تحميل رواية «ندبات قدر» PDF
بقلم الشيماء مسعد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
"البت دي لازم تكون في أوضتي الليلة دي يا "دلال" بأي تمن." كانت تلك كلماته التي ألقاها بغضب ذلك الرجل صاحب الخمسين عاماً، لكن من يراه يقسم أنه في بداية الأربعينات من عمره. كانت "دلال" تفرك يديها بتوتر، بدا في نبرتها وهي تقول: "حاضر هحاول، بس والله يا ممدوح بيه أنا بعمل كل اللي أقدر عليه معاها، بس البت المفعوصة دي منشفة دماغها، أعمل إيه بس؟" أشارت له على باقي الفتيات اللاتي يعملن معها، وقد كن يجلسن على طاولة الطعام يلعبن الورق لقتل الملل. تفت قائلة بثقة: "ما قدامك أهو، البنات، شاور على أي واحدة وه...
رواية ندبات قدر الفصل الحادي عشر 11 - بقلم الشيماء مسعد
ذكرى الميلاد هو اليوم الأجمل الأروع الأكثر تميزا عند أي شخص، إلى أن يأتي أحدهم فينجح في تحويله إلى اليوم الأبشع والأسوأ. بدلا من أن تحتفل بميلادك، تحتفل بميلاد حزن، انكسار، خذلان يتجدد كل عام في تلك الليلة.
بعد أن خيم الليل على القصر، كانت تنتظر في الشرفة بقلق، فهو لم يعد حتى الآن، حتى لم يودع ضيوفه. فجأة لمحته عائدًا وهو يمتطي حصانه. هبطت مسرعة، اعتذرت.
وقفت في الردهة، وقبل أن تنطق بكلمة واحدة، اقترب منها بهدوء.
وقال: كنتي بتقولي عايزة تعرفي إيه؟ مين اللي في الصورة؟
هزت رأسها ببراءة بنعم. وفجأة تحول لكتلة من الغضب. ركل المقعد المجاور لها، فصرخت ووضعت يدها على فمها من الصدمة. حينما صدح بغضب: دي تبقى مراتي.
اتسعت عيناها من المفاجأة. لم تتفوه بكلمة. كان يركل كل شيء أمامه وهو يقول: مراتي اللي أمنتها على حياتي وقلبي، وهي... لم يكمل حديثه.
مسح على وجهه وجلس أرضًا وهو ينظر إلى السيدة أمينة التي تتابع المشهد من البداية. كان كطفل ضائع.
قال: دادا أمينة، عايز أمي.
هبطت دموعه. هب واقفا يركض تجاه الجناح الغربي. ركدت خلفه قدر بدون تفكير. يجب أن تساعده. كان حقاً يبدو مثيرًا للشفقة.
حينما وصلت، كان ممسكًا بسلاحه يصوبه على صورة تلك اللعينة.
صدحت من خلفه بدموع: أنا آسفة لو أدخلت في حاجة مش من حقي، أنا آسفة لو أنا سبب الحالة اللي أنت فيها.
تحركت تجاهه بحذر. كانت خائفة. وقفت أمامه وقالت بصدق حقيقي: أنا آسفة يا رازي، مش هعمل كده تاني.
تلاقت عيناهما. كانت عيناه تحمل حزنًا عميقًا، أما خاصتها فكانت تحمل ألمًا وشفقة على حالته تلك. لم يشعر بنفسه إلا وهو يبعد سلاحه. لم يطلق هذه المرة. جسّ على ركبتيه.
وقال: دي فريدة هاشم الرفاعي، أو مايا رياض المنشاوي. الاتنين كانوا شخص واحد. فريدة حبتني ومايا طعنتني في قلبي.
صمت. لم يكمل الحديث. ازداد فضولها وصل لزروته. ربتت على كتفه. ولكن فجأة نفض يدها بقوة. وقبل أن تتفوه، هب واقفا وقال:
حقي هاخده منها، هاخليها تتمنى الموت، بس أتخلص من عجزي، عجزي اللي مانعني أطفي ناري.
وضعت يدها على فمها لكتم شهقاتها. لأول مرة تراه بهذا الانكسار. تركها وغادر الجناح الغربي. اتجه إلى غرفته. ثم منها إلى المرحاض. فتح الصنبور وبدأت المياه تتساقط عليه وهو يفكر بها، تلك التي تلقى منها أكبر صفعة في حياته كلها. بدأت تداهمه مواقف مر بها معها.
"بحبك يا رازي."
"أنت كل حياتي."
"نفسي أفضّل طول عمري جنبك."
بدأ صدره يعلو ويهبط وهو يتذكر.
"أنا اللي قتلت والدتك. تحب أقولك إزاي؟"
في تلك اللحظة، صرخ. صرخ بكل ما أوتي من قوة.
فكر: لو كنت أستطيع وقتها أن أنتزع روحها منها، ما كنت ترددت لحظة.
أما عن قدر، فقد ذهبت وهي تنتحب. وما إن رأت السيدة أمينة حتى ألقت بنفسها في أحضانها وهي تصرخ وتقول:
أنا السبب في كل ده.
ربتت على ظهرها السيدة أمينة بحنان وقالت:
لا يا بنتي مش انتي السبب. الله يجازيها اللي كانت السبب. الله يجازي مايا بنت رياض المنشاوي.
طالعتها قدر بدهشة وقالت:
هي مين فريدة ومين مايا؟ أنا مش فاهمة حاجة.
أمسكت أمينة بيد قدر واتجهت بها إلى غرفتها وقالت:
أنا هاحكي لك كل حاجة.
جففت قدر دموعها واستعدت لترضي فضولها. بدأت أمينة في سرد ما حدث منذ أن التقى رازي بفريدة مصابة في طريق عام وأتى بها إلى المنزل حاملها بين يديه.
قالت أمينة: كنا قاعدين قلقانين، أنا والست زهرة والدة رازي والياس. الله يرحمها ويحسن إليها. كانت ست زي القمر وطيبة الدنيا كلها فيها. واللي يشوفها يقول اختهم مش أمهم. قلقنا عشان رازي في الليلة دي اتأخر في المهمة اللي كان فيها، مجاش إلا وش الفجر. أول ما سمعنا صوت عربيته طلعنا جري، بس اتفاجئنا لما لقيناه شايل بنت على إيديه وهي نايمة أو مغمى عليها.
قربت الست زهرة وقالت بلهفة وقلق: إنت كويس يا حبيبي؟ اتأخرت ليه ومين دي؟
قال رازي مطمئنا والدته: أنا الحمد لله كويس يا سنيوريتا. إنتي تشكي برضه إن رازي باشا حد يقدر يقف قصاده.
تنهدت بتعب، فهو دائمًا ينجح في تلف أعصابها:
لو تسمع كلامي وتسيب شغل المخابرات ده وتمسك شركة باباك، أنا هارتاح.
وضع الفتاة على الأريكة. تابعت زهرة:
ومين دي كمان؟ واحدة قابض عليها وجاي تحقق معاها هنا؟
ابتسم وقال: لا يا لماحة يا سنيوريتا، تعالي جمبي، أنا هاحكيلك.
جلست بجواره. قص عليها منذ أن وجدها ملقاة على الطريق تتمتم: "أنقذني...". إلى أن أتى بها إلى هنا. وتابع:
أنا اتأكدت من كلامها، فعلاً بيتهم كانت النار شاعلة فيه، ووالدها وأخوها محروقين.
تأثرت زهرة كثيرًا، بل وسقطت دموعها حزنًا على تلك الفتاة. وقالت:
يعني هي دلوقتي مالهاش حد يا رازي؟
هز رأسه بنعم وقال:
لا. وكمان كل أوراقها الرسمية اتحرقت في الفيلا، يعني مش هتقدر تسافر أمريكا تاني. وكمان مهددة بالخطر عشان اللي قتل والدها وأخوها عايز يقتلها. أنا القضية دي بقت بتاعتي خلاص ولازم أجيب لها حقها.
ربتت زهرة على كف ابنها وقالت:
ربنا يحفظك يا حبيبي وتنصر المظلومين. خلاص البنت دي هتبقى معانا هنا عشان تكون في أمان لحد ما تقبض على المجرمين اللي قتلوا أهلها وعايزين يأذوها.
قبل يدها وقال:
أومال أنا بحبك من شوية يا سنيوريتا.
مسحت على خصلاته وهي تبتسم. تابعت أمينة وهي تقول لقدر:
من يومها رازي فضل جنبها لحد ما اتحسنت ونسيت أبوها وأخوها، قصدي اللي كانت وهمانا إنهم أبوها وأخوها. وبعد ما اتحسنت، بقت مرافقة رازي زي خياله. تطلع معاه التخييم اللي بيحبه زي عيونه، وتروح معاه يتمشوا بالخيل. كانت بتفرض نفسها عليه في كل لحظة. يدخلوا أحيانًا يقرؤوا في المكتبة بالساعات. ما كنتش تسيبه إلا وقت الشغل ووقت النوم.
الموضوع ده ضايق الست زهرة، هي مش بتحب الحال المايل أبدًا. وفي يوم كان ليلة رأس السنة واللي ما تتسمى دي، طلبت من رازي يخرجها بالليل تتفسح. الوقت اتأخر وهما لسه ما رجعوش. الست زهرة بقت بتغلي، واقفة في البلكونة مستنية لحد ما سمعت صوت العربية. نزل رازي والحرباية من العربية. وقفت قدامه وفضلت تتكلم. كانت الست زينب متابعاهم من فوق.
فريدة اقتربت من رازي وقالت:
أنا مبسوطة أوي، بجد يا رازي، أنت ما فيش منك اتنين.
ابتسم وقال بمشاكسة:
عدّي الجمايل بقى، علمتك ركوب الخيل، والرماية، واللعب مع بلاك جاك و...
بتر كلمته حينما قبلت وجنته على حين غرة. تفاجأ كثيرًا. وقالت هي بخجل:
فريدة: إنت أحسن حد في الدنيا كلها، أنا بحبك.
قالتها وركدت إلى داخل المنزل مهرولة تتصنع الخجل. ظل جامدًا مكانه واضعًا يده على وجنته مكان القبلة، وكان ينظر إلى أثرها. ابتسم على رعونتها واندفاعها وهمس:
مجنونة.
ركد خلفها. كانت البسمة لم تفارقه. بعد أن دلف إلى الداخل، وجدها واقفة بخجل. اقترب منها أكثر.
وقال: لما نسأل حد سؤال، يبقى نستنى نسمع الإجابة، صح؟
كانت مخفضة رأسها وقالت بخجل:
صح.
اندفع أكثر، اقترب منها وقال:
متهيأ لي لازم أرد لك هديتك.
وقبل أن يقبلها، صدحت زهرة بجمود:
رازي.
ابتعد رازي عن فريدة، ونظرت هي بخجل وركدت تختبئ في غرفتها. بينما تابعت زهرة:
آخر حاجة كنت أتوقعها منك يا رازي.
حك عنقه خجلًا عما كان سيفعله. تابعت هي:
انت تجاوزت حدودك، بتقرب لواحدة بطريقة مقززة، إزاي تسمح لنفسك تقرب لبنت مش من حقك تقربلها.
نظر للأسفل وقال بحرج:
أنا... ما كنتش أقصد بس اندفعت، أنا آسف يا ماما.
تابعت زهرة بجمود:
لو بتحبها، خد خطوة جدية، اتجوزها يا رازي. أنا مش أم متسلطة عشان أمنعك، طالما أنك عايزها. بس مش هسمح لحاجة دنيئة تحصل في بيتي، أو تستغل بنت لمجرد إنها مالهاش حد.
مسح على خصلاته وقال:
أنا معجب بيها بس.
بترت كلمته قائلة:
ما فيش "بس"، يبقى خلاص، تتجوزها.
رفع كتفيه وقال بابتسامة:
اللي تشوفيه يا سنيوريتا.
رمقته بنظرة جانبية وابتسامة متهكمة وقالت:
اللي أشوفه أنا برضه.
ما خلاص بقى، آسف والله. قال جملته هذه وانحنى يقبل يدها وقال:
وغلاوة عمران الرازي عندك، تسامحيني.
مسحت على خصلاته وقالت:
الله يرحمه، ما شافنيش إلا ليلة الزفاف.
ضغطت على كلمتها الأخيرة كنوع من العتاب. أراد أن يهرب من عتابها فقال:
ياااه، أنا تعبان قوي، هطلع أنام بقى يا سنيوريتا.
كانت فريدة تتابع وقالت بغضب:
آه يا زهرة يا حرباية، اتصرف إزاي دلوقتي؟ بتدبّسني في الجواز، بنت الـ****. حسابك معايا بعدين.
أسرعت فريدة راكضة لغرفتها وأجرت اتصالًا هاتفيًا.
فريدة: الو، نذار، أنا في ورطة، والدة رازي طلبت منه يتجوزني.
أتاها الرد ببرود شديد:
وماله، ما يضرش.
ردت بصدمة:
يعني إيه يا نذار؟ عايزني أتزوج الد أعدائي؟
نذار: لو عايزة تكملي انتقامك، يبقى لازم توافقي.
تابعت أمينة لقدر:
وبعدها يا بنتي، اتجوزها فعلاً. كان بيعمل أي حاجة عشان يسعدها والست زهرة كانت تتمنالها الرضا. مرت سنة كاملة على جوازهم، وخلال السنة دي كل عملية دخل فيها رازي تبع شغله كانت تفشل، وماحدش عارف السبب، مين بيسرب المعلومات. وبرضو، كل ما الست زهرة تطلب منها تجيبلها حتة عيل، تتحجج بأي حجة. لحد ما في يوم عيد ميلاد رازي، كانت فريدة تهبط الدرج بمرح وهي تقول بصوت جوهري: رازي، رااازي.
خرج من مكتبه وقال بضجر، فقد كانت حالته النفسية سيئة، لأنه لم يعتد على فشل عملياته الخاصة التي يقوم بها، لطالما كان الأذكى والأدهى.
رد رازي: نعم يا فريدة.
فريدة بدلال علقت ذراعيها في رقبته وقالت:
أنا عازماك النهاردة على حفلة.
فك يديها وقال:
مش عايز، أنا مش في أحسن حالاتي يا فريدة، يا ريت تأجيلها.
ردت متصنعة الحزن:
ولو قلتلك عشان خاطري، هترفض؟
زم شفتيه ولم يرد. تابعت هي:
أوعدك إن السهرة دي عمرك ما هتنساها يا رازي.
كانت نبرتها متوعدة نوعًا ما. عقد حاجبيه ولم يفهم تلك النبرة. وافق على مضض وقال:
حاضر يا فريدة.
قبضت على يده وهي تجره خلفها. كان منساق خلفها بضيق.
قالت هي بسعادة:
تعالى عشان نظبط لبس مناسب للسهره دي.
في المساء، قررت فريدة أنها هي من ستقود السيارة. مر وقت طويل.
هتف رازي بضجر: احنا رايحين فين يا فريدة؟
ردت بتسلية:
قولتلك سيب لي نفسك خالص النهاردة.
وصلوا مكان شبه صحراء. أوقفت السيارة. وبمجرد هبوطهم، اشتعلت الإضاءة تنير المكان أجمع. عقد حاجبيه وقال بتأفف:
فيه إيه يا فريدة؟ وإيه المكان ده؟
اقتربت منه، قبلت وجنته. وهي تقول:
كل سنة وأنت طيب يا رازي. ولا أقولك الوداع يا حبيبي.
لم يفهم. لذا قال:
فريدة، انتي عارفة إن أموري مش تمام اليومين دول في الشغل، فهميني، إحنا هنا ليه؟
ردت بنبرة شريرة وقد تحولت نظرتها البريئة تمامًا:
عيد ميلادك يا شيطان.
عقد حاجبيه وهزها وهو يقول:
انتي شاربة حاجة؟ فيكي إيه؟ كلامك غريب ولهجتك أغرب.
وفجأة خرج عشر رجال كلهم مسلحين مصوبين أسلحتهم عليه. أرجع فريدة خلفه ومد ذراعه ليحميها وقال:
انتوا مين؟ ثم تابع: أوك، خليها تمشي، وبعدها نشوف عايزين مني إيه.
رد أحدهم بما جمد رازي:
مايا هانم، الحفلة بدأت.
خرجت فريدة من خلفه. وأعطاها أحدهم سلاحه. صوبته على رأس رازي من الخلف. التفت إليها بذهول كأن الصدمة جمته. ظل صامتًا لبرهة ثم قال:
فريدة، لو ده مقلب مش هرحمك.
تعالت ضحكاتها وهي تقول:
ده كابوسك يا رازي يا شيطان. أحب أعرفك بنفسي، مايا رياض المنشاوي. فاكر الاسم ده كويس ولا نسيت؟
عقد حاجبيه وضيق عينيه يحاول أن يستوعب ما تقول. همس:
رياض المنشاوي؟
ردت بغضب:
أيوه رياض المنشاوي اللي قتلت ابنه واعتقلته بتهمة الفساد. انت فاكر إنك شاطر أوي وصاحب القبضة الحديدية زي ما بيسموك، وإنك أحسن حد في الكون كله؟
لم ينطق بكلمة. كان مغيبًا تمامًا من أثر الصدمة. فريدة التي أعطاها كل شيء: حب، دفء، بيت، حنان، عائلة. وأكيد قلبه. تطعنه في ظهره. لكن فليضع مشاعره جانبًا. إنه وقت الحرب. إما أن يخرج من تلك الحرب منتصرًا أو منتصرًا. لا يوجد خيار آخر لديه. حاول استرجاع جزء من تركيزه. باغتها على حين غرة، مثل أنه فقد توازنه. طاح حتى كاد يسقط. شتت انتباهها وسحب منها السلاح على حين غرة. وجهه على جبهتها.
وقال: إنت جريئة بجد. أحيكي يا بنت المنشاوي على الجرأة دي. تدخلي بيت السبع برجليكي؟ تقعدي أكتر من سنة كمان؟ دانتي عديتي ليفل الوحش. لا وبتنتقمي كمان. بس انتي شكلك ما بتتعلميش. ما عرفتيش في الفترة دي مين رازي؟ أنا لا يهمني انتي ولا العشر حريم بتوعك دول.
أشار إليهم وقال:
خليهم ينزلوا سلاحهم، وإلا هفجر دماغك. هعد لحد 3. لو ما نزلوش السلاح ووقفولي صف واحد، هارازي فيكم كلكم لحد ما يبانلكم صاحب. وخلي أبوكي يقولك مين هو رازي صاحب القبضة الحديدية اللي مش عاجبك يا بنت الـ****.
بدأ رازي في العد:
1، 2، 2 ونص.
وقبل أن ينطق ثلاثة، سمع ما شتت انتباهه.
صرخت: أنا حامل يا رازي.
رواية ندبات قدر الفصل الثاني عشر 12 - بقلم الشيماء مسعد
قال رازي وهو يصوب سلاحه على رأس مايا:
هعد لحد ٣ لو مانزلوش السلاح ووقفولي صف واحد هارازي فيكم كلكم لحد ما يبانلكم صاحب، وخلي أبوكي يقولك مين هو رازي صاحب القبضة الحديدية اللي مش عاجبك.
بدأ رازي في العد: ١، ٢، ٢ ونص.
وقبل أن ينطق ثلاثة سمع ما هزه من الداخل.
صرخت: أنا حامل يا رازي.
نجحت في تشتيت انتباهه وبحركة سريعة على حين غرة، لكمه أحد الرجال بقوة فسقط السلاح.
رد عليه رازي بصفعة أوقعت به أرضًا، من يده الشمال، تلك اليد الحديدية التي لكمة واحدة منها كفيلة بإسقاط صف أسنان أحدهم.
نظرت له مايا بغل وأطلقت طلقة نارية على يده الشمال فتأوه بشدة.
وقالت: دي مخصوص عشان القبضة الحديدية اللي قارفنا بيها.
صرخ من الألم، أمسك بيده، وفي تلك اللحظة اقترب منه العشرة رجال كتفوه، وأمسكت هي عصا حديدية.
وقالت: مد إيده الشمال.
أحكم اثنان منهم على يده الشمال، أخذت تضرب بكل قوة لديها حتى كسرت كل عظمة بها تقريبًا.
كان يصرخ في سكون الظلام والفراغ الشاسع، لم يكن هناك سوى صوت صراخه وصدى صوته الذي يتردد حزنًا وألمًا على ما حل بخير ما أنجت المخابرات المصرية.
كانت تلك القمر والنجوم اللامعة في السماء الصافية هي الشاهد الوحيد على انكسار كبرياء الأسد، تحطيم قلب وثق في من لا يستحق.
ضحكت مايا باستمتاع وقالت: خلاص مافيش قبضة حديدية تاني، هي كده شلت تمامًا.
بمناسبة أنك مغرور وشايف نفسك وحاسس إن مافيش حد يقدر يقف في طريقك، كل العمليات اللي فشلت كنت أنا السبب، كنت بتصنت عليك وأعرف أنت هتعمل إيه وأبوظ لك خططك، كنت ديما سبقك بخطوة يا حضرة الفاشل.
آه نسيت أقولك، عارفة مين اللي قتل هاشم الرفاعي وابنه؟
تعالت ضحكاتها الجنونية وهي تتابع: أنا اللي قتلت هاشم الرفاعي وابنه وحرقت البيت بيهم.
همست في أذنه كأنها لا تريد أحدًا أن يسمعها: وأقولك الأدهى من كده، أنا حابسة فريدة هاشم الرفاعي عشان ماتعمليش قلق.
كان صوت ضحكاتها يتعالى ويرد عليه صداها في الأرجاء، كأنها ضحكات للشيطان، وكأن الشر كله تجمع تلك الليلة في جسد مايا.
بصق رازي على وجهها وقال: زي أبوكي برضه تربية و*** بتطعنوا في الضهر، ماتقدروش تواجهوا، أنتوا أجبر من كده بكتير، أنتوا حثالة.
لو فرحانة بالكلاب اللي حواليكي وواخدة وضعك حبتين أحب أقولك إني هاسحقك زي ذبابة مالهاش أي قيمة.
لو فاكرة إني خايف فتبقي بتحلمي أحلام اليقظة، أنا رازي، الاسم لوحده كفيل يخوف أمثالك أنتِ وأبوكي.
غلى الدم في عروقها، نجح رازي في إثارة غضبها مما دفعها تقول: اسمع بقى الخبر اللي هيخلي دا يشل زي ما إيدك شلت.
أشارت إلى قلبه: أنا سيبتلك هديتين عشان تفضل فاكرني بيهم.
جبت لك لوحتك المفضلة ليلة النجوم لفان جوخ عشان كل ما تشوفها تفتكرني.
تابعت ببرأة أحسنت إتقانها: مش أنت قولتلي إنك بتحب اللوحة دي أوي، بتفكرك بهدوء الليل والنجوم اللامعة في سكون الليل والرومانسية المتخلفة بتاعتك دي.
تابعت بضحكة شريرة: والهدية التانية، ما بقاش فيه سنيوريتا خلاص.
هوى قلبه أرضًا قبل تلك الكلمة، لم يكن يهمه ما أصابه من عجز في يده، كل ما همه ألا يسمع ما جاء بباله وقت سمع سيرة والدته.
لطالما كانت هي عشقه الأول، حبيبته، رفيقته، ووالدته الحازمة حينما يتطلب الأمر.
تمنى لو يتوقف الزمن عند تلك اللحظة ولا يسمع بأي مكروه يصيبها.
شعر وكأن أنفاسه تسلب منه.
تابعت بضحكة مجنونة وكأنها فقدت صوابها: أنا خلصت على السنيوريتا والخدامة اللي معاها، ومع الأسف الياس ما جاش النهاردة زي ما قال، بس مش مهم، أنا موجودة.
وما إن سمع رازي تلك الكلمة حتى خارت قواه، سقط أرضًا يصرخ وقلبه يقطر دمًا.
همس: أمي.
نظر إلى مايا بقهر، وجه لها نظرة أقسمت أنها لن تنساها.
لقد خافت، رغم أنه كان مكتفًا من قبل عشر رجال.
قالت وهي تتراجع أدراجها للخلف: يلا بينا.
رد أحد الرجال: مش هنقتله يا هانم.
مسحت على خد رازي، فأبعد وجهه عنها بمقت شديد لها.
قالت هي: رازي ده غالي عليا أوي، عشان كده مش هقدر أشوفه بيتقتل قدامي، وكمان لازم يستمتع بالهدايا والمفاجأة اللي عملتها له، لو مات هيرتاح ومش هيستمتع.
ألقت له قبلة في الهواء، وقبل أن تغادر قال هو بمرارة وغِل: حق أمي هاخده، هاحرق الدنيا كلها عشانها، هخليكي تتمني الموت يا فريدة.
حضر في ذهنه تلك المقولة: "اتحرق العالم لأجلها".
قال: وهل يوجد عالم بدونها؟
غادروا جميعهم تاركين خلفهم أشلاء قلب، الخذلان تجسد في صورة روح معذبة.
منذ قليل كان مستعدًا أن يدفع روحه دفاعًا عنها، لقد خبأها خلف ظهره خوفًا من أن يصيبها مكروه.
ماذا فعلت هي؟ لقد سلبت روحه، قتلته ألف مرة، سلبته أغلى شخص على قلبه.
أخذوا سيارته معهم، وما إن رحلوا أخرج هاتفه، حاول كثيرًا الاتصال على هاتف المنزل لكن أحدًا لم يجب.
بكى كثيرًا، انتحب، صرخ باسمها، لم يقل سنيوريتا كما اعتاد، كان يردد: أمي.
مسح دموعه، لم يكن يشعر حقًا بألم يده.
كلم صديقه (سيف العميد) الذي أتى إليه بعد عدة ساعات نظرًا لبعد المسافة.
ظل يبكي كالطفل حتى سكن تمامًا، تحجرت الدموع، لم تعد تسقط.
نزف كثيرًا، ضعفت قواه، شعر بأنه يفقد روحه شيئًا فشيئًا.
لم يكن يعنيه الأمر برمته لولا السنيوريتا.
وصل سيف وهبط كالإعصار، وجد صديقه في حالة يرثى لها.
سانده إلى أن وصلا إلى السيارة، كان ساكنًا، لم يتفوه، كأنه في عالم آخر.
نظر سيف له ومعالم الدهشة على وجهه: إيه اللي حصل؟ أنا ما عنديش أي معلومات عن إنك في مهمة.
لم يرد رازي.
أكمل سيف: هاخدك على أقرب مستشفى.
حينها رد رازي: خدني على البيت.
سيف بدهشة: بيت إيه، أنت دمك هيتصفى.
سقطت دموعه وقال: عايز أشوف أمي.
ازدادت دهشة سيف وقال: ما تريحني يا رازي، إيه اللي حصل يا خي؟
فريدة قتلت أمي.
كان هذا رده باختصار، ولم يتفوه بعدها.
أما الآخر فقد ألجمته الصدمة وهرب الكلام من فمه، رغم أن الفضول كان سيقتله.
تابعت أمينة وقد فتحت عليها تلك الذكريات سيلاً من الألم، قالت وهي تنتحب وعباراتها تتسابق: رجعت تاني يوم من البلد لقيت الياس ومهاب بيعيطوا زي الأطفال ورازي نايم طريح على السرير مش دريان بحاجة ومتعلق له محاليل، وأصحابه كلهم في البيت.
ولما عرفت الخبر صرخت ووقعت أنا كمان من طولي، كانت فترة صعبة علينا كلنا يابنتي.
الست زهرة الله يرحمها، أصلها كانت زهرة البيت، حبيبة الكل، اسم على مسمى، زهرة.
من وقتها وزي ما انتي شايفة رازي اللي ما كانش يبطل هزار ومشاكسة وكان فرحان بنفسه أوي وبقوته وذكائه، بقى بيطلع الكلمة بالعافية، بقى بيحب العزلة زي عينيه، ممكن يعدي يوم كامل ما يكلمش حد.
والياس يا حبيبي اللي كان دلوعة البيت ومش بيحمل هم أي حاجة وعايش حياته زي أي شاب، شال الهم وبقى هو الكبير وهو اللي يشتغل ويدير شركة والده.
ومُهاب ربنا يحفظه لشبابه مش سايبه أبدًا، الست زهرة كانت بتعتبر مهاب ابنها التالت.
تابعت برجاء: عشان كده أنا أرجوكي يا بنتي لو اتصرف معاكي رازي أي تصرف بعصبية لازم تعذريه، هو اللي حصله مش قليل يا حبيبي.
تخيلي الست اللي يأمنها على اسمه وعرضه ويفتح لها بيته وقلبه تطعنه وتضربه في مقتل.
حرمته من أكتر إنسانة بيحبها، ما كانش يناديها إلا السنيوريتا، كان بيدللها كأنها أميرة، وهي تستحق إنها تتعامل زي الأميرات.
بكت أمينة أكثر، وكانت قدر لا تقل عنها في النحيب، فقد تقطعت أنياط قلبها بعدما عرفت الأحداث التي مر بها ذلك الشاب الذي يتصرف كهل عجوز شبع من الدنيا.
منذ أن رأته اقتربت قدر من السيدة أمينة، أحاطتها بذراعها وربتت على فخذها باليد الأخرى وقالت: كفاية عياط يا ست أمينة، العياط مش هيرجع اللي فات.
لو كل حد اتعرض لموقف صعب في حياته انعزل زي رازي، ما كانش حد كلم حد.
لازم نساعد رازي يرجع زي الأول قوي وفرحان بنفسه ومرح زي ما إنتي قولتي.
هتسأليني إزاي؟ هأقولك ما أعرفش، بس هنحاول مع بعض، أنا هرجع لك تاني وندردش في كل حاجة كان بيحبها رازي، هنعملها وهنتحمل رفضه وغضبه وثورته، كله هيعدي بإذن الله.
ابتسمت أمينة من وسط دموعها وقالت: اسمك قدر، ويمكن تكوني القدر اللطيف اللي ربنا بعته لرازي عشان يرجع لحياته القديمة ويتابع حياته زي أي شاب في سنه.
رازي، موقفه حياته من خمس سنين، عنده ٣٥ سنة بس عايش كأنه عنده ٧٠ سنة، رازي كبر ضعف سنه بسببها، ربنا ينتقم منك يا بنت المنشاوي، قادر يا كريم.
بينما في مكان ما في إيطاليا، كان هناك طفل صغير عمره حوالي ٤ أعوام يلعب كرة القدم.
ركل الكرة بقوة، اقتربت من حوض مياه كبير شاسع.
ركض خلفها، لمحته السيدة التي كانت تستجم تحت أشعة الشمس، هبت واقفة تركض خلفه.
وهي تقول: Adam, don't play near the pool, It's dangerous. (آدم، لا تلعب بالقرب من حمام السباحة، هذا خطر).
رد الطفل بطاعة: OK mom.
حملته من الأرض وقبلت وجنته وقالت: good son.
حملته وعادت إلى ذلك الذي المستلقي على أريكة بجوار خاصتها، فتح ذراعيه وهو يقول: My dear son, come to your dad. (ابني الغالي، تعال إلى والدك).
ارتمى الطفل بين أحضان الرجل وقال: love you dad.
شردت قليلًا تفكر: آدم يذكرني بوالده كثيرًا.
لقد نفذت انتقامي من رازي، لكن... لكن لم أكن أعلم أني تركت قلبي هناك، وهو ترك قطعة منه هنا.
ليتني أستطيع أن أعيد المياه لمجاريها.
قطع تفكيرها صوت نزار: مايا، عم فكر نضل هون بإيطاليا بقصد نستقر هون، الحياة جدا جميلة، شو رأيك حبيبتي؟
أطلقت تنهيدة حنين وشوق وقالت: حتى أنا مرتاحة هنا يا نذار، سيبني أفكر وهارد عليك.
شردت مرة أخرى تفكر في تلك الليلة التي نفذت انتقامي من رازي.
قلت له أنني أحمل في أحشائي طفله، لكن الحقيقة أنني كنت أكذب، أردت فقط تشتيت انتباهه.
لكن حينما مر شهر بدأت تظهر لديها أعراض الحمل، أسرعت لعمل اختبار لتتأكد من ذلك.
عندما تأكدت، ذهبت إلى نزار.
قالت مايا: نزار، إيه اللي ممكن يحصل لو كنت بقيت حامل من رازي؟
رد نزار بحزم: أكيد كنا رح ننزل ابن هاد الشيطان، ما بدنا ولا شي يذكرنا فيه.
ابتلعت غصة مريرة، فهي حقًا تشتاق لتلك الأيام التي كان يدللها بها وكأنها ملكة.
تشعر بالحنين، وكيف لها أن تفكر أنه قد يغفر أو يسامح؟ تعلم أنه لو رآها لفصل رأسها عن جسدها.
أطلقت تنهيدة وقررت أن تخدع نزار بأن الطفل له، ورتبت لذلك حتى يبدو الأمر طبيعيًا.
فبعدما كانت ترفض اقترابه منها، سمحت له تلك الليلة بتخطي حصونها وأهدته ليلة كان يقاتل حتى يحصل عليها، حتى تحتفظ بقطعة من رازي في أحشائها.
تندم حقًا لأنها سمعت كلام نزار وأكملت انتقامها، على الرغم من أنها كانت تنوي التراجع، لكن نزار لم يسمح لها بذلك وكانت له أهداف أخرى.
تركت قدر السيدة أمينة وذهبت إلى مكتب رازي.
فتحت الباب بهدوء ودلفت لتقف أمام لوحة فان جوخ (ليلة النجوم).
فكرت: إذا كانت تلك اللوحة تحمل ذكرى سيئة، فلما مازال محتفظًا بها؟
لم تجد إجابة ترضي فضولها، قد يكون محتفظًا بها حتى يظل يتذكر تلك الليلة بتفاصيلها، ياله من مسكين، يعذب نفسه كثيرًا.
تركت المكتب، توجهت إلى الأعلى.
هي الآن واقفة أمام باب غرفته، ترددت كثيرًا قبل أن تطرق الباب.
طرقت عدة طرقات متتالية حتى فتح لها.
كانت هيئته كفيلة لمعرفة ما عاناه وحيدًا في غرفته.
منذ قليل كان شعره مبعثرًا على غير العادة، يقطر ماء يهبط على جبهته، ملابسه مبتلة أيضًا في هذا الجو قارص البرودة ولم يبالي بذلك.
قال بهدوء: عايزة إيه؟
قبل أن ترد، سعل مرات متتالية، تملكها القلق.
قالت: إنت أخدت برد، ممكن تغير هدومك دي.
= وإنتي مالك؟
= أنا الممرضة المسؤولة.
بتَر كلماتها بغضب وهو يقول: غوري من هنا.
انتفضت كليًا، لكنها ظلت ثابتة وقالت بتحدي: ولو ما غرتش هتعمل إيه يعني؟
تملكه الغضب من تلك لتتحداني، قال بغضب: إنتي جريئة أوي عشان تقفي قصادي وتتحديني؟
ابتلعت لعابها وبدا عليها التوتر، لكنها تابعت بنبرة مهتزة: وإيه يعني لو اتحديتك؟ صاحب الحق قوي، وأنا هنا الممرضة وصاحبة حق.
كور يده بغضب وركل المقعد الذي أمامه، وقبل أن يتحدث بدأ يسعل مرة أخرى.
انكمشت حول نفسها خوفًا، فقالت بنبرة لينة: سيد رازي، لازم تغير عشان هتمرض بجد، إحنا خايفين عليك.
أتت أمينة من خلفها وقالت بحنان: ابني رازي، هي عندها حق، لازم تغير، إنت وشك أزرق من شدة البرد.
ظل صامتًا ولم يبدِ اعتراضًا، لذا دلفت قدر إلى غرفته أخرجت له ملابس أخرى.
وقالت: اتفضل البس، إحنا مستنينك برا عشان العشا.
نظر إلى الملابس التي اختارتها وقال بعناد: ذوقك وحش.
رفعت حاجبها وتمتمت: مغرور، شايف نفسه.
بتقولي حاجة يا آنسة؟ كان هذا رده.
= ما بقولش، يلا يا ست أمينة.
انتظرت قدر وأمينة بالخارج بينما بدل ثيابه، كان يسعل بصوت عالٍ يسمعانه جيدًا.
قالت قدر بنبرة بدا فيها القلق جليًا: شكله خد دور برد يا ست أمينة، عايزة أنزل صيدلية قريبة من هنا نجيب له علاج، وشه أحمر، باين حرارته مرتفعة.
خرج هو مرتديا نفس الثياب التي أحضرتها قدر.
ابتسمت ابتسامة جانبية وهمست: ما كان ذوقي وحش.
رمقها بنظرة جانبية وقال: مش في مزاج يسمح لي أختار، عشان كده لبستها.
اتسعت عيناها بحرج، كيف سمعها؟ يبدو وأنه يملك حاسة سمع قوية.
بدأ يسعل مرة أخرى.
جلس على طاولة الطعام، لم يأكل، لقد فقد شهيته، ويشعر أيضًا بألم لعَيْن في معدته، يريد أن يتقيأ.
دس ملعقة شوربة عدس في فمه وبعدها قام مسرعًا إلى المرحاض.
تبادلت قدر نظرات القلق مع السيدة أمينة، قامتا خلفه مهرولتين.
عاد بعدما تقيأ وقال: أنا تمام، هاطلع ارتاح شوية.
خرج صوته وكأنه يرتعش.
قالت أمينة بعدما وضعت يدها على جبهته: رازي، إنت سخن، اطلع ارتاح وأنا هاعملك حاجة سخنة تشربها.
أومأ برأسه وقال: ماشي.
خرجت السيدة أمينة مع قدر لإحضار الدواء بعدما طلبت من سناء أن تعد له مشروب الأعشاب.
حينما عادت قدر مع أمينة ذهبتا إلى غرفة رازي، كان قد غط في نوم عميق، وجهه ملتهب كقطعة جمر مشتعلة.
قالت قدر بقلق: ست أمينة، حرارته مرتفعة أوي، حاولي تصحيه عشان ياخد العلاج.
حاولت أمينة إيقاظه لكنه لم يستطع أن يفتح عينيه حتى.
قالت أمينة: وبعدين يا بنتي، دا سخن أوي ومش قادر يقوم.
قدر: أنا هاتصرف.
هبطت مسرعة أحضرت إناء به ماء فاتر ومناديل قطنية.
عادت بسرعة قالت: ما فيش حل غير الكمادات لحد ما يقدر يفوق.
جلست أمينة بجواره وبدأت في عمل كمادات له، كانت قدر تجلس بجوارها.
قالت أمينة: روحي إنتي ارتاحي يا بنتي، أنا هفضل جنبه.
ردت قدر: لا طبعًا يا ست أمينة، مش هقدر أسيبه. ارتاحي إنتي، أكيد تعبتي وكمان إنتي مش متعودة تساهري كده.
ردت أمينة بحزن: مش هيجي لي نوم يا بنتي إلا لما أطمن عليه.
قدر ربتت على كفها وقالت: طب ريحي هنا على الكنبة دي وأنا هاعمله كمادات.
وافقت أمينة وأراحت جسدها على الصوفا، وما هي إلا دقائق معدودة حتى غطت في النوم.
أما عن قدر فبقيت مستيقظة طوال الليل لرعاية رازي، هي ممرضة وتلك مهنتها، كانت تشعر بالمسؤولية تجاه مريضها.
ارتفع أذان الفجر في الأرجاء، كانت قد انخفضت حرارة رازي.
توضأت قدر وصّلت الفجر وعادت تتحسس جبهته، وجدت حرارته طبيعية أخيرًا.
تنهدت براحة، جلست على مقعدها وعرف النوم طريقه لخضرواتيها، أغلقت عينيها استجابة لنداء الراحة.
استيقظ رازي مبكرًا لأنه نام مبكرًا، وجد قدر نائمة بطريقة عشوائية، رأسها مائل للخلف على المقعد والسيدة أمينة مستلقية على الأريكة.
نظر إلى قدر لبرهة، فكر: لما عليها أن تكون بكل هذا اللطف؟
لا أريد أن تصنع لي أي معروف.
تذكر تلك اللعينة فريدة، لم تسهر بجواره قط في تعبه، لقد كانت السنيوريتا دائمًا هي من ترعاه في مرضه، حتى بعد زواجه من تلك الشيطانة لم تسهر لرعايته عندما يكون مريضًا أبدًا.
نفض تلك الأفكار والذكريات المتعبة، عاد تفكيره إلى تلك القابعة بجواره، لما فعلت هذا؟ برر ذلك بأنها ممرضة وهذا واجبها.
حاول أن ينهض، أحدث جلبة جعلتها تستيقظ، أول شيء فكرت به ترتيب حجابها، فركت عينيها بتعب.
وقالت: إنت كويس دلوقتي؟ حاسس إن فيه حرارة.
رد بهدوء: أنا كويس، ما كانش فيه داعي تسهري جمبي.
لوت فمها وقالت: سيد رازي، دا واجبي على فكرة، إنت ديما بتنسى إني الممرضة هنا.
اتجهت ناحية خزانة الثياب، أحضرت له ثيابًا وقالت: خد دش عشان تفوق. ويارب ذوقي يطلع حلو المرة دي.
أنهت كلامها وغادرت الغرفة.
هبطت لأسفل، طلبت من سناء أن تعد له طعام الإفطار.
جلست تطالع الجريدة، رأت صورته في الصفحة الثانية، هو بعينه، ممدوح الصاوي.
حالة من الذعر انتابتها، التقطت الجريدة أرضًا.
كان يهبط رازي من الدرج، لمحها، تعجب من فعلتها، لذا اقترب عندها.
التقط الجريدة من الأرض، طالع الجريدة ولم يجد بها شيئًا يخيفها بهذا الحد، فقط صور لبعض السياسيين في البلد وأخبار لعينة عنهم.
هذا ما فكر به، وقال: شوفتي شبح في الجريدة؟ خايفة كده ليه؟
ارتبكت وقالت: وقعت من إيدي بالغلط، آسفة.
رمقها بشك، لكنه لم يعلق، بقي سؤال عالق في ذهنه: لما تصرفت هكذا؟ ماذا تخفي تلك الصغيرة الفضولية... البريئة؟
نهر نفسه لقوله بريئة، واللعنة، قلت بريئة؟ ماذا بك يا رجل؟ لا توجد أنثى بريئة.
اصمت أيها الأحمق.
كانت هاجر تجلس في غرفتها تعبث في هاتفها.
دلف والدها إليها بعدما طرق باب الغرفة.
ممدوح: صباح الفل يا جوجو.
اعتدلت على الفراش وقالت: صباح الخير يا بابا.
جلس على طرف السرير وقال: سمعتي آخر الأخبار؟
انتبهت أكثر لحديثه وقالت: أخبار إيه؟ يارب يكون خير.
ممدوح: هو خير، بس إنتي الوحيدة في إيدك تخليه يكمل.
عقدت حاجبيها بعدم فهم وقالت: مش فاهمة يا بابا.
رد ممدوح بتلاعب: الواد مهاب وصاحبه الياس لقوا شركة أجنبية تمول المشاريع بتاعتهم.
ابتسمت بسعادة وقالت: بجد يا بابا.
اختفت ابتسامتها حينما تذكرت قوله (بإيدك تخليه يكمل).
قالت: بس أنا إيه علاقتي بدا؟ ليه أنا اللي أخليه يكمل؟
كان ممدوح يترقب رد فعلها وهو يقول: ابعدي عن مهاب، وافقي إنك تتخطبي لأياد أمجد نصار، وإلا هقدم عرض للشريك الأجنبي وأخليهم يخلعوا من العيال دي، وساعتها بقى اقري الفاتحة على شركتهم.
طالعته هاجر بعدم تصديق ولسان حالها يقول: هل أنت حقًا أبي؟ أشك في ذلك.
هبطت فاطمة من سيارة أجرة أمام مقر الشركة التي تعمل بها في نفس اللحظة التي هبط فيها الياس.
وما إن تحركت نحو الشركة حتى توقفت سيارة في طريقها وهبط رجلان يريدانها أن تركب معهم عنوة.
انتبه لهما الياس وأسرع إليهم يركض، وما إن وصل حتى لكم أحدهم في وجهه، فردها له الرجل حتى كاد أن يسقط.
رواية ندبات قدر الفصل الثالث عشر 13 - بقلم الشيماء مسعد
هدوئي لا يعني أنني بخير، بل هناك في قلبي انفجار لا أريد أن أخرجه لأحد.
هبطت فاطمة من سيارة أجرة أمام مقر الشركة التي تعمل بها، في نفس اللحظة التي هبط فيها إلياس.
وما إن تحركت نحو الشركة حتى توقفت سيارة في طريقها، وهبط رجلان يريدانها أن تركب معهم عنوة.
انتبه لهما إلياس وأسرع إليهم يركض، وما إن وصل حتى لكم أحدهم في وجهه.
فردها له الرجل، كان سيسقط أرضًا.
اعتدل وقال: "عايزين منها إيه؟"
رد الرجل: "وأنت مالك؟"
إلياس بغضب: "لااا، دانت بجح بقى، بقولك عايز منها إيه؟"
رد الرجل الآخر: "الست منال صاحبة والدتها عايزاها، وإحنا كنا هنقولها كده."
ردت فاطمة بغضب أيضًا: "الست المريبة دي أنا مش عايز أشوفها تاني، بلغها بالكلام ده."
قال إلياس بتهكم: "سمعت، يلا بقى وروني عرض أكتافكم."
نظر أحدهم للآخر ورحلوا دون افتعال المشاكل.
أخرج أحدهم الهاتف وقال لممدوح الصاوي: "يا باشا فيه واحد طلع في طريقنا وعمل قلق، وأنت قولت مش عايز مشاكل. لولا كده كنت جبته تحت رجلي."
ممدوح: "خلاص تعالوا، أنا هاتصرف."
توجه ممدوح إلى منزل منال، كانت مخمورة تمامًا.
كانت تتمايل يمينًا ويسارًا ممسكة بيدها كأس الجعة.
وضعت يدها على كتفه وقالت: "دوحة واحشتني."
نظر لها بضيق وحزن على حالتها.
كانت منال كالوردة المتفتحة، كانت فائقة الجمال، الآن هي شاحبة الوجه، ذبلت ملامحها الجميلة.
وحده الحزن قادر على تبديل ملامح جميلة الجميلات وانطفائها، رغم أنه لا يصلح شيئًا بل يفسد كل شيء.
قال بحزن: "بتشربي في عز النهار ليه يا منال؟ أنا وعدتك إني هارجعلك بنتك، أنا بنفسي هدخل وأقنعها، بس مش عايز شوشرة اليومين دول، وخاصة الواد إلياس ده بيتنطط لها زي فرقع لوز كل مكان بيكون معاها، وأنا مش عايز أظهر في الصورة لحد ما خطوبة بنتي تتم على خير."
ردت بدون وعي: "يووووه، رغي رغي رغي، مش عايزة أسمع حاجة."
ضربت بالكأس عرض الحائط وهي تقول: "أنا ندمانة، ندمانة إني سبت حياتي كلها ومشيت وراك."
اقتربت أمسكت بتلابيب سترته تهزه بعنف وهي تقول: "أنا بكرهك يا ممدوح، بكرهك."
صفعها على وجهها بشدة، صرخت، وقعت أرضًا.
جلس بجوارها، أمسكها من خصلاتها بعنف وقال بصوت يشبه فحيح أفعى: "بس أنا بحبك ولسة عايزك، وطالما لسة عايزك هتفضلي معايا، ما تختبريش صبري وتخليني أمل منك. ونصيحة مني بلاش جو الاكتئاب ده والهرتلة في الكلام دي اللي لا تودي ولا تجيب. قولتلك بعمل كل اللي أقدر عليه عشان بنتك تكون معاكي."
ردت بنحيب ممتزج بألم من ضربه لها: "ليه ما اتجوزتنيش يا ممدوح؟ ليه حرمتني إني أخلف عيل يملأ حياتي؟ إنت شايفني رخيصة صح؟"
رد ممدوح بثقة وكأن آراءه صحيحة جدًا: "لا مش صح، انتي غالية أوي عندي يا منال، بس الحرام حلو، أنا بحبه يا روحي."
أنهى جملته، تركها وغادر الغرفة.
أمسكت هي مزهرية ورد وألقتها خلفه وهي تصرخ: "بكرهك، بكرهك."
سمع صراخها، تأفف بضجر وترك الشقة بأكملها وتمتم: "كنت غلطان لما رجعتها من فرنسا، كنت بروحلها شهر في السنة بس كان بيبقى أجمل شهر. لكن دلوقتي هي اتجننت رسمي، أنا ما بقتش طايق أجي هنا أصلًا."
***
دلف رازي إلى مكتبه منذ مدة ليست بقليلة.
لم يدون شيئًا في دفتر الملاحظات.
جلس على مكتبه بعدما طلب من سناء أن تعد له فنجان قهوة.
فتح دفتر المذكرات، لفت انتباهه آخر صفحة مكتوبة.
هذا ليس خطه.
قرأ المكتوب:
(وكم أمرٍ بدا لي مُستحيلاً
جرى دمعي لهُ وبكى جَنَانِ
بذلتُ لأجلِه أيامَ عُمري
فأرهقني وأرّقني زماني
فقُمت وقد نَفضْتُ غُبار رأسي
أجَبْتُ تفائلي لمّا دعاني
ليَ الصبرُ الجميلُ وحُسنُ ظنّي
وعِند اللهِ تحقيقُ الأماني)
بعدما فرغ من القراءة ابتسم وهو يطالع باب الغرفة يفكر.
يالها من شيطانة فضولية تتدخل فيما لا يعنيها، تعتقد أنها ستحل كل مشاكل العالم بعقليتها متناهية الصغر تلك.
ولكن أعجبني ما كتبت حقًا.
لولا ذلك كنت سأعاقبها عقابًا شديدًا، كيف لها أن تعبث بأشيائي دون إذني؟
تبدلت ملامحه للحزن وهو يفكر.
مازالت صغيرة، لا تعلم أن هناك أماني لم تتحقق أبدًا، وأن هناك أشياء إذا فقدتها لا تستطيع استعادتها مهما فعلت.
وقعت عيناه على تلك العبارة: (يقولون إن حبل الكذب قصير، وأنا أقول مهما كان قصيرًا سأجعله يلتف على رقبتك ليشنقك إذا ما حاولت الكذب عليّ).
ابتسامة واسعة رسمت على محياه حينما تذكر كيف أن تلك الجملة البسيطة جعلتها تبوح بكل ما في جعبتها من أسرار.
انتبه لنفسه يبتسم.
ماهذا واللعنة؟
أنت شارد تبتسم على أفعال تلك الصغيرة الفضولية.
يا رجل بربك، هل تريد أن تثق مرة أخرى؟
يكفيك ما آلت إليه روحك جراء تلك الثقة التي منحتها لمن لا يستحق.
قطع شروده دلوف قدر حاملة كوب من الأعشاب.
عقد حاجبيه وقال: "فين القهوة يا آنسة؟"
ردت بهدوء عكس خوفها من رد فعله: "انت تعبان، الأفضل إنك تشرب حاجة دافية مش قهوة، وكمان هتاخد العلاج ده."
زفر بنزق ورد بهدوء عكس ما بداخله من صراعات: "انتي مين ادّاكِ حق إنك تقرري عني؟"
وضعت الكوب على المكتب وقالت بزهق: "أنا هعلق كارنيه إني الممرضة هنا، ومن حقي أقرر تشرب إيه وتاكل إيه."
استرقت النظر لتجده يفتح الدفتر على الأبيات الشعرية التي دونتها من قبل.
ابتسم بتهكم وقال: "وكمان عشان ممرضة تكتبي في دفتري اللي انتي عايزاه؟ دي كمان من مهامك؟"
اخفضت رأسها بخجل وقالت بمكر مدعية الجهل: "هو دا دفترك سيد رازي؟ أنا كنت فاكرة إنها مدونة لأي حد عايز يكتب شعر حافظه بس."
رفع حاجبه الأيسر وهمس بتهكم: "مكارة، فضولية."
***
الياس كان يفتح تحقيقًا لفاطمة.
"مين دول؟"
"والله ما أعرف، أنا زيي زيك."
"تمام، أنا هوصلك من هنا ورايح وهعدي آخدك وأنا جي الشركة."
"بس كده تعب عليك، وجهتنا مش واحدة."
"مالكيش فيه."
كان يرد بضيق.
تنهدت بغضب وهي تقول: "بتعاملني كده ليه؟ كأني مذنبَة."
رد بصدمة: "أنا بعاملك كأنك مذنبَة؟ الحق عليا إني حارق نفسي وعايز أعرف الست دي عايزة منك إيه."
أنهت الحوار وهي تقول: "أنا أصلًا مش عايزة أشوفها تاني، دي ست مريبة وأنا مش مرتاحة لها."
ضيق إلياس عينيه وقال: "هنشوف."
صدح هاتفه باسم من كان ينتظر اتصاله بفارغ الصبر.
لقد كانت الشركة الإيطالية التي قدمت له عرض شراكة وطلبت منه الانتظار لحين إبلاغه بقرارها النهائي.
أتى ذلك الاتصال تزامنا مع دخول مهاب المكتب.
رد إلياس بسرعة: "الو، ما الأخبار؟ أتمنى أن تكون بأفضل حال."
رد عليه الطرف الآخر بما جعل ابتسامته تتسع وقال: "حسنًا، أوعدكم بأننا سنبذل قصارى جهدنا لنيل ثقتكم. أشكرك على الثقة في قدراتنا."
رد عليه الطرف الآخر، فأكد هو كلامه: "بالطبع سنحتفل، سوف أقيم حفلًا كبيرًا في منزل العائلة لكي تتعرفوا على مالك الشركة الثالث السيد رازي."
رد الطرف الآخر: "يسعدنا ذلك كثيرًا."
أقفل بعدها إلياس، وهب واقفًا هو ومهاب يرقصون رقصة أصحاب الأرض الحقيقية كما تعلموها على يد أبناء غزة. سدد الله رميهم.
ضحكت فاطمة وأمسكت هاتفها تصورهما وقالت: "دي المفروض يبقى اسمها شركة مجانين المستقبل."
***
كانت هاجر تجلس على فراشها ليلاً، دموعها تتسابق بعدما حسمت أمرها بالابتعاد نهائيًا عن مهاب حتى لا يصيبه من حقد والدها ما يدمر مستقبله.
تذكرت أول لقاء جمعهما وتعرفت عليه.
كانت تخرج من نادي رياضي، تبعها ثلاث شباب كانوا يقومون بمضايقتها وهي لا تأبه بهم.
كانت تتابع سيرها واضعة سماعات الأذن في أذنيها ولا تسمع ما يقولون بالمرة.
اقترب مهاب منهم وقال: "جرا إيه يا ولاد، اتخيلوها أختك يا أخي، إيه مافيش نخوة أبدًا؟"
رد أحدهم: "وأنت مال أهلك يا واد."
رد الآخر: "تكونش أختك قول ما تخافش."
رد الثالث: "حتى لو أخته هناخدهم هما الاتنين."
ضحكوا الثلاثة مما أثار غضب مهاب، لكم الثالث بقوة حتى أوقعه أرضًا وقال: "دانت عيل قليل أدب يا واد وعايز اللي يربيك."
اندفع الثلاث شباب يسددون الضربات لمهاب حتى انتبهت هاجر التي كانت قد ابتعدت كثيرًا وكانت على وشك صعود سيارتها.
هزت رأسها يمينًا ويسارًا وركضت نحوهم، أمسكت الأول من سترته من ظهره، سحبته بعيدًا وسددت له ركلة في معدته أوقعتته أرضًا.
أما الثاني فقد مارست رياضة (البوكسينج) في وجهه ومعدته بكلتا يديها.
ومهاب كان قد أمسك الثالث، أوقعه أرضًا وأخذ يسدد له الركلات المتتالية في معدته.
وما إن شعروا بخروج رجال أمن النادي الرياضي حتى صدح مهاب: "انتي يا جون سينا، الأمن جاي علينا، يلا نخلع بسرعة."
ركضوا سويًا حتى وصلوا عند شارع ضيق متفرع من شارع أساسي.
قالت بسخرية: "لما أنت مش قد الخناق بتتخانق ليه؟"
رد بتكشيرة: "والله ما عجبنيش مشهد إن أشوف بنت مكسورة الجناح تتعاكس من تلات شباب، رجولتي ما قبلتش الأمر."
ردت بتهكم: "كفي نفسك يا كابتن، مين دي اللي مكسورة الجناح أصلًا؟"
ضحك هو وقال: "قصدي كنت فاكرها مكسورة الجناح، طلعت هي اللي كسرت لهم جناحاتهم."
فتحت حقيبة الظهر خاصتها وأخرجت له محرمة: "خد امسح الدم اللي نازل من بقك."
نظر بتقزز وقال: "عايزاني أستخدم فوطتك؟ إيه القرف ده."
اتسعت عيناها بصدمة وقالت: "تصدق تستاهل، على فكرة دي نضيفة، معايا واحدة كمان بس خلاص العرض خلص."
قلد حركتها وصوتها بسخرية وقال: "العرض خلص."
ضحكت على طريقته تلك ومدت يدها له وقالت: "خد عشان خاطر شهامتك بس."
ترددت قبل أن تقول له: "وشكرًا عشان اتضربت عشاني."
رد بحنق: "ما تقوليش اتضربت، قولي شكرًا لأنك أنقذتني، ساعدتني، انتي بتبصي ليه لنص الكوباية الفاضي."
ابتسمت وقالت له بامتنان: "شكرًا لأنك ساعدتني، أنا هاجر."
ابتسم بثقة وقال: "باشمهندس مهاب فكري."
هاجر بذهول مصطنع: "اوووووه، لازم كلمة باشمهندس طبعًا، عارفة، يا بتوع هندسة كأنكم جايين من كوكب تاني."
رفع حاجبه الأيسر وقال: "دي حقيقة على فكرة يا آنسة."
قالت بتهكم: "يا أخي تبا لتواضعك."
عادت إلى الواقع، ازداد نحيبها.
فعلى الرغم من أنه لم يصرح لها حتى الآن بحبه لها، وحتى هي أيضًا لم تبدِ شيئًا له، فهي حقًا تحبه من كل قلبها وهي تعلم ذلك جيدًا.
لكن لا جدوى، فقد كُتِبَ على قصة حبهما أن تنتهي قبل أن تبدأ من الأساس.
***
كان رازي يجلس بجوار المدفأة وبجواره بلاك جان يستمع إلى المذياع.
فمنذ عزلته عن العالم وابتعاده عن حياة رجال المخابرات ومغامراتهم التي لا تنتهي، تسللهم في جوف الليل للقبض على فريستهم، أصبح يفضل الحياة الكلاسيكية الهادئة.
يروّقه سماع الراديو كثيرًا، وأكثر ما يحبه هو الإنصات لصوت محطة القرآن الكريم لأنها تذكره بوالدته التي كانت تعشقها.
جلست قدر على الأريكة المقابلة، ظلت صامتة لحظات ثم كررت كسر الملل وقالت: "كنت واخدة فكرة غلط عن الظباط، كنت فاكرة إن حياتهم كلها أكشن وديما كده عقدين حواجبهم ورسمين رقم ١١ على جبهتهم، بس مستغربة، انت مش شبههم، بتحب القراءة والموسيقى وحياتك هادية جدًا."
شرد قليلًا يفكر: (تراني هادئ الهيئة، كجبل شامخ لا يهتز لأعت الرياح، لكن لا تدركين أن ذلك الجبل يحوي بركانًا يغلي ينذر بالانفجار في أي لحظة).
ثم زفر بنزق وقال: "وأنا مستغرب، كنت فاكر الممرضات ملائكة الرحمة وهاديين، بس انتي غير، انتي المفروض تكوني مذيعة عشان مش بتبطلي رغي."
مطت شفتيها بتكشيرة وتمتمت: "أكثر شخص شوفته بيقصف جبهات تاخد جايزة نوبل في القصف."
ضيق عينيه وقد وصله ما قالت، فرد بسخرية: "وانتي تاخدي جايزة نوبل في الرغي."
ردت بتحدي: "وانت تاخدها في قوة السمع، بتسمع دبة النملة."
قطع تلك المصارعة الحرة إعلان هاتف رازي بقدوم اتصال.
رد مسرعًا حينما علم هوية الشخص، كان إلياس.
رازي: "إلياس أخبارك إيه، جاي بكرة إن شاء الله."
رد إلياس: "أنا تمام يا رازي باشا، بس عندي مفاجأة."
رازي ارتشف رشفة من فنجان قهوته وقال: "خير."
إلياس: "أخيرًا يا رازي الشركة هتقف على رجلها، وهيبقى ليها مكانة وتنافس أكبر الشركات، الشركة الإيطالية وافقت إنها تمول مشاريعنا الفترة اللي جاية."
رازي بسعادة: "مبارك، دي خطوة كويسة، ربنا يوفقكم."
هتف إلياس بتردد: "بس يا رازي إحنا لازم نعمل حفلة بالمناسبة دي، والشريك الأجنبي عايز يشوف مالك الشركة اللي هو أنت. وأنا عارف إنك مش هتقبل تيجي هنا، عشان كده قلت يعني لو توافق إننا نعمل حفلة في الفيلا عندك هيبقى حاجة كويسة من ناحية الشركاء هيتعرفوا عليك، ومن ناحية تانية نعمل الحفلة بتكاليف أقل بدل حجز قاعة وكده."
لم يرد رازي أن يزعج أخيه لذا وافق على مضض وقال: "رغم إن الفكرة مش عجباني إلا إني موافق عشانك يا إلياس."
هتف إلياس وبجواره مهاب: "يعيش رازي، يعيش رازي باشا للغلابة."
ضحك بصوت لأول مرة أمام قدر.
المفاجأة جمدتها حقًا.
يا إلهي، هو يضحك حقًا؟
كنت أعتقد أنه لم يتعلم الضحك بعد.
يبدو رائعًا حينما يضحك.
يالها من حقيرة متحجرة القلب من سلبته تلك الضحكة الرائعة.
فاقت من شرودها على صوته وهو يقول: "آنسة قدر، بلغي الست أمينة وسناء إنه فيه حفلة هنا بعد يومين عشان يستعدوا، ولو احتاجوا خدم زيادة مافيش مشكلة، بلغي الست أمينة تتصرف وتجيب ناس هي تعرفهم كويس ناس ثقة، تمام. إلياس ومهاب بكرة إن شاء الله هيكونوا هنا."
ردت قدر برسمية وقد تناست المصارعة الحرة التي كانت ناشبة بينهم منذ قليل.
قالت: "تمام يا سيد رازي."
تحركت خطوتين ثم عادت تقول بتردد: "ممكن أعرف الحفلة بخصوص إيه؟"
ابتسامة جانبية ظهرت على محياه قال: "فضولية حد اللعنة."
تزمرت واستدارت لترحل، لكنه أرضى فضولها وقال: "الحفلة بخصوص شغل إلياس، هو خد خطوة كويسة في شغله."
لو قلت كده من الأول ما كانش هيجرى حاجة والله، كان هذا ما تفوهت به بضيق.
= "قلتلك هتتعبي معايا، انهزمتي بسرعة."
ردت بتحدي: "أنا قدها على فكرة سيد رازي، وعندي نفس طويل."
= "هنشوف." هكذا رد باختصار.
***
كان إلياس وفاطمة وباقي طاقم العمل منهمكين في تحضير دعوات الحفل.
أما إلياس فقد كان يهاتف هاجر وهي لم ترد على أي من مكالماته.
أخيرًا ردت بضيق: "عايز إيه يا مهاب بترن كل ده ليه؟"
قال مهاب بسعادة: "يا كابتن صحي النوم، إحنا نجحنا يا هانم وحققنا أحلامنا، وانتي لسة تحت البطانية بتحلمي."
ردت متصنعة اللامبالاة: "أوك، عايز إيه؟"
قال بصدمة: "عايز إيه؟ يا جاحدة مافيش مبارك؟"
تجمعت الدموع في عينيها.
فكرت، مهاب لا يستحق هذا منها.
ردت رغما عنها: "مبارك يا مهاب، أنا فرحانة عشانكم أوي، ربنا يوفقكم."
شعر بحزنها وتغير نبرتها المشاكسة القوية المعتاد عليها.
قال: "مالك يا هاجر؟ انتي متخانقة مع أبوكي؟ ربنا يهديه يا شيخة."
هبطت دموعها وقالت: "أنا هقفل يا مهاب، عايزة أنام."
صدح بصوت مرتفع: "بت استني، لازم تيجي الحفلة، هابعتلك دعوة وهبعتلك اللوكيشن كمان."
لم تستطع الرفض.
فكرت، لم أكسر قلبه في أكثر يوم كان ينتظره بفارغ الصبر.
سأذهب، وليكن هذا هو آخر لقاء معه، وسأتزوج من ابن الوزير، هكذا سأقنع والدي.
تعجب من صمتها وقال: "يا أخي تبا للنوم يا بومة، بقولك نجحت يا بت، زغرتي افرحي حتى، حسبي الله."
لم تستطع كبح دموعها أكثر من ذلك لذا أقفلت الخط حتى لا يشعر بأي شيء.
قال إلياس وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة ماكرة: "فاطمة اكتبي على الدعوة دي ممدوح الصاوي، لازم يعرف إننا هننجح رغم كيد الحاقدين."
رواية ندبات قدر الفصل الرابع عشر 14 - بقلم الشيماء مسعد
المواجهة حتمية وحرب العيون ستشتعل. ويبقى سؤال يراود الجميع: من سينتصر بالنهاية؟
العيون الأقوى أم العيون الأصدق؟ أم هناك عيون أخرى ستحسم النتيجة لصالحها؟
كان الجميع في شركة شباب المستقبل يرفعون حالة الاستعداد القصوى حتى تخرج الحفلة كما خطط لها.
قال إلياس وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة ماكرة:
فاطمة، اكتبي على الدعوة دي ممدوح الصاوي. لازم يعرف إننا هننجح رغم كيد الحاقدين.
ابتسمت هي وقالت ببلاهة:
طول عمرك كياد يا باشمهندس.
رفع حاجبه باستنكار وقال:
انتي خليتي فيها باشمهندس بعد كياد دي؟
كان مهاب شاردًا، لم يعلق على أياً منهما. أشار إلياس أمام وجهه وقال:
مالك يا ابني على غير عادتك؟ انت ضد الفرحة يلا، بومة في نفسك أوي.
تنهد مهاب بحزن وقال:
هاجر مش طبيعية. شكلها واقعة في مشكلة أو حاجة كده.
عقد إلياس حاجبيه وقال:
مش قلت إنكم اتصالحتم؟ أنت زعلتها تاني؟
لوت فاطمة فمها وهمست بصوت وصل لأذن إلياس:
يا حنين.
رمقها بدهشة وقال:
بتقولي حاجة يا فاطمة؟
عادت لرشدها وقالت:
لا يا باشمهندس، أنا فتحت بقى.
ضيق عينيه وقال:
بقتي بتهرتلي كتير في الكلام يا فاطمة.
مطت شفتيها وقالت ببرأة:
أنا اتكلمت يا ناس. هو بس مهاب صعبان عليا، من بين بنات مصر كلها ما اخترش إلا بنت ممدوح الصاوي.
زفر مهاب بضيق وقال:
أنا خايف يكون قالها تبعد عني. المشكلة إني كنت مخطط إني أتقدم لها لما الشركة بتاعتنا تقف على رجليها.
رد إلياس:
طب ما تكلمها يا ابني بدل الحيرة اللي انت فيها دي. افهم منها أصل المشكلة.
قالت فاطمة بحماس:
واعزمها بالله عليك يا مهاب عشان أبوها ما يقدرش يبوظ لنا الحفلة.
رد إلياس بدبلوماسية:
ما يقدرش يبوظها. وضعه الاجتماعي ما يسمحلوش يلعب على المكشوف. هو يضرب في الضهر ماشي، لكن عيني عينك كده لا.
استقام مهاب واقفاً وقال:
أنا هاكلمها تاني وأعرف الحكاية كلها.
إلياس:
طب بسرعة عشان نلحق نسافر نرتب القصر. أكيد عايز شغل جامد.
وجه كلامه لفاطمة:
وانتي يا فاطمة هتقدري تيجي معانا ولا هتيجي على ميعاد الحفلة؟
ردت فاطمة بحيرة وقالت:
بصراحة ماعرفش بابا هيوافق إني أروح معاكم ولا لا. انت عارفه.
هز إلياس رأسه بتفهم وقال:
تمام. ويا ستي لو خايف عليكي خليه يجي معانا. واعتبريها رحلة مدفوعة التكاليف لمنطقة ريفية فائقة الروعة.
هتفت بسعادة:
احلف؟
رفع حاجبه باستنكار من أفعال تلك المجنونة وقال:
واحلف ليه؟ أنا عمري كذبت عليكي.
هزت رأسها بـ "لا" وقد كان قلبها يتراقص بين ضلوعها وطبول الفرح تدق بداخله. كم تمنت أن ترى المنزل الذي ترعرع فيه ذلك الوسيم بخيل المشاعر.. سارق قلبها.
***
صدح ممدوح باعتراض:
قلت لا يعني لا. هتروحي تعملي إيه في حفلة زي دي؟
أبعدت دموعها وهي تقول:
مش عايزاه يزعل في الحفلة المميزة بالنسبة له. أنا عارفة قد إيه هو فرحان. يمكن الكلام ده مش مهم عندك، بس عشان خاطري لو كان ليا عندك خاطر يا بابا وافق إني أروح الحفلة. وبعدها أوعدك إني مش هاشوف مهاب تاني.
أمسك يديها وقبلهما بحنان وقال:
خاطرك كبير عندي أوي يا هاجر. أنا بس خايف إياد وأبوه يزعلوا.
صمت قليلاً ثم لاحت إليه فكرة فقال:
بصي، أنا وصلتني دعوة من العيال دي. وماكنتش ناوي أروح، بس عشان تعرفي إن خاطرك كبير عندي أنا هاروح وهاخدك معايا. كده مش هيكون فيها أي شك.
رفعت وجهها تطالعه وهي تفكر: هل تحبني أم تحب مصالحك؟ ماذا عليا أن أفعل؟ تعاملني بلطف جم وفجأة تلقي بي في قاع قسوتك. هل أنت الطيب أم الشرير؟ الحنون أم القاسي؟ أسئلة لا أجد لها أي إجابات..
قالت بعد عدة لحظات من الصمت:
شكراً يا بابا.
تنهد بارتياح وقبل جبهتها وقال:
مافيش شكر بين الأب وابنته حبيبته.
تركها تغوص في دوامة أحزانها وغادر إلى عمله يلعن مهاب ذلك الوغد الذي تقرب من ابنته وأسر قلبها بطريقته البهلوانية تلك. ذلك الحقير جعلني أنا، ممدوح الصاوي، أتنازل وأحضر حفلاً حقيراً كهذا. انتظر أيها الوغد أنت وصديقك، فما خفي كان أخطر وأخطر.
***
كانت فاطمة تركض خلف والدها كخياله:
بالله عليك يا عبد الناصر، ايدك أبوسها. حسنة قليلة تمنع بلاوي كتيرة. وافق وحياة بنتك فاطمة.
كان يكتم ضحكاته وهو يقول:
يا بنتي عيب. نروح بيت ناس لا إحنا نعرفهم ولا هم يعرفونا. الناس يقولوا عليكي إيه؟ بت إنتي؟ إنتي كرامتك دي لاقيتها على الرصيف من أبو الأربعة بخمسة جنيه؟
كشرت وقالت بحنق:
هو فيه حاجة دلوقتي بخمسة جنيه؟ أنا كرامتي لقيتها على باب جامع. يلا بقى وافق.
عبد الناصر:
سيبيني أفكر.
قالها بتسلية واضعاً قدم فوق الأخرى.
فاطمة:
يالهوي! مافيش وقت يا عبد الناصر.
اتسعت عيناه قال:
بت! عيب تصرخي كده.
مطت شفتيها ونظرت له كقطة بريئة تقول:
ورحمة أمي وافق.
تبدلت ملامحه للضيق وقال:
أنا هوافق بس عشان دا شغلك وأخيراً بدأت الشركة تشوف النور مش أكتر.
تهللت أساريرها وأطلقت زغرودة مما جعل عبد الناصر يهب واقفاً يكتم فمها بيده ويقول:
آه يا مجنونة يا بنت المجانين.
تمتمت بما لم يفهمه. أبعد يده عنها وقال:
بتقولي إيه يا آخرة صبري؟
ركضت بعيداً عنه وهي تقول:
ايدك على أربع خمس آلاف جنيه أجيب فستان والذي منه.
اتسعت عيناه وقال:
خمس آلاف جنيه يا بت المفترية؟
هتفت من داخل المرحاض:
أومال! أنا لحد ما أتجوّز هخليك تبيع هدومك يا عبد الناصر.
ضحك على تلك المشاكسة وقال:
أمري لله.
***
بعد عدة ساعات بالسيارة، وصل إلياس ومهاب وفاطمة ووالدها إلى القصر.
كان رازي كعادته ينتظر في شرفة منزله قلقاً على شقيقه. ينظر في ساعته من ماركة رولكس كل خمس دقائق. لم يهدأ حتى سمع صوت السيارة. هبط لاستقبالهم.
انكمشت تقاسيمه حينما رأى فاطمة ووالدها. "تباً لك يا إلياس الأحمق. أنا لا أحب الغرباء". كان هذا ما فكر به. اقترب من إلياس صافحه وهمس له بغضب:
إنت كل مرة هتدخل عليا بواحدة كده؟
حمحم إلياس وقال بنفس الهمس:
أبوس إيدك يا رازي، دول جايين عشان الحفلة. ودي فاطمة اللي كلمتك عنها فاكر.
عقد حاجبيه ونظر لها ليقيمها. أقبلت هي بضيق وقد تذكرت أنها رأت قدر مع إلياس ذات مرة في السوق. وقالت بحنق:
الآنسة تقرب لكم إيه؟
تبادلا النظرات. حاول رازي أن يخفي ابتسامته وحاول إلياس أن يخفي قلقه من تلك المعتوهة التي لا تستطيع إخفاء مشاعرها.
رد رازي بسرعة:
دي الآنسة قدر، الممرضة الخاصة بيا.
ردت فاطمة ومازالت الغيرة تتملك منها:
ممرضة بس ولا حاجة تاني يا إلياس؟
تدخل عبد الناصر مسرعاً لإصلاح ما أفسدته ابنته الخرقاء. وقال وهو يرمقها معاتباً:
فاطمة شكلها تعبانة شوية من الطريق. فرصة سعيدة يا رازي بيه.
صافحه رازي وقال بجمود:
شكراً. خدوا راحتكم.
وجه كلامه لقدر وقال:
قدر، قولي لسناء تجهز لهم الغرف.
أنهى كلامه واتجه للخارج. بينما رحب إلياس بهما بحرارة:
اتفضلوا البيت بيتكم يا أستاذ عبد الناصر.
اتجه إلياس ناحية قدر وأعطى لها بعض الأكياس. وقال بابتسامة حانية:
قدر، خدي دول عشانك.
قالت بدهشة:
إيه دول؟
فتحت أحدهم وجدت ثياباً لها وآخر به هاتف جوال. نظرت له بامتنان حقيقي وقالت:
شكراً يا إلياس. انت بجد أحن أخ في الدنيا كلها.
حك إلياس خلف رأسه بخجل وقال:
يارب يعجبوكي. والموبايل كمان فيه خط عشان تقدري تكلميني أنا ومهاب في أي وقت. تمام؟
هزت رأسها بامتنان وقالت:
ربنا ما يحرمني منكم.
كانت فاطمة شاردة. فلولا تلك الكلمة الأخيرة (أخ) لكانت سحبت قدر من خصلاتها مقتلعة إياهم في يدها. ضيقت عينيها وفكرت: أخ؟ وإيه الاهتمام ده كله ببحتة ممرضة؟
كان إلياس يراقب أفعال تلك المندفعة. ابتسم بداخله. كان يريد أن يتأكد من شيء ما والآن هو شبه متأكد. أنها تكن له مشاعر كما التي بداخله.
قال إلياس:
قدر، خدي فاطمة والأستاذ عبد الناصر على غرفتهم. وأنا ومهاب هنشوف رازي عشان ترتيبات الحفلة.
كان مهاب شاردًا يفكر هل ستأتي هاجر أم سيمنعها ذلك المستبد ممدوح.
أشار إليه إلياس وقال:
مالك يا ابني؟ لسة ما ظبطش أمورك مع هاجر؟
زفر بضيق وقال:
أنا لو عليا أتقدم حالا. بس حظي بقى إن صباعي تحت ضرس ممدوح زفت الصاوي.
ابتسم إلياس على ذكر الاسم وقال:
تفتكر هيجي؟
رد مهاب بحزن:
تفتكر هاجر هتيجي؟ يهمني أوي تكون موجودة النهاردة.
ربت إلياس على كفه وقال:
حتى لو ماجاتش أنا متأكد إنها هتكون فرحانة أكتر منك لنجاحك.
خرجا هما الاثنان بحثاً عن رازي. وحينما وجدوه كان شارداً يفكر كيف سيواجه الناس وهل سيستطيع التفاعل معهم أم سيرحل بعيداً ويضرب بكل تلك الحفلة اللعينة عرض الحائط.
قاطعه صوت إلياس:
باشا مصر كلها، اللي واخد عقلك.
ابتسم رازي بسخرية ولم يعلق.
قال إلياس بحماس:
رازي، إيه رأيك في فاطمة؟
رد بتريث:
مندفعة، وكثيرة الحركة. بس نقية من جوه. ويمكن أنا غلطان في كل ده.
تبادل إلياس ومهاب النظرات. أردف مهاب:
ياباشا محدش بيعرف يحلل الناس قدك. ودا برضو نفس رأيي من خلال شغل سنتين معاها.
حدجهما إلياس بنظرات ضيق وقال:
يا أستاذ محلل انت وهو، أنا عايز أطلب إيد البت. إيه المندفعة ومتهورة؟ هو أنا هحلل أبعاد شخصيتها؟
رفع رازي كتفيه وقال:
المهم رأيك انت. أنت شايفها إزاي؟ رأينا مش مهم.
أكد مهاب قول رازي وقال:
الباشا بيقول الصح.
وكزه إلياس بخفة في كتفه وقال:
إنت يلا الباشا دافعلك فلوس عشان كل حاجة يقولها تصدق عليها؟
ضحكوا ثلاثتهم.
أما بالداخل، فقد كانت قدر بمثابة الماثلة أمام أكبر محكمة في التاريخ. فاطمة لم تكف عن الاستفسار عن كل كبيرة أو صغيرة في الموضوع. حكت لها قدر كل شيء عن حياتها. لم تكذب في أي كلمة. الآن أصبح لدى فاطمة تفسير منطقي لتواجد قدر مع إلياس يوم أن رأتهما في السوق يشترون الثياب.
أتمت قدر كلامها:
بجد إلياس ومهاب والسيد رازي أكتر ناس محترمة قابلتها. ولما أقول كده لازم تصدقي لأني شفت كتير في حياتي. تقريباً شفت كل أنواع الرجالة. ما عدا النوع ده. يمكن عشان النوع ده مش بيروح أماكن زي اللي أنا كنت عايشة فيها..
وما أن أنهت كلامها حتى اندفعت فاطمة تحتضن قدر بفرحة مما جعل قدر تبتسم بتعجب من فعلتها.
هتفت فاطمة:
أنا مبسوطة أوي.
عقدت قدر حاجبيها وحاولت التملص منها وقالت:
فرحانة؟! أنا كل اللي أحكي له حكايتي يعيط إلا انتي.
تنهدت بسعادة. وبعدها ربتت على كف قدر وقالت:
أنا فعلاً متأثرة والله بكلامك. بس بصراحة...
عضت شفتها السفلى وقالت:
كنت فاكراكِ حبيبة إلياس.
ابتسمت قدر بتسلية وقالت:
اممم، يبقى كده. يعني إلياس هو الكراش صح؟
هزت فاطمة رأسها بخجل بمعنى نعم. ثم هبت مندفعة وقالت:
تعالى بقى أوريكي عبد الناصر اشترالي إيه للحفلة. دانا طلعت عينه حرفياً. وبالمرة توريني إلياس جابلك إيه.
ابتسمت وهزت رأسها يميناً ويساراً من أفعال تلك المجنونة.
***
في الصباح، كان اليوم شاقاً على الجميع. حالة من الاستعداد التام للحفلة. الكل يقف على قدم وساق ما عداه هو. لقد تناول إفطاره وذهب إلى الإسطبل. اصطحب جوكي وجوليان في نزهة خلوية هادئة بعيداً عن كل تلك الضجة والأجواء الصاخبة.
بحثت قدر عنه لم تجده في أي مكان حتى تسللت للجناح الغربي خلسة كالمعتاد. ترى أين ذهب؟ رباه! هل هو طفل صغير حتى أقلق عليه هكذا؟ ثم إنني غريبة الأطوار، لما أقلق من الأساس؟ ماذا يعني لي دراكولا هذا؟
عادت لتنهمك في الترتيبات مرة أخرى في محاولة منها للابتعاد عن التفكير في اختفائه المفاجئ.
حل الليل سريعاً. بدأ المدعوون في الحضور واحداً تلو الآخر. كان إلياس ومهاب ورازي يقفون عند باب الحديقة لاستقبال الحضور.
خرجت فاطمة وقدر من القصر. كانتا كأميرتين من ديزني. لم يستطع إلياس أن يشيح بنظره عن فاطمة التي لأول مرة يراها تضع مساحيق التبرج مرتدية فستاناً من اللون الأسود اللامع مناسب لعمرها غير مبالغ فيه، وحجاب نبيتي هادئ. لقد كانت مميزة حقاً.
أما عن قدر، فقد كانت سندريلا الحفل. لم ينقصها سوى أمير يأتي لاصطحابها معه في سهرة لا تُنسى. طالعها رازي بجمود قائلاً في قرارة نفسه: تبدو بريئة أكثر إن لم تضع كل تلك البهرجة الكاذبة. لقد كانت أجمل قبل أن تضع هذا التبرج اللعين على وجهها. لكن كلهن يعشقن تلك المظاهر الخادعة. يجدن لعب الأدوار جيداً. لبس الأقنعة والتحول كالحرباء.
كانت ترتدي فستاناً زهورياً مائلاً للون السماء الصافية وحجاب أبيض ناصع. لقد كانت جميلة حقاً.
اقترب إلياس من فاطمة وهمس:
الصلاة على النبي.
رمقته بنظرة أجادت فيها تمثيل الضيق ولكن قلبها يقفز من الفرحة وقالت:
بتعاكس حضرتك؟
رفع كفيه ببرأة وقال:
دانا بقول الصلاة على النبي.
تظاهر بالجهل وقال:
حضرتك كان فيه باشمهندسة مبتدئة كده أوزعة في نفسها اسمها فاطمة، ما تكعبلتيش فيها وانتي نازلة؟
اتسعت عيناها وقالت:
أوزعة؟ أنا أوزعة يا طويل التيلة؟
ضحك هو ونظر إلى قدر التي كانت تتابعهم بابتسامة وقال:
هو انهاردة ليلة ١٤ ولا إيه؟ أصل فيه قمر مكتمل في ليلة التمام قدامي.
ابتسمت بخجل وقالت:
شكراً يا إلياس.
قالت فاطمة بغيظ:
حضرتك بتوزع حنية على الكل انهاردة ولا إيه؟ ولا شغلك مطيباتي الحفلة؟
ضحك على كلامها فهو يتعمد إثارة غيظها ليرى قطة شرسة أمامه.
تحركوا ثلاثتهم ناحية الحفل. وأخيراً وصل الوفد الإيطالي الحفل. صافحهم إلياس بحرارة ورحب بهم رازي ومهاب وجلسوا في ركن هادئ بعيداً عن الصخب.
مر وقت. كان مهاب موجهاً ناظره تجاه باب الحديقة يتساءل هل ستأتي أم لا. من الواضح أنها لن تأتي.
وفجأة خابت ظنونه. ظهرت متأبطة ذراع والدها. اتسعت ابتسامة مهاب ما إن وقع ناظره عليها. لفت هي نظرها عليه.
همس هو بعدم تصديق:
الكابتن لابسة فستان؟
هب واقفاً فتلك هي المرة الأولى التي يراها ترتدي فستاناً.
اقترب منهما صافح والدها بترحيب قائلاً بتملق:
شرف كبير لينا يا باشا إنك شرفت الحفلة.
مال على أذن هاجر هامساً:
الفستان قمر أوي عليكِ.
سحبها ممدوح بضيق وحدجه بنظرة قاتلة مغزاها: ابتعد عنها.
تركت هاجر يد والدها هامسة:
بابا أنا مش صغيرة عشان تكلبش في إيدي كده. ممكن تسيبني آخد راحتي؟
تصنع الابتسامة وهو يشاور لأحد الشخصيات المهمة وقال من بين أسنانه:
بشرط تقعدي عاقلة ومش عايز مشاكل.
أجابت على مضض:
موافقة.
تركها تتفتل هنا وهناك. كانت تهرب من ملاحقة مهاب لها.
أما عن إلياس، ما إن رأى ممدوح حتى استأذن من الشركاء وذهب إليه وقال:
فرصة سعيدة ممدوح باشا.
رد ممدوح بتكبر:
مبروك الصفقة.
ابتسم إلياس وقال:
الله يبارك فيك. الحمد لله إن فيه ناس فهمت إنها مهما كانت جبروت، في الأقوى منها في ربنا اللي بيقسم الأرزاق.
رد ممدوح:
معلش أصل الإنسان لما بيشبع بيحب يرمي الفتات بتاعه للمحتاجين.
كان متوقعاً من إلياس أن يثور عليه فيغضب ويأخذ ابنته ويرحل. ولكن رد إلياس أفسد مخططه:
هي دي سنة الحياة يا ممدوح بيه. الغني لازم يساعد الفقير والقوي يساعد الضعيف. ولا إيه؟
تصنع ابتسامة صفراء وقال:
أسيبك تستمتع بالحفلة.
أخيراً مهاب استطاع أن يمسك بهاجر. كانت تتوارى خلف القصر.
جاء مهاب من خلف شجرة وقال:
بتهربي مني ليه يا كابتن هاجر؟
شهقت بفزع وقالت:
مهاب! أنا عملت المستحيل عشان أبقى هنا انهاردة مقابل كده وعدت بابا إني مش هاكلمك. خلي الليلة تعدي على خير. أنا لحد دلوقتي مش مصدقة إنه وافق يخليني آجي.
هز رأسه بحزن ثم أردف بغيظ:
إن شاء الله تعدموه البعيد.
تركها ومشى خطوات سريعة. كان حقاً يغلي بداخله. ود لو أمسك والدها أطاح به من مبنى شاهق الارتفاع.
كانت مصدومة من كلامه هذا لكنها حزينة على مهاب. ماذا سيفعل حينما يعلم أنها ستكون لغيره؟
في الحفلة، تحرك ممدوح بغرور وسط الحضور. كان بداخله بركان ثائر يفكر: من هؤلاء ليحضر حفلهم الوضيع هذا؟
وفجأة وجه ناظره ناحية اليمين ليتجمد مكانه حينما رآها. أجل هي. يا الله! كيف ترتدي ثياباً غالية كهذه؟ هل أصبحت بائعة هوى يشتري لها هذا الهدايا وذلك الثياب؟ أقسم لو سلمت نفسها لأحدهم سأفتك بها وبه. إنها لي وحدي. خلقت لتكون ملكي أنا. إنها فتاة ممدوح الصاوي. لن يمنعني عنها أحد بعد اليوم. سآخذها عنوة.
نسي الجمع الهائل من حوله. خيل له أنها الآن في صحراء وحدها ضائعة منه وقد وجدها أخيراً.
صدح بصوت جعل معظم الحضور ينتبه:
قدر!
رعشة مقيتة سرت بكامل جسدها حينما سمعت ذلك الصوت الذي لطالما كان الأكثر مقتاً بالنسبة لها.
لفت وجهها ببطء ناحية مصدر الصوت. وقعت الكأس من يدها.
صمت تام احتل كيانها. تجمدت مكانها. وهو الآخر لم يتحرك انشاً واحداً. كانت الحرب قائمة فقط على النظرات. مرت دقيقة كاملة. كانت نظراته تشتعل تملكاً لها وبأنها له. ونظراتها تشتعل تحدياً له وبأنه لو آخر رجل في العالم فلن تكون له.
انتبه هو للساحة التي يقف فيها وذلك الحشد من حوله الذي بدأ الانتباه لهما. اقترب منها قبض على يدها وحاول جرها خلفه للخارج. انتبه رازي. ضيق عينيه وهب واقفاً. تحرك بحذر حتى لا ينتبه أحد. كان رازي يفكر: هل هناك علاقة تربطها بهذا الرجل؟ هل أرسلها لخطب ما؟ أقسم لو كانت تابعة له لن أتردد لحظة في سحب سلاحي وتفريغه في أم رأسها ورأسه.
تسلل رازي خلفهم بهدوء حتى لا يلاحظه أحد. اختبأ خلف سيارة أحد الحضور. كان قريباً جداً منهما.
مازال ممدوح يقبض على معصمها بقوة. الغضب ينهشه كحيوان مفترس بلا رحمة. صدح:
كده برضه يا قدري؟ تسيبني أنا ممدوح باشا الصاوي اللي أي بنت رهن إشارة مني وتجري ورا عقلك الصغير. قوليلي بقى مين ضحك عليكي ولبسك الحاجات الحلوة دي؟ ها؟
ضغط أكثر على يدها فأطلقت صرخة وهي تنتحب.
وتابع هو:
انطقي! بعتي نفسك لمين؟ وأنا المغفل اللي كنت مانع نفسي عنك وعايزك تبقي ليا بالمحبة. كنت غبي.
قال كلمته الأخيرة بقهر بصوت تردد صداه في الخلاء الذي يقفان فيه.
صرخت هي محاولة التملص منه وهي تقول من وسط بكائها:
اخرس! أنا مش حقيرة زيك. أنا طول عمري نضيفة. انت عشان زبالة فاكر الناس كلها زيك؟
رد هو بتحدي وقال:
انتي بتاعتي أنا. إنتي ملك ممدوح الصاوي. فاهمة؟ بإرادتك أو غصب عنك هتكوني ليا. مهو مش معقول كل ليلة أدخل أشوفك وانتي نايمة وأطمن عليكي بكل حب وفي الآخر تهربي مني. مانا كنت قادر آخدك معايا في أي شقة وأكسرك وتبقي زي جارية عندي وتحت أمري. بس مع الأسف كنت عايز أعمل منك ملكة. طلعتي ما ينفعش تكوني إلا جارية.
كور رازي يده بغضب من سماع كلام ذلك الوغد. ود لو لكمه في صف أسنانه أو أوقعه أرضاً. أو اقتلع لسانه هذا حتى يصمت.
كانت ترتعد كلياً. نطقت من وسط شهقاتها:
أنا أشرف منك ومن عشر زيك. اللي زيك فاكر إنه يقدر يشتري أي حاجة أو أي حد بالفلوس. لكن أحب أقولك انت مريض ومجنون.
حاول سحبها عنوة وهو يحاول إيصالها إلى السيارة خاصته. تعالت صراختها تستنجد: راااازي! إلياس!
وهنا فكر رازي ثم تصرف سريعاً. صدح بصوت جوهري:
قدر!
تجمد الصاوي مكانه. ترك يدها سريعاً. وصل رازي عندهم وقال ما جمد قدر كلياً. كانت نبرته حنونة جداً مختلطة بقلقه المصطنع عليها.
قال:
كنتي فين يا حبيبتي؟ أنا قلبت الحفلة عليكي.
لقد أجاد لعب الدور جيداً. فمن يستطيع أن يجيد لعب الأدوار مثله.
احتدمت أعين ممدوح غضباً قال:
حبيبتك؟
تظاهر رازي بالمفاجأة وقال:
متهيألي أعرفك. انت ممدوح الصاوي مش كده؟ إيه موقفك مع المدام؟ إنتوا تعرفوا بعض؟
همس ممدوح بصدمة:
المدام؟
أما عنها، وكأنها أصبحت جماداً من أثر المفاجأة من كلماته.
فهناك كلمة ترفعك لتحلق في السماء وكلمة تهوي بك إلى سابع أرض.
ودمتم بخير.
رواية ندبات قدر الفصل الخامس عشر 15 - بقلم الشيماء مسعد
تظاهر رازي بالمفاجأة وقال:
متهيألي أعرفك، انت ممدوح الصاوي مش كده؟ إيه موقفك مع المدام؟ انتوا تعرفوا بعض؟
همس ممدوح بصدمة:
المدام؟!
أما عنها، وكأنها أصبحت جمادًا من أثر المفاجأة من كلماته، لم تبدِ أي تعبير.
حدجها رازي بنظرة غاضبة يحثها على مجاراته وقال:
قدر، انتي تعرفيه؟
هزت رأسها بنعم وقالت:
هو دا اللي هربت منه.
رد ممدوح بغضب يحرق الأخضر واليابس وقال:
قولي كل حاجة، قولي إني جوزك اللي هربتي منه ليلة فرحنا.
صرخت هي:
كدااااب!
رد رازي متصنعًا الصدمة:
جوزها؟! وأومال أنا أبقى إيه؟
رد ممدوح بما أشعل الغضب في قلب رازي وقال:
هنشوف مراتك فعلًا، ولا عايشة معاك بالحب.
اشتعل رازي غضبًا، ركل سيارة ممدوح بقدمه، اقترب منه وقال بتهديد واضح:
كلمة كمان وهانسى إنك في بيتي.
اقترب من أذنه وأكمل بهمس:
وهارزيك.
اقترب منه ممدوح وهمس بتهديد أقوى:
لو طلعت مش مراتك هاخدها لو وصلت للقتل.
همس له رازي:
اختفي قبل ما أخفيك من على وش الدنيا.
صدح ممدوح:
طول عمرك غبية، بتفضلي المشلول دا عليا.
لقد وضع الملح على جرح رازي، فعجزه هذا أكثر ما يحزنه ويزعجه، لكنه ظل محتفظًا بآخر ذرة ثبات فيه ورد ببرود أعصاب شديد أحرق ممدوح كلفافة تبغ.
قال رازي:
تخيل بقى كم الإهانة لما تفضَّلي واحد مشلول عليكي. يااااه، صعبة أوي، أنا محرجلك والله.
ثارت ثورة ممدوح من كم البرود الذي يتحلى به هذا الشخص وقال بنزق:
دانت بارد.
ردت هي بما فاجأ رازي:
اخرس، رازي أرجل من مية واحد زيك.
طالعها رازي بدهشة، كانت هناك بوادر ابتسامة ظهرت على ثغره دون إرادته.
تابع تقمصه للدور قائلًا:
يلا يا حبيبتي وبلاش تتعصبي كده، إحنا مستنيين نونو.
رمقته بدهشة وجاهدت في كبح ضحكتها على هيئته، فلأول مرة تراه هكذا حنونًا، لينًا، مشاكسًا.
صرخ ممدوح بجنون:
انتي ملكي أنا يا قدر، وحتى لو متجوزة برضه مسيرك ليا بإرداتك أو غصب عنك.
استدار رازي ومعه قدر للعودة للحفل، لوح بيده وصدح دون أن يستدير لممدوح:
الله يسهلك.
ضيق ممدوح عينيه بتوعد وقال:
ماشي يا قدر، اللي ما جبتلك المشلول دا جثة قدامك.
عاد ممدوح للحفل، نظر صوب قدر وجدها تجلس على طاولة رازي، تجنبت النظر إليه. بحث عن ابنته واصطحبها وغادرا سريعًا.
بعد أن انتهى الحفل وغادر آخر فرد فيه، هم الأن يجلسون في الرواق. رازي وبجواره إلياس، ومهاب بجوار عبد الناصر، وفاطمة محتضنة قدر، وقد قص عليهم رازي ما حدث بالتفصيل منذ رؤيته لممدوح يسحب قدر خلفه إلى أن قص عليهم حكاية قدر كلها.
وضع إلياس رأسه بين يديه، صدح مهاب بحنق:
أنا لو حد تاففلي في حياتي مش هيحصل معايا كده. يعني البت إللي أحبها أبوها، وقفلنا زي الشوكة في شغلنا وقلنا ماشي، الأرزاق بيد الله. لكن كمان قدر تطلع الكراش بتاعه؟ كده بقى.
كانت قدر تستمع لهم يحددون مصيرها دون أن تتفوه. كل ما يشغل تفكيرها الآن هو خوفها من أن تُحرم من تلك العائلة الرائعة. حتى قسوة رازي أصبحت محببة لها الآن، كل ما تخشاه خوفها بأن تعود لحياتها السابقة المقيتة.
وضع رازي قدمًا فوق أخرى وقال بهدوء:
أنا شايف إن الحل الوحيد إني أكتب على قدر عشان نضمن إنه محدش يقدر ياخدها من هنا. ممدوح دا شكله مش سهل وممكن يعمل أي حاجة، والحالة الوحيدة اللي ماحدش يقدر يطول قدر فيها إنها تكون قاعدة مع جوزها.
هوى قلبها أرضًا أثر سماعها لتلك الكلمات. تتزوج؟ ومِن مَن؟ السيد رازي المتعجرف الغامض... الوسيم؟ لا، هذا فوق استيعابها.
أيد عبد الناصر كلام رازي قائلًا بحزن أثر تذكره زوجته التي تركته وابنته وذهبت تركض خلف ذلك الوغد، قائلًا:
رازي بيه عنده حق، دا الحل الوحيد. وطالما قاله إنها مراته يبقى لازم يكمل الحكاية عشان الراجل دا أنا أعرفه عز المعرفة، ولما بيصمم على حاجة بياخدها.
وجه رازي كلامه لقدر قائلًا:
قولتي إيه؟ في النهاية القرار قرارك.
ردت وهي ما تزال في حضن فاطمة تنتحب:
أنا موافقة على أي حاجة تنقذني من الراجل المريض دا.
تنهد رازي وقال:
يبقى بكرة إن شاء الله الصبح استعدي، مش لازم نضيع وقت. أنا عارف هو ممكن يعمل إيه.
انصرف الجميع بعد ذلك كل إلى غرفته، منهم من غط في نوم عميق، ومنهم من جفاه النوم، ومنهم من ظل يفكر طيلة الليل.
في الصباح استيقظت قدر، شعرت وكأنها كانت في كابوس. هل حقًا ظهر ذلك الوغد ليؤرق عيشتي مرة أخرى؟ ذلك الحقير الذي كنت أستيقظ من نومي على وجهه المقيت بجواري.
أتت فاطمة تحثها على النهوض قائلة بتذمر:
إنتي فيه حد يوم كتب كتابه ينام كده؟ قومي كده عشان تلبسي وتتشيكي.
ابتسمت بحسرة وقالت:
دا على أساس إني بتجوز حقيقي وكده، صح؟
ردت فاطمة وهي تزاحمها في فراشها وقالت:
وماله يا أختي، لو مش حقيقي إحنا نخليه حقيقي وعن حب كمان.
ردت بإحباط:
حب؟ مع السيد رازي ما افتكرش. دا واحد قفل قلبه للأبد، أنا لو مكانه مش هأمن لأي ست.
عقدت فاطمة حاجبيها قائلة:
ليه بقى؟
أدركت قدر أن فاطمة لا تعلم شيئًا عن حادثة رازي، فقررت تغيير الحوار قائلة:
المهم يلا بقى نجهز عشان رازي ما يعملش مننا كفتة.
ردت فاطمة بحماس طفولي:
يلا يلا، أنا مبسوطة أوي. عندنا عروسة، عندنا عروسة.
ضحكت قدر على تلك المجنونة.
بعد مرور الكثير من الوقت حضر الشيخ المأذون وأتم مراسم الزواج في هدوء تام، معلنًا رازي وقدر زوجًا وزوجة.
احتضنت فاطمة قدر قائلة:
مبارك يا قلبي.
خجلت كثيرًا وهي تعلم أن هذا الزواج ما هو إلا لعبة.
ربت إلياس على كف رازي قائلًا:
طول عمرك كنت السوبر هيرو بالنسبة لي، بس انهاردة اكتشفت إنك مش بس سوبر هيرو، إنت أنبل راجل يا رازي. شكرًا بجد على كل اللي عملته عشان قدر.
حك خلف رأسه بحرج وقال بمزاح:
مانا بهت عليك شوية من النبل دا، صح؟ أصل أنا كملت اللي إنت بدأته لما رفضت تسيبها في الشارع، ودي كانت حركة فعلًا ما تطلعش إلا من أخويا أنا.
اقتربت أمنية احتضنت قدر وهمست لها:
مش هقولك مبارك دلوقتي، هأقولها لما بشطارتك تخلي الجواز دا حقيقي. ساعتها بس هأقدر أهنيكي. ربنا يكتب لك الخير يا بنتي.
شردت تفكر. كلهم يطلبون مني المستحيل. وهل من تحطم قلبه أشلاء يستطيع أن يحب مرة أخرى؟ إذن هم يطلبون شيئًا يعرفون أن نيله من سابع المستحيلات. فلما يحملونني فوق طاقتي.
استقام رازي واقفًا، سحب قدر من يدها تحت أنظار الجميع المندهشة، مشى بها تجاه الجناح الغربي. توجس إلياس: ترى ماذا سيفعل ذلك الغامض؟ هذا أخي لكني لا أفهمه أبدًا.
كانت على وشك أن تفقد وعيها من الخوف. ترى ماذا سيفعل بي؟ هل ندم على الزواج مني وسينهي هذا الزواج بأن يفرغ أحد أسلحته المحببة لقلبه في قلبي أو يفتك برأسي؟
لم تكف عن التفكير حتى وصلا إلى تلك الغرفة المخيفة. ترك يدها وقال بهدوء:
اقعدي.
جلست على مضض وكانت ترتعد من الداخل وكأن قلبها سيقفز خارجًا يتوسل له بأن يتركها ترحل.
قال رازي بنبرة هادئة:
إنتي فاهمة طبعًا إن الجواز دا على ورق، يعني الوضع هيفضل زي ما هو في البيت.
هزت رأسها بنعم.
تابع هو:
بس لازم تفهمي إن الجاي ممكن يكون صعب. قبل ما ممدوح يعرف مكانك كنتي بأمان، لكن دلوقتي توقعي ممكن يعمل أي حاجة عشان يحصل عليكي.
هوى قلبها أرضًا وقالت:
عارفة.
تابع هو:
بس تأكدي إن رازي عمران الرازي مستعد يحمي اللي يخصه لو على رقبته. كونك إنك مرات رازي دا كفيل يحسسك بالأمان.
لم تستطع أن ترد، فقد شردت تفكر. تبا له، كم هو مغرور، واثق... وسيم حين يتحدث. ماذا أقول واللعنة؟
أشار أمام عينيها وقال:
تمام، مستعدة للحرب اللي ممكن تواجهيها.
هزت رأسها وقالت بحماس ممتزج بقلق:
مستعدة.
ابتسم هو ومد لها يده يحثها على الإمساك بها، وبالفعل استجابت له وأمسكت يده وعادا للرواق. كان الجميع يترقب، لكن ابتسامة قدر وهي ممسكة بيد رازي بعثت الطمأنينة في قلوبهم.
ترك رازي يدها وجلس بجوار إلياس. همس له إلياس:
رازي، أنا بقول أفتح الأستاذ عبد الناصر في حوار خطوبتي على فاطمة.
منعه رازي قائلًا:
لا، مش دلوقتي.
همس إلياس:
ليه؟
رد رازي بنفس همسه:
عيب لما تطلب إيد البنت في بيتك. أبوها هيحس إنها إهانة ليه. لازم تطلبها بطريقة تليق بيها في بيتهم.
قطع كلامه دقات عالية على باب القصر. أسرعت سناء تفتح الباب، وما إن فتحت حتى صدح صوت مألوف بالنسبة لقدر.
_ يا لهوي الحقونا يا حكومة، الناس دول خاطفين البت ومقعدينها معاهم بالاجبار. شرفي يا ناس، كرامتي يا عالم، شكلي قدام الخلق يا هوو.
وقف الجميع واتجهوا ناحية تلك السيدة التي تولول.
همست قدر بصدمة:
دلال.
تشبثت بثياب رازي الذي سمعها وتأكدت ظنونه، فقد كان يتوقع أن تلك السيدة ستأتي. اقترب من الضابط وقال:
خير.
أسرعت دلال تحتضن قدر بحركة درامية برعت في تمثيل دور الأم المتلهفة، كانت تتفحص قدر وهي تقول بلهفة مصطنعة:
عملولك إيه يا حبيبة مرات أبوكي؟ عذبوكي؟ ضربوكي؟ أذوكي؟ ردي عليا طمنيني.
حاولت قدر التملص منها وهي تقول:
ابعدي عني، أنا محدش أذاني غيرك.
قال مهاب رافعًا حاجبه الأيسر:
تمثيل بشلن، أقسم بالله.
قال الضابط برسمية:
فيه بلاغ مقدم من الست دلال بتتهمكم بخطف بنت زوجها وإجبارها على العيشة معاكم بالتهديد.
زفر رازي بنزق وقال:
مش هأرد، المخطوفة هي اللي هترد.
اتجه ناحية قدر، أمسك يدها، سحبها من حضن دلال، حاوطها بذراعه وقال:
قدر مراتي.
نظر إليها وبرع في تمثيل العشق وقال بحنان وبراءة:
أنا بأغصبك تعيشي معايا يا قدر؟
تاهت للحظة تفكر. هل هو من يتكلم الآن؟ أمهلني برهة أستوعب ما قلت. تبدو حنونًا حد اللعنة. هزت رأسها بتوهان للحظة ثم تمالكت أعصابها وقالت:
لا يا حضرة الظابط، أنا بحب جوزي واتجوزت بإرادتي. أنا هربت من مرات أبويا دلال عشان كانت عايزة تجوزني لراجل قد أبويا. وبأكرر كلامي، أنا اتجوزت رازي بكامل إرادتي وبحبه.
رفع رازي حاجبه الأيسر يفكر. (لقد استرسلت كثيرًا تلك الصغيرة وكأنها تتحدث بجدية).
هبط إلياس من الدرج وقال:
ودي قسيمة الجواز يا حضرة الظابط.
وجه كلامه لدلال وقال:
أظن كده مالكيش حجة يا ست دلال.
اقترب رازي من أذن دلال وهمس:
لمي الدور عشان لحظة كمان وهأقدم فيكي بلاغ بأنك بتديري شبكة، ها ولا إيه؟
تابع مهاب ما بدأه رازي قائلًا:
رقاصة وفتاحة ترقص وتفتح، ولا إيه؟
تابع إلياس:
إحنا بقى مستعدين نحل مشاكلنا العائلية مع بعض، واتفضل انت يا حضرة الظابط، ست دلال بقت مننا وعلينا.
نظر إلى دلال وقال:
ولا إيه؟
لم تجد ما تقوله، هوى قلبها بين ضلوعها خشية من أن يفضح سرها. قالت وهي تتصنع الابتسامة:
كده والف كده كمان، أنا ماليش حجة بقى، كله إلا كرامتنا يا بيه، أغلى من الشرف مافيش.
قال إلياس بتهكم:
لا واتكي على كلمة الشرف دي ها.
تابعت وهي تتجاهل كلماته اللاذعة:
طالما متجوزين يبقى يا ألف نهار أبيض يا ألف نهار مبروك.
أطلقت زغرودة واحتضنت قدر وهي تهمس لها:
طول عمرك بنت محظوظة يا مقصوفة الرقبة. إيه الأبهة اللي عايشة فيها دي يا بت؟ والله ونضفتي من ممدوح للواد العسل دا، بيضالك في القفص هي.
قبلتها يمينًا ويسارًا وهي تقول:
ربنا يهنيكي يا قلبي.
انصرف الضابط، بقيت دلال في مأزق. وبعدما تأكد رازي من مغادرة الضابط ابتسم بسخرية وقال لها:
روحي قولي للي بعتك، العب غيرها.
ابتلعت لعابها وهزت رأسها وانصرفت مسرعة.
وما إن انصرفت حتى أنزل رازي يده التي تحاوط قدر، عاد إلى جلستهم يتناولون أطراف الحديث.
قال إلياس:
إحنا هنرجع النهاردة يا رازي بعد الغدا.
ردت قدر برجاء:
خليكم معانا شوية، أنا كنت مفتقدة الكلام بجد وبصراحة نفسي فاطمة تقعد معايا أكتر.
ضيق رازي عينيه يفكر. (أيتها الماكرة وكأنني أمنعكِ من الحديث؟ من الذي يأخذك في نزهة مع الخيل كل يوم؟ حقًا أنتِ ناكرة للجميل).
رد إلياس:
إحنا مشغولين أوي اليومين دول، لازم نلحق نخلص كل المشاريع الناقصة عشان نسلمها في الوقت المحدد لها.
تنفس الأمل وتابع:
عشان نبدأ بداية جديدة مع الشركة الإيطالية.
ردت قدر بتفهم:
ربنا يوفقكم ويكرمكم من أوسع أبوابه.
همس مهاب ل إلياس:
شفت ياض أخوك كان رومانسي إزاي وهو بيقول قدر مراتي.
ابتسم إلياس بحزن وقال:
للحظة حسيت إن رازي بتاع زمان رجع، بس افتكرت إنه تمثيل.
ابتسامة خبيثة ظهرت على فاه مهاب وقال:
أخوك دا هيفضل كده قفل، مش عايز يتقدم. إيه رأيك لو نديله فرصة يكونوا لوحدهم؟ أنا حاسس إن البت قدر دي هتقدر ترجع رازي القديم.
لمعت عينا إلياس بالأمل وقال:
تفتكر يا مهاب؟
قاطع حديثهم فاطمة التي قالت:
بتنموا على مين يا مديرني الأعزاء؟
استقام مهاب واقفًا وقال:
حشرية هانم في أبهى صورها، إنتي يا فاطمة.
غمز ل إلياس الذي لم يفهم وقال له:
أنا هاتصرف.
اتجه إلى غرفة السيدة أمينة، دلف وأغلق الباب خلفه.
في غرفة خاصة به وحده، كان ممدوح يحتضن تمثالًا يشبه قدر جدًا، وكأنه ينقصه أن يتحدث ليصبح قدر، بعدما تلقى اتصالًا هاتفيًا من دلال التي أكدت له بأن قدر متزوجة بالفعل وأنها من الواضح أنها تحب رازي كثيرًا.
كان يبدو ثملًا وهو يصرخ:
ليه مش عايزة تديني فرصة؟ رحتي اتجوزتي؟ بس معلش، إنتي ليا مهما عملتي. هاجيبك غصب عنك هنا وهتكوني ملكي. إنتي من اليوم اللي اتولدتي فيه وانتي خلاص بقيتي ملك ممدوح الصاوي بإرادتك أو غصب عنك.
اتسعت عينيه بشر وهو يقول:
الليلة هتكوني في حضني يا قدر بحق وحقيقي، مش تمثال.
أمسك هاتفه وأجرى اتصالًا بأحد ما.
بعدما غادر إلياس ومهاب وفاطمة ووالدها القصر، جاءت السيدة أمينة إلى رازي الذي كان يقرأ كتابًا وقالت:
ابني رازي.
رفع وجهه وقال:
اتفضلي يا ست أمينة، خير.
قالت وهي مرتبكة نوعًا ما:
كل خير يا ابني، أنا بس كلموني من البلد أنا والبت سناء بت أختي عشان نحضر فرح واحدة قريبتي، هي مالهاش حد ويتيمة يا عيني، إحنا كل أهلها.
رد رازي بلطف:
إنتي عارفة إني ما أقدرش أستغنى عنك، أو عن سناء، بس مافيش مشكلة، روحي وارجعي صد رد، يعني يومين كفاية أوي.
ردت بتلعثم وقالت:
لا يومين إيه يا حبيبي، دي الأفراح عندنا في الأرياف بتبقى من أسبوع وطالع.
عقد حاجبيه بتعجب وقال:
أسبوع؟!
زفر الهواء بقلة حيلة، فهي حقًا لا تأخذ إجازات إلا للضرورة القصوى. قال:
تمام، بس أكتر من أسبوع لا.
قالت:
ربنا يبارك في عمرك يا حبيبي.
أسرعت تخبر سناء، وبعد مرور وقت ليس بقليل خرجتا تحملان حقائبهما، وقالت السيدة أمينة:
إحنا هنمشي دلوقتي بقى عشان نلحق نركب القطر قبل ما الدنيا تضلم.
رد هو:
لا، أنا كلمت السواق يجي يوصلكم.
قالت بامتنان حقيقي:
ربنا يبارك فيك ويحفظك وينصرك على من يعاديك يا رازي يا ابن زهرة.
استيقظت ندبة بين ضلوعه، شعر بوخزها له أثر ذكر والدته. همس:
ربنا يرحمها.
ودعت السيدة أمينة وسناء رازي وقدر داعين لهم بالسعادة والحياة العامرة، وما إن انصرفا حتى صعدت قدر إلى غرفتها متحاشية النظر لرازي.
ظل رازي بالأسفل يطالع كتبًا جديدة ابتاعها عبر الإنترنت، شعر بالجوع، ولكن أين هي تلك المتمردة الصغيرة؟ لما لم تظهر منذ أن غادرت سناء وأمينة؟
صعد الدرج بحثًا عنها، طرق باب غرفتها ثلاث مرات، وبعدها فتح الباب. كانت نائمة. تردد قليلًا قبل أن يوقظها.
قال بنبرة هادئة:
قدر.
وكزها بخفة في كتفها، استيقظت صارخة من نومها تقول:
ابعد عني، ما تلمسنيش.
كان جسدها ينتفض. اندهش من حالتها تلك، لكنه تذكر ما كانت تمر به في منزل دلال. قال بهدوء:
اهدي، مافيش حاجة. أنا قلت أصحيكي نجهز حاجة نأكلها.
فركت آثار النوم من عينيها، تذكرت أنها لم تعد في ذلك المنزل المقيت. عدلت من وضع جسدها فجلست على الفراش، وضعت يدها على رأسها بخجل. لاحظ أنها تتحس خصلاتها التي يراها لأول مرة.
رفع حاجبه باستنكار وقال:
على فكرة أنا جوزك، فاكرة ولا نسيتي؟
ردت بخجل:
ها.
ابتسم وقال:
يعني مافيش داعي لجلد ذاتك لمجرد إني شفت شعرك، مش هتاخدي ذنب على فكرة.
مطت شفتيها وقالت:
يعني مصحيني من النوم عشان تقولي ماتنسيش أنا جوزك؟
نظر من شرفتها وقال:
لا، أنا جعان. قومي ناكل.
نهضت من الفراش وهي تقول:
قصدك قومي عشان تجهزيلي الأكل.
ابتسامة جانبية ظهرت على محياه وقال:
شاطرة، خلصي وحصليني.
هبطا لأسفل، اتجهت هي للمطبخ. قال رازي من الخارج:
هتعرفي تعملي أكل ولا أتصرف وأطلب دليفري؟
ردت من الداخل:
هأبهرك.
أعدت طعامًا خفيفًا للعشاء وبدأوا في تناوله. قال بإعجاب:
لا حلو، تاخدي ٩ وربع من عشرة.
ردت بتزمر:
لازم تنقص يعني؟ ماينفعش تقول ١٠ على ١٠؟
ابتسم وقال لها:
طماعة.
صدح هاتفه يعلن عن اتصال أحد ما. عقد رازي حاجبيه لأنه لا يعلم هوية المتصل، كان رقمًا غير مسجل. رد رازي:
مين؟
_ الحق يا رازي بيه، الأرض اللي جمب الساقية القديمة النار ولعت فيها، تعالى اتصرف.
أقفل هاتفه وهب واقفًا. تلك الأرض الغالية على قلبه كثيرًا، هي ملك لوالدته في الأساس، ميراثها من والدها. فقد صوابه من الغضب.
قال لقدر:
هأخرج شوية ومش هتأخر، ما تخافيش.
قالت بقلق:
في إيه طيب؟
خرج مسرعًا ولم يجيب. قلقت كثيرًا لما خرج مسرعًا هكذا. لمت الأواني من الطاولة. لفت نظرها بخوف إلى هذا القصر الكبير الفارغ، لا يوجد به سواها. هوى قلبها بأن يقطع التيار الكهربائي الآن. وضعت يدها على قلبها في محاولة لتهدئة نفسها.
وفجأة فتح باب القصر بهدوء. توقعت أن القادم رازي، لكن تفاجأت برجلين يتقدمان ناحيتها. صرخت برعب:
انتوا مين؟
رواية ندبات قدر الفصل السادس عشر 16 - بقلم الشيماء مسعد
وسلام على من رمم الروح بعد انكسارها، وسلام على من تجددت الحياة بقربهم، وسلام على من وجدونا بعد سنين تيه، وسلام على من صُنِعَت المعجزات لأجلهم.
وفجأة فُتِح باب القصر بهدوء. توقعت أن القادم رازي، لكن تفاجأت برجلين يتقدمان ناحيتها.
صرخت برعب: "انتوا مين؟ وعايزين ايه؟"
قال أحدهم بنبرة مرعبة بالنسبة لها: "تعالي معانا يا حلوة من غير شوشرة."
سقطت دموعها. ظلت تنظر لحظات إلى باب القصر، لعله يأتي ويدركها من هؤلاء. هي متيقنة أنهم رجال ممدوح.
امسكها أحدهم برفق وقال: "يلا يا آنسة، احنا مش هنأذيكي، امشي معانا بهدوء، عشان مانفقدش اعصابنا عليكي."
ازداد نحيبها وجسدها يرتجف كقطة سقطت في مياه باردة في ليلة شتاء قارصة البرودة.
فكرت قليلا وحسمت أمرها قائلة من بين شهقاتها: "هاجي معاكم بس سيبوني هامشي لوحدي."
في نفس اللحظة التي أخرج رازي هاتفه يهاتف أحد الفلاحين ليعلم منه ما حل بأرضه الغالية على قلبه كثيراً، كان غاضباً بشدة لذا لم يستطع أن ينتظر إلى أن يصل للأرض المجاورة للساقية ليعلم ماذا حدث للأرض.
أجاب الفلاح على اتصاله: "أهلاً أهلاً رازي بيه."
سأل رازي بلهفة: "إيه اللي حصل لأرض الساقية يا عم علي؟"
رد علي بما صعق رازي: "مالها أرض الساقية يا بيه؟ أنا قاعد قدامها اهو ومولع حطب بدفا وبشرب شاي."
اشتعلت أعين رازي وكساها السواد. هو فخ إذن.
قال بغضب: "آه يا ممدوح الكلب."
عاد مسرعاً إلى القصر وهو يطوي الأرض طياً.
في تلك الأثناء، خرجت قدر بهدوء تام من القصر دون مقاومة. وما إن وصلت باب القصر حتى قالت لهما:
"عايز الحجاب بتاعي."
شتت انتباههم. نظروا للداخل وتحرك أحدهم ليحضره. استغلت الفرصة واغلقت عليهم باب القصر حتى تكسب بعض الوقت للهرب. حتى هرولت داخل الحديقة تختبئ، فهي أصبحت تعلم كل مخارج القصر. تسللت بسرعة إلى الباب الخلفي من الحديقة وفرت مسرعة إلى الخارج.
استطاع الرجلان أن يفتحا الباب وتفرقوا يبحثون عنها هنا وهناك. وفجأة لمحها أحدهما، وكانا قد قسما نفسيهما. أحدهما يبحث أمام القصر والآخر خلفه. ظل يركض خلفها. الذي رآها وهي تركض بكل ما أوتيت من قوة، تقطعت أنياطها من الهرولة. تعثرت مرات عديدة في الظلام الحالك، كادت تسقط مرتين أو أكثر، لكنها في الآخر سقطت. لم تستطع التحمل.
صرخت بكل ما أوتيت من قوة: "راااازي!"
لم تستسلم. نهضت مرة أخرى وما زالت تصرخ باسمه. سرى صوتها في الأرجاء. كان رازي قريباً منها كأنه سمع شيئاً ما. ركض أكثر ناحية الصوت.
كانت تركض وهي تنظر خلفها خشية من اللحاق بها. وفجأة اصطدمت بجسده العريض. نعم، هو رازي. كادت أن تفقد الوعي. قبض عليها بذراعه داخل حضنه حتى لا تسقط.
اشتعلت نيران قلبه حينما رآها بهيئتها المرتعبة. شعرها المشعث، ترتدي ملابس منزلية معفرة أثر سقوطها على الأرض.
وقف الرجلان أمام رازي يعلنان التحدي.
قال أحدهم بسخرية: "ابعد يا مشلول بدل ما نشل الايد التانية."
تجاهل كلامه الذي أشعل النيران أكثر وأكثر. أبعد قدر عنه وتحرك ناحيتهما باندفاع. اشتبك معهما، ظل يضرب بقبضته ويركل تارة حتى كتف أحدهما. أما الآخر فاتجه ناحية قدر يسحبها عنوة. صرخت وهي تقاومه وتضرب فيه بعشوائية. استطاع أن يبتعد بها مسافة لا بأس بها. وفجأة تحول رازي لشخص آخر، شخص قد ضاع منه في السابق. حضرت شخصية المقاتل الشجاع والمحارب الباسل.
تلك اليد العاجزة تحركت، أجل تحركت لتضرب بقبضتها الحديدية وجه ذلك الحقير. أصبح الآن أكثر قوة. استطاع أن يبرح الرجل ضرباً حتى أوقعه. وركض سريعاً ليلحق بالآخر ليحرر قدر. وما إن وصل حتى امسك الآخر من سترته من الظهر. تبادلا الركلات والضربات حتى استطاع أن يفر الرجل هارباً من بطش رازي. حتى وقع هاتفه أرضاً أثر الهرولة ولم ينتبه. التقطه رازي ودسه في جيبه.
وبعد أن خبأه وفر الرجلان، نظر رازي إلى تلك التي تقف جامدة لا حول لها ولا قوة. وما إن أبصرت يده العاجزة تتحرك حتى هوت أرضاً فاقدة الوعي.
ركض نحوها بقلق وصرخ: "قدر."
لقد كان الأطباء محقين حينما قالوا أن مرضه نفسياً أكثر منه جسدياً. وكأن جلده لذاته وإحساسه بالعجز وعدم قدرته على إنقاذ والدته تجسد في عجز يده. كانت ترفض الشفاء. ظل يعاقب نفسه بالعجز على ذنب لم يكن يوماً سبباً فيه. لكن حينما تعلق الأمر بموقف مشابه، تغلب على إحساسه بالذنب بإحساس أقوى وهو إحساس الواجب والمسؤولية. وقد يكون... إحساس الحب!!
عاد رازي إلى القصر حاملاً قدر بين ذراعيه. كانت يده ما زالت مخدرة، يشعر بثقل بها، لكنه ما زال لم يستوعب ما حدث. وما زالت قدر فاقدة للوعي.
دخل المنزل، كان الباب موارب. اتجه رازي إلى الرواق، وضعها على الأريكة. ثم أتى ببعض الماء. أخذ يبلل يده بالماء ويلمس وجنتها برفق وهو يردد بحنو كأب قلق على ابنته المريضة: "قدر، فوقي، انتي في أمان دلوقتي، قدر سمعاني."
فتحت عينيها ببطء لتتذكر زعرها وخوفها من ألا يأتي وينقذها. بدأ جسدها يرتجف. كانت تهتز من شدة البكاء. مما دفعه دون إرادة أن يحتضنها بقوة وهو يلقي على مسامعها ما يهدئ من روعها: "قلتلك طول مانتي مرات رازي عمران الرازي، ماتقلقيش. اهدي، خلاص مافيش حاجة تخوف، أنا هنا."
(أجل، أنت هنا، إذن كل شيء بخير الآن.)
ترددت تلك الكلمات بداخلها.
أخذ يمسد على ظهرها إلى أن هدأت تماماً واستغرقت في النوم. حملها واتجه بها إلى غرفتها في الأعلى. وضعها على فراشها. وقبل أن يتحرك، استيقظت بفزع تشبثت بيده قبل أن يرحل وقالت برجاء: "خليك معايا، أنا خايفة يجوا ياخدوني."
كانت نبرتها كافية لتقطع أنياط قلبه حزناً على حالتها تلك. إلى هذا الدرجة جعلوها أولئك عديمي الرحمة تخشى أن تعود إليهم مرة أخرى.
عاد مرة أخرى وربت على يدها وقال: "لحظات وهارجعلك."
هزت رأسها بالرفض وقالت: "ارجوك، لا."
تنهد وجلس جوارها على الفراش وقال ممازحاً: "طلع قلبك خفيف أوي، دانا قلت مخربشة وهتخربها لو حد اتعرض لها."
ردت بحزن دفين نابع من سنوات عذاب: "إنت ما جربتش تعيش طفولتك كلها بين رجالة غريبة كل واحد يلمسك بطريقة مش بريئة. حتى السلام بتاعهم ما كانش بريء. ما جربتش تجاهد كل يوم عشان تفضل عايش بشرفك. أنا كنت بنام نص نومة، عمري ما تعمقت في النوم. كنت أصحى على ممدوح قاعد جنبي على السرير. لحد ما حوشت فلوس واشتريت قفل ومفتاح وبقيت بقفل على نفسي من جوا."
كانت كل كلمة تخرج ومعها سيل من الدموع. حتى هو لم يستطع أن ينصت للنهاية. كل كلمة كانت بمثابة حريق يشب داخله. تمنى لو يفتك بهم جميعاً، لو يقسم ممدوح نصفين.
وضع يده على فمها بإشارة منه بألا تسترسل وقال بحنو: "ننسى الماضي خلاص، مافيش فيه إلا وجع القلب. إنتي كنتي شجاعة بجد النهاردة عشان قدرتي تفلتي منهم. انتي قوية ياقدر. لو ضعيفة كنتي استسلمتي وروحتي معاهم من غير مقاومة. لكن انتي بجد قوية."
ابتسمت أثر سماعها هذا الكلام الذي حمسها وبث فيها روح الشجاعة.
نظرت له وكأنها تذكرت شيئاً ما وقالت: "ايدك انت حركتها، أنا شوفتك، وريني ايدك."
خرجت كلماتها مبعثرة غير مرتبة.
رفع كتفيه وقال: "معجزة!"
رفع يده يحركها أمام عينيه يميناً ويساراً ليتأكد أنها ما زالت تتحرك.
بدت السعادة على وجهها. تجرأت لتمسك يده تلك وقالت: "الحمد لله، هي بخير دلوقتي، أنا مبسوطة قوي عشانك."
حثها قائلاً: "قومي خدي دش دافي وغيري هدومك، كلها تراب وعفر."
ردت بحزن: "وقعت كذا مرة وانا بجري."
استقام واقفا وقال: "وقعتي بس في النهاية نجحتي وقدرتي تهربي."
ردت هي بامتنان حقيقي وقالت: "إنت أنقذتني."
حك خلف رأسه بحرج وقال بمشاكسة: "طب عدي الجمايل بقى."
ضحكت هي ومطت شفتيها بتكشيرة مصطنعة وقالت: "مغرور."
سمع همسها وقال وهو يرتب ياقة سترته: "عارف."
ضحكت وهي. وتابع هو: "هانزل شوية لحد ما تخلصي الدش بتاعك."
هزت رأسها بالموافقة.
هبط لأسفل. توجه إلى المطبخ أعد لها مشروب الأعشاب. أخرج هاتف الرجل الذي أوقعه أثناء الشجار من جيب جاكته، والذي ما إن أخرجه حتى وقعت بطاقة هوية قدر. التقطها من الأرض نظر إليها وقال بحزن: "عندها عشرين سنة، صغيرة اوي على اللي كان بيحصل معاها."
ثم نظر إلى تاريخ ميلادها بتمعن. يا إلهي! ذكرى ميلادها بعد غد. يا له من قدر بأن تقع هويتها في يدي في ذلك الوقت. هل هذه إشارة لفعل شيء ما مميز لها؟
أخذ نفس عميق، أعاد البطاقة لجيبه وأمسك الهاتف ليتصل على رقم كان مكتوباً عليه "الباشا".
رد الرجل بلهفة: "عملتوا ايه؟ جبتها معاك؟"
ضحكة ساخرة صدحت في أذن ممدوح وقال رازي: "تعرف أني ممكن أوديك في ستين داهية بتهمة التعدي على بيتي ومراتي، بس أنا مؤدب مش هعمل كدا. لكن مش هاوعدك أني هابقى مؤدب، أوعدك أني قريب أوي هرد لك الزيارة. من غير سلام يا ممدوح."
أقفل الهاتف.
وفي نفس الوقت، ألقى ممدوح الهاتف بغضب وعيناه تشتعلان غضباً وقال: "المشلول ده شايف نفسه على إيه؟"
رد حمدي الذي سمع وفهم كل شيء: "غلط يا ممدوح بيه، اللي انت عملته ده أكبر غلط. ياباشا، احنا داخلين على انتخابات وكمان خطوبة الآنسة هاجر. أبوس إيدك ماتتهورش، وتضيع تعب السنين كلها عشان حتة..."
بتر كلماته ممدوح ككل مرة يحاول حمدي أن يخطأ بها. وقال: "حمدي، قدر لا، ما تتشتمش. مراتي المستقبلية خط أحمر يا حمدي، فاهم؟"
زفر حمدي بنزق وقال: "أوعدك أن لو تحليت بالهدوء يا باشا، بمجرد ما تخلص الانتخابات أنا هجيبلك قدر لحد عندك، وإن شاء الله حتى تقتلها."
رد ممدوح بوجع حقيقي: "عارف يعني إيه أول مرة تحب من قلبك يا حمدي؟ أنا عرفت ستات بعدد شعر راسي وكنت عايز أحتفظ بيهم كلهم ملكي، بس كنت بزهق بعد ماخد اللي أنا عايزه. لكن دي عمري ما فكرت أني آخد حاجة منها غصب عنها. كنت بحب أشوفها بس، أحب أكون قريب منها من غير ما أذيها. أحياناً كنت بتهور وأكون عايز أقرب، لكن كانت حاجة جوايا بتمنعني. وتقولي خليها تحبك أفضل. أنا ما فيش ست رفضتني لحد النهارده يا حمدي. ودي أنا علمت عشانها كتير، صرفت على دراستها، أمرت دلال تخليها تكمل جامعة، لكن هي قلبها حجر من ناحيتي. يمكن أكون كبير عليها وقد أبوها، لكن القلب اللي حبها ده حبها كأنه قلب طفل صغير."
صمت بعد تلك الكلمات التي جعلت عينيه تمتلئ بالدموع التي جاهد على أن يخفيها أمام حمدي حتى لا يفقد آخر ذرة كرامة لديه.
***
صعد رازي حاملاً كوب الأعشاب الذي صنعه لقدر. طرق الباب ودلف للداخل. وجدها على الفراش شاردة تفكر فيما حدث لها.
جلس بجوارها وقال: "اشربي دا."
تنهدت وقالت: "الحاجة الوحيدة اللي فادتنا من الموقف ده هو إنك قدرت تحرك إيدك تاني. أي حاجة تانية مش مهم."
قالتها ببرأة شديدة أسرت قلبه بتلك الكلمة. فهي لم تأبه بزعرها أو خوفها، لكنها فرحة لشفائه.
لم يعلق، لكنه كان مثبت ناظره عليها، وهناك ابتسامة لطيفة على ثغره. ملامحه لينة، غير مشدودة كالمعتاد.
بدأت ترتشف من الكوب وقالت له بامتنان: "شكراً بجد يا سيد رازي."
رفع حاجبه باستنكار وقال: "سيد رازي؟ هو أنا لو لسه سيد رازي كنت قعدت القعدة دي؟"
لاحظت أنه يجلس بجوارها، كتفه ملتصق بكتفها. خجلت، تورّدت وجنتاها وهمست: "شكراً رازي."
مال برأسه لأسفل لينظر إلى وجهها عن قرب وقال: "مش قادر أستوعب إني بكلمك من غير ما تهاجميني، وكمان بتتكسفي يا صلاة النبي."
ضحكت على كلامه، واستقام هو واقفا وقال: "أنا هاروح أنام، تصبحي على خير."
قالت بخجل: "ممكن تفضل معايا لحد ما أنام، عارفة إني بتقل عليك بس بجد لو سبتني دلوقتي هافتكر اللي حصل وهرجع أخاف أكتر."
زفر بضيق مصطنع وهو يرفع عينيه لأعلى وهو يقول بتسلية: "مش بحب الدلع."
ردت بحزن: "آسفة."
جلس بجوارها وقال: "بس الدلع منك حلو برضو، حاجة جديدة."
"عشان كده هافضل."
ابتسمت له وقالت: "شكراً."
كلمات بسيطة منه شعرت وكأنها ذات قيمة عند أحدهم. أما عنه، فقد كان حقاً يشفق عليها لذا لم يرد أن يكون غليظاً معها.
حثها على النوم قائلاً: "يلا نامي، عشان شوية كمان وأنا همدد جمبك وأنام."
تمددت. كانت حقاً خجلة. لأول مرة تنام أمامه. لم تشعر بالراحة في وجوده، لكنها خائفة حقاً. هكذا أفضل، وجوده يبعث الطمأنينة في روحها.
دثرها جيداً وظل يمسد على شعرها حتى غطت في نوم عميق. وكان قد نال منه التعب النصيب الأكبر، فنام وهو جالس بجوارها ويده بين خصلاتها.
***
في الصباح.
استيقظت قدر. فتحت عينيها وجدت رأس رازي بجوار رأسها ويحاوطها بذراعه. ظلت تنظر لملامحه وهو نائم.
يا له من وسيم، هادئ في نومه. لم أعد أراه دراكولا، هو الآن بطلي المغوار الذي يأتي في أحلك الأوقات فينقذني.
حثته على الاستيقاظ قائلة: "سيد رازي."
تذكرت كلامه بالأمس. ابتسمت وقالت: "رازي، اصحى، انت نايم بطريقة غلط. رازي."
استيقظ وهو يشعر بألم في سائر جسده. حرك رأسه يميناً ويساراً وقال بتعب: "يارب، سمو الأميرة تكون مبسوطة دلوقتي، أنا رقبتي تلوحت من أم النومة دي."
ضحكت وقالت: "مش الدلع بتاعي حلو؟ اشرب بقى."
رفع رأسه بمفاجأة وهو يقول: "إيه التحول المفاجئ ده؟ امبارح كنتي زي الفار المبلول، دلوقتي خلاص رجعتي لطبيعتك قدر القطة الشرسة."
ابتسمت وهزت رأسها بنعم.
***
في نفس الوقت، كان إلياس في الشركة يتجه لمكتب مهاب الذي كان منهمكاً في العمل مع فاطمة. دلف إلياس وقال: "مهاب، أنا نازل أعاين الموقع اللي تبع الحاج رضوان عشان نبدأ نشتغل فيه. وانتي يا فاطمة، جهزتي المخطط بتاعه ولا لسة؟"
رفعت وجهها تطالعه وقالت برسمية: "أيوا يا فندم، كله جاهز. تحب تشوفه؟"
رد هو: "لا، أفضل أشوفه بعد معاينة الموقع. يلا سلام."
تحرك خطوة ثم عاد وقال: "مهاب، على فكرة معانا فرح بالليل، جهز نفسك كويس."
ردت فاطمة باندفاع: "رايحين تشقطوا بنات؟"
تبادلا النظرات جاهداً في كبح ضحكاتهما.
تابعت هي بدهشة: "أصل مش معقول رايحين عشان البوفيه؟"
وهنا انفجر مهاب ضاحكاً وقال: "أنا عن نفسي بروح عشان البوفيه، بيعملوا أكل هناك لووز."
ابتسم إلياس وقال لفاطمة: "نفسي مرة نختم كلامنا من غير ما تفاجئيني."
مطت شفتيها وقالت: "اومال بتروحوا أفراح ليه ها؟"
هز رأسه يميناً ويساراً فتلك هي فاطمة ولن تتغير. وقال: "ده فرح إياد نصار يا مهاب، ابن الوزير. فاكره اللي كان زميلنا في الجامعة؟"
تابع مهاب: "آه، اللي كان هيموت ويصاحبنا دا. ماشاء الله كبر وهيتجوز."
لوت فاطمة فمها وقالت: "عقبالك."
أكمل إلياس حديثه الموجه لمهاب وقال: "هو كان رن عليا عشان أحضر. أنا في الأول طنشت، بس فكرت إننا لازم نروح الفرح. هيكون فيه رجال أعمال كبار وناس مهمين، فرصتنا بقى ندخل في عالم رجال الأعمال ونحاول نكون زيهم."
ضيق مهاب عينيه وقال: "فعلاً، خلاص يا كبير نروح."
وجه إلياس ناظره لفاطمة وقال: "أي استفسار تاني يا باشمهندسة؟"
ردت هي كعادتها دون تفكير: "أوعى حد يشقطك."
رد هو بصدمة: "نعم؟!"
أدركت ما قالت فخجلت كثيراً. وقالت: "أنا... شكلي جعانة، أصلي لما بجوع بفصل وبقول حاجات مش مفهومة. هاروح آكل حاجة وأرجع."
ركضت للخارج كالطفلة.
ضحك إلياس. ثم قال مهاب وهو يضيق عينيه: "البت دي بتحبك."
رد إلياس بتسلية وهو يضع القلم في فمه: "عارف."
عقد مهاب حاجبيه وقال: "طب تاخد خطوة جد يا بني، دي البت مفضوحة أوي."
أكمل إلياس بتسلية وهو يبتسم: "واحرم نفسي من الهبل بتاعها ده؟ خايف لو اعترفتلها إني بحبها تتغير، وأنا بصراحة عاجبني أوي اندفاعها ده."
قال مهاب رافعاً حاجبيه: "بيرضى غرورك صح؟"
"صح." كان هذا رده باختصار. واستقام واقفا وقال: "أنا هاروح الموقع، ما تتأخرش بالليل تمام."
***
كانت الأجواء مليئة بالبهرجة المبالغ فيها في تلك القاعة التي شهدت على انكسار قلب هاجر وخضوعها لأوامر والدها الذي لا يعرف الرحمة.
فرح ملئ برجال الأعمال والضباط والوزراء.
كانت تجلس بجوار العريس كاتمة حزنها بداخلها، لكن من يدقق النظر سيعرف أنها غير راضية عن تلك الخطبة.
أنغام الموسيقى تصدح في كل الأرجاء. الفتيات والشباب يتراقصون على الأنغام الشبابية.
نزل إلياس ومهاب وهما في كامل أناقتهما كنجمان من هوليوود يتحركان على السجادة الحمراء في مهرجان كان.
كانا يمشيان بمحاذاة بعضهما. قال إلياس: "هاجر مختفية الفترة دي، انتوا اتخانقتوا تاني؟"
رد مهاب بحيرة: "مش عارف مالها. من امبارح رنيت عليها خمسين مرة ما ردتش. بعتلها مسج على الواتساب بقولها ما بترديش ليه. ردت عليا تقولي (آسفة يا مهاب، سامحني)."
عقد إلياس حاجبيه وقال: "غريبة فعلاً، كابتن هاجر ده مش أسلوبها خالص. بقولك، احتمال تكون جوا في الحفلة دي."
كانا قد دلفا إلى القاعة. وجه مهاب نظره ناحية العرسان وقال: "يارب أشوفها لحسن دي وحشا..."
بتر كلماته ما إن وقعت عيناه عليها. هل معقول؟ أنا هنا لأحضر فرحها؟
لحظات من الصمت. رمش عدة مرات في محاولة منه لاستيعاب ما يحدث. ولم يكن إلياس أقل منه صدمة. عدا قلب مهاب الذي يقطر دماً على تلك الخائنة في نظره.
لمحه ممدوح الصاوي الذي هرول إليهم يجذبه من ذراعه بعنف يحثه على المغادرة.
همس لهما بغضب: "أقسم بالله لو جايين تبوظوا فرح بنتي لهنسفكم."
لم يرد مهاب، فقط كان مصوب ناظره على تلك التي لم يُكِن لها إلا كل الحب.
رد إلياس بغضب: "انت بتقول إيه؟ وفرح إيه اللي نبوظه؟ إحنا أصلاً ما كناش نعرف أنها خطوبة الهانم."
حث مهاب على المغادرة بأن أمسك ذراعه الآخر وقال: "يلا يا مهاب، احنا جينا هنا بالغلط."
حرر مهاب كلتا ذراعيه من قبضتهما وتحرك ناحية العرسان.
لحقه إلياس وهو يطالع الحضور الذين بدأوا ينتبهون.
همس له: "يلا يا مهاب، مش عايزين مشاكل."
رد مهاب وكأنه واحد آخر: "أنا هاعمل الواجب وأمشي."
رواية ندبات قدر الفصل السابع عشر 17 - بقلم الشيماء مسعد
حث الياس مهاب على المغادرة بأن امسك ذراعه الآخر وقال:
يلا يا مهاب احنا جينا هنا بالغلط.
حرر كلتا ذراعيه من قبضة الياس وممدوح وتحرك ناحيه العرسان.
لحقه الياس وهو يطالع الحضور الذين بدأوا ينتبهوا.
همس له:
يلا يا مهاب مش عايزين مشاكل.
رد مهاب وكأنه شخص آخر:
أنا هاعمل الواجب وامشي.
وقف الياس عاجزا أمام اصرار مهاب وكان خائفا من افتعال المشاكل او التصرف بتهور.
تقدم مهاب بخطوات ثقيلة، وقف أمام العروسين بابتسامة مجبرة على الظهور.
كان موجه ناظره على هاجر وهو يمد يده لإياد قائلا:
مبارك يا عريس.
رمقه إياد بريبة وهو يقول:
الله يبارك فيك يا مهاب.
نظر لهاجر التي كانت تتقطع من الألم وقال بتهكم:
احلى عروسة دي ولا ايه، مبارك يا كابتن هاجر.
لم يمد يده لها، لكنه توجه ناحية الدي جي تحت نظرات ممدوح والياس المترقبة ولسان حالهما يقول ماذا سيفعل ذلك المتهور، فالمطعون في قلبه كاحمامة بريئة ذبحت للتو ترقص من الألم.
صدح صوت موسيقي اختارها هو كانت لأغنية مشهورة كلماتها تقول:
(أدي الملاك البرئ ابو قلب طيب أوي، ادي اللي كان كل شئ كسرلي قلبي القوي، كان ليلي كان قمري، كان روحي كان عمري، سلمتله عمري واحنا في نص الطريق، قلبه عليا قوي، ادي الملاك البرئ ابو قلب طيب اوي).
كان يرقص وهو يتصنع الابتسامة على أنغام عمرو دياب الهادئة يرفع رجلا ويحني الأخرى فاردا ذراعيه، ناظره موجه ناحية هاجر رغم ابتسامته التي تصنعها كانت عيناه تحكي قصة حزن عميق اصاب قلبه، خذلان وكسرة قلب.
لم تستطع هاجر كبح دموعها اكثر من ذلك، شق خديها خطين دموع غير منقطعين.
رمقها إياد بتفحص وهو يقول:
دانتي شكلك حكايتك حكاية يا بنت الصاوي، بس تصدقي الفيلم دا مسلي اوي.
رمقته بمقت شديد وهي تقول:
لم نفسك لأضربك بوكس اكسرلك صف أسنانك!
كان ممدوح بجوار الياس يتوعد ويهدد بأنه سيفتك بهما اذا تصرف صديقه بتهور.
قال ممدوح من تحت أسنانه:
انهي المسرحية دي حالا وخده بدل ما اجيب الأمن يطردوكم برا وهيبقى منظركم عرة.
تحرك الياس ناحيه مهاب يجره رغما عنه، خرجا من القاعة وما ان خرج مهاب حتى نفض يد الياس التي تمسكه بعنف وضع وجهه بين كفيه وبكا بصوت مسموع.
كان صوت بكائه يقطع قلب الياس.
ربت على كتفه ولم ينطق، لم يجد ما يقوله، فصديقه طيب القلب، دائما ما يحب الطيبون من أعماق قلوبهم.
قال مهاب من بين شهقاته:
أنا مش زعلان أنها فضّلت حد تاني عليا، أنا زعلان لأني عمري ما قولتلها اني بحبها، هي ما استنتش تعرف مشاعري ناحيتها، مادتنيش فرصة اقولها بحبها قد ايه ومستعد اعمل ايه عشان تكون معايا.
رفع وجهه لالياس وقال بدموع:
أنا بحبها اوي يا الياس.
احتضنه الياس وقلبه يؤلمه كثيرا.
قال الياس:
ما ستاهلش يا مهاب يلا نمشي.
جركبا السيارة وانطلق به الياس إلى مكان يحبونه كثيرا.
كان الصمت سائد في السيارة، مهاب يتمتم اغنية:
ادي الملاك البرئ.
والياس يركز في طريقه.
نظر مهاب بتركيز:
احنا رايحين فين دا مش طريق البيت.
رد الياس بابتسامة:
هنطلع الساحل الشمالي.
قال مهاب بمفاجئة:
الساحل في عز الشتا.
هز الياس رأسه قائلا:
هو دلوقتي اهدا مكان في مصر هنقعد يوم ونرجع تاني.
لم يعلق مهاب لكنه عاد لشروده مرة أخري.
***
كانت قدر تعد طعام العشاء بينما يجلس رازي في الرواق بجواره بلاك جان كان يقرأ كتابا.
انتهت من اعداد الطاولة وقالت:
رازي الاكل جاهز.
حاضر يا قدر جاي، كان هذا رده.
جلسا على طاولة الطعام لم يتحدثا لكنه عقب على الطعام قائلا:
تسلم ايدك الاكل جميل.
ابتسامة واسعة احتلت ثغرها وهي تقول:
بجد عجبك.
هز رأسه وقال:
جدا.
سرحت في كلامه بسعادة بينما لاحظ هو إنها شاردة ولا تأكل فأمسك الملعقة ودسها في فمها قائلا:
بطلي تسحري وكملي اكلك هيبرد.
تناولت الطعام الذي وضعه في فمها بخجل منه فهو لاحظ شرودها فيه.
بعد أن انتهيا من طعامهما قامت بتنظيف الطاولة، وقف يشد اجزائه قائلا:
أنا هاطلع انام عندي مشوار مهم الصبح.
اردفت هي بدون تفكير:
هتسيبني لوحدي.
قال:
مشوار سريع وهارجع، تصبحي على خير.
كانت تود لو بقي معاها في غرفتها فهي أصبحت حقا تخاف لكن خجلها وكبريائها كأنثى منعها ان تطلب منه يظل معها.
أخذت رواية من مكتبة رازي وصعدت غرفتها تقرأها إلى أن ذهبت في ثبات عميق.
استيقظت قدر في الصباح لم تدري كم أصبحت الساعة.
استدارت تطالع الساعة كانت الحادية عشر صباحا.
جلست بصدمة.
تقول:
ياااااه انا نمت كل دا.
نظرت بجوار المنبه وجدت ورقة طالعتها وجدت بها:
(خدي شاور، وانزلي استنيني تحت، مش هتأخر بإذن الله).
وفي أسفل الورقة كتب:
(تحذير اوعي تفطري).
ابتسمت على طريقته تلك دائما ما يحب إلقاء الأوامر بصرامة.
لكنها كانت مندهشة ترى فيما يفكر هذا الغامض لكنها قامت بحماس دلفت المرحاض.
نمت بحمام ساخن تزينت قليلا وهبطت لأسفل كانت خائفة من وجودها بمفردها في القصر.
همست:
ياترى انت فين يا رازي.
لم يمضي وقت حتى سمعت الباب يفتح هوى قلبها ارضا أمسكت سكينا كانت موضوعة على الطاولة توجهت ناحية الباب رفعتها كوضع استعداد لأي مكروه.
وفجأة وجدته رازي الذي بحركة سريعة منه امسك يدها التي كانت ستنهال عليه طعنا بالسكينة بيد واحدة لأنه كان يحمل شيئا ما باليد الأخرى.
وقال:
حاسبي يا مجنونة!
تنفست الصعداء وقالت:
كنت فاكرة حد جي ياخدني.
تأثر قليلا من خوفها لكنه قال ممازحا:
يا واد انت يا مخربش.
سلاح ابيض حتة واحدة، أنا كده اخاف منك.
ابتسمت هي وقالت:
إنت كنت فين؟
لاحظت انه يحمل في يديه صندوقا من الورق المقوى كأنه علبة هدايا.
مد الصندوق إليها وهو يقول:
كل سنة وانتي طيبة انهاردة عيد ميلادك.
ترقرت الدموع في عينيها وقالت:
دا عشاني.
هز رأسه بنعم وعلى ثغره ابتسامة لطيفة حنونة.
قالت:
افتحه؟
حك خلف رأسه بحرج وقال:
اكيد.
أخذت الصندوق وجلست على الطاولة وهو بجوارها فتحت الصندوق احتلت الصدمة معالمها وابعدت الصندوق عنها وهي تقول:
مسدس؟!، حد يجيب لحد مسدس في عيد ميلاده.
رفع حاجبه وقال:
هو انتي تجاهلتي باقي الهدايا وركزتي بس على المسدس.
نظرت مرة أخرى تتفحص باقي الهدايا، أخرجت اصيص به زهرة وحيدة بيضاء.
كانت زهرة اللوتس.
اندهشت من تلك الهدايا غير المفهومة وقالت:
ايه الوردة دي.
بدأ يشرح لها وهو يقول:
دي زهرة اللوتس تعرفيها؟
هزت رأسها بلا.
تابع هو:
زهرة اللوتس بتنبت في ظروف قاسية بتنمو في المية الضحلة الراكدة بيئة غير صالحة لنمو أي نبات وخاصة الورد المعروف بالرقة، بس هي أصرت تنمو وتكبر وتبقى بيضة نقية شفافة رغم أن البيئة اللي نبتت فيها غير صالحة للحياة بالمرة.
كانت تعيره كل انتباها وهو يشرح قال ما أسر قلبها.
قال:
زهرة اللوتس تشبهك اوي، إنتي زهرة اللوتس يا قدر.
ابتسمت بسعادة عارمة غمرتها أنه حقا ينجح في أسر قلبي بكلامه الرائع هذا.
تابع هو:
حافظي عليها لازم تعتني بيها كويس عشان ما تدبلش.
أرادت ان تستفسر عن باقي الهدايا قائلة:
والمسدس دا جايبه عشان لو لا قدر الله ما اعتنتش بيها تقوم تخلص عليا.
قهقه بصوت مرتفع وهو يقول:
فعلا هاموتك لو موتيها.
مطت شفتيها بخوف، فقال بجدية:
المسدس دا عشان تتدربي عليه، أنا هاعلمك تعتمدي على نفسك عشان لو اتعرضتي لموقف زي اللي امبارح دا تعرفي تدافعي عن نفسك.
هزت رأسها بنعم ثم أمسكت بعلبة صغيرة حمراء على شكل قلب وقالت:
وايه دا.
حك خلف رأسه وقال:
افتحيه.
فتحته فوجدت خاتم رقيق جدا كان على شكل قلب كبير يلتصق به قلب صغير مرصعان بالالماس الابيض.
انبهرت حقا كان شكله رائعا.
قال هو بابتسامة لكنها حزينة نوعا ما:
كان المفروض اقدملك خاتم يوم كتب الكتاب بس الوقت ماكانش مناسب، سأل: عجبك؟؟
هزت رأسها وهي تشعر انها ستحلق في السماء.
بينما تابع هو بحزن:
الخاتم دا غالي عليا اوي حافظي عليه، هو عتيق وقديم بس دا خاتم السنيوريتا زهرة امي الله يرحمها، قال جملته تلك بحزن دفين بدا في نبرة صوته التي بدت مختنقة.
مدت يدها وقالت:
ممكن تلبسني الخاتم.
قال بابتسامة:
ممكن.
لبسها الخاتم وهو يطالع عينيها وقال:
خليكي ديما زهرة اللوتس.
أعطته ابتسامة ممتنة وهزت رأسها بالموافقة، ثم رفعت يدها أمام عينيها تطالع الخاتم، فرحت كثيرا.
طالعت رازي وهي تقول:
اول مرة حد يحتفل بعيد ميلادي، ودي اكتر هدايا مميزة جاتلي. شكرا يا رازي لأنك صنعت لي ذكرى حلوة افتكرها في عيد ميلادي.
استقام هو واقفا وقال:
لسة في مفاجأة تانية.
قالت بحماس:
تاني؟
هز رأسه بابتسامة وقال:
انهاردة دا بتاعك لوحدك، طلباتك أوامر، اللي هتقوليه هانفذه.
تابع بتحذير:
بس تطلبي طلبات معقولة.
صفقت بحماس وقالت:
الخيل نفسي اوي اركب خيل يا رازي، عمري ما ركبتها.
قال:
اول طلب سهل، وبعدين فكرت قليلا كانت تحك رأسها مغمضة عين وفاتحة الأخرى ثم قالت: نفسي تجيبلي تورتة.
رد رازي:
اللي بعده.
قالت:
اممم مافيش حاجة في دماغي دلوقتي.
قال:
طب يلا اطلعي غيري هدومك وانا هاجهز جوكي وجوليان.
مضى بعض الوقت تجهزت هي وخرجا يتسكعان بصحبة الخيول.
قالت بحماس:
أنا عايزة اركب بقى.
حاولت ان تمتطي الحصان لكنها فشلت بعد ثلاث محاولات امسكها رازي من خصرها من الخلف ليركبها الحصان.
فشهقت واستدارت تطالعه بصدمة.
قال:
اهدي هاساعدك تركبي.
بالفعل نجحت بمساعدة رازي ان تمتطي الحصان.
قال رازي محذرا:
امسكي كويس لتقعي وخليكي فاردة ضهرك كويس ما تنحني.
وهو أيضا امتطي حصانه المفضل جوكي وانطلقا وسط الحقول الخضراء.
كانت متوترة جدا حتى جوليان شعرت بذلك التوتر فأصيبت أيضا بنوبة خوف، الخوف فطرة في كل أنثى حتى وان كانت انثى حيوان.
هرعت جوليا تركد فاقدة السيطرة على نفسها كانت قدر تصرخ برعب خائفة من ان تسقط.
لحق بها رازي مسرعا صار بمحاذاة الفرسة وهو يقول:
جوليان اهدي.
مد يده لقدر وقال بصراخ:
امسكي ايدي كويس.
قبضت على يده فأحكم قبضته عليها اقترب بحصانه كثيرا حتى استطاع أن يقبض على خصرها وانتشلها من مكانها على ظهر الفرسة جوليان واجلسها أمامه على ظهر جوكي.
كان تتنهد بسرعة يسمع دقات قلبها المتسارعة.
قال هامسا بجوار اذنها:
اهدي مافيش حاجة انتي بخير، إنتي معايا دلوقتي.
اغمضت عينيها تتنفس بعمق محاولة تنظيم أنفاسها وهي تفكر:
(اجل انت هنا اذن كل شئ بخير، والاجمل اني دائما اجدك هنا).
توغل الحصان داخل الحقول إلى أن وصل إلى مكان نائي خالى تماما كان به جدول ماء فقط والأشجار تحفه من كل اتجاه أوقف رازي الحصان هبط منه وفتح ذراعيه لقدر.
وقال:
انزلي.
استندت عليه وهبطت وهي تطالع المكان منبهرة بتفاصيله الخلابة وروعة إبداع الخالق.
تمدد رازي على العشب الرطب وهو يطالع السماء واضعا يديه خلف رأسه وقال:
لما بكون عايز افصل عن العالم ومحدش يعرف طريقي باجي هنا.
جلست جواره وقالت:
يعني يوم ما اختفيت وفضلت مستنياك في البلكونة ترجع عشان اعتذرلك كنت هنا.
رمقها بطرف عينه وقال:
تعتذري؟؟! يعني ماكنتيش مستنية عشان تعرفي مين هي فريدة.
دافعت عن نفسها بسرعة وصدق حقيقي وهي تقول:
لا والله كنت عايزة اعتذر بس، أنا مش هنكر ان الفضول كان يقتلني عشان عايزة اعرف تفاصيل الحادثة اللي حصلت لك، لكن كان عشانك انت، عشان كنت متأكدة ان العجز اللي في ايدك مش عضوي بدليل انك ماكنتش بتتقدم خطوة واحدة مع العلاج الطبيعي.
شرد قليلا ولم يعلق كانت هناك حرب تنشب بداخله لا يريد سماع شئ عن ماضيه مع فريدة تلك، كل ما يريد معرفته هو أين هي الآن ليشفي صدره وينتقم أشد انتقام ويثأر لأمه.
***
بينما كانت هي في إيطاليا تتحدث مع احد ما عبر الهاتف قائلة وهي تضع لفافة تبغ في فمها:
ها يارغد (ممرضة رازي القديمة) ايه الاخبار طمنيني.
ردت رغد بما أشعل النيران في قلب مايا:
بصراحة يا ست مايا الاخبار مش احسن حاجة.
اعتدلت من جلستها فقد كانت متكئة على الاريكة قالت بقلق:
فيه طمنيني.
ردت رغد:
رازي بيه كلمني من فترة واداني حسابي وقالي انه خلاص مش محتاج ممرضة، ولما عملت اتصالاتي على سناء كأني بسأل عن اخبارهم يعني قالت ان رازي بيه اتجوز.
هبت مايا واقفة وهي تقول بغضب يحرق الأخضر واليابس:
اتجوز مين وازاي.
ردت بصدق:
ما اعرفش بس اللي عرفته من سناء أنه اتجوز الممرضة الجديدة اللي جات بدالي.
قالت في نفسها:
(رغم اني عملت المستحيل عشان الفت نظره الدون دا).
اغلقت مايا الخط اعتصرت كوب الجعة الذي كانت ترتشف منه وقالت بهسترية:
رازي لو مش ليا مش هيبقى لحد تاني، انا هاعرف اجيبه هنا لو مش برضاه يبقى غصب عنه.
هبط نذار حاملا أدم بين ذراعيه.
عقد حاجبيه عندما لمحها تتحدث مع نفسها.
قال نذار:
شو حبيبتي عم تحاكي حالك، شو صار.
ردت بارتباك:
لا مافيش.
التقطت أدم وهي تقول:
good morning, Babe.
قبلها أدم ورد:
good morning, Mom.
احتضنت أدم بقوة حتى كادت ان تكسر عظامه وكأنها ترى فيه رازي مما جعله يتوه قائلا:
Enough, Mom I can't breathe, you're suffocating me (يكفي امي لا استطيع التنفس انتي تخنقينني).
فاقت من شرودها على صوت أدم قالت مندفعة:
نذار انا عايزة انزل مصر.
عقد حاجبيه باستفهام وقال:
لك انتي جنيتي. مصر شو يلي بدك تنزليها، رازي عم بيدور عليكي متل المجنون وحتى لو عاجز اكيد معه يلي بيخلص عليكي من غير ما يهتزله رمش حبيبتي.
لم تفكر قبل أن تتفوه بما اثار الريبة في عقل نزار قالت مندفعة:
رازي اتجوز.
رمقها بريبة وغضب معا:
وانتي شو دخلك عم تحني بيبي ولا شو.
تلعثمت وحاولت تغير مسار الحديث قائلة:
كنت عايزاه يفضل طول عمره مكسور ومعقد من اللي عملناه فيه، ما توقعتش يتجاوز اللي حصل بسرعة كده.
رد نزار:
سرعة شو الرجال ضل خمس سنين ما عم يخرج من قصره، ترك العالم كله وانعزل شو بدنا فيه، بيكفي مايا انا بدي عيش حياة هادية مع ابننا بعيد عن الانتقام حتى الجماعة يلي عم نشتغل معهم لو بقدر ابعد عنهم راح ابعد، وبدي اكتر إننا نتزوج ونستقر مع حبيب قلبي إبني، إحنا معنا كتير مساري بدنا نستمتع وبس.
ردت بغضب:
بس انا مرات رازي يا نذار.
اقترب اكثر من وجهها وقال بنبرة فيها وعيد:
إنت مانك مرته لرازي، رازي اتزوج فريدة مو مايا، إنتي إلي أنا وبس لا تشغليلي عقلاتك وتضّحكي عليا بانسفك مايا.
احرقها الغضب كيف لهذا المعتوه ان يقول ان رازي ليس ملكي هو لي. ولي وحدي. وكيف له ان يعتقد انني له، لم اكن له في يوم انا زوجة رازي وهذه هي الحقيقة و سأصلح الأمور بيننا حتى لو اضطررت لقتل نذار.
هزت رأسها على مضض وقالت محاولة تهدئة ذلك الثائر:
اوك نذار فهمت، اول ما احس اني تمام من جوه ومستعدة للارتباط تاني هنتجوز، عشان ابننا.
تنهد بارتياح وقال:
ايه هيك مو عندي مشكلة انا بنطر بس مو كتير مايا.
***
(أدركت بعد سنين عزلة أنه احيانا لكي تشعر بالسعادة عليك أن تجعل أحدهم سعيدا، ان تصنع له ابسط الاشياء التي بالنسبة له هي اشياء عظيمة، هذا لن يكلفك عناء اذا كنت تستطيع ذلك فرؤيتك للأخرين سعداء بفضلك سيجعلك اكثر سعادة منهم).
كان رازي يقف منتظرا من قدر ان تصوب على احدي شجرات الصفصاف من سلاحه الذي أهداه لها وقد كان مسدس باللون الذهبي.
نظر في ساعته الرولكس وقال بتهكم:
بقالك ربع ساعة تفكري هتضربي ولا لا، لو حد عايز يخطفك كان زمانه خلص كل حاجة وانتي بتفكري.
كانت يديها ترتجف وهي تقول:
إنت ممسكني البتاع دا ومش عايزني اخاف دا لما كنت بشوف العيال ماسكين مسدس البلابل في العيد كنت بخاف تيجي واحدة في عيني ولا حاجة كنت بخاف اطلع العب في الشارع يوم العيد واقعد قدام التلفزيون.
ضحك على برأتها وخوفها المبالغ من ادق الاشياء في نظره.
اقترب منها وقف خلفها وقال:
اولا لازم تفردي ضهرك كده انتي شكلك كده بيقول ست عندها سبعين سنة.
اسمك كتفيها وفرد ظهرها ثم احكم يديه على خاصتها كان شبه يحتضنها من ظهرها، شعرت بأن أنفاسها تسحب منها، ليته يبتعد لما عليا ان اتعلم التصويب اللعين هذا انا لن التحق بالجيش.
اضربي، هكذا حثها رازي.
لكنها كانت شاردة تفكر في قربه لها لهذه الدرجة، أنه يشتت انتباهها كثيرا يبعثرها هذا القرب المبالغ فيه.
ضغط هو على الزناد وأطلق رصاصة صدح صوتها مما جعلها تصرخ مختبئة في حضنه.
ربت على ظهرها وأطلق تنهيدة وقال لها:
واضح اني اتسرعت قبل ما اعلمك التصويب كان لازم اعلمك ازي تمسكي المسدس وازاي تكوِّني علاقة بينك وبينه غير الخوف. الألفة مثلا أنه هو صاحبك اللي بيقف معاكي في أحلك الأوقات.
ابتعدت عنه قائلة بصدق:
أنا بخاف لما بشوفه.
قال هو قاصدا اثارة التحدي بداخلها:
شكلي كنت قريكي غلط لما قلت انك شجاعة وقوية، اللي شايفها دي واحدة انهزامية يائسة.
استدار متصنعتا الحزن ممثل بارع هو حينما يريد ذلك.
كانت كلماته تتردد بداخلها أشعلت روح التحدي بها كان قد ابتعد عنها تاركا لها المجال لتقرر بنفسها.
صرخت هي موجه سلاحها تجاهه:
راااازي.
استدار لها اتسعت عينيه من الصدمة، هل توجه سلاحها عليا الآن تلك الملعونة الصغيرة علمتها القتال وسأكون اول ضحية لها.
اغمض عينيه وهو يقول بصراخ:
بتصوبي غلط يا بنت المجانين.
لفت يدها ناحية احدي شجرات الصفصاف وأطلقت وهي تغمض عينيها وتصرخ:
أنا قوية، شجاعة مش انهزامية ولا يائسة.
وما ان أطلقت الرصاصة حتى ألقت السلاح ارضا كانت يدها ترتجف، وانهارت بجوار السلاح فاقدة اي ذرة ثبات بها.
فتح عينيه واتجه مسرعا ناحيتها وجدها ملقاة على الشعب تتنفس بسرعة اقترب منها وقال بمشاكسة:
اومال لو جبتلك بندقية تضربي بيها هتموتي ولا ايه.
مد يده لها ولكنها فاجئته بما قالت:
مش قادرة، ركبي بتخبط في بعض حرفيا.
حك أنفه وهو يقول:
لسة بدري عليكي اوي عشان تتعلمي.
جلس هو جوارها على العشب.
تطلعت إلى السماء شردت قليلا ثم استدارت إليه وهي تقول:
عارف نفسي كمان في ايه.
أعارها انبتاهه اكثر فتابعت هي.
نفسي يكون عندي مكتبة صغننة اد كده هو.
أشارت بإصباعيها السبابة والابهام🤏 اشارة منها بأنها تريد مكتبة صغيرة جدا بعكس مكتبته الضخمة.
هز رأسه ولم يتفوه.
نظر إلى السماء فقد شحب لون الشمس كانت تستجمع شملها للرحيل لونها برتقالي شاحب دافئة بعض الشئ.
قال رازي:
يلا نرجع القصر الشمس بدأت تغيب.
هزت رأسها بنعم وقالت:
يلا لحسن بخاف من الضلمة.
قال ممازحا:
أنا عايز اعرف ايه مش بيخوفك.
ردت ببرأة وصدق حقيقي:
وجودك.
ثبت ناظره على عينيها، لقد تفاجأ حقا، لحظات من الصمت فقط يتبادلا النظرات.
فقالت بخجل محاولة تجنب نظراته:
يلا نرجع.
حك خلف رأسه بحرج وقال:
اوك.
امسك يدها ليساعدها على النهوض عن العشب.
وبالفعل ركبا حصانه جوكي ومشت جوليان بجوارهم حتى وصلا إلى القصر.
وما ان فتحت رازي الباب حتى وجدت قدر قالب حلوى على طاولة الطعام.
نظرت بفرحة عارمة ربع هو يديه بسعادة لرؤيته الفرحة في عينيها وقال:
عدي الجمايل بقى.
ثم قال بصوت دافئ حاني:
Happy birthday.
لم تجد كلمة شكر تقولها لذا عبرت عما بداخلها بأنها رفعت قدميها على الأرض لتقف على أطراف اصابعها حتي تستطيع أن تصل لخده قبلت خده وقالت بسعادة:
إنت أجمل رازي في الدنيا كلها.
بهتت ملامحه لا يريد سماع تلك الجملة ابتعد عنها دلف إلى المرحاض يتنفس بسرعة كانت هي مندهشة من فعلته بينما هو يجاهد بالا بفقد السيطرة على أعصابه لا يحب تذكر كلمات فريدة، كانت تلك أحدهم مر وقت حتى عاد لطبيعته وما ان خرج من المرحاض وجدها تجلس مع شخص غريب لأول مرة يراه.
عقد حاجبيه وقال:
مين دا؟؟؟
رواية ندبات قدر الفصل الثامن عشر 18 - بقلم الشيماء مسعد
خرج رازي من المرحاض وجدها تجلس مع شخص غريب لأول مرة يراه.
عقد حاجبيه وقال: مين دا؟
قالت بفرحة حقيقية وعيناها تلمع: دا عصفور صاحبي وزي أخويا، هو اللي ساعدني أهرب. أنا بجد مبسوطة إني شوفته يوم عيد ميلادي.
شملهم رازي بنظرة حادة، لم يعجبه أبداً ذلك الوضع وماذا قالت للتو (صاحبي)، يالها من جريئة، إنها زوجة رازي كيف لها أن تتخذ خليل، تلك المعتوهة أوقعت نفسها في بؤرة لا مخرج منها.
تذكر رازي أن يعاقبها ما إن يرحل ذلك الثقيل.
فاق من شروده على عصفور يقف أمامه يمد يده لمصافحته بابتسامة قائلاً: أنا عصفور وقدر دي أختي الصغيرة، ألف مبروك على الجواز، مش هاوصيك عليها.
رد بجمود جاهد على أن يبدو لطيفاً نوعاً ما: الله يبارك فيك.
ترك يده وتوجه يجلس بجوار قدر وهو يحاوطها بذراعه، ضمها إليه بقوة حتى اصطدمت رأسها بصدره، أصبحت تسمع صوت دقات قلبه التي تعلن عن حريق بداخله ولا تعلم سببه.
قال رازي وهو مازال قابض على قدر في حضنه: مش هتوصيني على حبيبة قلبي.
تهللت أسارير عصفور الذي لا يتمنى لقدر إلا كل خير: أنا فرحان بجد عشانها، ربنا يسعدكم، أنا والله حاسس إني جيت في وقت مش مناسب بس كان قلبي واكلني عليها أوي.
رمقه رازي بغيظ بدا جلياً في نبرته: واكلك؟!
لا اطمن قدر مع جوزها حبيبها.
ابتسمت هي عند سماعها لتلك الكلمات، حتى لو كان تمثيل، حتى لو لم تكن الحقيقة، لكنها سعيدة حقاً لسماعها تلك الكلمات التي أسرت قلبها. لماذا يعجبها ذلك الوضع وأنه يغار عليها؟ لا تدري، لكن كل ما تعلمه جيداً هي أنها تريد لتلك اللحظة أن تستمر قدر الإمكان.
قررت التلاعب أكثر بمشاعره.
قالت بحماس: إنت لازم تحكيلي كل حاجة حصلت معاك يا عصفور من لحظة ما سبتك لحد دلوقتي.
استشاط غضباً الذي جالس بجوارها، فكر قليلاً، هل اعتصرها الآن بقبضتي تلك؟ يالها من جريئة حقاً، إنها تتمادى، تباً لها تلك الصغيرة الحمقاء.
بدأ عصفور يقص عليها ما تعرض له من ضغط من قبل ممدوح وكيف كان لا يكف عن مراقبته له، وأنه لم يبعد نظرات الشك عنه لحظة، كيف توعده وهدده بأنه سيؤذي أخته الوحيدة عزة إذا علم أن له يد في هروب قدر.
اغرورقت عيناها بالدموع وهي تعتذر عن كونها السبب في كل تلك المشكلات التي وقع فيها بسببها.
قالت: أنا آسفة يا عصفور، أنا السبب في كل اللي حصل لك.
أما عن رازي، فقد كان يزداد مقته لذلك الرجل الذي يعتقد أن العالم كله يدور حوله.
رد عصفور بسرعة ينفي صحة كلامها: انتي مالكيش ذنب، هو اللي حيوان يا قدر. أنا مرة روحت له في بيت واحدة من اللي عايش معاهم في الحرام، استغفر الله العظيم، لقيته عامل تمثال شبهك بالظبط ومحتفظ بيه، دا واحد مريض.
كور رازي يده أثر سماعه لذلك.
لم تعلق على كلامه، لكن تبدلت ملامحها للخوف والقلق، لا تريد أن يظهر في حياتها ذلك الوغد مرة أخرى.
شعر رازي بخوفها فقرر تغيير مسار الحوار.
قال: قدر مش هتقدمي حاجة لضيفك ولا إيه؟ ولا أقولك في دليفري هيوصل بعد شوية، قومي جهزي السفرة هنتعشى كلنا.
استقام عصفور واقفاً وقال: لا اعفيني أنا من العشا دا، أنا لازم أمشي عشان الحق أرجع القاهرة قبل نص الليل.
هتفت هي باندفاع: لا مش هسمحلك تروح بالليل كده، لازم تنام انهاردة هنا وبكرة تمشي الصبح.
رفع رازي حاجبه الأيسر باستنكار وقال: ينام؟!
تمتم بما لم تسمعه: دانتي وقعتك سودة.
نظرت له برجاء وقالت: ممكن يا رازي ينام هنا للصبح؟
رد بابتسامة صفراء: يا نهار أبيض، وأنا أقدر أرفضلك طلب يا قدري.
ضغط على أسنانه وهو ينطق اسمها بتلك الطريقة.
قال عصفور وقد لاحظ غضب رازي: لا أنا حاسس إني عزول والله.
تمتم رازي بما لم يصل إليهم: حاسس بس مش متأكد يعني.
وقال بصوت جوهري: لا إزاي دانت أخو الغالية وصاحبها، وجودك مرحب بيه أكيد.
ابتسم عصفور وهز رأسه بالموافقة.
أما هي فقد اتسعت ابتسامتها لرازي الذي لم يخذلها.
***
كان مهاب مستلقياً أمام البحر ليلاً على الرمال الباردة ينظر إلى السماء وهو يردد كلمات لقصيدة الشاعر فاروق جويدة: (لو أننا لم نفترق، لبقيت نجماً في سماءك سارياً، وتركت عمري في لهيبك يحترق).
كان إلياس يجلس بجواره في صمت، الهواء البارد يباغت وجوههم، وموجات البحر تضرب الشاطئ بقوة عاتية، صوت سكون الليل لا يشوبه سوى تلك الأمواج المضطربة كتلك التي تثور بداخل مهاب.
الأبخرة تتصاعد من البحر صانعة شبورة تشوش الرؤية.
بدأ إلياس يرتجف من البرد القارص وهو يضم يديه إلى فمه ينفخ فيها زفيراً حتى يحظى ببعض الدفء.
قال: مش كفاية كده، إحنا شوية كمان وهنتجمد يا عم روميو.
لم يعلق مهاب، لقد كانت حرارة قلبه طاغية على إحساسه ببرودة الجو تلك.
وكزه إلياس قائلاً: القعدة دي هتمرضك أكتر، قوم ندخل الشاليه.
أشار له مهاب بالموافقة عندما رأى حالته هكذا وهو يرتجف وقال: يلا نرجع القاهرة، أنا زهقت من هنا.
وافقه إلياس الرأي وقال: دا عين العقل.
***
بعد أن انتهوا من تناول الطعام وقطعت قدر كعكة عيد ميلادها مع رازي وعصفور، بعدها احتسوا القهوة وكان رازي يسأل عصفور كثيراً يريد أن يتوغل أكثر في معرفة تفاصيل عن حياة قدر السابقة، حتى أن عصفور حكى له عن تلك الكتب والملخصات التي كان يسرقها من المكتبة التي يعمل بها من أجل قدر حتى تذاكر بها ويعيدها مرة أخرى.
كان رازي كلما استمع أكثر عن علاقة عصفور بقدر شعر بوخز في صدره ولا يعلم سببه، لكنه حقاً ممتن له ولما فعله من أجل تلك الصغيرة البريئة.
بعد مرور وقت ليس بقليل استقام رازي واقفاً وقد قرر معاقبة قدر على سعادتها تلك من أجل قدوم عصفور، فأمسك يدها وقال: يلا يا حبيبتي هنطلع ننام، وانت يا عصفور، الأوضة دي خاصة بالضيوف تقدر تنام فيها واعتبر البيت بيتك، يلا تصبح على خير.
قال عصفور ممتناً: وانت من أهله يا رازي بيه، وشكراً على الضيافة.
هز رازي رأسه وسحب قدر من يدها يجرها خلفه وصعدا إلى أن وصلا غرفة رازي.
حاولت قدر سحب يدها وهي تقول: يلا بقى تصبح على خير يا رازي.
لم يترك يدها ورد عليها قائلاً: رايحة فين انتي هتنامي في أوضتي، فيه راجل غريب تحت.
قالت ببرأة: عصفور مش غريب.
قال هو بنفس نبرتها مقلداً إياها: إيه راضعين على بعض.
شعرت في نبرته بتهكم، مطت شفتيها وقالت: انت بتتريق صح.
شعر بأنه أهانها بكلامه ونبرته المتهكمة فقال: لا مش صح، أنا عايز مراتي تبقى معايا الليلة دي، ياترى مش من حقي.
نجح في أسر قلبها بكلامته الرقيقة وحرصه الدائم على ألا يزعجها، تمنت لو أن هذا حقاً ما يريده.
أما هو، على الرغم من شعوره بالغيرة من اهتمامها الزائد بذلك الثقيل عصفور من وجهة نظره، وعلى الرغم من أنه أراد أن يعاقبها بإجبارها على النوم في غرفته، إلا أنه بنظرة واحدة من عينيها البريئة وجد نفسه يتفوه بالطف العبارات حتى لا يضايقها.
حسمت أمرها بأنها لا تريد أن تختم ذلك اليوم الرائع بما يزعجها أو يزعجه، لذا قالت بهدوء: طب هاروح أجيب هدوم.
هز رأسه وقال: ابقى حصليني.
بدلت ثيابها وعادت بسرعة له، وعندما نظرت إليه وجدته قد غط في النوم، لكن الحقيقة أنه مثل أنه نائم حتى لا تشعر بالحرج منه.
لكنه تفاجأ بأنها جلست بجواره بهدوء.
حركت يدها أمام عينيه حتى تتأكد أنه نائم فعلاً، وحينما لم تجد استجابة منه، مسحت على وجنته بلطف وهي تهمس: شكراً بجد لأني أول مرة حد يعمل حاجة مميزة عشاني ويفتكر عيد ميلادي.
فتح عينيه على حين غرة وقال: طب عدي الجمايل بقى.
اتسعت عيناها من الصدمة والخجل، سحبت يدها بسرعة.
وقالت: أنا بس... كنت جاية أقولك تصبح على خير و...
ضحك على هيئتها الخجلة وقال من بين ضحكاته: طب آسف والله هرجع أنام وكملي اللي كنتي بتقوليه.
اعتدل من نومته وقال بنبرة جادة: انتي تستاهلي كل حاجة حلوة يا قدر.
تورّدت وجنتيها من الخجل وقالت: شكراً.
صمتت قليلاً ثم قالت بصدق نابع من قلبها: على فكرة ضحكت حضرتك حلوة أوي.
رفع حاجبه وقال بصدمة: حضرتك؟!
نظرت لأسفل وقالت: قصدي يعني ضحكتك حلوة بجد، ياريت تضحك كتير.
قال بصدق نابع من قلبه قبل لسانه: بتطلع بس مع الناس اللي برتاح معاهم.
شعرت بسعادة تغمر قلبها لأنها من أولئك القلائل الذين يشعر براحة معهم، تذكرت حينما كانت تراه يضحك مع إلياس ومهاب، كم تمنت أن يضحك لها مرة واحدة، والآن تحققت أمنيتها وهو يضحك معها من قلبه. هذا إنجاز يحسب لها بأن تجعل السيد رازي المتعجرف الجامد يضحك.
استقامت واقفة متجهة ناحية الأريكة، لكن أوقفها قوله: لا استني خليكي انتي نامي هنا، أنا هنام على الكنبة.
هزت رأسها بالموافقة.
على مضض تمدد هو على الأريكة، كان أطول منها بكثير لذا لم يكن مرتاحاً أبداً، أما عنها فقد دثرت نفسها جيداً وحاولت النوم مراراً، لكن تفكيرها لا يكف عن التساؤلات، أنا معه الآن في غرفته، هل سيعتاد على هذا؟ هل يستغل المواقف؟ لكن لما يريدني أن أكون بالقرب منه؟ علاقتنا ليست حقيقية، هي فقط حبر على ورق.
وضعت الوسادة على رأسها حتى تكف عن التفكير وبعد وقت ذهبت في سبات عميق.
أما هو فلم يذق طعم النوم، لم يعتد على النوم على الأرائك، وأيضاً لم يكف عن التفكير في سعادة قدر حينما رأت عصفور، كان يشعر ببعض الغيرة، لا بل الكثير من الغيرة، واللعنة، تلك الغيرة أمر أحمق حقاً.
***
بينما صباح جديد في القاهرة، لم تكن الأمور تسير بتلك السلاسة، فقد كانت هاجر تجلس في النادي في ثاني يوم لها بعد الخطبة.
جاء إياد رغماً عنه بأمر من والده ليجلس معها حفاظاً على صورتهما أمام المجتمع الراقي.
تأففت حينما لمحته قادماً.
قال هو ببرود: صباح الاكتئاب.
رفعت حاجبها وقالت: صباح الرخامة.
سحب مقعداً وجلس عليه وقال: احكيلي بقى قصتك الحزينة مع مهاب.
اتسعت عيناها من الصدمة، كيف يعرف بهذا ويبدو بارداً لهذه الدرجة.
ردت بتلعثم: حكاية إيه، مافيش حكاية، انت اللي خيالك مريض أصلاً.
قال وهو يحرك أصابعه أعلى وأسفل: بلا بلا بلا بلا، اسمعي يا بنت الصاوي، إذا انتي مغصوبة، أنا أكتر منك، وإذا انتي عندك حياتك الخاصة، أنا كمان عندي وبحب زيك، عندي ليكي ديل هيعجبك، تعالي نمشي أمورنا مع أهلنا ونمثل قدامهم إننا دايبين في بعض لحد ما يوصلوا للي هما عايزينه، وقتها بقى يبقى سلام يا صاحبي وكل واحد يكمل حياته عادي.
ردت بحماس: تصدق بالله، أنا لما شوفتك ما كنتش طايقة شكلك، بس انت طلعت كينج، موافقة.
ثم لمع الحزن في عينيها وتابعت: بس تفتكر مهاب هيسامحني؟ أنا صدمته وجرحته، بس كان لازم أعمل كده عشان خايفة عليه وعلى مستقبله.
سيبي حوار مهاب عليا، المهم إننا اتفقنا، ديل يا زميل.
هكذا كانت كلماته التي أحيت الأمل داخلها.
ردت بحماس: ديل يا زميل.
***
استيقظ رازي متأخراً من نومه، لم يجد قدر، هب واقفاً يفكر، هل هي معه الآن؟ سأفرغ سلاحي في أم رأسها إذا كانت تتسامر معه، لكنه سمع صوت مياه قادمة من المرحاض، تنفس الصعداء وخرج من الغرفة.
هبط لأسفل، كان عصفور جالساً في الحديقة يلاعب بلاك، وقد أحبه كثيراً.
جلس رازي بجواره وقال بامتنان حقيقي: شكراً لكل اللي قدمته لقدر زمان، لأنك كنت راجل.
طالع عصفور بغير تصديق وهو يقول: بتشكرني على إيه؟
قدر دي أختي، أنا اللي المفروض أقولك شكراً، لأنك حافظت عليها، قدر دي أصلها مرت بتحديات في حياتها ربنا وحده أعلم بيها، لما كان ممدوح يضغط على دلال عشان ياخد قدر معاه وقدر ترفض، كانت دلال بتعاقبها بأنها تعمل شغل البيت كله لوحدها، وتحرمها من الأكل يوم كامل، كنت أنا بطلع لها الأكل من الشباك، تنزلي حبل أربط لها كيس السندوتشات.
كور رازي يده بغضب حتى برزت عروقه، شرد قليلاً ثم قال لعصفور: اسمع عايز منك خدمة.
قال عصفور مرحباً: اعتبرها اتنفذت.
قال رازي: حيث كده يبقى تسمع اللي هاقوله كويس أوي.
***
في مركز للدروس الخصوصية كانت تجلس نورين، ابنة السيدة مريم جارة إلياس ومهاب في الشقة.
كانت شاردة، حزينة، منكسرة، تسقط دموعها في صمت، كانت تعبث بهاتفها الخلوي تتفحص إحدى مواقع التواصل الاجتماعي (الفيس بوك)، تنظر إلى صورته، أنه ذلك الشخص الذي جعلها تحلق في سماء الحب وفجأة هوى بها إلى الأرض السابعة، أنه إياد أمجد نصار وبجواره هاجر الصاوي.
انهارت نورين وهي تتذكر إياد الذي عوضها غياب والدها، تذكرت كلماته، انتظاره لها حتى تنهي دروسها.
شردت قليلاً فتذكرت.
كانت تخرج من مركز الدروس بعدما أنهت دروسها، وجدته يتكئ على سيارته ينتظرها منذ قرابة الثلاث ساعات.
بدت معالم الصدمة على ملامحها الطفولية الهادئة.
اقتربت منه وقالت: دا بجد، أنت واقف هنا من تلات ساعات؟
رد وهو يزيل نظارته السوداء ماركة ريبان وقال بحنان: واستنى تلات سنين عشان أشوف العيون البريئة دي.
لوت فمها وقالت: إحنا اتفقنا على إيه؟ نحترم نفسنا ولا أمشي؟
أسرع يقف أمامها قائلاً: لا يا بابا تمشي إيه، دا بابا مستنيكي تلات ساعات، يهون عليكي تمشي كده وتسبيه؟
ابتسمت وقالت: لا ما يرضينيش.
فتح باب سيارته وقال: طب ادخلي بقى هديكي حاجة.
دلفت إلى السيارة وهو أيضاً دلّف وأغلق الباب.
أعطاها كيساً به طعام.
فتحت الكيس وجدت طعامها المفضل الشاورما، وأيضاً مثلجات بطعم المانجو المفضلة لديها.
نظرت إلى الطعام بسعادة طفولية مما جعل قلبه يقرع كالطبول من ابتسامتها التي تغمره هو أولاً.
هتفت: أجمد إياد في الكون كله.
رد هو بسعادة أكبر من تلك التي تغمرها: حبيبة قلب بابا، مبسوطة دلوقتي.
هزت رأسها بنعم.
تنهد بارتياح ونظر في عينيها يحتضنهما بعينيه وقال: نفسي أخليكي مبسوطة كل ثانية كل دقيقة، نفسي ما أشوفش ولا دمعة في عينيك يا نورين.
شعرت بالخجل وقد ذابت من إحساسه الصادق وكلامه الذي ينجح في أسر قلبها.
قالت: الحاجة الوحيدة اللي هتخليني مبسوطة هي إني أكمل حياتي معاك يا إياد.
رد بمشاكسة: إياد على سنين إياد اللي طالعة زي القمر يا حبيب بابي، طب بالله واحدة إياد تاني كده عشان أقدر أروح.
ضحكت وقالت: مجنون.
عادت من شرودها لواقعها المؤلم وقد ازداد نحيبها مما جعل معلم مادة الفيزياء الأستاذ عبد الناصر ينتبه لها.
وما أن أنهى الدرس وانصرف الطلاب حتى اقترب منها وقال بهدوء: مالك يا بنتي؟ حصل معاكي حاجة لا سمح الله.
ردت وهي تزيح دموعها بتوتر وقالت: لا يا مستر مافيش، أنا هقوم أمشي.
وما أن وقفت لتمشي حتى كادت تسقط لأنها لم تأكل منذ عرفت بخبر خطبة إياد وهاجر، كادت تسقط مما دفع الأستاذ عبد الناصر بمساندتها وعرض عليها: أنا هوصلك بيتكم.
قالت ومازال صوتها يرتجف من أثر البكاء: لا مش عايزة أتعب حضرتك، هاخد أوبر.
قال بحزم: يا بنتي مافيش تعب ولا حاجة، انتي زي بنتي.
مسك يدها وتحركا ناحية سيارته.
***
بعد قضاء يومين في الساحل عاد إلياس ومهاب إلى القاهرة.
ظل مهاب في الشقة نائماً، لكن إلياس ذهب إلى الشركة ليباشر عمله.
جلس هو وفاطمة لإنهاء بعض الأعمال، كانت هي تشرح وتتحدث وهو شارد تماماً، عقله لا يتوقف عن التفكير.
إلى متى ستظل تخبئ مشاعرك إلى أن يأتي شخص آخر ويأخذها منك مثلما حدث مع مهاب الذي لم يصارح هاجر بحبه حتى وجدها تضيع منه في لمح البصر.
كانت فاطمة تقول بعملية: إحنا شغلنا عشرين عامل كمان عشان نقدر نسلم الشغل في معاده المحدد و...
قطع كلماتها قوله المباغت: فاطمة أنا بحب.
صمتت برهة تستوعب وتفكر، يا للكارثة، هل يحب غيري؟ لا مستحيل.
وبعدها ردت بهجوم: حب... حب إيه وكلام فارغ إيه.. الحب دا يا باشمهندس خرافة مالهاش أي أساس من الصحة، حاجة بتضيع الوقت والجهد والفلوس، وأهم حاجة الفلوس.
بتر كلماتها قوله بصدق: فاطمة أنا بحبك انتي.
طالعته بصدمة وقد احتلت المفاجأة معالم وجهها، رمشت عدة مرات متتالية ثم ابتلعت لعابها وجاهدت لتخرج أول كلمة بعدما هربت الكلمات من فمها.
قالت: أنا؟!
هز رأسه بابتسامة جذابة.
ثم ردت ببرائتها المعهودة: طب ممكن تنسى كل الكلام اللي قولته من شوية، أنا انسحب، الحب يا باشمهندس هو أسمى شيء في الوجود، ويجب أن تغسل أسنانك قبل الأكل وبعده.
ضحك على غبائها، فنهرت نفسها وقالت: لا الحكمة دي مش وقتها دلوقتي.
هبّت واقفة وقالت: أنا لازم أمشي، افتكرت حاجة.
خرجت مهرولة إلى الخارج، وقبل أن تخرج استدارت له وقالت: يا باشمهندس انت وصلتني بـ... قبل كده صح؟
هز رأسه بنعم.
ثم تابعت: طب بابا مستنيك في نفس العنوان اللي وصلتني فيه.
ركضت للخارج.
هز رأسه بمعنى لا فائدة من تلك المجنونة الجميلة وقال: مجنونة.....
رواية ندبات قدر الفصل التاسع عشر 19 - بقلم الشيماء مسعد
وصل الأستاذ عبد الناصر بسيارته أمام العمارة التي تقطن بها نورين. كانت هناك سيارة تقف منذ ساعات في انتظارها، لقد كان إياد الذي لا يمل الانتظار.
كان سيخرج من السيارة ليحادثها، لكنه لمحها تهبط من سيارة رجل غريب. وما إن خرجت حتى كادت تسقط مرة أخرى. حينما رأها إياد على وشك السقوط، بحركة تلقائية حرك جسده كأنه يستطيع مساندتها من داخل سيارته، لكن الرجل الغريب أسرع وأمسك يدها وأصبحت تتكئ عليه.
هوى قلب إياد أرضًا. فكر: ترى هل حدث لها أي مكروه؟ ابنتي المدللة قرة عين أبيها، ماذا حدث لها؟ هل مريضة أم مجروحة؟ تبت يداي، فأنا من جرحها. لم يستطع المكوث والمراقبة من بعيد، سيهبط من السيارة ولم يبالِ بما سيحدث من عاقبة.
هبط من السيارة وركض سريعًا قبل أن يدخلوا العمارة. وقف إياد أمامها وعيناه ستفنى من فرط القلق عليها. قال بقلق: "نورين، إنتي كويسة؟"
صدمت حينما رأته أمامها. فكرت لوهلة: كيف له أن يقف أمامي هكذا بكل بساطة؟ يا له من وغد ماكر خائن لعوب. لقد تناست في تلك اللحظة الأستاذ عبد الناصر الذي لم يتحدث بل انتظر ردها.
قالت بنبرة ظهر فيها انكسار قلبها: "ابعد عني لو سمحت، مش عايزة أشوفك تاني أبدا، سيبني في حالي."
تجمعت الدموع في عينيه. تمنى لو يملك الحق في الاقتراب منها واحتضانها لكان فعلها دون تردد. قال بنبرة حانية: "لازم أفهمك كل حاجة، أنا كنت جاي عشان أحكيلك."
وهنا تدخل الأستاذ عبد الناصر بحزم: "ابعد من طريقها، إنت مين أصلًا؟ قريبها؟ خطيبها؟ تبقى لها إيه إنت من الأساس؟"
لم يهتم لما قاله عبد الناصر، لكنه تابع بصدق نابع من قلبه: "نورين، لازم نتكلم يا بابا، لازم تفهمي كل حاجة عشانك، عشان مذاكرتك."
لم تجبه، بل قالت موجهة كلامها للأستاذ عبد الناصر: "يلا يا مستر، أنا تعبانة وعايزة أطلع بيتنا."
تحركت، لكنه مازال واقفًا صامتًا يفكر: هل خسرتها؟ هل تكرهني الآن؟ لم أرد أنها تسمع بتلك الخطبة اللعينة حتى لا تؤثر على دراستها. حبيبة أبيها، لن أتركك للحزن ينهش قلبك الرقيق، سوف أشرح لكِ كل شيء في أقرب وقت.
صدح قبل أن تختفي عن ناظره: "بلاش تعيطي كتير وكلي كويس يا حبيبة بابا."
وصلها صوته، فأغمضت عينيها بألم. تفكر: هل مازال يتلاعب بي؟ كيف يظن بي؟ هل حقًا يعتقد بأنني طفلة صغيرة يتلاعب بمشاعرها؟ سوف أتعافى وأجعله يندم على كل شيء منحني إياه ثم سَلَبَه في لمح البصر.
وصلوا أخيرًا الشقة. دقت نورين الباب، فتحت والدتها السيدة مريم. هوى قلبها أرضًا وقالت: "نورين، انتي كويسة يا حبيبتي؟"
وجهت كلامها للأستاذ عبد الناصر وقالت: "مين حضرتك وإيه اللي حصل لبنتي؟"
رد برسمية: "أنا مدرس الفيزياء ونورين بتاخد عندي درس في السنتر. بعد ما خلصنا الشرح نورين داخت وكانت هتقع، فأنا عرضت عليها أوصلها لأني قلقت عليها."
ردت بقلق وهي تقرب ابنتها إليها: "مالك يا حبيبتي؟ حاسة بإيه؟"
ردت نورين بحزن: "مافيش يا ماما، أنا كويسة."
اقترح عبد الناصر: "خليها تدخل ترتاح دلوقتي يا مدام."
ردت مريم: "طب اتفضل حضرتك اشرب حاجة، أنا متشكرة أوي لحضرتك بجد."
تحركت نورين إلى الداخل وهي تتمنى ألا يفصح الأستاذ عبد الناصر عما رآه منذ قليل. قبل أن تغلق مريم الباب، طلب الأستاذ عبد الناصر: "ممكن كوباية ميه يا مدام؟"
قالت مريم بترحيب: "أكيد، اتفضل جوا."
قال: "أنا تمام كده."
دلفت مريم إلى الداخل وأحضرت المياه. كانت نورين في غرفتها معتقدة أن الأستاذ عبد الناصر غادر. وعندما أحضرت مريم كوب الماء له، تناوله وارتشف منه ومد إليها كارت وقال: "ده الرقم بتاعي، أرجو تكلميني ضروري بخصوص نورين."
هزت رأسها بالموافقة وقد تسلل الشك إلى عقلها وبدأت تفكر: ياترى ماذا يعلم عن ابنتي أنا لا أعلمه؟
***
كانت هاجر قد حسمت أمرها وقررت الذهاب إلى مهاب وإبلاغه بالحقيقة كاملة. وما حفزها أكثر هو اعتراف إياد بأنه يحب وخطوبته لها ما هي إلا مجاراة لوالده.
وصلت الشركة واستأذنت السكرتيرة بأن تدخل لمهاب. لم تقل اسمها بل قالت إنها تريده في أمر مهم وعاجل.
دلفت السكرتيرة لمهاب وقالت: "فيه واحدة عايزة تقابل حضرتك يا باشمهندس برا."
رد هو: "ماقلتش مين؟"
قالت السكرتيرة: "لا يافندم بس بتقول إنها جاية في حاجة مهمة وعاجلة."
حك طرف أنفه وقال بتفكير: "دخليها، يمكن شغل."
وما إن دلفت هاجر ووقعت عيناه عليها حتى تجمد. هرب الكلام من فمه لحظات ثم رد بجمود: "كابتن هاجر عندنا، أهلًا أهلًا، وأنا أقول المكتب منور ليه، إيه جايبة خطيبك معاكي ولا جاية من وراه؟ عيب أوي تروحي تزوري صاحبك من ورا خطيبك يا كابتن."
ردت عليه بحزن: "مهاب، لو هتتعامل كده أنا همشي."
رد متصنعًا اللامبالاة في حين بداخله بركان يغلي: "لا تمشي إزاي، صحيح ألف مبروك، أنا ما قدرتش أقولهالك من قريب، أنا كمان هاخطب قريب بس ها أعزمك، مش هاكون ندل زيك يا هوجو."
ردت بحنق: "بقى كده يعني هتخطب وتتجوز؟ يعني أنا اللي رقصت على إيدي الملاك البريء وأنا بعيط؟ تصدق أنا غلطانة إني جيت أحكيلك أنا مريت بإيه."
استدارت لتغادر. بدأ يدندن بصوت عالي: "اللي باعنا خسر دلعنا."
تمتمت بتوعد: "ماشي يا مهاب، أنا هاندمك."
***
كان اليوم ينذر بأن الطقس لم يكن بأفضل حالاته، وأكد ذلك خبراء الأرصاد الجوية على التلفاز ومواقع التواصل الاجتماعي. لكن أحدهم لم يشاهد هذا ولا ذاك، كان رازي بعيدًا كل البعد عن وسائل التواصل الاجتماعي، يعيش في عزلته وعالمه الخاص الذي صنعه لنفسه.
بعد أن غادر عصفور في ذلك الصباح وودعته قدر طالبة منه أن يعيد الكرة، صعدت غرفتها. أحضرت أبريقًا معدنيًا به ماء. طالعت زهرة اللوتس خاصتها بابتسامة، روتها بالماء ولمست نعومتها. تذكرت كلماته الرقيقة: "إنتي زهرة اللوتس يا قدر." ابتسمت وهي تتمنى أن تسمع المزيد من الإطراء منه هو شخصيًا.
بعد ذلك هبطت لأسفل. جلست تشعر بالملل بمفردها لمدة ساعة من الوقت. لم تكن بمزاج يسمح لها بقراءة إحدى رواياتها المفضلة. خرج رازي من الصالة الرياضية بعد ممارسته للرياضة قرابة الساعة، كان شعره مشعثًا، جبينه يقطر عرقًا.
رمقها بنظرة جانبية بدت له أنها ضجرة. أمسك المحرمة ليمسح وجهه المتعرق بشدة أثر ممارسته للرياضة. قال وهو يتجه ناحية المقعد المقابل لمقعدها: "كل دا زعل عشان عصفور مشي؟"
انتبهت له وقالت: "ها؟ عصفور ماله؟ لا أبدًا، أنا بس حاسة بالملل شوية."
وضع المحرمة على كتفه وقال: "امم، إيه رأيك في فسحة مع جوكي وجوليان؟"
لمعت السعادة في عينيها وقالت بحماس: "موافقة، بس المرة دي أركب على جوليان."
رفع حاجبه وقال: "هتعرفي، ولا تقعي زي المرة اللي فاتت؟"
رفعت كتفيها وقالت: "هحاول."
استقام واقفًا وقال وهو يغادر: "طب استعدي، هاطلع آخد دش تكوني جاهزة."
ردت بحماس: "فريرة."
بعد مرور وقت، هما الآن أمام القصر كل منهما يمتطي حصانًا. كانت تلك المرة هادئة، لذا فقد كانت جوليان تتبختر بها بهدوء وطمأنينة. إلى أن وصلا إلى ذلك المكان المفضل لدى رازي. نظرت قدر إلى السماء، لم تكن صافية كما كانت منذ قليل، لقد تبدلت لأخرى مصبوغة باللون الرمادي. تكاتلت الغيوم.
قالت قدر: "رازي، شكلها هتمطر، يلا نروح."
نظر بطرف عينه، وكان يمسك بعصا من الصفصاف يقشرها بسلاح أبيض كان يحمله معه. قال لها: "بطلي خوف وأنا معاكي."
قالت بصدق: "أنا معاك بحس إن طمأنينة العالم كلها جوايا."
لقد أرضى غروره هذا الكلام كثيرًا، لذا داهَمَه ابتسامة جانبية نجح في كبتها قبل أن تظهر. بينما تابعت هي: "لكن أنا بخاف أوي من المطر."
احترم رغبتها وقال: "تمام، زي ما تحبي."
استقام واقفًا وقبل أن يتحرك، انقلب الجو رأسًا على عقب. هبت عاصفة ترابية شديدة القوة كالإعصار. أصبحت أوراق الأشجار المتساقطة تتطاير في كل مكان، اختفت الشمس، خيم الظلام على الجو النهاري. شعرت قدر بزعر شديد، هرولت ناحية رازي، تشبثت بيده بقوة، بدا الخوف جليًا في نبرة صوتها المهتزة.
قالت: "رازي، أنا خايفة."
حتى جوكي وجوليان يشعران بالزعر الآن. بدأت العاصفة تشتد وكأنها نهاية العالم. ومعها بدأت قدر تسعل، فهي تعاني حساسية ضد الأتربة. قبض رازي على يدها بقوة، تحرك ناحية جوكي، ركبها، ثم ركب هو. لكن جوكي كان مذعورًا لدرجة أنه لم ينفذ أوامر صاحبه ولم يتحرك شبرًا واحدًا. لذا هبط رازي مرة أخرى، حملها بين ذراعيه، أنزلها بهدوء لتقف أمامه.
قال لها مطمئنًا: "اهدي، كل حاجة هتبقى كويسة."
مازالت تسعل، تلتقط أنفاسها بصعوبة. أمسك رازي يدها وباليد الأخرى أمسك لجام جوكي وجوليان معًا. كان يشق طريقه بصعوبة وكأنه يسير عكس التيار.
مازالت العاصفة في ذروتها، لم تهدأ، لكنهم بطريقة ما استطاعوا قطع نصف المسافة. لم تستطع قدر أن تقاوم أكثر من ذلك، لذا سقطت فاقدة الوعي، تلتقط أنفاسها ببطء شديد. ترك رازي لجام الأحصنة مما دفعهما للركض ناحية القصر، فهما يعرفان الطريق جيدًا.
حمل رازي قدر بين ذراعيه وأسرع إلى القصر يقاوم العاصفة. وما إن وصل حتى وضعها على الأريكة بقلق. يرى ماذا يفعل، حاول إيقاظها بالماء. كان القلق ينهش في قلبه حتى أنه تعجب كثيرًا بداخله، لم يفهم ذلك القلق القاتل. لم يتوقع أن يقلق على شخص بهذا الحد سوى أخيه إلياس.
بعد عدة محاولات لإيقاظها، بدأ القلق يصيبه، حتى أن يديه كانت ترجف حينما تمسك بيديها اللتان تبدوان كقطعتين من الثلج. بدأت أنفاسها تتلاشى شيئًا فشيئًا وهو عاجز، لا يستطيع فعل شيء. جالت له فكرة، لذا بدأ بالضغط على صدرها ليحفزها على التنفس بشكل منتظم. أخيرًا بدأت تستعيد وعيها، سعلت مرات متتالية، كانت تخرج من فمها غبار أثناء السعال.
أطلق تنهيدة طمأنة حينما استعادت وعيها. فتحت عينيها بضعف وقالت بصوت جاهدت في إخراجه: "رازي."
رد بلهفة: "إنتي كويسة دلوقتي؟ حاسة بإيه؟"
ردت بضعف: "حاسة نفسي مكتوم، مش قادرة آخد نفسي."
قال بقلق: "طب أعمل إيه عشان تتحسني؟ فيه دوا معين أجيبه ولا إيه؟"
ردت هي بتعب: "فيه بخاخ باخده، بس أكيد مافيش صيدلية فاتحة دلوقتي، ما تقلقش، هابقى كويسة."
ربت على يدها بحنان وقال: "إن شاء الله."
نظرت حولها إلى المنزل براحة وقالت: "الحمد لله إننا وصلنا البيت بسلام، كنت مرعوبة."
قال هو بحنان لأول مرة تلمسه في نبرته: "الحمد لله إنك بخير."
سحب منديلًا ورقيًا من العلبة الموضوعة على الطاولة، مسح لها آثار التراب العالقة على فمها.
قالت بامتنان حقيقي وبرؤية صادقة: "الحمد لله إنك ديمًا جمبي، كل مرة بكون في ضيقة بتكون أنت الفارس اللي بيظهر وينقذني، شكرًا يا رازي."
قالت كلمتها وبدأت تسعل مرة أخرى مما دفعه أن يربت على ظهرها بقلق. هدأت قليلاً وقالت وهي تحاول النهوض: "أنا هاطلع أوضتي."
قال وهو يحملها بين ذراعيه: "أنا هاطلعك."
حملها وظلت هي معلقة ناظرها عليه. كيف لإنسان أن يكون بكل هذا الحنان؟ كيف لتلك النظرة الدافئة أن يمتلكها شخص واحد؟ عينيه بهما كمية من الحنان تكفي مدينة بأكملها.
قطع شرودها به قوله: "عارف إني وسيم زي أبطال الروايات اللي بتقرأيها، بس بقول إني حطيتك على السرير ومش راضية تفكي إيديكي من رقبتي."
استفاقت بخجل، فهي كانت غارقة في التفكير به حتى أنها لم تلحظ أنه وضعها على السرير. اتجه ناحية خزانتها، أخرج لها ملابس منزلية، وضعها بجانبها وقال: "خدي دش لحسن هدومك كلها تراب." ثم أكمل بمشاكسة: "مش معقولة إنتي يا قدر، كل ما تخرجي معايا تبهدلي هدومك كده تراب، دانتي لو طفلة صغيرة هتحافظي على هدومك نضيفة أكتر من كده."
فكرت في نفسها: أنه يقلل مني الآن، حسنًا سيرى. نظرت إلى الملابس التي أخرجها لها، كانت ملابس قطنية لونها بينك، وهي تحبه كثيرًا، لكنها قالت بنبرة متكبرة وهي ترفع حاجبها: "ذوقك وحش على فكرة."
فهم أنها تريد أن ترد له كلمته حينما قال لها (ذوقك وحش). ابتسم وقرر معاقبتها بطريقته. اقترب منها حتى صار وجهها مقابل لوجهه تمامًا وقال: "على فكرة أنا ذوقي حلو أوي ومافيش اختلاف على ده، إنتي بقى مش مصدقة دي مشكلتك." أكمل وهو يقترب أكثر وهمس: "ها، ذوقي حلو ولا وحش؟"
ابتلعت ريقها بتوتر وقد فهمت أنه يضغط عليها لتغير كلامها، فقالت بنبرة مهتزة: "دانتا ذوقك قمر، أنا بهزر."
ابتسم وقد أعجبه أسلوب المشاكسة معها. بريئة هي كالأطفال. ابتعد عنها وترك لها الغرفة وعلى وجهه ابتسامة نصر، وذهب لينعم بحمام ساخن.
تحاملت على نفسها واستقامت متجهة إلى المرحاض لتنعم بحمام دافئ يعيد لها راحتها. بعد وقت ليس بقصير، خرجت من المرحاض وجلست هي في فراشها. أمسكت بإحدى الكتب الموضوعة بجانب السرير على الكومود. بدأت تقلب صفحات تلك الرواية التي لم تنهيها بعد.
لاحظت أنه تأخر، مرت ساعة ولم يظهر. اعتقدت أنه لن يأتي، وفجأة فتح باب غرفتها، فنظرت تطالعه، وجدته يحمل بيده طعام العشاء لهما سويا. قال: "أنا لو الفلبينية بتاعتك مش هعمل معاكي كده، هو في راجل بيتجوز عشان يجهز العشا كل يوم لمراته؟"
فكرت قليلا في الكلمة (مراته). هل حقًا أنا زوجته؟ لا، هو فقط يمزح. لقد تزوجني لظروف معينة. من المؤكد أنه لا يحمل لي في قلبه سوى الإحساس بالشفقة.
فاقت من شرودها على رازي وهو يشير أمام عينيها وقال: "رحتي فين؟"
انتبهت له وقالت: "ها؟ موجودة."
"طب يلا عشان تقوليلي رأيك في شوربة المشروم اللي عملتهالك."
قالت بحماس: "امم، شكلها لذيذة."
***
كان إلياس يجلس بجوار مهاب ويبدو أنه يريد قول شيء لكنه متوتر. لاحظ مهاب توتره وقال: "بتفرك ليه يا إلياس؟ قول اللي عايز تقوله على طول."
تنهد إلياس وقال: "مهاب، في حاجة لازم تعرفها."
رفع مهاب عينيه للسقف وقال: "قلت لفاطمة إنك بتحبها وعايز تروح تخطبها صح؟"
شعر إلياس بالحرج، فهو لم يرد أن يتخذ خطوة في علاقته بفاطمة وقلب صاحبه محطم من عشقه الأول، لكن خوفه من ضياعها منه دفعه للتسرع.
قال إلياس: "أنا آسف يا مهاب، بس..."
بتر كلماته مهاب وهو يقول: "إنت عبيط يلا؟ بتتأسف على إيه؟ اهو على الأقل واحد فينا يطلع ناصح وياخد اللي بيحبها."
قال جملته الأخيرة بنوع من الحزن الذي جاهد في كبته. ربت إلياس على فخذه وقال: "ربنا هيعوضك يا مهاب وهتتعافى منها."
هز رأسه بنعم ثم قال بحماس: "يلا بقى كلم الأستاذ عبد الناصر عشان نروح نخطب البت الهبلة فاطمة."
قال إلياس بتحذير مصطنع: "مهاب!"
ضحك وقال: "خلاص يا سيدي، عشان نخطب رابونزل."
***
في المساء كان يجلس مهاب وإلياس وعبد الناصر في الرواق في شقة عبد الناصر. وبعد الترحيب، وبعد الدردشة في مواضيع عامة، وأحضرت لهم فاطمة الشاي، كانت تقف خلف باب الغرفة تسترق السمع وقلبها يكاد يقفز خارجها ويرقص ثم يدخل مرة أخرى.
قال إلياس بنوع من الخجل: "أستاذ عبد الناصر، أنا جاي أطلب إيد فاطمة."
رد عبد الناصر: "أنا من ناحيتي ما عنديش أي مانع، بس لازم آخد رأيها."
رد مهاب باندفاع: "لأ، هي موافقة."
رمقه إلياس معاتبًا ثم قال لعبد الناصر: "طب إحنا مستنين أهو، اتفضل خد رأيها."
رد عبد الناصر بإصرار: "لأ يا ابني، اديها فرصة تفكر."
قال مهاب: "طب يا مستر، انده كده ناخد رأيها."
قال عبد الناصر بقلة حيلة: "فاطمة."
وفجأة فتحت الباب بإندفاع وبدأت تزغرد. اتسعت أعينهم من الصدمة وجاهد إلياس في كبت ضحكاته على تلك المجنونة التي يعشق جنونها.
قال عبد الناصر بحرج: "أنا بقول نقرأ الفاتحة."
رواية ندبات قدر الفصل العشرون 20 - بقلم الشيماء مسعد
كان رازي في مكتبه يهاتف شخصا ما، موصدا باب المكتب جيدا حتى لا يسمع أحد ما يتحدث فيه.
أنهى كلامه بقوله: "نفذ اللي اتفقنا عليه، وأنا النهاردة هكون هناك."
نظر إلى الفراغ وقال: "أنا بدأت انتقامي خلاص، كل واحد هياخد العقاب اللي يستحقه."
قطع شروده حينما صدح هاتفه يعلن عن اتصال آخر. كان إلياس.
رد رازي بمشاكسة: "الناس اللي مابتسألش."
قال إلياس بسعادة: "رازي، أنا خطبت فاطمة."
عقد حاجبيه وقال: "وأنا آخر من يعلم، كنت هستنى لما تخلفوا بالمرة عشان تقولي."
دافع إلياس عن نفسه قائلا: "والله يارازي الحوار كان سريع ومش متخطط له بالمرة، وأنا لو أعرف إنك هتقدر تيجي كنت قلتلك، بس أنا عارف رأيك في إنك تيجي القاهرة."
قال رازي ما أدهش إلياس: "لا يا باشمهندس، مناسبة زي دي تستاهل إني أجيلك، النهاردة أنا وقدر هنكون عندك."
عقد إلياس حاجبيه ولم يستوعب. منذ خمس سنوات رازي لم يخرج من القصر إلا في الجوار، لم يسافر أي مكان.
أكمل رازي: "عمتاً، مبروك، وهاجي مخصوص عشان أباركلك."
قال إلياس بامتنان: "أنا غالي عندك أوي كده يا رازي؟"
"أغلى إنسان." هكذا كان رده بتلقائية.
تنهد وأقفل الهاتف.
خرج من مكتبه ليجد أن السيدة أمينة وسناء قد وصلتا من بلدتهم، وقدر سعيدة بعودتهما وكانت تقول لهما كم كانت مفتقدتَتهما.
رحب بهما رازي قائلا بوجه بشوش: "حمد الله على السلامة يا ست أمينة."
ابتسمت له وقالت: "الله يسلمك يا ابني. الله وأكبر وشك منور، أنا كنت شايلة همك والله وعلى طول بفكر، ياترى أكلت شربت."
ابتسم وقال: "أنا كبرت خلاص على المعاملة دي يا دادا."
اقتربت من قدر وقالت: "شكلك نجحتي إنك تغيري جزء من معاناته، رازي لأول مرة يتكلم زي زمان وهو مبتسم، شكراً يا بنتي."
تاهت في أفكارها محاولة أن تستوعب هل حقاً لدي تأثير عليه؟ وإذا كان هناك حقاً تأثير، فلماذا لا أشعر به أنا؟
وجه رازي كلامه لقدر قائلا: "قدر، جهزي نفسك، هنسافر القاهرة يومين كده ونرجع."
دب الخوف في قلبها بمجرد سماع اسم القاهرة، فهذا الاسم لا يمثل لها سوى دلال وممدوح وكازينو ليالي الأنس اللعين.
قالت بتوتر احتل ملامحها الهادئة: "ليه هنسافر؟"
شعر بتبدل ملامحها لذا قال مطمئناً إياها: "إلياس خطب فاطمة."
صدحت أمينة تزغرد وتقول: "يا ألف نهار أبيض."
هدأت قدر قليلاً، لكنها مازالت خائفة.
***
كان إياد يجلس شارداً، عاقد حاجبيه يفكر كيف يجعل صغيرته تكف عن البكاء، فمستقبلها على المحك بسببه.
أتت هاجر من بعد وصلة تدريب على رياضة (البوكسينج). قالت: "مالك يا ابني قاعد كده ليه زي المطلقة؟"
رمقها بطرف عينه وقال: "زي قاعدتك يوم الفرح لما شوفتي مهاب صح؟"
قالت بحنق: "يوووه، إيه الذل ده، انت محدش يهزر معاك."
قال: "لا مبحبش أهزر مع حد."
جلست هي وأمسكت كوب عصير مانجو وشربته وهي تقول: "احكي، احكي مخبي إيه."
قال بحزن حقيقي: "نورين رافضة تسمعني، أنا مش هاممني حاجة قد مذاكرتها، أكيد مش بتذاكر ولا بتاكل كويس."
قالت هاجر بدهشة: "انت غريب أوي، ردودك ناشفة وباردة، لكن لما الحوار يكون فيه نورين بحسك الأم الحنونة اللي خايفة على ابنها."
تنهد بحنق وقال: "عندك كلمة حلوة قوليها، مش عندك سمعيني سكاتك."
ضيقت عينيها وقالت: "طب واللي يحل لك المشكلة دي؟"
قال بلهفة: "ليكي عندي الهدية اللي انتي عايزاها."
وضعت ساق فوق الأخرى وقالت: "كلنا يا ابني في الهوا سوا، أنا طلبي زي طلبك، وهديتي إنك تساعدني أوصل للمختلف مهاب إني بحبه وكل اللي حصل دا غصب عني."
مد يده وقال: "ديل يا زميل."
قالت وهي تصافحه: "ديل يا زميل."
***
وصل رازي وقدر شقة إلياس ومهاب. وبعد الاستقبال الحافل الذي قدمه إلياس لرازي لأنه لأول مرة يتكرم ويأتي إلى شقته، جلس الجميع يحتسي الشاي ويتناولون أطراف الحديث.
أما في مكان آخر، دلف ممدوح إلى شقة دلال كعادته. رمق جميع الفتيات بنظرة سريعة ومال على دلال يقول: "هي فين البت الجديدة؟"
أشارت إليها فاقتربت. رمقها ممدوح بنظرة ممقززة من أعلى لأسفل وقال: "أول مرة ليكي في ليالي الأنس."
ردت الفتاة بانكسار شديد. فظروفها هي التي رمت بها في النهاية إلى مكب النفايات ذاك، بعدما أغلقت في وجهها كل الأبواب. كانت تصرخ بداخلها: "لا أريد أن أصبح بائعة هوى، فلينقذني أحد، لا أعلم من، لكن أريد النجدة."
سحبها ممدوح من يدها بعنف واتجه إلى الغرفة التي كانت تنام بها قدر.
كانت الفتاة ترتدي ثياباً خليعة تشدها تارة من الأسفل وتارة أخرى تشد جزءها العلوي في محاولة منها لستر نفسها.
أخرج ممدوح قطعة من ثياب قدر وقال لها: "خدي، البسي دي."
كان لباساً محتشماً خاصاً بالنوم، لذا أسرعت وقبضت عليه.
ثم أخرج ما جعل معالم الدهشة تبدو على ملامح الفتاة. أخرج من جيبه قناعاً بوجه قدر وأمر الفتاة: "خدي، البسي دا على وشك، وحسك عينك أسمع صوتك، فاهمة؟ كأنك خرسا، ما تتكلميش."
هزت رأسها برعب وقد نفذت كلامه.
في تلك الأثناء، كان رازي يضحك بهستريا على فاطمة حينما قص لهم مهاب تفاصيل ما حدث يوم الخطبة.
بعدها قال إلياس وقد تذكر شيئاً ما: "رازي، صحيح الشركة الإيطالية بعتت فاكس بأنه فيه اجتماع مهم جداً لدراسة المشاريع الجديدة وتحديد ميزانية. وفي الاجتماع ده هيكون حاضر ملاك الشركات والمديرين التنفيذيين، يعني لازم نسافر أنا وانت ومهاب. قلت إيه؟"
عقد رازي حاجبيه وقال: "لا، أتصرف أنا، ماليش أي مزاج للسفر."
قال مهاب بصدمة: "مين اللي بيتكلم دا؟ رازي، انت ناسي إيطاليا؟ دانت أكتر واحد كنت بتحب تسافر هناك. نسيت بيت الجبل؟"
قال إلياس: "ياااه، بيت الجبل دا ما يتنسيش، فاكر يا مهاب لما نجحنا في الثانوية العامة ورازي كان واعدنا برحلة لإيطاليا وروحنا."
ضيق مهاب عينيه وهو يقول: "فاكر البت Anna Marie؟ كانت صاروخ."
ضحك رازي وهو يقول: "مهو عينك الزايغة دي اللي خلتني أقرر ما أتتورطش معاكم في رحلات تاني، دي البت جابت صاحباتها كلهم عشان يحتفلوا عندنا."
أنهى كلامه وهو يضحك بكل صوته حينما تذكر تلك الأيام الجميلة. كانت قدر تتابع ضحكاته المتعالية بسعادة تغمر قلبها. كانت تضحك لضحكاته، قلبها يتراقص بين ضلوعها لكونه سعيداً.
قطع ضحكاته صوت رنين هاتفه. التقطه وترك الجميع ليتحدث بعيداً عنهم. وما إن أنهى المكالمة حتى خرج وقال لهم: "عندي مشوار مهم أخلصه وهرجع."
وجه حديثه لقدر قائلا: "لو اتأخرت نامي يا قدر، ما تستنيش."
بدأ القلق ينهش قلبها، هناك خطب ما تشعر بذلك. تنهدت وقالت: "تمام."
بينما ممدوح جالس يعاتب قدر المزيفة على الزواج بغيره. انفعل وصفع الفتاة عدة مرات متتالية حتى صرخت.
قال وهو يبتسم وقد أرضاه صراخها كثيراً: "أنا زعلان منك يا قدري، زعلان عشان هربتي مني. ممدوح الصاوي ماحدش يهرب منه، بس أنا هاوريكي مين هو ممدوح الصاوي."
شق ثياب الفتاة فصرخت أكثر، وكان يعنفها ويذلها.
وفجأة، صوت خبط شديد على باب الشقة. اقتحمت الشرطة الشقة بأكملها وانتشروا يقبضون على هذه ويمسكون تلك متلبسة بالجرم. اقتحم أحدهم غرفة قدر، قبض على ممدوح وعلى الفتاة التي لم تصدق أن الله أرسل لها من ينقذها من الوقوع في الوحل، حتى لو كانت الشرطة التي ستسجنها في قضية آداب.
مر وقت حتى أنهت الشرطة مهامها. احتجز ممدوح في غرفة مكتب حتى ينهي المحامي تلك القضية.
كان ممدوح يجلس وغضب العالم كله في عينيه.
وفجأة، فُتِح الباب، دلف رازي ببرود شديد وهو يقول: "منور الدنيا كلها يا كبير."
معالم الصدمة احتلت ملامحه واستشاط غضباً على غضبه. طالعه بمقت شديد وقد استنتج أن رازي وراء ما حدث. قال: "انت يا مشلول ورا اللي حصل؟"
رفع رازي يديه ببرأة وقال: "مش أنا اللي عملت فيك كده، عمايلك السودة يا باشا، شفت بقى اللي يزعلني بيحصله إيه."
نجح في إشعال النيران داخله ببرودته التي يجيد استخدامها في تلك المواقف. صدم حينما رأى رازي يرفع كلتا يديه. فكر: "لقد كان عاجزاً، ألهذا استعاد ثقته بنفسه وفخور بصنيعه هكذا؟ حسناً، الأيام بيننا أيها الوغد."
صدح يتوعده قائلاً: "هندمك، ولو فاكر إنك تقدر تهزم ممدوح الصاوي تبقى غلطان، أنا إبليس بيقولي يا أستاذ، فوق يلا، دانا أسحقك."
قال رازي بتهكم: "اتكلم على قدك، انت مش في وضع يسمحلك إنك تهدد."
أخرج رازي هاتفه وعرض فيديو على ممدوح كان يظهر فيه والشرطة تسحبه بذل ليصعد سيارة الشرطة، وقد ظهر في الفيديو كل تفاصيل المكان وفتيات الهوى وكازينو ليالي الأنس.
قال رازي بتهكم: "شايف الدليل وقع في إيدي بالصدفة، تعالى كده نتخيل إيه اللي هيحصل بكرة على السوشيال ميديا. عناوين الأخبار كالتالي: (شاهد قبل الحذف فضيحة عضو البرلمان) أو مثلاً (القبض على عضو البرلمان المشهور بالجرم المشهود في أحد بيوت الهوى). شكلك هيبقى زبالة أوي يا باشا."
كان صدر ممدوح يعلو ويهبط من شدة الغضب. رفع يده ليصفع رازي، لكن رازي تصدى لتلك الصفعة بيده الشمال التي كانت عاجزة.
قال رازي بغضب: "قدر، تفكر إنك تطلع في طريقها مرة تانية؟ مش بس هلبسك قضية دعارة، لااا، اللي هاعمله هيفوق تخيلاتك."
قال ممدوح بتهكم: "هتعمل إيه يعني يا مشلول؟"
تجاهل كلمته وهمس له بجوار أذنه: "هارزيك." تركه وغادر الغرفة.
وأثناء سيره، وجد قناعاً يشبه وجه قدر تماماً. التقطه وسأل الضابط عنه.
قال رازي: "مين اللي جاب دا هنا؟"
قال الضابط: "دي واحدة من البنات اللي كنا قابضين عليهم، كانت لابساه."
ضيق رازي عينيه وقال: "عايز أشوفها."
أحضرها له الضابط. سألها رازي: "انتي جبتي القناع دا منين؟"
أجهشت في البكاء وبدأت تقص على رازي ما حدث معها وما دفعها للعمل في ذلك المنزل ولقائها مع ممدوح، وأمره لها بأن ترتدي القناع، حتى ختمت كلامها بأنها مازالت عذراء ولم يمسسها سوء.
كور رازي يده بغضب حتى برزت عروقه. فكر وهو يعتصر القناع: (ذلك الوغد المريض يستخدم وجه قدر مع الفتيات، ياله من حقير).
كانت هي مازالت تشهق من شدة البكاء، مما دفع رازي إلى قول: "أنا هابعت دكتورة تكشف عليكي، ولو كلامك صح همشيكي وكمان هأمنلك شغل تصرفي على أسرتك منه."
أمسكت يده تقبلها وهي تشهق وتقول: "ربنا يخليك للغلابة يا باشا."
سحب يده سريعاً وهو يقول: "استغفر الله."
بعد ذلك تركها لتعود مرة أخرى إلى السجن وعاد هو إلى المنزل. لقد نال منه التعب نصيب الأسد، يشعر بإرهاق شديد، لا يريد شيئاً سوى النوم.
فتح باب الغرفة ووجد قدر مازالت مستيقظة. طالعته بلهفة وهي تقول: "أخيراً رجعت، كنت فين لحد دلوقتي؟"
ألقى مفاتيح سيارته على المقعد وعقد حاجبيه قائلاً: "مش قلتلك نامي، ما تستنيش."
ردت بصدق نابع من قلبها: "كنت قلقانة عليك."
لانَ ملامحه المتجهمة قال معاتباً بنبرة لينة: "هو أنا صغير؟"
قالت وقد أسرت قلبه بعبارتها: "غصب عني قلقانة، مهو القلق دا مش بأيدينا يا رازي."
ابتسم لها وقال وهو يبعثر شعرها بمشاكسة: "عندك حق، أحياناً بتقولي حكم، رغم إنك أحياناً بتكوني طفلة فضولية."
ضحكت هي وأبعدت رأسها عنه وقالت: "أنا مش طفلة على فكرة."
قال وهو يتجه إلى المرحاض: "آسف، انتي مش طفلة، امتى الآنسة فضولية."
تنهدت بارتياح. الآن هو معها.
دلف هو إلى المرحاض، بدل ملابسه وخرج. استلقى بجوارها على الفراش. نظرت إليه وقالت: "كنت فين صحيح؟"
"بدأنا شغل المتجوزين ولا إيه؟" كان هذا رده الذي أشعرها بالخجل. فقالت وهي لا تنظر في وجهه: "عندك حق، شغل متجوزين."
استدارت الجهة الأخرى وأعطته ظهرها وتمددت. كانت تفكر: "أجل، لقد تخطيت حدودي، ليس لي أن أسأله أين ذهب ومن قابل."
شعر هو بما اقترفه في حقها. مد ذراعه لها ليحثها على أن تستدير له. استدارت وقالت وهي تمثل النوم: "عايز إيه؟"
ابتسم وقربها له أنشاً واحداً. بدأت ترتجف وتتوتر. قال وهو يطالع عينيها: "أنا حاسس بتعب الدنيا كله فيا، في حرب جوه عقلي دلوقتي، بس لما بصيت في عينيك البريئة حسيت إن كل معاهدات السلام تمت جوايا وعايز أنام. ممكن نأجل خناق لبكرة، وعلى فكرة، أنا بحب شغل المتجوزين أوي."
تنهدت براحة وقد ارتسمت ابتسامة على ثغرها وهزت رأسها بالموافقة.
أغمض هو عينيه وهو باسط ذراعه على جسدها. لم تحيد نظرها عنه. كانت تفكر وهي تطالعه: "كم هو لطيف وحنون، لا يجرح أحد، يحب أن يصلح أخطائه سريعاً."
كان قد ذهب هو في ثبات عميق. ظلت تنظر إليه، كم هو هادئ في نومه كالطفال. ملامحه بريئة، وكأنه لم يعكر صفوها أي من متاعب الحياة. إنه حقاً كالمصباح، يحترق من داخله لكن لا يظهر منه سوى النور.
نهرت نفسها وهي تذكرها: "انتي شكلك هتقعي في حبه يا قدر، ولا إيه؟ لازم توقفي المهزلة دي. اللي زيك مش لازم يحب، الوضع اللي انتي فيه دا مؤقت وممكن ينتهي في أي وقت."
غلبها النعاس وهي حزينة، قلقة من أن تقع في حبه، إن لم تكن حقاً وقعت له. ظلت غارقة في أفكارها حتى غفت تماماً.
***
ظل ممدوح محتجزاً ليلة بأكملها إلى أن حل الصباح وقد أجرى اتصالاته بكل معارفه. حضر الوزير أمجد نصار بنفسه ليخرجه من تلك القضية. وبالفعل، استطاع نصار بطريقته ونفوذه أن يخرج ممدوح معه بكفالة قدرها خمسون ألف جنيه على ألا يتم ذكر اسمه في القضية. في الحقيقة، لم تكن كفالة بل كانت رشوة للضابط الذي ما إن عرف نفوذ نصار حتى رضخ لهم ومسح اسمه من القضية تماماً.
هما الآن في سيارة نصار في المقعد الخلفي.
قال نصار بحنق: "لو ليك مزاج في السكة دي، كان بإمكانك تجيب دستة بنات في بيت ملكك، ما توقعتش تروح أماكن رخيصة زي دي. اللي عملته دا قمة الغباء، هيرجعك كذا خطوة لورا."
كان ممدوح واضحاً في رده، لم يرد التجمل: "مزاج وس*، وتقول إيه فيه، مش بلاقي مزاجي إلا في الأماكن الرخصية دي."
قال نصار ما أشعل فتيل النار في قلب ممدوح من ناحية رازي: "خليك ورا مزاجك، بس استحمل نتيجة تهورك. انت برا الانتخابات يا صاوي."
صدح صاوي بغضب وعيناه تشتعل بالنيران: "يعني إيه يا باشا؟"
تنهد نصار بزهق وقد مل من رعونة صاوي: "يعني الواد دا ماسك عليك فيديو، وممكن يعرضه في أي وقت، وساعتها لم بقى في الفضايح، دا غير مراتك واللي ممكن تعمله هي وأخوها معتصم باشا الدالي. الأفضل إنك تنسحب. أنا هحاول وأشوف مدخل للواد دا وأقنعه إنه يتنازل عن الفيديو أو يسلمه."
قال ممدوح بمقت شديد لرازي: "هو الواد دا واثق في نفسه أوي كده ليه؟ طايح في الكل ولا همه حد، دا كبيره طلقة طايشة."
صرح نصار بما أذهل صاوي: "الواد دا ظابط مخابرات، يعني محمي من أمن الدولة، وإحنا ما ينفعش نعادي أمن الدولة يا صاوي. مصالحنا وقتها هتبقى في خطر والعين هتبقى علينا."
كان شارداً يفكر: "المشلول ظابط أمن دولة."
***
استيقظت قدر ولم تجد رازي بجوارها، بل في الغرفة كلها. وحينما خرجت لم تجده في الشقة بأكملها. أيضاً، لم يكن هناك أي شخص. كان الجميع قد ذهب إلى عمله.
نظرت إلى الساعة لتجدها العاشرة صباحاً.
قالت: "ياااه، أنا نمت كل دا. كان المفروض أقوم أجهز الفطار. ياترى رازي راح فين؟ الحياة كانت أسهل لما كنا في القصر، على الأقل ما كانش يخرج أبداً من القصر."
على ذكر القصر تذكرت زهرة اللوتس. شهقت وقالت: "زهرتي." التقطت هاتفها وهاتفت أمينة طالبة منها الاعتناء بزهرتها التي في الشرفة لحين عودتها.
أما عن رازي، فقد وصل إلى الجهة التي كان يقصدها. وقف أمام المبنى يطالعه. كانت هناك نظرة شوق وحنين له، وكأن عينه ستدمع. فكر: "هل سأستطيع العودة؟"
حسم أمره وأكمل طريقه قاصداً غرفة بعينها. وحينما وصل، كان الهدوء يخيم على المكان، كل شخص منهمك في عمله، لا مجال للراحة.
هتف قائلاً بمشاكسة: "إزيكم يا حبايبي."
رفع الجميع رؤوسهم يطالعون صاحب ذلك الصوت المميز لهم. هتف (سيف) بسعادة: "أهلاً بصاحب القبضة الحديدية."
قال عدنان: "أخيراً يا راجل، لقد هرمنا من أجل هذه اللحظة، مستنينك من ساعة تقريباً."
سلم عليهم وبدأ يقص عليهم مخاوفه بألا يكون على قدر المسؤولية التي سيوكل بها.
طمأنه سيف قائلاً: "إحنا كلنا كفاءة وجمبك يا رازي، بس لو سألتني مين أفضل واحد هنا هقول رازي، إحنا واثقين فيك، والقيادة كمان واثقة فيك، وإلا إحنا هنا مش بنهزر."
أكمل عدنان: "وبعدين انت عارف كل كبيرة وصغيرة على المكان اللي انت رايحه، ومعظم مهماتك اللي اتكلفت بيها كانت هناك."
اكتسب بعض الثقة من كلامهما.
وإذ فجأة، تحضر ملك التي تعتبر مبنى المخابرات هو بيتها الثاني. فتحت باب المكتب وقالت: "إزيكوا يا ولاد."
نظرت تطالع رازي بغير تصديق قائلة: "إيه زيزو هنا فعلاً ولا دي أحلام العصر؟"
قال عدنان بزهق: "انتي كل يوم تتحججي بأي حاجة وتيجي تعملي مصيبة وتمشي، إيه اللي جابك تاني؟"
حدجه سيف بحنق وهو يقول: "مش بيت أهلك هو."
وجه ناظره لملك وهو يقول: "جاية ليه يا حبيبتي؟"
اقتربت منه ببسمة بلهاء وهي ترفع كيساً بيدها وقالت: "نسيت اللانش بوكس."
رفع رازي حاجبه وقال: "لانش بوكس؟ هو فيه مدرسة عمر بن الخطاب الابتدائية يا ملك، دانتي دماغ."
رد عدنان: "هي كل يوم كده أصلاً."
رفعت شفتها وهي تقول بحنق: "مالكش فيه، ولا عشان نور مش معبرة أهلك، ولا بتسأل فيك."
أمسك سيف منها علبة الغداء وقال: "تسلم إيدك يا حبيبتي."
"روحي انتي عشان مليكة وعدنان."
ردت وهي تغادر: "عدنينو، إبني حبيبي، مش الناس التانية."
ضحكوا ثلاثتهم على كلامها.
استقام رازي واقفاً وقال: "أنا هاروح مكتب حازم باشا أعرف منه تفاصيل المهمة."
ذهب رازي إلى مكتب القائد. استأذن ودلف. صافحه السيد حازم. جلس رازي. بعد الحديث في مواضيع عامة قال حازم: "المهمة اللي انت مكلف بيها مش سهلة يا رازي، بس برضو ماحدش هيقدر ينفذها زيك."
ازداد فضوله ليعرف أكثر عن المهمة.
قال حازم ما جمد رازي: "رياض المنشاوي هرب من المعتقل، وآخر أخبار توصلنا ليها إنه ليلة هروبه في طيارة خاصة هبطت في المطار كانت جاية من إيطاليا، يعني المرجح إنه في إيطاليا. أنا مش بس عايز رياض المنشاوي، أنا عايز الفلاشة اللي معاه اللي فيها أسماء كبار المفسدين في البلد دي وإيه خططهم."
نظر رازي إلى الفراغ وهو يفكر: "لقد دفعت والدتي حياتها ثمناً لاعتقال ذلك الحقير. إحضاري له ليس فقط مهمة وطنية، إنما هي مسألة شخصية، وإن لم أستطع أحضاره فسأقتله."