تحميل رواية «نصف انسانة» PDF
بقلم السيد عبد الكريم
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أنا دلوقتي عندي سبعتاشر سنة، عشت مع أمي تسع سنين مش فاكرة منهم غير حاجتين: خناقها اللي عمره ما كان بيخلص مع أبويا، وتحذيراتها ليا إني ما أقعش في الحب… وكأنها كانت حاسة إنها هتموت بدري… وفعلاً ماتت… ماتت بسرعة البرق… لدرجة إني لقيت نفسي لوحدي وأنا عندي عشر سنين. وتكفل بيا واحد من رجالة القرية، ربّاني وصرف عليّا، كان اسمه عم حسين الأعرج. مش كان غني… ده كان أفقر واحد في البلد. ولحد دلوقتي مش فاهمة هو ليه عمل كده… أنا ما قعدتش معاه في بيته، هو أصلاً ما كانش له بيت… كان ساكن في كوخ مغطي بالقش ورا الج...
رواية نصف انسانة الفصل الأول 1 - بقلم السيد عبد الكريم
أنا دلوقتي عندي سبعتاشر سنة، عشت مع أمي تسع سنين مش فاكرة منهم غير حاجتين:
خناقها اللي عمره ما كان بيخلص مع أبويا، وتحذيراتها ليا إني ما أقعش في الحب…
وكأنها كانت حاسة إنها هتموت بدري… وفعلاً ماتت… ماتت بسرعة البرق… لدرجة إني لقيت نفسي لوحدي وأنا عندي عشر سنين.
وتكفل بيا واحد من رجالة القرية، ربّاني وصرف عليّا، كان اسمه عم حسين الأعرج.
مش كان غني… ده كان أفقر واحد في البلد. ولحد دلوقتي مش فاهمة هو ليه عمل كده…
أنا ما قعدتش معاه في بيته، هو أصلاً ما كانش له بيت… كان ساكن في كوخ مغطي بالقش ورا الجامع.
ولما كبرت عرفت إن اللي كان بيصرفه عليّا ما كانش من جيبه… ده كان صدقات وتبرعات من أهل الخير.
كنت في سن ما يسمحليش أفهم أبويا مات إزاي… بس فهمت يعني إيه أكون يتيمة، لما كنت باخد بواقي أكل الناس… ولما كان يجيب لي هدوم مستعملة صدقة من الأغنيا.
ولما طلبت مدرسة العربي نكتب موضوع تعبير عن الأم… ما عرفتش أكتب حاجة… حياة أمي معايا كانت زي نقطة ندى… أول ما الشمس طلعت اختفت.
قضيت تلات سنين في الثانوية بثوبين بس… وحجاب واحد… وجزمة واحدة أكل عليها الدهر وشرب.
ولما طلبت من عم حسين يجيب لي جزمة جديدة، قال إنه يعرف ست غنية في البلد اللي جنبنا عندها بنت قدّي، وهيسألها يمكن تتصدق عليّا بجزمة من جزم بنتها.
والطبيعي إن اليتيمة دي كانت أنا.
الست ما ادّتش حاجة… فقام عم حسين ورّب جزمتي القديمة اللي كانت مقطوعة من ناحية الشمال.
وأنا سايحة في الذكريات، سمعت حد بيخبط على بابي، غطيت شعري وفتحت.
– هنسافر بالليل يا نورا.
قالها عم حسين وفرحان.
بصيت للأرض وقلبي بيدق بطريقة مش مظبوطة… وسمعته يقول:
– خلاص حلمك هيتحقق يا بنتي.
قلت بتردد:
– بس أنا خايفة يا عم حسين.
قال وهو بيحط ألف جنيه في إيدي:
– لأ… بالعكس. أمك كان نفسها تعيش وتشوف اليوم ده.
بصيت للفلوس وسكت كتير… قام هو وقال:
– الساعة عشرة بالليل هنسافر… ولما نوصل القاهرة هديكي ألف جنيه تاني.
وقال الكلمتين ومشي.
عم حسين الأعرج مش قريبي… قرايبي؟
أنا أصلاً ما عرفتش إن ليّا قرايب.
بس أهل البلد كانوا ينادوني: "نورا بنت حسين الأعرج".
والأعرج ده لقب لازمه من يوم الحريقة… اليوم اللي فقد فيه أبوه وأمه وأخته.
ما حضرتش الحريقة… بس هو حكى لي.
قال إن حريقة كبيرة مسحت 13 بيت… وهو اتلسع واتكسرت رجله لما نط من الدور التاني… ورجله ما رجعتش زي الأول.
وعمّه خد أرض أبوّه… وسيبه هو يتيم وفقير وماشي بعكاز.
والغالب إن اليُتم اللي عاشه هو اللي خلاه يشيلني على كفّ إيده لما بقيت زيه… بلا أم ولا أب… وأنا عندي عشر سنين.
بس الحقيقة… إني طلعت أنا الحمقاء لما افتكرت إن ده السبب الوحيد… عم حسين كان مخبي سر كبير.
الساعة عشرة بالليل كنت ماشية وراه… شايلة شنطة سفري الصغيرة، فيها شوية هدوم وكتب وأوراقي.
مشينا لحد المحطة، وركبنا القطر على القاهرة، قرب مني وقال:
– اسمعي يا نورا… أبوكي لسه عايش.
ما تفاجئتِش… ولا دموعي نزلت زي ما توقّع.
بص لي مستني رد فعلي… ولما ما لقاش كمل:
– أبوكي ساب أمك وسافر لما عرف إنها مش هتخلّف تاني.
صوت القطر كان عالي… بس كنت سامعة كل كلمة:
– أبوكي دلوقتي متجوز في القاهرة… وعنده بنت… ومحدش يعرف السر ده غيري.
حتى أمك الله يرحمها… كانت تعرف إنه عايش… بس ما كانتش تعرف إنه اتجوز عليها.
اتضايق وهو بيكمل:
– معقولة يسيب أمك الست العاقلة ويتجوز غيرها؟… بس مراته الجديدة مطلعاه من هدومه… وموريّاه النجوم في عز الظهر.
بص للحقول من الشباك وقال:
– انتي هتعيشي عنده لحد ما تخلصي الجامعة.
القطر هدى علشان يقف في محطة، فسمعته بوضوح:
– الدراسة بدأت من شهر ونص… بس ما كانش معايا فلوس ساعتها… علشان كده اتأخرنا…
كان المفروض نسافر من شهر… بس أنا فقير… ومحدش عايز يشغلني بسبب…
وسكت… بص على رجله.
مدّيت إيدي وربّت على كتفه.
قال:
– اعرفي إن كل الفلوس دي من جمعيات خير وناس طيبة…
أنا بقولك كده علشان تعرفي قيمتهم.
في القاهرة هتشوفي ناس من كل لون… بس إوعي تخرجي من توبك… وما تستنيش من أبوكي حاجة… ولا من أي حد…
ربنا بس.
ومسح على راسي وهو يقول:
– يمكن كلامي قاسي… ويمكن أول مرة تسمعيني بتكلم كده… بس انتي عليك مسؤولية كبيرة… أنا مستعد أجوع علشانك… المهم دراستك… ده حلم أمك.
قلت له وأنا دموعي واقفة في عيني:
– ليه بتعمل كل ده عشاني؟
قال وهو بيهرب من عيني:
– متقلقيش… هبطل أعمل كده لما أموت.
وكمل:
– الشيخ وعدني يديكي جزء من التبرعات.
ولما شاف دموعي قال:
– دموعك دي دليل إنك قد المسؤولية… ومش هتبصي غير لمستقبلك.
سكت شوية… وقال:
– انتي رايحة حياة جديدة… حياة مليانة ألوان… واللي في سنّك هيشوف كل حاجة بلون الحب…
إوعي تسلّمي قلبك… البنت الشاطرة قلبها ما يروحش غير للي ييجي يدق بابها في النور.
وضحك وهو يقول:
– متنسيش إني درست سنة تجارة… ولولا الحريقة وعمي الطماع كان زماني راجل متعلم وموظف.
بعد الفجر كنا ماشيين في شارع ضيّق من شوارع المناطق الشعبية.
أنا ما خرجتش من قريتنا قبل كده… كنت منبهرة بالنور… باللافتات… بالزحمة.
باقرأ كل يفط المحلات علشان أحفظ الطريق… هعيش هنا أربع سنين… ولا حد هيودّيني الجامعة.
ولما وصلنا للحارة اللي ساكن فيها أبويا، دورت على علامة تحفظني العنوان… ملقتش غير يافطة مكتوب عليها: (الميكانيكي).
واضح إني فعلاً حمقاء.
دخلنا الحارة… وقف عم حسين قدام عمارة قديمة وقال وهو بيديني ألف جنيه تاني:
– كده معاكي كل اللي قدرت أجمعهولِك.
طلعنا الدور التالت… خبط… فتح راجل حسيت من أول نظرة إنه أبويا.
ضمني وقال:
– نورا… يا حبيبتي.
ما حسّتش بحاجة… كنت باردة ناحيته.
سنين وأنا فاكرة إنه مات… وإذ بيلاقي نفسه قدامي… وأنا؟ كبرت من غيره… واحتجته في أهم وقت… واختفى.
دخلنا الصالة… أربع كراسي قدامهم فرش باهت… واحد مقطوع متغطي بسجادة صلاة.
بعد شوية الباب اتفتح… طلعت مراته… سعاد.
شكلها كده ما يبشرش بخير.
بصت لنا بنظرة كلها شك…
أبويا قال:
– تعالي يا سعاد سلّمي على نورا.
جت زي الطاووس، مدت إيدها وقالت:
– تشرفنا.
وبصت لأبويا نظرة كلها معاني… ودخلت الأوضة… وهو اتبعها مرعوب.
قلبي اتقبض… حسّيت إن الشقة دي مش هتكون أرحم من حياتي القديمة.
قطع تفكيري صوت عم حسين:
– خلي بالك من الفلوس… وصرفي بالراحة.
قبل ما أرد… سمعت خناق جوه.
واضح إنهم بيتخانقوا على الأوضة اللي هنام فيها.
الشقة غرفتين وصالة… وكان ممكن أنا أنام في الصالة… عادي.
اتعودت على الحياة القاسية.
وكذا مرة اشتغلت خدامة في بيوت الأغنيا عشان قرشين في الصيف.
ولما الخناق اشتد سمعت سعاد تقول:
– ووفاء هتبات فين؟!
رد أبويا:
– في أوضتنا يا سعاد.
بصيت لعم حسين:
– أنا خايفة.
همس:
– دا بيتك زي ما هو بيتها… وأكتر.
خرج أبويا مستسلم… قبل ما يتكلم قلت:
– يا بابا… أنا هبات في الصالة.
قال وهو مش قادر يبص في عيني:
– اعذريني يا نورا… شقتنا أوضتين… بس متقلقيش… وفاء هتبات معايا… وانتي هتاخدي أوضتها.
ونادى:
– الفطار يا سعاد.
بعد نص ساعة كنا قاعدين على سجادة ناكل.
شفت أختي وفاء… سمراء وضعيفة… عمرها سبع سنين.
للحظة حسدتها إنها عايشة مع أبوها وأمها.
بعد الأكل قال عم حسين وهو تعبان:
– أنا هرتاح شوية… وبعد الضهر هرجع البلد.
بعد شوية أبويا وداني أوضة وفاء…
سعاد بصت لي بنظرات نار…
الأوضة صغيرة… سرير صغير… دولاب قصير… ترابيزة ومقعد.
بدأت أرتب هدومي… ثوبين قديمين… وثوب جديد اتصدقت بيه ست غنية… وكنت ناوية ألبسه أول يوم في الجامعة… بس جزمتي الوحيدة ما تنفعش معاه… وهي أصلاً مقطوعة من الناحية الشمال… بس مش مهم… هحاول أوفر فلوس وأشتري جزمة مستعملة أحسن.
رميت جسمي على السرير… وبكيت… ونمت.
صحيت لقيت عم حسين مشي… وأبويا مش في الشقة.
وفاء صحتني.
طلعت الصالة لقيت سعاد قاعدة بتتفرج على التلفزيون.
قلت:
– مساء الخير.
ما بصّتش عليّا وقالت:
– وانتي إن شاء الله هتقعدي معانا لحد إمتى؟
قلت وأنا قاعدة على كرسي قديم:
– أيام الدراسة بس… وفي الإجازة هرجع البلد.
قالت وهي لسه بتتفرج:
– أبوكي قرب ييجي.
وبصت ناحيتي:
– المطبخ من هنا… قومي جهزي الأكل.
قمت ببطء… واضح إني هعيش نسخة أصعب من سندريلا… وأبويا؟ مستسلم… وسعاد؟ شكلها هتعصرني عصرة.
بس ما فيش بديل… ولازم أتحمل.
ليه أمي قالت لي إن أبويا مات؟ ليه ما جاش يوم ماتت؟ ليه سابها؟ ليه اتجوز؟ علشان ولد؟!
بالليل كنا قاعدين ناكل على الأرض بنتفرج على التلفزيون.
سعاد قالت:
– إمتى هتشتري لينا حاجة نشيل فيها التلفزيون بدل عمود الطوب العالي ده؟
بصيت لقيت التلفزيون فعلاً واقف على عمود خرسانة.
أبويا قال:
– قريب… وكمان هغيّر حوض الحمّام المكسور.
وفاء قالت بضحك:
– عاوزة عجلة زي بتاعة هيام جارتنا.
سعاد بوسِتها وقالت:
– حاضر… أبوكي هيشتريهالك.
وقامت وقالت لي:
– اعملي لي شاي… وهاتيه الأوضة… ومتنسيش تغسلي المواعين.
أبويا قال معترضًا:
– بس نورا لازم تنام بدري… عندها جامعة بكرة.
قالت وهي داخلة أوضتها:
– وأنا بقى اللي هقوم بدور الخدامة ولا إيه؟!
قلت لها وأنا مكسورة:
– لا يا مرات أبويا… أنا اللي هعمل كل حاجة… أنا متعودة.
سابتنا ومشت…
بصيت لأبويا… شفته مكسور… وميِّل براسه إنه آسف… وقام.
رجعت الأكل للمطبخ… وغسلت المواعين.
اتأخر الوقت.
ولما رجعت أوضتي لقيت التلفزيون لسه شغال.
دورت على الريموت عشان أطفيه… بس فجأة الإرسال قطع… وظهر مشهد أبيض وأسود… مشهد أول مرة أشوفه… كأنه فيلم قديم.
راجل قصير نحيف مايل بظهره… ماسك سمكة ويديها لراجل أطول منه… الطويل رفض ياخدها… وضرب القصير بحديدة على دماغه.
اتشجّت راسه… وقع… وقرب للكاميرا… والدم نازل على جبهته… وبصّ لي من الشاشة وقال كلمة واحدة:
– انقذيني.
رواية نصف انسانة الفصل الثاني 2 - بقلم السيد عبد الكريم
سقط جهاز الريموت كنترول من يدي، وتجمعت دمائي متدفقة إلى وجهي، وشعرت بشعر رأسي يتحرك من الرعب. وقبل أن أصرخ، عاد الإرسال كما كان، وقد ظهر على الشاشة سمير غانم وهو ينظر باشمئزاز رافعًا حاجبيه لجورج سيدهم.
كتمت صرختي حتى لا تصحو سعاد فتخرب بيتي. أغلقت التليفزيون وأسرعت إلى غرفتي، ارتديت حجابي وصليت، ورحت أتمتم بآيات الله حتى هدأ روعي ونمت.
حينما استيقظت صباحًا، بدا لي ما حدث ليلة أمس مجرد خيالات وأوهام، وقررت أن أنسى ما حدث. أخرجت من خزانة ملابسي الثوب الجديد ومسحت حذائي، وأحكمت وضع حجابي، وخرجت.
كانت الساعة السابعة والنصف صباحًا. لقد دوّنت كل ما قاله لي أبي في ورقة:
"عند الميكانيكي، تمشي يمين لحد ما توصلي نهاية الشارع الرئيسي... هتلاقي عربيات أجرة رايحة محطة الزهور. وفي محطة الزهور هتركبي عربية من اللي بيروحوا الجامعة... يدوبك عشر دقايق هتلاقي نفسك قدام باب الجامعة."
وحينما وصلت محطة الزهور، وجدت نفسي في ازدحام شديد. ارتبكت حينما شعرت أني ضللت الطريق. ثم سألت فتاة نزلت من نفس السيارة:
"أروح الجامعة إزاي؟"
ابتسمت الفتاة وقالت لي:
"تعالي معايا... أنا رايحة الجامعة."
ركبت معها سيارة أجرة، وبعد عشرة دقائق وصلنا. وعلى باب الجامعة شكرتها. وبعد ساعة كنت قد استخرجت الكارنيه، وحصلت على جدول المحاضرات، واشتريت الكتب الدراسية.
كنت منبهرة حينما ولجت مدرج الكلية، وسرت بخطوات مترددة. وكنت حريصة ألا تظهر الناحية اليسرى من حذائي الممزقة مقدمته. كان الأولاد يجلسون بجوار البنات، يتحدثون ويضحكون. أحسست نفسي غريبة بملابسي هذه. البنات يلبسن مثل الأولاد، جينز وبديهات وتيشيرتات. فانزويت بعيدًا وبحثت بعيني عن مكان بجوار البنات فلم أجد. توغلت لآخر المدرج حتى وجدت فتاة تجلس بعيدًا عن صف الأولاد وبعيدًا عن اختلاط الأولاد بالبنات. جلست بجوارها.
ثم دخل أستاذ المادة، وقال:
"في هذا الشهر هنتعلم البحث المكتبى... وهنعمل زي ما عملنا الشهر اللي فات... علشان كده حددت عشرة موضوعات تعملوا فيها الأبحاث... طبعًا شغل الفهلوة وأنكم تجيبوا البحث من مواقع الإنترنت ممنوع."
فضحك الجميع وابتسم الأستاذ وأردف بعد أن أخرج بعض الأوراق:
"في كل بحث هيشترك طالب وطالبة، ومش هقبل أي بحث يقل عن 60 صفحة مكتوبين بخط الأيد... ودلوقتي اللي يسمع اسمه يتفضل يقف."
وبدأ يقرأ الأسماء.
هل قال كل طالب مع طالبة؟!
ما هذا المأزق؟ معقولة!
دعوت الله في سري أن يكون بحثي مع بنت. كيف أشارك ولدًا في كتابة بحث؟
ثم سمعت الأستاذ يقول:
"حسام عبد المجيد."
هنا نهض أحد الطلاب. رأيته من الخلف لأنه كان يجلس أمامي بصفين بجوار فتاة. سرعان ما قال حسام:
"بس أنا قدمت بحث الشهر اللي فات يا دكتور."
قال الأستاذ:
"بحثك معجبنيش يا سيدي... البحث مش موثق بمصادر... تفضل اقعد."
فقال حسام:
"ومين هتكون معايا في البحث؟"
قال الأستاذ بعد أن نظر في أوراقه:
"نورا قاسم."
أحسست بقلبي يسقط بين قدميّ، وشعرت بأن ريقي قد جف، واحمر وجهي، وأذنيّ سُخونة. وسمعت الأستاذ يسأل:
"هي فين؟"
نهضت في تردد ولم أتكلم. استدار حسام ينظر نحوي. كانت نظرته مزلزلة ثابتة. شعرت أنه تفحص فيها وجهي وهيأتي. غير أن نظرة الفتاة التي كانت تجلس جواره كانت نظرة مربكة لم أسترح لها أبدًا.
قال الأستاذ:
"موضوع البحث: مسرحية الضفادع. الكاتب المسرحي اليوناني أريستوفان. دراسة نقدية."
"يا نهار أبيض... هي وصلت للضفادع... ده اللي كان ناقص... ضفادع في الكلية ومرات أبويا في البيت."
طلب منا الأستاذ الجلوس وأخذ يتحدث بالفصحى:
"تتعلمون من خلال هذه الأبحاث المكتبية القدرة على البحث والنقد وتكوين رأي والوقوف على الأدب الروماني واليوناني من حيث القوة والضعف و..."
لم أنتبه لبقية كلامه، لأنني كنت أنظر إلى الفتاة التي تجلس بجوار حسام. كانت كل ثلاث دقائق تميل نحوه وتهمس له بكلام فيضحك. كان شعرها أصفر طويلاً يتدلى على ظهرها في غير نظام. وحينما كانت تنظر لحسام، كنت أرى أديم وجهها الغض الأشقر وجزءًا من حواجبها المتمردة المرسومة بعناية.
قلت في نفسي:
"كل ده مكياج على وشك... انتي أصلاً حلوة وناعمة من غير مكياج... آه طبعًا... لا عندك مرات أب تنكد عليكي ولا مستنية صدقة من حد."
انتهت المحاضرة، فنظرت للفتاة التي تجلس بجواري، لأسألها لماذا لم يكلف الأستاذ جميع الطلاب بأبحاث. لكنني تعجبت حينما وجدتها نفس الفتاة التي قابلتني في محطة الزهور. فقلت:
"إيه ده؟ انتي هنا؟... أنا اللي سألتك على عربيات الجامعة؟ فاكراني؟"
قالت:
"هو انتي معانا في القسم هنا؟"
قلت:
"أيوه، أنا معاكم في نفس القسم بس لسه منتظمة في الدراسة."
قالت:
"أهلًا بيكي... أنا هستأذنك بقى."
قلت وقد شعرت براحة كبيرة تجاه هذه الفتاة:
"رايحة فين؟ مش إحنا المفروض نستنى هنا لحد ما تبدأ المحاضرة اللي بعدها؟"
ابتسمت من جهلي وقالت:
"لا... كل محاضرة بتكون في مدرج معين... أنا هحضر ندوة في قاعة (ج) وبعدين هقابل واحدة صاحبتي على الكافتيريا."
قلت:
"كافتيريا؟!... طيب هي فين الكافتيريا دي؟"
قالت مبتسمة:
"قدام كلية الآداب... مبنى (ص)."
وقبل أن تنهض سألتها:
"وليه الدكتور مكلفش كل الطلاب بأبحاث؟"
قالت:
"في كل شهر بيكلف مجموعة معينة... وأنا مجموعتي كانت في الشهر اللي فات."
وقفت أمام الكافتيريا، فوجدت الازدحام شديدًا. كل منضدة تحيطها مجموعة من المقاعد التي يجلس عليها الأولاد والبنات جنبًا إلى جنب. وعلى كل منضدة كتب وحقائب يد ونظارات شمس وهواتف جوالة ومشروبات وسندوتشات. كنت مأخوذة متلاحقة الأنفاس وأنا أرى كل هذا. فتحت حقيبة يدي، وبدأت أعد نقودي، وقلت لنفسي:
"لا يا نورا، الميزانية كده هتبوظ."
وتذكرت عم حسين حينما نصحني بأن أحافظ على النقود وأكون حذرة في الإنفاق. ثم درت بنظري وسط الازدحام فرأيت بعض الفتيات يجلسن على مقاعد خشبية ممتدة تشبه مقاعد استراحة المسافرين على محطات القطار.
"أيوه هقعد هنا أحسن... بدل الكافتيريا وتضييع الفلوس."
توجهت إلى أحد المقاعد وجلست أكثر من نصف ساعة. ثم أخرجت جدول المحاضرات، لأعرف موعد المحاضرة القادمة. كانت الساعة الثانية عشرة، وموعد المحاضرة التالية الساعة الثانية ظهرًا. ماذا أفعل طوال هذه الفترة؟ لقد استرحت كثيرًا للفتاة التي كانت تجلس جواري في المحاضرة لكن أين هي الآن؟ لابد أنها ما زالت في الندوة. ثم تذكرت أنني لم أسأل الفتاة عن اسمها.
وبينما أفكر، سمعت من يناديني باسمي فاهتز قلبي. ونظرت لأرى حسام يقف أمامي بثقة وجرأة وقال:
"نورا، تعالي نتكلم على الكافتيريا."
قالها كأنه يعرفني منذ سنين.
"يخربيتك! كافتيريا إيه ونتكلم إيه؟"
قلتها في نفسي.
وحين وجد الارتباك والغباء على وجهي قال:
"آه... أنا حسام زميلك في البحث."
قلت بخجل وبصوت متهدج وبقلبٍ تتصارع دقاته:
"بس... بس البحث المفروض يتعمل في المكتبة."
كانت هذه هي المرة الأولى التي أتحدث فيها مع ولد.
قال بابتسامة جذابة رقيقة:
"عارف... بس فيه حاجة لازم تعرفيها."
"الله يخربيتك... لو أبويا شافني ممكن يدبحني أصلًا... غير كده حرام أصلًا إني أتكلم مع ولد."
قلتها في نفسي وتخيلت أن زوجة أبي تراني، ثم تمصمص شفتيها قائلة لأبي:
"شوف البت السهتانة."
كنت كالمسحورة وأنا أسير خلف حسام ناحية الكافتيريا، وجلست على مقعد، فجلس أمامي والتفت للخلف مناديًا على النادل وقال:
"تشربي إيه؟"
سأشرب شاي، فهو المشروب الوحيد الذي أستطيع دفع حسابه هنا، هكذا حدثت نفسي. ثم انتبهت لحسام وهو يقول:
"هتشربي إيه يا نورا؟"
قلت في ارتباك:
"شاي."
فابتسم وتحدث مع النادل ثم قال:
"أنا عملت بحث الشهر اللي فات مع شيرين... بصراحة أنا عاوز أقولك إني مش بتاع أبحاث... علشان كده خليت واحد صاحبي يعملنا البحث ويحط اسمي واسم شيرين عليه... بس صاحبي ده الله يخرب بيته جاب البحث من النت من غير أي مصادر... وأنا قدمته للدكتور من غير ما أبص فيه... والدكتور كشف الحيلة... علشان كده كلّفني أعمل بحث جديد... فأنا عايز منك طلب."
قلت في خجل وأناملي ترتعتش وفى حلقي مرارة حلوة:
"طلب... طلب إيه؟"
قال في ثقة:
"تعملي البحث لوحدك وتكتبي اسمي معاكي في مقدمة البحث."
حمدت الله في سري، فلم أكن أتصور أن أشارك في بحث مع ولد، وأنا لا أعرف لماذا وافقت أن أتحدث معه، ولكن كما قلت لكم كنت كالمسحورة. قلت مسرعة:
"أكيد.. حاضر."
هنا حضرت الفتاة الشقراء، وجذبت مقعدًا، وجلست معنا قائلة:
"فينك يا حسام كل ده؟"
هنا رأيتها بوضوح. وجه مستطيل قليلاً، وأنف صارم، وفم مختصر دقيق، عينان خضراوان ووجه أشقر. أما عن ملابسها فأجارك الله، جينز ضيق و..... لا لن أصف أكثر من ذلك. نظر حسام لها قائلاً وهو يشير نحوي:
"أعرفك يا شيرين... نورا زميلتي في البحث."
فقالت الفتاة:
"أهلًا."
قالتها في مكرٍ وتكبر. ثم أشار حسام نحوها قائلاً:
"شيرين."
إذن هي شيرين التي كانت تشاركه في البحث الذي رفضه أستاذ المادة.
قلت:
"أهلًا يبدو."
نهضت طالبة الاستئذان، فقال حسام مسرعًا:
"والشاي يا نورا."
قلت:
"مش لازم."
وجلست أمام إصراره المتكرر حتى حضر النادل بكوب من الشاي وكوب من العصير. حين وضع النادل المشروبات على المنضدة طلب حسام مشروبًا لشيرين التي قالت على الفور:
"فيه حتة فيلم جديد نازل السينما إنما إيه."
ثم أخرجت من حقيبتها الأنيقة تذكرتين ووضعتهما أمامه، فقال:
"بس أنا انهارده لازم أروح الشركة لبابا."
قالت شيرين:
"مش مشكلة... أنا هتصل بيه واعتذرله."
قالتها بعد أن وضعت ساقًا على ساق في تبسط وتجرد من الحياء، وأخرجت هاتفًا جوالاً من الطراز الحديث، هاتفها ملون مزركش وقد لُصِقَت على ظهره قلوب بجوار سلسلة دائرة.
قال حسام:
"مش هينفع يا شيرين... هو قالي لازم أعدي عليه انهارده في الشركة."
قالت:
"الفيلم من النوع اللي تحبه... قصة حب جامدة... وبعدين أنا جبتلك تذكرة."
ثم ضغطت على أزرار هاتفها وتحدثت مع والده تعتذر له.
"يالهوي... وكمان تعرف نمرة باباه وبتكلمه عادي."
كنت أجلس بينهما صامتة كجثة. كيف تجردت هذه الفتاة من كل درجات الحياء لتفعل كل هذا مع شخص ليس بزوجها. رحت أستغفر الله في سري، وتذكرت زميلاتي في قريتي في المدرسة الثانوية، كيف كن يتهامسن عن الحب وعن أولاد مدرسة البنين بكل جرأة. وتذكرت الرجلين اللذين يتصارعان بداخلي، أحدهما يمثل العشق، والآخر يمثل الخجل. ثم شعرت بالاختناق وكنت قد فرغت من الشاي فاستأذنت.
في المحاضرة الثانية لم أجد الفتاة التي كانت تجلس بجواري في المحاضرة الأولى، فانزويت بين كومة من البنات. لم أكن منصتة لأستاذ المادة، بل كنت شاردة في هذا العالم الجديد الذي لا أعرف ماذا ينتظرني فيه. ولما انتهت المحاضرة، خرجت وأنا أراجع في عقلي طريق العودة. كانت الساعة الثالثة والنصف عصرًا. قررت أن أسير على قدمي حتى محطة الزهور توفيرًا للمال. سرت قرابة عشرين دقيقة، ومن حسن الحظ أن الطريق كان مستقيمًا، لذلك لم أضل الطريق. ثم ركبت سيارة، وبعد نصف ساعة كنت في شقة أبي.
لم يكن أحد في الشقة، لأن أبي يعود كل يوم بعد الساعة الخامسة. أما زوجة أبي فقد أخبرتني بالأمس أنها ستبيت الليلة عند والدتها لأنها مريضة، وطلبت مني أن أجهز الطعام لأبي وأغسل ملابسهم. بدلت ملابسي وصليت ما فاتني من فروض ودخلت المطبخ. وبعد دقيقتين سمعت من يطرق الباب. هل عادت زوجة أبي؟
خرجت إلى الصالة وقلت:
"مين؟"
سمعت من يقول:
"أنا يا قاسم."
وضعت غطاءً على شعري وفتحت الباب. ابتسم الرجل قائلاً:
"فين قاسم؟"
قلت:
"لسه مرجعش من الشغل... أنا بنته."
مد لي يده بلفافة وقال:
"دي لأبوك."
قلت له:
"طيب أقوله مين؟"
قال مبتسمًا:
"هو عارف."
ثم انصرف.
كان الرجل طويل القامة ممتلئ الجسم له شارب أسود عريض ووجه أبيض باحمرار، وشعره كان بني اللون. أغلقت الباب وولجت إلى المطبخ لأفتح اللفافة، فوجدت كمية كبيرة من الأسماك. هل أرسل أبي هذه الأسماك مع هذا الرجل؟
وبينما أجهز في الطعام انتبهت لشيء أفزعني. ملامح الرجل تبدو مألوفة لدي. أين رأيت هذا الوجه يا نورا؟ أين؟ أين؟
ثم تذكرت. هذا الرجل يشبه الرجل طويل القامة الذي رأيته يهز رأسه على شاشة التليفزيون حينما انقطع الإرسال.
رواية نصف انسانة الفصل الثالث 3 - بقلم السيد عبد الكريم
حاولتُ أن أنسي أمر الرجل الذي أتى لي بالأسماك، وعاودتُ تجهيز الطعام. وبينما أنا واقفة في المطبخ، راح عقلي يقارن بين الرجلين: الرجل الذي أتى بالأسماك والرجل الذي رأيته على شاشة التليفزيون. نفس القامة، نفس الجسم الممتلئ، نفس العينين، لكن الشكل مختلف. الرجل الذي ظهر على الشاشة كان أصلع الرأس، محتقن الوجه قليلاً، بينما الرجل الذي طرق الباب كان له شارب أسود عريض وشعر بني اللون. طردتُ هذه الخواطر من عقلي وعدتُ أفكر. أفكر في حسام، ماذا يريد مني هذا الشاب؟
لا أريد أن أعلق نفسي بقصص الحب السخيفة هذه، كلها أوهام وخرافات. وقطعًا ما أراه على شاشة التليفزيون من أفلام رومانسية مجرد خيالات المؤلفين. وما فعلته ماجدة حينما ابتعد عنها رشدي أباظة هو نوع من السخف، وما فعله عبد الحليم حافظ حينما فقد لبنى عبد العزيز مجرد سيناريو مكتوب. وهنا تذكرتُ نصائح أمي:
ـ إياك والحب يا نورا.
كنتُ صغيرة وقتها لا أفهم هذه النصائح. ثم إن حسام سيتزوج من شيرين، وأين أنا وأين شيرين؟ أعتقد أن مصروفها اليومي يفوق مصروف عامي الدراسي كله. هذه الخواطر جعلتني أتذكر الميزانية. لقد أنفقتُ ألف وخمسمائة جنيهاً على الكتب الدراسية وعلى استخراج (الكارنيه)، ولم يتبقَ إلا خمسمائة جنيه. لقد صدق إذن عم حسين:
ـ حافظي على النقود.
لا مفر إذن من أن أحافظ على الـ خمسمائة جنيه المتبقية وأنفق منها بحذر حتى نهاية الفصل الدراسي الأول.
في تلك الأيام القليلة التي عشتها مع أبي وسعاد، علمتُ أنه يضع مرتبه بين يديها كل شهر لتقوم هي بالإنفاق. لذلك سأكون سمجة إن طلبتُ منه مالاً، والرجل لم يعرض عليّ مساعدته من الأساس، ولم يلمح حتى لذلك.
في اليوم التالي، توجهتُ إلى الجامعة. كانت المحاضرة الساعة العاشرة صباحاً. وبطريقة لا إرادية، وجدتني أبحث بعينيَّ عن حسام. ثم استغفرتُ الله في سري وعدتُ أنتبه لأستاذ المادة. كان يشرح لنا نماذج من الشعر العربي الحديث، ثم طلب من أحد الطلاب أن يقرأ بعض أبيات الغزل. ويبدو أن هذا الطالب معروف بحسن إلقائه للشعر، لأن أستاذ المادة قال:
ـ أين شاعرنا؟
نهض الشاب وكان أسمراً نحيفاً له شعر ثائر، وبدأ في الإلقاء. ساد صمت مثل صمت القبور، صمت لم تكن تقطعه سوى تنهيدات الزميلات ومصمصة الشفاه. وما إن أنهى الطالب القصيدة حتى علتْ أصوات الإعجاب، وصفق الجميع، وطال وقت التصفيق. سمعتُ من بجواري تحدث زميلة أخرى:
ـ إحساسه جميل أوى.
فردتْ الثانية:
ـ أكيد بيتخيل شيرين وهو بيقول القصيدة بالإحساس الجامد ده.
"ما شاء الله، الدفعة كلها بتعانى"، قلتُها في نفسي ساخرة. ثم رأيتُ أحد الطلاب يستأذن أستاذ المادة في الدخول. لم يكن هذا الطالب إلا حسام. اهتز قلبي وشعرتُ بتوتر لا أعرف له سبباً. اخترق حسام الصفوف، وأفسحتْ له إحدى الطالبات مكاناً فجلس بجوارها. حين دققتُ النظر في الفتاة عرفت أنها شيرين.
انتهت المحاضرة وهرولتُ من فوري إلى مكتبة الكلية. قدمتُ لأمين المكتبة (الكارنيه)، وطلبت منه بعض الكتب والمراجع التي تساعدني على كتابة البحث. طلب مني اسم البحث، ثم قادني إلى أحد الأركان وأشار نحو بعض الرفوف. بحثتُ بين الكتب، ثم جمعتُ ثلاثة كتب عن الأدب اليوناني والروماني ومسرحية الضفادع. جلستُ على مقعد ووضعتُ الكتب على المنضدة. كنتُ حريصة ألا يظهر حذائي المقطوع، لذا مددتُ ثوبي للأسفل أكثر.
وبدأتُ أقرأ. وبعد قراءة تسع صفحات، وجدت أنني لا أفهم شيئاً:
ـ كان مالي أنا ومال قسم اللغة العربية ده... ما كنت دخلت كلية...
كلية ماذا؟ ثم سألتُ نفسي، هل كانتْ في مخيلتي كلية معينة أود الالتحاق بها؟ هل كان لي هدف أو حلم من الأساس؟ غياب الأب في حياتي وفقداني لأمي وأنا صغيرة جعلاني شخصية مهزوزة متأرجحة لا تعرف ماذا تريد. جذبتُ الكتاب الثاني وبدأتُ أقرأ. انهمكتُ في القراءة وحين رفعتُ عينيَّ عن الكتاب، وجدته واقفاً مبتسماً. حسام طبعاً. اهتز الكتاب بين يدي، وبلا إرادة مددتُ يدي على ثوبي لأخفي حذائي أكثر. ثم سمعته يقول:
ـ ممكن أقعد؟
لم أردْ من فرط الارتباك. وحسدتُ في سري تلك الفتيات اللاتي لديهن القدرة على التحدث مع الأولاد. تذكرتُ تنهيدات الطالبات حين ألقى الطالب أبيات الغزل في المحاضرة. لمح حسام الغباء على وجهي فقال:
ـ مالك مرتبكة يا نورا... لو دايقتك أنا ممكن أمشي.
قالها وهو يهم بالانصراف، وبدون وعي قلتُ:
ـ لا... أقصد...
ثم سكتُ ولم أجد ما أقوله. ثم سألتُ نفسي في سري:
ـ هو المفروض أقول إيه... مش هو ولد وغلط إني أتكلم معاه وأقعد قدامه وجهاً لوجه طالما هو مش جوزي... المفروض أصده وأمنعه يقعد معايا زي ما ربتني أمي... ولا أعمل زي ما بشوفهم يعملوا في الأفلام وقصص الحب.
وحين طال شرودي، قال حسام مبتسماً وهو يجلس:
ـ بصراحة أنا حبيت أسألك لو عاوزة مساعدة في كتابة البحث.
قلتُ مرتبكة في خجل وخوف:
ـ بس إحنا اتفقنا إني هعمل البحث لوحدي لأنك مش بتحب الأبحاث.
رد مسرعاً ومازال يحتفظ بتلك الابتسامة الصافية:
ـ بس يظهر إني هحبها.
سمعتُ دقات قلبي تتزايد وقلتُ وأنا أنظر في الكتاب:
ـ إزاي يعني... مش فاهمة.
قال وهو يضغط على كلماته التي اخترقتْ فؤادي:
ـ طول عمري بكره كتابة الأبحاث لأني مكنتش أعرف إنها حلوة كده.
"يانهار أبيض"، قلتُها في نفسي بعد أن شعرتُ بدوار يعمل في رأسي. نهضتُ وخرجتُ من المكتبة وأنا أسير بخطوات مترددة دلّتْ على انفلات الأعصاب.
جلستُ على أحد المقاعد بالقرب من الكافتيريا. أخرجتُ هاتفي. نظرتُ في جدول المحاضرات لأعرف المحاضرة التالية. في الحقيقة لم تكن هناك محاضرة تالية. إذن كان من الممكن أن أستغل هذا الوقت في كتابة البحث. لكن يبدو أن حسام سيتتبعني مرة أخرى. لا بأس، سأستريح قليلاً ثم أعود للبيت. بدأتُ في لذة أتابع ازدحام الطلاب حول الكافتيريا. أنظر إلى الفتيات وملابسهن الغريبة وطلاء وجوههن، وسرحتُ بفكري. هل لو وضعت على وجهي (مكياج) سيعرف أبي؟ أعتقد أن أبي لا يهمه من الأمر شيئاً. لا أعرف لماذا لم أشعر نحوه بأي حب أو عاطفة. ومازلتُ لا أفهم لماذا هجر أمي وتركنا؟ ولماذا أخبرتني أمي أنه مات؟ تلك الأسئلة التي طالما رفض عم حسين الإجابة عنها رغم أني متيقنة أنه الوحيد الذي يعرف الإجابة. أفقتُ من أفكاري حين رأيتُ إحدى الفتيات تجلس على الكافتيريا بين مجموعة من الأولاد وقد أخرجت مرآة من حقيبتها تنظر فيها، وتعدل من وضع شعرها المتناثر بفعل النسيم. اطمأنت على مكياج وجهها، ثم أعادتُ المرآة إلى حقيبتها.
ـ يالهوى! كده عادي قدام الولاد!
قلتُ ذلك في نفسي، وبدأتُ أغيب في خيالاتي مرة أخرى. هل ما أشاهده من أفلام الحب هو حقيقة؟ هل ما أراه من صداقة الفتيات للأولاد هو أمر طبيعي وأنا جئت من العصر الحجري؟ منذ أن ماتت أمي وأنا أسيرة بين رجلين: أحدهما يشدني نحو صلاتي وحجابي وهذا ما ربتني عليه أمي، والآخر يشدني نحو تصديق أفلام الحب والغرام. أنا الآن في أشد الحاجة إلى أمي. لو أنها معي لنصحتني، ولأخبرتني أين الصواب وأين الخطأ. لكن يبدو أن أمي ربتني على أشياء ليست موجودة في الحياة الواقعية.
نظرتُ في هاتفي وقررتُ أن أغادر. وما إن نهضتُ حتى رأيته أمامي يقول:
ـ أنا آسف... مكنش قصدي أدايقك... كنت بعرض عليكِ المساعدة مش أكتر.
نما عرق وهمي على جبهتي من الارتباك وقلتُ:
ـ أنا هكتب البحث لوحدي... ومتقلقش هكتب اسمك معايا.
قال وهو يتفحصني:
ـ طيب خرجتي ليه من المكتبة؟
قلتُ مرتبكة:
ـ علشان هروح.
قال مبتسماً:
ـ بس لسه الوقت بدري... ما تيجي تفطري معايا على الكافتيريا.
قلتُ في تلعثم:
ـ لا... لا.... أفطر إيه، أنا فطرت أصلاً.
قال مسرعاً:
ـ خلاص هفطر أنا... وانتي اشربي حاجة وبعدين تروحي.
قالها وهو يمد يده نحوي ليحمل عني ما أحمله في يدي من كتب، ولم يعطني الفرصة للاعتراض لأنه جذب برفق الكتب وحملها، وكالعادة وجدتُ نفسي أسير خلفه كالمسحورة.
جلسنا حول منضدة دائرية على الكافتيريا. حضر النادل، فطلب حسام لي عصيراً وطلب لنفسه إفطاراً. ثم نظر في عينيَّ وقال:
ـ أنا مش باجي الجامعة كتير... واحتمال أغيب الأسبوع اللي جاي... فياريت تكلميني لو احتجتي أي مساعدة.
قلتُ بأنفاس متلاحقة:
ـ شكراً... أنا لو احتجت حاجة هطلبها من مشرف المكتبة.
قال وهو يمد يده نحو حقيبتي الموضوعة أمامي على المنضدة:
ـ هاتِ تليفونك.
قلتُ مرعوبة:
ـ ليه؟
قال وهو يفتح حقيبتي:
ـ هسجل رقمي... علشان لو احتجتي حاجة... علشان البحث يعني.
كنتُ في غاية الخجل حينما أخرج هاتفي، لأنه هاتف قديم الشكل والطراز، هاتف (زراير) فقط، ليس له (شاشة لمس). اشتراه لي عم حسين حين نجحتُ في الثانوية العامة. بدا العجب على وجه حسام حينما رأى الهاتف وقال:
ـ الخط بتاعك في العدة دي ولا معاكي عدة تانية؟
قلتُ في خجل:
ـ لا... هو ده تليفوني.
قام بتسجيل رقمه وأعاد الهاتف إلى حقيبتي، ثم نهضتُ وقلتُ:
ـ طيب أنا هستأذن.
قال متعجباً:
ـ ليه ديما مستعجلة كده يا نورا... والعصير يعني أرجعه تاني.
قلتُ:
ـ بس أنا اتأخرت أصلاً.
قال:
ـ خلاص العصير مش هيتأخر،... بس أنا عاوز أقولك حاجة قبل ما تيجى الشلة وتهجم علينا.
قلتُ في تعجب:
ـ شلة إيه؟
قال:
ـ الشلة بتاعتي يا ستي... زمانهم بيدوروا عليا.
حينما لم يجد مني رداً قال:
ـ أنا عيد ميلادي بكرة... وطبعاً انتي معزومة ومفيش اعتذار.
"الله يخرب عقلك... انت طلعتلي منين بس"، قلتُها في نفسي. ثم قلتُ له مسرعة:
ـ عزومة إيه... لا لا... أنا...
قاطعني قائلاً:
ـ كل الشلة جاية... ومش عاوزك تكسفيني.
قلتُ:
ـ مش موضوع أكسفك... بس بصراحة أنا مش بتاعت حفلات وأرقام تليفونات وكده... مش هينفع أصلاً.
قال:
ـ أنا ملاحظ إنك بتستخدمي كلمة (أصلاً) كتير.
قلتُ:
ـ مش عارفة... بس تعودت أقولها.
جاء النادل بالعصير وبالطعام ووضعهم على المنضدة وانصرف. قدم لي حسام العصير وهو ينظر في عينيَّ قائلاً:
ـ طيب هي الحفلة عيب؟... معظم زمايلنا هيكونوا موجودين، اقعدي معانا شوية وروحى.
قلتُ ومازلتُ أرتعش بداخلي:
ـ بس مينفعش أصلاً أروح بيت ولد... وأنا جديدة في الكلية ومعرفش حد منهم.
قال:
ـ بس تعرفيني أنا.
ثم صمتَ قليلاً وتابع:
ـ أنا مش هضغط عليكي... بس الشلة كلها جاية بكرة... الورقة دي فيها عنواني لو غيرتي رأيك.
كدتُ أن أقول شيئاً لكنني صمتُ حينما رأيت شيرين وشابين، أحدهم الشاب الأسمر النحيل الذي كان يلقي الشعر في المحاضرة، حضروا نحونا تسبقهم ضحكاتهم. قالتْ شيرين في مرح:
ـ كده تفطر من غيرنا... إيه الندالة دي؟
قال الشاب الأسمر:
ـ شكله يا ستي عاوز يهرب من عزومة عيد الميلاد.
قال الشاب الآخر وهو يمد يده نحو الطعام قائلاً:
ـ اعمل حسابك يا حسام أنا مش هقعد في الحفلة إلا نص ساعة.
قالتْ شيرين وهى تجذب مقعداً لتجلس بجوار حسام:
ـ ليه يا أبو نص لسان؟
أجابها الشاب:
ـ أختي يا ستي جايلها عريس انهاردة.. وبابا راسه وألف سيف إني أكون موجود.
قال الشاب الأسمر وهو يجلس بدوره:
ـ معرفتناش بالآنسة يا حسام.
قال حسام:
ـ هو انتو ادتوني فرصة.
ثم أشار نحوي قائلاً:
ـ دي نورا زميلتنا في الكلية وزميلتي في البحث.
ثم أشار ناحية الشاب الأسمر قائلاً:
ـ وده شريف يا نورا... شاعر الكلية.
هززتُ رأسي ولم أعرف ماذا أقول، فسمعتُ حسام يقول وهو يشير ناحية الشاب الآخر:
ـ وده أحمد.... ابن عم شيرين.
"يالهوى... إيه ده... ابن عمها وهي عادي كده قدامه"، قلتُها في نفسي متعجبة. ثم سمعت أحمد يقول:
ـ إيه الحظ المنيل بتاعك يا آنسة نورا؟... اللي وقعك مع حسام في البحث.
فضحك الجميع، ورأيت شريف الشاعر يضرب كفه بكف شيرين انبهاراً بما قاله أحمد. ابتسمتُ دون إرادة، ثم سمعتُ شيرين تقول لي:
ـ هيقولك هساعدك في البحث وهيعملك من البحر طحينة ومش هتشوفى وشه إلا بعد تسليم البحث.
قال حسام بلهجة محتدة:
ـ خلاص يا جماعة.
ثم نظر نحوي قائلاً:
ـ أنا فعلاً هساعدها... بس هي تأمر.
انزويتُ في مقعدي منكمشة وسمعتُ دقات قلبي تتعالى كطبل. وسمعتُ شريف الشاعر يقول:
ـ يا سلام، يحضرني قول الشاعر....
فقاطعته شيرين في لهجة لا تخلو من عصبية قائلة وهى تنظر نحو حسام:
ـ آه... ما أنا استغربت لما سألت عليك لقيتك رحت المكتبة اللي عمرك ما دخلتها ولا كنت بتطيقها.
قال حسام بعصبية ملحوظة:
ـ وبعدين يا شيرين؟
ساد جو من التوتر والصمت، فقال أحمد:
ـ خلاص يا حسام... شيرين بتهزر... وبعدين أنت من أمتي بصحيح بتروح المكتبة.
هنا نهضتُ مرتبكة واستأذنت، ثم غادرت.
خرجتُ من باب الجامعة، وتوفيراً للمال قررتُ أن أسير على قدميَّ إلى محطة الزهور. بعدها أركب سيارة إلى البيت، خاصة أن ما معي من مال كان قليلاً، وقد قسّمتُ ما معي من مال ليغطي كل تكاليف الفصل الدراسي الأول. في محطة الزهور ركبتُ إحدى سيارات الأجرة. سرحتُ بخيالي فيما حدث، كنتُ أنظر إلى الشارع والناس عبر زجاج النافذة وأسأل نفسي ماذا يخبئ لي القدر؟
قال السائق بصوت متحدرج بعد أن سعل وبصق:
ـ الأجرة يا حضرات.
ورأيت السيدة التي تجلس بجوار السائق تمد يدها له بالأجرة، فنظر في النقود وقال لها:
ـ الأجرة بقت 6 جنيه يا مدام.
يا للكارثة! الأجرة كانت بخمسة جنيهات، ما الذي حدث؟ المصيبة أنني لا أملك إلا خمسة جنيهات فقط في حقيبتي. لم تعترض السيدة ولم يعترض أحد، ورأيت السيدة تعطي السائق جنيهاً إضافياً. بحثتُ في حقيبتي على جنيه إضافي فلم أجد.
ـ إيه المصيبة اللي وقعتي فيها يا نورا... طيب هعمل إيه دلوقتي وهقول إيه.
بدأتُ أبحث في جيوبي وفي حقيبتي مرة أخرى فلم أجد إلا الخمسة جنيهات. كادتْ دموعي أن تسقط، ثم رأيتُ من تنظر نحوي وتقول:
يتبع
رواية نصف انسانة الفصل الرابع 4 - بقلم السيد عبد الكريم
بدأتُ أبحث في جيوبي وفي حقيبتي مرة أخرى فلم أجد إلا الخمسة جنيهات، كادت دموعي أن تسقط.
ثم رأيتُ من تنظر نحوي وتقول:
ـ خلاص دفعتلك.
حينما دققّتُ النظر وجدتها الفتاة التي أوصلتني إلى الجامعة أول مرة. انتظمت دقات قلبي وبدأت رعشتي تتلاشى، وتعجبتُ حينما رأيتها تنزل في نفس المكان الذي أسكن فيه. شكرتها ثم قلتُ لها بينما نحن نسير:
ـ إيه ده... انتي ساكنة هنا؟!
عرفت أنها تسكن أول حارتي في نفس بيت الميكانيكي بالطابق الثالث، كما عرفت أن اسمها مكة.
أصرّت مكة أن أصعد معها إلى شقتها، ترددتُ في البداية ثم قبلتُ حينما علمت أنها تعيش مع والدتها فقط. حينما دخلتُ رأيتُ أمها تقرأ القرآن على سجادة صلاة، ولا أستطيع أن أصف مقدار ما شعرتُ به من راحة نفسية وطمأنينة في هذا البيت. ولا أعرف هل لأنني يتيمة فاقدة لجو الترابط الأسري أم لما وجدته في أمها من حب وعطف ووجه مضيء؟
رحبت بنا أمها، وحينما أخبرتها مكة أنني زميلة دعت لنا بالنجاح والتوفيق. وفي حجرة مكة جلسنا، قالت بعد أن قدمت لي عصيراً:
ـ عملتي إيه في البحث؟
قلتُ:
ـ ولا حاجة... أنا عمري ما عملت بحث أصلاً ومش عارفة ابدأ إزاي.
قالت:
ـ هو البحث عن إيه فكريني.
قلتُ:
ـ عن مسرحية الضفادع دراسة نقدية.
قالت وهي مبتسمة:
ـ يعني يخلص في قعدتين.
قلتُ في جهل:
ـ إزاي بقا؟... دا أنا أصلاً مش فاهمة كلمة دراسة نقدية يعني إيه.
قالت:
ـ بصي يا نورا... دراسة نقدية يعني تنقدي المسرحية الشعرية... تقرأيها وتطلعي منها الجماليات، الخيال زي التشبيهات وتطلعي المحسنات البديعية وتتكلمي عن الشاعر وجو النص ومناسبة المسرحية.
قلتُ مازحة:
ـ يعني أروح للشاعر وأقوله أنتَ قولت المسرحية بمناسبة إيه.
قالت ضاحكة:
ـ الشاعر مش هيرد عليكي... ربنا يبشبش الطوبة اللي تحت راسه... انتي تروحي للمراجع والمصادر هي اللي هترد عليكي.
قلتُ في انبهار:
ـ وانتي عرفتي كل ده إزاي؟
قالت:
ـ ندوات... كتب... مواقع إنترنت.
قالتها وهي تشير إلى جهاز الكمبيوتر القريب من سريرها.
قلتُ:
ـ بس أنا معنديش كمبيوتر.
قالت:
ـ مش مهم... ما انتي أكيد عندك نت على تليفونك.
قلتُ في حرج وأنا أخرج هاتفي:
ـ لا تليفوني آخره يقول الوو.
نهضت مكة وقامت بتشغيل الكمبيوتر، علمتني الولوج إلى مواقع ومنتديات، وكيفية البحث عن المعلومات، ثم أجلستني مكانها وطلبت مني أن أتصفح وأتعلم، بينما غابت هي قليلاً خارج الغرفة. ثم عادت وقالت وهي تمسك بهاتفها:
ـ تعالي أعلمك بقا إزاي تفتحي نت على التليفون علشان لمّا تشتري تليفون حديث تعرفي تبحثي عن اللي عايزاه.
ـ أشتري تليفون إيه يا حسرة... ما انتي متعرفيش حاجة.
قلتُ ذلك لنفسي، واستأذنتُ منها وانصرفت.
في الحقيقة قضيتُ معها ساعة لا تُنسى، وقررتُ بيني وبين نفسي أن أكرر زيارتي لها.
في اليوم التالي ذهبتُ إلى المحاضرة، لم أجد حسام أو أحداً من شلته، فتذكرت حفلة عيد ميلاده.
ـ أكيد طبعاً مشغول في التحضير للحفلة وشيرين معاه.
ثم رحتُ أحدث نفسي:
ـ طيب وأنا مالي أصلاً؟!
انتهت المحاضرة ولم تكن ثمة محاضرات أخرى في هذا اليوم، ولم يكن مزاجي رائقاً لدخول المكتبة. شعرتُ بالوحدة والاكتئاب، كانت الساعة لم تتجاوز الثانية عشرة ظهراً، فقررتُ العودة للبيت.
في البيت كان ينتظرني طن من الأعمال التي كلفتني بها زوجة أبي، كانت تشاهد التليفزيون وأنا أصارع الأطباق في المطبخ. أنجزتُ ما أمرتني به بسرعة، وارتديتُ ملابسي.
قالت زوجة أبي:
ـ على فين إن شاء الله؟
قلتُ في خوف:
ـ رايحة عند صاحبتي.
لماذا كذبتُ عليها؟ لا أعرف، لكنها المرة الأولى التي أكذب فيها على أحد، وكنتُ متيقنة أنها لن تكون الأخيرة.
قالت ساخرة:
ـ وكمان بقا عندك صحبات؟!
قلتُ:
ـ آه هي ساكنة هنا قريب... تعرفت عليها بالصدفة... مش هتأخر يا مرات أبويا.
عرجتُ على بعض محلات الأحذية الرخيصة، وحين راق لي أحد الأحذية ولجتُ داخل المحل، فابتسم لي الرجل قائلاً:
ـ تحت أمرك يا آنسة.
أشرتُ له ناحية الحذاء، فجذبه ثم وضعه بين يديّ قائلاً:
ـ بـ 170 جنيه.
ـ يا لهوي... أنا أصلاً مش معايا إلا 400 جنيه مصاريف الترم كله.
قلتُ في تلعثم:
ـ هو مينفعش بأقل من كده؟
لم يتنازل الرجل عن جنيه واحد، وأخذ يعدد مزايا الحذاء. فشكرته وانصرفت.
ـ يا خسارة يا نورا... كان هيبقى تحفة على الطقم ده... وعلى الأقل أرتاح من الحذاء ده اللي قرب ينطق ويقولي ارحميني بقا.
عدتُ أصبر نفسي بعبارات على غرار (مش مهم المنظر يابت المهم الجوهر). طبعاً هي عبارات نصبر بها أنفسنا نحن الفقراء، رغم أن المجتمع لا يعترف إلا بالمظهر.
أخرجتُ من حقيبتي ورقة مدون فيها عنوان حسام.
ـ بس أروح المكان ده إزاي ياربّي؟
ـ اسألي يا نورا... اللي يسأل ميمتش.
بعد عناء وأسئلة استطعتُ الوصول، كان يقطن في مكان راقٍ غير مزدحم. لم يكن شقة ولا بيتاً كما تخيلتُ، بل كانت فيلا، فيلا أنيقة تقبع وسط الأشجار التي يداعبها الهواء النظيف والنسيم المنعش، حديقة واسعة، حمام سباحة، أزهار، جراج للسيارات، أشياء لم أرها إلا في التليفزيون. ولجتُ إلى الصالة التي تنبعث منها الموسيقى ورأيت الشلة، ومناضد ومشروبات، شباب وفتيات، كل شيء حالم جميل، لكن انقبض قلبي حينما رأيت ملابس الفتيات لأني شعرتُ أن ملابسي وهندامي لا يتناسبان مع ما أراه لدرجة أنني فكرتُ في المغادرة قبل أن يشعر بي أحد.
كان حسام غارقاً في ضحكات متواصلة مع الشباب والبنات، لكن ما إن رآني حتى تركهم مسرعاً نحوي، مما جعل الجميع ينظرون إليّ، فشعرتُ بلذة وارتباك. قال حسام:
ـ معقولة؟!... لا بقا... دا أنا كل يوم هعمل عيد ميلاد.
ـ يخرب عقلك... إيه اللي بتقوله ده.. هي ناقصة ارتباك يعني.. ما أنا مرتبكة لوحدي أصلاً.
شكرته، ثم جلستُ على مقعد قريب، بعيداً عن جو الاختلاط والازدحام.
ـ يا ترى اللي أنا بعمله ده صح ولا غلط؟... حلال ولا حرام؟
ـ لا مش وقته خالص يا نورا... مش وقت هواجس ونكد وعقد.. خليني أتفرج وأشوف الناس الأغنياء عايشين إزاي.
أحضر لي حسام مشروباً وقال:
ـ يا ترى فيه موسيقى معينة تحبي تسمعيها؟
قلتُ مسرعة:
ـ لا لا... عادي.
قال مبتسماً:
ـ لا طبعاً مش عادي.
قلتُ:
ـ إزاي يعني؟
قال ناظراً في عينيّ:
ـ عيد ميلادي النهارده مش عادي... دا أحلى عيد ميلاد عملته في حياتي... عارفه ليه؟
قلتُ في غباء:
ـ ليه؟
أجاب:
ـ عشان نورا الجميلة جات بنفسها عشان تقولي كل سنة وانت طيب.
كاد كوب العصير أن يسقط من يدي، وقلتُ وأنا أنهض في ربكة:
ـ طيب أنا هستأذن.
أمسك يدي وشدني لأجلس قائلاً:
ـ خلاص يا ستي... انتي مش جميلة ولا قمر حتى... اقعدي بقا.
قلتُ وأنا أجلس بعدما نزعتُ يدي من يده:
ـ لو سمحت يا حسام أنا مش بحب الكلام ده.
قال:
ـ ومش بتحبيه ليه؟
أجبتُ:
ـ متعودتش حد يقولي كده أصلاً... ومعرفش أرد أقول إيه.
قال:
ـ سيبى قلبك هو اللي يقول.
قلتُ في خجل وأنا أتحاشى النظر نحوه:
ـ بص... روح شوف صحابك وأنا هقعد هنا أتفرج.
بعد قليل دخل خادم يدفع منضدة أمامه عليها تورته مرتفعة هرمية الشكل حولها دائرة من الشموع، ثم تقدمت سيدة عرفتُ فيما بعد أنها والدة حسام، وأشعلت الشموع. ثم حضر رجل طويل القامة أصلع الرأس يرتدي بذلة أنيقة وصافح الذين يصطفون حول الشموع. شعرتُ بأنني رأيت هذا الرجل من قبل، لكن أين؟ لا أتذكر.
أسرع حسام نحوي وقال:
ـ بتعملي إيه؟... يلا تعالي هنطفي الشموع.
نهضتُ في حرج وسرتُ خلفه ووقفت في الدائرة، كان بجواري شريف الشاعر الذي قال:
ـ عقبال عيد ميلادك يا نورا.
كانت الضوضاء تطغى على كل شيء، ثم أطفئت أنوار المصابيح فظهرت ظلالنا فوق التورته تتراقص، وبدأ الجميع في الغناء. كنتُ صامتة أنقل نظري بين وجوههم. وحين انتهت الأغنية أطفأ حسام الشموع، وعادت أضواء المصابيح فعادت الضوضاء معها. اقتربت والدة حسام منه وقبلته وقدمت له هدية، كذلك فعل الرجل الذي يرتدي بذلة ثم انصرف سريعاً. واقتربت شيرين من حسام وقبلته وقدمت له هدية، كانت ترتدي فستاناً قصيراً مكشوفاً من الأعلى.
ثم سمعتُ شريف الشاعر يقول:
ـ سمع هسسسسس... اسمعوا القصيدة دي بمناسبة عيد الميلاد.
قال أحمد:
ـ يا عم احنا مش في ندوة... لو قلت بيت واحد هقتلك.
قال شريف ضاحكاً بعدما حمل هرم التورته بين يديه:
ـ طيب وحياة الصداقة لو مش هتسمعوا قصيدتي ولا واحد هيدوق التورته.
صفق الجميع وهتفوا باسم شريف فبدأ ينشد القصيدة. كانت شيرين تنظر بعينين حالمتين نحو حسام، قابضة بيدها على يده. حينما أنهى الشاعر قصيدته صفق الجميع.
ثم انتبهتُ أنني الوحيدة هنا التي ترتدي الحجاب، في الحقيقة لم أكن أعرف ما عليّ فعله، لذلك كنتُ جامدة صامتة. ثم انطلقت موسيقى هادئة، واقترب كل شاب من فتاة وأحاطها بذراعه وبدأوا في الرقص على الأنغام الهادئة. كانت شيرين تضع يدها اليسرى على كتف حسام الأيمن، بينما يضع هو يده اليمنى أعلى خصرها.
انسللتُ خارجة من البهو المتسع، وهبطتُ إلى الحديقة متجهة للخارج. وما إن خطت قدميّ الشارع حتى شعرتُ بدمعة حارة تسقط من عيني، لم أكن أعرف لها سبباً لكنني جففتها بسرعة، وسرتُ أبحث عن سيارة أجرة. اكتشفتُ أن سيارات الأجرة تكون قليلة جداً في مثل هذه الأماكن الراقية، اكتشفتُ ذلك حينما رأيتُ أن كل السيارات التي تمرق أمامي سيارات ملاكي. وشعرتُ بالخوف.
ـ هتروحي إزاي يا نورا؟... الشوارع هنا فاضية ومفيش حد تسأليه.
سرتُ للأمام على أمل أن أجد سيارة أجرة أو أجد من يدلني على أقرب موقف للسيارات. وفجأة رأيتُ سيارة أنيقة تقف بجواري، وسمعته يقول:
ـ نورا... انتي مشيتي ليه؟
قلتُ وأنا أقاوم انهمار دموعي:
ـ لا مفيش... أنا اتأخرت أصلاً.
قال:
ـ دا لسه يدوبك الحفلة هتبدأ... تعالي ارجعي كملي معانا الحفلة.
قلتُ:
ـ لا شكراً... أهلي هيقلقوا عليا.
ثم قلتُ في سري:
ـ قال يعني عندي أهل ممكن يقلقوا عليا بجد... دا أنا مرات أبويا بتسألني رايحة فين وجاية منين علشان نفسها تمسك عليا غلطة تخلي أبويا يمنعني من التعليم.
قال وهو يفتح لي باب السيارة:
ـ طيب اركبي أوصلك.
قلتُ مسرعة:
ـ أركب إيه؟... لا مش هينفع.
قال في إصرار:
ـ أنا اللي مش هينفع أسيبك تروحي لوحدك.
انطلقت بنا السيارة وهذا آخر ما كنتُ أتوقعه في حياتي، أن أركب سيارة مع شاب ليس بزوجي. قال حسام:
ـ يعني ينفع كده كنتي عايزة تمشي من غير كل سنة وانت طيب.
قلتُ وأنا أضغط على أصابعي من التوتر:
ـ بصراحة أنا كنت محرجة.
قال متعجباً:
ـ محرجة؟! ... محرجة من إيه؟
أجبتُ:
ـ محرجة إني مجبتش هدية زيهم.
قال وهو يختلس النظر إليّ:
ـ حضورك النهارده كان أحلى هدية.
احمرّ وجهي وضغطتُ على أصابعي أكثر ولم أرد، فقال:
ـ بس انتي ليه كنتي قاعدة لوحدك ومش مندمجة معانا؟ هي الحفلة معجبتكيش؟
قلتُ:
ـ لا أبداً... بس أنا مش متعودة... وكمان مكنتش عارفة المفروض أعمل إيه.
قال مبتسماً:
ـ ما أنا قلتلك اعملي اللي قلبك يقولك عليه... يعني أنا مثلاً قلبي كان بيقولي إني أرقص معاكي.
قلتُ مسرعة:
ـ لا لا أرقص إيه!... أنا مقدرش... ومعرفش أعمل كده أصلاً... بس فيه كتير غيري يعرفوا.
قال:
ـ آه...
قالها طويلة ممدودة لكن قالها مبتسماً سعيداً.
نزلتُ بعيداً عن الحارة قبل الشارع الرئيسي، وشعرتُ أنني في حاجة للمرور على مكة. صعدتُ الطابق الثالث، فتحتْ لي والدتها الباب ورحبت بي بوجهها المريح المضيء. حينما دخلتُ وجدتُ مكة تجلس وبجوارها ثلاث فتيات لم يتجاوزن العاشرة، تمسك كل منهن بمصحف وكانت مكة تحفظهن القرآن. شعرتُ بوخزة في قلبي، وعاد الرجلان اللذان يقبعان بداخلي يتشاجران. رحبتْ بي مكة، وحينما انتهت مع الفتيات وانصرفن وجدتُ نفسي أنفجر في البكاء.
رواية نصف انسانة الفصل الخامس 5 - بقلم السيد عبد الكريم
كل منا له أسرار، يمكن أن تُذاع، وأسرار أخرى دفينة يكره صاحبها أن تُنشر.
أمّا عن أسراري الدفينة التي أكره أن يعرفها أحد، فهي ستظل معي حتى موتي، ولن يعرفها أحد سوى حسين الأعرج.
لماذا؟ لأنه شهد معي تلك الأيام، أيام الطفولة والشباب.
وفى خلال الصفحات القليلة القادمة سأقصُ عليكم بعض أسراري التي لن أنزعج إنْ نُشرت.
لماذا تركتُ زوجتي ليلى وابنتى نورا؟ يا له من سؤال! ولنْ أجيب عنه طبعاً.
المهم أني تركتهم، ذهبتُ إلى القاهرة.
عملتُ سائقاً لدى إحدى الشركات، وكان الأجر زهيداً، وكنتُ أقيم في الشركة.
وتعرفتُ على سعاد، واستطعتُ ادّخار بعض الأموال التي شجعتني أن أحصل على شقة بالإيجار.
دلّني أهل الحِلّ على شقة أسكنها، حارة الميكانيكي، مكان عشوائي فقير لكن يفي بالغرض، فلمْ أكنْ أحلم بأن أعيش في قصر على أي حال.
وما أثار انتباهي أن الحاج سعيد صاحب البيت لم يطلب مبلغا فادحاً، بل تركني أنا أحدد الإيجار.
كنا نجلس على مقهى قريب وتم كل شيء بسرعة.
ـ تدفع كام يابنى؟
قلتُ:
ـ أنتَ عايز كام إيجار وكام تأمين يا حج سعيد؟
قال الرجل وهو يكركر النرجيلة:
ـ اللى تشوفه انت.
قلتُ بينما أرشف الشاى:
ـ بصراحة أنا مش معايا فلوس كتير.. يعني قرشين كده على قد ظروفي.
قال الحاج سعيد:
ـ بلاش تأمين خالص.
معقولة! هذا الرجل إمّا أن يكون زاهداً أو مغفلاً.
قلتُ:
ـ طيب والإيجار... عايز كام في الشهر؟
قال:
ـ قلتلك مش هنختلف... انت تقدر تدفع كام؟
قلتُ من فورى:
ـ 200 جنيه حلو؟
قلتُها متوقعاً أن يعترض، لكن الرجل فاجئني بقوله:
ـ اتفقنا.
قالها بعد أن قبّل يديه وأخرج من جيب جلبابه الواسع أوراقاً لأوقع باسمي على عقد الإيجار.
اشتريتُ سريراً وأريكة وبعض الأثاث المستعمل القليل.
وبعد يومين بينما أصعد درجات السلم قابلني رجل في الستين من عمره، عرّفني بنفسه أنه يسكن الطابق الثاني، ثم قال:
ـ أها... أنت الساكن الجديد... ساكن شقة الطابق الثالث... صح؟
تعجبتُ من تدخله في الأمر، لكنّي أومأتُ برأسي موافقاً.
فقال في شفقة:
ـ مسكين... وكم دفعت للحاج سعيد؟
هممتُ أن أقول أن هذا ليس من شأنك، لكنني شككتُ أن ثمة لغز في الموضوع فأجبت:
ـ 200 جنيه إيجار.
قال الرجل:
ـ وطبعاً بدون تأمين؟
أجبتُ في تعجب:
ـ نعم.
قال ساخراً:
ـ مغفل... شقتك مسكونة يا ولدي.
بدا الرعب على وجهي، وقلتُ مسرعاً:
ـ مسكونة؟! إزاي؟
قال:
ـ مسألتش نفسك فيه شقة بـ 200 جنيه ومن غير تأمين كمان في زمانا ده.
قلتُ:
ـ قولي أرجوك... مسكونة إزاي... وانت عرفت إزاي؟
قال وهو يهبط درجات السلم:
ـ هتعرف بنفسك.
بعد يومين وفى ليلة لا أنساها، كنتُ غارقاً في نوم عميق كجثة أمنمحات.
وسمعتُ جلبة وحركة في المطبخ.
نظرتُ في ساعتي بعين مغمضة فوجدتها الثانية بعد منتصف الليل.
نهضتُ من سريري وتوجهتُ للمطبخ وكان ما رأيته مرعباً.
رأيتُ المقلاة موضوعة على موقد البوتاجاز وبداخلها ثلاثة أسماك تبقبق في الزيت.
تجمد الدم في عروقي وشعرتُ بأن بقعة سوداء تتسع أمام عينيّ، فعرفتُ أنني على وشك الدخول في إغماء أو سكتة قلبية.
قرأتُ المعوذتين ورحتُ أبحث بيدي المرتعشة على زر المصباح.
وما إن أضاء المصباح اختفتْ المقلاة بما فيها من زيتٍ وأسماك.
أضأتُ جميع مصابيح الشقة، وعزمتُ أن أقضي ما تبقى من ساعات الليل متيقظاً.
جلستُ في الصالة وبدأتُ أفكر.
أنا لم أحضر أسماكاً، هل ما رأيته كان حقيقياً؟
هل أنا مرهق وقلة نومي هي من صورتْ لي هذا؟
إذن الرجل الذي أخبرني بأن الشقة مسكونة كان على صواب.
يا للكارثة!
أنا سأتزوج سعاد بعد شهر، كيفَ لو عرفتْ؟
لولا سعاد ما كنتُ انتقلتُ إلي عملي الجديد، فقد أوصتْ أحد أقاربها الأغنياء ليجد لي عملاً في شركته، وقد حدث.
ولولا هذا العمل ما كنتُ استطعتُ أن أجد شقة طوال حياتي.
وبينما أنا غارق في تفكيري سمعتُ أذان الفجر، فخرجتُ من فوري لأداء الصلاة في المسجد.
وبعد الصلاة جلستُ على أحد المقاهي أبدد الوقت حتى شرقتْ الشمس ودبّتْ الحياة في الحارة، وذهبتُ إلى العمل.
لم يتكرر هذا الموقف، لكن ما حدث بعد ذلك كان شنيعاً.
بعد أسبوع من حكاية المطبخ كنتُ جالساً في الصالة أشاهد التليفزيون.
ثم سمعتُ مَنْ يطرق الباب.
لا أحد يعرفني هنا سوى سعاد، ولا أعتقد أن عم حسين الأعرج جاء من القرية لزيارتي.
فتحتُ الباب فوجدتُ رجلاً يرتدي جلباباً، قاسي الملامح له شعر بني اللون وشارب أسود عريض.
قلتُ:
ـ عايز مين؟
قال الرجل مبتسماً:
ـ مش انت قاسم... السواق؟
أومأتُ برأسي متفقاً.
فقال هو يقدم لي لفافة:
ـ السمك اللي طلبته.
قلتُ:
ـ سمك؟! أنا مطلبتش سمك... وانت مين وعرفت اسمى إزاي؟
قال في لا مبالاة:
ـ يا عم قاسم... انت من ساعة طلبت اوردر بـ 3 كيلو سمك.
قلتُ متعجباً ومحدقاً في الرجل:
ـ اوردر؟! أكيد أنت غلطان.
قال في إصرار:
ـ أنا مش غلطان... الاوردر باسم قاسم عبد العزيز أمين، شقة الدور التالت... بيت الحاج سعيد... حارة الميكانيكي... صح ولا أنا غلطان؟
هرشتُ عقلي الذي توقف عن التفكير:
ـ صح.
قال بينما يضع بين يدي اللفافة:
ـ طالما صح يبقى بتضيع وقتى ليه.
قالها ثم غادر.
حينما فتحتُ اللفافة وجدتُ ثلاثة أسماك ضخمة عملاقة.
وما أثار رعبي أن تلك الأسماك كانتْ في نفس حجم الأسماك التي رأيتها في المقلاة.
هل أنسى الأمر وأتجاهل ما يحدث؟ أم؟ أم ماذا؟
لن أترك الشقة إن كنتَ تظن ذلك، فتركُ الشقة يعنى ببساطة المبيت في الشارع، ويعنى تأجيل زواجي من سعاد، وتأجيل زواجي من سعاد يعنى طردي من العمل، فزواجي من سعاد مقرون باستمراري في العمل.
هي مطلقة وأنا متزوج، لكنني أخبرتها كذباً أنني طلقتُ زوجتي ليلى.
هي تعلم أن لي ابنتي نورا من زوجتي ليلى، لكن قطعتُ معها وعداً أن أقطع علاقتي بالقرية وألا أسمح لابنتي نورا بالظهور في حياتي.
لماذا أقص عليكم هذه الأسرار؟ أنا أفهمكم، أنتم تحاولون استدراجي لأحكى أسراري الدفينة، لكن لن أفعل.
ودعوني أكمل لكم قصة الشقة المسكونة.
بعد يومين تكرر موقف الرجل الذي أتى لي بالأسماك.
لكن هذه المرة جذبته من ملابسه ودفعته لداخل الشقة وأحكمتُ إغلاق الباب وصرختُ في وجهه:
ـ انت مين؟ وايه حكايتك؟
لم أنتظر منه إجابة لأنني أردفتُ بينما أضغط بكلتا يدي على رقبته:
ـ أنا مطلبتش سمك... وعايز أعرف انت عرفت اسمى إزاي؟
قال الرجل وهو يحاول التخلص من قبضتي:
ـ أخزى الشيطان وسيبنى حرام عليك... أنا مجرد واحد شغال في المحل... وينفذ أوامر صاحب المحل.
قلتُ بعدما خففتُ من قبضتي عن عنقه:
ـ هات اسم المحل واسم الزفت صاحب المحل وغور في ستين داهية.
قال لاهثاً:
ـ محل أسماك الحناوي شارع شوكت وصاحب الزفت اسمه الحناوى.
وما إن تركتُ الرجل حتى فرّ هارباً، لكنه ترك لي لفافة جديدة.
بعد يومين كنتُ واقفاً أمام أسماك الحناوى.
كان لابد أن أنهي هذا الكابوس قبل زواجي.
كان محلاً فخماً مكوناً من ثلاثة طوابق بواجهة زجاجية.
أمامه متسع ترتص عليه مقاعد ومناضد.
وحين ولجتُ داخل المحل رأيتُ رجلاً وقوراً جالساً خلف مكتب متسع أنيق، وعمال المحل يروحون ويجيئون في نظام ونشاط.
رحب بي الحناوى ثم قال:
ـ تحت أمرك يا ابنى.
قلتُ:
ـ اسمع يا حج... انت باين عليك راجل محترم... فأنا هتكلم معاك بهدوء قبل ما اتجنن.
رفع الرجل حاجبيه تعجباً وهو يقول:
ـ خير يابنى.
قلتُ:
ـ حد من المحل بتاعك بيجيب لي سمك... وأنا مش بطلب سمك ولا عايز منكم سمك... وفى كل مرة يقولى انت طلبت اوردر بـ 3 كيلو سمك... واللى هيجنني انه عارف اسمي وعنواني... نفسي أعرف أنا طلبت منكم سمك أمتى.. وبعدين أنا سواق على باب الله.. هاكل كل يومين سمك... ليه سواق في السفارة.
قال الرجل مبتسماً:
ـ طيب أهدى كده وقولي اسمك إيه؟
قلتُ:
ـ قاسم.
فنادى على أحد العمال وطلب منه أن يبحث عن اسم قاسم.
بعد دقائق جاء له شاب يحمل بين دفتر قائلاً:
ـ فيه 2 اوردر باسم قاسم عبد العزيز أمين... واحد يوم السبت اللي فات بتاريخ 25 مارس... والتاني يوم التلات بتاريخ 27 مارس.
نظر إليّ الحاج الحناوى دون أن يتكلم، ولكن كانتْ نظرته ساخرة متشككة.
فوضعتُ يدي على صدغي بعدما أحسستُ بصداع خفيف وقلتُ:
ـ الاوردارات دي اتطلبت إزاي؟
قال الشاب:
ـ بالتليفون.
وقبل أن أتكلم قال الحاج الحناوى:
ـ يا بنى احنا محل كبير وله سمعته وأهم حاجة عندنا هنا السمعة والنظافة والنظام وفيه ناس بتيجي تاكل وهنا وناس تطلب اوردارات.. واي حد بيطلب اوردر بناخد اسمه وعنوانه ورقم تليفونه.
قلتُ مسرعاً:
ـ حلو أوى... أنا بقا عاوز رقم التليفون اللى بيتصل بيكم وبيطلب اوردارات باسمي.
قال الحاج الحناوى في نفاذ صبر:
ـ أكيد الاوردارات دى اتطلبت برقم تليفونك.
قلتُ وأنا أضرب بيدي على المكتب:
ـ عليا الطلاق ما عندي تليفون.
ثم صمتُ قليلا وقلتُ:
ـ بس مش مشكلة... هات بقا الرقم اللى بيتصل بيكم.
غاب الشاب دقائق، ثم عاد بنفس الدفاتر ويبدو انه راجع بعض البيانات على جهاز الكمبيوتر ثم قال:
ـ للأسف الرقم اللي بيتصل بينا مش بيظهر... بيكون مكتوب رقم غير معرف... سواء كان الاتصال على الأرضي أو على المحمول.
قلتُ في عصبية:
ـ اه رقم غير معروف... يبقى عفريت بقا اللي بيتصل بيكم.
ثم فطنتُ لما أقول، هل قلتُ عفريت؟!
شردتُ بخواطري، ثم سمعتُ الحاج الحناوى يقول:
ـ اسمع يابنى... المرة دي أنا احترمتك وسبتك تزعق وتعطلنا بس المرة الجاية مس هسمح ليك تدخل المحل أصلاً.
نهضتُ وأوليته ظهري وبينما أنا أخرج سمعته يقول:
ـ وطالما مش انت اللي بتتصل شوف مين اللي بيعمل فيك المقالب دي.
مرتْ الأيام وقررتُ أن أتجاهل الموضوع.
وكان الرجل يأتيني بالأسماك مرة كل أسبوع، وأحياناً مرتين، وأحياناً مرة واحدة كل شهر.
واعتدتُ على ذلك، واعتدتُ ألا أسأله عن شيء.
يبتسم تلك الابتسامة الصفراء ويقول:
ـ ازيك يا قاسم.
ثم يناولني لفافة الأسماك وينصرف.
لم يتكرر مشهد المطبخ والمقلاة.
لكنّي ذات ليلة كنتُ أشاهد التليفزيون وانقطع الإرسال فجأة.
رأيتُ مشهداً بالأبيض والأسود، مشهداً يجمع بين رجلين، رجل قصير القامة مقوس الظهر، نحيف الجسم، أسمر الوجه يمد يده حاملاً سمكة لرجل آخر طويل القامة، ممتلئ الجسم، محتقن الوجه، أصلع الرأس.
لم يكن رد فعل الرجل الثاني إلا أن يهوي بقطعة من حديد على رأس الرجل القصير فتُشج رأسه.
هنا يسيل الدم على وجه الرجل القصير الأسمر النحيل، ثم ينظر نحو الشاشة كأنه يحدثني مستغيثاً:
ـ انقذنى.
في الحقيقة لم أكنْ مرعوباً بدرجة كبيرة، لأنني هيأتُ نفسي نفسياً أن عفريتاً يسكن معي في الشقة.
واعتبرته ضيفاً غير لطيف المعشر، وسيرحل يوماً ما.
لكن أشد ما كان يفزعني هو أن يظهر هذا الشيء لسعاد، عندها أتوقع أن تملأ الشقة صراخاً وتقسم ألا تبيت ليلة أخرى في الشقة.
طبعاً سأكون مُطالباً وقتها بترك الشقة وإيجاد شقة أخرى.
قبل زفافي من سعاد بثلاثة أيام استيقظتُ عند منتصف الليل على صوت يأتي من المطبخ.
لكن لا بأس، فقد وضعتُ خطة بيني وبين نفسي.
تسللتُ خفية حتى لا يراني هذا الشيء.
وحملتُ بين يدي مصباحاً محمولاً قوي الإضاءة كنتُ قد اشتريته خصيصاً لمثل هذا الموقف.
كنتُ أسمع صوت المقلاة وطشطشة الزيت.
لم أضيء المصابيح، ووقفتُ على حافة مقدمة المطبخ وأنا أخفي الكشاف خلف ظهري.
ورأيته، نعم رأيتُ رجلاً يمسك بيده اليسرى يد المقلاة في نشوة واستمتاع حقيقي، بينما يقلب الأسماك في الزيت بشيء يشبه الملعقة بيده اليمنى.
كان يدندن بأنغام موسيقية بفمه.
ـ ماشاء الله... عفريت رائق المزاج.
شعرتُ أن اللحظة الحاسمة قد حانتْ.
مددتُ المصباح نحو وجهه، وضغطتُ زر الإضاءة، فأضاء المصباح بنور ساطع، فسقط على وجه الرجل ضوء لا يقل عن ضوء ستاد القاهرة.
شعر الرجل بالضوء فنظر نحوى وتراختْ يده التي يقلب بها الأسماك، فسقطتْ الملعقة على الأرض.
لكن يده اليسرى مازالتْ قابضة على يد المقلاة.
لم يتحدث ولم أتحدث أنا.
كان مشهداً أسطورياً.
لم أكن خائفاً قدر ما كنتُ حذراً من رد فعله، فلربما تحول إلى أرنب أو أشياء من هذا القبيل.
كم مر من الوقت؟ أعتقد ثلاثون ثانية.
ثم اختفى واختفتْ المقلاة وما بها من زيت وأسماك، حتى الملعقة التي سقطتْ على الأرض اختفتْ.
وخمدتْ نيران موقد البوتاجاز كأن شيئاً لم يحدث.
انتهى الموقف لكن صورة الرجل لم تنتهِ من خيالي.
لماذا؟ ببساطة لأن وجه الرجل بدا مألوفاً لدي، ورحتُ أجهد فكري أين رأيتُ هذا الرجل من قبل، لكن أعصابي كانتْ مُنهكة فلم أتذكر شيئاً.
عدتُ إلى الصالة وفتحتُ التليفزيون لأرى المشهد الذي رأيته من قبل، لكن لم يحدث شيء.
وظللتُ ساهراً أمام شاشته لينقطع الإرسال، لكن ظل إسماعيل ياسين يطلق النكات والضحكات والسخرية من زينات صدقي طوال السهرة.
أغلقتُ التليفزيون، ورحتُ أفكر حتى وصلتُ إلى استنتاج مخيف.
الرجل طويل القامة ممتلئ الجسم الذي يأتي لي بلفافة الأسماك من محل الحناوي هو ذات الرجل الذي يمسك بقطعة من حديد في مشهد التليفزيون.
بينما الرجل الذي كان يقلى الأسماك في مطبخي منذ قليل هو ذات الرجل الذي سالت الدماء من رأسه في مشهد التليفزيون.
هذا ما تصورته، وربما كنتُ واهماً.
تزوجتُ من سعاد وليتني ما فعلت.
لم أنجب ولداً كما كنتُ أحلم، أنجبت ابنتي وفاء.
وتغيرتْ حياتي بمرور الأعوام، صرتُ رجلاً واهناً جاوز الثالثة والخمسين، مجرد زوج ذليل مستسلم بعد أن خبتْ روح الشباب وتبخرتْ أحلامي.
وكانتْ سعاد تمثل دور الزوجة المسيطرة المتسلطة.
ظلتْ حالتي المادية كما هي لم تتقدم بل تقهقرت قليلاً، راتب قليل وزوجة قاسية.
حتى جاء اليوم الذي لم يكن في الحسبان، زارني صديق طفولتي وشبابي حسين الأعرج.
أخبرني أن نورا كبُرتْ، وسوف تعيش معي لتكمل دراستها الجامعية.
كانتْ سعاد ترفض إقامتها معنا.
وبعد محاولات كثيرة قبلتْ لكن بشروط:
"ألا أنفق على نورا مليماً واحداً"
"أن تقوم نورا بكل أعمال البيت"
"أن تبيت في الصالة أو المطبخ"
وطبعاً أنتم تعلمون أن كل شروطها تحققت إلا شرطاً واحداً، فقد حصلتْ نورا على غرفة وفاء.
ورغم كل شيء فأني حمدتُ الله لأن العفريت لم يظهر يوماً لسعاد ولا لوفاء الصغيرة، فلم تحدثني سعاد أنها رأتْ شيئاً غريباً في الشقة من قبل.
أمّا نورا، الله أعلم، لكن حتى إن ظهر لنورا فسوف أخبرها كاذباً أنها واهمة، وأن ما تراه هو مجرد تخيلات وهلاوس.
أرى أن بعضكم يريدون أن يسألوني سؤالاً، هل مازال العفريت يظهر لي؟
الإجابة ستكون رهيبة مرعبة كابوسية.
رواية نصف انسانة الفصل السادس 6 - بقلم السيد عبد الكريم
بعد عودتي من حفل عيد ميلاد حسام عرجت على بيت مكة، وانفجرتُ أمامها بالبكاء، كنتُ في حاجة لأن تدمع عيناي، لأنني شعرتُ بالراحة بعد البكاء.
أصابها الفزع وطلبتْ مني أن أتحدث، لم أخبرها بشيء، فلم أكن أعرف سببا واضحا لبكائي.
عدتُ إلى البيت وكان أبي قد عاد، وما إن رأتني زوجة أبي حتى انطلق لسانها ينفث سمومه في وجهي:
ـ كنتي فين يا ست هانم كل ده؟
لم ينطق أبي بشي، ولم أكن أتوقع منه تدخلا، فقلتُ:
ـ ما أنا قلتلك إني نازلة أذاكر عند صاحبتي.
كانتْ مثل بالون انفجر:
ـ ما تتنيلى تذاكري هنا... انتي مش عارفه إن وراكي شغل تخلصيه وتذاكري لوفاء.
قلتُ في غيظ:
ـ بس أنا عملت كل اللي طلبتيه مني قبل ما أنزل يا مرات أبويا.
قالتْ بوجهٍ محمر وعينين تشعان نارًا:
ـ طيب يلا غورى حضّري الأكل.
كنتُ مازلتُ بملابس الخروج، وتوجهتُ إلى المطبخ وسمعتُ أبي يقول:
ـ على مهلك يا سعاد على البنت.
سمعتها تقول بصوتٍ مزعج:
ـ أنت تسكت خالص... دا بدل ما تشكرني إني خايفة عليها وبسألها راحت فين وتأخرت ليه... ولو هي تربت على الدلع أنا هعرف أربيها كويس.
حدثتُ نفسي ساخرة وأنا أجهز الطعام:
ـ أنا تربيت على الدلع... فين الدلع ده... أنا اللي طول عمري محرومة من كلمة حلوة... ولا حسيت في يوم إن حد خايف عليا.
ثم تذكرتُ عم حسين، وتذكرتُ حسام، وما حدث في الحفل، كيفَ تجرأتْ شيرين وقبّلته دون حياء أمام الجميع، وبدأتُ أعقد في عقلي مقارنة بيني وبينها.
هي بنت العز الدلوعة الناعمة الشقراء ذات الشعر الأصفر والعيون الخضراء، لا مجال طبعًا للمقارنة طالما شعرها أصفر:
ـ مقارنة إيه يا نورا... اسكتي خليكي في خيبتك.
ـ طيب وإيه المانع أحط مكياج زيها وأعمل زي ما هي بتعمل لحسام وألبس زيها.
ـ ألبس إيه بس؟! ... هو أنا قادرة أغيّر الحذاء ده... اسكتي يا نورا وعيشي عيشتك.
ـ عيشي عيشتك... مين قالها لي قبل كده... آه... عم حسين.
في اليوم التالي ذهبتُ إلى الجامعة وكنتُ متوقعة ما سيحدث، قطعًا سيراني حسام وسيأتي ليتحدث معي، لكن كان اليوم مملا على عكس توقعي.
حسام لم يحضر، واليوم مزدحم بالمحاضرات، كنتُ ساهية شاردة أحضر المحاضرات بجسدي دون عقلي، وكان قلبي يبحث عن حسام، لماذا لم يحضر؟
لابد أنه على الكافتيريا، كنتُ بالقرب من الكافتيريا أبحث عنه بعينيّ، ثم جلستُ على أحد المقاعد في ركن مواجه للكافتيريا.
ظللتُ أترقب وأراقب حضوره لمدة عشرين دقيقة، ثم قررتُ المغادرة، وما إن هممتُ بالانصراف حتى رأيتُ شريف الشاعر يسير أمامي.
ابتسم حين رآني وقال:
ـ أزيك يا آنسة نورا.
ـ الحمد لله كويسة.
هل أسأله عن حسام؟ ترددتُ وتراجعت، وسألتُ نفسي، لماذا لا يصيبني الارتباك حينما حدثني شريف، بينما يحدث ذلك حينما أرى حسام؟
أخرجتُ هاتفي، وبدأتُ أقلّب في سجل الأسماء والرسائل، لا مكالمات، لا رسائل:
ـ وانتي مين أصلًا يعرفك علشان يتصل بيكي... حتى عم حسين لما بيكلمك بيكلمك من تليفون البقال.
ثم وقع نظري على رقم مسجل باسم حسام عبد المجيد، ارتعشتْ أنامي واهتزّ كياني حين رأيتُ اسمه، وقبل أن أضغط على زر الاتصال تراجعتُ:
ـ طيب هتصل بيه ليه؟ ...... وهقوله إيه أصلًا؟
ـ عادي يا بت نورا... اتصلي بيه واسألي عنه... مش هو زميلك.
هممتُ أن أضغط على زر الاتصال مرة أخرى، ثم وجدتُ أنامي ترتعش وريقي يجف، فتراجعت.
ـ إيه اللي بتعمليه ده يا نورا؟! .. اتصل إيه وزميلي إيه.. مش كفاية تعلمتي الكذب... ومكتبتيش ولا صفحة في البحث.
ـ أنا لازم متكلمش مع حسام ده تاني.
ثم ابتسمتُ حينما تذكرته يقول:
ـ سيبى قلبك هو اللي يتكلم.
في اليوم التالي لم يحدث جديد، لم يحضرْ حسام ولم أرَ أحدًا من شلته، قابلتُ مكة في المحاضرة، وبعد انتهاء المحاضرة سألتني عن حالي وقالتْ:
ـ ما تيجي تحضري معايا ندوة... كده كده مفيش محاضرات تاني النهارده.
قلتُ مستفسرة:
ـ ندوة إيه؟!... أنا عمري ما حضرت ندوة أصلًا.
قالتْ:
ـ ندوة النهارده عن إزاي تنظمي وقتك ما بين المذاكرة وحفظ القرآن وممارسة هواياتك.
علمتُ منها أنها تشارك في تنظيم تلك الندوات مع بعض الفتيات تحت إشراف بعض الأساتذة ورؤساء الأقسام بالكلية، نظرتُ في هاتفي وأنا أقول:
ـ طيب هي الندوة أمتي وفين؟
قالتْ وهى تهم بالانصراف:
ـ بعد نص ساعة في مدرج تربية.
وعدتها بالحضور.
اطمأننتُ على أن الميزانية تسمح بالجلوس على الكافتيريا، فتوجهتُ مسرعة وجلستُ على أحد المقاعد، وطلبتُ من النادل مشروب فراولة وابتسمتُ لأنه هو المشروب المفضل لدى حسام.
أخرجتُ هاتفي، كانتْ يدي ترتعش وقلبي يتراقص اضطرابا وأنا أضغط على زر الاتصال، بعد قليل سمعته يقول:
ـ الو... مين؟
قلتُ في ارتباك وبصوتٍ منخفضٍ كأن أحدًا يراقبني:
ـ نورا.
جاء صوته واهنًا ضعيفًا وهو يقول:
ـ كده متسأليش عليا؟
قلتُ مسرعة:
ـ مالك؟ .... أنتَ تعبان؟
أجاب بنفس الصوت الواهن:
ـ أنا في المستشفى.
قلتُ في فزع:
ـ بعد الشر عليك... أقصد مالك... قصدي مستشفى إيه... قولي أجي المستشفى إزاي؟
بعد أقل من ساعة كنتُ أمام مستشفى الشفاء الخاصة، وفى إحدى الغرف رأيته ممددًا على أحد الأسرّة، وعلى يمينه نافذة تطل على أشجار، وأمامه تليفزيون وبجواره زجاجات مياه وعصائر وبعض الأدوية، وعلى يسار التليفزيون دولاب صغير أنيق.
قلتُ في نفسي:
ـ مستشفى دي ولا فندق... اومال المستشفى اللي ماتت فيها أمي مكنتش زي دي ليه؟
وتركتُ هذه الأسئلة الوجودية التي لا محل لها من الإعراب، وجلستُ على مقعد ملون على يسار حسام الذي كان وحيدًا في الغرفة.
وقلتُ:
ـ مالك؟ .... سلامتك.
قال في وهنٍ واضح وهو يتحسس بطنه:
ـ أهو أنا دلوقتي مش خايف من أوضة العمليات.
قلتُ في لهفة:
ـ يا لهوي... عمليات؟
دخلتْ والدته وأنا أقول كلمتي الأخيرة ورحبتْ بي وقالتْ:
ـ من ساعة الحفلة وهو تعبان وكان رافض يروح لدكتور... وكلمت الدكتور من وراه وخليته جه البيت وحوّله هنا.
قلتُ في ارتباك:
ـ طيب عملية إيه؟
قالتْ والدته وهى تخرج:
ـ عملية الزايدة...
ثم نظرتْ نحو حسام وقالتْ:
ـ هشوف الدكتور هيدخلك العمليات الساعة كام وارجعلك.
مال حسام نحوي في بطءٍ وضعفٍ وقال:
ـ إنتي تخضيتي عليا.
ضغطتُ على أصابع يدي بيدي الأخرى ونظرتُ للأرض، وسمعتُ صوت من يدخل الحجرة.
دخل شريف الشاعر من خلفه أحمد وشيرين التي أسرعتْ نحو حسام وجلستْ بجواره من الناحية اليمنى ووضعتْ يدها على جبهته وقالتْ:
ـ متخفش يا حسام... هتخف.
قال أحمد في مكر:
ـ عارفه يا آنسة... أنا حاسس إنه خف لما شافك.
نظر حسام نحوه نظرة نارية رغم ألمه، فقالتْ شيرين:
ـ هو كويس وهيبقى أحسن بعد العملية.
قال حسام موجها نظراته نحوي:
ـ روحي إنتي يا نورا... علشان متتأخريش.
قلتُ في ارتباكٍ واضح:
ـ هستنى شوية.
هنا دخلتْ والدة حسام التي قالتْ:
ـ الدكتور هيأجل العملية لبكرة 6 الصبح.
وجلستْ معنا وتبادلوا أطراف الحديث، كانتْ شيرين تميل نحو حسام وتقدم له مشروبات تارة وتتأمل بعض الأدوية تارة، فكان أحمد يعلّق قائلا:
ـ متخافيش يا شيري... عمر الشقي بقى... هيقوم ويتنطط زي القرد.
ضحك الجميع وقال شريف:
ـ أنت بس موت وأنا هكتب فيك قصيدة رثاء إنما إيه.
ابتسم حسام وقامتْ شيرين بإلقاء علبة عصير على شريف وهى تقول:
ـ إن شاء الله أنتَ يا بعيد...
ثم عادتْ نحو حسام بنظرها وقالتْ:
ـ بعد الشر.
نهضتُ طالبة الاستئذان، فقال حسام:
ـ ابقي تعالى بكرة يا نورا اطمّني عليا.
قلتُ بوجهٍ متورد من الخجل وبصوت غير متزن:
ـ حاضر.
وأنا عائدة إلى البيت قررتُ زيارة مكة للاطمئنان عليها ولأعتذر لها عن عدم حضوري الندوة، طرقتُ الباب فرحبتْ بي والدتها كعادتها، والتي وجدتها تجلس في الصالة مع سيدة وشاب، ولمّا رأتْ الخجل على وجهي قالتْ وهى تشير ناحية غرفة مكة:
ـ تفضلي يانورا... مكة في أوضتها.
هذا الشاب رأيته من قبل، أين؟ لا أتذكر، لكن يبدو مألوفًا لدي، وفى حجرة مكة سألتها:
ـ أنا جيت في وقت مش مناسب... هو انتو عندكم ضيوف.
قالتْ مكة:
ـ دا معتز... هو ووالدته بييجوا يطمنوا علينا كل فترة.
هنا بدأتُ أتذكر، فقلتُ مسرعة:
ـ مش دا الميكانيكي اللي تحت؟
قال:
ـ آه هو.
قلتُ:
ـ بس متغير شوية.
قالتْ مستفسرة:
ـ إزاي؟
قلتُ:
ـ أصل أنا شفته في المحل هدومه متبهدلة.. ودلوقتي لابس كده زي العريس... دا أنا قلتُ جاي يخطبك.
ضحكتْ ثم قالتْ:
ـ هو أي حد جاي لابس ومتشييك يبقى جاي يخطبني... هم عرفوا إن ماما كانت تعبانة شوية فجم يطمنوا.... وبعدين هو متعلم تعليم عالي... هو إمام المسجد القريب وباشمهندس أساسًا.
قلتُ في غباء:
ـ مهندس؟ وشغال ميكانيكي! وإمام مسجد؟ إيه الكوكتيل ده؟
قالتْ وهى تفتح جهاز الكمبيوتر:
ـ كنت صغيرة لما جم هو وأهله سكنوا عندنا... وباباه مات فجأة وهو أخد المحل اللي تحت و.............
ثم صمتتْ قليلا وقالتْ:
ـ وبعدين إنتي بتوهيني في الكلام... كنتي فين ساعة الندوة؟
قلتُ شاردة:
ـ بصراحة جالي مشوار مهم... وعلشان كده جايه اعتذرلك.
قالتْ:
ـ مشوار إيه بقا؟... اللي أعرفه إنك متعرفيش حد هنا.
قلتُ:
ـ مشوار وخلاص يا مكة... إنتي هتعملي فيها مرات أبويا.
قالتْ وهى تنهض:
ـ لا يا شابة... لا مرات أبوكي ولا خالتك... استني أعملك شاي وجايه.
قلتُ وأنا أنهض:
ـ لا لا... أنا اطمنت عليكي خلاص... هروح.
في اليوم التالي صباحًا لم أذهبْ إلى الجامعة بل توجهتُ مسرعة المستشفى، كان حسام قد خرج من حجرة العمليات وكان مازال تحت تأثير المخدر، ووجدتُ حوله الشلة المعتادة، كانوا يتبادلون أطراف الحديث، وكانتْ شيرين تجلس بجواره من الناحية اليمنى على طرف السرير وتمدّ ساقيها على مقعد أمامها.
وحين رأتني سددتْ نحوي نظرات نارية في استعلاء ونهضتْ ودارتْ في الغرفة وحركتْ ستائر النافذة، كنتُ قد جلستُ ونسيتُ إخفاء الجزء المقطوع من حذائي الأيسر، فلاحتْ نظرة ساخرة منها على حذائي، فغيرتُ من جلستي، وسحبتُ حذائي ليغطى الجزء الممزق.
شعرتُ وقتها بالاختناق ولمتُ نفسي على المجيء، وأخرجني من هذا الموقف حركة حسام الذي بدأ يتحرك فاتحًا عينيه، فأسرعتْ نحوه شيرين وأمسكت بيده في فرح قائلة:
ـ حمد الله على السلامة.
نظر إلينا جميعًا وهو يحاول أن يجمع شتات ذهنه وقال بصوتٍ واهن:
ـ الله يسلمك.
نهض شريف الشاعر بعدما أخرج من جيب بنطاله ورقة وقال:
سلامتك سلامتك يا حســـام
الدكتور قال بلاش كــــــــلام
احنا جينا بس نقولك ســــلام
ونسيبك ترتاح وتنـــــــــــام
وهنا قاطعه أحمد قائلا:
ـ اهمد بقا يا عم الشاعر... شعرك ده أصعب عليه من العملية نفسها.
ضحكوا جميعًا وابتسم حسام في ضعفٍ وقال:
ـ أنا ارحملي أرجع أوضة العمليات ولا أسمع شعرك.
قالها ثم نظر نحوي كأنه ينتظر مني أن أقول شيئًا، لكنى لم أتكلمْ، كنتُ أضغط على أصابع يدي بيدي الأخرى وخشيتُ أن أقول له سلامتك فيتهمونني بقلة الحياء، لذلك ظللتُ صامتة.
بادرني حسام قائلا:
ـ ازيك يا نورا.
قلتُ في خجل:
ـ كويسة... سلامتك.
هنا دخلتْ والدة حسام وقالتْ:
ـ الدكتور هيعدّي عليك كمان شوية يطمن على الجرح ويكتبلنا على خروج.
ثم نظرتْ نحونا وأضافتْ:
ـ اجهزوا يا عيال.
قمتُ لأستأذن، فقال حسام مسرعًا:
ـ تعالى معانا يا نورا.
فقلتُ:
ـ لا لا... أنا هروح.
فقالتْ والدته:
ـ ما تروحي معانا يا بنتي تطمني عليه وتتغدي معانا وبعدين تروحي.
شكرتها وغادرت.
وصلتُ البيت وكان أبي مازال بالخارج، وحين شعرتْ سعاد بدخولي فتحتْ باب حجرتي وقالتْ:
ـ جيتي بدري يعني النهارده!
قلتُ:
ـ آه مكنش عندنا إلا محاضرة واحدة.
قالتْ وهى تمصمص شفتيها وتنظر نحوي بسخرية:
ـ طيب شوفى المطبخ عبال ما أجيب وفاء من المدرسة.
قالتْها ثم انصرفت.
أديتُ صلاة الظهر ورحتُ أدعو الله أن يهديني إلى طريق الصواب، ثم سمعتُ من يطرق الباب:
ـ افتح يا قاسم.
كان صوت رجل، فتحتُ الباب فرأيتُ الرجل الذي أتى بالأسماك من قبل، لم يتحدثْ، وضع اللفافة بين يدي مبتسمًا وغادر.
للحظة بدأتُ أسترجع يوم حفلة عيد ميلاد حسام، نفس النظرة التي كان ينظر بها الرجل إلى (التورتة) حين كانتْ تتراقص ظلالنا، الرجل الأنيق الأصلع الذي كان يرتدي بذلة أنيقة، لكن الرجل الذي أعطاني الأسماك ليس أصلع، شعره بني اللون وشاربه أسود عريض.
يالهواجسي!
ـ إنتي خلاص اتجننتي يا نورا... إيش جاب لجاب.. الراجل اللي شفته في الحفلة غني وشيك وابن ذوات... لكن ده غلبان و......
ـ بس بينهم حاجة مشتركة يا نورا... هي إيه؟ هي إيه؟... آه العيون.
إن المرء يستطيع أن يتنكر في أي صورة أرادها ويغيّر ملامحه وشعره وأنفه وكل شيء، إلا شيئًا واحد سيظل كما هو دون تغيير، العيون.
تجاهلتُ هذا الاستنتاج وليتني ما تجاهلته، لأنه سيكون سر مصائبي في أيامي القادمة.
رواية نصف انسانة الفصل السابع 7 - بقلم السيد عبد الكريم
مرت أيام كئيبة على وتيرة واحدة، كان حسام فيها قد ترك المستشفى ولم يحضر للجامعة. ورغم الازدحام والضوضاء، لكنني شعرتُ أنني وحيدة. شعرتُ أن حياتي كانت راكدة، وفي حاجة لأن يُلقى أحدهم حجراً في مياهي الراكدة. كنتُ أبدد الوقت ما بين المحاضرات وكتابة البحث، وأحياناً كنت أزور مكة. في كل ليلة كنتُ أنتظر اتصالاً من حسام أو حتى رسالة، وهو الشيء الذي لم يحدث. وكلما عزمتُ على مهاتفته، كان الشيء القابع بداخلي يتحرك ويحذرني من المعصية، بينما شيء آخر يشدني أن أفعل. حين أخلو بنفسي وأبدأ في المذاكرة، أتذكر كل ما مرّ بي من أحداث، فكنتُ أكفُّ عن المذاكرة وتأخذني الخواطر.
ذات ليلة، بعد أن صليتُ العشاء وفتحتُ كتابي لأذاكر، سمعتُ هاتفي يرن. لم يكن اتصالاً، كانت رسالة. كلمة واحدة قصيرة موجزة، لكنها كانت كفيلة بأن تريحني وتهون عليّ غيابه هذه الأيام:
"وحشتيني."
وبدأتُ أفكر كيف أرد على رسالته، وماذا أقول. ثم كتبتُ كلمة واحدة:
"شكراً."
وضغطتُ زر الإرسال.
كانت تعصف بقلبي أحاسيس شتى ما بين الخوف واللوم وشيء آخر لا أعرف اسمه ولا معناه. ونمتُ نوماً عميقاً تلونه أحلام وأمنيات.
في اليوم التالي، كنتُ في الجامعة. بدأت المحاضرة، انتهتْ. قمتُ بتقديم البحث. بدأتْ محاضرة أخرى. استمعتُ لأستاذ المادة بجسدي فقط كعادتي. كنتُ شاردة ساهمة أفكر في أشياء تسحر العقول وتسكر النفوس. كنتُ أفكر في تلك الأحاسيس التي تعتريني حينما أتذكر اسمه، حتى انتهتْ المحاضرة. خرجتُ متوجهة إلى أحد المقاعد وجلست. لم يدمْ جلوسي طويلاً لأنني سمعتُ هاتفي يرن، وكان المتصل حسام:
"نورا... ازيك."
قلتُ بشفتين مرتعشتين:
"الحمد لله... وأنت؟"
قال مسرعاً:
"اقفي قدام باب الجامعة... بوابة (ص). هتلاقي عربية مستنياكي."
قلتُ في عدم فهم:
"عربية إيه؟"
أجاب:
"عايز أشوفك..."
لمّا طال صمتي، أردف:
"متخافيش... أنا بعت السواق بالعربية... هيجيبك لحد الفيلا."
ثم أغلق الخط.
كنتُ أرتعش ودقات قلبي تتلاحق. وفى داخلي ذلك الشيء الذي يمنعني، لكنني توجهتُ إلى باب الجامعة كالمسحورة كعادتي. توقفتْ سيارة أنيقة وأشار لي سائقها أن أركب. وكان رجلاً متقدماً في السن أشيب الرأس. وبعد ساعة توقفتْ السيارة بداخل الفيلا. صعدتُ إلى الطابق الثاني. وتركني السائق. حينما رأتني والدة حسام، رحبتْ بي وأمرتْ خادماً بإحضار العصير. ثم جاء حسام وكان في صحة جيدة. جلس على الأريكة بجواري. فقلتُ مرتبكة:
"أومال فين الشلة؟"
أجاب:
"أكيد هييجوا كمان شوية... بس بصراحة أنا عايز أتكلم معاكي لوحدنا."
قلتُ وأنا أنظر في أصابع يدي المضطربة:
"لوحدنا إزاي يعني؟"
قال وهو يقترب مني:
"هو لحد دلوقتي قلبك قالكِيش حاجة."
قلتُ وقد شعرتُ بسخونة تلهب وجنتيّ:
"انت... انت... آآه انت خفيت أهو... كويس."
مدّ يده ووضعها على يدي المرتعشة وضغط عليها برقة وحنان وقال:
"ياااه... دا انتي خايفة أوي."
نزعتُ يدي من يده وقلتُ:
"لو سمحت يا حسام... أنا مبحبش كده."
قال في ثقة بعد أن مال نحوي:
"كده إزاي يعني؟"
قلتُ وأنا أمدّ ثوبي ناحية الحذاء الممزق:
"مينفعش أصلاً تلمسني كده... مش كده يبقى حرام؟"
قال:
"حرام؟! .... انتي عايشة في سنة كام؟"
قلتُ في ارتباك:
"لو سمحت يا حسام متتنكش عليا."
قال بعد أن ثبت نظره في عينيّ:
"أنا مش قصدي... بس قصدي مين اللي قالك الحب حرام؟"
قلتُ في نبرة مهتزة:
"حب إزاي يعني؟"
قال بلهجة واثقة:
"أيوه احنا بنحب بعض يا نورا."
ارتبكتُ أكثر وتلاحقتْ أنفاسي واهتزتْ أنامي وأنا أقول:
"لا لا... إيه ده؟... أنا مش بحب حد أصلاً."
قال وقد وضع يده على يدي مرة أخرى:
"لأ انتي بتحبيني.... خايفة ليه تقولي... ما تسيبى قلبي هو اللي يتكلم ويقول إنك بتحبيني."
كان الرجلان اللذان بداخلي في ذروة الصراع. أحدهما يشدني نحو خوفي وخجلي، والآخر يشدّني نحو تصديق ما يحدث في قصص الحب وأفلام الغرام. أفقْتُ من سكرتي وأنا أنزع يدي من يده. لم أتكلم فتراجع هو في جلسته وقال:
"انتي هتفضلي لأمتى تخبي اللي جواكي... أنتي لو قادرة تخبي أنا مش هقدر أخبي أكتر من كده... أنا بحبك... بحبك من ساعة ما شفتك أول مرة في المحاضرة.... حبيت فيكي كسوفك وأخلاقك وشخصيتك الجميلة اللي زي قلبك... حبيت عنيكي دي اللي مش بتفارقني أبداً.... حتى كلمة أصلاً حبيتها عشانك."
شعرتُ بأن الزمن قد توقف، وكل شيء حولي صار جامداً ثابتاً لا يتحرك إلا دموعي التي تدفقتْ تهطل كالمطر. ونهضتُ فشعرتُ بدوار يأكل رأسي وقلتُ:
"أنا همشي."
كنتُ في سكرة وأنا أنصرف، لذلك لم أكن أعلم ماذا يقول، لكنى أعتقد أنه كان يريدني أن أبقى. وسمعته بوضوح ينادي على السائق. حين خرجتُ من باب الفيلا كان يتبعني السائق بسيارته، وأوصلني إلى باب الجامعة. ثم سرتُ على قدمي إلى محطة الزهور وركبت سيارة ووصلتُ الشقة.
حينما طلبتْ مني زوجة أبي أن أقوم بأعمال المطبخ، لم أتذمر أو أغضب. أسرعتُ وأخرجتُ كل تلك الأحاسيس في غسل الأطباق وتجهيز الطعام. وتعجبتُ حين حضر أبي مبكراً من العمل وقد أحضر معه فواكه وبخور على غير عادته. وتناولنا الغداء. وقبل أن أنهض قال أبي:
"حضري نفسك يا نورا عشان..."
ظننته سيخبرني أنه سيزور حماته المريضة ويريدني أن أذهب معه. لكن حاجبيّ ارتفعا تعجباً حين سمعته يقول:
"الليلة فيه عريس جاي يطلب إيدك."
رواية نصف انسانة الفصل الثامن 8 - بقلم السيد عبد الكريم
حينما أخبرني أبي أن شابًا سيأتي لخطبتي الليلة، غرقتُ في تفكيرٍ عميق، مضطربة المشاعر مشتتة الأفكار كنت، لا يكف عقلي عن التفكير:
"مين هو ده؟ وشافني فين أصلاً؟"
وضعتُ رأسي بين كفيّ وجلستُ على طرف سريري، بينما طرقات والدي المتتالية تنهال على باب غرفتي كسيل غاضب، تلك الطرقات المتعجلة التي تطلب مني التأهب، وعقلي مازال يفكر:
"معقولة يكون حسام؟ أكيد حسام... مش هو قال إنه بيحبني... واللي بيحب واحدة بيجوزها."
ارتديتُ ثوبي ووضعتُ حجابي على رأسي وتوقعتُ أن يكون الخاطب هو حسام.
طرقتْ زوجة أبي الباب، ثم دلفتْ غرفتي وقالتْ بلهجة لا تخلو من الصرامة:
"اطلعي يا سلمى على خطيبك... وتروحي المطبخ تجيبي العصير تقدميه ليهم. تقعدي معاهم خمس دقايق وتستأذني."
قلتُ في نفسي:
"خطيبي... انتي بسرعة كده خلتيه خطيبي... أيوه ما انتي عاوزة تخلصي مني في أقرب وقت."
حينما فتحتُ باب حجرتي وتوجهتُ إلى الصالة رأيتُ أبي يجلس مع شاب أسمر طويل القامة مجعد الشعر دقيق الملامح يرتدي بذلة دون ربطة عنق. وطبعًا هذه ليست صفات حسام:
"هو ييجي إيه جنب حسام ووسامة حسام أصلاً."
هكذا حدثت نفسي بعد أن انقبض قلبي وخيّم عليّ سكون كسكون أهل المقابر. لم ألقِ السلام عليهما من هول المفاجأة، أسرعتُ إلى المطبخ مما جعل والدي يتعجب ويتنحنح في حرجٍ وهو يقول للشاب:
"نورتنا يا بني."
حملتُ العصير بعصبية وتوتر بعد أن نويتُ في نفسي أن أقدم العصير إليهما وانصرف مباشرة إلى غرفتي. سرتُ بخطوات مترددة مضطربة كمَنْ تُساق لتُباع في سوق الجواري. نظرتُ إليهما نظرة خاطفة لأحدد أين سأجلس ثم نظرتُ إلى العصير. وقفتُ أمامهما بالقرب من والدي ولم يفتح الله عليّ بكلمة واحدة، فقال والدي وهو ينظر نحوي نظرة عتاب:
"مالك يا نورا مرتبكة كده... يالا سلمي على الباشمهندس."
سمعتُ الشاب يقول مسرعًا:
"لا يا عمي سيبها براحتها.... خلينا السلام والكلام بحد بعد كتب الكتاب."
ردّ والدي بعد ضحكةٍ قصيرة:
"ما شاء الله على أخلاقك يا بشمهندس."
جلستُ في غيظ وانتبهتُ لشيء. هل والدي قال له (يابشمهندس)؟
اختلستُ النظر مرة أخرى إلى الشاب فرأيته ينظر إلى والدي وهو يتحدث ثم ينظر إلى الأرض متحاشيًا النظر نحوي. ويمكن لطفل متوسط الذكاء أن يعرف أن الشاب لم يكن إلا المهندس معتز (الميكانيكي).
هنا تذكرتُ مكة، وبدأ عقلي يعقد مقارنة بين معتز وحسام. حسام الذي تنطق كل دقة من دقات قلبي باسمه، فهو الوحيد القادر على زلزلة كياني وزعزعة قلبي. أرتعشُ فقط لمجرد سماع اسمه. كم أحب هذا الشعور!
وتذكرته حينما كان يقول لي بابتسامته الجذابة:
"سيبي قلبك هو اللي يتكلم."
أخفيتُ ابتسامتي وعدتُ أفكر في المأزق الذي أنا فيه. كيفَ أخرج من هذه الورطة دون أن يغضب والدي؟
أعتقد أن مكة هي من حدثته عني، لكن كيف؟ كيف ومكة لا تتحدث مع الشباب كما أخبرتني؟ لكن هو رآني عند مكة، أنا واثقة من ذلك.
هنا انتزعتني يد والدي وهو يهزني قائلًا:
"ولا إيه يا نورا؟"
قلتُ دون أن أعرف فيما كانا يتحدثان:
"آه... فعلًا... أصلاً."
كانتْ إجابتي بليغة كما ترون، لذلك سمعتُ معتز يقول في وقار:
"يا عمي خلّي الآنسة نورا تستأذن... أنا كده كده مينفعش أقعد معاها ولا أتكلم معاها لوحدنا إلا بعد كتب الكتاب."
هنا فهمتُ أن والدي كان ينوي الاستئذان وتركنا لدقائق منفردين أنا ومعتز حينما قال (ولا إيه يا نورا؟).
شعرتُ بأنهما يحددان مستقبلي وحياتي دون رأيي.
نهضتُ ودلفتُ إلى غرفتي، خلعتُ حجابي وارتميتُ على سريري كشجرةٍ هوتْ بلا جذوع، وبدأتُ في البكاء. كان بكاءً حارًا مريرًا. ولم أعلم كمْ مرّ من الوقت، لكنني سمعتُ خطوات والدي الذي قال حينما رآني أبكي:
"إنتي بتعيطي؟"
ثم سمعتُ زوجة أبي التي دلفتْ الغرفة إثره تقول:
"دي أكيد دموع الفرحة يا قاسم."
"الله يخربيتك يا مرات أبويا... انتي عاوزة مني إيه بس."
قلتُها في نفسي وأنا أجفف دموعي ثم قلتُ:
"أنا مش عاوزة أجوز دلوقتي أصلاً."
أراد أبي أن يتكلم لكن لسان زوجة أبي كان أطول كعادته فقالتْ:
"هي البنت آخرتها إيه إلا الجواز يا حبيبتي... ولا ناوية تسمعينا الاسطوانة المشروخة بتاعت أنا هكمل تعليمي ودراستي."
استطاع أبي أن يوقف تيار كلامها الجارف فقال محاولًا إقناعي:
"يا نورا دا شكله محترم ومؤدب وابن ناس... دا رفض يقعد معاكي لوحدك إلا بعد كتب الكتاب... شيخ جامع بقا في الأوقاف ومتعلم في الأزهر.... كمان معاه صنعة ومحل... يعني هيعرف يعيشك ويصرف عليكي."
قالتْ زوجة أبي في فرح:
"وأمتى كتب الكتاب يا قاسم؟"
قال أبي مبتسمًا:
"هو قالي إن زيارته النهارده ربط كلام... ولمّا عروستنا توافق هيجيب الست والدته يتقدموا رسمي ونحدد كتب الكتاب."
قلتُ ومازالتْ آثار الدموع في عينيّ:
"بس إحنا منفهموش أصلاً... إزاي هوافق عليه كده؟"
أجاب أبي في هدوء وقد نجح أن يسبق زوجته في الإجابة:
"ما أنا أكيد هسأل عنه قبل ما نوافق... ومتقلقيش مش هوافق عليه إلا بعد موافقتك."
قالتْ زوجة أبي مسرعة كأنها تعترض:
"موافقتها إيه يا راجل... طالما أبوها اللي يعرف مصلحتها موافق... يبقى هي توافق... ولا دماغك فيها حد تاني يا حبيبتي؟"
جملتها الأخيرة كانتْ لا تخلو من تلميحٍ واتهام، فشعرتُ بالإهانة وتذكرتُ أمي وعم حسين، ثم تذكرتُ حسام. أنا لن أتزوج سوى حسام، ولن أكون إلا لحسام. وشعرتُ بدموعي تهطل.
فقال أبي وهو يجذب زوجته ويهم بالخروج:
"متعيطيش يا بنتي... فكري على مهلك وخدي وقتك... معتز ساب معايا ده تخليه معاكي."
قال جملته الأخيرة وهو يضع شيئًا ما بجواري على السرير. خرج ومن خلفه زوجته التي أوصدتْ الباب. وحين جففتُ دموعي ونظرتُ إلى ما تركه أبي، وجدتُ مصحفًا صغيرًا في حجم كف اليد.
مرتْ الأيام وكنتُ أهرب من البيت وأبدد الوقت في الجامعة والمحاضرات والتجول. لم يظهر حسام ولا أحد من شلته ولا شيرين أيضًا:
"طبعًا... أكيد قاعدة عنده في الفيلا... دي عاملة إقامة كاملة أصلاً."
وفي البيت كنا نجلس حول مائدة الطعام متحاشية النظر إلى أبي وزوجته لأفوتَ عليهما فرصة فتح موضوع خطبتي، لكنهما لم يكفا عن الإلحاح عليّ. كان أبي يلح إلحاح الناصح الحكيم الذي يعرف مستقبلي، بينما كانتْ زوجة أبي تلح إلحاح مَنْ يريد التخلص مني في أقرب محطة. وكنتُ في كل مرة أرفض.
بعد أيام كنتُ في الجامعة، تلقيتُ اتصالًا من حسام فعادتْ رعشتي وارتباكي المحببان لدي. وسمعته يقول:
"اطلعي دلوقتي قدام باب الجامعة."
قلتُ في غباء وفرحة:
"ليه... فيه إيه؟"
قال مسرعًا في نفاذ صبر:
"اطلعي بقا يا نورا بسرعة."
سرتُ كالمسحورة. وحين خرجتُ وجدته أمامي بسيارته الأنيقة. سرعان ما فتح لي الباب وأشار إليّ في حركة استعراضية فجلستُ في المقعد الأمامي في تردد. عادتْ تلك الأحاسيس تعمل في قلبي. أدار حسام محرك السيارة، وغبتُ أنا في هواجسي:
"يا ترى أقوله على موضوع معتز ولا بلاش؟"
كنتُ شاردة بينما تنطلق بنا السيارة بعيدًا بعيدًا غير عالمة إلى أين نحن ذاهبان. وعاد الرجلان اللذان بداخلي يتصارعان.
قال الرجل الذي يشدّني إلى اليمين:
"إيه اللي بتعمليه ده يا نورا؟ مش كده حرام... مش كده إنتي بتخوني نفسك وأبوكي وعمك حسين."
بينما حدثني الرجل الذي يشدني لليسار:
"عادي يابت... ما هو شيرين بتعمل كده وأكتر كمان."
الرجل الذي يشدّني لليمين قال:
"وإنتي مالك ومال شيرين... ليه متبقيشي زي مكة... ندوات وصلاة وحجاب وقراءة وثقافة وكمان بتحفظ القرآن لبنات الجيران."
ثم قال الذي يشدني لليسار:
"إنتي مش بتعملي حاجة غلط يا نورا... كل البنات بتعمل كده... وهو بيحبك... وطالما بيحبك يبقى هيتجوزك."
أفقتُ من هواجسي حينما سمعتُ حسام يقول:
"ياه... كل ده سرحان! بس عاوزك تصدقيه."
قلتُ مرتبكة:
"أصدق مين؟"
قال:
"قلبك."
توقفتْ بنا السيارة أمام إحدى الحدائق. دلفنا للداخل وجلسنا على مقعدين حول منضدة. طلب لي حسام مشروبًا لم يكن إلا فراولة، فقلتُ:
"هو أنت ليه بتحب الفراولة كده؟"
قال وهو يشرب أول رشفة من مشروبه:
"الفراولة أكتر ثمرة قريبة من شكل القلب."
قلتُ في جهل:
"إزاي يعني؟"
أجاب في استمتاع من جهلي:
"الفراولة بتفكرني بقلبي اللي ديمًا متعذب وهي مش حاسة بيه."
شعرتُ بتيار كهربي يسري في جسدي فنظرتُ إلى النيل والسماء ولم أتكلم. وبعد أن انتهينا من العصير جذبني من يدي وقال:
"يلا بينا."
قلتُ وهو يسحبني خلفه كطفلة:
"هنروح فين؟"
أجاب:
"تعالى بس هنركب المرجيحة."
ولم أدرِ بنفسي إلا وأنا بجواره في تلك (المرجيحة) التي كانتْ تصعد بنا عاليًا فنرى الحديقة والنيل والأشجار من أعلى كأننا في الطابق العاشر أو كأننا طيور تحلق في السماء. ثم تهبط بنا فجأة إلى أسفل فتهتز أجسامنا وقلوبنا. وكنتُ كلما تأرجحتُ أو فقدتُ توازني كان يحوطني بذراعه. وحينما انتهينا كنتُ أشعر بالدوار. استرحنا قليلًا على عشبٍ أخضر. لم نتحدث كثيرًا لكن أعيننا كانتْ تقول كل شيء.
وجذبني مرة فقلتُ مسرعة:
"هنروح فين المرة دي؟"
أجاب في مرح:
"هنلعب لعبة."
لم يمهلني فرصة الاعتراض، لأنه اقتادني نحو حجرة محاطة بالستائر في وسطها سيدة تجلس على مقعد صغير وأمامها موقد نار. شعرتُ بالرهبة فملتُ نحوه سائلة:
"إيه ده؟!"
أجاب وهو ينظر للسيدة:
"متخافيش.. تعالي بس."
قالها وهو يشدّني من يدي.
أشارتْ لنا السيدة فجلسنا على سجادة أمامها. وهنا فهمتُ أنها عرافة، فهمستُ لحسام:
"دا حرام أصلاً... محدش يعرف المستقبل غير ربنا."
قال هامسًا:
"دي مجرد لعبة... اسمها لعبة المستقبل."
وضعتْ السيدة كف حسام بين يديها، ألقتْ شيئًا ما إلى الموقد، فصعد دخان له رائحة محببة للنفس ومثيرة للمشاعر. قالتْ العرافة بعد أن ضيّقتْ عينيها لتوحي بالخطورة:
"قدامك القمر... فاتحلك قلبه.. هتكون أسعد البشر.. لو مخلص في حبه."
تسارعتْ دقات قلبي إثر سماعي ما قالته العرافة، رغم أني لا أؤمن بالأبراج ولا أصدق تلك التنبؤات وأعتبر كل هذا مجرد تخاريف وسخف. سحبتْ السيدة كفي المرتعشة ونظرتْ في عينيّ نظرة أربكتني، ثم حرّكتْ نار الموقد بقطعة خشب ودققتْ النظر نحوي في ثبات وقالتْ:
"قدامك كامين... ولازم تصدقي اللي على اليمين."
لم تزدْ السيدة كلمة واحدة وأنقدها حسام مالًا وخرجنا، وكنتُ أفكر في كلامها (لازم تصدقي اللي على اليمين).
علمتُ مع مرور السنوات أنها كانتْ صادقة، لكن عملتُ ذلك بعد أن فات الأوان.
لأن حياتي هتصبح كوابيس.
رواية نصف انسانة الفصل التاسع 9 - بقلم السيد عبد الكريم
بعد أن خرجنا من غرفة العرافة ذهبنا إلى أحد المطاعم وتناولنا الغداء.
كان حسام يحاول مرارًا أن يضع يده على يدي بمناسبة وغير مناسبة. كنتُ أعترض تارة، وأستسلم تارة أخرى، لكن كان استسلامي لا يدوم إلا ثوانٍ معدودة، ثم أنزع يدي من يده.
وحين انتهينا من طعامنا ركبنا سيارة حسام. وبينما نحن نسير أخرجتُ هاتفي وأخبرته أنه يجب أن أعود للبيت.
قال وهو ينظر للأمام إلى الطريق:
ـ لسه بدري... وبعدين تليفونك ده مش عاوز أشوفه تاني.
قلتُ في جهل حقيقي:
ـ إزاي يعني؟
قال وهو ينظر نحوي بنصف عين ويتابع الطريق أيضًا:
ـ ميصحش واحدة برنسيسة زيك وتمسك فون قديم كده.
قلتُ في حرجٍ واضح:
ـ آه... ما أنا هشتري واحد جديد إن شاء الله... بس قولي إحنا هنروح فين دلوقتي؟
قال وهو يضغط على دواسة البنزين:
ـ حالا هتعرفي.
انطلقَ بالسيارة، وبعد قليل توقفنا أمام محل فخم، وفتح لي باب السيارة بحركة استعراضية فترجلتُ. قبض على يدي برفق قائلاً:
ـ تعالي.
قلتُ معترضة:
ـ حسام مش كل مرة كده تقولي تعالي من غير ما أعرف إحنا رايحين فين.
قال بعد أن ضغط على يدي أكثر، فسرتْ قشعريرة محببة في كياني:
ـ المرة دي بالذات مش هينفع أقولك.
ثم جلسنا داخل المحل الفخم، وتحدث مع شاب أنيق الذي سرعان ما اختفى في غرفة جانبية ثم حضر بعد قليل ومعه علبة ورقية مستطيلة.
خرجنا، لكن لم نركب السيارة هذه المرة لأننا سرنا على الأقدام مسافة قصيرة وتوقفنا أمام محل أحذية، فاهتزّ قلبي فجأة. ظننت في بداية الأمر أنه يريد أن يشتري لي حذاء، وبدأتُ أفكر، هل رأى حذائي الممزق من قبل؟! لكن كيفَ وأنا كنت حريصة أشد الحرص ألا يظهر الجزء الممزق من حذائي أمامه هو بالذات؟
شعرتُ بيده تشد يدي لداخل المحل فقلتُ في توتر وعصبية:
ـ لا... أنا مش هدخل إلا لو قلتلي هتعمل إيه.
كانتْ أنفاسي متلاحقة وأنا أقول ذلك، فسمعته يقول:
ـ أنا عاوز أجيب هدية لأختي... وعاوزك انتي اللي تختاري الحذاء اللي هجيبه ليها.
وبعد نصف ساعة كنا في السيارة وتوقف بنا فجأة وقال:
ـ هندخل السينما نتفرج على الفيلم ونروح.
قلتُ مسرعة:
ـ سينما إيه! ... لا يا حسام لا... أنا تأخرت ولازم أروح.
قال بعد أن نظر في هاتفه:
ـ لسه الساعة مجتش خمسة... وأوعدك بعد الفيلم هنروح.
وقبل أن أعترض رأيته يقبض على يدي بكلتا يديه وينظر في عينيّ نظرة اخترقتْ فؤادي وقال:
ـ علشان خاطري بلاش تكسفيني.
وقبل أن نترجل من السيارة رأيته يمد لي العلبة الورقية المستطيلة قائلاً:
ـ افتحيها.
قلتُ:
ـ ليه؟
أجاب:
ـ بس افتحيها.
وحينما فتحتها وجدتُ هاتفًا جديدًا حديث الطراز ملون الشكل له شاشة كبيرة ذات ملمس ناعم، فدق قلبي وقدمته له قائلة:
ـ دا تليفون!
فمدّ يده إلى حقيبتي وجذبها وفتحها فشعرتُ بالحرج، وأخرج هاتفي وضغط عليه عدة مرات حتى أخرج الخط ووضعه في الهاتف الجديد وقال:
ـ مبروك عليكي.
قلتُ في عدم استيعاب:
ـ مبروك إيه... هي مش الهدايا دي لأختك؟
قال مبتسمًا:
ـ أنا معنديش اخوات... دا تليفونك الجديد.
ثم قدم لي الحذاء قائلاً:
ـ وده كمان بتاعك.
ارتبكتُ وابتعلتُ لكنني تحاملتُ وقلتُ:
ـ لا لا... كده مينفعش خالص... أنا استحالة آخد حاجة من دول أصلًا.
قال مسرعًا:
ـ لا هينفع... أصلًا هينفع.
فوجدتُ نفسي أبتسم رغما عنّي وقلتُ:
ـ والله مش هينفع خالص... انت متعرفش حاجة أصلًا.
أجاب وهو يضع يده على يدي:
ـ ومش عايز أعرف حاجة.
سرحت بخيالي: هتتصرفي إزاي يا نورا... التليفون غالي أوي أوي ومينفعش آخده.. وأخده بمناسبة إيه أصلًا... هو مش خطيبي ولا جوزي... ومرات أبويا لما تشوف تليفون زي ده معايا هتقول إيه... يا لهوي يا نورا... كله إلا مرات أبويا.. هي شاكة فيا أصلًا من ساعة ما رفضت معتز.
هنا سمعتُ حسام يقول:
ـ انتي ليه كل حاجة بتفكري فيها تفكير أكبر من حجمها؟
انتبهتُ أن يده مازالتْ على يدي فنزعتُ يدي وقلتُ:
ـ انت أصلًا متعرفش حاجة.
قال:
ـ وقلتلك... مش عايز أعرف.
قلتُ في نفاذ صبر:
ـ افهم بس يا حسام... أنا مقدرش أمسك تليفون غالي زي ده قدام أهلي.... هيقولوا جبتي الحاجات دي منين وكده.
أجاب كأنه لم يسمع شيئًا:
ـ قوليلهم هدية من زميلي.
قلتُ بعد أن ظهر العجب على وجهي:
ـ زميلي!.... دول يدبحوني... لا مش يدبحوني... دول يدفنوني حية.
قال في تعجب:
ـ ياه هو فيه ناس بتفكر التفكير ده دلوقتي!
أجبتُ في ضيق:
ـ مش قلتلك انت متعرفش حاجة.
قال بعد لحظات تفكير:
ـ بصي مش لازم يشوفوهم.... بس لازم تاخديهم.... ثم أكمل فى ضيق: لو شافوهم وسألوكي قولى إنك اشتريتيهم لنفسك وخلاص يانورا.
قلتُ دون تفكير:
ـ آه... وأقولهم اشتريت تليفون بألفين جنيه وأنا أصلًا مش معايا...... ثم انتبهتُ لما أقول فصمتُ، فضحك وقال: هم كمان هيستغربوا لو عرفوا إنك جبتي تليفون بألفين جنيه... أومال لو عرفوا إن التليفون بـ 9 آلاف جنيه.
قلتُ وأنا أضع أصابعي على فمي من الصدمة:
ـ يالهوي... هو التليفون ده بـ 9 آلاف؟!!!
قال مبتسمًا:
ـ دا أنا مكسوف منك.. لاني سألت على نوع تاني بـ 27 ألف جنيه بس لقيتهم لسه ماجبوهوش من برة.. وأنا بصراحة مش بتعامل مع حد بتاع موبيلات غيرهم.
ـ ياااه!!! 27 ألف جنيه... دا المبلغ ده يكفيني لحد ما أخلص رابعة جامعة وكمان يحل كل مشاكلي كمان.
قلتُ ذلك في نفسي وأنا شاردة، ثم سمعته يقول:
ـ زي ما قلتلك يا نورا... لو سألوكي قوليلهم دي هدية من واحدة صاحبتي.
قلتُ:
ـ مش هعرف أقولهم كده... أنا بغرق في شبر ميه أصلًا... وهعترف بكل حاجة من أول سؤال... وبعدين أنا كده هبقى بكذب عليهم.
قال في لا مبالاة:
ـ وإيه يعني... دي كذبة بيضة.
قلتُ:
ـ مفيش حاجة اسمها كده أصلًا... الكذب كله حرام... اسفه مينفعش.
نظر للأمام ووضع يديه على مقود السيارة وقال في نبرة حزن:
ـ خلاص يا نورا أنا هرجعهم... وأسف لو دايقتك... كنت بحسب إن ليا خاطر عندك.
قلتُ في تردد:
ـ انت زعلت؟
أجاب وهو ينظر بعيدًا عنّي:
ـ لو انتي قدمتيلى هدية في عيد ميلادي وأنا رفضتها... مش كنتي هتزعلي... بس خلاص أنا عرفت إن زعلي مبيفرقش معاكي.
قلتُ مسرعة:
ـ لا متقولش كده... أنا هاخدهم.
تغيرتْ نبرة صوته ونظر نحوي في فرح وقال:
ـ يلا بقا نلحق السينما.
ولأول مرة في حياتي أدخل دار سينما، لذلك كنتُ منبهرة مأخوذة وأنا أرى تلك الصالة المتسعة والستائر والمقاعد الاسفنجية المصطفة في نظام هندسي عجيب.
وفي قاعة العرض كان الفيلم رومانسيا واختار لنا حسام مقعدين في إحدى الشرفات بعيدًا عن مقاعد الصالة الأرضية. وكلمّا تحدث البطل مع حبيبته كان حسام يحاول أن يضع يده على يدي. كنتُ أستسلم لثوانٍ معدودة، ثم يعود إلىّ رشدي فانزع يدي.
وفى نهاية الفيلم كانتْ قبلة طويلة بين البطل وحبيبته، فشعرتُ بيد حسام تحوطني من أعلى خصري فبدأت أفكر: اسيبه ولا أمنعه؟
كان الرجل القابع بداخلي من الناحية اليمنى يحدثني: تسبيه إيه؟.... منظرك إيه قدام ربك وقدام نفسك وصلاتك ..... صلاتك لو مش هتمنعك من ذنوبك دي يبقى لازمتها إيه.
بينما يشدّني الرجل الذي على اليسار قائلاً: ما البطل والبطلة في الفيلم مش مجوزين... ومع ذلك هي سابته يمسك إيدها و......
وحينما أفقتُ من تفكيري كادتْ شفتا حسام أن تلامس خدي الأيسر لولا أنني انتفضتُ مذعورة قبل أن يقبّلني وابتعدتُ عنه، وكل شيء بداخلي يرتعش كورقة.
في طريق العودة بينما نحن نسير بسيارته لم يتكلم، وكان عابس الوجه، وكنتُ أعلم السبب فقلتُ:
ـ مالك؟
أجاب دون أن ينظر إليّ:
ـ مفيش.
قلتُ محاولة أن أخفف عنه:
ـ انت زعلت تاني؟
لم يرد ولم يلتفت إليّ فقلتُ من فوري:
ـ طيب قولي أعمل إيه علشان أرضيك وأنا هعمله.
أجاب:
ـ سيبي قلبك هو اللي يتكلم وهو اللي يعمل... انتي بتحبيني وقلبك بيقولك إنك بتحبيني... يبقى ليه الخوف ده؟
أجبتُ في ارتباك:
ـ أنا خايفة من الحرام يا حسام... انت مش جوزي ولا خطيبي علشان نعمل كده.
قال ومازال الغضب باديا على وجهه الوسيم:
ـ بس كل اللي بيحبوا بعض بيعملوا كده.
قلتُ ومازال التوتر والخجل والحيرة يسيطرون عليّ:
ـ بصراحة أنا مش عارفة أصدق اللي بشوفه في الأفلام ولا اللي تربيت عليه.
قال:
ـ أنا عاوزك تصدقي قلبك.
قلتُ في حيرة:
ـ أنا عمري ما اتكلمت مع ولاد قبل كده غيرك... وعمري ما كان لي تجارب أتعلم منها وعمري ما كان لي صاحبات خالص... طول عمري وحيدة... ومش عارفه اللي بعمله معاك ده صح ولا غلط.
قال في نبرة لا تخلو من غضب:
ـ وانتي يعني بتعملي إيه معايا علشان تأنبي نفسك كده؟
قلتُ في غباء:
ـ إني بخرج معاك واتكلم معاك... أهلي عارفين إني في الجامعة... وأنا هنا بتفسح.. مرة مراجيح ومرة سينما... وهم واثقين فيا.
قال في غضب:
ـ يبقى انتي مش واثقة فيّا.
قلتُ مسرعة:
ـ أنا بثق فيك... ولمّا بمنعك وبصدك بكون بتعذب من جوه.. بتعذب علشان خايفة تزعل... وفى نفس الوقت خايفة أكون برضيك وبعصي ربنا.
قال وهو يضغط على كلماته:
ـ انتي نظرتك للدنيا قديمة أوي... البنت لازم تكون جريئة ومنفتحة ومتحضرة... أنا عاوزك تنسي التفكير القديم الرجعي ده... وتبصي لحياة الجامعة... شوفي البنات وشوفي الأفلام وقصص الحب... ولا دي حرام هي كمان.
قالها بلهجة ساخرة فصمتُ ولم أتكلم.
كنا قد وصلنا الجامعة، فطلبتُ منه النزول، فأوقف السيارة ونزلتُ ثم قال لي قبل أن انصرف:
ـ على العموم أنا آسف على اللي حصل مني... وأوعدك إني مش هزعجك تاني.
وقبل أن أرد أدار محرك السيارة وانطلق بعيدًا.
انزويتُ ناحية إحدى الأشجار أمام الجامعة وجلستُ على سور منخفض وبدأت أبكي. كم مرّ من الوقت؟ لا أعلم، لكنني أعتقد أن عشرين دقيقة مرتْ وأنا جالسة أبكي في صمت، ثم نهضتُ وسرتُ إلى محطة الزهور سيرًا على الأقدام وأنا أفكر: كان لازم تمنعيه بس يا نورا... هيحصل إيه يعني لو سبتيه. ما هو في كل مرة بيأكدلك حبه... انتي كنتي تحلمي إن واحد وسيم ورومانسى ومشاعره رقيقة زيه يحبك... دا شيرين اللي أجمل منك وتقول للقمر قوم وأنا اقعد مكانك بتموت فيه... أنا فعلا تفكيري قديم ولازم أكون منفتحة زي ما هو قال. بس لو بقيت منفتحة... هخاف يقول عليا إني مش محترمة.
دخلتُ الشقة بعد الساعة الثامنة مساء وحرصتُ على أن أخفي الهاتف والحذاء خلف دولاب الملابس، وقررت ألا أستعمل هذا الهاتف الجديد إلا عند خروجي فقط، وأعتقد أن زوجة أبى لن تنتبه لحذائي الجديد.
ومن فرط فرحتي رحتُ أرتدي كل ثوب من ثيابي الثلاثة لأجربه مع الحذاء، كنتُ سعيدة كطفلة وأنا أمشي بالحذاء داخل الغرفة كأنني أتعلم المشي لأول مرة. ثم خلعتُ الحذاء وأخفيته، وجعلتُ هاتفي الجديد على (الوضع الصامت)، وسهرتُ أتأمله في انبهار.
وفى سجل الأسماء رأيتُ اسم حسام، فانقبض قلبي وتلاشتْ فرحتي بالمشتريات الجديدة شيئًا فشيئًا، وبدأتْ دموعي تتساقط.
في الأيام التالية لم أرَ حسام كثيرًا، فقط أراه وأنا في المحاضرة ثم يختفي بعد انتهاء كل محاضرة، وكنت أفتش عنه بعينيّ على الكافتيريا وأمام الكلية دون جدوى. كنتُ أعلم أنه مازال غاضبًا مني بسبب صدي له وعدم انفتاحي على حد تعبيره، لكنني لا أطيق هذا التجاهل. كان قلبي ينشطر كلّما رأيته يجلس بجوار شيرين في المحاضرات، كنتُ أود أن أجلس بجواره، لكن لا أملك تلك الجراءة. وبعد أن كان هو الذي يبحث عنّي ويختلق الحجج لمقابلتي، صرتُ أنا من أفعل ذلك.
وبدأتْ الامتحانات وكان الحدث الرائج وقتها هو افتتاح شركة جديدة لرجل الأعمال (عبد المجيد شاهين) والد حسام.
وفي اليوم الأخير من الامتحانات كنتُ خارجة من باب الجامعة فرأيته يُسرع نحوي ويقول بأنفاس متلاحقة:
ـ ازيك يا نورا؟
كدتُ أن أقول: ياه... لسه فاكر تسأل عليا. لكنني تراجعتُ وحمدتُ الله أنني تراجعتُ في اللحظة الأخيرة، وقلتُ: الحمد لله... كويسة.
قال:
ـ يوم الخميس اللي بعد اللي جاي عاملين حفلة بمناسبة افتتاح شركة بابا الجديدة... وانتي طبعًا معزومة.
قلتُ في تردد:
ـ بس.....
قاطعني:
ـ أصلاً مفيش بس... أصلاً مفيش أعذار... أصلاً.
فوجدتُ نفسي أضحك من تكراره لكلمة (أصلاً) لأنها لازمة كلامية تعودتُ أن أقولها، فابتسم هو الآخر، ونسيتُ كل الجفاء والتجاهل حينما رأيتُ ابتسامته الجذابة وقلتُ مسرعة:
ـ حاضر.
وفى نفس مساء اليوم علمتُ أن معتز كرر طلبه من أبي، لكن أبى كان يقول له في كل مرة: مستعجلش يا باشمهندس... إن شاء الله خير.
ولمّا علمتُ بذلك توجهتُ إلى مكة. كانتْ الساعة السابعة مساء. رحبتْ بي والدتها، ودلفتُ إلى حجرة مكة. وما إن رأيتها قلتُ في عصبية:
ـ إيه يا شيخة مكة... أجي عندكم مرتين تلاتة الاقيكي باعته عريس ورايا.
قالتْ مكة في جهل واضح:
ـ عريس إيه يا شابه... هم قالولك عليا خاطبة ولا إيه؟
قلتُ في غيظ:
ـ استهبلي بقا يا ست الشيخة.... معتز لما شافني عندكم جه تاني يوم يخطبني... وطبعًا انتي اللي اخترتيله العروسة.
قالتْ:
ـ أولا ميصحش تكلميني كده... ثانيا أنا لا بكلم معتز ولا غير معتز... وانتي عارفه كويس إني استحالة أكلم واحد إلا في حدود طلب العلم وبس.
شعرتُ بالتسرع في حكمي وأنني كنتُ قاسية معها، ونظرًا لما شعرتُ به من صدق في كلامها اقتربتُ منها وربّتُ على كتفها وقلتُ بعد أن سقطتْ دموعي لا إراديًا:
ـ أنا آسفة يا مكة... أول مرة أكون عصبية كده... غصب عني... بس أنا بصراحة مش عاوز أجوز معتز ده أصلًا.
قالتْ في نبرة هادئة:
ـ طيب وإيه المشكلة؟... عرفي والدك إنك مش موافقة عليه.
فقلتُ شاردة وأنا أجفف دموعي:
ـ المشكلة إن أبويا مقتنع بمعتز أوي وشايف إنه ملتزم ومحترم ومكافح ومعاه صنعة وفلوس وكده.
قالتْ:
ـ طيب ما باباكي استحالة يقول كده إلا لو كان سأل عنه وعن أهله وعن أخلاقه.
أجبتُ بسرعة:
ـ بس أنا مبحبوش.
قالتْ وهى تنهض:
ـ لا... دا أنا هروح أعملك شاي بقا.... بس قوليلى... فيه اتهامات تاني عاوزة تتهميني بيها قبل ما أعمل الشاي؟
قلتُ مبتسمة:
ـ خلاص بقا يا مكة... ميبقاش قلبك أسود.
قالتْ وهى تفتح باب حجرتها:
ـ طيب أعمل شاي ولا شربات.
قالتْ كلمة (شربات) طويلة ممدودة كما كانتْ تنطقها ماري منيب، فضحكتُ وأنا أقذفها (بوسادة) صغيرة كانتْ تستقر بجواري.
حينما عادتْ مكة من المطبخ وقدّمتْ لي الشاي حكيتُ لها ما فعله معتز حينما جاء ليطلب يدي من أبي بالتفصيل، فقالتْ في جدية:
ـ وانتي هتعملي إيه دلوقتي يا شابه؟
أجبتُ:
ـ والله ما أنا عارفه يا مكة... بس استحالة أوافق عليه أصلًا.
قالتْ:
ـ طيب ما تدّي لنفسك فرصة وتستخيري ربنا يا نورا.
قلتُ في إصرار:
ـ انتى مش فاهمة... أنا أصلًا مش بحبه.
قالتْ في تعجب:
ـ تحبيه... هو انتي بتتكلمي جد ولا بتهزري؟
قلتُ:
ـ آهزر إيه بس يا مكة.
قالتْ وقد تغيرتْ لهجتها:
ـ يعني انتي عايزة تقعدي معاه وتكلميه وتخرجوا بقا وتتفسحوا وساعتها تشوفي نفسك حبيته ولا لأ؟
قلتُ في غباء:
ـ مش كل البنات بيعملوا كده؟
أجابتْ في عصبية:
ـ يا بنتي انتي هبلة ولا عبيطة ولا إيه؟! ... مفيش حاجة اسمها كده... فيه حاجة اسمها خطوبة... تتعرفوا على بعض في فترة الخطوبة لو حابة... وكمان في وجود حد يكون معاكم في نفس المكان... ويكون كلامكم محدد فاهمه يعني إيه محدد... ولا انتي فاكرة إن اللي هيخرج معاكي ويفسحك ويقعد معاكي لوحدك ويسرح في عنيكي ويمسك إيدك... هيجوزك في الآخر.
ـ يالهوي... يعني اللي أنا بعمله مع حسام ده غلط وحرام... أومال ليه هو فهمني إن البنت اللي متعملش كده متبقاش منفتحة ومتحضرة.
قلتُ ذلك في نفسي بعد أن تلاحقتْ دقات قلبي مسرعة، ثم ابتعلتُ ريقي بصعوبة وقلتُ:
ـ بس البطلة في الفيلم عملت كل ده مع حبيبها وفي الأخر اجوزها عادي.
قالتْ:
ـ يا بنتي فوقي... دا في الأفلام... وحتي لو انتي ضامنة إنه هيجوزك... ليه تبدأي حياتك بحرام... راقبي ربنا بدل ما تراقبي الأفلام... وبعدين الراجل رفض يقعد معاكي على انفراد حفاظًا عليكي.
قلتُ دون وعي:
ـ أنا بتكلم عن حسام مش معتز يا مكة.
رفعتْ حاجبيها تعجبًا وارتسمتْ الدهشة على ملامحها وقالتْ:
ـ حسام؟!..... حسام مين؟
وهنا حكيتُ لها كل شيء، كل شيء.
رواية نصف انسانة الفصل العاشر 10 - بقلم السيد عبد الكريم
حكيتُ لمكة كلّ ما حدث بيني وبين حسام بالتفصيل ، وفور انتهائي من الكلام قالتْ مذعورة :
ـ الله يخربيت الهبل بتاعك ... بابنتي اصحي للدنيا كده وفوقي من الوهم ده ... دا واحد بيتسلي بيكي ... اللى بيحب واحدة وعاوزها في الحلال يروح يخطبها من بيتها في النور قدام كل الناس .
قلتُ في خوف :
ـ يعني هو مش هيجوزني ؟
قالتْ في غضب بدا فى نبرتها :
ـ النوع اللي زيه بيتسلي مش أكتر ... ولمّا يفكر يجوز هيجوز.. مش هيجوز واحدة دخلت معاه سينما وركبت معاه المراجيح ... دا بيلعب بيكي .
قلتُ مسرعة :
ـ بس هو لو عاوز يعمل كده .... قدامه بنات كتير أشكال وألوان .
قالتْ في حزم :
ـ لأنه بيستمتع بصيد الفريسة أكتر من استمتاعه بالفريسة نفسها .
قلتُ ومازالتْ علامات الغباء على وجهي :
ـ إزاي يعني ؟
أجابتْ :
ـ من غير إزاي ... ما معتز شاب زيه بس رفض يقعد معاكي على انفراد لوحدكم رغم ان باباكي هو اللى قاله .... لانه عاوز كل حاجة فى تبقى فى النور ... تبقى فى الحلال .. وحسام ده بيقولك خبي عن أهلك الهدايا ... تقدري تقولي لأهلك انك بتخرجي مع حسام ... لا طبعا ... لانكم بتعملوا كده فى الضلمة ... واللي تعمليه فى الضلمة وانتي خايفة يبقي حرام ...
مفكرتيش في اهلك اللى كلهم ثقة فيكي انك فى الجامعة بتدرسي وبتتعلمي وانتي فى السينما والمراجيع والمطاعم ... ديما سرحانه وشاردة وخايفة أحسن حد يشوفك معاه ... فلازم تتعلمي الكذب واللف والدوران وتنسي دراستك .
مرّ يوم واحد بعد زيارتي لمكة ، كنتُ كعادتي في صراع بين ما أفعله وبين ما بداخلي ، شعرتُ بالملل ورحتُ أسأل نفسي ، كيفَ سأقضي فترة إجازة نصف العام دون أن أراه ؟
وتذكرتُ المال ، لقد نفذ مالي ولم يظهر عم حسين ، كان قد وعدني أن يُحضر لي مالا في إجازة نصف العام ، فجأة شعرتُ اهتزاز هاتفي وحين نظرتُ إليه وجدتُ رسالة من حسام :
ـ عايزك تصدقي قلبك .
اهتزّ قلبي وقرأتُ الرسالة أكثر من مرة ، ثم نمتُ وأنا أفكر ، كيفَ سأشترى هدية لحسام في حفل افتتاح والده لشركته الجديدة :
ـ المرة دي مش هينفع أروح من غير هدية ... كفاية منظري قدامه يوم عيد ميلاده لمّا كلهم قدّموا له هدايا إلا أنا .
ـ بس أجيب فلوس منين ؟
ـ أيوه افتكرت ... مفيش غير مكة ... هي قالتْلي قبل كده انها تعرف واحدة باباها صاحب مصنع هدوم وبيشغّل فيه ستات وبنات .
في اليوم التالي ذهبتُ لمكة وأخبرتها أنني أريد العمل ، وحينما سألتني عن السبب فقلتُ كاذبة :
ـ بصراحة قاعدة زهقانة فى البيت والاجازة لسه طويلة فقلتُ أعمل حاجة مفيدة .
أخفيتُ عنها أنني أريد المال من أجل شراء هدية لحسام ، لأنني وعدتها من قبل أن أقطع علاقتي به وأهتم بدراستي ومستقبلي .
قالتْ في حماس :
ـ طالما زهقانة كده ما تيجي تحضري معايا دروس وندوات على النت وهعملك ( اكاونت ) تدخلي بيه جروبات ومنتديات مفيدة ...
تقرأي وتثقفي نفسك وتحفظى النصوص الشعرية المقررة علينا السنة الجاية ... وكمان تشاركي معايا فى تسميع قرأن للبنات .
سألتها في جهل :
ـ مكة هو انتي بتاخدي فلوس مقابل دروس القرآن ؟
قالتْ مبتسمة :
ـ فلوس ايه بابنتي ... دي حاجة كده بعملها علشان تنفعني في قبري لمّا أموت .
قلتُ مسرعة :
ـ بعد الشر عليكي .
ثم أردفتُ قائلة :
ـ بصي خليها للاجازة الكبيرة في الصيف ...
أوعدك هتعلم منك المشاركة والتفاعل فى النت وأشارك معاكي في تحفيظ القرآن ... بس دلوقتي كلّمي صاحبتك اللى باباها معاه مصنع .
قالتْ :
ـ ماشي يا شابة .
في اليوم التالي كنتُ في مصنع الملابس ، كان بعيدا جدا عن القاهرة ، لذلك فرحتُ حينما أخبرني صاحب المصنع أنّ هناك مبني معد خصيصا للمبيت ، كان الرجل أشيب الشعر وقورا له وجه مستدير مريح ويبدو الرخاء وراحة البال علي مظهره وهيأته ، سألني بعض الأسئلة على غرار :هل سبق لكي العمل من قبل وأشياء من هذا القبيل ، عرفتُ أنه سيتكفل بإقامتي وإطعامي ، كما عرفتُ أنني سأحصل على ثلاثة ألاف جنيها شهريا وأخبرته أنني سأعمل شهرا واحدا فقط ـ فترة الإجازة ـ لأنني طالبة في الجامعة .
كانتْ المشرفة تيقظني مع الفجر ، أتناول إفطاري مع مجموعة من الفتيات ، ثم نبدأ العمل مع شروق الشمس ، وعند الظهيرة كنا نحصل على استراحة لمدة ساعة ، كنتُ أصلي فيها الظهر ثم أتناول الغداء مع الفتيات ونحن نثرثر ثم نعود للعمل حتى يحل الظلام ، كان العمل شاقا قاسيا ، وكانتْ كلتا يديّ لا تكف عن الحركة ، ما بين ترتيب الملابس أو حملها إلى المخزن أو وضعها على اسطوأنات كهربائية متحركة أو ترتيبها بشكل معين أو غمرها في مياه ساخنة ، وحينما كنتُ أشعر بالممل والتعب كانتْ المشرفة تنقلني إلى المطبخ كمساعدة لسيدة مسنة كانتْ تقوم بطهي طعام العاملات ، فكنتُ أذهب معها في سيارة معدة لشراء الخضروات ، وحين أعود أقوم بمساعدتها في تجهيز الطعام أو تنظيف الأطباق ، كنا أكثر من سبعة وأربعين فتاة وثلاث مشرفات ، وطاهية طعام ، كانتْ كل فتاة تحصل على راتب شهري حسب خبرتها أو حداثتها ونوع العمل الذي تقوم به ، كنا ننام في غرف واسعة مجهزة للنوم والمعيشة ، في كل حجرة مجموعة من الأسرّة الأفقية التي تشبه أَسرّة المدن الجامعية ، غرف متواضعة لكنها تفي بالغرض ، وفى المساء كنتُ أستمع لأحاديث البنات اللاتي كن في أعمار مختلفة ، منهن اليتيمات مثلي ، ومنهن المطلقات ، ومنهن الأرامل ، كنتُ أستمع إلى قصصهن وحكاياتهن دون أن أشاركهن الحديث إلا نادرا ، وكانتْ أحاديثهن ومزاحهن يخفف عنّي مشقة العمل ، كنُت أفعل ذلك من اجل حسام ، كنتُ أتذكره كل ليلة وأحلم ، وابتسم في نفسي حينما أتذكره وهو يقول :
ـ سيبي قلبك هو اللى يتكلم .
وكان كل ما يشغل بالي هو الهدية التي سأشتريها له ، وكنت أرد على نفسي :
ـ ما هو أنا لازم اجيبله هديه تكون حلوة ..اشمعنا شيرين يعني .
بعد أسبوع من العمل المرهق الشاق كان وجهي قد شَحُب ، وبدا الضعف على جسدي ولازمني الصداع وفقدان التوازن بسبب قلة ساعات الراحة وكثرة ساعات العمل ، وحينما كان الملل والتعب يسيطران عليّ كنتُ أتصفح رسائل حسام على هاتفي فيعود لي نشاطي وتتجدد حماستي .
كانتْ تشاركني في سريري فتاة اسمها سحر في الخامسة والعشرين من عمرها ، شاحبة الوجه ، مبلبلة الفكر ، وذات ليلة استيقظتُ من النوم على صوت بكائها ، فانتفضتُ مذعورة بعدما ظننتُ أن مكروها أصابها ، فربّتُ على كتفها وقمتُ بتهدئتها وطلبتُ معرفة سبب البكاء ، وبدأتْ تحكي :
ـ ولدتُ وكبرتُ وأنا في بيت العائلة ، أبى وعمي شقيقان ، وأمي زوجة عمي شقيقتان ، وان كان كل إنسان لا يملك إلا أبا واحدا وأما وواحدة ... فأنا كنتُ أشعر أنني أملك أبوين وأمين ، تعرفي الجو الأسري لما تقعدوا تاكلو مع مامتك وباباكي واخواتك وعمك ومرات عمك وولادهم على مائدة واحدة .. كنا نضحك ونهزر ونلعب مفيش فرق بينا ... أسرة واحدة سعيدة متماسكة ... ومع الوقت حسيت إن ابن عمي عينه منّي ... كان مش بيفوّت فرصة إلا ويحكيلي عن حبه .... بس مكنتش شيفاه حبيب ... كنت شيفاه أخ وبس ...
ولما تقدّملي ورفضته كانتْ الصدمة للجميع ... لأن رفضي ده هيكون هو اللى هيفرق العائلة ... بس مش هكون أنا تمن سعادتهم وتماسكهم ... إزاي أعيش مع واحد عمري حسيت ناحيته بالحب ... ومكنش ده أهم أسباب رفضي ... قلبي كان متعلق بواحد تاني حبيته وحبني ... لكن كانتْ غلطتي إني عملت معاه كل حاجة باسم الحب ... كل حاجة .
ثم ارتفع صوت نحيبها وارتشفتْ دموعها التي بللتْ وجنيها وأكملتْ :
ـ ولما قلتُله إني حامل ولازم يتقدملي في أقرب وقت لاقيته بيهرب مني .... ولما هددته إني هفضحه ... هرب وسافر ... وكان لازم أهلي يلاحظوا شرودي وحزني ودموعي اللي بتنزل بمناسبة ومن غير مناسبة .... في الأول اعتقدوا إني عندي مس شيطاني .... وبيتنا بقي سيرك للدجالين والنصابين اللى بيدّعوا انهم بيعالجوا المس ... بس السؤال اللي كان محير أهلي( هى بنتنا جرالها إيه ؟!!!)
لكن حجم بطني اللي بدأت تكبر كان أبلغ إجابة ...... حبسوني في أوضة وحرموني من الأكل .... وفي ليلة لقيت واحد بيفكني ... هرّبني من البيت وركبني أول قطار للقاهرة .... الواحد ده كان ابن عمي اللي كان بيحبني .....
فاكرة آخر جملة قالها لي وهو القطار بيتحرك ... ( أهل الخير في القاهرة كتير ... ابدأي حياة جديدة هناك )
ابني مات في بطني .... وأهل الخير دلّوني على المصنع ده .
أشفقتُ عليها وبكيتُ لحالها ، وكأن الله كان يرسل في طريقي من يحذرني مما أنا مقبلة عليه ، لكنني كنتُ كمَنْ وُضع على عينيها غشاوة ، كنتُ أمضي في طريقي الشائك دون وعي كالمسحورة .
في نهاية الأسبوع الثاني نفذتْ طاقتي فقررتُ ترك العمل لعدم قدرتي على التحمل ، وها أنا حصلتُ على مبلغا ماليا لا بأس به ، أنقدني صاحب المصنع ألف وخمسمائة جنيها نظير عمل أسبوعين ، وأثني عليّ وعلى أخلاقي وانتظامي في العمل ، وأخبرني أن المصنع يرحب بي ما إن فكرتُ في العودة للعمل .
عدتُ إلى القاهرة وأنا سعيدة بهذا الانجاز ، واستعددتُ للحفل ، قمتُ بشراء قميصين بلونين مختلفين ورابطتي عنق لحسام ، واشتريتُ لنفسي حجابا جديدا ، فكان إجمالي ما دفعته ألف ومائتي جنيها .
في صباح يوم الخميس كنتُ أتجول الشوارع حتى وصلتُ إلى ضالتي واشتريتُ بعض أدوات التجميل ( مكياج ) ، تعجبتُ كثيرا حينما عرفتُ أسعار تلك الأشياء ، كانتْ أسعارها خرافية فادحة ، كانتْ هذه المرة هي المرة الأولي التي أشتري فيها مثل هذه الأشياء ، واكتفيتُ بشراء أشياء قليلة ، لكنني وجدتُ نفسي في مأزق :
ـ طيب أنا هحط مكياج إزاي في البيت قدام مرات أبويا ؟!
ثم اهتديتُ إلى فكرة :
ـ أيوه ...أنا أروح عند مكة وأحط مكياج براحتي .
ـ بس مكة هتعملّي فيها ست الشيخة وأنا مش عايزه نكد انهارده خالص .... وأنا أصلاً وعدتها إني أقطع علاقتي بحسام .... طيب وبعدين هتعملي ايه يا نورا ؟!
كنتُ غارقة في مشكلتي ثم عزمتُ أخيرا أن أذهب إلى الحفل دون تجميل .
وفي الساعة الرابعة بعد الظهر أخبرتني زوجة أبي أنها ذاهبة إلى والدتها المريضة وأنها سوف تبيت ليلتين ، اهتزّ قلبي فرحا ، وما إن خرجتْ زوجة أبي حتى جلستُ أمام المرآة ، وبدأتُ أتفنن في تغيير وجهي ، كنتُ سعيدة بما أفعل ، متشوقة لرؤية ردة فعل حسام حينما يراني بشكلي الجديد ، وقبل أن أخرج رحتُ أطمأن لميكاج وجهي ، وحذائي الجديد وحجابي الذي اشتريته اليوم ، ورحتُ أتخيل كيفَ أن حسام سَيُعجب بهذا التغيير ، وسيزيد إعجابه بي وينسي شيرين ، وقلتُ في نفسي :
ـ أيوه كده يابت يا نورا ... كده بقيتي أحلي .
ـ مش هو برضه عايزني أبقي منفتحة ومتحضرة .
ثم نظرتُ للمرآة مرة أخري ، وعدتُ أحدث نفسي :
ـ شيرين مين دى بس اللى أحلي منّي .
ـ دا أنا بس لو معايا فلوس اشتري كل أدوات المكياج اللي شفتها .
بعد ساعات كنتُ أمام الفيلا ، وحين دلفتُ للداخل كان الهرج يسود كل شيء ، موسيقي ،أزهار، مشروبات ، ورجال يرتدون سترات أنيقة ، وسيدات وبنات يكشفن أكثر مما يلبسن ، وحسام والشلة ، أحمد وشريف وشيرين ، حين رأني حسام قال لي بلهجة جافة :
ـ نورتي .
قالها ثم انصرف .
تعجبتُ من هذه اللهجة لأنني شعرتُ بالتجاهل ، ولكن خمنتُ أنه مشغول بالترحيب بالضيوف والمهنئين ، كانتْ شيرين ترتدي فستأنا ضيقا أعلى الخصر، قصيرا ينتهي أعلى ( الركبة ) مكشوفا من الأعلى ، كانتْ تتنقل من مكان لمكان كالفراشة ، انزويتُ على أحد المقاعد وبدأتُ أراقب ما يحدث ، منتظرة أن يأتي حسام .
وبعد مرور نصف ساعة رأيتُ رجلا يشير بيده فصمتَ الجميع ، وبدأ الرجل يتحدث ، قال كلاما كثيرا عن أخلاق (عبد المجيد بيه ) وذكائه وقدرته علي المنافسة في السوق ، وتحدث عن عصاميته ومسيرته العملية التجارية الناجحة ، وبعد أنهى كلامه توالتْ التهاني على والد حسام ، هنا فطنتُ لشيء ، والد حسام هو الرجل الأنيق الأصلع الذي رأيته في عيد ميلاد حسام من قبل ، وسألت نفسي ، لماذا انصرف سريعا يوم عيد ميلاد حسام ؟
والاهم لماذا لم أراه في المستشفى مع حسام يوم إجراء العملية ؟
رأيتُ أن الجميع يتسارعون لمصافحة الرجل ، وأنه من الذوق أن أفعل مثلهم ، فسرتُ في خطوات غير واثقة وصافحته ، لكنه حينما نظر لي بدا التوتر على وجهه ، نظرت في عينيه ولا أعلم لماذا شعرت بأنني رأيتُ هاتين العينين من قبل ، هنأته على افتتاح شركته الجديد متمنية له التوفيق ، فشكرني الرجل في شيء من التوتر ، ثم عدتُ إلى مقعدي .
بعد قليل غادر الرجال المتأنقون مع عبد المجيد بيه للطابق الأعلى لاستكمال احتفالهم ، وغادر بعض المدعوين ، وكنتُ متوقعة أن يلحظ حسام مكياجي وحجابي الجديد ، ويأتي ليتحدث معي وهذا لم يحدث ، عادتْ الموسيقى الصاخبة وازدحمتْ صالة الحفل بالشباب والبنات وبدأوا في الرقص ، كانتْ شيرين ترقص وتتمايل حسب أنغام الموسيقى ، فكانتْ تهتز بسرعة وببطء وبدلال حسب لحن الأغنية وموسيقتها ، لكنها طوال هذه الرقصات لم تفارق حسام ، وبعد ساعتين لم يحدث جديد ، فقط رقص وضحكات عالية وأضواء تسطع ومشروبات تُقدم والموسيقى لم تتوقف ، وحينما انبعثتْ موسيقى هادئة رأيتُ حسام يرقص مع شيرين وقد تشابكتْ أيديهما وتقاربتْ أجسامهما ، فتارة يدنو منها وتارة يُحيط أعلى خصرها بذراعه ، وحين اندمجا في الرقص ألتفّ الشباب والبنات وصنعوا حولهما دائرة وبدأوا في التصفيق مشجعين .
كنتُ لا أملك الجراءة لفعل ذلك ، ولم تتاح لي الفرصة لأن أقدم الهدية لحسام ، وتذكرتُ تلك الأيام التي قضيتها في المصنع لأكثر من اثنتي عشرة ساعة عمل يوميا لأستطيع شراء تلك الهدية ، شعرتُ أنني في المكان الخطأ وأنني في نظر هؤلاء مجرد بنت فقيرة ( غلبانة ) ، تحطمتْ معنوياتي وتبخرتْ حماستي .
نهضتُ وسرتُ في خطوات بطيئة إلى الخارج حاملة الهدية ، وفى حديقة الفيلا أخرجتُ من حقيبتي بعض المناديل الورقية وبدأتُ أزيل مكياج وجهي ، كنتُ أفعل ذلك وأنا أبكي ، كان بكاء حارا مريرا ، كانتْ دموعي تهطل كالمطر ، وحينما ارتفع صوتي بالبكاء خشيتُ أن يسمعني أحدهم فخرجت ، سرتُ في الشارع الواسع وأنا أسمع دقات قلبي ، وكنتُ كلما نجحت في تجفيف دمعة كانتْ تهرب مني دمعة أخري ، لاح أمام عينيّ فجأة مشهد مكة وهى تحفظ الفتيات الصغار القرآن ، وسمعتُ همسا بداخلي يقول :
ـ دا كامين ... لازم تصدقي اللي على اليمين .
وتذكرتُ تحذيرات أمي وأنا في سن الثامنة بألا أقع في الحبسرتُ قرابة خمس عشرة دقيقة ، فتشتُ في حقيبتي فوجدتُ المائة جنيه المتبقية مما حصلتُ عليه من المصنع بعد شراء ما اشتريته ، ووجدتُ الهاتف الذي أهداني إياه حسام ، ووجدتُ بعض المناديل الورقية ، وسخرتُ من نفسي حينما رأيتُ فرشاة لتلميع الحواجب ، كنتُ قد وضعتها قبل خروجي خوفا من أن يُتلف تراب الشارع طلاء وجهي ، وخُيّل لي أن حسام يحدثني مناديا :
ـ نورا ....يا نورا
فسقطعتُ دموعي مرة أخري ، لكنني انتبهتُ أن الصوت لم يكن خيالا ، لأنني رأيتُ حسام فعلا ينادي بصوت مرتفع وهو يقود السيارة بجواري :
ـ انتي سرحانة فى إيه؟... عمال أنادي عليكي وانتي ولا هنا .
قلتُ ُبصوتٍ ممتزج الدموع :
ـ انت عايز مني إيه ؟
قال في تعجب :
ـ ياه ... انتي بتعيطي !... طيب تعالي اركبي .
أجبتُ :
ـ انت ملكش دعوة بيا أصلاً .
فترجل من سيارته وجذبني من يدي وقال :
تعالي بقا وبطلي عناد .
أدار محرك السيارة وقال :
ـ مالك زعلانة ليه ؟... ومشيتي بدري كده ليه ؟
قلتُ وصدري يعلو ويهبط وأنفاسي تتلاحق ودموعي تهطل :
ـ هقعد أعمل إيه؟ ...اقعد أتفرج عليك وانت بترقص مع الست هانم ومش شايل ايدك من عليها ... بس لك حق .. ما هي شاطرة وبتعرف ترقص وتعرف تلبس لبس مكشوف وتقول كلام حلو .. لكن أنا ...أنا ......
ولم أستطيع أن أكمل جملتي بسبب دموعي المنهمرة وأعصابي المنهارة ، وهنا فقط اكتشفتُ أنه يضع على مقود السيارة يد واحدة ، بينما يده الأخرى تضغط على يدي برفق ، فنزعتُ يدي ولم أتكلم ، فلاحتْ نظرة منه على الحقيبة البلاستيكية التي كنتُ أحملها على قدميّ ، فجذبها وفتحها دون تفكير وأخرج قميصين ورابطتي عنق وقال :
ـ كمان هدية ... طيب أنا استاهل كل ده .
قلتُ مسرعة :
ـ لا دى مش هدية ... وانت ملكش كلام معايا بعد كده أصلاً .
قال مبتسما :
ـ انتي ليه خايفة تقولى انك بتحبيني ؟ ليه خايفة تطلعي مشاعرك ؟
كنا قد وصلنا إلى منطقة الجامعة ، توقف بالسيارة ونظر نحوي وقال وهو يجفف دمعي بأصابعه :
ـ قوليها بلسانك ولو مرة واحدة يا نورا ... قلبك بيقولها ... إحساسك بيقولها .... عنيكي بتقولها .
قلتُ في نفسي وأنا شاردة :
ـ مش عيب البنت تقول للولد انها بتحبه ... كده هتبقي مش محترمة .
وكأنه سمع ما يدور في عقلي فقال وهو يدنو مني ومازال يجفف دموعي بأصابعه :
ـ مش عيب ولا غلط انك تقوليها .
قلتُ :
ـ كفاية عليك شيرين ... أكيد بتقولهالك كل يوم.
قال مبتسما :
ـ وأنا مالي ... ما تقولها .
قلتُ في عصبية :
ـ وانت مالك إزاي يعني ... مش هي بتحبك وانت بتحبها .
أجاب ومازال مبتسما :
ـ هو أنا يعني علشان ما سبتها ترقص معايا يبقي أنا بحبها ... أنا سبتها ترقص معايا علشان أتأكد من حاجة معينة ...ودلوقتي تأكدت خلاص .
قال جملته الأخيرة وهو يدنو من خدي بشفتيه ، وقبل أن يلمسني ، فتحتُ باب السيارة ونزلت .
في المساء كنا أنا وأبي نتناول العشاء ونشاهد التليفزيون ، كنا نمد أعناقنا ونرفع وجوهنا لنتمكن من مشاهدة التليفزيون ، فتذكرتُ سعاد حينما طلبتْ من أبي أن يشتري منضدة أو مكتب لتضع عليه التليفزيون بدلا من هذا العمود الخراساني المرتفع ، قطع أبي شرودي قائلا :
ـ فكرتي يا بنتي ولا لسه ؟
أجبت :
ـ فكرت في إيه ؟
قال ضاحكا :
ـ و دي حاجة تتنسي .... أقول إيه لمعتز ؟
قلتُ في ضيق :
ـ أنا مش هجوز دلوقتي .
قال ساهما :
ـ عمك حسين كلمني وقال انه هييجي كمان أسبوعين ... محدش هيقنعك غيره .
بعد ساعتين أويتُ إلي سريري وتأهبتُ للنوم ، وفجأة اهتزّ هاتفي فوجدتُ رسالة من حسام اهتزُ لها قلبي :
ـ القمر اللى زيك مش محتاجة تحط مكياج ... لانك جميلة من غير مكياج .
كانتْ هذه الرسالة كفيلة بأن تجعل قلبي يهتز من الفرح .