تحميل رواية «والتقينا» PDF
بقلم ندى ممدوح
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
نسمة ريح طيبة هلت، باردة منعشة تترع فؤاد المرء بالسرور والانتعاش، تطاير على إثرها وريقات الشجر اليابس التي تساقطت فوق الأرض، زقزقة العصافير تطرب الأذان وهي تحوم حول إحدى المساجد، الشمس لم تتكبد عنان السماء، لكن ضوء الصباح ملأ الأفق بلون جميل مريح للنفس. برز شاب على أسكفة المسجد، يرتدي حذاءه اللامع السواد، ولسانه يردد بخشوع بعض الأذكار، وانتصف واقفًا وقد أسبل جفناه ملتقطًا نفسًا عميقًا من هواء الصباح ماليئًا به رئتيه، وزفره بتمهل، ولسانه لا ينفك عن ذكر الله، وعبر باب المسجد بخطوات هادئة رصينة، ثم...
رواية والتقينا الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ندى ممدوح
خرجت إسراء من معهد القرآن والبسمة تبزغ على محياها، فبدت كالسراج المنير، عينيها تشعان بهجة وسرور، تطل منهما نظرة متلألئة كأنما ملكت الدنيا وما فيها. تيبست قدماها عندما لم تجد سيارة بلال، وتوقفت تفتش عن وجهه بين وجوه المارة، وقد تسلل إلى قلبها هاجس غيابه.
مسحت بكفيها بطول ذراعيها من شدة التوتر الذي استبد بها، لكن صرير سيارة مسرعة ومكابح صكت أذنيها، ووجدت سيارته تقف أمامها، فاتسعت ابتسامتها، وقد استردت حيويتها وشغفها، وعادت عيناها تتلألأ بلمعة السرور. كانت كالفراشة وهي تتجه إلى السيارة بعدما فتح لها بلال الباب، وهو يسألها في حيرة:
"تأخرت عليكِ ولا إيه؟"
فردت عليه وهي تغلق الباب وراءها:
"لا، لا أبدًا."
فانطلق بلال بالسيارة ولم ينبس ببنت شفة، كان قد راعه تلك السعادة التي تنطق بها كل خلجة من خلجاتها، وود لو يسألها لكن الإحراج قد منعه، فلاذ بالصمت، آثرًا السكوت.
لكنها بغتة عقدت ساعديها، وقالت بخجل:
"حفظت سورة الفاتحة، تصدق إني كنت حافظها غلط؟!"
فلم يدرك لوهلة بما يجيبها، واسترق نظرة شطرها من مرآة السيارة، وقال في هدوء مشوب بالعاطفة:
"الحمد لله، وبلاش تبص لحياتك اللي فاتت، اللي فات خلاص فترة مضت وماتت، فأغتنمي الأيام الجاية بكل ثانية فيها."
فسألته بنبرة حزينة:
"هيقبلني؟"
فأومأ وهو يرمقها بنظرة حانية، مغمغمًا:
"هيقبلك إن شاء الله."
فأسبلت جفنيها، واسترخت في مقعدها، وأسندت رأسها إلى ظهر المقعد، شعور جميل كان يحتل السويداء من قلبها. شعور إنها قد ولدت لأول مرة بدون ذنوب أو معاصي أو آثام، وودت لو يظل هذا الشعور في صميمها أبد الدهر.
تنهدت وهي تفتح جفنيها لتطلع فيه عبر المرآة، وقالت بشغف:
"وعرفت حادثة شق صدر الرسول ﷺ؟"
فسألها بلال في اهتمام:
"لما كان في منزل السيدة حليمة؟"
هزت رأسها في حماس عدة مرات، وسألته وهي ترنو إليه بنظراتها:
"أيوا، هو بيتشق صدره مرة تاني ولا إيه؟"
فرد بلال بإيجاز وهو منشغل في الطريق أمامه:
"أيوا."
ولم يزد حرفًا، فخيل إليها إنه سيكتفي بذاك القادر من الكلام، وعبست، لكنه تنحنح قائلًا وهو ينحرف يمينًا:
"في حادثة لشق الصدر في ليلة الإسراء والمعراج، واللّيلة دي أحداثها كلها عظيمة مش بس شق الصدر.. يعني مثلًا ماشطة ابنة فرعون."
فقاطعته مكررة بذهول:
"ماشطة ابنة فرعون!"
رمقها بلال بطرف خفيّ، وغمغم:
"امرأة بتسرح الشعر."
لم تنبس إسراء، وأطلت من عينيها كل الشغف لمعرفة قصتها، ولم يطل انتظارها، فقد استرسل بلال بصوت رخيم:
"في ليلة الإسراء، هبت على رسول الله صلى الله عليه وسلم رائحة طيبة، فسأل جبريل عليه السلام عنها، فقال له إنها رائحة بنت فرعون وأولادها، فسأله الرسول عن شأنها وسر رائحتها الطيبة، فقال جبريل إنه وبينما هي تمشط شعر بنت فرعون ذات يوم، إذ سقطت من يدها الأداة التي تمشط بها، فمدت يدها لتلتقطها ولسانها يلهج بـ 'بسم الله'، فتعجبت بنت فرعون وسألتها إن كانت تقصد أباها فرعون، فنفت المرأة وأخبرتها إن الله هو خالقها وخالق أبيها، فأخبرت بنت فرعون والدها."
سكت بلال لهنيهة، ثم أردف يقول:
"دعا فرعون الماشطة وسألها إن كانت تعبد ربٌّ غيره، فتسلحت بالإيمان وشُحن فؤادها باليقين وهي تؤكد له إنها تعبد الله الذي خلقها وخلقه وخلق الناس أجمعين."
ولاذ بالصمت، وانتفض قلبه انتفاضة قوية متأثرة حزينة، وسرت رجفة عنيفة في كامل جسده، وهو يضيف بصوت طغى عليه الوجد:
"أمر فرعون بقدر كبير مليء بالزيت ووضعه على النار، وانتظر حتى بات الزيت يغلي، وجاء بها وبأولادها الخمس، وأوقفهم أمام القدر وسألها أن تكفر بالله، فأبت بأنفة، وكان من بين أولادها طفل رضيع تضمه إلى صدرها، وطلبت عندئذ من فرعون أن يجمع عظامها وعظام أولادها في قبر واحد، فوافق. ورأت ما لا يتحمله قلبه، ولا يتصوره عقله، ولا يدركه بصر، رأت بعينيها أولادها وفلذة كبدها وهم يلقون في القدر. أبصرت انصهار لحومهم وتشوه وذوبان ملامحهم، رأت عظامهم. فيا قسوة القلوب! كيف هان على فرعون فعل ذلك؟ مما قُد قلبه؟! لن نقول من صخر، فالصُّم الصلاب تملك رحمة ربما عنه."
"وعندما جاؤوا لإلقاء الطفل الرضيع، تقاعست، رفضت أن تعطيهم إياه، لم يستطع فؤادها على ذلك، فتشبثت به وضمته إلى قلبها، عندئذ أنطق الله سبحانه وتعالى الصغير، فقال لها: يا أماه اقتحمي فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فأقتحمت."
سكت بلال مليًا، وبدت في عينيه دمعة أسى جاهد لإخفائها، ففرت إلى حيث جاءت، وحانت منه نظرة في مرآة السيارة، فرأى إسراء تحجب وجهها بين كفيها، وتناهى له صوت نحيبها، فلم ينبس حتى هدأت، وقال:
"ما يساوي عذاب الدنيا أمام عذاب الآخرة؟ ما تضاهي نار الدنيا إزاء نار جهنم؟ ما الحياة التي يتمسك بها الإنسان؟! أولاء الناس كانوا يبتغون إعلان إيمانهم أن يعبدوا الله على الملأ دون خوف من أن يعلم أحد فيحاول ردعه عن دينه، ذاقوا سوء العذاب، أما الآن فنحنُ نعلن إسلامنا في كل فخر، لكن من منا يتبع رسوله؟ لا يهجر قرآنه؟ يؤدي فرضه؟ تطيع ربها فيما أمر؟!"
أخذ بلال نفسًا عميقًا، وظل لحظات صامتًا مصوبًا بصره على الطريق، قبل أن يسترسل في هدوء:
"يا حظ من كانت على الثبات مثل ماشطة ابنة فرعون، لا تخجل إن ارتدت النقاب، ولا تجزع من كلام الناس إن قالوا لها (تبدين كبيرة، ما هذه الخيمة، وكيف تتزوجين؟) ليتنا نتمسك بديننا وبكل أوامره، ليتنا ندرك إن الحياة فانية، وذات يوم بل ذات لحظة خاطفة سيسرقنا ملك الموت ولن نودع حتى الأحبة، سنجد أنفسنا نعاني من السكرات بمفردنا، ثم ندخل القبر الحالك السواد وحدنا، وسنبعث وحدنا، لن يدفع عنا عذاب الله أحد، ومراحل الموت والبقاء في القبر ويوم القيامة كلها أشياء مهيبة على الإنسان أن يعمل لها قبل موته.. الموت آت والحساب آت، ثم يا جنة يا نار، لا ثالث لهما."
ولم يلبث أن خيم عليهما السكون، كان بلال شارد البال، يتخيل ماشطة بنت فرعون متعجبًا، قتل فرعون زوجها عندما آمن بموسى وكتمت هي إسلامها، ثم يحدث ما حدث، فلا تخش أن تقول بكل إصرار إنها على الإيمان، إنها تعبد الله وحده سبحانه وتعالى.. كان ممكن أن تنجو.. أن تكذب لتحيا هي وأولاده، لكن الإيمان في قلبها كان أكبر من كل شيء.. أكبر من فرعون، والوَجل منه.. لم تخش حينها إلا الله، فلم يجعلها الله تتزعزع، وعندما جزع فؤادها المكلوم على رضيعها الذي كاد للتو يلتقم ثدييها، فثبتها الله، لم يجعلها تتضرع ولا تهان أمام فرعون وجنوده، ومن معجزة الله فقد جعل الرضيع يتكلم.. يا لها من قصة لمن تأملها.. ولمن قصها على القريب قبل الغريب.
سكت بلال زافرًا في هدوء، وساد بينهما الصمت، وفجأة بدا التردد على وجه إسراء، وفي انفراج شفتيها، ثم حسمت أمرها وتمتمت في تردد ظهر جليًا في صوتها المتلعثم:
"بلال أنا ممنونة ليك بأسف!"
"على إيه؟"
غمغمت كمن على وشك البكاء، وهي مطرقة الرأس:
"أنت كنت هتتسجن بسببي."
"فداكِ، فداكِ أي حاجة وكل حاجة ممكن تحصلي، فداكِ عمري كله، فداكِ روحي."
قالها بلال محادثًا نفسه ما أن لامس قولها قلبه، وود لو تخرج تلك الكلمات من بين شفتيه، لكنه بدلًا عنها، غمغم، غاض الطرف عنها:
"حصل خير، مكنش ذنبك."
فتلعثمت وهي تتمتم:
"ولكن.."
فقاطعها قائلًا ناهيًا حديثها وهو يوقف سيارته على جانب الطريق:
"وصلنا.. سلام."
فتنهدت وقد وصلها بغيته في إنهاء هذا الحوار، وفتحت الباب، وقبل أن تترجل، استدارت له قائلة في استدراك:
"بكرة عايزة أروح أطمن على خالتي.."
ونكصت رأسها في خجل من نفسها وهي تتابع:
"لأن ليّ كتير مشفتهاش ونسيت صلة الرحم..."
ورفعت عينيها إليه، تضيف:
"هتقدر توصلني بكرة؟"
فرد بلال في بساطة:
"آه إن شاء الله، عندي مقابلة عمل هخلصها وأجيلك."
فأكتفت بأن أهدته بسمة عذبة، وهي تترجل عن السيارة، وتميل من النافذة، قائلة:
"ابقي سلم لي على مامتك وسهير."
فأجابها بهزة رأس:
"يوصل إن شاء الله."
"إذن أنت بلال؟"
جاء الصوت من وراء إسراء، التي التفتت في ذعر إلى أبيها، الذي أشار إليها قائلًا:
"اطلعي أنتِ يا حبيبتي، عايز أتعرف على بلال."
التفتت إسراء مذعورة إلى بلال، الذي ترجل من السيارة ودار حول مقدمتها وتوقف أمام أبيها في صمت، فنقلت بصرها بينهما في حيرة، وَوَجَل، وصافح والدها بلال ببسمة رزينة، وهو يقول:
"تشرفت بمعرفتك يا بلال، وبشكرك على مساعدتك لبنتي."
ولم ينتظر إجابته، فقد التفت إلى إسراء وكرر كلامه الذي قاله آنفًا:
"اطلعي أنتِ يا حبيبتي."
وزجرها بنظرة رادعة، فازدردت لعابها وهي ترمق بلال بآخر نظرة ثم تستدير سائرة إلى داخل البناية وتختفي في داخلها، بينما بلال يتبسَّم بسمة مجاملة وهو يقول بصوت أجش:
"شكرك وصل في السجن."
افتعل الرجل ضحكة قصيرة، وهو يغمغم:
"الحكاية مش كده، كنت مفكرك شاب عابث بتتسلى ببنتي."
حاول بلال أن يستشف ما يعتمل بداخله، لكن هيهات، الرجل كان كالطود العظيم ذو ملامح متجمدة ونظرة ثاقبة يصددها نحوه، وعندما لم يفلح، قال:
"مأظنش الحكاية كده، دا مش مبرر."
"ربما، اقبل اعتذاري طيب، وبجد تشرفت بمعرفتك."
رد بلال عليه بكلمات موجزة ثم استأذن منصرفًا.
أمضى بلال ليله يتقلب أرقًا كأنما المرجل يغلي بين جوانحه، وعبارة أمه تدوي في رأسه كصليل الجرس: "إوعي يا بلال تغضب ربك، الواحد ميضمنش إمتى هيجيله ملك الموت، إحذر يجيلك وأنت عاصي ولا أثناء ذنب."
كانت مجرد كلمات، لكنها في قلبه لم تكن كذلك، لقد خربت قلبه وقلبت خفقاته كأنها صاعقة صعقته صعقًا، لم يستطع حينها أن يجيب والدته فقد بُهِت وظل يحدق في وجهها كالمأخوذ.
ما الذي حصل له؟ لماذا يشعر بالتغيير قد أصابه؟ كأنه لم يعد يعرف نفسه؟! كإنه أمام إنسان آخر! منذ متى وهو غافلًا عن نفسه؟! منذ متى وهو يسمح لعينيه أن تستبيح نظرًا لما ليس لها؟ ألم يكن دائمًا يتجنب النظرات، غاض الطرف، وغاض القلب أيضًا؟ بلى، فؤاده كان محفوفًا بتميمة تحرسه دائمًا من أن يطرقه حب أو إعجاب! وعيناه كانت دائمًا ملبَّدة بالخشية من الله سبحانه وتعالى.
لماذا سمح لنفسه الآن إذن؟! إذن! فهو يستحق تلك الانقباضة المؤلمة في قلبه، يستحق فجيعه في كل شيء وقد عصى ربه!
رفع كفيه إلى السماء، وعيناه تفيضان من خشية الله، وأخذ يجأر إلى الله بصالح الدعاء، وخالص الرجاء.. ثم نوى الصيام، فـ للصائم دعوة لا ترد، ربما يستجيب له الله ويعفو ويغفر.
من آنس بالقرآن، وبجنب الله، وأحب ظمأ الهواجر، ما هو بتارك لهم أبدًا، فبهم تطيب القلوب، وتسكن الأرواح، بهم الراحة والرضا. يا آسفاه على من لم يأخذ من القرآنِ قراءة وحفظًا وتفسيرًا خليلًا، فقد خاب وخسر. لقد خسر جنة الله على الأرض.
كان بلال قد أنهى مقابلة العمل، والتي لم يوفق فيها، وعلم على الفور إن ما منع توفيقه ما هي إلا ذنوبه، فأمضى يومه لاهجًا بالاستغفار طيلة اليوم، كالح الوجه عما اقترفه في حق نفسه، حتى عندما أوصل إسراء لم يرفع عيناه فيها قط، لم يبادلها كلمة واحدة، بدت كغريبة عنه، رغم إنها حبيبة القلب، وحبة الفؤاد، ومن يسبغ عليها بوارف حنانه ورعايته، لكن إذا أحب العبد شيئًا تركه لله، فعسى الله أن يرزقه بها أو خيرًا منها.
وها هو ذا يأتي ليأخذها في دُجى الليل، يغشاهما السكون في السيارة، لم ينبث أيهما ببنت شفة، تحيّرت إسراء إزاء معاملته الجافة، كأنما يضيق بها ذرعًا، وإنها شيء ثقيل على نفسه، وأثرها هذا الشعور بالضيق، وهي تخرج إحدى الروايات من حقيبتها، وتعكف على قراءتها.. ربما لتتناسى جفاءه؟ أو ليمر الوقت!
وفجأة جاءها صوته، يسأل بذات الجفاء:
"بتقري إيه؟"
فردت دون أن ترفع عينيها عن ضلفتي الكتاب:
"رواية."
فغمغم بلا اهتمام:
"وما فائدة القراءة إن لم يكن منها نفع؟!"
فرفعت عينيها إليه في دهشة، بينما يسترسل هو، قائلًا:
"حذار فإن العين ستحاسب عما تقع عليه من قراءة، فيجب إن يكون ما تقرأيه خالٍ من أي ما يثير العاطفة، وشهوة المرء، وحذار أن يكون في صحيفتك ما لا يسرك أمام الله، وخافي فـ {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ} {كِرَامًا كَاتِبِينَ} [سُورَةُ الانفِطَارِ: ١٠،11] فثمة علينا جميعًا ملائكة تراقب أفعالنا وأقوالنا وحركتنا، رقباء على كل سكناتنا وهمساتنا يكتبون كل شيء عنا."
وسكت، وعاد بصرها ذائغًا إلى الرواية وانكبت عليها شاردة الذهن، متغيبة العقل.
انتزعها من شرودها توقف السيارة، وترجل بلال عنها وهو يتأفف، فأطلت برأسها من النافذة وهتفت:
"إيه اللي حصل؟"
فأجابها وهو يفتح غطاء السيارة الخلفي متفحصًا:
"هشوف."
غاب بلال طويلًا، وتفصد جبينها عرقًا من الجو الخانق الحار، فأغلقت الرواية ودستها داخل حقيبتها وترجلت من السيارة، واستندت بظهرها عليها وهي تتأمل بهيام بلال المنكب على إصلاحها.
نسمة هواء داعبت فستانها ليرفرف من حولها، ويحرك خمارها، فهشت وبشت وعيناها تلتقط إحدى الصخور على جانب جذع شجرة جانبية، فسارت نحوها وجلست عليها وعيناها لم تفارقاه، حتى رفع رأسه بإرهاق، مغمغمًا:
"وقتك تعطلي دلوقت يعني؟!"
ووقعت عيناه على جلوسها، فمط شفتيه وهو يقول:
"هنستنى شوية، هتحتاج وقت."
فهزت رأسها وهي تهمس:
"معاك الوقت كله."
فتحرك بلال بغيظ نحوها، وهو يهتف:
"أنتِ إيه نزلك من العربية وقعدك القعدة الغريبة دي؟!"
فضحكت بإنطلاق، وهي تقول بصوت متهدج:
"وغلاوة عمو زحلف ما عرف الجو حر في العربية وكتمه وأنت غبت فزهقت."
فَبُهِت وهو يطالعها في صدمة، وقال متسائلًا:
"مين عمك زحلف ده؟!"
فقالت ببساطة:
"دا واحد كده وخلاص."
"يعني إيه واحد وخلاص؟"
فأجابته وهي تقهقه:
"اصل أنا كمان معرفش هو مين."
تعالت ضحكاتهما معًا ممزوجة بحنانه وصرامته وهو يهتف:
"طب يلا على العربية."
فنفخت بضيق وهي تقول باستنكار:
"والله أبدًا لحد ما تخلص."
فأفترش الأرض بجانبها وهو يقول:
"شكلنا مش هنخلص أصلًا، العربية محتاجة ميكانيكي، وهتصل على الواد سعيد يجيلنا، بس هحاول معاها تاني."
فهزت كتفيها ولم تعلق، لم يلبث أن عكف عن إصلاح العطب حتى فلح، وانطلق مجددًا ينهب الأرض نهبًا، وقد غشى السكون محيطهم مرة أخرى، أوقف السيارة أمام البناية التي تقطن فيها، فغادرت سيارته، وقبل أن تختفي عن أنظاره استدارت ملوحة له، ارتقت درجات الدرج والفرحة تتوهج من بنيتيها، وتدندن بكلمات أغنية كانت تحفظها من إحدى مسلسلاتها، توجهت إلى غرفتها على الفور، وفتحت بابها وهي تدور حول نفسها من شدة السعادة، وما كادت تستدير لتشعل قابس النور، إذ تسمرت مكانها، وتخشبت أناملها قبل أن تصل لتشعل الضوء، وخفق قلبها في عنف، واتسعت عينيها على آخرهما، فأمامها على الحائط شبح مقنع يقترب منها بتريث، فأستدارت وهي تزدرد لعابها برعدة قوية كادت تصيبها بشلل، وأصابعها على استعداد لنزع القناع عن وجهه، وأستدارت ونزعت عن وجهه الملثم القناع، وتلقت ضربة قوية من كفه صدمتها في الحائط بقوة، فانطلقت صرخة فزع من جوفها، وما كادت تبصر ملامحه حتى صرخت في ارتياع وهو يرفع سكينًا عاليًا ويهوي به على صدرها:
"أنــــــــــــــــــت.."
وصاحت وهي تواري عينيها بذراعيها:
"لاــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ."
رواية والتقينا الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ندى ممدوح
صرخة شقت سكون الليل، ومزقت صفحة السماء، ورجت فؤاد والد إسراء وهو يعرج سُلم البناية على عجلٍ.
غطت إسراء وجهها خيفة من السكين الذي ارتفع في وجهها وهوى نحو صدرها مباشرةً، تلقائيًا وبسبب غريزة البقاء ومع صرختها انحنت وهي تبتعد عن مرمى القاتل، فهوى نصل السكين على الحائط وسقط من يديه، لكنه لم يُفوت لحظة بل جذبها من خمارها ودفعها إلى الحائط وقبض باصأبعه حول عنقها.
وحاولت أن تصرخ، لكن صرختها احتبست في حلقها، وترقرق الدمع مِدرارًا في عينيها، وحاولت أن تنزع كفيه، وفجأة! اقتحم أبيها الحجرة ولم يكد يبصر ما يحدث حتى اندفع وجذب القاتل من كتفيه وأبعده عن ابنته، وهو يهتف في جذع:
_بنتي، أبعد أبعد.
لم يهتم أن يرَ وجهه، عينا الأب ألتقطت فقط انهيار ابنته، وسعالها صك مسامعه فاتجه إليها ومال يسألها باهتمام:
_إسراء، يابنتي أنتِ كويسة، طمنينى يا حبيبتي أنتِ كويسة؟
فرفعت إليه عينان تسيلان بالدمع، وهي تمسد على عنقها، وأومات برأسها له مهدئة من انفعاله، في ذات اللحظة التي كان فيها القاتل يكاد يقفز من فوق النافذة، فدفعه والد إسراء لداخل الحجرة، وهو يهتف:
_مش هسيبك تهرب لحد ما عرف مين أنت يا ابن ال******.
ثم اتسعت عيناه في صدمة، وهتف وعيناه جاحظتين على ملامح القاتل:
_أنت! أنت يا هشام يا بسيوني أنت؟
وقبل أن يفق من صدمته، كان هشام يدفع رأسه للحائط ثم ينهال عليه ضربًا، وخبط رأسه عدت مرات.. حتى إن هذا الأخير لم يتدارك نفسه وهو يتلقى الضربات المتتالية دون تأني.
امتقع وجه إسراء وهي ترَى ترنح والدها وخطٌ رفيعٌ من الدم بدأ يسيل من رأسه، فهبت مندفعة تدفع هشام عنه لكنه أطرحها أرضًا ووثب عبر النافذة قافزًا على إحدى المواسير واحتضنها بذراعيه وساقيه وشرع ينزلق هابطًا.
أفرغت إسراء حقيبتها مما فيها وهي تنبش عن الهاتف، وتناولته متصلة على أحدٍ ما وهي تبكي منتفضة برعبٍ سرى في كامل خلاياها.
كان بلال منطلقًا بسيارته في طريق العودة إلىٰ منزله، ينبعث داخل السيارة (القرآن الكريم) بصوت (عبد الباسط عبد الصمد) صوت أرسل في نفسه كل الإرتياح، وأخذ يُردد الآيات مع الشيخ في موجة من الخشوع، عندما رن هاتفه وكاد يتجاوز عن المتصل وهو في غمرة نشوته وارتياحه، لكن الرنين أخذ يدوي مرة أخرى في إصرار، ولم يكد يرى اسم إسراء تضيء شاشة الهاتف حتى اخفض من صوت المذياع، وأجاب في اهتمام:
_السلام عليكم …
ابتلع باقي إلقاء السلام مع أنينها ونحيبها ونشيجعها وهي تهتف بكلمة فقط لا غير:
_بلال، الحقني الحقني يا بلال بابا بيموت الحقني.
فزوى ما بين حاجبيه وهو يضغط كابح السيارة لتتوقف في عشوائية، وسمع سباب ساخط من سيارةً ما كادت أن ترتطم بسيارته لم يعره اهتمامًا، وهو يهتف في انفعال:
_في إيه اهدي مال بباكِ؟ إيه اللي حصل؟
صمت يستمع لبكاءها، قبل أن ينبعث صوتها الباكي من جديد:
_أنا مش عارفة أعمل إيه؟ بابا بيموت!
فغمغم وهو يدير عجلة القيادة عائدًا:
_طيب طيب اهدي الاول أنا في الطريق، متقفليش خليكِ معايا.
وانطلق بأقصى سُرعة، قلبٌ خافقٌ كان يدق في عنفٍ بين جوانحه، قلقٌ استبد بقلبه، وشهقاتها كانت تمزق أوتاره، وقد خُيل إليه إن المسافة تتسع شيءٌ فشيءٌ والطريق باتَ بعيدًا على غير العادة.
ما له يسمع دقَّات قلبه تكاد تخرج من صدره إليها؟!
متى أحبها كل ذاك الحب؟
ها هو ذا أخيرًا يتنفس الصعداء، ويغادر سيارته في لهفة تاركًا بابها مفتوحًا دون وعي أو إدراك، وصوته اللاهث يقول لها على الهاتف وهو يرتقي الدرج ركضًا:
_أنا وصلت أهو لحظة بس وأكون عندك.
عَبر مع نهاية عبارته باب (الشقة) الذي كان منفرجًا، وتتبع صوت البكاء، ليقف متسمَّرًا وهو يراها تضم رأس أبيها في حِجرها، وتهذي بكلمات لم يفهمها، ولم تصل إليه لخفوتها، لكن حركت شفتيها أعلمته بها، هرع ينحني على والدها ليتأكد إنه يتنفس.
وقال متسائلًا:
_إيه اللي حصل؟ ماله بباكِ؟!
ربما هدؤه استوطن فؤاده عندما رآها بخير، فخرج سؤاله صارمًا لا يوحي بما يعتمل داخله من انفعالات، بينما همست هي بعينين ضائعتين ومن بين شهقاتها:
_هشام كان هنا …
قاطعها وهو يلتفت إليها، مغمغمًا:
_مين هشام ده؟
_مش وقته خلينا نطمن على بابا وهحكيلك كل حاجة.
انحنى بلال على أبيها و وضع يمناه أسفل رأسه ورفعه لأعلى وهو يهتف فيها بعمق:
_قومي ساعديني.
فهبت واقفة وساندت والدها معه، حتى جعلوه في السيارة، التي انطلق بها بلال مبتغيًا أقرب مستشفى.
جلست إسراء بجوار مقعد بلال بعدما تم أخذ أبيها من قِبل الممرضات، لم ترقأ عينيها من الدمع، وبلغ مسامع بلال همسها الخافت، المتهدج من أثر البكاء:
_أنا السبب، أنا سبب كل اللي بيحصل، أنا السبب..
ظلت تردد بما بدى له بهذيان، فنفخ بضيق وهو ينهض ليسير في الرواق جيئة وذهابًا، صوت خطوات راكضة جاءت من وراءه جعلته يلتفت ليرى من القادم، فشاهد ندى تعدو إليها في لهفة والأخرى ترتمي في أحضانها، وضيق عيناه وهو يرى الأثنتيين تبكيان، فرفع حاجباه لوهلة وعاد يخفضهما وهو يحوَّل بصره عنهما، لم يمر الكثير من الوقت وقد خرج الطبيب يخبرها إنه ضمد جرح والدها وإنه بحالة جيدة في حاجة فقط إلى الراحة، وأهداه روشتة مدون بها بعض الأدوية التى سيستمر عليها حتى يمتثل إلى الشفاء.
ارتسم الارتياح على وجه إسراء أخيرًا، وكف دمعها، وهي تُردد بِشُكر:
_الحمد لله، احمدك يارب.
غادرها بلال ليجلب الأدوية، بينما تناولت هي هاتفها الذي يواصل إشعارات رسائل من عماد لا تنتهي، وتأففت بحنق ولم تعرها اهتمامًا، بينما ناولتها ندى كوبًا من العصير وهي تستقر بجانبها، قائلة:
_خلاص بقا يا إسراء عمو بخير الحمد لله اهدي وروقي كده واشربي العصير.
فالتفتت إليها إسراء، تقول بفزع:
_اهدى؟! اهدى إزاي بس؟ بقولك هشام البسيوني عايز يقتلني، الحقير بعد كل ندالته معايا عايز يقلتني.
فتساءلت ندى وهي تهدئ من روعها:
_اهدي بس.. أنتِ متأكدة أنه هشام؟! ممكن تكوني...
فقاطعتها إسراء، قائلة بحدة:
_اكون إيه؟ اتلخبط فيه مثلًا؟! هو هشام البسيوني بنفسه.
كانت سهير في ذات الوقت تتصل بأميرة، وتصيح ما أن فتحت الأخرى:
_بيخوني يا أميرة، سمعته بودني بيقول بالحرف (مال دي مش بترد ليه) يبقى ده معناه إيه غير إنه بيكلم وحدة؟
فهدأت اميرة من روعها، وهي تتثاءب مغمغممة:
_ما يمكن أنتِ فاهمة غلط يا سهير، يمكن يقصد أي شي، آه نعم أنا مش بطيق جوزك عماد ده ولا بينزل ليّ من زور بس خلينا نفكر بالعقل.. ممكن يكون يقصد زميلة مثلًا بتشتغل معاه، أي شيء غير إنه بيعرف عليكِ وحدة.
هتفت سهير باستنكار:
_لا لا انا متأكدة إن الموضوع فيه وحدة يا أميرة.
نفخت أميرة بضيق، وأفصحت قائلة بتريث:
_أنتِ ناوية على إيه يا سهير بالضبط؟
لم تتلقَّ ردًا لهنيهة من الزمن، حتى نطقت سهير أخيرًا تُصرح بإصرار:
_بالمواجهة، لازم أواجهُه وأفهم هو مخبي إيه؟
هزت أميرة رأسها رفضًا لقرارها، وقالت تردعها عما تنوي:
_غلط، غلط يا سهير لإنه بالتأكيد مش هيقولك إن في وحدة في حياته وهيكدب، اصبري لحد ما تتأكدي.
انتفضت أميرة في قلق، عندما بلغها صوت عماد الغاضب وهو يهتف:
_سيبي ام التلفون ده من أيدك.
فقفزت من فوق الفراش، وهي تصيح:
_سهير إيه اللي حصل؟ الو سهير أنتِ يا بنتي؟!
لم يصلها سوء صريرٌ يعلن عن إغلاق الهاتف، فأستبد بها الخوف.
"أنت اتجنيت يا عماد! بتقفل السكة في وش أميرة وأنا بكلمها؟"
هتفت بها سهير في صدمة، عندما جذب عماد منها الهاتف وأغلاق المكالمة، فتأجج الغضب في عينيه، وجأر بانفعال:
_ايوة قفلتها، وهقفلها في وش أمك كمان لو كانت هي اللي بتكلمك مش أميرة.
امتقع وجه سهير حتى بدا يُحاكي وجوه الموتى، واتسعت عيناها على آخرهما، وهي تهتف في ذهول:
_أنت بتقول إيه؟
فهتف عماد محتدًا:
_بقول اللي سمعتيه هجيب لك منين أنا كل شوية كروتة وشحن، أنتِ متجوزة بنك وانا مش عارف؟ ما احمدي ربنا بقا وحافظي على بيتك اللي مكنتيش تحلمي بيه، دا أنا انتشتلك من كلام الناس واتجوزتك ومكنش حد بيبص في وشك.
طعنة .. طعنة حادة غادرة غُرست في سويداء قلبها من كلامه، مُر الإهانة كالحنظل بدا في حلقها، بينما استرسل هو بلهجة قاسية، وجشع:
_اسمعي بقا يا بت الناس عايزة تفضلي يبقي لا تزوري أهلك ولا يزوركي أنا مش فضيلك.
وحدجها بنظرة مقيتة، وهو يلتفت مغادرًا، يرغي ويذبد ويشوح بكفه في امتعاض حتى خرج صافقًا الباب وراءه بعنف أجفلها وجعلها تنتفض، بقت متسمَّرة في مكانها، وسال الدمع على وجنتيها أنهارًا..
ليتها لم توافق على تلك الزيجة!
ليتها تحملت كلام الناس وصبرت فهو أرحم لها!
ليت بإمكانها الهرب، أن تفرَّ في أحضان بلال تبثه شجون فؤادها.
لكن بما يُفيد الندم بعد فوات الأوان؟
جلست على طرف الآريكة، كل شيءٌ بدا لها كئيبًا قاتمًا في عينيها، جدران البيت تبدَّت لها كما الأشباح ترهبها، وضاقت.. ضاقت بها الدنيا ونفسها، فلاذت بالبكاء علُّه يُخفف عِلَّة قلبها.
بعض الكلمات لا يفصح عنها اللسان، ولا تبرح الحلق فتتحرر من داخلنا على هيئة دموع عساها تطيب حدة الوجع.
جلست إسراء في كافتيريا المستشفى في المقعد المقابل لمقعد بلال على إحدى الطاولات، والأخير يسألها باهتمام وهو يرتشف من قهوته:
_عايز أعرف إيه اللي حصل لوالدك؟!
فتركت إسراء كأس العصير جانبًا، وإندفعت تروى له ما حدث..
كل شيء في صراحة، بعد أن غادرة سيارته أمام البناية حتى أسعف والدها، وتنهدت وهي تسترخي في مقعدها كأنما حملٌ ثقيل وقد زال، وأسبلت جفنيها في إرهاق، لكنها لم تلبث إن أفرجت عنهما، وتطلعت فيه، مع سؤاله:
_ومين هشام البسيوني ده؟ وليه عايز يقتلك!
صمتت إسراء متطلعة إليه في حيرة دون أن تنبس، لم تدر كيف تخبره إن هشام البسيوني كان المخرج الذي قام بإخراج أكبر مسلسلاتها وأفلامها وجعل منها نجمة مشهورة، بل كيف تقص على مسامعه دون حياء إنه حاول أن يعتدي عليها وعندما قاومته طلب منها الزواج بورقة عرفي وعندما أبت ذلك، قام بتهديدها وإنزالها لسابع أرض لكنها اصرت على قرارها لم تخضع له ولا لتهديدته ببسالة، لقد وعدها هشام إنها أن وافقت على الزواج منه عرفي سيجعل منها نجمة عالمية، وسيكرمها بأموالٍ وفيرة، كان يحبها ويحب نفسه أكثر، وكان متزوج من فتاة ثرية، ترددت في إخباره بكل هذا، لكنها حسمت امرها وقصت عليه كل شيء، وهو لا ينبس إلا بتلك الإنفعالات مع استرسالها فتارة يرفع حاجبه في غضب، وتارة بإشمئزاز وكره وهكذا حتى انتهت، وختمت قولها وهي تقول في أسى:
_ولما رفضته وقبلت الشغل مع مخرج تاني كان شاب محترم نوعًا ما مش زي كمال، وصلتني رسالة من كمال بيهددني فيها إني لو موافقتش على الزواج العرفي ورجعت اشتغل معاه هيقتلني وإني مش هكون في الآخر غير ليه.
سكتت تطلع إلى بلال وهو يشبك يديه امام وجهه ومطرق الرأس بتفكير، كم هو جميل؟!
جميل إن يكون للمرء جانب آمِن يلوذ به قلما أرهقته الحياة!
أخذت إسراء نفسٌ عميق، ومالت على الطاولة تسند فوقها مرفقها، وتركت رأسها تستريح في كفها الذي وضعته أسفل ذقنها وكالمأخوذة طفقت تتأمله، متى أصبح حبه يسري في أوردتها مجرى الدم، بل متى غدا هو مهجتها؟
كيف يَكُف المرء عن حبًا باتَ سرُ الحياة؟
رفع بلال عينيه لتقابل عينيها، وخفق قلبها مع تلك النظرة المشعة بالحنان في مقلتاه، وظلا للحظات يتطلع كل منهما للآخر، وفجأة هَم بلال بقول شيءٍ ما، لكنه عاد لصمته الذي لم يدُم وهو يهمس بصوتٍ خافت بما جعلها ترتد للخلف في صدمة:
_إسراء، تتجوزيني؟
رواية والتقينا الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ندى ممدوح
_إسراء، تتجوزيني؟
لما بدت لها كلمته كقنبلة تفجرت بين جوانحها، فطفق صدرها تارة يعلو وتارة ينخفض بحركات متتالية وبأنفاس متلاحقة.
وتطلعت إليه مندهشة كأنه ألقى طلبا من الخيال، متسعت العينين حتى يخيل للرائي إنهما سيخرجان من محجريهما.
وفغرت فاه ثم أخذت تطرف بأهدابها وتحدق فيه، ونطقت أخيرا بصوت متلعثم ووجه أسيف:
_أنت قلت إيه؟
وأتبعت تقول وهي تشير بسبابتها إلى صدرها:
_عايز تتجوزني أنا!
زم بلال شفتيه، ووجهه الممحى، وتوجس فؤاده خيفة من رفضها، لكنه بدده بحبها له.
وطأطأ طرفه، قائلا في هدوء:
_هو كلامي مش مفهوم؟ ها قلت إيه تقبلي تتجوزيني؟
فشخصت البصر به، كأنها ترى شبحا خفيا، هل يعي ما يتفوه به؟ بل هتسمع أذنيها جيدًا؟ أم تراهما قد أصيبتا بالصم؟
هل تصبح الدعوات نصب العينين في طرفة عين بتلك السرعة الفائقة؟ لقد كان عشية أمس حلم بعيد المنال! كقمر تدور جل افلاكها في محوره ولا تستطع أن تمسه!
وسالت أدمعها بغتة على خديها، فهاله ذلك وذهل واندفع يقول منفعلًا:
_هو أنا قلت حاجة غلط؟ بتعيطي ليه؟
فأسبلت جفنيها على دمع لحلم بات نصب العين، وفتحت أجفانها تتطلع فيه بصمت، وانفرجت شفتيها بتردد.
فأستغلق عليه فهم ما تمر به، وتململ في جلسته وهو يسترخ في مقعده، وتطلع إلى عينيها بنظرة حانية، وقال بصوت رخيم مبددًا توترها:
_لما بياك يطلع بخير وسلامة ويصبح بأفضل حال أنا هاجي أتقدم رسمي.
وأدهشه دمعها الذي استمطر في غزارة، ثم فعلت ما لم يكن يتوقعه، فقد هبت واقفة ورمقته بنظرة أخيرة ثم انطلقت تعدو من أمامه.
فاستوى في جلسته مصدومًا، وبصره تعلق بظهرها الذي يندفع مثيرًا فضول وأعين كل الحاضرين.
لم تلبث أن ألتفت إليه فأشاح بوجهه.
أمسكت ندى إسراء الراكضة من كتفيها لتوقفها وهي تسأل بذعر:
_إسراء، مالك في إيه؟ بتجري ليه؟
فلهثت إسراء وهي تلتقط أنفاسها في صعوبة، وحاولت أن تتمالك نفسها، وهي تقول بصوت به رنة فرح:
_بلال قلي تتجوزيني.
حدجتها ندى بنظرة ثاقبة وقالت بجدية:
_ووفقت؟
هزت إسراء رأسها وكتفيها وهي تردد:
_لا جريت.
فدهشت ندى وهي تتطلع إليها في بلاهة، متمتمة:
_جريت! جريت! جريت يا إسراء، زمانه بيقول عليكِ هبلة يا فقرية.
فضحكت إسراء وهي تواري ثغرها بكفها، وغمغمت:
_ما أنا هبلة فعلا، في إيه لما يعرف إني هبلة..
واسترسلت وهي تهز منكبيها:
_دي الحقيقة عادي يعني.
فضربت ندى كفًا بكف، قائلة:
_لا إله إلا الله.. أنتِ مش بس هبلة لأ وكمان عبيطة.
عدلت إسراء الوسادة وراء ظهر أبيها، وعاونته على الاسترخاء جيدًا على الفراش، بعد عودتهما من المستشفى.
وهمت أن تبتعد عنه، عندما امسك معصمها وأجلسها بجانبه وهو يقول بنبرة أبوية:
_متقلقيش يا بنتي أنا اول ما هصلب طولي هدور على هشام البسيوني وهخليه يندم على اليوم اللي فكر فيه يأذيكِ، فمش عاوزك تخافي لإني هقتله قبل ما يقتلك.
لم تستعب إسراء ما يقوله والدها، واعتقدت إنه يلقي كلامًا غاضبًا فحسب، فهتفت وهي تربت على كفه:
_خف يا بابا بس الأول وبعد كده كل حاجة هتعدي بخير.
ونهضت وهي تتابع:
_هروح أشوفهم حضرولك الأكل ولا لسه.
وفي سيرها علا رنين الجرس، فصرفت الخادمة بإشارة من يدها وتوجهت هي لفتحه.
وما كادت تفعل وتر وجه القادم، حتى تهللت أساريرها مهللة في سرور:
_عم مدحت أخيرًا قدرنا نشوفك يا راجل!
وأفسحت الطريق مرحبة به وهي تهتف:
_تعال أدخل يا عمو أتفضل.
ضحك مدحت وهو يعبر الباب، وقد سر بها سرور بدا على وجهه وهو يقول:
_وحشتي عمك مدحت جدًا يا سوسو، طمنيني عنك عاملة إيه؟
كان مدحت صديق أبيها المقرب، يمتلك مصنع حلويات، بل مصانع حلويات شهير وله اسمه في ذاك العالم.
جذبته إسراء من مرفقه إلى إحدى الأرائك وأجلسته، واستقرت بجانبه وهي لا تزل متعلقة بذراعه، وتغمغم بصوت خافت:
_قبل ما تدخل لبابا عايزة منك طلب!
فتلاشى المرح من على صفحة وجهه، وحل محله مسحة من حنان واهتمام، وقال بجدية وهو يرنو إليها ببصره:
_طبعًا يابنتي اطلبي اللي أنتِ عايزه.
فتحمحمت إسراء تجلي حلقها، ثم غمغمت في هدوء:
_صراحة هما طلبين مش واحد.
فغمغم مدحت:
_عشرة ياستي مش اتنين، أنتِ تؤمري وعمك مدحت ينفذلك.
فتضرج وجنتيها من شدة الخجل، وهي تهمس في صوت خفيض:
_في شخص أعرفه عايزاك تشوف له شغل عندك بمرتب حلو.
فتبسم مدحت في بساطة، وقال وهو يهز كتفيه في استخفاف:
_كل المقدمة والتوتر ده علشان الطلب البسيط ده، ياستي اعتبريه حصل وكفاية إنه حد تبعك ومعرفة عشان أثق فيه، حتى إني كنت محتاج حد يوصل الطلبيات وأه تحلت على إيدك.. أبعتيه بكره على المصنع الرئيسي وهتفق معاه على كل حاجة.
ومال عليها مستطردًا:
_والطلب التاني!
صمتت إسراء وهي تخفض بصرها تارة وترفعه تارة في توتر ملحوظ، قبل أن تغمغم في ارتباك:
_هو طلب خاص، خاص بيا أنا.
وسكتت لردحًا من الزمن رفعت فيه بصرها إلى السقف، وثبتت قليلًا على ذلك، ثم هبطت بصرها إليه، فحثها على الحديث بإيماء من عينيه، وتنهدت في عمق، قبل أن تستطرد في صوت تشوبه المرارة:
_في شاب عايز يجي يتقدم لي.
فقال مدحت متعجبًا:
_ومالك بتقوليها بمرارة كده ليه؟
ومال بفمه على أذنها هامسًا:
_بتحبيه؟
فأطرقت برأسها للحظات، ثم هزت رأسها بالإيجاب، فتبسم مدحت في هدوء، قائلًا:
_فين المشكلة بقا؟
_بابا مش موافق!
ضيق مدحت عينيه مقطب الجبين، وتمتم:
_امم، فهمت أنتِ عايزني اقنع بابا بيه!
أومأت مجددًا برأسها، وهتفت وهي تتطلع إليه في لهفة:
_أنت مش كنت دايمًا معترض إني ابقى ممثلة؟ الشاب ده هو اللي أقنعني.. بل هو اللي رد في الروح وأنعش قلبي.
ربت مدحت على كتفها، ثم استوى واقفًا وهو يردد لها بكلمات مطمئنة وإنه سيفلح في رضا أبيها حتمًا.
آثار انتباه سهير رنين هاتف عماد الذي لا يكف منذ دقائق معدودات، فأشتعل فضولها وتوجهت إلى الهاتف القابع على المائدة بحذر، وهي تراقب باب (دورة المياه) بقلق.
وتطلعت في شاشة الهاتف ليقابلها اسم إسراء ينير الشاشة، فرفعت حاجبًا في دهشة، وخامرها هاجس عجيب، وهمت أن تلتقط الهاتف وتجيب عليها، لولا إن فتح الباب وبرز عماد وهو يجفف رأسه.
ولم يكد يبصر وقوفها وهاتفه في راحتها، حتى التهم الخطوات في سرعة ويجذب منها الهاتف الذي خمد رنينه، ونهرها وهو يلكزها بمرفقه في غلظة:
_مين إداكِ ي الإذن تمسكي تلفوني؟
فعقدت سهير ساعديها أمام صدرها، وهي تهتف:
_مش محتاجة إذن على ما أفتكر لإن ده حقي، وبعدين إسراء بترن عليك ليه؟
فتحاشى النظر عنها مرتبكًا، ووارى توتره بضحكة منفعلة متوترة، وهو يمسد على شعره مغمغمًا:
_عادي يعني.
حدجته سهير بنظرة مشتعلة، وهدرت به:
_يعني إيه عادي! بقولك إسراء بترن ليه عليك وعايزة إجابة.
فبرقت عينا عماد بلهفة وهو يمسك كتفيها، مهللًا في بهجة:
_عشان هتشوف لي شغل حلو وبمرتب مكنتش بحلم بيه، يعني هنطلع في العالي مش هخليكِ محتاجة حاجة أنتِ والقرود الصغيرة.
فرمقته سهير بازدراء، وهي تحل عقدة ساعديها، قائلة بجدية:
_إيه القرود الصغيرة دي.
فقهق عماد في غبطة، وأمسك كتفيها وأخذ يدور بها، مرددًا في غبطة:
_بقا مش عارفة مين القرود الصغيرة! القرود هيكونوا عيالنا إن شاء الله اللي انا بعمل كل ده عشانهم.
وتوقف عن الدوران بها، بينما ترمقه هي بازدراء، وصاحت بنبرة بها رنة تهكم:
_عماد أنت متأكد إنك بني آدم؟ عيال إيه اللي بتعمل كل ده عشانهم؟ دا انا من يوم متجوزتك وأنت مدتنيش قرش من بخلك هو أنت متخيل إنك ممكن تبقى أب بندالتك دي؟
هوى كفه بلطمة قوية على وجنتها، جعلت رأسها تدور على جانبها وهي تبسط كفها على وجنتها مكان لطمته، متسعت العينين، واجفة القلب.
صفعة!!
ألأن قد تلقت صفعة؟
أهي في حلم أم واقع مرير!
مال جُل أحلامها وأمنياتها قد تهاوت فجأة من برج سحيق أمام عينيها دون أن تقوى على التمسك بأي منهم!
انتزعت من شرودها على صوته البغيض يجأر فيها:
_الندل ده هيوريك ازاي تكلميه باحترام...
قال جملته بتريث شديد وهو يسحب حزام من فوق المشجب. تراجعت سهير.
تراجعت مصعوقة وهي تحدق فيه.
كأنما تحدق في شبح. وأحست بأنفاسها تزهق وبأن الكلمات احتبست بغتة في حلقها وأوصدت. كانت تتراجع وهو يقترب بتمهل ويلف طرف الحزام بين أصابعه حتى سقطت على الأريكة. وهوى.
هوى الحزام على جسدها في قوة وصوت عماد يضيع بين صراخها عنيفًا:
_لو أهلك وأخوك اللي اسمه بلال ده وشايف نفسه مربكيش أنا بقا اللي هربيكي. هربيكي عشان تقدري جوزك وتعرفي إزاي تحترميه وتعيشي خدامة تحت رجليه وتقولي حاضر ونعم وتغمي عينك عن كل حاجة بتحصل.
جلس بلال بجانب أمه بعدما لثم كفها بكل حنان واحترام، قائلًا في هدوء:
_ماما، أنا عايز استشيرك في حاجة.
فرفعت الأم كفها ومدت يدها تتلمس الطريق لوجهه، وتحسسته في حنان، وهي تقول:
_قول يا بني لعله خير يا حبيبي.
رمى بلال نظرة متوترة إلى أخيه عمرو المنكب على دروسه، وقال بعد تنهيدة عميقة:
_ماما، بصراحة أنا قررت أتجوز.
صمتت ولم تنبس والدته كأن الموضوع فاجئها. ثم تهللت أساريرها واستدركت في تبسم حنون:
_دا يوم المنى يا حبيبي. بس.. بس أنت لسه مخلصتش شقتك؟
مسد بلال جبهته بارهاق وقال في هدوء:
_هنتجوز ونقعد معاك هنا أنت وعمرو وهجهز الشقة بعدين.
ثم اتبع يقول في مرح:
_ولا أنت مش عايزنا نقعد معاكي؟
ضربته والدته بخفة على وجنته، وهي تقول من بين ضحكاتها:
_تقعدو جوة عيوني يا حبيبي لو مشلكمش البيت.
نهض بلال مقبلًا عينيها، بينما هي تهمس:
_إسراء صح؟
فازدرد بلال لعابه وهو يهز رأسه، قائلًا:
_ايوا.
كانت تدرك بأمومتها إنها هي ومن غيرها قلب حياة ابنها وبدلها!
ابنها لم يعد هو.
به شيئًا تغير.
لم يعد يؤذن في الجامع!
كف عن تحفيظ أخيه وأبناء الجيران.
وما خفي كان أعظم.
لا تدري أتفرح إنه تدارك نفسه وأراد أن يسير على الدرب الصحيح؟
أم تحزن إن إسراء فتاة لم تتمناها لابنها يومًا؟
طرق عنيف أفزعهم، وجعل بلال يثب من مكانه ويندفع إلى الباب يفتحه في لهفة، ليُطالعه وجه سهير الدامي، فتراجع خطوة في ذعر. وأطل غضب هائل من عينيه وهو يردد:
_عماد اللي ضربك؟
ونَدَت عن أخيها الصغير الفاغر فاه، شهقة جزع وهو يغمغم:
_سهير! حصل لك إيه؟
واندفع يضمها في قوة كأنما يريد أن يحميها، بينما غمغم بلال وهو يجذبها للداخل مغلقًا الباب:
_إيه اللي حصل؟
توقع ردًا منهارًا، أو بكاءً حارًا، أو أن ترتمي في حضنه وتبثه ما حصل. لكنها غمغمت في برود:
_عماد ضربني واستنيت لما طلع من البيت وجيت على هنا.
فضغط بلال على ذراعها وهو يسألها في قسوة:
_ضربك ليه؟
فضحكت سهير هازئة، وقالت وهي تنظر له بعجز مزق نياط قلبه:
_ضربني ليه إيه؟ قول كام مرة ضربك؟ كام مرة هانك؟ كم مرة زلك؟ كم مرة هددك متشفيش أهلك..
ثم شهقت في عنف باكية وهي تصيح:
_طلقني منه يا بلال انا آسفة عشان وفقت عليه رغم إنك حذرتني بس طلقني منه.
شهقت أمها باكية بفؤاد مكلوم، بينما استوحشت عينا بلال، وهو يجز على أسنانه. ثم تركها وركض إلى الخارج مستشيطًا غضبًا، متميزًا غيظًا، ونيران الحقد تغلي كالمرجل في صدره.
كانت إسراء في ذات اللحظة، قد أعطت أبيها دواؤه ودثرته بالغطاء وأطفئت أنوار الحجرة وتركته لينعم بالقليل من الراحة، وجلست هي تحادث ندى، عندما ارتفع رنين منزلها، ورأت الخادمة تتجه لفتحه ثم تعود بفزع وهي تقول بلوعة:
_ألحقي يا ست هانم الشرطة على الباب.
فهبت إسراء وهي تسألها:
_الشرطة!! بتعمل إيه؟
ووصلها هتاف ندى على الهاتف:
_في إيه يا إسراء؟ وإيه جاب الشرطة؟
_معرفش يا ندى أأقفلي دلوقتي لحد ما أشوف في إيه.
أغلقت مع ندى وهي تهم بالخروج إلا أن أفراد الشرطة ولجت للداخل منتشرة في أنحاء الشقة، والضابط يقف أمامها، متسائلًا:
_حضرتك إسراء الشهاوي؟
فارتعش جسد إسراء بصورة ملحوظة، وهي تهز رأسها تجيبه في توتر:
_ايوا، ايوا أنا.
فهدر الضابط بصوت أجش:
_عندنا أمر من النيابة بالتفتيش، نفذ يا بني منك ليه.
وانحدرت الدموع من عيناي إسراء وهي تراقب الجنود قد انتشروا في كل الأرجاء، وعادت تنظر للضابط، قائلة في انهيار:
_تفتيش بامر من النيابة؟ ليه انا عملت إيه.
"لقينا ده يا فندم"
قالها أحد الجنود وهو يمسك بحقيبتها مخرجًا منها مادة بيضاء مغلفة، فالتقطه الضابط وفض الكيس وقربه من أنفه، قبل أن ينظر إليها، صائحًا:
_أهلًا.. مخدرات مرة وحدة!
وفغرت إسراء فمها، واتسعت عينيها حتى بلغتا الذروة، وصوت الضابط يشق قلبها بقوله وهو ينصرف:
_هاتها يابني، لما نشوف أخرتها.
رواية والتقينا الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ندى ممدوح
تفاقم الغضب في جوانح بلال، وانتفخت أوداجه وهو يتجه إلى القهوة، الذي علم أن عماد بداخلها. ولجها وكل خلجة من خلجاته تشف عن عصبيته، وهو يركل بقدمه إحدى المقاعد، لتتصاعد شهقات الرجال ذهولًا من حالة بلال، التي لأول مرة تطفح على الملأ. فقد كان معروفًا بينهم بحسن الخُلق، هادئ لا يميل للعدوانية، ونادرًا ما يتشاحن مع أحدهم.
ما أن لمحه عماد مقبلًا نحوه كعاصفة هوجاء، ترك قدح الشاي من يده، وهو يبتسم ابتسامة منفعلة، خائفة، مغمغمًا:
_ أبو نسب تعالَ اتفضل.
_ ما أنا هتفضل على روحك بإذن الله.
صرخ بها بلال وهو يجذب عماد من تلابيب ملابسه. وعماد يهتف متوترًا، وجلًا:
_ اهدى يا بلال في إيه مالك، بتمسكني كده ليه؟
فدار به بلال ثم دفعه خارج القهوة، هاتفًا:
_ ولك عين تسأل في إيه؟ دا أنا هندمك على اليوم اللي اتجوزت فيه أختي.
فنهض عماد منفضًا كفيه من سقطته، وهو يردد:
_ آه هي اشتكتلك؟! إيه يا عم وانت مالك مراتي وبربيها.
لم ينطق بلال، لم يقو على سماع المزيد. فلم تكد العبارات تنفذ إلى أذنيه، حتى انقض على عماد مبتغيًا تهشيم ذراعيه اللذان ارتفعا على أخته. وتلاحما بشجارٍ عنيف، كان الظافر فيه بلال لولا الرجال الذين تجمعوا حولهم في حلقة دائرية، وطائفة تمسك بعماد النازف، وأخرى ببلال. وبينهم سعيد، وبلال يصرخ:
_ هطلقها يا ابن الـ***.
وعماد يجيبه في عناد:
_ مش هطلقها وبيني وبينكم المحاكم، وهطلبها في بيت الطاعة ويا أنا يا أنتم.
أفلت بلال من بين الرجال وهم أن يمسك فيه مرة أخرى، لولا سعيد الذي شل حركته من الخلف وهو يهتف:
_ اهدى يا بلال الأمور مش بتتحل كده.
وجاهد بلال كي ينفلت من بين ذراعي الرجال وسعيد وهو يصرخ:
_ هتفاهم معاه بس سبوني.
_ لا حول ولا قوة إلا بالله، اهدى يا بلال يا بني مش كده.
قالها أحد الرجال وهم يجذبونه داخل القهوة، بينما فر عماد من المكان من شدة الخوف رغم العناد الذي تولد في قلبه بعدم تطليقها.
جلست إسراء في مكتب وكيل النيابة في انهيار تام، ودموع لا ترقأ، ولسانها يردد في صدق:
_ اقسم بالله ما أعرف الحاجات دي جت في شنطتي إزاي.
فتنهد وكيل النيابة في ضجر، وهو يميل إلى الأمام مشبكًا كفيه أمام وجهه، وعاد يسألها في هدوء:
_ يعني أنتِ بتأكدي أن المخدرات اللي في شنطتك مش ليكي؟
أومأت إسراء برأسها إيجابًا. فتفرس وكيل النيابة النظر فيها، قبل أن يقول:
_ كل مجرم بيجي هنا لازم يقول الكلمتين دول يا فنانة، ووحدة زيك فجأة سابت التمثيل ما هو طبيعي عشان لقيتِ شغل فلوسه أكتر.
صرخت إسراء في إعياء:
_ بس أنا مش مجرمة ومسبتش التمثيل عشان اللي بتقول عليه ده. صدقني معرفش الحاجات دي لقيتوها في شنطتي إزاي؟
تراجع وكيل النيابة في مقعده، وصمت مليًا بدا بتفكير عميق، وهو يمعن النظر فيها كأنما ينفذ إلى أعماقها ويسبر أغوار نفسها، ثم هز رأسه، وقال بلهجة حادة:
_ تمام خلينا نقول إنها مش ليكي فعلًا، مين هيكلف نفسه يشتري مخدرات ويحطها في شنطتك لمجرد إنه يدخلك السجن؟ أنتِ بتتهمي حد؟
ومع سؤاله أشرق الأمل في قلبها، وتجمدت العبرات في عينيها وهي ترفع رأسها نحوه، قائلة بلهفة:
_ أيوه في حد أنا بتهم هشام. المخرج هشام البسيوني.
فتراجع وكيل النيابة في مقعده، ورمقها بنظرة ثاقبة، وهو يقول في تريث:
_ المخرج هشام البسيوني مرة واحدة؟ وليه هشام هيعمل حاجة زي دي؟ ولا يكسب إيه لما يسجنك؟
ثم ضغط على زرٍ دخل على إثره جندي فورًا مؤديًا التحية العسكرية وهو يضرب كعبيه في الأرض، هاتفًا:
_ أوامرك يا فندم.
فأشار وكيل النيابة له على إسراء، مستطردًا:
_ دخلها الحجز.
وهتفت إسراء كمن أصيب بمس من الجن:
_ حجز؟! حجز إيه اللي أدخله لأ، لا طبعًا.
وأبعدت كف الجندي، وهي تصيح:
_ أبعــــــــــد عنـــــــي أنا مش مجرمة مش مصدقني ليــــــــــــه؟
ومدت بها الأرض فجأة، وسقطت مغشيًا عليها.
_ أنا حامل يا أميرة، يعني مستحيل هطلق منه، ليه يا ربي رزقتني بحاجة تربطني بيه، ليه؟
هتفت بها سهير بحزنٍ يفطر القلوب، وبعبرات تتدفق بالأسى من عينيها، وهي تنهار باكية على فراشها. وأميرة تقف متخصرة، مصدومة. وعندما استوعبت ما قالته سهير، هتفت باستنكار:
_ هو إيه اللي مستحيل تطلقي، ربنا رزقك بطفل خلاص دا نصيبك إيه هنكفر؟ احمدي ربنا دا رزق وجالك.
فردت سهير وهي تضم ركبتيها إلى صدرها وتدفن وجهها بين مرفقيها:
_ لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، الحمد لله يا رب الحمد لله.
وظلت على هذه الحالة لفترة، قبل أن ترفع رأسها إلى أميرة، وقد جفت دموعها، وهي تقول:
_ عمري ما تخيلت إن يوم ما أكون أم هكون شايلة كل الحزن ده في قلبي، وابني يكون من أب جشع بعيد عن أي إنسانية.
جلست أميرة القرفصاء بجانبها، وهي تغمغم:
_ يا ستي خلاص بقا أنسيه أنتِ دلوقتي هتطلقي منه والواد هيتربى وسطنا، طلعي عماد من دماغك بقا عشان مش هيقدر بعد كده حتى لما يشوفك يرفع عينه فيكِ.
فلُجمت سهير لوهلة، وقالت مطرقة الرأس، بيأس:
_ بس أنا مش هسيب عماد، مش هكون حمل على بلال أنا وابني هيتحمل قد إيه؟ خليه يشوف حياته دا كان اختياري وأنا مسؤلة عنه لوحدي.
فهبت أميرة واقفة، وهزتها في عنفٍ، ونهرتها قائلة:
_ أنتِ مجنونة يا بنتي حِمل إيه؟ دا بلال يا سهير هو أنتِ لو معرفتيش اخوكِ أنا اللي هعرفك؟ دا هيموت من الفرح لما يعرف بحملك دلوقتي وهيشيلك جوة رموش عينيه. بطلي هبل وأخذ قرارات بتدمرك قبل ما تدمرك.
همت سهير بالتفوه بشيءٍ ما، ولكنها أثرت الصمت ولاذت بالسكون وهي تهز رأسها موافقة لأميرة التي ضمتها في حنان، وأخذت تتلو عليها بعد آيات القرآن الكريم.
دخلت إسراء برفقة الجندي إلى مكتب وكيل النيابة، الذي استوى في جلسته، مغمغمًا وهو يشير لجندي:
_ اطلع أنت، اتفضلي يا آنسة إسراء.
فجلست إسراء على المقعد أمامه، وهي ترمق بنظرات خاوية محامي الدفاع الجالس أمامها في وهن، بينما وكيل النيابة يقول:
_ عاملة إيه دلوقتي؟
فأسبلت إسراء جفنيها في إعياء، وبضعف أومأت برأسها، دون أن تقوى على التفوه بكلمة، كانت خائرة القوى. وتنهد وكيل النيابة في عمق وهو يشبك كفيه أمام وجهه، مرددًا في تمهل:
_ إحنا طبعًا عملنا اللازم وعلى كلامك واتهامك حققنا في الموضوع والمشتبه به هشام البسيوني، ولكن كل ادعاءاتك خطأ.
رفعت إسراء رأسها إليه في حدة، ونبأها هاجس مخيف، أن القادم من حديث وكيل النيابة سيهدم كل حياتها حتمًا. فاذدردت لعابها وهي تراه يتراجع في مقعده ويحرك سبابته وإبهامه على ذقنه، ويقول وهو يتفرس فيها:
_ المخرج هشام البسيوني مش موجود من شهر في مصر، هو مع عيلته بيقضي وقت لطيف معاهم خارج مصر خالص. أي إنه مسافر من قبل كل ده ما يحصلك، وبالتالي مستحيل يكون هو اللي حط لك المخدرات وكل أقوالك ما هي إلا ادعاءات باطلة.
هبت إسراء واقفة متسعة العينين، وصرخت في صدمة، وانهيار:
_ يعني إيه مسافر من شهر؟ بقولك حاول يقتلني كان في أوضتي وضرب بابا و...
وأجفلت متراجعة مع صراخ وكيل النيابة وهو يضرب بكفه على سطح المكتب:
_ ألزمي السكوت وإلا رميتك في الحجز بتهمة تانية دلوقتي، أنتِ مفكرة نفسك فين؟
ولاذت بالصمت وهي تنظر له بقلبٍ فارغ، وأحست أن الدموع التي تنسكب من عينيها تسحب روحها ببطءٍ شديد. ولم تشعر بخروج وكيل النيابة بعدما استأذن منه المحامي بالتحدث معها على انفراد. وقف المحامي مشيرًا لإسراء بالهدوء وهو يغمغم:
_ لو سمحتِ اقعدي عايز أسألك كام سؤال مهمين احتمال يفيدونا في القضية.
جلست إسراء، وهي تقول في أسى:
_ ما خلاص القضية لبساني اظاهر مفيش منها خروج.
زفر المحامي بضيق، ثم سألها قائلًا:
_ اليوم اللي لقوا فيه المخدرات في شنطتك، خرجتي من البيت؟ ولا حد كان عندك؟
تنبهت إسراء لسؤاله، وعلى الفور استرجع ذهنها أحداث اليوم، قبل أن تهز رأسها، مغمغمة:
_ لا، لا محدش جه إلا عمو مدحت وهو مدخلش أوضتي ولا سبتُه دقيقة وبعدين مستحيل يكون هو، وأنا مخرجتش في اليوم ده.
_ طيب، تشكي في مين من الخدم؟
تسألت إسراء بانهيار:
_ أشك في مين؟
وهزت رأسها في عنف وهي تقول:
_ أنا مش عارفه مش قادرة أشُك في حد، مش قادرة.
ووارت وجهها بكفيها وازداد نحيبها في يأس، لقد خسرت حياتها.
خسرت آمالها وأحلامها.
ستدفن حية ما بين أربع جدران لا حياة بها.
رجع بلال ليلًا بعد ما انتهى من عمله منهكًا، لم يكن يدري ما الذي حل بإسراء. والعجيب أنه قد تناساها في غمرة هم أخته الجاثم على قلبه وعقله. قبل رأس والدته، وبادل شقيقه عمرو الحضن، وجلس وهو يسأل عن سهير، قائلًا:
_ امال سهير فين؟
فردت عايدة في هدوء:
_ في أوضتها يا بني.
فنهض بلال وهو يقول ببسمة:
_ هدخل أطمن عليها.
وتوجه إلى حجرتها، وأطل من الباب لكنه وجد الغرفة خالية، فتلاشت بسمته وهو يدفع الباب ويدلف للداخل مناديًا باسمها، وقد استبد به القلق. ولم يكد يخرج من الحجرة ليخبر أمه ألا أنه حانت منه التفاتة على المرآة، وجذبته ورقة ملصوقة عليها. جذبه بلهفة، والتهمت عيناه محتواها الذي كان:
_ بلال، أنا رجعت إلى عماد، أتمنى أنك تسامحني.
وتأججت نيران الغضب في عينيه وهو يكور الورقة في قبضته، ويصرخ في انهيار وهو يركل بقدمه كل ما يقابله:
_ لـــــــــــــيـــــــــــــه ماشي ماشي يا سهير، بتهيني أخوكِ؟
ثم جلس على حافة الفراش بقهرٍ، ودفن وجهه بين كفيه، مع سؤال والدته في لوعة:
_ بلال، مالك مالك يا حبيبي في إيه، آه.
تأوهت في ألم وهي تسقط إثر تعثرها في شيءٍ ما، فوثب بلال مهرولًا إليها وبعد أن اطمئن عليها، هتف:
_ بنتِك رجعت لجوزها بنتك هنتني وصغرتني ورجعت ليه بنفسها.
تصاعد رنين جرس باب شقة عماد، فهتف وهو يتجه لفتحه:
_ إيه جاي ياللي على الباب ارفع ايدك من على الجرس هي الكهربا ببلاش؟
وفتح الباب في حركة حادة، وارتفعا حاجبيه ذهولًا وهو يرى سهير أمامه، فغمغم بضحكة ظافرة:
_ أهلًا بالمدام اللي بتحب المرمطة، إيه اللي جابك؟ مفتكرش إني جيت خدتك من بيت أبوكي ولا حاجة، ولا قولتلك ارجعي، على العكس كنا ناويين على طلاق!
وابتلعت سهير الإهانة في أسى، وخرجت الكلمات من حلقها في صعوبة وهي تقول:
_ عماد أنا رجعت لك عشان أنا حامل.
فتبسم عماد وتألقت عيناه وهو يجذبها من ذراعها في قوة إلى الداخل، موصدًا الباب في عنف، وصاح:
_ والله خبر بمليون جنيه، بس إياكِ تفكري إنك عشان حامل فهغفر للي عملتيه ولا هتعيشي هنا ملكة.
وطاف حولها وهو يتابع:
_ أنتِ هنا هتعيشي خدامة، والخدامة أحسن منك كمان.
رواية والتقينا الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ندى ممدوح
إلى ذاك الغائب.. أفتقدك، إني أعلمُ إنك ثَمَّ هناك تقرأ عيناك ما يخطهُ قلمي؛ وأنا كل ما أرجوه أن ينال إعجابك وأن تشعر بالفخر بي.. بابنتك.
وعلمت يا صديقتي إني من بعدك لم أعد أملك من أفضي إليه بأوجاع قلبي (رحمك الله يا خليلتي)
هدوءٍ عظيم يغشى الأفئدة، سكونٌ تام في بيت الله، جلس بلال تحفُهُ حلقةٌ دائرية من الأطفال، بين كفيه مصحفٌ مشروعٌ على سورة (الهُمزة)؛ يُعدل لغلامٍ تلو الآخر التلاوة ويصحح لهم بتأنٍ أحكام التجويد والتشكيل، وما إن انتهى حتى غمغم وبصرهُ يطوف بين الوجوهٌ المشرقة أمامه:
"وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ" وويلٌ يا أحباب تعني شرٌ وهلاك وقيل إنها اسم وادٍ في جهنم لمن؟ لكل هماز لماز يغتاب الناس ويطعن في اعراضهم.
تبسَّم بلال وهو يضيف في هدوء:
"المسلم يا أبناءي ليس بلعان ولا طعان لا يسخر من الآخرين لا يستهزأ بأخيه أو صديقه، ولا يؤذي أحدٍ من خلق الله، فعلى الإنسان إن يحفظ لسانه ويشتغل بعيوب نفسه لا بعيوب الناس، ولقد قال رسولنا الحبيب محمد ﷺ لمعاذ (هل يكب الناس على وجوههم في النار أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم)"
سَكَت بلال لهنيهة، ثم أردف يقول بصوتٍ رخيم:
"يحذرنا رسولنا الحبيب المصطفى من حصائد الألسن فهي أعظم الأسباب التي تُدخل بني آدم النار، فعلى المرء ألا يغتاب أحد ولا يسخر من أحد، يحافظ على لسانه وعلى كلامه فلا يخرج منه إلا طيبًا، ويخاف عذاب ربه ويتقيه..."
(بلال، يا بلال في واحد عايزك برة)
هتافٌ عالٍ ارتفع على حين غرة قادمًا من باب المسجد بصوت عمرو، الذي اقترب لاهثًا بينما يسأله بلال في اهتمام:
"واحد؟! واحد مين، وعايزني في إيه؟"
هز عمرو منكبيه وزمَّ شفتيه، قائلًا:
"مش عارف."
ثم مال عليه، هامسًا في أُذنه:
"يقرب للممثلة إسراء اللي كانت عندنا لإني شفته لما جه خدها."
ضيق بلال عينيه في حيرة مفكرًا فيما يمكن أن يأتي بالرجل إليه، ثم رفع حاجبه وهو ينوي الخروج إليه ومقابلته، فأغلق المصحف في رفق ووضعه جانبًا وهو يطلب من الغلمان انتظاره، ويمم وجهه شطر باب المسجد.
وقف والد إسراء على أسكفة المسجد متهدل الأكتاف، خائر القوى، ذائغ العينين، تترقرق فيهما دمعة دفينة بين أجفانه، ورمق المسجد من الداخل طويلًا لم يقو على دخوله، لم يستطع أن يفعل، شعر كأن شخصٍ مثله بكل صنيعه محرم عليه دخول مكانٍ شريفٍ كهذا، رصدت عيناه بلال يقبل نحوه، وقرأ الحيرة والتساؤل في عينيه، فبادره قائلًا بلهفة:
"بلال، يابني..."
فقاطعه بلال قائلًا بدهشة:
"ابنك؟!"
تجاوز الشهاوي تساؤله المندهش، واندفع يقول في لهفة:
"هو أنت مصدق إن إسراء بنتي ممكن تتجار في حاجة زي دي؟ أنت مصدق اللي بيتقال! ليه مج...."
اسكته بلال بإشارة من كفه، وهو يتساؤل في حيرة:
"أنا مش فاهم أنت بتتكلم عن إيه؟ وإيه اللي بيتقال عن إسراء ولا بتجار في إيه؟!"
اتسعت عينا الشهاوي ذهولًا، وغمغم:
"مش مقعول أنت معرفتش أي حاجة لحد دلوقتي؟! إزاي؟!"
ثم هز رأسه وأمسك بمعصمه، قائلًا:
"هفهمك في الطريق كل حاجة بس دلوقتي، تعالَ إسراء جلست الحكم بتاعها انهاردة."
مع آخر عبارته توقف بلال مصدومًا، وقد دبَّ في نفسه القلق، وأخذته الدهشة، فقال بنبرة جامدة:
"حكم إيه؟!"
"تعالَ بس معايا وهفهمك كل حاجة."
اومأ بلال برأسه ولم ينبس ببنتِ شَفة، بل أستدار في هدوء، وقال لشقيقه عمرو الواقف بعيدًا عنهما يتابع ما يحدث في صمت:
"عمرو أرجع البيت وخلي بالك من ماما، وِقول لأميرة إني هتأخر انهاردة."
ارتجفت إسراء، وارتعدت أطرافها، وخفق قلبها في قوةٍ وعنف، وترقرقت الدموع في عينيها وهي تتطلع إلى بلال من داخل قفص الاتِّهام، الذي حملت عيناه حنان الدنيا كلها وهو يسترق من الحين للآخر نظرة إليها، ويتابع باهتمامٍ بالغ محامي الدفاع الذي استطاع بحنكة تأجيل الجلسة إلى النطق بالحكم، وانهارت إسراء أكثر وهي تمسك بكفيها القضبان الحديدية وتدس رأسها بينهما وتنخرط في بكاءٍ يُدمي القلوب، تسلل إلى أذنيها صوتًا له فعل السحر في قلبها، فرفعت رأسها إلى بلال، الذي بادرها قائلًا:
"متخافيش أنا جنبك، وهعمل كل اللي هقدر عليه عشان أخرجك."
وتطلعت إليه وقد اختنقت الكلمات في ثنايا حلقها، وجاهدت ليلفظها لسانها المتحجر الجاف، وصوت بلال يتسلل إلى أذنيها عطوفًا:
"امسحي دموع، دا ابتلاء من ربنا وهيعدي."
خرجت الكلمات من بين شفتيها مرتعدة شاحبة:
"بلال أنت اكيد مش مصدق كل ده صح؟"
ازدرد بلال لعابه وأطرق رأسه في استحياء، لم يدر كيف يخبرها إنه لوهلة صدق تهتمها، فرفع رأسه إليها، قائلًا:
"لو كنت مصدق مكنتيش هتلاقيني هنا دلوقتي."
سحبوها الجنود من القفص ووالدها وندى يعدوان وراءها، بينما وقف بلال جامد الأطراف.
فُتح باب الزنزانة بصريرٍ مخيف آثار الفزع في فؤاد إسراء، ودب الارتياع في نفسها، وهي تتقهقر للخلف جِزعة، وجلة الروح، ودخلتها بقدمين تتخبطان ارتجافًا، وانتفضت عندما أُغلق الباب وراءها في عنفٍ أحست إنه أصيبها بالصم، جاس بصرها على السرائر والمسجنات وهي تكاد تبكي كطفلٍ صغير.
أغلق عليها باب السجن، فما لها تشعر إن روحها قد سُجنت في وادٍ سحيقٍ مظلم ما له قرار.
وإن الحياة في عينيها أصبحت ضباب..
وكل شيءٍ بات خاويًا كفراغ قلبها الآن الذي تشعر إنه كالطير الذبيح يُرفرف مع خروج روحه ويتلوى من سكرات الموت، وإما روحها فكانت كمن عمل فيها عمل المدى في الذبيح، وراحت تنزف دون أن ينضب هذا الدم.
"مش دي يا بت الممثلة إسراء ولا انا متهيألي؟! آه والله هي يا ترى إيه اللي دخلها السجن؟"
"بيقولوا ياختي إنها بتاجر في المخدرات"
"تاهم القرف ما هما كلهم الممثلين كده، بيجروا وراء القرش الكتير وبس، بلا نيلة"
أنتزعتها تلك العبارات من قوقعتها، فرفعت إسراء بصرها إلى النسوة الآتي تجمعن حولها بتفحص، وأخرى تتقدم قائلة بتسلط:
"وسعوا كده لما نشوف القمورة.. بلى ممثلة بلا بتاع، قال ممثلة قال هنا زيها زينا وأهي الممثلة مشرفة في السجن بتهمة هتاخد فيها مؤبد."
اتسعت عينا إسراء دهشة، وكادت أن ترد على المرأة، لولا إنها دفعتها في كتفها بحدة، وقالت بغلظة:
"إلا القمورة صحيح اسمها إيه؟"
ثم أمسكت بمرفقها وهزتها وهي تقول:
"هو أنتِ ياختي عندك كام سنة؟! مالك معضمة وقصيرة كده ليه؟! مين واكل نايبك!"
حاولت إسراء أن تفلت ذراعها من يد المرأة التي تفوقها اضعاف وكل محاولاتها باءت بالفشل، حتى لقد ظنت إن ذراعها سينخلع في يدها بكتفها، وهي تضيف في ضجر:
"بس بقا أنا هنا الكل في الكل يعني يتقال ليّ حاضر ونعم وبس."
وصرخت في وجهها بنبرة ارجفتها:
"سامعة؟"
ألقت المرأة الكلمة بنبرة آمرة وهي تدفعها بقسوة، فكادت أن تسقط على وجهها إثر ذلك، لولا أصابعها التي تشبثت بحافة الفِراش، ثم اعتدلت وهي تنوي دخول مشاحنة مع تلك المرأة، لكن المرأة زجرتها بنظرة حادة وهي تشوح بكفها، مغمغمة:
"غوري اقعدي في أي مخروبة جوة."
فأسرعت إسراء تصد طريقها، هاتفة:
"حضرتك إزاي ترفعي صوتك عليَّ بالأسلوب السخيف ده وتمدي أيدك كمان!"
رفعت المرأة حاجبًا في سطوة، وتخصرت وهي تقول، وعينيها تجولان على النسوة من حولها:
"أنا، بقا أنا يتقال ليَّ إن اسلوبي سخيف؟ سمعته سمعته يا نسوان أنا بدرية يتقال لي كده ومن بنت مفعوصة زي دي؟!"
واندفعت نحوها وتراجعت إسراء في خوف، وفُتح باب الزنزانة، وصرخ الجندي فيهن:
"إيه كمية الدوشة اللي عملينها دي، ما كل واحدة تقعد بسكاتها."
ثم حاد ببصره إلى إسراء، ولانت نبرته مضيفًا في نبرة هادئة:
"اتفضلي معايا يا آنسة إسراء في زيارة ليكِ."
غمغمت إسراء في دهشة:
"زيارة ليا انا؟ بالسرعة دي."
وهتفت في فرحة:
"معقول يكون بلال؟!"
ثم عادت تنفي قائلة:
"لا، لا مش ممكن."
ولحقت بالجندي، الذي ابطأ خطواته، ليهمس لها بنبرة ناعمة:
"أنا سمعت كل أفلامك ومسلسلاتك يا فنانة، ومن أشد معجبينك ومنبهر بحضرتك جدًا، ومتعاطف معاكِ ومش مصدق التهمة اللي متوجهالك دي، ومش مصدق إنك حاليًا قدام عيني."
حدقت فيه إسراء في حنقٍ، وتضايقت من ذكر أفلامها ومسلسلاتها وأحست باستحقار الذات وهي تتذكر تلك المشاهد التي صورتها بملابس لا تستر شيء، فطأطأت الطرف، وجهمت المحيا، ودلفت إلى حجرة فُتح بابها الجندي وصفقه وراءها، فتوقفت حائرة وهي ترَ ظهر رجلٌ فارع الطول وتوجست خفية لبرهة، واتسعت عينيها وهو يستدير في تأنٍ، ببسمة تزين ثغره، وأعيُن حزينة مغمغمًا:
"كل ده حصلك وأنا مش موجود؟"
وهتفت إسراء في جزع وهي تتقهقر للخلف:
"أنـــــــــــــت!!"
رواية والتقينا الفصل السادس عشر 16 - بقلم ندى ممدوح
نطق عماد بتلك العبارة في حدة، بينما تجهمت سهير وتسمَّر كفيها بالطعام الذي بيدها، وغابت الدماء عن وجهها.
ثم تنهدت بعمقٍ وهي تسبل جفنيها في عنفٍ، وجاهدت لكي يخرج صوتها هادئًا وهي تلتفت إليه، قائلة في هدوء:
_الرخيص هو الراجل اللي زيك اللي يقبل يهين مراته اللي شايلة اسمه لإنه كده مش بيهينها هيَ دا بيهين نفسه قبل منها، وأنا مش رخيصة بالعكس أنا غالية، غالية اوي يا عماد لدرجة اللي خلتني أأقبل بواحد زيك لو مكنتش وفقت بيه مكنش هيلاقي أي أب في الزمن ده يجوزه بنته. أنت هتفضل طول عمرك شايل جمايل بلال اخويا على أكتافك.
وأضافت وهي تأخذ نفسٌ عميق:
_ونعمة ربنا اللي أنت مستكبر عليها دي في غيرها مش لاقيها وأنتَ متستهلش اللقمة اصلًا، ولا النعمة.
سكتت تلتقط أنفاسها المتلاحقة، وعينيها تراقبان تأجج الغضب الذي ملأ مقلتين عماد في وجل، ورأته يقف في تؤدة، ثم قبض على معصمها في قسوة جعلتها تئن ألمًا في داخلها، وصك مسامعها صوته الغليظ، يهتف:
_دا القطة بقي ليها عين تتكلم وتفتح بقها، وشكلها توحشت الضرب.
غطت سهير وجهها بذراعيها وهي تشاهد كفه يرتفع عاليًا على استعداد ليهوىٰ علىٰ وجنتها، وأغمضت عينيها في خوفٍ دب في ثنايا قلبها، لكن فجأة عَلا رنين الجرس وارتخى ذراع عماد بجانبه، وهو يغمغم في ضجر:
_غوري شوفي مين اللي جاي في الوقت ده.
رمقته سهير بازدراء، وتوجهت لفتح الباب، لتجد أميرة في وجهها تهتف في حدة:
_إيه اللي أنتِ عملتيه ده يا سهير، أنتِ لدرجة دي مبتفكريش، قدرتي تعملي كده إزاي في اخوكِ وفينا؟
بُتر قولها عندما كممت سهير فمها بكفها، وتراجعت برأسها تشرائب النظر بحثًا عن عماد، ولسانها يغمغم في خفوت قلق:
_هُوس اسكتي يا بنتي، اهدي شوية.
وعندما لم تجد له أثر في الصالة، نبأها حدسُها إنه في إحدى الغرف، فجذبت ذراع أميرة للداخل، وأجلستها بجانبها، والثانية تغمغم في ضيق:
_هو الفقري هنا! دا أنا عايزة أشرب من دمه!
أخذت أميرة نفسٌ عميق، وأخرجت ما يعتمل صدرها بزفرة أعمق، وقالت بعاطفة تغلبت على غضبها:
_عاملة إيه طمنيني عليكِ، الزفت عماد بيعاملك كويس؟
حزنٌ هائلٌ ذاك الذي طل من عيناي سهير، وهي تهز رأسها، قائلة بضحكة مفتعلة:
_أنا الحمد لله يا أميرة، انتوا كلكم عاملين إيه.
واستدركت قائلة:
_أنتِ جاية لوحدك؟
نفت أميرة بهزة خفيفة من رأسها، ورددت:
_لا سعيد وصلني ومنتظرني تحت.
خفق قلب سهير فجأة، وأشاحت بوجهها وهي مسبلة الجفنين عمَّا في قلبها، وهمست بصوتٍ خرج خفيض رغمًا عنها:
_كويس، هو عامل إيه؟
والتفتت إليها متبسمة في تساؤل:
_بلال وماما وعمرو اخبراهم إيه؟
وأتبعت تقول في حزن، وقد شردتا مقلتيها في اللاشيء:
_بلال من لما رجعت لعماد مبيكلمنيش.
همَّت أميرة بالتفوه بشيءٍ ما، عندما أتاها صوت عماد البغيض إلى قلبها، قائلًا:
_ازيك يا أميرة نورتي، أنا خارج يا سهير.
رمقته أميرة شزرًا، دون أن تكلف نفسها عناء الرد، بينما لم ينتظر هو أي ردٍ منهن فقد خرج صافقًا الباب وراءه.
التفتت أميرة مرة أخرى إلى سهير، وصاحت في غضبٍ لم تستطع كبحه:
_أنتِ بعد اللي عملتيه وعايزة بلال يكلمك؟ أنتِ إزاي قدرتِ تعملي كده بجد! مخفتيش على نفسك من الحيوان عماد ده؟!
غمغمت سهير في مرارة:
_كان غصب عني يا أميرة.
اهتاجت أميرة وماجت وصرخة في حِدة:
_غصب عنك إيه لو مخفتيش على نفسك وعملتي ليها حساب، مجاش في بالك عماد أخوك؟ هان عليكِ إزاي تحطيه في موقف زي ده وترجعي لعماد من وراه؟!
سَكَتت حين رأت عينان سهير تسحان الدمع بفيضانٍ من الحزن، فلاذت بالسكون لثوانٍ، عندئذٍ تنهدت أميرة، ثم نهضت وقد ضاقت بها نفسها، مغمغمة:
_أنا همشي يا سهير.
كفكفت سهير دمعها، ونهضت تودعها في هدوء، وقبل أن تجتاز أميرة الباب، نادتها قائلة:
_أميرة استني.
فالتفتت أميرة في اهتمام ولم تنبس ببنت شفة، بينما ضافت سهير بنبرة تمتلأ بالمرارة:
_أبقي اسألي عليا، متنسنيش.
ألمت العبارة بشدة قلب أميرة، ولم تنبس بل ظلت تنظر في داخل عينيها في صمتٍ حزين، ثم استدارت مغادرة.
أغلقت سهير الباب، وهرولت تجاه النافذة، وطلت برأسها للأسفل، تشيع رحيل أميرة وسعيد بعينين مغروقتين بالدموع، وعندما اختفيا عن أنظارها، أستدارت متكئة بظهرها على الجدار، وعينيها غرقتا في نهرٍ من الدمع.
هتفت إسراء في ذعر، وهي ترى ملامح الزائر، وطل خوفٍ من منبع ما اقترفه في حقها في عينيها المتسعتين، والتصق ظهرها بالباب المغلق وهي تزدرد لعابها، عندما انطلقت ضحكته المجنونة العالية، تهز قلبها في عنفٍ، وترج روحها، وتدك حصون ثباتها دكًا، وانبعث صوته في أُذنيها كصوت أسدٍ ضاري يهم بابتلاع فريسته:
_بقا كده تتسجني بتهمة كبيرة زي دي، ومتعرفيش حبيبك هشام!
بلغ اتساع عيناي إسراء على آخرهما، وراقبت بأجفان مرتجفة جلوس هشام البسيوني بكل غطرسة على المقعد وفرد ذراعيه على ظهره، وبكل تسلط وأريحية، قال:
_إوعي تكوني يا إسراء يا حبيبتي شاكة في حبيبك هشام، تؤ تؤ هزعل.. هزعل اوي وزعلي وحش.
ومال إلى الأمام، وشبك كفيه أمام وجهه، وأتبع يقول:
_عيب إنك تشكي في الشخص اللي عمل منك نجمة كبيرة يُشار لها بالبنان، وفنانة مشهورة بيحبها الملايين.
وخبط بكفيه على الطاولة أمامه وهو يهب واقفًا، حتى جعل جسدها ينتفض وذرفت عينيها الدموع.
همست إسراء بصوتٍ متلعثم:
_أنـ.. أنـت عاوز إيه مني؟ جاي ليه؟! مش خلاص دمرتني؟ عايز مني أيه تاني؟! سيبني في حالي حرام عليك.
ورده كان ضحكة عالية، ألهبت فؤادها بالأحتقار الذي تسلل إلى ملامحها وعينيها، ونهض في بطءٍ متلذذًا ببكاءها وحالتها، وتقدم نحوها حتى كان قاب قوسين أو أدنى منها، ودس كفيه في جيبيّ بنطاله زافرًا بقسوة رافقة صوته البغيض:
_أسيبك؟! أنتِ غبية يا بنتي أسيب مين؟
وأولاها ظهره وأردف متابعًا بصوتٍ أجش:
_أنا مش هسيبك إلا وأنتِ جثة متحطمة، مش هبعد غير لما اتأكد إنك خلاص ميتة، أنا عملتك بإيدي نجمة مشهورة وبنفس الأيد هدمرك، وزي ما خليت عندك جمهور كبير يحبك.
ألتفت إليها وبرقت عيناه بوميضٍ من القسوة، وهو يجز على أسنانه، مسترسلًا:
_هخلي نفس الجمهور يكرهك ولما يفتكروكِ يدعوا عليكِ.
ومال بوجهه شَطر وجهها، وأكمل بهمسٍ كالفحيح:
_أترجتك تتجوزيني ورفضتي، عرضة عليكِ فلوس كتير ورفضتي برضو، وعدتك بنجومية هطلعك لسابع سما ورفضتي برضو، وعايزة تسبيني أنا هشام البسيوني...
قرن قول اسمه بإشارة من سبابته إلى صدره، ثم دار حولها ووقف بجانبها، متابعًا بهمس خافت مثير للرعشة:
_عايزة تدي تعبي لغيري وتشتغلي بعيد عني؟! لأ وكمان نويتي تسيبي التمثيل وبتحبيلي واحد فقير ملهوش أصل وعايزة تخسريني كل اللي بنيته؟!
وعلا صوته، قائلًا:
_يبقى موتك أفضل.
ثم اتجه جالسًا على المقعد ووضع قدمٍ على أخرى، وقال:
_حاولت أموتك بالعربية وقومتي من الموت برضو، دفعت مبلغ هايل لفرد من أفراد التصوير عشان يقتلك ونجتي من الرصاصة، حاولت أأقتلك أنا بنفسي في شقتك وأوضتك وبرضو معرفتش كأنك قطة بسبع أرواح.
أخذ هشام نفسٌ عميق، وأتبع:
_لقيت مفيش فايدة فقررت أني احبسك بقضية تاخدي فيها مؤبد.
ثم رفعت رأسها إليه في هدوء يثير الدهشة، وغمغمت من بين شهقاتٍ متتالية:
_أنت مش خايف من ربنا؟! اعمل كل اللي تقدر عليه براحتك ربنا هيجيب ليّ حقي، حسبي الله ونعم الوكيل فيك.
عادت إلى الزنزانة، شاردت النظرات، منتفخة الأجفان، محمرت العينين بلون أحمر قان من إثر البكاء، ورقدت على فراشها تضم جسدها بذراعيها، انتفضت من شرودها على صوت امرأة تقف أمام فراشها وهي تهز قدميها، متمتمة بغلظة:
_صدعتنا عياط ياختي كفاية، إيه مزهقتيش.
اكتفت إسراء بإن رمتها بنظرة سريعة ولم تعيرها اهتمامًا، بينما نفخت المرأة بضيق، ودارت حول الفراش وجلست بجانب رأس إسراء، ومسدت عليها في رفق، وانبعث صوتها هادئ مشفق وهي تقول:
_كفاية عياط يا حبيبتي، العياط مش هيفيدك بحاجة إلا تعبك، كلنا في الأول بنبقى كده.
وندت عنها ضحكة هازئة مريرة وهي تضيف:
_وبعدين كلنا بنتعود، بنعتاد الحبسة، وضيق ارواحنا علينا، وبنرضى بالمكتوب ونحمد ربنا.
هي دي الدنيا يوم ليك ويوم عليك، مستحيل تدي الواحد كل اللي هو عايزه، مفيش حد خالي من الهموم كلنا بس بنحاول نتعايش مع وجعنا، وأنتِ باين عليكِ مش قد الغم ده.
فارتمت في حضنها وبكت، ربتت المرأه على ظهرها، وهي تقول بتنهيدة:
_أبكي يا حبيبتي ففي البكاء راحة لقلوبنا من أوجاع مش بنقدر نفسرها.
ثم تفاجئت إسراء بذات المرأة تدفعها عن حضنها برفق، وهي تهب واقفة، قائلة:
_إوعي ياختي كده من وشي هو الواحد ناقص هم.
شيعتها إسراء بنظراتٍ مندهشة وقد تجمدت دموعها في عينيها.
الظلام يغشى المكان، في بقعة تسلطة فيها إنارة من السيارة التي ترجل منها هشام البسيوني بقلقٍ وهو يتلفت حوله، بعينين تطل منهما الفزع، وأصابعه تتحسس سلاحٍ متخفيًا في سترة بدلته، أقترب رجلًا يبدو عليه كِبر العمر منه، فبادره هشام البسيوني صارخًا:
_طلبت نتقابل ليه؟
فنطق الرجل بنبرة صارمة لا تضاهي ذلك القلق التي تطفح على كل خلايا وجهه:
_محتاج فلوس ولا عايزني أروح أبلغ الشرطة إنك السبب في حبس إسراء؟!
ضغط هشام على شفته السفلى في غضبٍ، وتميز غيظًا وهو يشهر سلاحه في وجه الرجل، قائلًا:
_أنا مبتهددش ولو حد فكر يهدد حياتي اخلص عليه، ولو بتفكر إنك ممكن تشتغلني يبقى بتحلم، أحنا اتفقنا على مبلغ معين وخدته كامل وحذرتك بس مسمعتش فعشان كده تستاهل الموت.
سحب هشام زناد السلاح، وهم بإن يطلق الرصاصة، ودوى صوت رصاصة مع اتسع عينين الرجل في هلع، واندفعت صرخت هشام مع تطاير السلاح من يده وانبثق الدم من كفه فراح يصرخ وهو يلتفت حوله مع ظهور رجال الشرطة في المكان.
رواية والتقينا الفصل السابع عشر 17 - بقلم ندى ممدوح
كان أمر حبس إسراء شاق على قلب بلال، وظل برغم إنه شاهد جلسة المحكمة مندهشًا، غير مستوعبًا لما حدث.
وإذ ألمته دموع عينيها وكأنها تعاتبه عن غيابٍ لم يكن بيده، وأخذت الحسرة من قلبه كل مبلغ، وبين جنبيه خافق أخذ ينبض بالألم والمرارة على كل ما يحدث له.
كان عليه أن يثبت براءتها مهما كلفه الأمر.
مهما أخذ من روحه.. وصحته.. وبدنه.. وقلبه..
ولكن أنَى السبيل لنجاتها؟!
أيُّ دربٍ يسلك؟؟
وراح عقله يفكر في حل لتلك المعضلة، كان يخشى الفشل.. وحق له أن يخشاه.. فشله يعني أن تبقَّ هي أبد الدهر بين جدران السجن، أن لا ترى عينيها شمس النهار، ألا تشرق بسراجها الوهاج في سماءه..
واختلط قلبه بالألم.. وبرزت في عقله فكرة.. فكرة لم يحسب لها حساب، وإن راح عقله يحيكها بكل جهدٍ وتخطيط محكم دون ثغرة واحدة قد ينفذ منها الفشل، ووضعها نُصب عينيه فورًا.
وذهب إلى الشرطي الذي يتولى قضية إسراء، وروى له ما يبغي واستمع إليه الضابط بكل اهتمام، ونال بلال بغيته.
وفي الحال ذهب مجتمعًا بمحمد الشهاوي وندى وسرد عليهما بغيته، ووضعتها ندى قيد التنفيذ، فقد اجتمعت بالخدم في منزل إسراء.
ورغم إن لا يوجد دليل واحد إن أحدًا من الخدم قام بهذا الفعل الشنيع ووضع المخدرات في حقيبة إسراء، إلا أن المحاولة لا ضير منها.
لذا فقد جلست وقد إصطف طاقم الخدم أمامها، وقالت بنبرة حازمة، صارمة:
_ المخدرات اللي تحطت في شنطة إسراء مش هتكون من أيد حد غريب من هنا.
صمتت لبرهة راحت خلالها عينيها تدوران في الوجوه أمامها في تفرس، وأتبعت بحروف متريثة:
_ وأنا مش هشك في حد معين ولا هتهم، ولكن هقول لشرطة إني شاكة فيكم وهما هيتصرفوا، كما إننا نوينا طردكم جميعًا من الشغل هنا.
تقدمت امرأة خطوتين عن الصف، وهي مجهشة في البكاء، وتغمغم في رجاء:
_ لا يا ست ندى بلاش طرد والله ما عملنا حاجة ولا نقدر نأذى الست إسراء دا إحنا عايشين في خيرها.
وتمتم شابٌ آخر دون أن يتحرك من مكانه:
_ يا هانم أنتِ كده بتظلمينا.
همَّت ندى أن تثور، أن تصرخ في وجوههم جميعّا، قلبها تتسعر فيه نيرانُ الخوف على رفيقتها الوحيدة، وروحها تتلظى على جمر القلق، لكنّ ودون جهدٍ مبذول.. دون عناء.. أتى لها قارب النجاة ليس بعيدًا يحتاج إلى أميال كي تصل إليه، بل قريبًا قرب الوتين من القلب، والمهجة من الفؤاد.
فقد ألتمعت عينا أكبر الخدم، بدمعتين تلالئتين بين الأجفان كنجمتين في ليلة حالكة السواد تتضيأن في الفضاء، فذهلت وأحست بنجاح مخططها وهي تصرخ واثبة في لهفة خبئتها في أعماقها:
_ وإذا خيركم من خيرها دا جزاتها في الآخر؟! إنكم تكونوا سبب في حبسها مدى الحياة! تقدروا تقولولي إسراء عاملت فيكم حد وحش ولا مرة؟! هل حسستكم في يوم إنكم أأقل منها! حد فيكم أحتاج لها وردته؟! إزاي قدرتوا تبيوعها للموت كده بكل بساطة!
أجهش الرجل أمامها في البكاءِ بحسرة، فدنت ندى منه وفي عينيها لهفة لم تحاول إخفاءها، وهي تردف:
_ مالك يا عم مرعي بتبكي ليه؟ عايز تقولي حاجة!
فنفى الرجل برأسه نافيًا وإن سالت دمعاته أكثر وهو يردد:
_ أبدًا يا بنتي توحشنا الأنسة إسراء!
فقطبت ندى جبينها في تعجب، وسألته في شك:
_ بس كده؟ متأكد يا عم مرعي؟!
هز الرجل رأسه مؤكدًا، فصرفت ندى باقي الخدم بإشارة من يدها، وقد تذكرت أمرًا ما انبثق في رأسها بغتةً كالنور المنقطع عندما يحل فجأة.
وجذبت الرجل من ذراعه حتى أجلسته، وهي تردد:
_ تعالَ أقعد يا عم مرعي.
وبعدما جلست أمامه، سألته في نبرة تخامرها الشك:
_ أنا عرفت يا عم مرعي إنك عاوز تسيب الشغل؟! برغم أنك محتاج لكل قريش عشان جهاز بنتك، فمش معقولة فجأة كده عايز تسيبنا؟!
وتقمصت دور الغاضبة المتيقنة مما تقول، وهي تنهض لتقترب منه، وتضيف في حدة:
_ بس أنا فاهمة وعارفة يا عم مرعي أنت ليه عاوز تسيبنا! لإنك أنت اللي حطيت المخدرات في شنطة أسراء.
أطل رُعبٍ عظيم في عين مرعي، وسَرَت رجفة في كيانه كله جعلته ينتفض كالمحموم، وهو يغمغم بارتياع:
_ لا يابنتي لا، لا مش أنا.. أكيد مش أنا.
استشعرت ندى إن الرجل يخفي شيئًا، وظلت تتفرس فيه النظر بصمتٍ تام، ثم غمغمت بنبرة قاسية:
_ سوا أنت فعلاً او لأ يا عم مرعي، فأنا هبلغ الشرطة وهتكون أنت أول المشتبه بهم.
وربتت على كتفه وهي تميل برأسها نحوه، وخفت صوتها مع قولها الصارم:
_ ومش عايزة أأقول عن طرق الشرطة في سحب اعترافات المجرمين، وأنت راجل على قد حالك وصحتك في النازل، وعمرك فانِ مش هتستحمل اللي هيجرالك دا غير عيالك اللي هيبقوا من غير عائل و...
قاطعها مرعي وهو ينهار على المقعد في بكاءٍ مرير، ويُردد بدموع الأسى:
_ مكنتش أعرف والله إن الكيس فيه مخدرات.
بريقٌ من الأمل برق في عينين ندى، وبلهفة غمغمت بصوت متهدج من الحماس:
_ هِـ.. هشام هو اللي عطاك الكيس…
قاطع مرعي عبارتها، وهو يستطرد في انهيار مع إيماءات رأسه:
_ ايوا هو، هو اللي أدهولي وعطاني تلاتين ألف جنية، وقال ليّ متجيبش سيرة لحد، وإن الكيس فيه هدية لإسراء عشان عاوز يصالحها.
ازدردت ندى لعابها في تلعثم، وغمغمت في خفوت:
_ يا الله.
ثم ظهر البشر على وجهها الذي هش وبش في سرور؛ وأسرعت تخبر بلال بالجديد عن طريق والد إسراء، واجتمعا بالرجل مرعي، وطلبوا منه يظل يلح على هشام بالمقابلة وأن يهدده إنه سيخبر الشرطة لو لم يتقابلا.
وقد كان.
ففي الوقت الحالي، أوقف هشام سيارته على جانب طريقٍ خالٍ من المبان، وتناول سلاحه الذي يحتفظ به دائماً في سيارته، ودسه في جيب سترته في حذر، ثم قبض على مقبض الباب في تردد وبدت رعشة طفيفة مرتبكة في أنامله قبل أن يضغط على المقبض ويدفع باب السيارة ويغادرها في ثباتٍ واهٍ زائف، ويذدرد لعابه في حنق، ورفع بصره إلى السماء الصافية التي تضيء فيها عيون النجوم، والهلال الغير مكتمل، ثم أغلق باب السيارة، وقد ترك ضوء مصابيها الأمامية مشتعلة، ووقف أمامها ثابتٍ وهو يراقب مرعي يقبل نحوه بخطواتٍ سريعة، تند منها الخوف.
ساد الصمت لحظة، انتفخت خلالها أوداج هِشام وهو يوهم نفسه بإنه الطرف القوي الذي لا يهاب شيئًا، وقال في حِدَّة:
_ عايز إيه يا مرعي، مش أنا اللي أتهدد ولا يخوفني كلب زيك، فلوسك وخدتها بزيادة كمان، عايز إيه تاني.
أجابه مرعي في خشونة توارى خوفًا عظيم في صدره:
_ اتفاق إيه اللي بتقول عليه ده، أنت خلتني مجرم من غير ما عرف واستخدمتني عشان تحط المخدرات لـ إسراء.
توتر هشام وهو يغمغم مرتبكًا:
_ مخدرات إيه أنت هتتبلى عليَّ وعايز تدبسني التهمة وخلاص؟!
هز مرعي رأسه نفيًا، قائلًا:
_ أنت بتكدب نفسك ولا بتكدبي يا أستاذ هشام؟! أنا شبه عارف ومتأكد إنك ورا الموضوع.
تبسَّم هشام بسمة شيطانية، وقال:
_ وهو كذلك ايوة أنا اللي ورا الموضوع، شخص حقير زيك يقدر يعمل إيه يعني؟! أخرك كام قرش وتخرس وتتكتم..
هم مرعي أن يقول شيئًا، ولكنه تراجع في آخر لحظة، وأطبق شفتيه في ارتجاف عندما هتف هشام في شراسة:
_ بس انا عارف إن اللي زيك مابيشبعش، وإني لو اديتك اللي أنت عايزه دلوقتي، هتطمع تاني وهتطلب تاني وهتهددني كل شوية؛ لذا مش خسارة فيك الرصاصة دي...
قال أواخر حروف عبارته مقرونة وهو يستل سلاحه من جيب سترته الداخلي، ويجذب إبرته في هدوء ويصوب فوهته في وجه مرعي، الذي شهق فاغرٍ فاه، واتسع عينيه وهو يتراجع خطوتين في ارتياع ودب الخوف.. كل الخوف في ثنايا جسده..
وضغط هشام زناد السلاح، وانطلقت الرصاصة لكنها لم تُطلق جهة مرعي، بل عاليًا في السماء في آخِر لحظة عندما قبضت يد قوية على مرفق هشام ورفعت ذراعه عاليًا.
تسمر هشام عاليًا وهو ينظر لضابط الشرطة، الذي يقول:
_ والله ووقعت يا هشام يا بسيوني ومحدش سمى عليك.
دارت عينا هشام في ارتياع على رجال الشرطة الذين انتشروا في المكان ومن بينهم بلال ومحمد الشهاوي، وصرخ ملتاعًا:
_ إيه اللي بيحصل ده! دي دي خطة.. خطة عشان يوقعوني ويدخلوني السجن.
أخرج الضابط الأصفاد وأرجحها أمام وجه هشام وهو يقول:
_ عندنا اعتراف كامل بصوتك يا بسيوني.
وجذبه الضابط لاويًا ذراعه وراء ظهره، وضم الأخرى وقيده بالأصفاد وهو يدفعه تجاه احد الجنود، قائلًا في صرامة:
_ هاته على البوكس يا بني.
بقلبٍ متلهف يخامره القلق والترقب والخوف وقفت إسراء في قفص الإتهام تراقب محامي الدفاع وهو يقدم المستندات والأدلة، ويسأل العم مرعي الشاهد الوحيد على براءتها، فيطوف بصرها تارة على القاضي وتارة على المحامي ويطيل النظر على وجه بلال بمحبة.
وانتظرت.. انتظرت طويلًا حتى نطق القاضي ببراءتها وإخلاء سبيها، وبكت كأنما لم تبكِ يومًا وهي تخر ساجدةً لله، كلمة واحدة فقط نطقتها وهي (حسبي الله ونعم الوكيل) أودعت أمرها على الله وحده، وكلته أمرها، فكان لها خير حسيب ولم يرد يديها خالية الوفاض بل بإستجابة كانت لها طوق النجاة من بحرٍ من الظلمات.
وضجت القاعة بالفرحة والحماس، وركضت ندى تجاه القفص والدموع تلمع من عينيها، هاتفة:
_ سمعتي يا إسراء خلاص، كل المعاناة دي انتهت مفيش سجن تاني.
وسال دمعها ممزوج بدمعات إسراء وهي تضم أناملها من بين فتحات القفص الحديدية، وتغمغم:
_ الحمد لله الحمد لله يا رب، ربنا نجاني يا ندى.
واتجه أبيها إليها ما إن خرجت وضمها بحضنٌ حنون كان لأول مرة تتذوقه إسراء، وقبل جبهتها ببسمة حنونة، وهتف بصوتٍ متهدج:
_ حمد الله على السلامة يا بنتي الحمد لله.
لم تجب إسراء، بل رفعت بصرها في لهفة شَطر بلال الذي تقدم منهم واقفًا في صمت.
أيمكن أن يعشق الإنسان صمت من يحب.
أن تنبض كل نبضة بلهفة ما أن تقع العينان عليه!
وتصمت الروح ذاك الصمت الذي يجعلها تحلق في جنة الحب، تلاقت أعينهما في سكونٍ تام، وتبسم بلال بسمة تألقت كضياءُ الفجر عندما يتنفس، وقال:
_ مُبارك البراءة.
وهمَّت أن تجيبه، لكنه استدرك في هدوء بنبرة ذات مغزى:
_ عقبال مُباركة تانية!
وأدركت إسراء المعنى من قوله، وتضرج وجهها بحمرة الخجل، ورددت في حياء:
_ الله يبارك فيك.
ألتفت محمد إلى بلال، وصافحه في شغف، وقال بنبرة مبتهجة وهو يشد على يديه:
_ بنتي خرجت من السجن بفضلك يا بني، صدقني مش عارف أشكرك إزاي؟ ولا أوفي فضلك، ولكن شكرًا.. شكرًا يا بني من قلبي على كل اللي عملته.
رد عليه بلال بشبه ابتسامة لاحت على ثغره واندثرت سريعًا:
_ العفو، معملتش غير الواجب.
وحاد بصره جهة إسراء، وهو يهمس لنفسه:
_ الواجب تجاه قلبي وبس.
رفع بصره إلى محمد الشهاوي عندما أردف يقول:
_ هستنى الموعد اللي كلمت عليه إسراء قبل ما يحصل كل ده في اي وقت أنت تحدده.
ملئت السعادة قلب إسراء وطفت على وجهها الذي تهللت اسايره، وشعت في عينيها، وهي تمسك بانامل ندى وتبادلا نظرات الفرح، بينما بلال يقول في هدوء:
_ انهاردة، انهاردة الساعة تمانية بالليل، ينفع؟!
صمت والد إسراء متفاجئًا من سرعة بلال لكنه لم يلبث إن ابتسم وهو يغمغم:
_ ينفع طبعًا، هستناك.
قالها، وهم يعبرون قاعة المحكمة، وينزلون درجاتها في بطء، وقبل أن يدخلوا سيارة بلال، استدارو جميعًا إلى ضجة أُحدثت بغتة من وراءهم، كانت سببها أفراد من الصحافة والإعلاميين الذين اجتمعوا حول هِشام البسيوني الذي يطوقونه رجال الشرطة، ويسوقونه تجاه سيارة من سياراتهم.
وأطل غضب هائل من عيناي محمد الشهاوي، وهو يتوجه نحو هشام بينما توترت إسراء وهي تنقل بصرها في حيرة بين ندى وبلال، ورصدت ندى تسلل يد محمد تتحسس مسدس يكمن في جيب بنطاله، فاتسعت عينيها هلعًا، وهتفت في لوعة وهي تستدير إلى بلال هاتفة:
_ بلال إلحق عمي محمد في مسدس في جيبه، إلحق قبل ما يشوفه حد.
بدون تردد ركض بلال وقد لاحظ السلاح الذي يتلمسه محمد في بطء وهو يحاول المرور من بين رجال الصحافة، وقد نجح في التسلل من بينهم، ومال على أذن هشام، هامسًا:
_ إنك تتسجن زي ما سجنت بنتي دا مش كفاية، أنا لازم أخلص عليك زي ما خلصت عليها ومش هيهمني لو هاخد إعدام بعد كده.
كانت خطة لم يفكر لها، ولم يعمل لها حسابًا، لكنه ما كاد يبصر هشام حتى استحوذ الشيطان على عقله بتلك النية الشريرة، ووضعها قيد التنفيذ فورًا دون أن يفكر في أية عواقب.
بسمة هازئة مستفزة رُسمت ببراعة على زاوية فم هشام وهو يردد:
_ بلاش تحلم بموتي كتير يا شهاوي عشان هخرج قريب والمرة دي مش هدمر بنتك بس لأ هتكون وأنت كمان والواد اللي بتحبه.
رواية والتقينا الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ندى ممدوح
أبَى القلب إلا أن يراها قريبة
كأن رضاها مُزنةٌ تتحدر
ينال المرء دومًا حصاد ما يجنيه، سواء كان خيرًا أم شَر، ورب العالمين ليس بظالم للعبيد، لكل منا يوم يجد فيه بذور ما ذرعه.
"لا بقا أنت ناوي على موتك الليلة دي!"
صرخ بها شابٌ نحيل البدن، بائن الطول، وسط زنزانة السجن. على وجنتيه تكمُّن ندوبٌ عميقة وخدوش توحي إلى أنه (بلطجي) يبحث عن المتاعب ويتوغل فيها غير عابىءٍ بنفسه، التي لم تعد إلا حبيسة بين قبضان من الحديد، وجدران ميتة، فآثر الشغب عله يجد فيها ما يجعله يشعر إنه لا يزل حيًا والفرق بينه وبين الميت هو نفسٌ يتردد في صدره الذي يضيق به.
وتراجع هشام البسيوني مرتعشًا، مرتجفًا، واجف القلب، وبفمٍ ينتفض ردد في ذعر:
"موتي، أنت عايز تموتني يا فرج؟!"
وصرخ بصوتٍ مرتفع وهو يهرول تجاه باب الزنزانة الحديدي ويدُق عليه بقبضتيه:
"يا شاويش أنتوا ياللي هنا حد يلحقني."
تناهى إليه ضحكة فرج الهادئة، فأستدار إليه ودب الرعب في قلبه وهو يجده يقترب منه، والتصق بالباب وهو يحدق فيه في ارتياع، بينما الآخر يجذبه من ملابسه، زاجرًا:
"بقولك إيه بلا مخرج بلا يحزنوه، أنت هنا واحد ملهوش لا أصل ولا فصل زيك زينا فـ يلا يا حبيبي هات الأتاوة اللي عليك وإلا تبات على الأرض انهاردة."
ودفعه بقسوة على الأرض، فسقط هشام على وجهه، ورفع رأسه إلى الشاب وقد شحب وجهه، وقال في ضعف:
"أنا معيش اتاوة، بس، بس عندي أكل أكل يلا جاي خده.. خده كله."
ارتسمت على وجه الشاب بسمة شرسة ماكرة، وهو يلتقط حقيبة الطعام ويجلس على طرف الفراش، فوق رأس هشام، وفض الطعام وأخذ يأكل، وهو يقول:
"طيب، من انهاردة كل لبسي أنت اللي هتغسله، والسرير تنضفه كل يوم لأ كل يوم إيه؟! كل ما اقعد عليه واقوم."
وصمت مبتلعًا ما بفمه، ووضع قطعة أخرى من لحم الدجاج راح يلكها في تلذذ، ويقول:
"اممم، إلا صحيح يا هشام أنت على كده عندك فلوس كتير؟!"
أجابه هشام وهو يقوم من سقوطه، ويقلب كفيه:
"متعدش. معايا كتير ومستعد اديك اللي أنت عايزه."
تبسم الشاب وهو يقف قبالته وقد ترك الطعام من يده، وقال وهو يطوق كتفه ويسير به داخل الزنزانة:
"كده تبقى حبيبي يا أبو الهشاشيم."
ردد هشام في ازدراء:
"أبو الهشاشيم؟!"
ضرب الشاب على كتفه مقهقهًا، وقال:
"بدلعك يا جدع إيه مدلعكش دا إحنا هنبقى حبايب."
ودفعه من قفاه نحو فراشه، وهو يقول:
"يلا بقا يا حبيبي نضف ليّ السرير عايز أريح جددتي حبتين."
ودار هشام رأسه الساقط على الفراش إلى الشاب الذي أطلت من عينيه شبح الشقى.
وأيام العذاب.
وما جناه.
والثائر على كل جرائمه.
وما اقترفه يمينه.
وعن ظلمه وتجبره.
الأيام دارت وباتت عليه وليست له.
كان يتجبر ويظلم ويقسو كيفما يشاء وها هو ذا يُسقى مما اقترف.
يظنُّ الظالم إن في إمهاله نجاة وقد نسى إن الله عدلٌ يحبُ العدل، فيتناسى إن الله مطلع عليه ويغمض عينا القلب ويتجبر كما يحلو له، ويكون في امهاله تدبر وحكمة عظيمة من الله عز وجل فإن الله يمهل ولا يهمل.
طوبي لمن تمر عليه سعادة القلب، ويخطف من السماءِ نجمة تظل تضيء عتمت الفؤاد، وينسى من خلالها كل مُر خامر الأعماق، ويا حسرتاه على من بقى حبيس الذكرى فيتعذب بنارٍ لا تنطفيء.
غمرتها الفرحة دون أن تشوبها أيُّ شائبة، فنست كل لحظة حزن زارت أعماقها، نست.
من هي.
ومن كانت تكون.
كأنما وُلدت من جديد، بعمرٍ جديد، وروحٍ جديدة، مع من أحبته فصار منها كما الوتين، أو مهجة القلب.
كأنها فراشة ذات عمرٍ قصير أختزنت لذاتها فرحة وأكتفت بما جنت.
كانت تقف إسراء أمام المرآة في حجرتها، تتمايل بفستانٍ أبيض اللون ذا حزام ذهبي عند الخصر، وخمار بلون الزهر، وتتمتم في توتر:
"يا ندى، حاسة إن في حاجة غلط."
فشوحت ندى بكفها في ضجر، وهي تقول:
"ما بس بقا يا بنتي إيه الغلط والله قمر، حطي بقا مكياج."
فـ استدارت إسراء في حِدة، هاتفة في حَنَق واستنكار:
"مكياج؟! مكياج إيه اللي احطه لأ طبعًا هكون على طبيعتي انهارده."
فزفرت ندى بعصبية، قائلة:
"اللي أنتِ عايزه بقا اعمليه.. هخرج أشوف كل حاجة برا تمام ولا في حاجة ناقصة."
أجابتها إسراء بإماءة من رأسها، فخرجت ندى مغلقة الباب وراءها، ورُسمت بسمة عذبة على ثغر إسراء، وهي تجلس أمام المرآة في شرود في جل ما مرت به، ومر أمام عينيها يوم جلسة النطق بالحكم، وأغروقت عينيها بالدموع من تلك الذكرى الأليمة، واسترجعت عندما حاول والدها قتل هشام البسيوني ولقد كان يفلح لولا وجود بلال الذي لحق به في اللحظة الأخيرة وقبض على يده الممسكة بالسلاح وأعاده في غمده وسحبه بعيدًا.
يا الله كم تحبه.
بلال ليس مجرد اسم او شخص في حياتها.
أنه نور انبثق فجأة في ليلة من ليالي الدادي فـ أضاء سماء قلبها بنور الأيمان.
نعم، نوره لم يكن مجرد نور، لقد جاء بنور الإيمان الذي أعاد تشكيل حياتها من جديد.
ليتها تستطيع إعادة قطار الحياة، فتنزل في كل محطة مرة أخرى وتطمس كل حياتها بممحاة تزيل كل أثر أصبح عالق كالحنظل في كل خطوة تخطوها في الطريق إلى الله، هي لست ملاك ولن تكون لكنها ستجاهد كي تفقه في الدين، حتى تكون من الصالحات، القانتات، ورغم إنها لا تزل لا تعي شيئًا في امور دينها إلا إنها ألتزمت بأحكام الخِطبة، فلم تحادثه، ولم تجلس معه بمفردها، وها هي الآن ستُقرن له، سيُعقد قرائنهما وستنتمي إليه، يا لهف قلبها ما أجمل أن ينال المرء ما يتمنىما كان يبغيهويرجوه.
خرجت من غرفتها عندما أخبرتها ندى إن المأذون قد أتىٰ، خفق قلبها، وتراقص بين ضلوعها في سعادة ولهفة ما أن وقعت عينيها على بلال، وجلست بجانب والدها في حياء، بعدما رحبت بوالدته وقبلت رأسها، لم يلبث خجلها أن تلاشى والمأذون يعلنهما زوجٌ وزوجة، واستقبلت وابل التهاني بسرورٍ ظهر جليًا على ملامحها، وشعت بها عينيها المتوهجتين.
انفض عنها المهنئيين، ورأت بلال يقترب منها في رصانة، فزين ثغرها ببسمة خجلة، وأسبلت الأجفان، وخفق قلبها في عنفٍ حتى أحست إنه سيغادر قفصها الصدري ويترك مكانه ليس خاليًا، بل مليئًا بحب ذاك الذي وقف قبالتها مادًا كفه بمصافحه ودودة، ولسانه يهمس في خفوت:
"مُبارك."
فتصافحا.
وكانت أول لمسة في الحلال.
وأول عناق للأصابع.
وأول ضمة للعينين.
وأول خفقة تمتزج بالراحة بقرب المحبوب.
تعلق بصر كل منهما بالأخر فصمت، ولا تزل راحته تضم كفها الرقيق في حنان، وتسللت أصابعه تتحسس أناملها في حنوٍ.
"لا، لا متسرحوش كده عشان مش هسيبكم تتهنو لوحدكم في يوم زي ده."
قالت هذه العبارة أميرة، وهي تضم كلا منهما بذراعيها ضاحكة، فنفض بلال ذراعها عنه وهو يقول في حنق:
"إوعي يا بت كده."
فعبست أميرة وهي تلتفت إلى إسراء مغمغمة في حزنٍ مصتنع:
"أنتِ هتسيبيه يقولي بنت كده عادي؟! هو أنا مليش اسم؟."
ضحكت إسراء في رقة وعذوبة، بينما بلال يقول:
"مضايقة إني بقولك يا بت؟! ليه شايفة نفسك واد ولا حاجة؟!"
زمَّت أميرة شفتيها وهي تلكزه بمرفقها وقد جهمت المحيا، وحوَّلت بصرها إلى سهير، صائحة:
"عاجبك كده؟! هسكت بس عشان انهارده كتب كتابه والمسامح كريم."
فغمغم بلال:
"على أساس البنت كريمة أوي يعني."
ورمق إسراء بنظرة سريعة وهو يضيف:
"أنا هاخد إسراء ونخرج؛ فيلا عشان أوصلكم."
ولكن ومع إصرار محمد الشهاوي على البقاء حتى تناول العشاء أُذعن بلال وترك أفراد عائلته ليوصلها سعيد، واستأذن ليأخذ إسراء ويخرجا، ووافق أبيها دون أدنى اعتراض.
"ها حابة تروحي فين؟"
تساءل بلال وهو يقود السيارة، فدارت إسراء رأسها إليه قائلة دون تفكير:
"على الكورنيش!"
قطب بلال حاجبيه وسألها متعجبًا في استنكار:
"الكورنيش؟"
فـ أومأت إسراء برأسها، وقالت متبسمة في رقة:
"آه عايزة أروح هناك."
وأتبعت تقول في حياء وهي مطرقة الرأس:
"من يوم ما عرفتك ونفسي أوي أروح معاك هناك."
تبسَّم بلال ولم ينبس ببنتِ شَفة، وغشاهما الصمت طول الطريق، حتى أوقف سيارته في المكان المنشود، وترجل في هدوء ودار حولها فاتحًا الباب لـ إسراء التي غادرتها بدورها في توتر ملحوظ، وسارت بجانبه في صمت، لم يكن أيًا منهما يدرِ ما يقول.
وإن قال، فكيف يبدأ؟
ورافقهما الصمت طول المسير بمحازة سور (النهر) إلا من تحركات بلال حولها فإذ مر شاب من جوارها لف حولها ليسير من جهته، أو احاطها بذراعه وهذه الحركات البسيطة كانت كفيلة بجعلها تغرد كعصور تحرر من قفصه.
بجعلها تشعر إنه تميمة تحاوط أحبتها.
أو كوكبًا يدور حول أفلاكه.
وصلت إلى انفها رائحة الذرة المشوية، فألتفتت إليه، قائلة:
"بلال، عايزة أكل ذرة."
رفع بلال إحدى حاجبيه مندهشًا، وردد:
"ذرة! بس كده؟"
اومات في صمت، فذهب ليبتاع لهما كوزين من الذرة ويعود إليها، جالسًا على حافة السور، بينما ظلت هي واقفة، وشردت ببصرها وفكرها على صفحة المياه الراكدة، وألتمعت الدموع بغتة في عينيها، وقالت بنبرة كأنما تخرج من أعماق تائهة دفينة:
"تعرف يا بلال..."
نظر إليها بلال في انتباه وهو يأخذ قضمة من حبيبات الذرة ويلوكها في فمه مضيقًا عينيه في تساؤل، فـ أردفت في هدوء وهي تقلب كوز الذرة دون وعي:
"دلوقتي بس حسيت إني عايشة فعلاً، صدقني الفلوس الكتير والعُرى دا مكنش ولا حاجة قصاد سعادتي دلوقتي وراحتي."
قاطعها بلال قائلًا في إنفعال:
"مش عاوز اسمع اي حاجة عن حياتك اللي فاتت كله ماضي وتنسى فبلاش تتكلمي فـ اللي فات أحسن."
هزت إسراء رأسها وتقابلت عيناها الدامعتين بعيناه وهي تهمس في صوتٍ شبه باكٍ:
"الماضي عشان يتنسى لازم ذكريات تمحيه، وعشان اعمل ذكريات جديدة لازم اتكلم، لازم اطلع اللي جوايا."
أشاح بلال بصره عنها، وأصغ سمعه، وهي تضيف:
"الكل بيحسدني على كل اللي كنت فيه من مال وشهرة ونجومية، مفكريني كنت عايشة فعلاً."
صمتت تهز رأسها بضعفٍ وهي تستأنف:
"أنا فعلاً كنت عايشاها عارف شعور إن تكون نجم كاميرات حواليك في كل مكان، الناس متحلمش إنها تشوفك إلا في التلفزيون، الكل محتاج موعد ومعجزة عشان يقابلك؟! دا شعور بيخلي الإنسان بيحس بالكِبر والزهو."
ولت ظهرها للبحر واسندت ظهرها على السور، وهي تدفن وجهها بين كفيها متابعة:
"إنك بتلبس أغلى لبس وأحسن لبس وافضل خامات وأسوء أقمشة وكله عادي اللبس المكشوف عادي، الشعر المكشوف عادي، خروجات إلى أغلى وافخم الأمكان، سفر لأي حتة عادي ما هي فلوس، كله كان بيحسدني على ده، بيقولوا يا بختها عايشة حياتها ومعاها فلوس كتير تقدر تعمل اللي هي عايزه، كله بيحسدني إني بضحك ومبسوطة مفكرين من قلبي بس لأ."
شهقت فجأة لكنها لم تسكت، بل أكملت في حرقة:
"لو يعرفوا شعور الراحة والسعادة اللي أنا حاسهم دلوقتي مكنش حد حسدني على اللي عشته زمان، لو يعرفوا معنى لذة السجود كانوا حسدوني عليها، لو يعرفوا معنى الحب الحقيقي مكنش حد أهتم بجمع الفلوس وفضل طمعه عاميه، أنا معاك عرفت يعني إيه حياة؟! يعني إيه أمان وحب واحتواء؟! يعني إيه حد يخاف عليَّ ويقولي ده صح وده غلط حد يوعيني."
كتمت شهقاتها وكلماتها عندما وجدت قبضته الحانية تجذبها من ذراعيها ويضمها إلى صدره في حنان، ثم أبعدها ملثمًا جبهتها بعاطفة، وضم وجهها بين راحتيه، وهو يهمس:
"أنسي إسراء الممثلة، أنتِ دلوقتي واحدة تانية، إسراء اللي زيها زي اي حد من حقها تحب وتتحب من غير ما حد يكون مراقب خطوتها، من غير ما تصحى كل يوم وتلاقي الجرايد والصحف والمجلاّت بتكتب عنها، أنتِ دلوقتي مراتي وبس."
لم تكن واعية لما يقوله كانت مذهولة من قربه، وبينما هي مطرقة الرأس، قالت وهي تسبل جفنيها وتضم كفيه براحتيها:
"أنا خلاص نسيتها ومش هفتكرها تاني، هفتكر بس إني إسراء مرات بلال أنا.. أنا معاك بتعامل بتلقائية غريبة لدرجة اوقات ببقى مستغربة نفسي ممكن عشان بحبك."
تبسَّم بلال من تصريحها، ثم راعه إنها ابتعدت في عنف، تفرَّ منه باحثةً بعينيها عن شيء لم يعرف كنهة لثوانٍ حتى قالت:
"هي الدرة بتاعتي فين؟!"
فتعالت ضحكاته في مرحٍ، وهو يناوله لها، قائلًا:
"اهو محدش خده، لما تحبي تهربي مني مرة تانية أبقي دوري على حاجة تقنع."
وضحك مجددًا بضحكاتٍ امتزجت بضحكاتها الخجلة، خيم عليهما الصمت مليًا، بددته إسراء وهي تقول في تذكر عابس:
"بلال، أنت ليه كنت بتقول عليَّ إني بلوة."
وتذكرت يوم إن قال لها (لإنك بلاء مش بيسيب صاحبه) فرددتها على مسامعه وهي تغمغم في حَنَق:
"أنا بلاء بالنسبة لك يا بلال؟!"
أستدار لها بلال برأسه فلانت ملامحها العابسة مع نظراته الثاقبة المتمعنة، وقال وهو يلتقط كفيها في راحتيه بحنوٍ:
"إن كان لكل ابتلاء عوض زيك فيا مرحبًا بكل الابتلاءات."
استندت عايدة على يد أميرة وهي تغادر بيت الشهاوي، ولحقت بهمن سهير وهي تبحث عن عماد الذي لم تجد له أثرًا في أيُّ مكان، وشيعهما محمد وندى إلى أسفل البناية، تلفتت سهير حولها في المكان حتى لمحته يقف مع مدحت قريب إسراء ورب عمل زوجها، فتقدمت منهما وقبل أن تصل تناهى لها قول مدحت في حِدة غاضبة:
"دا آخِر كلام عندي يا عماد، فلوسي اللي سرقتها ترجع ليّ والنهاردة قبل بكرة واحمد ربنا إني مبلغتش عنك، ولا فضحتك قدام اهل مراتك احترامًا لـ إسراء بس واهل بلال اللي مشفناش منهم إلا كل خير. كان ممكن اديلك اللي أنت عايزه واكتر."
وصرخ وهو يتميز غضبًا:
"لكن تسرق فلوسي اللي أمانتك عليها لأ، أنا ممكن أسامح في أي حاجة إلا السرقة، وبعدين دا انا مكبرك ومخليك دراعي اليمين وعليتك وسط العمال وخليت ليك كلمة وأديتك راتب يفوق راتبك الحقيقي وفي الاخر ده جزاتي؟!"
شحب وجه عماد، وظل متسمرًا لا يقو حتى على التفوه بحرفٍ واحد، وشهقت سهير وهي تكتم فمها، وهمست لنفسها بصدمة، وقد سال دمعها على وجهها في غزارة:
"سرقة؟! كان بيسرق كان بيأكلني من فلوس حرام؟! كلتِ من فلوس حرام يا سهير، دا انتِ اخوكِ كان بيشتغل ويقد ويشقى ليل نهار عشان يأكلك لقمة حلال في الآخر تدوقي مال حرام."
وادركت خطأها.
كان يجب أن تستمع لرفض اخيها.
ليتها لم توافق على تلك الزيجة.
ليتها لم تعود له.
هذا جزاء تشبثها بمن لا يستحق.
ولم تصدق إنها تناولت طعامٌ من مالٍ مسروق، وإن امعاءها تتلظى على نار الندم والحسرة، ليتها تستطيع تقيؤ كل ما دخل في جوفها.
أحست بالدنيا تميدُ بها، وإن ظلامٌ حالك قد أكتنفها من رأسها حتى أخمص قدميها، وإن الحياة بكل اتساعها لم تعد تسع لها، ولا تريدها، كأنما نبذتها، هذا هو قرارها قرار الخوف من الناس، قرار كلمة عنوسة، قرار اودى بحياتها إلى الجحيم. جحيم عماد. جحيم الزل، والمال الحرام.
ما أقسى أن يبكي قلب المرء، فهو بكاء لا يُرى ولا يمحى كبكاء العينين.
ما اسوء أن يندم المرء على عمرٍ أنقضى وهو لا يزل صريع القرار، هاويًا من جرفٍ هار فانهار به في مكب الآلام.
ليت الندوب تندمل.
ليتها تُطمس ولا يكن لها أثرًا كالثقب الفارغ في سويداء الفؤاد.
عادت إلى منزلها وقد سقط في يدها، شاردة الفكر والبصر كتمثال يحركه أحد كيفما يشاء، وبلغها نحنحت عماد التي بدت لها كبركانٍ مخيف عجزت عن النجاة منه، فطالها ناره، ثم سمعته يقول بصوته البغيض المتهدج:
"أ.. اومال مالك يا سهير حاسك مش فرحانة، فيكِ إيه؟!"
فأستدارت له وعلى ثغرها شبح بسمة متهكمة، وقالت في سخرية:
"فيَّ إيه؟! أنت بتسأل!؟ أنا إزاي كنت غبية كده ورضيت اعيش مع واحد زيك."
بتر عماد حديثها عندما قبض على مرفقها في قسوة وهم أن تنفرجا شفتيه عن عبارةٍ ما، لكنها لم تتح له الفرصة، وهي تُفلت ذراعها منه متقهقرة للخلف، وهتفت في ثورة من الغضب:
"إياك إياك تتكلم أو تفتح بقك مبقتش أطيق سماع صوتك خالص، بقيت بكرهك وبكره صوتك وبكره اليوم اللي وافقت فيه عليك."
ربتت على قلبها كأنها تواسي نفسها، تطبطب عليه كي يقف عن البكاء، أن تزول عنه الحسرة، وتابعت في مرارة:
"كانت غلطتي أنا اللي وقفت في وش اخويا وأصريت على واحد زيك، انا استاهل أنا اللي وحشة وفكرته مش عايز يفرح بيا طلع كان اكتر واحد خايف عليَّ حتى اكتر من نفسي."
اقترب عماد منها مذهولًا، لكنها أوقفته بإشارة من كفها، وصرخت:
"متقربش، متقربـــــــــــش، بتسرق بتاكلني حرام طيب أنت رديت على نفسك تاكل حرام ومخوفتش من ربنا أنا ذنبي إيه؟! ذنب ابنك اللي في بطني إيه!؟ أنت بتحط راسك على المخدة وتنام هادي البال إزاي؟! طب ضميرك إيه مبيعذبكش؟! معندكش قلب؟! طيب أنت اكيد كنت خايف حد يشوفك ويعرف كنت خايف صح."
صمتت مسبلة جفنيها فسكبت عينيها دموعًا كالأنهار الجارية، وهزت رأسها وهي تجيب نفسها في مرارة:
"اكيد كنت خايف."
وراحت تعد على أصابعها في عصبية مفرطة:
"كنت خايف من صاحب الشغل، خايف حد من الشغاليين معاك يعرفوا، خايف من كلام الناس أنت مكسوف لناس تعرف؟! طيب مش مكسوف من ربنا؟! استخبيت وداريت سرقتك عن الناس كلها طب وربنا خبيت عليه إزاي؟! وهو شايفك وعارف أنت بتعمل إيه دا بصير يا شيخ مخوفتش من الحساب؟! مخوفتش النار."
تائه، ضائع، ذائغ العينين، شاحب الوجه هكذا كان عماد وهو يقف أمامها ممتقع الوجه، وانفجارها كان عظيم الأثر في نفسه، فراح يصرخ وهو يسد أذنيه:
"اسكتـــــــــــــــي اسكتي متتكلميش."
ثم دفعها دون وعي بذراعيه في الحائط، فسقطت سهير أسفل قدميه كجثة ميتة، ورأى بقعة من الدم تتشكل أسفلها، فردد باسمها في همس خافت وهو يتراجع نحو باب الشقة مصعوقًا، مصدومًا، ثم ولى مسرعًا وغادر الشقة ركضًا، تاركًا إياها.
رواية والتقينا الفصل التاسع عشر 19 - بقلم ندى ممدوح
(الحمد لله إنك بخير، قلبي كان هيوقف يا بت من الخوف عليكِ)
رفرفت سُهير بأهدابها وهي تحرك رأسها بتأوه شديد من ألمٍ حاد في رأسها، وفتحت أجفانها في وهنٍ حتى أعتادت الضوء، وتسلل صوت أميرة بهذه العبارة مخترقًا أذنيها، فدارت بصرها شَطرها، ورددت في ضعف:
_أميرة أنتِ هنا؟! أنا فين؟! إيه اللي حصل!
وتزاحمت في مخيلتها صور عديدة متلاحقة.
صورة كتب كتاب أخيها بلال، وما تلى ذلك من أنباءٍ هدمت ما تبقى من ثباتها، شِجارها مع عِماد ودفعه لها بقسوة نحو الحائط، لقد كان آخر شيء سمعته صوت ارتطامها بالأرض وخطوات آتية عدوًا وأخرى تفرَّ، ثم أحست بيدين تحملانها برفق، وصوتٌ رجولي يقول:
_سهير متخافيش هتبقي بخير.
لقد كان صوت سعيد تدرك ذلك، لإنها عندئذ تركت ذاتها لدوامة من الظلام المخيف تحيق بها وأغمضت عينيها في أمان.
أجابتها أميرة بشفقة وهي تمسح على رأسها بحنان:
_أنتِ هنا في المستشفى يا سُهير، جبتك أنا وسعيد.
وأستدركت تقول بتوضيح:
_كنتِ نسيتي شنطتك معايا وجيت ارجعهالك، فلقينا عِماد خارج يجري من الشقة، ولما كلمناه مردش ولا حتى التفت لينا، ودخلنا لقيناكِ مُغمي عليكِ.
وسَكَتت وأرتج عليها، فلم تدرِ ماذا تقول! وكيف تخبرها بفقدان طفلها؟!
لكنها حسمت أمرها بعد تردد، لتخبرها بالطامة الكبرى وهي تزدرد لعابها في قلق:
_سُهير أنتِ أجهضتي...
صمتت عن الاسترسال مع تلك النظرة الملتاعة من عينين سهير، فلاذت بالصمت، وحدقت فيها بتحفز لأي نوبة أنفجار، لكن راعها أن أغمضت سهير عينيها، وسمات الراحة أرتسمت على ملامحها ولسانها يهمس:
_الحمد لله، اللهم لك الحمد.
فُتح الباب في عنف، وبرز بلال وهو يهتف:
_مال سهير يا أميرة.
همَّت أميرة أن تجيبه، لكن سبقتها سهير التي أعتدلت وهي تنفجر باكية، مرددة باسمه، فاندفع إليها وجلس بجانبها آخذًا إياها في حضنه، بينما دلفت إسراء إلى الحجرة وقد أطل من عينيها حزنٍ هائل لحال سهير، تمتم بلال وهو لا يزل يضم سهير إليه ويربت على رأسها في حنو:
_ارجعي أنتِ يا أميرة مع سعيد عشان ماما وعمرو في البيت لوحدهم، ووصلوا إسراء في طريقكم.
رفضت أميرة قائلة:
_لا طبعًا أنا مش هسيبها.
فغمغم بلال بنبرة صارمة:
_اعملي اللي بقولك عليه بدون كلام لو سمحتي.
زمَّت أميرة حاجبيها، وجهمت المحيا وخرجت غاضبة دون أن تنبس ببنت شفة، بينما دنت منه إسراء ووضعت كفها على كتفه، وهي تتمتم في خفوت:
_هجيلكم الصبح بدري، لو احتجتم حاجة كلموني.
اومأ لها بلال برأسه إيجابًا، وقال:
_تمام، تصبحي على خير.
استمع إلى إغلاق الباب، فأبعد سهير قليلًا، وتساءل في نبرة مهددة:
_أنتِ لسه باقية عليه؟!
هزت سهير بضعف رأسها، وتمتمت:
_لأ، طلقني منه يا بلال..
استقام بلال واقفًا، وهو يقول:
_هطلقك.
رقدت سهير على ظهرها وهي تتنفس الصُعداء، وتنبهت لطرقٌ على الباب، تلاه دخول الممرضة، وهي تقول في هدوء:
_موعد الحقنة.
تنح بلال جانبًا وراقبها وهي تغرس إبرة المحقن في وعاء (الجلوكوز)، ودفعت المادة التي كان يحويها المحقن، ثم أستدارت مغادرة، فأستدار بلال ناظرًا عبر النافذة المفتوح إحدى ضلفتيها متأملًا صفحة السماء في شرود، وقد استقرت كلاتا يديه في جيبيّ بنطاله، تنبه من سرحانه على صوت سهير شديد الخفوت، وهي تقول:
_بلال، أنت زعلان مني؟!
فأجابها، وهو لا يزل على شروده في صفحة السماء:
_مفيش حد بيزعل من نفسه يا سهير، اطمني عمر قلبي ما يزعل منك.
وانتزع يديه وهو يستدير إليها متبسمًا، وقال بمشاكسة:
_بس دا ميمنعش إنك محتاجة ضربة على دماغك تفوقك، وتعرفك إن كلمة أخوكِ وخوفه عليكِ دايمًا على حق، وإن الأخ مهما تغلط أخته هيفضل عُكازها، وسندها، والأمان، الأخ سكن يا سهير.
ظلل ثغر سهير بسمة عذبة، وأغمضت عينيها، مستسلمة للنوم الذي داعب جفنيها، واستحوذ على كل خلية من خلايها.
في اليوم التالي، خرج بلال لدفع مصاريف المستشفى، وبينما هو يعبُر الرواق الذي به غرفة أخته، توقف على صوتٍ جاء من وراءه يصيحُ في لهفة:
_بلال.
فـ استدار وما كاد يرى المنادي حتى تهللت أسايره، وهتف بعينين يطلُ منهما الفرح:
_محمود!
وتعانقا في أشتياقٌ واضح، وبلال يسأل في اهتمام:
_إيه يا بني رجعت أمتى؟! والله وليك وحشة يا جدع كده الغربة تبعدك عنا كل ده.
فغمغم محمود باسم الثغر:
_الحياة يا صاحبي، بس أنا خلاص صفيت كل حساباتي وهستقر هنا..
قاطعه بلال متسائلًا بقلق:
_أنت بتعمل إيه في المستشفى؟
زفر محمود بضيق، وقال عابسًا:
_الحج تعبان شوية، وأنت هنا ليه؟!
أجابه بلال:
_وأنا سهير تعبانة شوية، طب يلا هروح معاك اطمن عليه.
سار محمود بجانبه، وهو يسأله في اهتمام شديد:
_بلال، أنت بتشتغل بشهادتك؟
ضحك بلال بخفة، وهو يقول:
_الشهادات دي للزينة بس غالبًا يا بني، لأ.
فتبسم محمود ورد عليه وقد ارتسمت ملامح الارتياح على وجهه:
_لا للزينة ولا حاجة دلوقتي تشتغل لحد ما تزهق، لينا قاعدة برا المستشفى طبعًا.
كان محمود من ذاك النوع من الشباب أولئك الذين لا يهدأ لهم بال حتى ينالوا مبتغاهم، وقد كافح ليسافر ويسعى ويشقي وها هو ذا يعود باحلامٍ ستكون نُصب العينين، مكللة بالنجاح.
(تأخرت كده ليه؟)
سألت سهير بلال ما أن عاد إلى حجرتها، فرد عليها وصوته يقطر فرحًا:
_قابلت محمود، والده محجوز هنا.
ضيقت سهير عينيه، وهي تغمغم في حيرة:
_محمود! هو مش مسافر؟!
تمتم بلال في هدوء وهو يساعدها في جمع حاجياتها:
_ورجع، وهيستقر هنا خلاص مش هيسافر تاني، كفاية الغربة وحشة وهو تعب جامد لحد ما وصل لللي وصله.
ثم صحبها إلى خارج المستشفى، حيث استقبلتها والدتها بلهفة، وبوابل من القبلات، ونهرين من الدمع، وقد ذهبت نفسها عليها حسراتٍ.
صرخ بهذه العبارة بلال، وهو يقلب الإناء الذي يحوى الطعام على الشعلة المشتعلة أمامه، فألقى عمرو من يده السكين وهو يهتف متذمرًا:
_بتزعق ليه يا عم أنت، ما أنا بقطع حلو اهوه؟!
ومط شفتيه في ضيقٍ بيَّن، فدفعه بلال برفق، وهو يقول في صرامة:
_طب كمل يا خويا، يلا.
تابع عمرو تقطيع الخضروات، وتنحنح في توتر، قبل أن يقول في صوتٍ خفيض:
_بلال، هي سهير خلاص مش هترجع تاني لعماد وهتفضل معانا هنا؟!
سأله بلال مراوغًا:
_أنت عايزها ترجع ولا إيه؟
جهم عمرو المحيا، وظهر الإشمئزاز على وجهه، وهو يهتف مستنكرًا:
_ترجع؟! لا طبعًا انا اصلًا مش بحب عماد ده.
التفت بلال برأسه غامزًا، وهو يقول:
_ومش هترجع خلاص كلها بكرة وهتطلق منه.
ثم اردف يقول وهو يشير إليه قائلًا:
_يلا قوم رص الأطباق وقعد ماما.
اومأ عمرو برأسه إيجابًا، وهو يهب واقفًا، وهرول تجاه أمة وأمسك كفها مقبلًا إياه بكل وِد، وهو يقول بصوتٍ رخيم:
_يلا تعالي يا ماما عشان تاكلي جهزنا الفطار.
كفت أمه عن ترديد الصلاة على النبي ﷺ، وهي تقبل جبهته وتقف وهي تستند عليه، بينما هو يسندها بكل رِفق حتى أجلسها في حنان، وقرب منها الأطباق، وناولها الخبز في يدها، قائلًا:
_كلي يا ماما لحد ما أجيب ميه.
فـ أجابه بلال وهو يجلس بجانبها:
_روح أنت وملكش دعوة.
قالها بمرحٍ وبدأ في إطعام والدته، وقد كان لا يضع لقمة في فمه قبل أن تشبع هي، لا يكل ولا يمل من إطعامها بيديه، كانت راحتها هي كل راحته وسعادته، سألته أمه في اهتمام وهي تبتلع ما بفمها:
_البنات اتاخروا كده ليه يا بني!
أجابها بلال وهو يدفع في فمها لقمة أخرى بِرِفق:
_متقلقيش عليهم يا ماما دلوقتي يجوا.
ومضى بمخيلته يوم بحثه عن عماد حتى وجده يجلس في إحدى المقاهي يحتسي كوبًا من الشاي بكل برود أعصاب كأنه لم يتسبب في إجهاض زوجته ونقلها إلى المستشفى، بل وينفث دخان تبغٍ قابعٍ بين إصبعيه في هدوءٍ عجيب، فتراقصت شياطين الغضب امام عينيه وهو ينقض عليه لكمًا وركلًا بثورةٍ من الغضب الذي لم يعهده فيه، وقد توقع إن يأبَى عماد تطليق اخته لكن راعه إستسلامه وموافقته السريعة، وقد تم ووافقا على الطلاق وحددا يومًا له.
مضت الأيام على سهير معتمة، لقد خرجت من جحيم لتواجه جحيمٌ آخر (جحيم المطلقات) حيثُ لم تدُعها ألسنة الناس، ولم يكفون عن إلقاء الإشاعات عنها، لكنها هذه المرة لم تهتم، لم تلقي بالًا لأقولهم، وذرتهم يتقوَّلون كيفما شاؤوا، ما هي إلا أيامٌ وتمضي، اليوم ها هي هنا في قاموس الأحياء وغدًا مهما طال ستكون من جُملة الأموات.
لذا، فلا الدنيا ولا الناس سيشغلناها بعد الآن!
كانت تسير في النادي برفقة زوجة أخيها إسراء التي كانت لها الفضل الكبير في نبذ حالة الحزن والأكتئاب التي سيطرت عليها عنها، ربما قد تسللت بين شغاف قلبها هموم لا مناص منها.
(أنتِ هتفضلي انهاردة اليوم كله سرحانة كده يا سهير!)
قالتها إسراء بإشفاق وهي تبصر حالة سهير، فتتجلى في عينين سهير نظرة حزينة، وبصوت يقطر همًا، قالت بنبرة شبه شاردة:
_غالبًا اتكتب عليَّ الحزن يا إسراء!
وتنهدت وهي تسترسل في حديثٍ يفطر القلب:
_اتجوزت عشان اهرب من كلمة عانس، فلحقتني كلمة المطلقة! المطلقة اللي انظار الاتهام عليها في كل خطوة تخطيها برا بيتها! الناس بتاخذ من المظاهر وتتكلم، ميهمهمش جوانا إيه، ولا بواطن البيوت فيها إيه؟!
قالت إسراء، وهي تلف ساعدها على كتفها:
_يا بنتي فكك بقا من الناس، لو فضلنا عمرنا كله شيلين همهم مش هنجتاز مشاكلنا أبدًا، ارميهم وارمي كلامهم وراء ضهرك كأنهم مش موجودين.
ثم ضحكت بخفة، قائلة:
_وبعدين دول مسافة ما عرفوا إنك هتطلقي ومبطلوش كلام، رغم إن لسه الطلاق متمش رسمي، متشيلش ولا تشغلي بالك بحد.
ثُم جلسا على إحدى الطاولات، وضمت إسراء كفها في راحتيها، وأردفت بنبرة حانية:
_أنا متأكدة يا سهير إن ربنا هيعوضك، هيرزقك بزوج ينسيكِ عماد وينسيكِ كل مرارة حزن تسربت لقلبك.. وبعدين إحنا نبدأ نحفظ قرآن سوا، وتيجي معايا المعهد اللي بحفظ فيه.
رمقتها سهير بنظرة حزينة، قبل أن تبتسم شبه ابتسامة هادئة، وتلوذ بالصمت دون أن تعلق.
طرقٌ خفيفٌ على الباب، جعل بلال يهب واقفًا، ويفتح مستقبلًا أخته ببسمة مشاكسة، قبل أن تدلف إسراء سد الطريق عليها بذراعيه وجسده، وهو يغمغم:
_كتكوتي رايحة فين من غير ما تسلم عليَّ…
قاطعته إسراء متهجمة المحيا، وقد اتسعت عينيها دهشة، وهي تردد في ذهول:
_كتكوتك؟!!!
وهتفت باستنكار:
_إيه كتكوتك دي؟
رفع بلال حاجبيه، وهو يقول في دهشة:
_إيه ده يا كتكوتة مش عجبك دلع كتكوتي؟!
غمغمت إسراء وهي تدب قدميها في الأرض:
_تاني يقولي كتكوتة! يعني بالله عليك ملقتش أي دلع غير كتكوتة؟! ليه خلصت الأسماء كلها.. أأقولك شكرًا مش عايزة منك أي دلع خالص.. ماله اسمي؟ زي العسل!
أطلق بلال ضحكة عذبة مرحة، وقال:
_يا بنتي ما أنتِ اللي شبه الكتاكيت كده، إيه ذنبي أنا!
تبسَّمت إسراء في رقة، وقالت له بصوتٍ رقيق:
_تعرف يا بلال كنت مسمياك إيه لما شوفتك أول مرة؟!
تأجج الفضول بداخله، ودنا بوجهه من وجهها، وهو يسألها في شغف:
_إيه يا كتكوتي؟!
تلاشت بسمة إسراء وهي تدفعه من كتفه، قائلة:
_بلال المتوحش!
ومالت لتمر من أسفل ذراعه، بينما هو يصيح:
_متوحش؟! أنا متوحش؟! وحش أما يلهفك يا شيخة.
جالسٌ على حافة الشرفة، تتدلى إحدى قدميه، بينما الأخرى مثنيه أمامه غائب الفِكر مهموم البال، منشغل القلب، يسند رأسه إلى الوراء، وقد أسبل جفنيه عن حزنٍ عميق لم يعرف كيف يواريه، فأطبق جفنيه عساهما تفعلان.
ولدن الباب وقفت أميرة، تراقب أخيها سعيد بهمٍ يجثم على صدرها، وبحزنٍ طغى واستحوذ على قلبها، وبقدمين مثقلتين تقدمت إليه، ووضعت كفها على كتفه في هدوء، وقالت بعطف:
_هتفضل كده لحد أمتى؟!
واستدارت تواجهه، وهي تسأله سؤالٍ مبهم:
_أمتى ناوي تاخد خطوة!
زفر سعيد بضيق وتحاشى النظر إليها، بينما تابعت هي بتنهيدة:
_يا سعيد، هي ضاعت منك مرة، متسبهاش تضيع من أيدك تاني.
فغمغم سعيد بنبرة، يقطر منها الأسى:
_مش أنا اللي بضيعها يا أميرة، هي اللي مش ليا!
فمينفعش امسك في حاجة مش ليا، مينفعش أحبها.
زمَّت أميرة شفتيها، واكفهر وجهها، وهي تقول بحنق:
_مينفعش إيه يا بابا؟! مش معنى إن أنا وبلال اخوات في الرضاعة يبقى مينفعش تحبها مين قال كده؟ وبعدين أنت سألت في الموضوع؟! بتفتي وخلاص!
هب سعيد واقفًا، وغادر الحجرة، وهو يقول بضيق:
_بس بقا يا أميرة انا مش ناقصك، مش هتفهميني!.
شيعته أميرة بنظراتٍ ضيقة، ثم أخذت نفسٌ عميق، وهي تتمتم:
_بس انا ناقصني فرحتك يا سعيد، ولمعت الراحة في عينك، وهسأل واعرف حرام ولا لأ، وبإذن الله لأ.
تم الطلاق في هدوءٍ عجيب، وبموافقة كِلا الطرفين، وغادر المأذون، وقام عماد من مقعده وهو يخرج ظرفًا من جيبه، ألقاه على الطاولة، وأشار برأسه نحو بلال، وهو يقول:
_أنا عارف إني مكنتش الزوج اللي تتمناه لأختك، بس قُلت اعمل معروف معاك، واظهر لك حقيقة البت اللي ناوي تتجوزها قبل ما يفوت الأوان.
تناول بلال الظرف وهو يهب واقفًا ويقذفه في وجهه، صائحًا:
_البت اللي بتتكلم عنها تبقى مراتي دلوقتي، أمشي اطلع برا بيتي بدل ما اخد روحك..
بسمة لئيمة برزت على زاوية ثغر عماد، وهو يقول قبل ان يستدير منصرقًا:
_أنا ماشي فعلًا، وهسيب لك الظرف لما تشوف اللي جواه هتدعيلي، سلام.
وبينما هو يعبر الباب ألتقت عيناه بعينين سهير، فتوقف ساكنًا لوهلة، ثم أخفض عيناه واطرق برأسه وأسرع في خطواته للخارج، كالجندي الذي عاد من حربه خاسرًا منكسرًا.
وربتت أميرة على سهير التي ضمتها باكية، وغمغمت:
_خلاص يا سهير اتخلصتي منه على خير يا حبيبة قلبي، كان غلطة وراحت المهم نتعلم من تجاربنا ونختار صح بعد كده.
فض بلال الظرف، فبصر بداخله صورًا، أسرع يخرجها ورآها واحدة تلو الأخرى وقد تكدر وجهه، وخُيل إليه إن قلبه قد توقف عن النبض، لقد كانت الصور تحوى زوجته وشابٌ بصورٍ فادحة، طعنته بسهمٍ مسموم في صميم القلب، وقد زال السهم ولم يزل أثره، فقد سرى السِم في أوردته.
وجلس وقد شُل جسده برمته، دلفت في تلك الأثناء إسراء وهي تهتف:
_بلال، مالك مطلعتش ليه لحد الآن بتعمل إيه؟!
وهالها مرآه بهذه الحالة البائسة، وقد اِكْتَحَلَ وَجْهُهُ بِالهَمِّ، وامتقع لونه، فهرولت إليه في هلع، وهي تردد:
_بلال، مالك في إيه؟ إيه اللي حصل! إيه اللي في ايدك ده!
همَّت أن تلتقط من بين يديهِ الصور، لولا إن إنتفض على إثر لمسته كمن لدغته حية، فتقهقرت للخلف مصعوقة، وهب واقفًا، وقد اشتعل الغضب في صدره، وأطلت من عينيه نظرة قاسية جعلت قشعريرة تسري في جسدها، وألقى الصور في وجهها وهو يهدر:
_بتستغفليني؟! بتستغفليني يا إسراء وعاملة فيها الشريفة؟!
لم تقوَّ على الرد وإن طفقت دموع عينيها تترى، بينهما هو يتابع باحتقار:
_بس أنا اللي غلطان، هستنى إيه من وحدة زيك كل حياتها شمال؟!
أطرقت برأسها تنظر إلى الصور التي جعلته بتلك الحالة التي لم تتلقاها منه يومًا واتسعت عينيها حتى بلغتا الذروة، وهي تميل تجمعهم واحدة تلو الأخرى، وقلبتهم امام عينيها، وهي تقول وعينيها تهطلان:
_الصور دي جبتها إزاي؟! صدقني مش زي ما انت فاهم، هفهمك كل حاجة؟!
لكنه حدجها بنظرة قاسية، وقال وقد قسى صوته:
_الصور دي حقيقية ولا لأ؟!
فنهنهت، وخرج صوتها متهدجًا من البكاء:
_اسمعني عشان تفهم…
فقاطعها صارخًا وهو يضرب الطاولة بقبضته:
_بقولك الصور دي حقيقة ولا لأ هو سؤال واحد وجوبيني.
فسكتت تسكب دمعها، وتعالا نحيبها، وهي تهز رأسها بالإيجاب ببطء، فكست وجْههِ حمرة قانية من شدة الغضب، ورمقها بنظرة إزدراء وهو يقول بصوتٍ بدا لها كأنما يأتي من مكانٍ سحيق:
_أنتِ طالق مش عايز أشوف وشك تاني.
بعض الكلمات لأشد ألمًا من طلقات الرصاص، بعضها يلتصق في خُلد المرء فلا يكاد يبرحه، كمن أصابه مسٌ من الجن شرعت إسراء تهز رأسها مرارًا وتكرارًا، وهمست بصوتٍ خفيض متشنج من إثر البكاء:
_لأ، لَا يا بلال متظلمنيش، أنت عمرك ما كنت ظالم بلاش تظلمني أنا.
هتف بلال في سُخرية:
_أنا اللي ظالم؟! متقلقيش مش أنا.
وغادر الحجرة في خطوات سريعة، كأنها تَعدو، وهو يقول لأختيه الآتين تقفان عند الباب ملتاعتين:
_عاوز ارجع من برا متكنش موجودة.
كادت سهير أن تمسك بكتفه وهي تناديه في لوعة لكنه ازال كفها في حدة وخرج صافقًا باب البيت وراءه، فأسرعت هي وأميرة نحو إسراء التي أنغمست في بكاءٍ يشطر القلب وقد ضمت جسدها بذراعيه، فلاذت بهن قائلة:
_أنا مظلومة والله، هو مرديش يسمعني ليه؟!
ضمتها سهير إلى صدرها بشفقة، وربتت على ظهرها وهي تقول:
_هيهدي ويسمعك يا إسراء، بس كفاية عياط...
هتفت إسراء بشهقات متتالية تدمي القلب:
_دا طلقني يا سهير، طلقني من غير ما يسمعني هقول إيه؟! حكم عليَّ من قبل ما يعرف الحقيقة.
تمتمت سهير في عطف:
_هيهدي ويسمعك ويردك يا إسراء، استنيه لما يرجع واتكلمي معاه.
صدح صوت عايدة وهي تقبل من الصالة مستندة على عمرو، تقول في نبرات قاسية:
_تستنى إيه؟! لا كفاية كسرة ابني لحد هنا الجوازة دي انا مش عايزها، ولا هي البت اللي اتمناها لابني، الحمد لله جت من عند ربنا احمدك يارب.
شهقت إسراء في صدمة، ثم ركضت من أمامهن منصرفة..
لقد انتهى كل شيء، دون أن يبدأ.
ستفارقه حينًا من الدهر..
أو ربما الدهر كله..
ترجلت ندى من سيارتها بعد ما توقفت بها على جانب الطريق، وعَبرت مدخل البناية التي تقطن فيها إسراء، متهيأ للخروج معها لشراء بعد مستلزمات الأخرى، وهي على يقين إنها قد عادت من منزل بلال، وارتقت درجات الدرج في هوادة وهي منشغلة في هاتفها، ثم توقفت أمام الشقة المنشودة، ومدت كفها لترن الجرس فتسمر كل ما فيها وقد تناهى لها، صوت الشهاوي، يهتف في فرح:
_جدع يا عماد، جِميلك ده مش هنساه طول عمري.
اطلق ضحكة ظافرة، ثم أتبع يقول:
_هحولك في أأقرب وقت باقي المبلغ اللي اتفقنا عليه.
ثم استدرك في اهتمام:
_بس أنت متاكد إنه هيشوف الصور؟!
ثم سمعت تنهيدة ارتياح ندت عنه قبل أن يقول:
_طيب طيب تمام، كل حاجة هتبان دلوقتي لما تيجي، أنا متأكد إنه هيطلقها ويبعد عنها وكده ابقي عملت اللي عليَّ، يلا سلام.
فعلمت أن الشهاوي يضمر شيئًا ويحيكه..
شيئًا سيدمر رفيقتها..
وهي لن تسكت..
لن تجلس عاجزة تشاهد انهيار تلك العلاقة..
فطرقت الباب في عنف، وما كاد يفتح وتقع عيناها عليه، حتى هتفت به في ثورة من الغضب:
_أنت ناوي على إيه؟!
فتلاشت بسمته التي كانت في استقبالها، ودمدم مرتبكًا:
_تقصدي إيه؟!
فتجاوزت عن الرد على سؤاله، وأفصحت بحدة:
_أنا سمعت كل كلمة قولتها، وهروح حالًا ابلغ إسراء، مش هسمح لك تدمرها، أنت اب إزاي بجد؟!
فقبض بقسوة على ذراعها، وهو يهددها زاجرًا:
_ابقي فكري تعمليها كده وهبعدها عنك ليوم الدين ومش هتشوفي وشها تاني، أنا بعمل كل ده لمصلحتها، أنتِ مفكرة إني هقبل بشاب فقير تعيش معاه في غلب طول العمر؟! بعد ما كانت بتاكل الشهد، وعايشة في السما، وطلباتها اوامر بتتفذ في غمضة عين؟!
انتشلت ندى ذراعها منه بكل قوتها، واستدعت ثباتها الواهي، وهي تدافع عن صديقتها بكل بسالة:
_يبقي متعرفش بنتك يا محمد يا شهاوي، لو مفكر أنك لو بعدتها عن بلال فهترجع للتمثيل يبقى بتحلم، إسراء مسبتش التمثيل والشهرة والغنا عشان بلال، إسراء فاقت لنفسها وسبتهم لله وحدة، أأقولك حاجة كمان؟!
سكتت تلتقط أنفاسها وتتفرس فيه النظر، فرمقها بنظرة ثاقبة وهي تستطرد:
_كل قرش كان في حساب بنتك خدته من التمثيل تبرعت بيه لدار أيتام.
وكانت الطآمة الكبرى لجشع محمد الشهاوي، إذ جحظتا عينيه، وفغر فاهٍ في ذهولٍ، وردد في ارتياع:
_مش ممكن أنتِ بتقولي إيه؟!
فاومأت ندى ببطء، ثم اولته ظهرها، وهي تُردد بغلظة:
_زي ما سمعت، رايحة الحق اللي عايز تنهيه.
وأسرعت تهبط الدرج على عجل، ولحق بها محمد الشهاوي، صارخًا:
_استنى يا ندى، بلاش تقوليلها أي حاجة، إسراء لو عرفت هتكرهني.. بلاش تهدي كل اللي ببنيه عشانها..
لكنها لم تلتفت إليه وهي تعبر بوابة البناية، وأخذت تعدو نحو سيارتها، وفتحت بابها وكادت أن تجلس وراء عجلة القيادة، لولا أن صك أذنيها صوت صرير سيارة مسرعة، وصرخة عالية بأنينٍ مخيف كأن شخصٍ يحتضر، ثم دويٌ هائل صم اذنيها لأرتطام جسدٌ بالأرض، فأخرجت النصف الآخر من جسدها وهي تشهق، وما أن ابصرت محمد الشهاوي مُلقي أرضًا بين بركة من الدماء، وسيارة تقف على مقربة منه، راح سائقها يغادرها في رعب، صرخت وهي تعدو نحوه:
_عمــــــــي محمـــــــد.
رواية والتقينا الفصل العشرون 20 - بقلم ندى ممدوح
أهيمُ .. وقلبي هائم .. وحُشاشتي تهيمُ .. فهل يبقى الشقيُّ المبعثر؟
وهل يهتدي غاوٍ أضاع حياته بحيث يضيعُ الطامح المتجبر؟
وهل تسكن الدنيا ويسكن صرفها ويسكن هذا النابض المتفجر؟
وهل تُطفيء الأيامُ نيرانَ ظلمها وتطفأ نارٌ في دمي تتسعر؟
تأتِي على المرء لحظة، يكون فيها على شيءٍ حالك السواد في وجهه، هائمًا في الطرقات يبحث عن ضالته فما يجد إلا وحوش الهم في انتظاره، فيولي مدبرًا يفر بقلبه منها، لكنها تلاحقه ولا تهدأ حتى تستقر في السويداء من قلبه، فتحيل حياته جحيمًا.
لم يصدق بلال إنها قد خدعته وهو الذي قدم لها قلبه مطمئناً، وأسبغ عليها بكل حنان قلبه ولم يبخل، قدم لها قلبه فإذا بها تعيده حزيناً، كئيباً، فارغا..
أوَ إنها أعادته!
هل عاد قلبه إليه حقا، أم بقى معها؟!
لم يدرِ كيف خانته بكل تلك البساطة، أم كانت الخيانة من طبعها وهو الذي ران على قلبه العمى؟!
كان ينهب الطرقات بسيارته دون هدى، لم يهتدِ لسبيلٍ يؤويه إلا بيت الله، فأوقف سيارته أمام المسجد، وغادرها بقلبٍ مثقل بالهموم التي جعلت قلبه يشيخ.
في تلك الأثناء كانت إسراء تسيرُ وسط السائرين، وفي زحامٌ من الناس، تبكي حبًا لم تناله، وتبكي قلبًا ينزف من ندبة ستظل باكية إلى آخر رمق في جوفها، ليت الدموع ترحمنا..
ليتها تدرك إنها تجعلنا نعاني..
مؤسف أن يهيمُ المرء بين الناس باكيًا، بقلبٍ يرفرفُ كالذبيح، وروحٍ تهيم دون أن يجد من يواسي.
كادت أن تدلف إلى بنياتها، لولا ذاك التجمهر الذي جذب عينيها إليه كالمغناطيس، فكفكفت دمعها سريعًا، وأقبلت نحو الملأ بقلبٍ يخفق بالرعب، وقد أنبأها حدسها إن شيئًا سيئًا سيكون من نصيبها.
لا تدري لما قدماها كانتا تسيران ببطءٍ شديد، وأنسلت بين الناس، وهي تشرأب برأسها، وفي هلع اتسعتا عيناها أول ما وجدت أباها هو ضحية هذا التجمهر، فأطلقت صرخة شقت قلبها إلى نصفين وهي تهرع إليه، حتى تم إسعافه سريعًا، وجلست هي ورفيقتها أمام حجرة العمليات باكيتين.
ثم فجأة ضمتها ندى وتعالى نحيب الاثنتين يُبكي الصمُّ الصلاب، ويدمي أعتى القلوب.
تكالبت نوائب الدهر عليها بلا هوادة..
بلا رحمة..
أو شفقة..
وهي ذات قلبٍ هش..
ينوء من أي طامة تعتريه..
والأدهى إنها أضحت وحيدة، بقدر اتساع الحياة بمن فيها..
فلا ضير إذًا من البكاء عساه يخفف من آهات نفسها..
ومن بين شهقاتٍ متتالية، وبصوتٍ مبحوح، همست بألم يشوبه حزن دفين:
"بلال طلقني يا ندى.."
ثم أبتعدت عنها ناظرة إلى عينيها مباشرةً، وأتبعت بصوت يفلق الحجر:
"فاكرة آخر فيلم صورته مع الممثل (علي الصاوي)، وقتها أنا لما فوقت لنفسي مكملتش تصويره، وفسخت العقد، بعض المشاهد اللي كانت مصورة فيها متنشرتش طبعًا بس معرفش إزاي بعض صور المشاهد دي وصلت لبلال وطلقني."
سكتت تنتحب وتشهق بقلبٍ يحتضر، ثم أردفت تقول:
"بلال... طلقني من غير ما يسمعني ومن غير ما أوضح له، وقالي مش عايز أشوف وشك تاني، بلال اتخلى عني يا ندى."
دفنت وجهها ورفات فؤادها بين كفيها، تواري دمعًا بات يرهق نفسها، ويقتل روحها، تداري حبًا لم تأخذ منه إلا الشقاء والعذاب، والدموع.
أحتضنتها ندى، وقالت بعينان تذرفان:
"هوني على قلبك يا إسراء بلال هيهدى ويرجع لك، وعمي محمد هيخف."
لكنها قالت وهي تتشبث بها، وتغرز أظافرها في ملابسها، كمن ينهش في أحزانه علها تغادر:
"ليه كل ده بيحصل معايا يا ندى، أنا مش وحشة للدرجة دي، كل اللي اتمنيته من ربنا حياة هادية سعيدة، بس ليه بيحصلي كل ده، انا مبقتش قادرة أتحمل، حاسة إن قلبي هيقف من الوجع ده، لو بابا حصل له حاجة أنا هموت، انا عارفة إنه هو مش الأب الكويس بس دا أبويا ومليش غيره."
ربتت ندى على ظهرها، وشددت من عناقها، وهي توازيها بكاءً.
كم ودت لو كان بلال بجانبها في تلك الجائحة، لو يطمئن قلبها ببسمة من محياه، لكن أنى لها به الآن؟!
رحم الله قلبًا بالدموع بات ينبض..
أعان الله كل مبتلى بداء القلوب..
انطفأ سراج قلبها فما عاد له نور..
فرحمة الله على قلبها حتى يهدأ..
رحمة الله على دمعٍ يتنزل بلا مرفأ يضمه..
ماذا لو كانت الحياة متوقفة على كلمة طبيب، ونجاة إنسان؟
ماذا يحدث لو توقف النبض عن الحياة، ويعود القلب خافقًا من جديد بعودة أحدهم؟!
في بعض الأحيان يقف الزمن حينٌ من الدهر عِند لحظة لا يعود شيء بعدها كما كان؛ قد يفقد فيها المرء نفسه ولا يجدها؛ لإنها تتخبط في سُبل الحياة؛ بحثًا عن من سرق منها الروح!
ثمة ذكريات تُحينا إن غاب عنا رُفقاءها! وأشتاق لهم كل مكانٍ مروا به!
مضت أسابيع دون أي جديد يذكر في حالة أبيها، ودون أي خبر من ذاك الحبيب الغائب، ويا مرارة النفس في غيابه!
وفي لحظةٍ ما، تجدد الأمل بداخلها، والممرضة تخبرها سريعًا:
"والد حضرتك فاق يا أستاذة إسراء!"
وأطلت اللهفة من عينيها وهي تهرع نحوها، ممسكة بكتفيها، وبثغرٍ افتر عن بسمة أشرقت من ينابيع أحزانها، غمغمت:
"بجد بتتكلمي جد بابا فاق؟ طب هو كويس!؟"
وأختنقت العبرات في عينيها، والممرضة تهز رأسها إيجابًا مفصحة في هدوء:
"تقدري تشوفيه، ولكن د. عصام طالبك في مكتبه الأول."
وإستدارت إسراء تسيرُ في الرواق المفضي إلى مكتب الطبيب، وطرقت بابه في هدوء، حتى أتاها صوته بإذن الدخول، وجلست أمامه على المكتب، وتلقت منه نبأ إصابة أبيها بالشلل، لكن ذلك لم يفتر من عزيمتها، ولم يكدر فرحتها بعودته لها بخير.
وتطلعت إلى أبيها الذي رقد في فراش صغير، في حجرة العناية المركزة، وقد غاصت في أوردته إبر المحاليل، واستقر فوق أنفه وفمه قناع الأكسجين، وبدا على وجههِ الشاحب الإعياء الشديد، وهو ينظر إليها بعينين شبه مغلقتين، فلاذت به وانكبت على كفه تلثمه وتبكي، وهي تحمد الله بصوتٍ عال اخترق أذنه، ومر في خلده غريبًا وهو يتذكره..
بإنه لم يحمد ربه يومًا.
لم يقل قط الحمد لله..
لم يشكره على نعمه الكثيرة التي منَّ بها عليه..
وقد كان يلقاه دون كلمة شكر واحدة فيا له من جاحد.
أيجحد بنعمة ربه؟!
وربت على رأس ابنته بكف، وبالكف الآخر نزع قناع الأكسجين، وانبعث صوته بثقلٍ وضعف يُردد:
"إسراء، بلال فين؟"
فرفعت رأسها إليه، ثم أطرقتها في خزى، وهي تتمتم:
"بتسأل عنه ليه؟! متتعبش نفسك بالكلام لحد ما تبقى كويس!"
فأغمض محمد عيناه لثوانٍ، وأستطرد بصوتٍ ضعيف:
"قُلتلك هو فـ.. فين يا بنتي؟! لازم أقول له حاجة!"
فزاغ بصرها هربًا، وترددت في أن تفصح بهدوء:
"أنا وبلال انفصلنا!"
واتسعت عينا محمد في رُعب، لو مات الآن من سيهتم بابنته غير بلال؟!
لو رحل لمن سيتركها؟!
لقد تأكد الآن إن بلال هو الزوج الذي قد يأمن عليه بابنته وهو مطمئن لإنه رجل في زمنٍ قلة في الرجولة، وانحسرت في ركنٍ قصي.
هز محمد رأسه في رفضٍ تام، وقال بصوت يوحي بالبكاء الصامت:
"انا السبب لو موت مش هسامح نفسي.."
وهمت إسراء بردعه عما يقول، لولا أن تابع:
"بلال صدق الصور اللي بعتها ليه أنا السبب."
وأبتعدت إسراء في صدمة، وتراجعت بظهرها ممتقعت الوجه، تبغي الهرب من كل شيء، يا قسوة الألم حين يكون سببه حبيب ظنناه يومًا إنه لن يطعن.
توقفت ندى أمام باب منزل بلال مترددة، لكنها لم تدع الحيرة تبلغ منها مبلغًا بليغًا، إذ حسمت أمرها سريعًا وطرقت الباب، وأنتظرت ثوانٍ حتى أنفتح، وطالعها عمرو وهو يقول ببسمة بريئة:
"مش أنتِ ندى صحبة إسراء؟!"
فهزت ندى رأسها ببطء، وهي تتمتم ببسمة:
"أيوا أنا."
ومالت نحوه لتهمس أمام وجهه:
"بلال موجود؟"
فهز الصغير رأسه نفيًا، ودفع الباب مفسحًا الطريق لها، قائلًا:
"لأ، بس ادخلي استنيه جوه."
ترددت ندى في الدخول وما كادت أن تفعل، أوقفها قول عايدة، قائلة بغلظة:
"استنى يا عمرو، عايزة بلال ليه يا بنتي؟!"
ازدردت ندى لعابها في حيرة أستبدت بها بغتة دون سابق إنذار، وهمست بصوتٍ خفيض بعد هنيهة من الصمت:
"كنت عايزة في موضوع يخصه هو وإسراء."
غمغمت عايدة بضيق:
"بلال مش موجود، واللي بينه وبين إسراء خلاص انتهى، حتى إنه خطب وكتب كتابه بعد أيام، بمعنى إنه نسي إسراء، فقوليلها تنساه وتشوف حياتها، وربنا يرزقها باللي أحسن منه."
خفق قلب ندى بارتياع، وانفرجتا شفتيها بكلام، بُتر قبل أن يبلغ حلقها مع قول عايدة:
"وصلّي لها سلامي ودعوة لكتب الكتاب مع السلامة يا بنتي."
وصفعت الباب في وجهها، وهي تبكي في صمت، لم تعتاد أن تعامل أحد هكذا، لكن هذه حياة ابنها، وهي تريد له السعادة، وزوجة صالحة.
انتزعها من شرودها وبكاءها، قول عمرو وهو يردد في ضيق:
"عملتي كده ليه يا ماما، حرام.. حرام عليكِ بلال بيحب إسراء."
عادت ندى إلى المستشفى زائغت العينين، منشغلة الفكر في حلٍ لتلك الطامة التي ستلطم قلب رفيقتها لطمة ستطيح بكل ما تبقى منها، تخطو بقدمين عاجزتين تجرهما جرًا كي تتحرك، وتوقفت أمامها شاردة، فبادرتها إسراء قائلة بعينين خاليتين:
"ندى.. كنتِ فين؟!"
فتجمعت العبرات في مقلتي ندى، وأخذت مآقيها تنزفها بهدوء صامت، وانبعث صوتها كأنه يأتي من مكانٍ سحيق:
"روحت أأقابل بـ.. بلال."
لما أحست بإن اسمه يعيد لقلبها الحياة، كأنها حية في عالم الأحياء، فشع الأمل في عينيها، وبلهفة أطلت فيهما، وبوجهٍ مشرق، همست:
"بجد، قابلتيه؟ سألك عني؟! طب هو كويس، قلك إيه؟"
أسبلت ندى جفنيها، فهوت أدمعها في غزارة، وشحب وجه إسراء، وأصاب الإعياء قلبها، أدركت إن الرد سيهدم قلبها، وسيطمس دقاته، وسيواري حبًا بين الثنايا يقبع.
رفرفرت ندى بأهدابها لوهلة، وتحاشت النظر إلى عينين رفيقتها، وهي تُلقي بما في جعبتها بنبرات متهدجة:
"بلال خطب يا إسراء وهيكتب خلال اليومين دول، حاولي تنسيه علاقتك معاه وصلت لمنتهاها و..."
صمتت وهي تبصر، اتساع أعين إسراء كأنما سيخرجان من محجريهما، وتراجعت بظهرها وهي فاغرة فاه، وشُحن وجهها بالصدمة والخزى، وخُيل إليها إن قلبها قد توقف عن النبض!
بل تصورت إن رفيقتها ستسقط صريعة...
هزت إسراء رأسها في انهيار، وأخذت تردد مأخوذة:
"مش ممكن مستحيل، أنتِ كدابة بلال مش هيتجوز غيري لا...."
وهوى دمعها يفطر القلب، ثم أطلقت صرخة مدوية تردد صداها في الأنحاء، وزُلزلت الأرض شفقة، وحاولت ندى أن تضمها، أن تواسيها، أن تجعلها تهدأ، لكنها ما أن بح صوتها مادت بها الأرض وأغشى عليها بين يدين ندى، التي نادت تستنجد بالناس التي تجمعت حولهما.
إن يفقد المرء قلبًا، أن يعتريه إعياء لا دواء له، أن تغيب روحه ويظل جسده فوق الأرض كصنمٌ متحجر، لهو شيءٌ عظيم.
انهيار عصبي أصاب إسراء، من وقع الصدمة على قلبها، صدمة سحقت قلبها حتى استحال إلى شظايا يُصعب إصلاحها، ككوكب كانت تدور جل أفلاكه حوله، ثم سقطت من شاهق وباتت هباءً منثورا.
ما أقسى أن يتوجع المرء في من أحب!
ما أضنى القلب حين يعاني من ألم الفراق.
لم يعد بلال لها، سيكون لأخرى، لن تراه مجددًا ولن ترتوي من ملامحه مرة أخرى، لكن لما ملامحه قد حُفرت على جدران قلبها بماء العشق فلم تعد تبرحه، كيف إذًا تنساه..
تنسى حبه؟!
تطلعت ندى بعينين مغروقتين بالدمع إلى إسراء الراقدة على الفراش الطبي، بعينين تحدقان في السقف دون حراك، وبجسدٌ خامد، متهدل، متهالك، كأن كل ما بها بات فارغًا، ولم يعد لها شيء بالحياة.
لا شيء أضحت تريده...
ولا شيء أصبح لها...
يضيقُ صدرها بأنفاسٍ مختنقة..
دنت ندى من فراشها، وجلست في مواجهتها، وقالت، وعينيها تسيلان بالدمع:
"فوقي لنفسك بقا يا إسراء، قومي وواجهي ضعفك، بلاش تستسلمي حاربي نفسك."
ولم تتلق ردًا، إلا دموعٍ انحدرت على وجنتي إسراء، ردًا عما تفوهت به، فتنهدت بعمقٍ وهي تنهض لتطمئن على محمد الشهاوي.
عندما تحسنت حالة إسراء، وتعافى أبوها وانقضت فترة النقاهة، اتخذت قرارًا بالسفر ووضعته قيد التنفيذ فورًا؛ لذا وقبيل خروجها للمطار ودون أن تعي شيئًا، ذهبت ندى فورًا إلى منزل بلال، كأنها تسابق الزمن وعقارب الساعة، وبينما تصف سيارتها جانبًا وجدت بلال في ذات اللحظة يترجل من سيارته وهو يلف المفاتيح بين إصبعه في حلقة دائرية، فنادته بصوتٍ به لهفة:
"بلال."
فألتفت إليها وقد ضاقت عيناه بغلظة، فوجدت إن لحيته قد طالت، ومن عينيه تطل نظرة حزينة، وغمغم بضيقٍ وبرود:
"ندى، خير؟"
قالت ندى في رجاء:
"الحق إسراء هتسافر."
فرد عليها في برودٍ غليظ:
"وأنا مالي."
ربما قد فلح في الرد عليها ببرود لكنه لم يستطع محو تلك النظرة الملتاعة التي تفعمت في عيناه، وهم أن يستدير، لكنها لحقته ووقفت أمامه، وهتفت في ثورة من الغضب:
"أنت مالك إيه؟ يعني إيه مالك دي! بقولك إسراء هتسافر أنت تقدر تمنعها."
فصرخ في وجهها:
"بصفتي إيه همنعها، أنا وهي كل اللي بينا خلاص، وأكيد هي اللي بعتتك باللعبة الحقيرة دي مفكرة إني هجري على طول واللحقها واترجها ترجع ليّ.."
تراجعت ندى خطوتين إلى الوراء، وأرتج عليها مليًا، ثم همست في ازدراء:
"أنت بتظلم بسهولة كده؟! بتألف وتقنع نفسك باللي بتألفه؟! لأمتى هتفضل ظالمها."
جز بلال على أسنانه، وهدر وهو يتجاوزها إلى بيته:
"لمي لسانك، وأمشي من قدامي."
وقبل أن يهم بفتح باب بيته، توقف على صوتها وهي تقول بحدة:
"الصور اللي أنت شفتها دي كلها حقيقة فعلًا بعتهالك محمد الشهاوي مع الحقير عماد."
فاستدار إليها وفي عينيه تساؤل حذر، بينما تابعت ندى بأمل، وبعينين مختنقة بالعبرات:
"الصور دي كانت من آخر فيلم إسراء صورته قبل اللي حصل لها، لكن الفيلم متعرضش لإنها فسخت العقد."
أطرقت برأسها حينما احتد بكاءها، واسترسلت بصوتٍ متهدج:
"كانت إسراء قابلتك وتغيرت وعملت كل اللي تقدر عليه عشان متصورش الفيلم والتعاقد يتلغي، وعمي محمد استغل الصور دي وبعتهالك، بس إسراء بريئة ومخانتكش... مخانتكش عشان إسراء بقيت واحدة تانية.. واحدة بتخاف ربنا وحسابه قبل أي حاجة وعشان حبتك من كل قلبها."
صمتت تسكب دمعها، فتقدم بلال نحوها واكتست ملامحه ألم العالم برمته، وهو يهتف في شغف:
"هي فين؟"
أخبرته ندى إنها في المطار على وشك المغادرة، فذرها وحيدة وأخذ يعدو عدوًا شطر سيارته ولجها على عجلٍ وأدار محركها وانطلق.
انطلق بلال يتجاوز بسيارته كل السيارات التي تعيق طريقه، كما لو إنه مجنونًا، غير عابئ بتلك الاحتجاجات والشتائم، التي أخذ أصحاب السيارات يلقونها ويعبرون عنها بأبواق سياراتهم، وقتها لم يكن يسمع شيء كأنما قد أصابه الصمم، ولم يكن يعي ما يدور حوله، وقد تمكنت فكرة واحدة رأسه، وسيطرت عليه، ونزعت كل ما عداها من أفكار أخرى، وهي يجب ألا يدعها ترحل، وأنَى له بحياة دونها!
إن غابت غاب معها كل شيء..
الحياة، وقلبه، وروحه، والعالم بأسره!
ليتها تدرِ كم يحبها، وغيابها تلك الفترة ذره كريشة تتقاذفها الرياح كيفما تشاء.
ما أن توقفت سيارته أمام باب المطار، حتى غادرها مسرعًا، دون أن يعبأ حتى بالتأكد من إغلاق الباب، واندفع داخل صالة المطار، وعيناه زائغتان بالبحث عنها بين الوجوه... يفتش عنها في كل وجهٍ يقابله، لكنه لم يعثر عليها، وإحباط هائل ملأ جوانحه جعلت كتفاه تتهدلان كجندي عاد منهزمًا، منكسرًا من معركته، وأطرق بدمعة حبيسة داخل مقلتيه، وما أن رفع رأسه حتى رآها وقد جلست على أحد المقاعد شاردة، وقد ظللت سحابة من الحزن وجهها الجميل، بجوارها أبوها في مقعده المتحرك.
متى كان محمد الشهاوي يجلس على مقعد متحرك؟!
تساؤل دار في خلده وهو يهرع إليها، ووجد نفسه يصرخ مناديًا إياها:
"إسراء.. إسراء."
لم تصدق إسراء ما تسمع أذنيها؟! أهذا صوته أم إنها تتوهم؟ وتحوَّلت إليه بوجهها الحزين الكليل، غير مصدقة، وسرعان ما تحولت قسمات وجهها إلى الفرح الشديد، كطفلة عاد والديها، بعد فترة من الضياع، وشع من عينيها كل الحب وهي تهمس باسمه بصوتٍ خفيض، ووقفا مقابل بعضهما البعض، وغشاهما صمتٌ عجيب، وران عليهما الهدوء، وقد ألتقى عيناهما في أسفٍ عظيم يفطر القلب، وانفرجت شفتاه بأسفٍ صادق نابعًا من الأعماق، وعيناه ترجوان السماح، متمتمًا:
"إسراء أنا أسف سامحيني."
وتردد لثوانٍ قبل أن يردف في خفوت أستلذه قلبها الذي أخذ يتأمل ملامحه في هيام، ويحفرها بين الجوانح وفي الشغاف:
"أنا عرفت غلطي وندمان على كل كلمة قولتها ليكِ، وكل جرح سببتهولك، أنا أسف بجد.. أنا عرفت كل حاجة من ندى، متعرفيش الفترة اللي عدت كانت حالتي فيها إزاي كنت إنسان بقلب ناقص نبض، وبصدر ناقص هوا وبروح مش لاقية مأوى.. ارجعي معايا وخلينا نبدأ من جديد."
تساقطت العبرات على وجنتيها، وقد تراجعت بظهرها خطوة، وهمست بصوتٍ ألَم بهِ كل وجع:
"أنت أجمل حاجة حصلت ليّ ووعيت عليها في الحياة، ولكن أنا مينفعش أرجع أنا رايحة لمكان هجدد فيه إيماني وحياتي واستقامتي، أنا لو رجعت معاك دلوقتي حياتنا هتبقى وحشة مش هنبقى مرتاحين، هتعيش دايما بشك في قلبك ناحيتي، بس أنا مش زعلانة لإن مش ذنبك ولا ذنبي أني اتجهت للتمثيل، دي الغلطة الوحيدة اللي عملتها في حياتي وغالبًا هدفع تمنها فيك، أنا أسفة بس أنا مقبلش أعيش مع واحد شاكك فيّ، أنت تستاهل واحدة أفضل مني."
وخرج صوته ضعيفًا، واهنًا وهو يقول:
"متقوليش كده معاكِ حق انا غلط لما شكيت فيكِ كان لازم اسمعك، بس مش هتتكرر."
لكنها ردت بثقة:
"هتتكرر لإن بينا ماضي وحش كنت أنا بطلته، والماضي ده هيفضل مخليك شاكك فيّ مهما اعمل."
ربما معاها حق، هو بداخله شكٌ غريبٌ تجاهها في كل تصرفاته، لكن ليس بعد الآن.
أراد أن يقول أي شيء لكن ما بال الكلمات قد أحتبست، عندما بدأت تقول ببسمة مشرقة:
"الحاجة الوحيدة اللي هوعدك بيها إن قلبي اللي حبك مستحيل يحب غيرك، سلام يا بلال افتكرني بكل خير واوعدك إني هرجع، لكن يوم ما هرجع ولو اتقابلنا تاني هتلاقيني إسراء تانية، مش إسراء الضعيفة."
وتراجعت بظهرها بنظرة وداع أخيرة، والتفتت وهي تغمض عينيها بقوة، لينحدر دمعها في غزارة على وجنتيها، وأمسكت بقبضتيها مقعد أبيها المتحرك، الذي كان يجلس منكسرًا في خزى، وقد أقسم ألا يتدخل في شئون ابنته مرة أخرى.
وقبل أن تتحرك أوقفها صوته وهو يقول بنبرة تقطر ألمًا:
"متتمشيش."
وسمع صوت تنهيدة عميقة ندت عنها، قبل أن تتحرك أمام عينيه وهي تجر مقعد أبيها أمامها، فناداها بصوتٍ ضعيف منكسر:
"إسراء.. إسراء."
فالتفتت إليه برأسها وفي عينيها نظرة حزينة.
وأقلعت الطائرة وقد حملت معها جزءًا من نفسه وكيانه، وتهالك بلال على أحد المقاعد بعينين متفعمة بالدمع الذي أبى الخروج من محرابه..
وقد عاد خاسئًا وهو حسير.