بعد إذنك.
هرولت من أمامه باكيةً بكاءً يمزق القلب، وشيعها هو بنظرات ضيقة، ودس كفيه في جيبي بنطاله مع تنهيدة عميقه، وهمس لنفسه:
إرحلي.
أو لا ترحلي فلم يعد يهم بعدما استوطنتي القلب، وسكنتي نبضاته.
فـ كيف يسكن قلبٌ في غربة أنتِ وطنه.
إن لم يكونوا يومًا لنا، من نصيبنا ومن روحنا وفي حياتنا فلماذا ظهروا في حياتنا وأتخذوا من قلوبنا مسكنًا؟!
كيف تسللوا بكل خفة إلى قلوبنا فتمكنوا منها؟!
لماذا جاؤوا إن الفراق لنا نصيب.
وإن الرحيل آتٍ لا محالة.
فيامرحبًا بالفراقبالعذابوالضياع.
عندما عادت إسراء من فورها توضأت وارتدت إسدال سهير وفرشت المصلية وراحت تصلي بالفاتحة التي تحفظها وتطيل في سجودها باكية ترجوا الله أن يهديها ويتوب عليها.
صوتُ بوق سيارة الشرطة اخترقت سمع بلال الذي استيقظ من نومه مزعورًا، وطل برأسه من نافذة السيارة بعدما اعتدل، فوجد رجال الشرطة يطرقون منزله في عنف وحدة غير أبهين بالناس النيام، ولا بالوقت المبكر.
ومنذُ متى والشرطة تعرف ذلك؟!
فانتفض قلبه واجفًا، وارتعش جسده وهو يدفع الباب ويركض تجاههم غير مكترثٍ بغلقه وراءه، وارتفع صوته وهو يقول:
في إيه في إيه؟
فزمجر فيه الضابط:
مش ده بيت بلال.
قطع بلال عبارته قبل ان ينطق إسم والده، يصيحُ في لهفه رغم لهاثه المنفعل:
ايوة أنا، أنا بلال أأمر حضرتك؟!
ورمقه ضابط الشرطة من رأسه حتى أخمص قدميه الحافيتين، وهدر في رجاله بصوتٍ اقترن بفتح الباب:
هاتوه.
وتحرك هو أمامهم، بينما تقدم جنديين من بلال، وقبضا على ذراعيه، وهو يحاول الإفلات هاتفًا:
هو إيه اللي هاتوه، انا عملت إيه، سبني يا عم.
ولحقت به أميرة باكية، وهي تهتف في لوعة:
انتوا وخدينه فين بس، هو عمل إيه؟
واسرعت الخطى إلى بلال الذي قال وهو يندفع داخل سيارة الشرطة من قِبلهم:
خلي بالك من ماما يا أميرة إوعي تسيبيها لوحدها، وإوعوا سهير تعرف حاجة، وابعتيلي سعيد.
فانتحبت أميرة وهي تقول:
هصحيه حالًا يا بلال هخليه يلحقك، يا رب.
هتفت متضرعة باسم بارئها وركضت لتوقظ أخيها سعيد، بينما تيبست قدمين إسراء بقلبٍ مرتجف عندما لمحت سيارة والدها المرتكنة جانبًا، وراقبت قدمه التي تدلت ثم وقف بطوله المهيب مستندًا بمرفقيه على حافة باب عربيته ينظر إليها في شماتة، واجفلت مبتعدة والدموع تتواثب من عينيها شآبيبوسقط قلبها بين قدميها وهو يتقدم بخطوات رصينة كان لها عظيم الأثر المهيب في قلبها المرتعش بين ضلوعها.
رواية والتقينا الفصل الثامن 8 - بقلم ندى ممدوح
بقلبٍ واجفٍ مضطرب، وبروحٍ ترتعد إرتعادًا، شُخص بصر إسراء واتسعت مقلتاها حتى بلغتا الذروة، وهي تراقب بأجفانٍ تنتفض أبيها الذي يتقدم بخطواتٍ رصينة، يعلو ثغره بسمة كالسهم رشقت في قلبها فارتجف، وتراجعت بقدمين تتخبطان، ودت لو تهرب. كانت تدرك إنه لن يسامحها، سيعاقبها حتمًا، وكانت تخاف بطشه، لأنها ليس لديها من يحميها منه. مؤلمٌ هو أن يصبح السند ظهرًا متحطمًا، ومَن مِن المفترض إنه الأمان تريد الهرب منه. أليمٌ أن تبحث البنت عمن يحميها من أبيها الذي هو حمايتها. لكنها الحياة، لا خير يدوم ولا شر يدوم، ولا قلوب نقية ولا قلوب خبيثة، إنها الدنيا تلهو بمن عليها كيفما تشاء، ومتى تشاء.
وصل إليها في خطواتٍ سريعة، وقبل أن يطالها ابتعدت عنه بعينين تذرفان مغمغمة في تلعثم:
_ أنت؟! أنت السبب في سجن بلال.
فتبسَّم أبوها بسمة مقيتة، وأجابها في برود تام:
_ أيوه أنا السبب.
وأستطرد في غضبٍ اشتعل في صدره، واستعرت به عيناه الضيقتين:
_ لما بنتي تهرب مني عند واحد غريب عايزاني أعمل إيه؟ سبتي شغلك وحياتك عشان إيه! مستقبلك بيضيع ولا أنتِ هنا. فكرتي إني مش هعرف أوصل لك؟
ولوح بسبابته أمام وجهها، وأضاف بصوتٍ خافت مثير للإشمئزاز:
_ تؤ تؤ تؤ غلطانة، كانت المسألة مسألة وقت بس مش أكتر.
" مين، مين هنا يا إسراء؟"
ندَّت تلك العبارة من عايدة والدة بلال، فارتجفت أهداب إسراء وشحب وجهها. كانت تشعر بالعار من أبيها، كانت تخشى أن يأخذها العالم بآثامه. فازدردت لعابها بتوتر، ورمقت أباها المتبسم بزاوية فمه في شماتة، وخرج صوتها بحزنٍ دفين:
_ دا، دا...
وقبل أن تكمل سحبها أبوها من معصمها في حدة، وهو يهتف:
_ أنتِ لسه هتهتهي وتفسري، امشي قدامي خلينا نشوف هنعمل إيه!
فبكت إسراء في انهيار وهي تصيحُ:
_ مش ذنبي يا طنط عايدة، مش ذنبي إن بلال اتسجن، أنا بريئة والله، قولي له ميكرهنيش، أنا هعمل المستحيل عشان يرجعلكم.
ففاضت عينا عايدة وهي عاجزة عن فعل أي شيء، بينما توقفت أميرة في صدمة قبل دخولها للمنزل. وسرعان ما ركضت وراء إسراء التي هتفت بصوت متهدج وأبوها يدفعها داخل السيارة في عنف غير عابئ برأسها التي اصطدمت من قوة الدفع:
_ أميرة، قولي له ميكرهنيش، مش ذنبي.....
كانت تهتف ببكاء يقطع القلب، وذهبت باقي جملتها وصوت بكاءها هباءً تذروه الرياح.
عندما انطلق أبوها بالسيارة ولم يعر بكاءها اهتمامًا طوال الطريق، وهي لم تكف. لقد شقت روحها وها هي لا تزال تشقى. عندما توقف والدها أمام البناية الفخمة التي يقطنون فيها، التفت إليها وهتف فيها بنبرة صارمة خالية من أي عاطفة:
_ امسحي أُم دموعك دي، مش عايز حد يشوفها لحد ما ندخل الشقة.
كانت تعلم أن أباها يحب أن يتباهى بالمظاهر، ويهاب نظرة الناس، ويخشى أن يتفوهون عنه بالسوء. لذا فقد آثرت الطاعة، فكفكفت أدمعها، ودون أن تعبئ به كانت تفتح الباب الذي يجاورها وتغادر السيارة بحدة وهي تصفق بابها وراءها.
فرشقها أبوها بنظر حادة وهو يدور حول السيارة ويسبقها إلى مدخل العمارة. دس أبوها المفتاح في ثقبه المخصص وأداره وهو يدفع الباب بكفٍ غليظ، ثم دون أن يستدير قبض على معصمها ودفعها أمامه دون ذرة رحمة، وهو يصيح صافقًا الباب وراءه:
_ بقى بتبعدي عني وبتعيشي في بيت غريب، ليه قايد عليكِ بالنار أنا...
فقاطعته وهي تمحو دموعها التي بدأت بالسيل أنهارًا:
_ أيوه قايد عليَّ بالنار، هو أنت مفكر إن اللي في قلبي ده مش نار؟ بتسجن اللي آوى بنتك وانقذها؟ اللي وراها طريق الحق، اللي علمها إزاي تخاف ربنا في كل أعمالها وأقولها.
وانتصبت وهي تعقد ذراعيها، هاتفة بنبرات قوية، ونظرات حاسمة محتدة:
_ تعرف قررت إيه؟!
وتريثت وهي تتابع في هدوء بارد:
_ قررت إني هسيب التمثيل.
وطل غضب هائل في عينيه، وخوف عظيم هائل ملأ قلبه، ثم استدعى هدوئه، وتلاشى غضبه رويدًا رويدًا وطالعها بنظرات مرتابة، وتبسم وهو يقول بصوتٍ متهدج:
_ تمثيل إيه اللي تسيبيه بس يا حبيبتي! دا مستقبلك دا مشوارك للقمة والشهرة و...
بترت عبارته في تلعثم، عندما ندَّت عنها ضحكة هازئة، وهي تقول:
_ والفلوس، أنت إنسان مادي يا بابا، كل همك الفلوس والطمع.
هز أبوها رأسه نفيًا، وقال موضحًا:
_ كل ده بعمله عشانك وعشان تعيشي عيشة كريمة، وما تتذليش لحد.
أجابته:
_ الذل الحقيقي إني أكمل في التمثيل وأدخل النار.
رمش والدها بعينيه لثوانٍ، يحاول انتقاء ما يقول ليردعها عما تنوي، ثم دنى منها وضم وجهها بين كفيه، وقال متعمدًا بصوتٍ يثير عاطفتها:
_ إسراء، حبيبتي إياكِ تسيبي مستقبلك يضيع، أنتِ هتبقي نجمة مشهورة هيتهافت عليكِ الناس ويتمنوا بس صورة معاكِ من غير ما يأملوا غير كده، فوقي لنفسك عشان مضيعيش وأضيع معاكِ.
فرددت إسراء بكل هدوء وهي تهز كتفيها:
_ متحاولش لإني خدت قرار ومستحيل أتراجع، عودة للتمثيل مستحيل.
فلطمها على خدها بقسوة، وهو يهتف في غضبٍ شع في مقلتيه ونفرت له عروقه:
_ أنتِ مجنونة بقا وأنا هعرف إزاي أعقلك، والواد ده انسي إنه يطلع من السجن لو مرجعتيش لعقلك، العقود اللي كنتِ مضياها كانت هتتفسخ لولاي، فهترجعي لشغلك وإلا هتخسرينا جامد وكل اللي بنيناه هيتهد.
وحدجها بنظرة نارية تشع غضبًا، وخرج وهو يتميز غيظًا، وما همَّ بغلق الباب وراءه، صدح صوت لاهثًا مقرونًا بأقدام ترتقي الدرج على عجلٍ:
_ استنى يا عمو إسراء رجعت صح، لقيتها مش كده..
و وقفت الفتاة أمامه تلتقط أنفاسها المتلاحقة، بينما شوَّح هو بكفه، وغمغم بضيق وهو يركض على الدرج:
_ أهي جوة ادخلي عقليها.
دخلت الفتاة بلهفة للداخل وهي توصد الباب وراءها وعيناها على إسراء التي ألقت نفسها في أحضانها، وهي تهتف بألم:
_ ندى، حبس بلال يا ندى.
فمسحت ندى مديرة أعمالها ورفيقتها على ظهرها في حنان، وتمتمت متسائلة باهتمام:
_ إهدي يا إسراء، واحكيلي مين بلال ده، وأنتِ كنتِ فين بالضبط؟
فابتعدت إسراء عنها وكفكفت دمعها، وتهدل كتفيها وهي تقول في استسلام:
_ هحكيلك كل حاجة.. تعالي.
جذبتها برفق من مرفقها وجلستا متجاورتين، وقصت عليها كل ما حدث معها، وأنهت سرد ما روت وهي تغمغم بيأس:
_ وأنا دلوقتي لازم أعمل أي حاجة عشان بلال يخرج، بابا مش هيسيبه لو معملتش اللي هو عايزه.
فأجابتها ندى بحماسٍ:
_ يبقى تهاودي وتعملي مبدئيًا اللي هو عايزه لحد ما يخرجه وتضمني إنه برا السجن.
فشحب وجه إسراء، وألتقطت كفيها، وهي تسأل بارتياب:
_ يعني أكدب عليه وأوافق كدب؟
أومأت ندى بهدوء، وشردت إسراء.
يومين وليلتين قضاهما بلال لأول مرة في حياته في جحيم يُسمى السجن، لم يكن يدري لما هو مسجون وعن أي شيء وما الذي جناه. قضى الساعات وهو جالس في زنزانة رطبة وبدا الوقت له كأنه لا يمر، أو إن الزمن قد توقف على هذه اللحظة التي أدخل فيها السجن. وفرغ قلبه من كل شيء إلا من الدعاء، والصلاة بعد ما تيمم. شحن قلبه بالإيمان، فارتد دعاؤه بالإجابة. ربما قد قضى يومين في جحيم لن ينساه، لكنه ها هو يأتيه الفرج، عندما فتح العسكري باب الزنزانة الحديدي الأسود الضخم، وهو يجأر:
_ بلال توفيق.
فهب بلال واقفًا في لهفة، وهو يهتف:
_ أيوه.
فهدر العسكري:
_ تعالَ معايا.
لحق بلال به وهو يسأله عن سبب سجنه، فإذا به يخبره إنه جاءهم بلاغ عن خطفه للممثلة إسراء الشهاوي. واصابت بلال الدهشة وهو يتجه إلى الضابط الذي اعتذر منه في تهذيب مبطن وأطلق سراحه، وهو يخبره إن إسراء قد عادت ووجدها أبوها، وإنهم كانوا مخطئين.
فعاد بلال إلى منزله والغضب يتأجج في نفسه. ها هو ذا يلقى ثمار بذوره بسماحه لها بالعيش في بيته. وجد في استقباله أمه وأميرة وأخيه سعيد، وتناول طعامه الذي لم يدخل جوفه ليومين، ولثم جبين أمه وهو يتجه لغرفة نومه ليرتاح، فلحقت به أميرة قبل أن يدلفها، وسألته في توتر:
_ بلال، أنت مسألتش عن إسراء! هي …
فقاطعها هادرًا وهو يلتفت إليها بعينين تشعان بالغضب والأستحقار:
_ اخرسي، اخرسي خالص متجيبش لي سيرتها أبدًا، ولا تنطقي اسمها في البيت ده تاني.
فارتجفت أميرة وتراجعت مبتعدة، وهي ترى إندلاع نيرانه وغضبه عليها، لكنها تماسكت لتقول:
_ بتزعق ليه فيَّ أنا إيه ذنبي؟!
فمسح بسبابته والوسطى جبينه وهو يقول في ألم:
_ معلش يا أميرة سيبيني دلوقتي!
ففاضت عيناها بالدمع وهي ترنو إليه، وتقول:
_ أنا عارفة إن اللي مريت بيه صعب، بس متنساش إن السجن ده دخلته حتى الأنبياء، وأمضى فيه نبي الله يوسف سنين.
فتبسم بوجهٍ بشوش، وهو يجيبها في حنان:
_ متقلقيش عليَّ أنا كويس، مش ابتلاء زي ده يهزني... الحمد لله على كل حال، بس الناس مش هتسيب بعد كده الواحد في حاله أبدًا، ومش هخلص من كلامهم، وهخاف حد يضايق ماما بكلمة إن ابنها رد سجون.
فهتفت أميرة في جزع:
_ رد سجون إيه بس يا بلال اللي بتقول عنه ده، وبعدين من أمتى وأنت بتشغل بالك بالناس وكلامهم؟! هاا من أمتى بتهتم بحاجة زي دي؟!
وتمعنت النظر إلى عينيه، فرأت الحزن والخيبة فيهما، فقالت بعاطفة وهي تمسح على ذراعه:
_ عايزك تعرف حاجة عشان متظلمش حد وتكتب عند الله ظالم، إسراء ملهاش ذنب في سجنك، وصتي أأقولك كده وإنك متكرههاش لإن أبوها هو السبب.
وغادرته بابتسامة، بينهما وقف هو مكانه بقلبٍ خافق ممزوج بالألم. قلبه الذي لم تمس شغافه أنثى غيرها، أب خاويًا وحيدًا من جديد. وها هي ذا بعدما مضت على حنايا صدره ونقشت اسمها تغادره دون وداع. آهٍ يا قلب تمهل.. ألم يخبرك أن تتمهل، ألا تقع في حبٍ صعب المنال، أما إنك تحب الشقاء، وشقوتك مريرة لو تدري. كان سيفرش لها قلبه من الورود ألوان، ومن شآبيب الأزهار ما تبغى، فهي الوحيدة التي تفتحت أكمام قلبه على يديها، فتستحق أن يكون المقام بستانًا، ومترعًا من الحنان والحب. لكن.. كتب على قلبه الفراق من أول حب يقع فيه. وليته لم يتذوقه، ولم يزره الحب، فقد ذره يتظلى من مرارته كؤوسًا وأنهارًا.
همست نفس بلال وهي ترمقه بعينين تذرفان:
_ بعض الغائبين حياة.
هاك البعيد هو أقربهم من القلب لإنه يستوطنه، فليس بتواجد الشخص يكون قدره، إنما بمقامه في القلوب. ليت بأمكانه أن يستل سيفًا ويهوى به على قلبه فينزع حبها من فؤاده.
مرت به الأيام بعد ذلك، ثقيلة كان حبها في قلبه قد تشعب إلى كامل جسده فباتت تسري في مهجته وتمتلك وتينه وتحتل شغافه، فأمضى الأيام والليالي شارد البال دائمًا، وقد سلبت لبه وصورتها تحتل مقلتيه دائمًا، وطيفها يطيف حوله فيراها في كل الوجوه. الحب عذاب وها هو يتجرعه بكل حواسه وجوارحه وينصب فيه صبًا صبًا، لقد اشتاقها يعترف ويحن إليها، أهلكه حبها وذهب به كل مذهب وليته الآن يستطيع أن يداوي فؤاده من هذا الحب المعذب.
أوقف بلال سيارته على جانب الطريق وهو يزفر بضيق، وينفث إعياء قلبه وبغصة مريرة تنهد وهو يسند رأسه على ظهر مقعده، وأسبل جفناه على ألمًا لا يعرف كنهه، ولا كيف يعبر عنه، ويصفه. أنَّى له أن يبوح بوجعٍ يعقر قلبه فيرفرف كالذبيح. ويح قلبه إن لم يراها. فدواؤه بات مرهونًا في مرأى وجهها المليح وعينيها البنيتين.
ترجل من سيارته وأغلق بابها وراءه والتفت يمنى ويسرى مستطلعًا الطريق الذي يعج بالسيارات قبل أن يركض عابرًا من وسط السيارات الذاهبة والآتية، ويتجه إلى القهوة طالبًا كوبًا من الشاي، وجلس ينتظر أن يأتيه العامل به. وهو يحاول أن يجد حلًا لشروده الذي لاحظته أمه ذات مرة فسألته ما سبب حالته فنفى إنه لا شيء ولم تسأله مجددًا. كانت تضمر حزنها في قلبها لأجله، بينما يهمس هو:
الوقت يا مر يا أماه
والعمر يمضي
والحب إن سكن قلب المرء أحاله إلى قبرة حالكة السواد.
كانت إسراء تجلس وتقوم، أخصائية التجميل بوضع (المكياج) على وجهها، وما أن انتهت أشارت لها إسراء بالرحيل، واستقامت تتأمل فستانها الطويل عاري الذراعين أمام المرآة بغصة مريرة، وانقباضة في قلبها، وألمع الدمع في عينيها، ثم فجأة تبسمت وهي تكبح دمعها كي لا ينزل، ثم جلست مجددًا، وأخذت هاتفها وكتبت منشورًا على حسابها على الفيس بوك:
"وداعًا أيها الراحل ولا تنس أن عزائي في ذكرك، سلامٌ أيها الغائب فدع طيفك يزور المنام، سلامٌ أيها الطيب ففي لقياك تطيبُ الحياة. ألنا لقاء ينسينا مرارة الفراق، يُذهب بالحزن الذي سكن قلوبنا! يُداوي حُبًا بات جحيمًا؟"
وألقت هاتفها دون اكتراث على (الطاولة) التي أمامها ودفنت وجهها بين كفيها وهي تنفجر في البكاء. لو آماق العين يمكنها التحدث لشكت من فرط الدموع، ولصرخ القلب مستنجدًا من إعياءه. مؤلم أن يستوطننا غريب لا نعلم متى نلقاه، وهل ثمة لقاء، أما الفراق هو المآل، وربما يخبأ لنا القدر أشياء لا نعلمها، فهو لا يفتأ يصدمنا بواقعه. ثم همست وطيفه يزور ذهنها بأعين متلألئة:
"لكنّ قلبي ظمآنٌ لبسمة من عينيكَ."
انتزعها من شرودها دخول ندى عليها وهي تهتف:
_ خلاص مفضلش كتير وتطلعي...
ثم سكتت وهي ترى بكاء إسراء فتنهدت بثقلٍ، وربتت على كتفها تغمغم:
_ مش كفاية حزن بقا؟
لم تجبها إسراء فبكت ندى لبكاءها وضمتها في حنان والأخرى تهمس:
_ بعض الأحزان لا تغادرنا يا ندى.
جلس والد إسراء أمام شاشة التلفزيون في يسراه يقبع جهاز التحكم، وفي الأخرى سجارة رفعها على فمه وأخذ منها نفسًا عميقًا، نفث دخانه في الهواء، وفجأة شحذت كل حواسه على شاشة التلفاز ومال إلى الأمام ممعنًا النظر على المذيعة التي أخذت تقول:
(ممثلة مشهورة أجادت في سنوات قليلة أخذت ومحبة قلوب الجميع ببراءتها وتمثيلها النقي الممتلأ بالمشاعر، كانت قد حصل معها حادث أليم واختفت على إثره وها هي تعود معنا مجددًا لنعرف ما سبب اختفائها المفاجئ، معنا ومعاكم في حلقة النهاردة الفنانة إسراء الشهاوي)
ارتفع تصفيق الجمهود والمذيعة، وإرتسمت بسمة فخورة ظافرة على ثغر والد إسراء، بينما سطع ضوء قوي على إسراء وهي تتهادى مبتسمة جهة المذيعة التي وقفت في استقبالها وصافحتها وهي مبتسمة بسمة واسعة، كانت ترتدي فستانٌ أبيض واسعٌ طويل مطعم بالورود الصفراء ذا أكمام تغطي ذراعيها كاملةً، وخمارٍ يغطِ رأسها من اللون الأصفر، ووجهها خالٍ تمامًا من مساحيق التجميل، بدت كالقمر المنير في ليلة حالكة الظلام. وما كادت تظهر بملء الشاشة، وعَلت دهشة وشهقات الجمهور المندهشة، حتى وقف أبوها في بطء وقد بلغ اتساع عينيه الذروة، وأخذ يحدق في الشاشة وهو متسمر كتمثال صلب.
وعلى جانبٍ آخر كان بلال يرتشف كوب الشاي في بطء وهو يحاول أن يطوي قلبه على حبٌ زائل سيكتوي هو بناره. إذ تسلل إلى أذنيه صوت قادم من التلفاز لم يلتقط منه إلا (إسراء الشهاوي) ففعل الاسم في قلبه فعل السحر وترك الكوب جانبًا وما كاد يلمح صورتها على الشاشة حتى وثب قلبه وثبًا، وتألقت عيناه وإرتسمت على شفتيه بسمة حنونة راضية وهو يتأملها في هيام، وفي قلبه حفرت صورتها بتلك الهيئة بماء الحب والوجد، وتلألأت عينا روحه وودت لو تخبأها عن أعين الجميع. ثمرآها وهي تقف مبتعدة لبقعة أخرى، وراقبتها عيناه في اهتمام، وطالعها قلبه صاغيًا، عندما بدأت تقول:
_ طبعًا كلكم مستغربين هيئتي الجديدة، وبعضكم مستنكرها، بس متتعجبوش ما هي التوبة مكتوبة للجميع حتى للممثلين هما بشر برضو بيخطؤ ويصيبو أحيانًا، يمكن ذنوبي كتيرة جدًا بعترف بس أملي كبير أوي في ربنا إنه يغفرلي ويفتح ليّ باب رحمته.
وصمتت عندما علا التصفيق فأشارت إليهم بالسكون، وأخذت تقول:
_ حديثٌ قيل ليّ من عابرة لن أنساها وهي سهير اللي ليها فضل كبير أوي على تغيري للأفضل، فضل هدعو ربنا إنه يجزيها عليه في الآخرة، وهو: نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا. رواه مسلم عن رواية أبي هريرة.
سكتت هذه المرة مليًا، وانبثق الدمع من مآقيها بغزارة، فبكت سهير التي تتابع البرنامج في صمتٍ حزين، وكذلك فعلت أميرة، بينما لمعت عينا بلال، وشرع أبوها يهشم كل ما تطاله يده، بينما تابعت هي بحزنٍ دفين:
_ كاسيات عاريات وأنا كنت منهم لا يدخلن الجنة ولا حتى يجدن ريحها، وأنا عايزة الجنة، عايزها عشان عارفة ومتأكدة إني ممكن أموت في أي لحظة مش عايزة أموت على ذنوبي، مش عشان حتة قماش أنسى آخرتي، ربنا أمرنا باللبس الشرعي وأنا لبيت وأرجو ألا يأخذ روحي على معصية وإن أتاني الموت أتى وأنا على توبة.
سكتت لهنية يهوى خلالها دمعها في صمت، وعادت تقول:
_ في شخص أنا عارفة إنه مش شايفني دلوقت، شخص كان له عظيم الأثر في نفسي وفي قلبي في تقواه، وأخلاقه وإيمانه، قرآن ربنا مجالناش بسهولة دا جه على عذاب شتى ودم لصحابة رسول الله وللرسول، الرسول ضحى كتير عشانا فلو بنحبه مش هنضيع اللي عمله عشان ديننا، إحنا مين عشان نعصي ربنا؟ إحنا مين عشان نأتمر فلا نطيع، أطيعوا ربنا يا بنات لسه قدامكم وقت عشان تتغيروا، محدش فينا ضامن حياته ولا هيموت امتى، التزموا غيروا لبسكم من دلوقتي توبوا قبل الموت لإنه للأسف ملهوش إنذار.
سكتت لبرهة مسحت فيها دموعها، وتبسم وجهها البشوش في سرور، وقالت بصوت يقطر حبًا وولعًا:
_ في نهاية كلامي في شخص حابة أشكره من صميم قلبي لإنه آواني في وقت اتقفل في وشي باب أغلى الناس، شخص حماني بحياته ودافع عني، والأهم من كل ده.. علمني إزاي ألجأ إلى ربنا، حطني على أول خطوات الهداية، وسابني في بداية الصراط المستقيم، شخص عزيز وغالي أوي عليَّ علمني معنى الصبر، والحمد لله على نعم ربنا اللي أنا غرقنا فيها، شخص ممكن أفديه بروحي، عايزة أأقوله إني بحبه...
بكت عند هذه الكلمة الأخيرة، واعتصرت جفنيها فسالت العبرات أنهارًا، ثم رفعت وجهها بنحيب، وشهقت وهي تقول بصوتٍ رغم رقته إلا إنه مختلج:
_ بلال أنا.. أنا بحبك وهفضل أحبك لحد آخر نفس بيتردد في صدري، ومستحيل أنسى الشعور الجميل بالأمان لما كنت معاك لإنه شعور مش هحسه تاني لإن مفيش غير بلال واحد بس ممكن يحسسني بالأمان، فعشان كده أنا بحب…
وتوقفت عن الكلام وهي اتسعت حدقتاها في هلع وألم، وندت عنها شهقة عالية وفغرت فاها، وظهر ثقبٍ محترق ملوث بالدماء فوق فستانها الأبيض، ورفعت كفها تضغط على الألم الشديد الذي اخترق معدتها، وترقرق الدمع في عينيها وهي تكتم تأوهٌ قاتل، وذاغ بصرها وهي تترنح، بينما ارتفع صراخ الجمهور الذي راح يعدو من الأستوديو بحالة من الذعر وساد الصراخ يصم الآذان، وكانت واحدة فقط تخترق الجمع تجاهها وتتلقفها بين ذراعيها ما أن سقطت، ونظرت ندى إلى الجرح الذي سببته الرصاصة وهي تصرخ مستغيثة.
علت وتيرة أنفاس أبيها، وسقط قلبه بين قدميه وهو يصرخ مقتربًا من شاشة التلفزيون التي بدلت إلى إعلان:
_ إسراء، إسراء....
وركض على عجلٍ، ذاهبًا إليها بروحٍ فرَّت منه، وقلبٌ قد نُزع.
في ذات الوقت كان بلال يقف ببطء كأن قدميه لا تحمله، وبكى قلبه بكاءً يمزق ويفطر القلوب، وردد اسمها بصوتٍ خفيض لا يسمع، وخفق قلبه في خوف وهو يعدو إلى سيارته.
رواية والتقينا الفصل التاسع 9 - بقلم ندى ممدوح
انطلق بلال بسيارته زائغ النظرات، واجم الملامح، شارد القلب، لم يكن يدرِ أيُّ السُّبلِ يسلك، أي دربٍ مفضي إليها؟!
وهَمَّ بِأفتعال حادث كاد يودي بحياته في غمرة شروده، وصوتها..
صوتها الهاديء الرقيق الذي للتو كان يعترف له بحبه على الملأ، وتلك الكلمة بالذات تتردد في داخله بلى هوادة.
وصورتها الرائعة التي كانت عليها الآئي لا تبرح مخيلته بل لقد احتلت السويداء من قلبه، ضاقت به الدنيا بما رحبت، فركن سيارته على جانب الطريق، وعقد ذراعيه على عجلة القيادة ودسّ بينهما رأسه، مرت لحظات وهو على حالته تلك، حتى رفع رأسه قابضًا بكفيه على عجلة القيادة..
يريد أن يراها..
أن يطمئن عليها..
أن يعرف عنها أيُّ شيء..
لكن كيف؟!
كيف يعلم بأي مستشفى هي الآن؟!
أنَّى يصل إليها؟
تنهد وهو يفتح باب سيارته مدليًا يمناه، وتسمر على هذه الحالة الغريبة.. مترددًا ما الذي يبغيه؟! هو لا يدري، أين يبغي الذهاب لا يعلم؟!
وفي نهاية المطاف لامست قدمه الأرض وخرج صافقًا الباب وراءه، وأخذ يسير دون وجهة محددة.
توقف على كورنيش النيل يتأمل مياهه، ما أشبه قلبه الآن بسفينة تسبح على صفحة الماء وقد ضلت الطريق، وتاهت في عرض البحر! ولا سبيلُ للنجاة.. والغرق حتمي.
وهو قد غرق..
غرق في حبها..
أسرع بغتة مخرجًا هاتفه من جيب بنطاله، وأخذ يتصفح الأخبار التي لم تخيب ظنه وقد انتشرت كالنار في الهشيم، رغبة ملحة جعلته يأتي بصفحتها التي تفاجئ إنها خالية من جُل صورها القديمة والفديوهات التي كان بعضها مشاهد من تمثيلها والآخر مع معجبيها، حُذف كل شيء.
كأنها كانت على دراية إنها على موعد مع ملك الموت، فأبت ألا تموت وهي ماحية كل آثامها لِتترك وصمة طيبة وأثرًا لا يموت.
فما المرء إلا ذكرى قد يسحقها النسيان، أو أثرٌ يُخلد في القلوب.
ألتهمت عيناه كل التعليقات على المنشور الوحيد على صفحتها والذي كان مضمونه إنها في حالة حرجة وبحاجة إلى الدعاء، وقد انهالت عليه التعليقات هيلًا عظيمًا من جمهورها ومعجبيها، وعلم أخيرًا مكان المستشفى، فأغلق هاتفه وركض إلى حيثُ سيارته وولجها.
لم يكد يمسك عجلة القيادة، وإذ بهاتفه يرن معلنًا عن اتصالًا من أميرة، فأسرع يجيب قائلًا:
_ايوا يا أميرة، في حاجة ماما كويسة؟!
نطق كلماته على عجلٍ جعلتها تغمغم:
_على مهلك أنت في حد بيجري وراك؟ ماما كويسة وعايزة تروح لسهير، هتيجي تودينا؟!
أجابها بذات السرعة وهو ينطلق بالسيارة:
_لا لا مش فاضي، خلي سعيد يوصلكم ويجبكم، مع السلامة.
تفآجئت أميرة بأغلاقه للخط دون أن يسمع ردها فهزت منكبيها في حيرة..
(ها، جاي يا بنتي)
تساءلت عايدة والدة بلال في اهتمام، فازدردت أميرة لعابها في صعوبة، وغمغمت في قلق:
_مش عارفه مكنش طبيعي..
فعبس وجه عايدة وهي تسألها:
_مين اللي مش طبيعي؟
استدركت اميرة قائلة في سرعة:
_ولا حاجة أنتِ هتاخدي على كلامي يا خالتوا ما انتِ عارفة إني بهتش كده مع نفسي، بلال قال إنه مش فاضي، هشوف سعيد.
استقبلتهما سهير بفرحة عارمة، والتقطتت يدين أُمها توسعهما تقبيلًا وهي تغمغم في لهفة:
_وحشتيني اوي يا ماما.
وضمتها بعينين فاضتا دمعًا، متابعة:
_عاملة إيه طمنيني عنك، بتاكلي وتشربي حلو؟
ربتت أُمِّها على ظهرها، وقالت بنبرة مفعمة بحزن الفراق:
_كويسة يا حبيبتي الحمد لله أنتِ عاملة ايه مع جوزك وبيتك؟ كله تمام؟
غمغمت أميرة وهي تعبر إلى داخل الشقة:
_ياختي قولوا اتفضلوا الأول وقعدينا.
التقطتت سهير كف أمها وضمت ظهرها بذراعها الآخر وهي تقودها للداخل في حنان قائلة:
_اتفضلوا اتفضلوا تعالوا.. ادخلي يا أميرة؟
ما كادوا أن يجلسوا، حتى مالت أميرة على أذن سهير، تسألها:
_هو جوزك مفيش ولا ايه؟
هتفت سهير وهي تهم بالنهوض:
_لا جوة.. دقيقة وجاية.
دلفت إلى المطبخ لِتُعد مشروبًا لهما، ففاجأها زوجها وهو يهتف من وراءها ويلتقط من كفها زُجاجة المشروب التي كانت تصب منها في الكؤوس:
_استني هنا أنتِ بتعملي إيه؟
دُهشت سهير من صنيعه، فهتفت في ذهول:
_أنت اللي بتعمل إيه؟
مدت كفها لتجذب منه الزجاجة إلا أنه رفعها عاليًا بعيدًا عن يدها، قائلًا في صرامة:
_بس بس يا ماما أنتِ بتعملي إيه؟
خفتت سهير صوتها كلا يصل لمسامع من بالخارج، وهي تقول بهمس حاد:
_أنت اتجنيت يا عماد؟ هات العصير عشان اطلع لماما وأميرة.
فقبض على مرفقها بقوة ألمتها، مع همسه بصوتٍ غليظ:
_عصير إيه اللي تطلعيه ليهم يشربوه هو أنا جايبه ليهم، بطلي إفترى.
صكت سهير على أسنانها غيظًا وهي تفلت ذراعها منه قسرًا، صائحة:
_سيب دراعي يا عماد..
وأضافت وهي تدلك مكان قبضته في ألم:
_وبعدين عصير إيه اللي أنت جايبه، التلاجة دي مليانة من خير بلال وأمي، أنت جبت إيه؟
أطل غضبٍ هائل من عين عماد، وهو يجذبها إليه، قائلًا بلهجة مقيتة:
_خير مين يا حبيبتي؟ بلال؟ وهو بلال عامل كل ده عشان سواد عيوني يعني ولا عامله عشان أخته اللي ما صدق يجوزها؟! هاا اخته البايرة اللي مكنش حد بيبص عليها!
تسمرت كل جوارح سهير مع إهانته لها، وخُيل إليها إن قلبها أنصت لقوله في انتباه، ثم اندفع يخفُق بخفقات سريعة متلاحقة جدًا مزقتها إربًا، لم يمر الكثير على زواجها فتهان بهذا الشكل؟!
خفف أخيها من كل العوائق التي قد تكون عائق في طريقه فيكون هذا الجزاء بدل الشكر والإمتنان، لقد ظنوا إنهم اشتروا زوجًا سيصون لكنه لم يعرف قيمة ان يرزق بزوجة يكون أهلها ممن يقللون ويسهلون في متطلبات الزواج دون تعصب، لكن في هذا الزمان إن فعلت خيرًا لأحد سيرده شرًا.
كان يجب على أخيها أن يطلب كما يطلب الآباء، ويشترط كما يفعلون، ويطلبون كل ما هو غالي.
ترقرق الدمع في عينيها، وأُرتج عليها فحدقت فيه صامتة، ثم استدرك هو قائلًا:
_هطلع اسلم على أمك، لتقول إني مسلمتش ولا رحبت.
وخرج تاركًا إياها تُشيعه بنظراتٍ ذبيحة، نزعها من شرودها صوت أميرة وهي تدخل متمتمة:
_سهير، أنا جوزك ده مش بطيقة صراحةً..
ثم هتفت في لهفة وهي تسرع الخطى إليها:
_بت، أنتِ بتعيطي؟
استدارت سهير وتصنعت التلهي في غسل الكؤوس، وهي تقول بنبرة جاهدة كي تُكسيها بالمرح:
_هعيط إيه بس يا بنتي ما أنا زي الفل.
غمغمت أميرة وهي تغلق صنبور المياه بثقة:
_لَا، لَا مش عليَّ ده يا سهير.
وأضافت في لهفة، وهي تديرها إليها:
_مالك بس يا سهير، هو جوزك ضايقك؟ أنتِ مرتاحة طيب؟
ألتمعت العبرات في مقلتاي سهير، لكنها رفعت عينيها وسألت في اهتمام حقيقي:
_شفتِ إسراء؟ أنا قلقانة عليها اوي؟! اللي حصل لها ده حصل إزاي؟ إزاي يحصل كده في موقع تصوير، انا مش قادرة استوعب؟!
بدت اميرة إنها لم تفهم شيئًا منا تعني، فسألتها مضيقة عينيها:
_إسراء مين قصدك؟ إسراء اللي هي إسراء الممثلة.
هتفت سهير في لهفة:
_ايوا يا بنتي وهو في غيرها يعني؟!
_إيه اللي حصل؟
_أنتِ مسمعتيش البرنامج؟
_لا، مكنتش فاضية افتح التلفزيون اصلًا.
تنهدت سهير بثقل، وبحزنٍ دفين قالت:
_والله يا بختك إنك مشفتهاش.
غمغمت اميرة في فضول:
_إيه اللي حصل؟
قصت عليها سهير ما حدث بالتفصيل عن تغير إسراء وكلماتها و.. وحبها لأخيها، وإنهاء البرنامج على أغماءها والدم يغرق فستانها، فشهقت أميرة في وجل، وقالت:
_يا ربي يعني مين يقدر يعمل كده، بلال لازم يعرف؟!
نفت سهير برأسها:
_لأ طبعًا، هيعمل إيه حتى لو عرف هيطنش، هو اصلًا مكنش عايزها في البيت.
تبرمت أميرة، وقالت بفمٍ ملتويًا:
_مين اللي مكنش عايزها ده؟! دا هو لو يقدر كان هو اللي طلب منها تفضل، اخوكِ واقع في حبها على الآخر اصلًا..
واتبعت ساخرة وقد برزت بسمة هازئة على زاوية فمها:
_قال مكنش عايزها قال، اتنيلي.
حملقت سهير فيها وهي تغمغم في صدمة:
_بيحبها، بلال بيحب إسراء؟! هو صحيح مين اللي وصلكم مش بلال؟
أجابتها أميرة وهي تهز كتفيها:
_بلال قال مشغول، وصلنا سعيد.
تحاشت سهير النظر إليها، ثم سألتها:
_امال مطلعش ليه؟
_قال هيستنانا تحت افضل.
_عيب عليه كده والله، لما اشوفه.
ثم تسألت بحزن يمزق نياط قلبها:
_أنا قلقانة على إسراء اوي، يااه يا اميرة لو تشوفيها في الخمار؟! كانت قمر اووي كأنه زادها جمال.
تبسَّمت أميرة وقالت في سرور:
_زادها الله من فضله، هي طيبة وتستاهل كل خير، وهتغير من نفسها البت دي ربنا بيحبها والله عشان هداها.
شردت عينا سهير لحظة، ثم قالت بنبرة شاردة ساهمة:
_بس يا ترى هيتكتب ليها عمر جديد؟
ونظرت إليها تقول في انفعال:
_أنا قلقانة عليها أوي.. وعايزة اطمن إنها بخير.
في ذات الوقت كان بلال يعدو في رواق المستشفى بعدما سأل عنها وعلم إنها في غرفة العمليات، وما كاد يصل حتى تخشبت قدماه وهو يشاهد رجلًا ذا حُلة أنيقة يزرع الطرقة جيئة وذهابًا، وفتاة أخرى تجلس وهي تحرك قدميها في توتر بالغ، والتقت عيناه بعينين والد إسراء الذي تابع سيره دون أن يعره أي انتباه، لكن بلال عرفه..
عرف من يكون..
رأى قلب الأب ينبض بن جنباته مواريًا جشع المال، وطمع ملاذته..
فأستدار وانصرف إلى كافتيريا مُلحقة بالمستشفى، وجلس طالبًا كوبًا من القهوة، وأخرج مصحف صغير كان يحتفظ به دائمًا معه، حتى إذ كان عليه انتظار أحد زبائنه اغتنم وقته في قراءة القرآن..
الآن هرع إلى ربه، لربه فقط فلمن غيره سيلجأ؟
آب إليه هذه المرة متضرعًا لاهجًا أن ينجيها الله سبحانه وتعالى وكله يقين إن الله لن يرد يدا عبده خائبتين أبدًا حاشاه..
كان يتمنى في أعماقه لو كان بجانبها، يحتضن كفها في راحته، يحمل عنها الألم، يضمها إلى صدره ويفديها بروحه وعمره...
لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه..
لم يمر طويلًا على بقاؤه في الكافتيريا، وتناهى له إنها بحاجة إلى دم فهرع فورًا ليتبرع لها بكل دمه لو تبغي..
كان مستعدًا بصدق أن يفديها بنفسه ولا تصاب هي بخدش واحد..
كان يدرك أن جسدها الضعيف الضئيل لا يحتمل، وعندما تبرع بالدم، وبينما هو يخرج من الحجرة مُنزلًا كُم قميصه وجد ذات الفتاة التي كانت تجلس، والتي نظرت إليه في إمعان، ثم شكرته بكلمات مقتضبة ولجت إلى الداخل، وغادر هو المكان..
قضى اليوم كله في الانتظار لا يغادر المستشفى إلا عند الصلاة، حتى علم إنها في العناية، فذهب إلى الطبيب القائم بحالتها وطلب منه أن يرآه سرًا ولو من وراء حِجاب.
وتوقف خلف الواجهة، يتأملها بقلبٍ منفطر، وجهها كان شاحبًا ذابلًا فَرَّت منه الدماء هربًا، جفنيها مسبلين، على أنفها جهاز الأكسجين، وحادت حدقتيه إلى كفها الرقيق، المحاط بإحدى إصبعيه جهاز قياس القلب، وألتمع الدمع في عيناه..
مع ألم قاتل أحس إنه ينحر قلبه نحرًا ويذره ينزف..
كيف يقولون عن قلب فقد إحدى نبضاته إنه يحيا؟!
ألا تميته تلك النبضة؟!
تجعله يحيا في عذاب؟!
تسلبه أنفاسه؟!
وتحرمه من حياته؟!
تفجر الأسى في أعماقه، ألم يجد الموت سبيلًا إليها إلا وهي تعترف بتلك الكلمة السحرية التي قلبت كل كيانه ووجدانه؟!
آهٍ من القلب حين يهوى ويغرم فيغادر مكمنة محلقًا بأجنحة السعادة يرفرف مع من أحب، لكن قلبه هو يرفرف الآن فوق تلك التي بين يداي ربها عز وجل، على فراش المرض.
لم يبك، لم تنهمر عبارت حزنه، لكن قلبه قد فعل دون شك..
قال بلال وهو يحتوي وجهها الذابل بحنان عينيه الدافق:
_كوني بخير لأجلي.. لأجلي يا إسراء كوني بخير ليعود قلبي بخير.
ثم تنهد في عمق وأطرق لثوانٍ وعاد إلى منزله، لم يهون عليه ألا يطمئن على أمه وأخيه الصغير.
كان مشتتًا بين البقاء والعودة، ونعى قلبه الذي تركه لديها وذهب..
وظل كل يومٍ بين المستشفى وبيته حتى نُقلت إلى حجرة عادية تقضي فيها فترة النقاهة
ما كادت إسراء تستعيد كامل صحتها حتى علمت فضل ربها عليها..
لقد رزقها بعمرٍ جديد..
ووهبها أيامٍ لتستغفره عمَّا اقترفته من ذنوب، لكن هل لذنوبها من توبة؟!
لقد مثلت ورآها ملايين من الناس بملابس كاشفة، بلى.. لامست رجالًا كُثر كان كل محرم لديها طبيعي...
عادي أن تفعل اي شيء..
دون رقيب أو عتيد..
كل ما هو محذور مباح..
لم تكن تخشى الله لا في السر ولا العلانية..
هي لم تعرف ربها أبدًا..
وقد كانت تموت بكل تلك الذنوب التي كانت ستصليها نارًا ذات لهب..
الآن، لقد عرفت ربها، علمت إن ثَم ملائكة تدون ما تتفوه بها، وإن ربها مطلعٍ عليها، وإن الدنيا فانية مهما مضت بيها الأيام مآلها إلى الزوائل.. ومفارقة الحياة.. لقد علمت إن حساب ربها آتٍ، وإمَّا جنة أو نار.. وإن القبر حالك السواد وضمته لا ترحم كافر أو آثِم إلا المؤمن فإنها تكون له ضمة حنونة، كضمة الأم لأبنها الغائب ما أن يعود..
فالجنة تستحق..
كتب لها الله عمرًا جديد ستغتنمه، ستصلي، ستحفظ القرآن، وتجوده، وتتدبر آياته، ستنعم بتلك الجنة.. جنة الأرض..
ستصوم ستتصدق، ستخشى الله في ملابسها، وأقوالها، وافعالها، وصلاتها، وقيامها.. ستتعلم العلوم الشرعية.
بل إنها ستكون من طلبة العلم..
ستتغير..
ستبدل من نفسها..
ستكون إنسانة آخرى وُلِدة من جديد..
كانت توًا تتيمم بسبب عدم مقدرتها على النهوض، وتأدي فرضها باكية العينين، منتحبة القلب.. تناجي الله ببكاءٍ حارق يمزق القلب بأن يغفر الله ويخفف عنها العذاب، وسكرات الموت إن واتتها..
الغريب إنها ما ان فاقت كانت كمن فقد ذاكرته، فلم تتذكر بلال لحظة واحدة، كإن الرصاصة قد نزعته من قلبها انتزاعًا أو إنه قوة الإيمان، وحلاوته.. وهي حيت الإيمان بكل مشاعرها فنست الدنيا كلها ونعمت بقرب ربها..
كانت تنكب على المصحف، تتلو آياته بصوتٍ باكٍ، عندما، دلفت ندى إليها والحيرة بادية على وجهها، فكفكفت أدمعها سريعًا وأغلقت المصحف وهي تسألها في صوتٍ واهي:
_ندى، مالك أنتِ كويسة، إيه اللي شاغل بالك؟
رفعت ندى عينين حائرتين إليها، وغمغمت في توتر:
_مش عارفه ملاحظة حاجة غريبة!
هتفت إسراء بكل اهتمام:
_إيه الحاجة الغريبة دي؟
أخذت ندى نفسًا عميقًا وقالت:
_في شاب غالبًا بيجي يوميًا يطمن عليكِ.
فزفرت إسراء بملل، واسندت رأسها إلى الوسادة وأرخت جفنيها، متمتمة:
_دا أكيد حد من المعجبين!
هزت ندى كتفيها، واكتفت بهذا الخاطِر الذي قالته إسراء، ونست الأمر.
وذات يومٍ كانت إسراء بمفردها في الغرفة عندما طُرق الباب، ثلاث طرقات، فسمحت للطارق بالدخول، وتعلقت عينيها على الباب، كانت تدرك إنها ليست إحدى الممرضات لأنهن يكتفين بطرقة بسيطة ثم يدلفن فورًا، وليس ندى لإنها لا تطرق الباب، وأكيد ليس والدها بالطبع وقد غادرها آنفًا.
فتعلق بصرها على الباب، وخفق قلبها وهي تراقب تلك اليد السمراء تدفعه برفق، ثم رأته..
نعم، كان بلال أمامها يدخل بخطوات بطيئة، مطرق الرأس مرتبك .. وخفق قلبها في جنون وهي تهتف متسعت العينين في ذهول:
_يا الله، بلال؟!
وفركت عينيها لتستوعب إنه هو حقًا، وتسلل صوته المغلف بالحنان يسألها من لدن الباب وهو لا يزل مطرق:
_عاملة إيه؟ كويسة؟!
فهبت في ارتباك واقفة، وأحست إن جسمها قد استرد كل صحته وعافيته ما أن رأته، وهمهمت وهي تزدرد ريقها في خجل تصاعد إلى وجنتيها الشاحبتين فتوردتا:
_كويسة؟! أنا كويسة؟! مش عارفه.
غمغمت مرتبكة، وعندما وجدت نفسها تهذي لاذت بالصمت، وسألته في لهفة تطل من عينيها:
_أنت.. أنت عامل إيه طمني عليك؟
فرفع عيناه وتعلقت عيناهما لثوانٍ قبل أن ترخي هي جفنيها في خجل مع تدفق الحنان المشع في عينيه، وخفق قلبها بين جوانحها، وهو يجيبها:
_أنا تمام، بس أنتِ عاملة إيه؟
رفعت كفها إلى موضع قلبها الخافق في جنون، وقالت وهي تسبل جفنيها:
_انا بخير الحمد لله..
وهمست في نفسها (مين ممكن ميشوفكش وميكنش بخير؟!)
كانت تشعر بزغرودة سعيدة تنطلق في اعماقها وهذا الاهتمام يحفها به..
حتى غمغم وهو يتنهد في ارتياح:
_الحمد لله، مع السلامة.
وفي ثانية كان يستدير، فتطلعت إلى ظهره في فزعٍ، وهتفت:
_بلال.
فوقف، بل توقف قلبه مع نداءها، وعاد ينبض من جديد، وسألها برفق دون أن يلتفت:
_نعم.
وصمتت مليًا، لم تكن تدرِ لماذا أوقفته؟!
ما الذي تريده منه؟!
ودت لو تسأله هل جاء ليسأل عنها حقًا؟!
أم إنها تتوهم..
ثم لم تلبث إن ضاعت كل تلك التساؤلات من اعماقها، وسألته بجزعٍ حقيقي، بسؤال أرهقها، وجعلها مسهده، واورثها اعياءً على اعيائها:
_هو .. هو ربنا ممكن يقبلني بكل ذنوبي دي، ممكن يغفر لي ولا كده مليش توبة ونساني.
قالتها بصوتٍ حزين مختنق بالبكاء، فمزق نياط قلبه وهو يلتفت إليها بهدوء، وتطلع إلى وجهها، ثم رتل بصوتٍ رخيم يبعث الراحة والسكينة في القلوب:
_{ قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ }[سُورَةُ الزُّمَرِ: ٥٣]
قال الآية ولم ينبس، ترك كلمات الآية تعبر إلى قلبها فتجيبها..
واجابتها واغروقت عينيها بالدموع وهي تدرك كم رحمة الله عظيمة.
ثم تفاجئت به يسألها وهو يعقد ساعِديه:
_تعرفي حدير؟!
فظلت لفترة تنظر إليه ذاهلة، من حدير؟!
ما هذا الاسم؟!
من يكون حدير؟!
فهزت رأسها نفيًا في خجل زال مع بسمته الحنونة، وصوته يهمس:
_ ياإلهي! ألا تعرفين حديرًا؟!
أيوجد أحد لا يعرف حديرًا!
أثمة من لم يروِ قلبه بقصة حدير؟!
قصة غيرُ أي قصة؟!
قصة تعلمنا معنى اليقين والإيمان!
ذاكَ صُحابي لم ينساه الله؟!
فكيف نظن إن الله ينسانا؟!
إصغي إذن بقلبك قبل أذنيكِ، هل فعلتِ؟! أيقظي قلبك وجوارحك وحواسك لتتلقي قصة حدير فتمتلأ به كل ذرة فيكِ.
صمت بلال لهنيهة، ثم اردف:
_جاء وفدٍ من اليمن إلى رسول الله ﷺ في العام السادسِ من الهجرة وكان الرسول يستقبل الوفود من القبائل والقرى ليتعلمون ما يتيسر لهم من القرآن الكريم ثم يعودون إلى بلادهم، وكان رسول الله ﷺ لما يُعلم من يأتون إليه ما تيسر من القرآن والسنة وعند انصرافهم يهدي كل منهم هدية، فحل وفد اليمن إلى الرسول صل الله عليه وسلم ومعهم حدير وكان أصغرهم فجعلوه يجلس مع الإبل يراعيها، وإنهم سيبايعون له النبي صل الله عليه وسلم، فدخلوا وبيايعوا الرسول وأعطاهم هداياهم ونسوا حدير تمامًا، ونساه رسول الله صل الله عليه وسلم، وكانوا قد اعلموه بحدير وإنه في الخارج برفقة الإبل، وتلهوا هم بهدايهم... كان حدير يجلس بجانب الإبل يذكر الله عز وجل يرددُ ( سبحان الله، الحمد لله، لا إله إلا الله، الله اكبر).
أخذ بلال نفسًا عميقًا، ثم استرسل:
_انطلق الوفد ومعهم حدير في آخر الركب، وبينما هُم ينطلقون، كان فارسٌ يعدو مع فرسهِ خلفهم يسأل عن حديرٍ، فلما عرفه، أخبره إن رسول الله صل الله عليه وسلم يقرؤه السلام، ويرسل له هديته..
فتعجب حدير!
كيف علم الرسول عنه؟!
من أنبأه إنه لم يأخذ هدية؟
فأخبره مُرسل الرسول إن جبريل أتى الرسول وقال له إن الله يخبره أن لا ينسى حديرًا.
فقال حدير: اللهم كما لم تنسى حديرًا، فأجعل حديرًا لا ينساك.
فكان حديرًا لا يفتر لسانه عن ذكر الله أبدًا.
سكت بلال لوهلة، وقال وهو يرفع عيناه إليها:
_انظري، لم يفتكر الرجال حديرًا وتلهوا في هداياهم!
لم يفتكر الرسول حدير..
لكن أفتكره الله عز وجل..
قد ينسانا العالم كله لكِنَّ الله لا ينسى
هذه القصة فيها إشكال، وقيل إن اسنادها ضعيف، فقد ذكرها ابن الجوزي في كتابه ( صفة الصفوة) ورواها عن ابن عمر رضي الله عنهما،وذكرها وابو نعيم في كتابه معرفة الصحابه، وقد قالها بعد المشايخ كـ الشيخ سمير مصطفى، ومحمد الغليظ، ورمضان عبد الرازق.. وغيرهم.
تفاجأ بلال بخطين من الدمع يسيلان على وجنتيها، فصمت وأطرق لثوانٍ، قبل أن يغض الطرف، ويقول:
_كفاية أنك تلجأي إلى الله سبحانه وتعالى بيقين وندم وعزم على عدم العودة لهذه الذنوب وسيغفر .. سيغفر لإنه غفار رحيم تواب رؤوف فأطمعي في كرمه ومغفرته.
واستدار ليغادر، عندما اوقفه قولها الذي كان كالصاعقة التي هوت على قلبه بغتة:
بلال، تشتغل عندي؟
رواية والتقينا الفصل العاشر 10 - بقلم ندى ممدوح
"بلال، تشتغل عندي؟"
توقف بلال متجمد الأطراف، وطلت من عينيه نظرة نارية استطاع حجبها في بارعة، وهو يلتفت إليها في بطء، مغمغمًا بصوت أجش:
"نعم! أشتغل عندك؟! أنتِ واعية بتقولي إيه؟"
تلاحقت دقات قلب إسراء في سرعة عجيبة، وهي متسعت العينين، فاغرة فاه إزاء ما قالت من حماقة لن يمررها هو مرور الكرام، فازدردت لعابها تهتف بصدق مس قلبه:
"مش أقصد والله، أنا مش بعرف أقول كلمتين على بعض، صدقني مش ده قصدي، أنا كان قصدي تشتغل معايا..."
صمتت تكتم فمها بكفيها في ذهول مما تتفوه به، وأطرقت سريعًا كأنما تخشى عيناها ملاقاة عيناه، وحانت منها نظرة إليه، فرأته يتأملها في صمت، ولم تكد عيونهما تلتقي، حتى حوَّل بصره عنها، فأسرعت تقول:
"يووه بجد أنا مش عارفة أطلب، متفهمنيش غلط، أنا أقصد إني..."
"إسراء، مين ده؟ وبيعمل إيه هنا؟"
انطلقت هذه العبارة من بين شفتي ندى وهي تكد تدخل إلى الحجرة، فاستدار لها بلال ورمقها بنظرة سريعة وعبر من جوارها منصرفًا، فدَلفت ندى إلى الداخل مندهشة، وهي لا تزال تنظر إلى أثر بلال في تعجب، وتمط شفتيها بعبوس، وتتساءل لنفسها بصوت مسموع:
"إيه اللي جابه تاني هنا؟!"
والتفتت إلى إسراء، قائلة:
"أنتِ تعرفي الشاب اللي لسه خارج ده؟"
فانبلج ثغر إسراء ببسمة حالمة، وقالت مأخوذة:
"وهل يخفى القمر؟"
رفعت ندى حاجبها، فاستدركت إسراء بضحكة مفتعلة:
"ده بلال اللي كلمتك عنه، فاكرة؟!"
دنت ندى منها، وهي تقول بوجه باش، وصدر منشرح:
"فاكرة! إلا فاكرة طبعًا، وبعدين هو نفسه اللي اتبرع لك بالدم."
تطلعت إسراء إليها طويلًا، ثم استلقت على الفراش وتدثرت بالملاءة البيضاء، وقالت مشدوهة:
"اتبرع لي! يعني دم بلال دلوقتي في جسمي؟!"
وضمت جسدها بكفيها، وأحسَّت بدفء غريب يسري في كامل أوردتها.
بينما رمقتها ندى بذهول، وأزاحت خصلة من شعرها، تهَدَّلت فوق جبينها، وهي تقول:
"بس شكله كده بيحبك."
ولم تستمع إسراء لقولها، كانت غائبة بذهنها، بعيدة كل البعد عن الحاضر والماضي والمستقبل، كانت تتأمل فقط صورته..
صورته التي تجسدت في خلدها..
أترى هل يشعر بما تشعر به..
هل خامره شعور الدفء الذي سرى في أوردتها الآن ما أن علمت إنها تملك جزءًا منه..
هل علم إنه موطنها وإنها لن ترتحل عنه؟!
ستظل كما قالت له يومًا كالعلكة لا تُنزع إلا قسرًا.
"طيب بما إنك هترجعي مع ندى، فهسبقك على البيت، هخليهم يحضرولك كل الأكل اللي بتحبيه."
قال تلك العبارة، والد إسراء بعدما رفضت أن يوصلها هو، فتبسمت له، قائلة:
"تسلم لي يا بابا، ربنا ميحرمنيش منك يا حبيبي."
فوضع أبوها كفيه على كتفيها، وغمغم في حنان نادرًا ما تراه:
"ولا يحرمني منك يا حبيبتي، أنا مليش غيرك، واللي عمل فيكِ كده، هندمه على اليوم اللي اتولد فيه."
فمسحت إسراء على ذراعيه، وقالت:
"بلاش تفكرني يا بابا، يلا بقى روح اسبقنا وإحنا هنلحقك."
قبل أبوها جبهتها وغادر، وخرجت هي مع ندى، وقبل خروجهن من باب المستشفى، توقفت إسراء وهي ترى بلال يتكئ بظهره على جانب السيارة، منشغلًا في هاتفه، وخفق قلبها في عنف وهي تتأمله في وجد، قائلة ببسمة بزغت على محياها:
"جه."
فتوقفت ندى واستدارت لها، قائلة:
"مالك وقفتِ ليه؟"
فأشارت إسراء برأسها شطر بلال، فرمقته ندى بنظرة سريعة، وقالت:
"آه فهمت، وبعدين؟!"
نهرتها إسراء بنظرة زاجرة وهي ترى بلال مقبل نحوهن، وتبسمت في وجهه وهي تخطو نحوه، فبادر قائلًا:
"جيت أوصلك."
لم تحر إسراء جوابًا، فظلت تتأمله في وله، حتى لكزتها ندى، مغمغمة في حنق بصوت هامس:
"أنتِ يا بنتي قولي حاجة."
فرمقتها إسراء بنظرة سريعة، قبل أن تحيد ببصرها إلى بلال، تقول ببسمة خجلة:
"هتوصلني أنا؟! معنديش مانع طبعًا."
والتفتت تمد يدها إلى ندى لتأخذ منها الحقيبة، قائلة:
"هاتي أنتِ الشنطة يا ندى، وروحي وأنا هاجي مع بلال."
فنفت ندى قائلة وهي تغمزها بمرح:
"لا، لا روحي أنتِ وأنا الشنطة هجيبها معايا، يلا مع السلامة."
صعدت إسراء في سيارة بلال وانطلق هو بعدما أملته العنوان، وخلال الطريق لم ينبس أيهما ببنت شفة، إلا من نظرات مختلسة كانا يتبادلها عبر مرآة السيارة الأمامية، أما إسراء فكانت مترددة أتشكره أم لا؟!
ها هو ذا فعل ما كانت تبغاه!
وما لم تدرك كيف تقوله عندما جاءها!
للحب مشاعر قد لا تدركها الأبصار، لكن تدركها القلوب لا ريب.
رفعت بصرها إلى المرآة فتلاقت أعينهما، لكنه أخفضهما سريعًا، متحاشيًا النظر إليها...
فودت لو تسأله، لِمَ يوارى وطنها عنها؟!
ألا يدرك أن في عيناه مسكنها؟!
في عينيه ترى سعادتها، ترى قدرها، وترى عمرها.
فاقت إسراء من غمرة شرودها على صوته، الحاني وهو يردد:
"إنهاردة ارتاحي وبكرة محتاجك في موضوع ضروري."
فهتفت في انفعال:
"محتاجني أنا؟!"
رد بلال مغمغمًا في استخفاف:
"أيوا محتاجك أنتِ أكيد مش خيالك يعني."
فزمت شفتيها بعبوس، ورددت في اهتمام:
"طب ما تقولي دلوقتي؟"
فرد عليها بلال بضيق:
"قلت بكرة لما تستريحي، وخلاص."
"طيب."
رنت إليه بغتة، تقول في شغف:
"تعرف حد بيحفظ قرآن ويعلمني الصلاة عن الرسول والعلوم الشرعية؟!"
فتجمد بصره على ملامحها في المرآة بصدمة، قبل أن يصك أذنه بوق سيارة من الخلف تحثه على التنحي، فتنبه صابًا جام اهتمامه على الطريق، وهو يقول:
"معرفش حد معين، بس هسألك سهير إن شاء الله وأميرة."
لم يعرف ما الذي خامر نفسه تلك اللحظة بالذات، أهو شعور فرح باهتمامها بأمور دينها؟! أم أنه حبها الذي حل في السويداء من القلب دون أدنى إنذار؟!
انتزعه سؤالها في إلحاح:
"بلال.. بلال بكلمك روحت فين؟"
فسألها دون أن ينظر إليها:
"بتقولي حاجة؟"
فهزت كتفيها، وهي تقول:
"كنت بسألك سهير عاملة إيه؟"
رد بإيماءة من رأسه:
"بخير الحمد لله."
فتنهدت بصوت عميق، وهي تقول بنبرة فيها رجاء:
"ممكن بكرة توديني عندها عشان نفسي أشوفها أوي، واطمن عليها."
أراد بشدة أن يرفض!
أن يصرخ في وجهها بـ لا.
لكن نبرتها الرقيقة لامست شغاف قلبه، فقال باستسلام:
"حاضر."
ووصلا، وتوقف بسيارته على جانب الطريق المواجهة للبناية الساكنة فيها، وقال:
"وصلنا، هديكِ رقمي عشان لو احتجتي حاجة أو روحتي أي حتة تكلميني."
تلاحقت دقات قلبها في عنف، حتى شعرت إنها مسموعة، وأملى الرقم على مهل لرغبة في نفسه، وغادرت السيارة وهي تلوح له مودعة، وظلت واقفة ببصر متعلق بسيارته التي انطلقت مبتعدة حتى غابت عن الأنظار.
لم تكد إسراء تدخل إلى المنزل، حتى أوقفها أبوها وهو يقف وراء النافذة، يقول بنبرة غامضة:
"هو دا بلال اللي وصلك؟! باين عليه ابن حلال."
فالتفتت إليه وكأنما شعر هو، فحل عقد كفيه من وراء ظهره وهو يستدير إليها، ولم يخف عن عينيه شحوب ابنته، التي تسمرت أمام عيناه في وجل، واكتست ملامحها بالخوف والاضطراب، لكنه تبسم وهو يقترب واقفًا أمامها، وسألها في هدوء:
"بتحبيه؟"
فرفعت إليه عينان زائغتان، متحيرتان، وغمغمت في تردد:
"بحبه آه.. لا.."
كادت تستأنف حديثًا متلعثمًا، ألا إنه سبقها، قائلاً:
"ربنا يقدم لك اللي فيه الخير، ادخلي استريحي يا حبيبتي لحد الأكل ما يجهز عشان نأكل سوا، ندى ادتني شنطة هدومك هتلاقيها جوة على سريرك."
وفرت من أمامه، لتتمدد على فراشها، وتعقد ساعديها أسفل رأسها، وتنخرط في التفكير المتحير إزاء تصرف أبيها المثير للشك!
في اليوم التالي، أرسل إليها رسالة؛ فحواها إنه بانتظارها أمام البناية، فهبت من فورها وارتدت ملابسها على عجل، ووقفت أمام المرآة تصفف شعرها، وتلف خمارها وتخرج من غرفتها، ببسمة مرتسمة على وجهها في أجلى صورها، لم تلبث أن تلاشت مع صوت والدها الجاف:
"رايحة فين؟"
فرفعت بصرًا خائف إليه، فنزع هو عيناته وطوى الصحيفة وركنها جانبًا، ونهض من مكانه ببطء، وسار نحوها حتى وقف قبالتها، وقال بنبرة مبهمة سرت قشعريرة في بدنها:
"مع بلال صح؟ هو مستنيكِ تحت!؟"
فتلبكت وتحير بصرها، وقالت في تردد:
"أيوا هو عايزني في مشوار وكمان هيوديني معهد بيحفظ قرآن."
حاولت أن تستشف ما يعتمل في صدر أبيها، أن تسبر أغواره وتتوغل بداخله، لكنه كان داهية ما يجيء به صدره لا يطفح على ملامحه قط، ولم تفتأ ملامحه عن الجمود، وإمعان النظر فيها، حتى تبسم فجأة في هدوء، وافتعل ضحكة قصيرة، وهو يقول خلالها:
"طيب روحي يا حبيبتي، وابقي اعزميه على العشاء النهاردة حابب اتعرف عليه جدًا."
ثم غمز لها بعينه، وهمغم:
"وكمان عشان نقرب البعيد، ولا إيه؟"
فارتسمت بسمة خائفة على وجهها، وأطل من عينيها نظرة شاحبة، وهي تتساءل في نفسها: تُرى ما الذي ينويه أبي؟! ما الذي يبغى الوصول إليه؟! يا إلهي كم تخاف ذاك الرجل برغم إنه أبوها.
ودعت أباها بعد ذاك، وهبطت درجات السلم كفراشة ترفرف بجناحيها، وقد تناست لحظات القلق والاضطراب مع أبيها، وكل ما يشغلها إلا بلال..
بلال فقط..
الذي كان يجلس داخل سيارته، يطرق بسبابته على نافذة السيارة في حركة رتيبة مستمرة شاردة، حتى تسلل صوتها إلى أذنه وهي تجلس في المقعد الخلفي:
"صباح الخير."
فردد دون أن يلتفت إليها:
"صباح النور."
كانت عينيها مرهقتين من قلة النوم بسبب التفكير في هذا اللقاء، الذي سلبها عقلها، وأسرعت فورًا تسأله:
"ها موضوع إيه اللي محتاجني فيه؟"
فرد عليها بإيجاز وهو ينطلق بالسيارة:
"نقعد في أي مطعم ونتكلم."
ثم أردف يقول بنبرة لينة حنونة:
"بس عاملة إيه دلوقتي؟"
أدهشتها نبرته التي تبدلت في ثوانٍ معدودات، فتبسمت تجيبه في هدوء:
"الحمد لله."
توقف بسيارته أمام مطعم نائي قليل الرواد، بل شبه منعدم في ذلك الوقت من الظهيرة، والشمس تتكبَّد عنان السماء، وحرارتها ملتهبة تلسع الأجساد، وهبط هو من السيارة ودار حول مقدمتها، وبدورها ترجلت هي، وسارت إلى جواره، إلى داخل المطعم، وجلسا على طاولة منفصلة بعيدة، وطلب له قهوة وعصير لها، ثم سألها فجأة وهو يميل بجذعه على الطاولة، مشبكًا كفيه أمام وجهه:
"مين اللي عايز يقتلك بالضبط؟!"
أدهشها سؤاله، وتراجعت في مقعدها في حدة، ووجدت نفسها تتطلع إليه في صمت عجيب، وهي متسعة العينين..
وقد أصابها الإحباط،
ربما من صدمة السؤال..
أو لدهشته..
أو لاهتمامه لهذا الموضوع..
أو لإنها لم تتوقعه!
وعاد يكرر السؤال على مسامعها في عصبية:
"ما تنطقي يا بنتي في إيه؟"
ران عليهما الصمت والسكون طويلًا،
وإسراء تتطلع إلى بلال في دهشة، وتوتر، وحيرة.. ودون أن تنبس ببنت شفة، حتى طرقع بإصبعيه أمام وجهها، وهمغم في حيرة:
"أنتِ يا بنتي، في إيه؟"
فتيقظت من شرودها، وهتفت وهي تهز رأسها:
"أنت بتسأل ليه؟"
فغمغم بلال بنبرة جافة:
"عادي يعني عاوز أساعدك."
فتنهدت في عمق، وهي ترتشف من كوب العصير على مهل، ولم تزائلها دهشتها، وتمتمت:
"أنا معرفش أصلًا، ومليش عداوة مع حد، ومقدرش أشك في حد معين."
فأعاد بلال فنجان قهوته مكانه، وتراجع في مقعده في تراخٍ، وأسدل جفنيه لوهلة، قبل أن ينظر إليها، قائلاً باهتمام:
"إسراء.. أنتِ حد حاول يقتلك في استديو تصوير، عارفة ده معناه إيه؟"
هزت رأسها نفيًا، فزفر على مضض، وأضاف:
"معناه إن الشخص ده حد من فريق العمل، له حرية التنقل في المكان من دون ما يثير الشكوك عليه."
ثم أردف يقول بعد هنيهة من الصمت:
"فكري مين ممكن يعمل كده حد تعرفيه ويعرفك!"
زمت إسراء شفتيها، وترقرقت دمعة حزينة في مقلتيها، وقالت بهمس حزين:
"صدقني معرفش، مش هقدر أشك في حد معين، كل الفريق دون استثناء مميز وكلهم ناس طيبة."
أومأ بلال ولم ينبس طويلًا، وأطل الحنان من عينيه إزاء تلألأ الدمعات في حدقتيها، وقال بحنو ورفق:
"عمومًا أنا جنبك لحد ما نعرف مين بيحاول يقتلك."
حنان عينيه له دفء غريب يعانق روحها..
يتسلل إلى قلبها بضمة حنونة..
يحتويها كوطن رحل عنه الأحبة والأغراب وظلت هي.
وقال باسم الثغر وهو ينهض:
"يلا تعالي هوصلك عشان تشوفي سهير، هي عندنا النهاردة وبعدين أوديكِ المعهد وأرجعك البيت."
في بساطة يستطيع هو إخراجها من أعتى الأحزان..
وبكلمة بسيطة رقيقة يرسم البسمة على وجهها.
وببسمة من شفتيه يمحو كل مر مر على قلبها الهش.
وراقبته وهو يخرج من جيبه المال ويضعه على الطاولة ثم يشير إليها بالانصراف، فلحقت به واستقرت بجانبه في السيارة وفي أعماقها ودت لو تقول له (في غربتي لم أجد إلا عيناك وطنًا).
الفؤاد نادرًا ما يفرح، نادرًا ما تطفو بسمته على الشفاه، وتسفر سعادته في العيون، هو لمامًا ما يخامره السرور.
وهي لأول مرة تعرف معنى سرور القلب.. بهجة حناياها وسكينة سويداءه ودفء القلب شيء مميز لا يحياه المرء دائمًا..
وها هي ذي يغمرها دفء رائع ما أن حلت في بيته، ووسط عائلته، لقاؤها مع سهير كان عامرًا بالعاطفة.
"أنا ليه حاسة إن بلال شاف حلقة البرنامج بتاعتك، وعارف إنك بتحبيه!"
قالتها سهير بلهجة مبهمة، وهي شاردة النظرات.
ففغرت إسراء فاه، واتسعت عينيها حتى بلغتا الذروة، وطالعتها في صمت ذاهل، وقد أدهشتها عبارتها، وودت لو إنها فقط تهذي، ونطقت عندما استردت قدرتها على الكلام:
"مش بلال مبيسمعش على التلفزيون؟"
قالت سهير مؤكدة:
"أيوا فعلًا.. بس عندي إحساس إنه سمع حلقتك دي."
ازدردت إسراء لعابها، وأطل الوجل والجزع من عينيها، وهي تردد في شحوب:
"إيه اللي خلاكي تقولي كده؟"
هزت سهير كتفيها، وهمغمت في بساطة:
"بسيطة؛ لأنه جالك المستشفى، واليومين اللي فاتوا مكنش على بعضه حتى إنه مكنش بيطمن عليَّ زي ما كان بيعمل."
أسدلت إسراء جفنيها في وهن، وهي تقول:
"عايزة أشوف الحلقة."
لم تفهم سهير سر ذاك الشحوب الذي اعترى إسراء، ولا سبب إصرارها على مطالعة الحلقة، وهي تلتقط هاتفها، آتية بها وتسمعها في اهتمام، حتى جاء المقطع التي اعترفت فيه بحبها لبلال، فلطمت خدها وهي تهتف في شحوب:
"يلهوي يلهوي إيه اللي أنا عملته ده؟! يلهوي أنا اعترفت إني بحبه قدام الناس كلها، علنًا على الملأ، قدام التلفزيون والكاميرات..."
لم تستوعب إسراء ما اقترفته في حق نفسها، بدت كأنها أحدٌ آخر وليست ذي التي اعترفت له بحبها على الملأ، وتضرَّج وجهها بلون الخجل، وهي تتأهب للمغادرة برفقته ومن كثرة توترها وارتباكها، طفقت تمسد على ذراعها بدفء رغم حرارة الجو الساخنة، في هذا الشهر من الصيف، لكنها كانت تلك عادتها كلما توترت.
ولم تكد تعبر الباب إلى الخارج وهي في غمرة شرودها، وتحت وطأة إحراجها، توقفت عندما تلاقت مع عماد الذي كاد يدخل فتوقف بدوره، وصاح في حماس بنبرة تثير الإشمئزاز:
"الممثلة إسراء الشهاوي هنا بنفسها مرة واحدة، واللا ولعبة معاك يا أسطى يا بلال يا بن المحظوظة، يا أهلًا يا أهلًا."
وصد عليها طريق الخروج، وهو يبتسم بسماجة، مضيفًا:
"رايحة فين يا ست الكل ما تخليكي مشرفانا!"
تلجلجت إسراء في الكلام، لم تدرك بما تجيب، وقد توغل الخزي إلى نفسها، وهي تسترق نظرة إلى بلال المنشغل في إدارة محرك السيارة، فأعادت بصرها إلى عماد الذي لم ينتظر إجابتها، بل مال عليها بصورة مفاجئة أدهشتها وجعلتها تتراجع للخلف تلقائيًا وتزجره بنظرة حادة، بينما هو يقول في تودد:
"بقولك بما إنك حبيبة العيلة وكده وأنا من العيلة، ما تشوفولي شغل كده أكسب منه.."
وحرك إبهامه فوق إصبعيه أمام وجهها بطريقة تعني المال، فلم تحر جوابًا وهي تطلع إليه ذاهلة، قبل أن تؤمئ ببطء، قائلة بشحوب:
"تـ.. تمام."
فسألها:
"نتقابل أمتى يا قمر عشان تقوليلي على الشغل."
أملته إسراء رقمها سريعًا، وهي تنظر إلى بلال المقبل عليهما، وعلى وجهه إمارات الضيق جلية، وأمرها في حدة أن تصعد السيارة.