تحميل رواية «مات زوجها وتزوجت أخيه» PDF
بقلم نجلاء ناجي ورشا مجدي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
فى منزل الحاج رشدى؛ كبير عائله رشدى ،رجل فى العقد السادس من العمر يتميز بالحكمة والهدوء وبعد النظر،و كذلك بعض من الوسامة التى ورثها منه ابنائه والتى لا يزال محتفظا بها رغم كبر سنه . العمل يجرى على قدم وساق ؛الكل يسير ويهول هنا وهناك فى همة ونشاط . فنجد من تقوم بتنظيف الفيلا والحجرات، وهناك من ينثر البخور في الحجرات ،وهناك من يقوم باعداد الطعام .. فى المطبخ حيث تقف الحاجة صفية؛ زوجة الحاج رشدى وهى تتمم على الفتيات الخادماتان أجل إنهاء وليمة الغذاء المعدة لأبنائها بمناسبة عودة ابنها الاكبر مازن من...
رواية مات زوجها وتزوجت أخيه الفصل الأول 1 - بقلم نجلاء ناجي ورشا مجدي
فى منزل الحاج رشدى؛ كبير عائله رشدى ،رجل فى العقد السادس من العمر يتميز بالحكمة والهدوء وبعد النظر،و كذلك بعض من الوسامة التى ورثها منه ابنائه والتى لا يزال محتفظا بها رغم كبر سنه .
العمل يجرى على قدم وساق ؛الكل يسير ويهول هنا وهناك فى همة ونشاط .
فنجد من تقوم بتنظيف الفيلا والحجرات، وهناك من ينثر البخور في الحجرات ،وهناك من يقوم باعداد الطعام ..
فى المطبخ حيث تقف الحاجة صفية؛ زوجة الحاج رشدى وهى تتمم على الفتيات الخادماتان أجل إنهاء وليمة الغذاء المعدة لأبنائها بمناسبة عودة ابنها الاكبر مازن من الخارج مع زوجتة وابنائه .
الحاجه صفية وهى تنظر إلى ما اعدته الفتيات :
خلصتوا الاكل يا بنات ولا لسه ؟ دول على وصول .
حسنات ووفاء وهما تبتسمان لها :
خلاص يا حاجة، احنا بنشطب اهه، فاضل التحمير والغرف بس.
الحاجة صفية وهى تنظر على ما قمن بطهييه، ثم تسألهم :
طب والحلو؟ عملتوه ولا لسه؟
هدى :
خلاص يا حاجه الكنافة والبسبوسة وام علي خلصوا. ... عايزة حاجة تانى؟
الحاجة صفية :
لا شكرا. بس هموا شوية مش عايزة تأخير .
تخرج من المطبخ وتتوجه الى المندرة التى يجلس بها الحاج رشدى يقرأ القرآن، فيشعر بوجودها، ويرفع عينيه عن المصحف وينظر لها مبتسما.
الحاج رشدى وهو يشير لها للجلوس بجواره ،ويقول بصوت هادىء :
اقعدى ارتاحى شوية؛ علشان تعرفى تقعدى معاهم.
الحاجة صفية وهى تجلس بجوارة وتنظر له وتقول بصوت متهدج ملىء بالحنين والاشتياق :
مش قادرة على اصبر يا حاج. ... مازن والولاد وحشونى اوى اوى. . . كلمهم شفهم بقوا فين؟
الحاج رشدى مبتسما لها وهو يأخذ الهاتف :
حاضر يا حاجة.
يتحدث فى الهاتف النقال لابنه اسلام .
فى تلك الاثناء،يتلقى اسلام اتصالا هاتفيا من والده فيقول لمن معه فى السيارة :
الحاج بيتصل....
فيقول مازن :
افتح ورد
يرد اسلام على الحاج رشدى :
السلام عليكم. .. ايوة يا حاج .
الحاج رشدى :
وعليكم السلام ورحمة الله. ..ايوة يا اسلام ،وصلوا ولا لسه ؟
مازن وهو يأخذ الهاتف المحمول ويرد ويقول :
ايوه يا حاج مازن وصل، تحب تكلمه.
تتهلل اسارير الحاج رشدى ،وتدمع عيناه عندما سمع صوت ماذن عبر الهاتف ، وسط ترقب الحاجة صفية و النظر له باهتمام فى محاولة لقراءة معالم وجهه لتعرف ما الخبر ولماذا ترقرقت عيناه بالدموع ،وهى تسمع الحاح رشدى يقول :
الف حمد الله على السلامه يا ماذن يا ابنى ..اذيك واذاى سيف ونوران واسيل مراتك .
مازن :
الحمد لله، كلنا زى الفل ومش ناقصنا غير رؤيتكم يا حاج.
تتهلل اسارير الحاجه صفية عند سماع عبارات الترحيب ،فتختطف الهاتف من يد الحاج رشدى وهى تقول بلهفة :
هات أكلمة يا حاج .
فيعطيها الحاج رشدى الهاتف.
الحاجة صفية بصوت متهدج ملىء بالحنين والاشتياق ،وتحاول ان تتماسك ولا تبكى :
ماذن ... حبيب قلبى ... وحشتنى يا ابنى. .. إذيك ..
مازن بصوت حاول ان يجعلة مرحا ويخفر اشتياقة حتى لاتبكى والدته :
انتى وحشتينى اوى اوى يا حاجة. اذاى صحتك ؟
الحاجة صفية والدموع تنهمر من عيناها وكأنها مطر يسقى ارضا عشطا :
الحمد لله يا ابنى .. انتوا فين ؟ ولسه قد إيه على ما تيجوا ؟
مازن :
حوالى نص ساعة .
سيلا وهى تأخد منه الهاتف :
إذيك يا ماما الحاجة وحشانى جدا ،إنتى وبابا الحاج .
الحاجة صفية :
الحمد لله. وحشانى يا بنتى انتى والعيال .
فتسمع صوت ماذن وهو يتحدث بصوت عال. ..
يا حاجه ،ميتين من الجوع، الاكل جاهز؟
الحاجة صفية وهى تبتسم وتقول :
جاهز يا قلب امك. كل الاكل اللى بتحبه بس تعال بقى .
تضحك سيلا وتقول له :
كل الاكل اللى بتحبة يا سيدى ماما عاملاه ..ارتاح بقى .
ماذن بصياح ضاحكا :
وحشنى اكلك يا حاجة اوى.
سيلا وهى تتصنع الغضب وتوكزه في يده وتقول :
هو انا اكلى وحش يا ماذن.
ماذن ضاحكا :
لا. .. بس أكل الحاجة حاجه تانية يا سوسو .
ينظر لهما اسلام ويضحك وينظر الى الطريق .
تنهى صفية المكالمة وهى تمسح دموعها ؟وتلتفت الى الحاج رشدى؛ الذى ينظر لها مبتسما ..ويقول :
ها ..اطمنتى ؟سمعتى صوته
الحاجة صفية بإرتياح وهى تبتسم ثم تتذكر شيئا وتقول بألم.
شفت الهوانم كل واحدة فى شقتها إزاى ؛شيماء مش عايزة تنزل ،وعاملة نفسها نايمة .ونشوى قال إيه قاعدة مع ابنها ... وولاد إسلام بس هم اللى بيلعبوا فى الجنينة .يرضيك كدا يا حاج ؛هو احنا بنشوف ولاد اسلام ومراته كل قد إيه ؟
الحاج رشدى :
كبرى دماغك يا حاجة، المهم ان ولاد اسلام بيلعبوا فى الجنينه .. وبعدين شيماء نزلت او منزلتش مش مشكلة، سبيها براحتها. دى واحدة واخده على السهر والنوادى ملهاش فى عيشة الارياف .. اختيار ابنك وهو مرتاح على كدا .
الحاجه صفية بامتعاض :
مرتاح ! دى لاتعرف ولادها اخبارهم ايه ولا ليها دعوه بيهم سيباهم مع الدادات والخدم .
الحاج رشدى :
قلنا ملناش دعوة دى خياتهم وهم حرين فيها واوعى تقولى كدا لاسلام . سبيبه يشوف شغلة وشركته اللى فى الاسكندرية ويمشى حياته زى ما هو عايز ..
الحاجة صفية وهى تنحدث عن زوجة رمزى ؛ نشوى ،وهى حنطية اللون ،قصيرة القامة ؟شعرها تسمر وعيناها واسعتان ولونهما اسمر . سيدة منزل لديها ولديها اتنان وعشرون عاما ، ولديها طفل اسمه زيد.
الهانم قاعدة معانا وكأنها مأجرة الشقة ،مش احنا اهل جوزها.
الحاج رشدى بهدوء :
ضفية ... جايلك اسيل وولادها وهيملوا علينا البيت ان شاء الله .بلاش كلام فى الموضوع دا عايزين نقضى وقت حلو ومش عايزين مشاكل .
تبتسم الحاجة صفية فور ذكر اسم سيلا وتقول :
سيلا دى بنتى اللى محلفتهاش يا حاج ؛طيبة وحنينة أوى. مش زى التانين خالص.
الحاج رمزى بهدوء :
المهم عندنا ولادنا يا صفية ..الحمد لله مازن ومهندس مبانى ولو بس يسمع كلامى ويشتغل فى شركه المقاولات مع اسلام يبقى كويس اوى؛مهو شريك فيها يبقى يشتغل عند الغرب ليه ؟ ويسيبة من شغل دبى ده .. ورمزى ؛اهه مهندس زراعى وبيدير الارض ويتابع شغل مصنعه لتصدير منتجاتنا الزراعية ...هنعوز اية تانى اكتر من كدا والحمد لله كل واحد متجوز اللى اختارها ،حلوه او وحشة دا اختياره ودى حياته وهم حرين فيها .
الحاجه صفية وهى تحاول ان تعترض :
ايوة يا حاج بس ..
الحاج رشدى :
مبسش .. قفلى على الموضوع دا يا حاجه .
يستمعوا لاصوات عز الدين ورنا ؛ابناء اسلام ،فى الحديقة وهم يصيحون فى ترحيب وتهليل بسيف ونوران ابناء مازن . فيقفوا بسرعة ويتجهوا للخارج ليجدوا سيلا تدلف اليهم وتسلم عليهم وتقبلهم بإشتياق.
ماذن ضاحكا :
ايه يا سيلا خلينى أسلم على الحاج والحاجة ،هم مين اللى ابنهم فينا ؟
الحاجة صفية :
والله هى معزتها من معزتك .سيلا دى بنتى يا مازن .
ماذن ضاحكا :
لااااا مينفعش يا حاجة، هو فى اخ بيتجوز اخته ؟؟
الحاجة صفية :
يا وااد ،فى معزة بنتى ،خلاص ارتحت .
يضحك الجميع وتدخل نشوى وشيماء،وتستمعان الى كلام الحاجة صفية ،وتنظران لبعضهما بإمتعاض ويبتسمان ابتسامه سخرية.
تتقدم نشوى وتسلم وهى تقول :
حمد الله على السلامه يا اسيل ؛تعمدت ان تناديها بالاسم الذى لا تحبه . حمد الله على السلامه يا ماذن .
سيلا وماذن :
الله يسلمك
شيماء بكل تكبر :
حمد الله على السلامة .
سيلا :
الله يسلمك ،اخباركم ايه وحشينى اوى .
شيماء وهى تجلس وتنظر لها :
عادى ..زى ما احنا
ماذن مغيرا الحديث :
انا جعان يا حاجة، فيه أكل ولا دى كانت إشاعة ..
الحاجة صفية وهى تنهض من مكانها:
ثوانى والاكل يكون جاهز ..قال اشاعة قال ..
تخرج الحاجه صفية بسرعةمتجهه الى المطبخ صائحة بفرحة :
يلا يا بنات بسرعة ، اغرفوا الاكل بسرعة ..
الفتيات بهمه ونشاط :
حاضر يا حاجة ثوانى والسفرة تكون جاهزة .
تعمل الفتايات بسرعة وما هى الا دقائق قليلة وكانت المائدة عليها ما لذ وطاب من الاطعمة ...
فى تلك الاثناء داخل المندرة ،والكل جالس يتحدث ويضحك.
نشوى وهى تهمس لشيماء :
سمعتى الحاجه صفية بتقول ايه عن اسيل ؟
شيماء بحقد :
سامعة كل حاجة ، هم بيحبوها عننا . عادى
نشوى :
مهما نعمل برده بيحبوها .
شيماء بدون اهتمام وهى تنظر سيلا وتتحدث :
يلا ،كلها شهر وترجع تانى دبى،هى وجوزها .مش عارفة حابينها على اية ؟
نشوى وهى تختلس النظر الى الجميع وتقول :
مش عارفة ؛ما احنا متجوزين ولادهم برده ومخلفين اهه وولاد برده ،فيها ايه يعنى علشان يحبوها عننا ؟
فى ذلك الوقت تذهب اسيل مع الحاحة صفية للمطبخ وتساعد الفتيات فى تحضير الغذاء وهى تضحك معهم .
على المائدة ...يجلس ماذن بين اسيل والحاجة صفية ،وكلا منهما تطعمانه مثل الطفل الصغير ،وماذن يأكل من يد سيلا مرة ومن يد امه مرة اخرى ،وسيلا تطعم اطفالها .
وسط نظرات السخط والحقد من نشوى وشيماء . وضحك اسلام ورمزى على منظر ماذن وكل منهما تطعمه مثل الطفل الصغير .
لتقول نشوى وهى تحاول ان تظهر عدم ضيقها من المنظر :
كلى بقى يا اسيل ، هو ماذن صغير علشان تأكلية وانتى وماما الحاجة.
سيلا ضاحكه :
انا متعودة انى أأكل ماذن بإيدى مع العيال .
شيماء ساخره :
وانتى بتاكلى امتى ؟
سيلا وهى تنظر فى عينى ماذن بحب :
هو اللى بيأكلنى .
تشعر شيماء بالغضب فتقول بسخرية :
بعنى بتعاملى ماذن زى الاطفال ..
تنظر لها الحاجه صفية بسخط واضح وينظر الحاج رشدى لصفية حتى لا تتحدث .
فينظر لها اسلام بضيق ويقول:
دى محبة ودلع ،بتدبعة زى العيال .
ثم يضحك بسخرية ويقول ، مش زى ناس مش فاضية لحد
هنا كان اسلام يقصدها بحديثة ،لانه يعلم ان كل ما يهم شيماء هن صديقاتها والخروج والبقاء بالنادى.
يمتقع وجهه شيماء غضبا وقد فهمت تلميح اسلام ،وتكمل غذائها فى صمت .
ينتهى الغذاء وتصعد شيماء الى شقتها بسرعة تتبعها نشوى .ويبقى الجميع فى المندرة يحتسون الشاى والعصائر والاطفال يلعبون .
بينما تجلس نشوى مع شيماء فى شقتها والحقد ثالثهما ..
رواية مات زوجها وتزوجت أخيه الفصل الثاني 2 - بقلم نجلاء ناجي ورشا مجدي
في شقة شيماء ..
تجلس نشوى وهى ترى شيماء تأكل الردهه جيئة وذهابا؛ من كثرة غيظها وغضبها، وتردد:
"شفتي سيلا وهى قاعدة تأكل مازن والعيال، والبية جوزي مبسوط وعايزني أعمل له كدا."
ترد نشوى ساخطة أيضاً:
"إحنا هناكل عيالنا ولا إجوازنا كمان... دا إيه القرف دا."
تقترب منها شيماء وتقف أمامها وتقول بحقد:
"عايزة تقلب إجوازنا علينا؛ وتخليهم يكرهونا."
نشوى وهى تضرب على صدرها وتشهق:
"يا نهار، ربنا يعدي الشهر دا على خير، وتغور من هنا."
تجلس شيماء على الكرسي بجوار نشوى وهي تستشيط غضباً وتقول:
"أنا يومين كدا وراجعة إسكندرية تاني."
نشوى بتحسر:
"آه تروحي إنتي شقتك هناك، وتسبيني هنا لحرق الدم مع الست أسيل هانم."
شيماء وهي تلتفت لها بغضب:
"أعمل لك إيه؛ منتي اللي جوزك شغله هنا في البحيرة. لكن إسلام شركته في إسكندرية، وبعدين أنا مقدرش أعيش هنا زيك، أتخنق."
نشوى بحزن:
"عيني عليا."
تنظر لها شيماء ولا تتحدث. تأخذ نفساً عميقاً ولا تتحدث.
في ذلك الوقت في المندرة ..
يجلس ماذن مع إخوته ووالديه، يتحدثون ويمرحون، وماذن يتعرف على أخبار العمل في المصنع من رمزي، وأخبار شركة المقاولات من إسلام.
بينما سيلا كانت تلاعب الصغار في الحديقة وكأنها طفلة معهم، تتعالى الضحكات والصرخات، من شدة فرحة الصغار وهم يلعبون معها.
يقف إسلام ينظر عليهم من نافذة المندرة ويبتسم، ويأتي ماذن يقف بجواره ويرى سيلا وهي تلعب معهم والاطفال يلتفون حولها، يشعر وكأن هناك خيطاً يجذبه لها فيبتعد عن إسلام ويتجه لهم.
فينظر له إسلام ويقول له:
"ما تتغير يا ماذن، هتفضل طفل كبير."
ماذن وهو يبتعد ويضحك:
"أفضل طفلاً كبيراً وأستمتع بالحياة ولا أظل كبيراً وتعيس مدى الحياة."
يضحك الجميع ويتركهم ماذن ويذهب للتي سحرته بضحكتها وهي تقف معهم.
يأتي من خلفها ويغمض عينيها، فتشهق أسيل من الخضة وتضع يداها على يد من أغمض عينيها، وسط صرخات وضحكات الصغار.
سيلا وهي تسأل الأطفال:
"مين يا ولاد اللي مغمض عيني؟"
يشير ماذن لهم برأسه أن لا يقولوا شيئاً، فيضحكون ولا يقولون شيئاً.
ولكن يسألونها:
"قولي مين؟"
سيلا وهي تصطنع أنها تفكر وتقول:
"أصل عمو مش عارف إني عرفته لما شميت ريحة البارفان بتاعه."
فتهمس.
ماذن يزعزع مازن يداه ويلفها لتواجهه ويقبل وجنتيها قائلاً:
"عيون ماذن."
سيلا وهي تنظر له بحب وتبتسم وتهمس:
"تصدق وحشتني الحبة دول."
ماذن هامساً:
"طب تعالي نطلع شقتنا."
سيلا بسرعة وهي تبتعد عنه:
"لا خلينا قاعدين مع بابا وماما أحسن."
ماذن بدهشة:
"مش عايزة تستريحي حبة!"
سيلا وهي تضحك له والأطفال يلتفون من حولها تنظر لهم وتنظر له ثانية:
"بعدين، خلينا قاعدين معاهم. إنت زمانك واحشهم أوي."
ماذن متصنعاً الغضب:
"قولي إنك عايزة تلعبي مع العيال، ومش عايزة تلعبي معايا."
تضحك سيلا وتمسك وجنتيه وتقول:
"متزعليش يا مومو، تعال إلعب معانا."
ماذن بفرحة:
"بجد... طب أنا هلعب معاكم."
يهلل الصغار ويظلون يلعبون جميعاً وماذن يتحين الفرص لكي يقوم باحتضان سيلا بين الحين والآخر.
وتراه الحاجة صفية وتضحك وتقول للحاج رشدي:
"مش هيتغير ماذن أبداً هيفضل كدا على طول يحب اللعب زي العيال الصغيرة بالظبط."
يضحك الحاج رشدي ويقول:
"طب تعالي هنا جنبي وفكريني كدا كنتي بتقولي إيه؟"
تضحك الحاجة صفية وتقول:
"هروح أقول للبنات يحضروا العشا وأجي أقولك كنت بتقول إيه."
يضحك الحاج رشدي كثيراً ويقول لها:
"متتأخريش في العشا."
تخرج الحاجة صفية وتطلب من الفتيات البدء في تحضير العشاء.
يأتي موعد العشاء ويأكل الصغار وهم ينامون على أنفسهم ويصعد كل واحد إلى شقته.
يدخل رمزي لشقته فيجد نشوى تغط في نوم عميق ومعها ابنها الصغير، يبتسم لهما وينضم لهما بسرعة وينام لشعوره بالإرهاق.
في شقة إسلام..
يدخل إسلام شقته ليجد أبناءه في ثبات عميق، يدخل حجرة نومه فيرى شيماء تتحدث في الهاتف مع أصدقائها بالنادي، ينظر لها ويتجه إلى ملابسه فيأخذها ويتجه إلى الحمام، يغتسل ويخرج ليجدها لا تزال مستمرة في حديثها فلا يلقي لها بالاً ويتجه إلى السرير لكي ينام.
ولا تعطي شيماء أي بادرة اهتمام به وتستمر في الحديث.
في شقة ماذن...
يتأكد ماذن من نوم الأطفال ويتجه إلى سيلا ويحوطها بذراعيه ويهمس لها وهو يقرب وجهه من رقبتها ويستنشق عطرها:
"يلا بقى يا سوسو نفذي وعدك ليا."
تلتفت سيلا له وتنظر له مستفسرة وتقول:
"وعد إيه يا مومو؟"
ماذن بابتسامة خبيثة:
"إنت مش وعدتيني تلعبي معايا لوحدي."
سيلا وهي ترفع حاجبيها بدهشة:
"أمال مين كان بيلعب معايا أنا والأولاد... خيالك؟"
ماذن وهو يقربها منه كثيراً ويهمس لها:
"وحشتيني، والعيال بايتين تحت عند جدهم."
سيلا وقد فهمت ما يرمي له تضحك وتقول:
"إنت مجرم يا ماذن."
ماذن ضاحكاً بجزل:
"آه أنا مجرم."
ويذهبوا معاً إلى غرفتهم ليسبحوا في بحر الحب.
في الصباح يستيقظ إسلام وينظر إلى شيماء التي تنام بجواره ولا تشعر به، فيبدل ملابسه وينزل ليفطر عند والده، ويجلس مع أخويه.
ويترك شيماء نائمة بعد أن رفضت الاستيقاظ والنزول معه.
وكذلك فعل رمزي.
عند الحاج رشدي..
يتقابل إسلام ورمزي على الدرج ويصبحان على بعضهما ويتجهان إلى الداخل فيجدان ماذن وسيلا وأطفال ماذن وإسلام يجلسون مع سيلا تطعمهم، وتجلس معهم حتى يشربوا اللبن.
يفرغ الأطفال من تناول فطارهم ويتجهون للعب في الحديقة.
بينما تتجه سيلا لتحضير الفطور مع الفتيات.
وتصنع الفطور بنفسها وبطريقتها هذا اليوم، وتجهز المائدة بنفسها وسط دهشة الفتيات الخادمات وهن يقفن بجوارها ليتعلمن كيفية تنسيق المائدة.
تنادي سيلا على الجميع لتناول الفطور، يقدم ماذن وإسلام ورمزي ويتطلعون إلى المائدة وتنسيقها وللورد الذي يوجد على المائدة.
رمزي وهو ينظر بدهشة قائلاً بضحك:
"والله المفروض الواحد يطلع يولع في جوز الستات اللي نايمين فوق دول."
ليستمع إلى صوت الحاجة صفية من ورائه:
"مالكم واقفين كدا ليه؟ متفطروا؟"
إسلام يجلس ويقول:
"والله الفطار يفتح النفس، أنا هصوره، وأخلي شيماء تعمل زيه."
ثم أردف قائلاً:
"دا لو صحت بدري ومخلتش الشغالة تعمله."
رمزي وهو يخرج هاتفه ويلتقط صورة للمائدة، ويقول ضاحكاً:
"أنا لو ما اتعملش ليا فطار زي دا كل يوم، هشوف واحدة تعمله ليا."
يضحك الجميع وتقول الحاجة صفية:
"بس يا واد منك له، بدل ما يسمعوكم وتنكدوا على نفسكم وعليهم."
إسلام بجدية:
"والله بجد أنا مش بشوف فطار ده خالص؛ أنا بخرج وأشرب قهوة وأي بسكويت وخلاص."
تزداد ابتسامة ماذن فخراً وسعادته بزوجته وأنها لا تدخر جهداً لتسعده.
بينما تنظر الحاجة صفية إلى رشدي وأبنائها في حزن لحالهم ولا تنطق.
رمزي وهو يومئ برأسه:
"وأنا شرحك والله يا إسلام."
تنظر له الحاجة صفية معاتبة له وتقول:
"طب يا رمزي ما البنات هنا بيعملوا الفطار والأكل، مش بتاكل ليه؟ بدل ما تخرج على لحم بطنك كدا؟"
رمزي وهو يمد يده ويتناول قرص من الطعمية ويقطم منه، ويقول:
"أنا مشغول على طول يا حاجة، ومش بلحق أفطر."
ماذن ضاحكاً:
"لاااا... أنا بقى لازم أفطر قبل ما أخرج على الدوام؛ البركة في أسيل، هي اللي عودتني على كدا."
تنظر لها الحاجة صفية بإمتنان وتبتسم لها، وتبتسم سيلا لها في خجل.
رمزي وهو يشاكس ماذن:
"يا بختك يا عم."
ماذن ضاحكاً:
"إيه دا... حسد."
رمزي ضاحكاً مع إسلام:
"لاااا دا حسد صريح يا ابني."
ويضحك الجميع.
بعد الغداء، تصعد سيلا إلى شقتها وتحضر شنط الهدايا لكل الأسرة حتى الخدم، فيفرح بها الجميع.
تصعد سيلا لشقتها وتدير مشغل الأغاني على أغاني عمر دياب وتستمع لها وهي تعمل في المنزل.
في حين يبقى ماذن مع إسلام لمراجعة حسابات شركة المقاولات المشتركة بينهما.
وتبقى شيماء ونشوى في شققهما مغتاظين من الموسيقى التي تستمع لها سيلا ومن جو المرح الذي تشعه في المنزل.
بعد يومين تتجه شيماء إلى إسكندرية، وتترك أبناءها عز الدين ورنا مع سيلا بعدما رفضا الابتعاد عن سيف ونوران، وتذهب سيلا وماذن إلى إسكندرية أيضاً لرؤية والدتها وأخيها وزوجته؛ ويقضون معهم يومين ثم يعودان إلى منزل الحاج رشدي ثانية.
يطلب ماذن من إسلام أن يقوم بحجز أسبوع في مارينا للمصيف به مع أبنائه وزوجته.
يجلس ماذن مع الحاج رشدي وصفية، يتحدثان في العمل، يقدم عليهم إسلام ويشترك معهم في الحديث.
في تلك الأثناء كانت سيلا مع أبنائها و أبناء إسلام في شقتها تلعب معهم، وتطعمهم ثم أدارت الموسيقى وبدأوا يرقصون على أنغام الموسيقى ويضحكون.
أثناء حديث ماذن مع إسلام ووالديه استمع للموسيقى الآتية من شقته، فأنصت لها، وتوقف عن الحديث فجأة، ووقف مشدوهاً مركزاً سمعه للخارج ويخرج وسط نظرات إسلام المندهشة منه، ثم ينظر لوالدته ويقول لها:
"أقسم بالله ماذن دا فعلاً مجنون سيلا... مش مركز خالص، بقى يسيب الشغل وطالع لمراته فوق!"
تنظر له الحاجة صفية بدهشة:
"بيحبها يا إسلام، دا الحب اللي للأسف إنت ورمزي ملقتهوش."
الحاج رشدي ضاحكاً:
"بس أنا لقيته برضه."
تنظر له الحاجة صفية في خجل ولا ترد.
ينظر لهما إسلام ويقرب بين حاجبيه معترضاً على ما يقولونه؛ فمن وجهة نظره أن العمل هو سر الحياة، هو لا يعترف بالحب، يعترف بالاستقرار الحياة ونمطيتها وفقط.
ويكمل النظر في الأوراق التي أمامه.
بينما يصعد ماذن إلى شقته حيث سيلا والأطفال ويشترك معهم في الرقص واللعب.
يهمس ماذن لسيلا بحب، وهو يحاوطها بذراعيه:
"سمعت صوت عمرو دياب عرفت إنك أكيد بترقصي، قلت أجى أشارك."
تبتعد سيلا عنه وهي تضحك ضحكة رنانة وتقول وهي تتمايل أمامه:
"طب العب مع العيال على ما أعمل لك حاجة حلوة تاكلها."
تبتعد سيلا ويلفح شعرها وجه ماذن فيستنشق عطرها وتتركه أسيل وتتجه إلى المطبخ.
يصعد إسلام ورمزي إلى شققهما ويرى ماذن وهو يتحدث مع سيلا، فيقلب شفتيه ويقول في نفسه:
"والله ماذن دا مجنون... حتى الحب ما يبقاش كدا."
رمزي وهو يبتسم:
"دا مش حب... دا عشق يا إسلام... أخوك بيعشق سيلا وهي كمان."
يقلب إسلام شفتيه في امتعاض ولا مبالاة ويدخل شقته.
يدخل رمزي شقته ويفاجأ بنشوى وهي تقف صارخة أمامه.
نشوى بغضب:
"هو إحنا مش هنعرف ننام في أم البيت دا طول ما الست سيلا هنا؛ ومشغلة لنا الأغاني بصوت عالي كدا، مفيش ذوق خالص."
رمزي بإستنكار:
"في إيه هي في شقتها وانت في شقتك... تعباكي في إيه؟"
نشوى بغيظ:
"مش عارفة أنام من الأغاني... أعمل إيه؟"
رمزي بسخط وهو يلوح لها بيده:
"يا شيخة إنتي على طول نايمة، مش كفاية كل واحدة منكم سايبة عيالها معاها... ستات معندهاش دم."
ويتركها ويدخل مكتبه، وتظل نشوى تنظر في أثره مندهشة من حديثه، تشعر بالحقد على سيلا التي يراها الجميع مثالاً حياً للزوجة والسيدة المحبة لزوجها وأبنائها.
وها هو رمزي قد بدأ يظهر غضبه منها.
نشوى لنفسها:
"لا... الموضوع دا لازم له حل مع شيماء."
ثم تتجه إلى غرفة النوم.
يدخل إسلام شقته وهو يتنهد، يلقي بنفسه على سريره مفكراً، في شيماء وجفاءها معه ومعاملتها القاسية مع أبنائها.
ويتذكر مشهد ماذن وهو يرقص مع سيلا بحب، ونظرة سيلا له المفعمة بالمشاعر، والأطفال حولهم يرقصون ويلهون وسط ضحكاتهم الجميلة.
يبتسم إسلام على الرغم منه ولكنه يغمض عينيه ويحاول النوم.
تخبر نشوى كل ما يحدث في المنزل لشيماء، التي ما إن علمت بذهاب سيلا لمارينا للاستجمام حتى ازدادت غيظاً منها.
شيماء بغضب:
"وكمان إسلام اللي حاجز. طب ما حجز ليش لينا كمان ليه؟ مش شايف أخوه يعمل إيه لمراته. مش يتعلم منه."
نشوى وهي تتفق معها في الحديث:
"على رأيك؛ ولا رمزي عمره فكر يودينا مارينا. عندنا إسكندرية وبس."
شيماء:
"أنا بروح مارينا مع أصحابي. بس عمري ما رحتها مع إسلام. هو صحيح عمره ما منعني من حاجة بس برضه مكنش معايا هناك."
تغلق كل منهما الهاتف وهي تحقد على سيلا وحب ماذن لها ومعاملته الحسنة لها.
في الصباح يأخذ ماذن سيلا وابناءه في سيارة الحاج رشدي، ويتوجهون مبكراً إلى مارينا، ويودعون الجميع.
في الطريق تظل سيلا تتحدث مع ماذن حتى لا ينام أثناء القيادة، ولكن الطريق مليء بعربات النقل الثقيلة ويشعر ماذن بثقل في جفونه، والفرامل ليست جيدة.
تظل سيلا تتحدث معه وهي تشعر أنه ليس على ما يرام وتلتفت إلى صغارها النائمين ثم لحظات... لحظات كانت فارقة بين الحياة والموت، لحظات صمتت بها سيلا لرؤية أبنائها، اختلت فيها عجلة القيادة من يد ماذن ووقع حادث لهم.
يتلقى إسلام اتصالاً هاتفياً من هاتف ماذن، فيظن أنه يطمئنه على وصوله لمارينا.
إسلام:
"السلام عليكم.. إيه لحقت توصل مارينا؟"
المتصل:
"حضرتك صاحب التليفون دا عامل حادثة وموجود في مستشفى (....)"
رواية مات زوجها وتزوجت أخيه الفصل الثالث 3 - بقلم نجلاء ناجي ورشا مجدي
ماذن اصيب فى حادث وفى المشفى .
شعر وكأن الخبر قد اسقط عليه كسقوط حجرا كبيرا على رأسه.
يفيق على صوت المتصل وهو ويقول :
"الو ...الو.. يا استاذ اسلام"
وهو يفيق من شروده :
"ايوة ..معاك ... انت بتقول ان صاحب التليفون دا فى المسشتفى ؟"
المتصل :
"ايوة يا استاذ"
اسلام :
"اسم المستشفى اية لو سمحت ؟"
المتصل :
"مستشفى (...)"
يأخذ اسلام العنوان ،ويتصل برمزى ويخبره؛ لكى يخبر الحاج رشدى ويتوجهوا الى المشفى .
يصل اسلام اولا الى المستشفى ويسأل على ماذن وسيلا،فيخبره بانهما فى العمليات ،ونوران فى العناية المركزة ؛للاشتباه فى ارتجاج بالمخ ،وسيف به بعض الرضوض والخدوش .
يأتى الحاج رشدى ومعه الحاجه صفية مع رمزى ،ويخبرهم بما حدث للجميع .
يتركهم رمزى ويذهب لرؤية نوران فى العناية المركزة .
يفيق سيف ويبكى،تذهب الحاجه صفية له ،وتأتى به وتجلس مع الجميع امام باب العمليات .
ياتى رمزى ويسأل على سيلا فيخبروه انها فى عمليات الجانب الاخر من الرواق ،يذهب اليها ويظل امام باب العمليات ليتابع حالتها .
يقف الجميع امام غرفة العمليات التى بهاماذن ،واعينهم معلقة على بابها وقلوبهم تبتهل لله ان يلطف به .
تاتى لهم ممرضة وتسألهم :
"حد هنا من أهل المريضة ."
الحاج رشدى يقف وقول :
"إحنا اهل جوزها فى اية ؟"
تتعلق عيناى الحاجة صفية بالممرضة وهى متلهفة لتعلم ما الامر لتسمع الممرضة تقول :
"إحنا عايزين حد من اهلها علشان المريضة كانت حامل وسقطت ، وهنعمل عملية تنضيف ولازم موافقة الزوج او حد من اهلها"
تشهق الحاجة صفية وتبكى وتقول:
"يا حبيبتى يا بنتى. . سترك يا رب"
اسلام :
"انا اخو جوزها ممكن"
الحاج رشدى :
"وانا ابوه"
الممرضة :
"يبقى الحاج اللى يمضى ..اتفضل معايا يا حاج"
يذهب الحاج رشدى واسلام مع الممرضة ، ويخرج الطبيب من غرفة العمليات وهو مكفهر الوجهه فتهرول له الحاجة صفية وتسأله على ماذن .
ينظر لها الطبيب ويخفض رأسه ويقول :
"شيدى حيلك يا امى ..البقاء لله"
يستمع رمزى لكلمات الطبيب وهو يتقدم نحوه ويسمع الحاجة صفية وهى تصرخ :
"ماااااذن"
يأخذها رمزى بين ذراعية وتنهار صفيه فى البكاء على فلذة كبدها ،ويبكى سيف .
يتركهم الطبيب ويمشى ويأتى اسلام مع الحاج رشدى ويروا بكاء الجميع ويسألونهم .
رمزى ببكاء :
"ماذن تعيش انت"
يصدم الحاج رشدى ويجلس ويبكى ويبكى الجميع ..وتأتى ممرضة تطلب منهم استكمال إجراءات تصاريح الدفن.
يتركهم اسلام ورمزى ويتجهوا لاستخراج تصاريح الدفن.
تخرج سيلا من العمليات وهى لا تزال مخدره.
توضع فى حجرة ومعها سيف والحاجة صفية التى تنتحب على ماذن .
تبدأ سيلا فى استعاده وعيها بعد فترة من الوقت .
سيلا وهى تفيق وبصوت واهن :
"ااااه ... ماذن"
تسمعها الحاجة صفية ويذداد نحيبها .
سيلا وهى ما بين الوعى والاوعى ،تستمع لصوت بكاء وان معها شخص ولكن الرؤية لديها مشوشه ؛لا ترى بوضوح .
سيلا بتساؤل وهى لا ترى جيدا :
"ماما ... ماذن والعيال فين ؟"
الحاجة صفية وسط بكائها :
"سيف اهه قاعد جنبى ، ونوران فى العناية المركزة،و..وماذن. وهنا يختنق صوتها بالبكاء وتقول : تعيشى إنتي"
تصدم سيلا وهى تستمع لحديث الحاجة صفية ، ماذا سمعت ؟ احقا ما سمعت ؟
تشعر سيلا وكان قلبها قد انتزع من صدرها ، لا تشعر بدقات قلب او نبض ، تشعر انها أصبحت مع الاموات ، اصدقا ما تقوله ؟ ألن تراه ثانيه ؟ألن تسمع صوته، وهمسه وهو ينطق اسمها ثانية ؟
تصرخ سيلا باسمه وتحاول النهوض من على السرير ولكن لا تستطيع ،تخرج الحاجة صفية يسرعة تطلب من الممرضات والدكاترة المساعدة ،وسط صراخ سيلا وبكاء سيف .
يحضر الطبيب ويعطى لها حقنه مهدئه ،وتذهب سيلا فى ثبات عميق وهى تهذى بإسم ماذن وتبكى وهى نائمة .
يتصل اسلام بوالدة سيلا وأخيها ويخبرهما ما حدث ،فيحضران بسرعة .
يضطر الحاج رشدى وصفية واسلام ورمزى ترك سيلا مع والدتها والعودة الى البحيرة لدفن ماذن واقامة سرادق العزاء، ويذهب معهم محمد اخو سيلا .
يمر الطبيب بعد مرور وقت طويل ،ليتابع حاله سيلا ، يقف الطبيب يتأمل ذاك الملاك النائم وهو يبكى بلا انقطاع ، يشفق عليها ويقترب منها وهى نائمه فيمسح دموعها ،ويفاجئ بإستمرارها فى البكاء، يشفق عليها الطيب وهو يرى ارتعاشتها ودموعها ،يتأملها ويتأمل ملامحها ،ودون شعور منه يمسد بيده على شعرها ووجنتيها .
لا يدرى لما ضريات قلبة تشتد هكذا ولماذا يشعر بالالم لها ،فسر ذلك بانه شفقة عليها ولكنه ما ان رأى ارتعاشتها ومسك يدها ولاحظ برودتها حتى اقترب منها ليضمها اليه ويخمد ارتعاشها .
فى تلك الاثناء تدخل والدة سيلا وهى تتكىء على عكازها ؛حيث كانت عند نوران تراها وهى فى العناية المركزة .
هناء :
"اخبارها ايه يا دكتور ؟"
يبتعد الطبيب عن سيلا ،ويجبر عينيه على الابتعاد عنها ،ويجلى صوته ويهدأ من ضربات قلبة ويقول :
"عندها انهيار عصبى حاد ... بس دا من إيه ؟"
هناء وهى تجلس فلا طاقة لها على الوقوف،وتقول ببكاء :
"كانت مسافر هى وجوزها وولادها ،وحصلت لهم حادثة، جوزها مات ،وهى كانت حامل وسقطت ،وبنتها فى العنايه المركزة"
الطبيب بدهشة وألم :
"الله يكون فى عونها ،البقاء لله ، طب خلى بالك منها وانا هنبه على الممرضات يخلوا بالهم منها"
هناء وهى تمسح دموعها :
"الف شكر ليك يا دكتور"
يهز الطبيب راسه ويخرج من الغرفة بعد ان ينظر على سيلا وهى تبكى نظرة طويلة مليئة بالشفقة عليها.
يعطى الطبيب اوامره بضرورة مراعات سيلا ،وإذا استيقظت يخبروه فورا .
فى ذلك الاثناء كانت اسرة الحاج رشدى تتلقى العزاء فى ماذن ،والحاجة صفية تجلس مع النساء ومعها نشوى وشيماء .
عندما سألت النسوة عن سيلا كانت صفية ترد بأنها فى المستشفى مع ابنتها .
يوم مرهق وشاق ،اخذ الجميع بحد السكين ،يتحدثون ويردون ويتلقون واجب العزاء ولكنهم فى عالم اخر ؛ كل منهم مصدوم غير مصدق لما يحدث ،ساعات ولحظات تفرق بين وجود انسان من عدمه، تفصل من بيت يملؤة المرح والسعادة الى بيت يكسوه الحزن والالم .
والفراق ...اه من الم الفراق ...
كانت صفية تجلس وبجوارها سيف الذى كان يبكى كثيرا ويسأل على سيلا ، يمر الوقت سريعا عليهم وهم لا يشعرون باى شىء من كثرة الألم والحزن .
فى ذلك الوقت كانت هناء تبقى مع سيلا فترة وتذهب لرؤية الصغيرة وتأتى ثانية .
ينتهى السرادق تصعد شيماء ونشوى كل منهما الى شقتها وتنام من فرط التعب .
ويظل الحاج رشدى وصفية مع اسلام ورمزى يجلسون معا صامدون ؛يخشى رمزى على والدية من شدة الحزن،وإسلام مرهق ولا يركز فى شىء ،والحاجة صفية تذهب وترى سيف وهو نائم وتطمئن عليه .
الحاجة صفية :
"يلا كل واحد يطلع شقته،انا هخلى بالى من الحاج متخافوش"
رمزى بقلق:
"يا حاجة دا متكلمش خالص غير الحمد لله وبس"
اسلام بهدوء :
"ابوك قوى وان شاء الله هتعدى على خير"
صفية بحزن :
"يلا ... كل واحد على شقته"
يصعد كل منهما الى شقته وهو مهموم وحزين وينام مباشرة، يدخل الحاج رشدى ويتوضأ ويصلى ويقرأ القرآن وينام ....
بعد فترة يستيقظ الحاج رشدى على كابوس ،ويهب واقفا .
صفية بدهشة :
"فى ايه يا حاج رشدى ...مالك !"
الحاج رشدى امرا لها :
"صحى اسلام بسرعة يا صفية"
صفيه بجدية :
"فى إيه ؟ انت تعبان ؟فى حاجة ؟ قولى"
الحاج رشدى :
"بسرعة يا صفية خلى اسلام ينزل بسرعة"
تنادى صفية على اسلام وتبعث له احدى الفتيات تطرق عليه شقته وتطلبه لرؤية الحاج ،تستمع شيماء لها وتتأفف من هذا القلق فى مثل هذه الساعة ،ينهض اسلام بسرعة ويتوجه الى الحاج رشدى .
اسلام بخضة وهو يتفحص والده :
"مالك يا حاج ...فى حاجه تعباك ؟"
الخاج رشدى :
"انا بخير ،تعال معايا المستشفى لمرات اخوك"
تجهش الحاجة صفية فى بكاء حار .
اسلام وهو ينظر لها ولوالده بدهشة،وينظر فى ساعه يده ، ويجدها تعدث الثالثة .
"دلوقتى يا حاج ،عايز تروح المستشفى؟ ؟ طب ليه ؟"
الحاج رشدى فى حزم :
"هى كلمه هتيجى توصلتى ولا اروح لوحدى"
اسلام بعدم رضا :
"لا،جاى معاك طبعا ،بس عايز افهم فى إيه؟"
الحاج رشدى وهو يتجه للخارج ويتبعه اسلام وصفية :
"بسرعة بس وهبقى احكى لك فى السكه"
يذهب اسلام بسرعة ويلبس ملابسة ويأخذ الحاج رشدى ويتجهان الى المستشفى.
فى العربة ..
الحاج رشدى وهو قلقا :
"بسرعة يا اسلام"
اسلام بعدم فهم ورضا :
"بس لو تقولى فى ايه يا حاج ؟ تفهمنى بس"
يتنهد الحاج رشدى وتدمع عيناه ويقول بصوت متهدج بغضة فى حلقة :
"ماذن ،"
يلتفت له اسلام بدهشة ينظر له ثم ينظر للطريق ويقول:
"ماله ماذن ؟"
الحاج رشدى ببكاء :
"اخوك جالى فى الحلم ، وكان زعلان اوى اننا سايبين سيلا فى المستشفى لوحدها وأمها ست كبيرة، وعايزة اللى يخلى باله منها. قالى( كدا يا بابا تسيب مراتى وبنتى لوحدهم للديابه .) وكانت عنيه فيها دموع ،مقدرتش اشوفة كدا وهو بيبكى ،وماشى زعلان منى يا اسلام.وناديت عليه ،قالى (مراتى وبنتى فى خطر )قومت من النوم قلت لازم اروح حالا ليهم المستشفى."
اسلام وهو يتنهد :
"يعنى حلم يعمل فيك كل دا يا حاج"
الحاج رشدى يعصبية :
"لا دا مش حلم. .. دى رؤية، اخوك جاى ينبهنى ان مراته وبنته فى خطر ،واحنا لازم نكون معاهم"
اسلام معترضا :
"خطر ايه بس يا حاج دول فى مستشفى استثمارى والكل بيخلى ياله منهم"
الحاج رشدى ينظر له ولا يرد.
فى ذلك الوقت تستيقظ سيلا من نوما وهى تصرخ بشكل هستيرى ؛يتردد فى ذهنها صوت ماذن وهو يتحدث لها ،يهمس لها،يضحك لها ،وصوت صفية وهى تبلغها بموت ماذن .
فتظل سيلا تصرخ وتنادى على ماذن بصوت عالى .
تهرول الممرضة بسرعة لها وتحاول ان تعطى لها حقنه مهدئه ولكنها تفشل فى ذلك تنادى على زميلة لها لتساعدها ويفشلان ايضا ،فيطلبان الطبيب بسرعة ،ويأتى الطبيب ويامر الممرضات ان يكتفن سيلا فلا يستطعن السيطرة عليها ،يقوم الطبيب ويشل حركه سيلابذراعية وهى تقاومه فى شدة ويأمر الطبيب الممرضة بسرعه اعطائها الحقنه،فتعطيها الحقنه ،وتظل سيلا تقاومه وتصرخ بشدة .
الطبيب امرا :
"اخرجوا برده كدا كفاية"
تخرج الممرضات وتتركه معها فى الحجرة ،وظل ممسكا بها بقوة ،وبدأت قوى سيلا تضعف ،فخف الطبيب من حدة مسكته حتى اسبلت جفناها ووضعت رأسها على صدرة وذهبت فى سبات عميق .
يتأمل وجهها الطبيب عن قرب ،يريت علي كتفها وظهرها، ويمسح دمعها ،ويزيح خصلات شعرها المتناثرة حول وجهها ثم يعتدل ويضع رأسها بهدوء شديد على الوساده .
"بتعمل إيه عندك"
يلتفت بسرعة فى دهشة ، ليرى زوج من الاعين تحدق به وشرارة الغضب تتطاير من المقل .
رواية مات زوجها وتزوجت أخيه الفصل الرابع 4 - بقلم نجلاء ناجي ورشا مجدي
يعتدل الطبيب وينظر لهما بدهشة ويقول:
افندم!! حضراتكم مين؟
الحاج رشدي وهو يدخل إلى الغرفة ومعه إسلام، قابضًا بين حاجبيه:
إحنا أهلها، إنت بتعمل إيه؟
الطبيب وهو يتفرس ملامحهما كما يتفرسان ملامحه، ويرد بهدوء:
جالها حالة هياج، وأخيرًا عرفنا نسيطر عليها قبل ما تأذي نفسها. دي محتاجة متابعة شديدة لأنها ممكن تحاول الانتحار.
إسلام والحاج رشدي بدهشة وهما يرددان معًا:
إنتحار! للدرجة دي؟
الطبيب وهو يقترب منهما ويقول بعملية:
دي حالة انهيار عصبي حاد. ادعوا لها.
ويهُم الطبيب بالانصراف، فيوقفه إسلام قائلًا:
أمال أمها فين؟
الطبيب وهو يهز رأسه ويقلب شفتيه ويقول:
مش عارف، اسأل الممرضة المتابعة بره، وأنا هوصي إنها تفضل تحت المراقبة أربعة وعشرين ساعة، لحد لما تمر المرحلة دي.
أومأ إسلام برأسه موافقة، وخرج مع الطبيب للحديث مع الممرضة بالخارج. وظل الحاج رشدي مع سيلا، وهو ينظر لها وهي غائبة عن الوعي وتبكي وتردد اسم ماذن بين الحين والآخر.
تأتي هناء تتكئ على عكازها، وتخبرهم أن نوران استقرت حالتها واستعادت وعيها. فيذهب إسلام لرؤيتها ويبقى الحاج رشدي في الغرفة.
بعد فترة من الزمن.. يجلس إسلام مع والده في كافتيريا المشفى ويتساءل:
إيه اللي في إيه يا حاج؟ حاسس إنك قلقان!
الحاج رشدي وهو ينظر له في عينيه:
أول ما تستقر حالتها هناخدها من هنا بسرعة يا إسلام.
إسلام مندهشًا:
طب ما ده الطبيعي. إيه الاختلاف؟
الحاج رشدي متأففًا بغيظ:
الاختلاف إن الدكتور ده فيه حاجة مش مظبوطة، قلبي بيقولي كده، نظرة عينيه ليها مش مريحاني بالمرة.
إسلام وهو يتأمل وجه أبيه ويفكر في كلامه، ثم يسأله:
ليه يا حاج؟
الحاج رشدي بفراغ صبر:
منا قلت، هقول إيه أكتر من كده. اعرف لي بس مواعيد الدكتور ده إيه علشان نبقى موجودين.
يذهب إسلام ويعلم مواعيد الطبيب، ويعود ويخبر الحاج رشدي، الذي يظل صباحًا في منزله لتلقي العزاء، وفي المساء يكون في المستشفى بصحبة إسلام أو رمزي.
استمر على هذا المنوال أسبوع، حتى تحسنت حالة سيلا وخرجت من المستشفى إلى منزل الحاج رشدي، الذي أصر على تكملة علاجها لديه، ويتابعها طبيب الوحدة الصحية.
يسير في ردهة المستشفى ويقف أمام غرفتها، يتلفت يمينًا ويسارًا، متلهفًا للقائها نهارًا، فقد حرص على تغيير مواعيد حضوره ليستطيع رؤيتها والحديث معها في عدم وجود حماها وأخو زوجها.
ينظر إلى الغرفة جيدًا وهي ليست بها أحدًا، يفق مذهولًا للحظات، ثم يخرج سريعًا سائلًا الممرضة المختصة بالدور.
دكتور محسن:
فين الحالة اللي كانت في غرفة 440؟
الممرضة وهي تنظر على جهاز الكمبيوتر أمامها وتقول له:
خرجت النهارده الصبح يا دكتور محسن.
محسن مندهشًا:
إزاي ده! من غير إذن مني؟ فيتدارك ويقول بسخط وغضب: مين اللي مضى على إذن الخروج؟
الممرضة وهي لا تزال تنظر إلى الملفات التي تظهر أمامها على جهاز الكمبيوتر:
أهلها خرجوها على مسؤوليتهم الشخصية، ومدير المستشفى وافق.
د. محسن:
طب هات لي الملف بتاعها على مكتبي ضروري.
يجلس محسن على مكتبه غاضبًا من خروج سيلا بدون أن يراها أو يعرف عنوانها. ويتنهد ويقف ويسير في غرفته قليلًا، ثم تدلف الممرضة له ومعها ملف سيلا، ويأخذه منها بسرعة وينظر في الملف على العنوان ورقم الهاتف ويدونهما في ورقة ويطويها ويضعها في جيبه.
في منزل الحاج رشدي
تقف سيارة رمزي، ويهبط منها رمزي والحاج رشدي، والحاجة صفية وتمد يدها لتأخذ بيد سيلا ويحمل رمزي راندا ويدخل بها فورًا إلى المنزل. تتسابق الفتيات لحمل الأمتعة ومساعدة سيلا، والترحيب بها.
بخطوات بطيئة تتحرك سيلا، وتسير معهن إلى الداخل بخطوات حزينة باكية، ترفض قدماها الحركة وكأنما ترفضان السير. تنظر سيلا للمنزل من الخارج وتسري رجفة في جسدها تشعر بها صفية، فتربت عليها في محاولة لها لطمأنتها قليلًا. تسير معهن في وهن حتى تدخل إلى المنزل، ويقابلها سيف باشتياق، ويقدم عليها، فتنحني سيلا بألم وتحتضنه وتقبله بكل حنان وحب وتغمض عينيها في محاولة منها لمنع نفسها من البكاء.
الحاجة صفية:
خدوا يا بنات الشنط ودخلوها جوه.
سيلا معترضة:
لو سمحتي يا ماما، خليهم يطلعوها فوق في الشقة. أنا هطلع فيها.
الحاجة صفية معترضة:
لا مينفعش...
تنظر لها سيلا بدهشة وحزن متسائلة، فتكمل الحاجة صفية:
علشان إنتي محتاجة رعاية وملاحظة، والدكتور هييجي يتابعك فتبقى هنا معانا.
خليها براحتها يا صفية.
كانت تلك كلمات الحاج رشدي.
صفية وهي تنظر له تحاول أن تتحدث، فيكمل:
لما الدكتور هييجي سيلا تنزل له هنا. وخلي بنتين معاها فوق. خليها تاخد راحتها في شقتها.
تهز صفية رأسها موافقة، وتنفذ كلامه. تتقدم نشوى وتسلم على سيلا وتقبلها وتعزيها، فتبدأ سيلا في البكاء وتجلس محتضنة سيف.
الحاج رشدي أمر الفتيات:
يلا خدوا سيلا وطلعوها شقتها وخليكوا معاها ونوران هتبقى معانا هنا.
سيلا وهي تنهض وبصوت واهن:
حاضر يا بابا الحاج.
تذهب مع الفتيات ومعهن صفية. بخطوات بطيئة كانت تصعد إلى شقتها، نفس الطريق، نفس الدرجات والطوابق، ولكنها ليس معه.
وقفت طويلًا أمام باب شقتها مترددة في الدخول.
خشى يا بنتي واقفة ليه؟
كلمات الحاجة صفية تحثها على الدخول.
تغمض عينيها وضربات قلبها تكاد تسمع وتدخل الشقة، وكأنها ترى الأثاث والحوائط يبكي على فراق ماذن. تدخل إلى غرفتها وتتركها الفتيات وتبقى معها صفية وهي تنظر لها وللدموع التي في عينيها.
تجلس سيلا على السرير ولا تستطيع أن تتمالك نفسها فتبكي، وتأخذها صفية في حضنها وتبكي معها، ويظلا حتى تنام سيلا على ذراعها.
في منتصف اليوم يحضر طبيب الوحدة الصحية لمتابعة سيلا، وتصعد صفية لتحضر سيلا له. يجلس الدكتور أحمد في المندرة مع الحاج رشدي؛ منتظرًا نزول سيلا.
تحضر صفية ومعها سيلا، ينهض الدكتور أحمد ويسلم عليهما ويجلس يتحدث مع سيلا قليلًا، وهي ترد عليه إجابات مقتضبة.
الدكتور أحمد:
طب كده تمام أوي، زي ما اتفقنا بقى إنت بقيت صاحب يعني لو في أي شيء مضايقك هتقولي لي عليه.
سيلا، لا ترد ولكنها تهز رأسها موافقة.
الحاج رشدي:
طب خدي سيلا يا حاجة لو سمحتي.
تخرج سيلا والحاجة صفية وتصعدان إلى شقة سيلا.
يلتفت الحاج رشدي ويسأله في اهتمام كبير:
ها يا دكتور، إيه رأيك، لسه ممكن تفكري في الانتحار؟
الدكتور أحمد:
خلي بالك إنها لسه أول يوم ليها هنا النهارده، وهي طبعًا لسه مطمنتش لي، يعني لسه مقدرش أحدد بالضبط بس حضرتك لازم تبقى تحت عنيكم، ويا ريت يبقى معاها حد وبلاش يبقى جنبها أي شيء ممكن تأذي نفسها بيه؛ الإقدام على الانتحار مش محتاج تفكير، ده بيبقى لحظة يأس وكل شيء بيضيع.
الحاج رشدي:
تفتكر إننا كنا سيبناها في المستشفى شوية، ولا إيه؟
أحمد:
لا إن شاء الله مع المتابعة هتبقى كويسة وأنا هاجي لها كل يوم مرتين في الأول بس لحد لما ترتاح لي وتبدأ تتكلم معايا وبعد كده هنظم المواعيد.
الحاج رشدي:
البيت بيتك يا دكتور، بس المهم تبقى كويسة.
أحمد وهو ينهض واقفًا:
تمام يا حاج، ويا ريت تخلوا ولادها معاها، ده هيقلل من شرودها ومش هيخليها تفكر كتير، بس عايزكم تراقبوه من غير ما تلاحظ.
الحاج رشدي:
تمام يا دكتور، ألف شكر ليك.
يذهب الطبيب وتأتي الحاجة صفية ويخبرها بما قاله الطبيب. فتصعد لها ومعها سيف وراندا ويبقون معها حتى ينام الجميع.
يمر أسبوع يحضر فيه الدكتور أحمد صباحًا ومساء، وبدأت سيلا الحديث معه، وكذلك سيف وراندا.
الدكتور أحمد:
لا إحنا بقينا عال خالص أهه، بتاخدي الدوا في مواعيده ولا..
سيلا:
أيوة.
الدكتور أحمد متفرسًا ملامحها:
في حاجة مضايقاكي، إيه هي؟
ترفع سيلا وجهها له ويرى الدموع في عينيها:
أصل جالي تليفون من دبي؛ عايزيني أروح هناك علشان أستلم مستحقات ماذن وآخد حاجتي من الشقة وأسلمها لهم.
تهبط دموعها وتمسحها سيلا بسرعة، بحركة قوية، وكأنها تعنف نفسها ودموعها على السقوط أمامه.
الدكتور أحمد متفهمًا:
وعلشان كده إنتي زعلانة، إنك هتسافري ولا لسبب تاني؟
سيلا وهي تهز رأسها نفيًا:
مش عارفة هسافر إزاي ولا هقول لبابا الحاج إزاي، وأولادي هيروحوا فين؟ أنا لسه مش عارفة أعمل إيه؟ ولا همشي حياتي إزاي؟ أنا حاسة إني تايهة.
أحمد مبتسمًا بهدوء:
وإحنا روحنا فين؟ إحنا مش أصدقاء، أنا ممكن أبلغ الحاج رشدي، ونفكر سوا عايزة تعملي إيه وإيه اللي يريحك، المهم تبقي مرتاحة.
تمسح وجهها براحة يدها وتقول متنهدة:
والله أنا مش عارفة أعمل إيه؟ أنا مش عارفة أفكر؟ ولا عارفة إذا كنت اللي بفكر فيه ده صح ولا غلط؟
الدكتور أحمد:
طب قولي بتفكري في إيه واشركيني معاكي؟ يمكن أعرف أشاور عليكي.
سيلا:
أنا عايزة أسافر مع ولادي إسكندرية وأشتغل، بس ده مش هيحصل غير بعد ما أرجع من دبي.
الدكتور أحمد:
هو حد زعلك من الجماعة هنا علشان عايزة تسيبيهم؟
سيلا بسرعة:
لا والله أبدًا، ربنا عالم أنا بحبهم قد إيه؟ بس أنا بفكر علشان المدارس اللي كانوا فيها في دبي مش موجودة هنا في البلد، لكن لها فرع في إسكندرية؛ يبقى أفتح شقتي وأقعد فيها وأنقل ولادي هناك، وأشوف لي شغل. أنا مش هفضل آخد فلوس من بابا الحاج.
الدكتور أحمد بهدوء:
طب ما إنتي هتاخدي مستحقات ماذن المالية من دبي.
سيلا:
هتتقسم حسب الشرع يا دكتور. أنا عايزة أبقى مستقلة ماديًا. فاهمني.
يهز رأسه بإيماءة موافقة ويقول:
فاهم، طب تحبي أساعدك إزاي؟
سيلا بتوتر:
مش عارفة.
الدكتور أحمد:
طب خلاص أنا هقول للحاج رشدي وهقول لك.
سيلا وهي تنهض:
متشكرة جدًا يا دكتور.
وتتجه للخروج فينادي عليها دكتور أحمد:
سيلا.
تلتفت له، فيقول:
نمرة تليفونك إيه؟ علشان أبلغك وأطمن عليكي وإنتي مسافرة.
سيلا تبلغه رقمها وتذهب.
يحضر الحاج رشدي ويسأله عن حالها.
الدكتور أحمد يبلغه ما أخبرته به سيلا.
الحاج رشدي:
أنا عرفت بالمكالمة امبارح وكنت هبعت رمزي معاها لدبي.
الدكتور أحمد معترضًا:
لو سمحت يا حاج يعني أنا ليا رأي تاني، يا ريت لو تسيبوها على راحتها، هي خلاص عدت مرحلة إنها ممكن تأذي نفسها؛ يبقى سيبوها تسافر وتشتغل علشان ميبقاش فيه ضغط نفسي عليها، خلي بالك إنها لسه خارجة من انهيار عصبي حاد، يعني مرة تانية وهيبقى لازم تتعالج في مستشفى.
الحاج رشدي:
تمام يا دكتور، كتر ألف خيرك.
أحمد وهو يتجه للخروج:
العفو يا حاج دا شغلي وأنا بقوم بيه؟ عن إذنك.
يخرج أحمد من المندرة ويشاهد سيلا وهي تجلس في الحديقة شاردة الذهن وسيف ونوران يشربان اللبن أمامها. يتقدم منها ويقول لها:
خلاص يا ستي، أنا بلغت الحاج وخليته ميضغطش عليكي في حاجة المهم تبقي نفسيتك مستريحة.
لاح له شبح ابتسامة باهتة وخرج صوتها واهن:
كتر ألف خيرك يا دكتور.
أحمد:
إحنا أصدقاء، ولو احتاجتي أي شيء أو حبيتي تتكلمي مع حد كلميني في أي وقت. أنا تحت أمرك.
سيلا:
ألف شكر ليك.
أحمد:
طب سلام عليكم.
يقف لثوانٍ ثم يذهب في طريقه.
ست سيلا، الحاج عايزك.
تلتفت سيلا لصوت الفتاة وتقف لتذهب للحاج رشدي وتقول للفتاة:
خلي بالك من الولاد لحد لما يشربوا اللبن.
تذهب سيلا إلى المندرة وتحلس معهم، فتجد الحاج رشدي يقول:
ناوية تسافري دبي إمتى؟
سيلا بتوتر:
إن شاء الله لما أخويا محمد ياخد إجازة. ونحجز.
الحاج رشدي:
وليه محمد، ممكن تسافري مع إسلام أو رمزي، أنا كنت هقول لرمزي يسافر معاكي.
سيلا معترضة:
بس أنا كلمت محمد أخويا، وعلى العموم زي ما حضرتك عايز يا بابا.
الحاج رشدي:
يبقى رمزي يسافر معاكي.
تخرج سيلا من الغرفة وهي مختنقة بالدموع وتتجه للحديقة لتجلس مع أطفالها.
يمر بعض الوقت ويفاجئ الحاج رشدي والحاجة صفية بدخول نشوى والشر يتطاير من عينيها.
نشوى بغضب:
حاج رشدي، حاجة صفية، شوفوا حد تاني غير رمزي جوزي يسافر مع سيلا. أنا أصلًا مش بشوفه؛ وهو مشغول يبقى يسافر مع الهانم ليه بقى. خلي أخوها يسافر معاها، وبلاش نخرب البيوت ونجيب البنزين جنب النار.
الحاجة صفية وهي متفاجئة من حديث نشوى:
إنتي بتتكلمي كده إزاي؟ وقصدك إيه بالكلام ده؟
نشوى بحدة وهي تقترب منهما:
قصدي محدش يفكر في رمزي... واللي بتفكروا فيه أو حتى لسه مفكرتوش فيه، أوعوا تحطوا رمزي في اعتباركم. ابعدوا رمزي عن سيلا ومتخربوش بيتي.
الحاجة صفية وقد فهمت ما ترمي له نشوى:
اطمني إحنا مش بنفكر في كده.
نشوى بإصرار:
أيوه كده، خليها تشوف حالها بعيد عننا، إحنا لينا الولاد وبس.
تستمع سيلا للحديث، وتكتم صوت بكائها وتذهب مسرعة إلى حجرة ماذن في المنزل وهي تبكي، وتحتضن ابنتها، ولكنها تجد يدًا تربت على ظهرها وصوت سيف يقول:
ماما... مالك... بتعيطي ليه؟
سيلا وهي تنظر له:
مفيش.
سيف ببراءة:
إنتي زعلانة علشان بابا سافر ومخدناش معاه؟
سيلا باكية أكثر:
أيوة، سافر وسابنا لوحدنا، والكل خايف مننا. يا ريته كان خدانا معاه، كان زمانا مستريحين، وهم كمان مستريحين مننا.
سيف:
طب تعالى نروح لبابا.
سيلا وهي تعتدل في جلستها وتنظر له وكأنها تفكر في كلامه، لتقول في آلية:
هنروح له يا حبيبي، وهنلعب معاه، ونستريح من الدنيا دي كلها.
ينظر لها سيف وهو لا يفهم شيئًا من حديثها، ولكن يستمع الحاج رشدي للحديث ويهرول إلى غرفته متحدثًا إلى الدكتور أحمد ويخبره بما سمعه من سيلا وخوفه من أن تقدم على الانتحار، ويطلب منه حضوره بسرعة.
تجلس سيلا في شقتها وتجد هدى آتية لها:
ست سيلا، الحاج بيقولك إن الدكتور أحمد تحت وعايزك تنزلي.
سيلا:
حاضر.
تحضر سيلا وتجلس معهم.
الدكتور أحمد وهو يتفرس ملامحها:
أخبارِك النهارده إيه يا سيلا؟
سيلا بهدوء وهي تنظر للحاج رشدي:
الحمد لله.
أحمد بهمس:
تبقي مش كويسة.
سيلا وهي تشعر بالاختناق، تريد البكاء والصراخ، تريد البعد عن الجميع حتى يرتاح الجميع منها ولا يظن أن بوجودها خطرًا عليهم.. تريد.. تريد الاحتواء؛ تريد ماذن ليحتويها بين ذراعيه ويبعدها عن الجميع.. لحظة وهن وضعف لم تقو سيلا على تحمل كل هذا تريد الانفجار والاحتواء..
يأتي اتصال هاتفي للحاج رشدي، يخرج من المندرة ويترك الباب مفتوحًا.
أحمد بهمس وهو يتفرس ملامحها ويشعر بأنها على وشك الانهيار؛ فهي تفرك يديها بكثرة وحدها، تنفسها سريع غير منتظم، عيناها تتحركان بشدة إلى لا شيء:
والنفسية يا سيلا... أخبارها إيه؟
سيلا وهي تنظر له بحدة وكأن هذا السؤال كان القشة التي قصمت ظهر البعير وكشفت ضعفها:
منتظر أقولك إيه؟ ها.. كويسة!! أهي عيشة وبس.
أحمد بهدوء وترقب:
زعلانة؟
سيلا بحزن شديد:
جدًا.
أحمد:
لسه مصدومة؟
هنا يحاول أحمد أن يكشف سبب غضب سيلا يحاول أن يأخذها بهدوء لتحكي له وتخرج مكنون صدرها، حتى وإن نفثت غضبها به لا يهمه كل ما يهمه أن يطمئن عليها، ويسبر أغوارها الداخلية.
سيلا بصوت مختنق ولم تعد قادرة على التماسك:
أوي.
أحمد:
اتكلمي، قولي كل اللي جواكي. أنا سامعك.
تتنهد سيلا وتقول باستسلام:
عايزتني أقولك إيه؟
أحمد بسرعة وقد شعر بأن هذه اللحظة مناسبة لها لتحكي كل شيء:
كل اللي حاسة بيه؛ ألمك، وجعك، فرحك، كل حاجة حاسة بيها.
سيلا ببكاء وانهيار:
مخنوقة... أنا مخنوقة أوي وموجوعة أوي، مش عارفة أنا عملت إيه لكل ده؟ أنا طول عمري بحب الكل، عمري ما كرهت حد، ولا تمنيت حاجة وحشة لحد. حتى اللي بيغلط فيا كنت بسامحه. يبقى ليه يحصلي كل ده؟
أحمد:
ابتلاء من ربنا، واختبار.
سيلا باكية بشدة:
اختبار صعب أوي... أوي.. أنا لوحدي وخايفة. الكل خايف مني وكارهني، أنا وأولادي، حاسة إن مكاننا مش هنا، إحنا مكاننا مع ماذن.
أحمد بشك:
بتفكري تروحيله؟ بتفكري تنتحري؟
سيلا وكأنها أزيحت ثقلًا عن صدرها:
أيوه... فكرت إني أنتحر بس صعب عليا الولاد؛ هيبقوا أيتام الأب والأم كمان!! علشان كده هم بس اللي مخليني عايشة. كفاية أنا عشت يتيمة الأب، وربنا كتب عليهم يعيشوا تجربتي. أجي أنا وأقسى عليهم كمان... ويبقوا أيتام الأب والأم كمان.
أحمد بغضب لحالتها وانهيارها:
إيه اللي خلاكي تحسي الإحساس ده؟
سيلا:
إنك تحس إن كل اللي حواليك كارهينك، رغم إنك بتتعامل معاهم كويس. وتقول كفاية عليا ماذن والحاج والحاجة. لكن ماذن خلاص راح... راح الأمان يا دكتور. القدر بيعاندني يا دكتور مش عارفة ليه؟
أحمد:
طب ناوي على إيه؟
سيلا باستسلام:
هعمل إيه يعني، هعيش لأولادي؛ هربيهم وأعوضهم حنان الأب.
أحمد وهو يمسك يدها ليطمئنها ويهدأها:
توعديني لو حسيتي إنك عايزة تتكلمي مع حد تكلميني؟
سيلا بخفوت:
أوعدك.
أحمد:
معاكي نمرة تليفوني..
سيلا:
إن شاء الله.
يدخل الحاج رشدي وقد سمع كل الحديث وتألم لها كثيرًا. تخرج سيلا ويحاول أحمد أن يتمالك أعصابه ويجلي صوته من شدة تأثره ببكاء سيلا فيقول:
هي كويسة؛ فكرت فعلًا في الانتحار بس ولادها وحبها ليهم هو اللي مانعها. وده شيء كويس؛ شعورها باحتياجهم ليها ده الشيء الوحيد اللي مخليها تبعد فكرة الانتحار.
يخفض صوته ويقول ناصحًا:
يا ريت بس متضغطوش عليها، وتابعوها من بعيد.
الحاج رشدي:
طب هي مسافرة دبي إيه رأيك يروح معاها رمزي ولا إسلام؟
أحمد:
هي... عايزة مين؟
الحاج رشدي:
كانت كلمت أخوها.
أحمد بسرعة:
يبقى أخوها، يتدارك نفسه ويقول؛ أحسن علشان تبقى على راحتها.
الحاج رشدي:
يبقى على بركة الله تروح مع أخوها.
رواية مات زوجها وتزوجت أخيه الفصل الخامس 5 - بقلم نجلاء ناجي ورشا مجدي
تجهز سيلا نفسها للسفر لدبي مع أخيها محمد لمدة عشرة أيام، وتترك أبنائها عند الحاج رشدي.
في دبي، تقوم سيلا بتسلم مستحقاتها المالية، وتقوم بشحن كل متعلقاتها الخاصة للإسكندرية. في ذلك الوقت، كان الدكتور أحمد يتصل بها هاتفيًا لمتابعة حالتها والإطمئنان عليها.
تسلم الشقة للشركة وتعود للإسكندرية، ومنها إلى منزل الحاج رشدي.
سيلا وهي تحتضن أبنائها وتقبلهم بشوق ولهفة:
وحشتوني قوي.
تنظر للحاج رشدي وللحاجة صفية وتكمل:
كلكم وحشتوني.
سيف ونوران:
حبيبتي يا ماما، وحشتينا قوي قوي.
الحاج رشدي بهدوء:
خلصتي كل حاجة؟
سيلا بحرج:
الحمد لله.
تمد يدها وتأخذ مظروفًا من حقيبتها وتعطيه إلى الحاج رشدي، الذي ينظر لها مستفهمًا.
سيلا:
دا شيك بمستحقات مازن الله يرحمه، ابعته للمجلس الحسبي علشان كل واحد ياخد حقه.
الحاج رشدي يحزن:
شيلي الظرف ده يا سيلا، أنا وصفية هنتنازل للولاد. إحنا مش عايزين حاجة، وحقكم كمان هحطه لكم في البنك.
سيلا معترضة:
بس يا بابا...
الحاج رشدي مقاطعًا:
مفيش بس، الكلام انتهى هنا. قولي لي بقى ناوية على إيه؟
سيلا وهي تتنهد وتقول:
هدور على شغل في الإسكندرية وهقعد في شقتي.
الحاج رشدي:
لوحدك؟
سيلا بدون فهم:
مع ولادي يا حاج.
الحاج رشدي:
طب ما تشتغلي مع رمزي في المصنع هنا، أو مع إسلام في الشركة.
سيلا بحده:
لا، مش عايزة مشاكل مع نشوى ولا شيماء يا بابا الحاج.
ثم لان صوتها وأكملت:
هشوف أي شغلانة وخلاص.
الحاج رشدي:
طب سيبها عليا وأنا هشوف. هنعمل إيه من هنا لحد لما شهور العدة تخلص؟ ربنا يسهلها.
تصعد سيلا إلى شقتها وتأخذ أبنائها.
يتصل عليها الدكتور أحمد ويتأكد من وصولها للبلدة ويكلم الصغار وينهي المكالمة.
تدخل الحاجة صفية وزوجها لغرفتهم.
يجلس الحاج رشدي هادئًا.
الحاجة صفية وهي تنظر له تحاول أن تعرف ما الذي يشغل باله، ولكنها فشلت في ذلك فسألته:
مالك يا حاج بتفكر في إيه؟
الحاج رشدي وهو يتنهد:
مشكلة ومش عارف ليها حل يا صفية.
صفية بإنتباه ودهشة:
مشكلة! مشكلة إيه يا حاج؟
الحاج رشدي وهو متجهم الوجه:
من يومين حد كلمني على التليفون وكان عايز يقابلني، جه وقابلته؛ كان الدكتور محسن اللي بيعالج سيلا في المستشفى في الإسكندرية.
الحاجة صفية وهي تنظر له وتحثه على مواصلة الحديث:
وكان عايز إيه الدكتور ده؟
الحاج رشدي بألم:
كان عايز يتجوزها.
صفية بصيحة مستنكرة وغضب:
إيه! ليه؟ وازاي يطلبها كده أصلًا؟
الحاج رشدي بغضب:
أنا من الأول ما كنتش مستريح له، ولا لنظرته ليها؛ وحتى قلت كده لإسلام. بس هقول إيه، أهو جه وطلبها. وهي صغيرة وحلوة وأرملة؛ هو جاني لأن مفيش في ملفها غير عنواننا ورقم تليفوني.
صفية بغضب وهي تبكي:
وهتعمل إيه؟ ارفضه.
الحاج رشدي بألم:
طب لو رفضت ده... هعمل إيه مع ابن الحاج حسين كمان؛ مهو جه واتقدم لها كمان.
الحاجة صفية باعتراض:
هم معندهمش دم، مش عارفين إنها في عدتها إزاي يتقدموا لها كده؟
الحاج رشدي بسخرية وألم:
كل واحد وبيقول إنه بس بيربط كلام، ومفيش خطوة إلا بعد ما تخلص عدتها.
يتنهد ويكمل:
مش عارفين إنهم بكلامهم ده بيوجعوني أكتر وأكتر... مازن مبقاش له شهر والناس بدأت تبص لها. لو رفضنا دول، هتعملي إيه مع غيرهم وغيرهم؟
الحاجة صفية باكية:
بس، كفاية، لاء سيلا مش هتتجوز حد يا حاج.
الحاج رشدي بحده:
ليه؟ تقدري تمنعيها لو وافقت على أي حد من اللي اتقدموا لها. طب دول اللي جم ليا، أنا، هنا وطلبوه؛ وأنا أبو جوزها. يا ترى بقى كام واحد كلم أخوها؟
صفية بقلة حيلة:
والعمل يا حاج. ارفضهم. دول جم إمتى بس؟
الحاج رشدي ينظر لها ولا يرد، يصمت لفترة من الوقت كأنه يفكر أو متردد في الحديث وصفية بجواره تبكي. يقطع الصمت بصوت حزن منخفض:
ابن الحاج حسين لو وافقت هيجيب لها شقة في إسكندرية باسمها أو في أي مكان هي عايزاه... و...
الحاجة صفية مقاطعة برجاء وبكاء:
بس... كفاية، سيلا وأولادها مش هيطلعوا بره العيلة.
الحاج رشدي بغضب:
ليه؟ هتحبسيها! ولا هتعملي إيه؟
الحاجة صفية:
هجوزها حد من ولادي.
الحاج رشدي بدهشة:
إزاي يعني غصب؟
صفية وهي تلوح بيدها رافضة:
لا، حاشا لله. كله بالرضا يا حاج دي مهما كانت برده وليه وزي بنتي.
يصمت الحاج رشدي ويفكر ثم بصوت هادئ يقول:
طب فهميني عايزة إيه؟ وقاصدة مين؟
الحاجة صفية وهي تضع يدها على فخذه:
إنت كلم إسلام وشوف رأيه إيه؟
الحاج رشدي مندهشًا:
إيه، إسلام! ورمزي لا ليه؟
الحاجة صفية:
إسلام بعيد في الإسكندرية، وشيماء كل همها النادي أصحابها، وسيلا عايزة تقعد في الإسكندرية. لكن لو رمزي مش هنخلص كل يوم من مشاكل نشوى معانا ومع سيلا ورمزي، إنما إسلام، طول الوقت في شغله وشيماء وسيلا هيبقوا بعيد عن بعض، وإسلام هيعرف يوقف شيماء كويس عند حدها.
يتنهد الحاج رشدي بقلة حيلة ويقول:
على خيرة الله، هكلم إسلام ونشوف هنعمل إيه؟
هاتف الحاج رشدي إسلام وطلب منه سرعة حضوره. يأتي إسلام بعد أسبوع؛ وذلك لانشغاله في العمل.
إسلام وهو يدخل المندرة:
السلام عليكم.
الحاج رشدي مؤنبًا بنظراته له:
وعليكم السلام، لسه فاكر، أمال لو ما كنتش قلت لك موضوع مهم.
إسلام وهو يقبل يد الحاجة صفية:
يا حاج كنت مشغول قوي قوي والله، وأول ما فضيت جيت على طول.
يجلس إسلام وينظر له ويكمل:
خير، موضوع إيه ده بقى اللي مهم؟
تنظر الحاجة صفية إلى رشدي وكأنها تقول له ابدأ بالحديث.
الحاج رشدي بهدوء وهو يتفرس ملامح إسلام ونظر صفية معلقة عليه أيضًا:
بصراحة كده ومن غير لف ودوران سيلا جاي لها ناس طالبينها للجواز و...
إسلام بحده:
إيه؟ مين دول؟ دول أكيد طمعانين فيها.
الحاجة صفية وهي تهدأ من روعه:
اهدأ بس واسمع كلام الحاج للآخر.
إسلام بحده:
كلام إيه ده يا حاجة؟ ناس جايين يتقدموا ولسه العدة مخلصتش يبقى إيه؟ أكيد طمعانين، وكمان بقى مش بعيد ألاقي حد جاي ينط لي في الشركة ويقرفني. الموضوع ده مرفوض نهائي.
الحاج رشدي بغضب وقد حاول السيطرة عليه:
هنجبرها متتحوزش، ده حقها، وده شرع ربنا.
إسلام وهو يحدق في وجهه:
خلاص طالما حقها تتنازل عن نصيبها في الشركة لولادها والوصاية هتبقى ليك أو لأمها؛ ولو إن أمها ست كبيرة وتعبانة. المهم ملاقيش حد جاي لي في الشركة وكل أمر لازم يوافق عليه. أنا مش هقبل ده أبدًا.
الحاج رشدي:
وإحنا مش هنجبرها إنها تتنازل عن حقها يا إسلام.
إسلام بحده:
وأنا مش هسمح لحد يدخل عليا شركتي ويقاسمني فيها يا حاج؛ حق ولاد أخويا أنا هحافظ لهم عليه لكن سيلا تجيب لي راجل غريب وتدخله الشركة لاء. تاخد حقها فلوس وتمشي.
الحاجة صفية:
وإنت تجبرها بكده ليه يا إسلام؟
إسلام وهو ينظر لهما بضيق وحدة:
أمال أجبر نفسي إن واحد غريب يجي ويتحكم في مالي مش هيحصل أبدًا.
الحاجة صفية تتردد:
يبقى مفيش غير حل واحد... إنك تتجوزها.
إسلام بدهشة وهو يجلس مرددًا:
أتجوزها!
يلتفت لهما وينظر لهما ويقول:
إزاي دي مرات مازن!
الحاجة صفية بألم:
الله يرحمه يا إسلام. فكر وشوف هتعمل إيه؟ لو مش موافق؛ أبوك هيقولها على الاتنين اللي جم ليها وهي تختار.
إسلام وهو يلتفت لها بحنق:
اتنين! وهي وهم مستعجلين على إيه؟
الحاج رشدي:
هي متعرفش حاجة، إنت حتى مسألتش مين هما العرسان دول؟
إسلام بتهكم:
مين؟
الحاج رشدي يسخرية:
الدكتور محسن بتاع المستشفى وشريف ابن الحاج حسين.
إسلام ولم يعلق في ذهنه غير اسم الطبيب ليسأل بشك:
الدكتور ده... كان بينهم حاجة؟
الحاجة صفية معترضة:
عيب تقول كده على مرات أخوك، سيلا مش كده أبدًا.
إسلام ساخرًا:
طب فهميني بقى إزاي؛ الدكتور اللي بيعالجها جاي يتجوزها وهي لسه في العدة، فهميني إزاي بقى؟
الحاج رشدي بغضب:
وهي كانت عارفة إن جوزها هيعمل حادثة ويموت، وهي كانت في حوزها اللي مات والانهيار اللي جالها ولا كانت راحة تعمل غراميات مع الدكتور، فُوق بقى يا إسلام وبطل الشك ده.
يصمت قليلاً ويكمل:
فاكر لما قلت لك إني مش مستريح له وإن نظراته مريبة...
إسلام وقد فهم ما يرمي له والده، فيغمغم في أسف:
أنا آسف يا حاج. بس فعلًا غريبة.
الحاج رشدي:
إياك والتسرع يا إسلام، ده قصف محصنات يا ابني، على العموم فكر وشوف هتعمل إيه ورد عليا.
يخرج الحاج رشدي ومعه الحاجة صفية ويتركوا إسلام في الحجرة، يلف بها يمينًا ويسارًا ويفكر، يشعر بالاختناق فيخرج من المندرة إلى الحديقة ويقابل هدى ويطلب منها أن تحضر له فنجانًا من القهوة، يمشي إسلام وهو يفكر، ويشوط الحصى الذي أمامه وكأنه يشوط أفكاره، يجلس إسلام في الحديقة مفكرًا في حديث الحاج رشدي، ويشعر بالتخبط؛ أيتزوج من أرملة أخيه؟ ولما لا؟ من أجل الأبناء فقط. وزوجته وأبناؤه مابهما؟ وهل يترك غريبًا لتربية أبناء أخيه؟ ويصبح هذا الغريب شريكًا له في المال؟ من الممكن أن تذهب الوصاية لأبيه ومن بعده له، ولكن سيظل هناك ذاك الغريب الذي سيسيطر على أبناء أخيه سواء طال الزمان أم قصر.
تأتي هدى وتضع القهوة أمامه، يمد يده وهو يتنهد ويمسك بفنجانه ويرتشف منه رشفة ويغلق عينيه ويرجع رأسه للخلف ويفتحهما، فيجد سيلا تقف في شرفة شقتها وهي تسقي زهرات الياسمين ولا تلاحظه. ظل ينظر لها طويلًا ويتأملها وهي تأخذ الأوراق الجافة وتعتني بالشجرة وتقترب منها لتشم رائحتها.
إسلام لنفسه:
لو بصت عندي تبقى دي إشارة من ربنا وأوافق على الجواز، ولو دخلت ومشفتنيش يبقى خلاص هرفض.
عند سيلا... كانت سيلا تشعر بالاختناق، فخرجت في شرفة شقتها لتنظر للنخيل والأشجار وتسقي شجرة الياسمين بجوارها وظلت تتنفس رائحة الياسمين التي تعشقها وهي مغلقة العينين وكأنها تغرق نفسها في رائحة الياسمين وتخرج توترها واختناقها به، ثم فتحتهما وهي تتنهد لتسقط عيناها على إسلام؛ وهو جالس في الحديقة يرتشف القهوة ونظرة مسلطًا عليها. ترتبك سيلا من نظرته ويسقط قلبها بين قدميها وتدخل بسرعة إلى حجرتها ولا تدري لماذا فعلت ذلك. احتمال لأنها لا تريد مشاكل مع شيماء هي الأخرى.
عند إسلام... يبتسم إسلام من ردة فعل سيلا، وينهض ويتجه للداخل ثم يذهب إلى الإسكندرية دون أن يتحدث مع أحد.
تمر الشهور سريعًا وتبقى سيلا في منزل الحاج رشدي حتى انتهاء العدة ويقوم محمد أخوها بتقديم أوراق أبناء سيلا للمدارس في الإسكندرية.
يدخل إسلام إلى الحاج رشدي ويراه جالسًا مهمومًا.
إسلام وهو يلقي السلام:
السلام عليكم يا حاج.
الحاج رشدي وهو ينظر له بغيظ وتأنيب:
وعليكم السلام.
يجلس إسلام ويسأل الحاجة صفية:
الحاج ماله؟ إيه مزعله؟
يرد عليه الحاج رشدي:
محدش مزعلني، أنا بس بفكر.
إسلام بتلقائية:
طب ما تشركني معاك يا حاج.
الحاج رشدي مستسلمًا:
ماشي هشركك معايا. عدة سيلا خلاص لسه لها أيام وتخلص، وهي هترجع تعيش في الإسكندرية، والدكتور محسن وشريف كلموني تاني.. وزاد عليهم الدكتور أحمد بتاع الوحدة الصحية هنا... إنت إيه رأيك؟
ظل الحاج رشدي يتفحص وجه إسلام جيدًا ليرى ردة فعله على ما سمعه.
إسلام مندهشًا:
الدكتور أحمد كمان!
الحاجة صفية:
أيوه.
إسلام بغضب:
هو داخل بيتنا يعالجها ولا يبص عليها ويحبها.
الحاج رشدي بغضب:
إسلاااام. دخل وقعد معاها وعالجها وهي صغيرة وحلوة ولما حب يتكلم جه هنا وقالي. الدور والباقي على اللي كلمناه ومشي وعدت شهور ومردش. أنا لسه هقول لسيلا علشان تفكر تختار مين فيهم.
إسلام بغضب واستنكار:
إنت بتقول إيه يا حاج!
الحاج رشدي:
هم جايين البيت من بابه وكان ممكن يكلموها من غير ما نعرف و...
إسلام مقاطعًا:
أعتقد مفيش حد بيتقدم يتجوز واحدة مخطوبة يا حاج.
الحاج رشدي يعصبية:
مين دي اللي مخطوبة يا إسلام؟
إسلام وبحزم:
سيلا في حكم المخطوبة ليا.
الحاج رشدي بدهشة:
هي لسه متعرفش، وبعدين أنا فتحتك في الموضوع وقلت لك فكر ورد عليا، وإنت مردتش، وهي ممكن ترفضك.
يريد الحاج رشدي أن يعرف سبب موافقة إسلام على الزواج من سيلا؛ هل هو بسبب الشركة أم بسبب الأبناء؟ أم لسبب آخر؟
إسلام مستنكرًا وبحده:
ترفض مين يا حاج! ترفضني أنا. مفيش حد هيربي ولاد أخويا غيري يا حاج. يا إما مفيش جواز لسيلا نهائي.
الحاج رشدي؛ وقد تأكد من أن إسلام لا يطمع في الشركة ولكنه يخاف على أبناء أخيه، فأخذ يهدأ من غضب إسلام:
الأمور متتاخدش كده يا إسلام بالهداوة شوية.
إسلام بحده:
مفيش هداوة يا حاج عرسان الغفلة دول أنا هكلمهم أعرفهم إني هتجوزها و...
الحاج رشدي بإنفعال:
مش كده يا إسلام... سيب لي الموضوع ده اتصرف فيه، ويا ريت متدخلش خالص دلوقتي.
يصمت قليلاً ليهدأ نفسه ثم يكمل:
إنت بلغتني موافقتك، يبقى خلاص. هنقول لسيلا ونشوف رأيها إيه؟ ولحد لما تقول رأيها يا ريت متجيش هنا إلا لما أطلبك، وإوعى تكلم أي حد من اللي اتقدموا لها... فاهم.
إسلام مستسلمًا:
اللي تشوفه يا حاج.
الحاج رشدي بحزم:
وإعمل حسابك سيلا هتيجي تشتغل معاك في الشركة.
إسلام مندهشًا:
نعععم!! ليه؟
الحاج رشدي بحزم:
حقها وحق عيالها. إنت ناسي إن مازن الله يرحمه شريك معاك بالنص، هي هتيجي تشتغل معاك؛ سواء وافقت عليك أو رفضت. إعمل حسابك على كده.. ومتقولش حاجة لمراتك لحد لما نسمع رأي سيلا إيه؟... فاهم.
إسلام:
فاهم يا حاج... أنا ماشي.
يأتي سيف ونوران ويسلمان على إسلام ويجلس معهم قليلًا ثم يسافر إلى الإسكندرية.
في داخل غرفة الحاج رشدي...
صفية... عايزك تكلمي سيلا وتشوفي رأيها؟ وتشوفي هي ميالة ليه؟ ولا إيه؟ وسيبها براحتها تفكر ومتضغطييش عليها بالعيال.
كانت تلك كلمات الحاج رشدي لزوجته صفية.
صفية:
أكيد يا حاج مش هضغط عليها... بس يعني...
وظهر التوتر عليها.
قولي في إيه قلقك؟: الحاج رشدي مستفسرًا.
الحاجة صفية:
خايفة ترفض إسلام وتوافق على أي حد تاني... مش هستحمل كده. ومش هسكت.
الحاج رشدي وهو يضيق عينيه ويقول:
يعني هتعملي إيه؟
الحاجة صفية وهي تفرك يداها بتوتر:
من الآخر كده أنا مش هخرجهم بره البيت يا إسلام، يا رمزي لكن حد تاني مش هيحصل. أنا هقنعها.
الحاج رشدي غاضبًا:
إوعى تقول لي كده تاني... هي حرة. إنتي بس عرفيها إنها هتشتغل مع إسلام في الشركة وهتخلي بالها من نصيب عيالها علشان تطمن. وهى إن شاء الله هتوافق. لكن غصب لاء يا حاجة. فهماني. غصب لاء.
نغمة التحذير تلك كانت لها بمثابة الأمر الذي جعلها تنسى تمامًا ما كانت تريد أن تفعله من الضغط على سيلا لتوافق على إسلام.
الحاجة صفية:
حاضر يا حاج... هطلع لها شقتها وأكلمها فوق أحسن هنا ممكن كلمة تتسمع إحنا مش عايزين مشاكل دلوقتي مع شيماء.
رواية مات زوجها وتزوجت أخيه الفصل السادس 6 - بقلم نجلاء ناجي ورشا مجدي
تتصاعد الحاجة صفية إلى شقة سيلا. تجلس معها، تتحين الفرصة لمفاتحتها في الأمر. تشعر سيلا بأن الحاجة صفية تريد قول شيء ما، لكنها تتردد في قوله.
في النهاية، تحسم الحاجة صفية أمرها وتخبر سيلا بتقدم إسلام للزواج منها. جلست تتفرس ملامحها.
تجلس سيلا، وقد انقبض قلبها وهربت الدماء من جسدها. لا تعلم هل ما سمعته حقيقة أم حلم؟ هل حقًا يريد إسلام الزواج بها؟ ولما؟ هل من أجل المال أم من أجل الأبناء؟ وما رد فعل شيماء؟ هي تكرهها بدون أي شيء، فماذا ستفعل إذا أصبحت ضرة لها؟
ازداد شحوب وجهها حتى حاكى وجوه الموتى، وارتفع تنفسها وكأنها في سباق للجري، تنظر إلى اللاشيء.
يقطع الصمت الرهيب صوت الحاجة صفية: "مالك يا بنتي، مسهمة ليه؟"
سيلا، وهي مندهشة وغير قادرة على الكلام.
الحاجة صفية: "فكري يا بنتي براحتك، وعلى أقل من مهلك، وابقي ردي عليا. وافتكري إن محدش هيبقى حنين على ولادك ويحبهم قد عمهم."
سيلا بصوت واهن متحشرج: "انتي اللي بتقولي كدا يا ماما؟"
الحاجة صفية، وهي تتماسك حتى لا تبكي وتبدو قوية: "أيوه أنا اللي بقول كدا."
تصمت قليلاً وتجلي صوتها وتقول: "اللي مات كان ابني، حتة من قلبي، محدش هيعرف معزته ولا غلاوته قدي. واللي هيتجوزك برده ابني، مش هقولك إنه زي مازن.. لأ، إسلام مش زي مازن، مختلف عنه كتير، عملي، وبيحب شغله أوي، بس برده عارف ربنا وهيتقي الله فيكي وفي ولادك. وكفاية إنه مش غريب عن الولاد، وهيحافظ على فلوسكم وهيبقى حنين على الولاد. ده غير إني زي ما قلت لك هتشتغلي معاه سواء وافقتي أو حتى رفضتي. في النهاية أنا يهمني مصلحة ولادك ومصلحتك."
تنظر لها بأعين تترقق بها الدموع وتكلم: "انتي عارفة أنا بحبك قد إيه؟ وعارفة إني بعتبرك بنتي. ولو إسلام مش هيحافظ عليكي وعلى ولادك، كنت أنا اللي رفضت. فكري في مصلحتك ومصلحة ولادك. وفي الأول والآخر مفيش حد هيغصب عليكي في حاجة، بس هتفتكري مش هيجي عليكي وقت تحتاجى فيه لاب للولاد لما يكبروا يحتويهم؟ فكري يا سيلا وردي عليا. وأنا معاكي في أي قرار هتقولي عليه."
سيلا، وهي تبكي ولا ترد، تنظر لها نظرات استعطاف. فما كان من الحاجة صفية إلا أنها نهضت لكي ترحل، فسمعت صوت سيلا يقول بصوت متحشرج جاهدت في خروجه: "ممكن أسافر عند أخويا في إسكندرية يا ماما؟"
تلتفت لها وتتفرس ملامحها جيدًا بدهشة: "ليه يا سيلا؟ انتي زعلتي يا بنتي؟"
سيلا، وهي تهز رأسها يمينا ويسارا: "لأ أبدًا، بس عايزة أغير جو ممكن؟"
الحاجة صفية: "براحتك. عايزة تسافري امتى؟"
سيلا بسرعة: "بكرة الصبح."
الحاجة صفية: "بكرة الصبح السواق هيوصلك إن شاء الله."
تدخل الحاجة صفية لزوجها وعيناه معلقة بها ويسألها: "قلتي لها؟"
صفية، وهي تمسح دموعها وتجلس وتقول: "أيوه."
الحاج رشدي بلهفة: "ورد فعلها إيه؟"
صفية، وهي تبكي ثانية: "مصدومة وعايزة تسافر بكرة لأخوها."
الحاج رشدي بقلق: "ليه؟ زعلت ولا إيه؟"
صفية: "معرفش."
الحاج رشدي: "قلتي لها على الكل؟"
صفية باقتضاب: "لأ... إسلام بس."
الحاج رشدي غاضبًا: "ليه؟"
صفية: "لو رفضت إسلام، أقولها على الباقي..."
الحاج رشدي: "غلط.. كان لازم تقولي لها عليهم."
صفية: "أنا قلت على إسلام وبس، وربنا يهديها وتوافق عليه، هو أحسن من الغريب."
ينهض الحاج رشدي ويخرج من غرفته وتبقى صفية تبكي.
في الصباح الباكر، تسافر سيلا مع أبنائها إلى الإسكندرية، ويودعها الحاج رشدي وصفية، التي كانت تدعو في سرها أن توافق سيلا على إسلام - رغم ما سيترتب على هذا الزواج من مشاكل - ولكنها تريد الاطمئنان على أبناء ماذن.
تصل سيلا إلى الإسكندرية وتجلس بمفردها في حجرتها، اعتزلت الكل وفضلت البقاء بمفردها. تدخل هناء عليها وهي تتكئ على عكازها وتجدها شاردة في عالم آخر والدموع تجري أنهارًا على وجنتيها.
هناء بدهشة وألم: "مالك يا سيلا.. إيه مزعلك؟"
سيلا، وهي تنظر لها وقد جفلت من وجودها: "مفيش يا ماما."
هناء، وهي تجلس بجوارها: "هتخبّي على ماما؟"
سيلا، وهي تبكي وتبدأ في قص كل شيء لها، وينضم لهما محمد أخوها.
بعد أن انتهت سيلا من الحديث، ظل الصمت يحيط بهم، الكل يفكر ولا يتحدث. حتى قطع محمد الصمت وقال: "وإنتي رأيك إيه يا سيلا؟"
سيلا باستنكار: "رأيي! أكيد رافضة، انت بتقول إيه؟"
محمد بهدوء: "من غير عصبية، رافضة ليه؟"
سيلا بتوتر، وهي تفرك يدها: "مش عارفة... مش عايزة حد... مش عايزة أتجوز يا محمد."
هناء: "خلي بالك إنك لسه صغيرة، والأولاد بكرة يكبروا وأكيد هيحتاجوا لأب، هتدوري عليه لما يكبروا؟ ولا من دلوقتي أحسن؟ الحمل كبير يا سيلا."
سيلا، وهي تضع يدها على رأسها ويدها الأخرى على صدرها: "مش عارفة أفكر... ولا عارفة أخد قرار... تتنهد وتقول: أنا جيت عشان آخد رأيكم، وأفكر بهدوء وبدون ضغط من حد."
تدخل إيمان زوجة محمد في الحديث وتقول: "من رأيي يعني إنك تقبلي بإسلام، هو عم أولادك وهيخاف عليهم أكيد، وبعدين صلي استخارة وأنتي تعرفي."
سيلا بخوف وألم: "انتي متعرفيش مرات إسلام بتكرهني قد إيه يا إيمان. وده وماذن كان عايش. أمال لو بقيت ضرتها هتعمل إيه؟ لأ.. لأ مش عايزة أفكر.. أنا مش عايزة أتوز مش عايزة يا ماما." وترمي نفسها في حضن والدتها وتبكي.
وهناء بحزن: "ليه بس بتعيطي يا حبيبتي؟"
سيلا باكية: "مش عارفة الدنيا معانداني ليه؟ حبيت ماذن وحرمتني منه، وقبله كانت حرمانيني من بابا. دلوقتي مطلوب مني اختيار والاختيار صعب.. يا إسلام ومشاكل الدنيا والآخرة مع شيماء، أو أي حد تاني وبرده هيبقى فيه مشاكل وخوازيق مع بابا الحاج وماما وعمام العيال. أنا مش عايزة أعادي حد.. أنا عايزة أربي ولادي ومش عايزة مشاكل مع حد. مش عارفة امتى الدنيا هتصالحني بقى.. أنا تعبت، بجد والله تعبت.."
تُربت هناء على ظهر سيلا وتمسح دموعها وتنظر لها في عينيها وتقول: "صلي صلاة استخارة يا سيلا، واللي فيه الخير ربنا هيقدمه لكِ ولأولادك. ومتعمليش حساب لمشاكل ولا لأي حد. سبيها على الله يا سيلا."
إيمان، وهي توافق على كلام هناء: "ماما كلامها صح يا سيلا، اقعدي وفكري بهدوء."
محمد: "إحنا كلنا معاكي يا حبيبتي، واللي تختاري هننفذه."
تنهض سيلا وتدخل غرفة والدتها وتصلي وتنام، وتترك أبناءها يلعبون مع أبناء خالهم.
في صباح اليوم التالي، تستيقظ سيلا وتقضي اليوم مع أخيها ووالدتها، وأعينهما تتساءل عن قرارها، حتى تتحين هناء الفرصة وتسألها.
هناء بهدوء وحنان: "ها يا سيلا استقريتي على إيه؟"
سيلا، وهي تنظر لها بألم: "مش عايزة أتوز يا ماما. لأ إسلام ولا غيره، أنا مش قادرة أتصور إن بتد ماذن ممكن يبقى فيه حد تاني. مش قادرة أتصور بجد، أنتم ليه مش قادرين تحسوا بيا؟ بقى في يوم وليلة ماذن يروح، وعايزين برده في يوم وليلة حد غيره ياخد مكانه... طب إزاي.. فهموني؟"
هناء بحزن: "يا بنتي، أنا فاهماكي والله. بس طالما إسلام جه يبقى هو أحق بيكم، لو فيه عيب أقولك أيوه ارفضي، لكن ده كويس، وعم الولاد.. يعني أكتر واحد هيحافظ عليهم وهيحبهم، وهو أولى من الغريب اللي مهما كان دول مش هيبقوا من دمه.. افهميني. عارفة إنه صعب بس هتعملي إيه؟ في الأول والآخر هتحتاجي لراجل معاكي عشان يربي معاكي ولادك.. وكويس إن عمهم موجود."
سيلا: "يا ماما وإزاي هتعامل معاه، وشيماء؟ لأ.. أنا مش قد المشاكل اللي هتحصل."
هناء: "الحاج رشدي وصفية هيبقوا معاكي متخافيش، وقبل منهم هيبقى إسلام، انتي بس سبيها على الله وهتتحل."
سيلا بقلة حيلة: "يا ماما صعب..."
هناء مقاطعة لها: "مش هتبقى أول واحدة ولا آخر واحدة، شوفي مصلحة ولادك قبل نفسك.. أنا شايفة إن مصلحتهم مع عمهم، بلاش يعيشوا اليتم للآخر."
سيلا، وقد تأثرت بكلامها: "سيبيني أفكر يا ماما، وحياتي عندك مش عايزة أخوكي يفتح الموضوع معايا.. الله يخليكي."
هناء: "خلاص براحتك، مش هفتحه تاني."
تخرج هناء من الغرفة وتبقى سيلا بمفردها لتفكر فيما قالته هناء.
في الخارج، تتصل هناء بالحاجة صفية.
هناء: "أيوة يا حاجة، كانت رافضة وأنا أقنعتها. وربنا يهديها وتوافق."
الحاجة صفية: "والله إسلام طيب، وأنا لما قلت لك تكلميها كان عشان خاطر مصلحة الولاد الأول، لأني كنت متوقعة إنها ترفض. بس أنا يهمني مصلحة الولاد وسيلا، محدش هيحافظ عليهم زي إسلام."
هناء: "والله أنا قلت لها كدا برضه وربنا يهديها وتوافق."
صفية: "إن شاء الله توافق، ولو مش موافقة أنا مستعدة أجي وأكلمها.. بس من غير ما الحاج رشدي يعرف، انتي عارفة هو عايزها توافق برغبتها. وأنا والله لولا إني خايفة على العيال ما كنتش قلت لك كلميها وخليها توافق على إسلام."
هناء بتفهم: "فاهمة يا حاجة والله."
صفية: "ربنا يقدم اللي فيه الخير."
تمر عشرة أيام وسيلا تفكر، ولم تستقر على رأي بعد، ليأتي لها اتصال.
سيلا: "الو، السلام عليكم."
"وعليكم السلام. إزيك يا سيلا؟"
سيلا: "الحمد لله يا دكتور أحمد. إزيك انت؟"
أحمد: "كويس ومش كويس يا سيلا، بس عامة الحمد لله."
سيلا: "الحمد لله على كل شيء يا دكتور."
ويظلان صامتين لبرهة من الوقت، حتى يقطع أحمد الصمت.
أحمد: "سيلا؟"
سيلا: "نعم."
أحمد بتردد: "هو.. الحاج رشدي كان فاتحك في... موضوع... ال... موضوع الجواز."
سيلا، وهي تقصد زواجها من إسلام: "أيوه."
أحمد بسرعة موضحًا: "قبل ما تجاوبي أنا عايز بس أعرفك حاجة عني؛ أنا متقدمتش ليكي شفقة... أنا فعلاً حبيت ولادك، وحبيتك يا سيلا."
هنا سيلا تضع يدها على فمها لتمنع شهقة تخرج منها، فهي كانت تقصد زواجها من إسلام ولم تكن تعلم بطلبه للزواج منها... وظلت صامتة وأكمل أحمد: "سيف ونوران هيبقوا ولادي؛ حتى لما نخلف مش هفرق في المعاملة بينهم وده وعد أحاسب عليه قدام ربنا يا سيلا. أنا مش طمعان ولا حاجة؛ أنا عندي عيادتي وشقتي والحمد لله مستوايا المادي كويس أوي أوي. لو عايزة تعرفي حسابي في..."
سيلا مقاطعة له: "حساب إيه يا أحمد أنا مش عايزة فلوس."
أحمد: "أنا بس بطمنك إني مش طمعان، أنا فعلاً حبيتك، أنا مشارك في مستشفى نفسي. يعني وضعي المالي كويس أوي."
سيلا مقاطعة: "والله أنا لسه بفكر، وماخدتش قرار."
أحمد: "طب ممكن أجي أشوف الولاد وأشوفك."
سيلا: "معلش يا دكتور أنا آسفة... مش هينفع."
أحمد محرجا: "لأ أبدًا مفيش أسف، براحتك. طب ممكن تسمحي لي أطمن عليكي كصديق يا سيلا؛ حتى لو رفضتي، هنفضل أصدقاء... ممكن."
سيلا: "ربنا يسهل... مع السلامة."
أحمد: "مع السلامة."
تغلق سيلا الهاتف ويظل أحمد يمسك بالهاتف في ألم، فقد شعر أنها لن توافق عليه؛ نبرة صوتها وحديثها أوحى له بذلك، لو كان هناك بادرة موافقة كانت وافقت على حضوره ورؤيتها. ثم يتنهد في حرقة وألم ويبعد الهاتف عن أذنه وينظر له طويلًا.. ثم يضعه جانبًا ويخرج لمتابعة مرضاه.
تغلق سيلا الهاتف وتظل جالسة في المندرة عند الحاج رشدي ومعها الحاجة صفية والدكتور أحمد وإسلام. تنظر سيلا لهم وتشعر بانقباضة في صدرها ولا تتكلم، تخفض رأسها ولا تستطيع الكلام. لتسمع الحاج رشدي يسألها.
الحاج رشدي: "اخترتي مين يا سيلا. ردي عليا."
ترفع سيلا عيناها له وبها الدموع وتقول في صوت واهن: "مش عارفة يا بابا الحاج، مش عايزة أتوز." فتنظر ببصرها عليهم سريعًا وتشعر بالخوف الشديد.
فتسمع صوتًا من خلفها يردد: "سيلا مراتي ومحدش بيتجوز واحدة متجوزة."
تلتفت سيلا للصوت المألوف لها وتجده إسلام، فتقف مصدومة ولا تتحدث. فتسمع مباركات الحاج رشدي وصفية وسيف ونوران يرتَميان في حضن إسلام ويغرقانه بالقبلات وسط دهشة سيلا، وشعورها بالراحة. وتسمع صوتًا يأتي من خلفها يصرخ ويقول: "مش هسيبك تتهني بيه؟" تمد سيلا نظرها له، فـيـظـهـر لها وجه شيماء وهي تنظر لها غاضبة وقادمة لها في غضب لتقتص منها. فيقف إسلام أمامها، ناهراً إياها وحامياً سيلا وأبناءها، وتقف سيلا حاضنة أبناءها في خوف وهي ترتعش. فتجد إسلام قادمًا ضامًا لهم وناظرًا لها في حنان قائلاً: "متخافيش يا سيلا من النهاردة مش عايزك تخافي، أنا جنبك."
تشعر سيلا بالراحة الشديدة... ثم... ثم تستيقظ من نومها على صوت الهاتف بجوارها، فترى اسم المتصل الحاج رشدي.
سيلا وهي تجيب بصوت ناعس: "الو، صباح الخير يا بابا الحاج."
الحاج رشدي وبعد مضي وقت تسمع: "صباح الخير يا سيلا."
تقفز سيلا من على سريرها واقفة على قدميها، ناظرة في الهاتف لتتأكد من اسم المتصل لتجد اسم الحاج رشدي؛ ولكنها سمعت للتو صوت إسلام!!
سيلا بصوت متردد: "بابا الحاج..."
إسلام متنهدًا: "أنا إسلام يا سيلا، أخبارك انت والولاد إيه؟"
سيلا بتوتر: "الحمد لله. بابا الحاج فين هو وماما صفية؟ هم كويسين؟"
إسلام بهدوء: "أيوه كويسين. أنا حبيت بس أطمن عليكي وانتي والعيال. ناويين تيجوا امتى؟"
سيلا: "شوية كدا."
إسلام: "طب متطولوش؛ لأن الجماعة هنا العيال وحشهم أوي."
سيلا بتوتر واضح: "حاا... حاضر."
إسلام: "هم فين؟"
سيلا: "نايمين لسه."
إسلام: "طب لما يصحوا، خليهم يكلموا جدهم... ماشي."
سيلا: "حاضر."
إسلام: "مع السلامة."
سيلا وهي تتنفس الصعداء: "مع السلامة."
تغلق سيلا الهاتف وتظل ممسكة به؛ تقف مصدومة لا تعلم تحلم بإسلام وتستيقظ على صوته، هل هذا إشارة بأنه من تختاره.. أم ماذا؟ تظل تردد اسمه وهي تقف شارده: "إسلام... إسلام... إسلام..."
هناء وهي ترى سيلا شارده، تقبل عليها باندهاش: "مالك يا سيلا... وماله إسلام؟"
تقفز سيلا من شدة الخضة: "ماما... في حاجة."
هناء: "انتي واقفة كدا ليه؟ وإسلام ماله؟"
قصت سيلا الحلم والمكالمة لوالدتها، لتجدها تقول بابتسامة: "انتي مستريحة لإسلام؟"
سيلا بقلق: "مش عارفة، بس مش خايفة منه."
هناء: "يبقى اختاري إسلام يا سيلا.. دا رأيي وانتي حرة."
سيلا بخوف: "بس شيماء... أنا بخاف منها."
هناء: "شيماء دي مشكلة إسلام مش مشكلتك انتي."
سيلا: تفكر قليلاً ثم تقرر شيئًا ما ولكنها تتردد، "ربنا يسهل."
يدخل سيف ونوران على سيلا ويتناولون فطورهما، ثم تتصل سيلا بالحاج رشدي.
الحاج رشدي وهو يرى الهاتف يضيء باسم سيلا: "صباح الخير."
سيلا: "صباح الخير يا بابا. إزيك وإزاي ماما الحاجة. أخباركم إيه؟"
الحاج رشدي: "إحنا الحمد لله كويسين، بس أنتم وحشتونا أوي يا بنتي. الأخبار عندكم إيه يا سيلا؟"
يصمت قليلاً ويسألها: "لسه يا سيلا مستقرتيش."
سيلا بتوتر: "استقريت خلاص يا بابا... بس.. بس أنا خايفة."
الحاج رشدي وهو متوتر يسأل: "خايفة من إيه يا سيلا؟"
ينتبه كل من الحاجة صفية وإسلام للحديث.
سيلا بقلق: "خايفة من الاختيار وعواقبه يا بابا."
الحاج رشدي مطمئنًا لها: "متخافيش يا سيلا، مهما كان قرارك أنا معاكي يا بنتي وعمري ما هتخلى عنك أبدًا انتي والولاد. ... إيه قرارك؟"
كانت سيلا تريد أن تقول إنها لا تريد الزواج من أحد، ولكن كلمات والدتها عن أن إسلام الأصلح لأبنائها، جعلها تتردد وتعدل عن قرارها وتهمس بصوت جاهدت على إخراجه: "إسلام."
الحاج رشدي مستوضحًا الاسم، وجعل انتباه وفضول إسلام وصفية على أشده: "مين؟"
يقف إسلام بجواره ويسأل بهمس: "مين يا بابا؟ قالت مين؟"
الحاج رشدي: "مش سامع."
سيلا هامسة بخجل: "إسلام."
إسلام بهمس: "الدكتور أحمد يا حاج؟"
الحاج رشدي ينظر له بغضب، ثم يقول بهدوء: "طب على خيرة الله يا بنتي... هات لي سيف ونوران أكلمهم."
يكلمهم الحاج رشدي وصفية وإسلام ويطلب من سيلا أن تعود إلى البلد.
سيلا: "معلش شوية كدا يا بابا الحاج. أنا مش عارفة لسه هيحصل إيه لما الخبر يتعرف."
الحاج رشدي مطمئنًا لها: "متخافيش يا سيلا محدش هيقدر يتعرض لك؛ لا انتي ولا ولادك طول ما أنا عايش، وحتى بعد ما أموت... متخافيش."
تنهي سيلا المكالمة وتظل تفكر فيما سيحدث من عقبات موافقتها الزواج من إسلام. ورد فعل شيماء.
أما عند الحاج رشدي...
إسلام بفضول شديد: "قالت مين يا حاج؟"
رواية مات زوجها وتزوجت أخيه الفصل السابع 7 - بقلم نجلاء ناجي ورشا مجدي
الحاج رشدي متفرسًا في ملامحه، وبصوت هادئ: اخترتك يا إسلام، وخائف من شيماء ورد فعلها.
إسلام بحزم: أنا هتكلم مع شيماء.
الحاج رشدي: طب شوف سيلا هتستلم شغلها عندك إمتى؟ وإنت هتعرف شيماء إمتى؟ علشان نكتب كتابكم... إنت عارف إن سيلا عدتها خلصت بقالها شهر كده.
إسلام: تمام يا حاج، أنا هرتب كل شيء وأقولك.
ينهض إسلام ويكمل: أمشي أنا بقى علشان ألحق أسافر إسكندرية.
الحاجة صفية بلهفة: طب بات وبكرة الصبح من بدري ابقى سافر.
إسلام: ماشي يا حاجة، بس اعملي لي غدا حلو بقى وأنا داخل قوضتي أنام حبه.
تستمع لهم نشوى وتخبر شيماء بأمر زواج إسلام من سيلا.
بعد فترة من الوقت، يستمع إسلام إلى صوت جلبة وصريخ بالخارج، ينتفض مزعورًا، ويتجه ليخرج من غرفته مسرعًا خائفًا على والديه، ليفاجأ بوجود شيماء أمامه وهي تبارك له الزواج.
شيماء بصوت عالٍ وبغضب: صح النوم يا عريس الهنا... مبروك.
إسلام بدهشة وهو ينظر لها، غير مستوعب لوجودها ولحديثها: فيه إيه يا شيماء؟
شيماء بحنق وغضب: فيه إيه؟ فيه إني نايمة على وداني، والبيه جوزي هيتجوز سيلا، والحاج والحاجة موافقين طبعًا.
تنظر لهما وتكمل بكل حقد وغضب وكأنها تسبهما: مهي حبيبة القلب، لكن...
يقتطعها إسلام بغضب وهو يمسك يدها ويشدها لداخل غرفته: تعالي جوه نتكلم.
شيماء بحده وهي تنفض يده من على ذراعها: ليه؟ هو فيه أسرار؟ ما كل حاجة على عينك يا تاجر.
تزداد شراسة وهي تكمل: أنااا تتجوز عليا؟ ومين؟ سيلا!! أنا بنت نشأت بيه تساوي بيني وبين سيلا اللي خدامة عندي عندها ضعف مؤهلاتها... الفقيرة العدمانة دي تتجوزها.
الحاجة صفية صائحة: عيب كده... سيلا ست الناس.
شيماء وهي تلوح لها بيدها دليلاً على سخطها وعدم رضاها بالحديث.
إسلام بغضب: مين اللي قالك يا شيماء؟
نشوى وهي تستمع لهم وتقول لنفسها: الله يخرب بيتك، هتخربي بيتي زي ما اتخرب بيتك.
شيماء بعند وتحدي: ليه هو سر؟
إسلام وهو يصيح بغضب وبصوت هادر: ردي عليا... مين اللي قالك؟
شيماء وقد أجفلت من صوت إسلام فقالت بسرعة: نشوى.
الحاج رشدي وهو يمسك إسلام من ذراعه: حسابها مع جوزها مش معانا، يا إسلام. خد مراتك واطلعوا شقتكم فوق.
يخرج إسلام وشيماء ويصعدان إلى شقتهما.
شيماء بغضب: أنااا تتجوز عليا يا إسلام ليه؟ بتحبها ولا إيه؟
إسلام بغضب: حب إيه وزفت إيه؟ أنا مش بتاع حب.
شيماء وهي تقترب منه والشر يتطاير منها وتتفرس عينيه جيدًا لتعرف إن كان صادقًا أم كاذبًا: أمال إيه؟ عايز تتجوزها ليه؟ قصرت معاك في إيه؟
إسلام يسخرية: قصرت!! هو المدام مقصرتش في أي حاجة خاصة مع أصحابها والنادي. لكن أنا والولاد أخبارنا إيه معاكي؟ تقدري تقولي لي الولاد فين دلوقتي؟ مع مين؟
تنظر له شيماء وتقول: في البيت مع الدادة والخدم.
إسلام مستنكرًا وبسخرية: الدادة والخدم... هم دول أهلهم، هم دول أبوهم وأمهم. بتعرفي حاجة عنهم؟ بيحبوا إيه؟ بيكرهوا إيه؟ بلاش هما، طب عارفة عني حاجة؟ طب عن شغلي، ولا أقولك بلاش شغلي؛ لإن أكيد أخوكي وليد بينقل لك كل أخباري. بلاش والنبي كلمة قصرت معاك في إيه؟ لإنك مقصرة، ومقصرة كتير أوي يا مدام.
تنظر له شيماء بصدمة ولا ترد.
يتنهد إسلام ثم يقول: بس مش دي المشكلة.
شيماء بتساؤل: أمال المشكلة إيه؟ قول لي؟
إسلام بحزم: المشكلة إن ولاد مازن محدش يربيهم غيري، مش هخلي ولاد أخويا راجل غريب يتحكم فيهم وفي مالهم.
تلمع عيون شيماء وقد فهمت ما يهدف له إسلام فتسأله لتتأكد: يعني إنت عايز تتجوز سيلا علشان محدش غريب ينط لك في الشركة ويقرفك... صح؟
إسلام متنهدًا وقد أصابت: أيوه... وكمان علشان مش عايز حد يربي ولاد أخويا غيري. لو كنت أنا اللي مت كان مازن هيربي ولادي يا شيماء. ويضحك ساخرًا ويقول: وكان هيتجوزك.
شيماء بسرعة: بس إنت هتتجوزها... يعني إزاي؟
إسلام وهو يتجه إلى غرفة نومه: شيماء مش عايز كلام كتير، أنا مصدع وعايز أنام. لو هتقعدي متصدعنيش، ولو هتسافري لولادك؛ يبقى الحقي بسرعة لهم. ولو إني معتقدش إنك هتروحي على الشقة... أكيد هتروحي النادي.
شيماء وهي تسأله بفضول: هي سيلا هنا؟
إسلام يلتفت لها ويقول بسخرية: ليه؟ هي نشوى قالت لك الأخبار ناقصة ولا إيه؟
يكمل طريقه لغرفة النوم ويقول: على العموم محدش هنا.
ويتركها ويدخل لينام.
تقول شيماء بصوت عالٍ لتسمعه: أنا راجعة إسكندرية.
وتخرج شيماء عائدة إلى الإسكندرية.
ويستمع إسلام لصوت غلق شيماء لباب الشقة، فيعتدل في جلسته على السرير قائلًا بتهكم: وقال إيه... قصرت معاك في إيه؟
يخرج هاتفه ويتصل بسيلا.
سيلا وهي ترى اسم إسلام يضيء شاشة هاتفها، فتتردد هل ترد أم لا. حتى تحسم أمرها وترد بقلق.
سيلا بصوت متوتر: الو، السلام عليكم.
إسلام بهدوء: وعليكم السلام. إزيك يا سيلا.
سيلا وهي تبتلع ريقها بصعوبة وخجل: الحمد لله.
إسلام متنهدًا: هتيجي إمتى يا سيلا؟
سيلا وقد انقبض قلبها برهبة وخوف فترد بارتباك: يعني لسه... لما...
إسلام مقاطعًا لها: أنا هاجي أجيبك بكرة إنتي والعيال يا سيلا، ونكتب كتابنا.
تشعر سيلا وكأن الدماء قد هربت من جسدها لغير رجعة، خوف، قلق، توتر، تشعر وكأنها أُلقيت من فوق جبل شاهق وروحها تُسحب منها ببطء شديد.
يتنهد إسلام ويكمل: شيماء عرفت كل حاجة، ومتقبلة الوضع؛ يعني مفيش داعي ل...
لم يكمل إسلام كلامه فقد سمع أصوات عالية تنادي على سيلا.
إسلام بقلق: ألو... ألو... سيلا... سيلا ردي.
يرد عليه محمد أخو سيلا وهو يلتقط هاتف سيلا: ألو مين معايا؟
إسلام بدهشة وبنبرة صارمة: أنا إسلام، إنت مين؟
محمد مرحبًا بتوتر: أهلاً إسلام، أنا محمد أخو سيلا.
يزفر إسلام نفسًا قويًا ينفث فيه عن غضبه، فقد ظن أنه رجل غريب، بل وظن أن سيلا تركت الهاتف من يدها لنفورها من فكرة الزواج به أو حتى لشعورها بأنها مجبرة عليه.
يكمل محمد حديثه قائلًا: معلش أصل سيلا اغمى عليها وإحنا بنفوقها. هكلمك بعدين.
ينهي الاتصال ولا يزال إسلام ممسكًا بهاتفه، يردد كلمات محمد في عقله: اغمى عليها!!
ينهض إسلام بسرعة وينزل إلى شقة والديه، ويدخل عليهما غرفتهما ويخبر الحاج رشدي ما حدث.
الحاج رشدي: وبعدين... هنعمل إيه؟ طب كلمهم تاني كده.
يحاول إسلام مكالمتهم ولكن لا أحد يرد، يكرر المحاولة مرة أخرى وثالثة ورابعة فيقول بغضب وقلق: محدش بيرد خالص؛ لا على تليفون البيت ولا والدتها ولا حتى... سيلا.
الحاجة صفية بتوتر وحزن: يا حبيبتي يا بنتي، يا ترى حصل لها إيه؟
إسلام وهو يتجه للخروج من الغرفة: أنا مسافر إسكندرية هشوف أخبارها إيه وبكرة إن شاء الله هاجيبها مع الولاد نكتب الكتاب ونرجع ونخلص من الدوشة دي كلها.
صفية بلهفة: طب فطر الأول إنت جعان.
إسلام بجدية: ماليش نفس يا حاجة.
يذهب إسلام إلى منزل أخو سيلا مباشرة بعد وصوله إلى الإسكندرية، يخبره محمد بأنها نائمة الآن، إلا أن إسلام أصر على رؤيتها.
تذهب هناء وتوقظ سيلا والتي شعرت بخوف وقلق عندما علمت بحضور إسلام بالخارج وطلبه لرؤيتها.
تدخل هناء إلى غرفة الصالون وتجلس على أقرب كرسي لها، وتتردد سيلا كثيرًا في الدخول؛ فهي تستمع لصوت إسلام ويزداد توترها وارتباكها، تستمع لصوت هناء.
هناء: تعالي يا سيلا، واقفة عندك ليه؟ ادخلي.
تتقدم سيلا وتدخل وهي مرتبكة، جسدها يرتعش وتحاول أن تتماسك ولكنها فشلت في ذلك فظهرت ارتعاشة يدها عندما سلم عليها إسلام، وجلست وهي مخفضة رأسها لا تقوى على النظر إلى إسلام أو حتى المكان الذي يجلس به.
إسلام وقد لاحظ توترها، وارتعاشها، فشعر بالشفقة عليها فقال بصوت هادئ لكي يبث بعض الطمأنينة لها: إزيك يا سيلا... أخبارك إيه؟
سيلا بخجل وبصوت منخفض وهي لا تنظر له: الحمد لله كويسة.
إسلام باهتمام: إيه اللي حصل؟
سيلا تصمت ولا ترد وتفرك يداها بقلق بالغ.
محمد وهو ينقذ الموقف: باين إنها مفطرتش كويس مع قلة نوم، عمل لها هبوط.
إسلام: طب حمد الله على سلامتك.
ينظر إسلام إلى محمد وهناء ويوجه حديثه لهما: إن شاء الله بكرة الصبح هاجي آخد سيلا والولاد ونرجع البلد، نكتب كتابنا ونيجي تاني. ماشي.
يقع قلب سيلا في اقدامها وتتسارع دقات قلبها وترفع عيناها له بدموع؛ غير مصدقة إنها ساعات و تكون زوجته، كيف؟ ماذا ستفعل؟ هل ستكون زوجته؟
تتلاقى نظرات سيلا مع عيون إسلام الصارمة، لثوانٍ معدودة وتخفض سيلا عيناها ووجهها ثانية للنظر في الأرض والألف المشاهد تدور في رأسها؛ تلك التي جمعتها مع مازن.
تستمع لصوت إسلام وكأنه يأتي من بئر عميق تكاد تسمعه وهو يسألها عن موافقتها الذهاب معه. وتهز سيلا رأسها موافقة؛ فهي مرغمة ولا تستطيع الكلام فقد خانها صوتها ولم تستطع الحديث، كما خانتها الأيام، فاكتفت بهز رأسها موافقة ثم نهضت وأسرعت بالركض خارج الغرفة.
إسلام وهو يقف ينظر لها وهي تهرول للخروج من الغرفة، فينظر لمحمد وهناء ويسألهما بجدية، وقلق: هي... كويسة... يعني مالها؟
محمد بعدم فهم لما يحدث لسيلا: مش عارفة.
هناء وهي تفهم إحساس سيلا: إسلام... خلي بالك من سيلا، هي طيبة جدًا، حافظ عليها وعلى ولاد أخوك... وكفاية الأيام جت عليها... ماشي يا إسلام.
إسلام: حاضر... أستأذن أنا بقى، وبكرة الصبح إن شاء الله هاجي آخدها ماشي.
هناء: إن شاء الله.
إسلام: وهاتي الولاد بكرة كمان يا حاجة.
هناء: طب سيبهم هنا طالما هتروحوا وتيجوا تاني.
إسلام مفسرًا: معلش علشان بس الحاج والحاجة يشوفوهم، وبعد كده هيبقوا هنا علشان الدراسة.
محمد: خلاص، بكرة إن شاء الله هنجهزهم وهيجوا معانا... ما إحنا هنيجي معاكم.
يذهب إسلام إلى شقته، ويجد أبناءه نائمين، وشيماء في الخارج.
يجلس إسلام في غرفة مكتبه، يشعل إحدى سجائره وينفث فيها زفيرة وكأنه ينفث غضبه ويظل يفكر في سيلا وشيماء والشركة، لا يدري كيف سيتزوج سيلا، وكيف سيتعامل معها، كل ما يريده أولًا أن ينتهي من زواجه واستقرار أموره حتى يلتفت إلى عمله ومتابعته.
ينهض إسلام ويدخل إلى غرفته وينام.
في الصباح...
يستيقظ إسلام، ويجد شيماء نائمة بجواره، ينظر لها بسخرية وينهض يأخذ حمامًا دافئًا ويطلب من الخادمة إعداد فطور وقهوة له، ويفطر مع عز الدين ورنا، ويأخذهما معه ويحدث محمد في الهاتف ليستعدوا للسفر.
تجلس سيلا بحوار إسلام، بينما يجلس الأبناء في الخلف مع أبناء إسلام وهم يتحدثون ويضحكون وتتعالى صيحات فرحهم بإجتماعهم معًا.
بينما سيلا تنظر من النافذة للطريق وهي تفكر في حياتها الماضية والآتية لا تعلم كيف ستكون حياتها، وهل سيرضى إسلام بأن يكون أبًا لأبنائها فقط، هل تطلب منه ما عزمت أن تطلبه؟ وماذا سيكون رد فعله؟
تتنهد سيلا كثيرًا فهذا الموضوع وهذه الزيجة وكأنها حملًا كبيرًا على قلبها.
يختلس إسلام النظرات لسيلا وهي تتنهد وتغمض عيناها بين الحين والآخر، أو عندما تشارك الأولاد في الحديث ولعبهم.
يصل الجميع إلى منزل الحاج رشدي، ويذهب الأطفال للعب في الحديقة بعدما سلموا على جدودهم.
ويطلب إسلام من الحاج رشدي أن يحضر المأذون لعقد قرانه على سيلا التي ما إن سمعت ذلك حتى ازداد ارتعاشها وتمسكت بيد هناء لتستمد منها العون وتطمئن نفسها بوجود والدتها بجوارها.
يتم عقد القران وإسلام يشعر وكأن هناك مهمة كبيرة عليه قد تم إنجازها.
أما عند سيلا فكانت كالمجروحة التي تشاهد أمامها مشهدًا ثقيلًا تظن أنه لا يعنيها، في حين أنه يمسها بكل كيانها، كانت كطائر يرفرف بعد ذبحه، يرتعش ويهذي مع خروج روحه.
فقط دموع متحجرة في عيناها تنظر لوجوه الجميع ولا تراهم، تستمع لأصوات مباركتهم لها من بعيد، ولا تعي لهم.
رواية مات زوجها وتزوجت أخيه الفصل الثامن 8 - بقلم نجلاء ناجي ورشا مجدي
يذهب محمد وهناء إلى الإسكندرية ثانية بعد عقد القران.
تسير سيلا بترنح إلى غرفة ماذن في شقة الحاج رشدي وتغلق الباب خلفها. تقف أمام صورة ماذن وهي تبكي.
سيلا باكية تهمس بإسمه وكأنه يسمعها:
ماذن... غصب عني والله... أنا استحالة أنساك، أنا بحبك...
تأخذ نفسها عميقًا وتكمل:
أنا اتجوزته بس عشان خاطر الولاد، ومتخافش، أنت بس اللي جوزي.
يقطع حديثها طرقات على باب الغرفة وصوت الحاجة صفية.
سيلا:
ادخلي يا ماما.
تدخل الحاجة صفية بإندهاش وهي تمسك دموعها متأثرة برؤية سيلا وهي في غرفة ماذن، ولكنها تخفي كل هذا.
الحاجة صفية:
إيه اللي بتعمليه ده يا سيلا!
سيلا بلا مبالاة:
مفيش... قلت أقعد حبة. مش عارفة أعمل إيه.
الحاجة صفية متماسكة:
طب أنا هخلي الولاد هنا معانا، والبنات هتخلي بالها منهم.
تماسكت أكثر وهي تكمل كلامها:
وإنتي اطلعي لإسلام فوق. ربنا يهدي سركم.
تسري ارتعاشة قوية في جسد سيلا ويزداد توترها.
سيلا:
أنا... أنا...
تقاطعها الحاجة صفية وهي تربت على ظهرها:
يلا يا بنتي. تعالي معايا.
تأخذ بيدها وتشعر بارتعاشة يد سيلا، فتربت عليها لطمأنتها، وتخرجان من الغرفة لتجدا اسلام جالسًا في المندرة مع الحاج رشدي.
الحاجة صفية:
إسلام... خد مراتك واطلعوا فوق.
تزداد ارتعاشة سيلا وهي تسمع كلمات الحاجة صفية، ويرى اسلام ذلك وكذلك صفية.
ينهض اسلام ويتقدمها وهو يقول:
يلا بينا.
ويخرجان سويًا ويصعدان الدرج.
يفكر اسلام وهو يصعد الدرج: إلى أي شقة يذهب بها؟ هل يأخذها لشقته؟ لو علمت شيماء ذلك لأقامت الدنيا عليهما. إذا، هل يذهبان إلى شقته ماذن؟ لا يعلم لما هذا الأمر شديد الثقل على قلبه. يخطو خطوات مجبر عليها، مشتت الذهن. كل ما كان يشغل باله هو الشركة وأبناء أخيه، ولكن سيلا... ماذا سيفعل معها؟ لم يفكر في ذلك أبدًا.
أما عن سيلا، فكانت تصعد الدرج وفي كل خطوة كانت روحها تسحب منها. لا تريده زوجًا، تريده أبًا لأبنائها فقط. كيف ستقول له ذلك؟ كيف ستخبره بأن لا يقربها؟ لا تعلم.
يصلان أمام شقة ماذن، وينظر لها اسلام مترددًا، ولكن تدخلها سيلا مباشرة، ويلحق بها اسلام. يغلق اسلام الباب فتنتفض سيلا بخوف وتلتفت له بتوتر، ويقف اسلام ناظرًا لها بتوتر هو الآخر.
تقف سيلا في الردهة وهي مرتبكة، متوترة. يقترب منها اسلام، ولكنه ما إن اقترب منها فرجعت سيلا للوراء، حتى وقعت عينا اسلام على صور ماذن بجوارها وهو يضحك. فينظر في عيني ماذن بالصورة، ثم لعينى سيلا وهي ممتلئة بالدموع أمامه، فيبتعد عنها بسرعة، فتحمد سيلا الله في سرها.
يعطي لها ظهره ولا يزال واقفًا في الردهة. يجلي صوته ويطلب منها فنجانًا من القهوة.
تذهب سيلا لإعداده، ويجلس اسلام على أقرب مقعد أمامه. يمرر اسلام يده في شعره في غيظ وينظر حوله لصور ماذن مع سيلا وأبنائه. وكل صورة وكأنها تحدثه بأنه دخيل عليهم، تطالبه بالرحيل والبعد عنها. لا يعلم اسلام هل حقًا تتحدث له الصور أم أن ماذن يحدثه بالعد عنها وتركها له.
يفرك اسلام جبينه غير مصدق ما يحدث له، وتأتي سيلا بفنجان قهوته وتراه هكذا.
سيلا بتوتر:
لو تعبان... تقدر تدخل تنام.
اسلام باستسلام وإرهاق:
أنا فعلًا مصدع وتعبان، وعايز أنام... طب أنام فين؟
تشير له سيلا إلى غرفة نوم الأطفال وغرفة النوم الكبرى. يشرب اسلام قهوته ويتجه إلى غرفة النوم الكبرى. يتجه لينام على السرير، ولكن لم يكن حالها يختلف كثيرًا عن الردهة، فوجد بها صورًا لماذن مع سيلا وهو يحتضنها. ينظر في كل ركن ويجد صورًا أكثر خصوصية لهما معًا ومع أبنائها.
يخرج اسلام من الغرفة سريعًا. يظل يتجول في الشقة ويجد في كل ركن صور ماذن تحدثه غاضبة وكأنها تطرده من الشقة.
اسلام لنفسه:
حاسس إني مخنوق، مش عارف أعمل حاجة ولا عارف أنام، حاسس إن الصور بتقولي اخرج... مش قادر أستحمل دا... مش قادر.
تنظر له سيلا وهي تراه يتلفت حوله ويسير بالشقة وكأن هناك معركة معه. نظراته حائرة في كل ركن. ينظر له تشعر وكأنه يضطرب ويتوتر. حتى وجدته خرج بسرعة من الشقة ونزل إلى شقة والديه.
تتنفس سيلا الصعداء، وتنظر لصور ماذن وتحدثه قائلة:
حبيبي... وأنت حبيبي.
أأكون لغيرك؟
يا من كنت طفلته المدللة.
أأتنفس هواء غير هوائك.
يا من أسكرتني بخمر هواك.
أتلمسني يد غير يدك.
يا من أذبتني عشقا بك.
حبيبي... وأنت حبيبي.
في شقة الحاج رشدي.
يجلس الحاج رشدي مندهشًا وهو يرى اسلام قادمًا عليه.
الحاج رشدي:
إيه اللي نزلك يا إسلام! وسايب مراتك ليه؟
اسلام وهو يجلس بإرهاق على أقرب مقعد أمامه:
يعني قلت آجي أقعد معاكم علشان إحنا هنمشي وهشوف شغلي، فأكيد الولاد هيوحشوكم.
الحاج رشدي:
طب افتكر إن سيلا هتشتغل معاك في الشركة.
اسلام معترضًا:
هو لازم يعني يا حاج؟ متخليها قاعدة في البيت وأنا هحط نصيبها باسمها واسم الولاد في البنك.
الحاج رشدي بصرامة:
أنا قلت هتشتغل معاك، دي شركتها زيك بالظبط، وليها فيها النص. خليك فاكر... ده حقها، ومش عايز الكلام ده أسمعه تاني منك... أظن مفهوم.
اسلام باستسلام:
مفهوم يا حاج.
يقضي اليوم واسلام معهم في المندرة وسيلا بشقتها. ويأتي المساء وينام اسلام في غرفته في منزل والده، وسيلا والابناء في شقتها.
في الصباح الباكر يستيقظ الجميع ويفطرون ويذهب اسلام وسيلا والاولاد عائدين إلى الإسكندرية.
وأثناء الطريق تجلس سيلا بجواره وهي منكمشة على نفسها. ثم بعد وقت قصير تبدأ تتحدث مع الأطفال في الخلف، وتضحك معهم. ويظل اسلام مركزًا نظره على الطريق، ولكن عندما ضحكت سيلا مع الأطفال انتبه اسلام لها ونظر لها للحظات، ثم نظر إلى الطريق ثانية وظل يختلس النظرات لها وهي تتكلم معهم وتشاركهم الحديث.
يصل اسلام لشقة سيلا، ويصعد معها ومعهم الأولاد. يدخل الجميع الشقة ويتجه الأولاد للعب في حجرتهم ويبقى اسلام وسيلا في الردهة.
ينظر اسلام إلى سيلا يريد أن يتحدث معها، ولكن لا يدري كيف يبدأ الحديث. وتظل سيلا واقفة معه وهي خجلة، تفرك يدها في توتر وهي مخفضة الرأس.
يخطو اسلام خطوة تجاه سيلا وهو مركزًا نظره عليها يتأملها وهي متوترة خجلة، وهو يكرر في داخله إنها زوجته، سيلا زوجته. خطوة أخرى يتقدمها اسلام وللأسف يقع نظره على صورة أخيه ماذن أمامه.
يقف اسلام ينظر لها وكأنه قد شلت حركته وكذلك لسانه. أصبح لا يدري ماذا يفعل الآن؟ لا يقوى على الحديث ولا حتى على التقدم نحو سيلا. فقط ظل ينظر لها وهي مخفضة الرأس تنظر من حولها وكأنها تبحث عن شيئًا ما.
شعر اسلام بالاختناق، والحنق من نفسه وما كان منه إلا أن استأذنها وتركها وكأنه طالب كسول يفر من واجبه المدرسي.
أثناء الطريق المؤدي إلى شركته وهو غاضب من نفسه، ولا يفهم ما يحدث له. ما سر عدم مقدرته على القرب من سيلا؟
يصل اسلام إلى شركته وهو عصبى المزاج، يدخل مكتبه وينغمس في العمل ويظل يشرب قهوة كثيرًا. حتى تفاجأ أن الساعة قد تعدت الثانية عشرة مساء وهو لا يزال يعمل بمفرده في الشركة.
يخرج اسلام ويتجه إلى بيته ويجد شيماء نائمة ومستغرقة في النوم. ينام اسلام بتعب شديد ويستيقظ مبكرًا ولا تزال شيماء نائمة.
يفطر اسلام ويذهب إلى شركته.
ثلاثة أيام متتالية يخرج اسلام صباحًا للشركة ولا يعود منها إلا على النوم ولم يرى شيماء غير نائمة، ولم يرى أبنائه!
يدهش اسلام عندما تذكر أبناءه، لقد نسي أبناءه عند سيلا، مع سيف ونوران. نظر إلى شيماء التي تغط في نومها مندهشًا متسائلاً: ألم تسأل عن أبنائها؟ أليست أمهم؟ يتساءل في نفسه ما بها تلك المرأة.
تحولت ملامح اسلام إلى الغضب الشديد من شيماء. ظل ينظر لها في غضب ونفور، وقام مسرعًا متجها إلى سيلا.
أثناء الطريق كان يعلم أنه سيراها. ماذا سيقول لها؟ كيف سيتعامل معها؟ يعلم أنه كان يتعمد العمل ويغرق نفسه فيه حتى لا يفكر فيما يحدث له عندما يراها أو عندما يحاول التقرب منها.
عند تلك النقطة بالذات يتنهد اسلام بغضب من نفسه. لا يعلم لماذا؟ يشعر بأن ماذن يمنعه. هناك شيء ما يحدث ولكنه لا يعلمه.
يصل اسلام إلى منزل سيلا ويصعد لها ويطرق الباب ليفتح له عز الدين بسرعة، ويصرخ بفرح.
عز الدين مهللاً:
باباااااا!
يقبل الجميع ويرحبون به ويلتفون حوله ويدخل اسلام وينحني يقبل الجميع ويحمل نوران ورانا ويجلس على أقرب مقعد في الردهة. يجول بنظره باحثًا عنها ولكنه لا يجدها. يسأل عنها فيصيح سيف مناديًا عليها.
تحضر سيلا مهرولة من داخل المطبخ بسرعة وهي ترتدي قميصًا من الجيل الخفيف يصل إلى ركبتيها وبنصف كم، وشعرها مصفف بضفيرة. كانت مثل الطفلة الصغيرة في مرحلة الإعدادي.
تفاجأ سيلا بوجود اسلام والتفاف الأطفال حوله. تقف في مكانها ولا تتقدم.
يظل اسلام ناظرًا لها يتأمل ملامحها، وحمرة الخجل التي علت وجهها كالشمس التي تطل في وقت الغروب. يظل متأملًا لها ولا ينطق ببنت شفة.
حتى تتحدث سيلا بهمس مرتبك:
حمد الله على السلامة... مين اللي فتح لك؟
اسلام وهو مشدودًا لها وبهدوء:
عز الدين.
تنظر سيلا إلى عز الدين وتقول له بأسلوب طفولي:
مش قلنا الباب لما يخبط الكبار بس اللي يفتحوا يا عز... يعني ماما أو بابا. افرض مكانش بابا اللي على الباب. يرضيك حد غريب يدخل علينا يا عز؟
عز الدين وهو ينظر لها ويبتسم قائلاً:
خلاص يا طنط... والله ما عدت أعمل كده تاني... متزعليش مني، واللعبى معايا.
سيلا وهي تتصنع أنها كانت غاضبة منه ثم عفت عنه وابتسمت له قائلة:
خلاص مش زعلانة، بس أهم حاجة ميتكررش الغلط ده.
يقفز عز الدين لها فتنخفض له سيلا وتحضنه وتقبله وهو يقول لها:
بحبك أوي أوي يا طنط.
سيلا بفرحة وبصوت طفولي:
وأنا كمان بحبك أوي أوي يا عز.
يذهب عز للعب مع سيف، ويظل اسلام واقفًا مشدودًا من سيلا وهي تتحدث مع عز. لا يعلم ماذا يحدث له، فقط يشعر بالفرحة من أسلوب سيلا مع أبنائه والتحدث معهم وكأنها طفلة مثلهم.
اسلام هامسًا:
كنتي بتعملي إيه؟
سيلا وهي تنظر له خجلًا وتبعد عيناها عن النظر له:
الغدا.
اسلام:
طب خلصتي؟
سيلا وهي تهز رأسها موافقة:
آه. تحب تتغدى؟
اسلام وهو يهز رأسه أيضًا:
ماشي، هاكل مع الولاد.
تذهب سيلا من أمامه مسرعة، وتحضر المائدة وتجلس هي واسلام والاولاد. وأكل الجميع بشهية، وهم يتجاذبون أطراف الحديث الشيقة. واسلام يختلس النظرات لسيلا وهي تتحدث معهم وتضحك معهم ويتأمل وجوه الأطفال وهم يتحدثون ويضحكون معها في سعادة، بل ويطيعونها بشدة.
الكل يخشى أن تغضب منه؛ حتى يلعبوا معها بعد الغداء. للمرة الأولى التي يرى فيها اسلام أبناءه يأكلون بشهية ويسمعون للنصح بهدوء، يرى ضحكتهم ويضحك معهم على حديثهم الطفولي.
للمرة الأولى التي يشعر بها أنه وسط أسرة سعيدة. إحساس جميل لم يجربه اسلام من قبل، دفء حياة جميلة وهو يراهم يتسابقون من ينهي طعامهم كاملاً قبل الجميع. يشارك معهم اسلام وسيلا في المسابقة وينهي الجميع طعامهم في سعادة منقطعة النظير.
بدون إرادة ووعي منه، طلت صورة شيماء إلى ذهنه، وهي تصرخ على أبنائها إن أيقظوها، أو قطعوا عليها حديثها في الهاتف، أو حتى تمردوا على الدادة. كانت تصرخ عليهما مؤنبة لهما، متوعدة لهما بأشد العقاب.
بدون وعي منه قارن بين أسلوب سيلا مع الأولاد وأسلوب شيماء مع أبنائها. شيماء التي لم تلاحظ غياب أبنائها عن المنزل لمدة ثلاثة أيام متتاليات لم ترى أبناءها أو حتى تسأل عنهم؟
غضب شديد شعر به تجاه شيماء، ولكنه أفاق من شروده على يد صغيرة تمتد إلى وجهه وصوت رنا ضاحكة.
رنا:
بابا... مش هتلعب معانا؟ يلا قوم اغسل إيدك بسرعة، طنط سيلا هتلعب معانا.
ينظر اسلام إلى سيلا وهي تحمل الأطباق الفارغة ويرد على رنا:
حاضر يا رنا، هغسل إيدي والعب معاكم.
تهتز يد سيلا عندما تسمع كلامه ويكاد أن يقع ما تحمله من أطباق. فيسرع اسلام للحاق بها ويمسك منها الأطباق وتتلامس أطراف أيديهما. تترك له سيلا الأطباق وتحمل أشياء أخرى وتهرول إلى المطبخ هاربة من اسلام ونظراته التي تربكها.
يضع اسلام الأطباق في المطبخ ويخرج منه بسرعة. على باب المطبخ يقف اسلام ويتحدث بهدوء، وهو يخفي ما حدث له عندما لمس يد سيلا.
اسلام:
سيلا، من بكرة إن شاء الله تجيء الشركة علشان تستلمي شغلك.
سيلا وهي تجلي صوتها وبخجل:
شكرًا ليك.
اسلام:
العفو، ده حقك... أنا هاخد الولاد النهارده وأروحهم، كثر خيرك إنهم كانوا عندك الفترة دي.
سيلا:
طب ما تسيبهم مع سيف ونوران...
اسلام مقاطعًا لها بصرامة:
إنتي عندك بكرة شغل يا سيلا.
سيلا بحرج:
براحتك.
ظنت سيلا أن شيماء تريد أولادها وهم ينفذون مطلبها لذلك لم تلح عليه كثيرًا.
يدخل سيف وعز الدين وهما غاضبان متذمرين:
يلا بقى يا ماما هنلعب امتى؟
سيلا وهي تنظر لهما:
حالا... بس أغسل بس الأطباق.
سيف:
بسرعة بقى.
تنهمك سيلا بعملها بسرعة وتنضم لهم، وهي تحمل القهوة والكيك لإسلام، والكيك للأطفال. تلعب سيلا معهم ويشاركهم اسلام الذي استمتع كثيرًا باللعب معهم وضحك معهم من قلبه، وشعر بأنه قد استرجع طفولته معهم. شعر وكأنه قد جدد نشاطه وبطريقة غريبة جدًا، وهو يشاركهم اللعب ويشاكسهم.
في المساء يأخذ أبناءه ويعود إلى منزله على وعد بإحضارهما في نهاية الأسبوع. يعود اسلام لمنزله ويجد أن شيماء لا تزال بالخارج. يدخل الأبناء وينامون مباشرة، ويظل اسلام مستيقظًا جالسًا في شرفة غرفة النوم يدخن إحدى سجائره وهو يفكر في سيلا، ويسترجع حديثها وطريقة لعبها ويبتسم، ويتذكر لمسة يديها. فيشعر بتوتر داخله، يشعر أن هناك شيئًا ما ولكنه لا يعرف ماذا؟ يطفئ سيجارته في غضب مما يشعر به ويذهب للنوم.
في الصباح تذهب سيلا إلى الشركة وهي مرتدية حلة سمراء كلاسيكية الشكل وتعقد شعرها ذيل حصان طويل. تدخل عليه مكتبه ويستمع إلى صوت طرقات حذائها وهي تخطو بثقة. يرفع اسلام نظره عن الأوراق التي يطالعها ويشير لها بالجلوس.
تجلس سيلا أمامه.
اسلام وهو ينظر للورق:
سيلا، إنتي هتشتغلي في قسم العلاقات العامة، ولا تحبي قسم الحسابات؟
سيلا:
أي شيء مش هتفرق؛ أي مكان هتعلم وأشتغل.
ينظر لها اسلام ويقول:
خلاص يبقى الحسابات مع وليد وهو اللي هيدربك. تمام.
سيلا وهي تقف:
تمام، أروح هناك.
اسلام يطلب من السكرتيرة أن تطلب وليد.
يدخل وليد:
السلام عليكم.
اسلام بهدوء:
وعليكم السلام، وليد مدام سيلا هتشتغل معاك في القسم من النهاردة، عايزك تعرفها كل حاجة وتحرص إنها تعرف كل صغيرة وكبيرة في الشركة. عايزها زيك كدا بالظبط.
قال جملته الأخيرة بنبرة يفهم منها وليد أن يهتم بها.
وليد وهو ينظر لها متفحصًا:
تمام يا إسلام. انفضلي يا مدام سيلا.
اسلام منبهًا:
وليد... مدام سيلا تبقى مراتي.
وليد وهو يبلق ريقه:
تمام يا إسلام. عارف.
اسلام وهو ينظر لهما ويشير لهما بالخروج.
تبدأ سيلا أولى خطواتها العملية، وتتعلم من وليد كل شيء بسرعة، ويتابعها اسلام من بعيد.
يمر أربعة أيام أخرى سيلا للعمل وتتعلم من وليد ويتابعها اسلام من بعيد.
في فترة الراحة.
يخرج وليد للذهاب إلى كافتيريا الشركة ويحضر فنجانين من القهوة له ولسيلا، ويجد سيلا تأكل من علبة معها تخرج منها رائحة كعك شهي. يقترب منها ويضع فنجان القهوة.
وليد ضاحكًا:
أنا جبت لك قهوة معايا وإنتي بتنقضي على الكيك لوحدك... دي خيانة وأنانية منك يا سوسو.
سيلا وهي مندهشة له وتزور في طعامها فيسرع وليد ويعطي لها كوبًا من الماء ويقف قريبًا منها. ترتشف سيلا عدة رشفات وتأخذ نفسها وتقول له:
خد حاشك يا أخويا كل الكيك كله، كنت هتموتني.
وليد ضاحكًا:
هتموتي عشان حتة كيكتك؟
سيلا... فينحني وليد قلقًا عليها ويعطيها ماء ثانية، وتشرب منه سيلا.
أنتم بتعملوا إيه؟
يعتدل وليد في وقفته بحوار سيلا، وتنظر له سيلا بخوف وهي ترى اسلام يقف على باب مكتبهما ولا أحد معهما والغضب يتطاير من عينيه كتطاير حمم البركان.
رواية مات زوجها وتزوجت أخيه الفصل التاسع 9 - بقلم نجلاء ناجي ورشا مجدي
تتركز نظرات اسلام على سيلا ووليد ،وينظر للكعك واكواب القهوة فى نظرة سريعة ويتقدم فى خطوات ثابتة نحوهما ،مركزا عيناه على سيلا؛ التى احمر وجهها ،وتذداد ضربات قلبها فى كل خطوة يخطوها للداخل وكأنها مسكت بجرم مشهود ،ولكنها تحاول التماسك .
اما وليد فينظر الى اسلام بلا مبالاه وهو يتقدم منهما حتى وقف امامهما .
وليد ضاحكا : تعال شوف مراتك اللى هتموت من حته كيك دى
ينظر اسلام الى سيلا التى تجلس ووجهها لونه احمر قانى ،ثم يردد : كيك ؟ ليه؟
وليد وهو يجلس على مقعده براحة كبيرة :طب احكم انت بينا ،بقى اروح الكافتيريا اجيب لها قهوة اجى اقفشها بتاكل الكيك لوحدها ،وبس زورت وكانت هتروح فيها ويضحك وليد كثيرا .
فى حين سيلا تنقل بصرها بينهما بخوف ،وكذلك اسلام ينقل بصره بينهما بغضب وهو يرى وليد يمد يده ويأخد قطعه من الكعك ويضعها فى فمه ويتذوقها بكل استمتاع ..
وليد : والله عاشت اديكى يا سيلا، دا حلو اوى اوى .. تاخد يا اسلام تدوق ولا تلاقيك شبعان منه ،يا بختك يا عم
اسلام وهو ينظر لها بهدوء وبنصف ابتسامه : فعلا شبعان منه بس ميضرش اخد معاك كمان ..ويمد اسلام يده ويأخذ قطعة ويتذوقها وينظر الى سيلا التى امتقع وجهها وهى تنظر له فى توتر بالغ .
إسلام : اسيبك بقى مع الكيك واروح مكتبى ..
فى لهجه امرة لسيلا يقول : معايا على المكتب .
يخطو اسلام عده خطوات،وتقف سيلا لتتبعه ويجد وليد ينادى على سيلا .
وليد وهو يمسك كوب القهوة ويتجه الى سيلا : استنى يا سو خدى قهوتك معاكى ،هتبرد .
اسلام وهو ينظر له بدهشة ولسيلا التى اخذت منه الكوب بيد مرتعشة ،فيقول بغضب : مش يلا بقى .
سيلا وهى ترتعش من داخلها وتقول فى صوت متوتر : حا. حاضر ..
يمشى اسلام بخطوات سريعه وتتبعه سيلا الى مكتبه ،يدخل بسرعه وينظرها حتى تعبر الباب ويغلقه بشدة من ورائها ،فتنتفض سيلا برعب من الصوت الباب ،تلتفت له بخضة فيقع كوب القهوة على يدها فتصرخ سيلا .
لا يلتفت اسلام لصراخ سيلا من وقوع القهوة على يدها ولكنه يتقدم منها بغضب ويمسك ذراعها بشده ويتحدث من بين اسنانه :
- هو انتى جايه الشركه تشتغلى ولا تفتحى لى فيها مطعم ؟جاية تراعى فلوس ولادك وتتعلمى ولا جاية تعمل لى بوفيه فى المكتب ؛شاى وقهوة وكيك ؟
سيلا وهى تتألم من مسكه يده ومن كلامه الحاد ؛لم تكن تشعر بوجع الحرق اكثر من وجع قلبها على الحديث الذى اطلقة اسلام من فمه وكأنه سكاكين تنغرس بها ...
بأعين دامعه ردت بتوتر : انا مسمحلكش انك تتكلم عنى كدا ،تحاول ان تفك يده عن ذراعها فتفشل .
تكمل بألم : انا جايه الشركه دى علشان اشتغل واحافظ على مال ولادى ،وكون انى جبت كيك معايا دا مش ذنب ،او انى اشرب شاى او قهوة دا برده مش غلط . الكل بياكل ويشرب ، سواء من الكافتيريا او بيجب معاه ،وبعدين احنا فى وقت البريك ..
اسلام بحده : اه طبعا فى البريك ،الكل بياكل ويشرب وبس مش بالمنظر اللى انا شفته دا ...
راعى يا هانم انك مراتى .
يترك زراعها بقسوة فكادت ان تقع ولكنها تماسكت ونظرت له فى غضب : على فكرة انا مراعية دا اوى وبعدين محدش يعرف اصلا انى مراتك غير وليد .
اسلام ساخرا : لا مهو واضح ... اتفضلى على مكتبك يلا ..
تنظر له سيلا غى غضب وتخرج بسرعه من مكتبة وتتجه الى الحمام تغسل يدها وعندما تنظر لنفسها فى المرآه لم تتحمل ان ترى نفسها هكذا فأجهشت فى البكاء؛ شعرت بأنها مجروحة من كلام اسلام لم تستطع ان تتمالك اعصابها اكتر من ذلك اخرجت كل غضبها وحزنها فى بكائها ،وبعد فترة غسلت وجهها بسرعه وخرجت الى مكتبها .
عندما دخلت سيلا للمكتب كان وليد يجلس على الكمبيوتر يركز عليه بشدة ولكنه ما ان شعر بدخولها حتى رفع عيناه عن الكمبيوتر و
نظر لها وليد متفحصا وجهها ،وهو يراها تدخل بهدوء وتجلس على مكتبها وتضع وجهها فى جهاز الكمبيوتر ..
وليد مخمنا : هو زعلم ولا ايه ؟
سيلا بدون النظر له او حتى رفع وجهها من على جهازها : لا ابدا هيزعلنى ليه ؟
وليد متأملا وجهها لايعلم هل اغضبها اسلام ام ماذا ؟
وليد بهدوء : كان عايزك فى مكتبه ليه ؟
سيلا بلا مبالاه : ابدا كان بيسألنى عرفت اتأقلم على الشغل وكدا .
وليد ينظر لها ولا يتحدث ثم يكمل عملة ..
فى مكتب اسلام ...
حيث ظل إسلام يحاول العمل ولكنه كان مشتت الذهن ، يتكرر مشهد اقتراب وليد من سيلا وهو لا يعلم سببا لهذا الضيق والغضب . وقد ارجع ذلك لانها زوجته ولا يصح ان تسمح باقتراب وليد هكذا .
تمر الايام وتظل سيلا تعمل فى مكتبها وتتعلم كل شىء وتتقنه واسلام لم يعد يتحدث معها ،بل لم يعد يتصل بها هاتفيا للسؤال على ابنائها .فى داخلها كانت تفتقد لسؤاله المتكرر عليها وعلى ابنائها ،كانت تشعر بالافتقاد الى نوع من الإهتمام ،اغضبها حديثه لها وقسوتة عليها، وسخريته منها ، ولكنها تناست وانغمست فى العمل .
ينشغل اسلام فى عملة ويسافر للخارج عده مرات
يمر ثلاثة اسابيع ، وسيلا فى الشركة صباحا وابنائها عند خالهم ومساء فى منزلها ،واسلام ما بين الشركة ومنزله والسفر لمتابعه اعمال الشركه بالخارج . ومتابعة الحاج رشدى لسيلا وابنائها بالهاتف .
فى يوم من الايام تتصل شيماء بأخيها وليد للاطمئنان على احوال الشركه واسلام .
شيماء : اذيك يا ليدو .. اخبارك ايه ؟
وليد وهو يجلس براحته فى منزله :تمام ،انتى اخبارك ايه ؟
شيماء بقلة صبر : تمام ، اخبار سيلا واسلام إيه ؟
وليد بسخرية : هو فى مكتبة وهى على مكتبها قدامى . مفيش جديد
شيماء بمكر : طب وأخبارك ايه معاها ؟
وليد بحده : شيمااااء ... سيلا انسانه محترمة وطيبة بجد ورقيقة اوى
شيماء بحقد دفين : انا عايزاها تبعد عن جوزى يا وليد . دى ضرتى حتى لو على الورق ،دى برده ضرتى .
وليد بحنق : بس دى فى حالها ... أذتك فى حاجة ... قولى
شيماء بغل وكرهه شديد والكلمات تخرج من فمها كسم الذى ينفثه الثعبان :
- كونها انها على زمته دا اكبر أذيه فى حد ذاته ... عايزاه يطلقها بأى شكل .
وليد بحده : شيماااء ،شيلى الغكرة دى من دماغك ،واهتمى بجوزك وبأولادك .
شيماء صارخه بغضب : خلاااااص ، كلكم بقيتوا بتحبوها ... هى اللى طيبه وانا شريرة . ليه محدش حاسس بالنار اللى جوايا وانا خايفة يروح لها ...
وليد مستنكرا : هتحرقك ... النار دى هتكونى اول واحده تتحرقى بيها قبل ما تحرقى غيرك . اهتمى بجوزك وصدقينى كل شىء هيتغير . وبعدين ما انتى اللى وافقتى على الجواز.
شيماء : أيوة وافقت علشان الشركه تبقى بتاعته ومحدش يشاركه فيها ،واه جوازهم على الورق بس برده انا مش بحبها وعايزاه يطلقها .
وليد غاضبا : ياريت يا شيخه يطلقها هتستريح منك انتى وجوزك وتشوف حد فعلا يستاهلها .
شيماء بمكر : انت زعلان عليها اوى كدا ليه ؟ تكونش بتحبها ؟
وليد بغضب : انت عقلك خلاص فوت ، انتى واسلام فعلا لايقين على بعض .. وسيلا فعلا ملهاش مكان وسطيكم .
شيماء : خلاص خدها انت واتجوزها طالما صعبانه عليك اوى .
وليد ضاحكا بسخرية : يا ريت كان ينفع بس حتى انا منفعهاش عارفة ليه ؟ لأنى ذيك إنتى وجوزك بتاع مصلحتى؛ هو انا لو مكنتش بتاع مصلحتى كنت عملت فيها كدا وخليت اسلام الله اعلم بقى زعق لها ولا ضريها فى المكتب ، وكل دا علشان ايه ؟ اختى تفرق بينهم .
شيماء مقاطعه له بحده : خدت تمن دا يا حبيبى ،اظن عشرين الف جنية مبلغ حلو اوى علشان توقع بينهم ... ومستعده ادفع اكتر من كدا بس تطلق منه .
وليد ساخرا : مستعجلة اوى على طلاقها ،هى اصلا مش هتقدر تستحمل اكتر من كدا معاكم .
شيماء :هو دا المهم عايزاها تبعد عن جوزى .
وليد وهو يقصد ان يغضب شيماء :
-على فكره اسلام بيعامل السيكرتيرة بتاعته احس من سيلا واهى مراته.
شيماء بتوتر : قصدك ايه ؟ قصدك انه ممكن يكون متجوز السيكرتيرة ؟
وليد بحده : معرفش ،انا اقصد انه بيعامل الغريب كويس وهى لاء.
شيماء وهى تنهى المحادثة : خلااص براحتك بس متنساش انا مستعده ادفع اى حاجه بس تطلقها منه ... مع السلامه .
تغلق شيماء الهاتف ،وكذلك وليد الذى يلقى الهاتف بعيدا عنه فى غضب ونفور ،يجلس يتذكر ما فعله مع سيلا ، وقرر ان يعوض سيلا عن ما سببة لها من اذى .
فى الصباح الباكر يستيقظ وليد ويذهب ليقف بسيارته امام منزل سيلا ؛فاليوم الجمعة وقد توقع ان تخرج سيلا لكى ترفهه عن ابنائها. وقد صدق حدسه حيث شاهد سيلا وهى تخرج من باب البناية ومعها ابنائها وتستقل تاكسى ،يسير وليد وراء التاكسى ويجده يذهب الى مدينة الملاهى.
تدخل سيلا مع ابنائها يتبعهم وليد يظل يتابعهم من بعيد حتى حانت له الفرصة وفى الزحام الشديد تقدم منهم وهو يقول
وليد بدهشة مصطنعة : سيلا ! اذيك انتى بتعملى ايه هنا ؟
سيلا بدهشة حقيقية: بفسح العيال .. انت ايه اللى جابك هنا ؟
وليد وقد فوجىء بالسؤال :ابدا كنت مع اصحابى وجايين نروشن شوية ،فلقيتك سبتهم وجيت لكم .
ينحنى وليد الى سيف ونوران ويسلم عليهما فى ود شديد ،وتحرج سيلا وهو يقف معهم لتجده سيبقى معهم .
يذهب وليد معهم ويلعب مع سيف ونوران اغلب الالعاب، وتشعر سيلا بالحرج الشديد والضيق لوجوده معهم هكذا ؛كما انها تخشى ان يعلم اسلام ويغضب منها ..
يمر اليوم بسلام ويستمتع سيف ونوران كثيرا بالحديث واللعب مع وليد، وكذلك وليد سشعر بالسعاده فى قضائه كل هذ الوقت معهم ..
يقوم وليد بإيصال سيلا للمنزل ويتركهم ويمضى .
اصبح وليد يتقرب من ابناء سيلا ،ويقوم بتنزيههم فى ايام الجمع والاجازات فى اماكن
مختلفة ،واحضر لهم العديد من الالعاب الالكترونية ؛التى فرح بها سيف كثيرا . ولم تستطيع سيلا ان تبعد وليد عن ابنائها ،تشعر بإختراقه لهم ولحياتهم ،ولكنها حقا لا تعلم ماذا تفعل معه .
تخشى من معرفة اسلام بذلك ومن رده فعله، وفى نفس الوقت كانت فى الكثير من الأحيان ترفض الذهاب معه فى اى نذهه وتتعلل .
وليد يريد ان يعوضها عن معاملة اسلام السيئة لها ،وفى نفس الوقت قام بإنفاق كل المال الذى اخذه لإيذاء سيلا عليها هى وابنائها.
يمر شهر ولا يحضر اسلام لشقة سيلا ولا يحضر ابنائه ،كذلك لا يتصل بها هاتفيا للاطمئنان عليها . هو فى قرارة نفسه لا يعلم لما هو غاضب منها ،اصبح يشغل نفسه فى العمل لعله يبعدها عن تفكيرة ولكنه ظل مشغولا بها ،يتردد كثيرا فى ان يطلبها او حتى يراها فى الشركة .
يجلس اسلام فى منزلة ويستمع لصوت طرقات على باب مكتبة ،يدخل كلام من عز الدين ورنا ؛باكيان ،يدهش اسلام من منظرهما يعتدل فى جلسته ويسألهما عن سبب بكائهما .
عز الدين بحزن :ماما ضربتنى علشان بقولها عايز اروح عند طنط سيلا العب مع سيف ونوران .
يهب اسلام واقفا فى غضب ويقترب منهما ويأخذهما فى حضنه ويقول :
-انت عايز تروح لهم امتى ؟
عز الدين بسرعة وبفرحة :ياريت بكرة يا بابا او حتى دلوقتى .
ينظر السلام فى ساعته يجدها السادسة مساء وغدا الجمعه، فيقول لهما :خلاص البسوا وتروح لهم دلوقتى ...
يفرح الصغيران كثيرا ويتقافزان عليه فى حب وفرحه ويقبلانه بنهم وسط صراخهما الطفولى ويبتعدان عنه ويجريان بسرعه لتبديل ملابسهما .
فى حين اسلام اخذ ينظر فى اثرهما وهما يركضان بسعاده عكس ما دخلا اليه .
يدخل اسلام بسرعه الى غرفته ويبدل ملابسه ويرتدى حلة انيقة ويعطر نفسه وينظر لنفسه فى المرأه وهو سعيد ويأتى الاطفال ..
عز الدين بتزمر :يلا يا بابا احنا خلصنا .. بسرعة بقى قبل ماما ما تيجى .
اسلام وهو ينظر له بدهشة ،ثم يبتسم ويقول :
على رايك يلا بسرعة .
ويخرجان بسرعه ويركبوا السيارة متجهين الى منزل سيلا وجميعهم سعداء .كان اسلام ايضا سعيدا مثلهما ؛يريد فرصة لكى يرى سيلا ولكن لا يعلم كيف، يعلم انه اغضبها ،وحاول ان يتجنبها ليعاقبها ولكنه ادرك انه كان يعاقب نفسه ايضا .
ينظر اسلام الى عز الدين ورنا وهما يتحدثان فى سعادة عن ماذا سيفعلان مع سيف ونوران ولم يدك انه كان اكثر منهما سعادة لذهابه الى هناك .
يصلوا الى منزل سيلا ويطرق اسلام الباب وهو سعيد ومتوتر ؛لايدرى كيف ستستقبلة سيلا .
يفتح الباب وينطلق الصغار بفرحة وهما يهللان ويسلمات على سيلا التى اخذتهما فى احضانها وقبلتهما بحب وسعادة وانضم لهم سيف ونوران ،ثم ذهبوا للداخل ،وظل اسلام ينظر لها ،وهى تنظر له فى ارتباك واضح ،حتى قطع الصمت بهمس منه
اسلام : ادخل
سيلا بهمس :اتفضل .. دا بيتك
يدخل اسلام ويغلق الباب ، سيلا وهى تقف تنتظره يمشى لتمشى وراؤه ولكنه رفض وأصر ان تسير هى امامه.
تدخل سيلا الى الردهه ، وتلتفت له وتشير الى مقعد
سيلا بحرج وهمس : اتفضل
اسلام وهو يجلس: شكرا
سيلا : تحب تشرب اية ؟
اسلام :قهوة
سيلا وهى تنظر فى الساعة وتقول : دلوقتى .. مش غلط كدا ، هعملك شاى احسن ،بلاش قهوة؛ علشان تعرف تنام .
اسلام وهو يومىء لها براسه :تمام خليها شاى .
تذهب سيلا للداخل وتعد الشاى وتحضره مع طبق من الكعك تضع الصينيه ،ويمد اسلام يده ويأخذ قطعة كعك ويتذوقها وهو ينظر الى سيلا .
اسلام هامسا : تسلم ايديكى ...
سيلا بحرج : شكرا ليك.
اسلام وهو يرتشف رشفات من الشاى مع قطع الكعك وعيناه لك تحيد عن وجهه سيلا ،يتأمل كل قسماتها ،وهى ترتجف من نظراته ،لا تعلم سر رجفتها تلك، تشعر بالامان فى وجوده ولكنا لا تعلم لما تخاف منه او ترتجف كلما تلاقت عيناهما معا.
اسلام وهو يجلى صوته :سيلا .. انا اسف على اللى حصل مني فى المكتب . فعلا اسف .
سيلا وهى ترفع عيناها له ،لتتلاقى عيناهما معا وكانه كان ينتظر شعاع الشمس ليحوطه، وكأنها كانت تنتظر لتلك النظرة لتشعر بذاك الدفىء الذى يسرى فى جسدها.
يظلا ينظران لبعضهما لفترة حتى ينتفضات على صراخ الاولاد وبكائهم برعب ،تجرى سيلا و اسلام للداخل لغرفة الاطفال ،لتتوقف سيلا متجمدة وهى ترى سيف ملقى على الارض والدماء تغطى وجهه و ينحنى اسلام متفحصا سيف يقطع قطعة قماش ويربط رأس سيف ويحملة وينهض
وهو يصرخ بالجميع :
ورايا على المستشفى.
يجد سيلا تقف ولا تتحرك يمسك يدها ويأخذها معه وتسير سيلا وهى ترتجف معه ..
يضع اسلام سيف على ارجل سيلا وهى جالسة بجواره و باقى الاطفال يبكون فى الخلف ...
اسلام وهو ينظر للاطفال فى الخلف : حصل ايه ؟
عز الدين : ابدا كنا بتلعب وهو نط وقع على سيف السرير واتعور ..
اسلام فى نفسة : يا رب جيب العواقب سليمه، يختلس النظرات الى سيلا التى تحتضن ابنها وتبكى وينظر الى الطريق ويقود بسرعة اكبر حتى يدخلوا المستشفى و يقوم الطبيب بفحص سيف وادخاله للاشعة ثم العمليات .
امام غرفة العمليات تنهار سيلا وتجلس امام الباب على الارض تبكى وترتعش ،يخلع اسلام جاكيت بذلته ويضعه عليها ويمسكها لتقف معه فى انهيار يريت عليها وبدون اراده منه او منها يأخذها بين ذراعة وهى تبكى مستسلمه له ، اخذ اسلام يريت عليها وهى تبكى فى الم .
اسلام هامسا : ان شاء الله هيبقى كويس ،متخافيش .
فى ذلك الوقت كانت سيلا فى اشد الاحتياج لمن يأخذها فى حضنه ،كانت تفتقد لماذن وحضنه الدافىء ،وعندما ضمها اسلام ووجدت الدفىء بين ذراعية شعرت انه ماذن . حتى تحدث اسلام ، فتنتفض سيلا من بين ذراعية وتنظر له وهو لايزال محيطا بها بذراعيه وينظر لها فى دهشة ،تدرك ان من يقف امامها اسلام وليس ماذن ، فتبتعد عنه بسرعة مردده
سيلا بخجل وصدمة :اسفة ...انا اسفة ... بجد اسفة
ينظر لها اسلام بدهشة حقيقية ،ولا يتحدث .
يخرج الطبيب ويهرول اليه الجميع .
الطبيب : الحمد لله عملناله بس خياطه تجميلية بسيطه والحمد لله مفيش اى حاجه فى الجمجمة ؛لا كسر ولا شرخ ... يفوق من البنج ويخلص المحلول وممكن تروحوا ... الف حمد الله على السلامه.
انا هكتب له دوا مسكن الم وخافض للحرارة ،لان احتمال الحرارة يتطلع . فمتلقوش .
اسلام بإمتنان :الف شكر ليك يا دكتور
سيلا بلهفه :طب هو فين دلوقتى ؟ طب هو فاق ؟
الطبيب مطمئنا لها : هو راح غرفته ، وفاق نوعا ما ..
تذهب سيلا ولاطفال ومعهم اسلام لغرفة سيف؛ الذى يفوق من البنج ويبدا الحديث مهم بهمس وضعف شديد ...
بعد مضى فترة من الوقت يرجع الجميع الى المنزل فى منتصف الليل ويدخل الاطفال للنوم بعد ان أعدت لهم سيلا العشاء وشربوا اللبن ،وظل سيف فى غرفتها و اسلام يقف فى الشرفة يدخن سيجارة تلو الأخرى ،فى توتر بالغ ،يحاول ان يهدأ من نفسه ،ان يعرف ما هذا الذى يحدث له ولكنه لا يعرف ...
مش هتأكل حاجه : كان ذلك صوت سيلا وهى تتحدث بحرج ..
يلتفت لها اسلام وهو ينظر لها ويقول : انتى كلتى
سيلا وهى تحرك رأسها رفضا وتهمس : لا
اسلام وهو لا يعلم لماذا يشعر بكل ذلك الشعور الغريب فى وجودها فيقول : مش عايز اكل
سيلا :طب اجيبلك سندوتش حتى
اسلام وهو يعطى لها ظهرة : مليش نفس ،الا لو كنتى هتاكلى معايا ..
سيلا : ماشى .
اسلام بدون النظر لها : طب تمام .. هاتى
اذهب سيلا الى المطبخ وتعد سندوتشات وكوب من الشاى باللبن وتضع الصينيه على المنضده ولا يزال اسلام هائما فى نظراته للخارج . تتنحنح سيلا وتقول:
السندوتشات يا اسلام ...
للمرة الاولى التى يسمع اسمه منها ،منذ ان تزوجها ،لا يعلم لما تخفق دقات قلبة هكذا ،يغمض عينيه ويفتحهما ويلتفت لها ،يجدها تقف امامه وهى تحمل طبقا لها و تقول :
-انا هروح اقعد جنب سيف و...
اسلام مقاطعا لها : ماشى
تبتعد سيلا وتدخل غرفتها وتترك الباب مفتوحا وتجلس بجوار سيف ولا تأكل شيئا. ..
بعد وقت قليل ترتفع درجه حرارةسيف ،فتنادى سيلا على اسلام الذى يدخل سريعا للغرفة ويقف بجوارها وهى تجلس وتنظر الى سيف
سيلا برعب :الحرارة عالية اوى اعمل إيه هو واخد جرعه قبل كدا،؟
اسلام بهدوء: خلاص هاتى نعمله كمادات ميه ساقعة .
تنهض سيلا بسرعة وتخبط به ولا تهتم وتذهب الاحضار طبق مملؤ بماء بارد وبه قطعه قماشى
وظلا يتبادلا وضع الكمادات حتى نزلت الحرارة ،وعندما اطمئنت سيلا لذلك غافلها النوم ونامت وهى تحتضن سيف ،ويظل اسلام ينظر لها وهى نائمة وتحيط بسيف بجوارها. ولم يدرى كيف نام هو الاخر
فى الصباح الباكر تستيقظ سيلاوتجد نفسها تنام وهى ممكسكة بسيف واسلام ينام فى الجهه المقابلة لها من السرير ويداه تحيطان بسيلا وسيف ...
ترتجف سيلا من ذلك الوضع وتحاول ان تزحزج يد اسلام عنها ،فيستيقظ اسلام ولكنة يتظاهر بالنوم. سيلا بهدوء حتى خرجت من بين ذراعة وخرجت بسرعه من الغرفة ...
استيقظ اسلام بعد خروج سيلا،وجلس على السرير يبتسم ثم تفقد سيف واطمأن من ثبوت درجه الحرارة ، ينهض ويذهب للردهه .
فى المطبخ كانت سيلا تعد الفطور وهى منشغله الذهن ،كيف تنام فى وجود اسلام ؟وكيف تستيقظ لجد اسلام يحيطها هى وسيف بذراع والذراع الاخرى موضوعها على يدها . خجل وغضب مع قشغريره تسرى فى جسدها ،مع حنق بالغ وسخط من نفسها. ..
يجلس اسلام فى شرفة الردهه ويشعل سجائره ينفث فيها غضبه وفى الوقت ذاته لا يعلم ماسبب كل تلك المشاعر ؛فيرجأها امتنان فقط لانه وقف معها .يستيقظ الاطفال ويذهبون الى سيف للإطمئنان عليه وتذهب نوران لسيلا غى المطبخ تصبح عليها .
تعد سيلا الفطور ويفطر الجميع ويتهىء اسلام لصلاه الجمعة ولكن سيلا توقفة
سيلا : اسلام ، هتروح تصلى والبدلة كدا ، وتسير الى بقع الدم المطلخه بها قميصة وجاكيت بدلته .
اسلام وهو ينظر لنفسه ويقول : هروح البيت اغير واصلى .
سيلا : وهتمشى كدا فى الشارع ، ميصحش .
تتردد فيما تريد ان تقوله ولكنها تقول بخجل : ممكن اجيب لك قميص وبدلة من بتوع ماذن الله يرحمه .
اسلام مقاطعا لها وبعزم : لاء ... انا هروح اغير واصلى وأجى. ..
يذهب اسلام بسرعة من امامها وهو غاضب بشدة ،لا يعلم لما هذا الغضب ؛حقا مندهش من غضبة فقد كان منذ بحظات هادىء ،سعيدا بالحديث معها .
يصل اسلام لمنزله ،ويدخل غرفة نومه يجد شيماء نائمة، فيغتسل ويبدل ملابسة وينظر لها ساخرا وينشى بسرعة الى الصلاه ...
يعد الصلاه يعود اسلام الى منزل سيلا وهو محملا ببعض الاطعمه والفاكهه والعصائر .فى ذلك الوقت كان وليد يفق بسيارته امام منزل سيلا ويرى اسلام وهو يدلف الى البناية محملا باكياس كثيرة ،يظل منتظرا لخروج اسلام اسلام ولكنه لم يخرج .تمرة ساعة وراؤها ساعات كثيرة ووليد قد مل من الحلوس فى السيارة منتظرا ذهاب اسلام وخروج سيلا والابناء .ولكن ذلك لم يحدث ،ايقن انهم لن يخرجوا اليوم وسوف يقضى اسلام اليوم مع سيلا وابنائها، فتحرك بسيارته مسرعا .
يقضى اسلام اليوم معهم ويبدأ سيف فى الخروج من غرفة سيلا واللعب مع اخواته ولكن بدون حركه كثيرة . ينقضى اليوم بسلام وسيلا تتلاشى النظر والتواجد مع اسلام ،وكذلك هو. كلاهما يشعر بشىء ولا يعلم ما هوا ..او لماذا هو ؟
فى المساء يعود اسلام الى منزله ومعه ابنائه فرحين ،يدخل الطفلان الى غرفتهما ويبقى اسلام فى مكتبة . يفكر اسلام كثيرا فيما حدث سيف واصابته ،سيلا وانهيارها ،وجودها بين ذراعية ،نومها أمامه، خجلها منه ، لمسته ليدها ،حتى تلك الابتسامه التى ارتسمت على وجهه الان من تذكر هذا كله لا يعرف لها سببا ، كل شىء يمر امامه وذلك الاحساس فى داخله الذى لا يعرف له وصف او اسم كل ذلك جعله يشعر بالتوتر . يمسك اسلام هاتفة ويتحدث مع سيلا ،وما ان سمع صوتها حتى لانت ملامحه ..
اسلام بتوتر : كنت ... كنت طالب بس علشان اقولك متجيش بكرة الشركة ؛خليكى جنب سيف لحد لما يبقى كويس .
سيلا بهدوء : حاضر
اسلام بهمس : مش عايزة حاجة .
سيلا : لا شكرا
اسلام بتردد : طب ... طب تصبحى على خير .
سيلا : وانت من اهل الخير.
يغلق اسلام الهاتف ويذهب للنوم ويجد ان شيماء ليست فى غرفة النوم ...
يشعر بالغضب الشديد منها ويتصل عليها
شيماء وهى تجلس وسط صديقاتها :الو ، ايوة يا اسلام
اسلام بغضب :انتى فين يا هانم ؟
شيماء بهدوء وهى تنظر لاصدقائها :فى النادى
عيد ميلاد ...
اسلام بحزم وغضب وبصوت عالى : دقيقة واحدة وتيجى هنا البيت ،سيبى كل اللى عندك وتعالى
شيماء بقلق : فى ايه يا اسلام .
اسلام بسخرية : لما الهانم تيجى هقولك .ويغلق الهاتف .
تكمل شيماء قائلة : حاضر يا حبيبى جيالك حالا ..سلام يا حبيبى
تنظر لها صديقاتها ويضحكن ،ويشرن لها بالذهاب وكل منهمن تلقى لها الطلمات من ان اسلام لا يقوى على بعادها ،وكيف يكون الزوج وسط ضحكه شيماء لهن .وفعلا تذهب شيماء بسرعة للمنزل ،وتجد إسلام منتظرا لها فى الردهه .
تذخل شيماء بسرعة وتقول : ايوة يا اسلام فى ايه للحدة دى فى الكلام .
اسلام والغضب يتطاير منه :فى ايه؟ فى ان الهانم باجى البيت وهى نايمه واخرج وهى نايمه وارجع وهى بره ،انتى تعرفى ايه عن البيت ،تعرفى ايه عن الولاد ،تعرفى
شيماء مقاطعة له بحده : البيت فى الخدامين اللى شغالين فية ،كل شىء ماشى تمام ،والعيال ليهم داداتهم فى ايه بقى ؟
اسلام بغضب وهو يقترب منها ويمسك ذراعها بغضب ويشدها معه لداخل غرفتهما ،وما ان دخلاها حتى القاها بقوة و عنف على الاريكه ،تجلس شيماء وهى تمسك يدها من موضع يد اسلام وتدلكها ،يقترب منها اسلام وتنظر فى عيناها ويقول:
فى ان انا وولادى مبتناش هنا امبارح وانتى متعرفيش ،جيت وخرجت ولبست وانتى محستيش ، حتى سبت لك هدومى هنا وكان عليها دم وانتى مهتمتيش .
يعتدل فى وقفته ويكمل : انتظرت انك تكلمينى تسالى عليا او حتى تطمنى على ولادك اللى النهارده الجمعة ويوم اجازتنا وانتى مخدتيش بالك من دا ... اية هو احنا هوا ولا إيه؟ مش من ضمن اهتماماتك ولا ايه ؟
شيماء وهى تقف امامه ،لا تعرف ماذا تقول فهى حقا لم تهتم لكل ذلك : انا ... انا قلت انك خدت الوااد وروحت للحاج فى البلد .
اسلام وهو يحرك راسه نافيا ،ويكمل بسخرية : لا ... مرحتش البلد . كنت عند سيلا بولادى .
يعلم انه سوف يغضبها ويثير غيرتها ، كان يقول كلماته الاخيرة وهو يتلذذ برؤية حدقاتاها وهما تكادان ان تخرجان من مكانهما من شدة الغضب والدهشة ،ولكنه كان يريد ايلامها مثلما تؤلمه هى بإهمالها ؛يريد ايقاظها من غفل الاهمال الى الاهتمام . لا يعلم لماذا يفعل ذلك او لماذا تمرد على ذلك الوضع المستقر منذ سنوات ولكنه حقا كان يريد ايلامها ويقظتها له ولابنائه .
شيماء بدهشة وغضب وغيرة :انت بتتكلم جد ،انت بت عند سيلا ، ليه ؟
اسلام بلامبالاه متعمدا : مش مراتى ،عادى اروح وابات عندها .
ظلت تنظر له فى عيناه لكى تستكشف صدقة من كذبة ،وعقلها بفكر بسرعة ويحلل كلامه ،حتى تصل لنقطة ،فتلمع عيناها وتضحك ضحكه انتصار، توصلت انه يتعمد مضايقتها ،هو ذهب لسيلا ومعه ابنائه لم يذهب لها كزوج بل ذهب لها لرؤيه ابنائها ... لم يحدث شيء بينهما
يعجب اسلام من ذاك المعان فى عينى شيماء والذى ظهر بعد ان كان الغضب يملكها ؛وتلك الضحكة وتلك الراحة التى ظهرت على وجهها ،وهو لا يعلم سببا لذلك .
جلست شيماء فى هدوء بينما وقف اشلام مندهشا من هدوءها ،ومن تبدل حالها وقالت : كنت هناك بولادى ليه ؟
اسلام مرة ثانية وهو يتعمد اغضابها : قلت لك مراتى وعادى انى ابات عندها ..
سيماء ضاحكة : وخدت الولاد معاك علشان يشوفوا ولاد عمهم صح .
فى المقطع الاخير من كلامها تعمدت الضغط على حروف كلمه عمهم، حتى تبين له انه عما لهم فقط وليس زوج امهم او والدهم وان حيلته قد كشفت .
تنهض شيماء وتتجه للحمام وسط دهشة اسلام منها ومن بردودها فيخرج من الغرفة ويبقى فى غرفة مكتبة حتى الصباح .
فى الصباح ...
يذهب اسلام للشركة ويجد وليد منتظرا له فى مكتبه .
اسلام مندهشا : فى ايه يا وليد ؟ فى حاجه فى الشركه ؟
وليد بقلق واضح : لا مفيش حاجة فى الشركه ،بس سيلا مجتش النهاردة وانا ...
كان يريد القول انه يحاول ان يكلمها ولكنها لا ترد على اتصالاته ،ليقاطعه اسلام .
اسلام مقاطها له : مش هتيجى لمده كام يوم كدا .. واخده اجازة وقالت لى .. فى حاجة تانية ؟
وليد وهو يسأله بإهتمام : انت كنت عندها امبارح ؟
ينظر اسلام له بدهشة ولكنه يظن ان شيماء قد اتصلت به وبلغته بما حدث من مشاجرة البارحة معه .
اسلام بهدوء : ايوة كنت عندها وبايت كمان ،فى مشكلة
وليد وقد ظن ان اسلام تضايق من سؤاله فرد بتوتر : لا ابدا .. انا ... انا اسف .. طب هى هتيجى امتى ؟
اسلام وهو ينظر الى الاوراق الملقاه على مكتبه : احتمال بعد يومين ثلاته كدا او الاسبوع اللى جاى. .براحتها .فى حاجة تانية .
وليد وهو يقف ويهم بالخروج : لا مفيش حاجه . عن اذنك .
لا يعلم اسلام ما سبب تصرفاته ولا لماذا تشاجر مع شيماء ... ولكن كلمه شيماء من انهم ابناء اخيه وهى زوجه اخيه جعلت ضميره يؤنبه و قرر ان يكتفى بالاتصال على سيلا ولن يذهب لها المنزل ثانية ؛سيكتفى بالحديث والسؤال على سيف حتى يطمئن علية .ولن يذهب لها او حتى يحدثها فى الهاتف ....
رواية مات زوجها وتزوجت أخيه الفصل العاشر 10 - بقلم نجلاء ناجي ورشا مجدي
يخرج وليد من مكتب اسلام وما وصل مكتبة حتى اغلق الباب واتصل بسيلا للإطمئنان عليها،اتصل بها مرارا وتكرارا،ولكن سيلا لم تكن ترد عليه لانها لم ترى الهاتف ؛كانت تعد الطعام لسيف.
ينتظر وليد قليلا ثم يعاود الاتصال حتى ترد عليه سيلا وهى تظن ان هناك امرا جلا لكل هذا الكم من الاتصالات
سيلا بخضة :ايوة يا استاذ وليد ..فى حاجة ؟
وليد وهو متوتر من نبرة صوتها يريد ان يعرف سبب عدم حضورها : لا ابدا بس انتي مجتيش النهاردة واسلام قال إن إحتمال الاسبوع دا متجيش . خير فى إيه؟
سيلا وهى تزفر فى هدوء وقد اطمئنت انه لا يوجد شيئا فى العمل : لا ابدا اصل سيف تعبان شوية وانا قاعدة معاه
وليد بلهفة : الف الف سلامة علية. .. من اية بس ؟
سيلا وهى تتنهد وتقول : الحمد لله على كل شىء .
لم تكن تريد ان تخبره بشىء ،فهى لاتريد ان يتقرب منهم .
وليد : طب ممكن اجى اشوفه؟
سيلا بحده : لا ..مينفعش
وليد محرجا :الف سلامة علية
سيلا وهى تحاول ان تنهى الحديث :الله يسلمك .. مع السلامه.
وليد بخيبة امل : الله يسلمك.
تغلق سيلا الهاتف لتجد اتصالا من اسلام .
اسلام بصوت رخيم : السلام عليكم
سيلا بهدوء : وعليكم السلام
اسلام :اخبار سيف ايه النهارده؟
سيلا وهى تتنهد ؛لا تعلم ان صوتها وتنهيدتها لهما تأثيرا كبيرا على اسلام : الحرارة ارتفعت تانى وقعدت طول الليل اعمله كمادات ..بس الحمد لله مطلعتش تانى وربنا يسهل النهارده لو مطلعتش يبقى خلاص استقرت .
اسلام بسرعة ولهفة :طب لما طلعت مكلمتنيش ليه ؟
سيلا بتوتر : ما ... مردش اقلقك ،والوقت كان متأخر
اسلام بحده : تانى مرة اى حاجة تحصل تتصلى بيا على طول. بلا وقت متأخر بلا قلق. .فاهمه.
سيلا وهى تشعر بالحزن من لهجته هذه فترد بصوت وضح به حزنها منه : فاهمه .
اسلام وقد شعر بحزنها من اسلوبه فلان صوته وحاول ان يفهمها ويراضيها : مهو مش معقول يبقى تعبان وتسهرى معاه لوحدك على الاقل اساعدك ،سيف زى عز الدين عندى يا سيلا .
سيلا بهمس وبصوت مختنق :عارفه
يقع صوتها ليس على اذنه فقط بل على قلبة اولا ،فيغمض عينيه فى محاوله منه لتمالك نفسه ،والاستمرار فيما يفعله : طب تمام ،هو صاحى دلوقتى ؟
سيلا :ايوة تحب تكلمه ؟
اسلام :ايوة هاتيه
يتحدث اسلام مع سيف قليلا ويطمئن عليه ثم ينهى المحادثة دون التحدث مع سيلا ثانيا .
يشعر اسلام بانه هناك شيئا يحمله قلبه تجاه سيلا ،تلك الضربات التى يشعر بها عند سماع صوتها ،او رويتها تدل على تأثره بها ،يوخذه ضميره بشده، وتحدثه نفسه بوضع حدودا بينهما ،ولكن قلبه يحدثة بانها زوجته وهذا شىء طبيعى . لكن اسلام يرفض ذلك ؛يرفض ان يستسلم لها ويصبح مثل ماذن اخية متيما بها .
اما عند سيلا فكانت غاضبة بشدة من اسلوب اسلام الجاف معها؛ لهجته الامره تلك وقسوته تخيفها منه ،تتذكر احتوائه لها فى المستشفى ، وكذلك عندما ارتفعت حراره سيف ،تشعر انه يشفق عليهم ،تتخبط فى تفسير تصرفه فى المشفى وكذلك لهجته فى الهاتف . تتنهد بضيق وهى لا تعرف لماذا يتصرف معها بهذا التذبذب بين الشدة واللين ،الحده والحنان . ثم تنهض لتنضم الى ابنائها .
فى المساء ...
تجد سيلا باب المنزل يطرق فتظن انه إسلام قد جاء لرؤية سيف ،تذهب لفتح الباب فتفاجئ بوليد .
سيلا بدهشة : استاذ وليد!
دليد وهو يقف امام الباب ويحمل باقة ورد جميلة وعلبة هدايا : اسف لو جيت من غير معاد بس مقدرتش اعرف ان سيف تعبان ومجيش اشوفه .
سيلا وهى لاتزال واقفه امام الباب :انا اسفة مش هقدر اقولك اتفضل ،احنا لوحدنا ومينفعش ...
ووليد مقاطعا لها باحراج : عارف يا سيلا ،طب ممكن تاخدى دا و... ..
يعطى لها صندوق الهدايا والورد ،فتفاجئ سيلا بسيف ونوران وهما يصيحان باسمه ،ويقبلان عليه فيصافحهما ويقبلهما بإشتياق، ويقدم لهما الصندوق ويسلم عليهما ثانيا وعلى سيلا ويمشى .
يمر الاسبوع واسلام يكلم سيلا كل يوم مرتين يسأل على سيف ويكلمه . كان يأخذ السؤال على سيف كحجة له ليسمع صوت سيلا ويتحدث معها ، وبعد انتهاء الاتصال يؤنبه ضميره لما يفعله .
كذلك سيلا اعتادت على حديثه معها كل يوم ،ومعرفته لتفاصيل يومها مع الابناء ،اهتمامه بهم جعلها تشعر انه سندا لها ؛يمكنها الاعتماد عليه . كان يرسل لها كل شىء تحتاجه او حتى لا تحتاج له. شعور جميل رؤيه ان هناك من يهتم بك ويشعر بك ،ولكن في نفس الوقت يؤنبها ضميرها من حديثها مع اسلام ،وبعد كل محادثة تظل سيلا تؤكد لنفسها انه عم الاولاد ويطمئن عليهم من باب الشفقة وصلة الرحم . لم يكن يأتى فى بالها ان يكون اسلام قد تعلق بها وأحبها؛ بل لم يأتى فى مخيلتها ان تتعلق هى به وتبدأ فى الاهتمام به ،تعطى لنفسها الحجة بانه يشفق عليهم ،ولكن لم تشعر بأنه حقا قد أحبها .
يظل كلا منهما يعطى مسمى اخر لاهتمامه بالآخر غير المسمى الطبيعى بينهما وهو بدايه شرارة الحب بينهما، ولا يزال الطريق بينهما طويل .
يمر الاسبوع وتعود سيلا الى الشركة ،وتجد اسلام مسافرا الى الغردقة ،تعجب من ذلك بشدة فهو يحادثها كل يوم لما لم يخبرها ،لا تعلم لماذا شعرت بالغضب كانت تريد رؤيته وشكره على اهتمامه ولكن سفره المفاجىء هذا اغضبها كثيرا . اقترب منها وليد وحاول ان يوضح لها انه كان قلقا عليها، ولكن سيلا لم تعره انتباها فقد كان عقلها غاضبا من تصرف اسلام .
يمر شهر دون ان يتصل اسلام بسيلا، يحاول ان يحدثها ويمسك هاتفه الاف المرات ولكنه يتردد ويبعده عنه ثانية ،يحاول ان يمر الى طريق مكتبها ليراها من وراء الزجاج ولكنه يعدل عن ذلك ويبتعد .
اغرق اسلام نفسه فى العمل عن عمد حتى لايفكر فى سيلا ؛كان يذهب الى المواقع بنفسه بحجه انه يتابع عن كثب ولكن قلبة ابي ان يتوقف عن ذكرها له .
فى نفس الوقت كانت سيلا قد اقنعت نفسها انه كان يقوم بواجبه تجاه ابناء اخيه فقط ،والان لم يعودا بحاجة له فلم يسأل عنهم ؟ اهتمت سيلا بالعمل اكثر واكثر ، فى محاوله منها ان لا تفكر فى سبب يجعل اسلام يبتعد هكذا ،لا اتصال ولاحتى رؤيه له ولا وجود له بالشركة الا لسويعات قليلة . ظل هذا الحال لمده شهر اخر وكلا منهما يغرق نفسه فى العمل وكأن العمل اصبح الملجأ لهما للهروب من بعضهما .
فى يوم من الايام يتصل الحاج رشدى ويخبر اسلام بفرح ابن عمه فى الاسكندرية، وضرورة حضورة مع زوجته وابنائه ،ويؤكد عليه ذلك حتى يراهم فى الفرح. يخبر اسلام شيماء ويتحضرا مع ابنائهم للذهاب الى الفرح .
فى الفرح ...
يجد اسلام الحاج رشدى والحاجة صفية فى انتظارهم على شوق كبير ومعهم رمزى ونشوى وابنه. يجلس الكبار معا ويجلس الاطفال سويا . يسأل الحاج رشدى عن سيلا
الحاج رشدى : اسلام .. امال مراتك فين ؟
اسلام بدون انتباه : ماهى قاعدة جنب الحاجة اهه يا بابا مش سلمت عليك ؟
الحاج رشدى غاضبا : انا بتكلم على مراتك سيلا واولاد اخوك ماذن ؟ هما مش تبعك برده ولا تبع حد تانى ؟
ينظر له إسلام وقد شعر بغضب والده ولا يرد.
تنتبة شيماء ونشوى للحديث ،وتنتظر شيماءلرد اسلام ،ولكنه يتظر لوالده ولا يرد؛ يشعر بالاخراج لنسيانه سيلا .
الحاج رشدى امرا بغضب : قوم هات مراتك والولاد .
ينهض اسلام سريعا ويذهب بدون كلام ،بينما يذداد غيظ شيماء وكرها لهم جميعا .
فى الطريق يكلم اسلام سيلا ،التى تعجبت من اتصاله بها، فقد طلب منها ان تلبس هى والاولاد لحضور الفرح .
ترفض سيلا فى البداية ولكن عندما تعلم بان الحاج رشدى هو من امر بذلك توافق وتذهب لتستعد .
اثناء الطريق الى منزل سيلا واسلام غاضبا من نفسه لنسيانه سيلا وابنائها ، ولكن عقله فسر له لذلك بانه لم يخطىء ؛اراد الابتعاد فابتعد ،هى زوجته من أجل الشركة والابناء فقط، ولكن قلبه كان حقا فى شدة الشوق لرؤيتها والتمعن فى ملامحها . ولكنه نهر نفسه ثانية ،واخذ يردد لنفسه وكأنه يحفظها انها زوجتة على الورق فقط .
يصل اسلام الى منزل سيلاويطرق الباب فيفتح له سيف وهو يرتدى بدله سمراء اللون جميلة ،وتهرول عليه نوران فيتلقاها اسلام بين ذراعية ويحملها ويقلبهما ،ويسألهما عن سيلا ...
فيشرا للداخل ،ينظر اسلام الى اتجاه الاشارة فيجد سيلا تهل عليه وهى ترتدى فستانا من اللون الطوبى تتلألأ فيه كأنثى جميلة وقد رفعت شعرها لاعلى وتركت بعض الخصلات التى تناثرت على جيدها ،سبقها عطرها إليه، كانت فى كل خطوة تخطوها نحوه لا يعلم لماذا كأنها تخطوها على اوتار قلبه ؛ دقات قلبة اذدادت ضرباتها .عيناه تعلقتا بعيناها ،تلك النظره التى بعيناها ؛ والتى تجمع بين العتاب والخجل وهى ترفع عيناها له تارة و تخفضها عنه تاره اخرى فى خجل وتوتر حتى وصلت له ووقفت امامه .
ظل اسلام ينظر لها بإنبهار ،لا يعلم مالذى حدث له لايستطيع ان يحيد عينيه عنها ،يشعر ان عطرها قد وقع على قلبة ما ان تنفسه ،ظل ينظر لها ويبتلع ريقه ولا يتحدث ؛وقد اعلن بينه وبين نفسه انه حقا يحبها ،أعلن هذيمته امامها. الان وقد ايقن ان الذى يشعربه تجاهها ليس الا حبا لها .
مش يلا بقى يا عموا اسلام، مش هنروح الفرح ؟ :كانت تلك كلمات سيف له وهو يحرك يده ويوقظ اسلام من دهشته تلك .فيقول بصوت مبحوح : يلا
يفسح الطريق الى سيلا التى تعبر فى هدوء وخجل و يتجهوا للسيارة .
اثناء الطريق يركز اسلام على الطريق تارة وعلى سيلا تارة اخرى ، بينما يجلس سيف ونوران وهما يلعبان بلعبة فيديوا صغيرة الحجم ،حديثة الصنع ،يتناولان اللعب عليها .
حتى وصلوا الى الفندق ،يصطف اسلام السيارة وينزل منها ويفتح الباب لسيلا ،ويمد يده لها ، تتسارع انفاس سيلا وهى ترى يد اسلام ممدودة لها تنظر ليده ،ثم له ،فتجد نظراته تشجعها ان تمد يدها له ،تبتلع سيلا ريقها فى صعوبة وتخفض بصرها فى خجل وتمد يدها له وما ان تنزل وتقف امامه يرفع اسلام يدها لفمه ويقبلها قبلة رقيقة .
ترتجف سيلا من تصرف اسلام ويشعر اسلام بها وهى تحاول ان تسحب يدها ولكنه ابى ان يتركها واصر ان تبقى فى يده .
يحمر وجه سيلا كثيرا من الخجل وتمسك روان فى يدها ويمسك اسلام بسيف فى يده الاخرى وتظل يده قابضه على يد سيلا وكانها تأبى الافتراق بل وكأنه يعلن انها زوجتة .
على باب القاعة يقف اسلام ومعه سيلا قليلا وهو يلاحظ انها متوترة فيهمس لها اخيرا
اسلام بهمس لها بجانب اذنها : متخافيش يا سيلا ، انا معاكى ، يلا بينا .
تنظر له سيلا ولا تفهم شيئا ،ولكنها تمضى معه ..
تتجه انظار من يعرفوا اسلام له وهو يدخل ومعه سيلا، يينما هناك عيون تنظر لهما بكره وحقد بالغ عجزت ان تخفيهما ؛كانت تلك عيون شيماء ونشوى . وعيون اخرى تنظر لهما فى حب بالغ ؛كانت تلك للحاج رشدى وصفية .
يصل اسلام للمائدة المخصصة للحاج رشدى ،وتسلم سيلا عليهم جميعا وتجلس بجوار الحاجة صفية ويجلس اسلام بجوار شيماء ولكن عيناه مركزتان على سيلا ،التى كانت تجلس فى خجل وهى تشعر بعينان اسلام تخترقها وتذيدها حرجا وتوترا .
تميل نشوى على شيماء هامستا : انتى متأكدة ان جوازهم على الورق بس؟
تنظر لها شيماء و نار الغيرة تكاد تحرقها ،وتقول بصوت كفحيح الافعى :قصدك ايه ؟
نشوى بقلق واضح وهوف من نظرات شيماء : لا ابدا ... بس باين ان جوازهم بقى حقيقى يا شيماء .. شوفى إسلام ونظرته ليها وانتى تعرفى .
تنظر شيماء الى اسلام والى سيلا ،وانفاسها مضطربة ،سريعة ،وتقف وتقول : اسلام ممكن كلمه
اسلام وهو يفاجئ بصوت شيماء ونبرته : تعالى بره القاعة
يتابعهم الحاج رشدى بنظره حتى يخرجان ويلتفت يسأل سيلا ...
الحاج رشدى : اخبارك ايه يا سيلا ؟ واخبار الشغل ايه ؟
سيلا بإبتسامه هادئه :الحمد لله يا بابا الحاج ،انا مويسة والشغل كويس .
الحاج رشدى : البيت قريب من الشركة ولا السواق بيوصلك ؟
سيلا :لا انا بروح مواصلات يا بابا .
الحاج رشدى متفرسا ملامحها وقد اعتلي وجهه الدهشة : وفين العربية ؟
سيلا بحزن : هو حضرتك نسيت انها راحت فى الحادثة . وتفرق عيناها بالدموع عند تذكرها لماذن .
يغضب الحاج رشدى من اسلام ومن اهماله لها وعدم تخصيص عربة لها او حتى شراء عربة لها . هذا بحانب نسيانه لها ايضا فى احضارها للفرح ،وقرر ان يتحدث معه فى وقت لاحق . ولكنه اكتفى بالنظر الى سيلا والصمت.
عند اسلام وشيماء ....
شيماء و الغيرة تأكل قلبها : كان لازم يعنى تروح تجيبها ؟ مبعتش السواق ليه ؟
اسلام وهو ينظر لها غاضبا : لاحظى انها مراتى ذيك بالظبط ، وكان المفروض ندخل سوا كلنا ،بس انا نسيتها . فاهمه دا معناه ايه ؟ نسيت اجيب مراتى يا مدام . قفلى على السيره دى ويلا ..
ويذهبان للعودة الى قاعة الفرح .
تجد الحاجة صفية سيف والاطفال يلعبون بسىء صغير ،وتشد كل اهتمامهم وتسألهم .
الحاجة صفية : حلوه اللعبة دى يا سيف ،مين اللى جبهالك ؟
سيف ببراءه : اونكل وليد يا تيته
الحاجة صفية بإندهاش : اونكل وليد مين يا حبيبى !؟
سيف وهو منشغل باللعب : زميل ماما فى الشغل ،واخو طنط شيماء.
الحاجة صفية وهى تنظر لسيلا،التى كانت تنظر للعروسين : وهو شافك فين يا سيف ؟
سيف: فى المول وفى النادى وفى الملاهى، دا حتى جالنا البيت وجابلى اللعبة دى .
الحاجة صفية وقد انقبض قلبها بشدة : وعموا اسلام بيبقى معاكم يا حبيبى ؟
سيف : لاء
الحاجة صفية وهى ترى اسلام وشيماء على مدخل القاعة : هو عمو اسلام بيجى يبات عندكم يا سيف ؟
سيف ببراءه وهو ينظر لها بدهشة من سؤالها :
-لاء يا تيته ، هيجى ليه ؟ هو بيجيب عز الدين ورنا نلعب سوا ويمشى.
ثم يقول غاضبا لها : عاجبك كدا يا تيته لخبطينى وادينى وقعت اهه . خد يا عز دورك ..
ياتى اسلام وشيماء وينضمون لهم ،وتنظر الحاجة صفية لاسلام بلوم شديد ،فى حين يتظر لهم شيماء يغضب وكرهه اشد . بينما اسلام تتعلق عيناه بسيلا التى تحرج منه وتخاول ان تنزر الى العروسين وان تبدى عدم رؤيتها له ،فى حين تتابعهما شيماء ونشوى وكأنهما تحت المراقبة .
تجلس الحاجة صفية بعد حديثها مع سيف وهى مصدومه وحزينه . والف سؤال وسؤال يجول بخاطرها ولا تجد له من جواب ، تنظر الى سيلا بشفقة وحزن ،وتنظر الى اسلام بغضب ولوم .
يلاحظ اسلام نظرات والدته ولا يجد لها تفسيرا غير انها غاضبة لعدم احضار سيلا من البداية . وكذلك يجد الحاج رشدى يتحاشى الكلام والنظر له .
يأتى اتصالا لاسلام فيضطر ان يخرج من القاعة للحديث فى الهاتف بهدوء بعيدا عن ضوضاء القاعة ،وبعدها بفترة قليلة يقف سيف ويذهب الى سيلا ويطلب منها الذهاب للحمام .،تنهض سيلا وتخبر الحاجة صفية بذهابها للحمام مع وسيف .
تخرج سيلا من القاعة وتتجه الى الحمام مع سيف وتجد اسلام صدفة وهو ينهى حديثة .
اسلام وهو ينظر لهما : كنتم فين ؟
سيف :رايحين الحمام
اسلام : طب تعال معايا اوديك، ويلتفت الى سيلا ،استنينا هنا .
سيلا : حاضر
يذهبان معا ويحضران بعد وقت قصير ..
اسلام وهو يرى سيلا تقف فى شرفة الردهه بالفندق تنظر للبحر ،يقف خلفها ويميل على اذنها هامسا وهو يستنشق عطرها : حلو المنظر .
تلتفت له سيلا بسرعة وقد رجفت من صوته لتجده قريبا منها تتعلق عيناهما معا ويتأمل اسلام ملامحها عن قرب ويجد بعض من خصلات شعرها وقد علقت بجانب وجهها ،يمد يده ويطلق تلك الخلصلات ويلمس و خدها .ترتجف سيلا من لمسته ،ولا يزال اسلام مشدوها بها ،اصبح الان وهو امامها وبالقرب الشديد هذا يعترف بينه وبين نفسه ان ما يشعر به الان هو ثورة فى مشاعره موجهه لها .. ولها هى فقط ؛لم يشعر مع شيماء بذلك الاحساس ،لم يدق قلبة هكذا من مجرد نظرات ، لم يشعر بذلك الارتعاشة التى سرت فى اوصاله من مجرد لمسته لها .
وسيلا كانت ترتجف بين يديه ؛تشعر بالاحراج والخجل من قربة الشديد منها ،لمسته تلك لا تعرف بماذا تصفها او ما شعرت به .سمعت صوته يقول :
- انا قلت لك انك زى القمر النهاردة
سيلا بهمس وخجل :ميرسى
يفيقا على صوت سيف : يلا بقى عايز اروح العب ..
يلتفتان له وقد نسى اسلام وجوده ،ليقول ضاحكا له :تمام يلا بينا ..ويذهبان معا ويدخلوا القاعة سويا، وما ان رأتهم شيماء ونشوى. حتى اصبحت شيماء كالقطة على صفيح ساخن ،اصبحت لا تدارى نظراتها الغاضبة منهم ، وكانها توزع لعناتها وسخطها على الجميع .
تاتى اغينة لعمرو دياب وهو يقول
(ايوا انا حبيت ...)
واثناء تلك الاغنية تتعلق عيناى اسلام بعيناى سيلا و كأنه يعترف لها بحبه لها ،وتنظر له سيلا وتبتسم له فى خجل ،فى حين كانت مشاعر اسلام فى أوجها حتى انه كان يتمنى ان تجلس بجواره ويهمس بكلمات الاغنية فى اذنها ...
ينتهى الفرح ،ويطلب اسلام من الحاج رشدى ووالدته ان يذهبوا معه للمبيت فى شقته .
الحاج رشدى : اى شقة فيهم ؟
هنا يقصد الحاج رشدى ان يذكره بسيلا وايضا يتهكم عليه من نسيانه لها .
اسلام ضاحكا : مع شيماء والعيال يا حاج
الحاج رشدى بحزم : احنا هنبات عند سيلا واولادها ، مهو برده بينك يا اسلام .ولا ايه ؟
اسلام بإقتضاب : طبعا كل بيوتنا بيتك يا حاج.
تركب سيلا مع الحاج رشدى وصفية ورمزى ونشوى ،ويتجهون الى شقة سيلا .
يتجه اسلام الى شقته مع شيماء والاولاد، واثناء الطريق لم تتمالك شيماء نفسها وصرخت بصوت عالى
شيماء غاضبة : ممكن اعرف يقى فى ايه ؟ كنت معاها فين ؟ وايه النظرات والابتسامات دى ..؟
ايه اللى بيحصل بينك وبين مرات اخوك؟
لوقع الكلمه على مسامعه بانها زوجه اخية ،جعلت اسلام يجفل منها للحظات ،وهو ينظر لها ولا ينظر للطريق فتصرخ قائلة : الطريق يا اسلام !!
ينظر اسلام الى الطريق ويركن جانبا بعد ان كاد ان يصطدم بشاحنه ،يفيق وهو شارد الذهن ينظر الى الطريق وانفاسة تتسارع ؛غضبا ،حزنا ، جزعا . لا يعلم لماذا جفل من ذكر انها زوجة اخيه ...ماذن يأتى فى مخيلته سيلا وقربها منه ،وشيماء تصرخ به لتنشله من افكاره
شيماء بجزع :اية اللى حصل لكل، كنت هتموتنا .
كل دا علشان جبت سيرت مرات ماذن .
اسلام صارخا لها بغضب شديد : باااس ،كفاااية ، يقترب منها فى جلستها ويقول فى غضب وشراسة ،اسمها مراتك ..مراتك مش مرات ماذن ،متنسيش انها مراتى ذيك ،ومش عايز اسمع صوت لحد لما نوصل ،ولا حتى كلام فى الموضوع دا ..مفهوووم .
شيماء وقد وجدت شياطين العالم تتراقص فى عيناى اسلام وتنبأها بشر لا نهاية لها ،فجفلت وهزت رأسها موافقة ولم تتحدث.
يعتدل اسلام فى جلسته ،ويستأنف قيادة السيارة .حتى يصل الى المنزل .
يصل اسلام لمنزله ويدخل ابنائه للنوم وتبقى شيماء واقفة معه فى الردهه وهى لا تريد ان تستلم ،تريد ان تظل تذكره ان سيلا زوجه اخيه؛ تتعمد ذلك لتبى بينهم اسوار لايستطيع اسلام ان يتعداها ،كلما رأت بداية قربا منه تجاه سيلا تذكره بذلك ..
شيماء بهدوء يخفى عاصفة : كل اللى حصل دا علشان جبت سيره مرات اخوك ،كنت هتموتنا بسببها ؛علشان تبقى السبب فى موت ماذن وموتنا كمان .
اسلام وهو يحاول ان يتمالك اعصابه : عايزة إيه يا شيماء ، ليه الكلام دا ؟
شيماء يغضب وغيرة عجزت ان تخفية عنه : ابعد بعيد عن مرات اخوك ؛انت اتجوزتها علشان مصلحة وبس، خدتها علشان الشركة ،لكن انها تبقى ضرتى انا مش هسمح بدا ابدا.
اسلام وهو يجلس على مقعدا ويضح رجلا فوق الاخرى ويقول لها : وإيه كمان .
شيماءبغل : يعنى اللى حصل النهارده فى الفرح وانك تروح تجيبها دى، ونظراتك ليها دا مش هسمح بيه .
اسلام بهدوء قاتل : وايه كمان
شيماء وكانها وصلت لما ترديه : خليها بعيد عنك ، يا اسلام ،مش عايزين نهد اللى عملناه سوا .
فى ذلك الوقت ترددت اغنية عمر دياب فى اذنه مره اخرى وهو يغنى ويقول باااين حبيت ،ايوة انا حبييت ،حبيت الدنيا اللى بتضحك معاك على طول ...
اسلام يهب واقفا : انا اللى بنيت يا هانم ؛انا اللى بشتغل وبانى الشركة دى ،والهانم يا نايمه يا مع اصحابها ... انا اللى عملت كل حاجه، وانا ... اللى اقول اعمل ايه وما عملش ايه ؟ أنا مش بشتغل عندك ،اعرفى حدودك معايا ،واعرفى انها مراتى ذيك بالظبط، كااااانت مرات اخويا ،فاهمه كااااانت، بس دلوقتى هى مراتى فاهمه .
يتركها ويذهب الى مكتبة ويغلق الباب خلفه ،وتذهب شيماء الى غرفتها وهى تغلى منه ومن سيلا وتتمنى ان تتخلص منها باى طريقة.
فى غرفة المكتب ....
يجلس اسلام غاضبا من حديث شيماء ، وتذكيرها له بان سيلا زوحة اخيه ،بفتح رباطه عنقه ويلقى بها بعيدا ويفتح ازرار قميصه طلبها فى بعض الهواء الذى يثلج صدره من هذه النار المشتعله به، يفتح الشرفة ويقف بها وينظر الى البحر امامه والهواء البارد الذى يلفح وجهه .
يفكر فى والديه ؛لا يدرى ماذا يفعلان الان عند سيلا ،يفكر هل يذهب لهم الان ؟ام صباحا ؟ وإذا ذهب هل سيبيت هناك ؟ام يعود ثانية للمبيت عند شيماء ؟ واذا بات لدى سيلا ستعتقد انه يجبرها على ذلك او يستغل وجود والديه ليضغط عليها .
ثم ما سر غضب الحاج رشدى منه ؟ وما الموضوع الهام الذى يريد والده الحديث معه وعلى انفراد ؟
تهب نسمة هواء باردة جميلة يشعر انها انعشته وانتشلته من ظلال افكاره المتبعثرة ،ووضعت امامه صورة سيلا ...
ذكرته هذه النسمة بوقفته مع سيلا قى شرفة الفندق فما كان منا ان لاحت ابتسامة مشرقة على وجهه وزفر بقوة وسعادة، جلس على مقعدة أمام مكتبة، أشعل سيجارة وبحث فى هاتفة على أغنية عمرو دياب (باين حبيت) وأخذ يستمع لها فى تلذذ واضح وهو يشرب سيجارته ويرجع رأسه للخلف وينفث دخانها لأعلى فى تمتع مثير وهو يستمع لكلمات الأغنية ،وكلما تنتهى يعيد تشغيلها ثانيا ،وهو يتذكر سيلا ؛قربها ،خجلها، عطرها ، ضحكتها ، كل شىء بها ،رجفتها عندما لمس خدها . ابتسم إسلام وانهى سيجارته وظل يستمع للاغنية حتى نام على مقعده ،وعلى وجهه ابتسامة مشرقة ...
عند سيلا ....
اخذ الصغار يلعبون كثيرا واطعمتهم سيلا ،ثم ذهبوا فى ثبات عميق ،وكذلك اخلد للنوم كل من فى المنزل.
فى الصباح....
تستيقظ سيلا مبكرا ،وتحضر الفطور للجميع وتنشغل بالحديث مع الحاجة صفية ونشوى والاطفال ويحضر اسلام يعد مهاتفه الحاج رشدى له ،ويفطر معهم .
اثناء الفطار ظل اسلام يختلس .النظرات الى سيلا ،وهى تشعر به وتشعر بنظراته وتدعى عدم رؤيتها له ،وتتعامل بطبيعتها . كان إسلام يريد أن يتحين الفرصة للحديث مع سيلا ولكن الحاج رشدى أخذ إسلام وخرجا بمفردهما ، وكذلك أخذ رمزى نشوى لشراء بعض الاشياء الخاصة لهم .
يأتى اتصالا هاتفيا لسيلا وترد عليه وتستمع الحاجة صفية للحديث وتسأل
الحاجة صفية : مين يا سيلا اللى بيتكلم ، اسلام ؟
سيلا بهدوء وهى تنظر لها وتبتسم فى وجهها :
-لا يا ماما الحاجة ،د ا وليد اخو شيماء .
الحاجة صفية بدهشة : وعايز ايه وليد !!
سيلا بهدوء : بيسأل مجتش الشركة ليه النهاردة ، فقلت له انكم عندى ،وانى مش هاجى النهاردة وبكره .
الحاجة صفية وهى تحاول ان تدارى خوفها وغضبها : هو يعنى بعاده يتصل بيكى لما متروحيش الشركة
سيف متدخلا فى ااحديث : اه بيكلمنا على كول يا تيته ، وبنتفسح سوا ، شوفى جابلى ايه وجاب لنوران ايه كمان .
تنظر لصفية للاشياء التى بيد سيف ونوران ،وترسم ابتسامة باهته وتقول : الله ..حاجات جميلة اوى يا حبيبى ..
ثم تنظر الى سيلا نظرة غضب لتوضح لها انها غير راضية عن ذلك ..
تذهب سيلا للمطبخ وتقوم بإعداد الغذاء وهى لل تعلم سببا لنظرات الحاجة صفية لها ؛وقد ارجعت السبب لاتصال وليد بها . ولا تدرى بالمراجل من نار التى تنهش فى فكر وقلب الحاجة صفية، ولا تدرى ايضا بالصراع القائم بين الحاج رشدى واسلام ....