تحميل رواية «ندبات قدر» PDF
بقلم الشيماء مسعد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
"البت دي لازم تكون في أوضتي الليلة دي يا "دلال" بأي تمن." كانت تلك كلماته التي ألقاها بغضب ذلك الرجل صاحب الخمسين عاماً، لكن من يراه يقسم أنه في بداية الأربعينات من عمره. كانت "دلال" تفرك يديها بتوتر، بدا في نبرتها وهي تقول: "حاضر هحاول، بس والله يا ممدوح بيه أنا بعمل كل اللي أقدر عليه معاها، بس البت المفعوصة دي منشفة دماغها، أعمل إيه بس؟" أشارت له على باقي الفتيات اللاتي يعملن معها، وقد كن يجلسن على طاولة الطعام يلعبن الورق لقتل الملل. تفت قائلة بثقة: "ما قدامك أهو، البنات، شاور على أي واحدة وه...
رواية ندبات قدر الفصل الأول 1 - بقلم الشيماء مسعد
"البت دي لازم تكون في أوضتي الليلة دي يا "دلال" بأي تمن."
كانت تلك كلماته التي ألقاها بغضب ذلك الرجل صاحب الخمسين عاماً، لكن من يراه يقسم أنه في بداية الأربعينات من عمره.
كانت "دلال" تفرك يديها بتوتر، بدا في نبرتها وهي تقول:
"حاضر هحاول، بس والله يا ممدوح بيه أنا بعمل كل اللي أقدر عليه معاها، بس البت المفعوصة دي منشفة دماغها، أعمل إيه بس؟"
أشارت له على باقي الفتيات اللاتي يعملن معها، وقد كن يجلسن على طاولة الطعام يلعبن الورق لقتل الملل. تفت قائلة بثقة:
"ما قدامك أهو، البنات، شاور على أي واحدة وهي تجيلك."
صاح بحزم قاطعاً كل ذرة أمل لديها:
"وأنا قلت "قدر"، أنا عايز "قدر"، ولمصلحتك إنك تنفذي اللي بقوله، لحسن أنتِ عارفاني، قلبي وحش."
أجبرت نفسها على الابتسام، ولكن بدا الضيق جلياً على ملامحها، هاتفه برجاء:
"طب اديني بس فرصة، ألّين دماغها الناشفة دي، وأنا أوعدك هتكون ليك."
هز رأسه بريبة، فهو يعلم جيداً أنها تماطل لكسب بعض الوقت. لف بعينيه جيداً، لم يجدها بأي من زوايا المنزل. أومأ برأسه على غرفتها بدون كلام.
أسرعت "دلال" بالرد:
"أيوا، قاعدة جوا في أوضتها، مانت عارف اللي تنشك في قلبها مابتحبش قال تقعد معانا."
رفع سبابته محذراً إياها من أن تتمادى في سب تلك الفتاة التي أسرت قلبه وعقله منذ أن وقعت عينيه عليها في هذا المنزل، قائلاً:
"دلال، أنا كده أزعل، أوعي تغلطي في "قدر" قدامي."
أشاحت بوجهها بعيداً عنه، لوت فمها يميناً ويساراً، ثم أعادت لتنظر إليه قائلة بطاعة:
"أوامرك يا "ممدوح" بيه."
اقترب هو من غرفة "قدر" بهيام، وكانت تسير "دلال" خلفه، فتح الغرفة بدون استئذان.
كانت الغرفة تحوي كل أنواع المحرمات وما يغضب الله ويبغضه المؤمن، حيث كان هناك في إحدى زوايا طاولة موضوع عليها أنواع كثيرة من الخمور ومذهبات العقول، وهنا في زاوية أخرى وُضِعَ لباس غانيات وطبول. لكن... ماهذا؟
أهي حقاً تصلي؟ كانت فتاة ساجدة تصلي وتتضرع في خلوتها، لكن قطع هذه الخلوة اقتحام ذلك الرجل الذي ما إن تراه من الوهلة الأولى تعلم أنه رجل جمع بين الفسق والثراء الفاحش في آن واحد. وما إن دفع الباب حتى انتفضت وهي تقوم من موضع السجود، لم تشيح بنظرها عن موضع سجودها وأكملت صلاتها بخشوع تام وكأنها لم تر شيئاً، ولكن رعشة سرت في جسدها خوفاً... ترى ما الذي دفعهم إليها في مثل هذه الساعة المتأخرة من الليل.
رمقه "ممدوح" بنظرات اخترقت كل شبر بها وهمس للواقفة بجواره:
"جرا إيه يا "دلال"؟ أنا هفضل لحد إمتى مستني القمر ده يحن عليا، إنتي عارفة إنه انتظاري هيخسرك كتير."
هتفت للمرة التي لم تدري عددها محاولة إظهار جهودها المستمرة في إقناع تلك العنيدة:
"وشرفك يا "ممدوح" بيه، أنا كل يوم على ودانها، وأنا قلتلك اديني شوية وقت."
تغيرت نبرتها لأخرى حزينة وتابعت:
"لكن مافيش فايدة، انت شايف بعينك أهو، هي عاملة فيها خضرة الشريفة."
أمسكت يده تخرجه من الغرفة هامسة:
"الحل الوحيد إنك تتجوزها، دي الحالة الوحيدة اللي هاضمن لك إني أقدر أجيبها تحت رجلك وماتقدرش تعترض."
أمسك ذقنه مضيقاً عينيه مردداً كلماتها:
"أتجوزها... لو دي السكة اللي بتجي بيها، مافيش مانع إني أفكر."
عاد مرة أخرى للغرفة ليجدها انتهت من صلاتها، تطوي سجادة الصلاة حتى اتاها صوته:
"مساء العسل يا عسل."
فسقطت السجادة أرضاً من أثر الخوف. استدارت تطالعه برجفة ظهرت جلية في صوتها:
"إنت... حضرتك، قصدي عايز إيه؟"
"عايزك."
كان هذا جوابه باختصار وهو يتطلع إليها بنظرات إعجاب جنونية تخترق جسدها. رمقته بنظرات حادة موجهة سبابتها نحو الباب قائلة:
"اطلع برا، مش من حق أي حد يدخل أوضتي من غير استئذان."
رد ببرود شديد متجاهلاً عصبيتها:
"بس كده يا قطة، no problem."
اتجه نحو الباب، أغلقه ودق دقتين، ثم دلف مرة أخرى هاتفا رافعاً كفيه ببراة:
"سهلة أهي."
رمقته بغير تصديق، ثم استجمعت قوتها وقالت:
"خليك هنا، أنا اللي هاسيب الأوضة كلها، ياكش تولع باللي فيها."
ابتسم، فهو يعشق تلك القطة الشرسة، هذا نوعه المفضل. أما عنها فقد اتجهت نحو "دلال" التي كانت جالسة واضعة قدم فوق الأخرى، شاردة تفكر في طريقة لإقناع تلك الفتاة بالذهاب مع المدعو "ممدوح" والعيش معه في منزله.
فاقت من شرودها على صوت "قدر" المختنق:
"ماما "دلال"، مش قولتلك قبل كده الراجل ده ما يدخلش أوضتي تاني؟ انتي بتعملي معايا كده ليه؟ هي دي وصية بابا الله يرحمه لما قالك بنتي أمانة عندك؟"
قالت آخر كلماتها وهي تمسح دموعها. همست إحدى الفتيات لأخرى:
"بدأت فقرة تأنيب الضمير والنواح اليومية برعاية الست "قدر" زفت."
ردت الأخرى بضيق:
"يا شيخة يلعن أبو شكلها، بتطير الدماغ اللي أنا عملاها."
في نفس الوقت وقفت "دلال" واضعة يدها على خصرها قائلة:
"إيه يا بت الكهن ده كله؟ بقى أنا مش صاينة الأمانة؟ دانتي تحمدي ربك ليل نهار إني كبرتك ودخلت مدارس وعلام من أصله، إنتي كل يوم هتقرفيني بالبوقين دول."
وضعت يديها على وجهها. لقد سئمت كل شيء في هذا المنزل الذي هو قطعة من الجحيم بالنسبة لها. مسحت دموعها، حاولت أن تبدو ثابتة وهي تقول:
"كتر خيرك فعلاً أحسن تربية، بس أنا قولتلك إني أول ما ألاقي شغل على طول هاسيب البيت وأمشي، ولما ربنا يكرمني ويبقى معايا فلوس أوعدك إني هردلك كل ديونك اللي ربتيني وعلمتيني بيها، بس ابوس ايدك خليه يسيبني في حالي، ابوس ايدك يا ماما "دلال"."
نظرت "دلال" لها بنظرة تحمل بعض الشفقة، فهي حقاً تكن لها مشاعر ولو قليلة وتريد أن يبتعد ذلك الرجل عنها، لكن لا حيلة لديها، فهو رجل مستبد متملك. نفضت "دلال" كل ذرة شفقة لديها وأشاحت بنظرها تجاه غرفة "قدر" حيث كان يقف ويبدو عليه الآن الانزعاج، فهو يراقب ويسمع كل كلمة قالتها قدر.
حسم أمره، وقبل أن تعود هي لغرفتها هتف بما جعلها تتجمد مكانها:
"ست "دلال"، أنا عايز أتجوّز قدر."
نظر إلى قدر بابتسامة حملت في طياتها النصر وقال:
"إيه رأيك بقى يا قدورتي؟"
لم ترد عليه، لكن كانت مثبتة نظرها نحو دلال تنتظر ردها، لكن لم تنتظر كثيراً حين هتفت دلال بفرحة عارمة:
"يا ألف نهار أبيض يا ألف..."
قاطع فرحتها إشارة من سبابة ممدوح تحثها على السكوت وتابع هو:
"لا لا يا دلال، أنا عايز قدر تفكر براحتها، قدامها لحد بكرة."
عاد النظر لتلك الواقفة ومعالم الصدمة تبدو عليها وتابع:
"وافقي وأنا هخليكي princess، هخليكي أسعد واحدة في الدنيا كلها."
رمقته بمقت شديد ولم ترد. اتجهت ناحية غرفتها وما إن دلفت حتى صفعت الباب خلفها بقوة.
في الخارج، اتجه ممدوح ناحية باب الشقة ثم طالع دلال قائلاً:
"معادنا بكرة يا دلال، عايز أخبار حلوة."
أومأت له بابتسامة واسعة هاتفه:
"أكيد يا ممدوح بيه، ما تحملش هم."
وما إن سمع هذا حتى ابتسم بطمأنينة. خرج وأغلق الباب خلفه وابتسم ابتسامة جانبية تحمل الكثير والكثير.
***
بينما في مكان آخر بعيد، كان يقف شاب فارع مفتول العضلات قوي البنية. كان يحمل في يده مسدساً يصوب به ناحية الفراغ في مكان فسيح لا يوجد به أحد في جوف الليل. كان يبدو حزيناً منكسراً، يطلق أعيرة نارية ومعها تهبط دموعه. وما إن انتهى من إطلاق آخر رصاصة في مسدسه حتى ركب سيارته وعاد إلى منزله. لم يكن منزلاً عادياً، بل كان قصراً كبيراً حوله أرض زراعية شاسعة لم يظهر أولها من آخرها.
دلف الشاب وقد وجد سيدتين في انتظاره. اقتربت منه شابة وقالت برسمية:
"رازي بيه، كنت فين لحد دلوقتي؟ قلقنا عليك."
نهرها قائلاً بصوت هز أركان القصر:
"محدش يسألني كنت فين، ومحدش من حقه يقلق عليا، غوري من وشي."
نظرت له السيدة العجوز بحزن ولم تتفوه. أما الفتاة فقد تجمدت مكانها من الخوف.
اقتربت منها السيدة العجوز قائلة بعتاب:
"سألتيه ليه يا بنتي؟ مانتي عارفة إنه انهاردة ذكرى وفاة الست زهرة والدته الله يرحمها، وإنتي عارفة حالته بتبقى عاملة إزاي في يوم زي ده."
ضربت الفتاة رأسها، وقد كانت الممرضة المعالجة له وقالت:
"أيوا صح، أنا إزاي نسيت حاجة زي دي؟ أنا غبية، نسيت."
ربتت أمينة على كتفها وقالت:
"حصل خير يا بنتي، بكرة يهدأ ويرجع لطبيعته. لما إلياس يرجع من القاهرة، هو الوحيد اللي بيعرف يخرجه من اللي هو فيه."
***
أما عند دلال، فقد كانت تزف الطبول وترقص بفرحة وهي تتأمل حالها الذي سيتبدل كلياً بهذا الزواج. شردت تتخيل نفسها وهي ترتدي ملابس باهظة الثمن وعلى رقبتها يتدلى أفخم الحُلي.
عادت إلى الواقع هاتفة بسعادة:
"أخيراً يا بت يا دلال، أخيراً هتبقي من سيدات المجتمع الراقي، أخيراً هتبقي زيك زي الهوانم."
تلاشت فرحتها وبهت وجهها ما إن تذكرت تلك العنيدة وكيف ستقنعها بالموافقة. تذكرت شخصاً ما، هو الوحيد الذي يستطيع إقناعها. نعم، هو "عصفور" لا غيره، فهو أكثر شخص قريب من قدر.
ارتدت دلال وشاحاً على كتفيها وغادرت الشقة متجهة للأسفل. التقت بعصفور بعدما دقت على الشقة التي في الطابق السفلي. فتح لها عصفور وكان يبدو عليه آثار النوم. مسح على عنقه وقال:
"خير يا ست دلال؟ إيه اللي جابك في وقت متأخر كده؟"
دلفت الشقة وأغلقت الباب خلفها وهي تقول:
"تعالى يا واد يا عصفور، عايزاك في موضوع مهم."
***
كانت قدر في غرفتها، كانت تبكي بنحيب. فهي لا تمتلك من أمرها شيئاً الآن، هي ضائعة. تخشى أن تكون هذه نهايتها، متزوجة برجل تمقته بكل جوارحها.
رفعت يديها إلى السماء داعية بكل خشوع:
"يارب، أنا وحيدة ماليش حد، بس عارفة إنك مش هتخذلني، مش هتسبني وحيدة. عمري ما دعيتك يارب وردتني خايبة، ديماً بتكون معايا باستشعر رحمتك حواليا. يارب، أنا مطمئنة بس عشان متأكدة إنك مش هتضيعني."
قالت هذا، ثم وضعت رأسها على وسادتها تفكر لحظات، لكنها استسلمت سريعاً للنوم وغطت في نوم عميق.
أما عن ممدوح، فقد كان جالساً في مكتبه الذي هو بمساحة شقة كاملة. كان يهاتف شخصاً ما، كانت هناك ابتسامة جانبية خبيثة تلون وجهه وهو يتابع:
"زي ما قولتلك، تجيب واحد يعمل نفسه مأذون ونخلص الليلة، وبعدها هتكون قدر ملكي للأبد."
أتاه الرد من الطرف الآخر قائلاً:
"كده أحسن يا باشا، وضعك الاجتماعي وعيلة المدام مستحيل يسمحوا لحضرتك تتجوز واحدة لا مؤاخذة زي دي."
كور يده بغضب قائلاً:
"مؤمن، الزم حدودك، قدر مش زي ما أنت فاكر."
"آسف ياباشا والله ما قصدي."
"أنا بس خايف على معاليك."
كان هذا رد مؤمن على هجوم ممدوح المفاجئ. أقفل ممدوح متضجراً. هو حقاً يريدها معه، يعشقها إلى حد الجنون، لكنه مقيد بحكم المكانة الاجتماعية، مقيد بحكم عمله كعضو في البرلمان.
أغمض عينيه وأراح ظهره على المقعد الخاص بمكتبه، يتمنى لو تكون بين يديه الآن. فتح درج سري في مكتبه وأخرج صورة لها التقطها خلسة، أخذ يحدق بها وأصابعه تتحرك على وجهها بهيام واردف:
"هتكوني ليا، ما تقلقيش، برضاكي أو غصب عنك هتكوني ليا، ده وعد مني ليكي يا قدر."
***
في صباح يوم جديد، استيقظت قدر على صوت دق على باب غرفتها. تحدثت بنعاس:
"مين بيخبط؟"
أتاها الرد سريعاً:
"أنا عصفور يا قدر، فوقي كده والبسي وتعالي، عايزك في موضوع مهم."
ما إن بدأت في فتح عينيها حتى تذكرت ما حدث بالأمس. رعشة سرت في قلبها، مجرد فقط تخيل مشهد أنه زوجها يجعلها تشعر بالغثيان.
لم يمر الكثير من الوقت حتى بدلت ملابسها وارتدت حجابها وخرجت لترى ماذا يريد عصفور. لم يجعلها تنتظر كثيراً لفك الإبهام الذي ظهر على وجهها، وقبل أن تتحدث، تحدث هو بصوت منخفض:
"اسمعي، دلال قالت لي إن الزفت ده اتقدملك، وهي طبعاً مرحبة، لا وكمان عايزاني أقنعك."
تحدثت بصدمة قائلة بتهكم:
"وانت جاي انهاردة تقنعني؟"
ابتسم بخبث واردف باختصار:
"الصراحة... آه."
اتسعت عيناها وكانت ستنهي الجلسة بأنها هبت واقفة، لكن سرعان ما حثها هو على الجلوس ثانية وقال بابتسامة:
"خليكي ورا عصفور، واللي يمشي ورا عصفور يكسب."
***
مر حوالي أسبوع على تلك المحادثة بينها وبين عصفور، ولا تدري كيف أقنعها لتكون الآن قابعة أمامه يصفف لها شعرها في مركز التجميل الذي يعمل به. ترتدي ثوب الزفاف، كان قلبها يرتعد حقاً من الخوف، خوفاً ألا يحدث ما اتفقا عليه.
أخيراً انتهى عصفور من عمل اللازم وألبسها حجاباً أبيض غاية في الجمال. غمز عصفور لتلك الفتاة التي كانت في الزاوية فأردفت قائلة:
"يلا يا عروسة عشان اللمسات الأخيرة، هاظبط لك الفستان."
وقفت وهي تشعر ببرودة شديدة تسري في كامل جسدها. لحظات فقط هي ما تفصلها عن حريتها. يجب أن تكون أكثر قوة، يجب أن تحارب من أجل حريتها.
هرعت تسابق الزمن، وصلت للفتاة فأخذتها من يدها وهي تهمس لها:
"تعالي من هنا، ربنا يعدي الموضوع ده على خير."
نظرت لها قدر والدموع في عينيها:
"أنا عمري ما هنسالك الجميل ده، عزة، واسفة بجد إني هاذيكي."
نظرت عزة بحب مختلط بقلقها مما هو قادم وقالت:
"ياستي لو على الضربة اللي هاخدها منك، فهعتبرها ذكرى منك، داحنا واكلين مع بعض عيش وملح يا قدر، المهم ربنا يوفقك في اللي جاي."
لم تستطع قدر ضربها بالمزهرية كما اتفقتا، إنها صديقة طفولتها وأخت عصفور. ولكن ما إن وصلتا إلى الدرج الذي ستلوذ منه قدر هاربة لحريتها، دفعت صديقتها عزة لتقع من درجات السلم، حتى لا تتورط معها ويصيبها الأذى هي أو عصفور.
فرت هاربة، شعورها لا يوصف الآن، تشعر وكأنها تحلق في السماء. الحرية هي أن تشعر أن أفكارك غير محتلة، قراراتك غير محاصرة. الحرية هي أن يحلق الطير في السماء ولا يعلم أين وجهته، لكنه مطمئن بأنه غير مقيد. كذلك كانت هي تركض وتركض في شوارع المدينة بثوب زفافها، لا تعلم إلى أين، ولكن ما تعلمه حقاً أنها ستهرب إلى عالم أفضل من ذلك المستنقع الذي كانت تعيش فيه.
تائهة خائفة تنظر خلفها وأمامها يمينها ويسارها، تخشى اللحاق بها. كل ثانية تمر تبعدها عن حياة الجواري تلك. أخيراً وصلت للطريق السريع حيث تتلاحق السيارات واحدة تلو الأخرى. كانت تنظر خلفها متوجسة بأن يكون هناك من يلحق بها.
لكن فجأة، وبدون مقدمات، كانت هناك سيارة سريعة كانت على وشك الفتك بها. اتسعت عيناها وحاول قائد السيارة التحكم بها بكل ما أوتي من قوة حتى لا يدعسها. رغم كل محاولاته، إلا أنه لم ينجح كلياً واستطاعت السيارة الاصطدام بتلك الفتاة ودفعتها لتسقط أرضاً.
رواية ندبات قدر الفصل الثاني 2 - بقلم الشيماء مسعد
في السيارة كان يجلس شابان في نهاية عقدهم الثاني.
هتف أحدهم والذي كان يقود السيارة بابتسامة:
يا إبني أمك دي حكاية، أقسم بالله هو كل ما هنروح بيتكم توصينا كده كأننا لسة مراهقين.
رد الجالس بجواره وبادله الابتسام:
الحق عليها اللي بتوعيك عشان ما تجيش بنت تضحك عليك كده ولا كده. وبعدين هدي السرعة يا إبني، انت بتسوق بسرعة كده ليه؟ احنا هاربين من حد.
رد الآخر:
ما انت عارف اني لازم اوصل لرازي في أسرع وقت. دادا أمينة قالت إنه من يوم ذكري وفاة ماما وهو عصبي ومش طايق حد وحابس نفسه.
تأثر الياس قليلا فأغمض عينيه حزنا على ما آلت اليه حالة شقيقه الأكبر وقال وهو يفتح عينيه:
نفسي رازي ير.....
قطع كلماته صراخ صديقه الذي اتسعت عيناه وصرخ في صديقه الذي كان يقود السيارة:
حاسب يا الياس، فيه واحدة قدامك.
حاول الياس بكل ما أوتي من قوة ان يوقف السيارة ولكن هيهات فقد كانت سرعته كبيرة إلى حد لم يسمح له بالتوقف كليا، لذا فقد اصطدمت السيارة بالفتاة أوقعتها أرضا، وأخيرا استطاع ان يوقفها بآخر لحظة حتى لا تدهسها.
نزل مسرعا هو وصديقه وقد تملك منهما القلق والذعر.
هتف هو مسرعا:
طلعتلي منين دي بس ياربي، شيل معايا يا مهاب نوديها أقرب مستشفى.
مهاب اتجه ناحيتها وطالعها قائلا:
دي شكلها عروسة وهربانة من فرحها، رحنا في داهية. شيل معايا شيل، العربية ما صدمتهاش بقوة، هي أكيد اغمى عليها من الخوف أو الصدمة. إحنا ناقصين مصايب وعرايس هربانة، دا ايه الحظ دا...
الياس:
يارب تكون كويسة.
حملاها معا ووضعاها في السيارة.
تحدث الياس وهو ينظر للخلف على تلك الفاقدة للوعي:
هنع
مل ايه يا مهاب؟
فكر مهاب لحظات ثم اردف:
سوق الأول نبعد بس عن هنا ونفكر هنعمل ايه، هي الحمد لله ماتأذتش جامد.
كانت يدا الياس ترتعشان.
فاردف:
مهاب تعالى سوق انت، أنا حرفيا مش قادر اتحكم في أعصابي.
تبادلا الأماكن. أصبح مهاب أمام المقود، بدأ في تشغيل السيارة وانطلقا ليبتعدا عن تلك المنطقة حتى لا يقعا في المتاعب بسبب تلك الفتاة.
أثناء سيرهم اقترح مهاب:
طبعا مش هينفع نروح بيها القصر عشان اخوك. إيه رأيك ناخدها معانا ع الشقة بتاعتنا ولما تفوق تبقى تشوف نفسها هتتصرف ازاي؟ لأننا لو روحنا بيها على أي مستشفى هندخل في مشاكل احنا في غنا عنها ولا إيه؟ ولو رحنا القصر مش بعيد رازي حالته تسوء أكتر.
كان الياس شاردا في حديث صديقه وما يشغله انه لن يستطيع أن يكون بجانب أخيه الآن. كمان أنه حقا كان يفكر بأمر تلك الفتاة. حقا ما الذي يدفع عروس للهرب يوم زفافها؟ إذا كانت لا تريد هذا الزواج لما لم تقل منذ البداية؟
كرر مهاب مناداته:
الياس ماترد يا عم، إيه رأيك ناخدها ولا نرميها في أي حتة ولا من شاف ولا دري؟
رفع الياس حاجبه الأيسر معلقا على تفكير صديقه:
نرميها؟ انت ندل يلا، إحنا هناخدها على الشقة ولما تفوق بقى تعمل اللي هي عايزاه، وأنا هاكلم الدكتور اسماعيل يشوفها.
هز مهاب رأسه بنعم وقاد السيارة. فحل الصمت عليهما حتى قطع صمتهما تأوه صدر من الخلف جلعهما يستديرا ليريا هل استعادت وعيها أم لا.
ليس كل ما يريد المرء يدركه.
تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.
حالة من الزعر انتابت ممدوح ما إن علم بأمر هروبها. أقسم أنه سيفتك بها بلا رحمة ما إن يجدها. من تلك حتى تفر هاربة منه؟ أي فتاة مثلها أو أجمل منها تتمنى فقط نظرة رضا منه. هكذا رأيه في نفسه فلما تهرب؟
كانت تربط دلال رأسها بعصبة وتجلس دلال على الأرض متخذة وضع القرفصاء وتضرب على فخذيها متصنعة البكاء:
يا فضحتك يا دلال وسط الخلق. كان مستخبي فين دا بس ياربي، بقى البنت المفعوصة دي تلعب بينا كلنا. ماشي يا قدر مسيرك تقعي تحت إيدي، ورب العباد ما هرحمك.
أكملت دلال وقد ازداد نحيبها:
أوري وشي للناس إزاي دلوقتي والبت هربت من البيت؟ منك لله يا قدر.
همست إحدى فتيات دلال لأخرى بجوارها:
هي يعني هربت من بيت الطلبة؟ دا إيه الهم اللي إحنا فيه دا.
ردت الأخرى بنفس الهمس:
يا بت خلي مخك نوّر أبلتي دلال لازم كده تحبك الدور. انتي مش شايفة ممدوح بيه عايز يولع فينا كلنا إزاي؟ دا مش بعيد يتهم دلال هي اللي ساعدت ست زفتة على الهرب.
اتسعت أعين الأخرى هاتفه باعتراض:
دا يبقى معندوش نظر. هو ماشافش دلال طول الأسبوع اللي فات كانت ناقص يطلع لها جناحات من الفرحة دي؟ رسمت حياتها لعشر سنين قدام فسح ورحلات وخروجات وريش نعام، وكله اتهد في لحظة. قدر كسرت طموحهم كلهم.
في تلك الأثناء كان ممدوح يجري اتصالاته حتى يأمر رجاله بالبحث عن تلك العنيدة.
كان عصفور يقف صامتا يراقب المشهد من بعيد. شرد ذهنه حينما أتت إليه دلال في منتصف الليل لتقنعه بالضغط على من يعتبرها بمقام أخته بأن تتزوج من ممدوح.
التقت دلال بعصفور بعدما دقت على الشقة التي في الطابق السفلي. فتح لها عصفور وكان يبدو عليه آثار النوم. مسح على عنقه وقال:
خير يا ست دلال، إيه اللي جابك في وقت متأخر كده؟
دلفت الشقة واغلقت الباب خلفها وهي تقول:
تعالى يا واد يا عصفور عايزاك في موضوع مهم.
اتجهت به تجره خلفها من يده إلى غرفة الاستقبال. جلس بدهشة يرى ماذا تريد منه تلك.
جلست هاتفه:
قدر.
انتفض من مكانه وهب واقفا وأسرع بسؤاله:
مالها قدر؟ تعبانة؟
أجلسته مرة أخرى:
يا واد اقعد.
جلس مرة أخرى وتابعت هي:
قدر لسه صغيرة ومش عارفة مصلحتها.
هز رأسه فتابعت:
وانت سيد العارفين يا عصفور، واكيد عارف إن ممدوح بيه هيموت عليها.
قاطعها عصفور:
بس هي.
أشارت له ليسكت متابعة:
اسمعني للآخر. هو طالبها في الحلال، نقول لا لحلال ربنا يعني. وأنا هبقى معاها لحظة بلحظة في بيتها الجديد. وقبل ما ترد عليا لازم تفهم حاجة واحدة بس، أنه ممدوح بيه دا راجل قادر ولو ماخدهاش بالحلال هياخدها بطريقة تانية يا ابني وهي يا حبيبتي مش هتستحمل تعيش مع واحد من غير جواز.
لعبت دورها جيدا لقلب الأمور لصالح أغراضها الطامعة. لكن هو أيضا لم يقصر فقد أتقن دوره جيدا في الرد على تلك السيدة التي لا تأبه بقدر لكنها تتحدث من أجل أطماعها.
ابتسم ببرأة قائلا:
قد إيه انتي ست حنينة يا ست دلال، جاية في نص الليل عشان بنت جوزك. يا أخي لو فيه جايزة أفضل مرات أب كانت هتروح ليكي على طول. انتي أولى.
شعرت في حديثه نوعا من التهكم لكنه وأد ذلك الإحساس حينما أردف:
ما تقلقيش يا ست دلال أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان مصلحة قدر. انتي عارفة إنها زي أختي بالظبط، وأبوها الله يرحمه كان له فضل كبير عليا. عشان كده تأكدي إني هاعمل أي حاجة أي حاجة عشان أختي.
عاد من شروده على ممدوح الذي قبض على تلابيب قميصه صائحا:
أنا شامم ريحتك في الموضوع يلا، تعرف لو عرفت إن ليك يد من قريب أو من بعيد هانهيك يا ابن ال***.
صاحت دلال وهي تلطم على وجهها:
سيبه يا ممدوح بيه سيبه، دا هو اللي ساعدني واقنعها أنها تتجوزك.
تركته ولكن لم يشح بنظره عليه. كان مثبت عينيه على عصفور يدرس تعابير وجهه مما جعله يدافع عن نفسه قائلا:
لو عايز أهربها كنت هربتها قبل الفرح، كان ليه الفضايح والجرس دي؟ بس أنا أقنعتها عشان عايز مصلحتها.
كلماته هذه استطاعت أن تبعد شك ممدوح عنه، كلامه منطقي بعض الشيء.
ابتعد عنه ممدوح وشرد هو ثانية يهمس في نفسه:
ياترى عاملة إيه دلوقتي يا قدر؟
مر الوقت سريعا وها هما في منتصف الليل يقفان أمام المبني الذي يحوي شقتهما. لم يكن هناك الكثير من الناس حولهم لذا فتح الياس باب السيارة وحملها ودلف مسرعا ليدخل العمارة حتى لا يراه أحد. ولكن كان البواب مازال مستيقظا فهتف بفرحة:
يا ألف نهار أبيض يا باشمهندس، مبروك على الجواز. رغم إني زعلان منك.
رد الياس بصدمة:
جواز؟!!
تبادلا النظرات هو ومهاب وأسرع مهاب ليؤكد كلام الحارس قائلا:
الله يبارك فيك يا راجل يا بركة، بالرفاء والبنين يا الياس.
وهمس له:
اطلع بلاش فضايح.
صاح الحارس معترضا:
وانت يا عزول طالع ليه معاهم يا استاذ مهاب؟
رد مهاب بتهكم:
مانا هشيل لها الفستان ونازل تاني يا عم أيوب.
ضرب أيوب كفا بالآخر وقال:
اللي تشوفه صح اعمله. شباب اليومين دول عليه حركات غريبة.
أخيرا استطاعا الفرار من الحارس صعدا في المصعد وهم يتنفسان الصعداء.
أردف مهاب:
أنا خايف عليها دي ما صحيتش إلا كام دقيقة في العربية ورجعت فقدت الوعي تاني. خايف يكون عندها نزيف داخلي ولا حاجة.
تفوه بما جعل الشك يساور الياس. نظر إليها ثم عاد النظر إليه وقال:
اسمع يا مهاب أنا هاطلع ع الشقة وانت روح اشتري هدوم محجبات ليها وتعالى نحاول نفوقها. ولو ما فاقتش نتصل على الدكتور اسماعيل صاحب رازي وهو هيجي مش هيتأخر.
هز مهاب رأسه بنعم. خرج الياس من المصعد وفتح الشقة. دلف إلى غرفة نومه.
وضعها برفق شديد. وما إن وضعها حتى فتحت عينيها واستعادت وعيها فصرخت بشدة حينما لمحت ذلك الشاب الغريب قائلة بنبرة باكية:
أنا فين وانت مين وايه اللي جابني هنا؟
اهدي اهدي يا بنتي، بالراحة خليني أفهمك كل حاجة. بس قوليلي الأول انتي كويسة؟
كان هذا رده على سيل الأسئلة التي انهالت عليه منها.
هزت رأسها نافيه:
لا مش كويسة. انت ما عندكش إخوات بنات؟
هز رأسه نافيا:
لا ما عنديش. بتسألي ليه؟
زاد نحيبها وهي تقول:
ابوس إيدك سيبني أمشي.
رفع كتفيه:
ياستي هو أنا خاطفك؟
كرر سؤاله:
انتي كويسة؟ حاسة بحاجة؟
حاولت استرجاع ما حدث. تذكرت تلك السيارة التي صدمتها. فهتفت وهي تحاول الاعتدال:
هو حضرتك اللي خبطتني بالعربية؟
رد بتهكم:
لا الحقيقة إن انتي اللي خبطتي عربيتي يا هانم. فيه حد يجري على الطريق السريع بالطريقة دي؟ احمدي ربنا إن واحد زيي محترف سواقة هو اللي وقعتي في طريقه والا كان زمانك اتعمل منك كفتة.
قال كلمته الأخيرة بنوع من الغرور.
سمع فتح باب الشقة. توجست وطالته بقلق شديد وتجمعت الدموع في عينيها.
دلف مهاب ومعه أكياس فوجدها قد استيقظت. هتف بسعادة:
الحمد لله اخيرا فوقتي. احكيلنا بقى انتي إيه حكايتك يا آنسة.
حاولت أن تقوم ولكن أصدرت تأوه بصوت عالى وهي تمسك بساقها اليمنى مما دفع الياس إلى الاقتراب منها وقال بنبرة بدا فيها قلقه عليها:
انتي كويسة؟ حاسة بإيه؟
ردت وقد سقطت دموعها من فرط الألم:
مش قادرة أحرك رجلي.
قال مهاب:
تبقى اتكسرت يا حلوة.
رمقه الياس بنظرة حادة جعلته يصمت وتابع هو:
ما تخافيش بكرة إن شاء الله هناخدك على المستشفى والدكتور هيشوفك. ودلوقتي خدي الهدوم دي غيري الفستان دا واقفلي عليكي كويس. احنا هننام في الأوضة التانية والصبح بقى لو عندك حاجة قوليها.
هزت رأسها وقالت:
تمام.
وضع يده على كتف صديقه وحثه على التحرك للخارج وقال:
يلا تصبحي على خير.
وما إن خرجوا واغلقوا الباب حتى تنفست الصعداء. شردت قليلا فيما حدث لها من أحداث كثيرة هذا اليوم. لكن ما يسيطر عليها الآن هو إحساس أنها وأخيرا تخلصت من أكبر كوابيسها.
حاولت أن تقوم حتى تنزع ذلك الثوب المقيت بالنسبة لها. لكنها لم تستطع. صدر منها تأوه، وبعد محاولات عديدة لم تنجح في النهوض لذا استسلمت وهي تقول:
أنا إيه جرالي؟ مش قادرة أتحرك. أكيد رجلي انكسرت. أعمل إيه ياربي؟ أروح فين ولا أقول إيه للناس دول؟ أنا ماليش حد. طب لو حكيت لهم عن ظروفي هيساعدوني؟
رد عليها صوت بداخلها:
وانتي إيش عرفك إنهم أصلا ناس محترمين؟ مش يمكن يطلعوا أسوأ من ممدوح وبيتعاملوا معاكي باحترام عشان يوقعوكي؟
نفت مسرعة ما تردد بداخلها من مخاوف قائلة:
لا أكيد هما ناس كويسة. بدليل واحد فيهم قالي اقفلي على نفسك كويس. لو هما وحشين ماكانوش قالوا كده.
تنهدت واغلقت عينيها وقالت:
يارب حياتي اللي جاية تكون أفضل بكتير من اللي فات.
نظرت تطالع الغرفة قائلة:
من أكبر نعم ربنا عليا في اللحظة دي إن فيه حيطان تحميني وباب يتقفل عليا.
أغلقت عينيها قائلة بابتسامة راضية:
الحمد لله.
أما عنهما في الغرفة المجاورة. فقد كان الياس يتمدد على سريره شاردا لا يستمع لمهاب الذي يتمدد على الأريكة يثرثر:
تفتكر البت دي مخبية إيه؟
الياس انت يلا انت نمت؟ أه يا عم مانت واخد سريري مني ومرتاح 24 قيراط وأنا مش عارف أعدل حتى.
استدار إليه الياس بابتسامة هاتفا:
مش تخلي عندك شوية دم. أنا ضيف عندك انهاردة في أوضتك عايز تنيمني على الأرض دي أصول برضو؟
مهاب بضجر:
وأنا مال أهلي. أنت اللي عملت فيها جنتل ونيمتها في أوضتك.
أطلق الياس تنهيدة وقال:
أنا حاسس إن البت دي مخبية حاجة كبيرة أوي، وخايف نتورط يا مهاب.
حاول مهاب طمئنة صديقه قائلا:
مخبية بقى مش مخبية. إحنا بكرة نوديها المستشفى وبعدين نعرف حكايتها بالتفصيل. وبعدها بقى نوديها المكان اللي كانت عايزة تروحه ويا دار ما دخلك شر.
هز الياس رأسه واستدار جهة الحائط وقال:
اطفي النور يا مهاب.
لقد جفاه النوم. حاول مرارا أن ينعم بالنوم لكنه كان مشغولاً بأمر تلك الفتاة وما تخبئه.
في الصباح.
دائما لا تبخل علينا. لقد نشرت الشمس ضوءها ودفئها في جميع الأرجاء. لقد اقترب وقت الظهيرة. استيقظ مهاب أولا فرك عينيه بكسل و بالكاد استطاع النهوض. لكن الياس كان ما يزال نائما لأنه لم ينم سوى قرب الفجر.
دلف إلى المرحاض وبعد دقائق اتجه إلى غرفة الفتاة. دق الباب أكثر من مرة حتى أتاه صوتها من الداخل تسمح له بالدخول.
فتح الباب واند هش مما رأه. لقد كانت ترتدي ثوب الزفاف ذاته.
عقد حاجبيه وقال:
انتي لسة بالفستان؟
أكمل بنبرة تهكم:
إيه معتزة بيه أوي كده؟
ردت عليه بحزن مختلط بخجل:
أنا مش قادرة أقوم. مش قادرة أحرك رجلي.
حك ذقنه وقال:
طب أنا هاتصرف.
خرج من الغرفة توجه إلى الياس فوجده يتململ في الفراش.
هتف بنبرة عالية:
صباحية مباركة يا عريس قوم بقى ولا أنت صدقت نفسك.
رمقه الياس بعينين ناعستين.
تابع مهاب:
البت مش قادرة تحرك رجلها ولا قدرت تغير هدومها. هاتساعدها انت ولا أساعدها أنا؟
قال كلمته الأخيرة وغمز لصديقه مما دفع الياس بإلقاء الوسادة عليه.
التقطها منه بضحكة وقال:
طب اتصرف انت بقى يا باشا.
مسح الياس على وجهه وأطلق تنهيدة ونهض من فراشه قاصدا المرحاض.
وما إن خرج حتى توجه إلى باب الشقة. كان مهاب يراقبه ويجهل ما سيفعله. توجه الياس ناحية شقة جارتهم. كانت سيدة في عقدها الخامس تبدو لطيفة جدا.
دق الباب. فتحت له بابتسامة.
مسح على خصلاته بحرج وقال:
صباح الفل يا ست مريم. ممكن أطلب منك خدمة؟
هتفت مرحبة:
طبعا يا باشمهندس اتفضل.
رد بنفس نبرة الحرج وهو لا يعلم ماذا سيقول لها عن تلك الفتاة. لكنه في النهاية لم يكذب.
بعدما قص عليها الحكاية باختصار بأنه صدم فتاة بسيارته. طلب منها تساعدها في تبديل ثيابها حتى يصطحبها للمشفى.
استجابت له وذهبت معه مسرعة.
دلفت إلى الغرفة التي بها قدر. كان الياس ومهاب بالخارج. لم يمر الكثير من الوقت حتى خرجت السيدة. لكنها أشارت لالياس بأنها تريد التحدث معه.
اقترب منها فاردفت:
اسمع يا إبني دي بين عليها عروسة هربانة. ماتورطش نفسك في مشاكل انت في غنى عنها. وسلمها للبوليس وهما يتصرفوا.
هز رأسه بالموافقة وقال في نفسه:
عندها حق. أنا لازم أسلمها للشرطة.
خرجت السيدة عائدة إلى منزلها. ودلف مهاب والياس إلى غرفة الفتاة.
اقترب منها الياس قائلا:
هناخدك على المستشفى عشان رجلك.
هزت رأسها بدون كلام.
تابع بحرج:
انتي هتضطري إنك تسندي عليا عشان تقدري تمشي.
أخفضت وجهها بخجل وهزت رأسها قائلة:
أنا آسفة لو كنت عملت لكم دوشة.
الياس بحزم:
مالوش لازمة الكلام دا يا ..... صحيح. إنتي اسمك إيه؟
رفعت وجهها وقالت:
قدر. اسمي قدر.
ماشي يا آنسة قدر. كان هذا رده باختصار.
همس مهاب:
اسمك زي عمايلك قدر ومكتوب علينا.
ساعدها الياس على النهوض. اتكأت عليه. لكنه لم يحاوط خصرها بيده. ظلت يده بعيدة لا تلمسها. كان فقط يضعها خلفها دون تلامس تحسبا لسقوط قدر في أي لحظة.
شردت قليلا في ذلك التصرف محدثة نفسها:
يبدو أنه مهذب جدا. أنه حتى لم يستغل وضعي هذا. شخصا آخر كان سينتهز الفرصة. كم هو لطيف حقا.
خرجوا من الشقة. نزلوا في المصعد وأخيرا هم الآن في السيارة.
تولى مهاب عجلة القيادة وصار حتى وصلوا إلى المستشفى.
توقف مهاب.
هتف الياس وهو ينزل من السيارة:
استنوني هنا خمس دقايق.
بعد دقائق خرج ومعه كرسي متحرك. ساعدها لتهبط من السيارة. جلست عليه وأغلق مهاب السيارة ودلفوا إلى المستشفى.
كان هناك رجلان يقفان في الاستقبال بجوار الموظفة. تحدثت إليهم الممرضة فاسرع احدهم قائلا بصوت جوهري:
قدر ......
رواية ندبات قدر الفصل الثالث 3 - بقلم الشيماء مسعد
دلفوا إلى المستشفى. كان هناك رجلان يقفان في الاستقبال بجوار الموظفة. كان أحدهم ممسكًا بصورة في يديه وسأل الموظفة:
"البنت اللي في الصورة دي جات هنا في حادثة أو حاجة؟"
تحدثت إليهم الممرضة وهي تتطلع إلى الصورة:
"أنا أكيد مش هحفظ كل الوشوش اللي بتدخل المستشفى، ممكن أعرف اسمها إيه؟"
فأسرع أحدهم قائلاً بصوت جوهري:
"قدر..."
انتبهت ثلاثتهم للمتحدث. أسرعت تنظر إلى إلياس برجاء هاتفة:
"أبوس إيدك خدني من هنا بسرعة، بيدوروا عليا."
تبادل إلياس النظرات سريعًا مع صديقه. وقبل أن ينتبه لهم أحد، أسرعوا بالخروج.
هتف مهاب بحنق:
"إنتي إيه حكايتك بالظبط؟"
تدافعت دموعها وهي تقول:
"أنا هحكي كل حاجة، بس وحياة أغلى حاجة عندكم ما تتخلوا عني."
شعرا بصدق مشاعرها وكم هي بحاجة للاختباء.
حسم إلياس الأمر قائلاً:
"يلا، هنروح عند عيادة خاصة نجبسلك ونطلع على البيت، ما تخافيش."
ركبوا السيارة وانطلقوا بها إلى طبيب خاص حتى تكون بأمان بعيدًا عن الأنظار. وما أن انتهى الطبيب من تجبير ساقها، أخذوها وعادوا بها إلى الشقة.
كانت السيدة مريم تفتح باب شقتها متجهة إلى السوق.
هتفت بنبرة حانية:
"ألف سلامة عليكي يا بنتي."
ردت بابتسامة ممتنة:
"الله يسلمك يا طنط."
أومأ لها إلياس برأسه بابتسامة أراد بها قول: "شكرًا."
دلفوا إلى المنزل. كان إلياس يدفع الكرسي المتحرك بها.
توقف إلياس عن دفعها وجلس في الرواق على الأريكة التي هي مقابل مقعدها المتحرك، وبجواره مهاب.
تنهد إلياس وقال:
"أظن إحنا لحد دلوقتي كنا كويسين جدًا معاكي، ممكن بقى نعرف حكايتك إيه عشان نعرف نساعدك؟"
هزت رأسها وتجمعت الدموع في عينيها وبدأت في سرد معاناتها:
"أنا واحدة وعيت على الدنيا لقيت بابا الله يرحمه متجوز..."
صمتت قليلاً ثم تابعت بأسى:
"متجوز واحدة رقاصة."
جحظت عيناهما وتابعا باهتمام. فأكملت السرد:
"وبعد ما وصلت لسن ١٥ سنة بابا مات ووصاها إنها تاخد بالها مني وتعاملني على إني بنتها."
أطلقت تنهيدة وبدأت الدموع تعرف طريقًا لعيونها، فأكملت بأسى:
"بس هي بالعكس كانت بتذلني وديما بتحرضني إني أمشي في نفس السكة اللي هي ماشية فيها. عارف يعني إيه تعيش في بيت بيدخله كل يوم راجل شكل؟ عارف يعني إيه ماتعرفش تقفل على نفسك باب وانت نايم؟"
شعرا بالأسى عليها. أكملت هي من وسط دموعها:
"عيشت حياة صعبة جدًا وسط الخمرة وبنات الـ..."
بترت كلمتها من شدة الإحراج.
أسرع مهاب وقد تملكه الفضول:
"كملي."
تابعت وهي تمسح عبراتها:
"كل مرة كانت عايزة توقعني فيها كنت برفض بكل شدة، عمري ما استسلمت لرغباتها. لحد ما ظهر من سنة تقريبًا راجل غني أوي وعنده سلطة تخليه يشتري أي حاجة بفلوسه وبقى بيتردد على الشقة كتير. عرض على دلال إنه يأجرلي شقة وأقعد معاه كده."
كور إلياس يده بغضب وهمس في نفسه: "الأوغاد، كيف لهم أن يكونوا بكل هذه القسوة مع تلك الفتاة البريئة التي تشبه الأطفال كثيرًا في براءتها وخجلها."
تابعت هي:
"رفضت.. رفضت بكل شدة. لو حكمت كنت هاقتله وأقتلها، لكن عرض عليها عرض ماحدش يرفضه. عرض إنه يتجوزني، وعايزني أوافق وأبقى فرحانة. بعيدًا عن إنه عنده خمسين سنة بس، إزاي راجل أنا عارفة قد إيه هو... مش كويس وعنده علاقات في حياته، إزاي اتجوز أكتر راجل أنا بكرهه؟"
"ماكانش قدامي إلا حل واحد إن إني أهرب."
هتف مهاب مشيدًا بجرأتها:
"برافو عليكي، إنتي عملتي الصح. أحيكِ لأنك قدرت تهربي منهم لوحدك."
هزت رأسها نافية:
"لا، ماكنتش لوحدي. في اتنين باعتبرهم زي إخواتي ساعدوني."
شردت قليلاً لتتذكر الحديث الذي دار بينها وبين من تعتبره أخاها (عصفور).
كانت تجلس في الرواق مع عصفور فقال بصوت منخفض:
"اسمعي، دلال قالت لي إن الزفت ده اتقدملك وهي طبعًا مرحبة، لا وكمان عايزاني أقنعك."
تحدثت بصدمة قائلة بتهكم:
"وانت جاي النهاردة تقنعني؟"
ابتسم بخبث وأردف باختصار:
"الصراحة آه."
اتسعت عيناها وكانت ستنهي الجلسة بأنها هبت واقفة، لكن سرعان ما حثها هو على الجلوس ثانية وقال بابتسامة:
"خليكي ورا عصفور واللي يمشي ورا عصفور يكسب."
جلست مرة أخرى وزفرت بضيق.
أكمل هو:
"إحنا لازم نسايرهم. الراجل ده لو رفضتيه ممكن يأذيكي وأنا هقف متكتف مش هقدر أعمل أي حاجة عشانك، هاشوفه بيدمرك قدامي يا قدر ومش هقدر أواجه."
أسرعت تتحدث وهي تبكي:
"وبكده مافيش قدامي إلا إني اتجوزه. تفتكر إني كده برضو مش هتدمر يا كامل؟"
كامل هذا اسمه الحقيقي، لكنه لديه اسم شهرة وهو عصفور.
رد هو:
"قدر، أنا خدت قرار عنك كان المفروض من زمان تاخديه انتي. لازم تهربي وتشوفي حياتك بعيد عن دلال وحياتها الو****. انتي هتهربي يوم فرحك وأنا اللي ههربك يا قدر. انتي لازم تعيشي حياة نضيفة شبهك."
فاقت من شرودها على صوت إلياس الذي سألها:
"طب إنتي عندك حد تروحي له؟ أكيد ما هربتيش من البيت عشان تبقي في الشارع؟"
ازداد نحيبها وهي تقول:
"أنا فعلاً ما عنديش حد أروح له، بس أكيد الشارع بالنسبة لي أحن وأنضف من حياتهم."
أخفضت وجهها لأسفل وهي تقول:
"أتمنى إنكم تساعدوني لحد ما أأمن لنفسي شغل وبيت أعيش فيه. أنا كنت بدرس في معهد تمريض، لو لقيتوا ليا شغل يبقى... يبقى بجد كتر خيركم."
تبادلا النظرات معا. فحسم إلياس الأمر بدعابة لتلطيف الأجواء:
"خلاص يا ستي هانشوفلك شغلانة، واعتبري نفسك وسط أخواتك لحد ما تخفي."
هز مهاب رأسه بمعني اتفق مع كلامه وأردف:
"ادخلي ارتاحي دلوقتي لحد ما نتصرف ونعملك أكل صحي زي ما الدكتور قال."
هزت رأسها وقبل أن تتحرك، رفعت وجهها تطالعهم قائلة:
"شكرًا بجد ليكم، عمري ما هنسى وقفتكم جمبي."
ابتسم لها إلياس:
"لا شكر على واجب يا قدر."
دلفت إلى غرفتها. نظرا إلى بعضهما ثم إلى المطبخ بتحدي وقال إلياس:
"استعنا على الشقا بالله، يلا يا ابني نطلع مواهبنا في الطبخ لحد ما سعاد تتصرف وتبعت شغالة بدالها عشان متخانقة مع جوزها."
قال مهاب بثقة:
"يا ابني انت معاك الشيف مهاب الشربيني ف متقلقش."
حاول إلياس كتم ضحكته وهو يقول:
"هاحاول أصدق."
بعد مرور أكثر من نصف ساعة، كانا يقفان في المطبخ يرتدي كل واحد منهما مريول المطبخ ويربط مهاب عصابة على رأسه.
مسك إلياس الدجاجة وكان مهاب يضع إناء به ماء على النار.
على حين غرة بدأ إلياس في الغناء:
"إزاي هتعملي ملوخية بطريقة الست المصرية؟ إزاي أنا أقولك."
تابع مهاب ضاحكًا:
"هتجيبي حزمة ملوخية أو جاهزة مجمدة يا عينيا، وتكوني عاملة انتي الشربة على لحمة أو فرخة عفية."
أكمل إلياس وهو يقلد صوت السيدات:
"وتجيبي مكعب مرقة."
أسرع مهاب بنفس النبرة الأنثوية:
"ماشي."
تابع إلياس:
"وكمان حتة زبدة."
أكملوا سويا:
"فصين تلاتة توم ونص معلقة كسبرة ناشفة."
ما إن انتهوا حتى وجدوا تلك التي تراقبهم وهي لا تستطيع التوقف عن الضحك.
شعرا بالحرج، فأردف مهاب مسرعًا:
"يا فضيحتي."
وحك رأسه وابتسم بخجل.
وبعدها شاركاها أيضًا في وصلة ضحك وهم ينزعون المريول عنهم.
وأخيرًا هم على طاولة الغداء.
تذوقت قدر الحساء وقد نال إعجابها.
أسرع مهاب يسألها:
"ها، إيه رأيك؟"
أجابت بإعجاب:
"بجد تسلم إيديكوا، الشربة جامدة."
تبادلا النظرات وهما يكتمان ضحكتهما.
حولت نظرها بينهما تطالعهما بدون فهم، وأردفت بحرج:
"بيضحكوا ليه؟"
أردف إلياس بضحك:
"الحقيقة مش إحنا اللي عملنا الشربة."
رمقه مهاب بنظرة معاتبة تسكته، ولكنه تابع:
"الشربة اللي إحنا عملناها تقرف الكلب، والشربة دي جابتها الست مريم عشانك."
ابتسمت بامتنان للجميع. لم تحظ بمثل هذه المعاملة في حياتها قط.
بعد تناول الغداء، توجهت إلى غرفتها. جلست وحيدة تفكر.
ما أجمل أن يكون لك منزل يحميك، والأجمل أن يكون هناك أشخاص يعتنون بك يبادلونك الود.
مرت دقائق وهي على حالتها تتمنى لو تحظى بدفء العائلة. حتى قطع شرودها سماعها لصوت التلفاز يعلن عن بدء مباراة للمنتخب المصري. لم تستطع منع نفسها، فهي تعشق كرة القدم.
خرجت من غرفتها بحرج شديد وتوجهت إليهم هاتفة:
"ممكن أقعد أتفرج معاكم على الماتش؟"
هتف إلياس بترحيب:
"أكيد طبعًا، اتفضلي."
كانت تجلس على مقعدها المتحرك. كانت هادئة بعض الشيء، ولكنها سرعان ما انخرطت في أجواء المباراة. بدا عليها الانفعال كثيرًا وهي تهتف بصوت مرتفع نسبيًا:
"يلا يا نني بسرعة، حاول أيوا سلمها لتريزيجيه، عاشور يلا سددها، ايديها لمرموش يووووه ليه كده بس؟"
حولا نظرهما إليها بدهشة. فشعرت بالحرج. انتبهت لهما فصمتت وخفضت رأسها بحرج قائلة:
"آسفة، انفعلت."
أراد إلياس رفع الحرج عنها فقال:
"كملي كملي، طلعتي بتفهمي في الكورة، مش ساهلة إنتي."
ابتسمت بحرج وقالت:
"الحاجتين اللي كانوا بيهونوا عليا لحظاتي الصعبة هما الكورة والقراءة."
مهاب رفع حاجبه وقال:
"إنتي على كده يتخاف منك، أصل أنا ما أخافش من حد قد الست المثقفة."
ضحكوا جميعهم. وشرد إلياس لدقيقة وهو يتأملها. أنها حقًا قوية. فهي مازالت تحتفظ ببراءتها وحيويتها. فتاة غيرها عاشت في ظروف مماثلة لما عاشت به، لكانت الآن كئيبة مليئة بالأحزان، أو كانت انخرطت في الحياة التي وجدت نفسها بها بدون إرادتها. لكنها احتفظت بكل تفاصيلها وصفاتها النقية. يالها من شجاعة.
فاق من شروده وتحديقه بها على صوت مهاب الذي لاحظه، فتدافع قائلاً:
"الماتش الناحية دي على فكرة."
شعر إلياس بالإحراج فحك عنقه واقترح:
"أنا هانزل بسرعة أجيب تسالي على ما الشوط التاني يبدأ."
أيد مهاب هذه الفكرة وتحمست هي لهذه الأجواء التي لم تعهدها من قبل.
مر الوقت بسرعة، ككل الأوقات الرائعة تمر كنسمة هواء عليلة في يوم أجوائه صيفية حارة.
كانت ستتوجه إلى غرفتها، فاستوقفها إلياس قائلاً:
"آنسة قدر.. أنا حاسس إنك مش واخدة راحتك معانا وكمان اللي هاقوله دا الصح، وخصوصًا إن سعاد الشغالة في إجازة. فالست مريم عرضت إنك تفضلي عندها بالليل وفترة النهار تيجي هنا. هي على فكرة مطلقة ومعاها بس بنت ثانوية عامة، يعني هتاخدي راحتك أكتر عندها."
قبل أن تجيب، أردف مهاب مكملاً ما بدأه صديقه:
"ولو مش حابة إنك تروحي عندها، هاكلم سعاد تبعت أي حد من معارفها تيجي تقعد معاكي واحنا ننام في الشركة أو في فندق."
طالعتهم بغير تصديق ولسان حالها ينطق داخلها: "ما هذا الكم من اللطف، هل أنتم بشر أم ملائكة؟ لم أقابل في حياتي أناس كهؤلاء."
فاقت من شرودها على صوت إلياس الذي هتف:
"اللي انتي عايزاه هيحصل، ما تقلقيش، إحنا عايزين راحتك."
ابتسمت بهدوء وقالت بامتنان حقيقي ومشاعر صادقة:
"بجد شكرًا على كل حاجة، أنا أكيد عملت حاجة كويسة عشان أقابل ناس زيكم."
تابعت:
"أنا هفضل عند الست مريم، هي ست كويسة جدًا، وأنا كمان ما يرضينيش إنكم تباتوا برا بيتكم."
هز إلياس رأسه. دلف إلى غرفته وأحضر لها حقيبة كبيرة نوعًا ما من القماش وقال بحرج:
"دول شوية هدوم أنا جبتهم لك، يارب ذوقي يعجبك."
شعرت بأن الدموع تتلألأ في عينيها، ولكنها تحكمت فيهن حتى لا تفسد تلك اللحظة. فقط هزت رأسها بامتنان قائلة:
"ربنا يقدرني على رد كل الجمايل دي."
ابتسم مهاب بحنو وود قال:
"ما تكبريش الموضوع، إنتي زي أختنا."
حرك مقعدها واتجه به ناحية شقة مريم، التي هي بالفعل عرضت على إلياس بأن تبقي الفتاة معها لأنه من الخطأ أن تمكث مع رجلين غريبين عنها في بيت واحد.
بعدما غادرت الشقة، جلس إلياس شارد الذهن.
أتى مهاب من المرحاض عقد حاجبيه وقال:
"بتفكر في إيه؟"
أطلق إلياس تنهيدة طويلة وقال:
"تفتكر قدر بعد ما تتعافى هتروح فين؟ هي مالهاش حد."
جلس مهاب بجواره وقد أصابه ما أصاب صديقه همس:
"هي فعلاً مالهاش حد."
هب إلياس واقفًا يشد أجزاءه بتعب وقد شعر برغبة في النوم فقال:
"أنا هدخل أنام، نبقى نتناقش في الموضوع دا بكرة إن شاء الله."
أما عنها، فقد كانت تتناول أطراف الحديث مع السيدة مريم وابنتها نور، اللتان كانتا كالمحقق كونان وهما تسددان بالسؤال تلو الآخر لقدر.
لم تشعر بالضيق أبدًا من هذا السيل من الأسئلة، بل كانت بحاجة لأن تفرغ ما بداخلها من ألم ومعاناة.
أثناء الحديث عن حياتها السابقة، كانت تارة تبكي وأخرى تضحك.
إلى أن أعلنت السيدة مريم قرارها بإنهاء هذه الجلسة هاتفة:
"يلا يا بنات كفاية كده النهاردة، الساعة داخلة على ٢ بعد نص الليل، يلا عشان تناموا."
اعترضت نور بضجر وهي تقول:
"يووه بقى يا ماما، هو كل يوم هيكون عندنا حد جميل كده زي قدر؟"
زمت شفتيها قائلة:
"براحتكم، أنا هدخل أنام. كملوا انتوا بقى رغي مع بعض."
تبادلتا الابتسامة وتركتهم السيدة مريم ودلفت إلى غرفتها لتنعم بقسط من الراحة. بينما الفتاتان لم يكفا عن الثرثرة كباقي الفتيات.
كان ممدوح يتحرك ذهابًا وإيابًا أمام رجاله ويقول بحزم:
"هتروحوا المكان ده بهدوء تام، مش عايز دوشة. تدوروا عليها كويس، لو لقيتوها هناك تسحبوها بهدوء تام بدون ما حد من سكان العمارة ينتبه. مش عايز فضايح، فاهمين؟"
ردوا سويا:
"فاهمين يا باشا."
أشار لهم بأن ينصرفوا من أمامه.
حل الهدوء على الجميع. أنه الليل بهدوئه وسكينته، وما هي إلا ساعات عاد نور الشمس ليغزو الأرض من جديد.
استيقظ مهاب بفزع من صوت إلياس الذي بدا وكأنه كان يخطط وهو نائم.
هتف إلياس وهو جالس بجوار مهاب يحثه على النهوض:
"لقيتها يا مهاب."
فتح مهاب عينيه بضجر وكان بهما آثار النوم:
"إيه اللي كان ضايع منك ولقيته يا شملول؟"
وكزه إلياس وهو يهتف بسعادة:
"أنا لقيت المكان اللي قدر هتروح فيه بعد ما تتعافى."
انتبه مهاب وعدل من جلسته قائلاً باهتمام حقيقي، فهما الاثنان لم يجدا تفسيرًا منطقيًا لما يهمهما أمر تلك الفتاة لهذا الحد الكبير.
هتف مهاب:
"فين بقى؟ هتسفرها الكويت؟"
ابتسم إلياس بمكر وهو يقول:
"لا الكويت خليه لخالك يسافر يجيب منه مروحة وهو جاي. قدر هتروح الفيلا عندنا عند 'رازي'."
اتسعت أعين مهاب وهو يكرر:
"'رازي'؟ أنا سمعت صح، انت تقصد أخوك؟"
هز إلياس رأسه بمعني نعم هو.
مهاب وهو يطالع إلياس:
"يبقى لعبت في عداد عمرك يا إلياس...."
هبط رجال ممدوح من سيارة ضخمة من نوع جيب أمام مبنى مهترئ. نظروا إليه ثم سمعوا صوت هاتف أحدهم يصدح. أخرج هاتفه وأجاب:
"أيوا يا فندم، إحنا قدام المبنى، هنطلع بسكات....."
رواية ندبات قدر الفصل الرابع 4 - بقلم الشيماء مسعد
استيقظ مهاب بفزع من صوت إلياس الذي بدا وكأنه كان يخطط وهو نائم.
هتف إلياس وهو جالس بجوار مهاب يحثه على النهوض: لقيتها يا مهاب.
فتح مهاب عينيه بضجر وكان بهما آثار النوم: إيه اللي كان ضايع منك ولقيته يا شملول.
وكزه إلياس وهو يهتف بسعادة: أنا لقيت المكان اللي قدر هتروح فيه بعد ما تتعافى.
انتبه مهاب وعدل من جلسته قائلاً باهتمام حقيقي، فهما الاثنان لم يجدا تفسيراً منطقياً لما يهمهما أمر تلك الفتاة لهذا الحد الكبير.
هتف مهاب بضجر: فين بقى؟ هتسفرها الكويت؟
ابتسم إلياس بمكر وهو يقول: لا الكويت ده خليه لخالك يسافر يجيب منه مروحة وهو جاي. قدر هتروح الفيلا عندنا عند "رازي".
اتسعت عينا مهاب وهو يكرر: "رازي"؟ أنا سمعت صح؟ إنت تقصد أخوك؟
هز إلياس رأسه بمعنى نعم.
مهاب وهو يطالع إلياس: يبقى لعبت في عداد عمرك.
هتف مهاب بغير تصديق: إنت شكلك ناسي أخوك. تفتكر هيوافق؟ ده ممكن يمسكنا كلنا ويعمل مننا بطاطس محمرة.
تنهد إلياس بضيق، فهو يعرف أن رازي لن يوافق، ولكنه رد ببواذر أمل تلوح أمامه: أنا هعمل كل اللي أقدر عليه عشان يوافق. أنا عارف إنه رغم كل حاجة هو قلبه طيب.
وكز مهاب وهو يتابع: وإنت طبعاً هتكون معايا نقنعه سوا.
أسرع مهاب ينفي هذا: لا يا عم مش لاعب معاكو. إنتوا إخوات في بعض، أنا مالي يا لمبي.
تأفف إلياس وهو يطالع مهاب قائلاً: مش هياكلك على فكرة.
أكمل بنبرة جدية: إحنا لازم نضغط عليه عشان يوافق. البت مالهاش حد، يرضيك نرميها كده؟
رفع مهاب حاجبه الأيسر وتصنع التأثر وقال: يا حنين.
وكزه إلياس بغيظ وقال: طب قوم نجهز فطار عشان ننزل الشركة.
***
هبط رجال ممدوح من سيارة ضخمة من نوع Jeep أمام مبنى مهترئ.
نظروا إليه ثم سمعوا صوت هاتف أحدهم يصدح.
أخرج هاتفه وأجاب: أيوا يا فندم، إحنا قدام المبنى. هنطلع بسكات.
اقتحم رجال ممدوح ذلك المبنى العتيق. صعدوا إلى الطابق الثالث، طرقوا الباب بهدوء.
بعد العديد من الطرقات، فتحت سيدة عجوز ارتعبت من هيئتهم قبل أن تستوعب ما يحدث.
كانوا قد اقتحموا الشقة. فتشوا كل ركن بها بعشوائية. أثاروا الفوضى بأرجاء الشقة، لكنهم لم يجدوا أثر للفتاة.
بعدما يأسوا، أمسك أحدهم بالعجوز، هزها مرات عديدة وهو يقول: قدر بنت اختك جات هنا؟
لحظات تستوعب الاسم. لم تكن قدر ابنة اختها بالأساس، بل كانت والدة قدر ابنة عمها، لذا لم تتذكر حتى الاسم.
لحظات وقالت: قدر مين؟ قدر بنت رقية؟ أنا عمري ما شفتها. مالها؟
استوعب الرجل أنها بالفعل لم تأتِ إلى هنا، فهي لم ترتبك أو تتلعثم، بل إنها لم تتذكرها من الأساس. لذا، فإنهم سريعا لملموا شتاتهم قبل أن تحدث المرأة جلبة في العمارة.
ولم يكلفوا أنفسهم عناء الاعتذار ورحلوا في صمت.
***
توالت الأيام ومرت سريعاً. تعافت قدر كلياً، استطاعت أن تمشي على قدميها ثانية.
اعتادت على حياتها الجديدة. تمنت لو لم تشفى أبداً حتى تمكث معهما.
كانت متوجسة، فهي لا تعلم أي مصير ينتظرها. إنها الآن بصدد أن تصبح شريدة وحيدة. هل سيكون مصيرها الشارع بعدما نعمت بمأوى يحميها من التشرد، يعصمها من شرور البشر، يحفظها من الخطر الخارجي؟
كانت تجلس حزينة في غرفتها في شقة الشابين، غارقة في بحر أفكارها وما ينتظرها.
حاولت كتم دموعها حتى لا تبدو مثيرة للشفقة، لكن تمردت الدموع على عزيمتها وهبطت رغماً عنها.
دقات متتالية على باب حجرتها. هتفت وهي تجفف دموعها: ادخل.
دلف إلياس بهدوء وترك باب الغرفة موارب. جلس على المقعد المقابل للسرير. أطلق تنهيدة قبل أن يتحدث قائلاً: قدر، أنا وعدتك إني هساعدك وكمان هاشوفلك شغل ومكان تعيشي فيه. وبما إنك قلتي إن الشخص اللي إنتي هربتي منه عايش هنا في القاهرة وعنده سلطة كبيرة، فأكيد مش هيتعب على ما يلاقي. عشان كده أنا لقيت إن أنسب مكان تكوني فيه بأمان هو في الفيلا بتاعتنا. الفيلا دي على طريق إسكندرية والقاهرة. المكان آمن هناك ومافيش حد ساكن جنبنا. المكان كله عبارة عن أرض خضرا كبيرة أوي وقصر كبير بس هادي وبعيد عن الناس.
انكمشت تقاسيمها وهي تقول بتوتر بدا في صوتها: أنا هفضل هناك لوحدي؟
أسرع بالرد: لا، أخويا الكبير عايش هناك وعنده خدامين وحراس، يعني الدنيا أمان، ما تقلقيش. وأنا ومهاب بنروح نقعد معاه أسبوع كل أول شهر. ها، إيه رأيك؟
لقد كان هذا الكلام بمثابة طوق النجاة بالنسبة لها، وكأن روحها ردت إليها بعد سلبها. ردت بامتنان حقيقي ومشاعر صادقة: مافيش كلام بعد اللي إنت قلته يتقال. أنا حقيقي هفضل ممتنة ليك طول عمري.
ابتسم لها ثم قرر أن يهيئها نفسياً لما قد تواجهه، فقال: اسمعي يا قدر، رازي أخويا أطيب خلق الله، بس... بس فيه حاجة حصلت معاه قاسية أوي، خلته عصبي ومنطوي وبيرفض أي حد غريب. عايزك تبقي حاطة الكلام ده قدام عينك عشان ما تزعليش لو اتصرف معاكي تصرف مش لطيف. كل اللي عايزك تعرفيه إنه أطيب خلق ربنا، ودي حقيقة مش عشان أخويا.
هزت رأسها بقلق بدا على ملامحها مما هو قادم. لا تعلم هل سيتسنى لها أن تحظى بالطمأنينة التي شهدتها في تلك الأيام القلائل، التي تقسم أنها لم تجد حناناً واهتماماً من قبل كما حظيت بهما في تلك الفترة من عمرها.
تابع إلياس وهو يراقب الخوف والقلق اللذين احتلا ملامحها البريئة: أنا مش هقدر أقول لرازي الحقيقة بتاعتك، لأنه قطعاً مش هيوافق. هو مش بيحب الغرباء. عشان كده أنا مشيت الممرضة اللي بتتابع علاجه الطبيعي من أسبوع، وهاقوله إنك إنتي الممرضة الجديدة، وإنتي أصلاً ممرضة، فأكيد هتعرفي تتصرفي.
يكاد الفضول يقتلها، تريد معلومات أكثر عن ذلك الغامض الذي يبدو وأنه حاد الطباع. لكنها لم ترضِ فضولها وتسأل، فهي ليست في وضع يسمح لها بذلك.
تابع إلياس قبل أن ينهي الحديث معها: مش عايزك تقلقي. أنا هكون معاكي، أنا ومهاب هناك، وكله هيبقى تمام.
هزت رأسها وحاولت رسم ابتسامة على شفتيها وقالت: إن شاء الله.
استقام إلياس واقفا وقال: جهزي نفسك عشان ساعة كمان وهنطلع على هناك.
أومأت: بنعم.
تحرك هو وغادر الغرفة.
وضعت يدها على قلبها داعية الله بأن تكون الأيام القادمة أكثر دفئاً وحناناً. نعم، فهي تفتقد لكلتيهما. تدعو أن حظها يكون أكثر توفيقاً من ذي قبل. تتمنى تعيش في سلام وسعادة.
وقفت تعد أشياءها تأهباً للرحيل. وكذلك إلياس ومهاب.
***
كان يقف في شرفة قصر كبير نائي. لا يوجد منازل بالجوار، يقبع في مكان خالٍ من السكان، تكسوه حلة خضراء لا يصل ناظره إلى نهايتها.
كان يتلفت في جهة معينة، وجهه ممتعض والقلق احتل ملامحه كلياً. نظر في ساعته مرات عديدة قبل أن يهتف بحنق: إيه التأخير ده كله يا إلياس؟ وكمان موبايلك مقفول.
أما في السيارة، فكان إلياس يتولى عجلة القيادة، وكان بجواره مهاب وقدر في الخلف.
شرد إلياس وهو يفكر: هل اقتنع أخي برحيل الممرضة رغد فجأة هكذا؟ وهل سيقتنع بأن قدر هي الممرضة الجديدة؟
تذكر محادثة مع الآنسة رغد الممرضة:
– آنسة رغد، رازي جنبك؟
أتاه الرد: لا يا إلياس بيه، رازي بيه بيجري في المضمار.
زفر بارتياح وأكمل: اسمعي، أنا عايزك تقولي لرازي إن عندك ظروف، مثلاً الست الوالدة تعبانة، وهتضطري إنك تنزلي القاهرة. وتأكدي إن الراتب بتاعك هيوصلك كل أول شهر.
ردت بحزن: ليه يا باشمهندس؟ أنا قصرت معاكو في حاجة؟
برر إلياس كلامه: لا، بالعكس، إنتي أصلاً الممرضة الوحيدة اللي رازي اتقبلها. بس فيه حاجة كده هعرفهالك بعدين. المهم دلوقتي تنفذي اللي بقولك عليه، وأنا في أقرب وقت هاخليكي ترجعي.
هتفت محذرة: يا باشمهندس، بلاش بالله، عشان رازي بيه مش بيكره في حياته قد الكذب.
رد إلياس مطمئناً إياها: لو اكتشف حاجة يا ستي، أنا اللي هاشيل الليلة. تمام كده؟
تمام.
كان هذا ردها باختصار، وهي لا تعلم ما الذي يخطط له.
فاق من شروده وهو يوقف السيارة أمام القصر. كان هناك من ينتظرهم على أحر من الجمر، إنه الأخ الأكبر رازي.
ابتسم بارتياح لرؤيته شقيقه الذي لطالما أحبه أكثر من نفسه. ولكن ما هذا؟ إنها فتاة. يا ترى من تكون؟ هكذا كان يفكر رازي.
وما إن رأى حقيبة بيدها حتى عقد حاجبيه وبهت وجهه، وترك الغرفة وتوجه للأسفل بسرعة.
نظرت قدر إلى ذلك القصر الكبير النائي، وتلك الحديقة الشاسعة التي تحيطه من كل اتجاه. نظرت لأبعد من ذلك، تلك الحقول الخضراء والأشجار التي تتراقص من الرياح التي تداعب فروعها.
ياله من منظر خلاب! لابد وأن الحياة هنا كالجنة، بعيداً عن أذى الإنسان لأخيه الإنسان.
نظر إليها إلياس يطمئنها بهدوء: كل حاجة هتبقى تمام، بس اهدي.
ألقى مهاب ما لم يعجبها من دعابة قائلاً: لا، امسكي نفسك كده ياشابة، إحنا لسه بنسخن. ليفل الوحش كمان شوية.
رعشة سرت في جسدها متوجسة مما هي مقدمة عليه.
دلفوا ثلاثتهم إلى الداخل، فوجدوا رازي ينتظرهم في الردهة ووجهه مجهم عابس.
نظر إلياس لمهاب ثم أسرع ليحتضن أخيه.
أوقفه رازي بإشارة من يده وقال بحزم: مين دي؟
كان يشعر بثقل في لسانه، لم يعتد الكذب أبداً: دي... دي الممرضة الجديدة. هتقعد مؤقتاً معاك لحد الآنسة رغد ما تخلص إجازتها وترجع. إنت عارف إنك بتتقدم، فمش هينفع نوقف العلاج الطبيعي واللي بنيناه يتهدر.
ردف رازي وما زال عابس الملامح بنبرة غاضبة: مش عايز ممرضة جديدة. خليها ترجع للمكان اللي جات منه.
هتف إلياس مسرعاً: دي شاطرة أوي على فكرة و...
بتر كلماته وهو يصدح بغضب: إنت مش بتسمع الكلام ليه؟ أنا قلت تمشي، يعني تمشي. مش عايز حد غريب هنا.
كان جسده يرتعش وصوته عالي، مما جعلها تنتفض من قوة انفعاله.
أسرع مهاب يلطف الجو: يا رازي، إحنا عارفينها كويس. هي مش غريبة. هي اللي كانت بتراعي والدتي لما تعبت الفترة اللي فاتت.
نظر رازي لهما وقال بنبرة لا تقبل النقاش: وأنا قلت تمشي.
أدار ظهره وتحرك ناحية مكتبه وأغلق الباب.
تبادلا الشابان النظرات، ثم نظرا إلى تلك التي تقف جامدة لا تتحرك.
ذم إلياس شفتيه وقال: أنا هاتكلم معاه لوحدنا في المكتب، وإنت يا مهاب خد قدر واقعدوا في الصالون.
في المكتب، كان يغمض عينيه بألم، واضعاً يده اليمنى يتحسس يده اليسرى التي يضمها إلى صدره طوال الوقت ولا تتحرك.
سمع طرق خفيف على باب المكتب. تنهد بصوت عالٍ وعرف من الطارق. آه من ذلك الصبي. لقد دللته كثيراً أيها العنيد. إلياس، ألا تزال تجهل طباع أخيك؟
هتف من الداخل: ادخل يا إلياس.
تحرك إلياس ببطء إلى أن وقف أمام رازي.
نظر في عينيه يحاول كسب استعطافه وقال: أنا خايف عليك. نفسي ترجع زي زمان رازي باشا اللي كان الكل يهابه. نفسي ما أشوفش كسرة النفس اللي في عينيك دي يا رازي. فاكر... فاكر يا رازي لما كنت كل ما تضرب حد تقوله: "إنت عارف أنا سموني رازي ليه؟" يقولك: "ليه؟" ترد إنت تقوله: "عشان أفضل أرازي فيك يالا!".
اغرورقت عيناه بالدموع وابتلع غصة مريرة وتابع: ارجوك يا رازي، أنا عايز أخويا الشجاع القوي.
كانت كل كلمة نابعة من صميم قلبه، حتى فرت الدموع من عينيه.
صمت قليلاً ثم رد عليه بما فاجأه. رسم ابتسامة جانبية على شفتيه وأردف: كل المسلسل ده عامله عشان أقبل الممرضة؟ تمثيل بخمس قروش بصراحة.
صفعه بخفة على خده. ابتسم إلياس واحتضن رازي وقال: عايز كمان تحرمني من الحضن الجامد ده؟
ربت رازي على ظهره وقال: روح قول للست أمينة تخلي سناء تجهز غرفة للممرضة بتاعتك. لما نشوف آخرك فين يا ابن عمران الرازي.
أسرع إلياس راكداً بفرحة ليزف تلك الأخبار السعيدة لهما. وهو يهتف: دادا أمينة، يا دادا!
أتت له السيدة أمينة وقالت: يا حبيبي يا إلياس، حمدلله على سلامتك.
قبل يدها وقال: الله يسلمك يا قمر. إيه يا ست إنتِ الحلاوة دي؟ إنتي كل مرة بتبقي قمر كده إزاي؟
دنا منها قليلاً وهمس: بتحطي ميك أب يا أمينة من ورايا؟
تصنعت الخوف وهي تقول: أبداً والله يا سي السيد.
ضحكا سوياً ثم قال لها بجدية: عندنا ضيفة، قصدي... فيه ممرضة جديدة جات، جهزي لها غرفة.
غرفة الآنسة رغد جاهزة. هذا كان ردها الذي أسرع إلياس يقول: لا، جهزي غرفة تانية.
أومأت بالموافقة وانصرفت. وعاد هو لقدر ومهاب.
جلس بجوارهم يلتقط أنفاسه بسعادة وقال: رازي وافق.
هتف مهاب: هيييح، عدينا ليفل الوحش.
ابتسمت بارتياح، فقد كانت تخشى أن يرفض هذا الرجل الذي يبدو أنه ليس سهلاً أبداً، فهو غامض جداً من هيئته، لكنه بلا شك وسيم حد اللعنة. لقد استرقت النظر إليه لوهلة.
نظر إلياس لقدر التي كانت شاردة وقال: قدر، تعالي معايا. هعرفك أكتر عن حالة رازي وكمان ارتاحي شوية لحد ما العشا يجهز.
أومأت برأسها ثم وقفت استعداداً للذهاب معه.
صعدا السلم، وصلا غرفة بالطابق العلوي كانت رائعة، غرفة واسعة بها شرفة ومرحاض خاص بها.
دي هتبقى أوضتك. هكذا أفاقها إلياس من شرودها، فقد كانت تتأمل الغرفة بإعجاب.
احتلت المفاجأة ملامحها فتساءلت بدهشة: أوضتي أنا؟
عقد حاجبيه: مش عاجباكي؟
أسرعت تنفي كلامه: لا، بالعكس، دي... دي أجمل حتى من أحلامي.
ابتسم برضى وقال: الحمد لله، طمنتيني. تعالي بقى عشان نحكي في المهم.
جلست على أريكة في الغرفة وجلس هو في مقعد مقابل لها.
وأردف: بصي يا قدر، رازي اتعرض لحادث من خمس سنين. الحادث ده كان حاجة بشعة جداً. من ورا الحادث ده رازي أصابه شلل في إيده الشمال، وبسببه برضه خسر شغله اللي هو كان أحب حاجة ليه. وقلبه انكسر برضو في نفس الحادث. ومن وقتها ورازي اتحول لشخص تاني، شخص ما أعرفهوش. شخص بيفضل العزلة، بيكره إن أي شخص غريب يدخل حياته. من خمس سنين رازي مش بيخرج من القصر ده.
الفضول سيقتلها، تريد أن تعرف المزيد، ولكن خجلها يمنعها. لا تريد أن تبدو فضولية ثرثارة تتدخل فيما لا يعنيها.
تنهد هو وتابع: الدكاترة قالوا إنه حالة الشلل اللي أصابت إيده دي سببها نفسي أكتر من إنه عضوي. يعني بسبب الصدمة النفسية اللي اتعرض لها. ومن وقتها فيه ممرضة عايشة هنا متابعة علاجه والتمارين المطلوبة لإيده، لكن مع الأسف...
صمت قليلاً وبدا الحزن جلياً على وجهه وتابع: مافيش أي تقدم.
تحمست قدر وقالت: أنا بحب أوي التحديات يا باشمهندس، عشان كده هعمل كل اللي أقدر عليه عشان رازي بيه يخف.
رفع حاجبه وتابع: إيه باشمهندس وبيه دي؟ قولي إلياس عادي.
طأطأت رأسها خجلاً وقالت بابتسامة خجلة: هحاول.
وقف إلياس وقال: هاسيبك ترتاحي، ولما الأكل يجهز هبعت سناء تنده لك.
تحرك نحو الباب، ولكن استدار حين سمع صوتها الرقيق الهادئ: إلياس.
تابعت: شكراً على كل حاجة. إنت أكيد الملاك اللي ربنا بعته ليا.
رد عليها إلياس بابتسامة لطيفة: لو عايزة تشكريني بجد، ساعدي رازي يتحسن.
أنهى جملته وابتسم لها وأغلق الباب. وهبط الدرج ليجد مهاب ممسكاً بطبق فاكهة يأكل بشراهة وهو يقول: ياخي، الأكل هنا له طعم تاني.
أزاحه إلياس ليجلس بجواره وقال: تصدق صح، الواحد بيجي هنا يجوع.
صدح بصوت عالٍ: انجزي يا سناء، إحنا على لحم بطننا. جهزي أي حاجة ناكلها.
مر وقت ليس بكثير، وها هما ثلاثتهم على طاولة الطعام.
نظر إلياس إلى الدرج ثم إلى سناء سائلاً: رازي فين؟ هو مواعيده مظبوطة، مش متعود يتأخر.
سناء: البيه طلب الأكل في أوضته يا باشمهندس.
تجهم وجه إلياس واحتل الحزن وجه قدر، فهي تشعر بأنها السبب في هذا. تعلم أنه غير مرحب بها من قبله.
أتت السيدة أمينة، وما إن رآها إلياس حتى وقف وهمس لها: كنتي أقنعتي رازي ينزل يأكل معانا؟
بادلته الهمس وقالت: اعمل إيه؟ حاولت معاه كتير، لكن إنت عارفه عنيد ومافيش حد بيقدر يقنعه. سيبه على راحته.
لاحظ إلياس أن قدر تولي انتباهاً لهم، فأردف حول الموضوع سريعاً: بذمتكم، فيه حد بالجمال ده يا جدعان؟ أنا مش عارف بقدر أبعد عنها إزاي.
ضحكت وضربته بخفة على صدره وقالت: يا بكاش، لو بتحبني أوي كده بتغيب ليه دا كله عليا؟
رد هو: غصب عني يا حبيبي، مهو إنتِ عارفة أشغال بقى.
ضحكت وقالت: إنت كده ماحدش بيقدر يغلبك.
جلست على المقعد المجاور له وبدأوا في تناول الطعام.
لكن قدر ما زالت حزينة، لا تحب أن تكون ضيفاً ثقيلاً. لم تدس حتى لقمة واحدة في فمها. تصنعت أنها تأكل، ولكنها رغم جوعها فقدت شهيتها.
قامت من مكانها وقالت: الحمد لله، شبعت.
إلياس: إنتي لحقتي؟
ردت قدر: صدقني، مش قادرة خلاص. أنا هاطلع أنام.
وبالفعل توجهت نحو غرفتها، أخذت تفكر في كل ما تعرضت له. يالهي، كل لقد حدثت أشياء كثيرة، ولكن أعلم أنك تخبئ لي الأفضل دائماً، تلك هي ثقتي بربي.
وضعت رأسها بين وسادتين لتجنب التفكير حتى تحظى بقسط من الراحة، فهي حقاً منهكة. بعد معاناة عرف النوم طريقاً لها وراحت في سبات عميق.
ها قد انتصف الليل، الهدوء يخيم على القصر، لا أحد مستيقظ.
لكنها استيقظت تتلوى من الجوع، معدتها تؤلمها كثيراً. ماذا تفعل؟ نهرت نفسها. من الأفضل لها لو تناولت بعض الطعام.
ارتدت حجابها وقررت تهبط للأسفل لتناول أي شيء من الثلاجة.
حاولت ألا تحدث جلبة. مشت بحذر إلى أن وصلت إلى الدرج.
نظرت يميناً ويساراً، كانت هناك عيون تراقبها. لم تلحظ هذا.
دَلفت إلى المطبخ وفجأة وجدت شخصاً ما يصوب السلاح على رأسها قائلاً: بتعملي هنا إيه في الوقت ده؟
رواية ندبات قدر الفصل الخامس 5 - بقلم الشيماء مسعد
استيقظت في منتصف الليل.
الهدوء يخيم على القصر، لا أحد مستيقظ.
لكنها استيقظت تتلوى من الجوع.
معدتها تؤلمها كثيراً.
ماذا تفعل؟
نهرت نفسها: "من الأفضل لها لو تناولت بعض الطعام."
ارتدت حجابها وقررت تهبط للأسفل لتناول أي شيء من الثلاجة.
حاولت ألا تحدث جلبة.
مشت بحذر إلى أن وصلت إلى الدرج.
نظرت يميناً ويساراً.
كانت هناك عيون تراقبها، لم تلحظ هذا.
دلفت إلى المطبخ وفجأة وجدت شخصاً ما خلفها.
صوّب السلاح على رأسها قائلاً: "بتعملي إيه هنا في وقت زي دا؟"
شهقت وهي تطالع ذلك الواقف أمامها: "يا إلهي! من أين أتى؟ هل يراقبني؟ ماذا فعلت ليوجه سلاحه على أم رأسي؟ لم أرتكب أي حماقة."
ابتعلت لعابها وقالت بنبرة مرعوبة: "أنا... نزلت عشان جعانة. كنت هاشوف أي حاجة آكلها."
أنزل رازي سلاحه ببطء وقال بريبة: "مش غريبة على واحدة أول يوم ليها في البيت ده وتتحرك عادي كده وتكون عارفة كل تفاصيل البيت كده؟"
تمكّنها الخوف وأيضاً الدهشة.
كانت متوقعة أنه حاد الطباع، لكن لم تتوقع أنه فاقد عقله لهذه الدرجة.
تابع وهو يلوح بالمسدس أمام عينيها ليستدعي خوفها: "حطي في دماغك فكرة إن عيني عليكي طول الوقت. وطالما إنتي هتبقي الممرضة الخاصة بيا، فلازم تعرفي المريض بتاعك عامل إزاي يا آنسة."
هزت رأسها بالموافقة.
أنهى جملته، فتح باب الثلاجة وأحضر لها طبق فاكهة وضعه على الطاولة وقال: "الأكل أهو."
غادر وتركها.
صعد الدرج.
أما عنها، فقد فقدت كل ذرة ثبات بها.
سقطت جالسة على الأرضية، ضامة رجليها إلى صدرها.
كانت أطرافها مجمدة، قلبها يخفق بشدة، ترتعد كلياً.
سقطت دموعها من شدة الخوف.
ظلت هكذا قرابة الساعة.
كان يراقبها من أعلى الدرج.
أخيراً، استعادت ثباتها، هبّت واقفة ولم تعد تشعر بالجوع.
نظرت إلى طبق الفاكهة بتهكم: "هل استحق كل ما تعرضت له بسببك؟ لقد كنت على وشك فقد حياتي بسبب الطعام. لما العجب؟ فهناك من يفقد حياته منتظراً فتات الطعام. هناك إخواننا في غزة ينتظرون وينتظرون دورهم في جلب بعض مما يسد الجوع، وبالآخر يقصفون جائعين. يا لها من شدة وقد طالت."
"الخوف، ذلك الإحساس اللعين الذي يحتل قلبك يجعلك لا تفكر في شيء سواه. قادر على طرد أي شعور آخر بداخلك. قادر على جعلك تفقد صوابك، تركيزك، حتى شهيتك."
تحركت نحو الأعلى ببطء شديد وكأنها كانت تجبر قدميها على السير.
رآها بهذا الوضع المثير للشفقة، لكنه لم يشفق عليها.
ولو كان شعر بالشفقة لكان نهر نفسه.
دائماً كان يشعر بالشفقة حيال أولئك الملعونين الذين يتسببون في أذى الأبرياء.
تراجع سريعاً حين طرأ على ذهنه: "لقد قالت جائعة، لكنها لم تتناول حبة واحدة."
لكنه برر ذلك: "لقد اختفيتها بما يكفي، أجل هذا جيد. عليها أن تعلم بأنني أتربص لها دائماً."
"إنها تبدو كالملائكة، تمتلك ملامح بريئة كالطفال، لكن لن أنخدع هذه المرة. لا يلدغ مؤمن من جحر مرتين. كل من تملك وجهاً بريئاً تخفي خلفه وجوهاً كثيرة شيطانية."
ألقى بجسده على الفراش.
داهمته الذكريات التي دائماً تخترق خلوته، تعذبه وتمزق قلبه أشلاء.
سرح فيها.
كم كانت تبدو بريئة.
تذكر أول لقاء.
كان عائداً بسيارته من عمله في منتصف الليل.
وجد تلك الفتاة ملقاة بجانب الطريق.
لمحها ممدة، رفعت يدها بالكاد، أشارت له بيدها.
انتبه لها.
أسرع بإيقاف سيارته.
هبط منها مسرعاً، وجد فتاة تنزف من رأسها أثر جرح.
كزها بخفة قائلاً: "أنتي يا آنسة، أنتي كويسة؟"
فتحت عينيها ببطء وقالت بصوت خافت: "انقذني، هيقتلوني."
نظر حوله وأشهر سلاحه لف بكل الاتجاهات.
لم يجد أحداً.
لقد كان الطريق خالياً تماماً.
تحدثت مرة أخرى قبل أن تفقد وعيها: "انقذني..."
حملها إلى السيارة، وضعها في الخلف.
قاد السيارة متجهاً إلى المشفى.
بعد أن وصل بها واتخذ الإجراءات اللازمة لعلاجها، وقام الأطباء بتطبيبها.
كان واقفاً خارج الغرفة يستند بظهره على الحائط.
حينما خرج الطبيب ليخبره: "إحنا عملنا اللازم، بس هي هتبقى تحت الملاحظة لحد ما تفوق، ولازم يتعمل محضر عشان نعرف مين اللي عمل فيها كده."
هز رأسه واتجه إلى غرفتها.
طالعها بدقة.
قبل أن يراها كان مقتنعاً أنه يقرأ الناس من أوجههم، لكن هل هذه حقيقة؟
دقق النظر إليها.
تبدو بريئة جداً في نومها، لكن لما تبدو حزينة حتى وهي نائمة؟
مر الوقت وهو واقف يتساءل ما قصتها.
فضوله الذي اكتسبه من عمله دفعه لينتظر حتى يفك اللغز.
فاقت أخيراً.
كانت تتأوه.
فتحت عينيها، نظرت حولها، تبين لها أنها في المشفى.
كان مصوب نظره عليها.
تحرك تجاهها مردفاً: "حمد الله على السلامة؟"
"الله يسلمك، أنت مين؟"
"أنا منقذك." قالها بغرور رافعاً حاجبه الأيسر.
بدأت تنتحب، واضعة يديها على وجهها.
عقد حاجبيه.
سحب مقعداً ليجلس بجوار السرير وسأل: "إيه اللي حصل معاكي، احكي؟"
رفعت وجهها قائلة: "فيه ناس هاجموا علينا في الفيلا بتاعتنا، قتلوا بابا وأخويا، وكانوا عايزين..." صمتت قليلاً.
ثم تابعت: "كانوا عايزين يعتدوا عليا، ولما جريت منهم كانوا هيقتلوني."
حك ذقنه وقال: "عنوانك إيه، واسمك؟"
ابتلعت ريقها وقالت: "اسمي فريدة هاشم الرفاعي. بابا رجل الأعمال المشهور هاشم الرفاعي. كنا عايشين في أمريكا أنا وبابا وأخويا. جينا نصيف هنا في إسكندرية السنة دي، ما كنتش فاكرة إن ممكن يحصل معانا كده."
بكت أثر ذكر والدها وشقيقها وتابعت: "بس فجأة هاجموا علينا وولعوا في الفيلا كلها. هما قاصدين بابي عشان كانوا منافسينه في الشغل، أنا متأكدة. بابي مالهوش أعداء. أنا خايفة أوي، هما مش هيسيبوني في حالي، عايزين يتخلصوا مني عشان ما يبقاش حد وريث لبابي وياخدوا كل حاجة."
كان ينظر إلى وجهها مباشرة.
لم تكن تمثل، حتماً تقول الصدق.
داهمها بسؤاله: "قلتي والدك اسمه إيه؟"
ردت مسرعة: "هاشم الرفاعي."
هز رأسه وقال: "استني هنا، هارجعلك."
خرج مبتعداً عن غرفتها.
أجرى اتصالاً هاتفياً.
أتاه الرد.
قال رازي بحزم: "هاشم الرفاعي، عايز كل التفاصيل عن الراجل ده وهل هو فعلاً اتقتل ولا لا."
أغلق فوراً.
ثم عاد إليها: "أنا كلمت الدكتور، تقدري تخرجي دلوقتي. فيه حتة معينة أوصلك ليها."
وضعت يديها على وجهها كالاطفال وقالت: "أنا معنديش مكان أبات فيه. بيتنا اتحرق، واكيد هما بيدوروا عليا عشان يقتلوني."
زفر بضيق وقد نال منه التعب والإرهاق.
فقد كان عائداً من عمله.
قال: "هاضطر آخدك معايا البيت. وما تقلقيش، أنا عايش مع أمي وأخويا الصغير وفيه كمان خدامين."
نظرت له بامتنان وقالت: "شكراً بجد، أنا عمري ما هنسى موقفك معايا. إنت فعلاً رجل نبيل."
فاق من شروده.
وكان صدره يعلو ويهبط بقوة، كأن حريقاً نشب للتو بين ضلوعه.
كوّر يده حتى برزت عروقه.
بعدها رفعها يتحسس بها ذراعه الذي لا يستطيع تحريكها.
أغمض عينيه بعنف، يتمنى لو يصاب بفقدان جزئي للذاكرة حتى ينسى كل تلك الذكريات التي تؤرقه وتغزو فكره، تسرق النوم من عينه.
لكن هيهات.
لقد أقسمت على أن تعيد نفسها كل يوم أمام خاطره كأنها مسلسل لا ينتهي من العذابات.
استدار ناحية الحائط ليكف عن التفكير بأي شيء.
بعد محاولات عديدة، استطاع أن يجد النوم سبيلاً لمقلتيه التي يجافيهم كل ليلة.
سلاسل الشمس الذهبية احتلت كل إنش من القصر معلنة عن بداية يوم جديد.
ظلت قدر مستيقظة قرابة الشروق.
لم تنم إلا السادسة صباحاً، لذا ظلت نائمة على عكس طبيعتها التي تحب الاستيقاظ مبكراً.
أما عن رازي، فقد اعتاد أن يركض في المضمار مرات عديدة.
نتج عن ذلك الركض هذا الجسد الرياضي الفارع الممشوق مفتول العضلات.
يساعده أيضاً الركض على إبقاء أعصابه في حالة جيدة من الاسترخاء.
اليوم شاركه إلياس ومهاب في هذا السباق.
كانوا يركضون بحماس.
مهاب والياس يرشون بعضاً بمياه الزجاجة التي كان يحملها كل واحد منهما.
ورازي ينظر إليهم ويضحك.
نظرت من الشرفة، لمحتهم.
ابتسمت بتلقائية على أفعالهما الصبيانية.
لكنها تمنت حقاً لو تشاركهم الركض.
تود تجربة أشياء كانت محرمة عليها في الماضي.
ولكن...
هناك من يتربص بها كما قال لها.
هناك شخص لا يرغب بوجودها.
زفرت بتعب وقررت أن تمكث في غرفتها.
لقد أصدرت أمعاؤها أصواتاً معلنة أنها تريد الطعام.
احتضنت معدتها.
كانت ستدخل، لكن إلياس انتبه لها.
لوح لها بيده وقال بصوت مرتفع وصل لها: "قدر، انزلي، هنفطر برا في الجنينة."
هزت رأسها ودلفت إلى الغرفة تستعد للنزول.
في الحديقة، لاحظ إلياس عبوس رازي عندما لمح قدر.
ربت على كفه وقال بنبرة هادئة: "رازي، لو سمحت، البت دي ظروفها صعبة، ممكن تتعامل معاها بطريقة أفضل من كده. هي كويسة والله."
هتف رازي بانفعال.
حاول تمالك أعصابه لكنه فشل: "كلهم بيكونوا كويسين في البداية. المظاهر خداعة."
أسرع مهاب لإنهاء الشجار قائلاً: "البت دي أنا مربيها على إيدي."
رمقه إلياس بنظرات مندهشة، فهذه كذبة غير منطقية بالمرة.
أسرع ليصحح كلامه: "قصدي يعني، هي معرفة قديمة وأنا عارفها كويس."
أنهى إلياس الحديث قائلاً: "قفلوا على الموضوع، البت جاية أهي."
تحدثت بنبرة هادئة منخفضة: "صباح الخير."
ردوا جميعاً بصوت واضح، عدا رازي، الذي رد بصوت لم يظهر وكأنه حرك شفتيه فقط.
أردف إلياس: "اسحبي كرسي وتعالي يا قدر، هنفطر هنا."
لقد مر شهر كامل على هروب قدر.
الوضع أكثر تأزماً الآن.
ممدوح الصاوي كالبركان الثائر، تأكله النار من الداخل.
لم يترك نقرة إلا وقد نقب فيها عنها.
أين اختفت؟ هل سافرت؟
لقد بحث حتى في المطارات على اسمها ولم يجد.
على الرغم من أن هذا الاحتمال مستبعد، لأنها لا تملك نقوداً أو جواز سفر.
لا تملك سوى بطاقتها الشخصية التي أخذتها معها.
لم ولن يهدأ منذ اختفائها.
فهو يراقب هاتف دلال وكل فتياتها اللاتي يعملن عندها، ويراقب بالأخص عصفور وأخته عزة، فهو لم يرفع إصبع الاتهام عنهم بعد.
خرج من عمله تاركاً إياه، اتجه إلى دلال للمرة التي لم يدري كم عددها.
كان جالساً على الأريكة ودلال واقفة أمامه مثل الطفل المعاقب.
زفر دخان لفافة تبغه وقال: "متأكدة إنها مالهاش قرايب تاني؟ أنا بعت ناس لقريبة والدتها في دمياط وقالت إنها عمرها ما شفتها، واتأكدنا إنها بتقول الصدق."
أسرعت هاتفه: "والله ما أعرف أي حد تاني من قرايبها، واللي عندي قلته يا ممدوح بيه. أوعى تفكر إني ممكن أقف في صف اللي متتسماش، ده أنا لو لقيتها وغلاوتك، لأمسك في زمارة رقبتها."
أكملت بنبرة حنونة: "ده أنا صعبان عليا حالك، زعلانة عشانك وعلى تعبك وانت قالب الدنيا عليها، بنت محمود رشيد."
لملم شتاته وعاد خائب الأمل.
لكنه توعد أنه لم ولن يكف عن البحث عنها لو كلفه ذلك عمراً بأكمله، سيفعل.
فهي في نظره تستحق كل هذا العناء.
سيقسو عليها حالما يراها، سيعاقبها إلى أن تنطفئ نيران صدره، وبعد ذلك سيعانقها عناقاً طويلاً.
هكذا كان تفكيره المريض وخيالاته الجامحة.
بعد تناول الإفطار في الحديقة، حيث الهواء الطلق والدفء المنبعث من الشمس، قررت قدر تتخلى عن جزء من خجلها وخوفها.
استدارت لرازي وقالت: "سيد رازي، دلوقتي وقت تمارين إيدك."
زفر بنزق وهز رأسه على مضض.
وقف، سار إلى داخل المنزل.
تبعته هي وقالت: "كان ممكن نعمل التمرين هنا في الجنينة، الجو جميل."
رمقها بطرف عينه وقال: "مش بحب الثرثرة، أنا أختار المكان اللي يريحني."
زمّت شفتيها وهزت رأسها وقالت: "اكيد، أهم حاجة تكون مرتاح."
وصلوا إلى صالة رياضية تحوي جميع أنواع الأجهزة الرياضية.
جلس على مقعد كأنه مخصص لتدليك ذراعه.
كان يحتوي على ذراع طويل ليمكنه من مد ذراعه كاملاً بأريحية.
تحرر من سترته وبقي بسترته الداخلية.
أشاحت بوجهها بعيداً من الخجل.
لم تستطع أن تنظر إليه مباشرة.
لم يأبه بها أو أين تنظر، كان مركز نظره على اللاشيء.
نظرت خلسة لتلك العضلات المفتولة، لكنها حولت نظرها بعيداً وأسرعت تستغفر الله.
ترددت كثيراً قبل أن تلمس ذراعه.
"يا الله، ماهذا المأزق الذي أنا به الآن؟ أتمنى أن يرفض مساعدتي، أن يصرخ وينهرني، لن أغضب، سأشعر بارتياح إن طردني حالاً."
لكن هوت آمالها أرضاً حين زفر بحنق وقال: "إنتي متأكدة إنك دلكتي حد قبل كده؟"
هزت رأسها نافية وقالت: "لا، أول..."
بترت كلماتها.
نهرت نفسها: "أيتها الحمقاء الخرقاء، ما هذه الترهات التي تفوهتي بها الآن؟"
كان هذا ما دار برأسها.
أسرعت لتصحح ما أفسدته قائلة: "آسفة، بس حضرتك بتخوفني بنظراتك دي وأنا بتوتر منها أوي."
تباً لها، كم هي صريحة في وصف شعورها الآن.
الآن فقط، طالعها بضجر وقال: "شوفي شغلك يا آنسة، الجو بارد."
هزت رأسها، أغمضت عينيها، أخذت نفساً عميقاً، ثم بدأت تدلك ذراعه.
بمرور الدقائق، بدأت تعتاد الموقف، أصبحت أكثر قوة وهي تضغط على ذراعه، تمددها وتعيدها لوضعها.
إلى أن هتف بكلماته التي حررته من قيود تلك اللحظة اللعينة فقال: "كفاية كده يا آنسة، ممكن تتفضلي."
أرادت أن توصل له ملاحظة، ويا ليتها لم تتفوه: "سيد رازي، أنا ملاحظة إن أعصاب حضرتك مية مية، فين المشكلة إذا..."
صمتت حين صدح ينهرها: "ما تتعديش حدودك معايا، إنتي ليكي شغلك وبس. أعصابي مشدودة مرتخية دي حاجة يقررها الدكتور، وإنتي مش دكتور، اتفضلي، وقتك معايا انتهى."
حاولت تمثيل الثبات واللامبالاة أمامه.
حكمت على عبراتها لم تسقط هذه المرة، لكنها ما إن خرجت من الصالة حتى أطلقت العنان لدموعها بالتحرر.
لمحها إلياس تركض للأعلى.
صعد خلفها وقبل أن تغلق غرفتها، أمسك بالباب ليعيق إغلاقه.
نظر إليها بشفقة: "آه منك يا أخي، لقد حذرتك ألا تقسو عليها، تلك الفتاة الرقيقة، ولكن ضربت بكلامي عرض الحائط كالمعتاد."
لم يبرر لها شيئاً، فقط قال بهدوء: "أنا آسف لتصرفات رازي معاك، بس اللي مر بيه مش سهل، أتمنى إنك توسعي صدرك شوية. اعتبريه طفل صغير بتراوضيه."
مسحت دموعها وقالت: "أنا اللي آسفة، اقتحمت حياتكم."
قبل أن تكمل كلامها، أوقفها ليكمل هو: "قدر، من اللحظة اللي وصلتي فيها هنا، إنتي خلاص بقيتي واحدة من العيلة، مش عايز أسمع الكلام ده تاني."
ابتسمت بامتنان وقالت: "شكراً يا إلياس، إنت أكتر شخص محترم وعطوف قابلته في حياتي."
بادلها الابتسام وقال لها: "أنا مضطر أرجع النهاردة على العصر كده القاهرة عشان الشغل بتاعنا. مش عايزك ضعيفة، عايزك تكوني قوية. ولو قدرتي تتحدي رازي، هتبقى مهمتك في شفائه سهلة جداً."
هزت رأسها بحماس وقد شحنها ذلك الكلام بالطاقة وقالت: "إن شاء الله، هاعمل كل اللي أقدر عليه."
في المساء.
كان يقف في بهو المنزل بعد أن ودع أخيه ورفيقه، وألقى تعليماته عليه بصرامة شديدة قائلاً: "سوق بالراحة، وأوعى تقف لأي حد في الطريق، أياً كان."
ابتسم له إلياس وقال: "أنا حفظت النصايح دي أكتر من اسمي."
همس مهاب لالياس: "شوفت، مش أمي بس اللي بتصدعنا بنصايحها."
اتسعت أعين إلياس وقال بمكر: "تحب أقوله مهاب بيقول عليك إيه؟"
وضحك، وصدح يجذب انتباه رازي: "يا رازي!"
وما إن التفت له رازي حتى ضحك مهاب وقال: "هتوحشنا يا رازي باشا."
ابتسم من جانب فمه وقال: "ما تتأخروش عليا."
انصرفا وظل ناظرها معلقاً بأثرهما.
تشعر أنها في غربة الآن.
كانوا حقاً بمثابة أهلها، إخوة لها، لكن أجبروا على السفر.
كيف ستدبر أمورها مع ذلك السادي القاسي، رازي؟
استدارت لتذهب إلى غرفتها، لكن سمعت صوته الذي أوقفها عن السير: "إنتي."
استدارت تطالعه على مضض: "لو عايزة تعيشي كويسة هنا، يبقى ما تدخليش في حياتي. إنتي ممرضة وبس، لحد ما آنسة رغد ترجع."
هزت رأسها وقالت بجمود كآلة: "أي أوامر تانية سيد رازي."
أشار بيده لتكمل سيرها.
اتجه ناحية الخارج.
كانت شمس الأصيل الهادئة بطبعها تداعب المكان بدفئها.
تحرك إلى مكان جانبي في الحديقة الشاسعة.
فتح المكان ودلف إليه.
كانت تقف في شرفتها تتابع منظر الأشجار الخلاب من الأعلى.
تشعر بالملل.
لقد افتقدت هاتفها النقال المتواضع.
كان يشغل جم وقتها في مواقع التواصل الاجتماعي.
جذب انتباهها خروج رازي من ذلك الحوش الكبير.
لقد كان اسطبلاً للخيول.
خرج معه حصان عربي أصيل.
مسح على شعر الحصان وقبض على لجامه.
وصارا يمشيان سوياً حتى ابتعدا معاً عن القصر.
تنفست الصعداء وخرجت لقتل الملل.
تجولت في الحديقة بأريحية، فهي الآن مطمئنة بأن رازي قد خرج للتجول في الحقول الفسيحة خارج القصر.
"يالها من حديقة غامضة مثل صاحبها."
كان هذا تفكيرها.
فتحت اسطبل الخيول.
كانت هناك مهرة ناصعة البياض.
اقتربت منها قدر بحذر، مسحت على شعرها الأبيض الناعم المنسدل على رقبتها.
قربت إليها ثمرة تفاح أطعمتها.
شعرت بالألفة.
أحياناً رفقة الحيوانات تكون أفضل من مرافقة البشر.
لم تلاحظ كم مر من الوقت، لكنها حقاً كانت سعيدة بتلك الرفيقة الجديدة.
خرجت من الاسطبل سعيدة جداً، تتنفس الأمل.
لطالما كانت تتمنى الحصول على فرصة تسمح لها لركوب خيل ولو مرة.
فاقت من نشوتها على شيء ما جعلها تصرخ من الرعب.
تركض بكل قوتها.
رواية ندبات قدر الفصل السادس 6 - بقلم الشيماء مسعد
خرجت من الاسطبل سعيدة جداً، تتنفس الأمل. لطالما كانت تتمنى الحصول على فرصة تسمح لها بركوب خيل ولو مرة واحدة.
فاقت من نشوتها على شيء ما جعلها تصرخ من الرعب. كان نباح كلب. كان كلباً أسود ضخماً جداً من نوعية (كين كورسو). تعد هذه النوعية من أخطر الكلاب فتكاً. وما إن سمعها تصرخ حتى ركض خلفها.
صرخت برعب، هرولت وهرولت، تعثرت عدة مرات حتى كادت أن تسقط، وهو خلفها. ركضت بكل ما أوتيت من قوة. لطالما كانت الكلاب تمثل لها شبحاً مرعباً.
خرجت من الحديقة كلياً، كانت تهرول بأقصى سرعة. لمحها رازي الذي كان يمتطي جواده عائداً إلى المنزل.
صرخ رازي: "بلاك جان" come here.
انتبه إليه الكلب وهرول ناحيته. سقطت على الأرض تلهث أنفاسها بصعوبة، واضعة يدها على صدرها الذي يعلو ويهبط.
هبط رازي من الحصان، مسد على ظهر "بلاك جان"، هكذا كان يطلق عليه رازي. قال له بصوت منخفض: عارف إنها مثيرة للريبة، بس الاندفاع مش دايماً بيبقى الحل الأمثل.
قربه منه كأنه يحتضنه. فمنذ عزلته هذه، لا يصاحب سوى الأوفياء الذين لا يترددون بتقديم حياتهم فداءً له. وكان "بلاك جان" واحداً منهم. لعق بلاك جان خد رازي. استقام رازي واقفاً بعد ربت على فرو بلاك جان.
تحرك ناحيتها، نظر يطالعها. لقد كان وجهها باهتاً، ما زال الخوف يغزو ملامحها البريئة. ألقى كلماته: انتي بتحبي المتاعب آنسة ممرضة، أكيد عملتي حاجة لبلاك جان عشان يثور عليكي كده. هو في العادي هادي، لكن لما بيشوف حد مثير للريبة بيحصله كده.
استدار ليرحل، لكنها رمقته بنظرات كالسهام. لو كانت تقتل لكان وقع طريحاً. وقالت: هو شكله شكاك، بيشك في كل اللي حواليه زي صاحبه.
رمقها بغضب وقال بحدة: التزمي حدودك معايا.
انكمشت على نفسها خوفاً من سخطه. فكرت في نفسها: كيف له أن يكون بكل تلك القسوة؟ إنه حتى لم يكلف نفسه عناء الاعتذار عما بدر من حيوانه المتوحش. استقامت تنفض الغبار عن ثوبها الوردي. نظرت حولها للفراغ الشاسع والحقول الخضراء. قررت أن تذهب في جولة عبر الحقول، لكنها خشيت من مقابلة حيوان مثل بلاك جان، لذا عادت إلى القصر.
***
في مكان آخر.
هناك فتاة تجلس شاردة الذهن في غرفتها في منزلها المتواضع. لم تنتبه حتى لمن دلف إلى غرفتها وجلس بهدوء يطالعها بحنان. كانت غارقة كلياً في بحر أفكارها. استفاقت حينما سمعت ذلك الصوت المحبب لها كثيراً. وهو يقول بتعجب: الله... ياترى البشمهندسة سرحانة في إيه، اللي واخد عقلك.
ابتسمت بهدوء وقالت: مفيش يا بابا، هما بس شوية مشاكل في الشغل.
انتقل من مقعده وجلس جوارها، وكزها بخفة بكتفه وقال: في الشغل برضو؟ عليا أنا الكلام دا. مشاكل الشغل كلها بتيجي جري تحكيها لي. الموضوع شكله أكبر من كده بكتير. قال جملته الأخيرة بهمس كأنه لا يريد لأحد أن يسمعهم.
ابتسمت وقالت: قولي يا عبد الناصر.
أردف هو بضحكة: عبد الناصر حاف كده يا بت يا شقية.
ضحكت بتسلية وقالت: لا بجد، انت ليه ما اتجوزتش بعد ما... ابتعلعت غصة مريرة وأكملت: بعد ماما ما توفت.
تنهد بضيق على ذكرى تلك السيدة، لكن سرعان ما أظهر ابتسامة جميلة وقال بمشاكسة: مش يمكن عشان عندي كتكوتة صغيرة، خفت عليها من أي ست جديدة تدخل حياتنا.
احتضنت ذراعه وتشبثت به بقوة. قالت وهي مغمضة عينيها: طب أنا بعد الكلام الحلو دا كله أقول إيه. تابعت هي: تعرف يا عبد الناصر، أنا نفسي أوي أفرح بيك. آه والله.
رفع حاجبه وقال بمكر: انتي برضو اللي نفسك تفرحي بيا؟ لا ياختي، شكراً. شطبنا. أشار إلى رأسها وتابع: أنا اللي نفسي أعرف هنا بيدور إيه. من كام يوم وانتي مش على بعضك وديماً شاردة.
أجبرت نفسها على الابتسام وقالت: مافيش يا بابا.
استدار لها كلياً لتنتبه، ويدرس حركات عينيها جيداً. وقال: بصي يا فاطمة يا حبيبتي، انتي عارفة إنّي عملت كل اللي أقدر عليه عشان أخليكي ماتحسيش بأي نقص عشان والدتك مش في حياتنا. أنا عمري كنت قاسي معاكي يا فاطمة؟
هزت رأسها بلا، وهي مثبتة ناظرها عليه. تابع هو: مش المفروض لما تقابلنا أي مشكلة من أي نوع نيجي نحكي لعبد الناصر؟
هزت رأسها بنعم. أكمل كلامه بقوله: طب يلا بقى احكي، أنا كلي آذان صاغية. مين دا اللي شاغل تفكير بنتي الجميلة؟
اتسعت عينيها من الدهشة. كيف علم أن هناك شخصاً يؤرق تفكيرها. طأطأت رأسها بخجل من والدها، ذلك الرجل الذي يغدقها بكل مشاعر الحنان والأبوة. أمسك ذقنها ورفع وجهها إليه وقال: أنا واثق في تربيتي. فاطمة ما عندهاش حاجة تخجل منها، صح؟ قال هذا ليحثها على التحدث. وبالفعل نجح في ذلك.
وقالت هي: انت طبعاً عارف البشمهندس إلياس، مديري.
هز رأسه بنعم. حولت نظرها بعيداً عن أعين والدها وقالت بارتباك: أنا يعني معجبة بيه أوي يا بابا، لكن هو غامض معايا. يعني بيعاملني باحترام جداً، ولو احتجت أي حاجة أول واحد هو بيجيبها لي. بس طبعاً دا مش كافي إن أعرف إنه بيحبني.
زفرت الهواء لتهدئة قلبها الذي تدافعت به المشاعر على أثر ذكر من دق له القلب لأول مرة. تابعت: من حوالي خمس أيام لقيته معاه بنت زي القمر. حسيت إنها قريبة أوي منه، كان بيشتري لها هدوم.
فرت دمعة من عينيها. أسرعت في مسحها وقالت: أنا من وقتها مش قادرة أنسى. أشارت على قلبها وقالت: دا بيوجعني أوي يا بابا.
ارتمت في ذلك الحضن الذي تعلم جيداً أنه يستوعب كل مشاعرها، وقادر على إخفائها عن العالم أجمع. شرد عبد الناصر يفكر كيف يجعل هذا الوجه الجميل يضحك مرة أخرى، وبأي طريقة يتصرف مع أول مشكلة عاطفية تواجه ابنته الوحيدة مذ كانت طفلة.
***
تناولت قدر طعامها مع المربية أمينة وسناء في المطبخ، بينما كان رازي قابعاً في غرفته التي ظل بها منذ أن عاد من جولته مع "جوكي" الحصان خاصته. دلف بعدها إلى المرحاض لينعم بحمام ساخن يسترخي به، ومنذ ذلك الحين لم يغادر غرفته.
شعر بالملل، توجه بعد ذلك إلى غرفة مكتبه في الطابق السفلي. حجرة المكتب تلك كانت تحتوي على صورة ضخمة من أعمال الرسام الهولندي "فان جوخ". كانت هناك لوحة تسمى "ليلة النجوم" قابعة على الحائط، كانت تذكره دائماً بتلك الليلة التي لا تُنسى.
كلما نظر رازي للوحة "ليلة النجوم" تذكر شعورين متناقضين تماماً. يود لو حطمها ودهسها كما يدهس بقايا لفافة التبغ خاصته، لكنه يبقيها معلقة حتى لا ينسى ذلك الدرس القاسي الذي تلقنه.
تلك اللوحة كان خلفها باب سري. حملها برفق ثم فتح الباب ودلف إلى الداخل. بقي هناك إلى أن انتصف الليل. لم يشعر بمرور الوقت هناك. أصبح متيماً بالعزلة التي تجعل الأمر يزداد سوءً.
حل الصباح عليه سريعاً، لم ينل كفايته من النوم. هبط سريعاً، كان متكاسلاً ذلك اليوم، لذا لم يكن بمزاج يسمح له بالركض في المضمار. لذا بعد تناوله لقهوته المحببة، تناول إفطاراً خفيفاً وأمر قدر أن تتبعه إلى حيث الصالة الرياضية.
كما العادة، فك أزرار قميصه القطني الأبيض وتحرر منه، تاركاً إياه على أحد المقاعد. جلس بهدوء على مقعده. بدأت بتحريك يدها، تمدها تارة وتحنيها تارة أخرى. كانت شاردة في تلك الندبة التي هيأتها، توحي بأنها كانت جرحاً عميقاً.
قطع شرودها صوته الذي صدح: إيه عاجبك؟
رمقته بغضب وعقدت حاجبيها وقالت بدون ذرة خوف، وقد تركت يده وابتعدت خطوات: قالت: نعم، قصدك إيه؟
تفاجأ من ردها الهجومي عليه وقال: الجرح... عاجبك؟ عندك فضول تعرفي حصل إزاي، ولا انتي فعلاً عارفة كل حاجة؟
تأففت بضجر وقالت: إنت ليه مش قادر تصدق إني دي أول مرة أشوفك سيد رازي؟ أول مرة أعرفكم. صمتت قليلاً بعد تلك الجملة التي أشعلت الشك في قلبه أكثر وأكثر.
أشار إليها بجمود: قربي.
"يا الله، ماذا سيفعل ذلك المعتوه؟ هل سيلكمني فيكسر أنفي؟" كان هذا تفكيرها. ولكن تشجعت واقتربت منه. أشار بعينيه على يده وقال: كملي شغلك، ولا انتي كل يوم تتحججي وما تكمليش التمرين.
لكن بداخله كان يفكر: لقد قالت إنها لا تعرفنا، في حين قال مهاب أنها كانت تتولى رعاية والدته عندما كانت مريضة. حسناً، لا تقلقي، فأنا لكي بالمرصاد أيتها الشيطانة الصغيرة.
قالت هي بغضب حقيقي وإرهاق من معاملته: سيد رازي، أنا متفهمة إنك شخص غامض وبتفضل العزلة، لكن ممكن تلاقي طريقة أفضل من كده نتعامل بها مع بعض. الوضع كده بيزداد سوء.
رد ببرود شديد وهو يقول: الأفضل إننا ما نتعاملش مع بعض أصلاً. قال كلمته وازاح يدها واستقام واقفاً وقال: التمرين انتهى.
أمسك سترته يحاول لبسها، لكن يده عاجزة عن الحركة. لم يستطع ارتداءها، لذا اقتربت منه قدر وأمسكت بيده العاجزة لتضع بها كم القميص. حاول يبتعد لكنها تشبثت بيده وقالت: دي المفروض من مهامي سيد رازي.
رد بجمود: قلتلك خليكي بعيدة عني.
ردت: قربي ليك أمر حتمي مش باختياري، دا واجبي.
بعد ذلك، أغلقت له الأزرار. كانت خجلة حقاً، تنظر للأسفل. أما عنه، فقد كان ينظر للفراغ.
***
كان إلياس في الشرفة يهاتف واحداً من الذين يعملون معه، يتحدث في أمور العمل. لمح إلياس مهاب قد وصل بسيارته، وكانت تنزل منها فتاة تبين أنها غزل، ابنة السيدة مريم، تلك الفتاة التي تقطن في الشقة التي أمامهم مع والدتها فقط. إنها فتاة في المرحلة الثانوية. ابتسمت لمهاب وقالت بعض الكلمات التي بالطبع لم تصل لأذن إلياس. زفر بضيق. توعد لذلك الوغد وانتظره في الرواق.
لم ينتظر كثيراً، وصل مهاب بسرعة.
رمقه إلياس بنظرات حادة وقال: غزل كانت معاك في العربية ليه يا مهاب؟ غزل دي بنت جارتنا والست مريم ست كويسة، إحنا ماشفناش منها إلا كل خير.
صاح مهاب ليوقف هذا الكم من التهم: يا عم اهدى عليا شوية، مش كده.
ضحك بتسلية وقال: حابب أتسلى.
فقد إلياس كل ذرة صبر لديه، أمسكه من تلابيب قميصه، صائحاً: إنت اتجننت يلا تتسلى مع مين؟
ضحك مهاب وأبعد يد إلياس قائلاً: يا ابني، غزل دي زي أختي. أنا بس كنت راجع لقيتها جاية لوحدها من الدرس وفيه عيال ماشيين وراها وهي بتسرع في مشيتها عشان خايفة، فتحت لها الباب وقولت لها هوصلك عشان الوقت اتأخر. بس دي كل الحكاية. بس انت اتحمقت كده ليه؟ توكنش انت اللي... ها. قال كلمته الأخيرة غامزاً له.
رفع إلياس حاجبه باستنكار وقال: ليه مريض بيدوفيليا أنا عشان أحب طفلة عندها 17 سنة؟
وكزه مهاب وقال: اومال مين اللي في القلب؟ ما تصارحني، دانا زي صاحبك يعني.
ضحك إلياس وقال: هو فيه واحدة بس مش متأكد من مشاعري ولا مشاعرها. لما أتأكد هاقولك.
مهاب وكزه بقوة وقال: احلف.
إلياس ضحك أكثر وتراجع للخلف أثر الوكزة هذه وقال: صدقني، لما أتأكد، إنت أول واحد هتعرف. اومال مين اللي هيزغرط في الفرح؟ قال جملته وركض هرباً من مهاب الذي كان يركض خلفه يضحك ويقول: أزغرط لك ليه؟ فاكرني أمك يا ابني عمران الرازي.
***
في الصباح، كان مهاب وإلياس قد وصلا مقر العمل، الشركة الخاصة بهما. حالة من الذعر انتابت الجميع. كان إلياس يسير وكأنه يركض وخلفه مهاب، وبدا على وجههما الاستياء.
إلياس: فاطمة فين؟
مهاب: في مكتبها. بلغتها إنها تحصلنا على المكتب.
دلفا إلى المكتب وخلفهم فاطمة التي قالت: باشمهندس.
قاطعها إلياس: بلا باشمهندس بلا زفت. أنا مش مصدق الصفقة تضيع مننا بالسهولة دي.
حاولت تدافع عن نفسها وقالت: والله يا فندم، إحنا عملنا اللي علينا، لكن...
صاح مهاب: لكن إيه يا فاطمة؟ إحنا اعتمدنا عليكي وعلى سيف.
تابعت هي بحزن وخيبة أمل: اللي أخد الصفقة شركة تابعة لممدوح الصاوي، والكل بيتكلم إنه دفع رشوة كبيرة عشان ياخد الصفقة بعد ما كانت خلاص لينا. أنا آسفة إني ماكنتش قد الثقة.
استدارت واتجهت ناحية الباب والدموع في عينيها. توقفت حين سمعته ينادي: فاطمة.
استدارت له، كانت تتمنى أن تسمع كلمة "لا تحزني، أنت لم تقصري"، ولكن هوت ظنونها حينما قال: بلغي الكل في اجتماع طارئ دلوقتي، نص ساعة والكل يكون في غرفة الاجتماعات.
هزت رأسها وانصرفت خائبة الأمل.
***
بعد انتهاء التمرين اليومي لرازي، أسرعت قدر إلى الخارج. كان رازي مثبتاً ناظره عليها بترقب. ترى إلى أين مهرولة تلك الشيطانة الصغيرة؟ هل ستلتقي بشخص ما بالخارج أم ستهاتف أحدهم؟ لكن لا، لن تنجح، أنا خلفها. كان هذا تفكيره.
أمر سناء بصنع فنجان قهوة سادة له وتحضره للخارج. دلف إلى مكتبه، أحضر سلاحه ووضعه في حزام خصره. وقف بعيداً يراقب. لمحها تدخل الأسطبل، عقد حاجبيه وتحرك حذراً خلفها. وقف على باب الأسطبل بالخارج ليسترق السمع.
ابتسمت قدر وقالت محدثة الخيول بحماس: صباح الفل على أجمل أجمل فرسة شفتها. يارب تكوني نمتي كويس. نظرت إلى جوكي وقالت: إنت الحصان بتاع السيد دراكولا. كان الله في عونك عشان متحمل شخص غامض قاسي زي دا.
أعادت نظرها إلى جوليان الفرسة وقالت: لكن انتي رقيقة أوي. ما تستاهليش إنك تعيشي هنا وسط القسوة دي. تنهدت طويلاً ثم تابعت: بتفكريني بنفسي أوي، كنت عايشة في عالم مش بتاعي، كنت بعاني مرارة العالم المختلف عني اللي كنت محبوسة فيه. لكن حتى دلوقتي برضو مكتوب عليا أعيش مع شخص قاسي. يا... انتي صحيح اسمك إيه؟
أتاها الرد من الخارج: اسمها جوليان.
شهقت بفزع وقالت: مين هنا؟
رد بتهكم: دراكولا.
نظرت بحرج من هذا اللقب الذي سمعه، لكنها قالت بضيق: هو متأكد إن حضرتك بني آدم زينا؟ أنا بدأت أشك إنك بسم الله الرحمن الرحيم.
ابتسم ابتسامة جانبية خفيفة، لكنها جعلته يبدو رائعاً. فكرت: "لو هتبتسم مرة واحدة في اليوم كده، القصر دا زهوره هتفتح يا أخي".
ابتعدت عن جوليان، كانت ستذهب، لكنها وقفت حين سمعته يقول: جوليان وجوكي بيحبوا الناس الواضحة الصريحة، آنسة ممرضة. لو حابة تصاحبيهم، خليكي واضحة معاهم.
أربكها بكلامه، تشعر الآن أنه يقرأ عيون الناس. حتماً سيكشفها. إنها تكذب عليه. يا إلهي، ماذا أفعل؟ كانت هذا تفكيرها.
أكملت سيرها وهي تقول: لما يكون عندي حاجة مخبياها، أوعدك هاجي أحكيها لجوليان أول واحدة.
تحركت إلى المنزل. كان لديها فضول تعرف ما به، لما انعدمت عنده الثقة في كل البشر. وصلت المطبخ، قررت أن ترضي فضولها. سألت سناء قائلة: سناء، ممكن تحكيلي الحادثة اللي اتعرض لها رازي بيه؟
ردت سناء بصدق وقالت: أنا ما أعرفش حاجة يا ست قدر. أنا لما جيت هنا كان رازي بيه طريح الفراش، مش بيقوم من مكانه. خالتي أمينة هي اللي جابتني، أصل أنا من الأرياف يا ست قدر.
نال منها الإحباط بعض الشيء، لكن قررت أن تتوجه إلى السيدة أمينة، فهي المربية الخاصة برازي وإلياس، حتماً لديها ما تقوله. اقتربت منها، كانت تصلي الظهر. وما إن انتهت حتى جلست بجوارها.
قالت قدر: تقبل الله يا ست أمينة.
ابتسمت أمينة بوقار وقالت: منا ومنكم إن شاء الله.
ترددت كثيراً قبل أن تتفوه بكلمة، لكنه الفضول وحش ينهش بداخلك حتى ترضيه. حمحمت ثم قالت: ست أمينة، ممكن أعرف تفاصيل الحادثة اللي اتعرض لها السيد رازي؟
رمقتها بغضب، عقدت حاجبيها، تلقى سهام كلامتها عليها: من تدخل فيما لا يعنيه نال مالاً لا يرضيه. انتي هتستفيدي إيه من النبش في الماضي؟ التفكير في الماضي بيفتح جروح كبيرة. الزمن وحده كفيل بتضميدها. اسمعي، انتي شكلك طيبة وعايزة تاكلي عيش هنا، أنصحك ما تفكريش في حاجة هتجيبلك وجع راس.
هزت رأسها بالطاعة، شعرت كثيراً بالخجل. استقامت واقفة وهي تقول: أنا آسفة.
هبطت لأسفل، ولكنها قررت أنها ستعرف كل شيء بنفسها، لا داعي للمساعدة من أحد. إنه فضولها هي، وآه من فضولها الذي يدفعها إلى الجحيم.
قالت: سناء، السيد رازي فين؟
سناء: أخد جوكي وجوليان وخرج يفسحهم.
تمام، كان هذا ردها باختصار. وجدت غرفة مكتبه مفتوحة. تسللت ببطء دون أن تراها سناء. كان كل شيء منظم وراقي بالداخل. اقتربت من أدراج المكتب، لم يكن هناك شيء مهم، كانت أوراق خاصة بالعمل. لكن لحظة ما، هذا أنه دفتر ملاحظات. ترى ماذا كتب ذلك المتعرج الشكاك؟
فتحت الدفتر لتجده يدون أبيات شعرية كان يحفظها:
أيا نجمةً سطعت في الظلام
أنيري طريقَ فتىً لا ينام
فتىً عذّبتهُ النوى والهُمومُ
فتىً أيقظتهُ أُمورٌ جِسام
أنيِري طَريقي خِلالَ الرؤى
خِلالَ الشُكوكِ خِلالَ السآم
لقد طالَ لَيلي فهل من صَباحٍ
وطالَ اضطرابي فهل من سَلام
أيا نجمةً في أعالي السَماءِ
أَطَلتِ السُكوتَ فهل من كلام؟
أعجبت جداً بالأبيات الشعرية، فهي إلى حد ما تصف حالته حقاً. قلبت ورقة أخرى لتجده يدون ملاحظة كتب فيها: "يقولون إن حبل الكذب قصير، وأنا أقول إنه مهما كان قصيراً، فإني سأجعله يلتف حول رقبتك ليشنقك إذا فكرت أن تكذب علي".
ابتلعت ريقها، واضعة يدها على رقبتها. "أنا لم أكن خاطئة وقتما أطلقت عليه دراكولا، هو حقاً جدير بالاسم".
لكن لحظة، لقد وعدت أخيه سأبذل ما بوسعي لأجعله يتخطى ما حدث معه، حتى لو لم أعلم ما حدث معه، لكني سأحاول. وفي المرة القادمة سأجعل إلياس يقص لي تفاصيل ما حدث معه، لكن لا مانع من المراوغة الآن.
أمسكت بقلم وجلست تدون شيئاً ما في دفتر الملاحظات. كتبت بيت شعر كانت تحفظه:
وكم أمرٍ بدا لي مُستحيلاً
جرى دمعي لهُ وبكى جَناني
بذلتُ لأجلِه أيامَ عُمري
فأرهقني وأرّقني زماني
فقُمت وقد نَفضْتُ غُبار رأسي
أجَبْتُ تفائلي لمّا دعاني
ليَ الصبرُ الجميلُ وحُسنُ ظنّي
وعِند اللهِ تحقيقُ الأماني
وما إن انتهت من الكتابة حتى خرجت متسللة كما دخلت. استدارت تلقي نظرة على ما كتبت، وعلى وجهها ابتسامة ماكرة.
***
في مقهى عام.
كان يجلس مهاب بضجر. كانت تجلس معه فتاة رائعة تبدو قوية الشخصية.
الفتاة: ممكن أفهم انت مضايق كده ليه؟
طالعها مهاب بغير تصديق قائلاً: مضايق ليه؟ انتي بجد بتسألي؟ يعني مش عارفة اللي حصل؟
ردت بصدق: وهاعرف منين يا مهاب؟
أردف مهاب وقد زفر بضيق: أبوكي يا هاجر. مش راضي يجيبها لبر ولا راضي يكبر دماغه من ناحيتنا.
بهت وجهها وقالت: بابا؟ عمل إيه يا مهاب؟
صدح مهاب بضيق: ممدوح الصاوي مش مفوت فرصة إلا ومخسرنا فيها.
رواية ندبات قدر الفصل السابع 7 - بقلم الشيماء مسعد
في مقهى عام، كان يجلس مهاب بضجر. كانت تجلس معه فتاة رائعة.
الفتاة: ممكن أفهم أنت مضايق كده ليه؟
طالعها مهاب بغير تصديق قائلاً: مضايق ليه؟ انتي بجد بتسألي، يعني مش عارفة اللي حصل؟!
ردت بصدق: وهاعرف منين يا مهاب؟
أردف مهاب وقد زفر بزنق: أبوكي يا هاجر مش راضي يجيها لبر ولا راضي يكبر دماغه من ناحيتنا.
بهت وجهها وقالت: بابا؟ عمل إيه يا مهاب؟
صدح مهاب بضيق: ممدوح الصاوي مش مفوت فرصة إلا ومخسرنا فيها. أبوكي مش مكفيه كل اللي عنده، عايز يكوش على كل حاجة. أنا مش عارف هو ليه حاططنا في دماغه.
ترقرق الدموع في عينيها: وأنا إيه ذنبي يا مهاب؟ ليه كل مرة بابا بيعمل معاكم حاجة بتحسسني إني متفقة معاه؟ ماشي يا سيدي، لو دا هيخليك مرتاح عادي زعق براحتك وطلع كل الشحنات السلبية عليا.
زفر بحنق، وهبت هي واقفة وانصرفت.
هتف بصوت مرتفع: هاجر استني!
مسح على وجهه، دفع الحساب وانصرف. لكنه حينما خرج وجدها قد غادرت.
***
كان إلياس في مكتبه ينهي بعض الأعمال ومعه فاطمة.
كانت مرتبكة كأنها تريد قول شيء ما.
أنهى إلياس كلامه قائلاً: زي ما اتفقنا، هنبدأ بمشروع قرية الفيروز عشان هو أكبر مشروع معانا دلوقتي.
كانت شاردة. أشار بيده أمام وجهها فانتبهت له.
فقال: فهمتي؟
كانت فاطمة لا تعلم بما ختم كلامه، ولكنها قالت: أيوا فهمت، حتى لا يغضب.
تابع إلياس: طب قومي هاتي الملف عشان ندرس أبعاد المشروع.
فاطمة ببلاهة: مشروع إيه؟ وأي ملف عايز؟
إلياس بحنق: انتي إيه حكايتك يا فاطمة النهاردة؟ مش مركزة ليه؟
زفرت بضيق وقالت: كنت شاردة شوية، معلش. ممكن تقولي عايز أي ملف؟
كرر إلياس كلامه بآلية: ملف أرض الفيروز يا فاطمة.
تحركت تجاه الأرفف، ولكنها بعد خطوات استدارت قائلة: باشمهندس إلياس، أتمنى إنك تكون عرفت تختار هدوم حلوة في الشوبينج الأسبوع اللي فات.
نظر إليها رافعاً حاجبه الأيسر وقال: هدوم إيه؟
حاولت أن تبدو ثابتة وردت: هدوم للبنت اللي كانت معاك. يارب يكون ذوقك عجبها.
ابتسم إلياس وهز رأسه بمعنى لا فائدة منكِ وتمتم: مابتعرفيش تخبي حاجة أبداً.
وجه ناظره إليها وقال: هو انتي تشكي برضه في ذوقي يا فاطمة؟ طبعاً عجبوها أوي. يلا هاتي الملف بدل ما أقوم أهد الأرفف كلها على دماغك، لإني دا مش وقت دردشة.
تأففت بحنق وضربت رجلها في الأرض كالاطفال وهمست: منحرف. كنت مخدوعة فيك.
_ بتقولي حاجة يا فاطمة؟
_ مابقولش يا باشمهندس.
_ بحسب.
***
كانت قدر جالسة في الرواق تطالع الجرائد منذ مدة ليست بقصيرة وهي لم تشبع رغبتها في القراءة. كانت مترقبة وعينيها تطالع الدرج. هبط رازي بهيئته المهندمة. تحرك تجاه المكتب متجاهلاً إياها تماماً. ابتسمت هي، تريد أن ترى رد فعله عندما يقرأ ما كتبت. لكنها انتظرت كثيراً، لم يحدث جلبة، لم يصدر منه أي شيء. ربما لم يقرأ الأبيات الشعرية بعد. فضولها دفعها لاستراق النظر، تسللت بخفة كالفراشة إلى أن وصلت لباب المكتب. لقد كان نصف مغلق. ألقت نظرة، لكن الدهشة احتلت وجهها حينما لم تجده بالداخل. ترى أين هو الآن؟ لقد دلف أمامي منذ برهة. وأربت باب المكتب كلياً. لفت بنظرها على كل ركن بالمكتب. دفعتها قدماها للدخول، كانت في حالة من الذهول. يا الله، أين اختفى هذا الرجل غريب الأطوار؟ لم أكذب حينما قلت إنه ليس بشري. إنه يظهر من العدم ويختفي فجأة. المكتب فارغ. شعرت بالخوف يدب في أوصالها. خرجت مهرولة ناحية سناء تلهث من الخوف.
_ سناء! سناء!
استدارت سناء تطالعها بفزع: خير يا ست قدر؟ خضتيني.
قدر برعب: السيد رازي دخل المكتب قدام عيني، ولما دخلت وراه ملقيتهوش. فص ملح وداب.
ضحكت سناء وقالت: يا لهوي عليكي يا ست قدر. إنتي طيبة أوي. البيه أصله عامل باب سري في المكتب. لما بيحب ينفصل عن العالم، بيقعد هناك يفضل يقرأ من غير ما حد يزعجه. إنتي بس ماخدتيش بالك من الخوف. اللوحة اللي كانت معلقة على الباب لو بصيتي كويس كنتي هاتلاقيها جنب الباب. جربي كده روحي عشان تصدقي كلامي.
تنفست الصعداء وهزت رأسها موافقة. اتجهت ناحية المكتب وهي تتمتم: ينفصل عن العالم؟ حوش حوش من الدوشة اللي في القصر. دانا من كتر الهدوء قربت أفقد النطق. شكلي كده هانسى الكلام.
دلفت المكتب وبالفعل وجدت ذلك الباب. فتحته بدون تردد ودلفت بحذر. تحركت عدة خطوات مترددة إلى أن وقعت عيناها على ذلك المكان المبهر. جحظت عيناها، فتحت فمها. لفت ناظرها تحاول أن تستوعب هذا الكم من الكتب. ابتعلت ريقها وقالت: وااو، كل دي كتب!
انتبه لها. ترك الكتاب من يده. كان يقرأ كتاباً لشارلوك هولمز. فهو يعشق كتب الجريمة والروايات البوليسية وكتب الألغاز المتشابكة. نزع نظارت القراءة الخاصة به، وقف وهو يشعر أنه سيفتك بتلك الفضولية اللعينة.
تحرك ناحيتها إلى أن وقف أمامها مباشرةً. انكمشت على نفسها. ابتعدت خطوتين للخلف إلى أن صدمت بالحائط خلفها. رفع كفه اليمين. أغمضت عينيها بقوة خوفاً من الصفعة. لكن لحظة، صوت خبطة قوية على الحائط كانت قبضته.
وقال صوت غاضب: عايزة مني إيه؟ بتلفي ورايا ليه؟ أنا مش بحب الفضوليين.
فتحت عينيها ببطء وقالت: أنا كنت...
ابتعلت لعابها بخوف وأكملت: كنت... لم تجد ما تقوله حقاً.
تحدث وما زال الغضب يتملكه: كنتي إيه؟!
شعرت أنها أنفاسها تسحب منها، الكلام يقف في جوفها كأنها ماثلة أمام محكمة. أكملت: كنت عايزة أقولك على حقيقتي.
رمقه بغير استيعاب. ضيق عينيه وقال هامساً: حقيقتك؟
خيم الصمت عدة ثوانٍ بعد ذلك. أشار لها بهدوء: اقعدي هنا.
جلست على مقعد وهو على الآخر أمام طاولة كبيرة مخصصة للقراءة.
كانت تفرك يديها بعضهم ببعض، تتنفس بسرعة.
احكي، سامعك. كان هذا ما تفوه به مستدعياً كل ذرة ثبات به قبل أن يفتك بها. يريد أن يعطي لها الأمان، لذا أراد أن يمثل الهدوء والثبات، ونجح في ذلك حقاً. فعمله أكسبه ذلك التحكم بالنفس.
أردف بكلمة جعلتها تطمئن: قولي يا قدر، سامعك.
لأول مرة ينطق اسمها. هل تحول لشخص آخر؟
ما كل هذا الهدوء الذي يتحلى به الآن؟
دراكولا هذا غريب الأطوار ولا شك في ذلك.
أطلقت زفير وبدأت تقص عليه حكايتها كلها. كان حسن الاستماع، لكنه لم يكف أن يسأل عن أدق التفاصيل حتى يربكها. فإن كانت كاذبة ستتلعثم. بدأت حديثها بجملة واحدة: أنا مش الممرضة البديلة، أنا أصلاً لسه طالبة في كلية التمريض.
قصت كل شيء. كانت تبكي بحرقة وهي تحكي له تفاصيل حياتها المأسوية التي عاشتها، وكم جاهدت وحاربت لتحافظ على عرضها وكرامتها وإنسانيتها. كم مرة وقفت في وجه الشر حتى لا تدنس ثوبها النقي. كم صدت من ضربات كانت كفيلة بسحقها في دوامة الحياة وإلقائها في مكب نفايات بائعات الهوى.
أنهت حديثها، لكنها لم تكف عن البكاء والنحيب.
يلتمس الصدق في كلامها. هذه النبرة لا تكذب. تلك الحرقة التي تتحدث بها لا يمكن لها أن تكون تمثيل، حتى لو محترفة بذلك.
أكملت حديثها لتقص عليه كيف وقعت في طريق إلياس، ذلك الشاب النبيل هو وصديقه اللذان كانا بمثابة يوسف الصديق في استعفافهم عن فتاة لا حول لها ولا قوة راقدة في فراشهم.
أنهت كل ما في جعبتها من كلام. بقي الصمت.. فقط الصمت.
استقام رازي يطالع المكتبة شاهقة الارتفاع ولم يطرح سوى سؤال واحد: إيه اللي خلاكي تحكي لي دلوقتي؟ كان ممكن تفضلي محتفظة بسرك إنتي والياس.
قال اسم أخيه بتهكم. فهو لا يصدق أن أخاه قد كذب عليه. آخر شيء كان يتوقعه هذا.
أجابت بكل صدق وبراءة: أنا الصبح دخلت المكتب هنا بس والله مش عشان أراقبك ولا أتجسس عليك. كان بس عندي فضول أعرف الحادثة اللي أنت عملتها، حصلت إزاي. فجأة فتحت دفتر لقيته على المكتب. قرأت فيه جملة أرعبتني.
ابتسم بتهكم وقال: يقولون إن حبل الكذب قصير، وأنا أقول إنه مهما كان قصيراً سأجعله يلتف حول رقبتك ليشنقك إن كذبت عليا يوماً.
هزت رأسها بنعم وقالت: أيوا هي الجملة دي. حسيت إني لازم أحكيلك حكايتي. بس دا ما يمنعش إني هفضل برضه الممرضة لحضرتك.
زفر بنزق وقد كان حقاً مصدوماً من تصرف أخيه.
أشار إليها بيده: أي اذهبي.
تحركت مسرعة للخارج وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة أثر الخوف والضغط الذي تعرضت له وهي تقص عليه تفاصيل حياتها. كانت تضع يدها على قلبها في محاولة منها لتنظيم أنفاسها المتسارعة.
***
كان عصفور ماثلاً أمام ممدوح الصاوي في مكتبه.
أشار له ممدوح بالجلوس. جلس عصفور على مضض.
_ مليون جنيه؟
كان هذا ما تفوه به ممدوح.
عقد عصفور حاجبيه وقال: مش فاهم؟
أكمل ممدوح: مقابل إنك تدلني على مكان قدر.
تنهد عصفور بملل وقال: يا ممدوح باشا، أنا اللي عندي قلته والله ما أعرف قدر فين دلوقتي. ولو إنت قلقان عليها قيراط، أنا قلقان ٢٤.
رمقه ممدوح بنظرات واثقة وهو يقول: متأكد إنك متورط في هروب قدر. ولو بس اتأكدت إنك كان ليك يد في الموضوع أو حتى خطيبتك ليها يد، مش هرحمك. هضربك في أكتر حاجة بتوجع.
حافظ عصفور على ثباته النفسي قدر المستطاع. لقد أربكه كلامه حقاً. استقام واقفا وهو يقول: لو لقيت قدر، ما تنساش تطمني عليها يا ممدوح بيه.
شعر بالإهانة والتهكم في نبرته، فقال ما يدب الخوف في أوصاله: هتفضل بالنسبة لي موضع شك لحد ما أتأكد إنك فعلاً كان ليك يد، وساعتها بقى أبقى أطمن على نفسك وعلى... عزة.
أشاح بوجهه وتوجه ناحية الباب. وما إن خرج حتى أخرج منديلًا يجفف به عرقه. فقد تعرق كما لو كان يركض تحت شمس أغسطس الحارقة.
تنهد طويلًا ورحل وهو لا يفكر سوى في قدر. هل هي بخير؟ هل استطاعت أن تدبر أمور حياتها؟ هوى قلبه أرضًا حينما خطر له: هل أصابها مكروه؟ هل تعرضت لخطر؟ يا إلهي، لديها رقم هاتفي لكنها لم تتصل. لا أعرف ما حل بها، لكن أتمنى أن تكون تلك الصغيرة البريئة بخير. أتمنى لو يدعها العالم القاسي أن تمارس براءتها دون أن يدنس الشر ثوب تلك الفتاة الأبيض الناصع.
أثناء شروده كان سيصطدم بفتاة.
اعتذر، لكنها لم تعره أي اهتمام. فتحت الباب ودخلت بغضب.
_ بابا، ممكن أفهم ليه مش شايف قدامك إلا شركة مهاب وإلياس؟ ليه عايز تحطمهم؟
استقام واقفا وقد اقترب منها وقال: عشان أنا مايتلويش دراعي. بترفض إياد أمجد نصار ابن الوزير عشان تتجوزي حتة جربوع زي سي زفت دا؟ مش هسمح لك. هابعد عنهم لو بعدتي إنتي عنهم. غير كده ماتحلميش.
رمقته بحزن وكسرة في نفسها: هل أنت حقاً أب ولديك مشاعر أبوية؟ لما لم أرى منها أي شيء من قبل.
استدارت لترحل. هتف هو: ابقي قولي لحبيب القلب هارد لاك.
عادت إليه وقالت: يعني مصالحك أهم من سعادة بنتك؟
ممدوح يتصنع الحنان: مش مصالحي لوحدي، يا هاجر، ومصالحك إنتي كمان. إنتي بنتي الوحيدة ولازم تتجوزي جوازة من مستواكي الاجتماعي.
هاجر: ومهاب بقى مش من مستوايا الاجتماعي، صح؟
صح؟ رد باستفزاز.
لا يا بابا، أنا مصلحتي إني أتجوز الإنسان اللي اختاره قلبي. غير كده بقى، ابقى اتجوزه إنت.
صدح بغضب: هاجر، الزمي حدودك. أنا ربيتك تكلمي بابا كده؟
لم ترد، بل رمقته بحزن وأكملت طريقها للخارج وهي يائسة كلياً من تصرفات والدها غير القانونية وإصراره على حرمانها ممن تحب.
***
منذ أن اعترفت له بحقيقتها، لم يلتقيا. ظلت هي قابعة في غرفتها، وهو أيضاً كان شاردًا حزينًا. كيف لأخيه أن يفعل هذا به؟ رغم أنه أعلم الناس بأنه يمقت الكذب، لما تصرف هكذا؟ هذا الوغد الصغير المدلل إلياس، سأعاقبه بما يستحقه. التقط هاتفه وهاتف إلياس. أتاه الرد:
_ الو، باشا مصر الأول، أخبارك إيه؟ يارب الممرضة الجديدة تكون نالت الرضا.
قال كلماته بدعابة.
زفر رازي ثم رد بجمود وجدية: طردتها.
هب إلياس واقفا وقال بلهفة: إيه؟ طردتها؟ ليه؟ وراحت فين؟
رازي بتسلية: ليه؟ عشان ماعجبنيش شغلها. وراحت فين؟ أكيد راحت بيتهم.
رد بصدمة: بيتهم؟ رازي، ارجوك الحقها. أنا هافهمك كل حاجة لو سمحت يا رازي.
رازي كان يمثل الدهشة: الحقها إزاي؟ دي مشيت من امبارح بالليل.
تجمد إلياس مكانه. لعن نفسه عدة مرات. كان يجب علي أن أقول الحقيقة، مهما كلفني الأمر. ترى أين ذهبت؟ لا مأوى لها، كما أنها بريئة جدًا، لا تعرف كيف تدبر أمورها.
رازي سأل: إلياس، إنت سامعني؟ تعالى عايزك ضروري.
مسح إلياس على وجهه بحزن وقال: ماشي.
أغلق رازي ثم ابتسم بمكر وقال: لازم يتعلم الدرس يا إلياس.
هبط من غرفته. طلب من سناء تعد له فنجان القهوة المفضل لديه وقال: الآنسة الممرضة فين يا سناء؟
في أوضتها يا رازي بيه.
رازي: استدعيها عشان عايزها. خليها تحصلني على صالة الألعاب. وجهزي إنتي الفطار.
حاضر يا رازي بيه. كان هذا جواب سناء.
مر وقت ليس بكثير. هبطت قدر بعد أن صعدت لها سناء مخبرة إياها بأن رب عملها يريدها.
توجهت قدر إلى الصالة الرياضية. كان رازي يحمل أثقال بيد واحدة. هتفت: صباح الخير.
استدار لها وقال بتهكم: صباح الخير آنسة مش ممرضة.
ابتسمت بخجل وقالت: أنا فعلاً ممرضة بس بدرس لسه.
هز رأسه بدون تعليق. وكان قد تحرر من سترته كالمعتاد وجلس على المقعد المخصص لتمارينه اليومية.
بدأت في عمل التمارين له. صمت تام خيم على الجميع. حتى هتف هو: كانت إيه خطتك لما قررتي تهربي من بيتك؟
_ ماكنش عندي أي خطة. كان كل همي إني أنفد بجلدي من الجوازة السودة دي.
= ما فكرتيش لحظة إن الشارع هيكون أكتر قسوة عليكي من دلال والبرتيتا بتاعتها.
كنت واثقة إن ربنا مش هيسيبني وهيوقف لي ولاد الحلال. وفعلاً قابلت أكتر ناس ممكن يكونوا ولاد حلال. (ابتسمت بصدق) وقالت: إلياس ومهاب.
عقد حاجبيه. لما لم تذكره معهم؟ هل هو وغد أم ماذا؟ لكنه لم يعلق. زفر الهواء من فمه. بدا مستاءً، لكنه قال: وايه خطتك للي جاي؟
شكل حضرتك زهقت مني وأنا عالة عليكم صح؟ بس أنا مستعدة أشتغل مقابل إني أفضل هنا. أنا لأول مرة لما أنام ما أحسش إنه حد بيتعدى على خصوصيتي، ويفتح باب أوضتي وأصحى مخضوضة من حلاوة النوم.
ورفع حاجبه وقال: بتعرفي إزاي تقلبي الترابيزة لصالحك. عموماً، أنا ما قصدتش إنك تقيلة علينا. إنتي بتشتغلي فعلياً. لأني كلمت رغد وقالت إن والدتها محتاجاها فعلاً الفترة دي، وأنا اتأكدت باتصالاتي إنها فعلاً تعبانة ومحجوزة في المستشفى. عشان كده إنتي موظفة رسمية هنا يا آنسة ممرضة.
ابتسمت بامتنان وقالت: شكراً سيد رازي. إن شاء الله أكون عند حسن ظنك.
_ هتتعبي عشان تكوني عند حسن ظني.
(أيها المتعجرف، أنت حقاً وغد). هذا ما أرادت قوله.
لكن رسمت ابتسامة صفراء وهي تقول: شوية مجهود مش هيجرى حاجة. المهم الواحد يبقى مخلص وصادق في اللي بيعمله.
وضع ساقاً فوق أخرى وقال: صادق؟ حطي مية شرطة تحت صادق.
ربعت يديها أمام صدرها وقالت: شايفة إنك فاقد الثقة في كل اللي حواليك. ناقص تشك في نفسك.
هب واقفاً وصدح بصوت جوهري: مالكيش دعوة. ما تدخليش في ما يخصكيش.
تعبت من تحوله المفاجئ. لم تتوقع التحول بهذه السرعة. لقد كان في كامل هدوئه. انكمشت وقد ضمت قبضتيها إلى صدرها ولم تتفوه. نظر إلى هيئتها الخائفة. سحب سترته القطنية السوداء وخرج وهو يرتديها. لحظات ظلت ساكنة بها. فكرت: (إنه بالتأكيد لديه سر كبير يجعله لا يثق في أحد. عليا أن أكتشف هذا. يبدو غامضاً حد اللعنة).
خرجت لتجد سناء تغني في المطبخ لكسر الملل.
سناء: رازي بيه راح فين؟
سناء أشارت بيدها: راح الجناح الغربي. دا ست قدر. ونصيحة مني ما تروحيش وراه عشان منبه على الكل لما يروح هناك ماحدش يروح وراه إلا اللي مستغني عن رقبته أو اللي عنده رقبة استبن. ضحكت وتابعت: عسل أنا عسل. ربنا يحفظني. دمي شربات.
رفعت وجهها تطالع قدر. كانت قد اختفت من أمامها.
تساءلت سناء: ياختي راحت فين دي؟ وإنتي مالك يا سناء؟ نكمل بقى "البحر بيضحك ليه وأنا نازلة أدلع أملا القلل".
كانت قد تسللت للجناح الغربي. سمعت صوت طلقات مكتومة. دب الرعب في أوصالها، لا بل في كامل جسدها. قررت التقهقر والعودة. فالهروب في تلك المواقف نصف الجدعنة. كمان يقال. لكن آه من فضولها الذي يدفعها نحو الجحيم. اقتربت رويداً رويداً من صوت طلقات نارية من مسدس كاتم للصوت. كان صوت رازي وهو يصرخ أكثر وضوحاً.
نظرت خلسة. توقفت مكانها بصدمة. لم تستطع التقاط أنفاسها. لم يجول ببالها إلا سؤال وحيد: ما هي هوية هذا الشخص؟
رواية ندبات قدر الفصل الثامن 8 - بقلم الشيماء مسعد
ددت لو أسألك ، متى ستكف عن ملاحقتي عن التملك مني لو كنت رجلا لكنت صوبت سهامي على ام رأسك حتى لا توقعني في غياهب الشر.
تسللت قدر للجناح الغربي. سمعت صوت طلقات مكتومة. دب الرعب في أوصالها، لا بل في كامل جسدها. قررت التقهقر والعودة فالهروب في تلك المواقف نصف الجدعنة كما يقال. لكن آه من فضولها الذي يدفعها نحو الجحيم.
اقتربت رويدا رويدا من صوت طلقات نارية من مسدس به كاتم للصوت. كان صوت رازي وهو يصرخ أكثر وضوحاً. نظرت خلسة. توقفت مكانها بصدمة. لم تستطع التقاط أنفاسها. لم يجول ببالها إلا سؤال وحيد: ما هي هوية هذا الشخص؟
يقف الآن أمام أعينها في غرفة مليئة بأنواع عديدة من الأسلحة المعلقة على جميع جدران الغرفة. وأيضاً هناك ألبسة متنوعة تبدو وأنها ألبسة مخصصة للتنكر. أحذية كثيرة أغلبها أحذية ذات رقبة. لكن ما أفزعها أنه كان يحمل سلاحاً ويصوبه على صورة لامرأة فاتنة الجمال كانت معلقة على إحدى جدران الغرفة.
تساءلت: هل يعمل رجل عصابات؟ حتماً هو رجل عصابات خارج عن القانون. كل تلك الأشياء لا يقتنيها سوى رجل عصابات لا يخاف الله. لقد وقعت في وكر الشيطان. ماذا علي أن أفعل لأنجو من هذا المختل؟
تراجعت كاتمة فمها بيدها، حابسة أنفاسها. كادت تموت خوفاً من أن يراها. وبالفعل لا تعلم كيف استطاعت الفرار. صعدت غرفتها. أغلقت على نفسها الباب. بقيت في فراشها دثرت نفسها جيداً. تفكيرها لا يتوقف داخل رأسها. من يكون هذا الرجل الذي وقعت في براثن شره؟ لابد وأنه مختل عقلياً. كيف سأتعامل معه؟ قد يغضب مني في أي وقت ويضع سلاحه في أم رأسي كما فعلها في السابق. تركت الفراش مرة أخرى. هبت واقفة لتغلق الباب بالمفتاح. عادت للفراش مرة أخرى. لم تستطع النوم. كانت حقاً ترتعد.
عاد رازي لرشده بعدما أفرغ كل طاقة الغضب الكامنة بداخله. ترك الجناح الغربي وعاد إلى الردهة. تلفت يميناً ويساراً فلم يجدها. خرج إلى الحديقة بعدما طلب من سناء فنجان قهوته. جلس على مقعد حول طاولة كانت قابعة في ذلك الركن من الحديقة تحت أشعة الشمس الساطعة. كانت مصنوعة خصيصاً للاسترخاء تحت ضوء ودفء الشمس. اقترب منه بلاك جان لعق خده. جلس بجواره على الأرض. مسد رازي على فرو بلاك جان ثم تنهد بحزن. فقد كان يشعر بالأسى والحزن كلما نظر إلى يده. لكنه يتوعد في نفسه بالانتقام والثأر ممن فعل به هذا.
كان وقت الظهيرة والشمس ساخنة. فجأة سمع رازي صوت سيارة توقفت أمام القصر. وجه ناظره ناحية باب الحديقة وقد كان يعلم من القادم.
هبط الياس من السيارة. كان كالإعصار. صرخ في رازي قائلاً: خليتها تمشي ليييه؟
حاول التحكم في أعصابه. قال بهدوء: ليه يا رازي عملت كده؟ كان لازم تفهم إن مش كل واحدة تدخل البيت دا تبقى فريدة.
قال جملته الأخيرة بندم عما تفوه به. طالعه بثبات انفعالي كبير عكس ما توقعه. وقال: عشان أنت كذبت عليا. ماتوقعتهاش منك.
تجمد الياس في مكانه وقال بخجل مختلط بصدمة: خبيت إيه؟ إنت عرفت؟
هز رازي رأسه وأشاح بوجهه بعيداً، ينظر للفراغ. وقال: تخيل البنت الغريبة هي اللي تحكي وأنت اللي تخبي.
استقام واقفاً بعد جملته هذه. مشى عدة خطوات ثم نظر إلى الياس وقال: الممرضة فوق في غرفتها.
أكمل طريقه إلى الاسطبل وقد كان يركل حصى الأرض الذي يخطو عليه. لحظات مرت قبل أن يستوعب الياس ما قاله شقيقه. اتسعت عيناه. ابتسم ابتسامة عريضة ثم ضحك وقال: قدر فوق.
أسرع ليتأكد من صحة كلام أخيه الذي يعلم أنه لا يكذب.
وصل ممدوح إلى بناية في مكان نائٍ. كان متنكراً كعادته حتى لا يكتشف أحد هويته. دلف إلى المصعد قاصداً شقة معينة اعتاد أن يتردد عليها.
دق الباب. فتحت له سيدة جميلة جداً تبدو في أواخر الأربعينات. هيئتها تبدو أنها لا تعمل بائعة هوى كاللواتي اعتاد ممدوح أن يتردد عليهن.
تحدث بتعب واحباط: ازيك يا منال؟
لوت فمها وردت بمقت شديد: أخيراً افتكرت منال.
وضع يده أمام فمها وقال: اششش، مش عايز ولا كلمة. أنا فيا اللي مكفيني.
أشارت له أن يدخل. تمدد على الأريكة بتعب. أردفت هي قائلة: كل دا عشان حتة بت مفعوصة. ارجع بقى لحياتك وشغلك. أنا مش قادرة أصدق أنك كنت عايز تتجوزها. دانا سبت بيتي وجوزي وبنتي وحياتي كلها عشان أبقى معاك ونتجوز. بس بعد ما عشمتني بالجنة رمتني.
قطع آخر كلامها بصرخة منه: منال، أنا جاي هنا أريح دماغي من الزن والمشاكل. مش عايز ولا كلمة. عندك حاجة حلوة تقوليها قولي. ما عندكش ما أسمعش صوتك.
تنفس بسرعة ثم عاد يستلقي على الأريكة. دلفت هي إلى غرفة نومها. لم تستطع كبح دموعها. بكت كثيراً. فكرت: لقد كنت مخطئة. تركت زوجي الرجل الرائع حقاً وابنتي التي تشبهني كثيراً وهي قطعة من روحي. وتركت حياتي الهادئة. وركضت خلف السراب. أنا الآن أحمل أسوأ لقب يمكن لامرأة أن تحمله يوماً. أنا... أنا عشيقة. وهذه هي الحقيقة العارية بالنسبة لي.
طرق الياس عدة مرات على باب قدر. تجاهلت الطارق. كانت تريد أن يفهموا أنها نائمة. لكنها سمعت صوت الياس. تحركت مسرعة ناحية الباب. فتحته لتهتف بصدق حقيقي وطمأنينة بدت جلية في عينيها: الحمد لله إنك جيت.
سأل بقلق على وضعها الذي يراه أمامه من خوف: انتي حكيتي لرازي ليه يا قدر؟ صغرتيني أوي قدامه. أخويا زعلان مني دلوقتي.
نكزت رأسها: أنا آسفة والله بس كان لازم يعرف لأنه بيكره الكذب أوي.
ابتسم بحسرة وندم أنها تعرف شقيقه أكثر مما يعرفه هو: طب هو عملك حاجة يعني؟ زعق؟ شتم؟ كسر؟
هزت رأسها نافية. لكنها قالت: أنا عارفة إن مش من حقي أسأل عن حاجة ماتخصنيش. لكن أنا عايزة أعرف انتوا بتشتغلوا إيه؟
قالت جملتها مصوبة سهام الشك مباشرة للياس. عقد حاجبيه وبعدم فهم أردف: مش فاهم بتسألي ليه عن شغلنا؟
ردت بحزم وقد كانت ترمقه بنظرات مقززة لم يفهم سببها: هو إيه الغريب في السؤال؟ أظن الشغل مش سر. ولا هو شغل مش تمام؟
أردف الياس وقد تملكه الغضب من نظرتها ونبرتها المتهكمة: محدش قال إنه سر. إحنا معانا شركة مقاولات خاصة بينا أنا ومهاب ورازي الممول بتاعنا. وشركة استيراد وتصدير خاصة بوالدي الله يرحمه.
لم يرض فضولها هذا الكلام. لكنها قررت أن تكشف كل ما لديها من أوراق بحسب تفكيرها. وقالت: ورازي بيه بيشتغل إيه؟ أظن شركة استيراد وتصدير مش محتاجة أوضة مليانة سلاح.
قالت كلمتها بصوت مرتفع نوعاً ما بطريقة ساخرة. رمقها معاتباً بغضب وقد فهم بعض من شكوكها. ضيق عينيه وأردف: دا اتهام واضح يا آنسة قدر. أظن إننا لو أخلاقنا مش كويسة كنا هنتصرف معاكي تصرف تاني أنتِ عارفاه كويس. وإن كان على مساحة الخصوصية اللي انتي اقتحمتيها بدون إذن فاحب أقولك إن رازي أخويا كان ظابط مخابرات قبل الحادثة. وخسر شغله بسبب الحادثة دي. دا كل اللي أقدر أقوله.
أنهى كلامه بنبرة عتاب قاتلة. اتسعت عيناها من الدهشة. شعرت كثيراً بالحرج. هؤلاء الناس لم ترى منهم إلا كل خير. كيف تصوب لهم الاتهامات علناً وهي الآن في كنف رعايتهم وتشهد الله أنه لم يرمقها أحد حتى بنظرة تشعرها بالخجل. لقد راعوا الله فيها. هي الآن بصدد التكفير عن ذنب عظيم ارتكبته. ركدت خلف الياس تهتف بصوت جوهري: الياس، استنى لو سمحت.
توقف على الدرج. زفر بحنق وقال: إيه؟ في اتهام تاني نسيتي تقوليه؟ هتقولي إننا جماعة اتجار بالبشر مثلاً؟
"أنا آسفة"
كان هذا ردها وقد اغرورقت عيناها بالدموع. تنهد طويلاً وأغلق عينيه. مسح على وجهه ليستعيد هدوءه. أما هي فقد أردفت تقول بخجل: ممكن نخرج نتمشى شوية في الأرض الزراعية برا؟
ضغط على شفته السفلى في محاولة لكبح غضبه. هز رأسه بالموافقة. تحركا للخارج. وكان رازي يلاعب بلاك جان ويضحك. توجهت نظراتها إليه. يا له من بخيل لما يخبئ تلك الضحكة الرائعة خلف غضبه الدائم من اللاشيء.
تحركا سوياً تحت نظرات رازي المستفهمة إلى أين ذاهبان؟ تحركا وسط الحلة الخضراء التي كست الأرض من حولهما. تنفست بعمق وهي ترى ذلك المنظر المريح للعين. سألت بحذر حتى لا يغضب كما غضب شقيقه من قبل: لما السيد رازي كان في غرفة الأسلحة لاحظت أنه كان فيه صورة على الحيطة لواحدة جميلة جداً. ممكن أعرف مين دي؟
زفر بتعب بدا على صوته. فهو سئم كل تلك الضغوط التي تقع على عاتقه. قال: دي هي السبب في كل اللي حصل لرازي. بس أنا مش هقدر أحكي تفاصيل أكتر. الباقي دا خاص برازي. مقدرش أتعدى على خصوصيته.
هزت رأسها بالموافقة وقالت: خلاص مش عايزة أعرف. المهم إني عرفت إنه مش شخص خارج عن القانون.
كانت كاذبة. فالفضول يأكلها من الداخل. تريد أن تعرف ما حدث معه ولما تلك السيدة التي تبدو رقيقة هي السبب فيما حدث له. كل شيء يبدو غامضاً مبهماً بالنسبة لها.
لم يشعرا بالوقت الذي مضى أثناء سيرهما. كان الياس يحكي لها عن عمله وكيف بدأ من الصفر هو وصديقه وما زالوا يكافحا حتى يكبرا سوياً ويحققاً أحلامهما.
كانت الشمس قد استعدت للرحيل. يميل لونها إلى البرتقالي الشاحب حينما قررا العودة إلى المنزل. ما زال رازي يفكر أين ذهبا؟ كان يجلس في الرواق. دخل الياس. اقترب منه. تجاهله تماماً. أشاح بوجهه الجهة الأخرى. لقد كان حقاً مستاءً من تصرف أخيه هذا.
اقترب منه الياس ضمه بقوة وهو يقول: آسف يا رازي. كنت خايف لو عرفت حكاية قدر ترفض أنها تقعد هنا معاك. هي فعلاً مالهاش حد غيرنا. ربت على ظهره بحنو. فهو يحب شقيقه لدرجة أنه لا يستطيع أن يغضب منه أبداً.
رد رازي: إنت عارف إني بكره الكذب. ماتعملهاش تاني يا الياس تحت أي ظرف من الظروف. فيه حاجات لو كنت عرفتها في وقتها الصح ما كانش دا بقى حالنا.
هز رأسه بالموافقة وقبل كتفه وقال: أوعدك يا رازي مش هتتكرر.
اقتربت قدر بخجل وقالت وهي مطأطئة رأسها لأسفل: أنا آسفة عشان كنت سبب خلاف بينكم. سامحوني.
نظر إليها الياس نحواً وقال: إنتي أختنا يا قدر. يمكن اتحرمتي من دفا العيلة. بس ربنا يقدرنا ونعوضك جزء من دا.
ربتت السيدة أمينة على كتفها وقالت: اعتبريني زي والدتك يا بنتي. رازي ابني حبيبي حكالي ظروفك. أنا كنت واخدة منك جمب الفترة اللي فاتت وما كنتش حابة أتعامل معاكي. بس لما عرفت حكايتك ربنا يعلم اتأثرت قد إيه. أنا هقولك حاجة واحدة بس "نجوت من القوم الظالمين".
ابتسمت قدر للسيدة أمينة بامتنان. انتظرت أن يقول رازي أي كلمة. لكنه خيب ظنونها. فقط لاحظت أن ملامحه هادئة بعض الشيء على عكس المعتاد منه. فقط رمقها بنظرة هادئة مبهمة لا تحمل خيراً أو شراً. هي الآن تعرف لما هو قادر على الحفاظ على ثباته الانفعالي. طبيعة عمله كضابط أمن دولة هي من دفعته لهذا الثبات. ياله من ماهر حقاً.
ما زالت هاجر حزينة منذ آخر لقاء بينها وبين مهاب والشجار الذي دار بينهما وانتهى برحيلها من المقهى. لم يلتقيا. لكنها قررت أن تذهب بمفردها. فهذا مكانها المفضل. جلست وأخرجت هاتفها تعبث به.
لم يمر وقت طويل أتى إليها النادل حاملاً كوب به عصير مانجو. وهذا عصيرها المفضل. عقدت حاجبيها بدهشة. فهي لم تطلب منه إحضار أي شيء بعد. لكنها فسرت ذلك بأنها تتردد كثيراً على هذا المكان لذا فهو يعرف ما هو المفضل لديها.
ارتشفت منه قليلاً ثم وضعته وأكملت ما كانت تقرأه على الهاتف. مرت برهة وجدت نادل آخر يحضر لها باقة ورد. أعطاها لها بابتسامة لطيفة دون أن يتفوه. نظرت حولها بدهشة. لكنها لم تجد من كانت تفكر به. ثم حولت ناظرها لباقة الورد وهي تشك أنه هو من وراء كل تلك الأشياء. ذلك الأبله مهاب. كان الورد نوعها المفضل.
بعد دقيقة أتى لها نادل آخر وأعطاها بدبدوب ممسك بورقة في يده. فتحتها لتقرأ ما بها: "جبتلك عصيرك ووردك ودبدوبك المفضلين. مش حارمك من حاجة أهو. عارفة لو ما تصالحتيش هاخبط راسك في الترابيزة اللي قدامك وهاطفحك الورد اللي قدامك".
ما أن أتمت القراءة حتى وجدته أمامها يبتسم ويقول: ها أخبط راسك ولا الصلح خير؟
ابتسمت. فهي لا تعرف كيف يستطيع أن يسيطر على مشاعرها هكذا. هي فتاة قوية الشخصية. لكن دائماً ما يمتص غضبها ويبدل حالتها من الحزن إلى السعادة. دائماً قادر على قلب الطاولة لصالحه.
فور ابتسامتها جلس هو وقال: لما نشوف آخرتها معاكي يا بنت الصاوي.
عقدت حاجبيها بضيق. فأردف قبل أن يسيطر عليها الغضب وتُجن وترحل: آخرتها فل إن شاء الله. مأذون وكوشة وميك اب ارتست.
ضحكت وهزت رأسها بأنه لا فائدة منك. غمزه لها وقال: ضحكت يعني قلبها مال.
بعدما قضى اليوم بأكمله مع أخيه قرر الياس العودة إلى القاهرة حيث عمله. فهو يبذل ما بوسعه لكي تنهض شركته وتنافس البقية في مجالها.
أردف رازي بقلق نابع من قلبه: خليك للصبح أفضل. مش عارف ليه بتحب تسوق بالليل.
الياس جلس بجواره وربت على كفه قائلاً: إنت أكتر واحد كنت بتحب المغامرات والسفر بالليل. وهترجع تحبه تاني بإذن الله.
كور يده يحاول أن يهدأ حتى لا ينزع وداعه لأخيه ويسافر حزيناً عليه. هز رأسه بالموافقة على مضض وتصنع الابتسامة رغماً عنه.
استقام الياس وقال لقدر بابتسامة هادئة ونبرة أخ: سلام يا قدر.
توصل بالسلامة، وربنا يوفقك في شغلك. كان هذا ردها بكل صدق.
أمين. رد الياس ورازي سوياً.
انطلق الياس عائداً إلى القاهرة. وضعت سناء طعام العشاء لرازي بعد أن تناول الياس شيئاً خفيفاً قبل رحيله.
كانت قدر ستتوجه لتأكل في المطبخ. لكنها توقفت مكانها إثر سماعها صوت رازي: آنسة ممرضة تعالي كلي هنا معايا أنا والست أمينة.
طالعته والدهشة تحتل معالم وجهها. أردفت: مش عايزة أزعج حضرتك، سيد رازي.
ردت أمينة قبل أن يغير رأيه لأنها تعلم أن رده سيكون كما تريدين. لذا أسرعت أمينة بالرد بدلاً منه: تعالي يا بنتي مافيش إزعاج ولا حاجة.
كان موجهاً ناظره عليها ينتظر ردها. ابتسمت بهدوء وجلست بخجل. لم تشعر بارتياح. كانت تجلس في المقعد القريب من مقعده. كانت تأكل كالنملة. تشعر بحرج شديد. لم تمضغ طعامها جيداً خوفاً من إصدار صوت أثناء المضغ. فجأة بدأت تسعل. يبدو أنها شرقت أثناء بلع الطعام. كانت تسعل دون توقف. مما دفع رازي دون أن يشعر أن يستقيم من مكانه. حمل كوب ماء بلهفة وقربه لها. وكانت ملامحه تبدو قلقة. قال: اشربي.
تناولت منه الكوب. شربت حتى هدأ السعال. كان ما زال واقفاً يترقب. أخيراً شعر باندفاعه وخوفه المبالغ فيه من وجهة نظره. عاد مسرعاً إلى مكانه. حمحم بحرج وقال: أحسن؟
هزت رأسها وقالت: الحمد لله.
أنهوا طعامهم. بعد ذلك طلبت السيدة أمينة من سناء أن تعد فنجان قهوة للسيد رازي. دلف رازي إلى مكتبته المفضلة التي يحب كثيراً أن يمكث بها بمفرده. يطالع كتبه المفضلة ورواياته البوليسية وكتب لحل ألغاز الجرائم. فهذا حقاً شغفه.
أمسك رواية (وادي الخوف) من سلسلة شارلوك هولمز للكاتب "آرثر كونان دويل". بدأ يقرأها للمرة التي لم يعلم عددها.
كانت هي بالخارج تفرك يديها بعضهما ببعض. لم تستطع السيطرة على غريزة حب القراءة لديها. كانت تريد أن تذهب إليه لتقرأ. لكنها تخشى أن يرفض فتشعر بالخجل والندم معاً. ظلت واقفة وهناك صراع داخلي بين قلبها الذي يعشق القراءة وعقلها الذي يقول لها لا تحرجي نفسك.
كانت سناء قد أعدت فنجان القهوة للسيد رازي. هتفت قدر مسرعة: عنك يا سناء. أنا هاوصله للسيد رازي.
أجابت سناء بامتنان: اتفضلي. ربنا ما يحرمنا منك يا آنسة قدر.
أخذت القهوة لتوصلها للسيد رازي. دلفت إلى الكتب. استأذنت لتدخل. وضعت القهوة بجواره. رمقها بدهشة وقال: شكراً.
لاحظ أنها تفرك في يديها. فتابع: خير يا آنسة ممرضة.
قالت بتردد وكانت متوترة: كنت عايزة.
رواية ندبات قدر الفصل التاسع 9 - بقلم الشيماء مسعد
يقولون إن الطبع يغلب التطبع. مهما بدوت حاد الطباع، متزمر من كل شيء، ستقتحم طيبة قلبك ساحة المعركة معلنة أنها الفائز الوحيد أمام تصنع الغلظة والجمود.
أخذت قدر القهوة لتوصلها للسيد رازي. دلفت إلى المكتبة، استأذنت لتدخل. وضعت القهوة بجواره. رمقها بدهشة وقال:
"شكراً."
لاحظ أنها تفرك في يدها فتابع:
"خير يا آنسة ممرضة؟"
قالت بتلعثم:
"كنت عايزة من حضرتك بس إنك تسمح لي أقعد أقرأ معاك هنا في المكتبة."
نظر إليها، كانت تتصبب عرقاً، وقال:
"مبحبش حد يزعجني وأنا بقرأ، والمكان ده بالذات مبحبش حد معايا فيه."
قالت بحرج:
"آسفة."
كانت تتوقع رفضه، لكنها رغم ذلك شعرت كأن دلو ماء بارد سُكب عليها في ليلة شتوية قارصة البرودة. استدارت لترحل، لكنه أوقفها بقوله:
"بس ممكن تاخدي كل الكتب اللي بتفضليها معاكي في غرفتك."
عادت الابتسامة لمحياها، وقد استردت جزءاً من كرامتها، وقالت:
"شكراً سيد رازي."
بدأت تبحث في أرفف المكتبة شاهقة الارتفاع، لكنها كانت حقاً في حيرة، فهي لا تدري ماذا تأخذ. كان صوت عبثها في الكتب وتنقلها يزعج رازي كثيراً، لذا ترك ما بيده وذهب تجاهها. وقف خلفها وهمس:
"المكتبة موجودة في أي وقت يا آنسة ممرضة."
شهقت من الفزع، وتابع هو:
"خدي أي كتاب دلوقتي وتعالي اقريه براحتك بعدين، إنتي بتزعجيني."
هزت رأسها وهي مصوبة نظرها عليه. التقطت كتاباً لم تعلم حتى اسمه، وخرجت مسرعة.
وصلت غرفتها وبدأت تقرأ الكتاب. كان كتاباً عن رواية رعب. لم ترد أن تقرأها، لكنها أقنعت نفسها بأنها في النهاية رواية لا أكثر، لا تمت للواقع بصلة. لكنها بمرور الوقت كانت حقاً تشعر بالزعر، فالرواية كانت أكثر رعباً مما توقعت. كانت منكمشة على نفسها، لكن فضولها يأبى التوقف.
مر الكثير من الوقت. كانت سناء والسيدة أمينة قد نامتا. أما رازي، فقد قرر النوم، لذا ترك المكتبة وتوجه إلى غرفته. أثناء صعوده الدرج، قد انقطع التيار الكهربائي. خيم الظلام الدامس على القصر. صرخة مدوية سرت من غرفة قدر. كانت حقاً في حالة زعر، إذ اعتقدت أن الأرواح هي من قطعت التيار الكهربائي، بحسب ما جاء في الرواية.
توجه رازي مسرعاً نحو مصدر الصوت. طرق الباب. صرخت صرخة مكتومة، فقد كانت تضع يدها على فمها.
أتاها صوته مطمئناً:
"آنسة قدر، إنتي كويسة؟ افتحي الباب."
بحثت بيدها عن حجابها، وضعته بعشوائية على رأسها، واقتربت تتحسس الأشياء أمامها، فهي لا ترى شيئاً.
حينما فتحت، سألها بجمود:
"بتصرخي ليه؟"
قدر كانت فاقدة السيطرة على نفسها. قالت بنبرة غاضبة عما وضعها به:
"كله بسببك، بسبب الرواية المرعبة اللي أخدتها من مكتبتك، وأنا أصلاً بكره الضلمة وبكره الروايات المرعبة."
بادلها الصراخ وهو يقول:
"بتزعقي ليه؟!"
صرخت ببرأة وصدق:
"عشان خايفة."
شعر حقاً بصدق كلامها، فأخرج هاتفه وضغط على زر الكشاف وأعطاها إياه قائلاً:
"خلي ده معاكي لو بتخافي."
استدار ليرحل، لكنها تخلت عن خجلها بسبب خوفها، وقالت بجرأة غير معهودة:
"سيد رازي، المفروض تصلح غلطتك وتفضل معايا لحد ما الكهربا ترجع."
رفع حاجبه باستنكار وقال:
"أصلح غلطتي؟ عن أي غلطة بتتكلمي؟"
قدر بخوف بدأ في صوتها:
"الرواية، أنت اربكتني وخلتني آخدها من غير ما أقرأ اسمها حتى."
زفر الهواء بضيق وقال:
"تعالى ننزل تحت لحد ما الكهربا توصل."
هبطا سوياً وجلسا في الرواق على ضوء كشاف الهاتف. وأشعل هو المدفأة، فقد كان المطر يتساقط بالخارج. كان مرهقاً حقاً، يريد النوم، لكنه شعر بخوفها فأراد المساعدة. هو حقاً رجل نبيل.
ازداد المكان ضوءاً من المدفأة. عرضت عليه:
"تشرب شاي؟"
هز رأسه بملل وقال:
"أشرب."
قدر مطت شفتيها وقالت:
"طب تعالى أقف معايا في المطبخ لحد ما أعمله."
عض شفيته السفلى بغيظ وقال هامساً:
"إيه مصبرني عليها مش عارف."
تجرأت وقالت:
"إحساسك بالذنب تجاهي. لو سبتني أختار لوحدي ما كانش ده حالنا دلوقتي."
طالعها بغيظ قائلاً:
"أكيد الفلسفة دي اكتسبتيها من الكتب."
ردت قدر بفلسفة:
"الكتب هي معلم قوي الشخصية، مرهف المشاعر، حكيم القرارات. هي عالم جميل مجرد من المكان والزمان، تقدر تعيش فيه أكتر من حياة يا سيد رازي."
هز رأسه موافقاً هذه المرة، لأن رأيه مشابه لهذا. فلولا القراءة ما استطاع التغلب على وحدته داخل قوقعة صنعها لنفسه.
اتجها إلى المطبخ. وقفت تعد الشاي على الموقد، وهو يحمل لها الهاتف ليضيء لها. قررت أن تفتح معه حديثاً، لعله يتخلى لحظة عن غموضه هذا.
قالت:
"مش غريبة إنه شخص غني زيك ووسيم زي نجوم السينما يعيش وحيد في قصر كبير زي ده؟ ليه ما فكرتش إنك تتجوز يا سيد رازي؟"
"_مش عايز._"
كان هذا رده باختصار.
لوت فمها بغيظ من رده، فإنه لا يرضي فضولها. كانت تنظر له بغيظ، إنه كتلة من الجمود والبرود.
بينما تفكر في جموده، هتف هو:
"فار."
كانت تلك الكلمة التي تفوه بها كفيلة بدب الذعر بقلبها. صرخت وهي ترفع قدميها بطريقة بهلوانية:
"هو فين الفار ده؟ هو فين؟"
زم شفتيه بضيق من تلك الفتاة الحمقاء. اقترب منها، أغلق الموقد وقال بملل:
"الشاي فار. إنتي مستوى الـ IQ بتاعك كام؟"
شعرت بخجل وإهانة، فهو يتهمها بالحمقاء. دافعت بسرعة عن نفسها:
"مش ذنبي إنك ما اتعلمتش تكون جملة مفيدة لحد دلوقتي."
قال بغرور:
"بعامل الناس بمستوى الـ IQ بتاعي يمكن."
ردت بصدمة من غروره:
"متواضع أوي ما شاء الله عليك يا سيد رازي."
رد بكبر:
"مش خطأ إن الشخص اللي فيه مزايا، يذكرها قدام الناس."
فكرت في نفسها: أيها الوغد المتعرجف، كم أنت مغرور حد اللعنة.
أخذت كوبين شاي على حامل معدني وعادا إلى الردهة. وفجأة انتهى المطر وعاد التيار الكهربائي.
تنهد براحة وقال:
"رجع. أنا هطلع أنام."
"مش هتشرب الشاي؟" كان هذا سؤالها.
رد بصدق:
"مش قادر أفتح عيني."
قالها واستقام واقفاً، توجه للأعلى. أسرعت هي الأخرى تركض خلفه من الخوف وتقول:
"شكراً لأنك فضلت معايا. ده تصرف نبيل."
ابتسم ابتسامة جانبية وقال:
"عدي الجمايل."
تمتمت:
"مغرور!"
وصله همسها وقال:
"سامعك."
***
وقت الظهيرة.
كانت فاطمة منهكة في العمل. دلف إليها إلياس.
"_فاطمة، وراكي حاجة بالليل بعد الشغل؟_ كان هذا سؤاله."
ردت بابتسامة حاولت كبحها لكنها فشلت:
"لا، أنا مش بخرج بعد الشغل في العادي، بس بتسأل ليه؟"
"_فيه عشاء عمل النهارده ولازم تكوني معايا فيه._"
ردت بحيرة:
"هو تمام، بس أنا لازم أستأذن بابا الأول وهارد عليك يا باشمهندس."
"_ماشي، بس بسرعة عشان ده وفد إيطالي حابب يستثمر في مجال المقاولات، وإنتي الوحيدة اللي بتعرفي إيطالي. هما معاهم مترجم، بس أنا مش حابب أقعد كده زي الأطرش في الزفة._"
ردت:
"تمام، أنا هقول لبابا."
فجلس أمام مكتبها وقال:
"اتصلي دلوقتي."
هاتفت والدها وسألته عن رأيه، لكنه أردف بنبرة لا تقبل النقاش:
"لا يا فاطمة، إنتي عارفة رأيي في حوار إنك تخرجي بالليل ده."
نظرت فاطمة ل إلياس بإحباط وهزت رأسها بلا، مما دفع إلياس لأخذ الهاتف منها وقال:
"استاذ عبد الناصر، يا ريت توافق. أنا فعلاً محتاج إن فاطمة تكون معايا النهارده. ووعد مني أنا هاجي آخدها من قدام العمارة وهارجعها لحد باب الشقة، ومش هتتأخر. لو الموضوع مش مهم، أنا ما كنتش هاطلب منها إنها تيجي معايا."
أمام إصراره وكلامه هذا، لم يجد كلاماً إلا أن قال:
"بنتي مش متعودة تخرج بالليل، عشان كده هي مسؤولة منك لحد ما ترجع."
"=أكيد يا استاذ عبد الناصر.="
كان هذا رده باختصار. وبعدها أقفل الهاتف. استقام واقفاً وقال:
"واضح إن بابا بيخاف عليكي أوي يا فاطمة."
"بابا ده الحتة الحلوة اللي في حياتي كلها."
ردت بابتسامة وحب حقيقي بدأ جلياً في عينيها.
رد بابتسامة وقال:
"ربنا يخليكم لبعض. هاسيبك تكملي شغل."
وما إن خرج، حتى قالت بصوت هامس:
"وانت الحاجة التانية يا إلياس."
***
استيقظ رازي بكسل بسبب نومه متأخراً الليلة الماضية. دلف إلى المرحاض وبعدها، هبط بهدوء للأسفل. مر بجانب المطبخ، كانت قدر تتحدث مع سناء قائلة:
"أنا ملاحظة يا سناء إنك مش بتصلي."
سناء:
"والله يا ست قدر، أنا واقفة على رجلي طول النهار، يدوبك بلاقي وقت لخدمة القصر الكبير ده."
وقف يسترق السمع. تابعت سناء بحزن:
"ادعيلي يا ست قدر ربنا يهديني."
تنهدت قدر. صمتت لحظة ثم قالت لسناء:
"عندي ليكي عرض."
ردت باندهاش:
"عرض إيه يا ست قدر؟"
"_لو صليتي كل يوم الفروض كاملة، هساعدك في شغل البيت. موافقة؟_" كان هذا عرض قدر.
ردت سناء بخجل:
"يا خبر يا ست قدر، وده برضه ينفع؟"
قدر:
"وما ينفعش ليه يا سناء؟ إنتي بس وافقي. بصي، هو الإنسان ممكن يكون بيقصر في حق ربنا، ومش مثالي في أداء العبادات، بس أهم حاجة يحاول. حتى لو هيقع ويبعد، بس ربنا هيقربك تاني للعبادة. هاقولك حديث عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه. قال: إذا تقرب العبد إليّ شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإذا تقرب إليّ ذراعاً تقربت منه باعاً، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة."
وضعت سناء يدها على وجنتها وقالت وهي تطلق تنهيدة راحة:
"كلامك حلو أوي يا ست قدر."
قدر:
"يعني موافقة يا سناء إنك هتبدأي تصلّي؟"
هزت سناء رأسها وقالت:
"أكيد يا ست قدر، هحاول وربنا يقدرنا."
كان مازال يسترق السمع بالخارج. ارتسمت على وجهه ابتسامة وحك خلف رأسه بسعادة.
تلك الصغيرة الوديعة، قلبها نقي رغم ظروفها.
حمحم وقال:
"سناء."
ردت مسرعة:
"نعم يا رازي بيه."
"_القهوة بتاعتي._" كان هذا طلبه وهو يتوجه إلى الصالة الرياضية. وتابع:
"قولي للآنسة قدر تحصلني على الجيم."
استقامت قدر واقفة ولحقت به. جلس وهو يطالعها بنظرات راضية لأول مرة. بدأت تدلك يده بلطف، فهي مازالت تخجل من قربها هذا. فهو ليس كأي مريض، إنما هو غريب أجبرت على العيش معه تحت سقف واحد.
صمت تام حتى قطعه هو بقوله:
"مش عارف إيه الحنية اللي بتدلكي بيها دي."
أردفت مسرعة:
"لا، أنا بدلك حسب الإرشادات يا سيد رازي."
"_لا، إنتي ممرضة فاشلة وخجولة._"
كان هذا رده الذي أثار غيظها وغضبها معاً.
ردت بشراسة:
"أنا فاشلة؟ طب أنا هوريك الفاشلة دي هتعمل إيه."
أمسكت يده بقوة، قطة شرسة تهاجم للمدافعة عن نفسها. وبدون أن تقصد، غرّزت أظافرها في يده فجرحتها.
عقد حاجبيه من فعلتها وقال غير مبالٍ لجرح يده البسيط جداً:
"إنتي بتدلكي ولا بتنتقمي مني؟ إنتي بتخربشي زي القطط."
لاحظت بعض الدماء القليلة على يده. سحبت يدها بسرعة وعضت شفتها السفلى بحرج. قالت بلهفة:
"أنا آسفة والله مش قصدي. أنا حبيت أثبتلك..."
بترت باقي كلماتها من إشارة بيده بأن تصمت.
نظرت للأسفل بحرج وخرجت مسرعة. كان يعتقد أنها خجلت مما فعلت، لكنها سرعان ما عادت حاملة معها حقيبة الإسعافات الأولية.
قال بجمود:
"مش مستاهلة."
أشارت إليه هي بيدها بأن يصمت. رفع حاجبه الأيسر متعجباً، لكنه لم يعلق. بدأت في تطبيب جرحه البسيط الذي كان يرى أنه لا داعي لكل ما تفعله، فهو حقاً سطحي.
وما إن انتهت حتى قالت مرة أخرى:
"آسفة كمان مرة."
"_مش مستاهلة يا آنسة._" رد ببساطة.
استقام واقفاً. ارتدى سترته الشتوية الثقيلة، شد السحاب. كان على وشك الخروج. كان سيطلب منها أن ترافقه إلى الاصطبل، لكنه نفض تلك الفكرة، فهو لا يريد أن تتلاشى الخطوط التي بينهم.
قبل أن يخرج، سألته:
"سيد رازي، ممكن الموبايل بتاعك؟"
سأل بريبة:
"ليه؟"
"هاكلم حد أعرفه عايزة أطمّنه إنّي بخير."
مد هاتفه لها. التقطته وخرج حتى تكون براحتها.
حاولت تذكر رقم هاتف عصفور مراراً، لكن مُسِحَ من ذاكرتها تماماً. بعد عدة محاولات باءت بالفشل، عادت محبطة للسيد رازي. كان في الاصطبل، أعد حصانه جوكي للخروج في نزهة.
كانت ملامحها حزينة. أراد أن يسألها عن سبب حزنها، لكن لأمر برمته لا يعنيه. لكنه أخيراً تشجع وقال:
"جوليان حزينة، عايزة حد يخرجها في نزهة."
نظرت إليه بابتسامة وقالت:
"ما عنديش مانع آخدها في نزهة مع جوكي."
ابتسم قليلاً وأشار إليها تتحرك بها إلى الخارج.
***
ممدوح كان قد كلّف أحدهم بمراقبة إلياس ومهاب حتى يأتيه بكل المعلومات عن خطواتهم الجديدة في عملهم. كان يخطط لشيء ما ليوقعهم ويفسد عليهم عملهم كالعادة.
أما عن إلياس، فقد ذهب إلى عشاء العمل هو وفاطمة مع الشركة الإيطالية التي يحتاجها لتمول لهم مشروعاً ضخماً هم بصدد البدء فيه.
جلست فاطمة في المقعد المجاور لإلياس. كان الوفد عبارة عن رجلين وسيدة أربعينية. بدأ في الحديث أحد أعضاء الوفد:
"لقد درسنا تقدم شركتكم على مدار الثلاث أعوام منذ أن أقيمت. لاحظنا التقدم الملحوظ في خطواتكم. وبما إننا نشجع المواهب الشابة، فقد نتطلع للشراكة معكم."
كانت فاطمة تترجم له ما قيل، وكان هناك مترجم آخر خاص بهم. كان ينظر لفاطمة بنظرات إعجاب، وقد مدحها بالإيطالية على الرغم من أنه مصري.
قال لها:
"إنتي سريعة في الترجمة، كما أنك رائعة بهذا الرداء."
ابتسمت وقد احمرت وجنتيها وقالت:
"أشكرك على ذوقك."
رمقها إلياس بنظرات كالسهام وكزها من كتفها وهمس بغضب:
"_بيقولك إيه ده؟_"
ردت:
"ولا حاجة، بعدين لما نخرج."
"_وحياة أمك؟ بقولك بيقولك إيه؟_"
ردت بنزق:
"يوووه يا باشمهندس، ما قولنا لما نخرج."
رد بتوعد:
"ماشي يا فاطمة."
تابعوا الحديث حتى انتهى عشاء العمل بالاتفاق على أن الوفد سيدرس أبعاد الشراكة ويرد عليهم بفاكس في الحالتين إن وافق أو لا.
قال المترجم لفاطمة بالإيطالي:
"هل إنتي مرتبطة؟"
ردت وهي تطالع إلياس:
"هو يكون خطيبي."
تفهم المترجم وقال لها:
"معذرة، لقد فهمت لماذا هو ساخط الآن."
ابتسمت له وقالت بمشاكسة:
"يغير عليا كثيراً."
لم يتحمل إلياس تلك النظرات المتبادلة والحديث الهادئ بدون فهم. صدح بصوت جوهري:
"وحياة أمك، احجز لكم ترابيزة واتنين لمون على ضي الشموع."
انتبه الوفد الإيطالي لهم، وقد كان استعد للمغادرة. وكزته فاطمة قائلة بهمسات حانقة:
"إلياس، ميصحش كده، إنت مش فاهم حاجة."
هتف بغضب:
"طب فهميني يا هانم، الأستاذ بياخد ويدي معاكي في الكلام على أساس إن سوسن قاعدة جمبك."
ضحكت هي بتسلية وقالت:
"بقولك إنت فاهم غلط يا باش..."
بتر كلماته بقوله:
"إششش."
وقفا ودعا الوفد بحرارة وتوجها نحو باب الخروج. استوقفتهم فتاة قائلة:
"إلياس عمران الرازي."
نظر إليها برهة ثم أردف بابتسامة:
"ميار الجندي، أخبارك إيه؟ وإيه الجمال ده؟"
"والله ليك وحشة يا إلياس." كان هذا ردها مما دفع فاطمة للغيرة التي بدت جلية على ملامحها.
رد إلياس:
"ياااه، أيام الجامعة كلها وحشاني والله. إنتي بتشتغلي فين دلوقتي؟"
ردت ميار:
"مهندسة في شركة روفيدا العقارية. أنا سمعت إن عندك your own business (شغلك الخاص)."
رد هو:
"ما انتي عارفاني بحب أكون مدير نفسي، عشان كده فتحت شركة أنا ومهاب صاحبي. فكراه؟"
ضحكت وقالت:
"وحد ينسى مهاب."
تابعت ميار وهي تطالع فاطمة:
"إيه ارتبطتي ولا لسة سنجل زيي كده؟"
ردت فاطمة بما صدم إلياس والواقفة معه:
"أيوا ارتبطت، أنا خطيبته."
قالت كلمتها واندفعت تركض نحو الخارج كالاعصار.
بينما وقف هو لحظات يستوعب ما قالت تلك المجنونة.
***
في صباح اليوم التالي وبعد قضاء الروتين اليومي بين رازي وقدر، قررا أن يتسكعا سوياً مع جوكي وجوليان، فقد كانت تلك أحب الأوقات لقدر. كان رازي يبدو ودوداً جداً بالقرب من جوكي وجوليان. كان يتخلى عن كل تلك القسوة، يضعها جانباً.
ظلت تتحدث قدر طوال الطريق. رمقها بنظرة جانبية وقال:
"مش كفاية كلام؟ واستمتعي بالشمس والخضرة والمنظر الخلاب ده."
مطت شفتيها وقالت:
"سكتت أهو، بس إنت اللي محتاج إنك تتكلم أكتر. إنت بتدفع ضرايب على الكلام؟"
ابتسم وقال:
"بكره الثرثرة."
تنهدت ورفعت أكتافها وقالت:
"زي ما تحب."
وما إن وصلا المنزل حتى تفاجأ رازي بضيوف أتوا لزيارته. كانت المفاجأة تحتل ملامحه وابتسامة عريضة ظهرت على محياه وقال:
"أهلاً أهلاً بامرأة هزت عرش إسرائيل. حضرة الظابط سيف العميد وحرمه ملك السقا عندنا. مش مصدق نفسي..."
رواية ندبات قدر الفصل العاشر 10 - بقلم الشيماء مسعد
وما إن وصل رازي وقدر المنزل حتى تفاجأ رازي بضيوف أتوا لزيارته.
كانت المفاجأة تحتل ملامحه وابتسامة عريضة ظهرت على محياه وقال:
"أهلاً أهلاً بامرأة هزت عرش إسرائيل، حضرة الظابط سيف، العميد وحرمه حضرة الظابط ملك السقا عندنا، مش مصدق نفسي!"
ردت ملك بحماقتها المعهودة:
"لا ظابط إيه بقى يا رازي، المرازي محنا بقينا عواطلية زي بعض."
حدجها سيف بنظرات قاتلة أسكتتها وأسرع في إصلاح ما أفسدته:
"إيه اللي بتقوليه دا يا ملك؟ رازي باشا مكانه محفوظ والقيادة مستنية رجوعه بفارغ الصبر."
لوت فمها هاتفة:
"والله القيادة خسرت أكفأ ضباطها، طبعاً رزاريزو وبلا فخر ملك السقا."
رفع رازي حاجبه الأيسر وقال:
"رزاريزو؟"
حاولت قدر كتم ضحكاتها على هذا اللقب لكنها فشلت، مما دفع رازي لينظر إليها قائلاً:
"وإنتي بتضحكي؟"
لفت وجهها الناحية الأخرى بخجل.
تابع رازي:
"أولاً اتفضلوا، ثانياً يا ست ملك خلي دلعك لجوزك، ابعدي عني عشان عقدتيني في الاسم."
تحركوا للجلوس في الردهة وقالت ملك:
"طب بذمتك حد بيدلعك غيري؟"
سيف أمسكها من ذراعها وهمس:
"إنتي ما تدلعيش حد غيري، فاهمة؟ ولا أعملك قضية وأجيبك تشرفي عندي كام يوم."
اتسعت عيناها من الصدمة قائلة:
"أهون عليك يا سيفو؟"
سيف رد بنفس نبرتها:
"وأنا أهون عليكي تخليني غيران كده وأنا شايفك بتدلعي رازي شوية وعدنان شوية، هاقتلك يا ملك."
ارتسمت على ثغرها ابتسامة واسعة وقالت:
"لا ما يرضنيش يا سيفو يا قلبي."
نظرت ملك لتلك الواقفة ولم تجلس وهمست:
"مين البت القمر دي يا كبير؟ أوعى تكون اتجوزت من ورانا."
ضحك رازي وقال:
"لا ما اتجوزتش، قولتلك هاستنى مليكة بنتك، دي الآنسة قدر الممرضة الجديدة."
تنهدت ملك طويلاً وقالت:
"يارب تكون من نصيبك يا رازي يا بن أم رازي."
حك خلف عنقه بحرج وهو يطالع الواقفة وقد احتلت الصدمة ملامحها.
بينما وكز سيف ملك وقال بنبرة تحذيرية:
"ملك؟"
أردفت ملك بغضب:
"يوووه الواحد مايعرفش يقعد بطبيعته، أنا هاسيب لكم القاعدة كلها وأقوم أتمشى."
نظرت إلى رازي بعينين قطة وديعة وقالت:
"رورو."
طالعها رازي وقد ضيق عينيه وقال:
"بعيداً عن ألقابك اللعينة دي، لكن اللي بتفكري فيه مش هيحصل يا ملك."
تشبثت ملك في ذراع سيف وقالت:
"سيفو حبيبي بالله عليك خليه يوافق."
سيف بغضب مصطنع:
"مانتي غلطانة يا ملك، كل مرة بتروحي فيها الأسطبل بتعملي كارثة، أما تخرجي الخيول ويجروا منك ونفضل ندور عليهم، أما تركبي الخيل وتقعي، مش بتقعدي عاقلة ليه؟"
ردت ملك بتوسل:
"عشان خاطري يا رازي باشا، هاتفرج على الخيول من بعيد، مش خرجهم."
زفر الهواء بملل وهز رأسه على مضض وقال:
"لو عملتي حاجة غبية المرة دي هاكسر دماغك."
سيف ضحك وقال:
"على أساس إنها جاية مع سوسن يعني."
رازي عض شفته السفلى وهو يقول:
"ماليش فيه، شيلتك تشيلها لوحدك."
أسرعت ملك راكدة كطفل صغير، فهي تحب كثيراً أن تطالع مقتنيات رازي كتلك الخيول الذكية الفريدة من نوعها، وأحياناً تتسلل للجناح الغربي الذي يمنع رازي أي شخص أن يذهب إليه، بينما بدأ سيف يتحدث عن عمليات جديدة يتناقش مع رازي بها، لطالما كان رازي الأدهى والأذكى بينهم جميعاً.
***
كانت فاطمة متوجهة ناحية المقهى المقابل للشركة لتحتسي قهوتها المفضلة، وإذا بسيارة تقف أمامها، خرجت منها منال عشيقة ممدوح، كانت ترتدي ثياباً سوداء وقبعة رأس ونظارة أيضاً سوداء.
نظرت مطولاً لفاطمة تتأملها، وقبل أن تنصرف فاطمة، نطقت منال بعد لحظات:
"ممكن نتكلم شوية؟"
طالعتها فاطمة بجهل فهي لا تعرفها قائلة:
"نتكلم في إيه وحضرتك مين؟"
"تعالي بس ندخل نقعد جوا."
جلستا سوياً، مرت دقيقة كان الصمت هو سيد الموقف، حتى اردفت منال بحنو شديد:
"أنا صاحبة مامتك الله يرحمها، كنت مسافرة برا مصر ودلوقتي رجعت، محتاجة حاجة يا حبيبتي؟"
هزت فاطمة رأسها بريبة ثم قالت:
"حضرتك عرفتي مكان شغلي إزاي؟ وعرفتي إزاي إني أنا فاطمة؟ وأنا تقريباً ما شفتكيش أبداً ولا أعرفك قبل كده."
تجمعت الدموع في عينيها وقالت بنبرة حانية:
"بس أنا أعرفك عز المعرفة يا فاطمة، واللي يسأل ما يتوهش يا حبيبتي، إيه رأيك لو تيجي تقضي معايا كام يوم قبل ما أسافر تاني؟ أنا عايشة برا مصر."
طالعتها بشك بدا جلياً على ملامحها وقالت:
"أنا آسفة بس أنا ما اتعودتش إني أروح مع حد ما أعرفهوش، وكمان أنا عارفة إن بابا مستحيل يوافق على حاجة زي دي، وغير كده هاكون صريحة معاكي، أنا مش مقتنعة بكلامك بالمرة."
ابتلعت غصة مريرة وتجمعت الدموع في عينيها، جاهدت بألا تظهر، لكنها دست يدها في حقيبتها، أخرجت منها رزمة نقود وقالت:
"أتمنى ما تكسفيش إيدي، خلي الفلوس دي معاكي واعتبريها بديل للهدية، كان المفروض أجيبلك هدية معايا بس ما كنتش متوقعة إني هاشوفك انهاردة بالذات."
شردت قليلاً تفكر كيف كانت تراقبها كل يوم منذ شهر تقريباً، لكنها لم تستطع مواجهتها. فاقت على صوت فاطمة المعترض:
"شكراً بجد بس أنا مش هاقدر آخد الفلوس دي منك لأني زي ما قولتلك أنا مش مقتنعة بكلامك، وكمان الحمد لله معايا فلوس وبشتغل وبابا مش مخليني محتاجة أي حاجة، بالمناسبة لو عايزاني أصدقك ممكن تشرفينا في شقتنا المتواضعة، أكيد تعرفي بابا."
همست منال بندم شديد:
"عز المعرفة، عبد الناصر كان شخص خلوق أوي."
استقامت فاطمة تستأذن بأدب بعد أن نظرت في ساعة يدها قائلة:
"أنا مضطرة إني أمشي عشان البريك بتاعي انتهى."
هبت منال واقفة وقالت:
"ممكن تسمحيلي إني أحضنك؟"
تعجبت فاطمة وعقدت حاجبيها وقالت بدهشة:
"ممكن."
اقتربت منها لمست وجنتيها، أدخلتها في حضنها وداهمتها الدموع وهي تقول:
"سامحيني لأني بعدت عنك."
ظلت معلقة بها مما دفع فاطمة للتملص منها قائلة:
"أنا لازم أمشي، اتأخرت بجد."
قبل أن تخرج تواجهت عيناها مع خاصة إلياس وقال بتعجب:
"مين الست دي؟"
رفعت كتفيها وقالت:
"ما أعرفش، بتقول صاحبة ماما الله يرحمها."
هز رأسه وقال:
"غريبة، اللي يشوفها كده يقول إنها مش مجرد صاحبة والدتك بس."
فاطمة:
"تقصد إيه؟"
إلياس:
"ما قصدتش حاجة، بس فيها حاجة غريبة."
كان يقصد تصرفات تلك السيدة المريبة، لأنهما كانتا تبدوان كأم وابنتها.
***
دلفت ملك إلى الأسطبل تتطلع لكل ما فيه بإعجاب، وكأنه متحف لأشياء ثمينة أو معرض لفنان مرهف الحس، لكنها كانت تفكر في شيء ما يعجبها أكثر من الأسطبل، ألا وهو الجناح الغربي، فهي تنبهر بكل ما فيه من أشياء تخص رازي وحده، وهي تعلم أنه لن يوافق إذا عرضت عليه الذهاب إلى هناك، لكنها تسللت دون أن يراها أحد.
كانت قدر تتبعها، تعجبت ماذا تريد هذه السيدة من الجناح الغربي، لكن جالت في خاطرها فكرة، إذا كانت تلك السيدة المريبة تعرف الجناح الغربي، فمؤكد أنها تعلم الكثير عن السيد رازي.
حمحت قدر مما دفع أنظار ملك تتوجه إليها برعب، ظنت أن أمرها قد كشف.
عقدت حاجبيها بدهشة وقالت:
"إنتي بتراقبيني؟ ولا رازي بعتك؟ أنا عارفاه سهون."
أسرعت قدر ترد تلك الاتهامات عنها قائلة:
"أبداً والله، أنا بس كنت حابة أقعد معاكي لأني مش عارفة آخد راحتي معاهم، هما بيتكلموا في الشغل."
رحبت ملك:
"طيب تعالي، المهم ما يكونش حد شافك لأن المكان دا ممنوع حد يدخله إلا رازي، إنتي اسمك قدر مش كده؟ إنتي شكلك مزة قمر."
ابتسمت لها قدر بخجل وأردفت:
"كنت عايزة أسألك عن حاجة هتساعدني في العلاج، السيد رازي، الحادثة اللي حصلت للسيد رازي هي السبب، فإن إيده مش بتتحرك، ممكن أعرف إيه اللي حصل عشان يعني أقدر أساعده."
ردت عليها ملك بتفهم وكأنها ستقدم خدمة جلية للمجتمع وقالت:
"الحكاية يا ستي بدأت لما كنا في مهمة اسمها (السكر المفقود)، المهمة دي كنت أنا ورازي المكلفين بيها عشان سيف وعدنان كانوا في مهمة في شرم الشيخ، وكمان عشان رازي دا هو بابا المجال بتاعنا، يعني أذكى واحد فينا كلنا."
هزت رأسها قدر بحماس، فأخيراً ستعرف اللغز.
تابعت ملك وهي تسرد الأحداث عندما علم رازي من القائد حازم أن ملك ستكون معه في المهمة.
رازي بتذمر:
"يا فندم أنا أقدر أخلص المهمة لوحدي، ملك لا، ما بعرفش أشتغل معاها."
أجابت ملك وهي تختبئ خلف حازم:
"آه عشان خايف تظهر قدراتك ضعيفة قدامي يا رازي باشا، صح؟ أنا أصلي بخطف الأنظار منك."
"_سامع يا فندم،" رد رازي متزمراً.
ضحك حازم وقال:
"لازم تكون معاك ملك عشان انتوا هتروحوا متنكرين في زي طباخين وملك هتساعدك، صدقني."
أطلق تنهيدة بائسة، وافق على مضض:
"تمام يا فندم."
ذهبا إلى حيث وجهتهم صعيد مصر، حيث أكبر عصابة لتهريب المخدرات بأمر من جهة أجنبية دخيلة، كان زعيم العصابة رجلاً مخضرماً تابعاً لجهات أخرى تريد الفساد يعم أرجاء المحروسة.
دلفا وسط مجموعة الطباخين، حيث أتوا لإقامة حفل ضخم كتمويه لتوزيع شحنة المخدرات الضخمة.
ملك أمسكت بطنها وقالت هامسة:
"دا وقته الحمام في أي جهة بس ياربي."
ابتعدت عن رازي الذي لم يلحظ غيابها، وبعد وقت وجدت المرحاض، وبعد قضاء حاجتها عادت تبحث عن رازي أو المطبخ فلم تعثر على أي منهم. وصلت غرفة كان يجلس بها رجل أربعيني، نظر لها بإعجاب وقال:
"إنتي اللي بعتك فتحي؟"
هزت رأسها بنعم، وقد فهمت أن فتحي هو من أرسل الطباخين.
اقترب منها الرجل ولاعب حاجبيه وقال:
"إيه الحلاوة دي، إنتي على كده بتعرفي تهزيها، تشقلبيها يعني؟"
عقدت حاجبيها بعدم فهم وقالت:
"أنا بإذن الله هدوقك اللي عمرك ما دققته."
رد الرجل بعينين لامعتين من فرط الأمل وقال:
"ما إحنا فيها، دوقيني دلوقتي."
"لا يا باشا، إنت مفجوع كده ليه؟ أنا لسة واصلة."
وهمست: "إيه الرجل المريب دا؟"
رد عليها:
"خدي راحتك يا قمر."
دلف إليه رجل آخر وقال:
"الغازية وصلت تحت يا عتمان بيه."
نظر إليها بشك وقال:
"الغازية؟ أومال إنتي تطلعي إيه؟"
ابتسمت بسماجة وقالت:
"أنا الطباخة الجديدة يا عتمان."
"عتمان حاف يا قليلة الرباية،" كان هذا رد الرجل الثاني.
قال عتمان بنظرات لعوب:
"وماله عتمان عتمان، ما يضرش، بس ابقى لما تخلصي الأكل تعالي دوقيني طبخك."
ردت ملك بتهكم:
"أه هدوقك، دانا هاوريك اللي عمرك ما شفته."
أسرعت للخروج من غرفته، وأخيراً وصلت إلى رازي الذي كان يستشيط غضباً منها وقال:
"أقتلك ولا أعمل فيكي إيه؟ مش لابسة السماعة ليه يا هانم؟"
"أنا لحقت،" ردت ببرأة، ثم اردفت بما هو ثمين لديها:
"أنا شفت عتمان الأسيوطي."
رازي:
"شوفتيه فين؟"
قصت عليه ما حدث، وبعد أن انتهت قال رازي:
"خدي أي طبق من المطبخ واطلعي، خلي يدوق وحطي السماعة دي من غير ما يحس في الهدوم اللي هيلبسها بالليل."
تحركت خطوة، لكن رازي قال:
"ملك خليكي حذرة، أنا معاكي."
هزت رأسها بتوتر، وبالفعل ذهبت إلى غرفة عتمان الأسيوطي وتصنعت الدلال حتى استطاعت أن تضع جهاز التنصت في جلبابه.
توجهوا إلى حيث دلهم الرجل التابع لهم من رجال عتمان على مكان البضاعة التي ستوزع على جميع نوادي مصر.
فتح رازي الباب، وجدوا أطنان من الأفيون الأبيض معبأ في أكياس.
نظرت ملك بزهول قائلة:
"ياااه يا باشا، وأنا أقول السكر شاحح ليه اليومين دول في السوق وغلى ومحدش لاقي، بقى المجرمين دول مخبين السكر هنا."
كان رازي ينظر إليها مذهولاً، لقد شرح لها المهمة بالفعل، لقد كان اسم المهمة (السكر المفقود) كتمويه.
وفجأة وقبل أن يتحركا أنش واحد، هجم عليهم رجال عتمان.
أخذ رازي يسدد لهم الضربات ويطلق عليهم الأعيرة النارية، وملك أيضاً لم تقصر، لقد قامت بواجبها تماماً.
تسلل رازي إلى الخارج وتبعته ملك، لكن أوقفها صوت عتمان ومعه رياض المنشاوي، الممول الأكبر للمشروع والتابع لمنظمة إرهابية تحاول النيل من مصر.
قال عتمان:
"إيه يا باشا، باعتلي بت غبية تحط السماعة في جلابيتي، لقيتها حاطاها عند رقبة الجلابية ليه؟ هاغني في ستار ميكر إياك."
وقبل أن يأخذ أي إجراء كانت ملك مصوبة سلاحها تجاه عتمان وأصابته بالفعل، فوقع أرضاً. نظر لها رازي بصدمة، لقد تصرفت خطأ، لكنه يجب أن يدافع عنها. أشهر سلاحه على ابن رياض المنشاوي الذي كان مصوب سلاحه على ملك.
قال رازي بشر:
"هتضربها؟ هاخلص عليه."
على حين غرة، أمسك رازي بيد ملك، كانا على حافة الشرفة، وقبل أن يهبطا، أطلق المنشاوي على ملك فأصابها في ذراعها، مما دفع رازي أن يطلق على رأس ابن المنشاوي، لكن دون قصد، لم يرد أن يقتله، كان يدافع عن ملك.
صرخت ملك، وقفز بها رازي، كانت قد أتت شرطة مكافحة المخدرات وداهمت المكان. حمل رازي ملك التي كادت تفقد الوعي.
قال رازي بأعين تشتعل من الغضب:
"اخلص بس اللي في إيدي وهرازيك فيكي لحد ما يبانلك صاحب."
وضع رازي ملك في السيارة وتوجه إلى المنشاوي، كاد أن يهرب لكن لحقه رازي وقال:
"Surprise، أنا جيت."
توقف المنشاوي وكانت الدموع تغزو عينيه على فقيده الوحيد.
اقترب منه رازي وقال:
"بخ، معاك الرزاي اللي هرازيك فيكم كلكم."
رد المنشاوي وقال:
"اللي حصل النهارده دا هخليه أسود ذكرى ممكن تفتكرها."
ضحك رازي بتهكم وقال:
"سودة عليك وعلى أمثالك."
استسلم له المنشاوي وتم القبض عليه كرجل إرهابي، أما الباقي فقد أخذتهم شرطة مكافحة المخدرات.
عادت ملك للحاضر وهي تسرد ببساطة شديدة:
"والحمد لله أنا بقيت زي الفل أهو."
ردت ملك بملل من كل تلك القصص التي لا دخل لها بها:
"أنا ما عرفتش أي حاجة عن الحادثة برضو يا مدام، ولا عرفت اللي في الصورة دي تطلع مين وليه رازي بيكرهها."
وقبل أن تكمل حديثها، صدح صوت من الخارج:
"أنا قلت مية مرة ماحدش يدخل هنا."
قبض على ذراع قدر وقال من بين أسنانه:
"إنتي ما بتفهميش الكلام ليه؟ أنا مش قلتلك ما تدخليش في اللي مالكيش فيه."
تجمدت مكانها ولم تستطع أن تنطق بحرف واحد، كان ذراعها يؤلمها كثيراً.
تدخلت ملك مسرعة:
"هي مالهاش ذنب، أنا اللي طلبت منها تيجي معايا."
أكملت بخجل:
"إنت عارف أنا بحب أتفرج على المكان قد إيه."
رمقها سيف بنظرات معاتبة وقال:
"المفروض إنك تسمعي الكلام يا ملك، صح؟"
هزت رأسها بحزن وقالت:
"أنا آسفة يا رازي إني دخلت بدون إذن."
تركهم رازي جميعاً وخرج إلى حيث لا يعلمون أين ذهب.
***
دقات متتالية على باب شقة الأستاذ عبد الناصر.
فتح الباب لتتبدل ملامحه إلى الصدمة والغضب معاً، ضيق عينيه وقال:
"منال؟"
تابع بجمود:
"العنوان غلط يا مدام."
منال بدموع انكسار:
"إزيك يا عبد الناصر."
لم يرد، لكنه سألها:
"جاية ليه؟"
منال:
"مش هتقولي اتفضلي؟ أنا عارفة إن فاطمة مش جوا."
رد هو:
"إنتي مالكيش مكان في البيت دا ووجودك غير مرحب بيه يا منال."
هم ليغلق الباب في وجهها، لكنها قبضت على الباب وسقطت دموعها وقالت:
"ممكن أدخل؟ شكلي كده وحش، الناس طالعة ونازلة، أنا محتاجة أتكلم معاك قبل فاطمة ما تيجي."
أشار بيده ليسمح لها بالدخول، فليس هناك خيار آخر أمامه. دلفت الشقة، أخذت تنظر يميناً ويساراً وفي كل الاتجاهات، داهمها شعور الحنين، فكرت: كم كنت غبية حين خلعت عباءتي وركضت خلف السراب، تاركة حياتي الهادئة بين جدران تلك الشقة المتواضعة.
قال:
"اتفضلي."
جلست بهدوء تزيح غبار حقيبتها وقالت:
"أنا شفت فاطمة انهاردة، من شهر تقريباً وأنا بقف أراقبها من بعيد، لكني ما تحملتش أكتر من كده وقابلتها واتكلمنا."
عبد الناصر رد مسرعاً بغضب:
"أوعي تكوني قلتي لها إنك أمها."
هزت رأسها نافية أن تكون قالت هذا.
تابع هو بارتياح:
"أظن دا كان اختيارك لوحدك يا منال وإنتي اللي لازم تتحملي عواقبه، وأظن فاكرة كويس لما قررتي تنفصلي غصب عني عشان ابن المدير، عشمك إنه بيحبك وعايزك، فقررتي من نفسك ترمي بنتك وتتخلي عن جوزك، وإديكي شوفتي النتيجة، ممدوح الصاوي بعد ما هدم حياتك اتجوز الجوازة اللي تليق باسم عيلته، مبسوطة دلوقتي وإنتي..."
قاطعته لأنها جارحة لها:
"عشيقة ممدوح، صح؟"
صاحت بشدة البكاء وقالت:
"ندمت، يا ريتك كنت رفضت، ياريت كنت ضربتني، حبستني، وما كنتش وافقت إنك تطلقني، أنا كنت صغيرة ومش فاهمة حاجة."
عبدالناصر بانفعال:
"مستحيل أخليكي على ذمتي بعد ما بصيتي برا وفضلتِ حد تاني عليا، أنا راجل وعندي كرامتي، نهايته بقى دي مواضيع قديمة، عايزة مني إيه؟ ابعدي عن بنتي يا منال، فاطمة أنقى من إنها تعرف إن واحدة زيك تبقى والدتها."
مسحت دموعها وأمسكت يد عبد الناصر، طأطأت لتقبلها وهي تقول:
"أبوس إيدك يا عبد الناصر، سامحني، نفسي أرجع أعيش معاكم تاني، أنا عايزة أعيش مع بنتي، مش قادرة أبعد عنها خلاص، من وقت ما رجعت مصر وأنا مش قادرة أتخيل إن بنتي قريبة مني وما أشوفهاش، هابقى خدامة عندك يا عبد الناصر."
بالكاد استطاع أن يحرر يده من قبضتها، استقام واقفاً لينهي ذلك الحوار البغيض بالنسبة له وقال:
"من غير أسف يا منال، اللي انكسر عمره ما بيتصلح، واللي بيبيع مرة بيبيع ألف مرة، قدرتي تبعدي السنين دي كلها، وإحنا كمان قدرنا على البعد دا، أظن ماحدش محتاج للتاني، اتفضلي ارجعي المكان اللي جيتي منه."
أسرع ليفتح لها الباب، تحركت تجاه الباب ولكنها قالت:
"اسمع يا عبد الناصر، بنتي من حقها تعرف إن أمها لسه عايشة."
رد عبد الناصر بتهديد:
"من مصلحتك إنك تبعدي عن بنتي ومن مصلحة فاطمة إنها تفضل معتقدة إن أمها ميتة، ابعدي عن حياتنا."
أنهى كلامه وأغلق الباب في وجهها.
***
بعد أن خيم الليل على القصر، كانت تنتظر في الشرفة بقلق، فهو لم يعد حتى الآن، حتى لم يودع ضيوفه.
فجأة لمحته عائداً وهو يمتطي حصانه.
هبطت مسرعة تعتذر.
وقفت في الردهة وقبل أن تنطق بكلمة واحدة اقترب منها بهدوء وقال:
"كنتي بتقولي عايزة تعرفي إيه؟ مين اللي في الصورة مش كده؟"
هزت رأسها ببراءة بنعم.
وفجأة تحول لكتلة من الغضب، ركل المقعد المجاور لها، فصرخت ووضعت يدها على فمها من الصدمة حينما نطق هو:
"دي تبقى مراتي."