تحميل رواية «نصف انسانة» PDF
بقلم السيد عبد الكريم
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أنا دلوقتي عندي سبعتاشر سنة، عشت مع أمي تسع سنين مش فاكرة منهم غير حاجتين: خناقها اللي عمره ما كان بيخلص مع أبويا، وتحذيراتها ليا إني ما أقعش في الحب… وكأنها كانت حاسة إنها هتموت بدري… وفعلاً ماتت… ماتت بسرعة البرق… لدرجة إني لقيت نفسي لوحدي وأنا عندي عشر سنين. وتكفل بيا واحد من رجالة القرية، ربّاني وصرف عليّا، كان اسمه عم حسين الأعرج. مش كان غني… ده كان أفقر واحد في البلد. ولحد دلوقتي مش فاهمة هو ليه عمل كده… أنا ما قعدتش معاه في بيته، هو أصلاً ما كانش له بيت… كان ساكن في كوخ مغطي بالقش ورا الج...
رواية نصف انسانة الفصل الحادي عشر 11 - بقلم السيد عبد الكريم
قبل بداية الفصل الدراسي الثاني بيوم واحد حضر عم حسين، كان متعجلا قلقا هذه المرة. لم يمكث في شقة أبي إلا ساعات. ومن حسن الطالع أنّ أبي لم يكن موجودا، وإلا لفاتحه في موضوع معتز.
كان عم حسين يحمل لي مجموعة من الأخبار: لقد أهداه أحد الأثرياء الذين يخلص في خدمته هاتفا مستعملا، وأنه استطاع أن يجمع لي مبلغا جديدا من المال من أهل الخير وإمام مسجد القرية. وأخبرني أنه سيبيت اليوم عند أحد معارفه بالقاهرة حينما سألته عن سبب تعجله في الرحيل.
رحبتُ به وقبّلتُ يده. فاحتضنني الرجل في عطفٍ وحنان وربّتَ على كتفي ومسح بيده اللينة على حجابي. ولكم أتعجب على هذا الحنان الذي يفيض به هذا الرجل نحوي، حنان لم أجده في أبي.
أخبرني عم حسين أنني مقبلة على قصة حب. فارتبكتُ وتعجبتُ. ياللكارثة! ألهذا الحد يبدو عليّ؟ أنكرتُ بشدة، ولكنه أخبرني أن كل ملامحي تفيض بالحب. ثم ضحك ضحكة طويلة متقطعة ونصحني بألا أمنح قلبي إلا لمن يستحقه، وأن كثيرا من قصص الحب انهارتْ عند أول اختبار حقيقي بعد الزواج. ثم قال وهو يميل نحوي:
"بعد الجواز يا نورا بتزول الوسامة والمال وتبقي فقط الأخلاق والشهامة."
ثم قدّم لي ألفي وخمسمائة جنيها، وأوصاني بضرورة النجاح والتفوق. ورحل دون أن يستريح من عناء السفر، وذهب إلى أحد معارفه، ولم ينسَ أن يجعلني أقوم بتسجيل رقمه على هاتفي.
لهذا الحد كان عم حسين رقيقا معي، ولهذا الحد كان يفهمني ويقرأ ما في قلبي.
انتظمتْ الدراسة في الجامعة. وفى أول لقاء بيني وبين حسام، قال لي في رقة:
"أنا عاوز أفرجك علي شقتي الجديدة."
رفضتُ في البداية، لكنه كان يجيد استخدام أسلحته الفتّاكة التي أهمها رقته ووسامته، فوافقتُ، واتفقنا على يوم الخميس القادم مساء.
وحين جاء الخميس وانتهتْ المحاضرات، هرول نحوي حسام مسرعا وذكرني بالموعد. كنتُ أتعجب من إصراره العجيب، لكن كعادتي كنتُ مسحورة.
عدتُ إلى البيت ومارستُ عادتي الجديدة في الكذب وأخبرتُ أبي أنني سأزور صديقتي لمراجعة بعض الدروس. وافق أبي وذهب لغرفته ليستريح قليلا. وجلستُ في الصالة أمام التليفزيون أنتظر مجيء الساعة السابعة مساء. كنتُ قد ارتديتُ الحذاء الجديد واطمأننتُ على هندامي وحجابي.
وقبل أن أخرج، انقطع الإرسال فجأة. طبعا اعتدتُ مشاهدة مثل هذا الموقف، ولم يبدُ مرعبا لي كما رأيته أول مرة. حفظتُ هذا المشهد عن ظهر قلب. فزفرتُ زفرة ملل وانتظرتُ أن يهوي الرجل ممتلئ الجسم على الرجل الآخر بقطعة من حديد، لينظر الثاني نحوي في توسل ويقول:
"انقذيني."
وفعلا تمّ كل شيء كما كان يحدث كل مرة. لكن الإرسال لم يعدْ. فبدأتُ أنتبه لما يحدث. الرجل قصير القامة مقوس الظهر قال:
"انقذيني."
ولم يختفِ، والكاميرا مثبتة على وجهه الذي يسيل منه الدماء. ثم قال الرجل وهو يمسح دماء وجهه:
"بلاش تروحي."
فتحتُ فمي بعد أن ذاعتْ عيناي، وانتظرتُ أن يُكمل. ثم عاد الإرسال. إذن الرجل يحذرني من الذهاب. هذه الجملة جديدة على المشهد. ارتعشتُ بداخلي، فأغلقتُ التليفزيون ورحتُ أبدد توتري في التجول في الصالة. كنتُ تائهة متوترة قلقة. دلفتُ إلى حجرتي وبدأتُ أتمتم ببعض الآيات، فهدأ روعي واطمأنتْ روحي، ثم خرجت.
في الطابق الخامس كان ينتظرني. ودلفتُ لداخل شقته، وجلستُ في الصالة، صالة واسعة مريحة محاطة بالستائر، بها أكثر من أريكة وأكثر من مقعد. رحب بي حسام، ثم غاب فترة تأملتُ فيها أركان الصالة، ثم عاد حاملا كوبا من عصير الفراولة. ثم ابتسم وجلس بجواري قائلا:
"وحشتيني."
لماذا لم أشعر بالارتباك المحبب لنفسي؟ لماذا لم أشعر بدقات قلبي المتلاحقة؟
لأنني كنتُ مرعوبة. طغى شعور الرعب على أي شعور سواه. قلتُ في هلع:
"أنا همشي."
قال مسرعا:
"هو انتي لحقتي تقعدي... استني هفرجك على الشقة."
قلتُ معترضة:
"لا لا.... حسام أنا مش مرتاحة."
قال مبتسما وهو يدنو مني:
"ليه؟"
أجبتُ:
"مش عارفه... بس أنا مش مرتاحة."
قال ومازال في إصراره:
"طيب نقعد شوية."
فقلتُ مقترحة:
"طيب تعالي نقعد على كافتيريا."
كنتُ أود أن أجلس في مكان عام. لأول مرة أشعر بالخوف من حسام. حسام الذي ملك كل كياني وتربع على عرش قلبي صار غريبا مخيفا. ربما كنتُ واهمة في ذلك. لكن أنا التي تتعذب نفسي في الصراع بين الحرام والحلال، أجد نفسي فجأة في مكان مغلق غير مريح مع ولد، وكأنني كنتُ بلا عقل حينما وافقته على المجيء هنا.
قال حسام جادا بعد أن ابتعد عنّي قليلا:
"خلاص ماشى... مش مشكلة... طالما مش مرتاحة... اشربي العصير عبال ما أجيب مفتاح العربية وننزل."
كانتْ يدي ترتعش وأنا أشرب العصير. رشفة، ثم رشفة، رشفات. لماذا أشعر بفقدان التوازن؟ لماذا تظهر بقعة سوداء أمام عينيّ؟
العصير منعش. رشفة أخري. البقعة السوداء أمام عينيّ تتسع. كم أحبك يا حسام! أحبك ولن أكون لأي مخلوق غيرك. أنتَ الوحيد الذي حركتَ مشاعري وجعلتني أحب الدنيا وأخرج من شرنقتي وانطوائي. رشفة أخري. البقعة السوداء تتسع. ما ألذ مذاق هذا العصير!
"لازم تصدقي اللى على اليمين."
هذه العرّافة مضحكة جدا. لن أصدق الذي على اليمين أيتها العرافة الحمقاء، ولن أصدق الذي على اليسار أيضا. سأصدق قلبي، نعم. حسام أخبرني بهذا. لابد أن أصدق قلبي، وقلبي يحب حسام.
لماذا جدران الصالة تتحرك؟
نعم تتحرك بشكل دائري بطيء. كلا، تتحرك بشكل سريع. أشعر بأن الخدر يجري في دمي. وآخر ما كنتُ أراه أنني بين ذراعي حسام وهو يصحبني إلى غرفة أخري. ثم تلاشت الموجودات حولي.
حين أفقتُ شعرتُ بأنني كنت أركض أمام كلب مسعور. فتحتُ عينيّ قليلا ثم أغمضتهما. تحسستُ جبهتي وأنا مغمضة العينين. ما هذا؟ هل هذا شعر رأسي؟ هل أنا عارية الرأس؟
فتحتُ عينيّ مرة أخري وبدأتُ أجمع شتات تركيزي. أين أنا؟ وما هذه الغرفة؟ حسام... الشقة.. العصير.
انتفضتُ مذعورة كالملسوعة. أنا عارية الرأس، شعري يتناثر على وجهي ووجنتي. سرير... غرفة نوم... ستائر... هنا فهمتُ كل شيء. ركضتُ في الغرفة كأسد حبيس. وجدتُ حجابي ملقي على الأرض بجوار السرير. ثوبي ممزق قليلا من الأسفل. جذبتُ حجابي ووضعته على رأسي دون إحكام فسقط مني. الشقة خالية. أين ذهب؟ أين هو؟
رأيتُ مرآة هائلة الحجم في الغرفة لم أنتبه لها من قبل. صدري يعلو ويهبط. أنفاسي متلاحقة غير منتظمة. دموعي تهطل. كنتُ غير قادرة على إحكام ارتداء حجابي بسبب يدي المرتعشتين. خرجتُ إلى الصالة. كوب العصير فارغ. حقيبة يدي. أمسكتُ بالحقيبة وأخرجتُ الهاتف. قرأتُ اسم عم حسين. وبيد متعجلة مرتعشة مبللة بالعرق ضغطتُ زر الاتصال:
"الحقني يا عم حسين."
بعد قليل كنتُ أخرج من الشقة. وفي الشارع انزويتُ عند مدخل البناية. لم تتوقف دموعي. أنا فقدتُ كل شيء. هل هذا ثمن ثقتي به؟ كان يحبني. هو أخبرني أنه يحبني. كنتُ أعتقد أنه يريد أن يريني الشقة لأنه ينوي الزواج منّي. كم حلمتُ بك زوجا يا حسام.
مرّ وقت التهمتُ فيه نفسي حتى رأيتُ عم حسين يتكأ على عكازه مهرولا نحوي:
"حصل ايه؟... وبتعملي إيه هنا؟"
كانتْ إجابتي متقطعة غير مفهومة:
"هو... العصير... نمت... أنا مبقتش بنت."
كنتُ أتحدث مرتجفة أكاد لا أرى عم حسين من دموعي المتدفقة. جذبني من يدي وأوقف سيارة أجرة (تاكسي) وانطلقنا إلى مكان لا أعرفه. في الطريق طلب منّي أن أتصل بأبي وسمعته يحدثه قائلا:
"أنا هبات انهارده عند أختي يا قاسم... أيوه سامعك... أنا حسين يا قاسم... نورا معايا... لا متقلقش... هي هتبات معايا."
بعد قليل كنتُ في بيت شقيقة عم حسين. لم أعلم من قبل أن لديه شقيقة هنا. كنتُ شاحبة الوجه ذابلة العينين. وما إن رأتني شقيقته حتى شهقت وقالتْ:
"مين دي؟ ومالها كده؟"
سمعته يجيبها قائلا:
"مش وقته يا كوثر... تعالي ودّينا عند أقرب دكتورة."
قالتْ السيدة وهي تضرب بيدها على صدرها:
"يالهوي... طيب إيه الحكاية يا حسين؟"
قال وهو يخرج حافظته نقوده ويعد ما بها من نقود:
"هقولك بعدين."
في مستوصف الرحمة الطبي كنا نجلس. كان الوقت يمر بطيء ثقيل ممل قاتل. كنتُ أشعر بأن روحي تُنزع منّي كل ثانية. لدي رغبة جامحة في التقيؤ. كنتُ أتعجب لماذا يقتل المرء نفسه، لكنني في هذه اللحظة فهمتُ الإجابة. حينما نادتْ الممرضة اسمي شعرتُ بأن قدميّ لا تقويان على حملي. ساعدتني كوثر ودلفنا إلى داخل الغرفة. لم تسأل الطبيبة عن السبب، بل قامتْ تمارس عملها قبل أن تكمل كوثر كلامها. مرّ دهر حتى رأيت شفتي الطبيبة تنطقان بكلمة قصيرة موجزة سريعة:
"بنت."
هذه الكلمة جعلتني أولد من جديد. وعلمتُ وقتها كيفَ تتغير مصائر الناس من كلمة ينطقها طبيب. كيفَ تتغير حياة أناس من مجرد نتيجة تحليل أو أشعة. سمعتُ كوثر تقول:
"لكن يا دكتورة...."
قاطعتها الطبيبة في نفاذ صبر وهي تضغط على زر على مكتبها:
"قلتلك كله تمام."
رواية نصف انسانة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم السيد عبد الكريم
ولدتُ ونشأتُ في الإسكندرية، تلك المدينة التي تدفعك دفعاً لأن تكون حالماً مرهف الحس رقيق الحاشية. نشأتُ في بيت فقير لأب وأم فقيرين. كانت أحلامي صغيرة، لكنها غير قابلة للتحقيق في ظل عمل أبي المتواضع. أبي عبد المجيد يعمل صياداً على قارب أحد (المعلمين)، المعلم رجب كبير الصيادين، وفي منطقتنا يعمل تحت إمرته أكثر من عشرة رجال، كلهم يخشونه ويوقرونه ويحتقرونه ويلعنونه في آن واحد. كان أبي واحداً منهم، نعم كان أبي عاملاً لدى المعلم رجب.
مع شروق الشمس كنتُ أرى أبي يخرج إلى الشاطئ على قارب المعلم رجب ليعود مساء أو يبيت ليلته على الشاطئ طلباً للرزق. وحصيلة ما كان يصيده أبي كان يبتاعه معلمه بنصف الثمن. لماذا نصف الثمن؟ لأن أبي لا يملك قارباً خاصاً ولا تصريحاً خاصاً. وفي الإسكندرية عشتُ عشر سنوات، درستُ ولعبتُ وحلمتُ وتشاجرتُ، فضربتُ وضُرِبتُ وركضتُ مع أقراني واصطحبني أبي في ساعات عمله مرات كثيرة.
ذات ليلة أخبرنا أبي أننا سنترك الإسكندرية إلى القاهرة.
فســمعتُ أمي تقول في تعجب واعتراض:
ـ تسيب شغلك هنا وتروح القاهرة... طيب نعيش إزاي؟
أجابها أبي في هدوء وثقة:
ـ متقلقيش... هنعيش وهنعيش وهنعيش.
وهذا هو الذي لم يحدث.
في القاهرة عشنا في شقة متواضعة في حي فقير (حارة سُد). كانت شقتنا حجرتين في (البادروم).
وهنا ولولت أمي قائلة:
ـ بقا تسيب رزقك وشغلك وتجيبنا نعيش في السجن ده.
قال أبي بنفس الثقة التي حدثها بها في الإسكندرية:
ـ اصبري على رزقك يا أم حسام... دا أنا هعيشك في قصر.
وكان على حق هذه المرة. فقد حدث تغيير مفاجئ رهيب لم يكن في حسباني، انتقلنا إلى فيلا، نعم فيلا في أحد الأماكن الراقية بالقاهرة. وتبدلت حياتنا من الفقر وقسوة المعيشة إلى الرخاء وسعة الرزق. لم أسأل نفسي وقتها كيف صار أبي من الأثرياء فجأة، وهل هذا سؤال؟! المهم أنني سأعيش، سأرى الدنيا، سأحلق فوق السحاب، سألبس، سأتبختر، سأمرح، سأصيع، سأبرطع، سأتسكع.
اشتري لي أبي دراجة كهربائية، أغدق عليّ الأموال، وصرتُ أقول "ماما" بدلاً من "أمي"، و"بابا" بدلاً من "أبي". أنا ابن الحارة الشعبية وجدعنة الإسكندرية صرتُ أستقراطياً مدللاً. جلب لي أبي مربية تعلمني كيف ألبس بحساب وأتحدث بحساب وأتناول الطعام بحساب وأشرب بحساب وأتنفس بحساب. "لابد أن تكون مثل أبناء الأثرياء يا حسام"، هكذا كان يخبرني أبي. أما جيراننا فعاملونا على أننا ولدنا أثرياء مثلهم.
كنتُ ألعب في حديقة منزلنا الواسعة. ذات مرة ركلتُ الكرة لتطير إلى حديقة الفيلا المجاورة. ولأنني صرتُ (بيك) صغيراً مهذباً، لابد أن أطلب الكرة من الجيران بأدب جم بعد أن أعتذر لهم. وسمح لي البواب بالدخول ورأيتُ فتاة شقراء، ابنة العشر سنوات، تقريباً في مثل سني. كانت وحيدة أبويها وكنت وحيد أبوي، فصرنا أصدقاء. نلعب ونركض ونضحك ونذاكر ونذهب إلى النادي. لم تكن هذه الفتاة إلا شيرين، وهذا كله أدى إلى تعارف الأسرتين.
اعتدتُ حياة الترف والثراء وشربتُ كل عادات الأثرياء بسرعة. كنتُ أفخر بنفسي حينما كان البواب يناديني بصوت مسلوخ (حسام بيه) وتسميني الدادة بـ (البيه الصغير). وحين تقف خلفي خادمة نحيفة مصابة بفقر الدم تنتظر أن أفرغ من طعامي. أحببتُ هذه الحياة. الشيء الوحيد الذي كنتُ زاهداً فيه كل الزهد هو التعليم، أقصد التعليم الخاص. أبناء الذوات يعلمون أولادهم تعليم خاص أجنبي. رفضتُ أن ألتحق بتلك المدارس (الإنترناشونال) واللغات، وقررتُ أن أسير مع المقادير.
في الجامعة كانوا يطلقون علي الدنجوان، الوسيم، الثري. وتلك هي ميزة أن تكون ثرياً ثراءً فاحشاً بالجامعات الحكومية. أنت مميز بين أقرانك في نظر أقرانك، مميز بأموالك وسيارتك وهندامك وكل شيء. كنتُ حريفاً ماهراً في صيد البنات. ومن تلك الفتاة التي تستعصي على الدنجوان؟ والفتيات الآنسات العذارى يسقطن أرضاً أمام الوسامة والمال، وكنتُ أملك هذين السلاحين. خضعتْ أمامي فتيات وفتيات، إلا فتاة واحدة.
نورا...
تلك الرقيقة الجميلة التي ظهرتْ في الجامعة فجأة. كنتُ أعتقد أنها ستقع في شباكي من الوهلة الأولى، فهي كما بدا لي فقيرة، فقيرة المال وفقيرة الخبرة، وفقيرة القلب. فبدأتُ في استخدام سلاح الرقة، سلاح النظرات والتلميحات، اللقاءات العابرة. لكنها لم تستسلم. إذن جاء دور المال، حتماً ستستسلم أمام المال. اشتريتُ لها حذاء وهاتفا أنيقاً وكنتُ متوقعاً أن أنال كل ما أريد في ذلك اليوم. لكنها رفضتْ.
هل أحببتها؟ لا شك أنني أعجبتُ بها بسبب إصرارها الدائم على عدم الاستسلام. جعلتها تعتاد على وجودي وقربي. ثم قررتُ فجأة أن أغيب وأبتعد وأصطنع الجفاء والتجاهل وأقترب من شيرين، حتى أشعل في قلبها الغيرة. وقد حدث.
في حفلة افتتاح أبي لشركته الجديدة دعوتها، وخططتُ أن أجعل شيرين هي الطعم. وكادت الخطة أن تنجح. رقصتُ مع شيرين وأوليتها اهتمامي وحدث ما توقعته. غادرت نورا الفيلا. تريثتُ قليلاً كي تنشب النيران في قلبها، ثم تبعتها. وجدتها تبكي منهارة في الشارع. جذبتها في سيارتي وبدأتُ أضع اللمسات الأخيرة من خطتي. لكنها لم تستسلم. حينما تركتها أمام الجامعة وعدتُ إلى الحفل انتحى بي أحمد جانباً وقال:
ـ ما تسيبك بقا من البنت دي.
قلتُ في هدوء وتحدٍ:
ـ لا طبعاً.
قال وهو يأكل قطعة من الشيكولاته:
ـ حرام عليك... باين عليها طيبة وانت علّقتها بيك أوي.
قلتُ وأنا أنهض وأدور حوله كمحقق بوليسي:
ـ هو ده المطلوب... أنا عايز أبقى كل حاجة في حياتها... لحد ما تخضع.
قال في لامبالاة:
ـ بس أنت جربت معاها كل الخطط يا دنجوان... استسلم انت بقا وسيبها في حالها... البنت واخدة موضوع الحب ده بجد.
قلتُ في غضب:
ـ مالك يا أحمد... هي صعبت عليك ولا إيه... ولا تكونش حبيتها.
قال وهو يرشف رشفته الأولى من كوب عصير:
ـ حبيتها إيه يا عم... أنا بس صعبان عليا مجهودك ده معاها... وانت عارف إن فيه بنات كتير هتيجي سكة من غير مجهود.
قلتُ في تفكير:
ـ مبقتش استمتع بالبنت اللي تيجي سكة من أول مرة... بحس إنها سلعة رخيصة... ضحكة وعزومة وتبقي تحت أمري... لكن نورا عشت معاها دور الصياد... وأحياناً صيد الفريسة بيكون ممتع أكتر من الفريسة نفسها.
قال وهو يضع كوب العصير على منضدة أمامه:
ـ بس انت يادنجوان خلّصت عليها كل خططك... رقة... عزومة... فلوس... ويبدو إنك بعد كل ده مسكت إيدها بس.
قلتُ بعدما جلستُ بجواره:
ـ لسه فيه خطة أخيرة.
سأل سريعا:
ـ خطة إيه؟
أجبتُ وأنا أشعل سيجارة:
ـ خطة اللي يروح ميرجعش.
بعد يومين تسللتُ إلى مكتب أبي، سرقتُ أحد المفاتيح الخاصة به، مفتاح شقة المخزن. هذه شقة مقدسة بالنسبة لأبي، لا يقابل فيها أحداً ولا يعقد فيها صفقات ولا لقاءات. وأمي تعلم أنها يستخدمها كمخزن، لكن أبي يكذب، لماذا؟ يا له من سؤال! أعدتُ المفتاح إلى مكتب أبي بعدما استخرجتُ منه نسخة لنفسي، وذهبتُ إلى الشقة التي كنتُ أعتقد أنها مخزن، لكنني وجدتها شقة مفروشة أنيقة بالطابق الخامس. دلفتُ إليها في توجسٍ وحذر، وجلستُ في الصالة، صالة واسعة مريحة محاطة بالستائر، بها أكثر من أريكة وأكثر من مقعد. تجولتُ غرفها واحدة تلو الأخرى، لا يوجد ما يدل على أنها مخزن. وما أثار دهشتي أنني وجدتُ في أحد دواليب حجرة النوم شعراً مستعاراً (باروكة). وحينما دققتُ النظر رأيتُ شارباً مستعاراً. وهنا بدأتُ أفكر:
ـ لماذا لم يحضر أبي لزيارتي في المستشفى حينما أجريت العملية الجراحية؟
ـ لماذا غادر أبي سريعاً ليلة حفل عيد ميلادي؟
ـ لماذا أكمل أبي حفلة افتتاحه للشركة بالطابق الثاني مع أصدقائه؟
إجابة هذه الأسئلة بها شيء مشترك. نورا... نعم نورا هي الشيء المشترك في كل الإجابات. لقد غادر أبي سريعاً ليلة حفل ميلادي بعدما رأى نورا، ولم يستكمل حفل افتتاح شركته معنا حينما صافحته نورا، ولقد رأيتُ التوتر بادياً على وجهه وهي تصافحه. لم يحضر أبي إلى المستشفى لأن نورا كانت هناك. لماذا يخشى أبي مقابلة نورا؟ هل هو يعرفها؟ هل هي من أحد جيراننا القدامى بالإسكندرية؟ لا أعلم. ربما هي ابنة لأحد الرجال الذين نصب عليهم أبي أو طردهم من الشركة. لا أظن، لكن أنا أعلم طباع أبي. أعلم أنه يدوس أي إنسان يقف أمام نجاحه وتجارته. أذكر ذلك اليوم الذي جاء فيه أحد الفقراء إلى الفيلا متوسلاً لي ولأمي بأن يعيده أبي إلى الشركة. أذكر شوكت بيه حينما توسل لي أن أتوسط له عند أبي ليسمح له بعرض بضاعته في السوق. أعتقد أن والد نورا موظف في شركة أبي وأنه يملك أوراقاً تدين أبي أو يعرف بعض أسرار صفقاته المشبوهة.
قررتُ أن أنفذ خطتي في شقة أبي هذه، ودعوتُ نورا للحضور، وكنتُ في لهفة وشوق. حينما حضرتْ كنتُ متأكداً أنها لن تستسلم، لكن لا بأس. قطرة منوم واحدة في العصير ستفي بالغرض. فعلاً لم تستسلم وطلبتْ المغادرة، فوافقتها وتحججتُ بإحضار مفتاح السيارة ريثما تشرب هي العصير. طبعاً لن أترك فرصتي الأخيرة تضيع. قدمتُ لها المشروب، ودون تفكيرٍ منها، وبكل حماقة توالتْ رشفاتها ليختل توازنها شيئاً فشيئاً وفقدتْ الوعي.
الآن أنا أمتلكها، أمتلك قلبها وجسدها وأنفاسها وروحها. يا له من شعور! لذة الانتصار، لذة قنص الفريسة. سأعلمها الأدب فقط، سأعلمها أن الدنجوان لا يُهزم. حملتها بين ذراعي بعدما خلعتُ حذائها، ثم دلفتُ بها إلى حجرة النوم. وبينما أنا أدنو بها من السرير تثبّتَ طرف ثوبها الأسفل في زاوية السرير فتمزقتْ قطعة صغيرة منه. وبعد دقيقتين كنتُ أزيل دبابيس حجابها. كانتْ مثل الملاك النائم. ذلك الوجه المستدير الأبيض الناعم المتملئ، ذلك الفم الدقيق الموجز المختصر، تلك الحواجب السوداء المرسومة بعناية، ذلك الأنف المستقيم في شموخ. كل ذلك الجمال البكر دون بقعة مكياج واحدة. يا لها من غنيمة باردة! نزعتُ حجابها في لذة غريبة، فظهر شعرها المموج القاتم الداكن كالليل. رحتُ أتأمل ذلك الجسد المسجى أمامي على السرير. "اعذريني يا نورا، إصرارك العجيب هو من جعلني أفكر في هذا. ولو أنك قبلتِ الاستسلام من بداية الأمر كغيرك مما عرفتُ من البنات لكنتُ اكتفيتُ بقبلات طويلة صامتة وأحضان دافئة ساخنة". مددتُ يدي إلى ثوبها وأنا أقول بصوتٍ مسموع:
ـ هعمل اللي كنتي منعاني منه يا نورا.
فسمعتُ صوتاً يهمس بأذني اليسرى:
ـ مش هتلحق.
انتفضتُ من فوري متوتراً وجلتُ بنظري في أرجاء الغرفة، وتيقنتُ أنني أتوهم. خرجتُ من الغرفة وتجولتُ بقية الغرف. لا أحد في الشقة سوانا. عدتُ إلى غرفة النوم مرة أخرى، وعدتُ أمدُ يدي نحو ثوبها من الأسفل، فسمعتُ الصوت مرة أخرى:
ـ قلتلك مش هتلحق.
كان الصوت هذه المرة واضحاً، وكان توتري أكبر. نظرتُ أمامي فرأيتُ رجلاً أسمر الوجه نحيل الجسم مقوس الظهر، ينظر لي في ابتسامة دون أن يتحدث. ابتسامة ساخرة متهكمة فيها إصرار. وقفتْ شعيرات رأسي رعباً وتراجعتُ خطورة للوراء أرتعش. كان الرجل ثابتاً ينظر نحوي بثقة وتحدٍ. أنا لستُ واهماً، الرجل لم يختفِ، إن ما أراه حقيقة وليس خيالات. أوليته ظهري وسرتُ نحو باب الغرفة لأفتحها وأهرب، فرأيته يقف أمام الباب ليمنعني من الخروج. تراجعتُ للخلف ناحية السرير وأنا أحاول أن أخرج الكلمات من فمي، سقطتُ على الأرض وأنا أقول في هلع:
ـ سيبني أخرج.
وجه الرجل يبدو مألوفاً لدي، أنا واثق أنني رأيته من قبل، لكن أين؟ كانتْ نظرات الرجل ثابتة ثاقبة واثقة، وكانتْ شفتاه تنفران عن ابتسامة خفيفة، ثم اختفى. نهضتُ مسرعاً وتوجهتُ ناحية الباب للهرب، فظهر من جديد ليمنعني من الخروج. توسلتُ إليه وبكيتُ ووضعتُ يدي على قلبي من الانفعال ثم فقدتُ الوعي.
لم أعرف كم مرّ من الوقت حينما أفقت، لكن ساعتي البيولوجية أخبرتني أنه فات خمس عشرة دقيقة تقريباً. كانتْ نورا غائبة في سبات عميق كالموتى. نهضتُ متوجساً متوقعاً أن يظهر ذلك الرجل مرة أخرى. سرتُ ناحية الباب. لم يظهر الرجل. وما إن دخلت الصالة ورأيتُ باب الشقة أسرعتُ نحوه وقفزتُ خارجاً إلى السلم. كنتُ أهبط الدرج مسرعاً كمن يطارده الجحيم.
رواية نصف انسانة الفصل الثالث عشر 13 - بقلم السيد عبد الكريم
خرجنا من المستوصف بعدما أخبرتني الطبيبة أنني مازلتُ عذراء.
كنتُ بالية كخرقة ممزقة، وتشوهتْ صورة الحب في قلبي.
صوّر لي عقلي أن كل شاب ما هو إلا وغد حقير.
كنتُ على شفا حفرة من الضياع وفقدان كل شيء.
مجتمعنا لن يرحم، فمجرد سماع كلمة مطلقة تتطلع أذهان المجتمع إلى أفكار شيطانية، فما بالكم بفتاة فقدت عذريتها؟
ما الفرق بين الزوجة وبين الفتاة التي فقدت عذريتها؟
الزوجة هي أنثى أحبّتْ فتزوجتْ، والتي فقدتْ عذريتها فتاة أحبّتْ ولم تتزوج.
هل ذنبي أنني أحببته؟
هل كانتْ كل مشاعره نحوي مجرد مشاعر مصطنعة مزيفة لنيل هذا الشيء؟
لماذا لم يتخيل أنني منحته قلبا بكرا شفافا زجاجيا؟
هنا تذكرتُ ما قاله لي عم حسين من قبل:
" امنحي قلبك للى يستحقه".
حينما عدنا إلى بيت كوثر انتحي بي عم حسين جانبا وأوصد الباب ثم قال في حزن حكيم:
"التجارب تصقل القلوب... المهم تتعلمي من تجاربك".
ثم صمتَ قليلا وأردف وهو يتأمل وجهي كأنه يراه لأول مرة:
"قعدت نفس القعدة دى مع أمك من 28 سنة".
انتبهتُ لما يقول وأرهفتُ السمع حتى يُكمل فقال بعد تململ:
"بس هي اختارت تكمل... كانتْ مجبرة تكمل... مجبرة علشان الفضيحة... ولمّا كملت... اكتشفتْ إنها اختارت الطريق الغلط".
دلفتْ كوثر الغرفة وقدمتْ لنا العشاء وخرجتْ فأكمل عم حسين:
"وانتي ضحية الطريق الغلط اللي اختارته أمك".
قالها ثم بدأ في تناول الطعام.
ولمّا رأي الجمود على وجهي مدّ يده نحو فمي بالطعام قائلا:
"تناولي طعامك يا نورا... الدنيا لسه هتستمر ومش هتقف علشان حد... انتي محتاجة شوية مرونة... مرونة تغيري بيها مشاعرك وطريقك اللى ماشية فيه".
كان يقدم لي الطعام بيده، وكنتُ أمضغه دون شهية.
ثم عاد يقول:
"أمك اختارت اللي هى حبته... وسابت اللي كان بيحبها...
اللي هي حبته دخل بيتها من الشباك وفى الضلمة... واللى كان بيحبها دخل بيتها من الباب وفى النور... بس هي اختارت طريق الضلمة...
اللى كانتْ بتحبه كان عايز منها حاجة واحدة... نفس الحاجة اللي كان عايزها منك زميلك اللي بتحبيه...
واللى كان بيحب أمك كان مستعد يعمل كل حاجه علشانها... لدرجة انه خد عهد على نفسه انه ميجوزش بعدها... ولمّا ماتت جدد العهد انه يعيش خدام لبنتها لأنها من ريحتها... مش مهم هو يتعرى طالما بنتها بتلبس... مش مهم هو يشقى طالما بنتها هتسعد...
مش مهم هو يجوع طالما بنتها بتاكل...
حتى لو هيأكلها فى بوقها".
قالها وهو يمدّ يده بملعقة أرز نحو فمي.
طبعا فهمتُ الآن كل شيء.
أمي قابلتْ في حياتها شابين، اختارتْ أبي وتركتْ عم حسين.
اختارتْ مَنْ أحبته وتركتْ مَنْ كان يحبها.
اختارتْ طريق الظلام وتركتْ طريق النور.
أبي لعب في حياة أمي الدور الذي يلعبه حسام معي الآن.
وعم حسين لعب في حياة أمي الدور الذي يلعبه... من؟ّ!
هنا تذكرتُ معتز.
لكن عم حسين أخبرني أن أمي أُجبرتْ على الاستمرار من أجل الفضيحة.
وتذكرتُ قصة سحر، الفتاة التي كانتْ ترافقني سريري في مصنع الملابس.
هي أحبتْ ولم تتزوج.
هل استسلمتْ أمي لأبي دون جواز شرعي؟
هنا انقبض قلبي وجال بعقلي سؤال أحاول أن أتجاهله:
أنا من أكون؟!!!
وكأنّ عم حسين عرف بما يدور في عقلي.
لأنه قال وهو يضغط على كلماته:
"انتي بنت حلال يا نورا... لمّا أمك رفضتني... اختفيتُ من حياتها... بس ظهرت تاني علشان أجبر ابوكي انه يجوزها قبل ما يهرب ويسيب جنين في أحشائها... اجوزها فعلا... وحسين مات بعد الولادة بأسابيع".
قلتُ مستفسرة:
"حسين مين؟!"
أجاب:
"المولود الأول... أخوكي...
اه نسيت أقولك إن أمك سمته حسين".
قالها وهو يدمع وقد توقف عن تناول الطعام.
سادتْ دقائق صمت طويلة بيننا تذكرتُ فيها حسام ومعتز وحياة.
ولمّا طال الصمتُ قال عم حسين ليتخلص من براثن الذكرى:
"انسى اللى حصل يا نورا... ابدأي من جديد... قرري هتكملي ولا هتغيري طريقك... انتي لسه صغيرة... وشباب كتير هييجوا يدقوا بابك في النور".
ثم تركني وخرج.
في اليوم التالي عاد بي عم حسين إلى أبي وتركنا وسافر إلى القرية.
وكنتُ في حاجة لأن أستريح، لكن الاستراحة طالتْ.
لأنني لازمتُ السرير أيام، والأيام صارتْ أسابيع.
انقطعتُ عن الجامعة، وكنتُ أتحجج لأبي بالمرض والإرهاق.
ولم أسلم من توبيخات زوجة أبي.
ورغم هزالي الجسمي وجُرحي النفسي كنتُ أقوم بما تأمرني به، ثم أعود إلى سريري فى وهن وفقدان توازن.
وكان أبي يستيقظ في منتصف الليل على صوت صراخي وأنا أنادي على حسام.
وكثرت أسئلة أبي:
"حسام من؟!"
كنتُ فعلا أهلوس وأتحدث مع نفسي في يقظتي وفى نومي، ولا أنام إلا ساعات قليلة، نوم متقطع لا يخلو من كوابيس.
كنتُ أري في كوابيسي حسام يقترب من جسد مسجي مستسلم علي سرير مرتفع، لكنه كلّما اقترب كان يمنعه رجل نحيف الجسم أسمر الوجه مقوس الظهر.
لم يكن الجسد المسجي إلا أنا، ولما يكن الرجل الذي يمنعه سوى الرجل الذي تسيل الدماء من وجهه في التليفزيون.
كنتُ أستيقظ صارخة باسم حسام فأفتح عيني لأرى أبي وزوجته حول سريري، فأسمع زوجة أبي تقول في تلذذ:
"البت ممسوسة يا قاسم".
وكان أبي يربّتُ على كتفي ويحوقل وهو يمدّ يده نحوي بالمصحف الصغير الذي تركه معتز.
ذات نهار استيقظتُ على يد تهزّني وحينما فتحتُ عينيّ رأيتُ مكة تبكي.
كانتْ قد جاءتْ لزيارتي وحين علمتْ بحالي ورأتْ ما أنا فيه لم تتمالك دموعها.
احتضنتني وقبلتني وقالتْ:
"هتخفي يا نورا".
ثم مدتْ يدها ووضعتها على جبهتي وضغطتْ برفق وأخذتْ تقرأ آية الكرسي وأواخر سورة البقرة والمعوذتين، فشعرتُ براحة وسكينة وانتظمتْ دقات قلبي وهدأ روعي.
لاحظتْ مكة الهدوء الذي اعتراني حينما انتهتْ فقالتْ في شفقة:
"أنا لاحظت غيابك من الكلية وسألت عليكي... ابوكي قالي انك تعبانة... بس مكنتش أعرف انك تعبانة أوي كده... فمشيت...لكن لما سألت عنك تاني وابوكي عرف انى زميتلك حكالي عن حالتك".
ثم نظرتْ نحوي وتحسستْ جبهتي وقالتْ:
"مش هطلب منك تحكيلي حاجة... بس لما تكوني حابة تحكي بلاش تترددي".
حكيتُ لها كل شيء.
حكيتُ لها الأسرار التي أخبرني بها عم حسين عن أمي، وحكيتُ ما حدث من حسام في الشقة.
كنتُ أحكي بصوت مرتجف متقطع ووجه عبوس مقتضب.
وكانتْ مكة تشمئز وتقطّب حاجبيها تارة وتستغفر الله تارة وتحمد الله تارة حتى انتهيت، فقالتْ لي:
"ارجعي للى نجاكي يا نورا... ارجعي لربنا... كلنا بنغلط... بس ربنا بيحب اللى لمّا يغلط يرجعله ويتوبله... بس أهم حاجة تكون توبة نصوح... عارفة يعني ايه توبة نصوح... يعني مترجعيش للذنب اللى تبتي منه تاني".
قلتُ في تردد وضعف:
"أنا بشوفه بصورة بشعة في كوابيسي بس لسه قلبي متعلق بيه...لسه بحبه".
قالتْ في لين:
"ومين أولى بالحب ده... الأولي انك تحبي ربنا اللى نجاكي فى اللحظة الأخيرة... تحبيه وتحمديه انه بعتلك فى حياتك إنذارات كتير تحذرك من الطريق اللي ماشية فيه".
قلتُ في براءة:
"أنا بحب ربنا".
قالتْ:
"لو بتحبيه مش هتعصيه... مش هتغضبيه...أنا عارفه إن مشاعرنا مش بنقدر نتحكم فيها أحيأنا... عارفه إن قلبك مليان مشاعر وأحاسيس وشوق... ودا مش عيب... بس طلعيها فى الطريق الصح... طلعيها فى الحلال... طلعيها للى ييجي يطلب ايدك فى النور... ويكون حريص انه يؤجل كل مشاعره هو كمان لحد ما تكتبوا الكتاب...علشان هو كمان يطلع مشاعره ليكي في الحلال... يانورا لو استعجلتي الحلال مش هتحسي بطعمه بعد الجواز".
ثم غيرتْ من نبرتها لتخفف عني:
"ياه لو المشاعر دى كلها تطلع لجوزك... دا يبقى محظوظ ابن المحظوظة".
قلتُ وأنا ابتسم ابتسامة واهنة:
"جوزي مين!؟"
أجابتْ:
"معتز".
قلتُ في غضب:
"بس أنا مبحبوش".
قالتْ مسرعة كأنها تريد أن تخرسني:
"وامك مكنتش بتحب عمك حسين".
وكانتْ فعلا هذه الإجابة كفيلة بأن أخرس وأسرح في خواطري.
تعددتْ زيارات مكة للاطمئنان على حالتي، وكنتُ أشعر بتحسن حينما أراها.
وكانتْ حريصة في كل زيارة أن تنصحني بقراءة آيات من القران والتقرب إلى الله.
وفعلتُ ما نصحتني به، لكن الكوابيس لم تتركني، وصراخي باسم حسام استمر حتى ملّتْ زوجة أبي وتشاجرتْ مع أبي أكثر من مرة.
وحينما طالتْ ملازمتي للفراش وتدهورتْ حالتي وشحب وجهي وذاغتْ عيناي واصفرّتْ وجنتاي قرر أبي أن يخبر معتز.
تفاجأتُ ذات ليلة بأبي يخبرني بأن معتز ووالدته في انتظار السماح لهما برؤيتي في غرفتي:
"رؤية ايه دى... مش هو ملتزم وعامل فيها شيخ".
قلتُها في نفسي وأنا أعدّل من جلستي وأقوكم بإحكام غطاء رأسي.
ثم سمعتُ وقع خطوات.
حينما فتح أبي الباب دقّ قلبي مسرعا.
واقتربتْ منّي والدة معتز وقبّلتني ومسحتْ على حجابي ودعتْ لي بالشفاء وجلستْ بجواري على طرف السرير وهى لا تزال تدعو.
جلس أبي على مقعد مواجه لي، وسمعتُ معتز يُلقي السلام.
ثم جذب مقعدا وأداره ناحية أحد الجدران وجلس عليه.
رددتُ السلام بصوتٍ واهن ضعيف، ورأيتُ والدة معتز تنظر إلى ابنها بغيظٍ واضح.
وسمعتُ معتز يقول:
"ألف سلامة عليكي يا نورا".
فمالتْ أمه نحوه هامسة:
"طيب بص عليها وانت بتكلمها... البنت تقول علينا ايه؟".
لم يكترثْ لملاحظة أمه وقال بلهجة ثابتة واثقة دون أن ينظر نحوي:
"لو سمحتي قولي ورايا".
واخذ يقرأ بعض الآيات وكنتُ أكرر خلفه، كان صوته عذبا رائعا يدعو إلى السكينة فشعرتُ بالراحة.
ثم أخذ يدعو بأدعية كثيرة وقال:
"حافظى على قراءة الآيات دى كل يوم بعد صلاتك يا نورا".
ثم أردف:
"طيب نستأذن احنا يا أمي".
قالتْ الأم في غيظ:
"استني شوية لما اطمن عليها يا معتز... مش عارفة نشفان الدماغ دي جايبها منين".
قال أبي ضاحكا:
"لسه بدري يا باشمهندس... اشرب الشاي الاول".
قال معتز وهو ينهض:
"طيب نشربه في الصالة ونسيب نورا تاخد راحتها".
ثم خرج مع أبي، بينما ظلتْ والدته معي التي قالتْ اثر خروجهما:
"متزعليش منه يا بنتي... هو قعد القعدة دى مش تجاهل منه... لا والله".
ثم تفرّستْ ملامحي وأردفتْ:
"ما عاش اللى يتجاهل عروستنا القمر... بس لو اعرف هو جايب نشفان الدماغ ده منين".
في الأيام التالية حافظتُ على صلاتي وكنتُ أقرأ عقب كل صلاة تلك الآيات التي نصحني بقراءتها معتز.
وداومتُ على قراءة بعض الأدعية التي علّمتني إياها مكة.
تحسنتْ حالتي الجسدية قليلا وزال شحوب وجهي شيئا فشيئا، وبدأتْ نضارة وجهي تعود.
لكن قلبي مازال مجروحا، كنتُ مازلتُ أشعر بأنني تائهة.
مازال قلبي تتسارع دقاته حينما أتذكر حسام رغم كال ما فعله.
وتكررتْ زيارات مكة لتطمأن على حالتي،كانتْ في كل مرة تحكي لي تفاصيل ما يجرى في الكلية، واشترتْ لي الكتب الدراسية، وكانتْ حريصة أن تسهر معي ليلة كل خميس لتذاكر معي ما فاتني من محاضرات.
وتكررتْ زيارات معتز ووالدته، لكن معتز كان يكتفي بالجلوس مع أبي في الصالة، بينما تدلف والدته إلى غرفتي تثرثر ونتحدث ونضحك، كانتْ سيدة طيبة مرحة بلا هموم.
وكانتْ زوجة أبي تُبدي ترحيبا مبالغا فيه لأسرة معتزة لا حبا طبعا، ولكن لأن إتمام الزواج هو الطريقة الوحيدة للخلاص مني.
تحسنتْ صحتي وذهبتُ إلى الجامعة خائفة متوترة.
تذكرتُ اليوم الأول الذي دخلتُ فيه مدرج الكلية، لأنني شعرتُ بنفس الارتباك.
كان العام الدراسي على وشك الانتهاء، والامتحأنات على الأبواب.
في المحاضرة كنتُ منزوية بعيدا في أخر المدرج.
كنتُ أستمع لأستاذ المادة بأذنيّ لكن قلبي كان يبحث عن حسام.
ولاحتْ لي ذكرى تلك الليلة التي شربتُ فيها العصير وغبت عن الوعي.
كانتْ الأسئلة التي تتكرر بداخلي:
هل حسام فعلا كان ينوي فعلها؟
وما الذي منعه؟
هل عاد له ضميره في اللحظات الأخيرة؟
ولماذا اختفي من الكلية؟
عرفتُ مع الأيام انه ترك الجامعة وانتقل إلى جامعة عين شمس.
لم تختفِ شيرين، فقد رأيتها أكثر من مرة في الجامعة، ورأيتُ أحمد وشريف، ولم أجرأ يوما أن أسال أحدا منهم عن اختفاء حسام.
انتهتْ الامتحأنات وحضر عم حسين إلى شقة أبي، وكنتُ متوقعة أنني سأعود معه إلى القرية لأقضي الإجازة الصيفية، لكن ما حدث لم يكن في حسابني.
في نفس اليوم الذي حضر فيه عم حسين قدم لي فستأنا أنيقا جميلا وطلب مني أن أرتديه، فظننتُ أننا سنعود للقرية.
وحين جاء المساء كنتُ في غرفتي، كنتُ أسمع صوت أناسٍ يتحدثون مع أبي في الصالة.
سمعتُ طرقات متعجلة على باب غرفتي، وما إن فتحتُ الباب حتى رأيتُ مكة تدلف غرفتي مبتسمة.
ثم أوصدتْ الباب واحتضنتني وقالتْ:
"عندي خبرين حلوين يا شابة".
قلتُ فرحة:
"خير فرحيني معاكي".
قالتْ بعد أن قبّلتني في كلتا وجنتي:
"احنا نجحنا يا بت".
فابتسمتُ وفرحتْ ثم سقطتْ دموعي فجأة، فقالتْ مكة مسرعة:
"بقولك نجحنا مش اتطلقنا".
فجففتُ دموعي واحتضنتها وقلتُ:
"انتي ساعدتيني ووقفتي جمبي كتير وكنتي تضيعي وقتك وتيجي تجبيلى المحاضرات وتذاكري معايا".
قالتْ في تنهيده ساخرة:
"ارجوكي لا داعي للتصفيق... نحن نعمل في صمت".
ثم لكزتني وقالتْ في مرح:
"يخرب عقلك كنتي هتنسيني الخبر التاني".
قلتُ مبتسمة:
"اه صحيح إيه الخبر التاني؟".
أجابتْ وهي تغمز بإحدى عينيها:
"هتعرفي بعد شوية".
كدتُ أن أقول شيئا لكنني صمتُ حينما سمعتُ صوت زوجة أبي يأتي من الصالة تقول:
"تفضلوا".
قالتْها بعد أن أطلقتْ زغرودة طويلة لها ذيل، فسقط قلبي بين ضلوعي، وسقطتْ دموعي وقلتُ:
"ماشآء الله... يعني أنا بقا آخر من يعلم... أنا مش هجوزه".
قالتْ مكة في جدية:
"ومين قالك اجوزيه... دى خطوبة... يعني هتتعرفوا على بعض أكتر".
قلتُ في غضب:
"اتعرف عليه واقعد معاه واتكلم معاه... مش دا حرام... مش دا كلامك؟".
قالتْ وهي تبتسم:
"ما هو أنا لو جاوبت على سؤالك ده يبقى هحرق المفاجأة".
قلتُ ساخرة:
"هو فيه مفاجآت تاني اكتر من إني هتخطب من غير ما أعرف".
وقبل أن ترد سمعتُ مَنْ يطرق باب غرفتي، وبعد لحظات دخل عم حسين واستأذنتْ مكة بالخروج.
اقترب عم حسين منّي وأمسك بيدي وقال:
"هسألك 3 أسئلة".
ضغط على يدي ونظر في عيني وقال:
"تعرفي حد حبك أكتر منّي؟".
أومأت برأسي علامة النفي، فقال:
"بتثقي فيا؟".
أومأتُ برأسي إيجابا، فقال:
"تسمحيلي اختار معاكي طريقك؟".
قبل أن أرد نهض وهو مازال يقبض على يدي في لطف، فنهضتُ وسرتُ معه إلى الصالة التي ازدحمتْ بالمهنئين والجيران والأصدقاء.
رأيتُ والدة مكة ووالدة معتز ووفاء وأبي ورجلا أخرا أعتقد أنه من سكان الطابق الثاني.
كان معتز متأنقا في بذلة سمراء تحتها قميص أبيض اللون دون رابطة عنق.
ولاحتْ لي من بعيد زوجة أبي سعيدة وهي تبرطع من الصالة إلى المطبخ لإحضار المشروبات، فقلتُ في نفسي:
"دى انتي فرحانة اكتر من العريس نفسه".
وابتسمتُ حينما رأيتُ من بعيد مكة تقف في المطبخ وتساعد زوجة أبي.
كتمتُ ابتسامتي وسمعتُ معتز يقول وهو ينظر نحو أبي:
"يا عمي بعد أذنك أنا قلتلك خلي نورا والستات لوحدهم...وأنا وانت مع الرجالة لوحدنا لحد ما المأذون ييجي".
"يالهوي...مأذون... اه علشان كده مكة قالتْ لو جاوبتك هبقي بوظت المفاجأة... يا سلام على المفاجآت".
قلتُ ذلك في نفسي، وسمعتُ زوجة أبي تقول وهى تقدّم المشروب العاشر لمعتز:
"رجالة ايه اللى وحدهم وستات ايه اللى وحدهم يا خويا؟... دى ليلة في العمر خلينا نفرح".
قالتْها ثم زغردتْ، فقلتُ في نفسي وأنا أكتم ابتسامتي:
"اشرب بقا يا شيخ معتز".
وهنا سمعتُ دقات على باب الشقة، فاتجهتْ زوجة أبي تتمايل وهي تزغرد وحينما فتحتْ الباب ورأتْ المأذون أطلقت زغرودة أخرى وهى تتقصع وتتمايل فقلتُ في نفسي:
"اقطع دراعي لو كنتي فرحتي الفرحة دى لما أبويا اجوزك".
تم كل شيء سريعا، وبين لحظة وأخرى صرتُ زوجة لمعتز.
نعم زوجته، هو الآن زوجي، يملكني، ويملك كل شيء فيّ إلا قلبي الذي مازال متعلقا بحسام.
بعد أقل من ساعة انفضّ السيرك، غادر الحضور ومعهم عم حسين الذي أخبرني أنه سيبيت عند كوثر.
واستأذن أبي وذهب لغرفته وكانتْ زوجته قد سبقته.
وجدتُ نفسي وحيدة مع معتز، ساد صمت لم نسمع فيه إلا دقات الساعة الكبيرة المستقرة على الحائط.
ثم قال معتز فجأة:
"إن شاء الله ربنا يوفقني وأسعدك وأكون الزوج الصالح ليكي".
لم أرد، فقال من فوره:
"ألف مبروك يا حبيبتي".
قلتُ في غيظ:
"حبيبتك؟! ... لحقت تحبني؟".
أجاب مبتسما:
"أنا بحبك من زمان".
قلتُ متعجبة:
"زمان إزاي يعني؟".
أجاب:
"من ساعة ما شفتك وانتي نازلة من عند مكة".
قلتُ ساخرة:
"ومش حرام برضه تبص على البنات اللى طالعة واللى نازلة".
أجاب:
"لا مش حرام... لو هبص علشان اجوزك مش حرام...
لمّا والدتي رشحتك لي وكانتْ مرتاحة ليكي مكنتش أعرفك ولا شوفتك... وفي مرة وانتي طالعة عند مكة... والدتي جات قالتْلى انك فوق... وكان لازم أبص عليكي وانتي نازلة... سألت عنك وعن أخلاقك وعملت استخارة... وخدت القرار".
قلتُ في غيظ:
"طيب وأنا... مش المفروض أنا كمان يكون لي قرار؟".
أجاب مسرعا:
"جايز تكوني مش بتحبيني... بس عارف انك هتحبيني لمّا نقرب من بعض... ومش هسمح لنفسي نقرب من بعض إلا في الحلال... علشان كده طلبت من والدك تكون خطوبة وكتب كتاب".
لم أتكلم ولم يتكلم، ساد صمت قصير ثم اقترب منّي وقبّل جبهتي فارتبكت وقلتُ في نفسي:
"هو الشيخ معتز تحول 180 درجة كده إزاي.. مش دا اللى كان بيبص في الأرض لمّا يشوفني".
قال وكأنه عَلِمَ بما يدور في عقلي:
"من ساعة فاتت مكنش ينفع أبص عليكى... دلوقتي بشرع ربنا سبحانه وتعالى انتي مراتي...بس متخافيش..استحالة اعمل حاجة قلبك مش موافق عليها".
هنا تذكرتُ ما كان يقوله حسام:
"سيبي قلبك هو اللى يتكلم".
غادر معتز وجلست وحيدة في الصالة، فتحتُ التليفزيون وشردتُ في خواطري لا أصدق أنني أصبحت زوجة لشخص لا أحبه.
ورأيتُ على شاشة التليفزيون الإرسال قد انقطع وظهر المشهد المعتاد:
"ايه الملل ده؟!".
انتظرتُ حتى ينتهي المشهد متوقعة أن يحدث جديد، لكن المشهد انتهي دون جديد.
الرجل قصير القامة نظر نحوي عبر الشاشة وقال متوسلا بينما الدماء تسل على جبهته:
"انقذيني".
التقطتُ جهاز التحكم عن بعد ( ريموت كنترول ) وهممتُ أن أغلق التليفزيون، لكن تراختْ يدي قبل أن أطفأه.
فتحتُ فمي من الدهشة حينما رأيت أن الإرسال قد انقطع مرة ثانية، وظهر على التليفزيون مشهد أعرفه جيدا، رأيت نفسي فاقدة الوعي بين ذراعي حسام وهو يضعني على سرير.
ثم نظر الي جسمي الممدد، ونزع حجابي ومد يده إلى ملابسي، ثم تسمر مكانه حينما رأي على الجانب الأخر من السرير الرجل الأسمر قصير القامة وهو يبتسم، فسقط حسام مغشيا عليه.
ثم اقترب الرجل إلى الشاشة وقال كأنه يحدثني:
"أنا انقذتك... انقذيني انتي كمان... نفسي ارتاح".
ثم عاد الإرسال.
فى تلك الليلة لم تفارقني الكوابيس، رأيتُ نفسي أردتي فستان زفاف أنيقا وأجلس على مقعد مرتفع، والحضور يتمايلون مع أنغام الموسيقى، وزوجة أبي تزغرد، ووجه أمي يبتسم في الفراغ.
وحينما نظرتُ على يساري لأرى عريسي وجدته، وجدتُ حسام في بذلة العريس، أنيقا يبتسم لي ابتسامته الجذابة، فدقّ قلبي فرحا، وقبل أن أميل ناحية حسام شعرتُ بمن يضع يده على كتفي الأيمن، فنظرتُ للناحية اليمنى فرأيتُ معتز يجلس على مقعد بجواري وقد ارتدى هو الآخر بذلة زفاف أنيقة.
فجأة لم أجد الحضور والمهنئين، كان معتز يشدّني لناحية اليمين ليظفر بي زوجة، وحسام يشدّني ناحية اليسار ليظفر بي زوجة.
ثم تركاني واقترب كل منهما الآخر، وغابا في شجار مميت، ثم رأيتُ رجلا خلف معتز يشجعه، وخلف حسام رجلا اخر يشجعه.
اشتدّ القتال بينهما اثر التشجيع وتصفيق الرجلينِ المشجعينِ، وحينما دققتُ النظر في كلا الرجلين خُيلَ لي أن الرجل الذي يشجع حسام هو الرجل الذي أراه على شاشة التليفزيون وقد هوي بقطعة من حديد ليشج رأس الثاني، والرجل الذي يشجع معتز هو ذلك الرجل الذي رأيته على شاشة التليفزيون وقد شُجتْ رأسه وسالتْ الدماء على جبهته.
في صباح تلك الليلة استيقظتُ على صراخ وعويل وشهيق فخرجتُ من غرفتي مزعورة حافية القدمين بثياب نومي لأري زوجة أبي منهارة وقد انفلتتْ أعصابها وحينما سألتها عن السبب علمتُ أن أبي قد مات.
رواية نصف انسانة الفصل الرابع عشر 14 - بقلم السيد عبد الكريم
مات أبي، ومنذ أن مات وأنا أتجاهل السؤال الذي يدور بداخلي: هل حزنتُ عليه؟
أتجاهل هذا السؤال لأن إجابته أليمة عجيبة، أنا لم أحزن على فقدان أبي، لأني لم أشعر يوما أنه أبي.
حينما كنتُ أنام في برد الشتاء وينزلق غطائي لم أشعر بيد تشد غطائي لتغطيني.
حينما كنتُ أعود بدرجات نجاحي في الثانوية لم أجدْ من ينهال عليّ بالقبلات مغدقا عليّ الهدايا لتفوقي.
حينما اشتدّ فوق رأسي وهج الصيف لم أجدْ من يظلني.
حينما دقّ قلبي بالحب لأول مرة لم أجدْ من أحدثه وأفضض له.
حينما مرضتُ وحيدة في قريتي لم أجد من يداويني.
وتلك اليد التي تشد علينا غطاءنا في الشتاء وتظلنا من سعير الصيف وتقدم لنا الدواء في مرضنا هي الأب.
تلك الكلمة المختصرة اختفتْ من قاموسي منذ طفولتي.
هذان الحرفان المبعثران المتناسقان المتناغمان الموسيقيان المحببان (الألف والباء) فقدا قيمتهما في حياتي.
ولم أجد مخلوقا في عالمي الصغير جديرا بهذين الحرفين إلا عم حسين.
لم أزرف الدموع ولم ينقبض قلبي ولم أجد ذكريات يعاودها عقلي بشأن أبي.
لكن حزني الوحيد كان بسبب ما ينتظرني من زوجة أبي.
ولم يمر شهر واحد حتى قالتْها سعاد صريحة جلية:
ـ أبوكي مات.
أنا أعرف ما ترمي إليه، هي تريد طردي.
لم أكنْ أتوقع أن تطردني بهذه السرعة.
قلتُ لها وأنا اصطنع الغباء:
ـ ربنا يرحمه ويصبرك يا مرات أبويا.
قالتْ في مكر:
ـ أنا قصدي انك تشوفي مكان تعيشي فيه يا حبيبتي.
قلتُ مبهورة الأنفاس في قلق:
ـ إزاي يعني؟ مش أنا بنته ولي حق أعيش معاكي في شقة أبويا.
قالتْ وهي تُخرج من صدرها ورقة صفراء قديمة:
ـ الشقة باسمي يا عنيا.
قالتْها وهي تضع الورقة تحت أنفي، قرأت الورقة في ارتباك وأسى، وعرفتُ أنه قد استأجر الشقة فى بداية الامر، ثم اشتراها من الحاج سعيد، ثم باعها لزوجته.
كنتُ أتوقع هذا، لكن سبب قلقي وارتباكي أنني أين سأعيش؟
قلتُ وأنا أعيد لها الورقة:
ـ بس أنا هنا وحيدة ومعرفش حد... استحمليني لحد ما أخلص جامعة وهرجع القرية... وأوعدك إني هعيش هنا خدامة ليكى ولوفاء أختي.
قالتْ بعد أن مصمصتْ شفتيها:
ـ تخلصي جامعة!!! يا حبيبتي أنا هبيع الشقة وبحقها هاخد الشقة اللي قدام شقة ماما.
قلتُ في نبرة لا تخلو من مذلة:
ـ طيب وأنا هعيش فين؟
أجابتْ دون تفكير:
ـ انتي ناسية انك على ذمة راجل.
سألتُ في استغراب:
ـ إزاي يعني؟
أجابتْ:
ـ معتز... جوزك... طالما كتبتوا الكتاب يبقي على الورق انتي مراته وقدام الناس انتي مراته وقدام ربنا انتي مراته.
سقطتْ دمعة جاهدتُ في كتمانها وأنا أقول:
ـ طيب خليني معاكي لحد ما تبيعي الشقة.
قالتْ وهي تحرك خصلات شعرها بأصابعها:
ـ وحياتك هجيب سمسار من الشهر اللى جاي.
ثم التقطتْ جهاز التحكم عن بعد (ريموت كنترول)، وقالتْ دون أن تنظر نحوي:
ـ هصبر عليكي أسبوع واحد تكوني دبرتي أمورك... أنا هروح عند ماما بكرة وهرجع الخميس اللى جاي... أجي الاقيكي مشيتي.
قلتُ ساخرة:
ـ أسبوع؟!
قالتْ:
ـ كنت ناوية اطلعك من الشقة انهارده... بس خليها أسبوع علشان خاطر المرحوم.
نهضتُ وتوجهتُ إلى غرفتي فسمعتها تقول:
ـ متنسيش... لما تمشي ابقي سيبي مفتاح الشقة مع توحيدة... اللي ساكنة تحتنا.
في اليوم التالي غادرتْ سعاد وذكرتني بما قالتْه ليلة أمس فأومأت لها موافقة، وجلستُ في الصالة أبكي.
تذكرتُ أمي ونصائحها، كانتْ توصيني بأن أقابل السيئة بالحسنة وأن القناعة كنز، وأن الفقر مش عيب، وأن الأخلاق هي ما تدوم، وأن الحياء هو كنز الفتاة الحقيقي وأن المجتمع رحيم.
وبعد أن رأيت المجتمع وقسوته أود أن أصرخ في وجه أمي وأخبرها أنها كاذبة، نعم كاذبة.
أين هو المجتمع الذي يرحم؟
لماذا لم ترحمني زوجة أبي؟
ولماذا لم يُعجب حسام بكنزي الحقيقي؟ أقصد حيائي.
تذكرتُ حسام وخطرتْ ببالي فكرة.
سأتصل به، نعم كيفَ غاب عني هذا؟!
أخرجتُ هاتفي وبحثتُ عن اسمه، سأخبره أنني لا أستطيع نسيانه رغم كل شيء.
ارتعشتْ يدي وأنا أضغط على زر الاتصال، ثم قلتُ:
ـ حسام... عامل إيه؟
فسمعتُ مَنْ يقول:
ـ حسام مين؟
فعلا ليس صوته، هل قام بتغيير رقم هاتفه، لماذا؟
قال الصوت على الجانب الأخر:
ـ عايزه مين حضرتك؟
أجبتُ في تلعثم:
ـ مش دا رقم حسام عبد المجيد.
أجاب:
ـ لا النمرة غلط... أنا مش حسام... ينفع حسن؟
أغلقتُ الخط وأنا أبكي، ثم سمعتُ سقوط أحد الأطباق بالمطبخ فقفزتُ مترين للأعلى وهرولتُ إلى المطبخ.
رأيتُ موقد البوتاجاز مشتعلا وعليه مقلاة كبيرة الحجم بداخلها أسماك تبقبق.
أسرعتُ إلى الصالة وأدرتُ محطة التليفزيون على قناة القران الكريم، ثم هرعتُ إلى غرفتي وارتديتُ ثوب الخروج على عجل وثبّتُ حجابي على رأسي وأنا ارتعش.
خرجتُ راكضة فاصطدمتْ قدمي بحافة السرير، شعرتُ بألم شديد، سقطتُ ونهضتُ بصعوبة وأنا أبكي.
خرجتُ إلى الصالة أركض على قدم ونصف قدم، تركتُ جهاز التليفزيون يعمل، وحينما فتحتُ باب الشقة كنتُ أسمع بقبقة الأسماك في الزيت وصوت رجل يغني قائلا:
صيادين والرزق كتير صيادين...
صيادين
صيادين والرب كبير صيادين...
صيادين
بنحبوك يا ساكن بحري صيادين.. صيادين
كانتْ الأغنية ذات إيقاع موسيقي شعبي باعث للنشاط، وكلماتها تحث على التوكل على الله في طلب الرزق.
هبطتُ درجات السلم متلاحقة الأنفاس وأنا أطوي ثلاث درجات في الوثبة الواحدة، وحينما وصلتُ لمدخل البناية توقفت التقط أنفاسي فوجدتُ الدماء تسيل من قدمي.
تحاملتُ وأسرعتُ حثيثة الخطي، وما هي إلا دقائق حتى كنتُ أطرق باب شقة مكة طرقات متتالية سريعة، وما إن فتحتْ مكة الباب حتى سقطتُ مغشيا عليّ فاقدة الوعي.
الساعة الحادية عشرة مساء فتحتُ عينيّ لأري نفسي ممدة على سرير، وعلى يميني شخص ما يقبض على يدي، ومن خلفه سيدة دامعة العينين.
سمعتُ السيدة تقول:
ـ حمد الله علي سلامتك يا نورا.
حينما دققتُ النظر عرفتُ أنها والدة معتز.
قال معتز وهو يقبض على يدي أكثر:
ـ اطمني انتي بخير.
علي الناحية اليسرى سمعتُ مَنْ تقول:
ـ سلامتك يا نورا... كده تخضينا عليكي.
كانتْ المتحدثة هي مكة التي كانتْ تجلس بجوار والدتها.
قلتُ بصوت لا يكاد يكون مسموعا:
ـ أنا فين؟!
قال معتز في عطف:
ـ متقلقيش... شوية وهنروح.
هنا دخلتْ إحدى الطبيبات، فأفسح معتز لها الطريق.
اقتربتْ منيّ الطبيبة ونزعتْ من يدي إبرة كانتْ تحمل خرطوما صغيرا ثم قالتْ:
ـ تقدروا تروحوا...بس الغيار على الجرح كل يوم لمدة 4 أيام.
قلتُ في هلع:
ـ جرح؟! جرح إيه؟
أجابتْ الطبيبة قائلة:
ـ 6 غرز في كعب رجلك... نزفتي كتير لاني مشيتي على رجلك المجروحة... على العموم ترتاحي وتلتزمي بالعلاج... وتيجي بكرة نغيرلك على الجرح.
هنا تذكرتُ تعثري في طرف السرير الحاد، والدم الذي رأيته يسيل من قدمي في مدخل البناية، وكيفَ ركضتُ على قدمي المجروحة حتى وصلتُ إلى شقة مكة.
غادرتْ الطبيبة بعد أن أعطتْ معتز بعض الأوراق، ثم تقدم نحوي وهو يقول:
ـ اتكي عليا لحد تحت... العربية مستنية.
خرجنا من المستشفي وكانتْ سيارة أجرة في انتظارنا، بعد قليل توقفتْ السيارة في أول الحارة.
قالتْ والدة مكة:
ـ خليها تطلع تبات مع مكة يا معتز.
قال معتز:
ـ لا يا خالتي... عندنا وعندكم واحد.
قلتُ في نفسي:
ـ يالهوي... ايه ده... هو بيقول ايه؟!
ثم قلتُ مسرعة في ضعف:
ـ لا لا... أنا هروح.
قالتْ والدة معتز وهي يفتح باب السيارة:
ـ ترروحي فين يا نورا وانتي تعبانة كده؟
ثم تذكرتُ الرعب الذي رأيته في شقة أبي، لذلك وافقت.
في شقة معتز تمددتُ على سرير صغير، كنتُ في غرفة أنيقة متوسطة الحجم، ليس معي سوي مكة التي قالتْ:
ـ خضتينا عليكي... احكيلي اتعورتي إزاي.
قلتُ في ضعف:
ـ قوليلي انتي الاول... الدكتورة قالتْلكم إيه؟
أجابتْ:
ـ انخفاض في الدورة الدموية ودا اللى سبب الإغماء..دا غير الجرح اللي في رجلك.... قوليلى إيه اللى حصل بالضبط؟
حكيتُ لها ما قالتْه لي زوجة أبي، وما حدث معي في المطبخ والصالة وسقوطي على الأرض بعد تعثري في حافة السرير فقالتْ:
ـ بصي...انتي لازم تحكي لمعتز على كل حاجة.
قلتُ وكنتُ قد نسيتُ أنني في شقتهم:
ـ يالهوى..احكي إيه...أنا أصلاً مش عارفه هبات هنا ازى مع واحد....
قاطعتني قائلة:
ـ واحد جوزك.
ثم ضحكتْ وهي تُكمل:
ـ دا لمّا عرف ساب كل اللي في ايده وقفل المحل وجه جري هو وأمه وخدك على المستشفي.
ثم دلفتْ إلى الغرفة أم معتز من خلفها أم مكة.
قالتْ والدة معتز:
ـ مكة كفاية عليكي كده روحي مع مامتك...احنا سهرناكم وتعبناكم.
قالتْ مكة:
ـ متقوليش كده يا خالتي...لولا إن الباشمهندس أصرّ إن نورا تبات هنا احنا كنا هنشيلها فى عنينا.
قالتْ أم معتز:
ـ ربنا يبارك في عمرك يا بنتي.
قبّلتني مكة، وصافحتني والدتها وغادرا، ثم جلستْ والدة معتز بجواري وقالتْ:
ـ هجيب الأكل واجيلك عبال ما معتز يكون جه من تحت.
قلتُ مسرعة:
ـ لا لا...أنا مش جعانة.
هنا سمعتُ معتز يقول ويبدو أنه سمع حديثنا:
ـ خليكي هنا انتي ياست الكل وأنا اللى هجيب الاكل.
ثم وضع مجموعة من الأدوية وخرج، ثم عاد بعد لحظات وبين يديه صينية صغيرة عليها طعام وقال وهو يضعها على سريري:
ـ بصي بقا...العلاج فيه مكسنات وأقراص ومضاد حيوي فلازم تاكلي..عايزك تخلصي الأكل ده كله.
ضحكتْ والدته وقالتْ وهي تخرج:
ـ وأنا هقوم أعمل الشاي.
كنتُ محرجة مرتبكة ضعيفة ولم أتكلم فقال من فوره:
ـ أنا هخرج علشان تاكلي براحتك... لو احتجتي اى حاجة اندهي.
قلتُ في ارتباك وخجل وضعف:
ـ شكرا.
كنتُ أتناول الطعام وأنا شاردة الذهن شاعرة بدوارخفيف برأسي وألم في قدمي، كيفَ سأبيت هنا؟
لا أستطيع أن أعيش حياتي الطبيعية هنا؟
كيفَ سأبدل ملابسي وأصلي، وأقضي يومي هنا؟
ياله من كابوس!
حينما فرغتُ من طعامي سمعتُ طرقات على الباب فقلتُ:
ـ تفضل.
دلف معتز إلى الغرفة وهو يقدّم لي مشروبا من العصير ثم قال:
ـ أنا وأمي هنشرب شاي... بس أنا عملتلك عصير.
قلتُ في صوت أشبه بالهمس:
ـ شكرا.
وتذكرتُ حسام حينما كان يحضر لي في كل مرة عصير الفراولة.
رأيتُ معتز وقد حمل صينية الطعام الفارغة وقال:
ـ دا بيتك... خدي راحتك.
استدار ناحية الباب وقبل أن يخرج نظر نحوي وقال:
ـ لو مصلتيش العشا ابقي صليه حتى وانتي قاعدة...على فكرة أنا هبات بره علشان تتحركي براحتك.
قالها ثم خرج.
شربتُ العصير ورحتُ أجول بعينيّ الحجرة، كنتُ أرى نافذة مسدول عليها ستارة كبيرة ذات لون أبيض، على اليسار مكتب صغير عليه مجموعة من الكتب خلفه دولاب ملابس، وعلى اليمين بالقرب من السرير منضدة عليها زهرية وكتب وزجاجة مياه، وبجوار المنضدة باب الغرفة.
طرقتْ والدة معتز الباب ثم دلفتْ قائلة:
ـ أنا هنام بقا يا نورا... اندهي عليا لو احتجتي حاجة.
قلتُ سائلة:
ـ هو معتز هيبات فين؟
أجابتْ:
ـ هيبات تحت في المحل.
قلتُ:
ـ طيب وليه؟..... كان بات هنا وأنا كده كده بكره هرجع البيت.
قالتْ:
ـ لو سمعك بتقولي كده هيزعل... هو مش هيسيبك تروحي إلا لمّا تخفي خالص.... ولا انتي زهقتي مننا من أول ليلة؟
قلتُ على الفور:
ـ لا لا مش كده خالص...أنا أصلاً محرجة أوي إني تعبتكم... ومش عارفه هينام إزاي في المحل في الحر ده؟
أجابتْ:
ـ المحل فيه مروحة وهو أخد معاه غطا وفراش.
نمتُ ليلتي في سكون عميق، لم تهاجمني الكوابيس، ولم تهزني يد زوجة أبي صباحا وهي تطلب مني طنا من الأعمال من تنظيف وغسل وطهي.
حينما استيقظتُ صباحا لم أجد ما أفعله، وخجلي منعني من أن أخرج من غرفتي بعدما ظننتُ أن والدة معتز مازالتْ نائمة.
نهضتُ وتحاملتُ على قدمي وجلتُ في الحجرة، ثم جلستُ على المكتب الصغير ورحتُ أتصفح الكتب.
كانتْ عن الهندسة وعن القوي الميكانيكية، وبعض دواوين المدائح النبوية لأحمد شوقي، وبعض الكتب التاريخية، وخطب منبرية عليها شعار وزارة الأوقاف.
كنتُ شاردة وأنا أتصفح عناوين تلك الكتب، ثم أفقتُ من شرودي اثر سماعي طرقات على باب الغرفة، ولمّا طالتْ الطرقات دون أن يدخل صاحبها قلتُ:
ـ تفضل.
ـ ما شاء الله... انتي انهارده أحسن بكتير.
قالها معتز متهللا في حبور بعد أن رآني أجلس على مكتبة.
توترتُ قليلا فلم أكنْ أتوقع مجيئه مبكرا في هذا الوقت وقلتُ:
ـ الحمد لله أحسن.
ثم أردفتْ:
ـ هي الساعة كام دلوقتي؟
أجاب بسؤاله:
ـ هو تليفونك مش معاكي؟
قلتُ مرتبكة:
ـ لا...أصـ ....أصلي نسيته في الشقة.
قال بعدما جلس على طرف السرير:
ـ طيب وبتسألي ليه على الساعة؟... وراكي مشوار.
قلتُ وأنا انظر إلى الكتب التي تستقر على المكتب:
ـ لا...عادى يعني.
قال في مرح:
ـ بصي...طالما قدرتي تقومي وتتمشى كده على رجلك... يبقى زى الشاطرة تقومي تتوضى... وعند كعب رجلك تمسحي على الضمادة وتيجي تصلي عبال أنا ما أكون جبت الفطار من تحت.
ثم أكمل وهو يبتسم:
ـ على فكرة أنا هجيب الفطار من تحت... يعني مش هكون موجود في الشقة... علشان عرفك بتتكسفي...يلا خدى راحتك.
فقلتُ بصوتٍ منخفض:
ـ حاضر.
نهض واستدار وسمعته يقول:
ـ يا سلام...أول مرة أشوف واحدة بتتكسف من جوزها.
وحينما أنهى جملته وهو يوصد الباب خلفه كنتُ ابتسم.
بعد قليل دلفتْ الغرفة والدة معتز واطمأنتْ على حالتي وأخبرتني أنها مستيقظة منذ ساعة لكنها رفضتْ أن تيقظني حتى لا تزعجني.
أخبرتها أنني أريد الصلاة، فأصرتْ أن اتكأ عليها ولم تتركني لا وأنا على سجادة الصلاة وخرجتْ.
حينما انتهيتُ من صلاتي شعرتُ براحة كبيرة، ورحتُ أفكر في تلك الأسرة الصغيرة، وكيفَ يعيشان في هدوء وترابط، معتز بدا لي ودودا شهما...
لكن...أه.....مازلتُ أحب حسام...ومهما فعل معتز فان هناك أوتارا في قلبي لا يستطيع أن يهزها إلا حسام.
ذلك الشعور الغريب العجيب وتلك الأحاسيس المتضاربة المحببة لنفسي لا أشعر بها إلا مع حسام.
حسام.......أين أنتَ يا حبيبي؟
لماذا فعلتَ ذلك معي؟
لماذا جعلتني أعشقك وكنت تخطط لي الشر؟
هل كنتَ غائبا عن وعيك وقتها؟
هل كانتْ نزوة في ساعة ضعف ثم قررتَ الابتعاد حينما أحسستَ بالذنب نحوي؟
هل كنتَ تنوى أن تتزوجني أم كنتَ تتسلي بي؟
ثم تذكرته حينما كان يرقص مع شيرين وحينما جذبني من يدي وركضنا مثل الأطفال لنركب المرجيحة.
يا لها من ذكريات!
كنتُ بين يديه كالدمية المسحورة يقلبني بكفيه كيفَ يشاء:
ـ سيبي قلبك هو اللي يتكلم...
ـ يظهر إني هحب كتابة الأبحوث....
ـ قوليها بلسانك ولو مرة واحدة يا نورا...
ـ انتي حلوة من غير مكياج.......
ـ ثمرة الفروالة بتفكرني بقلبي المسكين اللي هي مش حاسة بيه....
شعرتُ بسائل ساخن يبلل شفتيّ وأنا أتذكر كل هذا، لم يكن هذا السائل سوى دموعي التي انهمرتْ دون إرادة منّي.
سمعتُ مَنْ يطرق الباب، فقلتُ وأنا أجفف دموعي:
ـ تفضل.
دلفَ معتز يحمل الفطور وحينما رأى أثر الدموع في عينيَ وعلى وجنتيَ تغيرتْ ملامح وجهه ثم وضع صينية الطعام الصغيرة على السرير وقال في لطفٍ وعطف:
ـ دموع؟... مالك يا نورا؟
قلتُ مسرعة في عدم ثقة:
ـ لا مفيش.
قال في أسى وتأنيب نفس:
ـ فيه اى حاجة دايقتك مني؟.... على فكرة أنا هطمن عليكي وهنزل المحل ومش هطلع إلا بالليل... يعني قعادي هنا مش هيكون كتير.
قلتُ وأنا أنهض من على سجادة الصلاة:
ـ ليه بتقول كده؟!... ولو كان على دموعي فأنا طبيعتي كده... بعيط كتير من غير سبب.
قال وهو يُشير لي كي أجلس بجوار الطعام:
ـ بصي يا نورا... أنا مش صغير... أنا عارف انك مدايقة إننا كتبنا الكتاب من غير فترة تعارف وتقارب... بس ياستي أنا مكنش ينفع اقرب منك إلا في الحلال زى ما قلتلك... وعامة اعتبرينا في فترة الخطوبة... وبعد فترة الخطوبة لو لسه مش مرتاحة أنا هختفي من حياتك.
قلتُ وأنا أنظر بعيدا:
ـ الموضوع...
قاطعني قائلا:
ـ الموضوع انك متتكلميش وتاكلي علشان تاخدي العلاج... وعلى المغرب كده هتيجي ممرضة تغيرلك على الجرح.
قلتُ:
ـ بس مش الدكتورة قالتْ نروحلها المستشفى تغيرلى على الجرح؟
أجاب:
ـ أنا اجيبلك المستشفي كلها هنا... المهم انك تكوني بخير.
ثم استدار وقال وهو يخرج:
ـ أنا في الصالة هفطر مع أمي... لمّا تخلصي فطار خبطي على الباب من جوه عشان أجي.
حينما انتهيتُ من فطوري فتحتُ الباب وحملتُ الصينية بعد أن قررتُ أن أخدم نفسي لأخفف عنهما أعباء إقامتي معهم.
وما إن رآني أحمل الصينية حتى هرول نحوى وقال معاتبا وهو يحملها عنّي:
ـ لا لا كده ازعل... انتي تستريحي وأنا هعمل كل حاجة.
شعرتُ بالحرج من حسن معاملته ودلفتُ إلى حجرتي، ثم طرق الباب ولم يدخل إلا بعد أن سمعني أسمح له بالدخول.
جذب زجاجة دواء وأفرغ جزء منها في ملعقة ثم ناولني إياها وهو يقرأ بطريقة مضحكة:
ـ اه... دي مرة بعد الفطار...تمام تمام...استني...قولي بسم الله الشافي المعافي... شاطرة شاطرة.
ثم أخرج قرصا مسكنا وآخر مضادا حيويا ووضعهما في كف يدي وهو يقرأ بطريقة مضحكة:
ـ 3 مرات يوميا بعد الأكل..يا سلام...مظبوط مظبوط... كده تمام... لا...خديهم حباية حباية... استني نسيت الميه... نستيني الميه يا نورا.
ثم قام بصب أناء الماء في كوب وناولني إياه.
ثم أعاد الأدوية إلى المنضدة وقال وهو يهمّ بالخروج:
ـ بعد الغدا تاخدى من الأقراص بس... أنا هخلص شغل في المحل..وهصلي الضهر فى الجامع...بعدها رايح شغل بره وهرجع بالليل... محتاجة اى حاجة اجبهالك معايا.
قلتُ سائلة:
ـ هو انت بتعمل كده ده معايا ليه؟
بدا العجب على وجهه من السؤال لكنه أجاب:
ـ لو مش هعمل كده مع مراتي...قصدى مع خطيبتي...اومال هعمله مع مين؟
ابتسمتُ رغما عنّي فقال حينما رأي ابتسامتي:
ـ هو ينفع أعاكس؟
قلتُ في غباء:
ـ إزاي يعني؟
أجاب:
ـ ابتسامتك حلوة أوى.
قالها ثم خرج.
فى منتصف النهار حضرت مكة للاطمئنان على حالتي، واعتذرتْ عن تأخرها في المجيء بسبب انشغالها في الصباح بتحفيظ القران للفتيات الصغار.
ثم سألتني إذا ما كنتُ أخبرتُ معتز عمّا حدث بيني وبين زوجة أبي وعن الأسماك والزيت وما رأيته في المطبخ، وحينما علمتْ أنني لم أخبره شجعتني أن أحكي له، فلربما وجدا حلا واستطاع مساعدتي.
وأخذنا نحكي ونثرثر في أمور كثيرة حتى استأذنتْ وانصرفتْ بعد أن دعتْ لي بالشفاء.
في المساء حضرتْ إحدى الممرضات وبدّلتْ ضمادة جُرحي وطمأنتني وغادرتْ.
جلستُ وحيدة أبدد الوقت في تصفح الكتب وقراءة الدواوين وأفتح النافذة تارة لأستنشق الهواء وأسلي نفسي بمراقبة الحارة والمارة، ثم أخرج إلى والدة معتز أثرثر معها تارة أخرى ونحن نشاهد التليفزيون، ثم أعود إلى الغرفة لأتصفح الكتب.
وبينما أنا أتصفح كتابا ضخما وأقلب صفحاته وجدتُ صورة بالألوان لرجل أعرفه جيدا، الرجل أسمر قصير القامة مقوس الظهر، حملقتُ في ملامح الرجل، كان واقفا على شاطئ البحر.
لماذا بدا لي مألوفا وجه هذا الرجل؟
لأنه نفس الرجل الذي رأيته تسيل منه الدماء على شاشة التليفزيون، ورأيته أيضا يمنع حسام من الاعتداء عليّ في تلك الليلة.
جذبتُ الصورة من بين الصفحات وأنا أرتعش وغادرتني السكينة التي عرفتها منذ أن أقمتُ في هذا البيت، وتوترتْ أعصابي وانفلتتْ.
وضعتُ الصورة تحت وسادة السرير وحين حضر معتز ودلف غرفتي وجدني شاحبة فسأل مذعورا:
ـ نورا... مالك؟... انتي تعبانة؟
أخرجتُ الصورة من تحت الوسادة ثم قلتُ فى هلع:
ـ الراجل ده بشوفه فى أحلامي وكوابيسى وخيالي بيصوّرلى إني بشوفه على التليفزيون.
أمسك الصورة ونظر فيها فارتفع حاجباه واتسعتْ عيناه تعجبا وقال سائلا بلهفة:
ـ انتي عارفه الراجل ده يبقى مين؟
أجبتُ في جهل:
ـ مين؟
قال:
ـ دا يبقى أبويا.
رواية نصف انسانة الفصل الخامس عشر 15 - بقلم السيد عبد الكريم
في العاشرة صباحا توجهتُ إلى قسم الشرطة.
قال سيادة الرائد عادل بعد أن هلل ورحب:
ـ عاش من شافك ياهندسة... ايه الغيبة الطويلة دي؟
أجبتُ في كياسة:
ـ اسمع يا عادل أنا خطبت... قصدى اتجوزت و....
قال مقاطعا:
ـ كده من ورايا... طول عمرك ندل و...
قاطعته قائلا:
ـ سيبنى بس أكمل كلامي.
قال مسرعا:
ـ سيبني أنا أرحب بيك يا راجل... تشرب إيه؟
ولم ينتظر مني إجابة لأنه نادي بصوت مرتفع:
ـ يا مراد... يا عسكري.
ثم أكمل حينما دلف مراد إلى داخل مكتبه:
ـ قهوة مظبوطة يا مراد... اغلي البن كويس... اغليه يا مراد.
لمّا خرج مراد قلتُ:
ـ أبويا بيظهر لمراتي يا عادل.
قال وهو يحك رأسه:
ـ دا عنوان فيلم ده ولا إيه يا هندسة... والله وحشتني قفشاتك.
قلتُ في نفاذ صبر:
ـ عادل... بص... اعتبرني مش صاحبك... اعتبرني جاي أقدم بلاغ وخليك جد شوية.
قال في لا مبالاة:
ـ طيب استني أشرب القهوة علشان أفوقلك.
بعد وقتٍ طويلٍ قلتُ في غيظ:
ـ خلاص شربت القهوة... ركز بقا معايا... مراتي شافت أبويا و....
قاطعني في بروده المعتاد:
ـ مراتك اللى خطيبتك... ولا خطيبتك اللى هي مراتك.
نهضتُ وأنا أقول:
ـ لا أنا همشي.
قال وهو ينهض محاولا منعي:
ـ يا عم بطل شغل العيال ده أنا بهزر معاك... وبعدين أنا مش قلتلك تنسى موضوع أبوك ده... فاكر لما بلغت انه اختفي ودورنا عليه من غير فايدة... وأنا قلتلك انسي الموضوع... أبوك يا حبيبي من ساعة ما لقي الجوهرة وهو طفشان وأكيد عايش باسم تاني برة مصر. اى نعم أنا خليت واحد صاحبي فى المطار يراقب سجل المسافرين بره مصر علشان خاطر عيونك بس أبوك طلع ذكي.. ابوك أكيد سافر قبل أنت ما تبلغ عن اختفائه.
قلتُ وأنا اضغط على كلماتي:
ـ لا أبويا مش عايش... أبويا مات... ومات موته مش طبيعية... جثته متعلقة في مكان معين... يعني مش مدفونة.... روحه بتتعذب... علشان كده كنت ديما أشوفه فى كوابيسي... فاكر ساعتها لا قلتُلى اني بشوفه بسبب الصدمة والانهيار العصبي... ساعتها صدقتك... لكن كون إن مراتي تشوفه وفى كل مرة يقولها انقذيني... يبقى هو مات مقتول.
قال متهكما:
ـ بقولك يا زوز... لولا إني صاحبك كنت حولتك للعباسية... يا هندسة افهم... أنا هنا مباحث... تجيبلى دليل مادى وأنا اشتغل.... تقدم بلاغ وأنا أتحرك.... زى الدكتور... علشان يشرح لازم تكون قدامه جثة... لكن شغل العواطف والروحانيات والعفاريت ده ملناش فيه.
قلتُ في إصرار:
ـ المرة دى معايا أدلة أكتر.
قال سائلا في تركيز:
ـ كده أنت حبيبى... أيوه كده... أنا عاوز دليل وسيبني اعمل تحرياتى... ايه هو الدليل بقا؟
قلتُ:
ـ اوصفلك الراجل اللى مراتي شافته بيقتل ابويا.
قال فى جدية:
ـ حلو... هى شافته فين والساعة كام؟ وإزاي كانتْ موجودة وقت الجريمة؟
قلتُ محاولا إغاظته:
ـ شافته في الحلم.
قال في تململ:
ـ ماشاء الله... وانت بقا عايزني......
قاطعته:
ـ أنا فاهم وعارف انكم عايزين كل حاجة مادية ومش بتعترفوا بالأحلام ولا التلميحات الماورائية بس انت لازم تساعدني يا عادل.
نظر بعيدا وأشعل سيجارة وقال:
ـ ياريتك ما اتبرعتلي بالدم ساعتها يا أخي... بقولك ايه... اجيبلك لتر دم تاخده ونبقي خالصين.
في هذه اللحظة عرفتُ أن عادل سوف يساعدني.
بدأت علاقتي بعادل حينما كنا في مدرسة واحدة بالثانوية، وذات نهار رأيته ممدا على الإسفلت اثر اصطدامه بسيارة كانتْ تمرق بسرعة البرق، التفّ حوله الفضوليون بينما قمتُ باصطحابه إلى المستشفي وتبرعتُ له بالدم قبل أن يجري عملية جراحية، وتكونتْ صداقة بيننا، وكثيرا ما كان ينصحني أن اترك الميكانيكا وابحث عن عمل بإحدى الدول العربية لكنني كنت أرفض من أجل الإقامة مع والدتي.
قال عادل قبل أن ينهض من مقعده:
ـ بص يا معتز... أنا طالع مأمورية دلوقتي... هستناك بالليل فى البيت... وهمسع منك كل اللى عايز تقوله.... بس هسمعه كصديق... لكن زى ما انت عارف مش هعرف أتحرك إلا لو كان فيه دليل مادي.
عدتُ إلى المحل وبعد الظهيرة توجهتُ إلى شقتي، طرقتُ الباب فسمعتُ نورا تقول:
ـ تفضل.
دلفت فوجدتها في حالة صحية جيدة، قلتُ مسرعا:
ـ عامله إيه؟
أجابتْ برقة:
ـ كويسة... الحمد لله.
ثم سألتني:
ـ عملت إيه؟
أجبتها:
ـ الأول نتغدا علشان تاخدي العلاج وبعدين نتكلم... هساعد أمي في المطبخ وارجعلك.
رأيتها تنهض قائلة:
ـ لا استنى... أنا هساعدها.
قلتُ معترضا:
ـ لمّا أتاكد انك خفيتي كويس هخليكي تساعديها... دلوقتي استريحى.
وبعد قليل أحضرتُ الطعام ونادتها أمي لكنني لم أتناول معهما الطعام، كنت حريصا ألا أخدش حيائها رغم أنها زوجتي، كنتُ أعلم أنها تعرضتْ لتجربة قاسية مع زوجة أبيها، وأردتُ أن أعوضها عن تلك الأيام القاسية وأكون لها نعم الزوج والأب والأخ والصديق، كنتُ سعيدا حينما فتحتْ لي قلبها وحكتْ لي عن أسرارها وأخبرتني بأن زوجة أبيها أمهلتها أسبوعا لمغادرة الشقة، ثم إن رؤيتها لأبي على شاشة التليفزيون يؤكد أن أبي قد قُتل ولم يسافر، حينما أخبرتني أنها سمعتْ صوتا يغني بأغنية صيادين بدأ عقلي يسترجع خيط الذكريات حينما كنتُ أعيش مع أبي في الإسكندرية.
يا لها من ذكريات!
وهل ينسي المرء مكان مولده؟!
لن أنسَ تلك الذكريات، كنتُ ابن الثامنة أرافق أبي في قارب الصيد، فقد علّمني المسئولية منذ صغرى، كنتُ أساعده في بعض الأعمال البسيطة وأحمل طعامه وأقوم بطي شِبَاك الصيد في آخر اليوم، كنتُ أفعل ذلك في الإجازة الصيفية، كان أبي من قائمة عشرة رجال يعملون لدى المعلم رجب، وهو رجل متسلط ثري يملك قوارب صيد وعمال وتصاريح وأماكن نفوذ على الشاطئ، وهو ممن يستطيعون إنعاش السوق أو كساده متى أراد، كان أبي يعمل على قاربه ليبيع له ما رزقه الله به بنصف الثمن، لماذا نصف الثمن؟ لأن أبي لا يملك قاربا ولا تصريحا، لكن الرجل كان يعامل أبي معاملة طيبة نظرا لإخلاص أبي له، فكان كل ليلة خميس يمنحه مكافأة مجانية، هذه المكافأة لم تكن إلا أسماكا.
وجاء يوم لا أنساه، إن ما يتعلق بذهن الصغار لا يزول بسهولة، عاد أبي من العمل متأخرا، وكنتُ نائما وأحسستُ بقبلة باردة على جبيني وأنا نائم فتيقظتُ لكنني اصطنعتُ النعاس، وسمعتُ ما دار بين أبي وأمي:
ـ اخرجي ما في الكيس يا نادية.
قامتْ أمي بإخراج سمكة هائلة الحجم اعتقدتُ وقتها أنها تزن خمسة كيلوجرامات، واعتقدتْ أمي إن هذا نصيب أبي هذا الأسبوع، لكنها تعجبتْ حينما عرفتْ أن السمكة بطنها مشقوق، فقال أبي ليزيل عنها تعجبها:
ـ السمكة دى من نصيبي... قدمها لي المعلم رجب اليوم مكافأة... وبالصدفة شقيت بطنها ولقيت دى.
هنا فتحتُ عينيّ دون أن يراني أحدهما فرأيتُ جوهرة لامعة متوسطة الحجم غريبة الشكل، وحين رأتها أمي قالتْ:
ـ يالهوى... اوعي تكون سرقتها.
أجاب أبي مسرعا في ضحكة قصيرة:
ـ دى من نصيبي ومن رزقي.
قالتْ أمي في انبهار وهى تتأمل تلك الجوهرة:
ـ وهتعمل ايه؟
أجاب أبي مبتسما:
ـ ودا سؤال برضه يا نادية... بكرة هوريها للخواجة ( يوجين )... هو الوحيد اللي هيعرف يقدر تمنها.
في صباح اليوم التالي اصطحبني أبي إلى صرافة الخواجة يوجين، كان رجلا أبيضا أحمرا كأنه مُصاب بضربة شمس، له شعر أبيض متناثر، حملق الرجل في الجوهرة وقال بلهجة عربية محطمة:
ـ إزاي لقيت القرط ده يا راجل؟
قالها وهو يقلب الجوهرة بين كفيه بعينين لامعتين ذائغتين، أجاب أبي بعد أن جذبها منه:
ـ دا مش شغلك يا خواجة... أنا عاوز اتمنها.
قال الخواجة في شك:
ـ دا اسمه قرط شانيير ( Charniéres ) معروف عندنا في اليونان... من الذهب الخالص عيار 18 و...
ثم صمتَ قليلا كأنه يتذكر شيئا وقال:
ـ والذهب مرصّع بحجر ماس قطع باغيت... عليه روديوم أسود.
قال أبي متلاحق الأنفاس في فخر:
ـ أنا مفهمش روديوم أسود ولا أبيض... أنا عاوز أعرف تمنه كام؟... وابيعه فين؟
قال الرجل بعد تفكير:
ـ دا قرط نادر من أشهر ماركات المجوهرات اليونانية... بس لو عاوز تبيعه يبقى ليا الحلاوة.
قال أبي وقد أشرق وجهه:
ـ أكيد... أكيد يا خواجه.
قال الخواجة وهو يدوّن شيئا في ورقة:
ـ دا عنوان الخواجة ( اركون )... فى القاهرة... قول له انك من طرفي... هو مهووس بالماركات دى وهيشتريه منك.
قال أبي وهو يقبض على يدي ويهمُّ بالانصراف:
ـ طيب يجيب كام؟
أجاب الخواجة بعد أن ضَيَقَ عينيه:
ـ مش أقل من 2 مليون جنيه.
حينما أولاه أبي ظهره منصرفا سمعتُ الخواجة يقول:
ـ متنساش الحلاوة.
خلال أسبوع كنا في القاهرة، استأجر أبي الشقة التي نسكن فيها الآن، لم أكن منبهرا بالعيش في تلك الحارة الشعبية بعدما أعتدتُ حياة البحر والشاطئ، وبعد شهر من انتقالنا إلي القاهرة اختفى أبي، خرج ولم يعد، كنتُ صغيرا وظننتُ أنه في سفر، وكنتُ كلما سألتُ أمي كان تجيب عليّ بدموعها، وحينما تكرر سؤالي بإلحاح أخبرتني أنه غادر مصر للعمل، علمتُ بعد ذلك أن أمي أبلغتْ الشرطة وبحثتْ عنه في المستشفيات وأقسام الشرطة دون جدوى، كنتُ أبكي كلّما تذكرته وأرى ذكرياتي معه من خلال دموعي، أراني وأنا أحمل له الطعام ثم أركب معه على ظهر القارب وأرتب له شبكة الصيد وأصنع له الشاي، كنتُ أفعل ذلك بمهارة وبلذة، كان أبي كل شيء في حياتي، كان يحبني، لذلك لم أصدق يوما قصة اختفائه هذه، كنتُ أشاركه أوقاته في العمل طوال الإجازة الصيفية، وحينما كان يلم الشبكة ولا يجد أسماكا لم يكن ليغضب، كان يدعو الله طالبا الرزق ثم ينشد الأغنية التي أحفظها عن ظهر قلب:
ـ صيادين والرزق كتير صيادين... صيادين
ـ صيادين والرب كبير صيادين... صيادين
ـ بنحبوك يا ساكن بحري صيادين.. صيادين
كنت أحب هذه الأغنية لما فيها من إيقاع جميل وكلمات تدعو إلى طلب الرزق والاعتزاز بمهنة صيد الأسماك، درستُ في الثانوية العامة وحفظتُ القران على يد الشيخ ( عبد الحميد ) أحد مشايخ الأزهر الذي علّمني كثيرا في الفقه والتفسير وقربني منه، فلازمته فترة طويلة وتعلمتُ منه كيفَ أداوى السحر والمس بالقرآن الكريم والرقية الشرعية، وكان الرجل عفيفا، فلم أره يتقاضى مليما نظير ما يقوم به من فعل الخير، ونصحني أن التحق بالقسم العلمي نظرا لتفوقي وتخرجتُ في كلية الهندسة، وحينما لم أجد عملا في مجال هندسة القوى الميكانيكية أراد الشيخ عبد الحميد أن يخفف عني حزني، فوعدني أن يتحدث مع أحد علماء مشيخة الأزهر، لكن تخصصي وقف حائلا أمام التحاقي بوظيفة في الأزهر الشريف، لم يفقد الشيخ عبد الحميد الأمل، واقتنص فرصة حاجة وزارة الأوقاف لعمَال مساجد وقدمتُ بمؤهل الثانوية العامة وتم قبولي، ثم استكملتُ دارستي انتسابا في الأزهر ورُقيتُ إلى مقيم شعائر، وفى نفس الوقت لم أنسَ الهندسة، فبدأتُ أمارس هوايتى وافتتحتُ محلا برأس مال قليل وسرعان ما ذاع صيتي في مجال ميكانيكا السيارات، واشتريت المحل بعد أن كان إيجارا، واشتريت البيت الذي أسكن فيه، كل هذه الأحداث وكل هذه السنوات ولم يغب عني والدي لحظة واحدة، كنتُ أراه في أحلامي في حالة جيدة إلا أن عينيه كانتْا حائرتين تودان قول شيء ما، كنتُ متيقنا أنه يريد أن يخبرني شيئا.
في المساء كنتُ أحتسى الشاى مع عادل بيه صديقي وزميل الدراسة القديم، قلتُ بينما هو يشاهد مباراة كرة قدم:
ـ سيبك من الماتش وركز معايا يا عادل... قولى ابدأ منين.
قال في تململ:
ـ كون انك بتشوف أبوك فى أحلامك... وكون إن مراتك قصدي خطيبتك قصدى مراتك اللى هى خطيبتك بتشوفه في أحلامها...دا كله مش دليل إن أبوك مات...ومات مقتول كمان زى ما بتقول.
قلتُ وأنا أرشف الشاي:
ـ بس مراتى شافت الشخص اللى بيقتل أبويا.
قال في انبهار رافعا صوته:
ـ حلو أوى... شافته فين بقا؟
أجبتُ مسرعا:
ـ في التليفزيون.
قال في لا مبالاة:
ـ غريبة يا زوز... مع إن التليفزيون بيذيع الماتش دلوقتي.
قلتُ في جدية:
ـ يعني هي مصلحتها إيه إنها تكذب.
أجاب في ثقة:
ـ وأنا استحالة أصدق الكلام الفارغ ده... يعني إيه الإرسال يقطع ويظهر أبوك على الشاشة بالأبيض والأسود والارسال يرجع تاني... دا اتحاد الإذاعة والتليفزيون متعرفش تعمل الفانتازيا دى.
قلتُ وأنا أغلق جهاز التليفزيون حتي أغيظه:
ـ الكلام ده تقوله وانت ظابط شرطة... لكن دلوقتي انت صاحبي.
قال وهو يشعل سيجارة:
ـ اه... هترجع تاني تذلني بلتر الدم اللى تبرعتلي بيه.
قلتُ في غيظ:
ـ يا عادل انت ليك صلاحيات تدوّر وتعمل تحرياتك... اتصرف بقا.
قال بعد لحظات صمت:
ـ طيب اسمع... طالما مراتك قصدى خطيبتك... يا عم هى مراتك ولا خطيبتك ولا طليقتك لخبطتني.
قاطعته في نفاذ صبر:
ـ خالتي... خالتي يا عادل...انجز بقا.
قال:
ـ طالما خالتك شافته في التليفزيون وأحلامها كذا مرة خليها ترسمه... وأنا هقارن الصورة المرسومة بكل صور مجرمين الجنايات... وربنا يستر بقا... علشان حاسس إن فصلى من الشغل هيكون على أيدك وعلى أيد خالتك.
قلتُ وأنا أنصرف محاولا إغاظته:
ـ خطيبتى يا عادل... خطيبتيى.
في اليوم التالي كانتْ نورا قد تحسنتْ تماما واستعادتْ نضارتها وابتسامتها، واصطحبتها إلى شقة زوجة أبيها التي كانتْ قد عادتْ، واستقبلتنا السيدة استقبالا جافا، ثم طلبتُ منها عقد بيع الشقة وقمتُ بتصويره بهاتفي، وجمعتْ نورا ملابسها وأغراضها وكتبها وقبل أن نغادر عرفتُ من سعاد أنها ستبيع الشقة، وسألتني إن كنتُ أعرف أحدا يريد شرائها، ثم انصرفنا.
في نفس الليلة جلستُ مع نورا وقلتُ:
ـ عاوزك بقا تركزى وترسمى الراجل اللى بتشوفيه بيقتل أبويا.
قالتْ في عجب:
ـ أرسمه... ارسمه إزاي يعنى؟... أنا مبعرفش أرسم أصلاً.
قلتُ في رقة:
ـ انتي بتقولى انك شفتى المشهد ده كتير... يبقى تعصرى دماغك بقا وترسمى الرجل بملامحه بهدومه بنظرته بالشر اللي فى عنيه.
أوماتْ برأسها موافقة، فتركتها وبجوارها مجموعة أوراق بيضاء فارغة وأقلاما، ثم انصرفتُ.
عدتُ من الخارج بعد الساعة الحادية عشرة، طرقتُ باب غرفتها وولجتُ حينما سمعتها تأذن بالدخول:
ـ ها.... رسمتيه؟
أجابتْ في فتور:
ـ بصراحة كل مرة أرسمه أحس إنه مش هو... وبقطع الورقة.
قلتُ في لين:
ـ مش مشكلة... خدى وقتك... استريحى انهارده وكمّلى بكرة.
وقبل أن أنصرف سمعتها تقول:
ـ انت رايح فين؟
أجبتُ:
ـ هشوف أمي لو محتاجة حاجة... وهنزل أبات في المحل.
قالتْ في خجل بعد أن بدا الارتباك على ملامحها:
ـ لا... بات هنا.
لم أصدق ما أسمعه من الفرحة واقتربتُ منها دون وعي وقبل أن أقبل جبهتها تراجعتُ في اللحظة الأخيرة حرصا على راحتها، وتذكرتُ وعدى لها حينما أخبرتها بأنني لن أفعل شيئا يرفضه قلبها، فلربما هي طلبتْ مني المبيت هنا من باب الجدعنة وليس من باب الحب.
مرتْ ثلاثة أيام كنتُ حريصا فيها على راحة نورا، كنتُ أحكي لها عن نفسي ثم ألقي بعبارة غزل غير مباشرة وأنصرف، وفى تلك الأيام لم تفلح في رسم صورة الرجل، فكنتُ أشجعها وأطلب منها معاودة الرسم، حتي جاء مساء اليوم الرابع، كنتُ عائدا من الخارج فرأيتها تجلس في الصالة مع أمي، وما إن رأتني حتى هرعتْ إلى غرفتها وجاءتْ لي بالصورة المرسومة في خجل وفرح طفلة صغيرة، نظرتُ إلى الصورة فرأيتُ رجلا ممتلئ الجسم له شارب عريض يتردي جلبابا، جذبتُ منها الصورة وأنا أقول:
ـ متأكدة يا نورا؟
أجابت:
ـ أيوه متأكدة طبعا.
لم أبدل ملابسي واتجهتُ مسرعا إلى عادل، وحينما رآني قال ساخرا كعادته:
ـ ايه... مرات خالك شافت المشهد بالألوان المرة دى ولا إيه؟
قلتُ:
ـ عارف لولا إني متعود على غلاستك كنت اديتك بالبوكس فى وشك.
قال وهو يغلق باب الشقة:
ـ وعلى إيه؟... الطيب أحسن...ادخل عبال ما أعملك قهوة.
قلتُ مسرعا:
ـ لا قهوة ولا كافتيريا.
ثم وضعتُ الصورة المرسومة تحت أنفه، فتأملها طويلا طويلا حتى ظننتُ انه أصيب بالعته، فقلتُ من فوري:
ـ إيه؟... بتشبه علي حد من المجرمين؟
قال في ذهول:
ـ انت أكيد عايز تفصلني من الشغل.
قلتُ بعدما ظننته يسخر كعادته:
ـ هى الصورة مش شبه حد من المجرمين ولا ايه؟
أجاب في نفس الذهول وهو يتأمل الصورة:
ـ مجرمين إيه الله يخرب بيتك.
قلتُ متعجبا:
ـ ايه؟... فيه ايه؟
قال وهو يشير إلى جلباب الرجل المرسوم:
ـ عارف لو الراجل ده لبس بدله بدل الجلابيه هيطلع مين؟
قلتُ في غباء:
ـ هيطلع مين؟
أجاب:
ـ عبد المجيد بيه شاهين.
رواية نصف انسانة الفصل السادس عشر 16 - بقلم السيد عبد الكريم
عاد معتز من الخارج، فأسرعتُ نحوه بالورقة المرسومة، فتلألأ وجهه كأنه عثر على كنز، وسألني في لهفة إذا ما كنتُ متأكدة من أن الذي رسمته هو نفس الرجل الذي رأيته يقتل والده، فأجبته موافقة، ومن فوره دون أن يبدّل ملابسه أو يستريح غادر الشقة، ففهمتُ أنه ذاهب إلى صديقه عادل.
وبعد مغادرته بقليل حضرتْ مكة لتطمأن على حالتي، فاستأذنتُ من والدة معتز ودلفنا إلى غرفتي.
قالتْ مكة:
ـ ها... عاملة إيه دلوقتي؟
أجبتُ:
ـ الحمد لله كويسة.
قالتْ وهي تغمز بإحدى عينيها:
ـ يعني أقول مبروك؟
كنتُ غير متوقعة أن تسألني هذا السؤال، لكنني أجبتُ مسرعة:
ـ لا طبعًا.
قالتْ في تنهيدة:
ـ ليه تاني؟... الراجل قايد ليكِ صوابعه شمع... أنا ملاحظة كده.
قلتُ في شرود وأسى:
ـ عارفة يا مكة... معتز واحد محترم أوي وأخلاقه عالية أوي... ومنكرش إن اللي هتتجوزه هتبقى محظوظة بالحب والعطف... بس المشكلة إني بحس مع حسام إحساس تاني خالص.
قالتْ في غيظ وضجر:
ـ هو انتي لازم تخسري كل حاجة علشان تتعلمي الدرس... لازم تحطي إيدك في النار علشان تتعلمي إن النار بتلسع... تملي قلبك بالأوهام والحرام وعاوزة الحلال يدخل إزاي... فرّغي قلبك من الحرام علشان الحلال يدخل... استحالة يجتمعوا مع بعض.
ثم صمتتْ حينما رأتْ بوادر دموع في عينيّ.
فقالتْ في لهجة رقيقة واعتذار:
ـ أنا آسفة يا نورا... يظهر إني تعصبت شوية... بس يا ولية افهمي... أنا مش ضد مشاعرك وأحاسيسك الجميلة دي بالعكس... دي حاجة كويسة إنك تحبي وتطلعي المشاعر دي كلها... بس طلعيها في الطريق الصح... عارفة لو حسام جه وطلب إيدك... كنت أول واحدة هفرحلك وهشجعك... بس حسام ده واحد مدلل يحب يشتري كل حاجة بفلوسه... يحب يمتلك كل حاجة ومش مهم بقا في الحلال ولا الحرام... وكان مفكر إنه ممكن يتشريكي بالهدايا والفلوس... ولولا ربنا نجاكي كان زمانك بتبوسي رجله دلوقتي علشان يجوزك زي ما...
ثم صمتتْ ولم تُكمل كأنها استدركتْ شيئًا أو كأنها تريد أن تخفي عنّي أمرًا.
فقلتُ في شرود:
ـ بس حاسة إنه بيحبني.
قالتْ وهي تتميز غيظًا:
ـ لا يا ختي مش بيحبك... والنوع ده مش بتاع حب ولا جواز... وبصي من الآخر كده علشان انتي من النوع اللي لازم يتصدم علشان يفوق... اللي حسام كان عاوز يعمله معاكي عمله مع شيرين.
انتفضتُ في ذعر وأنا غير مستوعبة ما تقول، وقلتُ في توتر:
ـ إزاي يعني؟
أجابتْ في نفاذ صبر:
ـ شيرين حامل يا هانم... ها... حلوة اللسعة دي ولا لسه مش ناوية تفوقي.
قلتُ في ذهول وعدم استيعاب:
ـ حامل؟!... إزاي... عرفتي إزاي؟
أجابتْ:
ـ أنا مشتركة في معسكر الكلية الصيفي... وكل البنات بيتكلموا عن الموضوع ده... وشفت شيرين مرة واحدة بس في المعسكر... بقيت واحدة تانية... غير شيرين اللي تعرفيها... العيون الخضرا بقيت دبلانة والوش الأشقر اللي كان مليان حيوية بقي حزين وتايه... نفسيتها اللي كانتْ شامخة ومتكبرة بقيت ضايعة منكسرة... شفتي بقا البنت لما تخسر الحاجة دي بتبقى إيه... بتخسر نفسها... حتى لو كانتْ شيرين بنت الذوات... يعني فلوسها وبرستيجها وفلوس أبوها مش هيعوضوها عن الحاجة دي... لأن فيه حاجات أغلى بكتير من الفلوس.
قلتُ في غباء وجهل وعبط:
ـ وهو كده مش هيجوزها بعد اللي عمله؟
قالتْ وهي تتحس كتفها الأيمن:
ـ متعرفيش علامة الشلل الرباعي بتبدأ من هنا ولا من الكتف الشمال.
ابتسمتُ ابتسامة شاحبة وسمعتها تُكمل:
ـ ياستي هنعتبر إنه هيجوزها... هتفضل طول عمرها في نظرة واحدة رخيصة فرّطت في نفسها... حياتهم هتكون كلها شك ونكد ومشاكل... ومش هي دي الطريقة اللي نبني بيها بيوتنا.
هنا تذكرتُ حياة أمي مع أبي، أمي سلّمتْ نفسها له باسم الحب، فحملتْ في أحشائها جنينًا، وأراد أبي التخلي عنها والهرب، ورغم أنه تزوجها لكنه لم يكن زواجًا سعيدًا، كان زواجًا مليئًا بالشك والنكد والمشاكل، زواجًا نتج عنه مخلوق مشوه مهزوز فاقد الثقة مشتت الذهن، هذا المخلوق هو أنا.
قلتُ ودموعي تسقط:
ـ مكة... إزاي أعرف إني كرهت حسام؟
أجابتْ في تلطف:
ـ لما تفتكريه أو تسمعي اسمه من غير ما قلبك يدق دقات الولع والهيام... ساعتها اعرفي إنك نسيتيه.
مرّ شهر كامل وأنا أعيش مع معتز ووالدته، كانتْ من أجمل فترات حياتي، لم ينقصني فيها إلا عم حسين، فكم تمنيتُ أن يعيش بالقاهرة معنا، لأول مرة في حياتي أشعر بهذا الدفء الأسري والصحبة الآدمية وونس النهار، فكان معتز يتفنن في إرضائي، كما حرص أن يظل طوال النهار خارج الشقة، حتى أظل في كامل حريتي، وقد اعتدتُ تلك الحياة وأحببتها.
ففي كل صباح كان معتز يُعد الفطور لي ولوالدته، ثم يوقظنا، فنتناول إفطارنا، ثم ينزل إلى المحل ويتركني مع والدته التي سمحت لي بعد محاولات وإصرار دائم أن أساعدها في أعمال البيت والمطبخ، وبعد الظهيرة يصعد معتز ليتناول معنا الغداء ويطمئن علينا، ثم يعود للعمل، ليعود آخر المساء وحينما علم أنني أحب نوعًا معينًا من الشيكولاتة حرص أشد الحرص أن يحضره كل ليلة وهو عائد من المحل، كنا نتناول العشاء، ثم نحكي ونثرثر ونتبادل أطراف الحديث في أمور شتى ثم يذهب للنوم، هكذا مرت الأيام تتخللها زيارات مكة ووالدتها بشكل شبه أسبوعي حتى بدأت الدراسة.
بدأ العام الدراسي الجديد وكنتُ في ضيق لأن عم حسين لم يحضر لي بالمال، فأنا مقبلة على دفع تكاليف الكتب الدراسية وتجديد الكارنيه، وفى حاجة للأموال اللازمة للمواصلات اليومية.
ذهبتُ إلى الجامعة في أول يوم من العام الجامعي الثاني، ولم يكن معي سوى ثلاث عشرة جنيها، وبدأتُ أحسب، ست جنيهات ذهابًا إلى محطة الزهور، ثم أسير على الأقدام حتى الجامعة وأعود بنفس الطريقة، إذن ستة جنيهات إضافية، النتيجة: يتبقى معي جنيها واحد، لا بأس.
سأذهب إلى الجامعة وسأنتظر مجيء عم حسين بالمال، وإن تأخر سوف أبيع الهاتف المحمول الذي أهداني إياه حسام من قبل.
وحينما ذهبتُ إلى الجامعة وسألتُ عن أسعار الكتب الدراسية في المكتبات، وجدت أنه تم حجز جميع الكتب الدراسية، هنا علمتُ أن معتز هو الذي فعل ذلك، نعم تأكدتُ من ذلك، لأنني حينما عدتُ آخر اليوم وجدته يمدّ لي يده بمبلغ كبير من المال ثم قال لي:
ـ أنا حجزت لك كل الكتب الدراسية، ودي فلوس علشان تطلعي الكارنيه وعلشان المواصلات وتشترى هدوم جديدة... وفي أي وقت تحتاجي فيه فلوس اوعي تترددي.
ـ لا لا... أنا معايا فلوس أصلاً... وفلوس كتير كمان.
هكذا قلتُ كاذبة، لكنه ابتسم وهو يضع المال في يدي ويقول:
ـ لا لا عيب لما الست تقول لجوزها لا.
كان الخجل بادياً على وجنتيّ ورعشة أناملي، لكنني تشجعتُ وقلتُ:
ـ مش هينفع أصلاً... كفاية إني قاعدة معاكم هنا و....
لم يمهلني أن أكمل لأنه وضع إصبعه على شفتي معترضًا على ما أقول.
ثم قال:
ـ إيه الكلام ده؟... دا أنا اللي خايف أكون مقصر معاكي في حاجة... انتي هنا في بيت جوزك.. يعني بيتك.. يعني أنا اللي ساكن عندك انتي وأمي... يعني انتو الاتنين تقدروا تطردوني... بس أكيد مش ههون عليكي... قصدي عليكم.
فابتسمتُ وكانتْ ابتسامتي مؤشرًا على قبولي المال، وحينما خلوتُ بنفسي في الغرفة وجدتُ بين يدي سبعة آلاف جنيها.
ـ إيه ده كل دي فلوس؟!... لا كده كتير أوي أصلاً.
كانتْ هي المرة الأولى التي أملك فيها مثل هذا المبلغ لدرجة أنني أخطأتُ في العد أكثر من مرة.
في الصباح سمعتُ من يطرق باب غرفتي، ولما طالتْ الطرقات علمتُ أنه معتز وينتظر السماح بالدخول، فوضعتُ الحجاب على رأسي وقلتُ:
ـ تفضل.
دلف إلى الحجرة مبتسمًا وهو يقول:
ـ اصحي بقا يا كسلانة ولا مش رايحة الجامعة النهارده؟
أجبتُ في خجل:
ـ رايحة.
فقال:
ـ طيب يلا... زي الشاطرة كده تقومي تصلي وعبال ما تلبسي أكون جهزت الفطار وصحّيت أمي.
وقبل أن ينصرف تذكرتُ المال فقلتُ مسرعة:
ـ استنى.
نظر نحوي منتظرًا ما سأقوله، فقلتُ وأنا أخرج المال من تحت وسادتي:
ـ الفلوس دي كتير... وأنا مش هحتاج كل ده أصلاً.
قال متعجبًا:
ـ كتير إيه؟... دا أنا نفسي أجيب القمر وأحطه بين إيديكي.
قلتُ في حرج:
ـ أنا مش هحتاج إلا تمن الكارنيه بس... هعمل إيه بكل الفلوس دي؟
أجاب:
ـ ما أنا قلت لك تجيبي هدوم... حبيتي تشترى لنفسك حاجة... وبعدين انتي بتتأخري في الجامعة... يعني علشان لو حبيتي تشربي حاجة... تاكلي حاجة.
هممتُ أن أقول شيئًا فسمعته يقول:
ـ متتكلميش تاني بقا ويلا كده هتتأخري على الجامعة.
بعد ثلاثة أيام وبينما أنا في المحاضرة أستمع لأستاذ المادة، رأيتُ فجأة شيرين، وكانتْ هي المرة الأولى التي أراها فيها منذ امتحانات العام السابق، لم أعرفها إلا حينما دققتُ النظر، هل هذه هي شيرين حقًا؟ لماذا هي شاحبة ذابلة؟ وأين ابتسامتها وشبابها وروحها المرحة المنطلقة؟ ولماذا ترتدي مثل هذا الثوب الواسع الفضفاض المحتشم؟ وكأنها تريد أن تخفي شيئًا ما بداخل هذا الثوب، وتذكرتُ ما قالتْه لي مكة من قبل:
ـ شيرين حامل يا هانم.
انتهتْ المحاضرة، ونظرتُ في ساعتي لأعرف موعد المحاضرة التالية:
ـ لسه هستنى ساعة... إيه الملل ده؟
كنتُ أنتظر موعد انتهاء المحاضرات حتى أسرع إلى البيت، وتذكرتُ عامي الأول في الجامعة عندما كنتُ أهرب من بيت زوجة أبي إلى الجامعة، سبحان مغير الأحوال! أنا الآن أهرب من الجامعة لأعود إلى البيت.
وبينما أنا شاردة في تلك الخواطر سمعتُ من يقول لي:
ـ ازيك يا آنسة نورا؟
حينما رأيته ارتبكتُ قليلًا ثم قلتُ:
ـ الحمد لله... كويسة... ازيك يا أستاذ شريف؟
في الحقيقة كنتُ أود أن أسأله عن أشياء كثيرة، لماذا ترك حسام الجامعة؟ لماذا انتقل إلى جامعة عين شمس؟ وهل تزوج من شيرين؟
وأزال عنّي شريف عبء هذا الحرج حينما قال:
ـ كنتِ فين طول الصيف؟ محدش شافك في المعسكر ولا الرحلة؟
أجبتُ كاذبة:
ـ كنت مسافرة.
قال في مكر:
ـ يعني متعرفيش اللي حصل؟
قلتُ:
ـ لا معرفش... هو حصل إيه؟
قال وهو ينقل كتابًا من يده اليمنى إلى اليسرى:
ـ تعالي نقعد على الكافتيريا علشان أحكيلك.
كدتُ أن أوافق لأنني أريد أن أعرف، لكنني رفضتُ حينما تذكرتُ معتز:
ـ يعني الراجل مديني فلوس مكنتش أحلم بيها ومش مقصر معايا في حاجة وبيخدمني بعنيه... وأنا أقعد مع ولد على الكافتيريا... المفروض أخلي عندي شوية دم أحافظ على ثقته دي حتى لو مش هتجوزه.
ـ بس أنا هقعد معاه علشان أعرف إيه اللي حصل... مفهاش حاجة.
ـ لا يا نورا... انتي على ذمته وحرام اللي بتعمليه ده.
حينما طال شرودي قال شريف:
ـ مالك يا آنسة نورا؟
انتبهتُ وقلتُ:
ـ بص أنا أصلاً مستعجلة... معنديش وقت أقعد على الكافتيريا... بس لو فيه حاجة مهمة قولها هنا.
قال بعدما أشار لي وانتحي بي جانبًا بعيدًا عن ازدحام المارة:
ـ الموضوع ياستي إن شيرين غلطت مع حسام.
ثم نظر شاردًا وبرقتْ عيناه وأكمل:
ـ تخيلي... شيرين اللي كنت بحبها ومستني اليوم اللي أتخرج فيه علشان أخطبها تعمل كده ومع مين؟
قلتُ في غيظ:
ـ تحبها إيه؟... انت مكنتش شايف هي كانتْ بتحب حسام إزاي؟
أجاب:
ـ كنت شايف كل حاجة... ولما كنت بسألها كانتْ بتقولي صداقة.
ثم ضحك ضحكة قصيرة ساخرة في مرارة وأكمل:
ـ صداقة.... هي فهمتني كده... وأنا كنت مغفل... أيوه كنت مغفل علشان صدقتها... بس هي فعلا كانتْ بتحبه... وكتير كنت بسأل حسام... كان بيقولي إنه مش بيحبها... وفعلا مكنش بيحبها.
قلتُ وقد راق لي الحدث:
ـ مش جايز كان بيحبها وكان بيكذب عليك؟
قال ومازال في شرود:
ـ ما أنا اتأكدت خلاص إنه مش بيحبها.
قلتُ متلهفة:
ـ اتأكدت إزاي بقا؟
أجاب:
ـ استحالة واحد يحب واحدة ويعمل معاها اللي عمله حسام مع شيرين.
وكأنه بكلماته هذه قد ضغط على جرح قديم في قلبي، فارتبكتُ وشعرتُ كما يشعر من يتعرقل في قدمه المصابة، ثم سمعته يقول وهو ينظر إليّ في تركيز:
ـ عارفه... أنا مش زعلان... هي تستاهل... أهي بتجري وراه زي الكلب علشان يقبل بس إنه يجوزها.
ابتلعتُ ريقي وشعرتُ بخدر يجري في قدميّ، وتخيلتُ أن هذا سيكون مصيري مع حسام لولا عناية الله في تلك الليلة، ولا أعرف لماذا شعرت الآن بشوق جارف نحو معتز.
حاولتُ جمع شتات أعصابي وقلتُ بصوت جاهدتُ كي يخرج متزنًا:
ـ طيب وده جزاؤها إنها حبته؟
أجاب:
ـ لا طبعًا... بس ده جزاء إنها رخيصة... ما انتي كمان حبيتي حسام بس مطلش منك حاجة لأنك محترمة وعرفتي تحافظي على نفسك.
قلتُ مسرعة في عصبية:
ـ لو سمحت أنا محبتش حد... وأنا.....وأنا.....أه أنا حاليًا مخطوبة... وبحب خطيبي أوي وهو بيموت فيا... ولو يعرف إني اتكلمت معاك أصلاً هيموتني.
قال في أسف:
ـ أنا آسف... مقصدش حاجة... أنا بس ما صدقت لقيت حد أفضفض له... خاصة إني بعدت عن الشلة ومبقتش أطيق أشوف حد منهم... لا حسام ولا شيرين ولا محمد.
شعرتُ بالشفقة وأحسستُ بصدقه، فقلتُ محاولة أن أخفف:
ـ انت بس خلي بالك من دراستك وهتتخرج وتلاقي بنت الحلال اللي تقدر حبك.
قال:
ـ شكرًا.
قلتُ سائلة:
ـ وشيرين هتعمل إيه؟
أجاب:
ـ والد شيرين هدد حسام إنه هيرفع قضية يتهمه فيها باغتصاب بنته... بس والد حسام بيحاول يسكتهم بالفلوس والعربيات علشان خايف على سمعته في السوق.
بعد ثلاثة أيام دلف معتز الغرفة ثم جلس مبتسمًا وقال:
ـ مفاجأة.
قلتُ:
ـ إيه؟
لم يتكلم بل أخرج من جيب بنطاله ورقة طويلة عريضة ووضعها أمام عيني فأخذت أقرأ، كان عقد شراء شقة زوجة أبي، قلتُ مندهشة:
ـ دا العقد باسمك.
قال ومازال يبتسم:
ـ اشتريتها من مرات أبوكي.
ثم نظر ساهماً كأنه ينظر للفراغ وقال:
ـ بس مش ده المهم... المهم إن الراجل اللي كان بيجيب لكم سمك أكيد هيظهر تاني.
قلتُ في عدم فهم:
ـ ودا إيه دخله بالموضوع؟
أجاب بعد أن زفر زفرة طويلة:
ـ هو ده الخيط اللي هيوصلنا بالقاتل.
ثم نظر نحوي في عطف وأكمل:
ـ أنا وعادل رتبنا كل حاجة.
بعد يومين كنتُ مع مكة والشيخ عبد الحميد في الشقة الجديدة، شقة زوجة أبي التي صارتْ شقة معتز، كانتْ فارغة من أي أثاث، وقفنا في الصالة، بينما تجول الشيخ عبد الحميد الشقة وهو يتمتم بآيات الله وهو يضع يده تارة على أحد الجدران، وتارة أخرى على حواف نوافذ المطبخ وحجرة النوم الكبيرة.
حينما انتهى من عمله قال:
ـ يا معتز أنا شايف إن الأمور طبيعية... بس علشان أتأكد أكتر لازم تجيب تليفزيون وتحطه في الصالة.
قال معتز مستفسرًا:
ـ ليه؟
أجاب الشيخ:
ـ لازم حد فينا يشوف المشهد... ونعرف أبوك هيقول إيه بعد اللي حصل.
قلتُ في خوف:
ـ إزاي يعني؟
أجاب:
ـ كل واحد فينا هيبات لوحده هنا 3 أيام... ولو مظهرش المشهد على التليفزيون أو محصلتش حاجة غريبة في المطبخ... هنركز على الأيام المرتبطة بالأرقام.
قال معتز:
ـ أرقام؟
أجاب الشيخ:
ـ آه... مثلًا الليلة القمرية... مثلًا يوم 7 في الشهر الهجري أو يوم 13.
ثم أكمل وهو يضع يده على كتف معتز:
ـ الأيام دي بيكون لها ارتباط بظهور الأرواح المعذبة اللي بتدور على الراحة.
خلال أيام قليلة كان معتز قد أحضر جهاز تليفزيون ووضعه على منضدة في الصالة، كما أحضر بعض المقاعد، وسرير في حجرة النوم الكبيرة وبعض مستلزمات المطبخ، وبدأنا في تنفيذ الخطة، مكث الشيخ لمدة ثلاثة أيام ولم يظهر له شيئًا، ومكث معتز ثلاثة أيام بلا جديد، وحينما جاء دوري أصرّ معتز أن تبيت معي والدته حتى لا يصيبني مكروه إذا ما جدّ جديد.
مرتْ ثلاثة أيام أخرى كنتُ أجلس في الصالة لبعد منتصف الليل أشاهد التليفزيون، بينما تنام والدة معتز في حجرة النوم، لكن لم يحدث شيء، وشعرتُ أن ما نقوم به مجرد سخافات، حتى أخبرنا الشيخ عبد الحميد بعد فشل خطته أننا أخطأنا بشأن وضع التليفزيون على المنضدة، كما أخبرنا أننا سنعيد نوبات المبيت من جديد، لكن سنضع جهاز التليفزيون على العمود الخرساني المحاط بالطوب كما كان الأمر في وجود أبي وزوجته، وبدأنا نعيد الخطة، وعند نوبة مبيتي في الليلة الثانية انقطع الإرسال ورأيت نفس المشهد القديم، كنتُ متوترة هذه المرة رغم إني اعتدتُ رؤية هذا المشهد مرات عديدة، بينما أنا أشاهد المشهد كنتُ أضع أصبعي على زر الاتصال برقم معتز كما اتفقنا.
انتهى المشهد بنظرات والد معتز المتوسلة والدماء تسيل من جبهته هذه المرة، لكنه لم يقل كلمته المعتادة (انقذيني) لكنه قال مبتسمًا:
ـ قربتوا أوي.
ثم انقطع الإرسال، فعاد إسماعيل ياسين يحذر بكل عبط ريا وسكينة من وجود سيدتين قاتلتين بالإسكندرية، فابتسمتُ من سذاجة الفنان إسماعيل يس، ثم عدتُ لما أنا فيه، وضغطتُ على زر الاتصال، ولم تمض دقائق حتى حضر معتز، وأيقظتُ والدته وحكيتُ لهما عما رأيته، قال معتز:
ـ يبقى الشيخ عبد الحميد كان عنده حق.
بعد ثلاثة أيام وعند منتصف الليل جئنا إلى الشقة من جديد.
قال عادل بيه:
ـ يا معتز... أنا من رأيي بلاش اللي ناوي تعمله ده ونستنى لما الراجل اللي بيبيع سمك ده يظهر تاني.
قال معتز في إصرار:
ـ جايز ميظهرش تاني يا عادل.
قال الشيخ عبد الحميد موجهًا كلامه إلى عادل بيه:
ـ إحنا مش هنخسر حاجة يا عادل يابني.. سيب معتز يشوف شغله.
جلس عادل بيه على أحد المقاعد في عدم اقتناع، وبدأتُ أراقب في فضول وخوف ما ينوي معتز فعله، حمل معتز جهاز التليفزيون بين يديه فبدا العمود الخرساني المحاط بالطوب واضحًا، وأخرج معتز من حقيبة قماشية بجواره فأسا ومطرقة وجهاز (شنيور)، وبدأ يحطم في هذا العمود، كان تحطيمه صعبًا للغاية، لأنني رأيت العرق يبلل وجه معتز وقد برزتْ عضلات يديه وهو يهوي على العمود بالفأس، ثم قام بتوصيل قابس الشنيور بالكهرباء، وبدأ الشنيور يزمجر في إصرار، كنتُ أنظر لما يحدث بعيون ذاهلة، وعادل بيه ينفس دخان سجائره حتى إذا ما انتهتْ سيجارة أشعل الأخرى، بينما الشيخ فم عبد الحميد لم يتوقف عن التمتمة، وتحطم أعلى الجانب الأيمن من العمود، فتشجع معتز وأخذ يتابع التكسير والتحطيم في إصرار.
ثم....ثم بدتْ لنا في ضوء مصباح الصالة جمجمة تلمع، فشهقتُ ووضعتُ كلتا يديّ على عينيّ وأنا أحبس صراخي، فترك معتز ما بيده وأسرع نحوي وأحاطني بذراعه، وقادني غالى غرفة النوم وهو يقول في تلطف ورفق:
ـ متخافيش... اقفلي عليكي الباب من جوه لحد ما نخلص.
رواية نصف انسانة الفصل السابع عشر 17 - بقلم السيد عبد الكريم
كان قلبي مضطربا وأنا أحطم العمود الخرساني المحاط بالطوب. وحينما انهارت الناحية العليا من الجانب الأيمن، أخذتني الحماسة فبدأت أتابع التكسير والتحطيم. وفجأة ظهرت جمجمة لمعت في ضوء مصباح الصالة. سمعت شهقة وشعرت بصرخة مكتومة، فنظرت إلى نورا لأجدها مذعورة منهارة. أسرعت نحوها وأدخلتها حجرة النوم وطلبت منها أن تغلق الباب وتستريح. كنت أرفض مجيئها معنا من الأساس، لكنها أصرت فوافقت.
عدت للصالة وتابعت التكسير. كان الشيخ عبد الحميد يبسمل ويحوقل دون توقف. أما عادل، فكان رابط الجأش لكنه مذهول مما يرى، وبدت على وجهه علامات الاقتناع بكل ما كان يظنه وهما. لم يمر وقت كثير حتى أصبح هذا الشيء كوم تراب، وكان الهيكل العظمي يجلس القرفصاء باسطا ذراعيه للأمام وللأعلى قليلا. هممت أن أضع يدي على الجمجمة، فشعرت بمن يقبض على يدي ويجرني للخلف.
قال عادل وهو يجرني للخلف:
ـ متلمسش حاجة يا مجنون.
جلست على الأرض والتصق ظهري بالحائط وأخذت أبكي. كان بكاء مريرا متأصلا. اقترب مني عادل وهو يصرخ في وجهي:
ـ انت هتعمل زي الستات ولا ايه؟ ما توحد الله وتقول الله يرحمه.
قلت في نحيب وأنا لا أكاد أراه من دموعي المنسكبة بلا توقف:
ـ أبويا مات مقتول يا عادل... أبويا مات مقتول يا شيخ عبد الحميد.
قال الشيخ عبد الحميد وهو يربت على كتفي:
ـ مش انت اللي تبكي كده يا معتز... انت متعلم ومتنور ومؤمن بربنا.
قلت ومازالت دموعي تنهمر:
ـ كل ما كان إحساسي يقول لي إنه مات مقتول، كنت أكذب إحساسي وأقول: لا... هو سافر وطفش... أيوه سافر بس مش متقتلش... كنت بصدق إحساسي وبكذبه في نفس الوقت... بصدقه لأني حاسس بروح أبويا المتعذبة اللي بشوفها في أحلامي... وبكذبه لأني خايف من اللحظة اللي أشوفه فيها وهو كده.
كان عادل والشيخ عبد الحميد يتحدثان إلي، لكنني لم أسمع حرفا مما يقولان، لأنني كنت بعقلي وبقلبي هناك، هناك في الإسكندرية، في الإسكندرية على ظهر قارب صيد، على ظهر قارب صيد بجوار أبي وهو يقول:
ـ ارمي الشبكة ياد يا معتز.
ـ ارميها كده يا عبيط.
ـ تعالي نغني يا ولا... يلا قول ورايا يا معتز.
ـ صيادين والرزق كتير صيادين... صيادين.
ـ قول يا واد.
ـ صيادين والرب كبير صيادين... صيادين.
ـ بنحبك يا ساكن بحري صيادين... صيادين.
ـ والرزق يجيلك مهما تروح صيادين... صيادين.
كنت لا أدري بنفسي وأنا أردد هذه الأغنية في الصالة، وأرى أمامي نورا دامعة وهي تمسح دموعي، بينما يرتدي عادل غطاء يد بلاستيكي ويقول:
ـ معتز خد مراتك والشيخ عبد الحميد وروحوا.
قال الشيخ عبد الحميد:
ـ مش هينفع نسيبك لوحدك هنا يا بني.
قال عادل في صرامة:
ـ يا عم عبد الحميد... معتز أعصابه بايظة... لازم يروح يستريح.
قال الشيخ عبد الحميد:
ـ طيب أنا هوصلهم للشارع وارجعلك.
أومأ عادل برأسه موافقا، فقال الشيخ عبد الحميد محدثا نورا:
ـ يلا يا بنتي... قوميه.
ساعدتني نورا على النهوض وهبطنا الدرج. سرنا في الحارة وظل الشيخ عبد الحميد يراقبنا حتى وصلنا للبيت.
كيف مرت علي تلك الليلة، يا لها من ليلة! لم أتوقع أن أكون بهذا الضعف، أنا الذي كنت أتوقع موت أبي، صرت كخرقة بالية حينما صار التوقع حقيقة. نعم اعتدت غيابه، لكن ماذا أفعل في الأمل؟ حينما يمرض شخص عزيز مرضا شديدا نتوقع موته، لكنه توقع عابر كالوهم، فحين يموت نبكي كأننا لم نتوقع ذلك أبدا. كنت فيما سبق أتوقع موت أبي وأتوقع عودته أيضا، لكنني اليوم أنا يتيم. اليتم ليس مقصورا على الصغار الذين فقدوا آباءهم أو أمهاتهم. حينما يموت الأب ستشعر بأنك يتيم ولو كنت في الستين من عمرك. ماذا يعني فقدان الأب؟ يعني أنك فقدت اليد التي كانت تفيض عليك الحب والعطف، وإن مُدت إليك ألف يد غيرها.
سهرت نورا بجواري حتى غبت في سبات عميق. وفي الصباح استيقظت في حالة جيدة وذهب روعي وهدأت نفسي. لكني تعجبت حينما رأيت نورا جالسة على الأرض ناعسة وقد أسندت رأسها على حافة السرير. أسرعت نحوها وأيقظتها فابتسمت حينما رأتني في حالة جيدة. اعتذرت لها وعاتبتها على سهرها طوال تلك الليلة بجوار سريري.
بعد يومين هاتفني عادل وطلب مني الحضور إلى مكتبه بعد ساعة. كانت الساعة العاشرة صباحا. توجهت إلى قسم الشرطة. وفي حجرة المكتب قال عادل:
ـ أنا قلت أسيبك يومين تكون هديت وأكون أنا عملت المحضر وجبت تقرير التشريح.
لم أتكلم. فقال:
ـ أنا آسف يا معتز.
قلت:
ـ ليه؟
أجاب:
ـ كان لازم أصدق إحساسك وأهتم بالموضوع أكتر من كده.
قلت:
ـ ولا يهمك.
لم يتكلم، ورأيته يضغط على زر على مكتبه وقال:
ـ يا مراد... يا عسكري.
فدلف مراد وأدى التحية العسكرية:
ـ تمام يافندم... الحاج سعيد بره من ساعتين.
قال عادل:
ـ سيبه كمان شوية خليه يستوي... يلا اعملنا اتنين قهوة.
قال مراد:
ـ بس يا عادل بيه دي خامس مرة أعملك قهوة وده خطر على صحتك.
قال عادل في تهكم:
ـ القهوة اللي بتعملها مش خطر على الصحة... عارف ليه؟ لأنك مش بتغلي البن يا مراد.
ابتسمت برغمي وسمعته يقول بطريقة مضحكة:
ـ ملكش دعوة بصحتي يا حنين وأغلي البن يا مراد... أغليه يا مراد... أبوس إيدك أغليه... أغليه.
ـ حاضر يافندم والله هغليه حاضر حاضر هغليه.
حينما خرج مراد قلت:
ـ مين الحاج سعيد ده؟
أجاب وهو يشعل سيجارة:
ـ ده يا سيدي صاحب البيت اللي لقينا فيه الجثة.
قلت:
ـ قصدك هو القاتل؟
أجاب:
ـ لما بحقق في جناية قتل بقول جملة واحدة: كل الاحتمالات جايزة.
قلت:
ـ بس أنا حاسس إن عبد المجيد شاهين له دخل بالموضوع.
قال في كياسة:
ـ برضه هقولك نفس الجملة: كل الاحتمالات جايزة.
قلت:
ـ طيب ما تقبضوا عليه.
قال ضاحكا:
ـ هتفضل طول عمرك عاطفي يا زوز... الموضوع مش بالسهولة دي... أنا منكرش إن الراجل اللي رسمته مراتك شبه عبد المجيد شاهين أوي... بس احتمال يكون مش هو... ليه؟ لأن كل الاحتمالات جايزة... وعبد المجيد شاهين هيعملنا شوشرة جامدة أوي لو قبضنا عليه بدون تهمة واضحة.
قلت:
ـ يا عم إيه اللخبطة دي... اومال هتعمل إيه؟
قال وهو يضغط على زر الجرس:
ـ هنبدأ بالحاج سعيد.
هنا دلف مراد يحمل صينية عليها فنجانان من القهوة وكوب ماء. قال عادل:
ـ خلي الحاج سعيد يدخل يا مراد.
كان الحاج سعيد مصفر الأسنان طويل القامة يرتدي جلبابا واسعا. أمره عادل بالجلوس فجلس وهو ينظر نحونا في غباء وبدأ عادل يتكلم:
ـ البيت ده بتاعك من امتى يا حاج سعيد؟
أجاب الرجل في نبرة لا تخلو من مكر:
ـ من زمان أوي يا سعادة البيه.
سأله عادل:
ـ وزمان أوي دي تطلع امتى؟
أجاب:
ـ من ساعة ما ورثته من المرحوم أبويا.
قال عادل وهو ينفث دخان سجائره:
ـ ما شاء الله... جميل أوي يا حاج سعيد... طيب ورثته من المرحوم أبوك امتى؟
أجابه الرجل:
ـ لما مات أبويا.
قال عادل في هدوء حسدته عليه:
ـ البقاء لله يا حاج سعيد... كان نفسي آجي العزاء... بس انتوا معملتوش عزاء... صح؟
أجابه الرجل في غباء:
ـ صح.
قال عادل وهو يميل للأمام:
ـ طيب انت هتبات في الحجز 3 أيام بعدد أيام العزاء... وأنا كل يوم هاجي بنفسي أعزيك.
قال الرجل:
ـ ييجي من 35 سنة يا بيه... ورثت البيت من 35 سنة.
تعجبت من قدرة عادل على ثباته الانفعالي وسمعته يقول:
ـ يعني عارف اهو... اومال مخبي ليه... هو انت خايف من حاجة.
قال الرجل في غضب:
ـ بصراحة يا بيه... السمعة اللي طالعة على البيت دي كلها إشاعات... عفريت إيه اللي ساكن في شقة الدور التالت... أنا بيتي مفهوش عفاريت والشقة مباعة ومحدش اشتكى.
قال عادل في هدوء بعد أن غمز بعينه لي غمزة لم يراها الرجل:
ـ فعلا الشقة مفهاش عفاريت يا حاج.
قال الرجل:
ـ طيب قولهم بقى يا بيه... يا بيه ما عفريت إلا بني آدم.
قال عادل في تأثر مجاريا الرجل:
ـ بني آدم حي... ولا بني آدم مقتول؟
أجابه الرجل:
ـ البني آدم الحي يا بيه بقى أشطر من العفريت ومن إبليس نفسه... منهم لله اللي عايزين يخوفوا الناس من البيت ويطفشوهم منه.
قال عادل في هدوء وهو يشعل سيجارة جديدة:
ـ نص ساعة وأقولك روح لولادك يا حاج... بس ركز معايا في الكام سؤال الجايين وجاوب باختصار من غير لف ولا دوران ولا عايز تشرفنا هنا كام يوم؟
أجابه في حماسة ممزوجة بخوف:
ـ عليا الطلاق أنا ما بتاع لف ولا دوران.
سأله عادل:
ـ عايز أعرف كام واحد سكن الدور التالت من ساعة ما ورثت البيت... وعايز أعرف أسمائهم... والفترة اللي قضاها كل ساكن فيهم... ومشوا ليه من الشقة... ركز وجاوب وبعدها هقولك روح ومش هتجي هنا تاني.
قال الرجل في لهفة:
ـ حاضر يا بيه... أول واحد كان اسمه عبد العال سيد فوزي... كان شاب في الجامعة... خلص 4 سنين فترة دراسته وبعدها مشي.
قال عادل:
ـ مشي ليه؟
أجاب:
ـ هو تقريبا من الأرياف وكان جاي القاهرة عشان الدراسة فخلص الدراسة ومشي... وأنا كده كده كنت مستنيه يخلص دراسته بفارغ الصبر عشان كان ساكن معاه 3 صحابه... مكنوش بيدفعوا إيجار... والسكان قالوا مش عاوزين أسكن طلاب تاني... ولا عزاب.
كان عادل يدوّن ما يقوله الرجل في تركيز شديد ثم قال:
ـ والتاني؟
أجاب الرجل:
ـ التاني كان راجل أربعيني كده قعد حوالي شهور ومشي... والتالت...
قاطعه عادل:
ـ لا استنى يا حاج حسين... التاني مشي ليه؟ وانت قبلت تسكنه ليه طالما مش معاه أسرة... مش السكان قالولك متسكنش عزاب؟
أجاب الرجل:
ـ أيوه فعلا... بس الراجل قالي إنه متجوز... بس هو نزل يدور على سكن ويشتري عفش ويدور على شغل... وبعدها هيجيب مراته وعياله.
سأله عادل:
ـ طيب اسمه إيه؟
أجاب الرجل مسرعا:
ـ معرفش يا بيه.
نهض عادل وأخذ يدور حولنا وهو يشبك يديه خلف ظهره وهو يقول:
ـ مش عايز تروح ولا إيه يا حاج سعيد... مفيش حاجة اسمها معرفش يا حاج سعيد... واحد سكن عندك يعني كان فيه عقد إيجار يا حاج سعيد... يعني تعرف اسمه يا حاج سعيد... ولا عايز تشرفنا هنا أسبوعين تلاتة يا حاج سعيد؟
قال الرجل وهو ينهض فزعا:
ـ أبدا والله يا سعادة البيه... بس هو رفض إنه يمضي عقد لحد ما يجيب مراته وعياله... وأداني تأمين ضعف اللي طلبته... ودفع 5 شهور مقدم كمان.
نظر عادل نحوي نظرة ذات معنى وقال:
ـ انت كنت عايز كام تأمين وهو اداك كام؟
أجاب:
ـ التأمين ساعتها كان 500 جنيه... بس هو اداني 3 آلاف جنيه.
جلس عادل خلف مقعده وأشعل سيجارة جديدة، وبدأت أفهم ما يدور في عقل عادل وسمعته يسأل:
ـ تعتقد ليه اداك 3 آلاف جنيه رغم إن التأمين وقتها كان 500 جنيه؟
أجاب الرجل:
ـ معرفش يا بيه... بس أنا لما رفضت أسكنه بدون عقد... عرض عليا المبلغ ده... ودفع 5 شهور إيجار مقدم عشان أضمن حقي وأنا وافقت.
قال عادل وهو ينظر نحوي بينما يحدث الرجل:
ـ باختصار هو مكنش عايزك تعرف اسمه يا حاج سعيد.
قال الرجل في غباء:
ـ إزاي يعني يا بيه؟
قال عادل:
ـ عادي يا حاج سعيد فيه ناس بتتكسف تقول اسمها... وفيه ناس بتتكسف تتكلم خالص.
ثم أشار نحوي وهو يقول:
ـ شايف الأستاذ ده يا حاج سعيد... بيتكسف يتكلم... عشان كده متكلمش ولا كلمة من ساعة ما أنت دخلت.
قلت في نفسي:
ـ الله يخربيت رخامتك يا عادل... بس برافو عليك... أنت أخدت كل المعلومات بطريقة ذكية... أنا لو مكانك كنت عصبت على الرجل من ساعة ما قال أنا ورثت البيت لما أبويا مات.
نظر الحاج سعيد نحوي في غباء فابتسمت له لأوحي له بصدق ما قاله عادل عني، ثم سمعت عادل يقول:
ـ خليك معايا يا حاج... الراجل اللي بيتكسف يقول اسمه ساب الشقة بعد كام شهر؟... وسابها ليه؟
أجابه الرجل:
ـ شهور يا بيه... ومعرفش سابه ليه.
سأله عادل:
ـ قال حاجة معينة قبل ما يسيبها؟
أجاب:
ـ لا يا بيه.
سأله عادل:
ـ اومال عرفت إزاي إنه سابها؟
ـ أنا كل أول شهر بقعد على القهوة والسكان بيجيبوا لي الإيجار... أنا عوّدتهم على كده... بس هو كان دافع مقدم... فمكنتش بقابله... بس حصلت كهربا... قالي إن شقة الدور التالت فاضية... وعليها وصل متأخر.
سأله عادل:
ـ وصل واحد؟
أجاب الرجل:
ـ وصلين يا بيه... لأني لما دفعتهم كانوا شهرين.
سأله عادل:
ـ الراجل ده سكن بعد الطالب بتاع الجامعة مباشرة؟
أجاب:
ـ لا يا بيه... الشقة فضلت فاضية أكتر من 12 سنة.
سأله عادل وهو يشعل سيجارة جديدة:
ـ ومين سكن بعد الراجل اللي بيتكسف يقول اسمه؟
أجاب الرجل:
ـ واحد اسمه قاسم...
قاطعه عادل:
ـ قاسم عبد العزيز وكان معاه مراته وبنته الصغيرة وأخد منك الشقة إيجار... وبعدين اشتراها تمليك... وبعدين باعها لمراته... ولما مات... مراته باعتها ومشيت.
قال الرجل في ذهول:
ـ صح يا بيه... بس متسألنيش على اسم الراجل اللي اشتراها من مرات المرحوم قاسم عشان معرفوش.
نظر نحوي عادل مبتسما وقال:
ـ لا مش هسألك يا حاج سعيد... بس هسألك آخر سؤال وبعدها تروح... الاشاعات بتاعت العفاريت لما ظهرت كان مين ساكن الشقة.
أجاب:
ـ ظهرت بعد الراجل اللي بيتكسف يقول اسمه ما مشي.
هنا ضغط عادل على زر الجرس فحضر مراد مسرعا فقال عادل:
ـ إحنا تعبناك يا حاج سعيد... تفضل روح.
قال الرجل قبل أن يخرج:
ـ إنما ليه الأسئلة دي كلها يا بيه.
أجابه عادل:
ـ كنت عايز أتأكد إن الشقة مفهاش عفاريت... عشان لما يجي حد تاني يبلغ إن الشقة فيها عفاريت هديه بالجزمة يا حاج حسين.
ابتسمت وسمعت الرجل يقول وهو يخرج:
ـ ربنا يعمر بيتك يا بيه.
أخذ عادل نفسا عميقا وهو يقول لمراد الذي مازال واقفا:
ـ قهوة يا مراد... زود البن واغليه... اغليه يا مراد... اغليه.
قلت وأنا أضحك:
ـ مش تبطل حركاتك دي... إيه سمعة الكسوف دي اللي طلعتها عليا؟
أجابني في مرح:
ـ كان لازم ناخد الراجل واحدة واحدة.
سكت قليلا ثم قال في جدية:
ـ لما سألته بني آدم حي ولا مقتول... الرجل كان ثابت ومتهزش وكمل كلامه على إن البني آدم أشطر من العفريت... وده دليل على إنه ميعرفش ولا حاجة عن موضوع القتل... كان كل همه إنه الشقة تتأجر ويستفيد بالإيجار... عشان كده وافق يسكن الراجل الغامض ده من غير حتى ما يعرف اسمه... والراجل الغامض اللي رفض يقول اسمه هو القاتل... لأن الكلام عن العفاريت ظهر بعد ما هو مشي... كان دافع 5 شهور إيجار مقدم... قعد منهم 3 ومشي... لأن الحاج حسين دفع فاتورتين كهربا بعد ما هو مشي... وفي خلال الـ 3 شهور دي عمل جريمته... ضرب أبوك بآلة حادة في رأسه من قدام زي ما جه في تقرير الطب الشرعي... الراجل لما دفن أبوك في العمود... أبوك كان لسه عايش بس فاقد الوعي... ولما فاق لقى نفسه محبوس جوه العمود... فضل يصرخ يصرخ ويحاول لمدة أكتر من 5 ساعات.
كنت مأخوذا مذهولا وأنا أسمع ما يقوله عادل، ثم قلت:
ـ يعني أبويا مات مرتين... مرة من الضربة... ومرة تانية لما فاق ولقي نفسه محبوس في حتة ضلمة يدوبك متر في متر.
حينما قلتها كانت عيناي تلمع ببودار دموع، لأن عادل قال محاولا التخفيف عني:
ـ قول ربنا يرحمه.
ترحمت عليه، ثم سألت عادل في لهفة:
ـ وهتعرف الراجل الغامض ده إزاي؟
أجاب وهو يأخذ نفسا عميقا:
ـ من حسن الحظ إن الحاج سعيد راجل غلبان وطيب... هجيبه تاني وأقوله إن الراجل الغامض هو اللي بيبعت ناس تطلع إشاعات عن العفاريت... وأطلب منه يوصفلي الراجل ده عشان أقابض عليه... ولو المواصفات قريبة من مواصفات الراجل اللي رسمته مراتك... هقبض على عبد المجيد بيه شاهين.
رواية نصف انسانة الفصل الثامن عشر 18 - بقلم السيد عبد الكريم
بعد شهر كنا نجلس في مكتب عادل بيه الذي نفث دخان سجائره في لذة، ثم نادى بصوت مرتفع:
ـ مراد ... يا مراد.
دلف مراد وأدى التحية العسكرية قائلا:
ـ تحت أمرك يا عادل بيه.
قال عادل وقد ارتخى في جلسته:
ـ أخبار عبد المجيد بيه إيه؟
أجاب مراد بعد أن مال للأمام:
ـ استوى على اخره ... عمال يزعق زى العيل الصغير ... بس معاه 3 محامين.
قال عادل في تحدٍ:
ـ 3 محامين ؟!...... ممممم .... عامه سيبه كمان شويه عبال ما تعملنا قهوة ...
اغلي البن يا مراد .... أغليه.
قال مراد مؤديا التحية العسكرية:
ـ حاضر يافندم.
قال عادل قبل أن ينصرف مراد:
ـ بعد ما تقدّملى القهوة خلي عبد المجيد يدخل بس لوحده ... فاهم؟
أجاب مراد في وقار:
ـ تحت أمرك.
ثم انصرف، فتوجهتُ بنظري إلى عادل وسألته:
ـ عادل ... متأكد انه هيعترف؟
أجاب وهو ينظر إلى دخان سيجارته المتطاير:
ـ عيب يا معتز ... أنا حضّرت كل حاجة .... بس انت متأكد من الخواجة يوجين.
قلتُ مسرعا:
ـ انت رحت معايا إسكندرية وقابلته والكلام كان قدامك يا عادل.
قال عادل بعد صمتٍ قصير:
ـ يبقي عبد المجيد هيقع ... متقلقش.
قلتُ في ترددٍ وخوف:
ـ طيب ولو أنكر؟
أجاب وهو يطفئ سيجارته في المنفضة:
ـ عمرى ما طمعت إن متهم يعترف من أول مرة ... لازم ينكر ... بس هخليه يلف حوالين نفسه .... استحالة هطلب التحقيق معاه كمتهم إلا لو فيه دليل عليه ... عبد المجيد ده واحد معروف في السوق وله معارف وعلاقات وراجل ذكي ومش سهل ... وأنا مش هعلب لعبة معاه إلا لو كنت متأكد إني هكسب.
أخذتُ نفسا وعميقا ودعوتُ الله في سرى أن ينتهي هذا الموضوع ويظهر الحق، سمعتُ صوت من يستأذن في الدخول، ثم قدّم مراد القهوة وقال:
ـ القهوة يا فندم.
قال عادل في جدية:
ـ نادى على عبد المجيد بيه.
بعد قليل دلف إلى غرفة المكتب رجل ممتلئ الجسم طويل القامة أصلع الرأس في بذلة أنيقة ينظر بعينين حادتين، ثم قال وقد بدا على وجهه غضب واضح:
ـ جرى إيه يا عادل بيه ... مش أنا اللى اترمى الرمية دى ... وكمان باعتلى ضبط وإحضار للشركة بتاعتي .... دا تصرف ممكن تندم عليه.
كان الرجل مهيبا قوي الشخصية يتحدث في غضب، لكن لمحتُ شفته السفلى ترتعش قليلا، ثم سمعتُ عادل يقول:
ـ تفضل اقعد يا عبد المجيد بيه ... احنا مش هنعطلك ... هناخد اقولك وتمشي.
قال الرجل وهو يجلس:
ـ بس دى مش طريقة ابدا ... وكمان رافض دخول المحامين ... أنا ....
قاطعه عادل قائلا:
ـ يا عبد المجيد بيه ... الموضوع مش مستاهل محامين .... دى تهمة عبيطة موجهة ليك ... وأنا عارف انك فوق اى شبهات..... بس مجرد روتين مش اكتر.
بدا الهدوء على وجه الرجل ثم قال:
ـ تهمة إيه؟
سأله عادل:
ـ انت من مواليد الإسكندرية ... جيت القاهرة امتي؟
أجاب الرجل:
ـ ليه ؟.... دا تحقيق بقا وأنا ارفض ...
قاطعه عادل مرة أخري قائلا في نبرة حادة:
ـ انت متهم في جريمة قتل... ولو عطلتني عن التحقيق هسجنك على ذمة التحقيق .... اهدى كده وجاوب على الأسئلة علشان تروح .... جيت القاهرة امتي وليه؟
قال الرجل في ثبات أو محاولا أن يكون ثابتا:
ـ أنا مش هتكلم إلا في وجود المحامين.
قال عادل في مكر:
ـ وجودهم زى عدمه يا عبد المجيد بيه ... هم ميعرفوش حاجة عن التهمة ... وهيتفاجئوا لمّا يعرفوا انك قتلت.
هنا قال الرجل بشفتين مرتعشتين:
ـ قتلت ؟!
رفع عادل صوته مناديا على مراد الذي سرعان ما دلف إلى غرفة المكتب، فقال له عادل:
ـ خلى المحامين يتفضلوا.
لم يمضِ وقت طويل حتى دلف إلى الغرفة ثلاثة رجال أنيقين في بذلات سوداء، وقدّم كل منهم نفسه لنا، ثم جلسوا على أريكة بجوارنا.
قال عادل:
ـ يلا بقا ... جاوب يا عبد المجيد بيه.
قال أحد الرجال المتأنقين:
ـ مفيش اى إجابة إلا بعد دراسة التهمة الموجهه لعبد المجيد بيه.
قال عادل في جدية:
ـ دا فى المحكمة ... تطلب التأجيل فى المحكمة ... لكن دا تحقيق ... يعني يجاوب او يتحبس على ذمة التحقيق لحين رفع القضية للنيابة ... ومش جايز يكون مجرد اتهام باطل من أعداء عبد المجيد بيه .... عايز أعرف جيت سكنت في القاهرة امتى وليه؟
أجاب الرجل وقد انكسر كبرياؤه قليلا:
ـ من 14 سنة تقريبا.
سأله عادل في برود:
ـ ليه؟
أجاب:
ـ شغل.
سأله عادل:
ـ سكنت فين؟
أجاب:
ـ فى الفيلا بتاعتي.
قال عادل متهكما:
ـ مش صعب شوية إني أصدق انك كنت صياد عند المعلم رجب ومعاك فيلا هنا.
قال في ارتباك حاول أن يخفيه:
ـ أنا مكنتش صياد ... أنا كنت صاحب أكبر شركة تصدير سمك على مستوى الجمهورية ... وعيب أوى .........
ـ العيب انك تكذب يا عبد المجيد بيه.
هكذا قاطعه عادل ثم أردف:
ـ انت خايف تقول انك كنت فقير وغنيت فجأة ... أنا مش بحقق فى تهمة اختلاس لا سمح الله ... أنا بحقق فى تهمة بسيطة أوى ... قتل مش اكتر.
هنا قال أحد الرجال الأنيقين في حماسة بعد أن سال لعابه:
ـ دى تهمة بدون أي دليل ... وأنا ارفض توجيه أي تهمة لموكلي.
قال عادل رافعا صوته:
ـ مراد ... يا مراد.
حينما دلف مراد وأدى التحية العسكرية أشار له عادل ناحية الباب، فاتجه مراد إلى باب الغرفة وجلب رجلا كهلا ضخم الجثة، فدلف الرجل الضخم في خوفٍ وتردد، أمره عادل بالجلوس ثم قال محدثا الضخم:
ـ تعرف الراجل ده يا معلم رجب؟
هنا ساد صمت كصمت القبور، وتلوّن وجه عبد المجيد بيه باللون الأحمر كأن دم جسمه كله تجمع في وجهه، بينما كان المعلم رجل الضخم يتأمل وجه عبد المجيد ثم قال:
ـ ده عبد المجيد .. أيوه عبد المجيد.
قال عادل في ذكاء:
ـ اسمه عبد المجيد بيه يا عم رجب ... عبد المجيد بيه اللى طول عمره رجل أعمال من ساعة ما كان في الإسكندرية ... ولا انت لما كنت تعرفه مكنش بقي رجل أعمال؟
أجاب الرجل:
ـ اللى أعرفه انه كان شغال عندى.
مال عادل للإمام سائلا المعلم رجل ليُكمل:
ـ وبعدين؟
قال الرجل:
ـ وبعدين اختفى فجأة.
سأله عادل ساخرا:
ـ إيه حكاية الاختفاء ده يا عم رجب ... هم ليه كل اللى بيشتغلوا عندك بيختفوا ؟... مش انت قلتُلى ان فيه واحد اختفي قبله؟
أجاب المعلم رجب:
ـ أيوه يا سعادة البيه.
سأل عادل:
ـ مين بقا؟
أجاب:
ـ محمود الصياد.
هنا قال عبد المجيد بيه في غضب واهتزاز:
ـ أنا معرفش حد اسمه محمود الصياد خالص.
قال عادل في برود وسخرية:
ـ وهو حد قالك انك تعرفه ... ولا الاسم فكرك بحاجة؟
ثم أكمل محدثا المعلم رجب:
ـ مين اللى اختفى الأول ؟... محمود الصياد ولا عبد المجيد بيه؟
أجاب الرجل:
ـ عبد المجيد يا سعادة البيه.
نهض عادل وأشعل سيجارة جديدة وقال:
ـ يا عم رجب قلتلك اسمه عبد المجيد بيه ... بيه يا عم رجب.
قال المعلم رجب:
ـ بيه بيه يا سعادة البيه.
قال عادل وهو يدور حول المكتب:
ـ تفضل انت يا معلم رجب.
نهض المعلم رجب كديناصور وهو يقول متهللا:
ـ اروّح يا سعادة البيه؟
أجابه عادل:
ـ لا يا عم رجب ... خليك شويه امكن نحتاجك تاني ... خلي مراد يعملك قهوة ... بس خليه يغلي البن يا عم رجب.
قال الرجل متوسلا:
ـ أنا مش عايز قهوة يا سعادة البيه... أنا عايز أروّح.
قال عادل بعد أن جلس خلف مكتبه:
ـ بس خليك شويه يا عم رجب .. قعدتك حلوة ... وقعدتك بتفكر عبد الجيد بيه بأيام إسكندرية ... يا سلام أحلى أيام والله ... تفضل استني بره.
استطعتَ بكل ثقة وبرود أن تهوي بكبرياء الرجل من السماء إلى الأرض، هكذا حدثتُ نفسي، ثم سمعتُ عادل يقول:
ـ ليه بقا يا عبد المجيد بيه كنت بتجيب سمك وتوديه الشقة بتاعت الدور التالت؟
أجاب الرجل في غضب:
ـ سمك ايه وشقة الدور التالت ايه؟ ... انت عايز توصل لايه بالظبط؟
أجابه وهو يدس تحت أنفه صورة تقريبية للرجل الذي كان يأتي بالأسماك لوالد نورا رحمه الله:
ـ الراجل ده كان بيتردد على شقة الدور التالت ... ويجيب معاه سمك محدش طلبه.
حاول عبد المجيد بيه أن يخفي ارتعاشه يده وهو يمسك بالصورة وقال:
ـ دى اهانة يا عادل بيه ... إزاي تشبهني بواحد زى ده ... لو كلفت نفسك وبصيت كويس فى الصورة هتلاقي مفيش شبه خالص بيني وبين الصورة.
فتح عادل درج المكتب وأخرج شيئا ما وضعه على المكتب أمامه ثم قال:
ـ فعلا مفيش شبه خالص .. بس لو لبست الباروكة دى ولزقت الشنب ده هتلاقي فيه شبه.
قالها وهو يمدّ يده ( بباروكة ) الشعر المستعار والشارب اللاصق، فقال الرجل في عصبية:
ـ لااااا كده كتير أوى وعيب أوى ... انت عايزني ألبس باروكة والزق شنب علشان ابقي شبه القاتل اللى بتدور عليه ... انت بتضيع وقتك ياعادل بيه ... لما تيجى تدور وسط الشرفاء ورجال الأعمال اللى سمعتهم تشهد بيها البلد كلها يبقى انت بتضيع وقتك ... أنصحك بلاش تضيع وقتك ... وترمي الباروكة والشنب دول وتدور على القاتل بتاعك وسط المجرمين.
قال عادل في استهتار متعمد:
ـ طيب تنصحني أرمي الباروكة والشنب في الشارع ولا أرجعهم في شقة الدور الخامس اللى مكتوبة باسمك وبتدعي انك بتستعملها مخزن للشركة ... ولا دى كمان مش شقتك؟
أجاب مسرعا:
ـ شقتي ... بس أنا أول مرة أشوف الباروكة والشنب دول؟
قال عادل في جدية:
ـ ماشى ... أنا هجيبلك واحد شاف الباروكة والشنب دول قبل كده.
ثم نادى صارخا ومازال ينظر في وجه عبد المجيد بيه:
ـ يا مراد ... مراد .. انت يازفت.
هرول مراد إلى داخل غرفة المكتب قائلا في قلق:
ـ أمرك يا بيه.
أشار عادل ناحية الباب، فاتجه مراد بدوره إلى الباب وجذب رجلا يبدو عليه الوقار، فقال عادل:
ـ اقعد يا حاج الحناوي واحكي كل حاجة قدام عبد المجيد بيه.
قال الحاج الحناوي:
ـ بس يا بيه أنا حكيت كل حاجة.
قال عادل وهو نظر إلى عينيّ عبد المجيد بيه نظرات ثابتة ثاقبة:
ـ أنا عاوز عبدالمجيد بيه يسمع.
قال الحاج الحناوي:
ـ زمان يا بيه جالي الراجل اللى قاعد قدّامك ده بس كان له شعر بني وشنب عريض أسود ... وفهمّني إنه من أهل الخير ويحب يساعد الناس اللى بتكسب لقمتها بالحلال ... ساعتها أنا كنت غلبان معايا مطعم يدوبك متر في مترين ... هو اتبرعلى بمبلغ كبير علشان أوسع المحل وأكبّره... قالى انه جرب السمك بتاعي ومبسوط منّي ... علشان كده هيساعدني أوسع المحل ... وفعلا ادّاني فلوس كتير أوى ... وكبّرتُ المحل ... بس كان له شرط غريب ... انه كل يومين او تلاتة هييجى ياخد مني 3 كيلو سمك يوزعهم على الغلابة ... مش هو ده الغريب يا بيه ... الغريب انه قالي انه هو هيوزع السمك ده بنفسه على الغلابة ويفهمهم انه شغال عندى ديليفرى في المعطم ... ساعتها أنا استغربت أوى وقلتُله طيب وليه ... قالي علشان مش عايز الناس الغلابة يعرفوا انهم بياخدوا صدقة منه ... علشان كده اداني اسماء الناس اللى بيوزع عليهم السمك وأكد عليا إنه لو حد منهم وجه سألني مين بيطلب السمك ده ... أقولهم الاوردر بيوصل باسمائهم ... وان رقم غريب بيطلب الاوردر و...
قاطعه عادل قائلا:
ـ ادّاك أسماء مين؟
أجاب الحاج الحناوى:
ـ اسم قاسم عبدالعزيز.
نظر عادل نحوى، فاتجهتُ ناحية الباب وأشرتُ إلى نورا التي كانتْ تجلس في إحدى زوايا الطرقة، فحضرتْ مبتسمة وأمسكتُ يدها برفق ودلفنا إلى غرفة المكتب، حينما رأنا عبد المجيد بيه حملق في نورا وارتبك ونهض محتقن الوجه وقد تصبب العرق منه، فقال عادل مسرعا:
ـ وطبعا يا عبد المجيد بيه ... نورا استلمت منك السمك اكتر من مرة ... صح يا نورا.
فأومأتْ نورا برأسها موافقة، فقال عادل:
ـ انتَ قتلت الراجل ومسبتش وراك أي دليل ... يعني كان ممكن متظهرش تاني .... إيه الحكمة انك تظهر تانى وتودى سمك لأي حد سكن الشقة بعد جريمة القتل؟
خرّ عبد المجيد بيه على المقعد وه يرتعش، ووضع وجهه بين يديه وقال:
ـ علشان القتيل كان بيجيلى فى كوابيس ويصرخ فى وشى ويقول أنا جعان .... جعان عاوز اكل سمك ...
رواية نصف انسانة الفصل التاسع عشر 19 - بقلم السيد عبد الكريم
مرّتْ عشر سنوات كاملة منذ أن قام عادل بيه بالتحقيق معي في جريمة القتل.
كل تلك السنوات ومازلتُ قابعا في السجن أقضي عقوبة ثمانية عشر عاما.
وخلال تلك السنوات خسرتْ شركاتي كل الأسهم في البورصة، تبخر اسمي في السوق، واختفتْ ثروتي.
أمّا ما تبقى من تلك الثروة فقد قامر به حسام وبدده على ملذاته.
وحينما صار (على الحديدة) باع الفيلا وقام باستئجار شقة حقيرة في أحد الأماكن الشعبية المطحونة.
ترافقه زوجته شيرين في تلك الحياة القاسية.
أمّا زوجتي فقد علمتُ أنها عادتْ إلي الإسكندرية لتعيش مع أخت لها.
كان حسام يأتيني مع زوجته في زيارات متباعدة غالبا ما تكون سريعة متعجلة كأنهما لا يطيقان رؤيتي.
كنتُ حريصا على ألا أترك خلفي دليلا على جريمتي، وقد نجحتُ تقريبا في ذلك حتى ظهرتْ في حياتي نورا.
ذات يوم بينما أحمل الأسماك إلى الشقة التي تسكنها الجثة، والتي شقة قاسم، رأيت نورا.
ثم رأيتها في الفيلا تحتفل مع حسام وشلته بحفل عيد ميلاده.
فكان لابد أن أختفي حتى لا ينكشف أمري.
تسللتُ خارجا من الفيلا، وتركتُ حفل عيد الميلاد.
ولم أقم بزيارة حسام يوم أن أجريت العملية الجراحية في المستشفى حتى لا تراني نورا وتلحظ الشبه بيني وبين الرجل الذي يحضر الأسماك إلى شقة والدها.
كنتُ أود أن أسد هذا الباب حتى لا تتسرب نسائم الشك والريبة إلى قلبها.
لذلك حينما افتتحتُ شركتي الجديدة ورأيتُ تلك الفتاة تُقبل نحوي لتقدم لي التهنئة وهى تنظر إلى عينيّ في ثبات قررتُ من فوري أن أتسلل إلى الطابق الثاني لاستكمال الاحتفال مع أصدقائي من رجال الأعمال.
أنا رجل أحلم دائما بالثراء، وحينما حققته صرتُ عبدا له.
لم أكتفِ بما حققته من مال وجاه بل طمعتُ في المزيد.
كنتُ أريد الثراء الفاحش بصرف النظر عن الوسيلة.
وقد جاءتني الفرصة على طبق من ذهب حينما أخبرني الخواجة (يوجين) أن محمود الصياد عثر على جوهرة من نوع نادر تُقدر بملايين الجنيهات.
أنقدتُ الخواجة مالا ليخبرني أين اختفى محمود الصياد.
ثم أسرعتُ الخطى إلى القاهرة، وقمتُ باستئجار شقة في نفس الحارة التي يسكن فيها.
أرسلتُ له من يخبره بأن مشتريا ثريا مهووسا باقتناء الجواهر اليونانية يريد شراء الجوهرة.
وحتى لا يشك في الأمر جعلتُ صاحب الرسالة يقول:
ـ أنا من طرف الخواجة (اركون)...
وهو بيقولك إن الخواجة يوجين قاله على كل حاجه...
واركون فى انتظارك في شقة الدور الثالث.
طبعا فعلتُ هذا بعد أن خططت لكل شيء، الطوب والاسمنت والقطعة الحديدية وكل شيء.
أمّا الحاج سعيد صاحب البناية فقد أخبرني فور وصولي إلى القاهرة أنه لا يقوم بتأجير الشقق لعزّاب غير متزوجين.
أخبرته كذبا أن زوجتي وأولادي سيلحقون بي، ووافق حينما لمعتْ عيناه وهو يري ما أقدمه له من أموال تفوق بكثير ما طلب.
وجاء الموعد، وانفردتُ بـ محمود الصياد في شقة الطابق الثالث.
طبعا تعجبَ الرجل لأنه يعرفني جيدا، فأنا لستُ الشخص المنتظر.
أخبرته أنني أعلم كل شيء واني صديق مقرب للخواجة اركون وهو في طريقه للوصول إلى هنا.
كان الرجل متشككا متحفظا حينما طلبتُ منه أن أرى الجوهرة.
ورغم تردده لكنه وافق أخيرا، فجعلني أتفحصها بينما هي في يده.
لا أنكر أن لعابي سال كالكلب وأنا أتخيل أنني أملك ذلك الشيء اللامع المرصع الثمين.
استدار محمود ليذهب إلى المطبخ، فهويتُ بكل ما أملك من قوة على رأسه بقطعه من حديد، وسال ذلك الشيء القاني على جبهته.
وعندما هويتُ على رأسه بالضربة الثانية بدا مستسلما يصارع أنفاسه.
لن أنسَ نظراته الذليلة المتوسلة ما حييت.
سقطتْ الجوهرة من يده فالتقطتها، ثم سقط جثة هامدة.
جرى كل شيء كما خططتُ.
جررتُ الجثة إلى أحد جدران الحائط، وبدأت أبني عمودا خراسانيا حول الجثة اللينة.
وضعتُ الطوب والاسمنت وبعض الجبس في سرعة وخوف وهلع وترقب وقسوة ولين وتشف وشفقة وأشياء أخرى متضاربة.
لقد اختفى محمود الصياد من الوجود، ولم تُجدِ نفعا ما فعلته زوجته من بحثٍ في المستشفيات والشوارع والحارات، وتقديم بلاغات لأقسام الشرطة.
المهم أنني صرتُ ثريا بعد أن بعتَ الجوهرة بسبعة ملايين من الجنيهات.
تركتُ الفقر وودعتُ الجوع وصرتُ عبد المجيد بيه.
دخلتُ السوق بكل ما أملك من شطارة وكذب ونصب وتزوير ورشوة وصفقات مشبوهة، فأنا لا أهتم بالوسيلة كما أخبرتكم.
أسستُ شركتي الأولى، وتوالتْ الشركات في الصناعة والسمسرة والبيع والاستيراد والتصدير.
كنتُ مخطئا حينما ظننتُ أن محمود الصياد اختفى للأبد، لأنني رأيته في نومي لأول مرة يقبض بكلتا يديه على حنجرتي.
ظننتُ أنها المرة الأولى وستكون الأخيرة، ربما مجرد كابوس بريء وسيرحل.
لكن الأمر تكرر، وصار مقلقا.
صرتُ لا أنام، الرجل لا يفارقني.
فما أن أضع رأسي على وسادتي حتى يهجم الرجل على حنجرتي صارخا:
ـ أنا جعان....جعان... عاوز سمك.
وهنا خطرتْ ببالي فكرة، أن أقدم لجثته الأسماك لعلها تهدأ في مرقدها.
لكن الأمر تطلب مني خطة جديدة، وعليّ وحدي أن أقوم بالخطة، فمَنْ ذا الذي أثق به لأخبره بجريمتي؟
عدتُ إلى المنطقة الشعبية، وبدأتُ أبحث عن مطعم.
وكان الحناوي رجلا فقيرا يملك مطعما ضيقا متسخا.
تناولتُ وجبة الغداء في المطعم، وأخبرته بإعجابي بما يقدمه للزبائن.
سُرّ الرجل كثيرا واخبرني أنني أنا أنظف زبون دخل المطعم من قبل.
منحته ثلاثين ألف جنيها ليقوم بتجديد المطعم فقبّل الرجل يدي ودمعتْ عيناه.
أخبرته أنني أحب فعل الخير وسأقوم بشراء بعض الأسماك بشكل متكرر لأتصدق بها على رجل مسكين، لكني لا أريد أن يعرف هذا الفقير المسكين أن تلك الأسماك صدقة وهبه، حتى لا أجرح مشاعره، فتأثر الحناوي من كلامي حينما قلتُ:
ـ الدنيا لسه بخير يا حناوي... أنا كل فترة هاجي أخد منك طلبات... بس الراجل الغبان ده مش لازم يعرف إني أنا اللى بتصدق عليه.
حينما رأيتُ الغباء مرتسما على وجهه قلتُ موضحا:
ـ بص... أنا هودى السمك للراجل الغلبان على إني ديليفرى... يعني موظف عندك...
وطبعا هغيّر شكلي...
ولو في يوم من الأيام جه يسأل عني قوله أي حاجه.... المهم محدش يعرف إني أنا اللى بعمل كده...
قلتُ جملتي الأخيرة حينما بدتْ الريبة على وجه الرجل قلتُ:
ـ علشان زى ما انت عارف مش عاوز ثواب الخير يضيع.
فارتاح لما قلتُ، ووعدني بأن يظل الأمر سرا، وأخذ يعدد مزايا الصدقة في الخفاء، وجزاء ذلك عند الله.
ثم سألني قبل أن أغادر:
ـ هو اسمه ايه الراجل الغبان ده؟
قلتُ وأنا أغادر:
ـ قاسم عبدالعزيز.
ثم ذكرتُ له عنوانه، وغادرت.
حينما كانتْ تشتدّ عليّ الكوابيس وتهجم علىّ كالجاثوم كنتُ أذهب إلى شقتي بالطابق الخامس وألبس (الباروكه) وأقوم بلصق الشارب المستعار واتجه إلى الحناوي، ثم أحمل الأسماك الى شقة قاسم.
وأقسم لكم أن الكوابيس كانتْ تختفي وقتها لمدة لا تزيد عن أسبوع، ثم تعود من جديد فأعلم أن الجثة جائعة، فأكرر التنكر من جديد.
سارتْ الأيام سعيدة رائعة:
ـ فأنا لم أترك خلفي دليلا واحدا على جريمتي.
ـ واختفيتُ من حياة نورا التي كان من الممكن أن تكشفني.
ـ وترددتُ على بيت قاسم بالأسماك فى غياب نورا بالجامعة.
ـ وقاسم كفّ عن السؤال واعتاد الأمر.
ـ وأقوم بإطعام الجثة بثلاثة كيلوجرامات من الأسماك كلّما جاعت.
يا لها من حياة سعيدة!
لكن من قال أن الحياة تسير على وتيرة واحدة.
جاء اليوم الذي لن أنساه.
كنتُ وقتها فى شركتي:
ـ ضبط واحضار!!!
دقّ قلبي وتذكرتُ جريمتي ونورا، وراح عقلي ينسج الأهوال.
هل وشي بي الحناوي؟
لكن هو لا يعرف شيئا عني، حتى اسمي لا يعرفه.
لم يغب عنّي وقتها أن أقوم بتلفيق اسما زائفا.
ثم بدتْ لي هذه الخواطر مجرد سخافات، وتوكلتُ على الله، وذهبتُ إلى قسم الشرطة، وحدث ما حدث.
لماذا اعترفتُ وقتها؟
باختصار لأن السد قد انهار.
عادل بيه شاب ذكي بارد الأعصاب، ويبدو انه خطط لكل شيء:
ـ لا فرصة للمحامين.
ـ لا فرصة لدراسة القضية.
ـ لا فرصة لتأجيل التحقيق.
ثم إنني ذهبتُ إلى القسم وأنا لا أعرف تهمتي.
كنتُ أظن أنها مجرد تهمة من منافس في التجارة، وقد اعتدتُ على ذلك حتى صار لا يمثل لي أي قلق.
أثناء التحقيق وحينما دلف الحاج سعيد ثم الحاج الحناوي وصار مكتب عادل بيه سيركا علمتُ أنها مسألة وقت.
مسألة وقت وسوف ينهار السد.
وما لم تعرفوه أن التحقيق استمر سبع ساعات متواصلة، فبعد دخول نورا إلى المكتب كنتُ أعلم أن إنكاري لن يدم طويلا.
واعترفت.
قلتُ لكم أنها مسألة وقت، وقلتُ لكم أن عادل بيه خطط لكل شيء.
أرى أن أحدكم يريد أن يسألني عن خطتي القادمة، طبعا سؤال ساذج إن سمحتوا لي، لأنني أخطط للهروب.
نعم وضعتُ خطة للهروب، وسأقوم بتنفيذها خلال شهور قليلة، فقط في انتظار الفرصة السانحة.
لقد قضيتُ عشر سنوات هنا، ولن أقوي على تحمل ثمانية سنوات أخريات.
ثم إن العمر يمضي، ولن أموت هنا، سأهرب، وسيحدث ذلك قريبا جدا، وقتها سأنتقم، لكن سيكون انتقامي رهيبا شنيعا شبيها بما يحدث في الأساطير.
رواية نصف انسانة الفصل العشرون 20 - بقلم السيد عبد الكريم
بعد مرور عشر سنوات.
من قال أن الحب تقتله النهاية السعيدة؟
من قال أن الحب ينتهي بعد الزواج؟
الحب تتأجج ناره كل يوم وكل لحظة بجوار مَنْ تحب.
لكنه حب من نوع آخر، من نوع المودة والرحمة والسكن والتفاهم والصحبة الحسنة والمشاركة والتضحية والفناء وتحمل المسئولية والمشاركة في خلق جيل متمسك بالقيم والخلق الحميدة.
في الساعة السادسة صباحا في شقة زوجة أبي التي صارت شقتي، استيقظتُ على صوت زوجي الذي قال هامسا:
ـ يلا يا كسلان... اصحي يلا وصحي مكة واجهزوا عبال ما أجهز الفطار.
قالها معتز وهو يطوى سجادة الصلاة، فعلمتُ أنه فرغ منذ قليل من صلاته، قلتُ مسرعة:
ـ صباح الخير يا حبيبي.
اقترب منّي وقبّلني ثم قال:
ـ عبال ما أرجع ألاقيكم لبستوا وصليتوا.
دلفتُ إلى الغرفة التي كانتْ غرفة وفاء أختي من قبل، وأيقظتُ ابنتي مكة. لماذا سميتها مكة؟ يا له من سؤال!
أذكر ذلك اليوم الذي استيقظنا جميعا على صراخ والدة صديقتي مكة حينما تلقتْ خبر إصابتها في حادث سيارة، توجهنا إلى المستشفى، وشعرتُ من نظرتي الأولى لها أنها ستموت. كانتْ مغمضة العينين، وقد وُضِعتْ قطعة من القطن على كل عين، ودستة من الخراطيم التي تدخل وتخرج إلى ومن جسمها، غرفة العناية المركزة الكئيبة الصامتة، لم نتوقف عن البكاء وقتها، ولم تمضِ إلا ساعات قليلة حتى فارقتْ روحها الحياة، تلك الروح الطاهرة المطمئنة التي طالما كانتْ الملاك الحارس لي في مصائبي وشدتي، ولن أنسَ منظر الفتيات الصغار اللاتي كن يحفظن القران في شقتها وهن يبكين عليها بحرقة ونحن نواريها تحت التراب في المقابر، سيظل هذا المشهد حيا بعقلي ما حييت، وستتردد جملتها في جدراني طوال حياتي حينما سألتها ذات يوم:
ـ مكة... هو انتي بتاخدى مقابل لدرس القرآن؟
أجابت وقتها:
ـ فلوس ايه... دى حاجة بعملها تنفعني في قبري بعد ما أموت.
يا الله على الجملة!!! سبحان الله هي كانت بتبحث عن حاجة تعملها تقربها من ربنا وتعمر بيها اخرتها، وأنا كنت تايهة في عالم مليان كذب وخداع.
ماتت مكة في عز شبابها.
"الطيبون يرحلون سريعًا، كأنهم عطرٌ مرّ بنا ثم اختفى، كأن الحياة لا تليق بقلوبهم البيضاء، كأن السماء تشتاق لأرواحهم النقية، فيرحلون قبل أن تلوثهم قسوة الأيام. يرحلون في صمت، لكن صداهم يبقى في القلوب، في الدعوات، في الذكريات، في التفاصيل الصغيرة".
وكما قال الدكتور أحمد خالد توفيق رحمه الله: "كنت أتساءل لماذا يختار الموت أفضل من فينا؟ ولكنني وجدت الإجابة مؤخراً في كلمة احدهم.. لأنهم نجحوا في الامتحان مبكراً.. فلا داعي لوجودهم".
وكأنّ مكة كانتْ تعلم أنها سترحل مبكرا.
رحمك الله يا حبيبتي مكة يا أجمل وأرق قلب، وجعل الله قبرك روضة من رياض الجنة. ستظلين في ذاكرتي يا مكة الى ان يجمعني الله معك في مستقر رحمته، حقا إن الدنيا مزرعة للآخرة، ومكة لم تزرع إلا الخير والابتسامة وتحفيظ القران بلا مقابل، لذلك حينما نظرتُ إليها نظرتي الأخيرة قبل دفنها، لم تكن ميتة، كانتْ ملاكا نائما، أقسم بالله أنني شممت رائحة المسك يفوح من جثتها، يا الله!!!
عدتُ من شرودي، وأيقظت ابنتي مكة وارتدينا ثيابنا وأدينا الصلاة، ثم عاد معتز وتناولنا إفطارنا في جو من البهجة والسعادة وذهب معتز إلى عمله بالمحل لأن عم حسين كان بانتظاره، أه نسيت أن أخبركم أن معتز جعل عم حسين يعمل معه في المحل وقد وفّر له سكنا أنيقا بالطابق الرابع. على أية حال غادرتُ أنا ومكة ابنتي إلى المدرسة التي أعمل بها، فأنا صرتُ معلمة لغة عربية في المدرسة الابتدائية، ويا للعجب!
في ذلك اليوم وفى الحصة الأخيرة توجهتُ إلى الصف الثاني الابتدائي، ثم وجدتُ تلميذة جديدة نُقلتُ للتو إلى الفصل من مدرسة أخرى، كانتْ الطفلة شاردة الذهن تنزوي بعيدا في أخر الفصل، انه المكان المفضل لي حينما كنت تلميذة فى مثل عمرها. كانت الفتاة تنظر إلى الأمام بعيون شاردة تائهة، لا أعرف لماذا تذكرت طفولتي حينما رأيتها. سألتها:
ـ اسمك إيه يا حبيبتي؟
لم تتكلم، فقالتْ إحدى التلميذات:
ـ دى البنت الجديدة يا مس.
اقتربتُ من الصغيرة وربّتُ على كتفها وقبلتها وقلتُ لها:
ـ ما تخافيش يا حبيتي.
ثم أخرجتُ من حقيبتي قطعة حلوى وقدّمتها لها وأنا أقول:
ـ يلا بقا قوليلى اسمك إيه وخدى الجايزة الحلوة دى.
لم تتحدثْ الفتاة رغم محاولاتي، فقررتُ أن أسأل عنها مدير المدرسة بعد انتهاء اليوم الدراسي. بدأتُ أشرح للتلاميذ لكن وجه الطفلة الصغيرة الشاردة كان يستوقفنى كل مرة. الفتاة رائعة الجمال لكنه جمال حزين قاتم كمَنْ قطع شوطا يركض هاربا من الجحيم، تذكرتُ نفسي حينما كنتُ صغيرة، كنت مثلها شاردة الذهن مشتتة الفكر لا أشعر أنني مثل زميلاتي بسبب فقري ويتمي وفقدان الترابط الأسري، وتلك الأشياء هي ما كوّنتْ شخصيتي المهزوزة، ولولا حبيبي وزوجي معتز ما كانتْ الحياة دبّتْ مرة أخري في نفسي الحائرة المعذبة المهزوزة، فمعتز لم يكن زوجا فقط، بل كان أخا وأبا وصديقا.
حينما انتهتْ الحصة، امتلأ حوش المدرسة بأولياء الأمور، يصحب كل منهم ابنه أو ابنته في حب ولهفة، إلا الفتاة الصغيرة الشاردة التي خرجتْ وحيدة رغم صغر سنها، فاعتقدتُ أنها تسكن بالقرب من المدرسة وتعرف طريق العودة. ثم سمعتُ صوت صراخ وضوضاء خارج فناء المدرسة، فعلمتُ أن مكروها قد وقع. حينما هرعتُ خلف المدير، رأيتُ الفتاة الشاردة ملقاة على الإسفلت اثر اصطدامها بدراجة أحد المارة، حملها الفرّاش بأمر من المدير إلى حجرة مدير المدرسة، ثم قام المدير بالاتصال بوالد الفتاة. كدتُ أن أنسى الموضوع حينما اطمأننتُ أن إصابة الفتاة سطحية. خرجتُ من غرفة مكتب مدير المدرسة لكني رأيت والدة الفتاة وقد دلفتْ إلى غرفة المدير واحتضنتْ ابنتها في لهفة، وما هي إلا لحظات حتى دلف والد الفتاة الصغيرة أيضا. طمأنهم المدير ونصحهم أن يرافق أحدهم البنت يوميا، فهي مازالتْ صغيرة ولا تستطيع عبور الشارع بنفسها. كنتُ أرى هذه المشهد من الطرقة الخلفية عبر نافذة صغيرة. هنا صرخ والد الفتاة في زوجته:
ـ كله منك يا وش الفقر... قلتلك استني البت قدام المدرسة.
ردت زوجته بعدما شعرتْ بالاهانة:
ـ أنا استأذنت من الشغل علشان اجى اخدها... الهم والباقي عليك اللى نايم في البيت لا شغل ولا مشغلة.
قال زوجها:
ـ ومين قالك اشتغلى.. ما تترزعى فى البيت وتخلي بالك من البنت.
احتدّ الشجار بينهما لانني سمعتُ الزوجة تقول:
ـ ما هو أنا لو لاقيه راجل يصرف على البيت مكنتش طلعت اشتغل.
قال زوجها:
ـ كمان بتشتميني يا رخيصة.
قالها ثم انهال على وجهها بصفعة اهتزّ قلبي لها، ورأيتُ المدير يقف حائلا بينهما محاولا أن يوقف الضربات واللكمات المتتالية على جسد الزوجة الباكية المنهارة. أخفيتُ رعشتي وأسرعت إلى فصل ابنتي مكة واحتضنتها بقوة وانسللتُ إلى خارج المدرسة عائدة إلى حبيبي وزوجي معتز. لكن كلمة رخيصة التى قالها الزوج لزوجته كان صداها مازال يتردد في عقلي، فلم يكن الزوجان إلا حسام وشيرين.