تحميل رواية «مملكة تارتين» PDF
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كان الصف الطويل ممتدًا أمام البوابة، أولاد وبنات في عمر ال 12 عام مقيدين بالسلاسل، بجانبهم حراس يحملون أسواطًا، مستعدين لجلدهم مع أي خطأ أو بادرة عصيان. وجوه شاحبة، دموع يابسة، ملابس ممزقة، أجساد تنزف دمًا وقيحًا. لا توجد أسماء هنا، عُلّق فوق صدر كل شخص رقم. صرخ الحارس رقم 1. تقدمت طفلة نحيلة، حل قيودها وطلب منها أن تعبر الباب. خلف الباب جرف صخري مرتفع، أسفله بحيرة. وقفت الطفلة فوق الجرف. رفع الحكيم يده. "على الطفلة أن تقفز داخل البحيرة مبتعدة عن الصخور." قفزت الطفلة، وسُمع ارتطام جسدها بالصخر....
رواية مملكة تارتين الفصل الأول 1 - بقلم اسماعيل موسى
كان الصف الطويل ممتدًا أمام البوابة، أولاد وبنات في عمر الـ 12 عام مقيدين بالسلاسل، بجانبهم حراس يحملون أسواطًا، مستعدين لجلدهم مع أي خطأ أو بادرة عصيان.
وجوه شاحبة، دموع يابسة، ملابس ممزقة، أجساد تنزف دمًا وقيحًا.
لا توجد أسماء هنا، عُلّق فوق صدر كل شخص رقم.
صرخ الحارس رقم 1.
تقدمت طفلة نحيلة، حل قيودها وطلب منها أن تعبر الباب.
خلف الباب جرف صخري مرتفع، أسفله بحيرة.
وقفت الطفلة فوق الجرف.
رفع الحكيم يده.
"على الطفلة أن تقفز داخل البحيرة مبتعدة عن الصخور."
قفزت الطفلة، وسُمع ارتطام جسدها بالصخر.
رفعت راية سوداء تعني موتها مع علامة ×.
تقدمت الأرقام 2، 20، 30.
حتى الآن لم ترفع راية خضراء.
كل الأطفال الذين قفزوا ماتوا وسُحقت أجسادهم.
شعرت لجنة الاختبار باليأس.
"مفيش حد هينجح في القفزة."
يوجد مائة طفل تم خطفهم من قرى مختلفة.
قالت الملكة: "الظاهر مش هشوف أي شخص حي النهاردة."
رفعت يدها بسخرية.
"دا من حظ الوحوش والكلاب."
فكت قيود الكلاب والوحوش الجائعة، تلتهم جثث الأطفال التي سدت فوهة السرداب.
أنهت الكلاب وجبتها.
قالت الملكة: "أنا معنديش وقت أضيعه في اختبارات تافهة، ادخلوا أكتر من طفل وقت واحد."
دخل عشرة أطفال، بينهم طفلة نحيلة وصغيرة تبكي من الخوف.
وقفوا على جرف الصخرة، ثم قفزوا في وقت واحد.
لم تتحرك مياه البحيرة.
لم ينجح ولا طفل الوصول إليها.
مائة طفل قفزوا ولم ينجح ولا واحد منهم في الوصول لمياه البحيرة.
دقت الطبول.
لليوم الرابع لم ينجح ولا طفل في بلوغ مياه البحيرة المقدسة.
النبؤة لن تتحقق في عهد الملكة شانبوخه.
قال الحكيم: "متستعجليش يا مولاتي، أنا متأكد أن حساباتي صح وأن الطفل المختار هذا وقت ظهوره."
صرخت الملكة في كبير الحراس: "انت متأكد أنك جمعت كل الأطفال في عمر 12 عام؟"
قال القائد: "أقسم يا مولاتي أننا جمعنا كل الأطفال في عمر الـ 12 عام، كلهم هنا."
نظرت الملكة تجاه ساحر المملكة: "وانت سحرك بيقول إيه؟"
ظهر شاب نحيل يعرج على قدمه، ويخفي وجهه بوشاح من شدة قبحه والدمامل التي تغطي جسده.
فتح دائرة السحر وألقى النرد.
ظهرت عشرة حيات تتصارع في ما بينها.
الحيات أكلت بعضها ولم تتبق إلا حية واحدة.
"الحية."
رفع الشاب يده.
"المختار موجود يا مولاتي، كلام الحكيم صح."
صرخت الملكة: "ما هو لو فيه فايدة منك كنت عثرت عليه وخلصنا!"
قال الشاب الساحر: "أنتي عارفة يا مولاتي أن دا مستحيل، وأن المختار روحه وجسده بتقاوم السحر."
قالت الملكة شانبوخه: "اقتلوا كل الأطفال خلف الباب، خلاص أنا فقدت الحماس في مقابلة المختار."
"كان نفسي أقابله وأعذبه وأشنقه قدام العامة عشان يعرفوا أن ملكي هيمتد ألف عام."
أمام البوابة قطعت رقاب كل الأطفال المتبقين.
مذبحة كبيرة من أجساد صغيرة مرمية على الأرض أمام الباب المؤدي لمياه البحيرة المقدسة.
"خلاص يا مولاتي كل الأطفال في عمر الـ 12 عام تم قتلهم جميعًا."
رفعت الملكة شانبوخه يدها، ارتجت الصخور وتحرك الأثاث ورقصت مياه البحيرة.
أعلنوا عن الاحتفالات لمدة 12 يوم، وزعوا الهدايا، الطعام، اللحوم، الفاكهة.
لترقص الجواري والمحظيات في كل ربوع المملكة.
"خلاص مفيش خوف."
"حكمي هيمتد ألف عام."
فتح حارس السرداب الباب أمام الوحوش والكلاب لتكمل وجبتها قبل أن يجمعها في حفرة الموت.
كشرت الكلاب عن أنيابها ومزقت الأجساد.
تحت مائة جثة كان هناك جسد طفلة نحيلة يرتعش، تحاول أن تتنفس وسط الزحمة.
سقط جسدها داخل مياه البحيرة المقدسة.
لم تكن قادرة على السباحة أو الغوص، جسدها ممزق، أطرافها مجروحة.
تدحرج الجسد النحيل نحو قاع البحيرة.
انصرفت الملكة والحراس وكل الحشود بعدها.
طفو جسدها على سطح مياه البحيرة.
من بين الصخور ظهر شاب أسمر رفيع وطويل، يخفي وجهه بوشاح وفي يده سيف.
نظر تجاه الجسد الطافي فوق مياه البحيرة ثم همس: "مستحيل تكون لسه حية؟"
"لكنها أول مرة أرى جسد يطفو فوق مياه البحيرة المقدسة حتى لو كان جثة متعفنة، ربما تكون هي؟"
ثم وبخ نفسه معترفًا باستحالة ما يفكر به.
استخدم عصا لجذب جسد الفتاة، ثم حملها فوق كتفه واختفى داخل طريق ضيق محفور بين الصخور.
ظل الشاب يسير في طريقه حتى وصل بستان واسع.
قطعه وهو يحمل الطفلة.
عبر غابة أسفل تل، كان هناك كوخ مختفي بين الحشائش.
طرق الشاب باب الكوخ.
فتحت امرأة مسنة مريضة.
"فيه إيه يا ضرغام؟"
ألقى الشاب جسد الطفلة على الأرض وقال بلا مبالاة: "حاولي تنقذيها."
"البنت دي عمرها 12 سنة يا ضرغام، انت لقيتها فين؟"
"لقيتها مرمية على الطريق، هاكون لقيتها فين يعني."
صوبت المرأة نظرها على ضرغام تحاول فهمه، ثم رفعت يدها.
"في هذا الوقت من كل عام يكون الأطفال مرميين على كل طريق، لماذا هذه بالذات؟ أشفقِتِ عليها؟"
رفع ضرغام يده: "اعملي فيها اللي انتي عايزاه، استخدميها في تجاربك."
ثم اختفى بين أشجار الغابة.
كانت الطفلة رغم ما تعرضت له لازالت تتنفس.
حملت المرأة الطفلة ووضعتها على الطاولة وعاينت جسدها الممزق.
ثم أغمضت عينيها وهمست: "مزيد من الأحلام، مزيد من البراءة."
"مفيش حاجة مميزة فيها، لو الحراس عثروا عليها هقع في مشكلة كبيرة."
حملت الطفلة وسارت بها داخل الغابة لمسافة بعيدة جدا، ثم تركتها أمام جحر ضخم داخل الجبل.
رواية مملكة تارتين الفصل الثاني 2 - بقلم اسماعيل موسى
كان القمر يتوسط السماء ينشر أشعته الفضية فوق أوراق أشجار السحلاب والآفيس والباتونج والرمياس، والغابة غارقة في الظلام.
عندما خرج من جحره، وجد طفلة نحيلة ممددة على الأرض تلفظ أنفاسها الأخيرة. تحركت غريزته الحيوانية، إنه بالفعل جائع يحتاج لطعام، لكن كبرياءه منعه أن يأكل صيد سهل.
وضع الطفلة بين ساقيه العملاقتين وحدق بها بعيونه الكبيرة. "مجرد طفلة صغيرة على وشك الموت."
دفعها بساقه، تدحرجت على الأرض. "ماذا علي أن أفعل بها؟" سأل نفسه. "إذا كنت لن ألتهمها، لن أتركها تموت." شعر بالضيق، فهو لا يحب البشر.
قفز قفزة عملاقة مبتعداً عنها، اخترق الغابة بسرعة الريح والعصافير تهرب أمامه. قطف أكثر من زهرة بفمه قبل أن يعود مرة أخرى. نظر إلى الفتاة، يقاوم رغبته بقتلها.
ثم تحول لشاب نحيل وجميل الوجه. حمل الطفلة وأدخلها جحره. مدها على الأرض. طحن الزهور ودهن بها جراح جسدها. ثم خرج للصيد.
لم يعد إلا قريباً من الصبح. وجد الفتاة نائمة. تحول لهيئته البشرية ونام.
قبل أن تغرب الشمس، فتحت الفتاة عينيها. عيون جميلة حزينة. حاولت أن تحرك جسمها.
"همس، لا تتحركي. عظامك مكسورة." قرب من فمها شربة ماء. "امضغى هذه العشبة."
مضغت الطفلة العشبة بطاعة وهي تقول: "شكراً يا عم، أنقذت حياتي."
أدار لها ظهره وغط في النوم حتى انتصف الليل. عندما حرك جسده، كانت الطفلة ملتصقة به.
ارتعش جسده وقفز من مكانه. كان على وشك أن يصرخ، لكنه لمح براءة الطفلة التي ترقد جواره. راح يتأملها دقيقة. شعر بقلبه يدق ويتحرك. "مستحيل." همس في نفسه. ثم ترك جحره وخرج.
لم يعد للجحر. قضى ما تبقى من ليلته ونهاره فوق الجبل. فكر: "عندما أعود، ستكون الطفلة رحلت."
منتصف الليلة التالية، عاد لبيته. وجد الطفلة نائمة في مكانها. انتابه الغضب. "لماذا لم ترحل؟"
"إنها مجرد طفلة." همس قلبه الطيب. "اتركها حتى تشفى."
ربما لم تتناول طعاماً منذ يومين. "لابد أنها جائعة." لم يستغرق وقتاً طويلاً حتى اصطاد أرنباً برياً. قام بشيه على الحطب.
ثم أيقظ الطفلة. "تناولي طعامك يا فتاة."
مسحت الطفلة وجهها وتناولت طعامها في صمت وهدوء وخجل. "شكراً يا عم."
قال في سره: "هذه الطفلة لا تعرف إلا تلك الكلمة. لماذا لا تثرثر مثل بقية الأطفال؟"
"في الصباح سترحلين من هنا. أنا لا أرغب برؤيتك في بيتي."
"هل فعلت شيئاً أغضبك يا عم؟"
"لست عمك، ولا يهمني من فعلتيه أو من فعل بك ذلك. عندما أفتح عيني أجدك رحلتي."
توقفت الطفلة عن تناول طعامها ورقدت على الأرض وراحت تبكي بصمت.
قبل أن تستيقظ الطفلة في الصباح مع وصول أشعة الشمس، كان هو قد استيقظ ويراقبها بطرف عينه.
نهضت الفتاة. اقتربت منه، قبلت جبهته وهمست: "شكراً يا عم. شكراً لكل ما فعلته من أجلي." ثم غادرت الجحر وأصبحت في الغابة لا تعرف إلى أين تذهب.
استدارت برأسها أكثر من مرة قبل أن تسير تجاه الشمال.
"ليس هذا الاتجاه." همس في سره. "ابتعدي عن الضباع."
خطت الفتاة بخطوات بطيئة في طريقها واختفت عن نظره.
"ستموت." همس ضميره. "تركتها لتموت. لماذا طببت جراحها؟"
"الضباع لا ترحم."
"صرخ، اختارت قدرها. هذا ليس من شأني."
همس ضميره: "حكمت عليها بمصير أسوأ من الموت. لماذا فعلت ذلك؟"
"لم أفعل شيئاً."
حاول النوم بلا فائدة. مع كل إغماضة لعيونه كان يرى الطفلة والضباع تمزقها وتلتهمها.
"من يستطيع مواجهة الضباع؟ لا أحد."
"الملكة شانوخة تغذي الضباع بجثث البشر وأجساد اللصوص والمحكوم عليهم بالإعدام ومعارضيها. الضباع في هذه المملكة أقوى المخلوقات."
"على كل حال، إنها ميتة الآن وليست في حاجة لتقاسي مزيداً من الألم."
راح يتملل يميناً ويساراً حتى غفى ونام. فتح عينيه على صداع. كان يشعر بغضب لا يعرف سببه. أحس أنه يرغب الانتقام من نفسه. ثم خرج تجاه الغابة.
بالعادة يبتعد عن مناطق الضباع، لكنه تلك المرة وجد نفسه يتجول على مقربة منهم. كان يرغب برؤية ما حدث للطفلة. "لماذا أوقع نفسي في المشاكل؟"
كان هناك صراع بين قلبه وعقله يدور بداخله. في النهاية قفز تجاه النهر بكل قوته وسرعته وغضبه. كان على وشك أن يقفز في الماء عندما رأى.
رواية مملكة تارتين الفصل الثالث 3 - بقلم اسماعيل موسى
رأى الطفلة نائمة على شاطئ النهر، تحتضن ركبتيها بيديه.
لم يصدق عينيه، دق قلبه بقوة وشعر بالسعادة للحظة قبل أن يمتعض.
تحول لهيئته البشرية حتى لا يرعبها.
"أنت؟"
فتحت الطفلة عينيها برعب قبل أن تبتسم.
"عمي؟" همست وهي تنهض من مكانها.
"أخبرتك أن ترحلي من هنا؟"
قالت الطفلة بحزن: "ليس لدي مكان أذهب إليه. عائلتي ميتة. قتلها رجال الملكة."
صمت سامور دقيقة يفكر. عمرها ربما ١٢ عام، كيف نجت من المذبحة؟
"تستطيعين السير؟"
"أجل يا عم."
أفْقَدَ سامور الطفلة لجحره.
"رأيتك تمشين تجاه الشمال، ماذا حدث؟"
قالت الطفلة: "سرت تجاه الشمال فعلاً، لكن صوت النهر وصل أذني. أنا أحب النهر وحضرت هنا ونمت. أرجو ألا تكون غاضباً مني."
همس سامور: "أنقذها النهر المقدس. لولا النهر لكانت وليمة الضباع."
"من أحضرك هنا يا فتاة؟"
قالت: "لا أعرف يا عم، وجدت نفسي في بيتك ولا أعرف كيف وصلت."
"العجوز اللعينة توقعني في المشاكل كعادتها."
ترك الطفلة نائمة وذهب لكوخ العجوز.
عندما لمحته المرأة العجوز قالت: "سامور، لماذا أنت غاضب لهذا الحد؟"
صرخ سامور: "أخبرتك أن لا تتدخلي في حياتي، لماذا أحضرتِ الفتاة لبيتي؟"
قالت المرأة: "حراس الملكة يبحثون عن الأطفال في كل مكان. لم أجد مكانًا آمنًا سوى جحرك."
صرخ سامور: "في الصباح خذي الفتاة. تعرف أن سامور لا يتدخل في مشاكل البشر."
قالت المرأة: "اعتبريها أختك، طفلتك."
"لا أرغب بطفلة وليس لدي أخوات."
"اعتبريها خادمتك إذًا، تلميذتك، علمها يا سامور، قد تكون المختارة."
"أنتِ امرأة مجنونة. ألم تلاحظي هيئتها، فتاة نحيلة ضعيفة. كيف تكون المختارة؟"
"أنت لا تعرف المستقبل يا سامور. عاصرنا أنا وأنت مذابح كثيرة، ظلم فادح. ربما هذه الفتاة تحمل السلام إلى روحك."
"قلت لك في الصباح خذي الفتاة، ليس لدي أي نية لرفقة من البشر."
ثم قصد بيته في رضا وسعادة، سيتخلص من الطفلة ويرتاح ضميره.
لكن العجوز لم تحضر في الصباح ولا حتى في المساء.
شعر سامور بالقلق. ليس من عادة العجوز أن تتأخر.
رغم كل شيء، سامور يعتبرها مثل والدته.
ذهب سامور لكوخ العجوز وجده محترقًا متحطمًا.
قفز داخل الدمار وجد المرأة مذبوحة ميتة محترقة.
"حراس الملكة!" صرخ سامور ولم يتمالك نفسه وراح يبكي بحرقة.
كان هناك أكثر من عشرين كوخًا محترقًا، لا يزال البعض يصرخ بأطراف محترقة.
تتبع حراس الملك طفلة في عمر الثانية عشر. أخبرتهم العيون أنها كانت داخل القرية.
"ابتعد عن الكوخ، أصبحت الطفلة مسؤوليته الآن. ماتت العجوز وهي تحاول أن تحميه."
لكن سامور لا يستطيع مواجهة جند الملك. لا تزال آثار السياط على جسده.
سامور لم يولد مستذئبًا، كان طفلًا عاديًا نجى من مذبحة. ظل أيامًا ملقى في أرض الغابة حتى تعفنت جراحه.
يذكر سامور عندما أوشك على الموت الذئب الضخم الذي قضم عنقه. كان ذئبًا ملكيًا يحيط به حراسه ولم يره سامور مرة أخرى.
منذ ذلك الحين، سامور مختفٍ في الغابة، مبتعدًا عن المشاكل.
لكن المشاكل حضرت لبيته. ماذا بإمكانه أن يفعل؟
أيقظ الفتاة وأمرها أن تستعد للرحيل. إذا حضر جند الملك لن يستطيع أن يحميها.
عليه أن ينقلها خلف معاقل الضباع حيث الأرض الحرة. هناك فقط يمكنه أن يتركها وهو مطمئن عليها.
عبر السبخات الميتة، صعد جبل الظلام ويده فوق قلبه. الجبل الذي لا يترك أحدًا حيًا فوق قمته.
غمرهم ضباب كثيف حجب الرؤية واضطر سامور أن يخيم فوق سطح الجبل لأنه لا يعرف وجهته.
كان هناك ظلام حالك والريح تعصف وتزعق. لا أحد يعرف ما يسكن جبل الظلام.
لم يعبره أي شخص ليحكي عن ذلك.
قبل منتصف الليل سمع صوتًا مرعبًا يحوم فوق الجبل. أحد الوحوش الغامضة التي تسكن الجبل.
احتضن سامور الطفلة، أمرها أن تغمض عينيها. "لا تتحركي من مكانك مهما حدث."
تحول سامور لذئب ضخم ووقف فوق الصخرة. كان الوحش يتشمم رائحة البشر حتى اقترب من مخبأ الطفلة.
قفز سامور فوق الوحش وحاول أن يقضم رقبته، لكن الوحش تخلص منه وقذفه بعيدًا عنه.
نهض سامور واشتبك مع الوحش، لكن الوحش قضمه من ظهره وطوح به تحت الجبل.
صرخت الطفلة عندما رأت سامور يتدحرج من فوق الجبل.
اقترب الوحش من الطفلة وكشر عن أنيابه ثم أطلق صرخة قوية والتصق لعابه بوجهها ثم غرس أنيابه في ذراعها وحملها في فمه وقفز مبتعدًا داخل الضباب.
رواية مملكة تارتين الفصل الرابع 4 - بقلم اسماعيل موسى
سقط سامور على الأرض، ورغم أنه كان في هيئته الذئبية، إلا أن بعض عظامه تكسرت. لم يتمكن سامور من إنهاض جسده ولا حتى الحركة. ظل هكذا بضع ساعات. كان العثور عليه أو طلب المساعدة مستحيلاً. جبل الظلام، لا أحد يقصده أو يذهب إليه.
لكنه سمع صوتًا قادمًا من بعيد. كان صوت امرأة.
تطلع سامور بعينيه وأدرك من الوشوم على جسدها أنها ساحرة. وكان خلفها تابع مفتول العضلات ينفذ تعليماتها. فتاة ثلاثينية بقوام معتدل، جميلة، لكن ملامحها قاسية. لم يتعرف عليها سامور في البداية، لكن عندما اقتربت منه تعرف عليها.
ساحرة مملكة تارتين.
أسقط سامور رأسه على الأرض. تمنى أن يعتقدوا أنه ذئب ميت.
اقتربت الساحرة، أشريا، من سامور. صوّبت نظرها عليه، ثم وضعت إصبعها فوق رأسه قبل أن تأمر حارسها أن يضع طوقًا من حديد على رقبته.
قال الحارس: "لكنه ميت؟"
صرخت أشريا: "ضع الطوق في عنقه!"
نفذ الحارس أمرها. بعدها، أخرجت أشريا سوطًا شكله غريب وصفعت به جسد سامور. شعر سامور بجسده ينتفض، دفعة كهربائية سرت في جسده أجبرته على الصراخ والنهوض.
قالت أشريا: "مخلوق غريب، لا أتمكن من فهم طبيعته."
وأمرت الحارس أن يجره خلفها وأن يستخدم سوطه لإجباره على السير. صرخ سامور، تألم، بكى، لكن لسعات السوط أجبرته أن يمشي وهو يعرج على قدمه المكسورة. تخرج أشريا لاصطياد المخلوقات التائهه في الأماكن البعيدة لاستخدامها في تجاربها المعملية.
أُلقي سامور داخل زنزانة متعفنة تحت الأرض.
كان الوحش يركض بوليمته الطازجة، ولعابه يسيل فوق جسد الطفلة. لعاب لزج برائحة مقرفة، وكانت كل خطوة يخطوها مثل قفزة أسد أو ذئب. قبل نهاية الجبل، وعند آخر انعراجة، انشقت الأرض وقبضت على ساق الوحش حية ضخمة.
صرخ الوحش من سم الثعبان الذي سرى في قدمه. حاول أن يركلها بقدمه، لكن الحية كانت ضخمة وراحت تلتف على جسده. ترك الوحش جسد الطفلة وقضم هو الآخر الحية من رأسها، وراحا يتدحرجا على الأرض.
لم تتوقف الطفلة عن الصراخ. حاولت أن تغمض عينيها، لكن الدمار كان هائلاً، مما أجبرها على الركض والهرب.
بذراع متدلية إلى جوار جسدها، ركضت بكل سرعتها.
سقطت، تدحرجت، لكنها لم تتوقف عن الركض حتى وصلت الوادي. كان نفسها مقطوعًا وجسدها مرتاعبًا. عندما أبصرت رجلاً عجوزًا، لم تصدق نفسها. ركضت نحوه وهي تصرخ: "أنقذني يا عم!"
كان رجلاً متجهمًا، بملامح متوحشة ماكرة غليظة، يحمل في إحدى يديه عصا والأخرى جوال أزرق.
حملق بالطفلة، عاينها لحظة وهي تصرخ وتقبل قدمه وتستجدي المساعدة. رفع بصره. كان هناك غبار وصخور متساقطة من سطح الجبل. معركة من أجل البقاء والسيطرة.
"لازم نبعد عن الجبل ده بسرعة. ادخلي هنا."
عندما رفع الرجل يده، دخلت الطفلة داخل الجوال. حملها فوق ظهره وانطلق بخطوات سريعة بعيدًا عن الجبل.
داخل مغارة في جوف جبل الضياع، فتحت الطفلة عينيها. كانت هناك نار مشتعلة وطعام. مدت يدها وشربت الماء.
"يدها الأخرى كانت في حالة غريبة."
قال الرجل: "للأسف، ذراعك كانت في حالة سيئة. أسنان الوحش قطعت الأعصاب والعضلات والعروق، مما اضطرني استبدال ذراعك بأخرى من صناعتي."
لم تفهم الطفلة معظم كلام الرجل، لكنها شعرت أن ذراعها في حالة جيدة، وكانت القوة تسري داخلها.
"افتحي أصابعك." أمرها الرجل.
فتحت الطفلة أصابع يدها، والتي لم تكن بشرية. كانت أشبه بحديد أو معدن لامع.
همس الرجل: "جيد جدًا. لديك مخالب أيضًا. عندما تنسجم يدك مع جسدك، سيمكنك استخدامها بسهولة. تناولي طعامك الآن."
أنهت الطفلة طعامها وهي شاردة، ثم قالت: "أرجوك يا عم، كان معي شخص آخر فوق الجبل. عمي الذي أنقذني. أرجوك، لابد أن تساعدهم."
مضى وقت طويل. قال الرجل: "لابد أنه ميت الآن."
بكت الطفلة مرة أخرى وقبلت قدمي الرجل تتوسله.
"لسنا بحاجة الذهاب هناك. يمكنني أن أنقل الجبل إلى هنا."
رفع الرجل يده من كم جلبابه الطويل، خرج مخلوق صغير. طفلة بارعة، بأرجل وأربعة أذرع، وجهها أبيض لطيف، شعرها أزرق وعيونها زرقاء. حجمها يشبه كفة اليد، كأنها لعبة، وكانت مبتسمة.
مرر الرجل يده فوقها أربع مرات. تشكلت داخل معدتها شاشة مكنته من رؤية الجبل. لم يكن هناك سوى حطام وصخور متفتتة، ولا أثر لسامور.
سامور عبد في يد ساحرة تارتين. رغم أنها حاولت أن تخفي أثرها، لكن شامهورا شاطرة.
ابتسمت الدمية اللعبة الإنسانية واختفت الشاشة، ثم خلت في جلباب الرجل.
"شامهورا؟" رددت الطفلة الاسم باندهاش وراحة. "لقد أحببتها. كيف سننقذ سامور يا عم؟"
قال الرجل: "انسى سامور الآن."
ومرر يده أمام وجه الطفلة، وعندها ثبتها. كانت نسيت كل شيء.
رواية مملكة تارتين الفصل الخامس 5 - بقلم اسماعيل موسى
نسيت الطفلة سامور، ليس نسياناً تاماً ولكن أصبح بلا أهمية بالنسبة لها. مثل الأشخاص الذين يشبهون كعكة البرتقال القابلين للدهس في أي لحظة.
يخسر الإنسان مع كل قرار يتخذه.
سألت الطفلة: "كم يبعد جبل الضياع عن مملكة تارتين؟"
"مئات الأميال"، قال الشيخ بنبرة غامضة.
"على ما أتذكر، لم يمضِ سوى يوم واحد منذ تحركنا من جبل الظلام. كيف ابتعدنا لهذا الحد؟"
"ستعرفين كل شيء في حينه يا فتاة. استباق المعرفة يولد الهلاك. نحن لم نسير، بل انتقلنا. هذه المعرفة قوية ستقضي عليك."
"تعلمني ماذا يا عم؟"
بصق الرجل على الأرض بفوضوية: "لديك طريق لتقطعيه. سأضع قدمك على أوله."
"ماذا سأفعل بعدها؟"
"حينها يمكنك أن تحددي مصيرك. ما أنا سوى شعلة يمكن للريح أن يطفأها، لكن أنت ستكونين شيئًا مختلفًا."
منذ اللحظة الأولى، أدرك الشيخ الكبير أن تلك الفتاة مختلفة ومميزة. كان قد قرأ منذ مئتي عام عن ظهور شخص سيغير العالم الذي يعيش داخله. كان قد فقد الأمل بمرور السنين، يهيم في الأرض بلا هدى حتى وجدها أمامه.
"سأرافقك الآن لمكان علينا زيارته"، كان يقول ذلك ونظرته كلها حزن.
بعد أن عبر حدود جبل الضياع، وقف الشيخ على مشارف صحراء شاسعة وكان الطقس تغير وأصبح شديد الحرارة.
نظرت الفتاة: "صحراء لا أول لها ولا آخر، ولا أثر لحيوان يرعى داخلها."
"أين سنذهب يا عم؟"
"هناك"، وأشار بيده للفراغ.
"لكن أنا لا أرى أي شيء يا عم؟"
"إن تمتلك عينين لا يعني أنك ترى."
"صحراء واسعة وقاحلة يا عم، كيف سنقطعها؟"
"يا طفلة، بعض الطرق لا تقطعها الأقدام، تقطع بالقلوب ولا يمكن العودة منها."
جذب الشيخ يد الطفلة، تبعته بلا مقاومة. الأطفال يثقون بسرعة ولا يحملون أي ضغينة. كانت أقدامهم تغوص داخل الرمال الساخنة، وكل خطوة تحتاج مجهود خارق. ويكتشف المرء رعونته، غباءه وحماقته بعد أن يكون قطع من الطريق الذي لا يناسبه للحد الذي لا يمكنه العدول عنه.
كانت الشمس تسلق رؤوسهم كأنها تسير فوق أدمغتهم. تصبب الشيخ عرقًا وبطأت حركته. ربتت الطفلة على يد الشيخ بعطف وحاولت أن تمسح عرقه، لكنه نهرها بعصبية.
"انظري أمامك وواصلي السير."
"أنا لا أرى أي شيء يا عم."
"أنا أيضًا، لا أرى أي شيء ولا أعرف لماذا قطعت هذا الطريق."
"عندما أجلس مع نفسي وأفكر، أجد أن أكثر القرارات التي أخذتها كانت خاطئة. بعضها متهور، بعضها متأخر، والألم واحد."
"ما الفائدة يا عم من السير في طريق لا نعرف له آخر؟"
"لا يمكنك التأكد من وجود فائدة من شيء لا تعرفه حق اليقين. علينا أن نصل أولاً حتى نعرف جدوى الرحلة."
هبت عاصفة رملية وأصبحت حبات الرمال تلسعهم مثل الخناجر. الرؤية منعدمة والسير مستحيل. توقف الرجل عن المشي.
"لقد تعبت، أعتقد أنها نهايتي. واصلي أنت السير."
قالت الطفلة: "كيف أتركك؟"
"إذا لم تتركيني، سنموت معًا."
"سنموت على أي حال يا عم."
"نعم، سنموت في النهاية وتحصى الخطوات. واصلي السير ولا تتوقفي، لا تنظري للخلف مهما حدث."
"هل تفهمين؟"
"أفهم، لكن لن أتركك هنا. أنقذتني من الموت، سوف أنقذك."
"ماذا بيدك لتفعلي؟ أنت مجرد طفلة؟"
"سوف أركض بكل قوتي وأحضر النجدة. من فضلك ابقَ حيًا حتى رجوعي."
غطت الرمال أقدام الطفلة كأنها تسير في بحر من الرمال. جلس الشيخ على الأرض واستسلم للرمال، جعلها تغمره وتغطيه. ثم رفع يده وصفق.
واصلت الطفلة السير رغم نزول الظلام. كان الشيخ يسمع صوتها. لم تبتعد أكثر من خمسين مترًا عن مكان ما تركها.
في الظلام، سمعها تكافح وتطلب المساعدة من أجله. ارتشف رشفة ماء بارد، مد قدميه ونام.
"سوف تموت قبل شروق الشمس. كل قرار معادلة. كل قرار موت. بعض القرارات إعلان دفن بالحياة. واقعية الهروب لا تؤجل الكارثة. كيف يمحو الإنسان جزءًا من تاريخه بلا تبعات أو بواقي؟ كيف يختفي الألم الذي رسمناه بأيدينا؟ كيف نتحلل ونخرج في مكان آخر بعيدًا عن كل شيء؟"
"زرعت شجرة ورويتها. بعد شهور ستكبر الشجرة، تنمو أغصانها وأوراقها، يكبر جذعها، تظلل الطريق. هذه الشجرة نفسها ستموت وتتحلل، تبتلعها الأرض، ربما يجرفها النهر. تلك الشجرة لم ترحل، إنها موجودة في مكان آخر."
كان هناك صهيل حصان داخل الغبار، صوت مجلجل يصرخ.
"الطفلة غير قادرة على الرؤية، ريقها ناشف، بلعومها مترب. همست: النجدة."
توقف الحصان. نظر الرجل لجواده وصرخ: "من هنا؟"
سار الحصان بخطوات بطيئة حتى توقف جوار جسد الطفلة.
"انقذني يا عم."
"كيف أنقذك؟ لا يجب علي ذلك."
"لماذا يا عم؟"
"والدتي حذرتني من مساعدة الغرباء."
همست الطفلة: "لكنك رجل كبير ولست مجرد طفل، كيف تطيع والدتك وتتركني للموت؟"
"اصمتي أنت لا تعرفين والدتي ولا ما يمكن أن تفعله بي إذا عصيت أمرها."
"أرجوك، والدتك لن تعاقبك إذا ساعدت طفلها."
"اصمتي أنت لا تعرفين والدتي، كيف لك أن تتأكدي أنها لن تعاقبني؟"
"أين الطريق؟ أرجوك سأموت."
"لا يوجد طريق للخروج من الصحراء يا طفلة."
"لكن عمي قال إن لكل طريق نهاية."
"يمكن لعمك أن يقول ما يرغب به، ستبتلعه الصحراء."
"ربما مات الآن."
"أليس كل إنسان حر في قراره؟ لماذا يتذمر عندما يحين وقت العقاب؟"
"لا يمكنني أن أنقذك، أنا آسف، تقبل اعتذاري. أنا أيضًا مرغم."
"شربة ماء يا عم."
"يا طفلة لا توجد مياه في الصحراء. الذين يلقون بأنفسهم في الضياع يستحقون الموت."
"إذا كنت لا تستطيع أن تنقذني، امنحني الحصان، سأنقذ نفسي."
"أنت لا تفهمين يا طفلة، حتى لو منحتك الحصان، والدتي لن تتركك، ستعاقبك."
"يعني ذلك أنك من الممكن أن تمنحني الحصان لكنك خائف من عقاب والدتك؟"
نظر الشاب نحو الصحراء: "اسمعي يا طفلة، أي شيء سيخرج من تلك الصحراء ستعاقبه والدتي، غير مهم إن كان شيطانًا أو ملاكًا. إنها تنتظر هناك بعيون مفتوحة."
"كم جلده سيتحمل جسدك؟ عظامك لينة، ستقيدك بسلاسل تجبرك على حمل الصخور النارية."
حمل الشاب الطفلة ووضعها على ظهر الحصان. ربت على كتف الطفلة: "سأضحي بنفسي وأنقذك."
"اركبي معي، لا تتركي نفسك للموت."
"أنا هارب، سأجد سعادتي هنا، أنا بعيد عن الألم. أغلقت كل الأبواب وأجلس مع نفسي في صمت. الظلام يحيط بي من كل اتجاه."
"شمسي غائبة، الشمس هنا لا تشرق إلا مرة كل عام. أكره شعاع الشمس الذي يصل عيني من بين فسحات الأشجار."
"ارحلي يا فتاة، أنقذي نفسك." ثم لكز ظهر الجواد.
انطلق الجواد يشق الغبار وحافره يدق الأرض. لم يمضِ سوى دقائق ووجدت الطفلة نفسها خارج الصحراء. رأت عشبًا نابتًا على مسافات متفرقة قبل أن يلتصق ببعضه ويتحول لمرج واسع.
واصل الجواد ركضه حتى توقف فجأة مما دفع جسد الطفلة للسقوط داخل نبع ماء. ابتلت شفتي الفتاة، شربت الماء، غسلت نفسها، وجهها، شعرها. رأت الخضرة تحيط بها. الأزهار في كل مكان، الطيور تشقشق. نظرت دقيقة بدهشتها.
"أين المرأة الأم؟ قال إنها ستعاقبني، لماذا لا أراها؟"
تناولت حبة رمان من على الأرض.
خلفها كانت العاصفة الرملية انتهت. الصحراء ظهرت مرة أخرى، لكنها ليست صحراء شاسعة، بل مجرد سبخة كيلومترية.
"أين الشاب؟ أين عمي؟ لماذا اختفوا؟ ماتوا جميعًا؟ من يمكنه أن يعرف؟"
"اتبعيني بسرعة"، صرخ شاب ملثم ظهر من بين الأشجار على الطفلة.
"أسرعي قبل أن يصلوا."
لم تفهم الطفلة لكن الشاب لم يمنحها فرصة، جذبها من يدها واختفى بين الأشجار في اللحظة التي ظهر فيها مخلوقان مسلحان بدروع حديدية وحراب. وقفوا جوار الحصان وقبل أن يصهل، قتله أحدهم بحربته.
داخل دغل حشائش، كتم الشاب فم الفتاة حتى اختفى المخلوقان. ثم ظهر رجل يرتدي وشاحًا أسود بيده مسبحة طويلة متدلية من عنقه. تناول قبضة من الطين وقربها من فمه: "كانت هنا يا أميرتي."
"كانت هنا."
من العدم ظهرت فتاة بتاج مذهب ترتدي بنطالًا جلديًا وحذاءً أخضر مرتدية درعًا وبيدها سيف لامع. شعرها ضفيرة طويلة أصفر كشعاع الشمس. غرست السيف في الوحل ثم رفعته واختفت كأنها دخلت من بوابة مختفية وخرجت منها.
رواية مملكة تارتين الفصل السادس 6 - بقلم اسماعيل موسى
أخرج الشاب ملابس جديدة وطلب من الفتاة أن ترتديها.
اختفت الطفلة خلف شجرة وبدلت ملابسها.
بنطال وقميص جلدي وحذاء سميك من البلاستيك.
ثم دفع لها سيفًا وأمرها أن تضعه في غمده، ثم ناولها سلة سهام علقتها في كتفها.
"سنسير الآن في أرض الأرواح النائمة، اتبعي خطواتي، لا تضلي فتضيعي."
"من أنت؟" سألته الطفلة ببراءة.
"أنا الحامي وأنتِ المختارة. كنت أنتظرك هناك من سنين طويلة، كل شهر، كل عام، كل يوم أحضر هنا. ليس أنا وحدي من كان ينتظرك، ممالك الجان، السحرة، الفنتازيون، فأنت تمثلين جائزة آخر الزمان، من يعثر عليك يستطيع أن يحكم العالم."
قالت الطفلة "كيف تقول ذلك وأنا مجرد طفلة صغيرة ونحيلة؟"
قال الشاب "أنتِ لا تعرفين قوتك بعد. أنتِ أول إنسان يعبر صحراء قمط."
"كيف وصلتي هنا؟"
روت الطفلة للشاب قصتها. "حياة كل إنسان منا مجموعة من الاختيارات والمواقف."
انتهت المروج ولاح قطاع من الحشائش متعددة الألوان.
"سنسير من هنا في صمت، علينا أن نعبر دون أن نوقظ أي روح نائمة. الروح التي نوقظها ستتبعك وتطالب بانتقامها، وستكونين مضطرة لمساعدتها."
مرا بين أضرحة موتى وشواهد قبور، تماثيل وحفر أرضية، صخور مبعثرة وزهور.
"كل معلم تنام بداخله روح."
"ما اسمك؟"
"اسمي باتيكا."
كان الشاب الحامي كلما مر بجوار ضريح أو صخرة يردد كلمات معينة كأنها يتوسلها أن ترقد بسلام.
وكانت الطفلة تتبع خطواته بدقة شديدة.
حل ظلام قاتم وهبت ريح باردة تشعرك أنك تسير في جوف جبل من جليد.
وسمعت أصوات صيحات وصرخات وتشكلت أطياف واختفت.
تحركت أوراق الأشجار وكنست الريح هشيم الورق.
"اقتربنا." همس الحامي.
"الذي تبقى هنا أعتى الأرواح، كوني حذرة."
عندما وضع الحامي قدمه على بر الأمان، تحركت روح نائمة رأتها الطفلة وحدها.
كانت روح طفلة صغيرة، سوداء ومخيفة، ثم سرعان ما اختفت.
"الحمد لله، عبرنا سبخ الأرواح النائمة ولم نوقظ أي روح."
كانت الطفلة على وشك أن تخبر الحامي أنها رأت طيفًا، لكن الحامي وضعها فوق جواد ولكمه على ظهره مما دفعه للركض.
ركض الحامي جوار الحصان وكانت سرعته بمثل سرعته.
تعجبت الفتاة وسألت الحامي "كيف تركض بمثل تلك السرعة؟"
قال الحامي "تستطيعين أنتِ أيضًا أن تركضي أسرع مني، أن تنطلقي مثل الريح. أسرع من الجان وآليات الفنتازيون، أسرع من وحوش الغابة وسباعها، فأنتِ المختارة."
سمعت الطفلة في خلال الأسبوعين الماضيين كلمة "مختارة" أكثر من مرة، لكنها لا تعلم ما تعني ولا ترى في نفسها أي شيء خارق للعاده، فهي مجرد طفلة ضائعة ونحيلة.
أصبحت أقدام الحصان لا تلامس الأرض من فرط سرعتها، والحامي يركض مثل الرعد.
في وادٍ ميت موحش قاشف، توقف الحامي عن الركض وأشار لكهف وسط الجبل.
"هذا منزلنا، سنعيش هنا أنا وأنتِ يا باتيكا."
كان هناك حبل متدلٍ يدور ببكرة يشبه المصعد.
ركبت الفتاة الصندوق وصعدت بها نحو الكهف.
بينما تأخر الحامي حتى يؤمن الوادي وحدوده من الجان والقنشادين بالتعاويذ السحرية ونصب الفخاخ لآليات الفنتازيين.
نصب ما يشبه الأسلاك وعلق بها أجراس تصدر حركة عندما يعبرها أي مخلوق، وجعل محطة التحكم داخل الكهف.
وجدت باتيكا الكهف مجهزًا للمعيشة والنوم.
يوجد بداخله دلاء ماء، حمام داخلي، ملابس، أطعمة مجففة، أدوات صيد.
"سأريحك الليلة، من الغد سأبدأ تعليمك يا باتيكا."
رواية مملكة تارتين الفصل السابع 7 - بقلم اسماعيل موسى
تناولت الفتاه طعامها بعد أن نظفت نفسها ثم نامت، لم تكن تعرف أنها الليله الأخيره التى ستنعم فيها بالراحه، فالحياه فرص ومهما كان بأيدينا فأنه يستحق التقدير والامتنان.
عندما فتحت عينيها كانت فى كهف اخر مظلم وموحش مقيده بالسلاسل، جعلت تصرخ من الرعب والصدمه، صرخت حتى بح صوتها، ظلت ساعات تطلب المساعده، كان عليها ان تعرف كيف تساعد نفسها لأننا ليس دائما نجد من يساعدنا ويقف جوارنا، لا طعام لا ماء، فقط ظلمه، رائحة الخوف تفوح من جدران الكهف وحجارته وهوائه.
فى اليوم الأول اعتقدت انها ستموت، الحامى لم يظهر، فى اليوم الثانى حاولت أن تقنن مجهودها وحركتها لتوفير الطاقه، فى اليوم الرابع سأت حالتها وغفت.
كان جوارها شربة ماء عندما استيقظت، ارتشفتها حتى آخرها، اليوم الخامس شربة ماء، هكذا مضى اسبوع، قضته بين الحياه والموت لكنها اكتشفت قدرتها على التحمل، حمل اليوم الثامن اخبار سعيده، خبز وطعام كان قليل لكنه كان بالنسبه لها حياه، اعتقدت انها ستموت داخل الكهف وانها طوال حياتها لن تمر بأيام بمثل ذلك السوء.
“كان على ان أخبرك منذ البدايه”
حجب نور الشمس هذا الرجل الذى وقف على باب الكهف، مظهره لا يبشر بخير، مفتول العضلات كل عضله فى جسده تحكى قصه، وجهه ملثم، غريب ان يضطر رجل مثله ان يخفى وجهه، طويل شامخ مثل النخل، بيده سوط يجره خلفه، بلا سلام ولا كلام صفعها الرجل بالسوط، صرخت من الوجع، ضربها مره اخرى صرخت أكثر، اين رحل الحامى فكرت انها مختطفه، فكره تجلب من المراره الكثير من الخيبه، هذا يعنى ان الحامى انهزم او مات وكلا الاحتمالين سيء.
كان الرجل يجلدها بلا توقف كأنه لا يسمع صراخها، كأن الطفله الضعيفه مجرد صخره او كيس تدريب، توقف بعد ربع ساعه، ثم قال عليك أن تكونى مستعده وتركها واختفى.
كان الألم موجع، تفقدت جسدها الذى اصبطغ بالأحمر، كونى مستعده؟ لماذا؟
بعد ساعه ظهر الرجل مره اخرى، جلدها بالسوط نصف ساعه وقبل ان يرحل قال عليك أن تكونى مستعده، فى كل مره كان يعود فيها كان وقت الجلد يزيد أكثر.
كيف لانسان فى قلبه ذرة رحمه ان يجلد طفله لا حول لها ولا قوه؟
عندما ظهر فى اليوم التالى على باب الكوخ، تكورت الطفله على نفسها، اصطكت اسنانها وجسدها ارتعش.
“ارجوك لا تضربنى، جسدى يتألم”
قال الرجل، تخلصى من السلاسل، اقطعيها حينها فقط لن اجلدك.
سلاسل التى لا تستطيع تحريكها يطلب منها ان تقطعها، من يظننى؟ حتى المارد لا يستطيع قطع تلك السلاسل.
انتهت الفتاه لفكرة ان استسلامها للجلد افضل من احتمالية قطع السلاسل، وتعرضت طول اليوم لجلد مزق جسدها.
خلال الليل فكرت الفتاه، سيجلدنى سبعة أيام مثلما تركت فى الجوع والظماء سبعة أيام، لكن جسدها لن يتحمل الجلد أكثر من ذلك، حاولت قطع السلاسل بلا فائده، يدها اليمنى تألمها لكن اليد اليسرى لا ألم فيها، ظلت فاتحه عينيها طوال الليل من الوجع.
قبل الفجر حاولت أن تنهض، استندت على يديها لتقف، جمعت كل قوتها.
ثم فجأه انغرست أصابع يدها اليسرى فى الصخر واخترقته.
ظهر منها أطراف من معدن لامع مثل الشفرات، تذكرت الفتاه الرجل الذى انقذ ذراعها، ربما مات الان فى الصحراء؟
شدت السلاسل وضربتها بشفرات يدها اليسرى انقطعت السلاسل محدثه شرر.
تحررت الفتاه من قيودها، تعجب الرجل عندما دخل الكهف ووجدها حره، كيف فعلت ذلك؟
“من ساعدك؟”
“ساعدت نفسى” قالت الطفله، قلت عليك أن تكونى مستعده ووفعلت.
“مستحيل” صرخ الرجل، لم يتمكن اى مخلوق من تقطيع السلاسل قبل اليوم السابع : حتى لو كان المختار.
“قالت الطفله، المهم انك قلت لن اجلدك مادام تخلصت من قيودي”
نظر الرجل تجاه الأرض وقال حسنا ثم اختفى، بعد رحيله تهدمت صخور مدخل الكهف وانسد والفتاه داخله.
كتل من الصخور الضخمه تحول بينها وبين حريتها وسمعت صوت خارج الكهف، لن يصلك طعام ولا شراب ما دمتى محبوسه داخل الكهف، ساعدى نفسك، انقذى نفسك، الطعام ينتظرك خارج الكهف.
بجسدها المنهك راحت الطفله تحرك الأحجار الصغيره من فوهة الكهف، لكن الجلاميد الضخمه اعترضت طريقها.
ورغم انها ظلت باقى اليوم تنقل الأحجار لم تتحرك الا مسافه صغيره.
كان الصوت خارج الكهف يحمسها ويطالبها ان لا تستسلم.
يوم، اثنين، ثلاثه، راحت قوة الفتاه تنهار وتخور.
صرخت “انا غير قادره على تحريك الصخور الكبيره!”
رد الصوت، استخدمى عقلك، الحظ لا يكون فى جانبنا دائمآ.
“سأموت هنا” قالت الفتاه بحزن ودموع.
رد الصوت “ستموتين هنا اذا لم تخرجى من الكهف”.
صرخت الطفله “انت لا تساعدنى”.
رد الصوت، اجل، لن اساعدك، انت وحيده.
“هل تعتقد انها ستنجح؟” سأل الصوت رجل يجلس لفى جوارها.
“هذا كانت المختاره ستنجح، واذا كانت غير ذلك ستموت”.
اعترض الصوت، لكنك رأيت بعينك كيف قطعت السلاسل؟
“لم أرى شيء” أجاب الرجل، وجدت السلاسل مقطوعه ولا اعرف كيف حدث ذلك، انا متأكد انها لم تفعلها بنفسها.
قال الصوت انت تتحامل على الطفله صفى قلبك تجاهها، لا تجعل مرورها من اختبارك بسهوله تجعلك تقسو عليها.
“ستموت بالداخل اراهنك قبل مضى سبعة أيام ستموت داخل الكهف”.
اختفت الأصوات ووجدت الفتاه نفسها وحيده مره اخرى، كان هناك شيء يقاوم داخلها، شيء لا تعرفه ولا تعرف مكانه ولا حتى كيفية العثور عليه.
فى اليوم الخامس انتهت قوتها وخارت، توقفت عن نقل الأحجار، رقدت على الأرض مستسلمه لموتها المحقق.
صرخ الصوت خارج الكهف عليها عدت مرات ولم يتلقى رد.
“سوف انقذها ربما مات”.
قال الرجل، لن تتدخل مهما حدث، الكهف لن يفتح قبل مضى سبعة أيام.
رواية مملكة تارتين الفصل الثامن 8 - بقلم اسماعيل موسى
لم يُسمع أي صوت في ما تبقى من اليومين الآخرين من داخل الكهف. لم تُنقل الحجارة، ولم يُفتح الكهف.
"ربما ماتت بسببنا؟" همس الصوت بتعاسه.
"لا أحد يموت قبل موعده. إن كانت ماتت، فهذا يعني أنها ماتت."
"لقد مت مرة من قبل، وها أنا ذا أقف أمامك."
"سنزيح الأحجار ونفتح الكهف. الطفلة تستحق الدفن."
تناوب الرجلان على إزالة الأحجار حتى انفتح الكهف. كانت الفتاة راقدة بسلام على الأرض، عيناها مفتوحتان، تحدقان بسقف الكهف. أنفاسها تخرج بوتيرة ثابتة. كانت حية.
صرخ الصوت بفرح: "إنها حية!"
"آجاب الرجل، لكنها فشلت."
"انهضت الفتاة جسدها، نفضت الغبار العالق بملابسها، وصوبت نظرها على الرجلين."
"ربما عليكم التفكير في اختبار آخر."
قال الرجل: "ماذا تعني؟ لقد فشلتِ في الاختبار."
قالت الفتاة: "لم أفشل."
قال الرجل: "كان عليك أن تزيحي الأحجار وتفتحي الكهف."
قالت الفتاة: "المهم أن الكهف انفتح. لماذا أفعل شيئاً قد يجعل غيري يفعله؟ شكراً لكم."
ابتسم الرجل الآخر. "الفتاة تتطور بسرعة. استخدمت عقلها قبل الأوان."
قال الرجل: "حتى لو قمنا بفتح الكهف نيابة عنك، لقد فعلنا ذلك بعد مضي سبعة أيام، وهذا يعني أنك فشلتِ."
قالت الفتاة: "لكن الكتاب يقول غير ذلك."
تساءل الرجل: "أي كتاب؟"
قالت الطفلة: "كتاب القوانين الخاصة بالحماة."
ابتسم الرجل بسخرية. "أنتِ لم تقرئي الكتاب الخاص بنا."
"وحتى لو حدث، كتابنا يقول سبعة أيام."
قالت الطفلة: "لأنه ليس الكتاب الأصلي. الكتاب الذي معكم منسوخ من كتاب آخر."
صمت الرجل دقيقة. "كيف تقولين ذلك؟ من أنتِ لتقولي ذلك؟ الكذب غير مقبول."
قالت الطفلة: "لم أكذب. لدي الكتاب الأصلي."
"أين الكتاب؟" همس الرجل الأصغر. "وكيف وجدته؟"
أخرجت الطفلة كتاباً من تحت قميصها الجلدي، كتاب أحمر قديم. ثم أشارت نحو عمق الكهف حيث كانت قد شقت ممرًا طويلاً داخل الجبل مستخدمة شفرات يديها الحديدية.
أمسك الرجلان بالكتاب كأنه كنز. قالت الطفلة: "تأخرت في فتح الكهف لأنني كنت أقرأ الكتاب حتى آخر صفحة منه."
"قبل يومين، رأيت شيئاً لامعاً بين الصخور. وكلما حفرت نحوه، كان يبتعد عني، يهرب مني. استغرقني الأمر يومين كاملين لألحق به. كان الكتاب يتحدث عندما وجدته، وسمعته يقول: 'لم تنلني حتى تقبض علي'. لذلك اتخذت قراري وتركت باب الكهف وشققت نفقاً نحوه."
"أنتِ فعلتِ ذلك؟" سألها الرجل بتشكك.
"أجل." قالت الطفلة بفخر.
"بيديكِ العاريتين شققتِ نفقاً داخل الجبل؟"
"أجل." أجابت الطفلة مرة أخرى.
"واحدة من النبؤات السبع. لازلت لا تصدق أنها المختارة؟" قال الشاب بحماس.
خرجت الطفلة لباب الكهف، تنشقت الهواء، ثم قفزت على الأرض. كان ارتفاعاً شاهقاً جعل الرجلين يشهقان من الصدمة. لكنهما عندما نظرا تجاه الأرض، وجدا الطفلة واقفة في مكانها سليمة بلا أي إصابات.
"كيف حدث ذلك؟" همس الرجل.
قال الشاب: "بدأت تصدق نفسها."
"أعتقد علينا أن نبدأ تدريبها الأساسي قبل فوات الأوان."
"أجل." صدق الرجل على كلام صاحبه. "إنها المختارة."
"وحده شخص يمتلك قدرات خاصة قد يتحدث كتاب إليه."
كانت الطفلة تعبر الامتحانات والاختبارات واحد تلو الآخر بسهولة. تدريب السيف، رمي الحراب، تصويب النبال. ركوب الخيل والقتال من وضع الحركة. مقاتلة أكثر من شخص في وقت واحد. كانت القدرات موجودة داخل الطفلة ولا تحتاج سوى التحريك حتى تظهر.
بعد أيام قليلة، كانت الطفلة تقاتل الرجلين معاً بالسيف والبلطة والحربة والنبال. كانت تتعلم بسرعة، تنتج أفكاراً جديدة، حتى أنها ركضت بسرعة الحامي، وهذه الميزة لا يضاهي الحامي فيها أي مخلوق.
بعد أن نامت الطفلة داخل خيمتها، قال الرجل لصاحبه: "هناك أمر غريب."
"ما هو؟" سأله الشاب.
"قدرات الطفلة تتطور بطريقة مخيفة."
همس الشاب: "أتفق معك. حتى بالنسبة للمختار، فهذا أمر مختلف. كل مختار خرج قبل ذلك كان يعاني من عيب في أمر ما. لكن تلك الطفلة حتى الآن أثبتت كفاءتها في كل ناحية."
"هذا ما يقلقني جداً. عدم معرفتنا بعيبها يعني أنه متوارٍ عن أعيننا، أو ببساطة أننا لا نستطيع رؤيته لأنه ليس بشرياً."
"أتُعني أن الطفلة بها جينات جنيه؟"
خرجت الطفلة متمللة من غرفتها، مما دفع الرجلين للصمت. ثم سارت ببطء بعيداً عن الخيمة دون أن تتحدث إليهما. كانت تقصد شيئاً معيناً تراه وحدها.
تبعها الرجلان بعيونهما قبل أن ينهضا ويستل كل واحد منهم سيفه ويسيران خلفها. "علينا حمايتها مهما كلفنا الأمر."
"باتيكا، أين تذهبين؟" همس الشاب بصوت قلق. "أشعر بوجود الجان."
"أشم رائحتهم."
قال الرجل: "إن سمح لهم بسحرها، لم يأخذوها منا مهما حدث."
"أين صولجان الأمير؟"
"هنا." أجاب الشاب. "لكن لا أرى أنها فكرة صائبة. عددهم كبير، دعنا نتريث بعض الوقت."
"أترين شيئاً؟ أي شيء؟"
"أكاد ذلك. حضور ملكي. على باتيكا أن تستيقظ قبل أن نضيع كلنا."
رواية مملكة تارتين الفصل التاسع 9 - بقلم اسماعيل موسى
كانت باتيكا مسحوبة بكلمات كبير الجان لا تكاد تشعر بنفسها.
ثم وقفت فجأة.
"خسارة!" قال المارد، "لأول مرة أشريا تخطئ. أخبرتني أنني سألاقي مقاومة وأن علي أن أجلب حراسي. إنها مجرد طفلة لم تبلغ بعد. قيدوها، مهمتنا انتهت هنا."
"ليس بمثل تلك السهولة!" صرخ الحامي وهو يستل سيفه.
"باتيكا، من يتحدث؟" صرخ المارد.
"قيدوها هو الآخر."
اقترب الحراس من الحامي، كانوا محجوبين عن نظره لكنه يشعر بهم.
طرق الأرض ثلاثة مرات بصولجان الأمير وظهر أمامه الحراس الملكيون.
"ارتعش جسده."
"حراس الملك الأحمر."
"أنت بمفردك، كيف ستقاتلنا؟"
انطلق سهم من بعيد أصاب خوذة حارس ملكي وقشط معدنها.
صرخ الحامي: "هذه أرضنا، باتيكا منا، ارحلوا من هنا."
توقف المارد الذي كان على وشك الانطلاق.
"مشاكل صغيرة."
استل سيفه وتقدم من الحامي.
"بيد المارد سيف الأهرام. ضربة واحدة منه بمائة ضربة."
حمل على الحامي بضربه مركزة جعلته من قوتها يتدحرج على الأرض.
ثم تلافى سهماً انطلق من بعيد قبل أن يضرب الحامي مرة أخرى.
"الموت أو الحياة، الاختيار اختيارك؟"
كافح الحامي لينهض.
ضربات سيف الأهرام ليست كأي ضربة.
من يحمل السيف يحوز قوة ثور.
تحطم درع الحامي.
"اتركوه!" صرخت باتيكا وكانت استعادت وعيها.
رَمَق المارد باتيكا بعيون مشتعلة.
"اصمتي يا عبدة، سوف تخدمين ملك الجان الأحمر."
"لن أخدم أحداً!" صرخت باتيكا، وتقدمت نحو المارد بيديها العاريتين.
همس الحامي: "استسلمي يا باتيكا، لا فرصة لدينا هنا."
"سأجرب حظي!" صرخت باتيكا.
رفع الحامي سيف الأهرام ورفعت باتيكا يدها اليسرى وضغطت عليها.
ظهرت مخالبها الحديدية.
تأمل المارد سلاح باتيكا.
"لا شيء يصمد أمام الأهرام."
ضرب باتيكا بالسيف.
تلقت باتيكا الضربة بيدها.
تزحزحت خطوات ولمع شرز المعدن.
سمع المارد صوت قادم من بعيد.
"الساحرة أشريا دائماً على حق..."
تجمع الحراس الملكيون حول باتيكا، أحاطوا بها من كل اتجاه.
"قيدوا الحامي وضعوا السيف فوق رقبته."
"تخلَّ عن المقاومة يا فتاة."
صرخ المارد: "إنها لي! كيف تفعلون ذلك؟ ألا ترون أنها مجرد طفلة؟"
"كيف سيكون وضعنا إذا وصلت الأخبار لبقية ممالك الجان؟ سيقولون هزمتهم طفلة."
أطاع الحراس أمر المارد.
ابتعدوا عن الحامي.
رفع المارد سيفه مرة أخرى وقبل أن يضرب باتيكا...
اختفت من المكان رفقة الحامي.
صرخ المارد في حراسه الملكيين: "ماذا حدث الآن؟"
"أحدهم قام بمساعدتهم؟"
"من يملك القدرة لإخفائهم من بين أيدينا وتحت أعيننا؟"
قال أحد الحراس بخجل: "شخص أقوى منا."
"أقوى من الجان الأحمر؟"
"أقوى من ملك الجان الأحمر؟"
"أتتعرفون ما سيحدث الآن؟ كيف سنقابل سيدنا؟ لن أخسر مكانتي بسببكم، اعثروا على من ساعدهم قبل أن أقطع رقابكم."
وقف المارد أمام الملك جوهان بخنوع، يحني رأسه والحرس الملكي إلى جواره.
"الكل يخشى أن يقول الحقيقة فيغضب الملك."
ركع المارد أمام الملك جوهان.
"لقد فشلت يا ملكي، أنا الذي أتحمل المسؤولية. أرجوك اسمح لي أن أنهي حياتي."
مرر الملك جوهان ببصره على قاعة الملك ثم رفع يده.
استل المارد سيف الأهرام ووضعه على صدره.
انحنى للملك ثم طعن نفسه بالسيف.
سقط جسد المارد على الأرض.
أقوى حراس الملك جوهان، كان يشعر بالألم على فقد قائده.
لكن الفشل إذا مر دون عقاب سينفلت الأمر من تحت يده.
صرخ الملك جوهان: "من يعثر على الطفلة ويأتيني بها سيتقلد سيف الرهوان ويصبح خادمي المفضل."
انطلق الإعلان بين الجان الأحمر.
الكل يرغب بخدمة الملك وتقلد سيف الرهوان.
وصل الخبر لجونجانه، ابنة الملك، التي كانت تجلس في مخدعها الملكي.
"إذا تمكنت من أثر الطفلة ربما يمنحني والدي ما أستحقه ويعيد لي اعتباري."
كان الملك جوهان يرغب بوريث ذكر.
ولما لم يرزق بأولاد صب كل غضبه وحنقه على جونجانه.
ورغم ما أثبتته من فطنة وقوة وبراعة في القتال لم يمنحها أي لقب أو منصب.
تزوج من امرأة أخرى منحته ولي عهد منذ وقتها.
والملك جوهان ترك ابنته جونجانه على الرف.
ارتدت جونجانه درعها الحديدي وتسللت لغرفة الأسلحة.
كان السيف الرهوان معلقاً في مكانه المذهب.
وضعت السيف في غمده وانطلقت بعيداً عن القصر.
فتح الحامي عينيه.
السرعة التي انتقل بها أفقدته وعيه.
وجد باتيكا جالسة على ضفة نهر جارٍ.
قَدَميها تلاعب الماء، عينيها مثبتة على النهر الجاري.
استل الحامي سيفه وبحث بعينيه عن حضور شخص آخر.
"كيف حضرنا هنا؟"
قالت باتيكا: "لا أعرف، وجدت نفسي هنا ولم أرى أي شخص."
نهض الحامي.
"تعني شخص ساعدنا دون مقابل؟"
"لا أعرف"، أجابت باتيكا.
"ربما هذا الشخص قريب منا وعلينا أن نبحث عنه لنشكره."
تحركا خلال المكان الواسع لوقت طويل دون أن يريا أي إنسان.
قال الحامي: "وجودنا هنا خطر، الذي كان يسعى خلفنا لن يتركنا، علينا أن نعود لكهفنا، هناك فقط أستطيع أن أحميك."
ضربت مرجانة سهمها.
كان السهم العاشر الذي يصيب هدفه.
ثم صوبت نظرها على مجموعة من الفتيات خلفها.
"بهذا الأداء سوف نخسر، نحن لن نواجه مجموعة من المزارعين بل حراس من الجان. ابذلوا مزيداً من المجهود إذا أردتم القصاص لعائلتكم."
كانت كتيبة كبيرة من الفتيات تصرخ بحماسة.
بنات فقدن عائلتهن بسبب طيش الملك جوهان وجيشه.
مرجانة أيضاً واحدة من هؤلاء تحمل نفس الألم.
كانت والدتها سبية حرب دخل عليها الملك جوهان ولما حملت رفض الاعتراف بطفلتها.
بعد أن وضعت المرأة طفلتها مرجانة أمر الملك جوهان بقتلها هي وطفلتها.
لكن واحدة من جواري القصر نجحت في تهريب مرجانة لمكان بعيد عن مملكة الملك جوهان.
ترعرعت مرجانة في رعي الغنم ومنذ طفولتها أثبتت براعتها في استخدام السيف والنبال.
كانت فتاة مشاكسة تتصارع مع الصبيان وتتغلب عليهم.
لم تجعل أبداً قدرها كفتاة يحبط عزيمتها ويمنعها من تحقيق ذاتها.
رواية مملكة تارتين الفصل العاشر 10 - بقلم اسماعيل موسى
وصل الحامي لكهفه، وفور وصوله حصن الحصن ضد الجان والهوامش وجنود مرطاح، نصب الأفخاخ تحت الجبل وأعد أسلحته.
داخل حصنه يمكن للحامي أن يقف أمام كتيبة أو جيش.
حفظ كل شبر في عرينه ولم يهزم أبداً.
مضى أسبوع وهو يعلم باتيكا ضرب السيف وإطلاق السهام المسمومة، القفز وركض الحواجز.
تعلمت باتيكا كل ذلك في وقت قصير ورغم صغر عمرها إلا أن قواها بدأت تظهر.
الهالة التي تحيط بها أصبحت أكثر قوة ولم يخفَ على الحامي أنها مسألة وقت قبل أن تخرج قوتها عن المكان ويعرف بها كل قاصٍ وداني.
كان خائفاً على باتيكا ويعرف أن عليها تعلم السحر قبل أن تجتمع الجيوش والممالك لأثرها.
من يحصل على باتيكا في صفه يستطيع أن يملك العالم.
الخروج من الحصن أمر خطير.
يعرف الحامي أنه عليه الانتقال تجاه الشمال إذا كانت باتيكا ستتعلم السحر.
ويعرف أنه خارج الحصن لن يستطيع حمايتها بمفرده.
لم ينسَ كيف أن الجان الأحمر عثروا عليهم وكادوا أن يقتلوا باتيكا نفسها.
تحدث مع باتيكا وطلب منها أن لا تغادر الكهف.
سينتقل بنفسه ناحية الشمال للعثور على أقوى السحرة وإحضارهم للكهف.
الحامي نفسه لا يمثل أي أهمية لأي مملكة أو جيش.
طلب من الرجل الآخر أن يظل مع باتيكا ويحميها حتى حضوره.
وظيفة الحامي حماية المختارة بروحه وهذا ما سيفعله.
انطلق الحامي وغادر الكهف مع أول قمر من شهر يناير قاصداً الشمال حيث مملكة بردان أرض السحر.
لقاء الأختين
بعدما تحصلت جونجانه على سيف الآهور، تتبعت أثر المختارة بقواها الملكية حتى نزلت المكان الذي جلست فيه مع الحامي.
ووجدت أثر لشخص ثالث في مكان قريب وقررت أن تعرف من يكون قبل أن تعثر على المختارة.
قادتها قدماها نحو حصن مرجانه.
راقبت الحصن، الفتيات اللواتي يتم تدريبهن على الحرب.
قبل أن تعرف أنه لا توجد خطورة من إخضاعهم.
لم تكن مرجانة موجودة عندما اقتحمت جونجانه الحصن.
دارت حرب قصيرة تمكنت خلالها جونجانه من هزيمة الكتيبة، تحطيمهم.
ثم قيدت الباقي بالسلاسل وبدأت باستجوابهم وسؤالهم عن المختارة.
تعرضت الفتيات لضرب مبرح قبل أن تجرهن جونجانه خلفها كعبيد وجواري، أسرى حرب.
لم تكن جونجانه تمتلك قلباً رحيماً ولا تعرف معنى الشفقة.
ورغم أن مهمتها الأساسية القبض على المختارة ووضعها أمام والدها الملك جوهان حتى تستعيد بعض مكانتها التي كانت تطمح بها.
إلا أن غرورها صور لها أن الدخول لقاعة الملك مع صف من العبيد سيضيف مظهراً تراجيدياً على دخول الابنة قاعة الملك وسط الوزراء والمستشارين.
عادت مرجانة لحصنها، الحصن كان مدمراً.
من تبقى من جيشها إما مصاب أو ميت.
فكرت مرجانة أن الحصن تعرض لهجمة من قطاع الطرق من الجان.
لكن واحد من المصابين قبل موته أخبرها أنه كان شخص واحد من فعل بهم ذلك.
شخص واحد قضى على جيشها الذي أعدته منذ شهور؟
لابد أن يكون أمير علوي أو من نسل ملكي.
تعرف مرجانة أن حصنها لا يمثل أهمية بالنسبة لهؤلاء.
لماذا إذن؟
تتبعت أثر جنودها بالجير والزرفان.
كانت تعرف أنهم لم يبتعدوا لمسافة كبيرة.
وكان كل همها أن تنقذ صديقاتها من ذل الأثر والعبودية.
بعد أن قيدت جونجانه عبيدها بجذع شجرة نزلت في ماء النهر ونظفت نفسها.
البشر لا يخلو من الجمال.
عبرت النهر مرتين وقبل أن تعبر المرة الثالثة ظهرت مرجانة.
مشت تجاه صديقاتها وقامت بتحريرهم.
صرخت جونجانه: من أنت؟
توقف عندك، لا تقترب من صيدي.
مضت مرجانة في تحرير أسراها بلا مبالاة دون أن تعير صراخ جونجانه أي اعتبار.
قفزت جونجانه من الماء وحطت على الضفة واستلت سيف الرهوان.
ألا تعرفين من أنا؟
نظرت مرجانة تجاه جونجانه: أنت شخص محتال غير مهم يستخدم قوته ضد الضعفاء.
صرخت جونجانه: شخص غير مهم، ابنة الملك جوهان غير مهمة؟
تسمرت مرجانة في مكانها، بعد أن عرفت أنها ابنة الملك جوهان ازداد حنقها عليها أكثر.
قالت مرجانة: كنت سأكتفي بقتلك جزاء ما فعلتيه في صديقاتي، لكن الآن لا أرضى إلا هزيمتك وأسرك حتى يأتي والدك بنفسه ليفتديك.
هزيمتي؟ أنا جونجانه أميرة علوية تهزمني نكرة مثلك؟
ارتفع السيف ولاقى السيف فتاتان من نفس العمر ونفس القوة.
قاتلت مرجانة جيداً لكن سيف الرهوان لا يمكن الوقوف أمامه.
داخل السيف خدم من الجان مسخرين لخدمته.
لم يكن أمام مرجانة سوى المناورة حتى تطول المعركة.
كان الحامي يمر داخل الغابة عندما سمع صليل سيف الرهوان.
لا يعرف الحامي الفتاة التي تحمل السيف لكنه يعرف السيف وكل من يحمل سيف الرهوان عدوه.
اقتحم الحامي أرض المعركة وحمل على جونجانه التي أصبحت تحارب اثنين.
حملت جونجانه على مرجانة وكادت تصيبها.
لكن السيف امتنع، ثم طلب السيف من جونجانه أن تهرب لأن التي تحاربها بمثل قوتها وليست فتاة عادية بل من نسل ملكي ولن يستطيع قتلها.
صرخت جونجانه ولعنت السيف.
لم تفهم كيف يقول السيف على بشرية أنها من نسل ملكي؟
تخلت عن السيف واستخدمت قواها السحرية والجنيه.
لم تستطع أي واحدة من الأختين الانتصار في المعركة التي انتهت باختفاء جونجانه.
لم تتقبل جونجانه هزيمتها وقررت أن تراقب تلك الفتاة التي تمتلك نفس قوتها.
أرادت أن تعرف السر.
ساعد الحامي مرجانة في إرجاع صديقاتها للحصن واستخدم قواه وبراعته في تطبيب جروحهم.
قالت مرجانة: قل لي أيها الغريب كيف أسدد دينك؟
قال الحامي: دينك سدد بالفعل يا أميرتي.
احمر وجه مرجانة من الخجل، قالت: أنا لست أميرة.
قال الحامي: أنت أميرة رغم أي شيء، لا تتخلي عن أصلك.
كنتِ أنتِ التي ساعدتنا للهروب من يد المارد.
قالت مرجانة: أكره الجان الأحمر وكل ما يأتي من عشيرتهم.
قال الحامي: سررت بلقائك يا أميرة، أنا مضطر للرحيل نحو الشمال لأبحث عن ساحر يساعد باتيكا.
قالت مرجانة: أنا أعرف أرض بردان، يمكنني مساعدتك؟
قال الحامي: أحتاج للمساعدة فعلاً، لكن لا أرغب في إزعاجك.
قالت مرجانة: لن نستغرق وقتاً طويلاً، معي أستطيع أن أحملك لأرض بردان في غمضة عين.
تحمس الحامي للفكره وطلب من مرجانة أن تساعده.
حملت مرجانة الحامي وهبطت على مشارف أرض بردان.
كانت بوابة مدينة بردان أمامهم، وأحس الحامي بخوف مرجانة.
السحرة يستطيعون ترويض الجان، حتى الأمراء منهم.
مرجانة تخشى الوقوع بين أيديهم.
قال الحامي: حسناً، انتظريني هنا، لا تدخلي المدينة مهما حدث.
قالت مرجانة: لكنك جائعة.
تناول الطعام معي قبل دخولك المدينة، من الخطر الدخول لمدينة بردان أثناء الليل، سنخيم داخل الصحراء.
في الصباح سأحملك هنا مرة أخرى.