تحميل رواية «ليل و لعنة الزمن» PDF
بقلم فريدة عبدالرحمن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
"بعض الأبواب لا تُفتح بالمفاتيح… بل بالأمنيات." كانت ليلى مختلفة. تحب الهدوء، وتكره الزحمة. تحب الكتب، وخصوصًا كتب التاريخ. مش زي البنات اللي في سنّها، كانت تحس دايمًا إنها مولودة في الزمن الغلط. كل مرة تقرأ عن القصور، الجواري، والمؤامرات، تتمنى لو كانت هناك… في عالم الملوك، لا هنا. وفي يوم ماطر، دخلت مكتبة قديمة في حيهم. وسط الغبار، والكتب المنسية، وقع نظرها على كتاب جلدي غامق. كان عليه نقوش غريبة وكلام مش مفهوم… لكنه كان بيناديها. مدّت إيدها وفتحته… وفجأة، الدنيا دارت. كل حاجة حواليها اختفت… ا...
رواية ليل و لعنة الزمن الفصل الحادي عشر 11 - بقلم فريدة عبدالرحمن
السكينة في القصر كانت خادعة.
ليل كانت نايمة، بس ملامح وشها مش مطمّنة، كأن قلبها بيصرخ من جوا وهي ساكنة من برّا.
في الحلم، كانت واقفة وسط أرض سودا، السما مش باينة، والريح بتعوي زي ناي مكسور.
ريح بردة، بس فيها صوت... مش بس هَوا، ده صوت حد بيتنفس معاها، بيقرب.
ظهر قدّامها.
طيف طويل، تاجه مكسور، عينه بتلمع بلون النار، وصوته يزلزل القلب.
– رجعتي ليّا، يا لعنة الزمن...
ليل رجعت خطوة، لكن رجليها اتقلّت.
الأرض شبكتها، كأنها مش هتسمح لها تهرب.
هو قرب أكتر. مدّ إيده، وكل ما يقرب، الدنيا تلونها يغمق، والهوى يختنق.
– هتكوني ملكتي… حتى لو رفضتي.
– إنت مين؟!
ضحك.
– أنا ظل لا يموت.
صرخت، لكنها مقدرتش تطلع صوت.
وفي اللحظة اللي حسّت إنها بتغرق في الهوا نفسه… صحيت.
قامت مفزوعة، نفسها مقطوع، وإيدها على قلبها.
دخلت الجارية يُمنى بسرعة.
– في إيه؟ حلمتي تاني؟
ليل تمسّكت في طرف اللحاف.
– هو… رجع. شُفته.
يمنى سكتت لحظة، وبعدين قعدت جنبها بهدوء.
– في ناس بتقول إن ملك الظلام مات… بس اللي يعرفه كويس، يقول إنه محبوس.
محبوس جوه بُعد تاني، وبيحاول يرجع، عن طريق الأحلام، عن طريق الوعد القديم.
ليل بصّت لها بخوف.
– وعد؟ وعد مين؟
– وعده ليكي.
سكتوا لحظة، وبعدين يُمنى غيرت الموضوع فجأة.
– سيدي أويس… ناوي يعلن الجواز التاني النهاردة. قدام المملكة كلها.
– تاني؟!
– عشان يمحي صورة الجارية اللي دخلتي بيها، ويعلن إنك الملكة. رسمي.
ليل بصّت في الأرض، مشاعرها متلخبطة… خوف من الحلم، ودوخة من الواقع.
وفي جناح تاني من القصر…
ريان واقف قدام واحدة شعرها أسود زي ليل، وعيونها خضرا، فيها ذكاء وسحر.
ابتسمت وهي تقول:
– مش هتسلم على بنت عمك… زمردة؟
ريان ابتسم، لكن عينه كانت فيها توتر.
– نسيتك؟ مستحيل.
كان القصر بيتحوّل.
خَدَم بيلفّوا بسرعة، شموع بتتولع في كل الأركان، عطور بتتمشّى في الهوى، والستائر الحمراء بتتغيّر لدهبي وأبيض.
يُمنى بتسرّح شعر ليل، وبتلبّسها تاج بسيط من الفضة، محطوط فيه حجر بنفسجي.
– إنتي عارفة ده حجر إيه؟
– لأ.
– اسمه "عين الليل"... مش بيشعّ زي غيره، بس بيشوف الحقيقة.
ليل بصّت له في المراية، ووشّها مش مرتاح.
– مش بحب أكون في الحفلات دي.
– دي مش حفلة، دي تتويج.
دخلت جارية تانية.
– القاعة قربت تِتملى، وسيدي أويس طالب يشوفك قبل ما تبدأ المراسم.
ليل سكتت، وبعدين قامت. فستانها طويل، أبيض بلمعة بسيطة، والدنيا حواليها ساكنة… إلا جواها.
خرجت من الجناح، ما بين نظرات الحاشية والجنود، لحد ما وصلت للحديقة الخلفية…
كان أويس واقف مستنيها.
بصّ لها من فوق لتحت، ضحك بخفة.
– كنتِ حلوة… دلوقتي بقيتي سِحر.
هي ما ابتسمتش. قالت بهدوء.
– ليه الجواز ده؟
– عشان أنهي الحكايات اللي بتتقال… وعشان أبدأ حكاية جديدة، بيني وبينك.
سكتت لحظة، وبعدين قالت.
– طب ولو أنا مش جاهزة أبدأ؟
– أنا هستناكي، حتى بعد الجواز.
– وإنت مش خايف من اللي حلمت بيه؟ من ملك الظلام؟
– أنا خايف عليكي… مش منه.
قرب منها، خَد بإيدها، وبصّ في عنيها.
– وإنتِ؟ لسه خايفة مني؟
لحظة طويلة عدّت، قبل ما ترد.
– أنا خايفة… عليه.
في شرفة هادية من شرفات القصر، وقفت زمردة، لابسة فستان أخضر داكن، شعرها مربوط من ورا، وعنيها بتلمع بضوء الشموع اللي في القاعة تحت.
ريان دخل ووقف جنبها، وفضل ساكت.
– نفسك تقول كلام كتير، بس مش عارف تبدأ منين؟
ابتسم بخفة.
– دايمًا كنتِ بتعرفي تقريّني.
– مش بقرأك… إنت كتاب مفتوح، بس حروفه بتتقلّب بسرعة.
بصّت له، وقالت بهدوء.
– الجواز هيتم خلاص؟
– أيوه.
– وليل… بتحبها؟
ريان اتفاجئ بالسؤال، بس جاوبه من غير تفكير.
– مش أنا اللي هتجوزها.
ضحكت.
– ما سألتكش عن أويس. سألتك عنك.
سكت لحظة، وبعدين قال.
– ليل مختلفة… بتحرك اللي حوالينها.
زمردة بصّت تحت، على القاعة اللي بتجهز.
– بتحرك أكتر من كده، يا ريان. بس مش كل اللي بيلمع… أمان.
بصّت له، وفي عنيها لمعة خوف مش غيرة.
– أنا مش بكرهها. بالعكس، فيها حاجة… بتشدّني. بس خايفة عليها، وعلى المملكة كلها.
في حاجات بتتحرك في الخلفية… وأنا حاسة بيها.
ريان قرب خطوة منها.
– تقصدي ملك الظلام؟
هزّت راسها.
– بحس إن في لعنة بتمشي حواليهم… وكل ما يقرّبوا من بعض، الدنيا بتتشق.
بس اللي يخوّفني أكتر… إنهم ما يبعدوش.
سكتت لحظة، وبعدين قالت بصوت واطي.
– لو الزمن هيرجع يلعب لعبته… لازم نكون جاهزين.
القاعة الكبرى كانت مليانة نور.
الشموع مضاءة، الموسيقى شغالة بنغمة هادية، والناس واقفة في صمت، مستنية اللحظة الملكية.
ليل ماشية بخطى ثابتة… فستانها الأبيض بيتحرك مع كل خطوة، كأنها ماشية وسط سُحب.
أويس واقف قدامها، عينيه عليها، وكل اللي حواليهم بيختفي.
وقفوا قدام بعض، والمساعد رفع صوته.
– أمام المملكة، وأمام السماء… هل تقبل أن تكون ليل زوجتك، للمرة الثانية، بعهد لا يُكسر؟
أويس قال بصوت واضح.
– أقبل.
المساعد التفت لليل.
– هل تقبلين؟
ليل فتحت شفايفها، وكانت هترد…
وفجأة.
كل الشموع… انطفأت.
ظلام تام، والصمت نزل على القاعة كأنه غطاها بلحاف تقيل.
صوت الريح زحف من الشبابيك المغلقة.
الناس بصّت حواليها، الأطفال اتشالوا، والحرس شدّوا سيوفهم… بس مفيش حاجة ظهرت.
ليل وقفت مكانها، قلبها بيخبط، وصوت غريب دخل عقلها… صوت مش من هنا.
– كنتِ ليَّ… ولسّا.
الهروب مش بينقذك… بيأخرك.
عينيها اتوسّعت، وكأنها بتشوف حاجة محدش شايفها.
وفي وسط أرضية القاعة، تحت رجليهم، ظهر رمز غريب محفور بنور أحمر، كأنه وُلد من قلب البلاط نفسه.
رمز دائري… فيه ثلاث عيون، ولسان طويل ممتد ناحية ليل.
رجعت خطوة، والهوى برد فجأة.
لكن في لحظة، النور رجع، الشموع اشتعلت تاني، والرؤية اختفت.
كأنها ما حصلتش.
بس كل اللي في القاعة حسّوا… إن حاجة حصلت.
زمردة كانت أول واحدة تبص للرمز اللي اختفى، وتقول لنفسها.
– بدأ اللعب الحقيقي.
ليل رجعت لجناحها بعد المراسم، بس عقلها مش راجع معاها.
كانت قاعدة على طرف السرير، لابسة الفستان الأبيض، بس كأنها لسه في القاعة… لسه سامعة الصوت، ولسه شايفة الرمز.
مدّت إيدها على الأرض… بتفتكر الإحساس.
كان حقيقي.
خبط الباب خبطة هادية.
– ادخلي.
دخلت زمردة بهدوء، وشكلها مش ملكي… شكلها إنسانة جايه تطمن.
– ينفع أقعد؟
– طبعًا.
زمردة قعدت جنبها، وشافت الرعشة في إيد ليل.
– لسه بتفكري في اللي حصل؟
ليل هزت راسها.
– انتي شفتيه؟
– شُفت. حسّيت. وحتى لو اختفى… هو كان هنا.
ليل بصّت لها لأول مرة بعين فيها احتياج.
– أنا مش مجنونة، صح؟
ضحكت زمردة بخفة.
– لو كنتِ مجنونة… فإحنا الاتنين في نفس السفينة.
سكتوا لحظة.
– دا مش حلم، ولا توتر… دي رسالة.
– من مين؟
– من اللي بتكلمي عنه في الكوابيس.
ليل بصّت في الأرض.
– ملك الظلام.
زمردة وقفت، وراحت ناحيه الرف، خدت كتاب صغير، فتحته على صفحة معينة، ورجعته لها.
– شوفي الصفحة دي… دا نفس الرمز اللي ظهر تحت رجلك في القاعة.
الكتاب ده كان ملك جدتي… بتحكي فيه عن كائن اسمه "المُراقِب الليلي"، كان بيظهر قبل الكوارث الكبيرة.
ليل قرت الجملة المكتوبة تحت الرسم.
"حين يظهر الرمز، يبدأ الزمن في الانشقاق."
بصّت لزمردة، وهي بتتنفس بصعوبة.
– أنا خايفة.
زمردة خدت إيدها بين إيديها.
– متخافيش لوحدك.
ليل لسه ماسكة الكتاب، عينيها معلقة بالرمز… وزمردة جنبها، بتحاول تهديها.
فجأة… الباب اتفتح بسرعة.
يُمنى دخلت، ووشّها مصدوم، وفي إيدها لفافة قديمة، ملفوفة بخيط أحمر.
– لازم تشوفوا دي حالًا!
زمردة وقفت بسرعة.
– في إيه؟
– اللفافة دي لقيناها في جناح تحت الأرض… الجناح اللي كان مقفول من أيام جد أويس.
بس النهاردة… لقيناه مفتوح.
والغريب… إن الرمز اللي شفتوه في القاعة، محفور جوه الحيطان هناك.
ليل قامت ببطء، وكأنها بتسمع خبر من عالم تاني.
– إزاي؟ وإيه اللي في اللفافة؟
قبل ما يُمنى تفتحها… الباب اتفتح تاني.
أويس دخل، ومعاه ريان.
أويس عينيه كانت فيها توتر واضح، وريان ماسك سيفه في إيده، كأنهم جايين من حالة طوارئ.
– في حاجة غلط، لازم أعرفها دلوقتي.
فيه طيف ظهر في ساحة الحرس… وشافوه أكتر من واحد.
رمزك، يا ليل… بيتكرر في كل ركن.
ريان بصّ على اللفافة.
– دي إيه؟
يُمنى فتحتها أخيرًا، وظهرت ورقة قديمة، عليها رسم دقيق… لبوابة حجرية ضخمة، وعليها نفس الرمز، لكن تحته مكتوب بلغة قديمة.
زمردة قرّبت وبصّت في الكلام، وقالت.
– دي مش كتابة عادية… دي من لغة "السُّرّى"، لغة ما بين الزمان والمكان.
ليل سألت بهمس.
– ومكتوب فيها إيه؟
زمردة ترجمت بهدوء.
– "حين تُكسر دائرة الزمن… سيعود السيد القديم. ولعنة الأبواب السبعة… ستُفتح من جديد."
الكل سكت.
أويس بصّ لليل.
– انتي مش جايه من زمن تاني…
الزمن نفسه هو اللي جاي معاكي.
زمردة حطّت اللفافة بهدوء، وقالت.
– لو الجناح اتفتح من نفسه، يبقى في حاجة عايزانا نشوفها.
أويس وافق بنظرة، وقال لرايان.
– جهّز الشعلة. إحنا نازلين دلوقتي.
ليل وقفت، صوتها واطي بس ثابت.
– أنا جاية معاكم.
– لأ، انتي لسه خارجة من...
– أنا جاية.
بصّ لها، ولما شاف نظرة التحدي في عينيها، سكت ووافق بإيماءة صغيرة.
---
الممر القديم – الجناح الممنوع
كانوا ماشيين في صمت، الشعلة بتلمع على الحيطان القديمة، كلها محفورة بنقوش باهتة.
كل خطوة كانت بتقربهم من حاجة… مش مفهومة.
ريان قال وهو بيبص حواليه.
– الريحة دي… كأنها قديمة ومكتمة من سنين.
يمنى ردت.
– الجناح ده كان مسموحش لحد يقربله، حتى مش مذكور في خرائط القصر.
زمردة مرّت إيدها على الحيطان وقالت.
– هنا بداية الحكاية.
وصلوا لباب حجري كبير، محفور عليه نفس الرمز، بس المرة دي… العين اللي في النص مفتوحة.
ليل حطت إيدها على الباب…
وهو اتفتح لوحده، من غير ما حد يلمسه.
ورا الباب، غرفة واسعة، وفي نصّها مرآة ضخمة، من غير انعكاس.
كلهم وقفوا قدامها.
زمردة همست.
– دي مش مرآة… دي بوابة.
ليل حسّت بشيء بيشدها ناحيتها…
بس قبل ما تتحرك، ظهر ظل وراهم، من بعيد، كأنه بيتكوّن من الدخان.
ريان رفع سيفه فورًا.
أويس بصّ له وقال.
– لا تتحرك.
ده مش كائن حي… ده تحذير.
الصوت رجع… نفس الصوت اللي سمعته ليل في القاعة.
– البوابة الأولى… انفتحت.
واحدة من سبعة.
كل بوابة تُفتح، يموت زمن.
ليل رجعت خطوة، وقالت.
– لازم نعرف نوقفه.
زمردة قالت.
– ومين قال إننا نقدر؟
يمنى ردت بسرعة.
– لازم نعرف ليه انتي بالذات، يا ليل.
الكل بصّ لها.
أويس قال ببطء.
– فعلاً… ليه انتي؟
ليل بصّت في المرآة، وقالت.
– يمكن… أنا مش اللي اختار الزمن.
يمكن… الزمن هو اللي اختارني.
رواية ليل و لعنة الزمن الفصل الثاني عشر 12 - بقلم فريدة عبدالرحمن
كانت واقفة قدّام البوابة…
شكلها مرآة، بس مفيش انعكاس.
سطحها ساكن… بس كأنه بيتنفس.
ليل مدّت إيدها، وهي مش واعية ليه.
وصوابعها لسه ما لمستش السطح، لما البوابة اتبدلت.
الضوء اللي فيها اتشوّه…
وبعدين شدّها.
صرخة صغيرة خرجت منها، والكل حاول يتحرك، بس كانت اختفت… في لحظة.
الجناح سكت.
الشعلة اللي في إيد ريان ترجّت.
زمردة قالت بصدمة:
– البوابة… اختارتها.
أويس بجنون وخوف عليها:
– ماذا… ماذااا؟ ليللل!!
ولسه بيجري ناحيـة البوابة، ريان حاوطه بسرعة، بصوت عالي مرتجف:
– توقّف! توقّففف يا أويس!!
أويس بيحاول يفلت، عينيه مش شايفة غير المرآة:
– ليل! يا ريان… ليل دخلت جواها!
ريان مسك فيه أقوى، صوته حزين بس حاسم:
– اهداا… هنتصرف، هنتصرف! بس لو دخلت وراك، مش هنقدر نرجعكم لتنين!
زمردة بسرعة، وهي بتلف وسط الرفوف القديمة:
– الكتاب! هاتوا الكتاب اللي كان مع جدتي! يمكن في وسيلة… يمكن نقدر نوصلها بيه!
يُمنى جريت:
– حاضر! ثواني!
المكان كله بقى مشدود…
البوابة لسه واقفة في نصّ الغرفة، لكن بدأت تطلع منها نبضات خفيفة… زي دقّات قلب غريب، ما بيدقّش في عالمهم.
ليل فتحت عينيها…
ما كانتش فاكرة هي فين، بس الأرض تحتها ما كانتش أرض.
كانت ضباب… أو دخان جامد ماسكها كأنها واقفة على حاجة مش موجودة.
كل حاجة حواليها… سكون.
الهوى ما بيتحرّكش، السما مش موجودة، واللون الوحيد هو رمادي مائل للزرقة… لون البرد والنسيان.
خطوة.
رجليها سمعت صوت خافت تحتها… وكأن الضباب نفسه بيتألم.
همست لنفسها:
– ده... فين؟ أنا فين؟!
وفجأة… نور خافت ظهر قدّامها، وفي وسط النور، حد واقف… أو يمكن مش حد.
ظلّ طويل… ملامحه مش واضحة، بس عنيه موجودة… اتنين، لا… ثلاثة.
وصوت بيهمس من جواه:
– رحّبتي بلعنتك يا ليل… دلوقتي، هتعرفي الحقيقة.
ليل رجعت خطوة، بس الضباب شبك في رجليها.
قالت بصوت مرتجف:
– إنت مين؟
الصوت كان حوالين عقلها، زي ما بيزحف جوا أفكارها.
صوت همس، خشن وغريب، كأنه جاي من ألف سنة:
– أنا جايلك… إنتي، وأويس، والمملكة كلها… كلكم هتسقطوا… في الوقت اللي أنا أختاره.
ضحكة بشر… بشر، بس مش كاملة.
ليل خدت نفس عميق… وقفت.
الضباب كان بيشدها، الأرض بتأن، بس نظرتها ما اهتزتش.
قالت بثقة، وصوتها قطع السكون:
– لا أحد يقدر يهددنا… إن كنت كيان… أو ظل… أو لعنة. اظهر الآن.
الدنيا سكتت.
وبعدين… الضباب اتفرّق فجأة.
والباب اللي وراها… فتح.
لكن اللي وراه ما كانش مجرد غرفة.
كان مشهد.
قصرها… بس مكسور.
الأرض متشققة، الحيطان بتنزف نور أحمر، وأويس… واقف بعيد، غرقان في دم.
والظل وراها قال بهدوء شيطاني:
– دا مش مستقبل… ولا ماضي. دي الحقيقة… لو فشلتي.
ليل بصوت عالي، مليان نار:
– توقــــــف!!! اللعنة عليك!! ابتعد عنهممممم!!!
الصدى ارتدّ حواليها، وكأن الضباب نفسه انكمش.
الظل ضحك… ضحك بشر.
بس الضحكة كانت فاضية… كأنها فاكرة الإنسان… بس نسيه.
الصوت قال بهمس مشوّه:
– الغضب… هو أول باب.
---
🏰 نرجع لقصر أويس – قدّام بوابة المرآة:
الطقس بدأ.
زمردة رسمت الرمز في الأرض بالدم.
ريان واقف جمبها، عينه على البوابة، ويُمنى بتجهّز الشمعة السودا، زي ما الكتاب بيقول.
أويس قاعد على ركبته، صوته مكسور، بس ثابت.
أويس بصوت عالي:
– إن كانت تسمعني… ليل! ارجعي!
زمردة بدأت تردّد:
– يا من علّقت بين الزمنين، اسمعينا ولو مرة… افتحي الباب، أو قولي كلمة، قبل أن تنطفئ الشمعة.
الرمز في الأرض بدأ ينور… دقّتين.
ثلاث.
فجــأة… المرآة ارتجّت.
سطحها بدأ يتحرك… وظهر خيال بسيط… خيال بنت، من بعيد.
ريان قال بسرعة:
– إنها… هي!
أويس وقف، عينه بتدمع.
– ليل؟!!
المشهد – قدّام بوابة المرآة:
السطح بيتحرك، زي مية بتغلي في صمت.
الرمز بينور أكتر، ولأول مرة… ظهر وجه.
ليل.
كانت باينة جوا البوابة، واقفة في ضباب غريب، ملامحها واضحة… لكنها مش شايفة حد.
كانت بتتحرك، بتزعق، بتصرخ.
إيدها ممدودة، وبتزعق على حد مش باين… بتقول: "توقــــــف!! اللعنة عليك!! ابتعد عنهممممم!!!"
بس من برّه… صوتها مش طالع.
زمردة بصوت مرعوب:
– إنها جوه! وبتواجهه… الوغد بدأ يظهر لها الحقيقة!
أويس فقد السيطرة… جري ناحيه البوابة، بيصرخ:
– ليــــــــــــل!! أنا هناااا!!! بصيلييييييي!! أنا شايفكككك!!!
ريان حاول يمسكه:
– أويس، متدخلش! متتحركش!! ممكن البوابة تتقفل عليك!
أويس عنيه مليانة دموع، إيده على سطح المرآة، صوته مكسور، بينادي من جواه:
– ليــــــل… لو شايفاني… بس بصيلي. بصيلي يا جود قلبي…
لكن ليل… كانت في عالم تاني. شايفة كابوس، مش سامعة نداء الحب اللي بيترمي من بعيد.
زمردة قالت وهي بتقلب صفحات الكتاب بسرعة:
– لازم نعمل دفعة… لازم نوصل لها صوتنا أو نفتح البوابة بالكامل.
وفي اللحظة دي… سطح البوابة اتشق شق صغير… وصوت خافت خرج.
كان صوت ليل… بس مش واضح.
زمردة شهقت:
– صوتها!! سمعناه!
داخل عالم البوابة – ليل كانت لسه بتزعق بكل قوتها:
– توقــــــف!! اللعنة عليك! ابتعد عنهممم!!
لكن الضباب حوالينها اتكثّف فجأة… وصوت الكائن رجع، أهدى… وأخطر.
– الغضب… بوابة. لكن الحقيقة… عقاب.
وفجــــأة… قوة خفية رفعت ليل من على الأرض.
مش بسرعة، لا… بهدوء مرعب.
جسمها بدأ يطلع لفوق، رجليها مش لامسة أي حاجة، وشها بدأ يشحب، لونه يبهت، وعنيها تتسع كأنها شايفة الموت نفسه.
إيدها بتتحرك ببطء في الهوا، بس مش قادرة تقاوم.
وصوت الكائن قرب وهمس:
– شوفي ما لا يُرى… واحترقي بالصمت.
---
نرجع عند البوابة – في القصر:
سطح المرآة دلوقتي بدأ يعكس المشهد!
كلهم شافوا ليل… مرفوعة في الهوا، وشها أبيض زي الورق، وشعرها بيطير حواليها، لكنها ما بتتحركش… ما بتقاومش.
أويس صرخ بأعلى صوته:
– ليــــــــــل!! لأااااا!!!
ريان اتحرك فورًا:
– زمردة! افتحي البوابة بالكامل!! دلوقتي!!
زمردة بتقلب الكتاب بجنون، إيدها بترتعش:
– أنا بحاول! الطقس ناقص حاجة… حاجة أخيرة!
يُمنى صرخت:
– هي هتموت جواها!!!
ليل ما زالت معلّقة في الهوا.
الضباب بيلف حواليها زي أفعى… كل نفس بتاخده بيكلفها روح.
لكن وسط الخنقة… كلمتها خرجت حادة، موجوعة، ومليانة تحدّي:
– إنت جبان… خايف تظهر قدامي، فبتستعمل قوتك… وإنت متخفييييي!!
صوت صدى، ضحكة بشر مش كاملة.
الجو حوالينها ارتعش، كأن الظل اتحرك… لكن ما اقتربش.
الصوت قال بهدوء تقيل:
– لن أظهر الآن… يا ليل. لأنك… مش مستعدة. لا تحاولي.
الصوت بدأ يدوّي جوا عقلها، بصوتها هي… وبصوت أويس… وبصوت زمردة.
**– لن تستطيعي**
**– لن تنجحي**
**– لن تنقذي**
أويس صرخ بكل ما فيه، صوته خرج من جوه قلبه:
– لييييييييللللللللل!!
---
في عالم البوابة – ليل كانت لسه معلقة، ضعيفة، عينيها بتدور… بس فجأة… رفعت راسها.
نفسها اتهزّ، وعينيها اتسعت.
بهمس طالع من بين الشفاه المرتجفة:
– أويس…؟
الصوت اللي حوالينها سكت لحظة.
---
في القصر – عند البوابة:
زمردة شهقت، وصرخت وهي بتشاور على البوابة:
– أويس!! أويس!!!
نادي تاني!! ليل سمعتك!!
أويس قرب من البوابة، مسك الرمز المرسوم بالدم، عينه ما سابتش وجه ليل:
– ليللللل!!! متخافيش!! أنا معاكي!! أنا شايفك!! ارجعي… ارجعيلى دلوقتي!
---
داخل البوابة – الضباب اتشق، والظل حوالين ليل بدأ يهتز.
كأن في حاجة أقوى منه بدأت تخترق الحاجز.
ليل بدأت تتحرك بإيدها ببطء… وشها لسه باهت، لكن في لمعة رجعت لعينيها.
صوت الكائن خرج غاضب:
– لاااا… ما زال الوقت مبكرًا. ما كان يجب أن تسمعيه!
والضباب بدأ يلف من تاني… لكن الضوء… الضوء كان بيزيد.
نور ذهبي بدأ يخرج من تحت ليل، ويمتد ناحية البوابة.
في عالم البوابة – النور كان بيزيد حواليها، كأن صوت أويس بيخترق كل جدار وكل لعنة.
الضباب بدأ ينهار، والظل يصرخ:
– لاااااااااا!!! ما خلصتش الرؤية بعد! لسه ما شافِتش الحقيقة كاملة!!
لكن ليل كانت خلاص فاقت.
إيديها تحررت، والهوى بدأ يرجّ حواليها.
بصّت لقدّامها، وقالت بصوت واثق لأول مرة:
– أنا شوفت كفاية.
ودلوقتي… هرجع.
فتحت إيديها… والنور انفجر.
---
في القصر – قدّام بوابة المرآة:
الرمز على الأرض اشتعل بنور أبيض نقي.
زمردة اتراجعت، ويُمنى غطّت عينيها.
أويس واقف… مش بيتحرك.
عينه على البوابة، وقلبه متعلق بالنقطة اللي ظهر فيها النور.
وفجــــأة… سطح المرآة انشق، بقوة صوت!
رياح خرجت، الكتب طارت، الشموع اتطفت… وفي وسط الغبار والنور… ظهرت.
ليل.
وقعت على الأرض قدامهم، بصوت مكتوم، وفستانها متغطي ببقايا ضباب، لكن عينيها مفتوحة… وبتدور على حد.
أويس جري عليها فورًا، حضنها من غير ما يتكلم، وهي همست، بصوت خفيف…
– أنا جيت… متأخرة شوية، بس جيت.
رواية ليل و لعنة الزمن الفصل الثالث عشر 13 - بقلم فريدة عبدالرحمن
ليل كانت قاعدة قدام النار.
النار صغيرة، بتتحرك بهدوء، وكأنها خايفة تلمسها.
أويس واقف قريب، عينه مش سايبة وشها.
هي مش بتبص له، عينها على إيدها.
في خط أسود، رفيع زي دخان ناشف، مرسوم على كفها.
بتحاول تمسحه، بس مش بيتشال.
زي وشم مش من عالمهم.
زمردة قالت بصوت هادي، وهي بتقلب صفحات الكتاب:
– ده… أثر البوابة.
هي ما بترجعش حد من غير ما تسيب علامة.
أويس بقسوة، وهو راكع عندها:
– علامة إيه؟! دي ليل… دي مش لعنة عشان ترجع مشوّهة!
ليل همست، وصوتها طالع من مكان بعيد:
– أنا سمعت صوته… كان بيضحك.
وكان شايفنا… شايفكم كلكم.
بس ما ورانيش كل حاجة.
حسيت… إنه لسه مستنّي.
أويس مدّ إيده على وشها، حاول يخلّيها تبص له:
– أنا هنا.
وأنتِ رجعتي.
محدش هيقربلك طول ما أنا موجود.
هي ابتسمت ابتسامة صغيرة، متعبة.
– بس أويس… هو لسه جوّه.
وجوّه… أنا حسيت إن في باب تاني لسه ما اتفتحش.
ليل سكتت، وفضلت عينيها على النار.
صوتها كان زي الهمس:
– كأن… البوابة لسه مفتوحة.
أنا حسيت ده، حتى وأنا رجعت.
أويس شدّ نفسه، قعد قدامها على الأرض، صوته فيه عناد وخوف:
– مش هسيبها مفتوحة.
لو كان فيه باب تاني… هقفله قبل ما يوصل لك تاني.
بس قوليلي، ليل… إيه اللي شفتيه هناك بالظبط؟
ليل أخدت نفس، وشها اتشدّ وهي بتفتكر.
– القصر… زي قصرنا، بس كان مكسور.
الحيطان بتنزف نور أحمر.
وشفتك… بعيد، واقف وسط الدم.
كنت لوحدك… كنت ميت.
أويس اتشنج، بس قبل ما يرد، سمعوا صوت خطوات وراهم.
ريان كان واقف عند مدخل الغرفة، ضهره للحايط وعينه عليهم.
– ده مش حلم يا أويس. ده تحذير.
لو البوابة ورّت لها الرؤية دي… يبقى العدو عارف خطواتنا قبل ما ناخدها.
أويس بص له بنظرة فيها نار:
– وده مش معناه إننا نسيبها تموت تاني جوه باب غريب!
أنا كنت هخش وراها، وأنت اللي منعتني!
ريان قرب خطوتين، صوته هادي بس حاد:
– لأني لو كنت سبّتك، كنا هنخسركوا لتنين.
إنت مش فاهم حجم اللعبة دي يا أويس… اللي ليل شافته… جزء من لعنة مش هتفهمها لو فضلت تتصرف بالعاطفة.
ليل رفعت راسها، صوتها ضعيف لكن حاد:
– كفاية.
كلكم بتتكلموا كأن أنا مش هنا.
أنا اللي شفته… وأنا اللي هقرّر أتعامل معاه.
أنا مش هستخبّى.
ريان بص لها نظرة طويلة، فيها قلق مش قادر يخفيه.
– الكلام ده مش لعبة يا ليل.
البوابة جرّبت تموتك… والمرة الجاية يمكن ما تسيبش فرصة ترجعيلنا.
هي وقفت، رغم التعب، بصت في عينيه مباشرة:
– يبقى المرة الجاية… أكون مستعدة.
يُمنى:
– قومي يا ليل نامي، وبكره نبقى نفكر هنعمل إيه.
أويس بص لها وقال وهو بيشيل ليل بين إيديه:
– يُمنى بتتكلم صح. تعالي.
ليل سندت عليه وهي تعبانة، ودخلوا أوضتها.
الجو كان هادي… إلا من صوت أنفاسهم.
عدّى وقت طويل وهي بتحاول تنام، وأويس نايم جمبها، ماسك إيدها كأنه خايف تروح تاني.
فجأة… خبط قوي على الباب.
ليل اتخضّت، قامت نص قومة، وأويس شد نفسه بسرعة.
أويس بصوت جهوري:
– ادخل!
يُمنى وريان وزمردة دخلوا جري، وشكلهم متوتر.
ريان بصوت عالي، سريع:
– زمردة لقت حاجة!
زمردة كانت بتنهج، إيدها ماسكة ورق قديم، وصوتها بيترعش وهي بتتكلم بسرعة:
– أنا… أنا لقيت طقس… لازم يتعمل… علشان نعرف هنتعامل إزاي مع ملك الظلام!
ليل رفعت عينيها، وشها شاحب:
– ملك الظلام…؟
زمردة أومأت بسرعة:
– آه… الاسم ده اتكرر في الكتاب اللي جبتوهولي.
هو اللي ورا البوابة… واللي ليل شافته ما كانش إلا جزء من قوته.
لو ما حضرناش الطقس ده، مش هنقدر نقف قدامه.
ريان شدّ نفسه:
– والطقس ده… محتاج إيه بالظبط؟
زمردة بصت لهم، بنظرة تقيلة:
– دم… نار… وكلمة مش هينفع تتقال إلا من اللي شاف وجه الظلام بنفسه.
ليل اتسمرت مكانها، حسّت قلبها بيدق أسرع.
– يعني… أنا.
ليل قامت على رجلها رغم التعب، عينيها فيها لمعة عناد.
أويس شدّها من إيدها، ساكت… عينه مليانة قلق مش عارف يخبيه.
ليل بصت له، صوتها هادي لكن حاسم:
– طب يلا… يلا نبدأ من دلوقتي.
أويس اتنهد، كأنه فاهم إنها مش هتتنازل.
ريان قال بسرعة:
– هنجهّز الساحة. زمردة، قولي لنا كل خطوة.
زمردة هزت راسها، وفتحت الورق اللي في إيدها:
– الطقس لازم يتعمل حوالين نار، وفيه رمز لازم يتكتب بالدم… دم حد من "سلالة النور".
أويس رفع حاجبه:
– سلالة النور؟ يعني مين؟
زمردة بصت له بتركيز:
– أنت.
الهدوء وقع على المكان.
أويس ابتسم ابتسامة سريعة، فيها غضب:
– مش فارق. هعمل أي حاجة لو ده هيحميها.
ليل قربت، لمست إيده:
– أويس… أنا اللي دخلت البوابة. أنا اللي لازم أتحمّل.
أويس شد إيدها ناحية قلبه، صوته نزل واطي:
– وإنتِ تفتكري إن قلبي هيوافق يسيبك تدخلي حرب زي دي لوحدك؟
ريان قطع اللحظة:
– ما فيش وقت. لو هنعمل ده، لازم نبدأ قبل طلوع الفجر.
زمردة بسرعة:
– يلا بينا… هاتوا الشموع السودا، وحطّوا الطين حوالين الدائرة.
وقفوا كلهم بعد ما حطّوا الطين حوالين الدائرة.
النار اتشعلت في النصّ، شعلة صغيرة لكن لونها مش طبيعي… أحمر غامق كأنه دم.
ليل وأويس واقفين جوّه الدائرة، إيديهم شبه متشابكة، وعيونهم مش بتفارق النار.
زمردة قاعدة على الأرض برا الدائرة، لابسة زي غريب عليه كبشة سودا مغطية راسها، عينيها طالعة من تحت القماش زي شرارات.
ويُمنى وريان لابسين زي رمادي، واقفين جمب زمردة، ملامحهم فيها قلق وترقب.
زمردة بصوت تقيل، بدأ يرنّ في المكان:
– الدائرة اتقفلت. أي كلمة دلوقتي مش هتكون منكم… لكن من اللعنة اللي بنتحداها. مستعدين؟
ليل شدت نفس طويل:
– مستعدة.
أويس بص لها بنظرة فيها كل القلق والحب:
– أنا معاكي.
زمردة حطت إيدها على الأرض المرسوم عليها رموز من الدم والطين، وبدأت تتمتم بكلمات غريبة، كأنها مش لغة البشر.
النار ارتفعت فجأة، وبدأت تتحرك يمين وشمال… كأنها بترقص.
ريان بص بصوت واطي ليُمنى:
– شكلك ده طقس تقيل…
يُمنى همست له:
– ربنا يستر، أنا مش مطمنة.
فجأة، شعاع من النار مدّ زي إيد نحاسية ولمس إيد ليل.
ليل شهقت، بس مسكت نفسها.
زمردة صرخت فجأة:
– ليل! قولي اسمه! قوليه… ملك الظلام!
ليل بصوت عالي، كأنها بترمي روحها في الكلام:
– ياااا ملككك الظلاممم!
النار ارتجّت، ولونها اتحول للأسود للحظة.
زمردة صرخت وهي رافعة إيدها:
– قولي تانيي!
ليل عضّت شفايفها، وصرخت تاني بكل قوتها:
– يااا ملككك الظلاممم!!
الدائرة كلها اهتزّت، الطين اللي حواليها بدأ يتشقق ويطلع منه دخان أسود.
ريان خطى خطوة لقدام، صوته قلق:
– زمردة… في حاجة مش طبيعية بتحصل!
زمردة بصوتها الغليظ:
– اسكتوا! لسه ما ظهرش… لازم تناديه بالاسم.
ليل حسّت إن الهوا حواليها تقلّ، كأن في حاجة ماسكة قلبها.
– طب… اسمه إيه؟
زمردة قفلت عينيها وقالت بسرعة:
– قولي "يا ملك الظلام… أظهر!"
ليل شدّت نفسها، عينيها مليانة نار:
– يااا ملك الظلام… أظهـــرررر!!
النار فجأة فتحت زي عين ضخمة، لونها أحمر وأسود، وطلعت منها ريحة كأنها حرق ودم.
صوت جهوري، غريب، طلع من نص الدائرة:
– مين… اللي بينادي اسمي…؟
أويس شدّ إيد ليل بقوة، حط نفسه قدامها:
– أنا أويس… ولو قربت لها، همحي اسمك من الوجود!
الصوت ضحك، ضحكة باردة تخلي الدم يجمد:
– أويس… فارس النور. لكنها… هي اللعنة اللي جت بنفسها.
ليل صرخت:
– أنا مش لعنة!
ملك الظلام ضحك بسخرية، صوته كان كالرعد:
– تنهيني؟! مرّة واحدة؟! فوقي يا جود… أنا أقوى منكِ.
ليل وقفت بخطوة ثابتة جوه الدائرة، عينيها فيها لمعة نور غريبة، وقالت بقوة وثقة:
– أنا معايا ربنا… ومش خايفة. وعُمر الشر ما يكسب الخير… يا ملك الظلام، فوق!
النار حوالين الدائرة اشتعلت فجأة بلون ذهبي، كأن كلامها كسر حاجة في المكان.
زمردة شهقت وهي تبص على النور:
– ده… ده طاقة نور!
ملك الظلام صرخ بصوت متشوّه:
– اسكتييييي! إزاي… إزاي بتقدر تقاوميني؟!
ليل رفعت إيدها، كأنها بترد النور بالنور:
– لأنك وهم. وأنا… الحقيقة.
أويس وقف جنبها، مسك إيدها بقوة:
– إحنا سوا، يا ليل. لو هتحاربيه، فأنا معاكِ.
النار اتفتحت زي بوابة تانية، وظهر منها شكل غامق… ظل ضخم، له عيون حمراء زي الجمر، واقف كأنه جايب العالم كله وراه.
ريان بصوت مبهوت:
– ده… ملك الظلام نفسه!
زمردة بسرعة:
– متقربوش من الدائرة! لو كسرتوا الرمز، هيختفي الحاجز بين عالمنا وعالمه!
ملك الظلام مدّ إيده من جوه النار، والدخان اتشكل… شكل مامت ليل!
واقفة قدامها، مبتسمة… لكن ملامحها مش ثابتة، بتسيح زي الشمع.
بدأ يهمهم بكلمات مش مفهومة، صوته كأنه بينادي عقلها من جوه.
ليل عينيها اسودّت فجأة، كأنها فقدت السيطرة، وبدأت تمشي ناحية الظل كأنها منومة.
زمردة صرخت بجنون:
– ليييللل!! وقفيييي!!! أويسسس، امسكهااا!!!
أويس اتنفض، جري عليها بسرعة وكتّفها من وراها، صوته مليان خوف وغضب:
– فوقي!! فوقي يا ليل!! مهما أي اللي شايفاه ده… مش حقيقي!! فوقيييي!!!
ليل حاولت تفلت، عينيها مش شايفة غير "الطيف" اللي قدامها، وهي بتقول بصوت مش بتاعها:
– ماما… إنتِ هنا؟!
أويس هزّها بعنف بسيط:
– لاااا!! مش مامتك، ده وهم!! بصيلي يا ليل… أنا هنا، أنااا!!!
زمردة وهي بترمي ملح حوالين الدائرة بسرعة:
– لو لمستِه، هيسحب روحك للبوابة تاني! أويس، خليها تركّز في صوتك!
أويس قرب منها أكتر، صوته نزل لوشها، مليان حب وخوف:
– متسبنيش يا جود القلب… فوقي يا جود، فوقي. متضيعش نفسك… عشان خاطري، فوقي.
ليل عينيها بدأت تترجّ، واللون الأسود اللي كان مغطيها بدأ يتبخر ببطء، لمعة خفيفة من عينيها الحقيقية رجعت.
زمردة بصوت عالي، وهي بتبص لهم بلهفة:
– كمل!! كمل يا أويسسس!!
أويس حضنها من وراها، صوته كسر السكون كله:
– أنا هنا… أنا أويس. إنتِ مش لوحدك، يا ليل. بصيلي، أنا شايفك… وبندهلك من كل قلبي!
ليل شهقت، كأنها رجعت تتنفس لأول مرة، إيديها شدت على إيده:
– أويس… أنا… سمعتك.
ملك الظلام زأر بصوت مرعب، كأن المشهد بيولع:
– كفااااااااااااااااااااااااااااااا!!!
النار لفّت حوالين الدائرة بعنف، ورسمت شكل عينين حمرا كأنها بتبص على ليل مباشرة.
ريان صرخ:
– الدائرة بتضعف! لازم نخلّص الطقس دلوقتي!
زمردة بسرعة، صوتها متلخبط بين القوة والخوف:
– ليل! قولي كلمتك الأخيرة! قولي إنك بترفضي الظلام!
ليل بصوت عالي وقوي، ماسكة إيد أويس بقوة كأنها بتستمد منه حياتها:
– أنااااا جوددد… برفضضضضضض الظلامممم… والهلاكككك!!!
النار انفجرت فجأة، لونها اتحول لذهبي نقي، والنور لف حوالين الدائرة كأنه عاصفة من ضوء.
ملك الظلام صرخ صرخة تخلي الأرض تهتز، صوته مليان غضب:
ليل مسكت إيد أويس أقوى، كأنها بترسخ نفسها جوه الواقع، والنور اللي خرج من عينيها كسر سحر ملك الظلام.
ملك الظلام كان بيلف حوالين الدائرة زي دخان أسود كثيف، صوته متشوّه من الغضب:
– لاااااا… مش هتكســبــي!!
زمردة بصوت عالي، وهي بتقرأ تعويذة من الكتاب:
– استمرّي يا ليل! قوة النور في الكلمة!
ليل رفعت راسها، وصوتها كان نار من القوة:
– مش هتسيطر عليا ولا على أي حد هنا! الخير أقوى منك، وأي ظلام قدام ربنا… بيموت.
فجأة الأرض اهتزت، الدائرة نورت نور أبيض ساطع كأنه شمس، ورسمت حوالين ليل وأويس جدار نور شفاف.
ريان صرخ وهو حامي زمردة ويمنى:
– بصوااا! شكله… بيتفتت!
ملك الظلام بدأ يتكسّر زي دخان بيتقطع، صوته بقى أضعف:
– لااا… لااا… أنتِ… مش… حقيقيـــــة…
ليل شدّت إيد أويس، وصرخت آخر كلمة:
– أنا ليل… وجاية عشان أنهي اللعنة!
النور انفجر من نص الدائرة، زي شعاع طالع من السما، مسح كل دخان الظلام في ثواني.
القاعة كلها اتغمرت بنور نقي، والشعلة اللي كانت بتترعش بقت مستقرة، قوية.
زمردة وقعت على الأرض من قوة الانفجار، وهي بتبتسم بتعب:
– لقد… صدّته.
ليل وقعت فجأة في حضن أويس، جسمها تقيل كأن روحها لسه راجعة.
أويس بصوت مليان رعب:
– جود!! جود، فوقي! مياه… يا ريان، ميــــــــاه بسرعة!
ريان جرى، مسك إبريق المياه وسكبه في كوباية، وجري ناحيتهم.
– خُد يا أويس!
أويس رشّ شوية مياه على وشها، صوته بيترعش:
– فوقي يا جود… بالله عليكي فوقي.
ليل فتحت عينها نص فتحة، صوتها ضعيف:
– أنا… تمام… بس تعبت.
أويس حضنها أكتر، عينه كلها دموع:
– متقوليليش كده تاني… قلبي وقف.
زمردة بصعوبة وهي بتحاول تقوم:
– لازم ترتاح الليلة دي… الطقس استهلك طاقتها كلها.
يمنى بسرعة، وهي بتقرب:
– تعالوا… هساعدكم تودوها أوضتها.
أويس شال ليل بين إيديه كأنها حاجة هشة يخاف تتكسر، ووشه لسه عليه أثر الخضة.
– هودّيكي أوضتك… متتحركيش يا جود.
ليل حطت راسها على كتفه، همست بصوت مبحوح:
– أنا… كنت خايفة… بس طول ما إنت ماسك إيدي… كنت حاسة إني هقدر.
عين أويس لمعت، وبص عليها بحب كبير:
– وأنا من غيرك… ولا حاجة، يا جود القلب.
يمنى فتحت الباب بسرعة:
– خش، حطها على السرير.
أويس دخل بيها، وحطها بهدوء على السرير، غطّاها كويس، وبعدين قعد جنبها، ماسك إيدها.
زمردة وقفت على الباب، صوتها واطي:
– الطقس نجح… بس المعركة لسه ما خلصتش. ملك الظلام هيحاول تاني.
ريان:
– واحنا هنكون مستعدين المرة الجاية.
أويس وهو ماسك إيد ليل، بهدوء:
– طول ما أنا هنا… محدش هيقرب لك يا جود.
ليل ابتسمت ابتسامة ضعيفة، وهمست:
– عارف… أنا معاك.
يمنى بصّت على ليل وأويس، وقالت بهدوء:
– خليها تنام دلوقتي، إحنا نسيبكم ترتاحوا.
زمردة أومأت:
– بكرة هنكمل الخطة… بس الليلة دي لازم تهدوا.
ريان وهو بيبص على أويس بابتسامة نصها قلق:
– لو احتجت حاجة نادينا.
خرجوا كلهم وسابوا الباب مقفول نص قفلة، وبقيت القاعة هادية.
أويس فضّل قاعد جنب السرير، ماسك إيد ليل في إيده، وإبهامه بيمسح عليها بخفة.
ليل فتحت عينيها نص فتحة، بصوت واطي جدًا:
– أويس… أنت كنت خايف عليا أوي.
أويس قرب وشه من وشها، صوته دافي وهادي:
– قلبي كان هيقف يا جود. لو جرالك حاجة… أنا مش هعرف أعيش.
ليل ابتسمت وهي بتغمض عينيها، همست:
– مش هسيبك… ولا حتى لو ملك الظلام كله واقف قدامي.
أويس لمّس جبينها بشفايفه قبلة خفيفة، وهمس:
– نامي دلوقتي، يا جود القلب… أنا هنا جنبك.
ليل سكتت، ونَفَسها بدأ يبقى منتظم، كأنها أخيرًا حسّت بالأمان.
رواية ليل و لعنة الزمن الفصل الرابع عشر 14 - بقلم فريدة عبدالرحمن
ليل كانت نايمة، نفسها هادي، بس وشها لسه عليه أثر التعب.
أويس قاعد جنبها، عينه مش بتفارقها، كأنه خايف لو طرف عينه ثانية… تختفي.
إيده ماسكة إيدها، وإبهامه بيرسم دايرة صغيرة على كفها.
ريان وقف عند الباب، صوته واطي عشان ما يصحيهاش:
– أنت مش ناوي تتحرك يا أويس؟
أويس من غير ما يبص له:
– لو سبّتها دلوقتي، مش هعرف أنام.
ريان دخل خطوتين، اتكئ على الحيطة:
– اللي حصل جوّه الدائرة… ده مش نهاية القصة.
ملك الظلام اتقهقر، بس ده معناه إنه هيهاجم أقوى المرة الجاية.
أويس رفع عينه، نظرة فيها نار:
– يبقى هنكون أقوى.
ريان اتنهد:
– مش بس بالقوة… محتاجين نفهم أثر الظل اللي على إيدها.
أنا مش مرتاح للعلامة دي.
أويس بص على كف ليل، خط الدخان الأسود لسه زي ما هو.
– لو العلامة دي أذيتها… أقسم بالله هقلب العالم عشان أشيلها.
قبل ما ريان يرد، الباب اتفتح بهدوء، زمردة دخلت، ماسكة الكتاب.
صوتها كان مبحوح، كأنها قعدت ساعات من غير ما تنطق:
– أنا عرفت حاجة… عن العلامة.
أويس نهض فورًا، بصوت حاد:
– قولي.
زمردة قربت، فتحت الكتاب على صفحة فيها رسومات مرعبة، رموز غريبة وسطها شكل باب متشقق.
– ده اسمه باب الدم.
اللي يعدي من بوابة الظلام… بيبقى جواه.
ليل فتحت عينيها بهدوء، حسّت بهمس أصوات حوالين السرير، قامت نص قومة وخضّت الكل بصوتها الهادي لكن القلق واضح فيه:
– في إيه؟ مالكم واقفين كده؟
زمردة قربت بخطوات هادية، صوتها تقيل وواطي:
– عرفت حاجة عن العلامة اللي في إيدك يا ليل.
ليل اتعدّلت بسرعة، عينها بتلمع بتوتر:
– قولي يا زمردة…
زمردة أخدت نفس عميق، وبصّت لوش أويس كأنها بتطلب منه القوة قبل ما تنطق:
– العلامة دي… مش مجرد أثر من البوابة.
هي علامة باب الدم… باب مش طبيعي، بين عالمنا وعالم ملك الظلام.
ليل حسّت قلبها بيخبط، عينيها نزلت على كفها اللي فيه الخط الأسود:
– باب… دم؟ يعني إيه الكلام ده؟
ريان قال بصوت جاد:
– يعني إنك بقيتِ جزء من المعركة دي.
العلامة دي مفتاح… لو ملك الظلام لمسها، ممكن يفتح بوابة تانية.
أويس قطع كلامه بنظرة حادة:
– بس مش هيقرب لها.
محدش هيقرب لك يا جود… طول ما أنا واقف.
ليل رفعت عينيها عليه، صوتها ناعم لكن فيه إصرار:
– أويس… أنا مش عايزة تبقى بتحارب لوحدك.
أنا عايزة أعرف كل حاجة… حتى لو مؤلم.
زمردة بصوت مبحوح، وهي بتقلب الكتاب اللي في إيدها:
– ليل… لازم تعرفي.
في الطقوس القديمة مكتوب إن "باب الدم" مش بيتقفل إلا من الشخص اللي يحمل أثره.
يعني… إنتِ الوحيدة اللي تقدر تحبسيه.
ليل اتسمرت، الكلام تقيل كأنه صخرة وقعت على قلبها.
همست:
– يعني… أنا اللي لازم أقفل الباب؟
أويس شدّ إيدها في إيده، صوته مليان عناد:
– لأ.
لو في باب لازم يتقفل… أنا اللي هقفله.
زمردة هزت راسها ببطء:
– أويس… ما ينفعش.
الطقس محتاج "دم الأثر" عشان يقفل.
يعني لازم هي اللي تبدأه.
ليل شدّت نفس طويل، بصّت للنار اللي كانت لسه مشتعلة في الكانون، وقالت بهدوء لكن بنبرة قوية:
– طيب… أنا مستعدة.
أويس بحنق:
– لا… مش دلوقتي، مش وإنتِ تعبانة كده.
ليل بصت له، ابتسمت ابتسامة خفيفة:
– أويس… أنا اتولدت تاني من البوابة دي.
مش هعيش خايفة.
زمردة بهدوء، وهي واقفة جنب السرير:
– قومي يا ليل… عشان في زيّ مخصص لازم تلبسيه قبل الطقس.
ليل رفعت حاجبها، صوتها فيه استغراب وقلق:
– زيّ؟ يعني إيه زيّ؟
زمردة:
– طقس باب الدم لازم يتعمل بلبس معين… حاجة زي وشاح أبيض مرسوم عليه رموز حماية.
مش لبس للزينة… ده بيحميك من قوة الظلام.
أويس واقف جنب السرير، إيده لسه ماسكة إيدها:
– وأنا كمان هلبس اللي عايزينه… مش هسيبها وحدها.
زمردة هزت راسها بخفة:
– الطقس ليه ترتيب.
إنت هتكون واقف جوه الدائرة معاها… لكن لازم هي تلبس الرمز.
ليل قامت من على السرير ببطء، لسه التعب ظاهر على وشها، لكن عنادها أقوى:
– طيب… هلبسه.
بس قولي يا زمردة، الطقس ده هيعمل إيه بالظبط؟
زمردة اتنهدت وهي بتقلب في الكتاب اللي معاها:
– لو نجحنا، هنعرف نحبس "أثر الباب" جواك ونقفل أي صلة بينك وبين ملك الظلام.
بس لو فشلنا… هو ممكن يظهر تاني.
أويس بص لها بنظرة نار:
– مش هيحصل.
ليل بصت له، ابتسمت ابتسامة خفيفة رغم القلق:
– طول ما إنت هنا… أنا مش خايفة.
ريان دخل فجأة، شايل صندوق خشب صغير، حطه على الطاولة:
– ده اللبس اللي قالت عليه زمردة.
وشاح أبيض… ومعاه سوار من الفضة.
زمردة قربت من ليل، صوتها هادي:
– تعالي… هساعدك تلبسيه.
زمردة ساعدت ليل تلبس الوشاح الأبيض، رسوماته السوداء زي وشوم قديمة، كأنها بتلمع مع النار اللي في المكان.
أويس كان واقف قريب، عينه مش سايبة وشها لحظة، وكأنه حافظ كل نفس بتاخده.
زمردة همست لها وهي بتربط السوار الفضي على معصمها:
– خليكِ قوية يا ليل… مهما شفتي أو حسّيتي، متسيبيش صوتك يضعف.
ليل هزت راسها بثقة، رغم أن قلبها كان بيخبط بعنف.
– حاضر يا زمردة.
خرجوا مع بعض للساحة، كانت واسعة، الأرض مرسوم عليها دائرة كبيرة من الطين والرموز الحمراء.
في النص نار مشتعلة بلون غريب، خليط بين الأحمر والذهبي، كأنها مش نار من الدنيا دي.
ريان واقف هناك، ماسك شعلة تانية، بص عليهم وقال:
– كل حاجة جاهزة.
يُمنى كانت واقفة بعيد، ماسكة طبق فيه شوية رماد وأسطر من تعاويذ مكتوبة على ورق قديم.
زمردة تقدمت وسط الدائرة، صوتها تقيل كأنه جاي من باطن الأرض:
– الكل ياخد مكانه… الطقس هيبدأ.
ليل خطت جوه الدائرة، أويس وراها خطوة بخطوة.
أول ما دخلوا، النار عليت فجأة وكأنها حست بيهم.
زمردة رفعت إيدها، بدأت تتمتم بكلمات غريبة، الأرض تحت رجليهم حسّوا بيها بترتعش.
ريان وزّع الشموع السودا حوالين الدائرة، كل شمعة كانت بتنور وتطفى كأنها بتتنفس.
زمردة بصت على ليل:
– ليل… ارفعي إيدك اللي فيها الأثر فوق النار.
ليل عملت زي ما قالت، الخط الأسود اللي على كفها بدأ يلمع كأنه بيتحرك.
همست بخوف:
– زمردة… هو بيتفاعل.
زمردة:
– استحملي… لازم الأثر يبان عشان نقدر نحبسه.
أويس مسك إيدها التانية بقوة، عينيه فيها قلق:
– أنا هنا… متخافيش.
فجأة، النار في النص اتشقّت زي عين حمرا، صوت غريب طلع من قلبها:
– أنتم… تاني؟
ريان شد نفسه، صوته متوتر:
– ده صوته… ملك الظلام.
زمردة صرخت بأمر:
– متردوش عليه! كملوا الطقس!
ليل أغمضت عينيها، رفعت صوتها:
– أنا… ليل. مش ملكك.
الصوت ضحك، ضحكة باردة زي الموت:
– لكن… إنتِ مفتاحي يا جود.
أويس صرخ وهو واقف قدامها كأنه بيحميها:
– لو لمستها… هدمّرك.
الصوت الضخم لملك الظلام علا، وبدأت النار تلف حوالين الدائرة كأنها عاصفة.
فجأة، إيد من دخان أسود خرجت من النار، وضربت أويس بقوة!
اتطير برا الدائرة ووقع على الأرض، جسمه ارتطم بالأرض بقسوة.
ليل صرخت، قلبها وقع:
– أووويسسس!!!
جريت تتحرك ناحية الدائرة، لكن صوت زمردة جه حاد وقاطع:
– لااااا يا ليل! متتحركيش!
لو خرجتي من الدائرة الطقس هينهار!
ليل عينيها مليانة دموع وخوف، صرخت:
– بس أويس…!
زمردة بصوت قوي، كله أمر:
– ركّزي! متشتتيش دلوقتي!
ريان هيتصرف!
ريان كان واقف برا، قلبه بيجري زي الخيل، جري بسرعة ناحيه أويس اللي كان مغمي عليه، وحاول يرفعه:
– أويس! فوق يا بطل… قوم!
ملك الظلام ضحك بصوت يهز الأرض:
– فارس النور… ضعيف.
والليلة… جود هتكون ليّا.
ليل عضت شفايفها، ورجعت تبص للنار، صوتها طلع مليان قوة رغم دموعها:
– مش هبقى ليك… أنا ليل!
زمردة بصوت أعلى من الرعد:
– كمّلي الطقس يا ليل! قولي الكلمات!
ليل رفعت كفها اللي فيه العلامة، النار انعكست في عينيها، وصرخت:
– أنا برفض الظلام… برفض الهلاك!
الدائرة اهتزّت، كأن كلماتها كسرت حاجة.
ملك الظلام زأر بغضب:
– كفاااااايةااااااااا!!!
ريان كان بيهز أويس، لحد ما بدأ يتحرك بخفة، عينه فتحت نص فتحة، صوته مبحوح:
– ليل… فينها؟
ريان بسرعة:
– جوه الطقس، ركّز إنت دلوقتي… لازم تقوم، هي محتاجاك.
أويس حاول يقوم، جسده كان تقيل من الضربة، لكنه شد نفسه بقوة، صوته خشن:
– مش هسيبها لوحدها…
ريان ساعده يقف، لكن أويس دفعه بخفة:
– أنا اللي هخش، ريان… خليك برا لو حصل أي حاجة.
ليل كانت جوه الدائرة، صوتها بدأ يهتز من قوة الظلام اللي بيحاوطها.
ملك الظلام مدّ إيد من دخان أسود، شكلها زي مخالب، وبدأ يقرّب منها:
– تعالي… يا جود.
زمردة صرخت:
– متتحركيش! كمّلي يا ليل!
بس ليل حسّت إن رجليها مش ثابتة، الهواء حواليها كأنه بيسحبها ناحية النار.
في اللحظة دي، أويس دخل الدائرة فجأة، كأن القوة اللي حواليها مش قادرة توقفه، ومدّ إيده، مسك إيد ليل بكل قوته.
ليل شهقت:
– أويس! إنت…
أويس بص في عينيها، صوته كله قوة وحب:
– أنا هنا… ومش هسيبك. ركّزي في صوتي، يا جود.
ملك الظلام زأر، والنار اشتعلت أسود:
– إنت تتحداني تاني يا فارس النور؟!
أويس شد ليل ناحية صدره، صوته عالي كأنه بيكلم ملك الظلام نفسه:
– طول ما قلبي بينبض… مش هتقرب منها.
زمردة رفعت صوتها بأمر:
– ليل! قولي الكلمة الأخيرة دلوقتي! قولي إنك بترفضي ملك الظلام!
ليل مسكت إيد أويس بقوة، دموعها نزلت بس صوتها خرج كالصوت الصافي من قلبها:
– أنا… ليل… وبرفض الظلام والهلاك!
الدائرة فجأة نورت نور أبيض قوي، كأنها شمس صغيرة انفجرت في الساحة.
ملك الظلام صرخ، وصوته كان بيتفتت:
– لااااااااااااااااااااااااااااااااااا!!!
الدائرة اختفت فجأة، والنور اللي كان مالي الساحة بدأ يهدأ لحد ما اختفى تمامًا.
سكون عجيب سيطر على المكان… كأن كل شيء وقف لحظة عشان ياخد نفس.
زمردة صرخت بفرحة جنونية، دموعها بتنزل:
– ملك الظلام اختفى… اختفييييي!!!
جرت من غير ما تحس، ورمت نفسها في حضن ريان، والاتنين حضنوا بعض بحماس.
يُمنى كانت بتتنفس بسرعة من التوتر، أول ما سمعت الكلام رفعت إيديها للسماء:
– أخيييييرًا… الحمدلله، الحمدلله يا رب!
ليل وقفت قدام أويس، عينيها بتلمع، حسّت إن الحمل الثقيل اللي كان على صدرها وقع.
قربت منه واحتضنته بهدوء… حضن مليان راحة وخوف كان بيتبخر.
ليل ضحكت بخفة، همست:
– بص… بص على زمردة وريان.
أويس رفع راسه يبص، ابتسامة صغيرة ظهرت على وشه:
– أول مرة أشوفها بتضحك كده.
زمردة سمعت ضحكة ليل، فجأة استوعبت هي وريان إنهم حضنوا بعض قدام الكل.
بعدت بسرعة، وشها احمر:
– أحم… أنا… ماخدتش بالي من الفرحة بس!
ريان بص لها بنص ابتسامة:
– آه، أنا كمان… كنا بنحتفل وبس.
ليل غطّت ضحكتها بإيدها، وأويس هز راسه بخفة كأنه بيقول لسه اليوم ده هيجيب مفاجآت كتير.
أويس تنهد بعمق، صوته كان متعب لكنه دافئ:
– كفاية الليلة دي… كلنا تعبنا.
يللا نروح ننام، الصبح نفكر هنعمل إيه بعد كده.
يُمنى قالت وهي لسه مبتسمة من الفرحة:
– أيوه والله، أنا رجلي مش حاسة بيها من كتر الوقفة.
ريان مد إيده لزمردة بلطف:
– يللا يا بطلة الطقوس، لازم ترتاحي.
زمردة رفعت حاجبها وهي بتحاول تخفي ابتسامتها:
– بطلة الطقوس؟! ههه، خلاص بقى، يللا نمشي.
ليل وأويس فضلوا واقفين ثواني لوحدهم وسط الساحة اللي بقت هادية.
ليل بصت له، همست بخفة:
– تحس كأن الدنيا كلها سكتت بعده.
أويس شد إيدها بحنان:
– يمكن سكتت… ويمكن ده الهدوء اللي قبل العاصفة.
بس متخافيش، طول ما أنا هنا، محدش هيقرب لك.
مشوا سوا، والليل كان ساكن إلا من صوت خطواتهم.
دخلوا القصر، وكل واحد راح غرفته.
---
في نفس اللحظة…
في قلب الظلام البعيد، كان في عينين حمرا بتشتعل جوه الضباب الأسود.
صوت ملك الظلام طلع من الفراغ، أضعف لكنه مليان غضب:
– تفتكري يا جود… إنك خلصتِ مني؟
ده مجرد… بداية.
وبعيد عن القصر…
يد غامضة سوداء كانت بتلمس جدار مليان رموز قديمة، وفجأة الرمز نور بلون أحمر.
صوت أنثوي عميق تمتم:
– اللعبة لسه ما بدأتش.
رواية ليل و لعنة الزمن الفصل الخامس عشر 15 - بقلم فريدة عبدالرحمن
مر يومان بعد طقس باب الدم، كأن القصر أخيرًا تنفس.
ليل كانت ماشية في الممرات، ابتسامتها خفيفة، ووشها بدأ يستعيد لونه.
أويس كان بيتابعها من بعيد، وكل ما يشوفها بخير، قلبه يهدى.
في الساحة الكبيرة، زمردة وريان قاعدين يجهزوا للفرح.
زمردة، وهي بتعدل طرحة بيضا على شعرها:
– مش مصدقة إن في يوم هييجي عليا وألبس طرحة!
ريان ضحك وهو بيربط حبل الفوانيس:
– وأنا مش مصدق إنك قبلتي تتجوزي واحد زينا!
ليل دخلت عليهم بابتسامة واسعة:
– إيه الجمال ده يا عروسة!
زمردة حاولت تمسك ضحكتها:
– عروسة مرة واحدة؟!
أويس دخل وراها، صوته دافي:
– لا… مرة واحدة ومليون مرة. النهارده لازم نفرح كلنا.
***
**ليلة الفرح**
الليل نزل بهدوء، والفوانيس نورت القصر.
الموسيقى دندنات خفيفة، والضحك مالي المكان.
يُمنى بتوزع الحلويات وهي بتقول:
– والله أنا دمعت لما شفت زمردة بالفستان.
ريان مد إيده لها:
– وأخيرًا شفتك مبتسمة يا زمردة. مش كل يوم بتطلعي كده!
ليل وقفت جنب أويس، همست له:
– نفسي اللحظة دي ما تخلصش.
أويس ابتسم وهو بيمسك إيدها:
– ولا أنا. بس لو هتخلص، هسرق لحظتها في حضنك.
***
**آخر الليل…**
ليل نامت وهي تعبانة من الفرح، بس نومها كان مضطرب.
رأت نفسها واقفة في مكان غريب…
أرض سودة، سماها مش موجودة.
من بعيد، باب ضخم من حجر أحمر، بيطلع منه دخان أسود.
وصوت أنثوي عميق، كأنه بيخترق روحها:
– اللعبة لسه ما بدأتش… يا جود.
ليل حاولت تتحرك، بس رجليها متسمرين.
اليد اللي شافتها قبل كده ظهرت، أصابعها الطويلة بتمد ناحيتها.
صرخت:
– لأاااا!
***
**أويس يحس بيها**
أويس صحى وهو حاسس إن حاجة مش مظبوطة.
بص على ليل، لقى وشها كله خوف، عينيها مقفولة بس دموع بتنزل، وكأنها بتقاوم حاجة.
مسكها من كتفها، صوته قلق:
– ليل… فوقي يا جود. إيه اللي بتشوفيه؟
ليل فاقت بفزع، أنفاسها سريعة:
– كان في… باب أحمر… و… وصوت ست… بيقول اللعبة ما بدأتش.
أويس شدها في حضنه، صوته هادي لكنه متوتر:
– هدووء… أنا هنا. مش هسيب أي حاجة تقرب لك.
***
**زمردة تدخل فجأة**
الباب اتفتح مرة واحدة، وزمردة دخلت بسرعة من غير ما تخبط، ووشها مش طبيعي:
– أويس… ليل… لازم تسمعوني.
في باب… مش زي أي باب. أنا لقيت عنه حاجة خطيرة.
ليل بصت لها، قلبها بيرجف:
– باب… زي اللي شوفته في الحلم؟
زمردة شدّت الكتاب اللي في إيدها:
– آه. وأنا خايفة يكون أقوى من باب الدم.
أويس، بعد ما سمع كلام زمردة، رفع حاجبه بعصبية:
– يعني إيه يعني؟ باب جديد؟! وضحي يا زمردة.
قبل ما ترد، الباب اتفتح مرة تانية، وظهر ريان وهو منهج ووشه مليان عرق:
– في إيه؟! زمردة جرتيني وراها من غير ما تشرح حاجة… حرام عليكي يا بنتي!
زمردة وقفت قدامهم، عينيها بتلمع بالخوف:
– في كارثة يا ريان… كارثة!
أويس اتقدم خطوة، صوته غليظ:
– تكلمي، إيه اللي لقيتيه؟
زمردة مسكت الكتاب، قلبت صفحاته بسرعة لحد ما فتحت صفحة مليانة رموز حمراء:
– كنت براجع الطقوس… وفجأة لقيت تحذير! باب الدم اللي قفلناه… كان بس الحارس.
الباب الحقيقي… لسه ما اتفتحش.
ليل قلبها وقع، صرخت:
– باب حقيقي؟! يعني ملك الظلام مش النهاية؟
زمردة هزت راسها بسرعة:
– لأ… في قوة تانية، حاجة أقدم من ملك الظلام نفسه.
والحلم اللي شوفتيه يا ليل… دليل إن الباب بدأ يظهر.
ريان رفع صوته:
– يعني إحنا قفلنا باب، والباب التاني جاي؟! يا نهار أسود!
وبص لزمردة:
– هو ده اللي كان مستعجلك؟ يا بنتي قلبي وقع.
زمردة، وهي بتقرب من الكتاب، قالت بصوت واطي بس حاد:
– لو ما تحركناش دلوقتي… الباب ده هيفتح لوحده.
أويس، بنظرة حديدية:
– مش هنسمح بده.
في وسط توترهم…
صوت خطوات سريعة قرب من الباب، وفجأة يُمنى دخلت وهي بتقول:
– أنا كنت بخبط عليكم ومالقتش رد… فقولت أكيد انتو هنا!
بصت حواليها باستغراب:
– في إيه؟ مالكو واقفين كده وشكلكم مش طبيعي؟
ريان رفع إيده، وهو بيحاول يهدّي الجو بهزار:
– ما إحنا كنا لسه بنسأل نفس السؤال: مالنا يا زمردة؟
زمردة زفرت بقوة، قلبت صفحة الكتاب وهي بتوريهم الرسومات:
– يُمنى، الوضع خطير. لقيت حاجة اسمها "باب الحجر الأحمر"، والبوابة دي… لو فتحت، ممكن العالم كله يتغير.
يُمنى عضت شفايفها بقلق:
– حجر أحمر؟ باب جديد يعني؟ مش كفاية باب الدم اللي لسه مخلّصين منه؟
ليل بصت ليها، صوتها مبحوح:
– أنا حلمت بيه، كان باب أحمر ضخم، وصوت غريب بيناديني.
أويس وقف قدام الكل، صوته حاسم:
– خلاص. هنفهم كل حاجة ونقفل الباب ده قبل ما يفتح.
بص على يُمنى وقال لها بنبرة حانية:
– وهنخليكي معانا، لأنك قوية زي ما أنتي.
يُمنى ابتسمت ابتسامة صغيرة، رغم القلق:
– ماشي، بس أنا خايفة بجد المرة دي.
ريان وهو بيعدل شعره بتوتر:
– مش أنتي لوحدك… أنا كنت لسه بقول نفسي أعيش عريس يومين كمان قبل ما المصايب ترجع!
زمردة رمته بنظرة حادة:
– مش وقت هزار يا ريان!
ليل ماقدرتش تمسك ضحكتها الصغيرة، وقالت بهدوء:
– حتى وسط المصايب، أنتم الاثنين زي النار والهواء.
***
**الصبح – قاعة الفطور**
الشمس دخلت من شبابيك القصر، نورها كان دافي كأنها بتحاول تمحي توتر الليلة اللي فاتت.
ليل قاعدة على الطاولة، بتلعب في الأكل من غير ما تمد إيدها بجد.
أويس كان قاعد قصادها، بيراقبها بصمت، عيناه بتكشف إنه حاسس بقلقها.
ريان دخل وهو بيتثاءب، وشكله لسه نايم:
– صباح الفل يا أبطال المعارك!
بص لزمردة اللي كانت وراه وقال:
– صباح الخير يا زوجتي العزيزة، عندنا عيش ولا أجيب من السوق؟
زمردة زفرِت، لكنها ما قدرتش تمسك ابتسامة صغيرة:
– ريّحني بس يومين من الهزار ده، إحنا مش ناقصين!
يُمنى جت وراهم وهي شايلة صينية فيها عصير:
– صباح الخير كلكم. يا جماعة مالكو مش بتضحكوا زي يوم الفرح؟
بعدين بصت لليل وقالت بقلق:
– وشك مش طبيعي يا ليل، حلمتي بحاجة؟
ليل رفعت عينيها، تنهدت ببطء:
– آه… حلمت بالباب تاني. نفس الحجر الأحمر… ونفس الصوت اللي بينادي.
صوت الست ده مش عايز يسيبني.
أويس شد كرسيه جنبها، صوته حنون لكنه قوي:
– لو الباب ده بجد، أنا مش هسيبك تواجهينه لوحدك.
ريان جلس وهو ماسك رغيف خبز، وبص على أويس:
– يعني إيه الخطة دلوقتي؟ نفضل قاعدين نستنى الباب لحد ما يفتح من نفسه؟
زمردة حطت الكتاب على الطاولة، صوتها جدّي:
– لأ، لازم نتحرك. في خريطة غريبة هنا، فيها علامة مكان مهجور برا المدينة.
ممكن يكون ده مكان الباب الجديد.
يُمنى رفعت حاجبها بخوف:
– مهجور؟ أنا بكره الأماكن دي!
ريان وهو بيهزر عشان يخفف الجو:
– ما تقلقيش، هنروح نعمله زيارة خفيفة، ونقول له: "إحنا مش فاضيين لك دلوقتي يا باب".
زمردة ضربته بكوعها بخفة:
– بطل هزار يا ريان، الموقف مش هزار خالص.
ليل نظرت لهم وقالت بهدوء:
– إحنا لازم نروح… قبل ما الحلم ده يبقى حقيقة.
أويس وقف فجأة، صوته حاسم:
– خلاص، بعد الفطور نجهز نفسنا.
هنروح ندور على الباب ده… ونقفله قبل ما يبلعنا.
***
**خروج من القصر**
بعد الفطور، كل واحد كان بيجهز نفسه.
زمردة شايلة الكتاب القديم، ريان ماسك صندوق صغير فيه شموع وطباشير حمراء.
ليل لبست عباءة خفيفة، وأويس كان واقف جنبها، بيشد حزام سيفه كأنه داخل حرب.
أويس بص لها وقال بصوت واطي لكنه حاسم:
– أول ما نوصل… هكون جنبك، مهما حصل.
ليل ابتسمت بخفة رغم قلقها:
– وأنا هكون قوية، أوعدك.
***
**المكان المهجور**
وصلوا بعد ساعة لجنوب المدينة، لمكان مليان أحجار متكسرة، وجدران قديمة مليانة رموز باهتة.
وسط الخراب… كان فيه باب ضخم من حجر أحمر، زي اللي شافته ليل في الحلم.
كأن الباب بيتنفس، وصوت خافت كان بيطلع منه: "جود… جود…"
يُمنى رجعت خطوتين للخلف:
– المكان ده بيخوف بجد.
ريان رفع حاجبه وقال بصوت منخفض:
– أنا متأكد إننا لو نادينا على شبح، هيطلع يقول "اتفضلوا".
زمردة نظرت له بنظرة تحذير:
– ركز يا ريان، ده مش وقت هزار.
***
**بدء الطقوس**
زمردة رسمت دائرة واسعة حوالين الباب، باستخدام الطباشير الأحمر.
حطت الشموع السودا في شكل مثلث، وبصت على ليل:
– زي ما حصل مع باب الدم، محتاجين قوة أثر العلامة اللي في إيدك.
إنتِ الوحيدة اللي تقدر تحبسي الباب ده.
ليل حطت إيدها على صدرها، قلبها بيدق بسرعة:
– أنا مستعدة.
أويس وقف جنبها، ماسك سيفه في إيده، كأنه مستعد لأي حاجة.
– وأنا هنا لو حصل أي حاجة غلط.
ريان كان بيجهز النار في نص الدائرة، والنار اشتعلت بلون أحمر غامق، كأنها مش نار عادية.
زمردة رفعت صوتها، وبدأت تقرأ تعاويذ غريبة من الكتاب.
***
**الباب بدأ يتحرك**
الباب الأحمر بدأ يهتز كأنه بيقاوم الطقوس.
صوت أنثوي مرعب طلع من جواه:
– مين… بيحاول يمنعني؟
ليل حسّت بالعلامة على إيدها بتسخن بشدة.
صرخت:
– زمردة… العلامة!
زمردة بصوت قوي:
– لازم ترفعي إيدك ناحية الباب! دلوقتي يا ليل!
ليل رفعت إيدها، والخط الأسود اللي فيها بدأ يلمع كأنه بينبض، والنار عليت فجأة.
أويس قرب منها، مسك إيدها التانية وقال بصوت مليان قوة:
– ركزي… أنا معاكي.
فجأة…
الباب الأحمر فتح بنصف شق، وريح قوية اندفعت من جواه، كأنها ريح من عالم تاني.
النار اللي في النص ولعت أكتر، والظلام تكثّف حوالين المكان.
وظهرت… ست واقفة قدام الباب.
شعرها أسود قاتم، طويل وحرير، بيتطاير مع الريح كأنه له حياة.
عينها حمرا كأنها جمر.
لابسة فستان ملكي أحمر غامق، مرسوم عليه رموز سحرية بالدهب، وتاج أسود يلمع زي الليل.
أظافرها طويلة بشكل مخيف، ولونها أسود زي الفحم.
خطت خطوة لقدام، صوتها عميق وناعم في نفس الوقت، كأنه بيدخل القلب بالغصب:
– مين… اللي فكر يقرب من بابي؟
ليل اتجمدت مكانها، عينيها متسعة:
– دي… دي هي اللي شُفتها في الحلم!
زمردة شهقت، الكتاب وقع من إيدها:
– مستحيل… الملكة السوداء!
ريان بص لها بسرعة:
– مين الملكة السوداء؟!
زمردة بارتجاف:
– أسوأ من ملك الظلام… دي اللي علمته السحر الأسود من الأساس!
***
**الملكة السوداء**
الملكة السوداء رفعت يدها الطويلة، أظافرها لمعت كأنها خناجر:
– جود… تعالي.
– انتي… ملكي.
أويس وقف قدام ليل فورًا، سيفه مرفوع:
– لو قربتي منها، هقطعك نصين!
هي ضحكت… ضحكة تقشعر لها الأبدان:
– فارس النور… فاكر نفسك أقوى من الظلام؟ أنا الظلام نفسه.
النار حوالين الدائرة انقلب لونها لأسود، والريح شدت أكتر، لحد ما الشموع وقعت.
زمردة صرخت:
– الطقوس بتنهار!
الملكة السوداء تقدمت بخطوة، عينيها الحمرا بتلمع:
– تعالي لي يا جود… مفيش قوة في الدنيا تقدر تمنعني.
ريان حاول يقف قدام ليل يحميها، لكن ليل مدت إيدها وبقوة زقّته بعيد:
– لأ يا ريان… المرة دي أنا اللي هقف قدامها.
وقفت ليل مستقيمة، عينيها فيها نار مش خوف.
رفعت صوتها بكل قوتها:
– انسي! انسي إنك تقدر تهزمينا!
إحنا معانا ربنا… ومعانا الحب.
ومحدش يقدر يهزمناااااااااا!!!
الكلمات خرجت كأنها طاقة.
العلامة السودا اللي في كف ليل نورت نور أبيض، ودوامة من الضوء طلعت حوالين جسدها.
الملكة السوداء اتراجعت خطوتين، عينيها الحمرا لمعت بالغضب:
– إزاي… إزاي النور جواكي قوي كده؟!
أويس قرب من ليل، عينيه بتلمع بفخر:
– دي جود… أقوى من أي ظلام.
***
زمردة صرخت وهي ماسكة الكتاب:
– ليل! استعملي العلامة! وجهي قوتها ناحية الباب قبل ما يتفتح كله!
ليل شدت نفسها، رفعت كفها اللي بينور على الباب، صرخت بصوت قوي:
– بالحب… وبالنور… برفض ظلامك!
انفجار نور
نور أبيض قوي خرج من العلامة وضرب الباب مباشرة.
الباب بدأ يهتز، والملكة السوداء صرخت بصوت مزعج:
– لاااااااااااااا!!!
الريح لفت حوالين المكان، والنار اتحولت كلها نور أبيض.
الملكة السوداء اتسحبت جوا الباب وهي بتصرخ:
– دي مش نهااااااااااايتيييي!!
***
**هدوء…**
كل حاجة سكتت فجأة.
الرماد وقع من الشموع، والدائرة انطفأت.
ريان وقع على ركبته:
– يا نهار أبيض… إيه اللي حصل ده؟
زمردة بتتنفس بصعوبة:
– ليل… هي اللي أنقذتنا.
أويس مسك إيد ليل بقوة، وبص لها بعيون كلها حب:
– إنتي مش بس أنقذتنا… إنتي أقوى من أي حاجة في العالم.
ليل ابتسمت، دموعها نزلت من شدة التوتر:
– إحنا اللي أنقذنا بعض.
***
**رجوعهم للقصر**
الليل كان هادي بشكل غريب، كأنه بيستنى يسمع خطواتهم بس.
ليل كانت ماشية جنب أويس، إيده ماسكة إيدها طول الطريق، وهو بيبص لها بين كل لحظة والتانية كأنه بيطمن إنها بخير.
ريان بص وراه وهو شايل الصندوق:
– يا جماعة… هو أنا الوحيد اللي حاسس إننا بنرجع من حرب صغيرة؟
زمردة ردّت وهي لسه بتتنفس بسرعة:
– حرب… دي كانت بداية لحرب أكبر.
يُمنى، اللي كانت وراهم، قالت بخوف:
– بس إحنا كسبنا النهارده… صح؟
زمردة سكتت لحظة، وبعدين قالت:
– كسبنا… بس هي مش هتسيبنا.
***
**داخل القصر**
في القاعة الكبيرة، أشعلوا الشموع، وحاولوا ينسوا مشهد الملكة السوداء.
ريان جلس على الأرض وقال وهو ماسك كوب مية:
– أنا رسميًا عايز أسبوع أجازة من أي أبواب.
ليل ضحكت بخفة رغم التعب:
– وأبواب الحمّام يا ريان؟
– دول استثناء… يا جود.
أويس كان واقف جنب ليل، عينه مليانة قلق عليها:
– لازم نعرف مين الست دي.
زمردة رفعت الكتاب وقالت:
– لو أنا فاكرة صح… الملكة السوداء مش مجرد شخص. هي قوة قديمة جدًا، يمكن أقدم من العالم نفسه.
– ولو ما استعدناش… المرة الجاية هتكون أقوى.
***
في نفس اللحظة… بعيد عن القصر،
باب الحجر الأحمر اللي كان مفروض يتقفل… شقوقه بدأت تلمع تاني بلون أحمر دموي.
وصوت الملكة السوداء، أضعف لكنه مليان غضب، خرج من بين الأحجار:
– جود… فاكرة إنك كسبتي؟
دي كانت أول خطوة…
واللي جاي… هيسوّد كل نور عندك.
رواية ليل و لعنة الزمن الفصل السادس عشر 16 - بقلم فريدة عبدالرحمن
قبل الحكايات… قبل حتى ما يتخلق النور، كان في همس خفي جوه الظلام.
من بين الضباب الأسود اتولدت قوة غريبة، قوة مالهاش اسم… لكنها كانت عارفة إنها الأقدم، والأقوى.
الملكة السوداء.
هي ما كانتش مجرد ملكة، كانت الظلام نفسه…
علمت ملك الظلام السحر، وزرعت جواه الحقد عشان يدمّر كل نور.
لكنها فضلت مخبّية، بتراقب من بعيد… لحد ما ظهر "باب الدم" من جديد.
---
رجوع للحاضر – القصر
ليل نايمة على السرير، والظلام بره تقيل كأنه بيراقبها.
أويس قاعد جنبها، مش قادر يبعد عينه عنها، ماسك إيدها، وإبهامه بيرسم دايرة صغيرة على كفها.
أويس بهمس:
– جود… لو في أي حاجة بتضايقك حتى في الحلم، أنا هنا.
لكن وشها بدأ يتغيّر، ملامحها بقت مش طبيعية، كأنها بتتألم.
دمعة نزلت على خدها.
---
جوا الحلم
ليل ماشية في ممر طويل من مرايات، بس كل مراية مش بترجع صورتها، بترجع صور من الماضي… صور من الظلام.
وفجأة، الملكة السوداء ظهرت قدامها، فستانها الأحمر الملكي بيبرق، وعينيها الحمرا زي النار:
– من الأزل وأنا موجودة…
وأنتِ يا جود… جزء مني.
ليل صرخت:
– أنا مش منك! أنا مش هبقى ليكي!
---
في القصر – أويس حس بيها
أويس وقف فجأة، قلبه بيدق بسرعة:
– في حاجة غلط…
هزّ إيدها:
– جود… فوقي!
الباب اتفتح مرة واحدة، زمردة دخلت من غير ما تخبط:
– أويس!
وراها كان ريان بيجري، منهج:
– في إيه يا زمردة؟ بتجري كده ليه؟
زمردة:
– في كارثة يا ريان! الملكة السوداء ظهرت في الحلم… ده معناها إنها بقت أقرب!
ليل بتترعش جامد، كأن جسمها مش قادر يستحمل.
وشها بدأ يلمع عرق، أنفاسها سريعة، وصوتها بيطلع متقطع، كأنها بتصارع حد مش موجود.
أويس بخوف شديد، بيهزها بلطف:
– ليل! ليل قومي يا جود!
– اسمعيني يا حبيبتي، أنا هنا!
ريان دخل بسرعة، وشاف الموقف:
– إيه اللي بيحصل هنا؟!
أويس بنبرة توتر وقلق:
– مش عارف، هي بتترعش كأن حد مسكها!
زمردة قربت من ليل، حطت إيدها على جبينها، وشها اتجمد:
– ده مش عادي… الملكة السوداء بتحاول تدخل دماغها!
ليل فجأة صرخت بصوت عالي:
– سيبونييييييييييييييييي!!!
الجميع اتخض، وأويس ضمها بسرعة، صوته بيرتعش:
– أنا هنا يا جود، فوقي! اسمعيني، أنا مش هسيبك!
زمردة بصوت قوي:
– أويس، شدّ عليها، لازم تحس بحبك ونورك عشان تتغلب على الظلام اللي جوه الحلم!
أويس حضن ليل بقوة، صوته مليان رجاء وخوف:
– بالله يا ليل… متسيبيش نفسك ليها! قومي يا جود… قومي!
– أنا هنا… ومش هسيبك.
ريان مسك إيد ليل التانية، صوته متوتر لكن ثابت:
– ليل! قومي… مش هنقدر نخسرك. قومي! إحنا محتاجينك!
ليل بين إيديهم كانت بتترعش أكتر، وعرقها بينزل بغزارة.
فجأة، وشها اتجمد، عينيها فتحت… بس مش عينيها!
اللون فيها بقى أحمر غامق، ولمعتها باردة.
بصوت غريب، صوت مش صوتها، قالت:
– مهما حضنتوها… هي ملكي.
– جود… هتيجي لي، عاجلًا أو آجلًا.
---
زمردة صرخت بخوف:
– دي الملكة السوداء! سيطرت على ليل!
أويس صرخ بغضب:
– لااا! دي مش ليكي! دي بتاعتي أنا…
وبص في عينين ليل:
– جود… اسمعيني، أنا أويس. أنا اللي وعدتك تحمينيكِ… فاكرة؟
دمعة نزلت من عين ليل رغم إنها تحت سيطرة الملكة، والملكـة فجأة صرخت من جوهها:
– لااااااااااااا!!!
ريان بسرعة:
– كمل كلامك يا أويس! هي سامعاك!
أويس قرب من ليل، صوته مبحوح من الخوف:
– جود القلب… فوقي.
مسك راسها بين إيديه وباس جبينها:
– فوقي يا جود، بالله عليكي فوقي.
يُمنى قربت منها والدموع مالية عينيها:
– ليل… إنتِ قوية، قومي.
– متسيبيش حد ياخدك مننا. إحنا كلنا معاكي!
ليل بدأت أنفاسها تتقطع، ودمعة تانية نزلت من عينها.
صوتها خرج همسة ضعيفة جدًا:
– أويس…
أويس بسرعة وبلهفة:
– أنا هنا يا جود! فوقي، انتي معايا.
فجأة… نور أبيض خفيف خرج من العلامة اللي في كف ليل، واهتز جسمها كأنها بتطرد حاجة.
الملكة السوداء صرخت من جوهها بصوت رهيب:
– لااااااااااااااااااا!!!
ليل شهقت، وفتحت عينيها… المرة دي عينيها بقت عادي، لونها الطبيعي.
وقعت في حضن أويس وهي بتنهج:
– أنا… رجعت.
أويس مسكها جامد، صوته بيرتعش من الفرحة والخوف:
– جود… يا جود، كنتي هتروحي مني.
يُمنى مسحت دموعها وقالت:
– يا رب لك الحمد.
ليل بتنهج وتتكلم بتعب، صوتها مبحوح:
– الملكة… الملكة السوداء كانت هنا، يا زمردة.
– كنت شايفاها… منظرها بشع… بشع بجد.
زمردة قربت منها، حطت إيدها على كتفها تهديها:
– حبيبتي… متخافيش، دي كانت بتحاول تخوّفك.
– بس الليلة دي، أثبتِ إنك أقوى منها.
أويس شد ليل في حضنه أكتر، صوته مليان حزم:
– ومش هتقرب منك تاني طول ما أنا هنا.
ريان وقف جنبهم، لسه مش مستوعب اللي حصل:
– يعني هي قدرت توصل لدماغها وإحنا قاعدين هنا؟ ده خطر كبير.
زمردة بنبرة جدية:
– أيوه يا ريان، الملكة مش زي ملك الظلام. هي بتعرف تدخل العقول عن طريق الأحلام.
وده معناها إننا لازم نعمل حماية أقوى لليل… قبل ما تنام تاني.
يُمنى قالت وهي لسه متأثرة باللي حصل:
– طب وهنحميها إزاي؟ دي شكلها كانت هتروح مننا النهاردة.
زمردة بهدوء لكن نبرتها جدية:
– هنعمل طقوس تحميها… طقوس قوية تمنع أي قوة ظلام من الدخول لعقلها تاني.
ليل بتعب وقلق:
– طقوس إيه يا زمردة؟ مش كفاية اللي عملناه في باب الدم؟
زمردة جلست جنبها، صوتها أهدى لكن فيه قوة:
– دي طقوس مختلفة يا ليل. باب الدم كان بيقفل الطريق بيننا وبين ملك الظلام…
أما الملكة السوداء، فهي بتهجم من جوه العقل. الطقوس دي زي جدار نور يحاوطك.
أويس قطع كلامها بسرعة:
– وأنا اللي هقف معاها فيه.
– مش هسمح إنها تعدي ده لوحدها.
ريان رفع حاجبه:
– يعني إيه طقوس بالظبط؟ ولازم نعمل فيها إيه؟
زمردة بصت لهم واحد واحد، وقالت:
– الطقوس دي محتاجة "قوة الحب" عشان تتفعل.
– يعني كل شخص بتحبوه أو بيحبكم لازم يكون جوه الدائرة… يربط نور قلبه بيها.
ليل بصت بدهشة، همست:
– قوة الحب؟
زمردة بابتسامة صغيرة:
– أيوه يا ليل. الحب هو النور الوحيد اللي بيهزم الظلام.
رواية ليل و لعنة الزمن الفصل السابع عشر 17 - بقلم فريدة عبدالرحمن
زمردة وقفت عند باب الغرفة، صوت ليل لسه بيرن جواها، لكنه هدى شوية… مؤقتًا.
بصّت لأويس وقالت بثبات:
– أنا لازم أبدأ أجهز الطقوس… الوقت مش في صالحنا.
ريان قرب منها وهو بيشد جاكتُه:
– مش هتروحي لوحدك. هاجي معاكي.
زمردة رفعت حاجبها بتردد:
– بس… لازم حد يفضل جنب ليل.
أويس، من غير ما يرفع عينه عن ليل، قال بنبرة هادية لكنها قوية:
– أنا مش هبعد عنها تاني. روحوا انتوا… وخلي كل حاجة تجهز بسرعة.
زمردة أومأت، وتحركت بسرعة ووراها ريان، لحد ما خرجوا من جناح ليل.
***
مخزن الطقوس – أسفل القصر
المكان كان شبه كهف قديم، جدرانه متشققة، والنور فيه خافت وداكن بلون الشمع.
زمردة طلعت مفتاح صغير من سلسلة دهب علّقاها في رقبتها، وفتحت باب حديدي صديء.
ريان بص حواليه وهو بيهمس:
– أول مرة أدخل هنا… حسه كأنك داخلة على سر قديم.
زمردة بابتسامة خفيفة:
– هو فعلًا سر… بس مش قديم، دا سر القلوب اللي بتحارب سوا.
فضلوا يمشوا وسط أرفف فيها أعشاب، وكتب، وأواني فخار متغطيه بأقمشة سحرية.
زمردة بدأت تجمع أعشاب بعين معينة، وتلفها بخيط أحمر.
ريان قرب منها، صوته واطي:
– انتي دايمًا عارفة بتعملي إيه… ده مطمّن، بصراحة.
زمردة وقفت لحظة، وبصّت له.
نظرة مش مليانة سحر، ولا خوف… بس فيها حاجة تانية: دفء.
– وأنا برضو… بحس بالأمان لما تبقى جنبي، ريان.
ريان اتفاجئ شوية، لكنه ما قالش حاجة. بصّ في عينيها، وابتسم بهدوء.
الهدوء اللي بينهم كان مختلف… مش زي صمت الخطر، لكن صمت فيه احتمالات كتير.
زمردة قالت بهمس:
– يمكن وسط كل ده… مش لازم ننسى إننا لسه عايشين.
ريان بهدوء:
– ويمكن كمان… لسه نقدر نحب.
لثانية، حسّت زمردة إن الأرض تحركت، بس ماكنتش زلزال…
كان صوت.
صوت صريخ.
***
رجوع لجناح ليل – بعد ثواني
صرخة عالية شقّت صمت القصر.
زمردة جريت هي ورايان من غير كلمة.
فتحوا باب الجناح… ولحظة واحدة بس كانت كفاية تخلي الدم يتجمد.
ليل كانت في الهوا، جسمها بيترمي بقوة ناحية الجدار، وكأن في إيد خفية بترميها.
سريرها مقلوب، الشراشف متقطعة، والهوى نفسه بقى تقيل… كأن الغرفة بتتنفّس كراهية.
أويس كان واقف عاجز، بيصرخ:
– ليل!! سيبوهاااا!
بس مفيش حاجة بتستجيب.
جسم ليل خبط في الدولاب بقوة، ووقع على الأرض، ساكنة.
أويس جري عليها، وقع على ركبته، مسكها بين إيديه، صوته بيترعش:
– لا لا لا… جود؟ فوقي! بالله عليكي فوقي!
زمردة دخلت بسرعة، ووشها قلب رعب:
– الملكة رجعت… بتحاول تموتها قبل ما نبدأ الطقوس!
ريان بصوت عالي:
– نبدأ ازاي وهي كده؟!
لكن… لحظة صمت نزلت فجأة.
ليل، وهي على الأرض، شهقت شهيق ضعيف جدًا…
وصوتها خرج همسة مكسورة:
– أويس…
أويس رفع وشه بسرعة، عينه مليانة دموع:
– أنا هنا! أنا جنبك، جود، فوقي! فوقي بالله عليكي!
جسمها بدأ يهتز، وببطء شديد، فتحت عينيها…
وهمست:
– كانت… بتحاول تقتلني.
زمردة نزلت على ركبتها جنبهم، وقالت بسرعة:
– الطقوس لازم تبدأ حالًا. ماعادتش حماية… دي معركة.
ريان بص لعيني زمردة وقال بثبات:
– هنبدأها… سوا.
زمردة بصت للكل، عينيها بترتعش لكنها ثابتة:
– لازم نبدأ حالًا.
– بس قبل أي كلمة… محدش يدخل الدايرة إلا لو قلبه صادق.
أويس قام من جنب ليل، ووقف قدام زمردة، قال بصوت هادي لكنه حاسم:
– أنا أول واحد.
ريان بعد لحظة سكون، وقف جنبه:
– وأنا كمان.
يُمنى بصت لليل، وعينيها بتدمع، وقالت:
– هفضل جمبك… مهما حصل.
زمردة طلعت من الكيس اللي معاها حُبّات حجر صغيرة شفافة، كانت بتلمع كأن فيها ضوء محبوس.
وزّعت منهم واحدة على كل واحد فيهم، وقالت:
– دي مش مجرد طقوس… دي دائرة نور.
– كل واحد هيقف في نقطة، ويحط الحجر على قلبه… لو قلبه فيه حب حقيقي، الحجر هينور.
وفعلاً… وقفوا في دائرة حوالين ليل.
الغرفة اتغيّرت.
الهوى بقى تقيل، بس مش خانق… كان كأنه بيحمل حاجة قديمة، حاجة منسية من زمان.
الأرض نفسها بدأت تنوّر تحت رجليهم، دوائر منقوشة ظهرت فجأة: خطوط ذهبية، رموز، كلمات بلغات اندثرت.
الهوى بدأ يتحرك حوالين الدايرة… زي ما يكون دايرة ريح ناعمة بتلف في سكون.
زمردة وقفت آخر وحدة، ورفعت إيديها فوق وقالت بصوت واضح:
– يا نور الحب…
– يا اللي أقوى من ألف سيف…
– اربطوا قلوبكم بيها، واحموها من الظلام.
كل واحد حط الحجر على صدره.
وبدأ النور يشتعل.
أويس – أول حجر نوّر… نور ناعم، أبيض بدفء الشمس الأولى.
ريان – نوره كان أخضر خفيف، فيه قوة وسكون.
يُمنى – نورها كان وردي، بينبض زي قلب صغير بيجري.
ولما زمردة حطت حجرها… نور بنفسجي لف الدايرة كلها.
الدوائر اللي على الأرض اشتعلت بالكامل… الغرفة كلها بقت كأنها عالم تاني.
ليل كانت مرمية في النص، جسمها ساكن، لكن عينيها بدأت تفتح…
وشها منور بانعكاس الألوان، كأنها نايمة في قلب نجمة.
وبصوت ضعيف، قالت:
– ده… إيه ده؟
زمردة ابتسمت، بس كان في صوت جواها بيرتعش من القوة اللي بتتحرك حواليهم.
– ده… حبك يا ليل.
– ده النور اللي جوانا كلنا… عشانك.
وفجأة… صرخة جت من برّه الدايرة.
الملكة السوداء.
– النور مش هينقذها… أنا لسه جواها!
لكن زمردة بصوت قوي ما ترجّش:
– ومهما كنتِ جواها… إحنا أقوى.
وفجأة… نور نازل من فوق، نازل على ليل… ناعم، أبيض، بيشدّ حاجة من جواها.
جسمها بدأ يتحرك، يتنفس، وترتعش إيديها…
وفتحت عينيها بالكامل.
بس المرة دي… كانت هي. ليل. مش جود. مش أي حاجة تانية.
قالت بصوتها، بصوتها الحقيقي:
– أنا… لسه هنا.
ليل بتنهج، وعينيها بتلف في الدايرة… النور حوالين كل حد بتحبه، والهوى بيهتز كأن فيه حاجة بتحاول تدخل… أو تخرج.
وصوت الملكة بيرن في الغرفة، جاي من كل اتجاه:
– مهما عملتوا… النور عمره ما هيكفي.
– جود… لسه جوايا، ولسه هتيجي لي بإرادتها.
زمردة وقفت بثبات، وشعرها بيطير من قوة الهوا اللي حواليهم، عينيها مش بتتحرك من الفراغ اللي بتتكلم منه الملكة، وقالت بقوة:
– انتي هنا… بس مش هتقدري تعملي ليها حاجة… واحنا معاها.
الملكة صرخت بصوت عالي، كأن مية نار بتغلي في الهوا:
– كلكم ضعاف!
– النور اللي حوالين ليل هينطفي… وهتبقى لوحدها!
ليل رفعت راسها بصعوبة، عينيها فيها دموع من الإرهاق، لكنها بتلمع… نور الدايرة منعكس جواهم، وقالت بتعب بس بإصرار:
– زي ما هزمنا ملك الظلام… هنهزمك إنتي كمان.
الملكة صرخت، وصوتها هز الأرض:
– انسيييييي ياليل!
– انسي إنك تقدريني تخرجيني مني… انسي النور… انسي كل حاجة!
بس النور في قلب الدايرة اشتعل أكتر.
الحجر اللي على صدر ليل نور لأول مرة…
وبنفس اللحظة، الدايرة كلها اتملت بصوت واحد… صوت النبض، زي دق قلب كبير بيتخلق.
زمردة بصوت هادي لكن مليان سحر:
– كل مرة تهاجمي فيها… الحب بيقوى.
– وكل مرة بتجرّبي تكسرينا… بنبني نفسنا من جديد.
الملكة ما ردتش، لكن الهوا بقى أنعم… كأنها بتنسحب. مش مهزومة… بس مترددة.
ليل همست، وصوتها بيوصل لكل اللي واقفين معاها:
– متسبونيش… مش عاوزة أكون قوية لوحدي.
أويس قرب منها، مسك إيدها، وقال:
– مش هتكوني لوحدك… ولا ثانية.
الملكة بصوتها المشتعل غضب:
– الحب مش درع… وهوريكم تمن تحدّي الظلام!
رفعت إيدها، ودوّامة سودة طلعت من الهوا، واندفعت ناحية زمردة زي سهم نار.
قبل ما حد يلحق يتحرك، الضربة خبطت في زمردة بقوة… وطارت!
جسمها اتحدف بعيد، وارتطم في الحيطة الحجرية، ووقعت على الأرض.
الكل صرخ:
– زمرررررررررررردة!
أويس ورايان ويُمنى كانوا هيجروا عليها، لكن زمردة، وهي على الأرض، إيدها ممدودة قدامها، صرخت بوجع حاسم:
– مـــحدش يتحرك!
– دي بتحاول توقف الطقوس…
– لو خرجتوا من الدايرة… كل حاجة هتضيع!
صوتها مكسور، بس قوي… ونبرتها فيها وجع، لكن فيها إصرار.
ليل قامت ببطء، رجليها بتترعش، عينيها بتدمع، وبصت لها:
– مش مهم الطقوس دلوقتي…
– المهم انتي!
– انتي اللي بتحميني، إزاي أسيبك تتأذي كده؟
زمردة بتنهج، صوتها بيتقطع لكنها بتمد إيدها ناحية ليل:
– أنا… اختارتني الحماية…
– وإنتِ اللي مختارك النور.
– متضيعيش ده… بالله عليكي يا ليل.
الملكة ضحكت بصوت مش طبيعي، كأنها مبسوطة إنها عملت شرخ بينهم:
– شايفين؟ نوركم بيضعف…
– أول ما تتفرقوا، هتتكسفوا زي الهوا.
لكن ليل شدت نفسها، ومسحت دموعها، ورجعت بخطوة ثابتة لنص الدايرة، ورفعت إيدها لفوق:
– لا… إحنا مش ضعاف.
– الحب مش ضعف. الحب قوة… أقوى منك.
الحجر اللي على صدرها نور من تاني، بس المرة دي النور انتشر منها على الأرض…
وخيط نور امتد من رجلها لزمردة، وهي لسه على الأرض، كأن الطقوس نفسها بتمدلها حماية.
زمردة ابتسمت وهي على الأرض، همست:
– كده… كده تمام.
رايان ويُمنى وأويس زاد نورهم كمان، وكل دايرة في الأرض بدأت تشع أقوى…
والملكة صرخت صرخة غضب حارق، صدى بيهز القصر كله:
– دا مش نهايتييييييييييييي!!!
واختفت.
***
لحظة صمت نزلت.
زمردة بتنهج، بس لسه عايشة.
ليل وقعت على ركبتها، تعبانة… بس منتصرة.
كل اللي في الدايرة بصّوا لبعض، وعرفوا إنهم عدّوا أول خطوة… بس الحرب لسه طويلة.
سكون…
الهواء كان تقيل، كأن القصر نفسه بيحبس أنفاسه.
الملكة السوداء اختفت… فجأة. لا دخان، لا ظل، لا أثر.
بس الإحساس بيها… لسه موجود.
ليل وقعت على الأرض، صدرها بيطلع وينزل بتعب، وعيونها متشبعة بالدموع والرهبة.
بصّت لزمردة وقالت بهمس مخنوق:
– هي راحت… بس أنا حساها لسه هنا.
زمردة قربت منها، وإيدها بتترعش وهي بتلمس جبينها:
– الهدوء ده مش أمان يا ليل… ده انتظار.
نظرة بينهم كانت كافية تقول إن الكل لازم يفضل مستعد.
بس الوقت عدى… والأسابيع جريت.
***
بعد شهور
غرفة القصر اتملَت بأنين، مشهد بعيد عن السحر واللعنات…
ده صراع حياة.
ليل كانت على السرير، عرقها مغرق جبينها، وصوتها بيشق الجدران:
– أويسسس! أويس هاتهااااااااااااااااااااااااااااا!
زمردة كانت واقفة جنبها، بتحاول تهديها وهي بتحضر الأعشاب والماء الدافي:
– خدي نفس يا ليل… قربنا، أنا معاكي.
بس ليل مسكت بطنها، وصرخت بحدة:
– في حاجة… في حاجة غلط!
أويس كان واقف ورا الباب، إيده بتترعش، وقلبه بيخبط كأنه هيطير.
ريان حط إيده على كتفه:
– لازم تصدق إنها هتعدّي. ليل قوية… مش هتستسلم.
صوت ليل علا تاني، بس المرة دي… ماكانش مجرد ألم.
كان في رعشة في الحيطان، ضوء خفيف رمادي غريب لف المكان، وبرد مفاجئ دخل الغرفة.
زمردة شهقت:
– لأ… مش دلوقتي…
ليل صرخت بصوت ممزق:
– هي بترجع! أنا حساها… اللعنة… بترجع مع البنت دي!!
وبعدين… صرخة جديدة خرجت، مش من ليل.
كانت صرخة أولى لطفلة… بنت صغيرة، لسه خارجة للنور.
بس لما صرخت، الظلال على الحيطة اتحركت لحظة،
وزمردة لمحت نفس الوميض الرمادي… واختفى بسرعة.
ليل كانت بتبكي وهي بتبوس بنتها اللي لسه خارجة للنور، وقالت بصوت متقطع:
– ليان… دي ليان بتاعتنا يا أويس…
أويس دخل، عيونه كلها دموع:
– ليان… اسمها ليان.
بعد ساعات
زمردة اتكئت على الجدار، وهي بتحس بتقل غريب في بطنها.
ريان شاف ملامحها وقال بخوف:
– زمردة؟ إنتي كويسة؟
زمردة بابتسامة ضعيفة:
– شكله… جه الدور عليا.
***
وبعد ساعات كمان…
صرخ صوت ولد جديد في القصر.
بس اللي محدش فيهم لاحظه… هو إن الساعة القديمة علّقت، وثوانيها بدأت تمشي بالعكس للحظة،
وبعدين رجعت عادية… كأن حاجة صحيَت، بس لسه مستنية وقتها.
رواية ليل و لعنة الزمن الفصل الثامن عشر 18 - بقلم فريدة عبدالرحمن
ليل كانت قاعدة على السرير، ووشها باين عليه الإعياء… بس حضنها؟
كان فيه الحياة نفسها.
ليان… بنتها… نايمة في سكون، وجبينها دافي، وصدرها بيرتفع بهدوء.
ليل بصّت لها، وكل حاجة تانية اتحجبت… حتى وجع الولادة، حتى الخوف القديم.
أويس فتح الباب بهدوء، ودخل.
بص لهم، وقلبه اتهز.
قرب منها، وقعد جنبها على طرف السرير.
– حمدلله ع السلامة يا جود القلب.
ليل ابتسمت بتعب، وبصت له:
– ليان… شبهه، بس عنيها أنا.
أويس ضحك بخفة، لكن عينه اتحركت ناحية الطفلة… وهو بيبص، وقف لحظة.
قرب وشه شوية.
– استني…
رفع إيده ولمس طرف جفنها بإيده بلطف.
– في علامة…
– إيه؟
– نقطة سودة، صغيرة قوي… بس مش عادية يا جود. دي مش نقطة… دي خيط.
ليل شدّت بنتها بحضنها، وقلبها اتقبض.
– يعني إيه يا ريان؟
أويس سكت، وبص لها، وعينيه مفيهاش غير صدق مؤلم:
– يمكن… يمكن الملكة سابت حاجة وراها.
***
المشهد عند زمردة.
الغرفة كانت هادية، فيها ريحة أعشاب خفيفة وبقايا بخور متصاعد… وزمردة ممددة بتعب، وشعرها لزق في جبينها من العرق.
ريان كان واقف عند الشباك، والبيبي في حضنه… عيونه كانت مليانة رهبة وفرح، وهو بيبص في وش صغير شبهه.
– حبيب بابا… هنسميك هارون.
قالها بصوت واطي كأنه بيعلن اسم ملك.
زمردة، وهي بتفتح عينيها بصعوبة:
– هاتو… هاتو يا ريان.
بص لها بسرعة، وقرب منها.
– حبيبتي… استني شوية، انتي تعبانة.
– لا… عايزة أشوفه… أحضنه.
مدّ إيده بهدوء، وحط هارون بين إيديها.
زمردة ضمّته، ودموع نزلت من غير صوت.
– شبهك… بس عينيه فيها حتة مني.
– ده ابنك يا زمردة… وابننا جاي ينور الدنيا، حتى لو حواليه ظلام.
فضلوا ساكتين لحظة… لحد ما هارون حرّك إيده الصغيرة، ومس بشفايفه رقبتها.
زمردة اتنفست بعمق، لكنها شحبت فجأة.
بصّت لريان بهلع.
– ريان… ريان في حاجة غلط.
– زمردة؟ مالك؟
– سخن… قوي… وإيده كانت متلجة.
ريان خده بسرعة، وقربه لصدره.
لكن فجأة… البيبي فتح عينيه.
وعينيه… كان فيها شرارة غريبة. حاجة نادرة… لون اتقلب لحظة، وبعدين رجع.
ريان اتجمد مكانه.
زمردة بهمس:
– الملكة… سابت حاجة هنا كمان؟
***
في غرفة زمردة – بعد لحظة الصمت.
زمردة بصّت لهارون اللي كان نايم في حضنها، لكن ملامحه ماكنتش بريئة زي أول لحظة… في رعشة خفيفة في جسمه، ونَفَسه كان مش منتظم.
زمردة بصوت مبحوح وتعبان:
– ريان… خُد الولد، ونده لي قابلة… وقول ليُمنى تيجي.
ريان:
– حاضر… حاضر بس طمنيني.
زمردة شدت في هدومه، وهي بتحاول ترفع نفسها:
– لا… لا، اسمعني، لازم أروح ليل. حالًا.
ريان اتفاجئ:
– إيه؟! انتي لسه والدة، ازاي تتحركي؟!
زمردة بصت له بخوف بيكبر:
– الولد ده… اتولد زي ليان، بس في حاجة… حاجة مش طبعية.
الملكة كانت لسه بتحوم حوالينا… أنا حسيتها، يا ريان.
سكت لحظة، وبعدين قالت:
– لو في لعنة جديدة، أو أثر، ليل لازم تعرف.
هي الوحيدة اللي بتشوف أكتر مننا… لازم أروح لها دلوقتي.
ريان قرب منها:
– طب أنا أروح، وأبلغهم ييجوا.
زمردة:
– لا… لازم أنا اللي أقول. هي هتفهم من عيني قبل كلامي.
ريان شايل القلق من صوته:
– طيب… هقوم أنادي يمنى.
زمردة حاولت تقوم، بس تعبها شدّها، مسكت جنب السرير وهي بتقاوم الوجع.
همست:
– استنيني يا ليل… في ظلام بيصحى من تاني.
***
ليل كانت قاعدة على السرير، وشعرها مبلول عرق، ووشّها باين عليه الإنهاك والتوهان.
صوت ليان كان بيعيّط في الخلفية، بس هي مش قادرة تركز…
همست بصوت مهزوز:
– أنا عاوزه زمرده… عاوزه زمرده.
أويس قرب منها، قعد جنبها، حاوط إيدها بإيده:
– اهدي، اهدي يا جود القلب، انتي لسه والدة. وهي كمان… كل حاجة تحت السيطرة.
ليل حركت جسمها بالعافية، وحاولت تقوم:
– لأ… أنا هروحلها، لازم أطمن، لازم أشوفها… في حاجة غلط يا أويس، أنا حاسّة.
فجأة الباب اتفتح… وصوت ناعم بس مليان تعب قال:
– أنا جيت… أنا هنا يا ليل، اهدي.
ليل رفعت عنيها بسرعة، وشافتها… زمردة، واقفة على الباب، باين على ملامحها الشحوب والتعب، بس عنيها كلها نار وإصرار.
زمردة دخلت بتعب، جسمها مرهق لكن عينيها مليانة لهفة.
زمردة قربت منها، وهي بتهمس:
– اللعنة...
ليل رفعت وشها بسرعة، صوتها بيترجف:
– رجعت يا زمردة... رجعت… وسايْبَة علامة في بنتي.
زمردة وقفت، قلبها وقع، قربت بسرعة من ليل ومسكت إيدها بقوة.
– فين؟! ورّيـني!
ليل سحبت البطانية برفق، وكشفت عن يد ليان الصغيرة… علامة سودة باهتة، شبه الحرق، مرسومة في شكل دايرة حواليها خطوط زي الشوك.
زمردة قعدت جنبها على السرير، بتحاول تسيطر على رعشة صوتها:
– سابت نفس العلامة… فـ هارون.
ليل بصتلها، ودموعها نزلت ببطء:
– مش كانت ماتت؟ مش كنا خلصنا؟
زمردة شدّت ليل في حضنها، وقالت بصوت متكسر:
– لأ… بس إحنا موجودين.
والمرة دي… هنكون مستعدين.
أصوات الخطوات بدأت تقرب…
أويس وريان دخلوا بسرعة، وكل واحد فيهم ماسك سلاح في إيده… كأنهم حاسّوا بالخطر من بعيد.
ليل رفعت عينيها وهي بتهمس:
– المعركة الحقيقية… لسه ما بدأتش.