تحميل رواية «مات زوجها وتزوجت أخيه» PDF
بقلم نجلاء ناجي ورشا مجدي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
فى منزل الحاج رشدى؛ كبير عائله رشدى ،رجل فى العقد السادس من العمر يتميز بالحكمة والهدوء وبعد النظر،و كذلك بعض من الوسامة التى ورثها منه ابنائه والتى لا يزال محتفظا بها رغم كبر سنه . العمل يجرى على قدم وساق ؛الكل يسير ويهول هنا وهناك فى همة ونشاط . فنجد من تقوم بتنظيف الفيلا والحجرات، وهناك من ينثر البخور في الحجرات ،وهناك من يقوم باعداد الطعام .. فى المطبخ حيث تقف الحاجة صفية؛ زوجة الحاج رشدى وهى تتمم على الفتيات الخادماتان أجل إنهاء وليمة الغذاء المعدة لأبنائها بمناسبة عودة ابنها الاكبر مازن من...
رواية مات زوجها وتزوجت أخيه الفصل الحادي عشر 11 - بقلم نجلاء ناجي ورشا مجدي
فى سيارة اسلام ...
الحاج رشدى بجمود : عايز اقعد معاك فى حته اعرف اتكلم فيها معاك براحتى .
اسلام بهدوء : تحب نروح البيت عندى ولا الشركة ولا النادى .
الحاج رشدى ينظر له بغضب مكبوت : بقولك عايز اتكلم براحتى يا اسلام .
اسلام متفهما : خلاص يا حاج ..
يتجه اسلام الى الشركة ويدخلوا الى غرفة الاجتماعات ذات الجدران العازلة للصوت ،ويطلب اسلام من السيكرتيرة عدم مقاطعته لاى سبب مهما كان .
اسلام : الحدران هنا عازله للصوت يا حاج ؛يعنى تقدر تتكلم براحتك يا حاج فى إيه بقى؟
الحاج رشدى وقد اطلق غضبه من مكبته :
-فى إنى أمنتك على أمانة ،وانت مش قدها .
يرفع اسلام حاجباه دهشة ولا يتحدث ،يكمل الحاج
رشدى فى غضب : فى إن الاستاذ نسي مراته ،نسي إنه متجوز ، وده ...
اسلام مقاطعا : والله يا حاج مخدتش بالى و...
قاطعه الحاج رشدى بصوت حاد واستنكار :مخدتش بالك انك متجوز سيلا!...عذر اقبح من ذنب يا اسلام ..
يهدر بصوته ويسأله : إيه طبيعة العلاقة بينكم؟
يصدم اسلام من السؤال ويبلع ريقة فى محاوله منه لايجاد اجابه عن سؤاله لا تزيد من غضبه : مراتى يا حاج .
قال تلك الكلمات فى محاوله منه ان تكون الاجابة سطحية قدر الامكان وفى ذات الوقت يرضى والده
الحاج رشدى : ولما هى مراتك ازاى تنساها ... ازاى متخصصش عربية بسواق ليها ؟ليه تسيبها تروح وتيجى الشركه فى مواصلات؟ هى مش مراتك برده
قال المقطع الاخير بصوت يدل على تهكمه وسخريته منه .
اسلام مندهشا : هى بتيجى مواصلات!
الحاج رشدى بسخريه اكثر وهو يشير له بيديه :
-شفت ازاى انت متعرفش حاجة عن مراتك . دا يدل انك مفيش يوم روحت الشركة معاها من بيتها . يعنى مفيش كلام بينكم.
اسلام غاضبا وقد ظن ان سيلا اشتكت للحاج رشدى : طب هى مقلتش ليه ؟ جت واشتكت لك ليه ؟
الحاج رشدى وهو لا يصدق ما يقوله اسلام الهذه الدرجه هناك فجوه بينهما ،يحاول تمالك اعصابه :
هى لا اشتكت ،ولا حتى اتكلمت ؛انا اللى سألتها واللى حسبته لقيته فعلا . ناسيها ومأهملها ويا عالم فى ايه تانى ؟
اسلام وهو يحاول امتصاص غضب والده عليه ،يدرك ان لديه كل الحق فيما قاله، وحقا لا يوجد حديث بينهما ،بل هو يتجنب الحديث معها ؛لا يعلم ماذا يرد عليه ،ايخبره بحقيقة ما يحدث ؟ ام يصمت ؟ايخبره بحقيقة ما يشعر به ؟ام يصمت ؟
العديد من التساؤلات والتى لايعرف لها اجابه دارت فى ذهنه فى لحظات سريعة ،ثم قرر ان يحتفظ بها لنفسه ويحاول ان يمتص غضب والده ..
اسلام : خلاص يا حاج زعلك على راسى ،اوعدك هخلى بالى من كل شىء ،بس متزعلش نفسك علشان صحتك . ماشى
الحاج رشدى وهو يتأمل وجهه اسلام ،يعلم ان هناك شيئا ما يؤرقه ؛يعلم ابنه جيدا ولكنه يعلم ايضا انه لن يخبره بشىء ،فهو عنيد جدا ولا يخرج سره لاحد ،وهو لا يريد الضغط عليه اكثر من ذلك .يحاول لفت نظره بشىء من الحده ولكنه فى قرارة نفسه اتخذها كخطوة اولى نحو لفت انتباهه .
- لما اشوف ،يلا رجعنى تانى عند سيلا .
اثناء الطريق. . كلا منهما يفكر فى شىء واحد سيلا وابنائها؛ الحاج رشدى لا يعلم هل بزواج سيلا من اسلام كانت خطوة جيده ام لا ؟ فها هو ذا اسلام نسي زوجته ،وهذا يدل على اشياء كثيرة جدا ،ينظر الى اسلام وهو يقود السيارة ويفكر ،هل ما توصلت اليه يا اسلام حقيقة وان كان ذلك فلن يكون هناك سبيلا من اصلاح ذلك الخطأ الذى ارتكبته فى حق سيلا غير الطلاق .
اما اسلام فكان يقود السيارة ويفكر فى كل ما قاله والده ؛فهو محق فعلا فى كل كلمة ،يعترف انه يبتعد عنها كلما شعر بقربه منها ،يعترف انه كان يتعمد ان لا يراها حتى لا يتأثر بها ،يعترف انه حاول كثيرا البعد عنها والابقاء عليها فى منزله زوجه الاخ ولكنها تسللت له رغما عنه ،اعترف لنفسه وواجها بالامس القريب انه حقا أحبها، وحان وقت اعترافة لها بذلك ،ولكن هل ستتقبله ؟ لا يعلم ولا يعرف كيف يعبر لها عن ذلك ؟ ولكن هناك بادرة امل لاحت له فى الافق من حديثة معها امس فى الفرح عندك تلك النقطه وعندما تذكر حديثهما امام شرفة الفندق ابتسم اسلام بسعادة
ودهش والده من هذه الابسامة وتمنى له السعادة من كل قلبه ...
يصلا الى منزل سيلا ويتغدى الجميع ويقضون اليوم عندها ،لا تعلم سيلا سبب نظرات اسلام لها المتأرجحه بسن الغاضبة والسعيده .ولا يعلم اسلام سبب نظرات والدته الغاضبة ،وارجع السبب لنفس سبب غضب الحاج رشدى منه. وتظل نشوى مترقبة للجميع بنظراتهم و افعالهم .
يسافر الحاج رشدى و رمزى الى البلدة فى المساء . وبعد عودتهم تنقل نشوى كل ما حدث لشيماء عبر الهاتف ؛ والتى غضبت من قضاء اسلام اليوم عند سيلا ،حتى وان كان بصحبتهم جميعا .
فى منزل الحاج رشدى. ..
تجلس صفية حزينه تفكر فيما سمعته وفيما عرفته ، تشعر بإنقباض قلبها على اسلام وسيلا و كانت تريد التحدث معه ولكن لم يتسنى لها الحديث معه بمفردهما ،تشعر بالغضب منه وعليه من تصرفاته تلك .
يراها الحاج رشدى ويتقدم منها ويسألها عن السبب .
الحاجة صفية : زعلانه على اسلام وعلى اسلوبه مع سيلا ،وخايفة يسيبوا بعض .
الحاج رشدى مهدأ اياها : انا اتكلمت معاه وفهمته انه يهتم بيها .
الحاجة صفية بحسره وألم وهى تتنهد : يهتم ايه بس .. دا .. دا مش بيبات هناك خالص ؛بيروح يودى ولاده يلعبوا هناك وبس و....
الحاج رشدى بصدمه : كملى يا صفية وإيه كمان .
صفية بتردد : و... وليد اخو شيماء بيكلم الولاد وبيفسحهم ،وجايب لهم لعب ،وبيكلم سيلا يكمن عليها مجتش الشركة ليه ؟ انا بصراحة قلبى مقبوض اوى يا رشدى .
الحاج رشدى غاضبا : كل دا عرفتيه ..طب مقلتيش ليه ؟
صفية وهى تبكى : اقول ايه واحنا معانا نشوى ورمزى .
الحاج رشدى مكفكفا دمعها : خلاص انا هعرف اتصرف معاه .
وقام بالاتصال على اسلام
يجلس اسلام فى غرفة مكتبة بالشركة يفكر فى كل ما حدث اليوم ويجد اتصالا من والده ،فيجيب بسرعة
اسلام :الو السلام عليكم يا حاج
الحاج رشدى بحزم : وعليكم اسلام. .. تجيب مراتك وولادك وتيجى ...هنا... عندى...
اسلام يتوتر : خير يا حاج ...في ايه ؟ انت كويس ؟ الحاجة كويسة ؟
الحاج رشدى : هى مسافة السكة وتبقوا عندى .. ..وانا هبعت عربية تجيب سيلا والعيال .ويغلق الخط وسط دهشة اسلام .
ينظر اسلام للهاتف وهو مندهش لا يعلم سبب،يهب من مكانه ويذهب لمكتب سيلا ولكنه لا يراها جالسة عليه ،يقترب للدخول إلى المكتب ويستمع الى وليد وهو يحدثها فى الهاتف .
وليد : يعنى مش هتيجى النهاردة كمان !! انتى كويسة يا سيلا ؟العيال كويسين ؟ ... طب يا سيلا هتيجى بكره ان شاء الله؟ طب هبقى اكلمك اطمن عليكى واسمع صوت الولاد ..مع السلامه. .
اسلام وهو يقف خلفه : كنت بتكلم مين ؟
وليد وهو يلتفت له منتفضا : دى سيلا ... بشوف مجتش ليه الشركة النهاردة كمان؛ فقالت هتقعد كام يوم وهتسافر البلد للحاج .
اسلام وهو ينظر له بغيره حاول اخفائها : ماشى .. انا كنت جاى اقولك اصلا ..مكنش فى داعى انك تكلمها ... ابقى اسألنى انا
يتركه ويخرج، ويتصل يشيماء ؛لتجهز هى وابنائها للسفر ولكنها تتعلل بالصداع والمرض و لاتذهب معه تتركه مع ابنائها بفردهم .
يصل اسلام مع ابنائه الى منزل الحاج رشدى ويدخل اسلام بسرعة ولهفة الى المندرة ،ويظل عز الدين ورنا فى انتظار سيف نوران وسيلا الذين يصلون بعدهم بوقت قصير .
تسلم سيلا عليهم وتصعد الى شقتها ويلعب الاطفال فى الحديقة و يجلس اسلام مع والديه .
الحاج رشدى يأمر اسلام بغلق الباب وبخروج صفية من المندرة .
تخرج الحاجه صفية ويغلق اسلام الباب خلف والدته ويتجه الى الحاج رشدى الذى وقف امامه ،وبمنتهى الغضب يصفع الحاج رشدى اسلام على وجهه صفعة مدوية ،يذهل اسلام منها وتجحظ عيناه من شدة الصدمة ... احقا والده يضربه ؟ ما السبب ؟
اسلام بصدمه وبصوت متحشرج : ليه يا جاج كدا ؟
الحاج رشدى بغضب هادر :
- علشان انا مخلفتش رااجل ؛كنت فاكرك راجل وهتعرف تحافظ على مرات اخوك ؛ لقيتك مأهملها وسايبها ،وسايب وليد بيه ياخد باله منها و من ولاد اخووك . يشتد هديره ويكمل :
- وليد قايم بدورك يا بيه ..بصفه إيه ؟
يصدم اسلام من الكلمات وتتسع عيناه من الدهشة والغضب وذهنه يردد كلمات والده .
ليردف الحاج رشدى صارخا :
- ثلاث شهور وانت مش بتبات هناك ... 3 شهور جواز على الورق ..ليه ؟
3 شهور وسايب وليد يقرب من مراتك وولاد اخووك ويخرجهم ويفسحهم ،ويجيب لهم لعب وهدايا، ويقرب منهم ليه؟
وانت كنت فين ؟
اسلام بغضب من كل مما سمعه فهو يسمعه للمرة الاولى لم يكن يعلم هذا كله ،فيرد فى غضب :
- معرفش حاجة والله ..معرفش
الحاج رشدى صارخا : عذر اقبح من ذنب ،لو كنت موجود معاهم مكنش حد قدر يقرب منهم ويشغل غيبتك عنهم .
يمسك بتلابيت ملابسه ويهدر بغضب : جوازك لسه على الورق ليه ؟
هنا لم يعد هناك قدرة اوطاقه لاسلام على التحمل ،يريد ان ينفض ذاك الحمل الثقيل عن كاهله يصرخ بعلو صوته ليس دفاعا عن نفسه بل طلبا للمساعده ، صدمات تلو الاخرى تلحق به ،وهو إنسان بدأ يحب ،وبدأ يدق قلبه ويخاف من الرفض
إسلام وهو يصيح بصوت عالى ويخرج غضبه وخوفه :
- علشان مش قادر ... يخفض صوته ويخفض رأسه ويكمل ..
مش قادر أجى جنبها ؛حاولت ومقدرتش ،كل حته فيها صور ماذن ،اول لما بشوفه وابص فى عينيه مبقدرش أجى جنبها .
ترتعش يد الحاج رشدى ويترك ملابس اسلام فيجلس اسلام امامه على المقعد ويكمل
- حاسس انها مرات ماذن مش أنا . حاولت بس هنا شقة ماذن وهناك شقة ماذن وفيها حاجته .بحس إنى متكتف قدامها .. منكرش انى فعلا بدأت أااا .. أحبها بس مش قادر. .
قال الجمله الاخيره بمذيد من الهمس والخجل .
يجلس الحاج رشدى بجواره ويقول بهدوء :
- يبقى لازم تطلقها .. دا الحل الوحيد .
اسلام منتقضا بغضب : مش هطلق ... ولو هي اللى طلبت دا انا برده مش هطلق ،وهعرف اتصرف معاها كويس .
الحاج رشدى ناهضا امامه : هى مقلتش حاجة ولا حتى تعرف أننا نعرف حاجة؛ أمك هى اللى بالصدفة عرفت من سيف موضوع وليد والهدايا وانك مش بتبات هناك . مش عايزة نباهه اننا نعرف في إيه ؟
لم يتمالك اسلام نفسه فخرج بسرعة من امام والده والشر يتطاير منه كما تتطاير حمم البركان من فوهته .
يبحث عن سيلا بعينيه فى ارجاء المنزل ،وسأل حسنات عليها فأخبرته بأنها فى شقتها وسأل على الاولاد وعلم انهم بالحديقة .
صعد اسلام درجات السلم بسرعة وغضب كانه نيران تنتشر فى الهشيم حتى وصل الى شقة سيلا ،دخلها وذهب يفتش عنها فى أنحاء الشقة ولكنه لم يجدها ..وقف مطولا أمام باب غرفة النوم المغلقة وهو يتنفس بسرعة ،وتردد ان يفتح الباب ،يمد يده ولكنه يتردد فيرجعها ثانية .ولكنه يتذكر كلمات والده جعلت الدماء تتصاعد إلى رأسة وتحسن تردده ويفتح الباب ويدخل بسرعة ولكنه يفاجىء بعدم وجود سيلا؛ كل ما وجده هو ملابس بها موضوعة على طرف السرير ،ويستمع لصوت شهقه مكتومه صادره من خلفه يلتفت لها بسرعة. .
فيجد سيلا وهى تقف أمام باب الحمام تلف نفسها بمنشفة قطنية كبيره وكذلك تلف شعرها بأخرى صغيره . يقف الإتنان أمام بعضهما فى صدمة وكل منهما ينظر للاخر .
يتقدم إسلام من سيلا وهو مسلط أنظاره على عينيها ،لتجفل سيلا من حركته، وتبتعد عنه ولكن ذراع إسلام تكون سابقة لها ويمسكها من ذراعها ويشدها إليه فى عنف لتنفتح منشفة رأسها وتقع أرضا وينسدل شعر سيلا على كتفيها وهى ترتعش منه وتمسك منشفتها .
إسلام بصوت صارم : وليد بيكلمك ليه ؟ بيفسح ولادك ليه ؟ بينك وبينه إيه ؟
نطق اخر جملة بكل ما أوتى من غضب وهو يشد من قبضته على ذراع سيلا .
تنظر له سيلا وهى جاحظه العينين ؛غير مصدقة لما تفوه به ،يذداد ارتعاشة سيلا بين يديه وتقول بصوت متحشرج : اناا..مش هسمح لك انك تجيب سيرتى او حتى تظن فيا ظن سوء ... وليد مين دا اللى بينى وبينه حاجة .
يزيد إسلام من ضغط يده عليها ليؤلمها أكثر كما هى آلمته وهو يلفح وجهها بأنفاسه الهادره يقول بغضب : ليه مرحتوش النادى سوا ؟ مرحتوش الملاهى سوا ؟ مش بيكلمك فى التليفون ... حصل ولا محصلش ؟
سيلا وهى تزداد تمسكها بمنشفتها وقد تناثر شعرها على وجهها واكتافها ويزداد ارتعاشها الذى يمتد إلى شفاها :
- حصل ... بس صدفة والله والعظيم ..
اسلام بدهشة مصطنعه : نعععم ..صدفة !!! كل مره صدفة ،إنتى فاكرانى إيه عبيط ... ولا ....
تقاطعه سيلا ببكاء وصراخ وقد انهارت من حديثة ومن تهمته لها : كفاايه بقى ... كفايه سوء ظن ... ايوة قابلته صدفة عايز تصدق صدق ،مش عايز انت حر .. انا مش عارفة هلاقيها منك ولا من مراتك ولا من وليد ... ابعدوا عنى وعن ولادى بقى ...
اسلام وهو لايزال ممسكا بها من ذراعها : وهى شيماء مالها ؟
سيلا بحده وهى تلوح بيدها والاخرى ممسكه بمنشفتها :
إسألها مالها ؛ بتعرف أخبارنا من فين ؟ دايره تقول فى كل حته إنى خطافة رجاله ليه ؟ ... بينا إيه علشان تقول كدا ..
وتبكى بإنهيار
اسلام وهو يحاول ان يتمالك اعصابه ويخف من قبضته على سيلا : ووليد يخرج معاكم ليه ؟
تنزع ذراعه من يده وهى تقول بحنق :
- إسأله بيعرف منين إننا خارجين وكل مرة نتقابل صدفة . المفروض أعمل إيه يعنى لما الاقيه قدامى وبقولى صدفة . اضربه !.
تبتعد سيلا عدة خطواط ليجذبها إسلام من ذراعها بحده لتصطدم بصدره ويحوطها بذراعة فينظر على وجهها وقد تناثرت بعض خصلات شعرها المبلل عليه ، تلين قبضته عليها ويبعد تلك الخصلات بيده ويلاحظ إرتجافتها بين ذراعة ،يتحسس وجنتيها ويقترب منها فتبتعد سيلا فى خوف ، ويسمعون صراخا من الخارج ينادى عليه ..
ينزل إسلام مسرعا على صوت صراخ الحاجة صفية ويترك سيلا تجلس فى إنهيار على الارض وهى تبكى مما حدث ....
يتبع ... عرض أقلالحلقة الحادية عشر
فى سيارة اسلام ...
الحاج رشدى بجمود : عايز اقعد معاك فى حته اعرف اتكلم فيها معاك براحتى .
اسلام بهدوء : تحب نروح البيت عندى ولا الشركة ولا النادى .
الحاج رشدى ينظر له بغضب مكبوت : بقولك عايز اتكلم براحتى يا اسلام .
اسلام متفهما : خلاص يا حاج ..
يتجه اسلام الى الشركة ويدخلوا الى غرفة الاجتماعات ذات الجدران العازلة للصوت ،ويطلب اسلام من السيكرتيرة عدم مقاطعته لاى سبب مهما كان .
اسلام : الحدران هنا عازله للصوت يا حاج ؛يعنى تقدر تتكلم براحتك يا حاج فى إيه بقى؟
الحاج رشدى وقد اطلق غضبه من مكبته :
-فى إنى أمنتك على أمانة ،وانت مش قدها .
يرفع اسلام حاجباه دهشة ولا يتحدث ،يكمل الحاج
رشدى فى غضب : فى إن الاستاذ نسي مراته ،نسي إنه متجوز ، وده ...
اسلام مقاطعا : والله يا حاج مخدتش بالى و...
قاطعه الحاج رشدى بصوت حاد واستنكار :مخدتش بالك انك متجوز سيلا!...عذر اقبح من ذنب يا اسلام ..
يهدر بصوته ويسأله : إيه طبيعة العلاقة بينكم؟
يصدم اسلام من السؤال ويبلع ريقة فى محاوله منه لايجاد اجابه عن سؤاله لا تزيد من غضبه : مراتى يا حاج .
قال تلك الكلمات فى محاوله منه ان تكون الاجابة سطحية قدر الامكان وفى ذات الوقت يرضى والده
الحاج رشدى : ولما هى مراتك ازاى تنساها ... ازاى متخصصش عربية بسواق ليها ؟ليه تسيبها تروح وتيجى الشركه فى مواصلات؟ هى مش مراتك برده
قال المقطع الاخير بصوت يدل على تهكمه وسخريته منه .
اسلام مندهشا : هى بتيجى مواصلات!
الحاج رشدى بسخريه اكثر وهو يشير له بيديه :
-شفت ازاى انت متعرفش حاجة عن مراتك . دا يدل انك مفيش يوم روحت الشركة معاها من بيتها . يعنى مفيش كلام بينكم.
اسلام غاضبا وقد ظن ان سيلا اشتكت للحاج رشدى : طب هى مقلتش ليه ؟ جت واشتكت لك ليه ؟
الحاج رشدى وهو لا يصدق ما يقوله اسلام الهذه الدرجه هناك فجوه بينهما ،يحاول تمالك اعصابه :
هى لا اشتكت ،ولا حتى اتكلمت ؛انا اللى سألتها واللى حسبته لقيته فعلا . ناسيها ومأهملها ويا عالم فى ايه تانى ؟
اسلام وهو يحاول امتصاص غضب والده عليه ،يدرك ان لديه كل الحق فيما قاله، وحقا لا يوجد حديث بينهما ،بل هو يتجنب الحديث معها ؛لا يعلم ماذا يرد عليه ،ايخبره بحقيقة ما يحدث ؟ ام يصمت ؟ايخبره بحقيقة ما يشعر به ؟ام يصمت ؟
العديد من التساؤلات والتى لايعرف لها اجابه دارت فى ذهنه فى لحظات سريعة ،ثم قرر ان يحتفظ بها لنفسه ويحاول ان يمتص غضب والده ..
اسلام : خلاص يا حاج زعلك على راسى ،اوعدك هخلى بالى من كل شىء ،بس متزعلش نفسك علشان صحتك . ماشى
الحاج رشدى وهو يتأمل وجهه اسلام ،يعلم ان هناك شيئا ما يؤرقه ؛يعلم ابنه جيدا ولكنه يعلم ايضا انه لن يخبره بشىء ،فهو عنيد جدا ولا يخرج سره لاحد ،وهو لا يريد الضغط عليه اكثر من ذلك .يحاول لفت نظره بشىء من الحده ولكنه فى قرارة نفسه اتخذها كخطوة اولى نحو لفت انتباهه .
- لما اشوف ،يلا رجعنى تانى عند سيلا .
اثناء الطريق. . كلا منهما يفكر فى شىء واحد سيلا وابنائها؛ الحاج رشدى لا يعلم هل بزواج سيلا من اسلام كانت خطوة جيده ام لا ؟ فها هو ذا اسلام نسي زوجته ،وهذا يدل على اشياء كثيرة جدا ،ينظر الى اسلام وهو يقود السيارة ويفكر ،هل ما توصلت اليه يا اسلام حقيقة وان كان ذلك فلن يكون هناك سبيلا من اصلاح ذلك الخطأ الذى ارتكبته فى حق سيلا غير الطلاق .
اما اسلام فكان يقود السيارة ويفكر فى كل ما قاله والده ؛فهو محق فعلا فى كل كلمة ،يعترف انه يبتعد عنها كلما شعر بقربه منها ،يعترف انه كان يتعمد ان لا يراها حتى لا يتأثر بها ،يعترف انه حاول كثيرا البعد عنها والابقاء عليها فى منزله زوجه الاخ ولكنها تسللت له رغما عنه ،اعترف لنفسه وواجها بالامس القريب انه حقا أحبها، وحان وقت اعترافة لها بذلك ،ولكن هل ستتقبله ؟ لا يعلم ولا يعرف كيف يعبر لها عن ذلك ؟ ولكن هناك بادرة امل لاحت له فى الافق من حديثة معها امس فى الفرح عندك تلك النقطه وعندما تذكر حديثهما امام شرفة الفندق ابتسم اسلام بسعادة
ودهش والده من هذه الابسامة وتمنى له السعادة من كل قلبه ...
يصلا الى منزل سيلا ويتغدى الجميع ويقضون اليوم عندها ،لا تعلم سيلا سبب نظرات اسلام لها المتأرجحه بسن الغاضبة والسعيده .ولا يعلم اسلام سبب نظرات والدته الغاضبة ،وارجع السبب لنفس سبب غضب الحاج رشدى منه. وتظل نشوى مترقبة للجميع بنظراتهم و افعالهم .
يسافر الحاج رشدى و رمزى الى البلدة فى المساء . وبعد عودتهم تنقل نشوى كل ما حدث لشيماء عبر الهاتف ؛ والتى غضبت من قضاء اسلام اليوم عند سيلا ،حتى وان كان بصحبتهم جميعا .
فى منزل الحاج رشدى. ..
تجلس صفية حزينه تفكر فيما سمعته وفيما عرفته ، تشعر بإنقباض قلبها على اسلام وسيلا و كانت تريد التحدث معه ولكن لم يتسنى لها الحديث معه بمفردهما ،تشعر بالغضب منه وعليه من تصرفاته تلك .
يراها الحاج رشدى ويتقدم منها ويسألها عن السبب .
الحاجة صفية : زعلانه على اسلام وعلى اسلوبه مع سيلا ،وخايفة يسيبوا بعض .
الحاج رشدى مهدأ اياها : انا اتكلمت معاه وفهمته انه يهتم بيها .
الحاجة صفية بحسره وألم وهى تتنهد : يهتم ايه بس .. دا .. دا مش بيبات هناك خالص ؛بيروح يودى ولاده يلعبوا هناك وبس و....
الحاج رشدى بصدمه : كملى يا صفية وإيه كمان .
صفية بتردد : و... وليد اخو شيماء بيكلم الولاد وبيفسحهم ،وجايب لهم لعب ،وبيكلم سيلا يكمن عليها مجتش الشركة ليه ؟ انا بصراحة قلبى مقبوض اوى يا رشدى .
الحاج رشدى غاضبا : كل دا عرفتيه ..طب مقلتيش ليه ؟
صفية وهى تبكى : اقول ايه واحنا معانا نشوى ورمزى .
الحاج رشدى مكفكفا دمعها : خلاص انا هعرف اتصرف معاه .
وقام بالاتصال على اسلام
يجلس اسلام فى غرفة مكتبة بالشركة يفكر فى كل ما حدث اليوم ويجد اتصالا من والده ،فيجيب بسرعة
اسلام :الو السلام عليكم يا حاج
الحاج رشدى بحزم : وعليكم اسلام. .. تجيب مراتك وولادك وتيجى ...هنا... عندى...
اسلام يتوتر : خير يا حاج ...في ايه ؟ انت كويس ؟ الحاجة كويسة ؟
الحاج رشدى : هى مسافة السكة وتبقوا عندى .. ..وانا هبعت عربية تجيب سيلا والعيال .ويغلق الخط وسط دهشة اسلام .
ينظر اسلام للهاتف وهو مندهش لا يعلم سبب،يهب من مكانه ويذهب لمكتب سيلا ولكنه لا يراها جالسة عليه ،يقترب للدخول إلى المكتب ويستمع الى وليد وهو يحدثها فى الهاتف .
وليد : يعنى مش هتيجى النهاردة كمان !! انتى كويسة يا سيلا ؟العيال كويسين ؟ ... طب يا سيلا هتيجى بكره ان شاء الله؟ طب هبقى اكلمك اطمن عليكى واسمع صوت الولاد ..مع السلامه. .
اسلام وهو يقف خلفه : كنت بتكلم مين ؟
وليد وهو يلتفت له منتفضا : دى سيلا ... بشوف مجتش ليه الشركة النهاردة كمان؛ فقالت هتقعد كام يوم وهتسافر البلد للحاج .
اسلام وهو ينظر له بغيره حاول اخفائها : ماشى .. انا كنت جاى اقولك اصلا ..مكنش فى داعى انك تكلمها ... ابقى اسألنى انا
يتركه ويخرج، ويتصل يشيماء ؛لتجهز هى وابنائها للسفر ولكنها تتعلل بالصداع والمرض و لا
رواية مات زوجها وتزوجت أخيه الفصل الثاني عشر 12 - بقلم نجلاء ناجي ورشا مجدي
يقطع اسلام الدرج مهرولا حتى يصل لشقة والده ليجد الاطفال تقف تبكى ومعهم حسنات الخادمة ،وتشاور له هدى على غرفة الحاج رشدى، يتجه اسلام لها بخطواط سريعة ويدخلها بسرعة ليجد والده ممدا فاقدا الوعى والحاجة صفية تنتحب بجواره
يتصل اسلام بسرعة بالطبيب الذى كان بالجوار ليأتى مسرعا ...
ترترى سيلا ملابسها فى عجاله ،وتنزل بسرعة ،وتتجه الى غرفة الحاج رشدى وهى فى حاله صدمه لا تعرف من المصاب، أو ماذا حدث ،كل ما تعرفة ان هناك شىء جلل قد حدث ،تقف امام الباب ناظرة الى الحاج رشدى وهو ممدا فاقدا للوعى تشعر بقلبها يهبط فى قدميها وكأن روحها تنتزع منها ،تهرول وتجثوا على ركبتيها امام السرير وتبكى وهى تمسك يد الحاج رشدى :
-باب الحاج .. قوم علشان خاطرى. يا ريتنى كنت انا ..قوم يا بابا انا مليش غيرك، علشان خاطرى يا بابا قوم .
يصل الطبيب واسلام ويقفان أمام باب الغرفة ويشاهدان سيلا ويسمعان حديثها ؛يتأثر اسلام برؤية سيلا منهاره لا يرى منها سور ظهرها وشعرها المسترسل عليه ،وحركه جسدها الضئيله من البكاء .
ويرى الطبيب فتاه تبكى والدها بخوف شديد عليه ،فيشفق عليها وهو لم يراها بعد .
اما عند سيلا فكانت فى عالم اخر ؛تعلم ان الحاج رشدى هو صمام امانها هى وابنائها ،استعادت ذاكره وفاه والدها وهى صغيرة،ولن تتحمل تكرارها مره ثالثة ،فقد كانت الثانيه مع ماذن ،والان مع والده . كانت تنادية ابى لانه بمكانة والدها حقا .
تجد سيلا يدا تربت على كتفها فتنتفض سيلا ،وتلتفت للخلف لترى الطبيب وهو يقف ينظر لها وسط دهشة اسلام ؛ من ان يربت على كتفها فظل ينظر له فى غضب وهو لم يتوقع منه هذا الفعل .
الطبيب بهدوء : ممكن بس علشان اكشف .
ويشر لها ان تتنحى جانبا ،فتقف سيلا وتتجه الى جانب الحاجه صفية فى جانب من الحجرة تتابعان الكشف. يدون الطبيب اصناف الدواء ويعطى الحاج رشدى حقنه فى الوريد ويطلب احضار الدواء بسرعة لاكمال جرعة العلاج .
يجلس الطبيب بجوار اسلام فى غرفة الحاج رشدى منتظرا له حتى يفيق ، وتتقدم منه سيلا بأعين متلهفة تسأله قبل ان ينطق لسانها بما تريد .ينظر لها الطبيب ويبتسم لها فقد فهم ما تريده من عيناها ولهفتها فقال :
- متخافيش يا أنسة ، بابا هيكون كويس ان شاء الله وهيفوق .
سيلا بلهفة : بجد ... طب إحلف
الطبيب مندهشا وضاحكا وكذلك اسلام الذى ينظر لهما بغضب وغيظ ،فيقول الطبيب :
- والله العظيم ... إن شاء الله هيفوق ويبقى كويس ، بس متنسيش الحلاوة بقى .
سيلا بسرعة ولهفة : يفوق بس واللى انت عايزة
الطبيب مبتسما لها وهو يتأملها : مش عايز غير فنجان قهوة مظبوط من إيديكى .
تذهب سيلا لإعداد القهوة ،وسط غيظ اسلام منهما ، ومحاولاته لتمالك اعصابه وتركيز نظراته على من بالغرفة من نشوى ورمزى و والدته وهو يقول فى نفسه :
- والله لولا الحاج ورقدته دى لعرفتك يعنى إيه انسة دى .. قال أنسة .!
تنظر نشوى لإسلام وهو شارد الذهن وتتشفى في نظراتها تلك . وتنتظر لتخبر شيماء بآخر الاخبار .
تحضر وفاء الدواء ويعطى الطبيب باقى الجرعة للحاج رشدى وبضعة دقائق ويبدأ الحاج رشدى فى استعادته لوعيه . تحضر سيلا القهوة للطبيب الذى ينظر لها بإبتسامه جميلة ويقول :
- الحاج فاق اهه أنا نفذت وعدى ،هاتى قهوتى بقى .
سيلا وهى تنظر للحاج رشدى وتعطى الطبيب قهوته، فيقوم اسلام ويأخذ منها القهوة ويقدمها للطبيب وتذهب سيلا للجلوس بجوار الحاج رشدى.
يتذوق الطبيب القهوة ويسألها : عملاها بإيدك ؟
سيلا وهى جالسة بجوار الحاج رشدى وتبتسم له : أيوة يا دكتور
ينظر اسلام لهما بغضب واضح ،وتتلقى نشوى نظرات اسلام الغاضبة فى سرور وشماته ؛فهى تعلم ان من المؤكد سيحدث شجار بينهما بسبب هذا الغضب الذى يظهر على وجهه اسلام، وستجد هى شيئا تخبر به شيماء .
وتتعجب سيلا من نظرات اسلام الغاضبة وفسرتها انها بسبب ما حدث قبل قليل من شجار بينهما
تدخل وفاء وهى تنظر لسيلا : ست سيلا ،عز الدين بيسأل عليكى .
فيدخل عز الدين شاكيا لها :طنط سيلا ، خلى سيف يلعب نوران معايا
سيلا وهى تنهض : انا جايه معاك يا عز ..تلتفت للحاج رشدى وتنظر له وتهمس له : الف سلامه عليك يا بابا .. راجعة تانى
تتجه الى عز الدين وهى تقول له :يلا بينا .
يتابعها الطبيب بعينيه ويرتشف قهوته وهو يردظ اسمها سيلا .
يلاحظ اسلام ما تفوه به الطبيب ومتابعته
لسيلا ،ويحاول تمالك اعصابه فيهتف فى حده ليشتت انتباهه :
دكتور لو سمحت .
ينتبه له الطبيب وينظر له :ايوة يا فندم
اسلام بجديه : هى الحالة استقرت ولا إيه ؟
الطبيب: هو فاق دلوقتى ،كمان 24 ساعه هاجى تانى اشوفة ،والدوا دا ياخده فى مواعيده ،وإن شاء الله يومين ويبقى زى الفل . بس راحة تامه والبعد عن الانفعال .
اسلام بهمس وجديه : تفتكر يروح المستشفى افضل ،ولا رأيك إيه ؟
الطبيب : لا .. عادى الحاله مش محتاجه انه يروح مستشفى ،لو كانت تحتاج كنت قلت لك اكيد .
اسلام بهدوء : الف شكر ليك يا دكتور .
ينهض الطبيب ليخرج، ويبقى اسلام مع الحاجة صفية ويذهب معه رمزى ونشوى . يقف اسلام فى شرفة غرفة والده ويرى الطبيب وهو يتجه الى سيلا والاولاد ويتحدث معها ويضحكان ، فيتجه لهما بسرعة ،ويقوم بتوصيل الطبيب حتى خروجه من الحديقة ويعود لها سريعا ليجدها ذهبت للحاج رشدى .
سيلا وهى تدخل الغرفة للحاج رشدى : الف حمد الله على سلامتك يا بابا
الحاج رشدى بوهن وضعف وصوت منخفض : متخافيش يا سيلا. .. أنا كويس .
ينظر الحاج رشدى الى إسلام ويقول : سيبونى لوحدى مع سيلا .. يخرج الجميع وتظل سيلا مع الحاج رشدى.
يظل اسلام فى الردهه يقطعها ذهابا وإيابا ،لا يعلم ما ذا يريد والده من سيلا ،او فى اى
شيء سيتحدثان ،اسئلة كثيرة وهواجس اكثر دارت فى مخيلته ،والحاجة صفية تراقبه عن كثب ولا تتحدث .
اسلام يقلق بالغ : هو الحاج عايز سيلا فى إيه ؟
الحاجة صفية : مش عارفة يا ابنى ... العلم عند الله
اسلام بلهفة : ابقى اعرفى ممنه يا حاجة وقولى لى ...ماشى
هزت الحاجة صفية رأسها موافقة .
خرجت سيلا من الحجرة واخبرتهم أن يدخلوا للحاج ،فهو يرديهم .
ينظر اسلام الى ملامح سيلا لعلها تخبره بأى شىء ولكنها ذهبت من امامه سريعا وهى تتحاشى النظر له ،يدخل اسلام بسرعة لوالده ويسأله بسرعه
- خير يا حاج ... كنت عايز سيلا فى إيه ؟
الحاج رشدى بهدوء : فكر الاول فى موضوع طلاق سيلا وبعدين إبقى إعرف كنت عايزها فى إيه ؟
يغضب اسلام من كلام والده ومن واصراره على الحديث فى موضوع طلاقه هذا. يخرج اسلام من الغرفة ويبحث عنها ليجدها فى غرفة ماذن ،يقف اسلام امام الغرفة طويلا ولا يستطيع ان يدخلها .
ينظر للباب بكل ألم يريد ان يتحدث معها ، أن يخبرها بمكنون صدره ولكن هذا الباب وهذة الغرفة حائلا بينهما ،او بمعنى ادق حائلا امامه هو .
فهل سيظل على هذا الحال .ام سيخطوا خطوه تجاهها ؟ تنهد اسلام بيأس وابتعد عن الغرفة سريعا ودخل غرفته وينام بها حتى منتصف الليل .
فى داخل غرفة ماذن ...
كانت سيلا تنظر الى صورته وتحدثة ،تخاف وتحتاجه ،تريد من تشعر معه بالأمان، من يحتويها ويحتضنها . نعم تريد من تشعر معه
بالاحتواء ،ويستكين ضعفها معه وبحنانه لها ،تقفذ صوره اسلام امامها ،فتترقرق عيناها بالدموع وتخفض وجهها من النظر الى صورة ماذن ،وتجلس على السرير تفكر فى حديث الحاج رشدى لها، تشعر ان اسلام تارة قريب منها وتارة بعيد عنها ، تارة يحسن معاملتها وتاره يسىء ، حتى هذا الاحساس الذى بداخلها يقلقها ؛فهى تاره تشعر معه بالأمان، وتسعد لحديثة ،وتارة اخرى تخافه فى غصبه وتحزن لبعده . لم تعد تعلم شيئا هى الاخرى اصبحت مشتته لا تعلم ماذا يحدث لها وما تلك الاحاسيس التى تشعر بها من قربه منها او من بعده عنها ،تنظر لصورة ماذن وكأنها تريده ان يحدثها ويخبرها ماذا تفعل ؟او بمعنى اصح يخبرها بما يحدث لها ؟
يستيقظ اسلام على صوت طرقات على باب غرفته ،فيقول بصوت ناعس اجش : ادخل
ثوان ولا يدخل احد ،اسلام بصوت اعلى ،أدخل .
يفتح الباب وتطل سيلا رأسها بتردد ،وبصوت منخفض :
- ماما الحاجة بتسأل مش عايز تتعشى ؟
اسلام وهو يعتدل فى جلسته و ينظر لها : لا... عايز بس فنحان قهوة من ايديك يا سيلا.
سيلا وهى تهز رأسها موافقة : حاضر ...
اسلام بهدوء ،يريد ان يتحدث معها وفتح باب للحوار : اخبار الحاج إيه يا سيلا ؟
لم يعد يدرى لماذا يريد ترديد اسمها دائما ،اصبح اسمها وكأنه تعويذه سحر ينطق بها ليشعر بذلك الاحساس الذى يشعر به فى قلبه ؛ ارتعاشة جميلة وطربا للأذنه
سيلا بهدوء : كويس الحمد لله . هو نايم ،وماما قالت لى اسألك على العشا ودخلت تنام ،بس قهوة 12 بالليل غلط عليك
اسلام متنهدا بألم : معلش ،عندى صداع ..
سيلا : ماشى .
تذهب سيلا لإعداد القهوة ويبقى اسلام يفكر وهو جالسا على سريره ،تطرق سيلا الباب وتدخل بعد ان يسمح لها ،وتضع القهوة على المنضدة بجواره
واسلام يتابعها بعينيه ويسألها بهدوء :
- العيال فين ؟
سيلا وهى تتحاشى النظر له : نايمين فى قوضه ماذن .
يمسك اسلام يد سيلا ويقف امامها ويشعر بإرتعاشته يدها من جراء مسكته لها ،يهمس لها بأسف واضح :أنا أسف يا سيلا ،آسف على الاسلوب اللى كلمتك بيه ده .
يرفع وجهها له وتتلاقا عيناهما معا ويكمل :
-بس لو سمحتى لو احتجتى اى حاجة إنتى والولاد يا ريت تطلبيها مني .
سيلا وهى لاتزال تنظر فى عينيه وتهمس : حاضر ..
تتسارع انفاسهما ،وتبتعد عنه سيلا وتتجه للباب لتخرج ،ولكن يسبقها اسلام بسرعة ويغلق الباب بالمفتاح ويلتفت لها
سيلا بدهشة : فى إيه يا اسلام ؟ افتح الباب لو سمحت
اسلام وهو يقترب منها وبهدوء :إنتى خايفة مني يا سيلا ؟ .. على فكره أنا جوزك ،مش راجل غريب عنك .
يقف امامها ويفك شعرها ويمرر يده بين شعرها ويهمس : أخر مرة تخرجى وشعرك يبان يا سيلا ،مش زى ما حصل النهارده قدام الدكتور ...
سيلاوهى ترتعش من لمسته لها : حاضر .. أنا كنت خايفة على با...
ولم تكلم كلامها فقد اخذها اسلام فى قبلة طويلة عميقة ،اودع بها كل ما يشعر به من حب تجاهها، ولم يتركها الا بعد ان اصبحت زوجته امام الله .
تستمع سيلا لصوت أذان الفجر، فتحاول النهوض من بين ذراعى اسلام الذى يرفض خروجها ..سيلا بهجل بخجل وهمس : الصلاه يا اسلام ...
اسلام وهو مستمتع بسماع اسمه منها بكل هذا الهمس والخجل فيضحك بسعادة ويقول :
- الله ... اول مرة احب اسمع اسمي منك يا سيلا ،اول مرة أحس بالاحساس دا ، اول مره فى كل حاجة معاكى ليها شكل تانى وطعم تانى يقبلها .
سيلا بخجل : الصلاه
اسلام بهدوء : هنصلى جماعه
سيلا وهى تنهض من جواره :طب يلا قبل ما حد يقوم
اسلام بدهشة : هو احنا بنعمل حاجة غلط ...
راجل ومراته فيها ايه دى يا سيلا
سيلا بقلق : معلش ..ريحنى
اسلام مستسلما ومتنهدا : ماشى يلا .
تخرج سيلا من الحمام وتتجه للخروج من باب غرفة اسلام ويتجه اسلام الى الحمام ويقول لها :
- البسي اسدالك وتعالي نصلى جماعه .
سيلا بتوتر : طب نصلى بره
اسلام بحده : هنا يا سيلا . أنا مش بعمل حاجه غلط ..انتى مراتى
يعلم اسلام انها خائفه ،بل مرتعبه من معرفة نشوى او شيماء بما حدث، ولكنه فى نفس الوقت يريد ان يبعث لها الاطمئنان بأنه معها ولن يخذلها. وايضا يريد لزواجه منها ان يكون امام الجميع ،بينه وبين نفسه يدرك انها ملكت قلبه ؛اعترف لها بكل شىء ،اعترف لنفسه قبل منها انه أحبها، لدرجه انه لم يشعر بمثل ما شعر به معها من قبل ،حتى مع زوجته شيماء لم يشعر بأى شىء.
كرر لها مئات المرات انه احبها ،وكان مستمتعا وهو يعترف لها بذلك ، تلذذ فى كل مرة كان ينطق فيها اسمها .وتمنى ان الليل يطول ولا يأتى النهار حتى لا تبتعد من جواره .
تهز سيلا راسها فى استسلام وتقول : حاضر .
تخرج سيلا من غرفة اسلام لتجد الحاجة صفية تخرج من غرفة ماذن وتسألها بدهشة .
الحاجه صفية بدهشة : سيلا... !كنتى فين يا بنتى ؟
سيلا بتوتر وهى تفرك يدها : كنت ... كنت ... حد صحى من الولاد ؟
تفهمت الحاجه صفية تنها تغير الموضوع ولا تريد الاجابه عن السؤال ،فقالت بهدوء :
- لاء ... انا كنت بس بطمن عليهم .. انتى كنتى فين ؟
تسمع صوت اسلام من خلف سيلا : كانت معايا يا حاجة ..فى حاجة ؟
تنظر الحاجة صفية اليه وتراه ينظر لها وفى عينيه لمعة جميلة لم تراها فى عينيه من قبل ، وتنظر الى سيلا التى اخفضت رأسها فى خجل ،و احمر وجهها جدا ،تبتسم الحاجة صفية فى سعادة وتقبل سيلا قائلة بهمس :
الف مبروك يا حبيبتى .
اسلام وهو يحاوط سيلا بذراعه :يلا يا سيلا ..هاتى الاسدال علشان نصلى
الحاجة صفية بسعادة وهى تنظر لسيلا التى ذهبت مسرعة للداخل ،فتقول : انا كنت هحضر الفطار .. بس دلوقتى هخلى البنات يحضروا لكم أحلى فطار لاحلى عرايس
اسلام :اخبار الحاج إيه؟
الحاجة صفية : الحمد لله .. بيصلى الفجر يا حبيبى
اسلام مبتسما : طب الحمد لله، هنصلى الغجر ونجيلة يا ماما .
تأتى سيلا ،ويأخذها اسلام من يدها ويدخلها غرفته ويصلى بها الفجر جماعه ويذهبان لرؤية الحاج رشدى بغرفته وهو ينظر لهما فى سعادة ،وتخجل سيلا كثيرا ، ولكن اسلام يقربها منه ويحاوطها بذراعة، ليمحوا هذا الخجل .
الحاج رشدى : الف مبروك يا ولاد
اسلام بسعاده :الله يبارك فيك يا حاج ..اخبارك ايه ؟
الحاج رشدى : الحمد لله .احسن كتير ،الدكتور دا شكلة شاطر يا اسلام .
اسلام وهو يتذكر الطبيب ونظراته لسيلا يقول : اه شكلة شاطر فعلا .
ثم يهمس لسيلا : اوعى الدكتور دا يشوفك تانى .. هيبقى فيها قتيل ..فاهمه
سيلا بصوت هامس : فاهمه
تتلألأ عيناى اسلام وهو ينظر لها ،وهى تخفض رأسها منه فى خجل ،ويرى والديه ما يحدث بينهما و هما سعداء لهما و يبتهلان لله فى سرهما ان يسعدا معا .
يقضوا وقت طويل مع الحاج رشدى وهو يضحكون وبتحدثون ،حتى ينهض اسلام ويأخذ بيد سيلا ويقول لهما : عن اذنكم بقى ..
تندهش سيلا والحاج رشدى وصفية ، ليكمل
- هنروح نقعد فى الجنينه حبه
يخرج اسلام ويأخذ سيلا الى حجرته ويغلق الباب خلفه ويذهبا فى ثبات عميق
طرقات على الباب وصوت الحاجة صفية : اسلام يلا الفطار .
يستيقظ اسلام وسيلا ويغتسلان ويذهبان للفطار ،يخرجان من غرفة اسلام ويجدوا أنامهما نشوى ومن خلفها الطبيب .
الطبيب بإبتسامة : صباح الخير يا جماعة
اسلام وهو يقف امام سيلا ؛ ليمنع نظرات الطبيب من الوصول الى سيلا :
- صباح الخير اتفضل يا دكتور ،ويشير الى الردهه ، وسط نظرات نشوى المندهشة وهى تكاد ان تجن من خروج سيلا واسلام من غرفته .تريد ان تعلم بما حدث ،حتى تخبر شيماء وترى ما الذى ستفعلة شيماء بسيلا .
اتفضل افطر معانا يا دكتور ...حماتك بتحبك : كانت تلك الكلمات للحاج رشدى وهو يدعوا الطبيب للفطار معه .
الطبيب مبتسما : يا ريت تكون حماتى وبنتها بتحبنى .
اسلام بتساؤل: هو حضرتك متجوز؟
الطبيب وهو ينظر الى اسلام وبيتسم : لسه .. ينظر لسيلا ويكمل : بس ناوى ان شاء الله .
يجد اسلام نفسه يحاوط سيلا بزراعه ويقول له :
- ربنا يرزقك بالزوجة الصالحة ... ينظر لسيلا وهو يحاوطعا بذراعة ويكمل ،زي أنا وسيلا كدا
يرتبك الطبيب من كلمات اسلام وينظر لسيلا و تتلاشى ابتسامته ،وهو يدرك ان سيلا زوجتة ،فيحاول ان يرسم ابتسامة خرجت باهته وهو يقول :
أنا أسف ... مكنتش أعرف إنها المدام، بس أصلها مش لابسه دبله . آسف مرة تانية .أنا ... انا افتكرتها اختك ...آسف فعلا .
تظل الانظار بينهما ،وتترقب نشوى الموقف وكذلك الحاجة صفية.
اسلام مبتسما وهو يشير له :اتفضل افطر معانا .
يدخل الطبيب ويكشف على الحاج رشدى .
الطبيب : لا .. دا إحنا بقينا حلوين خالص . الف حند الله على سلامتك .
الحاج رشدى بإمتنان : كتر ألف خيرك يا دكتور . ربنا يبارك فيك
الطبيب : وفيك يا حاج .
ينهض الطبيب ويقول : عن إذنكم ويستدير الطبيب لكى يخرج ويلقى نظرة سريعة على سيلا التى لم ترى شيئا ولكن اسلام رآها واشعلت بقلبه نار الغيرة ؛فيضمها له فى تملك ،وتبتسم له سيلا وهى لا تدرى مايحدث .
تذهب نشوى بسرعة وتخبر شيماء بما رأته وسمعته ،فتشتاط شيماء غضبا وتكسر ما تراه امامها ...
يجلس اسلام فى الحديقة ،ويرى سيلا وهى تلعب مع الاطفال ويظل يتابعها ويتأملها ،وهى تتحرك معهم وتتفاعل معهم كأنها طفلة مثلهم
ياعجب اسلام مما يشعر به الان وهو يراها أمامه ، يتعجب من احساس الحب الذى يتملكه الان ،إحساس جميل لم يشعر به من قبل حتى مع شيماء ؛يشعر وكأنه طائرا محلقا فى السماء ،ويشعر بالسعادة كبيرة لمجرد النظر لها، ورؤيتها وهى تضحك بعفويه .
يلاحظ انها تلعب معهم القطة العمياء ،وتغمض سيلا عيناها ويبدأ الصغار بالقفذ من حولها وهى تحاول ان تمسك أحدهم وسط ضحكاتهم الصاخبه .
يجد اسلام نفسه لا إراديا يقف ويتجه اليهم ويشترك معهم ،ويشير لهم بأن لا يتحدثوا عن إشتراكه فى اللعبه .
تشاهدهم الحاجة صفية والحاج رشدى من بعيد وهما يبتسمان ؛فإنها المرة الأولى التي يشارك اسلام الصغار فى اللعب ويستمتع بالوقت معهم .
تحاول سيلا ان تمسك الصغار وتسير تبع الصوت حتى يتلقاها اسلام بين ذراعيه وينزع عصابة عينيها .
سيلا بدهشة : إنت كدا بوظت اللعبة
اسلام مبتسما وبهدوء يهمس : أنا كنت بلعب معاكم .
تفرغ سيلا فاها بدهشة ،ثم تضيق عيناها بمكر وتقول: يبقى إنت بقى اللى تغمى عينيك
اسلام بدهشة واعتراض : نععععم !!
يجد الاطفال حوله وهم يتقافذون حولهما ،ويصرخون : أيوة انت اللى تستغمى .
سيلا وهى تضحك : إنت قلت بتلعب معانا ،يبقى خلاص
اسلام مستسلما لها و تغمى عيناه ومقتربة منه ،والاطفال يتقافذون فرحا لاشتراكه معهم .
يترك اسلام الصغار من حوله وهو يدعى فى محاولات فاشلة منه لامساكهم ،بينما هو يتبع صوت سيلا ،حتى يستطيع الإمساك بها ويأخذها ويذهب بعيدا عن الاطفال ليستمعا آلى صوت عالى من خلفهم ...
ما شاء الله ،ما إنت بتعرف تلعب وتضحك أهه ، أمال الوش الخشب لينا ليه ؟
كان هذا صوت شيماء وهى تصرخ بإسلام وسيلا وهى تمسك يهما بالجرم المشهود
ترتعش سيلا وهى فى يد اسلام وتختفى خلفه ،وهى ترتعش وتمسك به من الخلف .
اسلام وهو ينظر غاضبا لشيماء :
شيماااء ....إحفظى لسانك .
شيماء بصدمة وصراخ : ليه ؟ خايف على إحساسها !
تقول هذا وهى تحاول ان تجلب سيلا من خلف اسلام ،ويقف اسلام أمام شيماء ويحاول أن يجذبها بعيدا عن سيلا التى وقفت تبكى وهى ترتعش . ترفض شيماء الابتعاد وتكمل بحده :
- إحنا متفقناش على كدا .. إنت قلت جواز على الورق علشان محدش غريب ينط لك فى الشركة ..
اسلام بحده أشد وغضب : شيماااء ... سيلا مراتى زى ما انتى مراتى ،وليها زيك بالظبط وأكتر كمان .
شيماء بجنون غاضب : لييييييييه ؟ حبيتها إنت كمااان ؟
سيلا بصدمه وهى تنظر لهما وتبكى : يعنى إيه ؟ ... يعنى انت اتجوزتنى علشان الشركة بس ؟
اسلام وهو ينظر لها ويتقدم نحوها فتبتعد عنه ،وتجرى بسرعة بعيدا عنهم وتصعد الى شقتها وتجلس تبكى وهى تتذكر كلامها مع الحاج رشدى.
فلاش باك ...
الحاج رشدى بوهن : سيلا يا بنتى ،أنا عارف وضعك مع آسلام بس انا ليا طلب عندك .
سيلا : اطلب يا بابا حاج
الحاج رشدى : عايزك تدى لإسلام وليكي فرصة ... كزوجين ... يبتلع ريقة ويقول : أنا عارف انك بتحبى ماذن قد إيه ... بس برده بلاش تظلمى نفسك وإسلام معاكى ،إدوا لنفسكم فرصة كزوجين ،ولو مكنش فى توافق أنا بنفسى اللى هطلقوا . وليكى حرية الإختيار ، تتجوزى ،أو متتجوزيش براحتك بقى .
سيلا : بس يا بابا ....
الحاج رشدى مقاطعا لها : اوعدينى إنك تدى لنفسك الاول فرصة دي ، علشان خاطر نفسك وأولادك يا سيلا . أنا بعتبر نفسى أب ليكى .
سيلا بإستسلام وحرج : حاضر يا بابا ،اللى تقوله هنفذه .
الحاج رشدى : مش عايز حد يعرف حاجة من الاتفاق ده سيلا ،ولا حتى الحاجه صفية ولا إسلام ...ماشى
سيلا بخجل : حاضر يا بابا
باااك ...
تصرخ سيلا وهى تبكى : كان كله علشان الشركه .
يقف اسلام أمام باب حجرتها طارقا : إفتحى يا سيلا وأنا هفهمك ،سيلا كل كلام شيماء غلط ... أنا ... أنا حبيتك ... أيوه حبيتك معاكى حسيت ...
سيلا مقاطعا له ببكاء وهى تقول صارخه : كفااية كدب بقى ،بينى وبينك بابا الحاج ،وطلقنى يا إسلام .
اسلام غاضبا ضاربا الباب بكل قوته : مش هطلق يا سيلا ... مش هطلق لآخر يوم فى عمرى .. أنا حبيتك .. لقيت معاكى إسلام كان نفسى فيه ... إسلام كانت شيماء موتته بإهمالها ليا ... سيلا صدقينى القدر هو اللى جمعنا سوا ،علشان يصالحنا على نفسنا وعلى دنيتنا ..
تفتح سيلا الباب ويلقاها اسلام متلهفا ،فتبتعد عنه صارخة
سيلا : إوعى تلمسنى ... إبعد عنى ..
إسلام بحزن : ليه مش عايزة تصدقينى ؟ ليه مش عايزة تصدقى إنى حبيتك من ساعة ما شفتك فى الشباك وأنا لسه بفكر أتقدم لك ،و قلت لو بصت عليا تبقى قدرى. .. ولو مبصتش تبقى مش قدرى . وإلتفت لها وقال ، ولقيتك بصيتى عليا يا سيلا ؛ وخفتى ودخلتى جو ، تبقى قدرى .
تنظر له سيلا والدموع تنهمر منها ولا تصدقة ،جزء منها يصدقة ولكن كلمات شيماء كانت تتردد فى ذهنها وتجعلها ترفض ان تصدقة . وتتركه وتجرى بسرعة الى الحاج رشدى. .
شيماء وهى تصرخ وتنادى على اسلام وتجد سيلا تجرى الى الحاج رشدى ووراؤها اسلام
سيلا ببكاء: بابا الحاج ، إحنا كان فى بينا وعد .. يا ريت تخلى إسلام يطلقنى ..وحالا .
الحاج رشدى : فى إيه بس لكل دا ،إنتم كنتم كويسين ؟
شيماء وهى تنضم لهم : خلى إسلام يطلقها يا حاج ،طالما دى رغبتها وأنا كمان . مش عايزة ليا ضره .
إخرسسسسى : كلمه نكق بها إسلام بكل حده وكره ليكمل .
- طلاق مش هطلق يا سيلا ...
ليقف أمام سيلا ويقف بينهم الحاج رشدى ..
سيلا بإنهيار وبكاء : لو سمحت يا بابا الحاج العرب
ية ترجعنى إسكندرية ، ويا ريت تخلى اسلام يطلقنى ..
تنظر الى الحاج رشدى وتقول بتوسل : إنت وعدتنى يا بابا .
اسلام بعند وصراخ : مش هيحصل أبدا.
سيلا بتحد اشد منه : يا بابا إسلام كان متجوزنى علشان الشركة محدش غريب ينط له فيها بإسمى أو بإسم الولاد .
الحاج رشدى ينظر له وهو يتمنى ان يكون هناك خطأ ما ،ويسأله : الكلام دا مظبوط يا إسلام ؟
سيلا وهى ترد بدلا من اسلام : أييوة ..شيماء هى اللى قالت على الاتفاق ده لما عرفت إننا إتجوزنا ...
تلتفت الى شيماء وتقول لها بحده و ترفع :
- جوزك عندك اهه ... ميلزمنيش
تتجه للخروج من باب الغرفة ، وهى على الباب تقول : يا حاج رشدى ، لو سمحت إوفى بوعدك ليا يا حاج .
تخرج خارج المنزل ومعها ابنائها وتتجه الى الاسكندرية.
الحاج رشدى بصدمة مما سمعه : إنت يا إسلام !
مش مصدق
اسلام لا يتحدث ؛ يقف مصدوما من اصرار سيلا على الطلاق ومن سفرها للاسكندرية وعدم تصديقها له او لكلامه .
الحاجةرشدى يأمر إسلام : طلقها يا إسلام ..
يخرج صوت اسلام بوهن : مش هطلقها ..
استحاله أطلقها. . انا بحبها ..
شيماء صارخه : إيه !! بتحبها !!! من إمتى حبيتها؟ دلوقتى ولا وهى على زمة ماذن ؟ .
اسلام وقد تحمل منها مثيرا ليفقد اعصابه ويصفعها على وجهها صارخا : إخرسى بقى ... كفاية ...كفاية بقى سم قاعدة تبخيه فى وش كل واحد مننا ؛الاول سيلا ودلوقتى أبويا ، إمشى حالا وإلا أقسم بالله أطلقك حالا ..
تبكى شيماء وتخرج سريعا غير مصدقة ما سمعته ورأته من إسلام ،وتتوعد سيلا .
يجلس اسلام متعبا يردد مدافعا عن نفسه : والله حبيتها لما اتجوزتها ... متصدقوهاش .
الحاج رشدى بعند :برده هتطلقها
اسلام ناهضا بتعب : طلاق. .. مش هطلق .. موتونى ومش هطلق ، يخرج من الغرفة ويتجه الى غرفته ويظل بها وحيدا ...
يتبع .... عرض أقل
رواية مات زوجها وتزوجت أخيه الفصل الثالث عشر 13 - بقلم نجلاء ناجي ورشا مجدي
يجلس إسلام في غرفته ينظر إلى أركانها، يتذكر سيلا التي كانت معه بين ذراعيه في هذه الحجرة. لأول مرة يكون هناك ذكرى ومكان يجمع بينهما سوياً، بدون وجود ذكرى لأخيه ماذن. أحبها، نعم أحبها وكأنه لم يحب من قبلها. شيماء كانت شيئاً من التعود، زوجته وأم أبنائه، ولكنها لم تكن حبيبة، لم تلمس قلبه، لم تجعله يشعر بكل تلك الأحاسيس والمشاعر التي شعر بها مع سيلا. سيلا من جاهد ليبتعد عنها، فاكتشف أنه كان يقترب منها. يغمض عينيه عندما تخيل وجه سيلا وكأنه يحتفظ بصورتها في عينيه، فلا يريد أن يرى أي شيء آخر سواها.
سيلا... حب حياتي.
يجد إسلام نفسه يهمس بألم: "استحالة أطلقك أو أبعد عنك."
عند سيلا في شقتها في الإسكندرية.
تصل سيلا إلى شقتها وهي محطمة كلياً. أثناء الطريق لم تكف عن البكاء، ولم يكف السائق من الإشفاق عليها وهي تبكي بحرقة شديدة. تدخل سيلا إلى الشقة وتطعم الصغار، وتتركهم وتجلس في غرفتها تبكي. تتعجب سيلا من نفسها كثيراً، تتساءل في دهشة ووجع: "ماذا حدث لها؟ لماذا تبكي الآن؟" تسأل نفسها وكأنها لا تعرفها. "ألم أكن أحب ماذن؟ ماذا حدث الآن؟ هل أحببت إسلام؟" تقف أمام صورة ماذن تسأله بعينيها: "ماذا حدث؟" وكأنها تنتظر رده عليها. حاله من التشتت والضعف والتعب. اختناق شديد تشعر به وتخبط. تحدث نفسها بأنها حقاً قد شعرت بالأمان والاحتواء، ولكنه خدعها. خدعها حيث كان هدفه الشركة فقط. كل ما حدثها عنه من حب لها كان كذب، خواء، كلمات نثرها في الهواء وتلقتها هي وللأسف صدقتها.
تصرخ سيلا وتردد: "كذاب... كذاب كذاب."
يحاول إسلام الاتصال بها مئات المرات ولكن دون جدوى. لا ترد عليه سيلا أبداً، بل تبعد هاتفها بعيداً عنها. لا يمل إسلام من محاولته، فيتصل على تليفون المنزل ليرد عليه سيف ببكاء.
إسلام وقد جفل من صوت سيف الباكي فيسأله بلهفة: "مالك يا سيف بتعيط ليه؟"
سيف باكياً: "علشان ماما قاعدة تعيط وبتقولي كذاب، وأنا والله ما كذبتش على ماما في حاجة يا عمو."
يغمض إسلام عينيه في ألم مما يسمع ويقول بصوت هادئ، حتى لا يقلق سيف: "طب ماما فين دلوقتي؟"
سيف ببراءة: "في الأوضة بتاعتها وقافلة عليها وتقولي يا كذاب."
إسلام مطمئناً سيف بهدوء: "لا يا حبيبي ماما مش بتقول لك الكلام ده، متعيطش بقى."
سيف بأمل وسعادة وهو يقطع بكاؤه: "بجد يا عمو... ماما مش بتقول لي كذاب؟"
إسلام بألم وهو يعلم أنه جرحها جرحاً شديداً، وأنها تبكي في ألم وترفض الاستماع له وتصديقه. يعلم أنه هو المقصود بالكاذب، ولكنها رفضت حديثه ورفضت تصديقه.
"أيوه يا سيف، ماما بتقولها لحد تاني غيرك يا حبيبي، اقفل بقى ونام أنت ونوران ماشي."
سيف: "ماشي يا عمو."
يغلق سيف الهاتف، بينما يظل إسلام مغمض العينين في ألم شديد. يعلم أنها تتألم وتتعذب، يريد الذهاب لها واحتوائها، ولكنه يعلم أنها سترفض لقاءه ولن تصدقه. يتذكر الأطفال، فيبعث رسالة لها؛ في محاولة يائسة منه وهو يعلم أنها لن ترد عليه ولن تستلمها، ولكنه أرسل تلك الرسالة التي يخبرها فيها بأن أبناءها خائفان ويعتقدان أنها غاضبة منهما، ويطلب عليها أن تخرج لهما وتطمئنهما.
تجد سيلا الهاتف يصدر نغمة صغيرة، تمسك الهاتف وتجدها رسالة من إسلام، كانت ستقذف الهاتف بعيداً، ولكن كلمة الأولاد لفتت انتباهها، ففتحت الرسالة وقرأتها، ثم أغلقت الهاتف. تخرج سيلا ليث ونوران وتجلس معهما في محاولة منها لبث الطمأنينة لديهما.
عند شيماء وهي تتحدث إلى وليد.
شيماء: "بقولك إيه.. الطريق بقى فاضي ليك، كلها يومين وسيلا تطلق. يا تتجوزها أنت يا أشوف حد تاني يخلصني منها."
وليد بدون فهم وهو يعتدل في جلسته: "إنتي بتقولي إيه؟ وليه إسلام يطلقها؟"
شيماء وهي تضحك بسعادة حقيقية ثم تقول في غموض ومكر: "ملكش دعوة، المهم هي يومين وهتطلق، دورك جه بقى."
وليد مفكراً في كلامها ثم يقول: "خلاص تمام.. عرفيني بقى الأخبار."
شيماء بحقد: "ماشي، بس المهم تتجوزها وتبعدها عن طريق إسلام خالص."
وليد بهدوء: "تمام... تمام أوي."
في الصباح.
تذهب سيلا للشركة وتظل تعمل ولا تتحدث مع أحد، حتى وليد كانت تتلاشى التحدث معه. عندما حاول وليد فتح أي موضوع للحوار، لم تكن تعطيه فرصة للحديث، كل ما تريده هو أن تعمل وتعمل فقط. أما إسلام فلم يحضر للشركة، بل إنه قد كره ذهابه للشركة التي كانت سبباً في ابتعاد سيلا عنه.
عند الحاج رشدي.
يرى رمزي إسلام وهو جالس بمفرده في الحديقة، يقترب منه رمزي ويتحدث معه.
رمزي مشاكساً: "مش عادة يعني تبقى هنا أنت والولاد؟ أمال فين شيماء أو سيلا؟"
ينظر حوله في اهتمام ولا يجد أحداً، يرجع بنظره إلى إسلام الذي يجلس وينظر للاشيء.
إسلام بسخرية: " كلهم في الإسكندرية؛ سيلا وولادها و... شيماء."
نطق اسم شيماء بمنتهى الغل والغضب، وقد لاحظ رمزي ذلك، فتساءل بينه وبين نفسه عن السبب ولكنه آثر الصمت.
رمزي في محاولة لجعل إسلام يتحدث أكثر: "طب أنت مأجز يعني ولا قاعد عشان الحاج؟ لو عشان الحاج اطمن أنا موجود وهخلي بالي منه مت..."
لم يكمل كلماته فقاطعه إسلام بجمود واقتضاب وهو يقول: "شوية كده وهرجع تاني."
رمزي وهو يتفرس ملامح إسلام الحزينة: "مالك يا إسلام... حاسس إنك زعلان أو... تعبان؟"
إسلام بتنهد بحزن: "مخنوق شوية."
رمزي بقلق وهو ينظر إلى عيني إسلام ووجهه: "طب قول لي مالك يا إسلام... أشركني معاك."
إسلام وهو يرتشف من فنجان قهوته ويقول: "لما أحس إني أقدر أتكلم أكيد هقولك."
تحضر حسنات الخادمة.
حسنات: "أستاذ رمزي، الحاج رشدي عايزك في المندرة لوحدك."
رمزي وهو ينهض: "حاضر يا حسنات أنا جاي أهه."
يتجه رمزي للمندرة.
الحاج رشدي أمراً: "اقفل الباب وراك يا رمزي."
يدخل رمزي ويغلق الباب وهو يتساءل في داخله عن سبب ذلك وماذا سيقول الحاج له.
رمزي وهو يغلق الباب: "هو الموضوع كبير ولا إيه يا حاج عشان أقفل الباب."
الحاج رشدي بحزم وغضب وقد أفرغ غضبه: "فعلاً هو الموضوع كبير... كبير أوي ومعدش ينفع السكات عليه أكتر من كده."
يصمت الحاج رشدي قليلاً وينظر لرمزي الذي أكله الفضول لمعرفة ما يريد والده أن يخبره.
يتحدث الحاج رشدي: "طبعاً أنت بتسأل نفسك إسلام قاعده هنا ليه؟ صح؟"
رمزي بفضول: "الصراحة آه... حتى حاولت أسأله وأعرف منه، بس هو مرضيش يقول حاجة."
الحاج رشدي بحدة وصرامة: "اسأل نشوى مراتك وهي تقول لك كل حاجة... ده لو قالت أصلاً."
رمزي بدهشة: "نشوى!!"
الحاج رشدي بسخرية أكثر: "آه نشوى؛ اللي كل تفاصيل حياتنا بتتتنقل أول بأول لشيماء. وطبعاً شيماء مش بتتوصى واتخانقت مع إسلام وسيلا، وأهي سيلا طالبة الطلاق وإسلام هنا وشيماء هناك... والبركة في الست نشوى."
يصمت قليلاً ويكمل: "يا ريت يبقى ليك دور بقى وتخليها تنقل أخبارنا لشيماء.. ولا عاجبك حال أخوك."
رمزي غاضباً وهو غير مصدق لما يقوله والده: "أنا حذرتها كتير والله يا حاج. بس لازم آخد موقف منها، كفاية كده... كنت بتقول مش عايز مشاكل. لكن توصل لخراب البيوت، يبقى لازم لها وقفة."
ويخرج رمزي صاعداً إلى شقته والغضب يتطاير من حدقتيه.
"نشوى... نشوى."
تأتي له نشوى وهي تمسك زيد.
"أيوه في إيه يا نشوى؟"
رمزي: "من غير ولا كلمة كده يا نشوى؛ تلمي حاجتك وتعالي أوصلك لبيت والدك."
نشوى بدهشة عارمة وقد وقع قلبها بين قدميها: "ليه يا رمزي في حاجة؟ أنا عملت حاجة؟"
رمزي هادراً بغضب: "حذرتك كتير أوي يا نشوى، لكن توصل أنك تقولي لشيماء على كل حاجة وتخربي بيت أخويا.. ده لا يمكن أسكت عليه أبداً، لما تعرفي تحطي لسانك جوه بقك، أبقى أجيبك. متعلمتيش كده يبقى كل واحد فينا في حاله ونفارق بالمعروف."
نشوى مرتعشة بخوف: "عايز تخرب بيتك يا رمزي؟"
رمزي بغضب: "إنتي اللي خربتي بيت أخويا وبيتك كمان من نقلك للكلام. يلا بينا."
قال الكلمة الأخيرة بنبرة صارمة، آمرة، بحزم مطلق، ليس هناك من قصال أو حتى مجال للحديث.
تذهب نشوى مع رمزي عائدة إلى منزل والدها ومعها زيد ابنها، يستقبلها إخوها صادق وخالد.
صادق بتساؤل من رؤية حقيبة ملابس نشوى وابنها: "مالك... جاية معيطة ليه؟ رمزي زعلك؟"
تنظر له نشوى وتبكي بقهر وتقول: "عايز يطلقني."
خالد بانتباه ودهشة: "إيه!! ليه.. عملتي إيه؟"
نشوى تصمت ولا ترد، تنظر لهما ولا تجرؤ على الحديث، ماذا ستقول لهما؟ إنها أوشكت على خراب بيتها وبيت إسلام بسبب نقلها للحديث والكلام. تصمت ولا تتحدث، تكتفي بالبكاء فقط.
صادق بدهشة: "مترديش! قولي حصل إيه عشان نعرف نتكلم معاه."
خالد وهو يتناول هاتفه ويقول: "أنا هكلمه وأعرف منه إيه اللي حصل؟"
نشوى بتردد وتلعثم: "لأ... متكلموش؛ أصل... أصل أنا قولت حاجات حصلت في البيت لشيماء و... و حصل مشاكل بينها وبين إسلام بسبب كده."
خالد والغضب متملكه يعنفها: "حرااام عليكي يا شيخة، وإنتي مالك ومالهم، خليكي في حالك."
نشوى في محاولة منها لتبرير فعلها: "شيماء أختي وزي أختي؛ حبيبت أعرفها أن إسلام اتجوز سيلا.. غلطت أنا في إيه بقى؟"
صادق بدهشة: "وهي مكنتش تعرف أنهم اتجوزوا، دي البلد كلها تعرف."
نشوى يتلعثم: "لأ... تعرف... بس معرفش أنهم يعني...."
خالد وهو يصفق على يديه بدهشة، غير مصدق أفعال أخته: "نهار أسود عليكي... ودي كمان قولتيها."
نشوى باكية: "آه... قولتها."
صادق مكملاً لها: "وطبعاً شيماء جت وبهدلت الدنيا."
تهز نشوى رأسها موافقة وتقول: "وخلت سيلا طالبة الطلاق من إسلام."
خالد بغضب وهو يمسك ذراعها بجده: "إحنا مش قولنا نخلينا في حالنا وبس، ليه الأذية دي بس."
نشوى بباكاء وندم: "اللي حصل، وأهه رمزي عرف وقالي يا أبطل يا يطلقني."
صادق وهو يشير لها بغل: "إشربي بقى، ما هو الجزاء من جنس العمل. إيه اللي كان هيحصل يعني لو فضلت ساكتة. أديكي أذيتي نفسك وسيلا كمان."
نشوى بباكاء أكثر: "بس بقى أنتم هتزودوا وجعي، مش كفاية اللي أنا فيه."
صادق وهو يقلب شفتيه يأساً منها: "والله إنتي اللي عملتي في نفسك كده."
خالد وهو يشير لها على غرفتها: "خلاص، ادخلي أوضتك وأنا هكلم هند تعمل لك حاجة تهدّي بيها أعصابك."
تدخل نشوى إلى غرفتها وتجلس تبكي، غير مصدقة لما فعله رمزي. تدخل عليها هند ومعها كوب من الكركديه لتهدئ أعصابها.
هند بهدوء: "اتفضلي يا نشوى.. عايزة حاجة."
نشوى بألم: "لأ.. شكراً. إنتي أخبارك إيه مع خالد؟"
هند: "الحمد لله. ما تيجي تقعدي معايا بره بدل حبستك دي."
نشوى: "شوية كده وأخرج."
عند الحاج رشدي.
يجد الحاج رشدي إسلام جالس بمفرده، يجلس معه وهو ينظر له كثيراً.
الحاج رشدي بهدوء: "هتفضل هنا كتير يا إسلام وسايب شركتك ومراتك؟"
إسلام متنهداً بقوة: "مليش نفس أخرج أو أشوف حد."
يضحك بسخرية ويقول: "ومراتي واحدة مع أصحابها والتانية طالبة الطلاق."
الحاج رشدي: "طب مين يِمشي الشغل في غيابك؟"
إسلام وهو يمسك جبهته بيديه ويغمض عينيه ويقول: "بكلم السكرتيرة أو وليد بيقولهم يعملوا إيه."
الحاج رشدي منبهاً له: "وليد تااااني."
ينظر له إسلام وكأنه تنبه لوجود وليد في الشركة مع سيلا، فشعر بوخذة في قلبه ولكنه دارى شعوراً وارتباكاً.
الحاج رشدي: "طب فكرت ولا لسه؟"
إسلام بسرعة وحدة: "طلاق مش هطلق يا حاج."
الحاج رشدي بحزم: "أنا وعدتها إني هعمل اللي هي عايزاه يا إسلام."
إسلام بتوتر ظهر عليه: "أنا... أنا هسيبها لما تهدى شوية وهتكلم معاها."
الحاج رشدي: "طب خلي بالك من شغلك.. ومن ولادك اللي هنا دول مش ليهم مدارس."
إسلام بتعب واضح عليه وهو يغمض عينيه: "بعيدين يا حاج، بعدين، أرتب بس أفكاري ونفسي كده."
عند نشوى.
تجلس نشوى مع صادق وخالد وتلاعب هند زيد بمحبة. تنظر لها نشوى وهي تداعب زيد ويخطر في بالها سؤال.
نشوى: "ربنا يديكي يا هند."
هند متألمة وتحاول أن تخفي ألمها، فهي لم تنجب حتى الآن رغم مرور سنوات على زواجها: "يا رب يا نشوى... كله بأمر الله."
نشوى متسائلة: "يعني أنتم مسألتوش دكتور؟"
هند وهي تنظر لخالد وهي تجيب في إحراج: "روحنا، وعملنا تحاليل وأشعة وقالوا إننا كويسين بس ننتظر أمر ربنا."
نشوى بسرعة: "طب ما تجربوا أطفال الأنابيب."
هند وهي تنظر لها بدهشة: "تصدقي مجتش في بالنا... هقول لخالد عليها."
نشوى بامتعاض: "إزاي مجتش في بالك؟ بقالكوا خمس سنين متجوزين ومحتش في بالك!"
هند وقد عقدت العزم: "خلاص، هكلم خالد في الموضوع ده النهاردة."
صادق وهو يرى تقارب نشوى وهند، فحاى بجانب أخيه خالد وقال له هامساً: "أختك ومراتك اتلموا على بعض، ربنا يستر وما يكونوش بيتفقوا علينا."
خالد ساخراً: "هيتفقوا على إيه يعني؟"
تنظر نشوى إلى صادق وتقول: "وأنت يا صادق مش ناوي بقى تتجوز؟"
يضحك خالد كثيراً ويقول لها: "كانوا بيتفقوا عليكي يا معلم."
صادق بتوتر: "ناوي... وشفت واحدة عجبتني."
نشوى بفضول: "طب عرفني عليها؛ عشان أشوف مناسبة ليك ولا لأ."
صادق: "بعدين يا نشوى، مش دلوقتي."
يحاول صادق أن يغير الموضوع فهو لا يريد لنشوى التدخل في موضوعه حتى لا يتعقد الموضوع ولا تتم الزيجة، فهو يعلم أخته وطبعها.
نشوى بإصرار: "ليه بعدين؟ ما دلوقتي وأنا هنا."
صادق في محاولة لإنهاء الحديث: "لما تبقي الأول تتصالحي مع رمزي، وأكمن عليكِ."
ينهض صادق في محاولة منه للفرار من فضول نشوى ويدخل غرفته.
خالد وهو ينظر لنشوى: "وانتي يا نشوى مش ناوية تصالحي رمزي بقى؟"
نشوى بحزن وأسف: "بكلمه والله بس هو مش راضي يرد عليا.. أعمل إيه؟"
خالد بنصح: "يا نشوى، اتعلمي بقى إنك تبقي في حالك ومتدخليش في حياة غيرك."
نشوى معترضة: "هو أنا دخلت. أنا بس ساعدت شيماء، وعشان متكونش نايمة على ودانها."
خالد بدهشة ممزوجة بالغضب: "وآخرة مساعدتك دي إيه؟ مشاكل طبعاً.. صح."
نشوى بإنكسار: "كنت بساعدها والله."
خالد وهو متمالك نفسه: "إنك تعرفي غلطتك ده أول خطوة في التغيير، وإنك تحاولي تصلحي غلطك ده برضو أول خطوة في الإصلاح. لكن طول ما إنتي بتدي لنفسك أعذار يبقى الغلط هيتكرر دايماً. أنا من رأيي بقى رمزي يطلقك ويستريح وإنتي كمان ساعدي بقى براحتك."
ينهض خالد ليدخل غرفته وينادي على هند لتتبعه. تظل نشوى جالسة بمفردها مع زيد وهي تحدث نفسها وتفكر: "يعني أنا بعمل إيه بس، مش بعرف شيماء؛ عشان متبقاش نايمة على ودانها، وأهه يرده ربنا يبعت اللي تقف معايا في يوم من الأيام. هو أنا غلطت في حاجة!؟"
في حجرة خالد وهند.
ينظر خالد لهند ويجدها متوترة؛ تريد أن تتحدث معه في شيء ولكنها مترددة.
خالد بهدوء وتفحص لها: "مالك يا هند، حاسس إنك عايزة تقولي حاجة. قولي على طول."
هند يتوتر واضح: "أبدا بس يعني.. كنت بفكر في حاجة كده."
خالد بتساؤل: "حاجة إيه يا هند؟"
هند وهي تتلعثم في الحديث بخوف من غضبه: "إحنا ليه.... مجربناش.... أطفال الأنابيب دي يا خالد؟"
يرفع خالد حاجبيه دهشة ويقول: "إيه اللي جاب الفكرة دي في دماغك!!"
هند بتوتر أكثر وخوف أكثر وأكثر: "أ..أ...."
خالد بسرعة وبنفاذ صبر: "قولي من غير تردد مين؟"
هند بسرعة: "نشوى.. هي اللي أشارت عليا."
خالد وهو مغمض عينيه في غيظ وغضب: "نشوى... آآآه. طب ماشي يا هند. نصيحة بقى مني، متسمعيش كلام نشوى؛ بدل ما تخرب عليكي زيها... ماشي."
قال جملته الأخيرة وهو ينفث غضبه بها فأجابت هند بسرعة ولهفة: "إنت زعلت... والله مقصدتش، أنا عايزة أسعدك والله و..."
خالد مقاطعاً لها: "أنا سعيد وراضي بأمر ربنا... ومش عايز تدخل من حد في حياتنا."
هند بندم وهي تنظر للأرض خجلاً من فعلها: "أنا آسفة يا خالد.. وأوعدك مش هسمع كلام حد تاني."
خالد وهو يبتسم لها ويطمئنها: "ماشي."
في الصباح الباكر.
يستيقظ إسلام مبكراً ويخرج قبل استيقاظ الجميع ويتجه إلى الإسكندرية. يقف إسلام بسيارته بعيداً عن منزل سيلا ويظل يراقبها وهي تأخذ سيف ونوران إلى المدرسة بواسطة تاكسي، ثم تأخذ تاكسي آخر وتذهب للشركة. يظل إسلام يتابعها بسيارته وهو يشعر بالحنين لها، وبألم من تنقلها بأبنائها بالتاكسي. شعر بها كم هي حزينة ومنكسرة؛ ملامح وجهها تقر بذلك، طريقة مشيتها تخبره بذلك، نظرة عيناها للأشياء من حولها آلمت قلبه كثيراً.
يخرج إسلام هاتفه ويكلم وليد ليطمئن عليها.
إسلام: "صباح الخير يا وليد."
وليد: "صباح الفل.. أنت جيت الشركة؟"
إسلام وهو يتنهد: "لأ... لسه... هي سيلا جت؟"
وليد وهو يختلس النظرات إلى سيلا ويتحدث بصوت منخفض: "أيوه موجودة.. تحب تكلمها؟"
إسلام بألم: "لأ.. بس بسأل بس، هي أخبارها إيه؟"
وليد وهو ينهض ويخرج من المكتب ليتحدث براحة أكبر ولا تسمع سيلا الحديث: "مش عارف مالها، هي بتشتغل وبس، لاء بتكلم حد ولا حتى معايا؛ حاولت كتير أعرف منها في إيه بس هي مش عايزة تتكلم."
يغمض إسلام عينيه بعد سماع حديث وليد عن سيلا، ليفتحهما ثانية عند نداء وليد عليه.
وليد: "إسلام..."
إسلام بألم: "نعم..."
وليد وهو يجلي صوته: "معلش إني هتكلم في شيء شخصي، بس شوف سيلا زعلانة من إيه؟ شيماء قالت لي على اللي حصل، بس من رأيي إنك لازم تتكلم معاها، هي بتتألم أوي."
إسلام بسخرية: "وأنت يهمك إنها متتألمش صح؟ ولا مصلحتك إيه؟"
وليد وقد آلمه ما يظنه إسلام ولكنه تحامل على نفسه: "عارف إنت بتفكر في إيه كويس، بس كل اللي أقدر أقوله إن تفكيرك غلط.. أنا اتعاملت مع سيلا وعرفت هي قد إيه إنسانة محترمة، وبتحافظ عليك يا إسلام، يمكن تستغرب من كلامي بس هي دي الحقيقة.. يمكن أكون بتعامل معاها بطريقة تزعلك بس أنا آسف على اللي فات. المهم دلوقتي؛ أنا شايف إنسانة رقيقة فعلاً بتتألم، وإنت كمان بتتألم يا إسلام، حتى لو مشفتكش.. مفيش حد اتعامل معاها غير وحبها لأنها نقية، لكن هي اختارتك أنت يا إسلام، وحبتك أنت...."
إسلام مقاطعاً بغيرة واضحة: "يعني بتعترف أهه إنك حبتها وإنك..."
وليد مقاطعاً له: "بقولك كنت.. كنت؛ افهم بقى.. هي حبتك أنت واختارتك أنت، وبتتعذب منك أنت. افهم بقى."
قال آخر كلماته بعصبية مفرطة جعلت من يسير بجواره ينظر له بدهشة. فـ أشار لهم أن يبتعدوا عنه.
إسلام وهو يستمع إلى كلام وليد وقلبه يدق بشدة، أصبح ظاهراً عليها للجميع مدى ألمها، ومدى حبها له. عند تلك النقطة تتردد كلمات وليد ثانية (هي حبتك أنت، واختارتك أنت، وبتتعذب منك أنت).
وليد بحدة: "روحت فين؟"
إسلام منتبهاً: "معاك يا وليد، إن شاء الله هحاول أتكلم معاها.. بس لما تهدى."
وليد وهو يحاول أن يكون هادئاً: "طب يا ريت تيجي الشركة.. وجودك مهم للشركة في شغل متعطل، وكمان عشان هي تشوفك."
إسلام: "ربنا يسهل.. يس لو فيه أي جديد يا ريت تقولي.. سلام."
وليد: "سلام."
يمضي اليوم وإسلام يتابع سيلا وهي في مشوار الرجوع حتى وصولها إلى المنزل مع أبنائها. يذهب إسلام لعمل عدة مقابلات ثم يتجه إلى منزل سيلا.
رواية مات زوجها وتزوجت أخيه الفصل الرابع عشر 14 - بقلم نجلاء ناجي ورشا مجدي
طرقات على باب منزل سيلا.
لحظات وتفتح سيلا الباب لتجد إسلام أمامها وهو يبتسم لها.
مشاعر مختلطة بينهما، تتلاقى نظراتهما معا في عتاب طويل منها، ونظرة آسفة منه.
بين لهفة منه عليها، وعيناه تجول على وجهها وتفاصيله.
اشتاقها لحد الجنون، يريد أن يحتويها بذراعيه ويضعها حيث تنتمي له.
ارتعاشة تسرى في جسد سيلا وتخفض بصرها من نظراته الجريئة لها.
إسلام مبتسماً وبهمس: السلام عليكم. ادخل؟
سيلا بخجل وغضب: وعليكم السلام. اتفضل.
يدخل إسلام ويهلل الأطفال حينما يروه ويتقدمون نحوه مهرولين، ويرتمون في أحضانه ويقبلهم بكل شوق وهو يختلس النظرات إلى سيلا التي تقف وترى مدى محبة أبنائها له وكذلك هو.
سيف بحب: وحشتنا قوي يا عمو... هتلعب معانا؟
نوران: هتقعد معانا؟
سيف ببراءة: فين رنا وعز الدين؟
إسلام وهو ينظر إلى سيلا: عند جدو رشدي.
نوران: هتاكل معانا؟
إسلام مشاكساً سيلا وهو ينظر لها ويمسكها وهي تنظر له خلسة: لو ماما حبت إنها تأكلني... هاكل معاكم.
سيلا بتوتر وقد احمر وجهها خجلاً وغضباً من ملاحقته لها بنظراته: عادي... اتغدى مع الولاد.
إسلام وهو يقترب منها ويحمل نوران: طب وانتي... مش هتتغدى معانا؟
سيف ببراءة: ماما مش بتاكل خالص.
إسلام وهو ينظر إلى سيف ونوران ثم إلى سيلا: هتاكلي معانا النهارده... مش كدا يا سيلا؟
سيلا معتذرة: معلش أصل أنا مش جايلى نفس و...
إسلام مقاطعاً لها بهمس: علشان خاطر سيف و... وخاطري.
يرى إسلام ارتعاشة يد سيلا وهي تنهض وتذهب للمطبخ لتحضير الطعام.
ويظل إسلام يتابعها بعينيه حتى تختفي عنهما.
يظل إسلام يلعب مع سيف ونوران حتى يستمع إلى صوت سيلا.
سيلا: الغدا جاهز.
يتجه الجميع إلى المائدة، ويأكل الجميع وسط سعادة سيف ونوران وحديثهما مع إسلام وسيلا، ونظرات مختلسة من إسلام لها، وكذلك منها له.
بعد انتهاء الغذاء يلعب الأطفال قليلاً ثم ينامون.
ويبقى إسلام مع سيلا بمفردهما.
تحاول سيلا الابتعاد عن إسلام إلا أنه يعترض طريقها ويمسك يدها ويتجه إلى الردهة ويحدثها بحنان حب.
إسلام وهو يعطي لها مفتاحاً في يدها: في عربية موجودة تحت في الجراج ليكي، وباسمك.
سيلا بحدة: مش عايزة حاجة... أنا هشتري عربية.
إسلام في محاولة منه لامتصاص غضبها: خلاص العربية جت، وباسمك.
سيلا وهي تفرك يدها بتوتر: ماشي.
يقترب إسلام من جلستها، ويخرج علبة قطيفة، ويقربها لها.
تنظر سيلا للعلبة ثم تنظر له في تساؤل.
يبتسم لها إسلام ويهمس لها: شبكتك يا سيلا.
تنهض سيلا واقفة بسرعة وهي تقول بغضب: مش عايزة حاجة، وبعدين إحنا هنتطلق و...
ينهض إسلام بسرعة ويمسك ذراعها ويلفها له لكي تراه وتنظر في عينيه، ولكنها تلف وجهها للجانب.
فيمسك ذقنها ويدير وجهها لمقابلة عينيه وهي يهمس لها: طلاق... أنا مش هطلق يا سيلا. ليه مش عايزة تصدقيني... والله كل كلام شيماء كذب.
سيلا بعند، لا تعلم هل هي تعند معه أم مع نفسها لأنها أعطت له الفرصة.
قلبها يحدثها بأنه صادق، وعقلها يحدثها بأنه كاذب، فيتغلب صوت العقل على القلب.
سيلا: انت جاي تضحك عليا بعربية وشبكة.
إسلام وقد أُجْفِلَ ما سمعه منها: ألهذه الدرجة لا تصدقيه، لا تشعري به، لا يصلك إحساسه.
يتأمل عينيها في عتاب ثم يتحدث بحدة: أنا مش كدا يا سيلا... لو كنت عايز الشركة بس كنت عملت تخالص؛ وأديتك حقك وفلوسك، والعيال هيبقوا تحت وصاية الحاج أو والدتك وبعديهم أنا...
يتنهد ويزفر في قوة ويكمل: أنا فعلاً أديت لنفسي فرصة ثانية معاكي، وفعلاً حبيتك؛ وإلا ما كنت جيت لك هنا...
يبلع ريقه ويسند جبهته على جبهتها ويكمل: لو الموضوع كله عشان الشركة كان أبسط حاجة دلوقتي أديكي حقك وأطلقك زي ما انتي عايزة. بس... بس أنا فعلاً حبيتك، محسيتيش دا معايا؟
يشعر بأنفاسها السريعة على وجهه ويكمل: أنا قاعد عند الحاج، ومش هرجع إسكندرية غير عندك يا سيلا. فاهمة دا معناه إيه؟ أرجع ولا أخليني هناك؟
تبعد سيلا رأسها عنه قليلاً وتنظر له في عينيها وأنفاسه تلفح وجهها، لتقول بهمس وهو ينظر لعيناها ويرى مدى تخبطها وتشتت أفكارها.
سيلا: خايفة... خايفة أصدقك تطلع كداب، ويطلع كلام شيماء حقيقي.
إسلام مقاطعاً إياها وهو يضع أصابعه على فمها ويشعر بإحساس يدغدغ مشاعره فيقول بعزم: طب قولى لي أعمل إيه عشان تصدقيني.
سيلا بقلة حيلة وبكاء: مش عارفة... والله مش عارفة.
إسلام وهو يضع دبلته في إصبعها: أنا عارف إزاي...
ويقبل يدها ويعطي لها دبلته لكي تقوم بوضعها في إصبعه.
ينظر إسلام لها مطولاً ويقترب منها ليقبلها ولكنه ينتبه أنه في شقته مأذون فيبتعد عنها وسط نظراتها الحائرة.
يلمس إسلام وجهها بأطراف أصابعه وكأنه يقبلها، ثم يقول: أنا همشي بقى عشان الحق أرجع البلد.
سيلا بدهشة: هتسافر دلوقتى!
إسلام وهو يتجه إلى الباب وسيلا وراءه: أيوه عشان الولاد هناك، وبعدين أنا حالف إني مش هرجع إلا عندك.. بس مش هنا يا سيلا.
سيلا تنظر له ولا تفهم شيئاً.
إسلام: أنا هفهمك كل حاجة بكرة إن شاء الله.
يرسل لها قبلة في الهواء، فتبتسم له سيلا، ويغادر عائداً لمنزل الحاج رشدي.
عند نشوى...
يجلس خالد مع نشوى ويطلب منها زيد ليلاعبه قليلاً.
تتقدم نشوى وتجلس بحواره وتقول: خالد... معلش يعني، متروح انت وهند تعملوا أطفال أنابيب.
خالد ينظر لها شزراً ويقول: ده أمر ربنا يا نشوى، ولو الدكاترة قالوا لازم نعملها هنعملها يا نشوى. بس يا ريت تخليكي في حالك... كلمتي رمزي؟
هنا يحاول خالد أن يسيطر على غضبه، يعلم أنها فضولية كثيراً، ولكن يعلم أنها طيبة القلب أيضاً.
فأراد أن يسألها على رمزي حتى تنشغل نشوى بحالها وتترك الآخرين بحالهم.
نشوى بحزن: بحاول أكلمه بس مش بيرد عليا.
خالد بأسف: لسه متعلمتيش الدرس يا نشوى، يا ريت تلحقي قبل ما رمزي يطلقك.
نشوى بغضب: يعني أعمل إيه يعني عشان يرضى يكلمني.
خالد بحدة: عودي نفسك تخليكي في حالك وملكيش دخل بأي حد حواليكي... بلاش نقل الكلام والأخبار. صفي قلبك للي حواليكي يا نشوى.
نشوى ببراءة: هو أنا بكره اللي حواليا يا خالد... دا أنا بحبهم والله. يعني انت مثلاً عشان بحبك ونفسي أشوف عيالك بقول لك كدا. وصادق كمان عايزة أطمن عليه هو كمان؛ وأشوف البت اللي بيكلمها دي كويسة ولا وحشة مش إخواتي. أنتوا ليه مش حاسين بيا؟ ليه بتعتبروا اهتمامي تدخل في حياتكم.
خالد متأثراً بحديثها فيخفض من نبرة صوته قليلاً: في خيط رفيع بين الاهتمام والتدخل؛ وأعتقد إنك مش عارفاه. يعني إنك تدي نصيحة وبس، بلاش كل شوية تتكلمي، ولازم تعملوا وتسوا، إنتي متعرفيش اللي قدامك ده حاسس بإيه، ولا فيه إيه؟ الرحمة حلوة يا نشوى.
يزفر في هدوء شديد ويكمل: بالنسبة لموضوعك بقى تروحي تعتذري لإسلام وسيلا، وتخليكي في حالك. اتجوزوا، اتطلقوا، جم، مشيوا، ملكيش دعوة. تعرفي تعملي كدا يا نشوى ولا هتفضلي كدا؟
نشوى بحزن: هحاول... بس خلي رمزي يرجعني البيت.
خالد: روحي اعتذري لهم وتعالي يمكن لما يعرفوا إنك كدا اتغيرتي ويرجعلك تاني.
في ذلك الوقت كان رمزي يجلس في شقة الحاج رشدي، في غرفته حيث أنه لم يصعد إلى شقته منذ أن رحلت نشوى عن شقتها.
يشعر رمزي بالاشتياق لزيد، وبالغضب الشديد كلما يتذكر ما فعلته نشوى وما حدث بعد ذلك وجلوس إسلام معه في منزل والدهما.
يأتي اتصال هاتفي من خالد فيرد رمزي.
خالد: الو... السلام عليكم.
رمزي: وعليكم السلام. أخبارك إيه؟
خالد بهدوء: كله تمام يا كبير... أنا كلمت نشوى وهتيجي تعتذر لإسلام وسيلا وهتخليها في حالها... بس انت تابع بقى.
رمزي شاكياً إياه له: يعني يرضيك اللي حصل واللي بتعمله.
خالد متفهماً: لا ميرضنيش، وخدت من الحب جانب كمان. بس لازم معاها واحدة واحدة، وطول بالك عليها. خلي الحاج والحاجة يقولوا كل حاجة عشان نعرف نخلصها من العادة الهباب دي.
رمزي يتنهد ويقول: ربنا يسهل.
خالد: انت هتعمل إيه؟
رمزي: هرجعها بس لما أشوف إسلام عمل إيه في المشاكل بتاعته.
خالد متفهماً: عندك حق.
يغلق رمزي الهاتف ويجد إسلام يصل للمنزل ويخبره بأنه قد تصالح مع سيلا، فيقرر رمزي الذهاب إلى نشوى وإحضارها بعد أن يملي عليها شروطه.
عند سيلا...
تستيقظ سيلا على صوت الهاتف الخاص بها لتجيب عليه بصوت ناعس.
سيلا: الو... سلام عليكم.
تستمع سيلا لما يقال لها على الطرف الآخر، تتسع عيناها وتجلس على السرير، وهي لا تزال تستمع إلى المكالمة.
يسرع تنفسها، وتجحظ عيناها.
تضع يدها على فمها مانعة شهقة تخرج من فمها، تنهمر الدموع من عينيها وهي لا تزال تستمع للحديث، ثم تغلق الهاتف بكل ألم وأسى، وتظل تبكي.
بعد فترة من الوقت تنظر في ساعتها، وتتصل بوالدتها وتقص عليها ما سمعته من حديث بالمكالمة، حيث كان حديث مسجل بين إسلام وشيماء، ويقص فيه إسلام أنه ذهب إلى سيلا واستطاع خداعها ثانية بالعربية وما قدمه لها من شبكة.
تفكر هناء قليلاً ثم تسألها: انتي متأكدة إنه صوت إسلام؟
سيلا ببكاء: هو صوته يا ماما... أمّال عرفت منين إنه جاب لي عربية وشبكة. هو اللي قالها يا ماما.
هناء بتفكر: بصراحة أنا الموضوع ده حاسة إن فيه حاجة مش مظبوطة... وشيماء دي غرضها تبعدكم عن بعض.
سيلا: أنا عايزة أعرف عمل كدا ليه؟ من فين جاي يصالحني ومش عايز يطلقني، ومن فين رايح يقولها إنه ضحك عليا بالعربية. طب ما كان طلقني ووفر على نفسه، أنا مش عارفة أعمل إيه؟ وليه يعمل كدا؟
هناء: انتي ناوية تعملي إيه؟
سيلا باكية: مش هقدر أقعد على ذمته يوم تاني. لازم يطلقني.
هناء: يعني؟
سيلا: أنا هكلم الحاج رشدي وهقوله يخليه يطلقني أو هرفع دعوة طلاق.
هناء: بس برضه أنا بقول بلاش تتسرعي، حاسة إن فيه حاجة غلط.
سيلا بتشتت: أنا معدش عارفة الصح من الغلط هنا. أنا عايزة أبعد عنهم كلهم هاخد ولادي وأرجع دبي تاني.
هناء بدهشة: انتي بتقولي إيه؟
سيلا: بقول عايزة أبعد من هنا خلاص، البعد ده أسلم طريقة ليا، وهو حر ياخد الشركة، يدي للولاد حقهم براحته المهم أنا هبعد عن كل ده أنا وولادي... وشيماء تستريح وتبعد عني.
هناء: وإسلام... مفكرتيش فيه؟
سيلا وهي تبكي بألم: والله مش عارفة؛ بيقولي بيحبني، و... وبحس بيه فعلاً صادق، بس المشاكل كتير، وكمان التسجيل ده يدل إنه برضه بيكذب عليا، بس... بس حاسة إنه بيعمل دا عشان خاطر الولاد والشركة وإنه ميخسرش حد.
تبكي وتشُهق من البكاء: والله أنا تعبت، والله تعبت من كل ده وعايزة أبعد بقى... مليش في المشاكل دي كلها، أنا أحسن حاجة أخد ولادي وأسافر وأسيب الشركة لإسلام، لو الشركة اللي عايزها يبقى خلاص أهي بقت ليه؟
هناء متأثرة ببكاء سيلا: خلاص يا سيلا لو الطلاق والسفر هو راحتك يبقى خلاص... بس فكري الأول وبلاش تتسرعي. أنا حاسة إن فيه حاجة مش مظبوطة في الموضوع ده.
سيلا: ربنا يسهل يا ماما... مع السلامة.
تغلق سيلا الهاتف وتنهض لتوقظ أبنائها وتأخذهم إلى مدارسهم ثم تذهب إلى الشركة.
تدخل سيلا إلى مكتب إسلام مباشرة بعد أن سألت عليه وعلمت أنه بالداخل.
ينظر إسلام إلى سيلا مبتسماً لها ولرؤيتها، ثم تبدأ ابتسامته في التلاشي عندما يرى تجهم وجهها، وهي تضع مفاتيح السيارة أمامه، والعلبة أيضاً.
سيلا بحزم: مفاتيح عربيتك، وشبكتك أهي، مش أنا اللي تضحك عليها بدول. ورقتي توصلني.
ينتفض إسلام واقفاً من على الكرسي يتجه لها بخطوات سريعة، ويمسك ذراعها ويلفها إليه وهو يقول: هو إيه لكل دا؟ إيه اللي حصل؟ أنا مش فاهم حاجة؟ إحنا مش اتصالحنا امبارح وكنا كويسين؟
سيلا بصوت هادر غاضب: هي كلمة واحدة يا تطلقني يا هرفع قضية، أو أعمل خلع.
إسلام بدهشة: خلع!! ليه كل دا؟
سيلا بسخرية وغضب: عشان الشركة، واطمن... سيبالك الشركة كلها ومش عايزة منك حاجة.
تنفض ذراعها من يده وتلتفت لتذهب، فيمسك إسلام يدها ثانياً بعنف: مفيش خروج من الشركة؛ دي شركتك معايا.
سيلا بحزن وألم: مش كل حاجة بتعملها عشان الشركة، خلاص سيبها لك، وهدور على شغل في أي شركة تانية، أو أرجع الشركة في دبي.
إسلام بحدة وهو يكز على أسنانه: ومين هيوافق على كدا؟
سيلا بعند: هتشوف مين هيوافق على كدا.
تخرج سيلا من المكتب ومن الشركة، وإسلام مصدوم مما سمعه من سيلا.
يدور حول نفسه في المكتب يفكر ويحادث نفسه: ده أنا لسه جايب العيال ورتبت كل حاجة. إيه اللي حصل؟
ترجع سيلا إلى شقتها وتهاتف الحاج رشدي.
الحاج رشدي مبتسماً: إزيك يا سيلا.
سيلا وهي متمالكة نفسها: الحمد لله يا حاج... معلش ممكن أعرف عملت إيه في طلبي؟
الحاج رشدي مستفسراً: طلب إيه يا بنتي؟
سيلا بجمود: طلاقي من إسلام.
الحاج رشدي مندهشاً: أنتوا مش اتصالحتم! إسلام قالي كدا الصبح.
سيلا بقوة: شبكته وعربيته عنده؛ اللي فاكر إنه هيضحك عليا بيهم عشان الشركة وأنا سبت له الشركة كمان، وهدور على شغل في أي شركة تانية. بس دلوقتي أنا عايزة أطلق.
الحاج رشدي: يا بنتي.. ليه بس.. افهم.
سيلا وهي لم تعد قادرة على تمالك أعصابها فبكت، لا تعلم ماذا تقول له. أتخبره أنها بدأت تشعر بالحب تجاه إسلام، والذنب تجاه ماذن، وأنها كانت تعيش في صراع بين هذه الأحاسيس، وصدمت حينما علمت أن إسلام كان يفعل كل ذلك من أجل الشركة. يتلاعب بها وبقلبها من أجل الشركة. ما شعرت به معه كان خداع، ما أخبرها به من حبه لها، وأنه أول مرة يشعر بالحب كان معها كان أيضاً خداع. كل هذا من أجل الشركة، فها هي قد تركت له الشركة وبعدت عنه، لماذا الآن يريدها. ماذا تخبره أتخبره بسماعها للحديث بينه وبين شيماء يخبرها بكل ذلك. لم تجد سيلا غير البكاء وطلب الطلاق والبعد عنه بهدوء.
بدون حديث لا شيئ يستحق الحديث عنه.
الحاج رشدي: يا بنتي اتكلمي وبلاش تعيطي.
سيلا ببكاء: وحياتي عندك يا بابا تخليه يطلقني، ورحمة ماذن عندك خليه يطلقني.
ما إن سمع الحاج رشدي اسم ماذن حتى أغمض عينيه وأعتصرهما في ألم وتهدج صوته وقال: طب بس إهدي، وعرفيني إيه اللي حصل؟
سيلا بشهقة: محصلش حاجة، إنت وعدتني وياريت تنفذ وعدك.
الحاج رشدي مهدئاً إياها: طب هدي نفسك دلوقتي وأنا هتكلم مع إسلام وأشوف هنحل الموضوع ده إزاي.
أغلق الحاج الهاتف مع سيلا واتصل بإسلام وقص معه محادثته مع سيلا.
إسلام بغضب: أقسم بالله ما أعرف إيه اللي حصل، منا حاكي لك يا حاج امبارح إننا اتصالحنا. فجأة لقيتها النهاردة بتعمل كدا.
الحاج رشدي بغضب: يا إسلام البنت منهارة وعايزة تطلق. أكيد في سبب.
إسلام بعجز: والله ما أعرف حاجة أنا بايت عندك امبارح، وبعدين شغل إيه اللي الهانم عايزة تروحه ده... ومين هيوافق عليه؟
الحاج رشدي آمراً: إ سلااااام، سيبها تشتغل في المكان اللي عايزاه. وهي لما تهدى هحاول أتكلم معاها وأعرف فيه إيه.
يغلق إسلام الهاتف ويظل يدور حول نفسه في المكتب يفكر في حديث سيلا وحديث الحاج ولم يصل لأي سبب حتى الآن.
يمر أسبوع، وسيلا لم تعد تأتي الشركة، وإسلام لم يعد للمنزل عند شيماء.
تعلم شيماء أنه ليس عند الحاج رشدي.
تعود نشوى إلى منزل رمزي، وتجد سيلا عملاً آخر.
في منزل الحاج رشدي...
يدخل رمزي شقته وأشر بتطاير منه، ويناجي على نشوى بصوت عالٍ.
تحضر نشوى بدهشة: فيه إيه يا رمزي. خضيتني!
رمزي بحدة وغضب: إنتي عملتي حاجة تانية يا نشوى؟
نشوى بعدم فهم: حاجة إيه يا رمزي؟ أنا قاعدة هنا متحركتش.
رمزي بسخرية: يعني ما بلغتيش حاجة كدا ولا كدا لشيماء.
نشوى بصدمة: والله العظيم ما كلمت شيماء خالص من آخر مرة، وشوفي الموبايل كمان.
رمزي بحدة: أمال إيه اللي حصل تاني ده؟ إزاي عايزاني أصدق إنك مليكي يد وإنتي كنتي السبب المرة اللي فاتت.
نشوى ببكاء وحزن: والله العظيم مظلومة يا رمزي، ومليش دخل في حاجة.
رمزي بعدم تصديق لها: يكون في علمك، لو إسلام طلق سيلا، أنا كمان هطلقك. لأني زهقت منك، وباين إن طبعك ده مش هيسيبك.
نشوى ببكاء وقهر: والله ظالمني يا رمزي، لا كلمت شيماء ولا أعرف حاجة خالص وأول مرة أعرف في مشاكل منك دلوقتي.
رمزي: أنا هنام مع زيد لحد لما نشوف هنرسى على إيه.
ويتركها ويخرج لتجلس نشوى تبكي.
في الشركة...
يدخل وليد على إسلام المكتب وهو يباشر عمله، يرفع إسلام رأسه إليه، مستفهماً من دخلته تلك.
وليد وهو يدخل بفخر من نفسه: عرفت لك بتشتغل فين؟
إسلام وهو يترك ما بيده بلهفة: فين؟
وليد بتردد: في شركة الفخري للمقاولات.
إسلام مردداً الاسم ويحاول تذكره: الفخري... الفخري.
وليد: ده... يبقى ابن عمنا... بس...
إسلام بحدة وقلق: بس إيه ما تنطق.
وليد بتردد: شوف أنا عن نفسي مش مستريح ليه.
إسلام بقلق وحدة: ليه بقى؟ متوضح يا أخي أنا هشد الكلام.
وليد: بصراحة معندوش ضمير، يعني رشاوى ممكن، غش في المواصفات ممكن. ده غير إن أخلاقه مش كويسة.
إسلام متوتراً: ودي إيه اللي وقعها الوقعة الهباب دي.
وليد وهو يبلع ريقه: بصراحة أنا شاكك في...
إسلام وهو ينظر له بيكمل...
وليد: شيماء أختي.
إسلام منتفضاً: إيه... شيماء... ليه؟
وليد متنهداً: شوف يا إسلام، بصراحة كدا ومن غير أي مقدمات شيماء كانت عايزاني أقرب من سيلا وأخليها تطلق منك، وأتجوزها أنا وأبعد. فممكن تكون هي اللي كلمت فخري.
إسلام وهو يمسك بملابسه: وانت ما صدقت بقى، وأنا العبيط اللي خليتك تدربها وتبقى معاك في المكتب. وانت كنت قاعد تكلمها وتفسح العيال صح؟
وليد مستسلماً له: أيوه صح، بس انت كنت فين منهم، انت كنت بعيد، أنا مش بدي لنفسي عذر. أيوه حصل كدا وفعلاً كنت بعمل أي حاجة عشان أقرب منها بس هي مدتش فرصة ليا أبداً؛ دايماً كانت صداني، عرفت هي قد إيه محترمة وده زاد من احترامي ليها. مسئلتش نفسك أنا بساعدك ليه، رغم إنها ضرة أختي؟ عشان هي نقية، ومحترمة.
يضربه إسلام لكمة في وجهه ويقول: دي عشان حاولت تقرب منها.
خفت يده من مسكته، وهو يفكر في حديثه، ثم يتركه ويجلس: شيماء تعمل كل دا؟ حسابها تقل قوي معايا.
وليد: بقولك إحنا لسه مش متأكدين.
إسلام بغضب: والله لو طلع ليها يد ليكون حسابها عسير قوي معايا.
وليد: المهم دلوقتي ناوي تعمل إيه؟
إسلام وهو يقف: مش محتاجة كلام، هروح لها وأحذرها.
رواية مات زوجها وتزوجت أخيه الفصل الخامس عشر 15 - بقلم نجلاء ناجي ورشا مجدي
يخرج إسلام ويتوجه إلى شقة سيلا مباشرة.
أثناء الطريق، أخذ يفكر كيف سيكون حواره معها. أخذ يعد الكلمات وماذا سيقول لها، ويتوقع رد فعلها الرافض له ولحديثه. ولكن، أصر على شيء واحد وهو ضرورة تركها للعمل بشركة الفخري.
يصل إسلام إلى منزل سيلا ويطرق الباب.
تفتح له سيلا وهي ترتدي تريننج رياضي وترفع شعرها في ذيل حصان.
همسة منها باسمه أضاعت كل ما في ذهنه من حديث منمق وكلمات للصلح، وأصبح كل ما في رأسه هو أنه لا يريد الابتعاد عنها.
أما سيلا، فمنذ أن رأته فجأة أمامها وهمست باسمه، وشعرت بعينيه تحتويها. إلا وقد أثارت بها مشاعر كثيرة مضطربة بين شوق وحنين، حزن وألم وغضب. غضب كبير من خداعه لها.
يتمالك إسلام نفسه ويجاهد ليخرج صوته طبيعيًا.
إسلام بهدوء ظاهري: أدخل.
سيلا وهي تتنحى جانبًا وتترك له جانب الباب ليعبر وتشير له بالدخول.
يعبر إسلام الباب ويدخل عدة خطوات وينتظرها تغلق الباب وتلحق به. وتسبقه إلى الردهة تشير له بالجلوس، ولكنه يظل واقفًا على مسافة منها وهي واقفة مثله.
إسلام: عاملة إيه دلوقتي أنتِ والأولاد؟
سيلا وهي تتحاشى النظر له: الحمد لله.
يخطو إسلام خطوة ويسألها: مش ناقصكم حاجة؟
سيلا وهي لا تزال واقفة في مكانها: شكرًا.
إسلام وهو يخطو خطوة أخرى ويقف أمامها مباشرة، وقد تخلى عن تماسكه، وبهمس وشوق جارف: وحشتيني.
ترفع سيلا وجهها له لتجده واقفًا أمامها مباشرة وعيناه مسلطتان عليها. ترتجف سيلا من ذلك، ولكنها تحاول التماسك وتهمس بتوتر:
- نعم... ليه؟ أنا... أنا سبت لك الشركة. جاي تقول كده ليه؟
تبتعد خطوة للوراء.
يغضب إسلام من كلامها فيتقدم منها خطوة كبيرة ويصبح أمامها ولا يفصل بينهما إلا سنتيمترات قليلة جعلت أنفاسه على وجهها تضطربها أكثر وأكثر.
- انتي ليه مش عايزة تفهمي إن لا الشركة ولا الفلوس تهمني... يتهدج صوته وهو يقول:
إنتي بس اللي تهميني...
لا تنكر سيلا أنها تأثرت بجملته الأخيرة، ولكنها تماسكت. فهي تعرف أنه قد يخدعها لسبب لا تعرفه هي، ولكن ستعرفه لها الأيام. أو شيماء.
ترد سيلا بحدة: أنت جاي ليه دلوقتي؟
إسلام وهو يغمض عينيه ويحاول السيطرة على غضبه منها ويكز على أسنانه محاولًا الهدوء:
- جاي... أحذرك من فخري وشركة. أنا عرفت إن شغله مش مضبوط. قلت أعرفك علشان تمشي منها. ومتمضيش على أي ورقة هناك.
سيلا بعند: ليه إن شاء الله؟
إسلام مقاطعًا في حده من عندها وسخريتها:
- لأنه ابن عم شيماء. وخايف يكونوا بيعملوا حاجة ليكي... يتهدج صوته وهو يقول ها... مصدقاني في دي كمان ولا لسه؟
لا تنكر سيلا أن كلماته لامست قلبها، ولكنها تخاف أن تصدقه. هناك شيء من عدم الثقة زرع بينهما. تظل تنظر له في حيرة من أمرها، قلبها يصدقه وعقلها يكذبه. حتى ينتصر عقلها في النهاية بأنه يخدعها عندما يذكرها بصوته في التسجيل التليفوني الذي أرسلته لها شيماء دليلًا على صدق كلامها.
سيلا بتردد: طب أمشي من الشركة... بس بشرط.
إسلام متلهفًا وبسرعة: شرط إيه... قول لي.
سيلا بتردد وهي تريد أن ترى عينيه حين تقول له شرطها، وفي نفس الوقت لا قدرة لها على الاستمرار في النظر له لأنها تشعر بالضعف أمامه.
- تطلقني.
تقول كلمتها، وما إن رأت الغضب في عيني إسلام حتى أخفضت عيناها بسرعة وكأنها تخفي نفسها عن نظره.
إسلام بغضب شديد: إيه الكلام ده... انتي عايزة تطلقي وبس... طب ليه؟
بركان من الغضب يشعر به إسلام، يخشى أن تكون سيلا لا تحبه ولا تبادله الحب. يخشى أن ما شعر به منها كان وهم. قلبه يقسم أنها تريده. وعقله يشد على كبريائه ورفضها له ولحبه.
يفيق من شروده الغاضب على صوت سيلا وهي تجيب عليه بضعف:
- علشان أعرف أرجع أشتغل في دبي.
إسلام وهو يمسك ذراعها بقوة ويهدر بغضب:
- استحالة ترجعي دبي تاني. مش هسمح بكده. فاهمة؟
سيلا باكية: طب أعمل إيه... أعمل إيه؟
المشاكل في كل حتة وأنا تعبت. تعبت والله العظيم تعبت. علشان كده هاخد ولادي وأبعد عنكم كلكم. علشان ترتاحوا وتريحوني.
إسلام متأثرًا بدموعها وانهيارها بين يديه:
- طب تعالي الشركة تاني... أنا خايف عليكي بلاش فخري. ارجعي شركتك.
سيلا بحدة وغضب: مش شركتي. دي بتاعتك وبتاعة ولاد أخوك. أنا مليش فيها حاجة. ولو ليا سيباهالك. علشان متضطرش تمثل عليا إن بتحبني ولا تستمر في الجوازة دي.
إسلام بغضب وهو يحاول أن يتمالك نفسه من كلامها:
- بتعندى على مين؟ ولا ليه؟
سيلا بألم: مش هرجع شركتك تاني. ارتاح بقى. أنا على استعداد أشتغل في أي حتة ومع أي حد إلا انت.
إسلام بمرارة: ليه؟ للدرجة دي كرهاني؟
يشعر إسلام بمهانة له من كلامها. لا يدري أنها تحاول أن تجرحه كي يطلقها ويبتعد عنها حتى لا تتأثر به أكثر من ذلك. لا يعلم أن بقربه منها يشتتها ويضعفها. لا يعلم أنها أحبته وتشعر بتأنيب الضمير، وكلما تذكرت كلماته بأنه تزوجها من أجل الشركة فقط تكره نفسها لحبها وضعفها له. لا يعلم كل ذلك، فقد نجحت سيلا أن توصل له إحساس كرهها ونفورها منه. بل زادت وضغطت عليه أكثر وأكثر.
لا يعلم أنها تؤلم نفسها قبل منه بهذه الكلمات وأنها تبكي في داخلها، ولكنها تريد البعد عن كل ذلك، تخشى خداعه. تخشى أن يكون ذلك خداع.
سيلا بألم وهي تنطقها، تعلم أنها ستجرحه ولكنها استمرت حتى تحصل على ما تريد:
- علشان كداب. ضحكت عليا وقلت حبيبتني وكان علشان الشركة. أنا سبتهالك أهي، عايز إيه بقى؟
يدهش إسلام من قسوتها وكلماتها. يشعر بجرح غائر في كرامته. نجحت في إيلامه وتوصيل كرهها له ونفورها منه. يتأملها قليلًا بحزن شديد. وتتأمله هي بحب وخوف. وكأنها تشبع عيناها منه لتأكدها من أنه سيبتعد وينفذ طلبها ولن تراه ثانية. ولن تهنأ بقربه منها هكذا مرة أخرى.
يبتعد إسلام عنها بخطوات حزينة بطيئة ويتجه إلى باب الشقة. يقف ويحدثها وهي تقف خلفه. يلتفت وجهه قليلًا وينظر لها من طرف كتفه:
- الشركة تسيبيها. ومكانك موجود في شركتك ترجعيه في أي وقت.
يخرج إسلام بسرعة من الشقة وهو يشعر بالتخبط والاختناق. ألم يعتصر قلبه. لم يطاوعه لسانه على نطق ما كانت تريده. ولم يطاوعه قلبه على تطليقها. وعنفه عقله لضعفه أمامها وتركها.
تنهار سيلا أرضًا وتبكي مؤنبة نفسها لقسوتها له وجرحها له. تحبه وتخشاه. تريده وتدفعه دفعًا للبعد عنها. أصبحت على حافة الانهيار ولا تعرف بمن تستغيث.
تظل تبكي سيلا مدة طويلة. ونجد هاتفها يرن. تمسكه بسرعة ظنًا منها أنه إسلام دون حتى أن ترى من المتصل.
سيلا: الو.
المتصل: السلام عليكم. أزيك يا سيلا لسه فكراني؟
سيلا وهي تأخذ نفسها بشهقة من جراء البكاء: معلش ممكن حضرتك تفكرني.
المتصل: أنا دكتور أحمد.
صوتها بنبرته تلك أثار قلقه عليها. وحمد الله أنه ضعف هذه المرة وطاوع نفسه واتصل بها. ليأتي اتصاله لها في وقته.
سيلا: آه... أزيك يا دكتور أحمد.
أحمد بتساؤل: انتي كنتي بتعيطي؟
سيلا وهي تمسح عيناها: لا... أبدًا.
أحمد: أخبارك إيه؟
سيلا وهي تتماسك وتحاول أن تجعل نبرة صوتها طبيعية: الحمد لله كويسة.
أحمد بحرج: وأخبار الأولاد و... وجوزك إيه؟
سيلا وهي تضغط على شفتيها بألم: الحمد لله.
أحمد مبررًا اتصاله: أنا حبيت بس أطمن عليكي. لو عزتي حاجة كلميني... إحنا أصدقاء.
سيلا يتردد: بصراحة... آه أنا... أنا عايزة...
وتصمت.
أحمد بسرعة: عايزة إيه يا سيلا... قول لي. متتكسفيش.
سيلا بسرعة: أنا عايزة أشتغل.
أحمد مفكرًا: علشان كده كنتي بتعيطي؟
سيلا تصمت ولا ترد.
أحمد وقد احترم صمتها: طب شوفي. انتظرى مني مكالمة تانية. أوكي.
سيلا: أوكي. مع السلامة.
تنهي سيلا المحادثة وتنهض لتتابع ما عانت تفعله في حزن وشرود. ويبقى أحمد يفكر أين يجد لها عمل وبسرعة.
في الصباح تذهب سيلا لشركة الفخري وتقدم استقالتها وتعود إلى منزلها.
أما الفخري فيجري اتصالًا هاتفيًا بشيماء.
الفخري بغيظ: العصفورة طارت النهارده.
شيماء عدم فهم: عصفورة إيه؟
فخري: سيلا قدمت استقالتها ومشيت.
شيماء بدهشة: إيه! ليه؟
فخري: معرفش. جت قدمت استقالتها ومشيت. حاولت معاها كتير وهي موافقتش خالص.
شيماء بغل: وإسلام لسه مطلقهاش للأسف. حتى بعد ما سمعتها التسجيل اللي عملناه قلت أكيد هتخليه يطلقها بس لسه مطلقهاش. وانت معرفتش تعمل حاجة.
قالت آخر جملتها بصوت عالٍ وبغضب أشد.
فخري بغضب: هو أنا لحقت؟ وبعدين البت دي مش عاطية فرصة لحد معاها.
شيماء بغيظ: طب والعمل.
فخري: العمل عمل ربنا بقى. يلا سلام.
عند نشوى...
تحاول نشوى أن تتفاهم مع رمزي وهو رافض الحديث معها ظنًا منه أن لها يدًا في المشاكل الأخيرة بين إسلام وسيلا.
تتصل نشوى بإسلام وتروى له ما حدث من رمزي.
نشوى بحزن: والله العظيم المرة دي أنت مظلومة فعلاً... بس رمزي مش عايز يصدقني... ونايم مع زيد في الأوضة.
إسلام بحرج: أنا أخاف أكلمه يقول لي عرفت منين؟ ويعرف إنك كلمتيني والمشكلة تكبر.
نشوى ببكاء: طب أعمل إيه؟ رمزي مش راضي يتكلم معايا.
إسلام: طب هحاول أتصرف.
ينتهي الاتصال وتذهب نشوى لتحضير الفطار وتوقظ رمزي.
نشوى هامسة: رمزي... اصحى يا حبيبي.
رمزي يفتح عينيه ويتثاءب ويقول: صباح الخير.
نشوى بحنان: الفطار جاهز يلا علشان نفطر سوا.
يتذكر رمزي غضبه منها، فينظر لها ولا يرد، وينهض ويدلف إلى الحمام.
تنظر له نشوى وهو يدلف للحمام بحزن من نظرتها لها وعدم حديثه.
على الفطار...
نشوى وهي تحاول أن تجعله يتحدث معها:
- لسه مش عايز تصدقني يا رمزي؟
رمزي يأكل ولا يرد.
نشوى تشعر بغصة في حلقها ولكنها تتماسك وتكمل والدموع في عينيها: والله مظلومة، بلاش تظلمني يا حبيبي.
ينظر لها رمزي وقد تأثر من حديثها ومنظرها، ولكنه لا يرد عليها، ظناً منه أنها سبب ما حدث. لا يعلم قلبه يصدقها، ولكن عقله رافض تصديقها لما لها من أفعال في الماضي.
تكمل نشوى بحزن وألم: المرة اللي فاتت آه كنت أنا اللي بلغت شيماء، لكن المرة دي والله ماليش يد في حاجة.
رمزي بسرعة: عايز أعرف... هم إيه اللي حصل بينهم خلاهم واقفين على الطلاق. خايف يكون ليكي إيد في الموضوع ده، وساعتها مش هسامحك.
نشوى بسرعة: والله العظيم ماليش يد في حاجة... طب لو طلع ليا يد من قريب ولا من بعيد أنا اللي من نفسي همشي وأسيب البيت.
تصمت قليلاً وتقول بهمس:
- والله بحبك... ووالله العظيم أنت ظالمني بظنك ده... بس برضه أنا مسامحاك.
ينظر لها رمزي ولا يرد. في داخله يصدقها ولكنه يريد التأكد. ينهض ويخرج إلى عمله. توقفه الحاجة صفية في الحديقة.
الحاجة صفية: صباح الخير يا رمزي.
رمزي بإبتسامة جاهد في إخراجها: صباح الخير يا حاجة.
الحاجة صفية متفرسة ملامحه: شكلك معرفتش تنام امبارح... أكيد طبعاً ما أنت هتنام إزاي وتاخد راحتك جنب زيد... مش برضه بتنام جنبه.
يدهش رمزي من كلام والدته، كيف علمت بذلك؟ يرفع وجهه لشقتهم متوعداً، ظناً منه أن نشوى قد أبلغت والدته بذلك.
الحاجة صفية وقد فهمت ما يفكر فيه:
- مش نشوى اللي قالت لي... زيد اللي قالي إنك بتنام جنبه بقالك كام يوم... ليه؟
رمزي وهو يشعر بتأنيب الضمير لظنه السوء في نشوى: حاجة بسيطة.
الحاجة صفية بحزم: إيه السبب يا رمزي؟
رمزي: خايف يكون ليها يد في مشكلة إسلام وسيلا...
الحاجة صفية بدهشة: اتأكد طيب.
رمزي بحيرة: لأ... بس...
تقاطعه بحده: يعني عامل مشكلة ومخاصم مراتك وسايب أوضتك ونايم عند ابنك عشان حاجة أنت مش متأكد منها.
صالح مراتك، ولما تتأكد ابقى اعمل اللي يريحك. فاهم؟
رمزي: حاضر يا ماما... عن إذنك هروح المصنع.
الحاجة صفية بهدوء: اتفضل... وكلامي يتنفذ يا رمزي بلاش تمشي ورا ظن أنت مش متأكد منه.
رمزي موافقة: حاضر يا حاجة.
يذهب رمزي وهو ينوي على مصالحة نشوى.
تخبر الحاجة فاطمة إسلام بما حدث، فيفرح كثيراً ويشكرها، لأنه لجأ لها وساعدته، بذكاء وحكمة.
تخبر الحاجة صفية نشوى بما فعلته، فتهللت أسارير نشوى كثيراً لذلك.
عند الطبيب...
يدلف الطبيب إلى حجرته، يحدق هو وزوجته وأعينهما متعلقة به في لهفة وأمل، قلوب تدق بقوة خوفاً وترقباً وأملاً ودعاء.
الطبيب: كل التحاليل بتقول إن كل شيء تمام، أنتم بس تمشوا على العلاج ده 3 شهور، أنا بدي فرصة ليكم للحمل الطبيعي... لو محصلش هنعمل أطفال أنابيب، والنسبة فيها عالية إن شاء الله. إيه رأيكم؟
خالد: كله على الله يا دكتور.
الطبيب: أهم حاجة الحالة النفسية، ده أهم من العلاج... مش للمدام بس لا ولحضرتك كمان.
نظر لها ووجه لها الحديث:
- 3 شهور يا مدام وهتيجوا تاني وطبعاً عارفين التحاليل اللي هتعملوها، دي ورقة بيهم.
خالد: ألف شكر ليك يا دكتور.
الطبيب بإبتسامة: اشكرني يوم ما تشيل ابنك على إيدك إن شاء الله.
يخرج خالد وهند وهما يدعوان الله في كل خطوة من خطواتهما أن يرزقهما بالذرية الصالحة.
بعد عدة أيام تتلقى سيلا اتصالاً هاتفياً من دكتور أحمد ويبلغها بأنه وجد لها عملاً في المستشفى الخاص الذي يشارك فيه، بعد تركه العمل في مستشفى البلدة. تفرح سيلا كثيراً وتأخذ العنوان لتبدأ العمل كسكرتيرة في المستشفى.
يمر شهر...
وسيلا تعمل في المستشفى مع الدكتور أحمد، يعلم إسلام بذلك ولم يستطع إثنائها عن العمل معه، يتلمس معرفة أخبارها من بعيد، من خلال سيف ونوران والحاج رشدي.
يتابع الحاج رشدي بعد إسلام عن سيلا وعملها في المستشفى ومعرفته أيضاً ببحث شيماء المضني عن المكان الذي يبيت إسلام به كل ليلة.
يعلم إسلام بذهاب سيلا إلى منزل الحاج رشدي وقضاء أسبوع به.
في منزل الحاج رشدي...
تجلس سيلا في الحديقة وهي تشاهد سيف ونوران يلعبان وتتابعهما بعينيها، تشعر بحاجتها للنوم الشديد، فتصعد لتنام في شقتها طول اليوم.
في الصباح وعلى الفطار...
يجلس الجميع لتناول الفطور ويقبل إسلام ومعه عز الدين ورنا ويسعد سيف ونوران كثيراً.
يختلس إسلام النظرات إلى سيلا وهو يتعمد ألا ينظر لها أمامها، وكذلك حزنت سيلا كثيراً عندما وجدته لا يعيرها اهتماماً بل يتحاشى النظر لها، فشعرت بالألم وهي تعلم أنها من فعلت ذلك. اختلست نظرة عليه وأغمضت عينيها. بينما كانت هناك عيون تراقبهما وترى حيرة وتعب كلاهما وكبرياءه القاتل.
سيلا وهي تنهض بتعب: طب عن إذنكم أنا طالعة فوق.
الحاجة صفية بدهشة: مش تكملي فطارك يا بنتي!
سيلا وهي تنظر لها: خلاص يا ماما الحاجة.
إسلام ناهضاً، وهو يتحاشى النظر لها:
- كملي فطارك أنا ماشي أصلاً.
وقعت الكلمة كالصاعقة على أذن سيلا فجحظت عيناها ثم بغضب قالت:
- مش عشانك، أنا أصلاً حاسة إني عايزة أنام.
الحاجة صفية بدهشة: تنامي! هو انتي تعبانة يا سيلا؟
تخطف الكلمة انتباه وقلب إسلام، من إيه تعبت؟ يستمع لباقي الحديث.
- انتي من امبارح نايمة، ودلوقتي عايزة تنامي تاني؟
سيلا وقد ظهر التعب عليها جلياً:
- باين إني أرهقت نفسي الفترة اللي فاتت في الشغل، علشان كدا التعب حل عليا. تجاهد سيلا لتفتح عينيها.
إسلام وقد غضب من ذكرها أنها أجهدت نفسها في العمل ونظر لها متفحصاً إياها بدقة، وحرص ألا يظهر اهتمامه بها، فأخرج صوته هادئاً عكس ما يشعر به من لهفة وغضب منها.
- طب اطلعي نامي... أو نامي هنا أحسن عشان ماما تتابعك.
سيلا وأصبحت لا تقدر على فتح عينيها، فتستسلم وتذهب لتنام بغرفة مأذن وهي تقول: حاضر.
تنام سيلا حتى أذان المغرب. ويلقي إسلام نظرة عليها وهو واقف على باب الغرفة ليجدها تنام في ثبات عميق ولا تشعر بفتح الباب ولا بوقوفه.
يذهب إسلام إلى والديه ويسألهما بقلق:
- مش ملاحظين إن سيلا نامت كتير؟
الحاج رشدي: يمكن تكون فعلاً التعب حل عليها.
إسلام شارداً: يمكن برضه.
نشوى: أنا ملاحظة إن وشها أصفر قوي، يمكن من كتر النوم وهي مش بتاكل حاجة. أنا هقوم أعمل لها كوباية لبن.
الحاجة صفية: كتر ألف خيرك يا نشوى.
تذهب نشوى للمطبخ لإحضار كوب اللبن، ويقول إسلام مندهشاً من تصرف نشوى وتغيرها:
- من امتى؟
الحاجة صفية ضاحكة: من زمان، والله اتغيرت وبقت كويسة أوي.
تشرب سيلا اللبن وتنام ثانياً. بعد فترة تستيقظ سيلا وتجلس معهم وتحضر هدى لها الطعام وتأكل سيلا.
الحاج رشدي ضاحكاً: هل هلالك... أخيراً صحيتي!
سيلا ضاحكة بحرج: والله يا بابا مش عارفة إيه اللي بيحصل لي، بكون صاحية فايقة، آكل أو أشرب ألاقي نفسي عايزة أنام، لدرجة إني ممكن أنام وأنا واقفة.
تجذب الكلمات اهتمام إسلام، ويفكر فيها ويسألها: للدرجة دي أجهدت نفسك الفترة اللي فاتت؟
كان يعتقد أنه نجح في إخفاء غيرته وغضبه، ولكن كانت غيرته واضحة للجميع حتى لسيلا رغم شعورها بالنعاس إلا أنها من داخلها كانت سعيدة، لأنه يغار عليها.
سيلا بنعاس، وهي تفرك جبينها: مش عارفة بصراحة... أنا... أنا عايزة أنام أوي.
تنام سيلا وهي جالسة، فيحملها إسلام بدهشة إلى غرفته ويظل معها يراقبها.
جلس بجوارها على السرير يتأملها كثيراً، أخيراً استطاع أن ينظر لها ويتأملها بدون أن تراه، أخيراً استطاع أن يروي عطشه من رؤيتها، وهي قريبة منه دون أن تدرى به. جال بنظره على وجهها وقسماتها يتشبع منها وكأنه ينهلها.
أزاح بعض خصلات شعرها عن وجهها واقترب منها ليشم رائحتها، قربه منها جعله يشعر بحاجته لتقبيلها، ابتلع ريقه مفكراً بين الاقتراب أكثر وتقبيلها أو الابتعاد عنها. يحسم أمره ويقبلها قبلة رقيقة على شفتيها ظناً منها أنها قد تروي عطشه منها، ولكنه وجدها قد أشعلت فيه براكين من شوقه وحبه لها. اختطف قبلة أخرى لتهدئ نفسه ولكن أنفاسهما المختلطة وقربه منها دمره.
ابتعد عنها بسرعة ووقف بعيداً عنها ينظر لها بدهشة، تعجب من أنها لم تشعر به ولا بقبلاته، بل لا تزال نائمة وكأنها في غيبوبة. اقترب منها ثانياً، وحرك يديها ورأسها، ولم تشعر به أو تتأفف. تعجب إسلام من ذلك وظل يفكر كثيراً حتى نام بجوارها.
في الصباح...
يستيقظ إسلام وينظر إلى سيلا النائمة بجواره، ثم يقرر أن يوقظها، ظل يحاول إيقاظها لمدة طويلة، وهذا يدل أن نومها لم يكن طبيعياً بالمرة وأن شكه في محله.
تستيقظ سيلا أخيراً وهي تظن نفسها في حجرة مأذن، فتسمع صوت إسلام هامساً:
- صباح الخير.
سيلا وهي ليست في تمام وعيها: صباح النور.
تنظر لوجهه إسلام تبتسم له وكأنها تحلم به، وعندما تبينت أنه ليس حلماً وحقيقة، إنتفضت وجلست بحدة على السرير صائحة:
- أنا إيه اللي جابني هنا؟
إسلام بهدوء فهو متوقع ذلك منها: أنا. سيلا وهي تنهض في وهن وتسند يدها على الحائط:
- مش عارفة انت عايز توصل لإيه.
إسلام بحدة: هو أنا غريب يا مدام... أنا جوزك عادي إنك تنامي جنبي.
تتجه سيلا إلى الباب فيوقفها إسلام قائلاً:
- ما تاكليش أو تشربي حاجة غير لما أشرب أو آكل معاكي.
تنظر له سيلا بتعجب وتسأله بسخرية:
- ليه هو أنا لسه صغيرة؟
إسلام بنفاذ صبر منها وبحدة:
- لأ كبيرة، بس برضه عايز أتأكد من حاجة. ممكن تنفذي اللي بقولك عليه من غير عناد... ممكن؟
سيلا بإستسلام وقد تلمست الجدية والقلق في كلامه، فلم ترغب في أن تزيد قلقه:
- حاضر.
يخرجان سويا وقد تأكد إسلام من شكه ولكن يبقى الدليل.
على الفطار.
يسأل إسلام والدته: مين اللي حضر الفطار النهارده؟
الحاجة صفية: حسنات وهدى.
إسلام: طب وإمبارح مين؟
الحاجة صفية: وفاء وحسنات.
إسلام: ماشي.
يأكل إسلام من نفس أطباق سيلا ويسرب من نفس كوبها. يعتقد الجميع أنه نوع من أنواع المصالحة التي يتبعها إسلام لكي يحسن الأجواء مع سيلا.
بينما سيلا كانت تذوب خجلاً من تصرف إسلام، ولكنها في قرارة نفسها كانت سعيدة من قربه منها واهتمامه بها. ولكن يبقى خوفها من أن يكون كل ذلك خداعاً لها لهدف في نفسه يريد أن يحققه.
بعد الفطار بمدة قصيرة يشعر إسلام وسيلا بالنعاس ويذهبان للنوم بحجرة نوم إسلام، ولم تعترض سيلا.
يعتقد الحاج رشدي أنهم قد تصالحا أخيراً.
في العصر.
يستيقظ إسلام ويظل ينظر لسيلا الغارقة في النوم وهو يفكر: من يفعل ذلك بها؟ من يضع لها المنوم في طعامها؟ ولماذا؟
يحصر شكه في حسنات، ولكن لماذا أو لمصلحة من؟
يمد يده ويمسد على شعرها ووجنتيها ويتأملها، ثم يوقظها وهو يعلم أنها المرة الأخيرة التي سينعم بقربها منه هكذا.
تستيقظ سيلا من نومها، ويطلب إسلام منها أن تقوم هي بتحضير طعام الغذاء بنفسها وبدون مساعدة أحد.
سيلا بدهشة: ليه يعني!
تنظر له سيلا بدهشة وهي لا تعلم سبب طلب إسلام، وأثناء نظرها له تنسى غضبها ودهشتها، وتشرد في نظرة إسلام لها وهو يحتويها بنظرته، ويشرد هو أيضاً في نظرتها له. لا إرادياً يجد نفسه يقترب منها، وما أن تلامست شفاههما حتى طرق الباب وصوت الخادمة يوقظهما من شرودهما وقربهما وهي تنادي عليهما لإيقاظهما.
تبتعد سيلا بعيداً عنه وهي تؤنب نفسها لضعفها أمامه، ويغضب إسلام من الطارق فيزفر في قوة وغضب.
تهمس سيلا: ليه عايزني أطبخ النهارده؟
إسلام وهو يعتدل في جلسته وينظر لها:
ممكن نقول إني عايز آكل من إيد مراتي النهاردة. فيها حاجة دي.
سيلا وهي تتصنع العناد: آه فيها. لاحظ إني طالبة الطلاق وإنت بتماطل.
إسلام وهو يتمالك غضبه: معلش. طولّي بالك عليا حبة. تعالي على نفسك شوية يا سيلا.
تنظر له سيلا وهي لا تعلم ماذا يقصد بكلامه هذا، وما الهدف من طلبه.
سيلا بتفاذ صبر: تمام.
تذهب سيلا لعمل الغذاء، ويأمر إسلام عدم دخول الخدم للمطبخ لمساعدتها.
تظن سيلا أنه يريد أن يضايقها أو أنه يعاقبها لعملها مع أحمد ولهذا رفض مساعدة أي من الخدم معها.
بينما كان هدف إسلام هو معرفة من التي تضع لها المنوم في الطعام.
تنتهي سيلا من إعداد الطعام ويأكل الجميع ويقضون اليوم في لعب ومرح مع الأطفال، وقد تحقق إسلام من ظنه. هناك من يضع لها المنوم في الطعام.
يراقب إسلام الخادمات وبخاصة حسنات، ولكنه يفاجأ بأنها هدى!
هدى من تضع المنوم في أطباق سيلا لصالح شيماء.
هدى وهي تنحني لتقبل يد إسلام: أبوس إيدك يا بيه متقول للحاج رشدي ولا للحاجة صفية. الست شيماء هي اللي قالت لي أعمل كدا. وقالت لي لو معملتش كدا هتطرني وإحنا غلابة.
إسلام بغيظ منها ومن شيماء: بتخوني الناس اللي أمنوكي على بيتهم ليه يا هدى؟ إنتي!
هدى ببكاء: معلش يا بيه. كنت محتاجة فلوس وهي أدتني فلوس.
إسلام بسخرية: طبعاً مش أول مرة. قولي عملتي إيه تاني لشيماء.
هدى بتردد: كنت بقولها على أخبارك لما كنت هنا إنت والبهوات الصغيرين.
إسلام بعد صمت وتفكير:
طب أنا عايزك بقى تستمري في نقل الأخبار ليها. بس الأخبار اللي هقول لك عليها ماشي. وحسك عينك تسمعي كلام شيماء. دي آخر فرصة ليكي.
هدى بفرحة أنه عفى عنها: إنت تؤمر يا بيه.
إسلام بهدوء وغموض:
كده كويس. عايزك بقى تقولي لها إننا كويسين أوي مع بعض. وإتصالحنا كمان. تعرفي؟
هدى: آه طبعاً.
إسلام: خلاص ولما ولما تيجي تكلميها ابقي قولي لي علشان أعرفك أقول لك إيه.
هدى: ماشي يا بيه.
تخبر هدى شيماء بالمصالحة فما كان من شيماء إلا أن غضبت وبسبتها وأغلقت الهاتف في وجهها، وأخذت تكسر في كل شيء أمامها.
وأخذت تتصل بها كل نصف ساعة، ونار الغيرة تأكلها وهي تتخيل إسلام مع سيلا وهو سعيد بها.
في داخلها تعلم أنها فقدت إسلام، وأن سيلا قد ملكت قلبه وعقله، وإلا لماذا يرفض أن يطلقها حتى الآن. ولكنها لم تخسر في معركة قط، لم يؤخذ منها أحداً من قبل شيئاً كان ملكاً لها ودون إرادتها.
أصبح إسلام بالنسبة لها شيء هي تملكه، لا إنسان له إحساس وقلب ينبض، ومشاعر تتحرك.
يمضي الأسبوع سريعاً وخطته تسير كما رسمها، لكي يؤدب شيماء على أفعالها ويجعل الغيرة والحقد يأكل قلبها.
يحاول إسلام التقرب فعلاً من سيلا، ولكن سيلا يميل له قلبها وتريد أن تستسلم له، ولكن عقلها يصر على إيلامها وتذكيرها بأنه يخدعها، وما يفعله ليس من دافع الحب ولكنه قد يكون من دافع الشفقة أو الطمع أو احتمال تملك لها فقط.
ترجع سيلا للإسكندرية ولعملها، ويرجع إسلام لشركته ولكنه لا يذهب لشقة شيماء، مما أثار جنونها وغضبها وجعلها تبحث عنه في كل مكان.
رواية مات زوجها وتزوجت أخيه الفصل السادس عشر 16 - بقلم نجلاء ناجي ورشا مجدي
بعد أسابيع تمضي، كان إسلام في عمله بالشركة يتابع المشاريع، وسيلا في عملها بالمستشفى، وشيماء تتابع أخبار الجميع عن كثب.
أثناء العمل، جاء اتصال هاتفي لسيلا يخبرها أن نوران قد أصيبت في الحضانة.
فارتجفت سيلا ونهضت تلملم متعلقاتها بسرعة. وقع ما وقع وأخذت ما تبقى معها في الحقيبة.
رآها الدكتور أحمد، فتقدم منها بسرعة يسأل في لهفة:
"مالك في إيه؟"
قالت سيلا ببكاء وهي ترتعش: "نوران... بنتي. الحضانة كلمتني وقالت إنها وقعت واتعورت. أنا رايحة لها حالا."
قال أحمد بلهفة: "أنا جاي معاكي."
قالت سيلا وهي تسير: "شكراً ليك، ملوش لازمة."
أحمد بإصرار وهو يراها ترتعش أمامه: "متخافيش، إن شاء الله خير. أنا جاي معاكي. هتسوقي إزاي كدا؟"
قالت سيلا مستسلمة: "ماشي."
ركبت سيلا سيارتها بجوار أحمد وهو يقود، وهي تفكر في نوران وما قد يكون حدث لها. وأحمد ينظر لها وللطريق وهو يشعر بالحزن عليها.
وصلا للمستشفى وصعدا معاً بسرعة. بحثت سيلا بأعينها عن ابنتها، وسأل أحمد الاستقبال وعرفهم بنفسه، فأخبروه أن الحالة في غرفة الطوارئ. انطلقا لغرفة الطوارئ ودخلا بسرعة، فوجدا إسلام جالساً بجوار نوران.
وقف إسلام ونظر لهما معاً بدهشة: "مغادرا انتما الاثنين معا؟ لماذا؟"
دخل الطبيب وتحدث معه أحمد وسط نظرات إسلام الغاضبة، ومتابعته للحديث بينهما، ونظرات سيلا الزائغة وهي تنظر إلى نوران وإسلام وأحمد والطبيب.
قال أحمد بهدوء: "هما هيعملوا لها أشعة على المخ لأنهم شاكين في ارتجاج بالمخ. بس إن شاء الله خير، دا مجرد شك. والجرح خلاص اتخيط تجميلي، متخافوش."
شهقت سيلا وانهار آخر قوتها وهي تردد: "ارتجاج بالمخ!!"
تقدم منها إسلام ورتب عليها وسط أنظار أحمد المرتبكة.
قال أحمد بسرعة: "طب أنا هروح معاهم في الأشعة وأتابعها، عن إذنكم."
جلست سيلا بإنهيار تبكي. وسرت في جسدها رتعاشة كلما فكرت أنه كان من الممكن أن تفقد ابنتها. حاوطت نفسها بذراعيها لتطمئن نفسها وتهدئ رتعاشها.
رآها إسلام وهو يجلس بجوارها، فحاوطها بذراعيه. فاستسلمت له سيلا واستكانت بينهما وبكت خوفاً.
قال إسلام هامساً: "خير، إن شاء الله خير. متخافيش يا سيلا."
لحظة ضعف منها واستسلام لقلبها له أشعرته بمدى قربها منه واحتياجها له. أسعد هذا قلبه كثيراً. استكانتها معه جعل غضبه يهدأ قليلاً من حضور أحمد معها. اعترف لنفسه وهي بين ذراعيه أنه لا يريد شيئاً آخر من هذه الدنيا سوى أن تبقى سيلا بين ذراعيه... ومعه فقط... وهي فقط دون سواها.
مر الوقت، وأتى الدكتور أحمد مع نوران وهما يتحدثان معاً، وتضحك نوران. فرأى أحمد من بعيد إسلام وهو يحتوي سيلا. للحظة شعر بالغضب أو الغيرة، ولكن ذكر نفسه أنه زوجها. لا يزال هناك بقايا حب لها نعم، ولكنه لم يكن ليصرح لها أو حتى أن يشير لها من قريب أو بعيد بهذا. احترامه لنفسه، ولها أيضاً. يكفيه أن ينعم بقربها كصديق. ألجأت له وقت حاجتها.
قال أحمد بمشاكسة لنوران: "يلا يا سيتي، تعبتينا وخضتينا عليكي بس."
انتفضت سيلا من جلستها ونظرت إلى نوران وجرت عليها، حملتها وقبلتها بلهفة، ونظرت له بعينيها تسأله. وإسلام ينظر لها مستمعاً.
قال أحمد بهدوء وابتسامة: "الحمد لله مفيش حاجة، كله تمام وتقدروا تروحوا كمان."
قال إسلام: "يعني كله تمام يا دكتور؟"
قال أحمد: "تمام. هي تستريح النهارده وبلاش لعب وشقاوة."
قال هذا وهو ينظر إلى نوران مشاكسًا لها، فضحكت له بسعادة.
قال إسلام شاكراً له: "شكراً يا دكتور أحمد، واسفين على إزعاجك."
ابتسم له أحمد ليطمئنه، فعينا إسلام تفضح غيرته عليها، وقد قرأها أحمد جيداً.
قال أحمد: "تعبك راحة، المهم إننا اطمنا على نوران. سيلا كانت هتقع من طولها لما جالها الخبر، عشان كدا خفت عليها تسوق، فقلت أوصلها."
أراد أحمد طمأنة إسلام، ولكنه لم يكن يدري أن ذكره لسيلا مجرداً من أي ألقاب قد أثار غيرته أكثر وأكثر. فتلألأت عينا إسلام بغيرة، ولكنه حاول أن يخفيها.
قال إسلام بابتسامة جاهد في رسمها: "فيك الخير، وألف شكر ليك مرة تانية."
ثم التفت إلى سيلا وحمل نوران وقال لهما: "مش يلا بينا؟"
أومأت سيلا برأسها موافقة وخرجت معه. وقفت أمام سيارتها، ولكن إسلام أصر أن تترك سيارتها ويرسل من يأتي بها للمنزل، وركبت معه هي ونوران.
جلست سيلا بجوار إسلام، ونوران جلست في الخلف، واتجهوا إلى شقة سيلا.
أثناء الطريق، كان إسلام ينظر إلى سيلا نظرات معاتبة، قلق. بينما سيلا كانت شاردة تنظر على نوران في مرآة السيارة تارة، وتشرد في الطريق الجانبي تارة أخرى، وتختلس النظرات إلى إسلام في خوف من ردة فعله من رؤية أحمد تارة ثالثة. تعلم من نظراته لها أنه غاضب منها، ولكنها حاولت أن تثني أحمد عن الحضور، ولكنه أصر.
في شقة سيلا...
تتوقع سيلا أن يصب إسلام جام غضبه عليها، ولكنها لا تعلم متى؟
وضع إسلام نوران في سريرها بعد أن نامت من آثار الدواء. واتجه لخارج الغرفة مع سيلا، التي كانت تبتعد عنه وتتلاشاه.
لحق بها إسلام بسرعة ولفتها له بحدة وسألها: "إيه اللي جابك مع أحمد؟"
قالت سيلا بتوتر وقد آن أوان المواجهة: "زي... ما قال لك... خاف أسوق وأنا متوترة."
تحولت عيناه عليها في غضب، وسرعان ما تحول إلى شوق جارف لها. قاطع كلامها، وتهدج صوته: "سيلا... ليه يتعملي كدا؟"
قالت سيلا بتوتر وبدون فهم: "ب... بعمل إيه؟ مش فاهمه."
اقترب منها إسلام حد الالتصاق وهمس لها: "كفاية بعد بقى... فعلاً خلاص... صبري نفد، مش قادر أبقى في مكان وانتي في مكان."
نظر لها في عينيها وانفاسهما تختلط معاً. تلمست سيلا في كلماته ونبرة صوته صدقه، وصدق إحساسه. شعرت بمدى تأثرها بكلامه. ورأى إسلام مدى تأثرها بكلامه، فتابع: "أنا جبت شقة كبيرة لينا كلنا."
تنهد بتعب وتابع: "أنا تعبت... تعبت من الشد والجذب... عايز نبدأ حياتنا بقى يا سيلا.... أنا... أنا محتاجك أوي... أوي."
غمضت سيلا عيناها عنه، تحاول أن تخفي مدى تأثرها بحديثه، ولكن سرعة انفاسها كشفتها له. تجلى صوتها ولكنه خرج واهن متأثراً بوضوح: "تشرب شاى؟"
قال إسلام مبتسماً ومشاكساً لها وهو يحرك أنفه على أنفها: "لا... أنا عايز اتغدى."
قالت سيلا وهي تبتعد عنه لتتمالك نفسها: "إنت جاى على طمع بقى."
قال إسلام وهو يزيح خصلة من شعرها وراء أذنها ويتأمل وجهها ويقول: "أنا لحد دلوقتي، طمعان في غدا بس. في شقتنا هطمع في حاجة أكبر."
نظرت سيلا بخجل له ولا ترد، ولكنها ابتعدت عنه واتجهت للمطبخ بسرعة. وسط ضحكات إسلام المعجبة بها وبخجلها هذا، الذي يزيده تعلقاً بها وحباً لها.
أتى سيف وأكل الجميع وسط سعادة ترفرف عليهم.
في المساء، رفض إسلام أن ينام بجانب الأولاد، ونام على الأريكة في الصالة حتى الصباح، وعيناه معلقتان بباب غرفة سيلا. بينما تنام سيلا بملء جفنيها لشعورها بالأمان في وجود إسلام بالمنزل.
في الصباح...
اتجه إسلام مع سيلا والأطفال إلى الشقة الجديدة، ورفض أن يحضروا أي شيئاً معهم من متعلقاتهم. وجد الأطفال كل ما يحتاجون إليه من لعب وهدايا وملابس... كما طلب إسلام وشدد في طلبه عدم إحضار سيلا لأي شيء من متعلقاتها معها. انصاعت سيلا لرغبته دون فهم منها، ودون تفسير منه.
في المنزل، نظرت سيلا بدهشة وهي تقف في غرفة نومها تتفقد كل شيء بها بدهشة بالغة، وسط ابتسامة إسلام اللاهية والمستمتع بدهشتها لحد الثمالة.
قالت سيلا: "الشقة فيها كل حاجة! حتى الأكل... إنت جبت دا كله إمتى؟ وحتى حاجاتي... جبتها إمتى؟"
قال إسلام وهو يتقدم منها، وفي كل خطوة يخطوها قريباً لها تتسع ابتسامته، ويقول وهو يقف أمامها ولم يفصل بينهما سوى سنتيمترات قليلة: "كنت كل يوم بعد ما أشوفكم مروحين البيت؛ آجي هنا أضب وأشوف إيه اللي ناقص وأجيبه، حتى حاجتك دي؛ أنا اللي مختارها بنفسي، كل حاجة شفتك فيها جبتها."
ظل ينظر لها ويتأملها، ونظرت له وتأملته، متأثرة بكلامه ومشاعره.
مد إسلام يده وأمسك يدها، ووضع دبلته في إصبعها مرة أخرى، وسط صمت سيلا، وتعلق عينيها به، وهو يقبل باطن يدها، وينظر لها، لتلفحه أنفاسها على وجهه. اقترب منها وقبلها باشتياق بالغ.
ابتعد عنها وهمس: "دلوقتي بس أقدر أقرب منك."
نظرت سيلا له بعدم فهم، فيوضح لها إسلام حديثه.
قال إسلام: "طبعاً كنتي بتسألي نفسك ليه نمت في الصالة؟ وليه مبقربش منك في شقتك؟"
جال بعينيه على وجهها وأزاح جانب من شعرها خلف أذنها، وجال بيده على وجنتها هامساً: "علشان دي كانت مش شقتي.. لكن هنا شقتي؛ وكل حاجة هنا أنا اللي جايبها، هنا مفيش حاجز بيني وبينك يا سيلا."
اقترب، فابتعدت سيلا بخجل: "هاااا... هروح أحضر الغدا." وتفر من أمامه مسرعة متجهة إلى المطبخ، وإسلام يضحك بملء فاهه، ويتجه ليجلس في الردهة ويتابعها بشغف وهي في المطبخ.
لعب إسلام مع سيف ونوران وظلوا يلعبون حتى موعد الغذاء، وبعد ذلك نام الصغار.
قال إسلام وهو يقترب من سيلا: "من بكرة في واحدة هتيجي تشتغل في البيت الصبح، وتمسي الضهر."
اعترضت سيلا: "ملهاش لازمة.. أنا...."
قاطعها إسلام وهو يضع يده على فمها: "شششش.... أنا اللي عايز كدا."
لا تنكر سيلا تأثرها بلمساته لها، ولا ينكر هو تأثره بقربها منه. تمعن إسلام في النظر في قسمات وجه سيلا، اقترب منها واستنشق أنفاسها وهمس: "وحشتيني... بجد وحشتيني... شهرين بعيدة عني.. موحشتكيش؟"
أغمضت سيلا عيناها خجلاً منه ولا ترد، بينما يزداد وجهها احمراراً، وتتسارع أنفاسها.
قال إسلام بهمس: "متقوليش حاجة؛ سكوتك، ونفسك قال لي كل حاجة."
اقترب منها وقبلها وذهبا معاً في بحر من الحب.
عند نشوى وهند.
قامت نشوى بزيارة هند للاطمئنان عليها وعلى صحتها.
قالت نشوى بابتسامة: "أخباركم إيه؟"
قالت هند بهدوء: "الحمد لله بخير."
قالت نشوى: "وأخبار البنت خطيبة صادق دي إيه؟ بتكلمك؟"
قالت هند: "آه بتكلمني بس مش كتير."
قالت نشوى بقلق: "وأنا كمان برده مش بتكلمني كتير، خايفة تكون شايفة نفسها علينا."
قالت هند ببراءة: "يمكن مكسوفة مننا وليه مخدتش علينا."
تمنت نشوى ذلك: "يا ريت تكون كدا، ومتكونش ناوية تبلف الواد وتضحك عليه؛ أصل صادق ده طيب ويضحك عليه."
قالت هند باستنكار: "ليه هو عيل... دا راجل يا نشوى."
قالت نشوى: "هم كلهم عيال صغيرة."
شعرت هند بالدوار وهي تتحدث مع نشوى.
قالت هند: "فطرتي ولا تفطري تاني معايا؟"
قالت نشوى: "لا فطرت مع رمزي. بس عايزة قهوة."
قالت هند بتعب: "طب نشوى معلش، إعمليها انتي؛ أصلي مش طايقة ريحته."
سألت نشوى: "ليه؟"
قالت هند بتعب واضح: "باين إني واخده برد. وعايزة أنام، وريحة القهوة بتجزع نفسي."
قالت نشوى: "خلاص أعملك معايا شاى."
هزت هند رأسها نفياً: "لا... مش عايزة."
قدم خالد من الخارج.
قال خالد مرحبا بنشوى: "نشوى هنا.. دا البيت منور. أوعى تكوني عامله مصيبة."
لوحت نشوى بيدها رافضة: "لا والله؛ جاية زيارة وبس وماشية اهه."
قال خالد وهو يضحك: "طب خليكي نتغدى سوا."
قالت نشوى وهي تتهض: "لا.. أنا كنت جاية أشوف هند وأقعد معاها حبة، ويا دوب أروح أعمل الغدا لرمزي. يلا سلام عليكم."
خرجت نشوى ليفاجئ خالد بهند وهي تجري للحمام.
قال خالد بخوف وهو يمشي ورائها: "مالك يا هند، إنتي تعبانة."
بعدما فرغت من القيء، وبوجه شاحب قالت هند: "باين التكييف جاب لي برد. ثواني أجهز الغدا."
منعها خالد: "لا... استريحي انتي وأنا أحضر الغدا."
دهشت هند: "تحضر إيه!! ليه يعني، أنا طابخة يعني أغرف بس."
قال خالد وهو يتجه بها بعيداً عن المطبخ: "طب وماله... هجهز الأكل أنا وانتي. روحي ارتاحي.. روحي بقى انتي مفكراني صغير ولا معرفش أعمل يعني... يلا روحي."
ذهبت هند لتنام، وجهز خالد الطعام، ووضعه على صينية وأخذها إلى غرفة النوم. ظل ينظر على هند النائمة ووجهها شاحب. وضع الصينية على المنضدة واقترب منها وهمس: "اصحي يا هند... الغدا جاهز."
فتحت هند عينيها بإرهاق: "أنا قايمة اهه."
وجدت هند جالسة بجوارها وصينية الطعام على المنضدة صغيرة بجوارها.
دهشت هند وهي تشير إلى الطعام: "إيه دا... الغدا هنا!!"
قال خالد بحنان: "هو أنا عندي كام هند عشان أخاف عليها دي واحدة بس. يلا بقى كلي أصلي جعان أوي."
شعرت هند بالامتنان لخالد ولرقة قلبه عليها، وشكرت الله في سرها على نعمة الزوج الصالح. نعم، فالزوج الصالح نعمة من الله.
عند سيلا في منزلها.
عاد إسلام للمنزل، وجد الأطفال نائمين، فاتجه إلى سيلا في حجرة نومها. وجدها تجلس أمام المرآة، تنظر له وهو يقف على الباب ساندًا عليه يراها ويتأملها وهي تنشط شعرها، فاعتزل في وقفته وتقدم لها في خطوات ثابتة وعيناه مثبتتان عليها، وعيناها معلقتان به، حتى وصل لها وانحنى يقبل رقبتها ويستنشق عطرها.
همس إسلام: "سيلا.. ممكن بقى ترجعي للشركة وبلاش تروحي المستشفى عند أحمد." هو في قراره نفسه يشعر بالغيرة القاتلة من تواجدها مع أحمد في نفس المكان، بل من مجرد رؤية أحمد لها في عدم وجوده. يريدها أمامه هو فقط، لا عين تراها سواه، لا ينطق اسمها أحد سواه.
قالت سيلا بدهشة وهي تنظر له في المرآة: "ليه كدا يعني؟!"
قال إسلام وهو ينظر لها في المرآة: "متنسيش انه كان متقدم لك قبل كدا، والوضع دا مضايقني جدا." للمرة الأولى التي يشعر فيها إسلام بأنه يكشف نفسه وغيرته أمامها، ولكن لا يهمه ذلك في مقابل أن تبقى سيلا له.
قالت سيلا بأسف؛ هي لا تريد أن تبقى في سيطرة إسلام وشيماء عليها، لا تريد أن يتحكما فيها، تريد الشعور بالاستقلال عنه في عملها. تشعر بغيرته عليها، ولكنها تعلم جدياً أنها لا تفعل ما قد يثير غيرته، فهي تحفظه في وجوده وغيابه.
قالت سيلا: "معلش يا إسلام؛ أنا مستريحة في الشغل هناك، وبعدين مش كل حاجة أنا بعملها عشان راحتك، إعمل انت دي عشان راحتي أنا."
شعر إسلام بالغضب من رفضها وإصرارها على العمل في المستشفى، ولكنه يتحامل على نفسه من أجل راحتها، فقد طلبت ذلك بنفسها وهذا أول طلب لها منه، فأصبح مجبراً على القبول.
قال إسلام مستسلماً ومتنهداً: "ماشي."
ابتعد وجلس على طرف السرير. نهضت سيلا واتجهت له وجلست بجواره: "يا ريت تبقى تجيب عز الدين ورنا هنا؛ سيف ونوران مفتقدينهم أوي."
قال إسلام وقد شعر أنها تريد لم شملهم جميعاً، فابتسم ونسي غضبه ومسد على شعرها وقال: "أنا بفكر أجيبهم هنا على طول والله، بس مش عايز مشاكل مع شيماء. ولو إن الهانم مش فاضية ليهم. ولادها ومش فارقين معاها أساساً."
قالت سيلا بدهشة: "انت إزاي تقول كدا! مفيش أم ولادها مش فارقين معاها. بلاش تيجي عليها كدا." قال آخر جملته بسخرية لازعة.
قال إسلام بدهشة أكثر منها ومن تفكيرها الطفولي، جذبها نحوه لكي تجلس على قدميه، وهو لا يزال يمسد على شعرها ويشملها بنظراته ويقول: "شوفي انتي بتدافعي عنها أوي إزاي..! إنما هي بقى لو تطول تموتك والله تعملها. عارفة لما كنتي في البلد عند الحاج وكنتي بتنامي كتير... كان من إيه؟"
قالت سيلا ببراءة: "إرهاق."
نفى إسلام: "لا... كانت الهانم بتخلي واحدة من الخدم تحط لكِ حبوب منومة في الأكل... ها لسه هتدافعي عنها؟"
هنا يريد إسلام أن يصل لها فكرة، أن لا تنظر للجميع ببراءة وتعلم أن هناك من يتمنى الأذى لها.
شعرت سيلا بمدى كرهه شيماء لها؛ وخافت. نعم خافت من الآتي، فشيماء بشخصيتها التملكية؛ لن ترضى بوجود سيلا منافسة لها عند إسلام، إذا ستحاول التخلص منها أو حتى من أبنائها.
قالت سيلا بخوف: "ربنا يهديها... ويهدينا جميعاً."
اقترب إسلام منها ليقبلها، فابتعدت سيلا عنه بسرعة ونهضت. انذهل إسلام من ردة فعلها تلك، وظل ينظر لها في محاولة لتفسير تصرفها؛ فسره أنه خوف من الحوار عن شيماء، أو ربما يسبب خجلها الدائم منه. نعم هو يعلم كم هي خجولة، ولكن تلك المرة ابتعاد ونفور. نعم نفور.
هنا تحدثت سيلا ووضعت لفكره السبب.
قالت سيلا بتعب ونفور: "إنت ريحتك إيه يا إسلام؟"
قال إسلام مندهشاً فقد صدق تخليله. نفور ولكن لماذا وما السبب؟
قال إسلام بدهشة: "ريحة إيه يعني؟ مش فاهم!!"
قالت سيلا وهي تبتعد أكثر: "مش عارفة؛ ريحة البرفان بتاعك دي خانقاني أوي... يا ريت لو تغيرها."
قال إسلام بدهشة أكثر وهو يفكر: "ماشي أغيرها... بس أنا كل عمري بستخدمها؛ إيه جد يعني؟"
قال سيلا وهي نفسها لا تدرك السبب، فهي فعلاً أصبحت لا تطيق رائحتها: "جدد... غير يا سيدي.. ماشي."
قال إسلام وهو ينهض: "ماشي."
قالت سيلا وهي تراه ذاهباً للحمام: "إنت رايح فين؟"
قال إسلام وهو يتجه للحمام: "هشيل الريحة اللي مضايقاكي يا سيلا... خمس دقايق وراجع لك. وأه.. ابقي هاتي لي البرفان اللي يعجبك وميخنقكيش."
قالت سيلا ببراءة وحزن: "إنت زعلت يا إسلام؟"
قال إسلام وهو يلتفت لها: "لا طبعاً. .. دا حقك على فكرة."
قالت سيلا بابتسامة: "طب روح هات العيال بقى على ما أعمل لكم حاجة حلوة."
قاطعها إسلام: "هجيبهم بعدين."
غمز لها وابتسم وذهب للحمام.
بعد فترة من الوقت، ذهب إسلام إلى شقته ليحضر ابنيه.
في شقة إسلام.
دخل إسلام وبحث عن ابنيه، ووجدهما جالسين في ملل في غرفتهما. طلب إسلام منهما أن يتجهزا للخروج معه. سأل إسلام عن شيماء ووجدها في الخارج، كالعادة. كلمة نطق بها إسلام بسخرية.
على باب المنزل، تأهب إسلام للخروج ومعه عز الدين ورنا وهما ينظران بلهفة للخروج لسيف ونوران. ما أن فتح إسلام الباب حتى فاجأه شيماء أمامه تتأهب لتفتح الباب وتدخل وهي تحدق عبر الهاتف.
نظرات مندهشة منها وهي تتطلع لهم وهم يتأهبون للخروج. جالت بنظرها على إسلام وابنائها وهي تفكر بسرعة أين يذهبون الآن؟ وبخاصة وجود إسلام في المنزل، بعد هجره لها قرابة الشهرين. ونظرات مصاحبة بخيبة أمل للأبناء؛ وهم يرون ضياع ذهابهم إلى سيلا بوجود شيماء.
أما إسلام، فكانت نظراته تجمع بين السخرية والغضب؛ السخرية من حديثها في الهاتف وإهمالها للجميع، والغضب من وصولها في هذه اللحظة بالذات، ومعنى ذلك مواجهة بينهما حتى يخرج مع الأولاد.
قالت شيماء بلهفة: "إسلام.. حمد الله على السلامة. أخيراً جيت على بالك."
قال إسلام بابتسامة ساخرة: "مهو واضح إنك كنتي قاعدة مستنياني."
قالت شيماء: "لو أعرف إنك جاي كنت استنيتك، بس معرفش." تعال وضع يدها على كتفه، فابتعد إسلام يدها.
قالت شيماء بصدمة وغضب مكبوت: "مالك يا إسلام... للدرجة دي."
قال إسلام وهو ينظر في ساعته: "معلش أصلنا خارجين."
قالت شيماء: "طب خلاص اخرج معاكم ونتغدى سوا."
اعترض عز الدين: "إحنا رايحين عند سيف ونوران يا ماما."
قال إسلام في نفسه غاضباً من عز الدين مما قاله: "فيهذا أصبح من المستحيل أن تتركهم شيماء يذهبوا لسيلا."
قالت شيماء بحدة وهي تنظر لهم: "عند سيلا... لاء."
قال إسلام بحدة: "لاء ليه؟ ولاد عمهم ومن حقهم يشوفوا بعض."
قالت شيماء بكره شديد: "ولادي ميروحوش عند سيلا يا إسلام."
دخلت المنزل وأغلق إسلام الباب والتفت لها وهي تقف في الردهة تستعد لمعركة كبيرة معهم.
قال إسلام بحدة: "دول ولادي أنا كمان، ورايحين بيت أبوهم برده مش بيت حد غريب."
عند كلمة بيت أبوهم تلك، فقدت شيماء الجزء الباقي من عقلها، فجحظت عيناها بشدة؛ فمعنى ذلك أن إسلام أصبح يعتبر منزل سيلا منزلاً له هو أيضاً، وهذا يدل على شدة قربه منها وهذا خطر كبير عليها.
قالت شيماء وهي تخطف الأولاد من يده: "ولادي معايا... اللي عايزهم، يقعد معاهم، وبعدين مش دا بيتك برده، ملوش حق عليك ولا بيت سيلا بس اللي ليه حق عليك؟"
نظر إسلام لها مفكراً في كلماتها، يحاول أن يجد لها تفسيراً، ثم سألها: "يعني إيه بقى؟"
فسرت له شيماء وهي تتخصر له: "يعني انت كمان مش هتخرج."
نظر لها إسلام بمنتهى الغضب والعند، فلحقت نفسها بسرعة وأكملت: "أظن دا حقي ولا إيه؟ ولا لازم أقول للحاج رشدي؛ يعني عشان يعرفك تعدل بينا."
قال إسلام بغضب شديد: "وإيه دخل بابا في الكلام دا؟"
قالت شيماء بمكر شديد: "عشان يعرفك تعدل بينا؛ مش هو اللي جوزهالك، يبقى يخليك تعدل بينا. زي ما قعدت عندها شهرين ومجتش، هتقعد هنا شهرين ومش هتروح لها."
قال إسلام بصرامة: "أنا مكنتش عندها الشهرين دول، واعتقد أن خط سيري كان عندك أول بأول؛ سواء كان هناك في الشركة أو في البلد."
ارتبكت شيماء من حديثه أن أخباره تصل لها من البلد، ولم تعلم هل يقصد هدى أم نشوى. ولكنها تملكت نفسها: "مليش فيه، هتقعد معايا، يعني هتقعد معايا."
نظر لها إسلام ويفكر في حديثها، يريد أن يتركها ويأخذ الأولاد ويخرج، ولكن حديثها عن العدل بينهما يحجمه. أصبح لا يريد البقاء معها ولكنه يجب عليه أن يعدل بينهما، فهو حقاً قضى لدى سيلا أسبوعاً، ومن حق شيماء أن يعدل.
تنهد إسلام وهو يشعر بالضيق منها وأراد أن يضايقها هي أيضاً: "طب خلاص... خشي اطبخي لنا الغدا."
قالت شيماء بسرعة: "هطلب دليفرى."
قال إسلام بحدة وغضب وهو يتحدث من بين أسنانه: "وأنا عايزك تطبخي لنا يا شيماء. يا إما همشي."
قالت شيماء مستسلمة له: "ماشي... هدخل أطبخ وأنتم كلكم خشوا جوا."
دخل عز الدين ورنا إلى حجرتهم وهما يشعران بالإحباط لعدم ذهابهم إلى سيف ونوران. كذلك إسلام يشعر بالإحراج من سيلا، فما كان منه إلا أن دخل غرفة مكتبه واتصل بسيلا وشرح لها ما حدث، وتفهمت سيلا الموقف، أو بالأصح تظاهرت أنها فهمت الوضع وأغلقت الخط بسرعة حتى لا يشعر إسلام بمدى ضيقها وحزنها.
أغلقت سيلا الهاتف وهي تشعر بغصة في حلقها، تريد البكاء ولكنها تتماسك أمام نفسها. لا تعلم لماذا شعرت بالحزن أو الغضب، هذا حقه أيضاً؛ أن يبقى مع شيماء حقاً لها وله، إذاً لماذا شعرت بالحزن أو بالأصح بالغيرة.
هنا لم تصدق سيلا نفسها أنها تشعر بالغيرة. ينتشلها من دهشتها وتوترها دخول سيف إليها.
قال سيف: "مالك يا ماما زعلانة ليه؟"
قالت سيلا وهي تحاول أن تبتسم له: "مفيش يا حبيبي."
قالت نوران: "هو عز الدين ورنا لسه عليهم كتير بما يجوا؟"
قالت سيلا: "مش هيجوا النهارده؛ عندهم واجب كتير ولسه مخلصوش. يلا إحنا بقى نتغدى ونعمل واجبنا إحنا كمان...."
أغلق إسلام الهاتف، وجلس على الأريكة في مكتبه وهو يشعر بالاختناق الشديد، يشعر أن سيلا حزنت من عدم ذهابه إليها. لم تصرح له؛ ولكنه شعر بذلك. تنهد بقوة وأشعل لفافة تبغ، زفرها بقوة وغضب. قلبه يخبره بحزنها، يريد أن يذهب لها، فهو في قراره نفسه يشعر أنه ينتمي لها لا لشيماء، ولكن شيماء أمسكته من ناحية الشرع والعدل بينهما.
انتهت لفافته وأشعل أخرى ثانية وثالثة ورابعة، حتى أصبح يجلس وسط سحابة من الدخان ينفث فيها غضبه.
بعد وقت لا يعلم هل كثر أم قل، دخلت عليه شيماء وأخبرته أن الغذاء أصبح جاهزاً.
نهض إسلام بتكاسل شديد. أكل الجميع. وشيماء تنظر لإسلام بين الحين والآخر، وهي تشعر بالانتصار عليه وعلى سيلا؛ لبقائه معها وليس مع سيلا.
أما إسلام، فكان يأكل بدون نفس وعقله عند سيلا، يفكر بها، هل تناولت طعامها أم لا. بالطبع لا، فهي حزينة وهو من تسبب لها في هذا الحزن بعد أن وعد نفسه أن لا يكون مصدراً لحزنها، أصبح الآن من يحزنها بأفعاله. شعور بالغضب من نفسه جعله لا يكمل طعامه.
نظرت شيماء على ابنائها حتى انتهوا من تناول غذائهم، وهي تشعر براحة كبيرة لبقائهم معها. أمرت الأبناء بدخولهم للنوم بسرعة وأمرت المربية بأن تبقى معهم في غرفتهم.
دخل إسلام للجلوس في غرفة مكتبه. بعد مرور بعض الوقت، فاجأته شيماء تدخل عليه المكتب، ترتدي مئزرها. ظل إسلام ينظر لها مشدوهاً، فقد فهم ما تريده منه. ولكنه آثر الصمت.
تقدمت منه شيماء وبأعين قوية تنظر له وجلست ملاصقة له وهمست له: "هتفضل في المكتب كتير، تلمس شعره ووجهه وتكمل: طالما مش بتشتغل استريح شوية."
نظر لها إسلام ولا يتحدث، ظل صامتاً، وظلت شيماء صامتة أيضاً، ولكنها مدت يدها وأمسكت يده وقفت، فوقف معها إسلام وسارا معاً إلى غرفتهما.
في ذلك الوقت، كانت سيلا تجلس في غرفتها، تحاول أن تنام ولكن بدون فائدة. تظل تسير في غرفتها وهي تشعر بالتوتر. أمسكت هاتفها للمرة المائة لترى هل اتصل بها إسلام أم لا، فوجدت أنه لا يوجد أي اتصال منه. تركت الهاتف وذهبت لتصلي قيام الليل. وبعد انتهائها، جاء اتصال أخير بها. جرت للهاتف بسرعة وما إن رأت الشاشة مضاءة باسمه حتى ردت بسرعة.
همس إسلام: "لسه صاحية؟"
قالت سيلا وهي تجلس على السرير: "أيوة... انت مش قلت لي هتتكلم تاني."
اعتذر إسلام: "معلش معرفتش أكلمك غير دلوقتي."
أغمضت سيلا عينيها بألم وشعرت بغصة في حلقها ولكنها تتماسكت والدموع في عينيها وظلت طامته.
قال إسلام بقلق: "سيلا.. سيلا."
قالت سيلا بهمس مختنق: "أيوة."
قال إسلام: "إنتي نمتي؟"
قالت سيلا باقتضاب: "لاء."
قال إسلام: "زعلانة؟"
بكت سيلا والدموع انهمرت في صمت ولكنها قالت بتماسك: "لاء."
قال إسلام: "بس أنا حاسس إنك زعلانة و..."
قاطعته سيلا بهدوء مصطنع: "أنا مش زعلانة، دا بيتك وليه حق عليك زي ما هنا بيتك برده."
قال إسلام: "أنا..."
قاطعته سيلا: "تصبح على خير يا إسلام."
قال إسلام بدهشة منها: "هتنامي دلوقتي!"
قالت سيلا بسرعة وقد اختنق صوتها: "أيوه."
قال إسلام وهو يشعر أنها حزينة جداً ولم يرد أن يغضبها أكثر من ذلك: "تصبحى على خير."
قالت سيلا بسرعة: "وانت من أهله مع السلامه."
أغلقت سيلا الهاتف بسرعة فقد انهارت مقاومتها، ورمت الهاتف وأخذت تبكي غاضبة من نفسها ومن شعورها الذي تشعر به الآن.
أما عند إسلام، فقد شعر بمدى حزنها، وغضب من نفسه كثيراً. ألقى الهاتف على منضدة بجواره وهو يزفر بقوة وغضب. فتح نافذة غرفة المكتب وأخذ هواء البحر على صدره، لعله يطفئ تلك النار التي يجش بها صدره الآن. يريد أن يذهب لها الآن، نظر في الساعة ليجدها الثالثة فجراً. أشعل لفافة تبغ، وظل ينفث هوائها للخارج وكأنه يرسل لها أنفاسه لتحيط بها لحين ذهابه إليها في الصباح. ظل هكذا حتى شروق الشمس فقد عزم أن لا ينام إلا لديها... ولديها هي فقط.
رواية مات زوجها وتزوجت أخيه الفصل السابع عشر 17 - بقلم نجلاء ناجي ورشا مجدي
في الصباح الباكر، يركب سيف ونوران حافلة الروضة.
يخرج إسلام مبكرًا متجهاً إلى منزل سيلا. يدور في ذهنه آلاف الأسئلة. يعلم أنها ربما تكون حزينة منه، لا بل من المؤكد أنها حزينة منه. فهو نفسه غاضب من نفسه، ولكن ما باليد حيلة. يفكر ماذا سيقول لها؟ ماذا ستقول له؟ ولكنه يستقر على شيء واحد وهو أنه يجب أن يصالحها ويطيب خاطرها.
يصل إسلام إلى المنزل، يدخل متلهفًا وهو يجول ببصره باحثًا عن سيلا. يجدها في غرفة الأطفال ترتبها.
إسلام بلهفة، وهو يتقدم في اتجاهها:
صباح الخير. مقدرتش أروح الشركة قبل ما أجي أصبح عليكي وأفطر معاكي.
تنظر له سيلا قليلًا، لا تعلم ما الشعور الذي تشعر به الآن. تريد أن تلقي بنفسها بين ذراعيه، وتريد أن تصرخ عليه غاضبة منه. تظل تنظر له بجمود ولا تتحرك أو ترد عليه، حتى يصل إسلام ويصبح واقفًا أمامها.
تظل تنظر له ولا تستطيع أن تفعل شيئًا. وهل يحق لها أن تفعل شيئًا؟ هو لم يخطئ. كان في بيته الآخر مع زوجته وأبنائه، و... وتركها.
هنا تماسكت سيلا جيدًا حتى لا تظهر له ضعفها تجاهه أو حتى تأثرها من مبيته عند شيماء.
سيلا بجمود:
صباح الخير. ثواني والفطار يبقى جاهز.
يحاوط إسلام خصر سيلا بذراعيه وهمس لها في أذنيها:
وحشتيني أوي.
سيلا وهي تبتعد عنه في ضيق:
تعلم أنه يقول هذا لأنه شعر بغضبها. غضبت من نفسها كثيرًا لأنها أصبحت أمامه مثل الكتاب المقروء. أصبح يعلم أنها غاضبة من ذهابه إلى شيماء. تعلم أنه يطيب خاطرها فقط، وربما لا يحبها، وما يحدث بينهما مجرد واجب، لا حب.
عند تلك النقطة بالذات، لم تتحمل سيلا نفسها. ابتعدت عنه وكأنها تعاقب نفسها، لا تعاقبه هو.
سيلا:
هحضر الفطار عشان متتأخرش على الشركة، وأنا كمان متأخرش على المستشفى.
إسلام، قاطبًا حاجبيه بغضب:
بلاش الشغل في المستشفى بقى يا سيلا.
سيلا بغضب شديد وبنفاذ صبر:
لا تعلم ماذا حدث لها. تريد أن تتشاجر معه أم أنها تريد أن تتشاجر مع نفسها فقط.
سيلا:
اتكلمنا في الموضوع ده قبل كده، ومش هسيب الشغل يا إسلام.
يحاول إسلام أن يمتص غضبها فيقول:
طب لو قلت لك عشان...
تقاطعه سيلا وهي تبتعد عنه واضعة يدها على أنفها:
ابعد يا إسلام. مش قادرة أشم ريحة البرفان بتاعك ده.
إسلام بدهشة:
هل كل هذا يسبب البرفان أم هناك سبب آخر لهذا الغضب؟ ربما لأن تركها ولم يحضر على الغداء. لم يدرِ إسلام أن سيلا تشعر بالغيرة عليه. هي كأنثى تغار على زوجها. تعلم أنها زوجة ثانية، ولكنها ماذا تفعل في هذا الشعور المسيطر عليها.
إسلام بشعور بالغضب والدهشة من تصرف ونفور سيلا منه:
ماله البرفان؟
يستنشقه من على ملابسه ويكمل:
ما هو حلو أهه.
سيلا بحده:
بيخنقني يا إسلام. معلش. أنا آسفة، بس فعلًا مش طايقة ريحته.
إسلام معللاً:
ما ده اللي عندي في الشقة هناك، و...
يقطع كلامه عندما جحظت عينا سيلا وهي تنظر له. فقد فهمت ما يريد قوله وآلمها كثيرًا. شعر بألمها وصمت. لم يكمل حديثه. كان يريد أن يضمها إليه ولكنه تذكر رائحته. أخذ يسب نفسه في سره لأنه نسي أنها ذكرت له أن يغيره.
ذهبت سيلا بسرعة لإعداد الفطار وهي تشعر بغصة في حلقها. تتظاهر بأن كل شيء على ما يرام، في حين أنها تفر منها دمعة لئيمة بين الحين والآخر. فتسرع سيلا بمسحها بسرعة حتى لا يراها إسلام. وتحاول أن تتماسك أمامه.
تناولا الفطور بدون أي كلمة، فقط نظرات متبادلة بينهما. نظرات تحمل الكثير الكثير من الحديث والمعاني. تعاتبه، فيهدهدها. تؤنب نفسها، فيحامى لها. تشعر بالضعف، فيحاول أن يسندها بقوة. يلوم نفسه، فتخفف عنه. يخبرها بمدى عشقه، فتفرح لذلك، ولكنها تخاف أن يخدعها. حوار كبير بين العيون، بلغة لم تنطقها الحناجر، ولكن نطقتها الجفون.
خرجا معًا، فركبت سيلا سيارتها وذهبت للمستشفى مباشرة. وركب إسلام سيارته للشركة وهو غاضب من نفسه. أراد أن يصالحها ولكنه أغضبها أكثر. لا يعرف ماذا يحدث بينهما. كل منهما بداخله شيء ولا يريد أن يبوح عنه للآخر. أو بالأصح، هو لا يعلم ما في داخل سيلا، فهي لم تفصح عنه بعد. يريدها أن تتحدث، أن تنفض غضبها هذا وتخبره عن سره، فهو زوجها وهي حبيبته.
تذكر نسيانه لرائحته وغضب أكثر من نفسه. أخذ يوبخ نفسه. كيف ينسى أنها ومنذ ساعات قليلة طلبت منه أن لا يضع هذا البرفان، ثم يأتي يعدها ويضعه لها، ومن أين؟ من عند زوجته الأولى؟ اعتقد إسلام أنها غاضبة منه لذلك، أو ربما لبقائه عند شيماء، أو ربما لسبب آخر هو لا يعلمه وهي لم تفصح عنه.
زفر إسلام بقوة وضرب مقود سيارته بيده، يتنفس عن غضبه.
طب وأنا أعرف اللي مضايقها إزاي وهي مش بتتكلم؟ لو اتكلمت بس تريحني.
يتلقى إسلام اتصالًا هاتفيًا ويجده من شيماء. يرد عليها بفتور.
شيماء وهي تشعر بالغيظ من ذهابه مبكرًا هكذا، ولكنها تماسكت وتصنعت الهدوء:
صباح الخير يا حبيبي.
إسلام باقتضاب:
صباح الخير.
شيماء بتساؤل:
انت في الشركة؟
إسلام:
لسه في الطريق.
شيماء بسرعة:
طب أنا اللي هعمل الغدا النهارده. سا...
إسلام:
متتأخرش على الغدا.
شيماء:
احتمال معرفش و...
شيماء تقاطعه له بسرعة حتى لا يعطي لها حججًا واهية ويذهب للغداء عند سيلا:
الولاد مش هياكلوا غير لما تيجي تتغدى معاهم. وبراحتك بقى جوّعهم أو أشبعهم.
يتنهد إسلام في غضب منها. فهو يعلم أنها تحاول أن تبعده عن سيلا وتستخدم أبناءه كورقة للضغط عليه. ويعلم أنها من الممكن أن تمنعهم عن الطعام في سبيل تحقيق ما تريده وإشعاره بالذنب تجاه أبنائه. فيرد بغيظ منها:
طب خلاص، هحاول آجي على الغدا.
تغلق شيماء الهاتف وهي تشعر بالانتصار والفرحة. تتجه إلى الخدم وتطلب منهم الأصناف التي تريدها على الغداء وأن لا أحد منهم يقول إنهم من صنعوا الطعام، لأنها ستخبر الجميع أنها من صنعته لهم.
في سيارة سيلا، وبعد أن شعرت أنها ابتعدت عن إسلام، أطلقت لدموعها العنان. فقد جاهدت كثيرًا لتتحكم في دموعها. إنها تشعر بالغيرة عليه! تغار عليه من زوجته الأولى، أم أبنائه. أصبحت تحب وتغار ولا تستطيع أن تتكلم. يجب عليها التماسك أمامه حتى لا يشعر بهذا.
يا قلبي المسكين. ماذا يحدث لك؟ هل أحببت؟ هل عشقت؟ أتغار الآن على الحبيب؟ بلى. إنه لطريق طويل مليء بالأشواك والشوق والحنين والغيرة القاتلة. فرفقًا بي. رفقًا يا قلبي. فأنا إنسانة ضعيفة.
تصل سيلا إلى المستشفى. تعمل بجد واجتهاد. تفرغ ألمها وغضبها في العمل. يلاحظ أحمد الإرهاق الباديء على محياها، ومكابرتها في العمل. تريد إنهاء كل شيء ولا ترفع وجهها عن الأوراق والكمبيوتر. مكابرتها على نفسها تلك بالإضافة إلى مسحة الحزن التي تعلو وجهها. يعلم أن هناك شيئًا بداخلها يضايقها. وكيف لا وهو طبيبها النفسي.
يقترب منها ويقف أمام مكتبها وهي لا تشعر بوجوده حتى. وبصوت هادئ يقول لها:
كفاية شغل كده يا سيلا. انتي تعبتي النهاردة. روحي على البيت.
سيلا وقد فزعت منه، فرفعت عيناها له، ثم وضعتها ثانية وبسرعة في جهاز الكمبيوتر، وتحدثت معه بدون النظر له. فهي لا تريد لأحد أن ينفذ إلى داخلها. لا تريد لأحد أن يشعر بما تشعر به. لا تريد لأحد أن يراها في لحظات ضعفها.
سيلا:
لسه ورايا شوية حاجات أخلصها وهمشي.
يضع أحمد يده على الأوراق التي تنظر فيها وتتطابقها بما على الجهاز بحده:
أنا بقول كفايه كده. روحي بقى، باين عليكي التعب.
سيلا باعتراض:
هراجع البيانات و...
أحمد مقاطعًا:
حالا يا سيلا. روحي حالا. باين عليكي الإرهاق جدًا.
رفعت سيلا عيناها له، تجده ينظر لها في عطف شديد وتأثر بحالها. فتخفضهما ثانية وتهز رأسها موافقة وبإستسلام:
حاضر.
يتابعها أحمد وهي تغلق الجهاز وتلم أشياءها وتنهض من على مكتبها. وعندما بدأت في السير متجهة للخروج من المكتب ومرت بجواره، همس لها:
انتي كويسة؟
سيلا وهي لا تنظر له، اكتفت أن تهز رأسها بنعم.
أحمد وهو غير مقتنع بما قالته:
لو في حاجة مضايقاكي هتقولي لي؟
نظرت له وفكرت: هل حقًا من الممكن أن أخبره أم سيظل ما أشعر به محبوسًا بداخلي؟ وهل أنت من يجب أن أخبرك أم إسلام؟ ولكنها تذكرت أنه طبيبها ويمكنها الاعتماد عليه. فهزت رأسها موافقة أيضًا.
أحمد وقد شعر ببعض الطمأنينة:
تمام يا سيلا. وأنا منتظر الوقت اللي تحسي فيه إنك عايزة تتكلمي. أنا موجود في أي وقت.
شبه ابتسامة ظهرت على وجهها وانصرفت. وتابعه بعينيه حتى اختفت. فذهب للنافذة يراها وهي تركب سيارتها وتختفي وسط الزحام، وهو قلق عليها، ولا يعرف سر حزنها.
طوال الطريق كانت سيلا تفكر في شيء واحد: هل سيأتي إسلام على الغداء كما وعدها، أم سيذهب إلى شيماء؟
تجهز سيلا الطعام، ويأتي الأطفال، ولكنهم يرفضان الطعام إلا في حضور إسلام.
في ذلك الوقت، كان إسلام يعمل في شركته وذهنه مشغول. ماذا سيقول لسيلا؟ بالطبع سوف تغضب، ومعها حق في ذلك. ولكن أبناءه، ما ذنبهم في عدم حصولهم على الطعام؟ يعلم أن شيماء قد تمنع عنهما الطعام كعقاب له وليس لهما. لن تأخذها رحمة بهما.
ذهب إسلام إلى شقة شيماء مجبرًا. كان يجلس على المائدة يدعي تناول طعامه ولكنه لم يأكل شيئًا. كانت شيماء في داخلها فرحة الانتصار لقدومه لها وتفضيلها على سيلا. ولكنها ما إن وجدت أنه لا يأكل، حتى ازداد الغضب في داخلها. وكرهت سيلا كثيرًا. بل فرحت أنها جعلت إسلام يعاني الحرمان في بعده عن سيلا، كما تعاني هي في بعده عنها. نظراتها له كانت نظرات تشفي منه. ونظراته الزائغة كانت لبعده عن سيلا وتوقعه أن يزداد غضبها منه. مما جعله يشعر بغصة في قلبه.
في ذلك الوقت، كانت سيلا وأبناؤها ينتظرون إسلام. وانتظروا طويلًا، حتى تأكدت سيلا من أنه لن يحضر لهم. كانت تريد أن تهاتفه، ولكن كرامتها وكبرياؤها منعها من ذلك.
بعد انتهاء الغداء، اتجه إسلام إلى المكتب بسرعة. يشعر بالاختناق من وجوده واستسلامه لشيماء، وضغطها عليه بأبنائه.
يجد اتصالًا من سيف بدون علم سيلا.
سيف ببراءة:
عمو مش هتيجي تتغدى معانا؟ أنا مستنيك.
إسلام وهو يتألم من صوت سيف ومن معاناتهم معه:
معلش يا سيف يا حبيبي. عندي شغل. اتغدى أنت ونوران وماما، وأنا إن شاء الله هتعشى معاكم.
سيف بخيبة أمل:
طب ماشي. مع السلامه.
يشعر إسلام بمدى حزن سيف وانكساره. يشعر بالألم لأنه كسر بخاطر طفل صغير يريده معه، طفل يتيم وهو في نفس الوقت ابن أخيه.
يلقي إسلام هاتفه على الأريكة في غضب، وهو يزفر بقوة. يريد أن يزيح ذاك الجبل الجاثم على صدره ويجعله يشعر أنه لا يستنشق الهواء.
في خارج الغرفة، كانت شيماء تقف وتتتأصت على إسلام وهي فرحة لعدم خروج إسلام لهم. بل جعلها ذلك تخطط لعدم خروج إسلام اليوم وبقائه لديها.
في ذلك الوقت... يذهب سيف إلى سيلا ويقول لها ببراءة.
سيف بحزن:
يلا يا ماما ناكل.
سيلا بدهشة:
أخيرًا رضيت تاكل!
سيف:
عمو إسلام مش هيجي يتغدى معانا. هيجي في العشا.
سيلا بتساؤل:
عرفت منين؟
سيف ببراءة:
منا كلمته يا ماما.
سيلا بجدية وغضب:
ليه؟ ليه تطلبه؟ معتش تطلبه تاني؟ هو عنده شغل لما يفضى هيجي. فاهم؟
لا تعلم سيلا لماذا ظهر كل هذا الغضب. هل نفثت عن غضبها من إسلام في سيف؟ كل ما علمته أنها ندمت أشد الندم لأنها صرخت على سيف هكذا، ولكنها أصرت على عدم الاتصال به أبدًا. في داخلها لا تريد أن يظن أنها تستخدم الأبناء من أجل أن يأتي لها. كان ذلك مسألة كرامة. فإن أرادها أتى هو لها. لن تطلب منه المجيء مهما يحدث، لن تطلبه.
سيف بأسف:
ماشي يا ماما مش هطلب عمو تاني.
تطعم سيلا الصغيران ولا تأكل شيئًا لآلام معدتها.
عند شيماء... تنجح شيماء في جعل عز الدين ورنا يخبران والدهما بإصطحابهما إلى الملاهي والعشاء بالخارج. يستسلم إسلام لهم. كان معهم جسدًا بلا عقل. يضحك مع أطفاله وعقله يفكر في سيلا وأبنائها. يفكر في سيف ونبرة صوته، ويشعر أنه خذله. يعلم أنه لم يفِ بوعده له. أمام نفسه هو غاضب من نفسه كثيرًا.
يعود متأخرًا، فيبيت عند شيماء. التي كانت في منتهى السعادة لتنفيذ مخططها. كانت مدركة أنها بهذا الشيء قد وضعت بذور الفراق والشجار بينهما. كانت تعلم أنه معها رجل بلا عقل، جسد بلا روح، إنسان بلا قلب. تعلم تمام العلم أنها لا مكان لها لديه، ولكنها كانت تدافع عن مكانها ووضعها أمام المجتمع حتى لا تصبح زوجة منبوذة، ولا تفرح فيها صديقاتها أو أي أحد من أعدائها.
عند سيلا... تظل تنتظره طوال الليل. على أمل أن يأتي أو حتى أن يهاتفها. ولكن لم يأتِ ولم يهاتفها، فتشعر بالسأم والإحباط منه وبالحنق من نفسها. معاقبتها لتصديقه. تظل تفكر حتى تنام والغيرة والغضب يأكل قلبها. وإسلام يظل يفكر بها وكيف مصالحتها.
في الصباح، يذهب إليها بسرعة ويقابل سيف ويعتذر منه ويوعده بأن يقضي اليوم معه. يحاول أن يتحدث مع سيلا ولكنها لا تعطيه وجهًا وتذهب لعملها.
يظل إسلام واقفًا أمام البناية وهو غاضب من نفسه. يشوط الحصى أمامه وهو يشعر بالغضب الشديد. وتبتسم شيماء بانتصار فقد شاهدت كل شيء من بعيد بعد أن خرجت وراءه. وتابعته ورأت نفور سيلا منه.
ركب إسلام سيارته وذهب إلى شركته وهو في غضب شديد. وسارت وراءه شيماء حتى اطمأنت أنه دخل الشركة ثم عادت إلى المنزل.
في الشركة كان إسلام غاضبًا من نفسه أشد الغضب. يصرخ على الجميع لأتفه الأسباب. خرج بنفسه يتابع العمل في المواقع كي يفرغ غضبه في العمل ولكن دون جدوى.
يجد اتصالًا من عز الدين يخبره أنه ينتظره على الغداء ويضطر أن يذهب له.
تستمر شيماء في الضغط على إسلام بأبنائه. ويستسلم إسلام لها، فقط حتى لا يرى أبناءه يعانون معها. استمر الوضع سبعة أيام. يخرج في كل يوم من الفجر ليذهب إلى سيلا. يخل الشقة ويرى سيف ونوران نائمين في غرفتهم. يذهب لغرفة سيلا، يقترب منها وهي نائمة، ويجد دموعها تسيل بجانب عينيها.
يهمس لها بألم:
غصب عني والله. بعمل كده عشان خاطر ولادي. شيماء واخداهم ورقة ضغط عليا. سامحيني يا سيلا، لأني مش قادر أسامح نفسي.
لا يقدر إسلام على البقاء ومواجهتها ورؤية دموعها التي هو سبب في وجودها. يخرج بسرعة من الشقة ويقف أمام البحر في جو بارد. لعله يطفئ بعضًا من اللهيب المشتعل بداخله. يشعر بالسخط من نفسه. يحبها ويعشقها ولكنه في نفس الوقت يضحي بها من أجل أبنائه. ويكون السبب في تعاستها. يعلم أنه جرحها بسلبيته تلك، ولكنهم أبناؤه. أي إنسان هذا؟ أي حب هذا؟
لا يشعر إسلام بنفسه إلا وهو في البحر يحاول أن يغسل نفسه من ذنوبه. لا يشعر ببرودة الماء ولا ببرودة الجو. كل ما يشعر به هو تلك البراكين الغاضبة المشتعلة بداخله. ولكنه أبدًا ما هدأ وما شعر بالراحة قط.
يذهب إسلام إلى الشركة ويسير وسط دهشة العاملين في البوفيه. فلم يأتِ الموظفون بعد. يدخل إسلام مكتبه ويستحم ويبدل ثيابه بأخرى، ويشرب قهوته يليها العديد والعديد من فناجين القهوة والسجائر.
عند سيلا في المستشفى... يأتي لها اتصال هاتفي من أخيها محمد. يخبرها بمرض والدتها وذهابها إلى المستشفى في حالة خطرة وأنها بين الحياة والموت. تخرج سيلا بسرعة للمستشفى.
في حجرة هناء بالمستشفى... تدخل سيلا للغرفة وهي ترتعش بشدة. ترى والدتها وتبكي. ترمي عليها وهي تجثو على ركبتيها:
الف سلامة عليكي يا ماما.
هناء وهي تحاول أن تطمئنها تربت عليها، وتقول في وهن:
أنا كويسة يا سيلا، متخافيش. فين إسلام؟
إسلام وهو يصل للغرفة بعد أن اتصل عليه محمد:
أنا هنا يا ماما.
هناء وهي تشير له بأن يتقدم. يقترب منها إسلام، وتهمس له بعض الهمسات وإسلام يهز رأسه بالموافقة، ثم يبتعد.
سيلا متسائلة:
عايزة حاجة يا ماما؟
هناء وهي توجه حديثها لمحمد:
خلي بالك من أختك يا محمد. شقتي إنت عارف أنا كاتباها باسم سيلا. وكل حاجة أنتم عارفينها.
سيلا وهي تبكي بشدة:
ربنا يخليكي ليا يا ماما.
محمد معترضًا:
ليه بس الكلام ده يا ماما؟
هناء وهي تحاول أن تبتسم لهم:
بأكد بس عليكم. وإسلام وإيمان واللي في الأوضة دي شهود علينا.
تغمض جفنيها وتتشهد وتصمت.
لم تتحمل سيلا الصدمة. ظلت جاحظة العينين غير مصدقة لما حدث أمامها. يحوطها إسلام بذراعيه وهي تنتفض غير مصدقة، ثم تطلق صرخة تفقد الوعي.
يمر أسبوع على وفاة هناء. وسيلا في منزل محمد أخيها تتلقى واجب العزاء. وهي في عالم آخر. لا ترى أحدًا أمامها. جسد بلا روح أو عقل. لا تعلم من يتحدث أو من يسلم عليها. وإسلام كان في الشركة نهارًا، ويخرج على سيلا ويذهب لشيماء عند النوم، ثم يعود صباحًا لها. وسيلا لا تراه. بل يخيل لها أن شبح إسلام تراه أمامها. في حين ترى كل من أطياف هناء وماذن حولها، يتحدثون لها.
يأتي أحمد ليقدم واجب العزاء لسيلا ومحمد ويرى حالة سيلا. يجفل من رؤيتها وهي بعالم الأموات لا تعلم شيئًا مما حولها. خرج بسرعة وأتى ببعض الأدوية المنومة. وأعطاها لها وظل بجوارها حتى نامت وطلب من محمد أن يتابعها أو يرسلها للمستشفى. يخبر محمد إسلام بالأمر، فيرفض رفضًا باتًا ذهابها لمستشفى أحمد ويخبرهم أنه سيكمل علاجها في منزلها.
يأخذ إسلام سيلا إلى شقته ويحضر ممرضة لتتابعها وخادمة للمنزل.
يتابع إسلام سيلا بالهاتف. يتصل عليها ولكنها لا تجيب. يتصل ثانية، يرد عليه سيف الذي يخبره أنها نائمة.
تمر عدة ساعات ويتصل إسلام مرة أخرى بعد أربع ساعات ويجد نفس الإجابة. نائمة.
يشعر إسلام بالقلق عليها. يترك الشركة ويذهب لها بسرعة ومعه طبيب.
إسلام ومعه الطبيب بعد الكشف على سيلا التي كانت وكأنها في غيبوبة.
الطبيب:
هبوط حاد من قلة الأكل والحزن. يا ريت تغير جو وتسافر عشان حالتها النفسية.
إسلام شاكرًا الطبيب:
الف شكر ليك يا دكتور.
يذهب الطبيب وينادي إسلام الخادمة والممرضة للمكتب. يصرخ فيهما:
يعني شفتوها مش بتاكل ونايمة مش تتصلوا بيا؟
يلتفت إلى سيف معاتبًا ولكن بصوت منخفض:
وانت يا سيف، ليه مكلمتنيش تقول لي؟
سيف بحزن:
ماما قالت لي مكلمكش تاني أبدًا أبدًا عشان أنت مشغول ومش أعطلك.
إسلام وكلمات سيف تنزل عليه كالصاعقة:
ألهذا الحد يصل غضب سيلا منه؟ ألهذا الحد لم يعد لها رغبة في الحياة؟ ألهذه...
رواية مات زوجها وتزوجت أخيه الفصل الثامن عشر 18 - بقلم نجلاء ناجي ورشا مجدي
يشغل إسلام الـ سي دي، ويشاهد ما عليه. خطف قلبه، نزعت روحه من جسده. أخذ ينظر لمحتوى الفيديو غير مصدق ما يراه. أنفاسه وكأنها ساحة حرب ضروس، نبض يكاد يحرق العروق، وغضب. غضب شديد، يكاد يتحول إلى نيران. لهيب مشتعل يخرق الأخضر واليابس.
هذه سيلا مع آخر!
يتمعن فيما ترتديه جيدًا، ويدرك أنه هو من أحضره لها. صدمة... نعم... ألم... أكيد... غدر... شيء مؤكد.
يرفع وجهه عن ما يراه، وغضب الدنيا بصدمته تتجسد به. تكاد النيران تخرج منه. يضع إسلام بسرعة المظروف كله في خزينة شركته، ويهرول مسرعًا لا يرى أمامه. يركب سيارته متجهًا إلى منزل سيلا والشر يتطاير من عينيه.
يقود سيارته بسرعة جنونية، لا يعلم كيف وصل. كل ما يعلمه هو تلك الصور والمشاهد التي رآها، والتي تتكرر أمام عينيه مما جعله يضرب مقود سيارته بغضب وجنون.
يندفع إسلام إلى داخل الشقة بحدة. يدخل غرفة نوم سيلا بسرعة ويتجه إلى دولاب ملابسها. يبحث عن ذاك القميص بجنون، يبعثر كل شيء أرضًا. يده تلتقط ملابسها بسرعة. عيناه تجولان بسرعة بين مقتنياتها ثم... ثم يبتعد وكأنه قد لدغ من ثعبان كبير اسمه الغدر.
يقف ويكاد نفسه يقف. لم يجد ذاك القميص بين ملابسها. هو من أحضره لها. يصرخ إسلام على الخادمة يسألها عن سيلا فتبلغه أنها في عملها ولم تحضر بعد.
يخرج إسلام كالمجنون، عيناه ناريتان، شعره مبعثر، قميصه مفتوح بعض أزراره، وجهه وكأنه قطعة من جهنم بارز العروق.
يقود سيارته غير آبه بالطريق أو بالبشر، حتى يصل المستشفى، ومنها إلى غرفة سيلا. ما إن رآها حتى انقض عليها كالأسد الجريح على فريسته. انقض عليها بالصفعات والركلات. وسيلا في حالة صدمة من فعله، تتلقى الصفعات، الصفعة تلو الأخرى وتحاول الابتعاد عنه. تخفي وجهها بيديها ولا تستطيع. لا تعلم سبب كل هذا الغضب والإهانة.
وإسلام يضربها ويردد صارخًا:
خاينة... كدابة... خاينة... ليه خونتيني... ليه؟
سيلا ببكاء وهي تتلقى الضربات:
والله ما خنتك... مظلومة يا... إسلام... آآآه... والله مظلومة.
إسلام وهو يركلها ينظر لها والدموع متحجرة في عينيه. يتهدج صوته ألمًا ويقول:
أنا حبيتك... حبيتك... وانتي خونتيني. إنتِ طالق... طالق... طالق. أنا ميشرفنيش إنك تبقي على ذمتي.
يبصق عليها، وهي تكاد لا تشعر بنفسها بين يديه. تستمع لصوت كلماته من بعيد، غير مصدقة لكلماته، وأنه طلقها. عيناها ذائبتان.
تستمع لصوت أحمد وهو يجري عليهما ويبعد إسلام عنها بسرعة ويرى وجهها يغطيه الدم.
أحمد بشدة وغضب:
اهدأ مش بالشكل دا.
إسلام بألم يعتصر قلبه:
وانت كمان تلاقيك كنت ماشي معاها... منا المغفل اللي الكلبة دي متجوزاه... بس أنا سايبهالك... آهه معدش تلزمني.
يتركها إسلام من يده، فتسقط سيلا مغمى عليها. ويخرج إسلام وهو لا يرى أمامه. ويصرخ أحمد:
بسرعة هاتوا الدكاترة هنا طوارئ.
يخرج إسلام ويركب سيارته وهو لا يرى أمامه. يسير بسيارته في اتجاه البلد لوالده. يقف على جانب الطريق، ويخرج من سيارته يركلها، ثم يقف ويصرخ صرخة شديدة. وينهار جالسًا بجانب سيارته يبكي بحرقة. يفاجأ بأنه كان يبكي طول الطريق ولم يكن يشعر بذلك. ألم شديد يجتاح جسده، اختناق شديد. يفتح جميع أزرار قميصه، يخلع جاكيت بدلته ويلقيه بجواره ويظل يبكي مدة لا يعلم هل طالت أم قصرت. ولكنه كان يبكي... يبكي غير مصدق لنفسه، ومما حدث. تتشكل الصور ومشاهد الفيديو أمامه وصورة سيلا وهي مستكينة بين يديه والدماء تغطي وجهها. يتذكر صراخه عليها وتطليقها.
آآآه مكبوتة تكوي أنفاسه تخرج منه. يقف ويلقي جاكيته في السيارة ويكمل طريقه إلى منزل الحاج رشدي.
في منزل الحاج رشدي.
يدخل إسلام بهيئته تلك، يجفل له كل من يراه.
الحاج رشدي بلهفة وسؤال:
أما سيلا والولاد فين؟
إسلام بصوت هادر وبغضب شديد:
محدش يجيب سيرة زفته قدامي... أنا طلقتها خلاص.
يلقي كلماته مثل الرصاص ويتركهم في دهشتهم، وصدمتهم ويدخل حجرته ويغلقها عليه.
يدخل إسلام حجرته ويغلق بابها ويقف خلفه، يسند رأسه عليه ويبكي. يلتفت إلى حجرته وينظر لها، يجد طيف سيلا في كل مكان بها. يبدأ في تحطيم كل شيء بشراسة، كسر كل شيء بها، كل شيء جمعه معها، كل شيء شهد على حبه وضعفه لها. كان يحطم الأشياء وكأنه يحطم قلبه، يحطم حبه، يحطم نفسه. لا يرى أمامه غير سيلا التي كانت في الصور والفيديو.
يخرج من الغرفة بعد أن حطم كل ما بها، ويطلب أن يرمي كل شيء بها خارجًا ويصعد إلى شقته.
الحاجة صفية بدهشة كبيرة:
طلق سيلا... ليه! إيه اللي حصل؟
ينزل رمزي ونشوى على صوت إسلام الهادر ويعلمان بالخبر. تنصدم نشوى ويهوي قلبها بين أقدامها وتتوجه بالحديث إلى رمزي.
نشوى مرتعشة وبكاء:
وعزة جلال الله ماليش دعوة بالموضوع ده، أنا حاطة لساني جوه بقى ولا اتكلمت ولا شفت حد. أوعى تطلقني انت كمان، تبقى ظالمني.
رمزي وهو يلوح لها بيده:
أنا في إيه ولا إيه؟ خلاص يا نشوى اطلعي فوق دلوقتي.
يحاول الحاج رشدي الاتصال بسيلا ولكن لا مجيب. يبحث عنها في كل مكان ولا يعلم مكانها. وتعلم شيماء بما حدث وتسعد كثيرا.
في تلك الأثناء كانت سيلا تحت تأثير المهدئ، وغافية في ثبات عميق، وأحمد معها وبجوارها سيف ونوران، بعد أن ذهب وأخذهما من الحضانة.
تتحرك سيلا في نومها وكأنها تشاهد إسلام أمامها وهو يضربها. تنتفض في نومها، تبكي وهي لا تزال نائمة. همهمات تصدر منها وأنين مكتوم يقطع في ثنايا قلب أحمد وهو يراها هكذا. شعور بالحزن أم بالشفقة أم الغضب لما أصابها. مشاعر كثيرة تختلط عليه. يقطعها صوت سيف.
سيف الباكي:
هي ماما بتعيط ليه يا أونكل؟ في حاجة وجعاها.
أحمد وهو يربت عليه:
أيوه يا حبيبي... ماما تعبانة شوية.
تزداد همهمات سيلا وأنينها وتنتفض مرة واحدة صارخة، فيجفل الأولاد ويخافون ويبدأون في البكاء. يتركهم أحمد بسرعة ويتجه إلى سيلا بسرعة يرى عليها، ويحاول أن يعيدها للنوم ثانية ثم يعطيها جرعة مخففة من المنوم فتنام سيلا ثانية بين يديه وهي لا ترى أحدًا ولا تشعر بأحد.
استمرت سيلا في المستشفى أسبوعًا، وإسلام بالبلد. جالسًا في شقته وكأنه اتخذها محبسًا له، لا يرتدي سوى سرواله وينام عاري الصدر على سريره ناظرًا للسقف. لولا حركة صدره صعودًا وهبوطًا لظننت أنه قد فارق الحياة. بهت لونه كثيرًا وفقد وزنه أيضًا. عقله يفكر وهو في عالم آخر غير عالمنا.
يدخل عليه الحاج رشدي، ويرى حال الغرفة، وملابسه التي تغطي أرض الغرفة، وكمية السجائر التي شربها. تتألم الحاجة صفية وهي ترى حال إسلام وما وصل له. تحاول أن تعرف سبب الطلاق ولكن دون جدوى. تتحدث وكأنه لا وجود له معها، في عالم آخر. يشير لها الحاج رشدي أن تخرج وتتركهما بمفردهما.
بصوت رخيم يتحدث الحاج رشدي مع إسلام:
عايز أعرف حالًا طلقتها ليه؟ ومتقلش محدش له دعوة... انطق وقول.
إسلام بهدوء وكأنه مغيب، أو أراد أن يزيح ذاك الجبل من على صدره:
اسألها... وهي تقول لك علمت إيه؟
الحاج رشدي بقله حيلة:
مش لاقيها، دورت عليها في كل حتة، لا هي ولا الولاد باينين.
إسلام بجدية:
تلاقيها مع حبيب القلب.
الحاج رشدي بدهشة:
حبيب القلب مين؟ مترد عليا؟
إسلام بعنف وغضب:
الهانم... خاينة... خاينة... خانتني.
يضعف صوته ليتحول للبكاء:
خانتني وأنا... أنا حبيتها... طب ليه؟ قصرت معاها في إيه؟... ليه؟
الحاج رشدي مصدومًا:
استحالة سيلا تخون، مش ممكن.
إسلام بألم:
لما تشوف الصور والفيديو بتاع الهانم هتصدق.
الحاج رشدي بعدم تصديق:
استحالة سيلا تعمل كدا... أنا عارفها كويس، مش ممكن تعمل كدا... كانت اتطلقت منك... لو مش عايزاك إيه يخليها تعمل حاجة في الحرام؟!
إسلام وقد جن جنونه وبصراخ:
مدافعش عنها... مدافعش عن واحدة خاينة، متجبش سيرتها قدامي.
الحاج رشدي بخوف:
مش باينة لا هي ولا ولاد أخوك.
إسلام بحدة وغل يريد أن يؤذيها أن يؤلمها بأي طريقة وليس هناك أفضل من حرمانها من أبنائها:
العيال أنا هاخدهم منها، وهي تفور في ستين داهية.
تحضر شيماء مع أولادها وتحاول كسب رضا إسلام والجميع. يستسلم لها إسلام في كل شيء، لكي يغفي لنفسه تهاونه في حقها من أجل سيلا. بل كان كعقاب لنفسه من نفسه لأنه أحب سيلا، وعشقها، وخالفت عهد قلبه. فهل يوجد في الحب عهود؟ نعم... يوجد عهد بالحب، ووعد بالقلب، ونبض ينبض لها وحدها. أعطى لها قلبه وحبه، أعطى لها ما يملكه، وصدق بالحب، لا بل آمن به. عشقها حين كان يبتعد عنها، ولكن ماذا جنى غير وجع القلب والغدر. لذلك جمد قلبه، ودفنه بين ضلوعه، واستسلم لشيماء هيكل رجل، بدون قلب، بدون حب، بدون إحساس، فقط هيكل رجل.
يعود مع شيماء إلى الإسكندرية، وهناك يبحث عن سيلا هو والحاج رشدي، ولم يجدوها. يبعث لها إسلام ورقة طلاقها على مقر عملها بالمستشفى، ويتسلمها أحمد. أرسلها على مقر عملها كنوع من الأخذ بثأر قلبه منها، أراد أن يجرحها، ويثأر لكرامته ولرجولته، وهو في نفس الوقت ينهش الإسكندرية شبراً شبراً في البحث عنها. يخدع الجميع وربما نفسه بأنه يبحث عنها من أجل أبناء أخيه فقط، ولكنه كان يريد أن يسقيها من نفس كأس الغدر، يريد أن يثأر لنفسه منها بأي طريقة.
بخطى ضعيفة متهالكة، تخطو سيلا ومعها سيف ونوران متجهين إلى شقة مازن. يقوم بتوصيلها أحمد.
عند باب الشقة.
أحمد وهو يمد لها يده بالمظروف:
سيلا، الظرف ده جالك المستشفى وانتي تعبانة.
سيلا وهي تأخذ منه المظروف:
شكراً يا دكتور أحمد.
أحمد بسرعة:
خليكي الأسبوع ده، متجيش المستشفى؛ إنتي تعبانة، وكمان علشان الحمل.
سيلا وهي تهز رأسها موافقة لكلامه:
حاضر يا دكتور.
أحمد بتردد:
لو سمحتي، هبقى أتصل أطمن عليكي، ولو احتاجتي أي حاجة كلميني.
سيلا:
شكراً ليك يا دكتور.
يمضي الدكتور أحمد وتدخل سيلا إلى الشقة وتتطلع إلى كل ركن بها وتذرف الدموع وهي تتذكر حياتها مع مازن، وكم كانت سعيدة، وتتذكر حياتها مع إسلام ومدى الألم الذي لحق بها منه.
تفتح المظروف وتشاهد ما به، وتجده قسيمة طلاقها من إسلام.
سيلا وهي تغمض عينيها بألم وبكاء:
الحمد لله على كل شيء. ليست أول طعنة تتلقاها من إسلام، واحتمال لن تكون آخر الطعنات منه، تؤنب نفسها على حبها له، ولكن لن يجدي الندم بشيء.
عند الحاج رشدي، يرن الهاتف الخاص به ويجيب الحاج رشدي.
الحاج رشدي:
الو... السلام عليكم.
البواب:
وعليكم السلام، أيوه يا حاج أنا البواب بتاع شقة الست سيلا ومازن بيه الله يرحمه.
الحاج رشدي بإنتباه:
خير في حاجة.
البواب بسرعة:
الست سيلا جت امبارح بالليل مع ولادها الشقة وقاعدة فيها.
الحاج رشدي بإهتمام:
طب ألف شكر ليك، وواجبك عندي.
البواب في سعادة:
الله يخليك يا حاج إحنا نحب نخدم بس.
بعد فترة.
طرقات على باب منزل سيلا، تفتح سيلا الباب بوهن شديد، وتجد الحاج رشدي أمامها.
سيلا وهي تنظر له وكأنه أبوها، عيناها تمتلئان بالدموع، يتهدج صوتها وهي تقول:
اتفضل يا بابا الحاج.
الحاج رشدي وهو يدخل:
إزيك يا سيلا يا بنتي، أخبارك إيه انتي والولاد.
سيلا وهي تتجه إلى الصالة وتحلس أمام الحاج رشدي بتعب:
الحمد لله، كويسين.
الحاج رشدي بتساؤل:
أما العيال فين؟
سيلا:
في الحضانة.
الحاج رشدي وقد اطمأن أنه لا يوجد أحد بالمنزل، حتى يستطيع الحديث معها بارتياح:
إيه اللي حصل بينك وبين إسلام؟
تسقط دموع سيلا على وجنتيها:
مش عارفة والله، أنا كنت في المستشفى بشتغل، فوجئت بيه داخل عليا وبيضربني ويشتمني، وبيقولي خاينة وكدابة، وطلقني ومشي.
تشهق وهي تبكي، فيربت الحاج رشدي عليها ويأخذها في حضنه، فتكمل:
معرفش إيه اللي حصل ولا في إيه؟ ولسه جايه من المستشفى امبارح.
الحاج رشدي:
يعني انتي طول المدة اللي فاتت دي كنتي في المستشفى؟
سيلا:
أيوه.
الحاج رشدي:
طب وسيف ونوران كانوا فين؟
سيلا بهدوء وهي تشهق من البكاء:
كانوا معايا؛ الدكتور أحمد جابهم من الحضانة، وخد لهم غرفة جنبي، وكان معاهم طول الفترة اللي فاتت دي.
يشعر الحاج رشدي بالغضب من بقائها بمفردها مع أولادها ولم يكن أحد منهم بجوارها سوى الدكتور أحمد.
الحاج رشدي متسائلاً:
طب ليه مكلمتنيش؟ أنا دورت عليكي كتير انتي والعيال.
سيلا بقلة حيلة:
أكلمك أقول لك إيه؟ أقول لك إسلام بيتهمني تهمة مبيمحهاش غير الدم، أقول لك إن المستشفى عملت تقرير وقالوا لي ممكن أقدم بيه بلاغ ضد إسلام، وأنا مردتش. أقول لك أنا لحد دلوقتي مش عارفة إيه اللي حصل لكل ده. وليه الضرب والإهانة؟
تمسح دموعها وتكمل وهي تنظر له بأسى:
سمعت كلامك يا بابا واديتُه واديت لنفسي فرصة معاه، ويا ريتني ما سمعت كلامك.
تشير لنفسها وتقول: أدي النتيجة، وتبكي بحرقة.
يربت الحاج رشدي عليها ويقول:
أنا لازم أصلح بينكم.
لم يرد الحاج رشدي أن يعلمها بما قاله إسلام عن الصور والفيديو. كان يريد أن يتأكد أولاً ثم يخبِرها بكل شيء.
سيلا بإستسلام:
معدش منه لازمة خلاص يا بابا، واتفصل؛ دي مفاتيح العربية والشقة، وهناك كل حاجة هو جابها ليا وللولاد. ياخدهم مش عايزة منه حاجة. مش عايزة حاجة تفكرني بيه تاني، كفاية اللي معايا وربنا يقدرني بقى.
يظن الحاج رشدي بالجملة الأخيرة ما تركه إسلام من ألم في قلب سيلا ولم يأتِ في ذهنه أن تكون سيلا حامل. يأخذ المفاتيح ويخرج متجهًا إلى شركة إسلام.
يجلس إسلام على مكتبه يطالع الأوراق، ويتابع العمل الذي توقف في فترة غيابه. يدخل عليه الحاج رشدي فيرفع إسلام وجهه له مندهشًا.
إسلام بإندهاش:
بابا!! خير في حاجة. ماما بخير؟
الحاج رشدي وهو يجلس على مقعد أمام المكتب:
كلنا بخير، قلت آجي أشوفك وأعرف منك بقى كدا كل حاجة. آه صحيح نسيت، يمد له يده ويضع مفاتيح الشقة والسيارة ويقول: سيلا بعتت لك مفاتيح الشقة والعربية، وبتقول لك مش عايزة حاجة تفكرها بيك. والشقة فيها كل حاجة انت جبتها ليها ولولادها.
ينظر إسلام للمفاتيح، وتشعل كلمات الحاج رشدي الغضب به، يزداد شعوره بالحنق عليها. يهتف واقفًا بغضب:
هي ظهرت؟ طبعًا تلاقي البيه الجديد هيجيب لها أضعاف اللي حبته.
الحاج رشدي بغضب:
أنا عايز أعرف بقى الحكاية كلها، وليه بتقول كدا أنا مش مصدق حاجة من اللي بتقوله ده.
يلتفت إسلام بكل غضب له ويقول:
حتى لو شفت بعينيك؛ برده مش هتصدق.
الحاج رشدي:
أشوف الأول وأحكم.
ينهض إسلام مهرولًا إلى الخزنة ويفتحها، ويخرج المظروف منه ويتجه به ويخرج الصور قائلًا:
اتفضل، شوف بنفسك للصور بتاعة الست هانم، لو مش مصدق أوريك الفيديو بتاعها كمان أهه.
يتجه إلى مشغل الـ سي دي ويشغله ويرى الحاج رشدي الصور بدهشة وأعين محدقة، ويقول:
مش مصدق، أنا مش مصدق، وبعدين وشها مش باين قوي.
يقذف الصور على المكتب أمام إسلام الذي يكاد يخرج من عينيه نارًا، ويقول:
ده مش دليل.
إسلام وهو يشير بغضب إلى الـ سي دي وما يعرض:
وده برده مش دليل!
الحاج رشدي لم يقدر على رؤية ما في الفيديو:
بس اقفل.
يغلق إسلام الفيديو وينظر له وكأنه ينتظر منه أن يتحدث بأنه يصدق ما رأى.
الحاج رشدي:
برده مش دليل مفيش أي صورة لوشها من قريب كله من بعيد.
إسلام وهو يستشيط غضبًا، يصرخ قائلًا:
في دليل؛ قميص النوم ده ويشير إليه في الصور ويكمل: أنا اللي جايبه وشاري.
الحاج رشدي:
يعني المصنع معملش غيره.
إسلام بعصبية، وهو يلوح بيده في الهواء:
أنا رحت الشقة، ودورت عليه في هدومها، ملقتش حاجة يبقى إيه؟ رد انت بقى؟ ولا لسه هتدافع عنها.
الحاج رشدي وهو يحاول أن يستخدم معه العقل والإقناع:
لو واحدة عايزة تخون، هتاخد قميص نومها وتروح بيه! ده كلام. طب كانت جابت حاجة جديدة.
إسلام بانفعال زائد وقد ظهرت عروق رقبته ووجهه:
إنت بتبرر لها برده، أكذب الصور، أكذب الفيديو وأصدق إيه؟... أصدق واحدة خاينة!
الحاج رشدي بغضب:
صدق قلبك... إنت عارفها ومعاشرها قبل ما تبقى مراتك، وبعد ما بقت مراتك... دي أخلاقها؟ سيلا تعمل كدا ليه؟ طبعًا انت مش مصدقني بس براحتك. وبعدين إنت متأكد إن الصور دي مش متفبركة... يعني حقيقي.
إسلام وهو ينظر له بتردد:
لا متأكدتش.
ينهض الحاج رشدي ويقول:
يبقى كان لازم تتأكد الأول قبل ما تعمل اللي عملته ده معاها. ده قذف محصنات يا إسلام.
يتنهد ويكمل:
على فكرة هي كانت في المستشفى مع عيالها الفترة اللي فاتت. وكان ممكن تعمل لك قضية بسبب ضربك ليها والمستشفى كانت هتعمل كدا فعلًا وسيلا رفضت. وبعتت لك حاجتك أهي، يبقى دي تصرفات واحدة خاينة ولا بايعة، طب كانت رجعت الشقة والعربية ليه وهم باسمها، لما هي بتدور على الفلوس واللي معاه أكتر؟ فكر كويس يا إسلام... فكر كويس يا ابني.
يخرج الحاج رشدي تاركًا إسلام في حالة من التخبط والتشتت.
إسلام لنفسه:
يعني إيه؟ يعني ممكن تكون مظلومة! بس الصور والفيديو وقميص النوم.
يقف ويمشي في حجرة مكتبه، يقف أمام الشباك.
يعني ممكن الصور تكون متفبركة... طب ليه؟ ومين يكون له مصلحة في كدا؟ طب أنا ليه متأكدتش الأول.
يرد على نفسه:
أي حد في مكاني وشاف الصور دي أكيد هيعمل اللي عملته ده وأكتر كمان، أكيد مش هيبقى فيه عقل يفكر ويتأكد الأول. بس مين له مصلحة في كدا؟ شيماء!! لا مش ممكن؛ هي ممكن تبعت جواسيس ليها تجيب لها أخبارنا، لكن خيانة وصور، لاء معتقدش.
يخبره عقله بالمنوم التي كانت تضعها هدى لها في الطعام.
إسلام لنفسه:
لا هي آه كانت السبب في أن هدى تحط لها المنوم في الأكل بس عشان تنام ومعرفش أشوفها وأصالحها. لكن هي مش شريرة للدرجة دي. طب مين؟ مين اللي عايز يوجعني أوي بيها كدا؟ ولم يجد إجابة عن هذا السؤال.
لثوان معدودة يفكر في صحة كلام والده ويشهق:
حقي لو طلع كلام الحاج صح؛ والحاجات دي طلعت متفبركة، أبقى غلطت غلطة عمري مع سيلا. وأبقى فعلاً خسرت سيلا للأبد. أنا لازم أتأكد الأول.
يخرج إسلام من الشركة ومعه المظروف ويتجه إلى أحد أصدقائه؛ لكي يعرف من إذا كانت هذه الصور حقيقية أم مفبركة.
رواية مات زوجها وتزوجت أخيه الفصل التاسع عشر 19 - بقلم نجلاء ناجي ورشا مجدي
يمر شهران والحال كما هو؛ تخرج سيلا في الصباح بعد ذهاب سيف ونوران للحضانة، وتذهب إلى المستشفى بسيارتها المستعملة. ثم تحضر ما يحتاج له المنزل في طريق عودتها إلى المنزل وتظل به.
وإسلام يراقبها ويراقب تحركاتها بين الحين والآخر. والبواب يخبره بكل تحركاتها، ومن يزورها حتى لو كان الحاج رشدي أو أخيه رمزي.
ترفض سيلا عرض الحاج رشدي بالذهاب بأبنائها إلى منزل جدهما؛ حتى لا تلتقي بإسلام. وترسل سيف ونوران مع جدهما لقضاء أسبوع هناك واللعب مع أبناء أعمامهم، وتبقى هي في منزلها.
كان هدف الحاج رشدي التقريب بينهما ولكنها رفضت الذهاب. وإسلام كذلك عندما علم أنها رفضت بسببه، رفض هو أيضًا بسببها. نوع من العند والكبرياء يؤثر عليهما معًا. هي تحافظ على كرامتها التي بعثرها إسلام ولم تجد في قلبه ذرة حب لها، وإنما وجدت الكثير من القسوة. وهو نوع من الغضب الممزوج بالغل من عدم معرفته حتى الآن إذا ما كانت سيلا خائنة له أم مظلومة. ولكنه لا يمنع أنه شك بها عندما رفضت الحضور للمنزل حتى لا تراه. عقله أخبره أنها ربما تريد أن تبقى بمفردها لمقابلة عشيقها، أو لمقابلة أحمد فهو معها أثناء العمل في المستشفى.
نار تحتاجه لا يعرف له شاطئ يرسو عليه. هل هي ظالمة له أم مظلومة منه؟ يريد أن يعرف الحقيقة. عقله مشتت، وذهنه مفتت، وكبرياؤه كرجل مبعثر. يريد أن يعلم الحقيقة.
أما شيماء... فدوام الحال من المحال. ما أن اطمأنت أن إسلام قد طلق سيلا، ولم يعد يطيق ذكر اسمها، حتى عادت إلى طبعها القديم وخروجها واهتمامها بنفسها فقط. لا تعلم أن ما يفعله إسلام ليس كرهه لسيلا، وإنما عشق لها. كلما زاد الغضب منها كلما كان هذا دليلاً على محبته وعشقه لها. وكيف لا وهي من دق لها قلبه، هي من ملكته، وختمته بخاتم حبها وعشقها. عشقها ومتيم بهواها ولكنه بمقدار عشقه، بمقدار صدمته منها وعنفه وغضبه عليها.
خلال الأسبوع الذي قضاه سيف ونوران في منزل جدهما بالبلدة. كان إسلام يراقب سيلا كظلها؛ يتابعها في كل تحركاتها وتنقلاتها منذ الصباح وحتى عودتها إلى شقتها. ليس هذا فحسب، بل كان يظل قابعًا في سيارته ناظرًا إلى شقتها حتى منتصف الليل، حين تغلق سيلا أنوار الشقة لتنام، ليهدأ ويذهب إلى شقته وينام ويكرر ما يفعله في اليوم التالي.
لمدة أسبوع ظل إسلام يلاحظ سيلا ويتابعها. لاحظ تغيرًا في سيلا، أصبحت تلبس جاكتًا أكبر من حجمها، لا بل زاد وزنها قليلاً، وأصبحت حركتها ضعيفة؛ وقد فسر ذلك بسبب زيادة وزنها أو بسبب إرهاقها في العمل. كما لاحظ أنها أصبحت أشد جمالاً عما مضى؛ وهذا ما زاد من غيرته وغضبه غير المبرر له، وفسر ذلك بسبب الزيادة الطفيفة في وزنها.
يأتي اتصال هاتفي لإسلام من صديقه المكلف بمعرفة حقيقة الصور. ما إن رأى إسلام اسم المتصل حتى رد بلهفة وسرعة:
"السلام عليكم، إيه الأخبار؟"
"كله تمام يا معلم. طلع شغل عالى أوى أوى، ونضيف كمان."
"يعني حقيقي ولا متفبرك؟ اخلص وقول."
"حقيقي مش متفبرك."
صدمة كبيرة صدم بها إسلام للمرة الثانية. كان يراقبها على أمل أنها بريئة، والآن أصبحت مذنبًة أمامه رسميًا، وبشهادة الخبراء أيضًا.
غضب... نعم.
كره... احتمالألم... مؤكد.
غصة في حلقه.
نغزة في قلبه، وخروج صوت باهت جاء من بئر عميق فارغ، شارد، مشوش:
"طب شكراً ليك، مع السلامة."
دمعة غافلته وفرت من مقلته. ينتبه لها إسلام ويشعر بها على وجنته، يمسحها في عنف وغضب، يذكر نفسه بفعلتها ليكرهها، أكثر وأكثر. ويؤمن على قراره الذي اتخذه بأن يدفن قلبه، ويعيش هيكل رجل، بدون روح.
يحدث نفسه: "يعني حقيقي، يعني مظلمتهاش... يعني خانتني."
يلتقط الهاتف ويتصل بالحاج رشدي، ويبلغه بما علمه. ولا يصدقه الحاج رشدي مرة أخرى؛ فهو يعرف سيلا جيدًا ولن يصدق ذلك.
يجن جنون إسلام من رفض الحاج رشدي الاعتراف بأن سيلا مدانة ومذنبة، ويذهب فورًا إلى البلدة.
في البلدة...
الحاج رشدي وهو يتجنب الحديث مع إسلام في موضوع سيلا:
"هتودي عيال أخوك لسيلا ولا أبعتهم مع رمزي ولا السواق؟"
إسلام وهو شارد ويفكر:
"معرفش."
الحاج رشدي:
"يعني هتتابع ولاد أخوك ولا أخلي رمزي يتابعهم؟"
إسلام بتردد:
"أنا... هاخد الولاد من سيلا لعدم الأمانة وأضمهم لوصايتي."
يهب الحاج رشدي واقفًا في غضب:
"انت بتقول إيه؟ استحالة دا يحصل."
إسلام بحده:
"وأنا استحالة أسيب ولاد أخويا مع واحدة مش أمينة عليهم؛ والصور والفيديو هيبقوا دليل ضدها."
يمسكه الحاج رشدي من تلابيب ملابسه:
"يوم ما تعمل كدا، تبقى لا انت ابني ولا أنا أعرفك ويتحرم عليا رؤيتك ورؤية ولادك."
إسلام بجنون:
"لييييه... ليه كل دا... ليه مش مصدق إنها خاينة؟"
الحاج رشدي بغضب صارخًا:
"علشان أنا عارفها؛ لكن انت الغضب عامي قلبك وعقلك. لو أذيت سيلا يا إسلام هبقى متبري منك. فاهم؟ اوعى تأذيها. أنا حاسس إنها مظلومة وبكرة ربنا يظهر براءتها."
تدخل الحاجة صفية وهي تقول:
"صوتكم عالي إيه؟"
الحاج رشدي وهو يبتعد عن إسلام، ويلوح له بيده:
"اسألي ابنك وهو يقولك."
إسلام وهو يزفر:
"خلاص يا حاج هات الولاد وأنا هوصلهم لسيلا."
يأخذ إسلام الأولاد ويذهب بهما إلى سيلا. وفي الطريق ظل يفكر لماذا أخذهم؟ لماذا لم يدع رمزي يذهب بهما؟ لوهلة جفل من السبب الذي طرأ على ذهنه؛ أنه يريد رؤية سيلا. كاد المقود أن يفلت من يده، ثم استطاع أن يتحكم به بمهارة، وهو ينهج وكأنه في سباق كبير. غاضب منها نعم، ولكنه بداخله حنين لها. يريد أن يجعلها تشعر بما يشعر به من نار وجحيم مستعر، يريد أن يجعلها تتألم كما تألم هو، ولكنه بداخله يشتاق لها لحد الجنون. مشاعر متداخلة، متضاربة بين الحب والكره، الألم والاشتياق. لا يعلم شيئًا ماذا يحدث له. كل ما يريده هو رؤيتها؛ فقط رؤيتها. أخذ يردد أنه يريد أن يثأر لنفسه منها، ولكنه في قراره نفسه يعلم أنه يكذب.
يصل إسلام إلى منزل سيلا، يدق الباب وعينه متلهفة لرؤيتها. ويقنع نفسه أنها انتهت من حياته.
تفتح سيلا الباب وتتفاجأ بوقوف إسلام أمامها. نظرات متبادلة بينهما، ضربات قلب متسارعة، متصارعة؛ مشاعر مشتتة بين لهفة وشوق وحزن وألم وغضب. دموع متحجرة تأبى النزول من المقل. وعناق بالعيون به لهفة حاول أن يخفيها بعينيه منها، ولكنه لم يخفيها بقلبه عن نفسه. حقًا كان يشتاق لها، وهذا تصريح له، لنفسه بذلك، وليس لها.
وصوت سيلا يخرج أخيرًا، هامسًا ضعيفًا:
"شكراً ليك، وحمد الله على السلامة."
يرد إسلام بصوت متحشرج:
"العفو."
يقطع ذلك الاتصال البصري، صوت سيف:
"مش هتبات عندنا يا عمو زي زمان؟"
إسلام وهو ينظر له وسيلا تتركه وتدخل إلى الداخل لتخفي نفسها منه ومن نظراته تلك التي ينظرها لها.
"مرة تانية، أنا عندي شغل كتير أوي يا حبيبي."
يغادر إسلام وهو مشتت الذهن. عقله يخبره أنه على حق، وقلبه يخبره بأنها بريئة.
يمر شهران آخران، وإسلام يحضر لرؤية سيف ونوران مرة كل أسبوع أو أسبوعين. وتتعمد سيلا أن تظل في حجرتها، لا تراه ولا يراها؛ حتى لا يلاحظ حملها. وكفاها ما ظنه بها وجرحه لها. تجلس سيلا في غرفتها، تسند ظهرها على الأريكة وتمسد يدها على بطنها وتحدث جنينها، قائلة:
"عارف إن أبوك بره، هو طول المرة دي عن كل مرة. الصراحة هو كل مرة بيطول عن اللي قبلها. حاسة إنه بيتعمد كدا عشان يشوفني، بس أنا استحالة أتكلم معاه تاني."
تتلقى ضربة من الحنين تتألم ضاحكة وتكمل:
"كلامي مش عاجبك ليه يا ابن إسلام؟ انت عايز تسمع صوت أبوك؟"
تظهر الدموع في مقلتيها وتقول:
"بس هو لو عرف مش هيعترف بيك، مش هيصدق إنك ابنه أو بنته. يبقى زعلان ليه بقى مني؟"
تتلقى ركلة أخرى، وتتألم:
"عارفة إنك مالكش ذنب، بس أنا كمان كفاية عليا كدا. مش هكدب عليك إن حبيبت أبوك، وساعات كتير بلاقي في عينيه كلام كتير. ساعات بحس إنه بيطمن عليا، وساعات أحس إنه بيقسى عليا. ساعات أحس إنه بيحبني أوي، وفي نفس الوقت أحس إنه بيكرهني أوي. مبقتش قادرة أعرف عينيه فيها إيه من ناحيتي، عشان كدا أنا بعيدة عنه."
تفر منها دمعة، تمسحها بسرعة وتكمل:
"المهم انت معايا ومع إخواتك."
عدة ركلات تتلقاها فتتألم بصمت حتى لا يسمع إسلام صوتها بالخارج.
"بس بقى، شكلك عايز تخرج تلعب معاهم، ولا عايز إخواتك؟ اعمل إيه يعني، أبوك طول أوي المرة دي."
يحاول إسلام بشتى الطرق أن يتحدث معها ولكن سيلا لا تعطي له فرصة. يظل هناك.
اتصال قائم بين سيلا والحاج رشدي للاطمئنان عليها.
في منزل خالد...
حيث كانت هناك خطيبة صادق ونشوى ورمزي والكل على مائدة الغذاء؛ التي أعدتها هند احتفالاً بالشقة التي تم تجهيزها لعرس صادق. فإذا بآلام المخاض تهاجم هند.
خالد بزعر شديد:
"أعمل إيه؟ جد يقولي بسرعة؟"
نشوى بسرعة:
"كلم الدكتور، وإحنا رايحين له حالا. رمزي جهز العربية انت كمان."
هند بصريخ:
"آاااااه... إلحقوني."
نشوى بغضب:
"بالراحة يا أختي، انتي هتولدي في السابع. ينفع كدا؟"
هند بألم:
"هو بإيدي يعني؟"
نشوى:
"يلا بقى، ربنا يسترها. فين شنطة هدومك انت والعيال؟"
هند بزعر:
"مفيش شنطة، هو أنا لازم أعمل شنطة؟"
نشوى بصدمة:
"أمال أنا قاعدة أقول لك إيه في التليفون؟ بنصح وبكلم روحي. خليكي لما أروح أجهز بسرعة."
تنهض نشوى لتحضير شنطة هند وملابس المولود ويتجهوا بسرعة إلى المستشفى لتلد هند صبيًا وبصحة جيدة.
خالد وهو غير مصدق لحاله:
"الحمد لله... الحمد لله يا رب."
الممرضة وهي تعطي الطفل لخالد، يمسكه خالد وتفر الدموع من عينيه وهو يشكر الله، يؤذن في أذنه اليمنى، ويقيم الصلاة في أذنه المولود اليسرى، ويتلقى التهاني والمباركات من إخوته ويسأل عن هند.
في غرفة هند بالمستشفى:
رمزي مشاكسًا نشوى ضاحكًا:
"يلا بقى يا نشوى، شدي حيلك وهاتي بنت علشان أجوزها ل..."
ينظر إلى خالد وهند ويسألهما:
"صحيح هتسميه إيه يا خالد؟"
خالد:
"محمد إن شاء الله."
رمزي ضاحكًا:
"ماشي يا أبو محمد. خلي أختك بقى تجيب بنت علشان أجوزها لمحمد."
نشوى بامتعاض منهما:
"إيه؟ هو سوبر ماركت أجيب بنت؟ هو أنا اللي بجيب؟ طب بالمرة عايزها عينها لونها إيه؟ كاروهات ولا منقط بمبي؟"
يضحك الجميع.
بعد مرور أسبوع يحضر الجميع سبوع هند وكذلك الحاج رشدي والعائلة وأبناء سيلا بدونها طبعًا.
سيف وهو يحمل الصغير:
"الله يا تيتيه... نونو حلو أوي."
الحاجة صفية بابتسامة هادئة:
"قول ما شاء الله يا سيف."
سيف ببراءة مكررًا:
"ما شاء الله. طب ممكن أخده معايا؟"
الحاجة صفية:
"لأ... هو هيفضل مع مامته لأنه لسه نونو."
سيف غاضبًا منها وببراءة الطفولة:
"مش مهم... ماما هتجيب لي نونو صغير، وهلعب معاه. هي قالت لي كدا. وخلي النونو ده هنا."
الحاجة صفية بدهشة:
"هي ماما سيلا هتحيب نونو يا سيف؟"
سيف مبتسمًا في سعادة:
"آه... بس متقوليش لحد، لأن ده سر وهي عملاها مفاجأة."
الحاجة صفية وهي مندهشة وفرحة تبتسم وتقول:
"طيب يا حبيبي."
في منزل الحاج رشدي:
تخبر الحاجة صفية؛ ما علمته من أخبار حمل سيلا للحاج رشدي، الذي يصر على الذهاب لها في الحال لرؤيتها والحديث معها.
في منزل سيلا:
يرن جرس الباب تفتح سيلا وتجد الحاج رشدي أمامها.
سيلا بدهشة:
"بابا الحاج... إزيك وحشتني."
تفسح له الطريق ليدخل وهو يتفحصها ليرى أي علامات للحمل.
الحاج رشدي:
"إزيك يا سيلا يا بنتي، وحشتيني. بس أنا زعلان منك."
سيلا بدهشة:
"ليه يا بابا... أنا عملت حاجة تزعلك؟"
الحاج رشدي:
"يعني تبقي حامل وتخبي علينا."
سيلا بحزن:
"عايزني أقول إيه... إذا كان إسلام اتهمني بتهمة بشعة... عايزني أقوله إني حامل. تفتكر هيصدق إنه ابنه؟ إذا كان مصدق إني خنته... يبقى هيصدق إن الطفل دا ابنه؟ أنا مقدرش أحرج نفسي تاني بكلامه."
الحاج رشدي:
"بس أنا مصدقك وده كفاية. المشكلة إنه ودى الصور والفيديو لواحد وقاله إنهم حقيقي."
سيلا بدهشة وبدون فهم:
"صور وفيديو إيه؟"
قص عليها الحاج رشدي كل شيء.
سيلا بدهشة وبكاء:
"والله ما حصل حاجة من دي."
الحاج رشدي مقاطعًا:
"أنا مصدقك يا بنتي. بس إنك تخبي حملك ده هيزود شكه فيكي أكتر. إسلام عاد بيشك في كل شيء."
سيلا باكية:
"بابا... أنا هسافر عند محمد أخويا دبي. معدتش قادرة أقعد هنا. أنا كلمته وحكيت له على كل حاجة وهروح عنده أنا والأولاد."
الحاج رشدي بصدمة:
"لأ... خليكي هنا. ليه تحرميني من ولاد مازن. خليكي هنا وأنا أوعدك إني هشوف الموضوع ده. وهحله. وربنا يوفقنا."
سيلا:
"كله على الله. طب ممكن بس متقولش لإسلام على موضوع الحمل ده؟"
الحاج رشدي في محاولة منه لإقناعها:
"لازم يعرف. كدا غلط. بتزودي شكه فيكي أكتر."
سيلا بألم:
"مش هقدر أسمع منه كلام تاني يجرحني يا بابا. كفاية اللي عملوه فيا. مش عارفة لو قال كلامه القاسي ده أنا ممكن أعمل إيه؟"
الحاج رشدي وهو يتنهد:
"خلاص... براحتك. هنشوف وربنا يسهل."
يذهب الحاج رشدي عائدًا إلى البلدة.
في منزل الحاج رشدي:
يتساءل الجميع عن سر غياب الحاج رشدي، وأين ذهب ولكن لا مجيب سوى أن لديه بعض الأعمال التي يتابعها.
إسلام متسائلاً:
"إيهمال إيه اللي بيتابعها الحاج؟ انت بتعمل حاجة من ورانا؟"
الحاج رشدي بتهكم:
"بكلم شغلكم الناقص. بدور على الغايب منكم."
إسلام بعدم فهم:
"شغل مين اللي ناقص يا حاج؟ وغايب مين ده؟"
الحاج رشدي:
"بكرة تعرف. بس يا ريت متتهورش وتندم يا إسلام."
إسلام بقلق واضح:
"انت قلقلتني يا حاج. في إيه؟"
الحاج رشدي بهدوء:
"كله بوقته يا إسلام. انت هتروح ولاد مازن إمتى؟"
إسلام:
"بكرة الصبح."
الحاج رشدي:
"طب ابقى شوف سيلا لو محتاجة حاجة ولا ابعت حد من عندي ليها؟"
إسلام باقتضاب:
"لأ يا حاج. هاشوفها عايزة إيه وأجيبه."
الحاج رشدي وهو يحاول أن يجس نبضه من ناحيتها:
"لسة برده فاكرها خاينة؟"
إسلام بتذمر:
"يوووه يا حاج. متفتحش السيرة دي."
الحاج رشدي بغضب:
"ماشي. براحتك."
وهو في قراره نفسه يعلم أن سيلا كان لديها الحق في أن تخفي حملها عن إسلام. يعلم أنها مظلومة وأن إسلام سوف يندم ندماً شديداً ولكنه سيكون بعد فوات الأوان. لا يزال هناك فرصة ضئيلة لهما معًا ولكن إسلام بغضبه الأعمى سيبددها من يده.
ترتدي سيلا إسدالاً لكي يخفي حملها غير الظاهر جداً وتأخذ أولادها من إسلام، وتشكرُه باقتضاب.
إسلام وهو يتفرس ملامح سيلا المضطربة ولا يعرف سر توترها، فيضطر للدخول إلى الشقة ظناً منه أنه يوجد لديها أحد.
إسلام وهو يجلس بالشقة، لا ينكر أن رؤيته لسيلا تشتت أفكاره وتبعثر غضبه منها. لا ينكر أنه اشتاق لها وكلما رآها وقد ازدادت جمالاً وإشراقاً وهو يذوب بها. رؤيتها وهي متوترة أشعل غيرته عليها وجعله يدخل الشقة كحجة يقولها لنفسه بأنه يشك بها أو يريد التأكد من أنها بمفردها؛ ولكنّه في الحقيقة كان الشوق لها فاق الحد بمراحل كثيرة.
جلس على الأريكة وهو يلتهمها بنظراته، وهي تقف أمامه بخجل وارتكاب من أن يلاحظ حملها تبتعد عنه بنظراتها.
"ممكن قهوة يا سيلا؟"
سيلا بارتباك:
"حاضر."
تدخل سيلا لعمل القهوة ويدخل إسلام لغرفة نومها وغرفة الأطفال ثم يرجع ثانية للصالة والجلوس على الأريكة مع سيف ونوران.
نوران وهي تجلس بين أحضان عمها:
"مش هتجيب عز الدين ورنا هنا يا عمو زي ما قلت لي؟"
إسلام وهو يمسح على شعرها:
"انتم مش كنتم سوا عند جدو رشدي يا نوران؟"
نوران:
"آه... بس أنا عايزهم هنا أو هناك في شقتنا التانية. تعتدل في جلستها وتنظر له في وجهه. هو إحنا سبناها ليه؟"
إسلام بغصة في حلقه:
"معرفش. اسألي ماما وهي تقولك."
لكنوران:
"طب ابقى هاتهم هنا علشان نبقى نلعب سوا ونجيب النونو يلعب معانا."
ظن إسلام أنها تتحدث عن ابن هند وخالد، ولم يكن يدري أنها تتحدث عن أخيها المنتظر.
تستمع سيلا لحديث نوران وترتبك وهي تضع القهوة على المنضدة. وسط نظرات إسلام المتسائلة والمتشككة لها.
سيلا بارتباك:
"نوران... يلا يا حبيبتي متتعبيش عمو."
نوران وهي تكمل حديثها:
"يعني يا عمو هتلعب معانا مع النونو بتاعنا."
إسلام مبتسمًا:
"آه يا حبيبتي."
نوران وهي تهلل وتقبله قائلة:
"وتلعب كلنا سوا."
يزداد ارتباك سيلا ويزداد شك إسلام من سبب ارتباكها.
يشرب إسلام قهوته وهو ينظر لها ويفكر في لماذا كل هذا الارتباك؟ هل تنتظر أحدًا؟ أم ماذا؟ لا أحد في المنزل. ربما تنتظر أحدًا ما؟
سيظل إسلام في المنزل وسيلا تجلس مع نوران في حجرتها وإسلام مع سيف في الردهة حتى يدا النعاس تغلبهم وينام الأطفال.
تذهب سيلا إلى المطبخ ويتبعها إسلام. بسرعة، تجفل من ملاحقته لها وتنظر له في حيرة، في حين ينظر لها بحب وغيره، بعشق وغضب.
سيلا بصوت واهن متحشرج جاهدت في خروجه:
"عايز حاجة. في إيه؟"
إسلام وهو يتقدم نحوها مسلوب الإرادة؛ أخيرًا أصبحا بمفردهما، أخيرًا يمكنه التحدث لها بدون أي عائق أو بوجود أي أحد. يمشي بخطوات تجاهها وسيلا تشعر بالتوتر منه ومن نظرات عينيه لها التي لا تعرف قراءتها الآن. ترتجف شفاها وهي تقول:
"في إيه يا إسلام؟"
إسلام بنظرات مسلطة عليها وبصوت متحشرج:
"في إنك وحشتيني أوي."
يتأملها ويتأمل وجهها ويكمل:
"مش عارف إيه متغير فيكي بس التغير للأجمل."
سيلا بهمس:
"معدتش ينفع الكلام ده خلاص. متنساش انت عملت فيا إيه؟ وليه؟"
إسلام وهو يضع يده على شفتيها بهمس:
"شششششش... متكمليش. مش عايز افتكر الألم ده."
سيلا وهي تنظر له بغضب:
"والألم اللي اتسببت فيه ليا مش عايز تفتكره كمان، وكرامتي اللي اتهانت منك مش عايز تفتكرها كمان."
تتحد نظرات إسلام لها وهو يقول بغضب:
"مش قد ألمي واللي حسيت بيه، ولسه بحس بيه. عايزة تعرفي كان قد إيه؟"
ينظر حوله في أنحاء المطبخ ثم تقع عيناه على سكين كبير يلتقطها في يده، ويمسكها من نصلها الحاد بقوة، فتسيل دماؤه وتتقطر على الأرض وسط ذهول سيلا وعيناها الحاظة عليه. تحاول لتمسك يده وتصرخ:
"ليه كدا... كفاية يا إسلام... حرام عليك."
إسلام وهو ينهج من شدة الغضب، مستلذاً بألمه، ينظر لها:
"هتصدقي لو قلت لك إن الألم اللي أنا حاسس بيه دلوقتي أخف بكتير أوي من اللي كنت حاسس بيه وأنا بشوف الصور والفيديو. هتصدقي إني اتمنيت لو أصفّي دمي وأبعد حبك من قلبي، بس مقدرتش، لأني لقيت نفسي بحبك أكتر. كل ما أبعد وأقسي قلبي عليكِ أول ما أشوفك بنسى كل حاجة ومفتكرش غير حبك."
سيلا صارخة:
"كفاية يا إسلام إيدك بقى. لو حبيتني بجد كنت عرفت الحقيقة ومش محتاج حد يقولك ولا حد يكشف لك الحقيقة. لو حبتني بجد كنت سألت دا..." وتشير إلى قلبه وتكمل:
"وهو كان هيقولك إني بريئة. لو حبتني بجد كنت سألت احساسك هيقولك مش أنا اللي تعمل كدا. انت محبتنيش يا إسلام للأسف. محبتنيش."
يترك إسلام السكين ويقع أرضاً فيرع يده المدماة إلى وجهها ويتحسسه وأنفاسه لفح وجهها، في حين كانت سيلا في قمة ذعرها لقربه منها وخوفها من أن يكتشف حملها.
"سألته والله سألته بس عايز دليل. انتي متعرفيش يعني إيه راجل يحب بعد ما كان بيسخر من الحب. متعرفيش كمية الغضب وأنا عايز أعرف مين الحيوان اللي اتهنت بيه معاه وليه؟ بس بما بشوفك بنسى كل حاجة أبقى عايز أشوفك وأفضل جنبك وأتمنى كل اللي حصل يكون حلم، أو كابوس وانتهى."
يقترب منها كثيراً يريد تقبيلها، فتبتعد سيلا وجهها عنه جنباً.
"معدتش ينفع خلاص. مع السلامة يا إسلام."
إسلام وقد ابتعد هنا قليلاً يزفر في قوة. تبتعد عنه سيلا بسرعة وتجلب قطعة شاش ومطهر. تغسل له الجرح، وتضع المطهر وتلف بالشاش دون أن تنبس ببنت شفة وإسلام ينظر إلى وجهها الذي لطخ بدمائه. تنتهي سيلا وتقول له:
"أنا طهرت لك الجرح. روح على مستشفى وشوف إيدك. الجرح عميق. أنا عملت كدا عشان انت عم الولاد وبس."
ينظر لها غاضباً ويقول:
"عم الولاد بس. أنا جوزك يا هانم."
سيلا مقاطعة له بحدة:
"كنت واطلقنا يا إسلام. تصبح على خير بقى لأن وجودك كدا غلط."
إسلام وهو يخرج من المنزل:
"وانتي من أهل الخير."
يخرج إسلام وتتنفس سيلا الصعداء من شدة خوفها أن يلاحظ إسلام حملها.
أما عند إسلام فيوصي البواب على ملاحظة سيلا وإبلاغه بأخبارها، ويعطيه مالاً لذلك. يجلس إسلام في سيارته يراقب شقتها وحتى غلبه النوم وهو جالس يراها وهي تقف في شرفة غرفتها. كانت سيلا تقف في غرفة شرفتها تتنسم بعضاً من الهواء البارد وتربت على جنينها في حنان وتفكر في ما حدث منذ قليل مع إسلام.
في الصباح وفي الشقة:
إسلام يتحدث مع وليد، يسأله وليد عن الجرح فيخبره أنه جرح نفسه أثناء تحضير الطعام لنفسه.
عندما يفتح إسلام الخزينة يقع مظروف سيلا الخاص بالصور وتقع الصور ويراها وليد ولم يستطع إسلام أن يمسكها لإصابة يده.
وليد بدهشة وهو ينحني يلتقط الصور ويرى:
"إيه دا... الصور دي مزيفة!"
إسلام بحده:
"هات الصور دي يا وليد. دي مش مزيفة للأسف."
هو لا يريد أي أحد أن يشاهدها ويشاهد جسدها سواه. لا يزال يشعر بالغيرة عليها.
وليد بحده وغضب:
"استحالة دي تكون سيلا. مش ممكن أصدق."
إسلام بألم:
"انت هتعمل زي أبويا. هو برضه بيقول كدا. بس الخبير بقى بيقول إنها حقيقية."
وليد بسرعة:
"اكيد في لعبة وأنا لازم أكشفها. عشان كدا بقى اتطلقتوا. صح؟"
إسلام بغضب:
"اكيد. كنت عايزني أخليها على ذمتي بعد ده."
وليد بذهول:
"غلطان. إنت محبتش سيلا. لو كنت حبيتها كنت اتأكدت الأول. طلاقك ليها كسرها. انت المفروض تبقى أمنها وحمايتها. كان لازم كان لازم تتكلم معاها. كان لازم تصدق قلبك وعقلك."
إسلام مقاطعاً بحده:
"انت إزاي تتكلم معايا كدا؟ يفرق إيه حبيتها ولا لاء؟ انتم ليه مش حاسين بيا؟"
يجلس بوهن على مقعد ويكمل:
"عارف يعني إيه تحب واحدة لدرجة الجنون بيها؟ عارف يعني إيه تبقى مش عايز حاجة من الدنيا وأنت قاعد معاها؟ عارف لما تلاقي نفسك بتنسى كل شيء حتى شغلك اللي كان نمرة واحد في حياتك وأنت معاها. وفجأة تلاقي صور زي دي وفيديو ليها مع واحد تاني."
يلتفت له بحدة وغضب والنار تكاد تخرج من عينيه:
"أنا مكنتش شايف حاجة قدامي غير الصور. مكنتش مصدق نفسي. كنت بتمنى إني كنت أموت ولا أشوفش الصور دي. أنا اتطعنت في قلبي، وكرامتي ورجولتي. كنت عايز آخد بتارها منها. ألمتها ووجعتها وكسرتها بس كسرت نفسي قبل منها."
يلتفت له ويكمل:
"مش هتحس باللي حاسس بيه. عمر ما حد هيقدر يحس باللي أنا حاسس بيه. ولا هيعرف إيه بيحصلي أول لما عيني تشوفها. ببقى قاعد أحفظ نفسي إنها غلطت وخانت عشان أوجعها وأول لما بشوف وشها وبراءة عينيها بنسى كل شيء. بس حوايا حرب ونار. عايز أتأكد. جزء مني بيقول بريئة وجزء تاني بكلام الخبير بيقولي عبيط."
يزداد حدة صوته وهو يقول:
"محدش حاسس بالنار اللي جوايا واللي بتحرق فيها غيري."
وليد بحده:
"اللي يحب ويحب بصدق مش ممكن يصدق حاجة زي دي. واحدة محترمة إيه اللي يخليها تخون؟ لو مش بتحبك كانت اتطلقت منك. واحدة زي سيلا استحالة تعمل حاجة في الحرام وتغضب ربنا. وأنا لازم أعرف الحقيقة."
ويخرج وليد سريعاً من المكتب. ويبقى إسلام يفكر في كلامه ويحدث نفسه:
"معقولة أنا محبتهاش؟ معقولة كلهم صح وأنا غلط؟ طب لو غلط يبقى إيه حكاية الصور دي؟ ومين اللي يعمل كدا؟ وأنا إزاي معرفتش أصدقها. لو محبتهاش أمال النار اللي جوايا دي من إيه؟ لو محبتهاش أمال الألم اللي في دا من إيه؟ لو كانت شيماء مكانها مكنتش هزعل كدا ولا هتأثر كدا؛ لأني محبتهاش. أنتم كلكم متعرفوش أنا قد إيه حبيتها. أنا عديت مراحل الحب دي من زمان. أنا عشقتها. عشقت كل تفصيلة فيها، كل حركة ليها. للأسف محدش هيقدر يعرف ولا يقدر اللي جوايا غيري أنا وبس."
يخرج وليد من مكتب إسلام والغضب يتطاير منه. يهاتف شيماء ويعرف منها أنها بالنادي ويذهب إليها.
يقبل وليد على شيماء ويجدها تجلس وسط صديقاتها.
وليد:
"إزيكم يا قمرات عاملين إيه؟"
شيماء والبنات:
"إزيك يا ليدوا... أخبارك إيه؟"
وليد بابتسامة جذابة:
"الحمد لله. شيماء ممكن كلمة على انفراد؟"
شيماء وهي تنهض بامتعاض:
"في إيه يا وليد؟"
إحدى الفتيات:
"هو سر يعني ولا إيه؟"
وليد للفتاة وهو يحدثها ويغمز لها:
"هقولك على السر بعدين."
وليد:
"يلا شيماء... عايزك بسرعة."
تذهب معه شيماء ويجلسون على طاولة بمفردهم.
شيماء بملل:
"عايز إيه يا وليد؟"
وليد بابتسامة لعوبة:
"لعبتيها صح يا شيموا. يغمز لها ويكمل؛ بس مش كنت أنا أولى بسيلا؟"
شيماء بابتسامة كبيرة وضحكة عالية:
"آهى عندك روح لها."
وليد:
"بس اعرف بقى عملتيها إزاي؟ آآآه عايز أطمن على نفسي، هو أنا مش أخوكي ولا إيه؟"
شيماء وهي تضع رجل على الأخرى في تفاخر:
"اطمن يا سيدي."
وليد بسرعة ولهفة مزيفة:
"اطمن إزاي أنا شايف صور وفيديو زي الزفت."
شيماء:
"مفيش حاجة حصلت."
وليد:
"طب إزاي بقى أفهم؟ والصور مش متفبركة؟"
شيماء بمنتهى الثقة بالنفس والسعادة من نفسها:
"شوف يا سيدي؛ عشان انت بس أخويا هقولك. الحكاية كلها في قميص نوم لسيلا جايبه إسلام، تلبسه واحدة شمال ليها نفس مقاس وجسم سيلا ولون شعرها، وتتصور على الطبيعة كدا كام صورة وفيديو يبقى كله حقيقي ومش متفبرك. ولا حاجة."
وليد:
"طب واللي معاها كان مين؟"
شيماء بضحكة شديدة:
"فخري ابن عمتك."
وليد بدهشة:
"فخري؟"
شيماء:
"آه. هو كان هيموت عليها وهي صدته. ففكرت أنا وهو نعمل كدا. ولما إسلام يشوف الفيديو والصور اكيد هيطلقها. وبكدا أخلص أنا منها ويبقى إسلام ليا لوحدي. وفخري ياخد سيلا؛ بس لحد دلوقتي بيحاول معاها وهي صدّاه. جرب انت بقى يمكن تلين معاك."
وليد بسخرية:
"تفكير شياطين صحيح."
شيماء بحقد دفين:
"متخلقتش لسه اللي تقف قدامي وتاخد حاجة مني؛ لا وايه تاخد جوزي يا وليد. أنا قلت لك قبل كدا. ادخل انت في الخط معا."
رواية مات زوجها وتزوجت أخيه الفصل العشرون 20 - بقلم نجلاء ناجي ورشا مجدي
يشعر وليد بالغضب الشديد من شيماء ومن إسلام وتهوره. يتجه إلى إسلام وهل عليه مكتبه بدون استئذان ويكيل له اللكمات.
إسلام وهو يمسح الدماء التي سالت من جانب فمه:
أنت اتجننت. إيه اللي بتعمله ده؟
وليد بغضب عارم وبحدة:
لأنك غبي. ظلمت أشرف إنسانة في الدنيا ومصدقتش كلامي أنا والحاج. سيلا أشرف واحدة في الدنيا، وأنت أغبى إنسان.
إسلام مذهولاً، مصدوماً:
يعني إيه مظلومة. انطق بسرعة وقولي.
يخرج وليد هاتفه ويسمعه الحديث بينه وبين شيماء. تتسع عينا إسلام من شدة الصدمة ويردد:
يا دي المصيبة. يا دي المصيبة، إيه اللي أنا عملته ده؟ أعمل إيه؟ قول لي أعمل إيه دلوقتي؟
وليد وقد رفق عليه من حاله:
دا مش عايزة كلام. تروح لسيلا وتصالحه وتبوس رجليها قبل إيديها كمان.
إسلام وهو ينهض بسرعة:
أختي حسابها معايا بعدين.
وليد وهو يمسك ذراعه بقوة:
أختي ست بتغير على جوزها، أنانية آه، ما أهملك آه، بس في النهاية وانت بتحاسبها لازم تحط في اعتبارك إنها أم ولادك.
إسلام يغضب وهو يلتفت له كلياً:
دي خربت بيتي. هدمت حياتي. خلتني أشك وأطلق الإنسانة اللي بعشقها. أنت فاعل أنا كسرتها قد إيه وكسرت نفسي معاها.
وليد منهياً الحديث:
شوف سيلا الأول وبعدين شوف شيماء. يلا مستني إيه.
إسلام يحدث الحاج رشدي وهو متوجه إلى سيارته ويخبره بكل شيء عن براءة سيلا.
الحاج رشدي:
شفت. مش قلت لك دي أكيد مظلومة، وإن سيلا متعملش كدا أبداً. روح صالحها بقى وشوف ابنك.
إسلام بدهشة وهو يقف عن السير:
ابني!
الحاج رشدي:
أيوه سيلا حامل ومردتش تخليني أقول لك.
يتجه إسلام بسرعة إلى عمل سيلا في المستشفى وهو يسير يأكل الطريق بسيارته. لا يعرف ماذا سيقول لها أو كيف سيعتذر لها، وهل ستقبل أن ترفض. كل ما كان يعلمه أنها بريئة، أنها لم تخنه. يعلم أن لديها كل الحق في الثأر لنفسها منه وأنه على أتم الاستعداد بإعطائها ثأرها وحقها وردًا لكرامتها منه بالطريقة التي تريدها. تتردد كلمة ابنه في ذهنه. يضحك كثيرا ويبكي أيضاً كثيرا. مشاعر مضطربة. فرح بأن هناك رابط بينهما، دليلًا على عشقه لها، قطعة منه في داخلها، تجمعهما معاً إلى آخر العمر. وحزن وبكى لأنه لم يكن معها منذ اللحظات الأولى. كان يريد أن يشاهدها ويتابع نموه. يمسح عينيه من الدموع وهو يسب نفسه غاضباً من خاله ومن غضبه ومن تهوره. ندم. نعم. ولكنه على أتم الاستعداد لترضيتها، وأخذ يقسم بينه وبين نفسه أن لن يخزلها أبداً، ولن ترى منه إلا السعادة فقط.
يصل إسلام إلى المستشفى ويجد سيلا تخرج منها وهي تستند على أحمد في ألم وتركب معه سيارته. يخطف قلبه من منظر سيلا وهي ضعيفة هكذا ولا تجد غير أحمد من يقف معها وهو... ليس له وجود. بسرعة تابعهما إسلام حتى وجداهما يركنان العربة أمام مستشفى أخرى ويدخلانها. يترك إسلام سيارته بسرعة ويذهب إليهما ويرى سيلا وقد ظهر عليها التعب جلياً.
إسلام وهو يتقدم منهما في لهفة وينادي عليها بصوته الرجولي:
سيلا حبيبتي. سامحيني أنا آسف.
سيلا بدهشة منه ومن وجوده معها، ومن حديثه أيضاً. لا تنكر أنها كانت في أشد الأوقات احتياجه له، كانت تريد أن تراه، أن تشعر بوجوده معها اهتمامه بها. كانت تريد ضمه منه. فقط ضمة تشعر بها بالاستكانة والحماية. ولكنها تماسكت، كرامتها أبت أن تستجيب لقلبها.
سيلا بدهشة:
إسلام. إيه اللي جابك، وأسف على إيه؟
إسلام وهو ينظر لها:
أنا عرفت كل حاجة. عرفت إني ظلمتك. أنا آسف.
ويتقدم منها ويمسك يدها ويرفعها لفمه ويقبلها وسط نظرات سيلا المندهشة ونظرات أحمد الحانقة منه.
تبتعد سيلا عنه بتوتر وتعب وهي تقول:
ابعد بعيد عني.
إسلام وهو يقترب منها أكثر:
مش هبعد عنك تاني أبداً. حتى لو بعدت ابني، أو بنتي هتقربني منك. أنا قدرك يا سيلا وأنتي قدري.
سيلا بتعب أكثر:
القدر. القدر دايماً بيلعب لعبته ضدي، وأنا خلاص مش عايزة حاجة. أنا قررت أفضل لوحدي ومش عايزة حد يأذيني تاني. كفاية بقى كل ضربة من ضربات القدر كانت بتقسم ضهري. وأنا قررت أبعد عن الكل، وأكون لوحدي.
إسلام مقاطعاً بإصرار:
عمرك ما هتكوني لوحدك. هفضل جنبك وقدامك وحواليكِ زي ما كنت دايماً تحت عيني، وزي ما كنت دايماً، حواليكِ حتى لو انتي مش شفتيه برده كنت جنبك. أنا كنت بنام في عربيتي تحت بيتك يا سيلا. قلبي مكنش مطاوعني إني أبـات بعيد عنك. مكنتش بنام غير لما أشوف نور الشقة وهو مطفي، أعرف إنك نمتي خلاص.
يقبل يدها ويقول:
أنا آسف على كل جرح جرحته ليكي، بس عذري إني حبيتك. أول مرة أحب، صدقيني حبيتك وغيرت عليكي. من شدة حبي فيكي بغير عليكي يا سيلا، والغضب والغيرة عموا عنيا.
سيلا صارخة من الآلام حملها:
آااااااااه.
أحمد بحدة وصوت عالٍ:
يلا بسرعة دخلوها العمليات.
في قراره نفسه يعلم أحمد أن سيلا تحب إسلام. الكثير من المواقف التي أثبتت له ذلك، بفضلها لمقاضاة إسلام على ضربه لها، عيونها التي تلمع بلمعة غريبة عندما يأتي ذكر اسمه، ثم مسحة الحزن التي تظهر بها بعد ذلك. فضل أن يبقى بقربها حتى ولو بصفة صديق لها. ولكنـه لا يعلم ماذا سيكون قرار سيلا مع إسلام.
يقف إسلام وأحمد أمام باب غرفة العمليات، ويتصل إسلام بالحاج رشدي ويبلغه بولادة سيلا، بينما يذهب أحمد لإحضار سيف ونوران من الحضانة.
تخرج الممرضة وهي تحمل طفلاً جميلاً.
يتقدم منها إسلام بلهفة:
أخبار الأم إيه؟ طمنيني.
الممرضة بابتسامة:
زي الفل. اتفضل ابنك أهو، يتربى في عزك، والأم شوية وهتروح غرفتها.
في حجرة سيلا. تتلقى سيلا المباركات من الجميع. يقترب سيف ونوران من الطفل.
سيف بفرحة:
بقى عندنا نونو إحنا كمان زي زيد.
نوران وهي توجه كلامها لإسلام:
هتلعب معانا ومع النونو يا عمو؟
إسلام بابتسامة سعيدة:
أنا مش هسيبكوا تاني أبداً وهلعب مع النونو كمان.
يضحك الجميع، ويقترب إسلام من سيلا ويهمس لها:
صافي يا لي.
تنظر له سيلا ولا ترد. يلتفت إسلام إلى الحاج رشدي والحاجة صفية راجياً لهما.
إسلام:
يا حاج والنبي تحنن قلبها عليا شوية. خليها تسامح بقى، عايزين نكتب ونرجع لبعض.
الحاج رشدي بمكر:
سيلا حرة. تاخد حقها منك زي ما هي عايزة وأنا معاها.
يريد الحاج رشدي أن يبث الطمأنينة في نفس سيلا، وفي نفس الوقت يريد أن يؤدب إسلام على فعلته معها.
سيلا بحزن:
مش هرجع له يا بابا. إسلام هاني وكسرني حتى مسمعنيش.
الحاج رشدي:
خلاص بقى يا إسلام قفل على الموضوع ده.
إسلام بجدية:
أقفل إيه يا حاج. لا. أنا مش مستعد أقعد العمر كله بايت في العربية تحت بيت سيلا. وأولاد فوق. ارحموني. أنا قعدت تسع شهور بايت في العربية.
الحاج رشدي:
عندك صاحبة الشأن. اتصافى معاها.
الحاجة صفية:
خلاص يا إسلام لما تشد حيلها كدا.
يأخذ رمزي إسلام ويخرج. تجلس نشوى بجوار سيلا وتقول لها:
والنبي دا طيب وبيحبك. سامحيه بقى، إنتي متعرفيش كان حاله عامل إزاي. سيلا أنا عارفاكي طيبة، جبتي القسوة دي منين؟
سيلا بأعين دامعة وهي تستمع لها:
من كتر القسوة اللي شفتها منه. اتعلمت يا نشوى. اتعلمت أبقى قاسية.
نشوى ناصحة لها:
المسامح كريم، وبعدين العيال بيحبوه، ومتعلقة بيه.
سيلا وهي تنظر إلى أبنائها:
قلبي مجروح منه أوي يا نشوى، مش قادرة أصفاله.
نشوى بتردد:
يمكن. تستغربي إني أنا اللي بتكلم. بس والله هو فعلاً بيحبك. وده اللي مجننه، ومجنن شيماء، إنه بيحبك وهو أول مرة يحب.
تتلاقى نظراتهما في معنى واضح فهمته سيلا، فأكملت نشوى:
تعرفي هي نفسها حست بده، إنه محبهاش. هو جوزها آه بس قلبه كان معاكي، وشيماء حست بده برده. وعشان كدا كانت بتكرهك، حتى قبل ما تتجوزي إسلام. كانت بتكره حب مازن الله يرحمه ليكي. وهي مش عارفة تخلي إسلام يحبها. حرام تكسري بقلبه. حرام.
سيلا وهي ترد عليها ببكاء:
وأنا قلبي اللي اتجرح، وكرامتي اللي اتبهدلت، وسمعتي.
نشوى مقاطعة لها وهي تضع يدها على يد سيلا:
محدش يقدر يدوس ليكي على طرف. كفاية إنه ندمان، حرام تضيعي أحلى أوقات حياتكم في خصام وزعل. ثم استطردت قائلة: شوفي. أدبيه، وطلعي عينه، وخذي حقك منه، بس ارجعي له.
تنظر لها سيلا وتقول:
ماشي هفكر.
فيضحكان معاً، وتتساءل الحاجة صفية عن سبب الضحك، فيزداد ضحكهما معاً ويخبراها عن حديث نشوى وتتفق معهما الحاجة صفية ويضحكون جميعاً.
يدخل إسلام ورمزي ويروا الجميع يضحك ولا يعرفان السبب ويتساءلان.
رمزي:
طب ما تضحكونا معاكم.
نشوى وهي تضحك:
حاجة بتاع ستات ملكيش فيها.
رمزي متوعداً:
بقى كدا. طيب، ماشي يا نشوى. على فكرة فرح صادق كمان شهر. لسه خالد مكلمني وقايل لي.
نشوى بسعادة:
بجد؟ ألف ألف مبروك. هكلمه أبارك له حالا.
يقترب إسلام من سيلا ويهمس لها:
إيه رأيك نكتب معاهم؟
تنظر له سيلا وتقول في حدة:
لأ.
إسلام مشاكس لها:
أنا بقول إنه بعيد برده، نخليها لما تخرجي من المستشفى.
سيلا بدهشة وقد جاهدت حتى لا تخرج ابتسامتها:
لأ برده.
ينظر لها إسلام ويصمت.
تخرج سيلا من المستشفى، وتذهب إلى شقتها ويظل إسلام معهم طول اليوم، وينزل في المساء في عربته للنوم. تظل عيناه معلقة على نافذة غرفة سيلا، وتظل سيلا تنظر عليه من نافذتها بعد أن تطفئ الأنوار. لا ينكر إسلام أنه كان سعيداً عند رؤيته لظل سيلا ينظر عليه من خلف نافذتها، يعلم أنه بقلبها ولكنها تكابر على نفسها، مستسلماً لها ولعقابها له، فهو أشبه بنسمات هواء باردة في ليلة صيفية حارة. لا ينكر أنه ببعده عنها قد فاق الحد التحمل، ولكنه إن كان هذا ما يسعدها فهو مرحب به. حتى مع نومه العربة غير المريحة. يكفيه أن يكون بقربها، أو حتى في نفس المكان التي هي به مع أبنائها وابنه. عند تذكرة لابنه لمعت عيناه وهو يتذكره ويتذكر كيف ينام معه من مجرد حمله له، ويستيقظ عن وضعه على السرير المخصص له. وكان هذا الصغير قد اتخذ من حضن إسلام مهداً له، أو يشعر بفقدانه له. أما عن سيلا. فكانت تنظر عليه من نافذة حجرتها، تطمئن عليه، هل نام أم، لا يزال مستيقظاً. تعلم أنه يتعذب، ولكنها لم تصفي له بعد. عندما تراه وهو يحمل صغيرة ويضعه على صدره، وينام الصغير، بينما يحتضن إسلام نوران وسيف، تشعر بمدى الحنان الذي لديه والذي يكفي الجميع. وتتعجب في نفس الوقت كيف لقلب به كل هذا الحنان أن تخرج منه كل هذه القسوة التي عاملها بها. في قرارة نفسها هي تحبه، ولكن كرامتها وتأبى أن تستسلم له، أو أن ترجع له. تريد أن ترجع له وهي صافية القلب تجاهه. وإلى هذا الإشعار ستبقى كما هي وسيقى كما هو.
في الصباح يصعد إسلام لشقة سيلا ويفطر معهم ويذهب إلى شركته، ويعود ويتناول وحبه الغذاء معهم ويبقى معهم حتى ساعة النوم. ويخرج إسلام ليجلس في سيارته ناظراً إلى نافذة سيلا، وسيلا تقف في نافذتها تنظر له. استمر الحال فترة طويلة من الزمن. حتى جاء يوم يحضر إسلام أبناءه لسيلا، وظلوا يلعبون مع أخيهم الصغير، وغفل إسلام النوم فنام على الأريكة، فرق قلب سيلا له، ولمنظره المرهق. فطلبت منه أن يدخل لينام في حجرة الأطفال.
سيلا بتردد وتوتر:
طب ادخل نام على سرير الولاد.
إسلام بتعاس وصوت متحشرج:
لو هتيجي معايا شقتنا. ساعتها بس هدخل أنام هناك. مش هنا يا سيلا وإنتي عارفة ليه؟
سيلا بخجل:
ولحد كدا بقى.
إسلام وهو يتثائب:
ولحد كدا هفضل أنا بنام في العربية، ومش هستريح أبداً إلا وإنتي معايا وجنبي يا سيلا.
سيلا بخجل وحياء:
طب أنا موافقة.
إسلام وهو يقفز من مكانه ويتجه لها:
بجد. موافقة. يعني أجيب المأذون؟
سيلا تهز رأسها موافقة ولا تتكلم.
إسلام بحب وعدم ثبات:
ثواني أكلم رمزي، ووليد والحاج.
ساعات قليلة ويحضر الجميع، ويتم عقد القران وتذهب سيلا معه والأولاد إلى شقتهما معاً.
تعلم شيماء خبر عودة سيلا إلى إسلام وتستشيط غضباً وتذهب لهما في شقتهما.
في الشقة عند إسلام وسيلا. يذهب الأطفال إلى النوم بعد اللعب مع أخيهم طوال اليوم، وتذهب سيلا لوضع صغيرها في سريره، لتجد يدا إسلام تحاوطها في حنان وتملك، وهو يهمس لها بعشق بالغ واحتياج شديد:
وحشتيني. أخيراً بقينا لوحدنا.
تلتفت له سيلا وتصبح في مواجهته تنظر في عينيه وترى مدى حبه لها، تكاد تقطران حباً وعشقاً وافتقاداً. فتخفض عيناها خجلاً منه، ومن نظراته الجريئة. فيضحك إسلام ضحكة رجولية عالية. فتنظر له سيلا بدهشة وتضع يدها على فمه، حتى لا يوقظ الصغير.
سيلا:
ششششش. هيصحى كدا ويعيط.
يمسك إسلام يدها الموضوعة على فمه ويقبلها بإشتياق إصبعاً إصبعاً وهو ينظر لها بأعين مثبتة على عينيها في رسالة طويلة منه لها، وأسرار منه له. تخفض نظرها ووجهها عنه، فيرفع وجهها ممسكاً بذقنها وهو يهمس:
وبعدين في الكسوف والخجل دا. بلاش تحرميني من إني أبص في عينيكي من قريب، بحس إني في بحر وأنا باصص لعنيكي بـ.
يقطع تواصلهما صوت طرقات شديدة على الباب. تجفل منها سيلا برعب، ويذهب إسلام بسرعة ليرى من الطارق بهذا العنف تتبعه سيلا بسرعة.
يفتح إسلام الباب فيرى شيماء أمامه. نظرات غاضبة بين إسلام وشيماء، ونظرات قلقة، خائفة من سيلا.
إسلام بغضب شديد:
لسة ليكي عين تيجي هنا بعد اللي عملتيه؟
شيماء وهي تدخل الشقة بصدمة:
عملت إيه؟ وإنت ترجع لها تاني ليه؟ عشان الولد! إيه اللي يخليك متأكد إنه ابنك مش يمكن.
تقطع شيماء حديثها جراء صفعة قوية من إسلام على وجهها وضع فيها كل غضبه منها ومن أفعالها وأنها آتية لتكمل نفس عملها القذر مرة أخرى، وصوت إسلام هارداً:
اخرسي. ليكي عين تكملي لعبتك الحقيرة دي. خلاص عرفت كل حاجة. عرفت لعبتك القذرة إنتي وفخري. هو خد جزاءه بس بشغل نضيف مش وسخ زيه. كل المناقصات اللي دفع فيها رشاوى اتفتح فيها تحقيق واتلغت. دا غير السجن اللي منتظره. لكن إنتي بقى.
شيماء مقاطعة له باكية:
ليه حبيتها ومحبتنيش؟
إسلام بسرعة:
لأنها لقيتها إنسانة. قلبها أبيض شفاف. مش قلبها كله حقد وغيرة. إنتي محبتيش غير نفسك يا شيماء. حتى ولادك محبتهمش. إنتي حبيتي شيماء وبس، وعايزة الكل يحب شيماء وبس.
يزفر في قوة ويكمل:
عشان كدا أنا حبيتها. آه حبيتها. لما ألاقي قلب بيحب الكل وبيدي حنان ودفا واهتمام. يبقى آه حبيتها. وبعترف قدامك وقدام أي حد، إني لا حبيت، ولا هحب غيرها.
شيماء بصدمة:
محدش حبني منكم. لا إنت ولا أيوب ولا أمك. محدش حبني ليه؟
إسلام بغضب شديد:
لأنك مدتيش لحد الحب. اللي بيدى حب واهتمام بياخد حب واهتمام. وإنتي أنانية يا شيماء. إنتي عايزة الكل يحب شيماء وبس، يهتم بشيماء وبس، وإنتي محبتيش حد. زي ما بتدي، هتاخدي يا شيماء. وإنتي مدتيش حاجة لحد يبقى عايزة تاخدي ليه؟ وتاخدي كل حاجة ليه؟
شيماء وهي جاحظة العينين:
عشان أنا شيماء. متخلقش اللي ياخد مني حاجة أنا عايزها أو بدون رضاي. اللي يعمل كدا أنا أمحيه من على وش الدنيا. وأنت تكون فاكر إني هسيبك ليها تتهني بيها وتتهنى بيك، لا. أنا هحرق قلبك عليها، زي ما حرقتـه قبل كدا وانت فاكر إنها خانتك.
تضحك ضحكة هستيرية عالية وتكمل:
مش هسيبك ليها. مش ههنـيك بيها. هاخدها منك يا إسلام. صدقني هاخدها منك ومش هتلاقي غيري أنا. أنا شيماء مراتك. زي المرة اللي فاتت يا إسلام، ومش هتحب غيري أنا شيماء.
وفجأة تنقض شيماء على سيلا التي تقف خائفة منها وهي تمسك سكيناً حاداً من على المنضدة، وتحاول أن تغرسها في قلب سيلا ليقف إسلام أمامها ويتلقى الضربة القوية في صدره وتغرس في صدره السكين وسط صراخ سيلا الهستيري وجحوظ عيني شيماء. وشهقة مكتومة خرجت من حلق إسلام عند انغماس السكين في صدره. صرخة صدرت من فم سيلا ملتاعة وهي تنطق باسمه غير مصدقة ما فعله إسلام من تضحية بنفسه من أجلها.
شيماء:
لااا. لاااااا. ليه كدا. مش لازم إنت اللي تموت، هي. هي اللي لازم. إنت بتاعي أنا وبس. ملكي أنا وبس. سيلا لازم تموت. لا.
يدخل إسلام المستشفى، ويقبض على شيماء وتوضع في مصحة للأمراض العقلية.
يقف الجميع أمام غرفة العمليات وسيلا ترتعش من الخوف. دموعها تنهمر بغزارة، وشفاها ترتجف من شدة الخوف ولا تكف عن الدعاء لإسلام حتى يخرج الطبيب فيهرول الجميع عليه.
الحاج رشدي بلهفة:
طمني يا دكتور أخبار ابني إيه؟
الطبيب:
هو نزف كتير جداً، والجرح كان عميق جداً. ادعوا له، ربنا معاه. لو مرت الأربعة وعشرين ساعة دي على خير، يبقى اتكتب له عمر جديد. هو هيفضل في العناية. يعني ملوش لزوم وجودكم هنا.
سيلا راجية الطبيب:
والنبي يا دكتور أنا مراته. عايزة أشوفه بس. هبص عليه بس من بعيد. بس أشوفه بس.
الدكتور باعتراض:
مينفعش حضرتك. هو لسه مفقش، وحالته حرجة جداً. عن إذنكم.
يتركهم ويمضي وتجلس سيلا أرضاً وتبكي بقهر. يذهب الجميع إلى المنزل وتظل سيلا مع رمزي ومعها ابنها نور.
في منتصف الليل تقصد سيلا الممرضة المناوبة في غرفة الإنعاش، وتطلب منها أن تدخل فقط لرؤية زوجها، يرق قلب الممرضة لسيلا وهي ترى دموعها وتسمع شهقاتها.
الممرضة:
صعبتي عليا. طب بصي. تدخلي خمس دقايق بس. لو الدكتور مر وشافك أنا اللي هتجازى. وهيتخصم من مرتبه. وإنتي ميرضكيش أذيتي.
سيلا بلهفة:
حاضر. هم خمس دقايق بس. طب أدخل وابني.
الممرضة معترضة:
مينفعش يا مدام إنتي بس.
سيلا بلهفة ورجاء وهي تدمع:
هحطه على خده بس وأديه لعمه.
الممرضة وقد رقت لها ولحالها:
بس بسرعة.
تدخل سيلا ومعها نور، ويبقى رمزي أمام الباب.
سيلا وهي ترى إسلام نائماً على السرير ومتصلاً به عدة أسلاك كهربائية متصلة بأجهزة، قلبها يخفق بشدة، تشعر بالبرودة تسري في كامل جسدها، تقترب منه وترى وجهه شاحب اللون، دموعها تخدعها وتهبط بغزارة، شهقة تخرج منها لكي تأخذ نفساً. وصرخة من نور وكأنه شعر بوالده وبألم سيلا. كأنه يصرخ لإسلام بصوته لكي ينهض ويحدثهما، يضمهما له، يطمئنهما عليه. تضع سيلا نور بجوار أذن إسلام وهو يبكي، ثم تضعه على يد إسلام الناعمة عن الوعي، وتهمس في أذنه:
حبيبي. نور بينادي عليك. تعال خده يا قلبي. أنا ونور وولادك كلهم محتاجينك أوي. متغيبش عننا.
تأخذ نور الذي هدأ عندما وضعته سيلا على صدر إسلام وتعطيه إلى عمه رمزي. ثم تجلس بجواره على ركبتيها وهي تمسك يده وتقبلها بكل حب وشوق وخوف.
سيلا:
مكنتش أعرف إنك بتحبني الحب ده كله. ولا كنت أعرف إني بحبك الحب ده كله. أنا محتاجة لك أوي أوي يا إسلام. اوعى تبعد عني. أنا من غيرك أموت أنا والولاد. ارجع لي يا حبيبي. خلي الأيام تصالحني بيك يا إسلام. اوعى تسيبني وتكسر قلبي. مش هسامحك لو سبتني. ومش هسامح نفسي. ارجع لي. لو بتحبني زي ما بحبك ارجع لي يا إسلام.
تستمع إلى صوت الممرضة وهي تقول لها:
يلا يا مدام بقى، كفايه كدا.
تنهض سيلا وتقبل يد إسلام وجنته وجبينه، وتتساقط دموعها على وجهه وعينيه. وتمشي وهي تقول له:
أنا قاعدة بره مستنياك يا إسلام. متغيبش عليا يا حبيبي. حبيبي. نعم أنت حبيبي. يا من أعطيت لحياتي لوناً. يا من أعطيت لأيامي طعماً. أحببتك. وعشقتك. ولا أستطيع الحياة بدونك يوماً. لا تتركني وحيدة بهذه الحياة. لا تحرم عيني لذة رؤياك. لا تحرم لساني لذة النطق باسمك. قلبي ينبض لك. روحي ملك لك. أشتاقك. وأفتقدك. حبيبي.
تمر مرحلة الخطر وبعد يومان يستيقظ إسلام، وينتقل إلى غرفة أخرى، ويقبل على زيارته الجميع. ينظر إسلام في الوجوه باحثاً عنها، يتطلع للجميع من حوله في الغرفة وهو يبحث باشتياق عن وجهه ومحبوبته، بأعين متلهفة ومتسائلة عليها، لم يراها بينهم. يعود بنظره إلى والده وعيناه تصرخان في السؤال عليها. تجيبه الحاجة صفية بابتسامة:
بتصلي وجاية.
تدخل سيلا وتتلاقى العيون في عناق طويل باشتياق وحنين وحب. يظل إسلام ناظراً لها، وأنفاسه تتصارع وكأنه في سباق للجرى، تقترب منه سيلا وتحلس بجواره لتهمس في أذنه:
حمد الله على السلامة.
إسلام بهمس عاشق لها:
الله يسلمك. أنا سمعت كلامك ورجعت لك.
سيلا بخجل منه وهي تخفض وجهها عنه وتهمس:
كلام إيه؟
إسلام بهمس:
بحبك.
سيلا بخجل وهي تنظر للجميع وهم ينظرون لهما ولا يسمعونهما فقط يرون خجلها:
إسلام.؟
إسلام بهمس:
عيون إسلام. هأجل الكلام لحد ما أخرج.
يمر أسبوع ويخرج إسلام من المستشفى، ويتجه مع سيلا إلى منزلهما ليعيشا به معاً مع عز الدين وسيف ورنا ونوران ونور.
إسلام مشاكساً سيلا:
على فكرة كلام لسه مخلصتوش من المرة اللي فاتت، وأنا ناوي أخلصه وأكمله كله.
تضحك سيلا وتخجل منه وتقول:
إنت تعبان لما تخف بقى.
إسلام صارخاً:
مين دا اللي تعبان أنا زي الفل أهه، تحبي تجربى كدا.
سيلا بخجل:
إسلام. الولاد.
إسلام معترضاً:
هم الولاد دول مش ناويين يناموا ولا إيه؟ حاسس إنهم جايين يربوني.
تضحك سيلا ولا ترد.
إسلام ضاحكاً:
بموت في خجلك وكسوفك دا.
يتلقى ضربة على صدره من كره عز الدين ينظر له في غضب ويقول:
يا ابني براحة مش عارف إني تعبان.
عز الدين بمشاكسة له:
إنت مش بتقول بقيت كويس ومش تعبان. تعال العب معانا بقى.
ينظر إسلام له ولسيلا ويقف معترضاً مثل الأطفال:
لا دا ظلم. أنا داخل أنام.
ويدخل غرفته وسط ضحكاتهم الجميلة.
لم يطلق إسلام شيماء، بل ظلت زوجته، وظل يذهب لها لزيارتها. ولكنها كانت تظنه شبح إسلام وجاء ليقتص منها ويقتلها.
يعيش إسلام وسيلا سعداء. وقد صالحتهما الأقدار أخيراً.