تحميل رواية «ليل و لعنة الزمن» PDF
بقلم فريدة عبدالرحمن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
"بعض الأبواب لا تُفتح بالمفاتيح… بل بالأمنيات." كانت ليلى مختلفة. تحب الهدوء، وتكره الزحمة. تحب الكتب، وخصوصًا كتب التاريخ. مش زي البنات اللي في سنّها، كانت تحس دايمًا إنها مولودة في الزمن الغلط. كل مرة تقرأ عن القصور، الجواري، والمؤامرات، تتمنى لو كانت هناك… في عالم الملوك، لا هنا. وفي يوم ماطر، دخلت مكتبة قديمة في حيهم. وسط الغبار، والكتب المنسية، وقع نظرها على كتاب جلدي غامق. كان عليه نقوش غريبة وكلام مش مفهوم… لكنه كان بيناديها. مدّت إيدها وفتحته… وفجأة، الدنيا دارت. كل حاجة حواليها اختفت… ا...
رواية ليل و لعنة الزمن الفصل الأول 1 - بقلم فريدة عبدالرحمن
"بعض الأبواب لا تُفتح بالمفاتيح… بل بالأمنيات."
كانت ليلى مختلفة.
تحب الهدوء، وتكره الزحمة.
تحب الكتب، وخصوصًا كتب التاريخ.
مش زي البنات اللي في سنّها، كانت تحس دايمًا إنها مولودة في الزمن الغلط.
كل مرة تقرأ عن القصور، الجواري، والمؤامرات، تتمنى لو كانت هناك… في عالم الملوك، لا هنا.
وفي يوم ماطر، دخلت مكتبة قديمة في حيهم.
وسط الغبار، والكتب المنسية، وقع نظرها على كتاب جلدي غامق.
كان عليه نقوش غريبة وكلام مش مفهوم… لكنه كان بيناديها.
مدّت إيدها وفتحته… وفجأة، الدنيا دارت.
كل حاجة حواليها اختفت…
الهواء اتغيّر، الأصوات، الروائح… حتى النور.
ولما فتحت عينيها، كانت في ساحة ضخمة، مليانة ناس بملابس حرير، جنود، بخور، طبول…
وبمجرد ما تحركت:
"اخفضي رأسك، أيتها الجارية!"
شهقت ليلى، وتجمّدت.
بصوت مهزوز قالت:
"ءء… لم أقصد، يا سيدي… أعتذر."
وانحنت بسرعة، بس عقلها بيصرخ:
"أنا فين؟ ده حلم؟ ده جنون؟!"
جنبها، جارية همست لها:
"أول مرة تشوفي الأمير؟ شكلك جديدة هنا… خدي بالك، نظرته ممكن تبعتك للسجن."
وصوت الأمير جه ساكن ومرعب:
"اسمك؟"
ترددت، ثم تمتمت:
"اسمي… ليل، يا مولاي."
الأمير لفّ للتاجر وسأله بهدوء:
"كم سعر هذه الجارية؟"
ليل شهقت بقوة:
"سعر مين؟! أنا مش هتباع! ايه العبث ده؟ ابتعدوا عني!"
حاولت تهرب، لكن الحراس مسكوها.
والأمير قال ببساطة:
"خذوها للقصر… لا تُباع، بعد."
***
اقتادوها إلى جناح صغير داخل القصر.
غرفة بسيطة، فيها سرير وشباك صغير.
دخلت ست كبيرة أنيقة وقالت:
"أنا زينب، كبيرة الجواري. من النهاردة، هتعيشي هنا، وتنفذي الأوامر. ويا ريت تتعلمي إنك تتكلمي أقل… وتسمعي أكتر."
ليل رفعت راسها وقالت:
"أنا مش من هنا… ومش المفروض أكون هنا أصلاً."
زينب ضحكت بسخرية:
"كلنا قلنا كده في الأول."
ثم خرجت، وقلب ليل كان بيضرب بجنون.
وقفت عند الشباك…
شافت ساحات تدريب، جواري بتجري، وحراس، وناس بتنحني قدام شاب وسيم…
الأمير.
وسمعت صوته من بعيد:
"هاتوا ليل."
***
دخلت زينب والحرس، وقالت:
"الأمير طالبك… استعدي."
ليل وقفت مكانها، بعينين مش خايفة، بل غاضبة، وقالت بصوت عالي:
"ابتعدوا عني! لن أذهب معاكم يا أغبياء!"
شهقة طلعت من كل اللي في الغرفة…
مفيش جارية اتكلمت كده قبل كده!
زينب همست للحرس:
"فيها نار… والأمير بيحب النار."
دخل الأمير بنفسه… وساد صمت تام.
اقترب منها بخطوات واثقة، عيناه مليئة بالدهشة والتسلية، ثم قال بنبرة ساخرة:
"أممم… كم أنتِ شرسة، أيتها الجارية."
رفعت ليلى رأسها بتحدٍ، وعيناها تلمعان بالغضب:
"أنا لست جارية… وتكلّم معي بطريقة لائقة. اسمي ليل، ولست ملكًا لأحد."
شهق الجميع بصوت مسموع، وكأن الكلمات كانت صاعقة هزّت المكان.
ابتسم الأمير بسخرية هادئة، واقترب منها أكثر:
"وكيف يليق أن أُخاطبكِ إذن، يا… ليل؟"
ردت بثبات رغم خوفها:
"لا تسخر مني… وابتعد عني."
لكن الأمير لم يتحرّك، وبصوت منخفض يقطر خطورة، قال:
"وإذا لم نبتعد… ماذا ستفعلين، يا غريبة الزمن؟"
رواية ليل و لعنة الزمن الفصل الثاني 2 - بقلم فريدة عبدالرحمن
اقتادوها إلى جناح صغير داخل القصر.
غرفة بسيطة، فيها سرير وشباك صغير.
دخلت ست كبيرة أنيقة وقالت:
> "أنا زينب، كبيرة الجواري.
من النهاردة، هتعيشي هنا، وتنفذي الأوامر.
ويا ريت تتعلمي إنك تتكلمي أقل… وتسمعي أكتر."
ليل رفعت راسها وقالت:
> "أنا مش … ومش المفروض أكون هنا أصلاً."
زينب ضحكت بسخرية:
> "كلنا قلنا كده في الأول."
ثم خرجت، وقلب ليل كان بيضرب بجنون.
وقفت عند الشباك…
شافت ساحات تدريب، جواري بتجري، وحراس، وناس بتنحني قدام شاب وسيم…
الأمير.
وسمعت صوته من بعيد:
> "هاتوا ليل."
رواية ليل و لعنة الزمن الفصل الثالث 3 - بقلم فريدة عبدالرحمن
دخلت زينب والحرس، وقالت:
"الأمير طالبك… استعدي."
ليل وقفت مكانها، بعينين مش خايفة، بل غاضبة، وقالت بصوت عالي:
"ابتعدوا عني! لن أذهب معاكم يا أغبياء!"
شهقة طلعت من كل اللي في الغرفة…
مفيش جارية اتكلمت كده قبل كده!
زينب همست للحرس:
"فيها نار… والأمير بيحب النار."
دخل الأمير بنفسه… وساد صمت تام.
اقترب منها بخطوات واثقة، عيناه مليئة بالدهشة والتسلية، ثم قال بنبرة ساخرة:
"أممم… كم أنتِ شرسة، أيتها الجارية."
رفعت ليلى رأسها بتحدٍ، وعيناها تلمعان بالغضب:
"أنا لست جارية… وتكلّم معي بطريقة لائقة. اسمي ليل، ولست ملكًا لأحد."
شهق الجميع بصوت مسموع، وكأن الكلمات كانت صاعقة هزّت المكان.
ابتسم الأمير بسخرية هادئة، واقترب منها أكثر:
"وكيف يليق أن أُخاطبكِ إذن، يا… ليل؟"
ردت بثبات رغم خوفها:
"لا تسخر مني… وابتعد عني."
لكن الأمير لم يتحرّك، وبصوت منخفض يقطر خطورة، قال:
"وإذا لم نبتعد… ماذا ستفعلين، يا غريبة الزمن؟"
رواية ليل و لعنة الزمن الفصل الرابع 4 - بقلم فريدة عبدالرحمن
> "ءءاا! سأصرخ وأجعل كل الناس تأتي للمساعدة… ابتعد!"
رفع الحارس يده وقال ببرود:
> "افعليها إذًا."
ثم صفعها بقوة.
وضعت ليل يدها على خدها، واتسعت عيناها من الصدمة.
نظرت إليه بعينين مشتعلة وقالت بحدة:
> "أنت… بارد! بلا قلب!"
أويس الأمير، بصوته الحازم:
> "ماذا فعلت؟! هل طلبتُ منك أن تؤذيها؟!"
انحنى الحارس سريعًا، صوته منخفض:
> "أعتذر، مولاي… لقد انفعلت، لأنها تجرأت وتحدثت إليك بأسلوب غير لائق."
نظر أويس إلى ليل، ثم للحارس، وقال ببرود شديد:
> "انفعالك لا يبرر قسوتك… اخرج فورًا."
خرج الحارس وهو يرتجف، وأويس اقترب من ليل، ونظره ثابت في عينيها:
> "هل أنتِ بخير؟"
لم تجبه… لكن نظرتها كانت تحمل آلاف الكلمات.
ليل اتكلمت بصوت غاضب، وبلُغتها العادية:
> "أنا مش بخير… وغوروا من وشي، يا أخي بقى! أنا مش فاهمة… أنا بعمل إيه هنا أصلاً؟!"
أويس رفع حاجبه بدهشة، وبص لها باستغراب:
> "ماذا تقولين؟! وما هذه اللغة الغريبة؟"
حاولت تهدأ شوية، وعدّلت كلامها، بس لسه مش قادرة تمسك أعصابها:
> "أنا… لست بخير. ابتعدوا عن وجهي، من فضلكم. أنا لا أفهم شيئًا… ولا أعلم ماذا أفعل هنا…"
سكت أويس للحظة، وفضل يبص فيها، كأنه بيحاول يفهمها.
وبنبرة هادئة بشكل غريب، قال:
> "سأترككِ الآن… اهدئي. وسأعود لاحقًا."
ثم التفت وخرج من الغرفة، بصمت.
ليل فضلت واقفة، دموعها على وشك تنزل، بس شدّت نفسها.
سكتت… بس جواها كان في زلزال.
---وبعد خروج أويس بلحظات…
دخلت فتاة شابة، شكلها طيب، تقريبا في سن ليل، كانت بتحمل صينية فيها فاكهة وماء.
ابتسمت بحذر وقالت:
> "شكلك جديدة هنا… اهدي، أنا معاكي."
ليل كانت على وشك الانهيار، لكن أول ما شافت ملامح البنت الطيبة، مسكت إيدها بسرعة، وعينيها مليانة رجاء:
> "أرجوكي… ساعديني أهرب. أنا مش من هنا… ولا المفروض أكون هنا أصلاً."
نور بصتلها بتوتر، وعيونها لفت بسرعة على الباب كأنها خايفة حد يسمعهم، ثم همست:
> "هشوف لو أقدر أساعدك… بس متخافيش. أنا معاكي."
ليل ما كانتش مصدقة إنها لقت حد يمدلها إيده أخيرًا.
لكن السؤال الحقيقي…
هل تقدر نور تساعدها فعلاً؟
ولا في شيء تاني مستخبي ورا ملامحها الطيبة؟
---
رواية ليل و لعنة الزمن الفصل الخامس 5 - بقلم فريدة عبدالرحمن
كانت الغرفة ساكنة…
والقصر غارق في ظلام الليل، ما عدا ضوء القمر اللي كان بيتسلل من الشباك الصغير.
جلست نور جنب ليل، وهمسوا لبعض وكأن كل همسة ممكن توديهم للهلاك.
نور قالت بصوت خافت: "أغلب الحراس بيناموا بعد نص الليل… في طريق خلفي بيؤدي للمطبخ، ومنه لباب صغير بيخرج للحدائق الخلفية."
ليل اتعلقت بيها بعينيها: "وأنتِ… هتهربي معايا؟"
نور سكتت لحظة، وبعدين قالت: "ماقدرش… أمي مريضة، ولسه في القصر. بس هساعدك تخرجي، حتى لو ده آخر شيء أعمله هنا."
ليل همست بتأثر: "مش عارفة أشكرك إزاي…"
نور قطعت كلامها بسرعة: "لسه بدري عالشكر. اسمعيني كويس…"
فتحت قطعة قماش صغيرة فيها خريطة مرسومة بإيد مرتعشة، عليها أسهم وأبواب.
"ده الطريق. أول ما تدخلي المطبخ، هتلاقي باب خشبي صغير وراه سلم بينزلك لتحت. هتمشي نُصّه وبعدين… تلاقي باب على اليمين. افتحيه وهتكوني في الحديقة الخلفية."
ليل كانت بتحفظ كل تفصيلة كأنها بتحفظ روحها.
نور مدت ليها عباءة سوداء: "البسي دي… علشان محدش يميزك."
ليل خدت العباءة، وإيديها بتترعش: "أنا مش مصدقة إن ده بيحصل…"
نور ابتسمت ابتسامة حزينة: "بس لو سمعتِ صوت الطبول… أو حد شافك… ارجعي فورًا. لأن الهروب وقتها… هيكون مستحيل."
كان كل شيء هادي.
بس هدوء الليل… عمره ما كان آمن.
ليل كانت بتتحرك بحذر، كل خطوة فيها ألف خوف.
وصلت للمكان اللي نور قالت عليه… سُلّم ضيق بيؤدي لسور القصر الخلفي.
وفي آخره… فتحة صغيرة، لازم تنط منها.
وقفت تتردد… نظرت للظلام تحتها، وخطفت نفس عميق: "خلاص… دلوقتي أو أبدًا."
وقبل ما تنط، حسّت بإيد تمسكها بلُطف من وراها…
ساعدتها تنزل بهدوء، رجليها لمست الأرض بأمان، لكن قبل ما تشكر الشخص ده…
بَصّت في وشه.
شهقت بقوة، ودمها اتجمد.
"أنت؟! ابتعد عني!!"
كان اويس.
شهقت ليل: "أنت؟! ابتعد عني!!"
كان أويس واقف قدامها، بملامح هادئة كعادته، وصوت ثابت: "ماذا تفعلين… يا ليل؟"
اتسعت عيناها، قلبها بيخبط بقوة: "أنا… أنا كنت بهرب من الجو، من الضيق…"
قاطَعها بنبرة هادئة بس مرعبة: "في هذا القصر… لا أحد يخرج دون إذني."
سكت لحظة، وبص لها بعيون غامضة: "لكن بما إنكِ وصلتِ إلى هنا… فإما أنكِ جريئة جدًا… أو حمقاء جدًا."
ليل حاولت ترد، لكنها سكتت.
اقترب منها خطوة: "عودي لغرفتك… قبل أن يراكِ أحد غيري."
فضلت واقفة، مترددة.
أضاف بهدوء وهو يلف ظهره: "الليلة… لن أراكِ. لكن المرة القادمة… لن أكون لطيفًا."
ثم اختفى في الظلام.
وقفت ليل وحدها، تهمس لنفسها: "هو أنقذني… ولا هددني؟"
رواية ليل و لعنة الزمن الفصل السادس 6 - بقلم فريدة عبدالرحمن
كان الصباح باردًا على غير العادة.
ورغم أشعة الشمس اللي بدأت تدخل غرفتها، ليل كانت لسه واقفة مكانها…
بتبص في الأرض، ولسه بتفكر في عيونه.
"هو أنقذني… ولا هددني؟"
دق الباب، ودخلت واحدة من الجاريات، وقالت بانحناءة سريعة:
"جلالة الملك… طالب حضورِك في قاعة العرش."
ليل رفعت نظرها بسرعة:
"جلالة مين؟"
الجارية ابتسمت باستغراب:
"الملك أويس… هو بنفسه اللي أمر."
هنا… الدنيا وقفت للحظة.
اسم "أويس" خبط في عقلها زي صاعقة.
"الملك… أويس؟"
قلبها وقع.
كل اللي كان بيحصل… كل المرات اللي كلمها فيها، وراقبها، وسكت على تصرفاتها…
كان هو الملك؟!
والكل عارف إلا هي؟
تمتمت لنفسها:
"أنا… كنت بهرب من الملك؟!"
فضلت ليل واقفة مكانها، مش قادرة تتحرك… الصدمة ماسكة في رجليها.
الجارية بنبرة صارمة:
"هيا بنا، الملك لا يُحب التأخير."
ليل بصوت منخفض مرتبك:
"تمام… جاية."
مشيت معاها بتوتر، وكل خطوة كانت تحسها بتقربها من المجهول.
دخلوا قاعة العرش…
كل الموجودين واقفين برؤوسهم منكسَة، والسكوت كان له هيبة غريبة.
لكن ليل رفعت راسها… نظرتها مش خايفة، حتى وهي بتترعش.
مساعد الملك تقدم خطوة وقال بنبرة صارمة:
"اخفضي رأسك، أيتها الجارية."
ليل بنبرة فيها عناد:
"أنا لست جارية. ولماذا يجب أن أخفض رأسي؟"
اتحرك مساعد الملك ناحيتها بخطوات تهديدية…
لكن فجأة، صوته جه من العرش، هادئ وواضح:
أويس:
"ابتعد عنها."
سكت الجميع.
ثم أشار أويس بإيده:
"الجميع… إلى الخارج. الآن."
بدأ الكل يخرج في صمت، وليل بتبص حواليها، قلبها بيدق بقوة.
أويس أشار لها تقترب:
"اقتربي."
ليل بتردد:
"لماذا؟"
أويس بنبرة هادئة لكنها قاطعة:
"أنا لا أكرر كلامي… اقتربي."
اقتربت بهدوء، وكل عضلة فيها مشدودة.
ليل:
"اقتربت. ماذا تريد؟"
أويس نظر لها بحدة:
"من الذي ساعدك في الهروب؟ أريد الحقيقة، الآن."
ليل وهي تحاول تثبت:
"لم يساعدني أحد."
أويس ابتسم بسخرية، ورفع حاجبه:
"أترينني غبياً؟ أتعرفتِ كل هذا الطريق وحدك؟"
ليل تمسكت بكذبتها:
"نعم… فقط ظللت أمشي… حتى وصلت."
أويس بصوت هادئ لكنه خطير:
"سأسألك للمرة الأخيرة… من ساعدك؟"
ليل بتوتر، عيناها تهرب منه:
"قلتُ لك… لا أحد."
فجأة، رمى الكأس من يده بقوة، فارتطم بالأرض وتناثر.
أويس بنبرة صارمة:
"أكره الكذب."
ليل اتراجعت خطوة، واتسعت عيناها:
"أنا لا أكذب! أقول الحقيقة…"
أويس ابتسم بخبث:
"هممم… حسنًا، سأكون صريحًا. أنا أعلم من ساعدك، لكن أردت أن أختبر صدقك."
ليل بحذر:
"ومن تظن أنه ساعدني؟ أقول لك: لا أحد."
أويس رفع زاوية فمه بإعجاب:
"ذكية… لكن ليس كفاية."
سكت لحظة، ثم أكمل بهدوء:
"الجارية نور… هي من ساعدتك."
اتسعت عينا ليل، والخوف ظهر في ملامحها:
"لا… لا تؤذها. أنا التي طلبت منها المساعدة. كل شيء كان بسببي. أرجوك!"
أويس اقترب منها بخطوة، ونظر في عينيها مباشرة:
"لقد فعلتُ ما كان يجب فعله. انتهى الأمر."
ليل صرخت بصوت مختنق، واقتربت منه:
"ماذا فعلت بها؟! لا… لا تؤذها أرجوك!"
فجأة… سُمع صوت طرق على الباب.
أويس دون أن يلتفت:
"تفضّل."
انفتح الباب…
ودخلت نور.
ليل شهقت، وجرت عليها، وحضنتها بقوة:
"أنا آسفة… آسفة جدًا. هل أنتِ بخير؟!"
نور ابتسمت بخفة، وردّت بهدوء:
"لا تعتذري… أنا بخير."
أويس وقف بهدوء، صوته صار أعلى وأبرد:
"هذا تحذير لكما…إن تكرر الأمر… فلن تكون هناك فرصة ثانية."
نظر لهما نظرة طويلة… ثم جلس بهدوء على العرش، وكأن شيئًا لم يكن.
رواية ليل و لعنة الزمن الفصل السابع 7 - بقلم فريدة عبدالرحمن
كان الليل ساكنًا كعادته…
لكن قلب ليل ماكانش ساكن.
من ساعة ما الجارية قالتلها إنها كانت ملكة… وكل حاجة جواها مقلوبة.
ما نامتش، كانت بتقعد تبص في السقف… تحاول تفتكر، تحاول تصدق، أو حتى تكذّب.
بس مفيش حاجة بتفهمها.
وفجأة… شمّت ريحة دخان.
قامت بسرعة، وفتحت الباب…
وهنا الصدمة ضربتها.
جناحها بيولع!
الستائر مشتعلة، والدخان مالي المكان.
ليل شهقت، وبدأت تكح وهي بتدور على طريق للهروب، بس كل الممرات كانت مقفولة… إلا واحد.
باب قديم، مكسو بالغبار، في نهاية الممر.
ركضت ناحيته، فتحت الباب… وقلبها وقع.
كانت غرفة المرآة.
واقفة هناك، مستنياها، ساكنة… لكن نور غريب بيخرج منها، كأنها بتناديها.
قربت منها بخوف، بس المرة دي… ماكنش فيه شرارة.
ماكنش فيه ألم.
المرآة فتحت زي باب.
وليل… خدت نفسها، وخطت جوّه.
دخلت ليل ببطء، وخطوتها تقيلة كأن الأرض تحتها مش طبيعية.
المكان كان هادي… لكن الهوا فيه ريحة قديمة، شبه الكتب اللي اتنسيت.
بس أول ما دخلت بالكامل… اتقفلت المرآة وراها.
اتلفّت بسرعة، تحاول تلمس السطح… لكنه بقى صلب، زجاج ميت.
اتحبست.
ولما لفت تاني لقدّام… اتجمّدت مكانها.
قدّامها… مرآة تانية.
أكبر، أعرض، أغرب.
واللي فيها… ماكنتش هي بس.
شافت نفسها… لابسة فستان ملكي
وشعرها مربوط بتاج من ذهب
وعيونها فيها كبرياء غريب، وهدوء يوجع القلب.
وكان فيه حد جنبها… أويس.
بس مش أويس اللي تعرفه.
واحد تاني… عينيه مش قاسية، ولا فيها خوف.
كان بيبصلها بنظرة حب.
ليل همست وهي بتقرب من المرآة:
ده… أنا؟
ودي… أنا وهو؟!
فجأة، الصورة اتحركت.
كأنها مش مجرد انعكاس… كأنها ذكرى بتتفتح.
وظهر صوت، صوتها هي، لكن أهدى، أعمق:
"أويس… لو فرقونا، هيرجعونا تاني. المرآة مش هتنسى، ولا الزمن هيقدر يطمسنا."
أويس بهدوء، وعينيه بتلمع:
أنا خايف أخسرك يا ليل… متسبنيش
ليل قرّبت منه، ومسكت إيده برقة، وصوتها كان هادي… بس فيه وعد:
لو رجعتلك… هعمل حاجة
هتخليك تعرفني، حتى لو شكلي اتغيّر
أويس شدّ إيدها شوية، وقرب منها:
إيه هي يا ليل؟ قوليلي
ليل ابتسمت بهدوء، ودمعتها نازلة في سكون:
هلمس وشّك بإيدي الاتنين…
وهقولك: "أنا جيت… متأخّرة شوية بس جيت"
---
وفجأة، الصورة جوّه المرآة بدأت تتلاشى، وتدوب…
ووشّ ليل ارتجف، والدموع نزلت وهي تهمس لنفسها:
ده… حصل قبل كده
ده حقيقي
أنا… أنا كنت هناك
أنا كنت… معاهم
مرة واحدة، كل حاجة اتقلبت
المرآة اختفت…
والأرض تحتها اهتزّت
ولقت نفسها واقفة تاني… في أوضتها
والنار حواليها مولّعة
الستائر مشتعلة، والدخان بيخنق صدرها
صرخت بأعلى صوتها:
انقذونيييي!!
الحقووووني!!!
وفجأة الباب اتفتح بقوة، ودخل أويس ومعاه حراس كتير
وشه مفزوع، وعينيه بتدوّر عليها وسط الدخان
ولما شافها… جري عليها
مسك إيدها بسرعة وشدها:
تعالي! بسرعة يا ليل!
لكن ليل ما تحركتش
كانت متسمّرة في مكانها
المشهد اللي شافته جوّه المرآة… لسه متعلّق في عينيها
أويس بصوت عالي فيه زعيق ورجاء:
ماذا تفعلين؟! هياااااا!!
قرب منها أكتر، وبص في وشّها:
هتموتي هنا! انتي بتعملي إيه؟!
نطقت بصوت واطي، شبه الهمس:
أويس…
بصّ لها وهو بيكح من الدخان:
فوقي يا ليل! هنموت جوّه!
بس ليل ما ردّتش
وشّها ثابت… وعنيها كأنها شايفة مشهد تاني خالص
كأنها لسه جوّه المرآة
لما ملقاش منها رد فعلمدّ دراعه… وشالها بين إيديه، وجري بيها برا الغرفة
خرج من النار وهو بيكح، والشرر وراه
ولما وصل للممر الخارجي، نزلها على الأرض بهدوء
وبعدين… صرخ فيها:
هل أنتي مجنونة؟! كنتي هتموتي جوه!
ليل فضلت ساكتة لحظة… وبعدين دموعها نزلت فجأة
حضنته بكل قوتها
جسمها بيترعش
وشّها غرقان في صدره
كل الحراس اللي وراهم اتصدموا
ماحدش فهم حاجة
أويس… فضل واقف، مش عارف يتحرك
إيده اللي كانت بتشدّها، فضلت معلّقة في الهوا
وعينيه ماعرفتش تبص غير فيها
أويس مدّ إيده بهدوء
وطبطب على ضهرها، وصوته ناعم لأول مرة:
ليل… مالك؟ قوليلي… إيه اللي حصل؟
ليل وهي لسه بتعيط، رفعت وشها ناحيته
شفتينها كانت هتتحرك، لسانها هيقول الجملة اللي جواهالكن… قطع اللحظة صوت جاي من آخر الممر
حارس جري عليهم وهو بيصرخ:
مولاي! في هجوم على القصر!
أويس صرخ بصوت عالي، ووشّه قلب مرة واحدة:
ماذاا؟!! اقرعوا صوت الإنذار… الآن!
بص لليل بسرعة، ونبرة أمر طلعت من صوته من غير ما يحس:
ليل… اذهبي إلى القبو، مع باقي الجواريهيا!
بس ليل وقفت مكانها، دموعها لسه على خدّها، وعينيها مليانة خوف عليه:
لن أذهب… وأتركك
أويس بصوت غاضب، لكن الخوف باين في نبرته:
ليس وقت العناد يا ليل! هيا، تحركي!
ليل وقفت قدّامه، دموعها بتلمع في عينيها:
لن أتركك يا أويس… مش هقدر
وهو اتقدّم خطوة، ووشّه بيغلي من القلق:
اذهبي!!!
(صرخ للحارس اللي وراه)
خدها… وديها القبو فورًا!
الحارس قرب منها، لكنها صرخت بصوت أعلى، فيه رجفة:
لــــن أذهــــب!!! أنا مش هسيبك تموت هنا لوحدك!
كان أويس لسه هيردّ، لكن… دوّي انفجااار ضخم رجّ الأرض تحتهم.
ليل صرخت
وهو جري عليها بسرعة، حضنها قبل ما تقع، ولفّها بذراعيه
الدخان بدأ يملأ المكان
وصوت الحراس بيعلى في الخلفية
بس هو ماكانش شايف غير عينيها
بصّ فيها، وقلبه بيترعش:
اذهبي يا ليل… لا أستطيع أن أتحمّل أن يُصيبك شيء
لكن صوتها جه… أهدى من الخوف، وأقوى من النار:
لن أتركك مرة أخرى يا أويس
مش تاني
فجأة… ظهر شاب بيجري ناحية أويس من آخر الممر، هدومه متبهدلة والتراب مغطي وشّه
صوته جه واضح وسط الفوضى:
ماذا تفعل هنا يا أويس؟! اذهب فورًا!
أويس لفّ بسرعة، واتسعت عينيه:
ريان؟! ماذا تفعل أنت هنا؟! لماذا لم تذهب إلى المخبأ؟!
ريان واقف قدّامه، عينيه مليانة إصرار، ونبرة صوته عالية:
لن أذهب وأتركك يا أخي
مش هعمل زيهم… مش ههرب
أويس مدّ إيده بسرعة، ومسك وشّ ريان بإيدين بترتعشا:
اذهب يا ريان… أنا… أنا مش هقدر أخسرك زي ما خسرت أمياذهب دلوقتي، أرجوك
ريان حاول يبعد وشّه، وصوت غضبه كان بيغطي خوفه:
لاااااا!!! مش هسيبك لوحدك!
وهنا… عينه وقعت على ليل
بصّ لها بسرعة
وشّه اتغيّر
اتجمّد لحظة
وكأن فيه صورة قديمة ظهرت في عقله
وحسّ إنه شافها قبل كده… لكن سكتمش وقته
رجع يبص لأويس، لكن لسه عينه بترجع على ليل، كأن فيه حاجة بتشده ليه
ليل مدت إيدها بسرعة، وشدت سيف من أحد الحراس اللي واقفين حوالين أويس ورايان
بصّت لهم، وعينيها ثابتة:
سآتي معكم
أويس لفّ لها بغضب، صوته مليان نار وخوف:
توقفي عن العناد، ليل!!
لكن ليل ما ردّتش
بصّت له بنظرة فيها عناد… وعرف إنها مش هتتراجع
وسكتت
أويس كان لسه هيتكلم… لكن فجأة، سمعوا خطوات تقيلة وجاية بسرعة من آخر الممر
كلهم لفّوا
ومجموعة مقنّعة مسلّحة ظهرت، عيونهم ما فيهاش غير نية وحدة: الهجوم بدأ فعلاً.
بدأ الهجوم.
كل شيء اتقلب فوضى في لحظة.
صوت السيوف بيخبط، والدروع بتتهز، والناس بتجري في كل اتجاه
والممر امتلأ بصوت المعركة
ليل كانت في النص… وحسّت بجسمها بيتحرّك لوحده
مسكت السيف زي ما يكون اتولد في إيدها
كل ضربة… كانت تطلع منها بغريزة غريبة، مش بتتعلم، دي بتفتكر
كانت بتحارب وسطهم، مش خايفة
لحد ما عينيها وقعت على… ريان
واقف وظهره مكشوف، وراجل من المهاجمين رفع سيفه ورايح يغدر بيه
ليل صرخت وهي بتجري نحوه:
انتبه يا رياااان!!!
بخطوة سريعة، ليل رفعت سيفها
وضربت المهاجم قبل ما سيفه ينزل على ريان
طعنتُه في صدره، ووقع قدّامهم
فضلت واقفة لحظة… بتنهج، وبتتسند على كتفه
ريان بصّ لها، وعينيه فيها دهشة حقيقية:
شكراً لكِ
أنا… أنا أشعر أنني أعرفك
لكن… ليس الوقت مناسبًا للحديث
سنتحدث… إذا نجونا
ليل بصّت له
ابتسمت ابتسامة خفيفة، وسكتت
والمعركة لسه مشتعلة حواليهم
صوت الحديد بيخبط، والصراخ مالي المكان
وفجأة… ليل حسّت بسخونة غريبة في جنبها
وشهقة خرجت منها قبل ما تفهم
طعـنـة.
اتسحبت من بين الحشود
حد غدر بيها من الخلف
السيف دخل جنبها
ودمها نزل دافي، سريع، وساكن
صوت صرخة شقّ سكون الفوضى:
ليـــــل!!
أويس جرى بجنون، سيفه وقع من إيده
ركع على ركبته جنبها، وشالها في حضنه
إيده كانت بتترعش وهي بتضمّها، وعينيه بتدوّر في وشها كأنه بينكر اللي شايفه
وشّها كان شاحب
ونفَسها بيطلع ضعيف
والدم بينزل من جنبها وبيغرق هدومها
أويس بصوت مكسور، بيهمس وهو بيضغط على الجرح:
استحملي… استحملي يا ليل
أنا معاكِ… متسبينيش دلوقتي… مش كده…
وفي الخلفية… ريان كان واقف، شايف كل حاجة
وشّه اتجمّد لحظة
وبعدين… تحوّل لغضب ساكن
لفّ، وسحب سيفه
وانقضّ على المهاجم اللي طعنها
طعنة
اتنين
تلاتة
كل ضربة كانت فيها كل وجعه
لحد ما وقع العدو الأخير على الأرض… وسكت المكان
ريان رجع بسرعة
لقى أخوه قاعد على الأرض، حاضن ليل،
وإيده غرقانة دم
وقف فوقهم، قلبه بيتقطع
بس ما قالش كلمة
الصمت بقى تقيل
وكل شيء حوالينهم سكن… إلا أنفاس ليل اللي بدأت تضعف
أويس شالها من على الأرض بإيده
قلبه بيدق بعنف، ووشّه مغسول بالدم والتراب
دخل بيها القصر وهو بيزعق للحراس:
افتحوا الطريق! نادوا الحكيم… فورًا!
دخلها أوضته
فرشها على السرير بإيدين بترتعش
وصوته كان بيهمس، بس فيه رجاء:
اصحي… بس اصحي يا ليل
ماعدّاش وقت طويل،
والحكيم دخل وهو ماسك أدواته، وإيده مليانة أعشاب وضمادات
بدأ يشتغل بصمت وتركيز
نضّف الجرح
وقف النزيف
وغطّاها بلُطف، وهو بيبص لأويس:
أصيبت بطعنة عميقة… لكنها ستنجو، إن أراد الله
أويس قعد جنبها
وشّه مافيهوش ولا نقطة دم
ريان قعد على الناحية التانية
ساكت… بس عينه ما كانتش بتسيبها
قعدوا كده… ساعات يمكن
من غير كلام
بس كل واحد فيهم كان بيصلي بطريقته إنها تقوم
لحد ما… ليل حرّكت إيدها ببطء
وهمست بصوت واهن:
أويس…؟
ليل فتحت عينيها بصعوبة
الدنيا حواليها كانت ضبابية… بس أول حاجة شافتها كانت وش أويس
همست:
أويس…؟
وقبل حتى ما يرد، مسكت إيده… بقوة
مش بقوة جسم، لكن بقوة خوف…
قلبها اللي كان بيصرخ من جواها اتقال كله في اللمسة دي
أويس اتجمّد
بص لإيدها وهي ماسكة إيده
وقرّب منها، وهمس بصوت مكسور:
أنا هنا يا ليل
معاكي… ومش هسيبك أبدًا
في اللحظة دي، ريان كان قاعد على الكرسي الجنب التاني
بيبص عليهم
وشّه مليان وجع… وارتياح في نفس الوقت
ما قالش حاجة
بس عينه كانت بتقول كتير
قرب شوية، بص لليل بهدوء:
حمد لله على سلامتك
ليل بصّت له
وفضلت ماسكة إيد أويس
بس بعينيها، قالت لريان: "أنا شايفاك… وحاسة بيك"
ليل بصّت لأويس
وصوتها كان واهن، لكن واضح:
أويس… عاوزة أقولك حاجة
هو قرب منها أكتر
وعينيه فيها توتر، كأنه مستني الحقيقة، أو الخوف اللي جوّاها
قال بهدوء:
قولي يا ليل
أنا سامعك… كلّي آذان صاغية
رواية ليل و لعنة الزمن الفصل الثامن 8 - بقلم فريدة عبدالرحمن
كان الليل ساكنًا كعادته…
لكن قلب ليل ما كانش ساكن.
من ساعة ما الجارية قالتلها إنها كانت ملكة… وكل حاجة جواها مقلوبة.
ما نامتش، كانت بتقعد تبص في السقف… تحاول تفتكر، تحاول تصدق، أو حتى تكذّب.
بس مفيش حاجة بتفهمها.
وفجأة… شمّت ريحة دخان.
قامت بسرعة، وفتحت الباب…
وهنا الصدمة ضربتها.
جناحها بيولع!
الستائر مشتعلة، والدخان مالي المكان.
ليل شهقت، وبدأت تكح وهي بتدور على طريق للهروب، بس كل الممرات كانت مقفولة… إلا واحد.
باب قديم، مكسو بالغبار، في نهاية الممر.
ركضت ناحيته، فتحت الباب… وقلبها وقع.
كانت غرفة المرآة.
واقفة هناك، مستنياها، ساكنة… لكن نور غريب بيخرج منها، كأنها بتناديها.
قربت منها بخوف، بس المرة دي… ماكنش فيه شرارة.
ماكنش فيه ألم.
المرآة فتحت زي باب.
وليل… خدت نفسها، وخطت جوّه.
دخلت ليل ببطء، وخطوتها تقيلة كأن الأرض تحتها مش طبيعية.
المكان كان هادي… لكن الهوا فيه ريحة قديمة، شبه الكتب اللي اتنسيت.
بس أول ما دخلت بالكامل… اتقفلت المرآة وراها.
اتلفّت بسرعة، تحاول تلمس السطح… لكنه بقى صلب، زجاج ميت.
اتحبست.
ولما لفت تاني لقدّام… اتجمّدت مكانها.
قدّامها… مرآة تانية.
أكبر، أعرض، أغرب.
واللي فيها… ماكنتش هي بس.
شافت نفسها… لابسة فستان ملكي.
وشعرها مربوط بتاج من ذهب.
وعيونها فيها كبرياء غريب، وهدوء يوجع القلب.
وكان فيه حد جنبها… أويس.
بس مش أويس اللي تعرفه.
واحد تاني… عينيه مش قاسية، ولا فيها خوف.
كان بيبصلها بنظرة حب.
ليل همست وهي بتقرب من المرآة:
ده… أنا؟
ودي… أنا وهو؟!
فجأة، الصورة اتحركت.
كأنها مش مجرد انعكاس… كأنها ذكرى بتتفتح.
وظهر صوت، صوتها هي، لكن أهدى، أعمق:
"أويس… لو فرقونا، هيرجعونا تاني.
المرآة مش هتنسى، ولا الزمن هيقدر يطمسنا."
أويس بهدوء، وعينيه بتلمع:
أنا خايف أخسرك يا ليل… متسبنيش.
ليل قرّبت منه، ومسكت إيده برقة، وصوتها كان هادي… بس فيه وعد:
لو رجعتلك… هعمل حاجة.
هتخليك تعرفني، حتى لو شكلي اتغيّر.
أويس شدّ إيدها شوية، وقرب منها:
إيه هي يا ليل؟ قوليلي.
ليل ابتسمت بهدوء، ودمعتها نازلة في سكون:
هلمس وشّك بإيدي الاتنين…
وهقولك: "أنا جيت… متأخّرة شوية بس جيت".
---
وفجأة، الصورة جوّه المرآة بدأت تتلاشى، وتدوب…
ووش ليل ارتجف، والدموع نزلت وهي تهمس لنفسها:
ده… حصل قبل كده.
ده حقيقي.
أنا… أنا كنت هناك.
أنا كنت… معاهم.
رة واحدة، كل حاجة اتقلبت.
المرآة اختفت…
والأرض تحتها اهتزّت.
ولقت نفسها واقفة تاني… في أوضتها.
والنار حواليها مولّعة.
الستائر مشتعلة، والدخان بيخنق صدرها.
صرخت بأعلى صوتها:
انقذونيييي!!
الحقووووني!!!
وفجأة الباب اتفتح بقوة، ودخل أويس ومعاه حراس كتير.
وشه مفزوع، وعينيه بتدوّر عليها وسط الدخان.
ولما شافها… جري عليها.
مسك إيدها بسرعة وشدها:
تعالي! بسرعة يا ليل!
لكن ليل ما تحركتش.
كانت متسمّرة في مكانها.
المشهد اللي شافته جوّه المرآة… لسه متعلّق في عينيها.
أويس بصوت عالي فيه زعيق ورجاء:
ماذا تفعلين؟! هياااااا!!
قرب منها أكتر، وبص في وشّها:
هتموتي هنا! انتي بتعملي إيه؟!
نطقت بصوت واطي، شبه الهمس:
أويس…
بصّ لها وهو بيكح من الدخان:
فوقي يا ليل! هنموت جوّه!
بس ليل ما ردّتش.
وشّها ثابت… وعنيها كأنها شايفة مشهد تاني خالص.
كأنها لسه جوّه المرآة.
لما ملقاش منها رد فعل، مدّ دراعه… وشالها بين إيديه، وجري بيها برا الغرفة.
خرج من النار وهو بيكح، والشرر وراه.
ولما وصل للممر الخارجي، نزلها على الأرض بهدوء.
وبعدين… صرخ فيها:
هل أنتي مجنونة؟!
كنتي هتموتي جوه!
ليل فضلت ساكتة لحظة… وبعدين دموعها نزلت فجأة.
حضنته بكل قوتها.
جسمها بيترعش.
وشّها غرقان في صدره.
كل الحراس اللي وراهم اتصدموا.
ما حدش فهم حاجة.
أويس… فضل واقف، مش عارف يتحرك.
إيده اللي كانت بتشدّها، فضلت معلّقة في الهوا.
وعينيه ما عرفتش تبص غير فيها.
أويس مدّ إيده بهدوء وطبطب على ضهرها، وصوته ناعم لأول مرة:
ليل… مالك؟
قوليلي… إيه اللي حصل؟
ليل وهي لسه بتعيط، رفعت وشها ناحيته.
شفتينها كانت هتتحرك، لسانها هيقول الجملة اللي جواه.
لكن… قطع اللحظة صوت جاي من آخر الممر.
حارس جري عليهم وهو بيصرخ:
مولاي! في هجوم على القصر!
أويس صرخ بصوت عالي، ووشّه قلب مرة واحدة:
ماذاا؟!!
اقرعوا صوت الإنذار… الآن!
بص لليل بسرعة، ونبرة أمر طلعت من صوته من غير ما يحس:
ليل… اذهبي إلى القبو، مع باقي الجواريه.
هيا!
بس ليل وقفت مكانها، دموعها لسه على خدّها، وعينيها مليانة خوف عليه:
لن أذهب… وأتركك.
أويس بصوت غاضب، لكن الخوف باين في نبرته:
ليس وقت العناد يا ليل!
هيا، تحركي!
ليل وقفت قدّامه، دموعها بتلمع في عينيها:
لن أتركك يا أويس… مش هقدر.
هو اتقدّم خطوة، ووشّه بيغلي من القلق:
اذهبي!!!
(صرخ للحارس اللي وراه)
خدها… وديها القبو فورًا!
الحارس قرب منها، لكنها صرخت بصوت أعلى، فيه رجفة:
لــــن أذهــــب!!!
أنا مش هسيبك تموت هنا لوحدك!
كان أويس لسه هيردّ، لكن… دوّي انفجااار ضخم رجّ الأرض تحتهم.
ليل صرخت.
وهو جري عليها بسرعة، حضنها قبل ما تقع، ولفّها بذراعيه.
الدخان بدأ يملأ المكان.
وصوت الحراس بيعلى في الخلفية.
بس هو ما كانش شايف غير عينيه.
بصّ فيها، وقلبه بيترعش:
اذهبي يا ليل… لا أستطيع أن أتحمّل أن يُصيبك شيء.
لكن صوتها جه… أهدى من الخوف، وأقوى من النار:
لن أتركك مرة أخرى يا أويس.
مش تاني.
فجأة… ظهر شاب بيجري ناحية أويس من آخر الممر، هدومه متبهدلة والتراب مغطي وشّه.
صوته جه واضح وسط الفوضى:
ماذا تفعل هنا يا أويس؟!
اذهب فورًا!
أويس لفّ بسرعة، واتسعت عينيه:
ريان؟!
ماذا تفعل أنت هنا؟!
لماذا لم تذهب إلى المخبأ؟!
ريان واقف قدّامه، عينيه مليانة إصرار، ونبرة صوته عالية:
لن أذهب وأتركك يا أخي.
مش هعمل زيهم… مش ههرب.
أويس مدّ إيده بسرعة، ومسك وشّ ريان بإيدين بترتعشا:
اذهب يا ريان…
أنا… أنا مش هقدر أخسرك زي ما خسرت أمي.
اذهب دلوقتي، أرجوك.
ريان حاول يبعد وشّه، وصوت غضبه كان بيغطي خوفه:
لاااااا!!!
مش هسيبك لوحدك!
وهنا… عينه وقعت على ليل.
بصّ لها بسرعة.
ووشّه اتغيّر.
اتجمّد لحظة.
وكأن فيه صورة قديمة ظهرت في عقله.
وحسّ إنه شافها قبل كده… لكن سكته.
مش وقته.
رجع يبص لأويس، لكن لسه عينه بترجع على ليل، كأن فيه حاجة بتشده ليه.
ليل مدت إيدها بسرعة، وشدت سيف من أحد الحراس اللي واقفين حوالين أويس ورايان.
بصّت لهم، وعينيها ثابتة:
سآتي معكم.
أويس لفّ لها بغضب، صوته مليان نار وخوف:
توقفي عن العناد، ليل!!
لكن ليل ما ردّتش.
بصّت له بنظرة فيها عناد… وعرف إنها مش هتتراجع.
وسكتت.
أويس كان لسه هيتكلم… لكن فجأة، سمعوا خطوات تقيلة وجاية بسرعة من آخر الممر.
كلهم لفّوا.
ومجموعة مقنّعة مسلّحة ظهرت، عيونهم ما فيهاش غير نية وحدة:
الهجوم بدأ فعلاً.
بدأ الهجوم.
كل شيء اتقلب فوضى في لحظة.
صوت السيوف بيخبط، والدروع بتتهز، والناس بتجري في كل اتجاه.
والممر امتلأ بصوت المعركة.
ليل كانت في النص… وحسّت بجسمها بيتحرّك لوحده.
مسكت السيف زي ما يكون اتولد في إيدها.
كل ضربة… كانت تطلع منها بغريزة غريبة، مش بتتعلم، دي بتفتكر.
كانت بتحارب وسطهم، مش خايفة.
لحد ما عينيها وقعت على… ريان.
واقف وظهره مكشوف، وراجل من المهاجمين رفع سيفه ورايح يغدر بيه.
ليل صرخت وهي بتجري نحوه:
انتبه يا رياااان!!!
بخطوة سريعة، ليل رفعت سيفها.
وضربت المهاجم قبل ما سيفه ينزل على ريان.
طعنتُه في صدره، ووقع قدّامهم.
فضلت واقفة لحظة… بتنهج، وبتتسند على كتفه.
ريان بصّ لها، وعينيه فيها دهشة حقيقية:
شكراً لكِ.
أنا… أنا أشعر أنني أعرفك.
لكن… ليس الوقت مناسبًا للحديث.
سنتحدث… إذا نجونا.
ليل بصّت له.
ابتسمت ابتسامة خفيفة، وسكتت.
والمعركة لسه مشتعلة حواليهم.
صوت الحديد بيخبط، والصراخ مالي المكان.
وفجأة… ليل حسّت بسخونة غريبة في جنبها.
وشهقة خرجت منها قبل ما تفهم.
طعنة.
اتسحبت من بين الحشود.
حد غدر بيها من الخلف.
السيف دخل جنبها.
ودمها نزل دافي، سريع، وساكن.
صوت صرخة شقّ سكون الفوضى:
ليـــــل!!
أويس جرى بجنون، سيفه وقع من إيده.
ركع على ركبته جنبها، وشالها في حضنه.
إيده كانت بتترعش وهي بتضمّها، وعينيه بتدوّر في وشها كأنه بينكر اللي شايفه.
وشّها كان شاحب.
ونفسها بيطلع ضعيف.
والدم بينزل من جنبها وبيغرق هدومها.
أويس بصوت مكسور، بيهمس وهو بيضغط على الجرح:
استحملي… استحملي يا ليل.
أنا معاكِ… متسبينيش دلوقتي… مش كده…
وفي الخلفية… ريان كان واقف، شايف كل حاجة.
وشّه اتجمّد لحظة.
وبعدين… تحوّل لغضب ساكن.
لفّ، وسحب سيفه.
وانقضّ على المهاجم اللي طعنها.
طعنة.
اتنين.
تلاتة.
كل ضربة كانت فيها كل وجعه.
لحد ما وقع العدو الأخير على الأرض… وسكت المكان.
ريان رجع بسرعة.
لقى أخوه قاعد على الأرض، حاضن ليل، وإيده غرقانة دم.
وقف فوقهم، قلبه بيتقطع.
بس ما قالش كلمة.
الصمت بقى تقيل.
وكل شيء حوالينهم سكن… إلا أنفاس ليل اللي بدأت تضعف.
أويس شالها من على الأرض بإيده.
قلبه بيدق بعنف، ووشّه مغسول بالدم والتراب.
دخل بيها القصر وهو بيزعق للحراس:
افتحوا الطريق!
نادوا الحكيم… فورًا!
دخلها أوضته.
فرشها على السرير بإيدين بترتعش.
وصوته كان بيهمس، بس فيه رجاء:
اصحي… بس اصحي يا ليل.
ما عدّاش وقت طويل، والحكيم دخل وهو ماسك أدواته، وإيده مليانة أعشاب وضمادات.
بدأ يشتغل بصمت وتركيز.
نضّف الجرح.
وقف النزيف.
وغطّاها بلُطف، وهو بيبص لأويس:
أصيبت بطعنة عميقة… لكنها ستنجو، إن أراد الله.
أويس قعد جنبها.
وشّه ما فيهوش ولا نقطة دم.
ريان قعد على الناحية التانية.
ساكت… بس عينه ما كانتش بتسيبها.
قعدوا كده… ساعات يمكن.
من غير كلام.
بس كل واحد فيهم كان بيصلي بطريقته إنها تقوم.
لحد ما… ليل حرّكت إيدها ببطء.
وهمست بصوت واهن:
أويس…؟
ليل فتحت عينيها بصعوبة.
الدنيا حواليها كانت ضبابية… بس أول حاجة شافتها كانت وش أويس.
همست:
أويس…؟
وقبل حتى ما يرد، مسكت إيده… بقوة.
مش بقوة جسم، لكن بقوة خوف.
قلبها اللي كان بيصرخ من جواها اتقال كله في اللمسة دي.
أويس اتجمّد.
بص لإيدها وهي ماسكة إيده.
وقرّب منها، وهمس بصوت مكسور:
أنا هنا يا ليل.
معاكي… ومش هسيبك أبدًا.
في اللحظة دي، ريان كان قاعد على الكرسي الجنب التاني.
بيبص عليهم.
وشّه مليان وجع… وارتياح في نفس الوقت.
ما قالش حاجة.
بس عينه كانت بتقول كتير.
قرب شوية، بص لليل بهدوء:
حمد لله على سلامتك.
ليل بصّت له.
وفضلت ماسكة إيد أويس.
بس بعينيها، قالت لريان: "أنا شايفاك… وحاسة بيك".
ليل بصّت لأويس.
وصوتها كان واهن، لكن واضح:
أويس… عاوزة أقولك حاجة.
هو قرب منها أكتر.
وعينيه فيها توتر، كأنه مستني الحقيقة، أو الخوف اللي جوّاها.
قال بهدوء:
قولي يا ليل.
أنا سامعك…
كلّي آذان صاغية.
رواية ليل و لعنة الزمن الفصل التاسع 9 - بقلم فريدة عبدالرحمن
كان الصمت ممدود جوه الغرفة.
مش صمت عادي… ده من النوع اللي بيحكي أكتر من الكلام.
أويس قاعد جنبها، ماسك إيدها كأنها الحياة نفسها.
ريان واقف وراهم، بين عقله وقلبه، ساكت بس صاحي.
ليل فتحت عينيها.
بصّت لأويس، ولمّا شافت وشّه… قلبها رجع يدق.
مدّت إيديها ولمست وشّه بلُطف، بصوتها اللي بيترجّع جوّا الذاكرة:
أنا جيت…
متأخرة شوية، بس جيت.
الكلمات سكنت الغرفة.
زي نَفَس أول بعد غرق طويل.
أويس ما قدرش يردّ.
بس عينه اتغرقت، ونزلت دمعة بهدوء من غير ما يشعر.
ريان بصّ ليهم…
وحس إنه بيشوف لحظة عمرها ما هتتكرر.
أويس ما استحملش أكتر.
الدموع نزلت من عينيه وهو بيقرب منها.
حضنها بقوة، كأنها الرجوع… كأنها النجاة.
قال بصوت مكسور:
ليل…
بس الكلمة الوحيدة دي كانت كفاية.
كأن فيها كل الوجع والخوف والانتظار.
ليل حضنته هي كمان.
ووشّها دافنته في صدره، وهمست وهي بتترعش:
أويس…
أنا تايهة.
ومش عارفة حاجة.
ولا عارفة أتصرف.
كل حاجة بتحصل بسرعة وأنا…
سكتت، كأن الكلام اتخنق في حلقها.
أويس شدّها أقرب، وقال بنبرة فيها حسم وحنان:
مش مهم دلوقتي تعرفي كل حاجة.
المهم إنك هنا.
ومعايا.
ليل فضلت ساكتة في حضنه.
دموعها نازلة من غير صوت.
بس كانت محتاجة الحضن ده كأنها بتتنفس بيه.
ريان كان واقف ساكت.
وبعدين فجأة، سحب من تحت عباءته قلادة صغيرة.
قرب منهم وقال بهدوء:
أويس… لقيت دي وسط حاجات ليل وقت الهجوم.
أويس خدها، وبصّ فيها.
قلادة قديمة… فيها نقش غريب.
وشكلها مش من الزمن ده.
ولما ليل شافتها، عينيها اتوسعت.
مدّت إيدها ولمستها.
وشّها اتغيّر.
كأن حاجة جوّاها صحيت.
همست:
دي… أنا شفتها قبل كده.
بس مش فاكرة فين…
ليل فضلت ماسكة القلادة.
صوابعها بتتحرك عليها كأنها بتفتكرها بإحساس مش بكلام.
همست:
دي… دي كانت عندي.
أنا شفتها.
كنت لبساها في…
سكتت.
وبصّت في الفراغ.
كل حاجة حواليها بدأت تختفي.
صوت أويس بقى بعيد.
وحتى ريان بقى ضباب.
وفجأة… رجع في عقلها مشهد.
كانت واقفة في مكان مختلف.
أرض من رخام أبيض.
حواليها ستات لابسين زي ملكي… بيجهزوها.
وصوت ست كبيرة بيقول:
"لابد أن ترتدي الأميرة قلادتها… إنها ميراث الدم".
رجعت ليل تصرخ جوّه عقلها:
أميرة؟!
أنا مين؟!
أنا…
لكن المشهد اختفى.
زي بخار بيتبخر فجأة.
رجعت تفتح عينيها.
وأويس لسه قدّامه.
بس هي مش نفس ليل من قبلها.
همست بصوت مبحوح:
أنا شفت… شفت حاجة.
أويس قرب منها بسرعة:
شفتِ إيه يا ليل؟
ردّت بنظرة تايهة:
كنت… أميرة.
وكانوا بيجهزوني.
والقلادة دي كانت… كانت ميراثي.
بعد ما ليل قالت:
أرجوك يا أويس… فهمني حاجة.
أنا دماغي هتفرقع.
ومش فاهمة أي حاجة.
أويس يبصّ لها، بنظرة فيها وجع:
أنا كمان مش فاهم كل حاجة.
بس متأكد من شيء واحد…
سكت لحظة، وبعدين قال بصوت ثابت:
إنتِ مش "حد جديد" في حياتي.
إنتِ… مني.
ريان قرب شوية، وقال وهو بيبص في وش ليل:
القلادة دي مش بتتوارث إلا بين سيدات السلالة الملكية.
وإنتِ… مش أي جارية، ولا أي بنت.
أويس كمل وهو بيقرب منها أكتر، ونبرته بتتهدّى لكنها فيها تأكيد:
أنا حاسس بيك من أول لحظة.
حتى قبل ما نعرف اسمك.
في حاجة بتشدني ليك.
وكل يوم… بتأكد إنها مش صدفة.
---
ليل سكتت لحظة.
بس فجأة… عينيها بدأت تسرح.
الدنيا حواليها اختفت.
وصوت خافت بدأ يهمس في ودانها.
كانت واقفة وسط حديقة كبيرة.
الشمس دافية.
والهوا بيحرّك الفستان الحرير اللي كانت لابساه.
قدامها ست كبيرة، بتضحك وهي بتحط تاج صغير فوق راسها.
الست قالت بصوت دافي:
"كده بقيتي أميرة بجد…
لكن الأميرة مش بس تاجها، الأميرة قلبها".
ليل بصّت لها، وضحكت.
ومسكت القلادة نفسها، وكانت لابساها.
القلادة بتنور تحت الشمس… بنفس اللمعة اللي شافتها من شوية.
وفجأة… المشهد اختفى.
ليل رجعت تبص حواليها.
نفس الغرفة.
نفس أويس وريان.
بس هي ما بقتش نفس البنت.
همست وهي بتحاول تلمّ الكلام:
أنا كنت في حديقة… وكان في ست كبيرة.
وقالتلي إني أميرة.
ولبستني التاج…
سكتت، وبصّت في القلادة اللي في إيدها.
أنا كنت لابساه.
نفسها…
القلادة دي.
حد خبط على الباب.
أويس بص ناحيته، وقال بهدوء:
ادخلوا.
دخلت ست كبيرة في السن.
خطوتها واثقة… بس ملامحها فيها تعب السنين.
كانت لابسة زيّ الخدم الكبار، بس الوقار اللي فيها ما كانش عادي.
وقفت قدّامهم، وقالت بصوت هادي:
مولاي… هل نبدأ في تعديل الجناح الشرقي من القصر؟
أم ننتظر أوامركم، يا مولاي؟
أويس ابتسم بخفة، وقال بنبرة فيها حنية خفيفة:
ابدأي، يا يُمنى.
وكم مرة أقول لكِ… لا تُخفضي رأسك وأنتِ تكلّمينني؟
أنتِ أكبر مني… وتستحقين الاحترام.
يُمنى رفعت نظرها، وابتسمت بخجل:
ولو، يا مولاي…
أنت الملك.
لكن وهي بتبص له… عينيها وقعت على ليل.
وتجمّدت.
شهقت بصوت واضح.
واتسع بؤبؤ عينيها كأنها شافت شبح.
خطت خطوة للوراء، وهمست:
المستحيل!
يمنى كانت لسه واقفة.
بس رجليها بدأت تهتز.
وشّها اتسحب منه الدم.
قربت تقع.
أويس اتنفض من مكانه، وجري ناحيتها بسرعة.
مسكها من دراعها وسندها:
يمنى!
ريان… هات كرسي بسرعة! هياا!
ريان جري.
جاب كرسي وحطه بسرعة.
أويس ساعدها تقعد عليه.
وشّه مليان قلق:
ماذا يحدث؟
مالك يا يُمنى؟!
بس يمنى ما ردتش.
عينيها لسه مثبتة على ليل.
مفتوحة على الآخر.
وصوت أنفاسها عالي.
ليل كانت شاخصة فيها.
الدنيا اتجمّدت حواليها.
قالت بصوت مهزوز:
أنتِ… أنتِ اللي كنتِ هناك… في الحديقة… اللي لبستيني التاج…
كانت بتتكلّم وهي مش مصدّقة.
مش قادرة تقرر إذا كانت بتحلم ولا بتفقد عقلها.
ريان بص ليهم الاتنين، وقال بانفعال:
في حد هيفهمنا إيه اللي بيحصل؟!
أويس بصّ ليمنى، وهو بيضغط على كتفها:
قولي يا يُمنى.
إيه اللي شوفتيه؟
إيه اللي خلاكي كده؟!
يمنى كانت بتبص لليل، ولسانها اتعقّد من الصدمة.
وأخيرًا خرجت الكلمة من شفايفها المرتجفة:
جود…
أنتِ… جود، ابنة الملك سلطان.
ليل اتجمدت مكانها.
كل اللي حواليها اختفى.
وقالت بصوت بيترعش:
جود؟
لا… لا أنا اسمي ليل.
ده اللي دايمًا عرفته عن نفسي!
يمنى قربت منها.
صوتها هادي… لكن فيه قهر سنين:
اسمك الحقيقي… هو ليل.
لكن جلالته، الملك سلطان، ماكنش بيناديكي بيه.
كان دايمًا يقولك: جود.
كان شايف فيكي الحنية… وبيشوف فيك “جود” الخير، العطاء، القلب الأبيض.
كانت دي طريقته في إنه يحبك… بطريقته الخاصة.
أويس بصّ لها بذهول:
ابنة… الملك سلطان؟
لكن ده… مستحيل، لو كانت موجودة، كانت هتبقى…
يمنى بصوت مكسور:
كانت هتبقى الملكة الشرعية…
بس في خيانة حصلت.
وليل… اختفت من القصر وهي طفلة.
ليل بصوت واطي:
يعني أنا… أنا بنت الملك؟
وأنتِ… كنتِ تعرفيني؟
يمنى:
ربيتك على إيدي.
بس ما كنتش أتخيل إنك… هترجعي تاني.
ليل وقفت، عينيها بتلمع بالدموع.
بصّت حواليها، لكن كل اللي حواليها كان ضباب.
قالت بصوت مكسور… مزيج من الصدمة والتعب:
أرجع منين… وأنا أصلاً مش فاكرة حاجة؟!
إزاي… إزاي أكون مراتك يا أويس؟
وإزاي… أكون بنت ملك؟
وايه اللي خلاني أسيب كل ده… وأروح زمن تاني؟!
أنا تعبت… تعبت أوي.
إيديها كانت بترتعش.
وملامحها بتنهار قدام عينيهم.
زي ورقة وقعت من شجرة… وبتتساقط بالبطء اللي يوجع.
أويس قرب منها بهدوء.
وهو بيكتم مشاعره بصعوبة.
قال بصوت دافي:
لو كنتِ نسيتي…
فأنا مش ناسي.
أنا حسّيتك من أول لحظة.
وقلبي كان عارفك حتى وإنتِ بتقولي إنك "مش فاكرة".
ريان واقف ساكت، لكنه بيشد نفسه عشان ما يتكلمش قبل أوانه.
يمنى دموعها نازلة بصمت.
وبصوت مخنوق قالت:
اللي حصل ليكي مش بسيط…
في خيانة… وفي دم… وفي سحر أقوى من الزمن نفسه.
وإنتِ مشيتي مش بإرادتك، ليل.
إنتِ كنتي بتحمي نفسك… وتحمي اللي بتحبيهم.
أويس بهدوء، بص ليُمنى وقال:
احكي…
أنا مش فاكر غير شظايا، وهي مش فاكرة حاجه.
لكن من حقها تعرف… ومن حقي كمان.
يمنى خدت نفس عميق، ونظرتها كانت فيها وجع سنين:
كنتِ كبيرة يا ليل… مش طفلة.
كنتِ أميرة القصر، و… زوجة الملك أويس.
الملك سلطان – والدك – كان فخور بيكي.
اختارك تكوني الملكة من بعده.
مش بس عشانك، لكن عشانك وعشان أويس.
القصر كله شهد يوم زفافكوكلنا صدّقنا إن السلام هيبدأ بوجودكم سوا.
لكن ماكنّاش نعرف… إن في قلوب سُمّها أسود.
ليل عنيها بتدمع وهي بتسمع.
يمنى كملت، بصوت مكسور:
بعد تتويجك بأيام قليلة.
اتسمّم الملك سلطان.
وكنتِ إنتي الهدف الجاي.
الخونة ماكانوش هيخلّوكي تعيشي.
ولا حتى وأنتي في حضن أويس.
كنتِ قرّبتي تعرفي الحقيقة.
وكانوا عاوزين ينهوا وجودك بأي تمن.
لكن ظهرت الساحرة.
أويس بصّ ليُمنى بسرعة:
سحرية؟
هي اللي...
يمنى أومأت براسها:
أيوه، هي عرفت إن في لعنة جاية…
وعشان تنقذك، وتديك فرصة تنقذي اللي حواليكي…
فتحتلك باب تاني.
باب في الزمن.
أويس انفعل:
وأنا؟!
أنا ماكنتش هقدر أحميها؟!
أنا كنت جنبها!
هي إزاي تسيبني وتمشي؟!
يمنى قالت بنبرة هادئة:
كنت حتدفع حياتك تمنًا لحمايته.
لكن هي… اختارت إنها تحميك إنت، وتحمي كل اللي بتحبهم.
وهي اللي أصرت.
وأنا… أنا ساعدتها، غصب عن قلبي.
ليل همست بصوت مكسور:
يعني… أنا… أنا اللي مشيت؟
أنا اللي اخترت أسيبكم؟
يمنى حطّت إيدها على بطنها، بتكتم الألم:
مش سبتينا… إنتِ أنقذتينا.
ليل كانت ساكتة… عينها بتهرب من الكل، بس فجأة… وشها تغيّر.
صوت النار.
صوت الصراخ.
ريحة الدخان.
كله رجع في لحظة.
بدأت تتمتم… وكأنها مش بتكلم حد.
كأنها شايفة حاجة محدش شايفها:
كنت في القصر…
والحراس بيتساقطوا قدامي.
والصوت… الصوت كان مخيف.
رجعت تتنفس بسرعة.
كنت لابسة فستان التتويج…
أيوه، كنت لسه عروسة.
والناس بيجروا.
وكنت بدوّر على أويس…
وبدوّر على باب أخرّج الكل منه.
أويس قرب منها، صوته بيترعش:
وقتها… كنت بنده عليك.
بس اختفيتي.
ليل دموعها بدأت تنزل:
الساحرة ظهرت فجأة.
وقالتلي: الوقت خلص.
لو مخرجتيش دلوقتي… الكل هيموت.
قلت لها: طب و أويس؟!
قالتلي: هيعيش… بس انتي لازم تمشي.
يمنى حطّت إيديها على بطنها، بتكتم الألم:
أنا كنت تحت السلالم.
شفتك وإنتِ داخلة على المرايا.
وصوتك بيقول: أنا هرجع… هرجع لما أكون قادرة أنقذهم بجد.
ليل همست بصوت مكسور:
ودخلت…
والنور خدني.
والصوت سكت.
وبقيت… في زمن مش ليّا.
وسط ناس مش عارفاني.
ويوناسيه كل حاجة.
رواية ليل و لعنة الزمن الفصل العاشر 10 - بقلم فريدة عبدالرحمن
الهدوء في الغرفة كان خانقًا.
كأن الزمن وقف شهيقه، بين الحقيقة اللي اتكشفت…
والخوف اللي لسه بيزحف من جرح قديم.
ليل كانت واقفة… إيدها بتترعش، وعينيها بين الدموع والصدمة.
كل حاجة رجعت مرة واحدة:
النار، المرآة، الخيانة، والساحرة اللي قالت لها:
هترجعي… بس قبل ما تنسي الكل.
بصت لأويس، وصوتها كان هامس:
أنا اللي مشيت… بس كنت بحاول أنقذكم
مش عشان أنساكم
بس عشان… ما أنساكش.
أويس قرب منها، إيده كانت بتتمد لها بخوف:
وإنتِ فاكرتيني؟
ولا ده حلم كمان؟
ليل مدت إيدها… ولمست وشه.
أنا كنت هناك… في زمن مش بتاعي
لكن كل ليلة… كنت بصحى على اسمك
كأنك بتندهلي من ورا المرايا.
أويس حضنها… بصمت، بحب، بخوف، بندم.
لكن اللحظة ما طولتش.
صوت يمنى قطع السكون:
في حاجة لازم تعرفوها… اللي حصل زمان، ما انتهى.
في حد… لسه بيراقبكم.
ولسه مستني الفرصة… علشان ينهي كل شيء.
بدأتيه يا ليل.
ليل بصوت واطي:
مين؟ مين اللي لسه مستني؟
يمنى رفعت عينها، وقالت:
اللي الكل نسي اسمه.
بس لقبه لسه بيخوف: ملك الظلام.
ليل بصوت واطي وهي تمسك قلبها:
أنا شفت الاسم ده قبل كده… محفور على باب المرايا.
ريان وهو ماسك راسه، صوته مليان تعب وضغط:
أنا تعبت بجد.
التفاصيل كتير، واللي بيحصل فوق أي خيال.
مش قادر أربط حاجة بحاجة.
مين عدوي؟ ومين صاحبي؟
ليل قربت منه، بهدوء واضح في صوتها رغم اللي جواها:
اهدا يا ريان… كلنا تايهين.
بس لازم نمسك نفسنا.
لو ضِعنا دلوقتي، هنخسر اللي فاضل مننا.
ريان ابتسم ابتسامة صغيرة باهتة، وقال وهو بيبص فيها:
إنتِ… مش عادية.
أنتِ مش ليل… إنتِ حاجة تانية خالص.
ليل بصت له بثبات، وقالت بهدوء:
أنا… لسه بدوّر على نفسي.
بس أوعدكم… مش هسيبكم تاني.
ولا هسيب الخوف يحكمنا.
أويس بص لهم، وصوته كان هادي لكن حاسم:
كفاية عليها كده.
ليل محتاجة ترتاح.
العقل مش بيستوعب حاجة وهو مرهق.
بص لليل، وقال بلطف وهو بيقرب منها:
تعالى.
مش لازم تكمّلي كل حاجة النهارده.
إنتي عدّيتي أكتر من اللي حد يقدر يتحمّله.
ليل بصت له، وعينيها مليانة مشاعر… بس سكتت.
كل اللي قدرت تعمله إنها تهز راسها بخفة، وتسيب نفسها تمشي جنبه.
ريان وقف مكانه، بيبص ليهم بصمت.
ويمنى حطّت إيديها قدامها وقالت بهمس:
اللي جاي… أخطر.
بس اللي بقوا… أقوى.
ليل مشت جنب أويس، خطواتها بطيئة… كأنها بتعدّي وسط الضباب.
لكن قلبها كان بيدق بهدوء جديد…
مش لأنه مافيش خوف، بل لأنها مش لوحدها.
دخلت أوضتها، وهو معاها.
قعدت على طرف السرير، وفضل ساكت.
بس عيونه كانت بتتكلم بصوت أعلى من الكلام.
قال بهدوء وهو واقف قدامها:
لو تعبانة… نامي.
لو خايفة… أنا جنبك.
ولو مش عارفة تقولي إيه… ممكن تسكتي، وأنا هفهم.
ليل بصت له، والدمعة اللي نزلت ماكنتش ضعف… كانت راحة.
قالت بصوت واطي:
كنت بدور على حاجة تمسكني.
حاجة أصدق إنها حقيقية.
وإنت… كنت الحاجة دي.
أويس قرب منها، وركع قدامها، مسك إيدها وقال بنبرة دافية:
إنتي مش لوحدك يا ليل.
ولا هتكوني تاني.
مش بعد دلوقتي.
ليل بصوت هادي، وعيونها تقيلة من التعب:
محتاجة… أنام.
أويس ما قالش حاجة.
بس قرب منها بهدوء، ونام جنبها على الفراش.
مد إيده… وسحبها في حضنه بهدوء.
كأنّه بيحاول يحميها حتى من أحلامها.
قال بصوت واطي، وهو بيطبطب عليها:
نامي يا جود قلبي… أنا هنا.
وساد الصمت… بس ماكنش صمت خوف.
كان صمت أمان.