تحميل رواية «لِبچَشان» PDF
بقلم عفاف العريشي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الصحراء الغربية _ عام ١٩٨٤ عباءة الطبيعة السوداء المزينة بحبات اللؤلؤ المنيرة بتوهجها الأخاذ، يجلس على الأرض الرملية الناعمة تداعب حبيباتها الصفراء اللامعة يديه بحنو يشعر بالدفء الذي يفتقده بين أحضان الطبيعة. يشاهد جوهرة السماء التي تشق ظلام ليله الدامس ويحادثه قائلاً: - اليوم هو الذكرى السادسة يا ليل! استشعر رده الصامت بينما نسمات الرياح العليلة المشبعة برائحة الياسمين، ليستأنف الحديث بعد صمت دام لبرهة: - كنت أقول أنني لن أستطيع العيش بدون دفء أحضانها ولكني اليوم أيقنت أنها من تجالسك هل تراها،...
رواية لِبچَشان الفصل الأول 1 - بقلم عفاف العريشي
الصحراء الغربية _ عام ١٩٨٤
عباءة الطبيعة السوداء المزينة بحبات اللؤلؤ المنيرة بتوهجها الأخاذ، يجلس على الأرض الرملية الناعمة تداعب حبيباتها الصفراء اللامعة يديه بحنو يشعر بالدفء الذي يفتقده بين أحضان الطبيعة.
يشاهد جوهرة السماء التي تشق ظلام ليله الدامس ويحادثه قائلاً:
- اليوم هو الذكرى السادسة يا ليل!
استشعر رده الصامت بينما نسمات الرياح العليلة المشبعة برائحة الياسمين، ليستأنف الحديث بعد صمت دام لبرهة:
- كنت أقول أنني لن أستطيع العيش بدون دفء أحضانها ولكني اليوم أيقنت أنها من تجالسك هل تراها، إنها هنا بجانبي وبجانبك دائمًا ولكنك الأقرب إليها.
حول ناظريه إلى تلك النجمة المتلألئة بجانب القمر جوهرة السماء الرائعة ثم قال وهو يقبض على كومة الرمال يستمد منها الدفء ليديه الباردة:
- أبعد كل ذلك العمر يلتقي البدر بليله ويترك الشمس تبكي دمًا في لحظة لقاء الفراق يُنادى كلاً منهما الآخر ولكن بلا جدوى لتموت الشمس ويحيا القمر ويموت هو لكي يحيا نجمه الوحيد، نجمه الوهاج في لحظة شروق انكسارهما.
صمت يحبس عبراته التي تلح بالحرية قائلاً بخفوت ومازال لا يزيح عينيه عن قمر ليله:
- اليوم هو الرابع عشر من يوليه يوم اللقاء وهو ذاته الفراق لقد أوحشتني كثيرًا، جلستُ هنا في موضعنا المعتاد ولكن بدونها، بدون بدر ليلي وهل تستطيع الأسماك الحياة خارج بحيرتها، لقد أغرقتني في محيطها وذهبت، كيف لي أن أصدق هذه الحقيقة الكاذبة يا بدر؟
سقطت عبراته تتصارع على وجنتيه وهو يحادث قمر منتصف الشهر كما اعتاد معها.
كان كالغريق الذي لم يطلب النجاة أمام جمال محيطها وهدوء أمواجها والسكينة الدافئة في أعماقه، كيف يتجاهل أو يتغابى أمام ياسمينها الزاهي الذي يستنشقه بهدوء وهو جالس في شرفة منزلهما، ولكن الآن في رحلة سفاري بمفرده يُخيم كما اعتاد أن يفعلا سويًا، بكى إلى أن اكتفى إلى أن أضحت يديه ممتلئة بالدموع لتختلط بالرمال اللامعة تحت ضوء القمر، دموعه المالحة المحرقة لقلبه الذي يحترق يوميًا طالبًا اللقاء.
وهل يعود من ذهب بلا عودة.
جوفه المليء بنار الشوق يحرقني ويحرق من لا ذنب له.
أيعقل أن اليوم هو ذكرى وفاتها السادسة.
أراد أن يبوح لها بكل شيء أراد ذلك حقًا، ولكن يا ليت الزمان يعود لكي نختار محطات راحتنا وسكينتنا ولكن هكذا هو قطار العمر، هو المغامر من الدرجة الأولى دائمًا ما يقوده جنونه المعتاد لكي يتخبط في محطات الحياة.
ولكنه سقط على رصيف الحب قبل عقدين من الزمان في ليلة التقاء نجمه ببدره.
أفاق من شروده على صوت هاتفه ليلتقطه ويجيب بهدوء بعدما استعاد رباطة جأشه:
- أجل يا صغيري أنا في طريق العودة يا بني.
ابتسم بحنو وهو ينصت إلى رد طفله المتذمر:
- أبي لقد تأخرت كثيرًا على غير العادة أرجوك عد سريعًا، هل نسيت أن اليوم هو عيد ميلادي أم ماذا؟
ضحك بخفوت وفرت دمعة خائنة من عينه ليزيلها ويقول:
- غبي من ينسى يوم ميلاد النجم المنتظر.
ضحك طفله بحماس على هذا اللقب المحبب لقلبه وأخبره أن يعود أدراجه سريعًا للاحتفال مع أصدقائه.
مال بجذعه على الرمال خلفه وهو يتذكر زوجته المتوفاة قبل بضعة سنوات.
تذكر أن اليوم هو التقاء النجم والقمر والشمس بعد نصف ساعة، نظر لخاتم يده الأزرق الذي يزين سبابته وزفر بشوق يريد اللقاء في أسرع وقت ممكن ولكن لا يريد لقاء من ينتظرونه فهو ليس على استعداد ولكن صبرًا للقادم.
كيف يجتمع مع من طردوه شريدًا، ولكنه مجبر على هذا يريد الغفران ذهب إلى سيارته وعاود الجلوس بموضعه أخرج كتابًا سميكًا للغاية تتعدى صفحاته المئات.
هم بالنهوض مجرد القدمين وهو يشاهد انكسار الليل وظهور النجم الأحمر الخافت أمامه وخلفه قمره وفوقه نجمه المتوهج ليرفع يده اليسرى وبالتحديد سبابته فقط ويمسك بالكتاب باليمنى.
قال بضعة كلمات بلغة غريبة بصوت عالٍ، اهتزت الأرض أسفله بشدة إلى أن استحالت إلى بحيرة من الرمال المتحركة مرت عليه لحظات خاطفة لأنفاسه عندما رأى الضوء الأزرق المنبعث من الخاتم، سقط الكتاب من يده إثر ترنحه.
سقط غريقًا في بحيرة اختفت بعدما ابتلعته لتعود الأجواء كما كانت تزامناً مع اختفاء النجم الأبيض فوقه، لم يتبقى شيء سوى صوت الرياح والهدوء الموحش.
لم يتبقى سوى علبة فضية ساقطة فوق الكتاب الضخم بغلافه الأزرق القاتم الخالي من الكلمات.. ولكن ظهرت كلمتان إحداهما بلغة غريبة والأخرى أضاءت تزامناً مع توهج رسمة لطائر مجهول في جانب العلبة.
كلمة بحروفها الزاهية.. لبچشان.
رواية لِبچَشان الفصل الثاني 2 - بقلم عفاف العريشي
"في هذه الحياة لحظة لا تعود الحياة بعدها كما كانت قبلها".
كانت هذه آخر عبارة دونتها في دفتر مذكراتي الذي لا يفارق يدي أبداً، وكأنه صديقي الوحيد. بعدها انطلقت بسيارتي، أو للتوضيح، بقايا سيارة والدي، فهي الذكرى الوحيدة المتبقية لي منه.
اسمي يونس وليد، أنا في نهاية عقدي الثالث. تخرجت من كلية الفنون الجميلة قبل ثماني سنوات.
توفى جدي نصر قبل عشرين سنة، كنت حينها في عامي التاسع. توفى وحيداً بعدما تركته حبيبته وزوجته. تزوجها بعد قصة حب كانت تُحكى في الميادين والجلسات النسائية مرات ومرات. لقد حارب عشيرته لأجلها، كما أخبرني ذات مرة.
بعد ذلك الحدث بقرابة الثلاث سنوات، لقت أمي حتفها بعد صراع طويل مع مرض عضال. لم تكن قوية بما فيه الكفاية لكي تصارع مرضها. دخلت في حالة اكتئاب وحزن فاقت طاقتي. أمي كانت حبيبتي الأولى، ملاذي وركن الراحة خاصتي حين أتعب من هذا العالم. كاتمة أسراري، خاطفة قلبي الأولى وصديقتي المقربة.
كان والدي يعمل بالتجارة بجانب ثراء العائلة الفاحش. ولكن كل ذلك كان مجرد صورة للمجتمع الخارجي. لم أستطع تكوين صداقات حقيقية سوى واحد فقط، صديقي الوحيد معتز. من قوة وجمال صداقتنا كان يظننا البعض أننا إخوة. يعمل طبيب في إحدى المستشفيات الحكومية.
كان والدي بمثابة مرشدي الأول والأخير، مستشار قراراتي، ملهمي. بعد وفاة أمي تغير كثيراً، أصبح منعزلاً عن المنزل. لا يجلس رفقتي سوى بضع دقائق قليلة للغاية ويتركني بمفردي مجدداً. كان يغيب عن ناظريّ كثيراً، وعندما أسأله يخبرني أنه يبحث عن أمي.
لم أشعر بشيء حينها سوى بعبراتي التي تتصارع على وجنتاي. أبي يكاد يفقد عقله بعد أمي.
بعد ذلك زاد اختفاؤه كثيراً، حتى أضحى بالأيام في مكتبة جدي، كما أخبرني ذات مرة. ولكن كيف؟ وكل ما في مكتب جدي هو مكتب وكرسي وثيّر يقبع خلفه، بالإضافة إلى اثنين أمامه يوسطهما منضدة وأريكة بجانب الباب. إذاً أين تلك المكتبة؟ لم أشغل بالي كثيراً بخصوص ذلك الموضوع، ولكنه استولى على عقلي عندما ذهب والدي في إحدى رحلاته المجهولة ولم يعد.
اختفى والدي بعد وفاة أمي بعامين. ولكن الغريب أن اسم أمي المنحوت على قبرها اختفى مع اختفاء والدي.
أضحيت وحيداً من جديد. ولكن تغير شيء مع اختفاء والدي. ذهبت الثروة الفاحشة، ذهب العمال والخدم. أصبحت مجرد شاب تعيس لا تختلف حالته عن أي قطعة أثاث تقبع في قصر. قصر ضخم خاوي مظلم لا يوجد به سوى شخص واحد. بالطبع سيكون مبتغى لكثير من اللصوص. سُرق مرات عدة. أحياناً وأنا بالخارج أتابع سير عملي كنادل في إحدى المقاهي القريبة، أو أثناء نومي أيضاً تمت سرقته. ساعدني معتز كثيراً في تأمينه بالأقفال من الأبواب الخلفية والنوافذ الحديدية من الأمام والخلف.
لا يوجد أشخاص بحياتي سوى صديقي معتز وخطيبتي نغم. ألتقيت بها منذ حوالي سبع سنوات في مبنى المحاضرات. كانت في سنتها الأولى وأنا بالنهائية. تبادلنا الأحاديث والمقابلات إلى أن وقعت أسيراً لعينيها. أجمل شيء بها عينيها الزرقاء التي نادراً ما توجد. كانت كالملاك بالنسبة إليّ. ذهبت لخطبتها رفقة والد معتز، كان صديقاً عزيزاً لأبي. بعد الكثير من الحديث والإلحاح، وافق والدها على مضض. كدت أطير من فرحتي أثناء تبادل خواتم الخطبة سوياً. شعور رائع عندما تظهر حبك وتراه بأعين حبيبتك أمام الملأ.
والآن بعد سبع سنوات، أخذت علاقتنا مساراً مختلفاً. أكاد أخمن أننا على وشك الانفصال. نغم أضحت في الآونة الأخيرة قليلة الكلام، كثيرة الحجج بشأن علاقتنا وتكاد تنهيها. ولكني أحاول وأتمسك بها إلى النهاية، لا أستطيع تخيل حياتي بدونها. كأن الله أرسلها لي كهدية، لا أعلم ما قدمته لأحظى بها.
وصلت أخيراً إلى وجهتي بعد حوالي ساعتين من القيادة. إحدى المعارض المرموقة. ترجلت من السيارة حاملاً خمس لوحات من أصل عشرة مغلفة بإتقان.
كان المبنى من الداخل رائع التصميم، بسيط الأثاث، مبهر اللوحات التي كانت بسيطة للغاية بالنسبة لفني المختلف.
وجدت المكتب المنشود مكتوب عليه بخط عريض منمق "المدير". أمامه مكتب تقبع خلفه فتاة جالسة ترتدي زي العمل الرسمي.
سألتها بتوتر غلفته بود:
"كارم وليد، لدي موعد مسبق مع المدير."
أجابتني بطريقة عملية بعد أن نظرت إلى الحاسوب أمامها لبضعة ثوانٍ:
"أجل سيد كارم. سيدي في انتظارك، تفضل."
دلفت في توتر وألم يعتصر قلبي وأنا أقول في ذاتي:
"لا عليك يونس، سيكون كل شيء على ما يرام. لا تبتئس، هذه محاولتك الأخيرة في هذا المجال."
أفقت من دوامة أفكاري على صوت المدير وهو يسألني:
"سيد كارم، تفضل."
جلست في ارتباك ثم أردف:
"أهلاً بك في المعرض، لقد سمعت الكثير عن فنك."
"آمل أنه حظي على إعجابك سيدي؟"
سألني:
"هلا أريتني إياه أولاً لكي أقيمه بنفسي؟"
أجبته:
"بالطبع سيدي، تفضل."
أعطيته جميع اللوحات التي كانت بحوزتي. نظر لها بتدقيق قرابة الخمس دقائق ثم توجه بنظره لوجهتي وقال:
"لوحاتك رائعة وأيضاً مختلفة."
"أشكرك."
ثم أردف بعملية:
"لكن يؤسفني أن أخبرك أن هذا النوع من اللوحات لا يُعرض لدينا هنا. آسف حقاً."
أجبتُ ببعض الحزن:
"لا عليك سيدي."
لملمت شتات أحلامي بحزن وعدت أدراجي بعد قيادة دامت لنفس المدة السابقة.
ترجلت إلى داخل سور القصر الحديدي ووجدت نغم تجلس بملل على الدرج الخارجي للقصر تتصفح هاتفها بملل. كانت خاطفة للأعين بوجهها الطفولي الجميل وملابسها الفضفاضة وحجابها الذي تداعبه الرياح ليتطاير خلفها بحرية ثائرة، وبحر عينيها أكاد أقسم أنه محيط يجذبك لكى تستكشف أعماقه أكثر وأنت تغرق به بصدر رحب. وها أنا ذا غارق في هذا المحيط، متأكد أنني لست الغارق الأول، ولكنني أتمنى أن أكون الأخير. ما إن رأتني حتى همت بسؤالي:
"كارم، ماذا حدث؟ أخبرني، أكاد أموت من فرط دقات قلبي المتوترة."
أجبتها ببعض التوتر:
"تم رفض اللوحات من جديد."
قالت بوجه متجهم خالٍ من أي تعابير تُذكر:
"حسناً، أظن أننا وصلنا إلى نهاية المطاف. نهاية الرحلة التي لم ولن تبدأ من الأساس."
سألتها بعدما نشبت حرب بداخلي:
"ماذا تقصدين نغم؟"
أجابتني بنفس الملامح:
"لن أستطيع الزواج منك يونس، أعتذر."
خلعت خاتم خطبتنا ووضعته في كفة يدي اليمنى وهمت بالذهاب. ولكني أوقفتها قائلاً:
"لقد حاولت معك للنهاية. لقد أحببتكِ قرابة الثماني سنوات. حاربت كل شيء لأجلك. أحلامي التي دُفنت تحت قدمي الآن. كما تريدين."
استدرت سريعاً ثم سمعت صوت الباب الحديدي الموصد يُفتح ويُغلق. علمت أنها رحلت. أنهت قصة حب في مهدها وأنا من كنت أحضر للزواج بها. تركتني في تعثراتي. يا الله، لقد تركني الجميع. لم يبق لي سواك. هون على قلبي الذي ينزف دماً وندماً على هذا العشق الخاسر. هون على عبدك يا الله، لقد أتعبتني سقائل الحياة.
لم أشعر بشيء سوى بعبراتي وأنا أدلف إلى البهو الفارغ الموحش. تهاوت قدماي وسقطت على الأرض جالساً على ركبتي، أبكي على أحلامي، عائلتي، حبي، وحدتي، ونفسي. ماذا فعلت لكي أنال هذا الاختبار الصعب؟ بكيت إلى أن سقطت، لا أعلم نائماً أم فاقداً للوعي من شدة التعب والإعياء.
استيقظت في تمام الساعة السابعة صباحاً لليوم التالي لأجدني بنفس موضعي. ضحكت بسخرية على نفسي. لو مت في يوم لن يشعر بي أحد.
بعد حوالي ثلاث ساعات، حيث كنت جالساً في الردهة أتأمل خاتم والدي الذي تركه لي، والذي تركه جدي كإرث للعائلة. إنه حقاً لعنة لحاملها. أمعنت النظر بعلبة الخاتم الفضية، مثله تماماً، كانت جميلة للغاية، ذات طابع رائع، كأنها إحدى مقتنيات عائلة ملكية. عند هذه النقطة ضحكت بكل ما أوتيت من طاقة. فجدي كان يهذي في آخر أيامه، دائماً ما يقول أننا عائلة ملكية. لم يصدقه أحد بالطبع، فكان في أواخر أيامه مريضاً بمرض الزهايمر. لأعاود النظر إلى العلبة، كانت مغلفة بالرسومات الرائعة. في الجانب الأيسر من واجهتها الأمامية دائرة زرقاء غاية في الروعة، يوسطها رسمة طائر غريب للغاية. في الغطاء أربع دوائر زرقاء مماثلة للسابقة. في كل دائرة رسمة غريبة أيضاً، وكأنها لغة مختلفة. يتوسط الغطاء الفضي دائرة مقعرة بمنتصفها ثقب دقيق للغاية تتصل بالدوائر الأربعة عبر أربع خطوط دقيقة للغاية ممتدة من أطراف الدائرة المقعرة لتتصل بالدوائر الأربع الأخرى لتكون أربع قنوات دقيقة للغاية. فتحتها ولكنها فارغة. لا يوجد بها شيء من الداخل. فارغة كهذا القصر الخاوي تماماً. لتعاودني الهواجس بشأن أبي واختفاء اسم أمي من على قبرها. انفصالي عن نغم التي قررت الارتباط بدكتور في الجامعة بعد انفصالي عنها. أيقنت حينها أني المغفل الوحيد في هذه الحياة. وكل هذه الأحداث التي شهدتها في بداية شبابي، أيام مراهقتي التي بالمفترض أنها أيام اللهو واللعب مع أصدقائي وأقراني. وجدت أحداً ما يدلف من بوابة القصر الداخلية. لم يكن سوى معتز الذي أتى لتوه من عمله.
بعد السلام، جلسنا قليلاً ليفاجئني بسؤاله:
"كيف سارت مقابلتك الأخيرة في معرض اللوحات؟"
أجبته بنبرة كساها الحزن وفقدان الأمل، بالإضافة إلى شعور الخذلان من قبل نغم، لقد تركت بداخلي جرحاً لن يداويه الزمن مهما مر وطال.
"لم تختلف عن المرات السابقة."
قال ببعض الحزن:
"رُفضت من جديد."
أجبته بإيماءة بسيطة برأسي.
ليربت على كتفي داعماً ويقول بابتسامة:
"رب الخير لا يأتي إلا بالخير يا صديقي."
اكتفيت بإيماءة بسيطة مع ابتسامة.
صمت مجدداً ثم قال بعد وقتاً بسيطاً وهو يتصفح إحدى المواقع الإلكترونية:
"لقد وجدتها."
سألته بملامح متعجبة:
"ماذا وجدت؟"
قال بحماس شديد وهو يعاود النظر للهاتف ويديره لوجهي لكي أرى ما الذي يتحدث عنه:
"هذا معرض فني إلكتروني. صاحبه يهتم بهذه الأمور والمواقع الإلكترونية والتكنولوجيا، ودائماً ما يقول:
'التكنولوجيا هي المستقبل. لماذا أتعب في العمل وأجاهد في تصميم جالييري وأنا بإمكاني القيام به وبدقة أكثر من مكاني. هذا الموقع هدفه مساعدة الشباب الحالم لكى ينشر أعماله هنا'."
ابتسمت ونظرت لمعتز بأمل جديد لأقول:
"وهل يقبل هذا المعرض أعمالي المتواضعة؟"
ضربني معتز بخفة على ذراعي وقال بمرح:
"تباً لتواضعك يا رجل."
سألته:
"هل هناك مقابلات أو شيء من هذا القبيل؟"
أجابني:
"لا، فقط سترسل صورة للوحة وسيقوم بالرفض أو القبول."
فكرتُ كثيراً في الأمر ثم هممت بالوقوف. غبت لبضعة دقائق ثم عدت حاملاً لوحة خاتم اللازورد وقمت بتصويرها وإرسالها على البريد الإلكتروني رفقة معتز، الذي جلس يحادثني عن عمله وما يلقاه من بعض اللكمات أحياناً جراء العمليات البسيطة التي تتطلب فقط الاهتمام بالمرضى، وأيضاً بعض المرضى الذين يذهبون للمشفى ولكن لسبب تافه، والكثير من هذه المواقف منها المضحك ومنها المحزن.
سألته بعد وقت بهدوء:
"ما طبيعة سير الأمور في ذلك المعرض الفني؟"
أجابني باسماً:
"بسيطة للغاية. ستقوم بتصوير جميع هذه اللوحات وتعرضها على الصفحة الخاصة بالمعرض على مواقع التواصل الاجتماعي. وعندما يرغب أي شخص في الشراء، تقوم باتفاق بسيط مع إحدى شركات الشحن ويتم توصيل اللوحات المطلوبة إلى منزل المشتري. ها ما رأيك؟"
عبستُ في حيرة صامتة ليردف:
"حسناً، لدينا الكثير من العمل. هيا بنا لنبدأ بتحقيق أحلامك يا رجل."
ابتسمت في امتنان ووقفت أساعده في تصوير معظم اللوحات. كان من بينهم لوحة للعلبة الفضية والخاتم أيضاً.
رحل بعد جلسة دامت لساعات. اتفقنا على رحلة سفاري بعد الغد للقيام ببعض الاستكشاف بعيداً عن قرية النمسا قليلاً. ودعته وعدت أدراجي مجدداً. فتحت ذراعي في الهواء وقلت باسماً وأنا أدور حول نفسي:
"ها قد عدنا يا وحدتي الغالية."
بعد حوالي أسبوع من عرض اللوحات، لم يتم بيع سوى عشر لوحات. حسناً، عدد لا بأس به كأول مرة في غضون ثلاثة أيام فقط. بعد ذلك لم يتم استقبال أي طلبات للوحات.
تخلل اليأس إلى قلبي وعقلي. أصبح كالمرض الخبيث الذي ينهش في جسدك يوماً بعد يوم وأنت لا تستطيع المقاومة سوى ببعض الصبر والثبات إلى حين إشعار آخر.
أصبح الفراغ والملل رفاقي والتفكير الزائد الحائل بيني وبين راحتي ونومي الطبيعي. لا أستطيع النوم سوى مع شروق الشمس لبضعة سويعات قليلة.
أتذكر نغم، الحب الوهمي. تركت يدي وأنا من كنت أتمسك. لا أبوح عن آلامي لأياً كان، ولكن لا بأس ببعض الندم بمفردي. هل كنت سيئاً في نظرها إلى هذه الدرجة؟ نغم.. اسم يدخل قلبي دون سابق إنذار.
هذا هو الحب الذي كنا نقرأ عنه دائماً في الروايات وقصص الشعر. إنه شيء واحد، كابوس مُهلك لصاحبه إن لم يكتمل.
عاودت التدريبات اليومية. أفرغ طاقتي السلبية المكبوتة بها. هذه عادتي منذ نعومة أظافري. كنت المتدرب الطفل الأول في العائلة. جدي كان يحافظ على لياقتنا البدنية بدرجة كبيرة. كان مولعاً بالرياضة.
تدربت على أساليب قتال عدة والفروسية، رفع الأثقال، المبارزة بالسيف والرمح و... و...
توقفت حين سمعت رنين هاتفي. كان السيد أيمن صاحب ذلك المعرض الذي أقوم بنشر لوحاتي على مواقعه. أجبته بود:
"صباح الخير."
"صباح الخير، كيف حالك يا يونس؟"
"بخير سيد أيمن."
انتظرت قليلاً حتى يخبرني سبب هذا الاتصال المفاجئ ليقول بعد برهة بجدية:
"كارم يا بني، لقد قمت بنشر بعض لوحاتك على مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة بمعرضي."
أجبته بهدوء:
"أجل يا سيد أيمن، هل تود شراء واحدة أم ماذا؟"
قال بمزاح:
"ولما لا، ولكن هي واحدة فقط جذبت انتباهي."
قلت مازحاً:
"ومن هي سعيدة الحظ؟"
ضحك وقال بجدية بعدما صمت قليلاً:
"أريد لوحة العلبة الفضية وخاتم اللازورد."
قلت في نفسي:
"تباً لما قمت بنشر تلك اللوحة الغبية."
أفقت من أفكاري على صوته:
"كارم، هل ما زلت معي؟"
"أجل سيدي، ولكن لما هذه اللوحة؟"
"لا أود الشراء. أنا أخبرك بحذفها والآن من على جميع مواقع التواصل. وهذا لمصلحتك أنت، ووالدك."
"والدي!"
حذفت الصورة من على مواقع التواصل الاجتماعي بعد أمر السيد أيمن. لا أعلم لما كل هذا الحذر. إنها لوحة عادية في نظري، علبة بالية قديمة جعلت لها قيمة لا أكثر.
كانت الساعة قرابة الخامسة صباحاً. مبكر جداً، ولكن هو من عرض علي المجيء مبكراً وبحوزتي العلبة لكى يخبرني بشيء مهم بخصوصها وأبي أيضاً. وما صلته بأبي من الأساس؟ سأفعل أي شيء في سبيل عودة أبي إليّ سالماً. أبي كان قاسياً مع جميع من بالخارج، ولكن معي أنا على النقيض تماماً. كان الأخ والأب والصديق، داعمي، معلمي، كان كل شيء. كان كل من أحتاجهم هو أبي.
ضغطت زر الجرس، فُتح بعد دقائق بواسطة السيد أيمن. كان بملابس النوم خاصته، ويفرك عينيه بتثاقل:
"مرحباً يونس، انتظرتك كثيراً إلى أن غلبني النعاس."
قلت بسخرية:
"أرسم لمدير المعرض الفني الذي أعمل به. إنه ظالم للغاية."
ضحك باستفزاز وقال:
"حقاً قاسي، لما لا تترك هذا الجاليري؟"
"ترأفاً بحالته لا أكثر."
رمقني بغضب وأشار للدخول.
جلست على الأريكة في الردهة وقلت بتعجب:
"لقد نفذتُ طلبك بحذف الصور، والآن حان وقت معرفة سبب هذا الطلب غير المحبب!"
أجابني بهدوء وهو يجلس:
"هذا خاتم يعود إلى متحف في الدولة المجاورة لنا من جهة الشمال."
"وما دخلي في كل هذه الترهات؟"
"الخاتم مصنوع من اللازورد المضيء، حجر سحري على عكس طبيعة حجر اللازورد المعتمة."
"وماذا أفعل بهذه المعلومات؟"
"أنا أدعوك لكى أقص عليك قصة خاتم من اثنين فقط في العالم، وأنت تقول ماذا أفعل؟ حكم عقلك يا فتى، إن قمت ببيع هذا الخاتم ستجني الكثير."
والآن فهمت، هو يريد المال لا أكثر.
قلت بهدوء:
"وأنا يستحيل عليّ بيعه. وأنت إياك وإخبار أياً كان عن هذا الخاتم، أسمعت؟"
أجابني ببعض الغرور:
"كما تشاء أيها الفنان الشاب."
دلفت للخارج بعصبية من ذلك الرجل وفكرت ملياً في أمر الخاتم واللازورد السحري، ولكن حسمت أمري بعدم التفكير في مثل هذه الأمور مرة أخرى.
نظرت في ساعة هاتفي الخلوي. كانت الساعة قرابة السابعة صباحاً يوم ١٤ يوليو لعام ٢٠١٤. يوم مولدي، يوم لقاء أبي بأمي، ذكرى زواجهما، يوم وفاتها، يوم فقده.
قُدتُ سيارتي إلى المنزل أجلب بعض الحاجيات للعودة مجدداً إلى نفس الطريق ولكن الوجهة مختلفة. سأذهب في رحلة سفاري كما اعتدت في نفس اليوم من كل عام، كما كان يفعل والديّ.
عندما دلفت إلى القصر وبالتحديد إلى مكتبة جدي، تذكرت عندما حاولت الوصول إلى قصة طفولية وأنا بعمري الخامس لكى أُسلي وقتي وأتخلص من هذا الملل الذي يحاوطني من كل جانب. كانت قصة تتناول أميرة صغيرة تلتقي ببستاني فتقع في حبه، ولكنهما يفترقان بسبب الفوارق والعنصرية الطبقية والاجتماعية، ولأنه كان من حاشيتها.
دائماً ما كان هناك فوارق بأي شكل كان في قصص الطفولة التي تُحكى قبل النوم. كسندريلا والشاطر حسن، الفارس المغوار الذي يتغلب على كل من يقف في طريق زواجه من حبيبته الفقيرة وينتصر في النهاية. ولكن الحقيقة تختلف، فعنتر لم يتزوج عبلة أبداً على الرغم من انتصاره على كل من وقف في طريقه.
أنا كنت مختلفاً في طفولتي بعض الشيء. كنت أحب القراءة، بل أعشقها حد النخاع. جذبت كرسياً خشبياً كان قابعاً أسفل الرف الضخم الذي يحوي عشرات الكتب.
حاولت الوصول، ولكن في اللحظة الأخيرة سقطت على ظهري وسقط فوقي كتاب ضخم. ظننت أنه أسود اللون، ولكن تأكدت بعد ذلك أنه أزرق قاتم. حاولت قراءة عنوانه، ولكن دخول أبي القلق أعاقني عن ذلك الكنز المبهم. لاحظت توتره قليلاً وهو يوجه أنظاره إلى الكتاب. حمله إلى غرفته، وقامت أمي بالإسعافات الأولية اللازمة من تضميد لجرح رأسي السطحي.
بعدما تعافيت، حاولت البحث عن ذلك الكتاب ذي العنوان الغريب، ولكنني لم أجده أبداً.
وصلتُ إلى وجهتي وترجلتُ من السيارة ثم شرعتُ في نصب الخيمة الصغيرة خاصتي. يبدو هذا المكان مناسباً بين أحضان الطبيعة. لابد أنني سأستمتع بوقتي كثيراً.
بعد وقت، كنت جالساً أمام الخيمة البنية الصغيرة أحتسي كوباً من القهوة وأنا أشاهد غروب الشمس في مشهد بديع. لحظة موت الشمس ليحيا القمر على حبها الذي ينيره، والنجم الأبيض الذي يتوهج بجانبه تراقصاً على انعكاس حبهما.
نهضتُ لكى أستريح قليلاً من عناء هذا اليوم. أسدل الليل ستائره المتلألئة.
كنت جالساً أستند بظهري على جذع شجرة قريب من الخيمة. نظرتُ للظلام الدامس أمامي لأتنهد ببطء وتروٍ، وكأن هذه التنهيدة هي التي ستخفف من حزني والنار التي تأكل جوفي.
الصمت أحياناً هو الاختيار الإجباري لكى لا تكون لقمة سائغة في أفواهٍ تتمنى رؤيتك متألماً، ولكن التنهيدة هي لغة الصمت للتعبير عما لا نستطيع البوح به.
فتحتُ دفتر مذكرات والديّ لأقرأ بصوت عالٍ لعلى أنتشي قليلاً من حنانهما:
"كن على يقين دائماً بأن الله يخبئ لك الأجمل، شيء يفوق توقعاتك. ولكن لكى تصل عليك بالسعي والتحلي بالصبر."
قلبتُ الصفحات تباعاً لأقرأ:
"لا توجد شجرة لم يهزها ريح، ولا يوجد إنسان لم يهزه فشل. لكن توجد أشجار صلبة ويوجد أشخاص أقوياء. فهذه هي الحياة يا بُني، لكي تصبح قوياً يجب تذوق صعوباتها وتخطيها بجدارة."
تأملتُ صورة أمي على هاتفي الجوال ألمسها بأناملي بخفة. اشتقتُ لها كثيراً. أخذتُ أتصفح الصور التي بهاتفي. وجدتُ صورة تجمعني بنغم تبتسم بعفوية وأنا أناظرها بحب. أغلقتُ عيناي واستغفرتُ ربي على هذه المشاعر. فبالنهاية قلبي ليس ملكي، لا يوجد زر للتحكم في مشاعري، ولكنني أحاول جاهداً تنَسيها.
ألقيتُ بالهاتف بغضب من تذكري لخطيبتي السابقة التي بالمفترض أن تكون الداعمة لي. لقد اكتفيتُ. حلمي الضائع، حبي الخاسر، علاقاتي التي كان مصيرها الفشل المحتوم مع أصدقائي وزملائي.
ما زلتُ أتذكر أيامى الجامعية الأولى عندما كنتُ أجلس وحيداً أشاهد مجموعات الأصدقاء وهم يتسامرون بمرح هنا وهناك.
حتى أن الجميع ينعتني بالأبله البارد. كنت بارد المشاعر قليلاً، متجهم الملامح وأنا أناظر الأشخاص. لا أحد يعلم أنها شخصيتي وطريقة تعاملي مع غيري. لم يخفف عني مأساتي سوى صديقي معتز. كيف يكن بإمكان المرء الابتعاد قليلاً والاختلاء بذاته والتعمق في الوصول لأقصى درجة من السلام الداخلي لكى يصل لأسمى مراتب الحياة هدوءً.
نظرتُ لخارج الخيمة وهممتُ بالنهوض عازماً على إيجاد الهاتف الذي ألقيته بعيداً. تقدمتُ بخطوات ثابتة وأنا أتفحص الأرض المظلمة تحت ضوء القمر الساطع في العراء الموحش، ولكنه يروقني كثيراً. وجدته أخيراً إثر بريق انعكاس ضوء القمر على شاشته.
التقطه ولكن تجمدت أوصالي وأنا أشعر بشيء على ساعدي الأيسر. حرق مؤلم والخاتم يضيء باللون الأزرق الخافت. رفعتُ ساعدي الذي تباين ما يحدث به.
دائرة صغيرة في منتصف ذراعي تُضيء بتوهج أزرق وبمنتصفها صورة لطائر غريب.
صرختُ بكل ما أوتيت من قوة، وأمسكتُ بساعدي الذي يعتصر ألماً. ولكن لا أحد في هذه الصحراء الجرداء ليساعدني.
جثوتُ على ركبتي من فرط الألم والصراخ الذي مزق حنجرتي وأنا أرى الدائرة تتصل بالخاتم بشريط متوهج دقيق خرج من منتصفه إلى منتصف الرسمة من تجمع الخطوط الحمراء الدقيقة.
رواية لِبچَشان الفصل الثالث 3 - بقلم عفاف العريشي
جلستُ على الأرض مُمسكاً بذراعي بألم يفتك به، وضعتُ يدي اليسرى على الأرض اهتزت الرمال أسفلي وأنا أشاهد ما يحدث بتوتر.
دائرة بيضاء تُرسم على الأرض الرملية الملساء لتتحول جميع الرمال إلى الأزرق القاتم. وضعتُ يدي عليها بحرص، كدتُ أسقط.
يا للهول، لقد تحولت إلى رمال متحركة.
نهضتُ محاولاً الفرار، أتراجع بظهري إلى الخلف.
صدح بعد ثوانٍ صوت رنان قوي:
"اليوم هو اليوم المعهود، يوم لقاء النجم مع قرينه، يوم اجتماع العملتين، يوم التحرر من القيود. فليحيا الملك راكان، حامي البلاد، حافظ العهد والوطن والروح."
شُلت حركتي من الخوف، لا أستطيع التفوه بأي كلمة.
إلى هذا الصوت الذي تابع حديثه قائلاً:
"اقترب موعد اللقاء، وهو ذاته الفراق. ليكمل الملك تحرير صديقه المسجون، وهو ما زال على عهده."
ازدردت ريقي ثم قلتُ بهمسات خافتة:
"من أنت وعما تتحدث؟"
لم ألقى رداً لبضعة دقائق، ثم صدح الصوت مجدداً:
"من أنا؟ فأنا حامي العهد. وعما أتحدث؟ أنت خير حافظ له. في التوقيت ذاته، هو يوم عودة النجم المنتظر لحماية أرضه، لبجشان."
صمتُ، محاولة بائسة مني لفهم ما تفوه به هذا الصوت. لأسأله بتجهم هذه المرة:
"أي نجم منتظر يا هذا؟"
لا يوجد رد.
نظرتُ إلى ساعدي الذي لا يزال الألم يتخلله، ثم إلى هاتفي القابع على الأرض الرملية أمامي. أخذته بوهن، فتحتُ عيناي على آخرهما وأنا أتذكر حديثه وكلمة (لبجشان).
نفس الكلمة التي كانت على ذلك الكتاب.
دلفتُ الخيمة راكضاً، متحاملاً على نفسي.
أخذتُ مفاتيح السيارة وقُدتها عودة إلى منزلي، ومنه إلى مكتبة جدي.
وقفتُ أمام الرفوف التي تملأ الجدران بسخاء. يبدو أن أمامي يوماً شاق، بجانب ساعدي الموسوم حديثاً. هذا لن يُعيقني عن أبى، لن يُعيقني عن إيجاده بأي طريقة كانت.
شرعتُ في البحث لساعات، دامت إلى أن وقفتُ على السلم عند أعلى الرف الثالث. وجدتُ مبتغاي، مجلد ملئ بالأتربة وشباك العناكب، مدون عليه بخط منمق قديم (لبجشان)، وأسفله كلمة أخرى غريبة بعض الشيء.
لم أكترث كثيراً وأخذته وهبطتُ السلم الخشبي بحذر، حاملاً الكتاب.
جلستُ على مكتب أبى بهدوء، فتحتُ أولى صفحاته. لا يوجد بها شيء سوى صورة للطائر ذاته. والصفحة الموالية كانت بنفس اللغة. وبعد ذلك بضعة كلمات باللغة العربية قرأتها تباعاً، وكان مفادها:
"تفتح جميع الأبواب يوم لقاء الفراق (ريديس)."
ريديس؟!
هذا اسم مصري قديم.
قرأتُ الجملة مرة أخرى وأخذتُ أتصفح الكتاب، ولكن دون جدوى، إذ أنه بنفس اللغة. خمنتُ أن يكون حل هذه اللغة مدون هنا مكان ما.
شرعتُ بالبحث في جميع الأماكن المتوقعة، إلى أن رأيتُ شيئاً غريباً. جريدة صفراء قديمة بتاريخ لعام ١٩٢٦ عن خبر وفاة مُزارع هنا في القصر. ووجد على يده وسم، نفس الوسم الذي يزين ساعدي.
التقطتها سريعاً، قارئاً إياها بدهشة. وجدتُ بها:
"قُتل المزارع طه محمود في ظروف غامضة، إذ وجد منزوع الرأس أمام قصر يعود إلى إحدى العائلات، وموسوم على ساعده صورة لطائر البوتو العظيم."
"يا إلهي، الرسمة ذاتها! هل معنى ذلك أنني سأُقتل؟"
أخذتُ الجريدة وركضتُ للخارج بملابسي الرثة وشكلي المشعث.
وصلتُ إلى وجهتي، إلى منزل معتز، لأسأله عن عائلة هذا القتيل في قصري قبل أعوام مضت.
قال في تفاجؤ:
"يونس؟ ماذا هناك؟ هل حدث لك شيء؟"
"لا يا صديقي، فقط أود سؤال أبيك عن أمر ما."
قال وهو يشير إليّ بالدخول بحبور:
"يا رجل! أخفتني حقاً، بالططبع تفضل."
دلفتُ بهدوء وجلستُ على أريكة البهو، أحرك ساقي بتوتر بادٍ.
أتى والده بعد دقائق، رحب بي ثم سألته:
"عمي، إذا سمحت لي، هل تعرف طه محمود القتيل قبل أربعة وتسعين عاماً؟"
تجهمت ملامحه بتفكير، ثم قال بعدما صمت هنيهة:
"نعم، أعرف. حفيد أخيه يدعى صالح، ولكن لما؟"
أجبته وأنا أهم بالنهوض:
"لا شيء، فقط بعض الأسئلة عن حادثة جده."
أومأ، وما زال على هيئته المتجهمة.
خرجتُ وهمست لمعتز قائلاً:
"لقد أمسكتُ بطرف الخيط لإيجاد أبي."
رمقني بتوتر هاتفاً:
"أمازلت تبحث عن والدك الذي اختفى منذ أكثر من عشر أعوام؟"
ربتُ على كتفه وقلتُ باسماً:
"ولو مر مائة عام يا صديقي، سأجده مهما كلفني الثمن."
بادلني بابتسامة داعمة، وكانت هذه آخر مرة أرى فيها أخي وصديقي الوحيد معتز.
ذهبتُ إلى العنوان الذي دلني عليه والد معتز. كان منزلاً بسيطاً للغاية.
طرقتُ الباب بهدوء وانتظرتُ بضعة دقائق. فُتح الباب وظهر رجل طويل القامة، قوي البنية، أسمر البشرة، يرتدي جلباباً. وقال بعصبية طفيفة لا أعلم ماهيتها، أهو انزعاج أم تعالي:
"ماذا تريد؟"
ازدردت ريقي وأجبته ببعض التوتر:
"أليس هذا منزل طه محمود؟"
"بلى."
"حسناً يا سيد، أريد أن أسألك بعض الأسئلة."
"حسناً، لا مشكلة. انتظر هنا."
دلف إلى المنزل لثوانٍ، ثم عاد يُشير لي بالدخول. جلستُ على الأريكة البسيطة ليقول هو بصوت أجش منزعج:
"والآن، ماذا تريد؟"
"أريد معرفة قصة مقتل جدك طه محمود."
"ولما تريد ذلك؟ لقد تم إغلاق القضية ضد مجهول."
"أنا صحفي يا سيد، وأريد تدوين قصص للجرائم الغامضة التي حدثت في القرن الماضي."
لم أجد منه أية إجابة أو رد فعل، لأكمل:
"وأيضاً مكافأة لأهالي المجنى عليهم."
انفرجت أساريره بطمع بادٍ ليقول:
"وما هي؟"
"مكافأة مالية يا سيد."
أومأ إلى علامة على البدء في الأسئلة.
سألته بإيجاز:
"والآن، أريد معرفة كيف توفى جدك طه؟"
تنهد بعمق وقال:
"قُتل في ظروف غامضة، هذا ما قصه عليّ أبي. أنا حفيد أخيهما حسن. كان الأخ الأكبر لجدّي طه بقرابة الثلاث سنوات، وكان أخاه مصطفى الأصغر. رآه في ليلة وهو يعود من عمله بالحقل كالعادة، ولكنه غير مساره إلى ذلك القصر الخاوي. هذا ما رواه جدي إليّ رفقة إخوتي. قال أنه تبعه إلى القصر، ولكنه لم يستطع الولوج لسبب يجهله. قال أن قدماه توقفت بلا إرادة منه، وكأنه مقيد، وهو يرى أخاه الأكبر يدلف بخوف ورعب، والباب مفتوح على مصرعيه. حاول الصراخ عليه ولكن دون فائدة. رآه يصعد الدرج الداخلي ثم اختفى عن ناظريه، تزامناً مع توهج ضوء أزرق من نافذة إحدى الغرف في واجهة القصر الرخامية. ثم تبعه صوت صرخات جدي طه، والتي شقت صمت الليل. ولكن الغريب، بالرغم من وجود المنازل الكثيرة بالقرب من القصر، فلا يوجد شيء غريب ولا حركة، كأن شيئاً لم يكن. ثم رأى الظلام الحالك وعودة الهدوء بعد بضعة دقائق، وسقط شيء من النافذة في الظلام أمامه على بُعد خطوات. أستطاع الحراك من موضعه ونظر إلى الشيء الساقط أمامه على الأرضية الصخرية القاسية. صرخ وهو يرى جثة أخيه قابعة أمامه بلا حراك وبلا رأس. صرخ بكل قوته وبكى إلى أن خسر صوته لبضع سنوات."
صمت مراد وهو يروي على مسامعي هذه القصة المأساوية الغامضة، ثم قال:
"أُغشي عليه بجانب الجثة. استيقظ صباحاً وهو مكبل اليدين والقدمين. حاول التحدث ولكنه لم يستطع، كان يريد إخبارهم بالقصة كاملة."
صمت هنيهة وهو يفرك ذقنه بإبهامه وسبابته بتفكير:
"أجل، أراد إخبارهم أنه رأى شيئاً يضيء على ساعده، كانت رسمة غريبة بعض الشيء، متوهجة بزرقة لامعة. وهذه هي القصة كاملة يا سيد...؟"
"مراد... مراد مرشد."
ثم وقفتُ سريعاً لكي لا يتعرف عليّ أكثر من ذلك، واعداً إياه بإرسال مكافأته في أسرع وقت.
والآن فهمت بعض الأمور، لم يكن مقتل طه محمود طبيعياً، ولا اختفاء والدي أيضاً، وبالإضافة إلى اختفاء اسم أمي من على القبر.
عند هذه النقطة أوقفتُ سيارتي وسألتُ ذاتي:
"أيعقل أن يكون ما يجول بعقلي الآن حقيقياً؟"
قُدتها سريعاً إلى مكان المقابر الخاصة بالعائلة. كانت الساعة حوالي التاسعة مساءً، بدون نوم منذ يومين، وبدون عمل أيضاً. لقد قدمتُ على طلب إجازة لثلاثة أيام، وهذا يعني أن اليوم هو الأخير في عطلتي القصيرة، ويجب بذل قصارى جهدي لحل لغز اختفاء أبي غير المنطقي.
كانت المقابر في مثل هذا الوقت خالية، لا يوجد بها زائرين، وكذلك مقابر عائلتي لم يكن بها أي شخص.
أمسكتُ بمصباح زيتي معلق من الداخل، البوابة الحديدية المؤصدة، وأشعلته بواسطة القداحة خاصتي.
لا يوجد شيء غريب، المكان كعهده مثلما تركته آخر مرة قبل سنتين. ولكن لفت نظري شيء يتوهج أسفل القبر.
خطيتُ بخطوات ثابتة، لا يوجد شيء غريب، ولكن الأرض رطبة للغاية أمام القبر، وكأن بداخلها صنبوراً من المياه.
جثوتُ على ركبتيّ، واضعاً المصباح جانباً، وأبعدتُ الوحل بهدوء، متوتراً من المنتظر. أنا في المقابر في هذه الساعة، ولا وجود لأي حياة هنا. إنه المنزل الأخير، شعور بالهدوء بين مقابر من سبقونا. مقابر مليئة بالأحلام الموءودة، تنزف الشوق ليفتك بقلب أحباءٍ يزرفون الدمع رغبة في اللقاء، ولكنهم على العهد باقون للنهاية.
"وأنا أيضاً يا أمي، على عهدنا إلى النهاية."
تلطخت يداي بالوحل وملابسي. أبعدتُ الحجارة الرطبة من مدخل القبر.
أمسكتُ المصباح رافعاً يدي أمام وجهي، صرختُ فزعاً وأنا أرى عينين زرقاء قاتمة تنظر إليّ.
صرختُ مرة أخرى وأنا لا أرى جسداً، فقط عينان مضيئتان وسط الظلام.
حاولتُ الخروج من القبر الذي أضحى مغلقاً من جميع الجوانب والثغور. كيف حدث ذلك؟ بالإضافة إلى المصباح المطفي بفعل المياه الراكدة أسفله، وتلك العينان تقترب من وجهي.
كان جبيني غارقاً بالعرق كسائر جسدي تماماً.
شعرتُ بأنفاسٍ باردة تلفح وجهي كصقيع هذا القبر تماماً.
شعرتُ بيدي اليسرى تُرفع بدون إرادة مني، ورُفِعت أمام تلك الأعين، وتوهج الوشم تزامناً مع الخاتم تماماً.
اختفى خوفي لدقائق، قبل أن يتجهم وجهي سائلاً بتعجب:
"ماذا؟"
"اليوم هو اللقاء."
"أي لقاء يا هذا؟"
لم يجيبني على سؤالي، ولكنه رفع أمامي ساعدي قلادة بها شيء أزرق متوهج أيضاً، والقلادة توضع حول عنقي.
صرختُ مرتعباً وأنا أستمع إلى كلماته الغريبة، لا إجابة. اختفى، وأيضاً خيم الصمت والظلام الموحش ثانية.
حاولتُ فتح القبر ونجحت هذه المرة. لا وجود لجثمان أمي أو لاسمها. القبر خالٍ!
أي لعنة أصابتني اليوم؟
قررتُ العودة للتخييم مجدداً، رفقة تلك القلادة التي تأبى ترك عنقي، وأيضاً رفقة مجلدي العزيز.
رواية لِبچَشان الفصل الرابع 4 - بقلم عفاف العريشي
عدتُ للخيمة، جلستُ على الأرض الرملية البديعة أشاهد السماء والقمر اللامع.
تنهدتُ وأنا أمسح حبات العرق المتناثرة على جبيني وتذكرتُ تلك الأعين القاتمة.
وجدتُ رسالة من نغم:
"لم نكن على وفاق من البداية، ألم تشعر يوماً بمعنى أن تكون مضحياً؟ ألم تشعر بآلامي يوماً؟ أنا حزينة ولكن ليس على فراقنا، ولكن على عمري الذي أفنيته سدى، على كرامتي التي وضعتها جانباً خشية على شعورك. أنا المخطئة، أنت لم ترتكب خطأ يوماً. أتمنى لك حياة سعيدة. سلامي لك يونس وليد. أختك في الله نغم."
أنزلته بهدوء ناظراً أمامي في اللاشيء. لما أشعر بها حقاً؟ وأنا لا أريد أن أكون سبباً في زيادة ألمها، وأنا أتسبب لها بالألم يوماً بعد يوم.
أغمضتُ عيناي بإنهاك. يبدو أن التفكير الزائد رفيقي الليلة أيضاً، لا يتركني حقاً. أحمق هذا الشعور المقيت. جسد يئن وجعاً طالباً الراحة، وعقل يأبى الانفصال عن الواقع قليلاً.
تأملتُ السماء المتلألئة والقمر المكتمل. رفعتُ سبابتي اليسرى أمامي وكان القمر خلفها. انطلق خيط أزرق بغتة يتصل بالقلادة المزينة لعنقي.
أصبحت الرؤية مشوشة بالنسبة إليّ. لا أستطيع الرؤية أبداً سوى فقط دائرة بيضاء أمامي والأرض ناعمة أسفل قدماي. أمسكتُ بالمجلد بحرص وأضحى رأسي يؤلمني بشدة. وأخر ما رأيته هو وجه أمي البشوش. ابتسمتُ لها بعدم تصديق. لم أستطع النبس ببنت شفة، ولكنني سمعتُ صوتها الهادئ الذي يلمس قلبي في كل مرة تلتقطه أذناي.
"أنا بانتظارك يا بني، بانتظار الوصال."
بعد ذلك، اختفى كل شيء كأنه لم يكن وألم رأسي أيضاً.
والآن هو موعد الشروق وما زال القمر يزين السماء والشمس تشق الظلام. تأملتُ السماء لوهلة. كان فوقي نجم لامع. شعرتُ بشيء أسفلي. لذا أمسكتُ بالمجلد سريعاً. الأرض تحولت إلى بحر من الرمال المتحركة، تبتلعني بهدوء وأنا عاجز عن الحراك. حبستُ أنفاسي قبل ابتلاع جسدي كاملاً، محكم القبض على حقيبتي التي تحوي المجلد والمذكرات. شعرتُ حينها بالاستسلام للمجهول فقط.
(موفق)
اليوم هو تنفيذ حكم الإعدام على خونة الملك. كيف استطاع هؤلاء الأوغاد خيانته بأي شكل كان؟ لا بأس، سأذهب للمشاهدة ثم إلى سفينة الأخشاب المبحرة إلى إمارة الجنوب عن طريق محيط سمهاري العظيم الذي يجعل مملكتنا شبه جزيرة خلابة من الخارج، ولكن بداخلها متفرقة إلى أربع إمارات.
أتيتُ منذ ثلاثة أيام من الإمارة الجنوبية شيلا إلى إمارة الشمال لازورد. لم أتمنى قط أو أحلم حتى أن أدخلها في يوم من الأيام. حسناً، ليس كصبى مساعد لتاجر أخشاب، ولكن كشخص من شعبها المرفه. أعيش في الجنوب حيث الفقر والمجاعات وبيع الرجال لأولادهم الصغار في الثانية عشرة سنة كما فعل أبي. ولكن كنتُ حينها عشر سنوات فقط. واليوم أنا في العشرين. اعتدتُ على ذلك الفقر القارص كالنار التي تأكل في قطعة من الخشب بدون رحمة إلى النهاية لتصبح رماد.
كنتُ أتجول في السوق مرتدياً رداء أسود كبير فوق ثيابي البالية الرثة، أشاهد ما يعرض للبيع من أطعمة، ومن الملابس والحلي، وكذلك المشغولات اليدوية المطعمة باللازورد والمعادن الثمينة. كسائر حياتنا، فاللازورد حجر الأساس لمملكة لبچشان الحبيبة.
شردتُ قليلاً في الضابط يعقوب الذي يتجول كل يوم للاطمئنان على أحوال الإمارة. نظرتُ للأرض خشية أن يرى عيناي البيضاء. الوسم والعملة أسفل ثيابي على ساعدي، ولكن عيناي ستفتضح أمرهما بكل تأكيد.
مر بجانبي بهدوء شديد على جواده الأسود. هذه هي المرة الأولى التي أراه بها. كان طويل القامة، أبيض الوجه، بعينيه الزرقاء القاتمة المخيفة في الآن ذاته. حقاً هذا الرجل تحيط به هالة من الكبرياء والقوة.
كنتُ على دراية بقصته المضحية النبيلة حيث ضحى بصديقه الخائن لينقذ الأميرة عنود أخت ملكنا، والتي سيعقد قرانهما صباح الغد. القوة ليست في التمسك بمن نحبهم، ولكن القوة بالتخلي عنهم بعد تذوق مرارة الخيانة.
عبر من الطرقات وخلفه الحرس خاصته، كلا على جواده بزيهم العسكري الأزرق.
شعرتُ بيد غليظة توضع على كتفي. ابتلعتُ ريقي بتوتر ونظرتُ لليد، ثم استمعتُ إلى الصوت الغليظ خلفي:
"أيها الشاب، هل تريد المساعدة؟"
أجبته دون إدارة وجهي:
"لا يا سيدي، أنا على ما يرام."
"حسناً، ولكن عليك الذهاب يا سيد، ستُغلق المحلات خلال نصف ساعة."
نسيتُ لوهلة لون عيناي واستدرتُ له قائلاً:
"شكراً لك يا سيد."
تبدلت معالم وجه الرجل من الثبات إلى الغضب المشتعل من عينيه الزرقاء السماوية، صارخاً بعدما أمسكني من تلابيدي يهزني بعنف:
"إنه لص! ساعدوني، لص من العبيد!"
أمعنتُ النظر خلف الرجل لأرى الوفود المتدفقة جهتنا. قلتُ بعدما ابتعلتُ ريقي قلقاً:
"يا ويلتي يا أمي!"
(يونس)
فقدتُ وعي لا أعلم إلى متى، ولكنني استيقظتُ على ماء بارد جداً يُسكب فوقي. شهقتُ بعنف من البرد الضارب لحرارة جسدي الملقى على أرض طينية. لا شيء سوى القلادة والخاتم، حتى أن حقيبتي لم أجدها والمجلد لا أعلم أين هو؟
أفقتُ من شرودي على صوت غليظ يقول:
"استيقظ يا غبي، حان موعد الاستعداد."
رمشتُ عدة مرات لكي أستوعب ما قاله هذا الرجل الضخم ذو اللحية السوداء وبشرته المماثلة. وسألتُ بتلعثم:
"أنا، أين أنا؟"
"أنت في قاعة التدريب أيها الحارس الأبله، هيا إلى موضعك لتبديل ثيابك."
أمعنتُ النظر في المكان. كان بسيطاً من الأخشاب، الجدران من اللون الأزرق والأبيض والسقف خشبي والأرض رطبة. استنتجتُ أننا في فصل الشتاء من السقف المبلل بكثرة، يكاد يسقط فوق رأسي. أمامي الكثير من الأبواب وأصوات متداخلة لرجال. نظرتُ في زاوية بعيدة بعض الشيء ورأيتُ حقيبتي الرياضية. ركضتُ ماسكاً إياها. كانت كما هي بداخلها هاتفي والمجلد ومذكرات والديّ. حمدتُ الله كثيراً.
فتحتُ أول الأبواب. كانت غرفة مشتركة بها أكثر من فراش بسيط وله بعض المقاعد الخشبية.
أتى الرجل مجدداً وقال وهو يرمي بحزمة قماشية في وجهي:
"هيا أيها القبيح، استعد. سنتحرك في غضون ساعة من الآن."
تنهدتُ بضجر. ما الذي أوقعت نفسي به الآن؟ بالطبع هذا الرجل مجنون لا محالة، أو أنه حلم بكل تأكيد. الأمر برمته مقلق.
دلفتُ إلى الحمام المرفق بالغرفة. اغتسلتُ بدون النظر إلى المكان حتى. ثم وقفتُ أمام المرآة بعدما بدلتُ ثيابي إلى أخرى عسكرية من اللون الأزرق القاتم. عبارة عن قميص يوجد عليه شارة واحدة وهي رسمة الوشم ذاتها. كانت فضية وبنطال بنفس اللون. حزام جلدي أبيض سميك وحذاء بنفس اللون.
كنتُ أريد ترتيب خصلاتي المبعثرة حينما وقفتُ أمام المرآة تجمدت أوصالي. من هذا الذي بالانعكاس؟ هذا ليس أنا. كان الانعكاس لشاب طويل وعينيه بيضاء والغريب أنني أرى بكل وضوح. ملامح متعبة بعض الشيء وشعره أسود أشعث.
هيئتي تغيرت لسبب أجهل ماهيته. عدا القلادة لازالت كما هي والخاتم في موضعه. يبدو أنهما يأبيان تركي. عيناي بيضاء، لا وجود للنني أبداً. لينعكس اللونان في عيناي ويظهرا بشكل مخيف. ملامحي القاسية، فك بارز ولحية خفيفة، أنف كالسيف وحاجبان كثيفان.
ارتديتُ الحذاء وخرجتُ إلى المكان الذي استيقظتُ به للتو. وجدتُ الرجل ذاته ولكن عيناه زرقاء بعض الشيء، أي بها النني.
سألته بتوتر:
"سيدي، هلا أخبرتني أين نحن؟"
ضحك بصخب وأجابني قائلاً:
"ماذا دهاك يا يونس؟ نحن بـ (جيكا) يا فتى."
ضممتُ ما بين حاجبي وسألته مجدداً:
"ما هذه جيكا؟"
نظر إليّ باستهزاء بادٍ وقال:
"بيت ماما يا حبيب ماما."
رمقته بغضب لاستهزائه وقلتُ:
"أخبرني ما هذه جيكا، وفي أي عام نحن؟"
قال بعصبية طفيفة:
"أنت تتحدث مع قائدك. جيكا هي الإمارة الغربية العسكرية للِبچَشان، ونحن في عام 991 ب.ك"
"ماذا؟"
"ثانياً، التزم حدود وظيفتك أيها الغبي، وإلا تركتك في هذه الصحراء لتكون وجبة للذئاب والحيوانات المفترسة."
تركني وغادر. أخرجتُ هاتفي الجوال. كان به طاقة كافية للتشغيل. فتحتُ تطبيق الكاميرا وخاصةً الأمامية ورفعتها أمام وجهي لأرى أنني كنتُ بالهيئة ذاتها عندما كنتُ في رحلة التخييم. أغلقتُ الهاتف وفتحتها ثانيةً رغبة مني في التأكد. لا اختلاف. يونس يناظرني بهدوء. لنحظى بمغامرة شيقة إذن، ولكن بهيئة يونس العسكرية.
خرجتُ من المبنى إلى الخارج. فناء رملي شاسع والكثير من الجنود الذين يرتدون ملابس مماثلة لخاصتي. وجدتُ شاب في الصفوف الأمامية يشير لي بالاقتراب. خطوتُ بتربص حذر، فما زلتُ لا أفقه شيئاً هنا. وقفتُ بجانبه. صافحني بابتسامة حماسية قائلاً:
"لما تأخرت يا يونس؟ لابد من التحرك لمشاهدة الإمارة المرفهة. هل تجولت بها من قبل؟"
عقدتُ حاجبي بتعجب من ثرثرته، ولكن أظنها عفوية وأن يونس هذا كان ثرثاراً أبله كما نعتني ذلك الرجل ذو العينين الزرقاء. كانت هيئته مماثلة لخاصتي بعض الشيء، ولكن أقصر قليلاً وعينين بيضاء وجسد نحيل.
قلتُ له:
"لا، لم يحالفني الحظ بعد."
"وها قد حالفنا يا يونس العزيز، سننال شرف حمايتها في مثل هذا اليوم الهام."
"وماذا سيحدث اليوم؟"
"اليوم هو زواج الأميرة عنود وقائد الجيش الضابط هادي."
"لابد أنني انشغلت في بعض الأعمال لهذا لم أتذكر شيئاً مما قلته."
يجعد وجهه بتعجب قائلاً:
"أنت من أخبرتني بكل ذلك يا رجل، كنت متحمساً حينها."
توترتُ قليلاً ووضعتُ يدي بجيب بنطالي القماشي خوفاً من كشف أمري وسألته بهدوء:
"لا يا صديقي، بالطبع أتذكر، ولكن كما تعلم كنت مريضاً في الآونة الأخيرة لذلك استحوذ المرض على عقلي وتفكيري."
ظهرت علامات الحزن على وجهه وربت على كتفي بحنو قائلاً:
"حمد لله على سلامتك، كانت فترة مزعجة أعلم ذلك."
ابتسمتُ له بثناء حقيقي على دعمه لي وكدتُ أتحدث إلى أن صدح صوت شخص خلفنا هاتفاً:
"صديق، يا رجل، هيا نحن بانتظارك."
لوح له صديق بهتاف مماثل:
"حسناً، كما اتفقنا."
رفع الآخر يده علامة على الموافقة وعاود صديق النظر إليّ قائلاً:
"عمن كنت تسأل؟"
"عن الضابط يعقوب؛ هل هو بالأرجاء؟"
"لا، هو قائد الجيش، لا يأتي إلى هذه الإمارة فقط يمكث في الإمارة الشمالية حيث الأشراف والعائلة الملكية والوزراء."
أومأتُ بخفة ثم أردفتُ:
"والشعب أين يمكث؟ هل المملكة لا تسمح بالاختلاط؟ وما اسم هذه المملكة والإمارات المجاورة؟"
ضحك ثم ضربني على كتفي هاتفاً:
"يا رجل، تتحدث كأنك من مملكة أخرى."
لم أعلق، ولكن نظرتُ إليه بصمت ليتنهد ثم يستأنف الحديث:
"حسناً، في مملكة لبچشان أربع إمارات. الشمالية لازورد حيث العائلة الملكية والوزراء والأشراف، أي الطبقة الأولى من هرم الطبقات. ثم الشرقية (باقر) حيث العامة ذوي الأعين الزرقاء السماوية، وكذلك لازورد ولكنهم ذوي أعين زرقاء قاتمة. الجنوبية (شيلا) حيث التجارة وصناعة الأخشاب والقوافل التجارية عبر البر، والبحرية عبر محيط سمهارى الذي يحيط بلبچشان من ثلاثة جهات: الشمالية والشرقية والجنوبية. يحيط بنا صحراء ريديس العظمى. وأخيراً إمارتنا (جيكا) الغربية حيث الجيش والتدريبات الشاقة لحماية البلاد، وتحيط بنا الصحراء للاعتياد على الأجواء القاسية. ولكننا من العبيد ذوي الأعين البيضاء الحجرية مثل إمارة شيلا الجنوبية. يتم التفرقة ومعرفة الطبقات بدقة متناهية عن طريق عملة يتم تصميمها خصيصاً لكل طبقة، تُعطي إشارة لجهاز يحمله القادة العسكريون وحراس الطبقات على البوابات الخاصة بكل إمارة. ولون العين الطريقة المباشرة والغير دقيقة لمعرفة طبقتك الاجتماعية، ولكن العين نافذة للروح وليست للتفرقة بين البشر."
عقدتُ حاجبي ووجهتُ نظري إلى ساعده العاري أسفل القميص قائلاً:
"وماذا عن هذا الوسم؟"
"إنها لعنة ريديس."
رفعتُ حاجبي مستنكراً لما قال وصمتُ وأنا أشاهد شاب مثلنا. أدركتُ أنه ضابط يقوم بتوزيع أسلحة علينا جميعاً، أي الجنود. كلا منا له سيف وخنجر.
حالما انتهى قال القائد بهتاف:
"اليوم هو اليوم المنشود، يوم تحقيق العدالة لمملكتنا الحبيبة. سيُعدم خونة ملكنا من حاول اغتيال أميرنا زايد الهاربان. سنجدهما ولكن إلى حينها سنظل حافظين للعهد، عهد الحفاظ على الأمن والنظام داخل الإمارات الأربع. أنا أعلم أنكم رجال يوثق بهم، لذلك سينال كل فرد منكم بعد انتهاء الاحتفال عملتان من الذهب."
تعالى صوت الهتاف بحماس وأنا أقف كالطفل بين الكبار لا أفقه شيئاً من الحديث. إلى أن لكزتُ صديق في خصره، صاح بضجر قائلاً:
"ماذا؟"
همستُ:
"أي عملة وماذا نفعل بها؟"
قلب عينيه بملل. أعلم أنني ممل اليوم، ولكن لا أريدني أن أظل جاهلاً لما حولي هكذا.
أجاب:
"العملة الذهبية لا يمتلكها سوى الأشراف والعامة. وبما أنه قال هذا فإن اليوم الملك سعيد ومسرور للغاية لزواج شقيقته سمو الأميرة. سنحظى بموجبة دسمة لشهر كامل من الآن."
وددتُ ضرب هذا الصديق الجائع، ولكن تريث يا يونس، الآن علينا بالتروي لإيجاد ما نبغي إليه.
شعرتُ بحرق في ساعدي. تسللتُ من بين الحشد إلى خلف جدار بالجوار ورفعتُ كم القميص. وجدته يتوهج بزرقة كالمعتاد وجلدي يحرقني. تحاملتُ على نفسي وسرتُ جنباً إلى جنب صديق إلى إمارة لازورد سيراً على الأقدام من الغرب إلى الشمال. حسناً، لا بأس ببعض الرياضة، فالسير مفيد جداً للجسد كي لا أسمن من فرط الراحة.
استمر السير ليوم كامل دون انقطاع للراحة حتى. اشتقتُ كثيراً إلى حياة الفنان المنبوذ. هكذا نحن البشر، عند توافر أي شيء كان، شخص، عمل، مسكن، راحة، لا نقدرها إلا عن فقدانه. ولكن لما لا نحافظ عليها قبل فوات الأوان؟
قلتُ في ذاتي:
"آسف، آسف يا نغم. أتمنى لكِ حياة سعيدة مع من اختاره قلبكِ."
لم أعتد عندما كنتُ طفلاً أن أُظهر مشاعري لأياً كان. البعض يعتقد أنه خجل، ولكن في الحقيقة ليس خجلاً، ولكن جفاء وألم. لكل فعل رد فعل، وأنا دائماً كنتُ رد الفعل. ولكن الآن أن الفعل. لا فراق ما دام الله معي. أتوكل عليه.
حان وقت الغروب ونحن ما زلنا نسير في الصحراء خلف القادة الذين يمتطون أحصنتهم بكبرياء. قال رجل أدركتُ أنه القائد، حيث أنهم من ذوي الأعين الزرقاء. أخبرني صديق أنهم ضباط معاقبون، لذلك تم إرسالهم إلى هنا إلى قيادة العبيد. ولكن الغريب أن الجميع سعيد وكأنهم ملوك يتوجون.
قرأتُ عن القناعة والصبر كثيراً، ولكن لكل منا حدوده وقدرة للتحمل. وأمامي الآن قوم يسرفون بسخاء في صبرهم وقناعتهم.
قال القائد:
"سنُخيم هنا إلى الصباح. أصبحنا على مشارف لازورد، والآن فليأخذ كلاً منكم موضعه."
امتثل الجميع لأوامره، وكذلك أنا وصديق أخذنا موضعاً بجانب بعضهما وانضم إلينا ثلاثة آخرون.
أشعلتُ النيران في الأرجاء وكنا ملتفين حول الحطب الذي يطلق شرارة اشتعاله الحمراء لتنطفأ في عنان السماء السوداء. نظرتُ إلى القمر، لا يزال مكتملاً بالإضافة إلى النجم المتوهج. أفقتُ على لكزة في خصري من صديق الذي قال هامساً:
"لما تُخفي وسمك؟ الأوامر صارمة بعدم تغطيته تحت أي ظرفاً كان."
"ما الداعي لهذا التحفظ الصارم؟"
"هذه قوانين المخطوطة ثمانون، مخطوطة عهد ريديس، وهي قانون لبچشان أيضاً، وهذا ما نصت عليه المادة الثلاثون منها."
"وما هذا عهد ريديس؟"
"هذا هو مكتشف المملكة قبل قرون، مؤسسها، وهو كذلك من وضع قوانينها. وتم تسمية المخطوطة باسمه تخليداً لذكراه."
"وكيف علمت بكل هذا؟"
"هذا قانون سارٍ في البلاد، ولكن لا أحد يستطيع مطالعة المخطوطة سوى السحرة والأسرة الحاكمة والوزراء طبقاً للمادة الأولى منه، كما سمعتُ ذات مرة من أحد القادة المعاقبين لدينا."
نظرتُ أمامي بهدوء. يبدو أن لبچشان مملكة مبهمة.
رفعتُ كم القميص لكي يظهر الوسم كما قال صديق. ما إن رأى ساعدي حتى صاح:
"ما هذا؟"
نظرتُ بتوتر قائلاً:
"ماذا؟"
"هذا ليس وسمنا."
"لا، إنه مطابق لخاصتك؛ ألا ترى يا صديق؟"
"بلى، ولكن يبدو أنه رُسم حديثاً فهو ملتهب بشدة."
قلتُ دافعاً إياه لكى أبعده عن ساعدي:
"لا، إنها فقط حساسية لا أكثر، ولكن كيف علمت بالالتهاب؟ فجلدي لا يظهر عليه شيء."
ابتسم بترفع وهو يضع كفه على موضع قلبه بحركة مسرحية قائلاً:
"لأنني طبيب."
"كيف؟"
"لقد كنتُ مساعداً لطبيب قبل زمن في الأيام الخوالي. آه يا صديقي، وما أدراك ما الأيام الخوالي؛ هو من علمني مثل هذه الأشياء. كما تعلم، فالفوارق هنا كثيرة وكان لابد من تعلم بعض الخدع."
"مثل؟"
استأنف حديثه:
"صناعة عملة الميلاد وكذلك الشراب الخاص بالطوابق الملكية. تعلمتُ صنعها على يد أستاذي رحمه الله."
"عملة الميلاد؟"
مدَ يده داخل قميصه وأخرج عملة نحاسية وقال باسماً:
"أجل، هذه العملة."
أمعنتُ النظر للعملة المثقوبة ومعلقة حول نحره، كانت لامعة نتيجة لانعكاس الضوء الصادر من الموقد أمامنا، وبها الطائر وبعض الكلمات المبهمة. هذا الطائر يحظى بمكانة مرموقة هنا على هذه الأرض الزرقاء.
قال بتوضيح:
"يتم صناعتها في منجم ثروان الخاص باللازورد الخالص. تُصنع من قبل أكفأ عمال المملكة. يتم إرسال عدداً منها بداية كل عام لمختلف الطبقات. وهو مكان مكوث السحرة نظراً لكميات اللازورد الضخمة هناك."
سألته:
"وهل يمكننا الذهاب هناك يوماً؟"
"لا، هذا ممنوع. لا أحد يستطيع الولوج سوى العمال والكهنة وبعض قادة الجيش."
"حسناً، معلوماتك مفيدة حقاً لمبتدئ."
ابتسم لي بهدوء علامة على الدعم وهمس:
"على الرحب والسعة، أنت أخي يا يونس."
بادلته الابتسامة وقلتُ:
"كيف أصبحنا أصدقاء؟"
ضحك وهتف:
"يبدو أن المرض تمكن من ذاكرتك بدرجة بالغة يا صاح."
ضحكتُ معه:
"حقاً لا أمزح، كيف أصبحنا أصدقاء؟"
قال بهدوء وهو يلقي بقطعة حطب بداخل النيران:
"منذ أسبوع في الصحراء."
"في الصحراء؟"
"أجل، كنت صياد متمكن ولكن لهيئتك تم اعتقالك نظراً لاعتقادهم أنك جندي هارب أو عبد سارق. رأيتك تنازع ببسالة وصحت بالجميع قائلاً أنك من الأشراف. ضحك الجميع على هذه العبارة فلا يوجد شخص هكذا من الأشراف الذين يتميزون بالعيون الزرقاء."
قلتُ بشرود:
"ربما!، تعلم؟"
ضحك بخفوت وقال:
"لا."
"العيون الزرقاء تشكل ما بين ثمانية إلى عشرة بالمائة فقط من سكان العالم. وهنا في لبچشان تشكل أكثر من خمسين بالمئة."
"أي عالم؟ لا عالم لدينا سوى لبچشان، وخاصةً جيكا الحبيبة. ولكن حقاً كيف لا تتذكر هذه الأشياء؟" ثم صمت لبرهة وبدت على وجهه علامات الامتعاض والتذمر:
"كنتَ تحادثني بعجرفة في بداية الأمر، حتى أنك زعقت بوجهي ذات مرة لأنني لم أطلب لك حساء الخضروات."
لوى شدقه باستنكار ساخر واستأنف الحديث:
"تتحدث كالسيد ونحن العبيد، حقاً غليظ متعجرف."
ضحكتُ بعدم تصديق وهتفتُ بعد ضربي لصديق في كتفه بخفة:
"لا متعجرف هنا سواك أيها الصديق."
"يا رجل، أنا رمز التواضع ووسام المرح."
ضحكتُ وقلتُ:
"وهل لي أن أنال شرف صداقتك؟"
ابتسم وقال بحبور:
"بالطبع يا صديقي، أنت أخي الصغير يا رجل."
رفعتُ حاجبي مستنكراً وقلتُ:
"أخوك الصغير؟"
"نعم."
"لأنني أكبرك بشهرين وكما تقول القاعدة الشعبية: من يكبرك بيوم يعرف أكثر منك بعام."
ضحكتُ على هذه الجملة غير المنمقة.
تبادلنا الكثير من الأحاديث وبالطبع الطرفات البشعة من صديق والقليل من الصمت والشرود. حقاً الصداقة دواء لندوب الروح. تذكرتُ معتز وموقف جمعنا بالماضي عندما حدثني صديق عن حزنه بترك منزله وأنه يريد الترويح عن ذاته، ولكن ليس بجانب حفنة الروث هذه. تذكرتُ آخر نزهة لنا في السفاري. اعتدنا على ذلك منذ الصغر، كنا نتحدث عن حزننا بالفراق وما نفعله لتخفيفه والتربيت على قلوبنا.
» كنا نقف أعلى تلة من الكثبان الرملية الرائعة، نناظر الصحراء التي تلتقي مع قبة السماء ليختلط اللونين الأصفر والأزرق السماوي في خط أصفر لامع أثناء لحظة الغروب.
كان حينها تعرض لانفصال عن الفتاة التي يحبها. كان الحزن بادياً على ملامحه المرهقة مع تلك الدوائر السوداء التي تحول عينيه. قطع شرودي في القرص الذهبي الخافت قوله:
"عندما أشعر بالحزن، تعلم ما الذي أفعله؟"
"ماذا تفعل؟"
قال بشرود:
"أستمع إلى الموسيقى لتخفف حزني. وعندما أشعر بالحنين، تقطع هي مسافات الشوق. عندما أشعر بالسعادة، تزيد هي سعادتي لأضعاف. عندما أرى ندوبي القديمة، تخفف عني ثقل الخذلان. فهي صديق وحدتي ورفيق مشاعري."
"أنا على النقيض تماماً، أفعل شيئاً مختلفاً."
"وما هو يا ترى؟"
"لا أستمع إلى الموسيقى أبداً، فالأمر غير مهم برمته."
"لماذا؟"
"الموسيقى ليست سوى مجرد كذبة، مشاعر عابرة، أوقات زائفة نقضيها في سماع الأوهام على حد علمي بما قلته لتوك، فأنت تتجه إلى الموسيقى والعزلة."
"لا أعلم كيف تعمل بالرسم وقلبك حجر كالجليد."
أفقتُ من شرودي الذي أضحى يداهمني كثيراً على صوت غليظ. كان القائد هاتفاً:
"الجميع إلى النوم. سنتحرك في غضون ساعتين، هيـــا!"
ساعتين؟ حقاً يمزح هذا الرجل البدين. تأففتُ بامتعاض وخلدتُ إلى النوم.
مرت خمس ساعات سريعة ونحن الآن في سوق لازورد. نتحرك في صفوفٍ منظمة بجانبي صديق بالطبع. أتأمل المدينة الزرقاء الرائعة. توقفتُ عن السير حين سمعتُ صوت ضحكات من خلفي في تجمع من الناس حول شيء ما.
تركتُ الصفوف سريعاً وركضتُ إلى هناك غير عابئاً بنداء صديق المستمر باسمي.
أزحتُ التجمع لأقطع الدائرة وأجد شاب صغير عاري الصدر. أيقنتُ أنه من العبيد نظراً للون عينيه. صرختُ في هؤلاء الأغبياء لكي يتركوه. الفتى ينزف من أنحاء متفرقة بجسده بشدة نتيجة للضرب المبرح الذي تعرض له.
"أتركوه يا أغبياء، أُقسم أنني سأقتلكم جميعاً، أتركوه."
لم يستجب أحدهم لذا أخرجتُ سيفي من غمده ووضعته على عنق رجل كان بجانبي يشاهد ما يحدث باستمتاع. صرخ بذعر واتجهت جميع الأعين إلينا. تركوا الشاب أخيراً وأنا تركتُ الرجل بالمقابل لكى أساعده على النهوض. أوقفتني يد رجل ما قائلاً بوعيد:
"العبيد ليس لها رأي في أي شيء، فقط تشاهد مثل كلب الحراسة أيها القبيح."
فاض بي الكيل عند هذا الحد. أمسكته من تلابيبه جاذباً إياه بعنف. صككتُ على أسناني بغل وهمستُ:
"أعد ما قلته، وأعدك بأنك لن ترى المساء يا أخرق."
ابتلع ريقه بتوتر وأومأ كي أتركه. فتركته وركضتُ إلى الشاب ساعدته على النهوض. خرجتُ من التجمع لألحق بالصفوف ولكن لا وجود لها.
همستُ بغضب:
"لقد تركوني وأكملوا السير. صديق ذلك الغبي، سأقطع رأس الطماطم خاصته حالما أجده."
رواية لِبچَشان الفصل الخامس 5 - بقلم عفاف العريشي
لم أعد أشعر بشيء سوى الإعياء من كثرة الضرب بالحجارة وإلقاء المخلفات والبيض اللزج على جسدي بعدما جردوني من ملابسي العلوية، بكيتُ قهراً.
كاد يُغشى عليّ وأنا أشعر بدمائي الدافئة تختلط مع الرمال أسفل بشرة ظهري الذى بات يحرقني نتيجة لضرب أحدهم لي بالسوط ووضع الملح على جروحي، وكل هذا فقط لأنني ولدتُ في إمارة العبيد كُتب على جبيني الإهانة، وهل يستطيع الإنسان أن يختار أين يولد، لا بالطبع ولكنه يختار كيف يعيش هو وحده من يقرر ذلك، وأنا قررتُ العيش بالترحال لينتهي بي الأمر غارقاً بدمائي في سوق لازورد.
أفقتُ قليلاً عن سماعي لصراخ أحدهم بتركي ولكن لم آره، رأيته فقط حينما أمسك الرجل من قميصه وعنفه كان يبدو مخيفاً بجسده الضخم وملابسه العسكرية بالإضافة إلى عينيه البيضاء هي تشبه خاصتي ولكنه يختلف تماماً أعنى حقاً مخيف.
نظرتُ إلى السماء وحمدتُ الله، حاولتُ النهوض ولم أستطع فساعدني هو وسرنا في السوق ثم سمعته يسب أحدهم.
قلتُ بوهن:
_شكراً لك يا سيدي.
شد على كتفي وقال بعصبية طفيفة:
_أنا لستُ سيدك لقد خُلقت حراً لا تفرض قيوداً على ذاتك.
قلتُ بابتسامة أظهرت أسناني الملطخة بالدماء رأيت الانعكاس على مرآة لمتجر ما:
_نعم لقد خُلقت حراً، ولكن عبداً تحت راية الأبوة.
_لا أفهم مقصدك؟
_ولن تفهمه.
صمتنا إلى حين سألني وهى ينظر إلى المفرقين أمامنا بتفكير:
_إلى أين؟، أقصد أين منزلك أو كيف أتيت؟
_أنا لا أقيم هنا أولست من شعب لِبچَشان؟!
_بلى.
_إذاً لنذهب إلى ساحة لازورد؛ فالاحتفال على وشك.
_حسناً ولكن أي مفترق نسلك؟
_الأيمن.
سرنا بهدوء إلى أن رأينا الحشد حول المنصة فمن قوانين المملكة عندما يخون أحدهم ملك يتم إعدامه أمام الملأ حتى يكون عبرة لمن تسول له نفسه خيانة ملكنا.
قلتُ له بهدوء وأنا أراقب صعود الملك لينحني له الشعب ونحن كذلك:
_بالأمس كان إعدام ولكن لم يحدث.
_لما؟
_لقد هربا الخائنين، هربوا قبل الإعدام بدقائق ولا علم لأحد كيف حدث ذلك سوى الملك ومساعده يعقوب فهما على دراية بالأمر برمته، والآن هو إعدام من عاونهما على ارتكاب جريمتهم الشنيعة.
صعد الملك غيث أولاً ثم تبعه صعود الضابط يعقوب بزيه العسكري بجانبه الأميرة عنود بزيها الفضفاض الأبيض الذى يزيدها جمالاً دائماً، ثم الملكة ناديرا زوجة الملك، ترتدي فستان ثقيل مرصع بالمجوهرات والأحجار النادرة كاسمها؛ خلفها وصيفتها دارين تحمل الأمير زايد الرضيع وولي العهد.
جلس كلاً بموضعه وعلى إشارة من يد الملك المزينة بالحلى والمجوهرات فهؤلاء هم أعلى طبقة في هرم لِبچَشان، عيونهم الزرقاء القاتمة بالإضافة إلى الملابس الثقيلة المرصعة بالمجوهرات والأحجار الكريمة.
جاء بعد ذلك ثلاثة حراس يجر كلاً منهم شخص مبهم الهوية بسبب الغطاء الأسود الموضوع على عينيه فتستحيل الرؤية وقف ثلاثتهم جنباً إلى جنب وأمام كلاً منهم ضابط مُمسكاً بسيفه وخلفهم حراس، انحنوا على ركبهم إثر ضرب الحارس لكلاً منهم في ركبته من الخلف كان من بينهم سيده، ما الذى اقترفته فقط لأن ابنتها عشقت شخصاً كان يستحيل اجتماعهما وهربت معه قبل الإعدام، هل ما يفعله الأبناء يعاقب عليه الآباء، أين العدل في ذلك.
هوت السيوف تباعاً فوق كل رأس لتتدحرج الثلاثة رؤوس على المنصة الخشبية تملأها الدماء.
اللعنة على تلك الابنه فهم كانوا من عامة الشعب أي طبقة جيدة في الهرم على عكسنا نحن أنا وهذا الغريب.
سمعتُ سؤاله المباغت قائلاً:
-من هؤلاء؟
أجبته وأنا أشاهد الحراس يحملون الجثث:
_الجثتان اللتان جانب بعضهما تعودان إلى الطبيب زاهر وزوجته ميلاف والجثة الأخيرة إلى حارس غرفة الطبيب الأول للقصر، ألم تسمع بالقصة إنها تُحكى منذ زمن يا رجل.
قال وهو شارد:
_لا لم أسمع.
_يبدو أنك حديث العهد هنا أليس كذلك؟
_بلى.
كان مازال يساندني لذلك وقفت بجانبه ومددتُ له يدي نية في المصافحة وقلتُ باسماً:
_موفق أعمل في تجارة الأخشاب والأثاث الملكي من إمارة «شيلا» الجنوبية.
صافحني بحبور وقال بابتسامة:
_يونس حارس بالجيش من إمارة (جيكا) الغربية.
قلتُ مازحاً:
_غنى عن التعريف أيها المرعب.
ضحك وكدنا نخرج ولكن سمعنا صوت خلفنا بين فتاتين تبدوان من العامة:
_أنظري إلى الضابط يعقوب يقف بثبات وكأنه لم يخن صديقه قبل يومين.
قالت الأخرى بأسى:
_اللعنة على أمثاله.
نظرتُ إلى يونس باستفهام وبادلني هو بدوره النظرات ذاتها.
قالت الفتاة الأولى:
_لونار لم تأتى اليوم، لما؟
_لا أعلم لابد أنها منشغلة في عمل ما.
_حسناً لنذهب مازال أمامنا وقت ريثما ينتهى العمال من تنظيم حفل الزفاف الليلة، ولكن علينا الذهاب إلى الطبيب لشراء شراب الميلاد لطفل أختي سُيولد عما قريب إن شاء الله.
قالت الثانية بحماس:
_مُبارك يا عزيزتي، أسأل الله أن يجعله ذرية صالحة.
ابتسمت الأولى بهدوء وذهبتا ولكن أظن أن قلبي سُرق لتوه وأوشكتُ على السقوط في حُب محرم سيوأد في مهده.
كان يونس لايزال شارداً بملامح متجهمة وخوذته تغطى شعره، أمسك ساعده فجأة وقال:
_أريد مكان بعيد عن أعين أي أحد، أرجوك يا موفق!
أشرتُ له بالخروج قائلاً:
_بالطبع تعالى معي.
ذهبنا بين الطرقات إلى أن اختبائنا خلف جدار ضخم لقصر الملك القريب من المنصة، أظن أنه من الغباء مجيء الملك وعائلته من طريق ثروان النائي بالرغم من وجود القصر هنا بالقرب من الاحتفال.
عاودتُ النظر ليونس فلم أجده بل وجدتُ ضابط بملابس يونس أظنه من الأشراف نظراً لعينيه الزرقاء القاتمة وشعره الأبيض، ولكن ملامحه ملامح يونس باختلاف العينين سقطَ مغشياً عليه وأنا أحاول إفاقته بلا جدوى وبعد عدة محاولات استيقظ يتنفس الصعداء واضعاً يده فوق قلبه منتصف صدره تحديداً، يغمض عينيه ويفتحهما عدة مرات.
قال بوهن:
_أين انا؟
نظرتُ إليه بتشتت وفضلتُ الصمت فمازال لحديثه بقية.
( يونس )
بعدما شاهدتُ مراسم الإعدام، بدأ ساعدي يحرقني بشدة وكذلك رأسي الألم يفتك بها تزامناً مع حرق القلادة لصدري شددتُ قبضتي على حقيبتي القماشية السوداء، نظرتُ إلى موفق لم أشعر بنفسي سوى ساقطاً على الأرض خلف جدار ضخم.
فتحتُ عينايّ ورأيت موفق مجدداً ولكن لما ملامح الصدمة التي تعتلي وجهه الآن؟
سألته:
_أين أنا؟
أجاب بعدما ابتلع ريقه بتوتر:
_أنت يونس؟
_أجل
صاح قائلاً:
_انت لست يونس أيها المستغل الحقير كنت تسير معي كل هذا الوقت لاستجوابي عن العبيد أليس كذلك، أود ضربك ولكن لن أخسر حياتي مقابل لكمة لك يا أخرق!
لم أستوعب ما قاله ولكنني قلتُ بهدوء:
_موفق هذا أنا يونس يا صديقي أقسم لك.
رأيته وهو يشد شعره بغضب ثم رحل وعاد حاملاً مرآة وضعها أمامي قائلاً بامتعاض:
_أنظر!
وجهتُ نظري إلى المرآة عادت هيئتي لطبيعتها، ابتسمت بفرحة ونظرتُ لموفق هاتفاً بسعادة:
_هذا أنا، آه حمداً لله.
رفع حاجبه وسألني:
_أعلم أنك لست من شعب لِبچَشان لهذا ستحكى لي قصتك كاملة وإلا..
نظرتُ في عينيه بثبات ابتسمت بسخرية قائلاً:
_حسناً يا صديقي، لنجلس ولكن بعيداً عن هنا.
أومأ لي بهدوء وأشار لكى أتبعه:
_وصلنا إلى ساحة شاسعة ولكن فارغة تحيط بها الأعمدة من جميع الجهات أعمدة خشبية عملاقة والبعض مدبب بسنون حادة.
جلسنا على مقربة من عمود بالرغم من جروحه التى لم تُشفى بعد إلا أنه قال:
_حسناً، نحن إذن بعيداً عن أنظار الجميع، مَنْ أنت؟
ابتسمت له وتنهدتُ قائلاً:
-أنا يونس وليد الرسام المنبوذ.
نظر إلىّ إشارة على إكمال الحكاية، قصصتُ له ما حدث معي قبل وبعد مجيئي إلى هنا.
رأيته يغمض عينيه بحزن بادي ثم قال:
_أنت جئت إلى هنا للبحث عن والدك وأنا جئتُ إلى هنا للهرب من والدي.
سألته باستهجان:
_كيف؟
_في مملكة لِبچَشان، مخطوطة عهد ريديس تنص على الحق للعبيد بيع أولادهم في سن الاثنتي عشرة سنة؛ وأبى لم يتفانى في هذا فباعني في سن العاشرة، اخترقت القوانين قضيتُ حياتي بين العبيد، أختبئ كلما وطئت قدمي أي من إمارات الطبقات الأعلى، وكلما رآني أحدهم يتم ضربي كما شاهدت أنت تماماً.
_إن الله معنا وإن الحياة بكل مجريتها ستهون.
ابتسم بهدوء وقال:
_ولكن كيف علمت أن والدك هنا؟
_لا أعلم ولكن هذا الخاتم هو من قادني؛ وأنا أعلم أنه على صواب.
_حسناً، وكيف ستبدأ؟، أي أنك الآن لست من العبيد لأن عينيك طبيعية وكذلك عملتك استحالت إلى تلك الخاصة بالطبقات الحرة.
وأمسك بالعملة الخاصة بيونس وتابع:
_حتى الاسم بات كارم وليس يونس، ماذا ستفعل الآن؟
_سأبدأ ككارم بالطبع، أي انني كارم الآن لذا سأبدأ ككارم، فكما تعلم يونس بين الصفوف وكارم أمام الصفوف.
ابتسم موفق بضعف وقال بهدوء:
_الحياة رحلة بدأت بصرخة مدوية وتنتهى بصمت مطبق وبين الصرخة والصمت الحصاد، ولكن أين حصادي أنا لم يكن سوى الإهانة والضعف.
قلتُ بهدوء:
-موفق، أنت لست ضعيفاً ابداً، لا ترضى بالهوان يا صديقي عليك بالتريث والتحلي بالصبر، وأسأل الله راحة البال لك دائماً يا أخي.
رأيتُ نظرات السعادة بعينيه بعد كلماتي كاد يتحدث إلا أن صوت حارس خلفنا قائلاً باحترام:
-سيدي السيد يعقوب بانتظارك للحديث بأمر اختفائك قبل يومين.
نظرتُ إلى موفق بصدمة ماذا قال ذلك الحارس، الضابط يعقوب بانتظاري، دقات قلبي تتواثب بتوتر.
أومأ لي موفق ثم سألتُ الحارس بأن يأتي بملابس نظيفة وغطاء لموفق لكى اضمن خروجه سالماً من براثن العنصرية.
بعدما ارتدى ملابسه عانقني بحرارة وهمس بأذني ببضعة كلمات.
قال بابتسامة:
_ وداعاً، حفظك الله دائماً يا أخي.
_لا تقل وداعاً بل إلى اللقاء أيها المحارب العظيم.
ابتسم ووضع غطاء رأسه وذهب على أمل اللقاء داعياً لي بإيجاد أبى بأسرع وقت.
رواية لِبچَشان الفصل السادس 6 - بقلم عفاف العريشي
تبدو الحياة كما لو كانت قصة حزينة، حيث يتلاشى الفرح وتتساقط الأحلام دون رحمة ويبقى القلب ينزف بصمت بين أشلاء الأمل.
هذا ما كنت أحدث به نفسي طوال الطريق أسير منكس الرأس بين علية القوم إلى أن اصطدمت بأحدهم.
لم أرفع رأسي خشية من ضربي مجدداً.
كانت فتاة رأيتُ فستانها الحريري الأسود من أسفل غطاء الرأس خاصتي.
يبدو أنها قصيرة للغاية.
قالت بسخط:
- أيها الأبله تسير في الطرقات منكس الرأس كالأحمق.
لم أرفع رأسي قط.
استمرت بالحديث إلى أن رحلت من أمامي.
أكملتُ طريقي إلى السفينة فالإبحار اليوم إلى شيلا ويجب أن أكون هناك وإلا سيتركونني هنا.
لا يقود السفينة سوى أشخاص من عامة الشعب تم نفيهم إلى شيلا لجرائم اقترفوها في حق أشخاص بنفس الطبقة.
ولكن إذا تم اقتراف الجريمة من الطبقة الأدنى في حق طبقة أعلى يتم الإعدام حسب الفروق الاجتماعية والاختلاف بين العملات والوسم.
كنتُ أتمنى لو أن شراب الميلاد خاصتي ساماً كنتُ الان مستريحاً بين الأموات ولا متعباً بين الأحياء.
رأيتُ صفوف من الأحذية العسكرية تسير بمحاذاتي.
رفعتُ نظري قليلاً لأرى صفوف العبيد بالملابس العسكرية تسير بمحاذاتي في طريقهم إلى الساحة للاحتفال بالزواج بعدما تم رسم الوسم على ساعد الضابط يعقوب.
فالعائلة الملكية يتم وسمهم بوسم معين حتى أن شراب الميلاد خاصتهم سحري إلى أبعد مدى.
لأن من وسمهم هكذا لسبب مبهم يعود إلى عهد ريديس.
ريديس هو مكتشف المملكة قبل لازورد قبل تسعة قرون.
كان بحاراً من بلد نائية يأتي كل عام في رحلة صيد تدوم لأسابيع ويتم حفظ الأسماك واللحوم في سلات حافظة يتم صناعتها بدقة.
ولكنه وبلا قصد ولج إلى منطقة لِبچَشان المحرمة.
لم يكن اسمها لِبچَشان آنذاك.
استمر الإبحار أكثر من المدة المعتادة وأدى ذلك إلى موت رجلين كانا يبحران رفقته.
فقد كان رفقته قرابة السبع أفراد المكونين للطاقم.
قادت الرياح والأمواج سفينتهم وهم غارقين في الإعياء إلى شاطئ لِبچَشان وتحديداً بجانب منجم ثروان ولا سبيل للعودة.
كان بحوزتهم حبوب الأرز والشعير قاموا بزراعتها والتأقلم عبر السنين إلى أن عثر عليهم أناس من أهل لِبچَشان الأولين.
وتزوجوا وتم تعيين حكام للإمارات وهم (چيكا) ،( باقر)،( شيلا)،( لازورد).
بعدما تم تقسيم المملكة إلى أربع إمارات وبالطبع تم تعيين قادة على المنجم لحفظ الثروات.
ولكن هناك سر وهو بحيرة الموتى التي تتوسط الإمارات الأربع.
يقولون أن بها مواد سحرية وهى أن كل من يحاول الخروج خارج قطر المملكة تتوفاه المنية حتماً بعدما تتفجر أحشائه ويصاب بزيف حاد بالدماغ.
بحيرة الموتى هى الشاهدة على عهد ريديس يوم التقاء نحم ثروان مع نجمه وحجره النادر الوحيد كما ذكر في المخطوطة.
فهذا الحدث يحدث كل عام وتُفتح البوابة الحياة لنصف ساعة فقط ولا علم لأحد أي نصف ساعة من اليوم سوى ريديس وأحفاده.
عدتُ إلى السفينة الخاصة بالإبحار.
نظرتُ إلى البحيرة اللازوردية على مرمى البصر التي تحتضن قرص الشمس كأنه جزئ منها منعكساً على مياهها الصافية بلونه السحري والجذاب.
تذكرتُ كارم أو يونس لا أعلم.
همستُ في ذاتي بعون الله له دائماً على الوصول إلى مبتغاه وإيجاد ضالته في أقرب وقت.
وما الصداقة سوى علاقة مقدسة تربطك بشخص يستطيع فهمك والتخفيف عنك في أشد أوقاتك ثقلاً.
الأصدقاء هم النقاء، الثقة التي تجعلك ترى الحياة بمنظور جميل.
الصداقة والحُب وجهان لعملة واحدة ألا وهى الحياة.
تنهدتُ وأنا أستند على حاجز السفينة قائلاً:
- وفقك الله يا كارم، حفظك الله يا أخي.
سرتُ خلف الحارس بحذر من القادم علىّ لقاء الضابط يعقوب وأنا لا أتذكر حتى من أكون.
دعوتُ الله كثيراً لمساعدتي على الخروج من هذا المأزق والخروج من لِبچَشان رفقة أبى بأسرع وقت.
دلفتُ من بوابة القصر على جوادي الذى كان رفقة الحارس.
أظن أن اسمه «شهاب» فرس أسود جميل.
كان القصر رائعاً مبنى من الرخام الأبيض الناصع وحجر اللازورد الأزرق القاتم ولكن الأغلبية للأخير.
الدرج كبير وأمامه نافورة زرقاء تقذف المياه اللازوردية البديعة.
الحراس من العبيد بالطبع عدا داخل القصر من العامة بالعيون الزرقاء السماوية.
الكثير والكثير من الأبواب الزرقاء ذات النقوش الذهبية على الجانبين أمام كل باب حارسين يقفان بشموخ كلاً يمسك بقبضة سيفه.
الملابس تماثل خاصتي العسكرية ولكن باختلاف الشارة في كتفي مزين برسمة الوسم.
علمتُ أنها تعود إلى الضباط الأشراف عندما سألتُ الحارس.
ولكن أمامي الآن ذكريات تتدفق شيئاً فشيئاً إلى رأسي.
أرى شاب بمثل ملابسي يجلس رفقة فتاة على العشب يتسامران بحب.
أغمضتُ عينايّ لعلى أخفف هذا التوتر الذى داهمني من رؤية ذلك الهادي.
وصلتُ أخيراً إلى الغرفة الخاصة بالاجتماعات بالقصر.
دلفتُ بحذر بمفردي بعدما تركني الحارس أمام الباب.
كان يقف بشموخ، شاب طويل القامة ببذلته العسكرية وبنيته القوية.
قال بصوت أجش:
- كارم، أين كنتُ بآخر يومين؟
توترتُ من سؤاله ونظرتُ إلى أرجاء الغرفة ومازال مولياً ظهره لي.
وقلتُ بصوت ثابت رغم التوتر والعرق المغرق لجبيني على الرغم من برودة الطقس:
- كانت المهمة سيدى...
- سيدى؟
استدار أخيراً كانت ملامحه غاضبة بشدة.
وقلتُ:
- أجل، كانت لدى مهمة في چيكا كما تعلم.
صمت قليلاً ولكن كانت نظراته تخترقني.
وقال:
- حسناً، وكيف جرت الأمور؟
- كما خُطط لها.
- اليوم علينا مناقشة أمر أصبح حديث المملكة كما تعلم بالآونة الأخيرة.
- أجل تقصد الهاربان.
- يبدو أن المهمة كانت شاقة، كارم أنت مساعدي والعصا التي أتكئ عليها دائماً، أنت عينايّ في هذا القصر.
عندما قابلتك أول مرة لم تكن مجرد ضابط بل قائداً لجيش بذكائك وقوتك.
ابتسمتُ رغماً عني لا أعلم لما ولكن شعور بالكبرياء والغرور داهمني.
قال:
- وليد نصر لم يكن مجرد حارس بالقصر لا بل أكثر.
لقد هرب وبيده معلومات عسكرية من الممكن أن تؤدي بلِبچَشان إلى التهلكة.
عبستُ بتفاجأ عندما سمعتُ اسم أبى.
ولكن الضابط هادى استأنف حديثه قائلاً:
- هو الآن بحدود لِبچَشان.
سحرة ثروان قاموا بعملهم على أكمل وجه ليس علينا سوى البحث فقط.
- كيف؟!
- لا أعلم، ولكنني قمت باستدعائك اليوم لأمر آخر، كما تعلم اليوم هو زواجي من الأميرة عنود وسنذهب سوياً إلى قصر الشرق لمدة أسبوع.
ريثما أعود ستتولى أنت زمام الأمور لقد استشرتُ الملك في أمرك ولم يمانع.
أومأت له وألف سؤال الآن برأسي بشأن أبى.
أيعقل أن يكون تشابه أسماء بالطبع لا.
قلتُ بهدوء:
- كما ترى سيدي.
تقدم منى واقفاً أمامي بملابسه وخوذته القماشية المزينة برمز لِبچَشان.
ربت على كتفي قائلاً بابتسامة:
- أنا على يقين بأنك الأجدر لهذه المهمة أنت أهل ثقة يا يونس، آراك قريباً.
خرج بينما أنا أناظره بابتسامة باهتة ومازالت الحقيقة معلقة على كتفي.
أظن أنه حان الوقت لحل لغز اختفاء أبى ولكن على لسانه هو.
خرجتُ وسرتُ في الرواق الكبير وعلى جانبيه المليء بالأبواب.
حسناً القصر رائع من الداخل عبارة عن مزيج من اللونين الأبيض والأزرق اللازوردي وكذلك القليل من الذهبي.
أفقتُ من تأملي للقصر على صوت الحارس الغليظ مجدداً:
- سيدي غرفتك بالطابق العلوى.
قلتُ ببرود مغلفاً لتوتري ببراعة:
- أعلم يا هذا فقط انتبه لعملك.
حسناً امتثل لأوامري ولكن بعدما رمقني بنظراته الحارقة وزفيره النتن.
صعدت الدرج الذى لا يختلف حاله عن سائر القصر إلى الباب الأول من الردهة.
حسناً لقد رأيتُ نفس صورة شارتي تتوسط الباب وبجانبه العديد من الأبواب برموز مختلفة.
حاولتُ فتحه بلا جدوى إلى أن لمع شيء بداخل ملابسي.
أخرجته كانت كالعملة ولكن زرقاء صلبة.
تأملتها لبرهة ثم قربتها بهدوء من الرسمة جذبتها سريعاً ثم سقطت على الأرض تزامناً مع فتح الباب.
ابتسمتُ على هذا السحر للِبچَشان.
تناولت العملة وأغلقتُ الباب.
الأثاث متناسق وجميل والترف البادي هادئ.
فراش في المنتصف وبجانبه طاولتين من كل جهة بالإضافة إلى باب المرحاض بعد سبع خطوات من الفراش ومكتب من خشب الزان الرائع وخلفه كرسي وثير أحمر اللون والسجاد اللازوردي المتناسق مع لون الجدران البيضاء.
جلستُ بهدوء على الكرسي وتناولتُ حقيبتي القماشية التي أبدلتها من صديق وذلك نظراً لاختلاف ملابسي.
أخرجتُ أولاً كتاب لِبچَشان بلغته الغريبة ولكنها مألوفة بالنسبة إلىّ.
يليه المذكرات الخاصة بوالديّ.
كانا يكتبانها سوياً.
ثم هاتفي الخلوي فتحته كانت الساعة واقفة تماماً على الخامسة والنصف صباحاً.
خطرت لي فكرة وهى تصوير الغرفة وهكذا يكون بحوزتي دليل على كلامي الذى سيُحكى لمعتز بالمستقبل.
ولجتُ إلى تطبيق الكاميرا ورفعتُ الهاتف لالتقاط الصور ولكن الغريب أن الصور لم تكن للغرفة بل لصحراء جرداء.
التقطت الكثير من الصور ولكن كانت نفس النتيجة.
أغلقتُ الهاتف بملل، وحاولتُ الاسترخاء قليلاً.
أخرجتُ ملابس للنوم مريحة من الخزانة القابعة في نهاية الغرفة، وعدتُ سريعاً.
حاولتُ نزع القلادة بلا جدوى فكلما أحاول رفعها تحرق جلدي وصدري.
عاودتُ الجلوس مجدداً متناولاً المذكرات بغلافها الأسود الجميل عليه وسم كخاصتي.
أردتُ فتحها ولكنها تأبى.
دققتُ النظر في الوسم ثم أخرجتُ القلادة كانا متطابقين وضعتها عليها وسمعتُ صوت الأوراق ورائحة المجلد الجميل.
حسناً أظن اننى أملك الكثير من المفاتيح هنا.
بدأت السطور كالآتي:
« وليد»:
أنا وليد أبلغ من العمر ثلاثين عاماً.
أنا ابن نصر كبير أطباء الملك راكان وكذلك السحرة.
بدأتُ بالعمل كحارس شخصي للأمير غيث الابن الوحيد للملك راكان وولى عهده.
كان عملي نظراً لبنية جسدي القوية التي هى على العكس تماماً ببنية أبى ممتلئ الجسد.
أما أنا فطويل، قوى البنية، وأجيد الفروسية وإطلاق السهام والمبارزة بالسيف وأيضاً الرمح تعلمتها جميعاً في طفولتي.
تلقنت تعليمي كاملاً على يد المعلم ناجى المعلم الأول للقصر الملكي.
كنتُ أقيم بالقصر منذ نعومة أظافري، تربيتُ فيه مع الأمير غيث فهو بنفس عمرى تقريباً وشكلي أيضاً نحن أصدقاء.
وقد عَرضتْ علىّ الملكة ليل والدته وزوجة الملك لكى أعمل كحارس شخصي له نظراً لأنني أهل ثقة بالنسبة لها.
نحن الآن بالعام التسعون بعد التسعمائة، انتقلتُ إلى العاصمة من شيلا إلى لازورد في بداية عهد الملك الحالي.
لم تكن الأوضاع مستقرة أبداً في المملكة كانت السلطة مقسمة بين الملك في لازورد الشمالية وبين الملك المحتل لشيلا ( جواد).
لم يُعترف بملوك عائلة راكان أبداً بالبداية.
تدهورت الحالة الصحية للملك بالآونة الأخيرة.
كان أبى يبيت بجواره العديد من الليالي لكى يعالجه برفقة مساعده ( زاهر) ولكن لم تتحسن حالته ابداً.
لذلك قامت الملكة باستدعاء أبى لكى تتناقش معه في أمر هذا التفكك والهرج السائد بأنحاء البلاد ووعدها بإيجاد الحل وذهب إلى ( شيلا) بعدما أهداني خاتم اللازورد خاصته.
أخبرني أنه خاتم ثمين وهام للغاية بالنسبة لعائلتنا وحافظتُ عليه جيداً لحين اللقاء.
مازال هناك منذ عام لم يعد نتيجة لانشغاله في أمر مجهول.
ويوم بعد يوم تدهورت الحالة الصحية للملك بشدة وأوصتني الملكة بأن أحمى الأمير بكل قوتي من أي خطر قد يحوم حوله.
وكيف لا أفديه بروحي وهو أخي قبل ان يكون صديقي.
واليوم نحن في بداية العام الواحد والتسعين بعد التسعمائة ومازالت حالة الملك في تدهور ولا يقوى على الحراك.
في مساء اليوم التالي، أخبرني الحارس ( أصيل) بأمر اجتماع هام في القاعة الكبرى لكبير الوزراء والحراس وانا بالطبع بما وصلت إليه من مركز قوى بالفترة الأخيرة.
وصلت وكانت تجلس على عرش الملك وعلى جانبيها كبير الوزراء يليه كل وزير على حده وعلى يساره كبير الحراس ومساعد الملك أيضاً، يليه قائد الحيش الأمير غيث وانا بجانبه كمساعد.
انحنيتُ لها باحترام وجلستُ بمكاني المخصص لتقول بصوتٍ هادئ رخيم:
- جمعتكم اليوم لأخبركم أن الملك راكان قد غادر هذه الحياة ولكن نظراً لوضع البلاد لن ننشر هذا الخبر أبداً قبل مساء الغد.
ثم صممت هنيهة من الوقت وأردفت وهى تنظر باتجاهي:
- الحارس وليد..؟
- في طاعتك سيدتي.
- ستتولى أمر ملابس الملك الجديد لنا الملك غيث، وكذلك الاحتفال الذى سُيعقد مساء الغد؛ احتفالاً لتتويجه.
أجبتُ وأنا أضم يدى اليمنى إلى صدري وانحنى بجذعي العلوى لها باحترام:
- بالطبع مولاتي هذا شرف كبير لي.
قالت بجدية وهى تنظر إلى كبير الوزراء:
- وأنت ستتولى أمر الموكب الملكي الذى سيتحرك مساء الغد إلى ثروان لكى تقوم بالتجهيزات اللازمة للحفل وكذلك تشييع جثمان الملك.
فأجابها:
- بالطبع مولاتي.
نظرت إلى الطبيب زاهر الذى أصبح بمكانة أبى:
- زاهر ستتولى أمر الرعاية الصحية والاعتناء بصحة الملك غيث.
- وهو كذلك مولاتي.
قالت وهى تمسك بتاج الملك الذهبي المُطعم بأحجار اللازورد والماس:
- غداً ستشرق شمس عهد ملك جديد للِبچَشان، لقد انتظرنا نصر كثيراً آمل أن نراه في أقرب وقت وبحوزته الحل لكل هذه المشاكل.
أردفت بعدما صمتت لبرهة:
- انتهى الاجتماع.
ليخرج كلاً منا تباعاً إلى عمله المكلف به.
مرت الأربعون ليلة التالية كما أمرت مولاتي تمت مراسم الملك راكان ببحيرة الموتى كالعادة.
كما نُصب الملك الجديد للِبچَشان وللتوضيح لإمارة لازورد الشمالية وأصبحتُ أنا كبير حراسه ومساعده الشخصي وكل من بالقصر يمتثل لأوامري بكل طاعة واحترام.
أغلقتُ المذكرات بانزعاج من الضوضاء التي بالخارج.
تأففتُ بضيق ووضعتُ الكتابين بالخزانة خلف الملابس خشية من افتضاح أمري.
فتحتُ الباب بالعملة ونظرتُ لأحد الحراس سائلاً إياه:
- ما هذا الصوت؟
- إنها الخائنة سيدي.
- الخائنة؟
- أجل، تأبى الإفصاح عن مكان الهاربين.
- ومن أين يأتي الصوت؟
- من السجن أسفل القصر مولاي.
أومأتُ بهدوء وعاودتُ الجلوس بعدما هدأت الأصوات قليلاً.
واستأنفت قراءة المذكرات.
رواية لِبچَشان الفصل السابع 7 - بقلم عفاف العريشي
كنتُ في طريقي ذات يوم إلى جناحي الخاص بحوزتي بعض الأوراق المهمة بشأن الضباط الجدد الذين انضموا مؤخراً للجيش.
كنتُ أنظر لاسم وكأنه مألوف كان يعقوب، أجل هو صديقي القديم في دروس القتال والفروسية، سررت كثيراً سألتقى به بعد خمسة عشر عاماً.
رفعتُ ناظريّ ورأيتها لأول مرة، كانت جميلة للغاية بزيها الأبيض الطويل وشعرها الأبيض الطويل المتطاير خلفها بحرية وضحكتها الصافية الجميلة ابتسمتُ تلقائياً حالما رأيتها تركض بطفولة، قصيرة للغاية وعيونها زرقاء صافية.
استنتجتُ أنها من طبقة العامة وعينيها بدرجة أخف من عينايّ علمتُ فيما بعد أنها بدر ابنة الطبيب زاهر، ومنذ حينها صارت بدر ليلي.
التقيتُ بها مراتٍ عدة كانت تعمل الوصيفة الخاصة بالملكة بيان زوجة الملك غيث.
كنتُ أجلس في حديقة القصر ذات ليلة على الكرسي الحجري الخاص بي ورأيت فتاة تغنى بصوت عذب للغاية يجذب الأذن رغماً عنها إليه، ذهبتُ باتجاهها كانت هى بدر تقف في شرفة غرفتها بالطابق الأول بالقصر.
قلتُ باسماً:
_مرحباً بدر.
قالت بضحكة صافية:
_مرحباً نصر، ماذا تفعل هنا في هذا الوقت؟
_أنا أجلس في الحديقة كل ليلة بعد الانتهاء من العمل، أتأمل السماء قليلاً.
_فكرة رائعة هل تمانع إذا انضم رفيقُ إليك؟
_بالطبع لا.
انتظرتها بضع دقائق حتى ظهرت أمامي وهى تضع شال على كتفيها نظراً لبرودة الطقس تلك الليلة.
قالت بهدوء:
_هل تأخرت؟
_لا أبداً، فلنجلس.
كنتُ على وشك الجلوس على كرسي الحديقة لكنها هتفت صارخة:
_لا يا وليد.
وقفتُ أمامها وسحبتُ سيفي من غمده بترقب هامساً لها:
_أبقى خلفي فقط.
إلا أنها أخرجت رأسها من خلف ظهري قائلة بهمس:
_أهناك شيء ما؟ لما الاختباء؟
رفعتُ حاجبي باستهجان وسألتها:
_ولما صرختي إذن؟
ابتسمت بغباء وقالت:
_لا شيء فقط وددتُ الجلوس على العشب، هكذا.
جلست على الأرض بكل أريحية، ضحكتُ وأنا أجلس جوارها:
_حسناً لا بأس، تروقني هذه الفكرة.
ساد صمت بيننا لبضعة دقائق، كنتُ أنا أول من كسره،
_كيف يسير عملك؟
جاوبتني وهى تمط شفتيها بملل:
_لا جديد العمل ممل للغاية هنا في هذا القصر ولكن الذى يقلقني حقاً هى الملكة دائماً متعبة بسبب الحمل والملك أغلب الأوقات خارج القصر في جولاته التفحصية للمدينة.
قلتُ:
_بالطبع؛ فأنا دائماً رفقته بالخارج، الوضع مضطرب للغاية ولابد من العمل المكثف في مثل هذه الأيام.
تمتمت ببعض الكلمات الغير مفهومة.
_ماذا تقولين يا فتاة؟
_لا شيء يا نصر لا شيء، فقط أسبك.
_لماذا؟
_كيف يمكن أن تكون بمثل هذه الجدية كل هذا الوقت لابد من بعض الجنون يا رجل
_كيف؟
_هكذا.
سكبت دلو من الماء البارد كان بجوارنا كاملاً فوقي وركضت إلى الداخل وهى تلوح بيدها قائلة:
_إلى اللقاء يا وليد.
ضحكتُ وأنا أبادلها:
_إلى اللقاء يا مجنونة.
تمر الأيام تباعاً بالشكل الروتيني المعتاد إلى أن جاء اليوم الذى التقيتُ فيه بصديقي يعقوب كان يرتدي درعاً مثلى تماماً فضي اللون والزى الحربي الأزرق والحذاء الجلدي الأبيض.
نظر إلىّ مطولاً وقال:
_سيدي، لقد انتهينا من الحملة العسكري اليوم لا يوجد أي مخالفة بالمدينة.
قلتُ باسماً:
_عملاً جيداً يا يعقوب، ولكن أريد أن أسألك سؤالاً
_بالطبع سيدي.
_هل تتذكرني؟
دقق النظر بمعالم وجهي ثم أردف:
_معذرة سيدى، لا أتذكر أن سبق اللقاء بك قبلاً.
_أنا وليد يا صديقي.
قال بابتسامة مبتهجة:
_وليد، لقد تغيرت كثيراً يا رجل!
أردفتُ وأنا أحتضنه:
_وأنت أيضاً ولكنني تعرفتُ عليك.
قال ضاحكاً:
_معذرة!، لقد كبرتُ في السن لهذا لم أتذكر.
جلسنا وتحدثنا كثيراً وأخبرني انه حالما أنهى تعليمه الأوَلىِ معي ذهب إلى شيلا برفقة والديه تم نفى والده بسبب ضربه لأحد أشخاص طبقته، وعمل مع والده حداد يصنع الأسلحة والعجلات الحربية لمدة خمس عشرة سنة إلى أن رآه ضابط بالجيش هنا يُدعى يونس وطلب من والده أن يعمل في الجيش فوافق والده بصدر رحب على هذا وها هو الآن بلازورد عاصمة البلاد ضابط بالجيش تحت إشرافي الخاص.
استمر التدريب قرابة الساعة، توقفتُ بعدما استرقتُ السمع إلى صوت صراخ من الأسفل.
تجولت بعينايّ في المكان ورأيتُ باب حديدي خلف الجدار عليه حارسان، كنتُ أرتدي قميص عاري الكتفين لذلك لم يوقفاني أو يمنعاني عن الولوج إلى هذا النفق بعدما رأى الوسم على ساعدي.
كان المكان مظلماً شعرتُ بالدرج أسفلى لذا طلبتُ من الحراس جلب شعلة زيتية، أمسكتها بثبات ومازال الصوت مستمراً يخترق الأذن، صرخات أنثى واهنة، هبطتُ الدرج بهدوء وأنا أنظر في الرواق الطويل أمامي لا شيء سوى الدرج يليه باب حديدي موصد فتحته بهدوء لأرى أكثر المشاهد شناعة، أمامي فتاة يديها معلقة بأصفاد حديدة مثبتة بسقف الغرفة، شعرها المشعث البالي مثل ثيابها الرثة للغاية فستان أبيض فضفاض ولكنه أصبح أصفر رث مكبلة بإحكام تنظر للأرض بإعياء وشعرها متناثر أمام وجهها، وأمامها أحد الحراس وخلفه رجل يرتدي زي أسود اللون يُخفى وجهه بإحكام يلقن على مسامع الحارث الأوامر بكيفية تعذيبها، أمسك بخنجر صغير وغرزه في قصبة ساقها ليتعالى صوت الصراخ ويليه صمت باهت، رفعت عينها بنظراتٍ ثاقبة لعينيّ ذلك الملثم مباشرةً وقالت بوهن قوى:
_لن اخون العهد مثلما خنته يا حقير.
أشار بعينيه للحارس ليخرج، أمتثل لأوامره الاخير وخرج من باب آخر اقترب منها وهمس لم أستطع أن أسترق السمع أكثر من ذلك علقتُ الشعلة بجانب الباب وحالما خرج هو دخلتُ أنا نظرتُ لها بهدوء بينما هى تغمض عينيها بألم وقدمها النازفة تلطخ فستانها بالدماء والأتربة، قلتُ بهدوء:
_من أنتِ؟
فتحتُ عينيها بهدوء ورفعت رأسها قائلة:
_أنا، كما ترى مسجونة تُعذب يومياً لتحقيق العدالة.
_وبما أنكِ مظلومة كما تقولين لما أنتِ هنا إذن؟
_لم أقل اننى مظلومة، ولكن ما دخلك أنت؟
_وددتُ المساعدة لا أكثر فصراخك أصاب كل من بالقصر بالسهاد.
لم ألقى رداً منها.
نظرتُ لها مطولاً، بيضاء وعينيها زرقاء بقتامة، وجهها كسائر أهل لازورد ولكن شخصيتها فريدة من نوعها.
قالت بعدما أتيتُ لها بالماء، وساعدتها نظراً ليديها المكلبتين.
_شكراً لك يا..
_يونس.
_أنا لونار، لم أقترف أي إثم سوى لعنة، لعنة اسمها الحب، ولكن أجزاء الحق هو الظلم؟
أمسكتُ بقطعة قماشية بيضاء كانت مُلقاه بزاوية الغرفة وخنجري وضعته على النار وأعطيتها قطعة قماشية لتضعها بفاهها، قمتُ بكي جرحها برغم صراخها المكتوم قليلاً حتى لا تلفت الأنظار لا يمكنني ترك شخص يتألم لهذه الدرجة لقد قاموا بجرح ساقها جرح بليغ وذلك لكى تخور قواها وتتحدث رغماً عنها إن لم تلفظ انفاسها الأخيرة إلى حينها.
صوت فتح الباب أوقفني ألقيتُ عليها نظرة أخيرة وركضتُ خارجاً باتجاه الساحة.
تنفستُ الصعداء وذهبتُ إلى جناحي فتحتُ الخزانة لأرى الكتب والعلبة الفضية اغلقتها بتأفف، جلستُ أحاول السيطرة على هواجسي ولكن قاطعني صوت طرقات على الباب سمحتُ للطارق بالدخول كان الحارس قائلاً:
_اليوم الاجتماع سيدي بعد ساعة عليك الذهاب إلى القاعة الرئيسية فالملك في طريقه إلى القصر.
أومأت له بهدوء، خرج وأنا خلفه إلى القاعة بعدما قمتُ بإبدال ملابسي.
كان كثير من الكهنة والشيوخ وأيضاً الضابط يعقوب بجانبه مقعد شاغر أومأ لي وذهبتُ جالساً بجواره.
قال بوجه متجهم:
_ماذا كنت تفعل بسجن القصر؟
_لا شيء فقط وددتُ الاستكشاف لا أكثر.
ضحك بسخرية وقال:
_تتحدث وكأنك ضيف هنا يا رجل تتعرف على الخائنة من جديد وكأنك لم تمسك بها قبلاً.
رمقته بدهشة هل أنا السبب في عذاب تلك الفتاة.
جلس الملك وقال بصوته الأجش:
_البلاد في حالة من الاضطراب الدائم، وحاكم شيلا ( جواد) أعلن العصيان، علينا الوصول لحل يرضى كلا الطرفين، أو لإرضاء لِبچَشان.
استمر الملك بعرض المشكلة والحلول واستشارة الوزراء والقادة إلى أن استقروا جميعاً على حل واحد سيرضى كلا الطرفين ولكنه صعب للغاية.
خرجنا تباعاً، أوقفني حارس آراه للمرة الأولى يرتدي قلنسوة قائلاً:
_سيدي؟
_أجل.
_اليوم هو جولة المدينة.
_وأين سنذهب؟
_إلى السوق ثم إلى الميناء سيدي.
_حسناً، جهز الخيول و العربات.
امتطيت حصاني شهاب بمهارة وشرعتُ في التقدم متفحصاً للأرجاء، اللون الأبيض والأزرق الذى يكسو الإمارة.
تحسستُ حقيبتي القماشية القابع بها المذكرات وقلتُ للحارس:
_ أريد مكان هادئ؟
_البحيرة هى المكان الأمثل سيدي.
_وكيف نذهب؟
نظر إلىّ بتعجب وقال وهو يشير إلى جهة:
_من هنا.
رفعتُ يدي علامة على التوقف، فتوقف الجميع بهدوء وقلتُ:
_أكملوا أنتم العمل سأذهب بمفردي.
أومأ لي الحارس ولكنه قال:
_سيدي مازال أمامنا الميناء لا يبعد عن هنا كثيراً.
_حسناً، لننتهي سريعاً.
ذهبنا إلى الميناء لنتفقده كان مليئاً بالسفن والمراكب الخشبية ولكن رأيتُ حاجزاً على مرمى البصر سألتُ الحارس الذى أجابني بهدوء:
_هذا الحاجز الفاصل بين الحياة والموت، ولكن ليس فاصلاً بين جهتي المحيط المليء بالحيوانات المائية فقط حاجز للبشر فلا شيء يستطيع الخروج أو الولوج سوى الكائنات الزرقاء.
كان الحاجز ذو تصميم رائع للغاية أزرق اللون بالطبع ويتوسطه صورة ضخمة للطائر.
نظرتُ إلى جانبي بجهة نائية بعض الشيء كان هناك رجل يحاول الخروج من المحيط ينزف، هبطتُ من على ظهر حصاني وركضتُ لمساعدته متناسياً امر سيفي المُعلق بسرج الجواد.
ما إن وصلتُ إليه ورفعته عن الأرض رأيت ملثماً يحاول قتلى وجنودي يقفون بلا حراك فقط يشاهدون ببرود، حاولت الدفاع عن نفسي بقدر الإمكان هذا الملثم ماهر لقد جرح كتفي واظن أنه نفسه من كان يُعذب لونار بقامته الضخمة ونظراته الحارقة.
جثيتُ على ركبتي بحركة سريعة وقمت بضرب ركبتيه بسرعة ثم أخرجتُ خنجري وغرزته بيده زمجر بوعيد، وتركني ألفظ أنفاسي المتسارعة ولا وجود لمخلوق عدايّ وحصاني بالطبع، حتى الرجل الذى انقذته هرب، استدرتُ في مواجهة لرسمة الطائر بتجهم وتركتُ المكان ذاهباً إلى طبيب المدينة فما زالوا يبحثون عن طبيب بديل لزاهر.
قام بتقطيب جرحي ببراعة، وأنا الآن أجلس أمام البحيرة، بحيرة الموتى كما قيل لي.
مررتُ على سائر الإمارة في غضون ساعاتٍ قليلة وانتهى بي المطاف جالساً أتأمل البحيرة الزرقاء اللازوردية أمامي بهدوء، فتحتُ المذكرات واستأنفت القراءة وأنا على دراية بأن أمر الهجوم علىّ لن يمر مرور الكرام.
رواية لِبچَشان الفصل الثامن 8 - بقلم عفاف العريشي
مرت الأيام سريعاً لتصبح شهوراً والشهور إلى سنوات وها أنا الآن في عامي الثالث والثلاثين أصبحتُ رئيس حرس الملك والجيش أيضاً ولا خبر عن والدي أبداً ظننتُ أنه توفى.
بدر كما هي وصيفة الملكة (ناديرا)، ويعقوب مساعدي الخاص وصديقي المقرب، مع بعض الاختلافات القليلة وهي أن الملك حظي بابنه الأول سمو الأمير (زايد) وأتت أخته الأميرة (عنود). كانت تقيم بجانب منجم ثروان كل تلك السنوات الماضية، تتصف بالطول والوقار، متسامحة ولكن ليست غافلة، تطوى الصفحات ولكن لا تمزقها، تتركها بدفتر حياتها تكملها بلا اكتراث. تصغرني بخمس سنوات.
وأصبح بيني وبين بدر قصة حب مجنونة للغاية، لقد أضافت إلى يومي الروتيني الملل الكثير من البهجة. كل يوم أجلس بانتظارها في الحديقة أمام شرفة غرفتها، تخرج بعد أن أقذف بعض الحجارة، تجلس بجواري على المقعد خاصتي نتسامر لساعات طوال. بالطبع لا تخلو من جنونها المعتاد.
ولن أنسى تلك اللحظة التي صارحتني قائلة:
"وليد أريد ان اخبرك بشيء مهم."
أجبتها وأنا أُمسك بكوب شرابي أرتشف منه القليل:
"بالطبع."
قالت بسرعة:
"أنا أحُبك."
سقط الكوب أرضاً، رمقتها بأعين متسعة متحمسة وهتفت:
"ماذا قلتي للتو؟"
قالت بخجل وحنق في آن واحد:
"يا رجل لقد قلتها مرة واحدة، لا أستطيع أن أفعلها ثانيةً."
"لا عليكِ."
"أتريد أن اخبرك بأنك أول من اقتحم قلبي دون سابق إنذار أم أنك أول من سرق نومى وأصابني من ورائه السهاد؟"
ابتسمت بشدة وأنا أناظرها تحت ضوء المصباح الزيتي:
"وانا أيضاً يا مجنونة."
نظرت إلىّ في خجل بادٍ، بعدها كان الصمت سيد الموقف بيننا إلى أن أردفت:
"هل تقبل ملكتي بأن أكون جوارها إلى نهاية العمر، رفيقاً لدروب الحياة؟"
نظرت إلىّ في خجل ووجنتيها الحمراء بإيماءة سريعة دليلاً على موافقتها لتركض للداخل بسرعة.
تمددتُ بعدها على الأرض العشبية أتأمل السماء بابتسامة.
***
مر أسبوع كامل علمنا به خبر الاحتفال بالأمير الجديد زايد، إنه احتفال يُقام لكل مولود جديد بالعائلة الملكية يُرسم على ساعده الأيسر قلادة البوتو العظيم العائدة إلى الملك (راكان الأول) حفاظاً على عهد ريديس. ريديس هو مؤسس إمارة لازورد ومنجم ثروان وراكان هو ابنه ووريث عرشه ومؤسس المملكة كاملة.
علمتُ أيضاً أن الملك غيث سُيعلن عن زواج أخته الأميرة عنود، فالملك وحده من يقرر ممن تتزوج أميرات العائلة الملكية.
كنتُ بغرفتي أقف أمام المرآة أهندم الزي العسكري خاصتي، دلفت حينها بدر هاتفة:
"وليد، ألم تنتهى بعد؟ لقد رحل الجميع إلى الساحة حتى أنني تركتُ لونار رفقة راضيا وإقداما."
"لا بأس سنذهب سوياً من طريق العائلة لا يوجد به ازدحام."
قالت بحنق:
"حسناً، هيا اتبعني."
ضحكتُ وتبعتها، وصلنا إلى الساحة حيث التجمعات الضخمة من الشعب وبعد فترة صعد الملك على المنصة من الجهة الخلفية على عرشه الذهبي الذي تتوسطه رسمة الطائر رمز لِبچَشان، مرتدياً تاجه الذهبي والذى يتوسطه حجر كريم صُنع بإتقان على شكل القلادة.
وبجانبه عرش الملكة ناديرا مرتدية زيها الملكي الثمين وتاجها أيضاً، وعلى الجهة الأخرى بجانبه يقبع عرش الملكة ليل.
تعالى صوت الهتاف باسم الملك والعائلة الملكية ليرفع يده اليمنى تحية للشعب، صمت الجميع ثم هتف قائلاً بصوتٍ رخيم عالي:
"شعبي العزيز، تجمعنا هنا اليوم لكى نحتفل لسببين أولهما بولي عهدي الأمير زايد حيث اليوم بلغ عامه الثالث وبفضل دعواتكم له سيُرسم على يده الآن رمز العائلة الملكية قلادة البوتو العظيم. وثانيهما الإعلان عن زواج أختي الأميرة عنود."
لتتعالى أصوات الهتاف مرة أخرى.
صرخت بدر في حماس وهى تقف بجانبي في الصف الأول أمام المنصة:
"أنا متحمسة للغاية لقد تعبتُ كثيراً مع الأمير زايد ومسرورة جداً بزواج الأميرة عنود."
قلتُ باسماً:
"ولكننا لا نعلم من هو زوجها، وحده الملك الذى لديه علم."
"لابد أنه من رجاله المهمين."
"لا يهم عزيزتي، بعد الاحتفال سأخبر الملك على الفور بأمر زواجنا."
"دائماً تخجلني هكذا يا رجل!"
صدح صوت الهتاف لصعود كبير الأطباء زاهر خلفه الوصيفة الخاصة بالأمير تُدعى (دارين) حاملة إياه، كان مرتدياً زي ملكي ثمين للغاية عاري الذراعين يتوسطه حزام أزرق اللون.
لتبدأ مراسم الاحتفال الملكية والطبيب يرسم الوشم بإتقان ليصمت الجميع ناظرين بابتسامة حانية إلى الأمير الصغير الذى يبكى متألماً.
بعدما انتهى صعدت الأميرة عنود إلى المنصة مرتدية زي أبيض اللون وتاج فوق رأسها من الذهب المطعم ببعض الأحجار الكريمة.
وقف الملك قائلاً:
"والآن بعدما انتهينا من مراسم الاحتفال بالأمير، أُعلن عن زواج شقيقتي الأميرة عنود ولكن أولاً أطلب من كبير الحرس الضابط وليد بالصعود إلى المنصة؟"
صمتُ بتعجب أنظر لهما وكذلك بدر التي لم تختلف حالتها كثيراً عنى.
قالت بتساؤل:
"لماذا يطلب منك الصعود يا وليد؟"
"لا أعلم."
قالت وهى تزدرد ريقها:
"لا بأس لا بأس، والآن اصعد لنرى."
صعدتُ بتوتر أقف بجانب الأميرة عنود وأنظر إلى الملك الماثل أمامنا.
تتعالى أصوات الهتاف للمرة التي لا أعلم عددها ليرفع الملك قبضته اليمنى ويردف:
"والآن أعلن لكم زوج شقيقتي المستقبلي رئيس الحرس والجيش الضابط وليد، سيُعقد القران مع هلال الشهر القادم أي بعد أسبوعين من اليوم."
دقائق من الصمت الممزوج بالصدمة لأتوجه بنظري، سريعاً إلى بدر كانت تبكى بشدة وركضت بين الزحام بأسى شديد لأعاود النظر إلى الملك الذى يبتسم لي وللأميرة الخجولة الواقفة بجانبي لأبتسم بتوتر.
****
مر يومين على هذا الحدث لم أرى به بدر أبداً اخبرتني دارين وصيفة الأمير وصديقتها أنها لم تخرج من الغرفة حتى أن لونار لم تتركها قط ومنذ ذلك اليوم وهى ملازمة للفراش.
ذهبتُ إلى غرفتها وجدتها تجلس وامامها لونار تتحدثان بهدوء وعبراتها مغلقة لوجنتيها، وقفتُ أمامها قائلاً بخوف:
"بدر عزيزتي لا تجعليني أقلق عليكِ هكذا."
نظرت إلىّ بدموع، حاولت التحدث وكانت لونار هى الفاصلة حيث أمسكت بذراعي وقالت بتوعد:
"كيف تجرؤ على القدوم إلى هنا لا وتريد الحديث معها إذن."
"لونار أرجوكِ ابتعدِ عن طريقي."
ولكنها لم تبتعد وقلت لبدر:
"لا تقلقي حبيبتي لن أتركه هنا سأطرده للخارج."
هنا وكفى أخرجتُ خنجري ووضعته على عنقها قائلاً ببرود:
"والآن ستخرجين من هنا بلا كلمة اخرى، حسناً."
لم ترد لذا زعقتُ بها:
"حسناً؟"
هزت رأسها علامة على الإيجاب وقالت بسرعة:
"حسناً حسناً."
حالما تركتها ركضت إلى الخارج، توجهتُ إلى بدر وجلستُ أمامها هامساً بحنو:
"بدر عزيزتي؟"
نظرت إلىّ بدموع وقالت:
"لا تقل عزيزتي هذه ثانيةً، أنت الآن خطيب الأميرة عنود ستصبح من العائلة الملكية يا وليد."
نظرتُ لعينيها وقلتُ بقوة:
"لا انا زوجكِ أنتِ فقط، هل تسمعين، زوجكِ أنتِ."
سألتني:
"كيف هذا؟، إن عدم طاعتك لأوامر الملك بمثابة خيانة عظمى ستؤدى بنفسك للتهلكة."
أجبتها:
"سنهرب يا بدر صدقيني لن أستطيع ان أتزوج غيرك هل تفهمين؟ لا يهمني أبداً عقاب الملك كل ما يهمني حقاً ويعنى لي هو حياتنا سوياً."
"لن نستطيع تجاوز حدود لِبچَشان سنموت حتماً."
"سنهرب ولكن بالداخل، قبل عقد القران بيوم سيكون الجميع منشغلاً بترتيبات الزفاف."
قالت بخوف:
"ولكن ستُرسم قلادة البوتو العظيم على ساعدك في غضون أيام لأنك ستصبح من العائلة الملكية."
"لا يهم، لا مشكلة لدى إن رُسمت سأخبر يعقوب بأمر خطتنا للهرب، هو الوحيد الذى أثق به هنا حتى وإن كنتُ صديق الملك فهذا لن يشفع لي عنده أبداً."
قالت وهى تمسك يدي:
"حسناً وليد ولكن عليك توخي الحذر."
أردفتُ باسماً:
"لا تقلقي يا عزيزتي سأغادر الآن كي لا تتوجه أنظار الشك إلينا، أخرجي إلى عملك لا تقلقي حيال الأمر وقبل يوم من عقد القران سنغادر إلى شيلا."
مر الأسبوع الاول سريعاً وها أنا الآن أجلس في غرفة الطبيب زاهر يرسم الوسم الخاص بالعائلة الملكية على ساعدي وبذلك سُتمنح لي بعض الامتيازات الخاصة فقط بالعائلة دون الشعب وطبقة الأشراف حتى، تتقلص ملامحي ألماً بين الفنة والأخرى إلى أن انتهى.
أردف باسماً:
"مبارك لك يا وليد، أصبحت من العائلة الملكية."
"أشكرك كثيراً سيد زاهر."
"ماذا حل بك؟.. أرى أنك غير سعيد بهذا الزواج لا يا فتى هذه فرصة ذهبية عليك اغتنامها، إنها نادراً ما تأتى لشخص عادى."
"بالطبع، هل انتهيت؟"
قال وهو يربت على كتفي:
"نعم، مُبارك مرة أخرى."
لملم الأدوات من حولي بعدما وضع معجوناً لأعشاب طبية لكى يسكن الألم المصاحب للوسم.
سألته متألماً:
"متى سيزول هذا الألم؟"
"بعد يومين، هذه الأعشاب ستخفف ألمك إلى حينها."
قلتُ وأنا أقف:
"حسناً."
عدتُ سريعاً إلى غرفتي مازال أمامي ستة أيام فقط على تنفيذ خطة الهرب مع بدر ويجب أن أبلغ يعقوب لكى يساعدني.
بعد ثلاثة أيام لم يعد ساعدي ملتهباً وأوقفتُ معجون الأعشاب لتظهر الرسمة بوضوح شديد على ساعدي الأيسر.
ذهبتُ حيث يعقوب، كان يشرف على تدريب الحراس، وقفتُ باسماً أحييهم بترحاب، توجهت إليه وقلتُ:
"أريد أن أتحدث معك على انفراد في أمر هام؟"
"بالطبع يا صديقي لا عليك."
ذهبنا إلى الحديقة الخلفية حيث ساحة التدريب الخاصة بالقصر.
سألته:
"أريد مساعدتك في أمر زواجي."
"لا أفهم، أهناك خطب ما؟"
"لا ولكنني لا أريد الزواج من الأميرة عنود."
"ماذا؟، كيف ذلك تريد أن تعصي أوامر الملك."
"أنا أحب بدر وصيفة الملكة ناديرا وأريد أن أهرب رفقتها إلى شيلا لكى أتزوجها هناك."
"وبأي صفة ستذهب إلى إمارة العبيد يا وليد؟"
"كعبد مثلهم."
"وكيف ستفعل ذلك؟"
رفعت ساعدي أمام عينيه وقلتُ:
"لا تقلق حيال ذلك ولكن الآن، أريدك أن تحضر لي قبل يوم من الزفاف عربة لكى تساعدنا على الهرب وتضعها أمام الباب الخلفي للقصر المخصص للخدم وتضع بها بعض الحاجيات والعملات اللازوردية وكذلك الفضية لكى أبتاع بها بعض الحاجيات وكذلك لكى أشترى بها منزلاً هناك، ما رأيك؟"
أجابني بابتسامة وهو يربت على كتفي:
"حسناً يا صديقي، بعد منتصف الليل سأنتظرك هناك، لكن لا تتأخر ومُبارك لك."
عانقته بسعادة عارمة وشكرته كثيراً، أخبرتُ بدر التي بدورها سُرت بشدة.
قبل الزواج بليلة ذهبتُ إلى غرفة بدر وأنا أرتدى ملابس لأحد الجنود وأخفي وجهى بعبائة سوداء، خرجت كانت مرتدية ملابس لإحدى الخادمات وذهبنا في طريقنا سريعاً.
وصلنا إلى الباب الخلفي وجدتُ يعقوب يقف هناك وخلفه العربة.
ابتسم وقال:
"توخى الحذر يا صديقي."
ابتسمتُ له شاكراً، كدنا نصعد إلى العربة لكن وجدنا الكثير من الحراس يحيطون بنا والملك أيضاً يمتطى جواده، قال آمراً:
"أمسكوا بهما بتهمة الخيانة للملك، سيحاكمان غداً صباحاً قبل عقد القران."
وضعتُ في سجن القصر أنا في زنزانة وبدر وُضعتْ بعيداً عنى لا أعلم أين، ننتظر غداً ليصدر الحكم والذى أعلمه بالطبع لن يكون سوى الإعدام، ذبحاً بمنتصف الساحة أمام العامة لكى نكون عبرة لمن تسول له نفسه أن يقترف إثمنا.
****
رواية لِبچَشان الفصل التاسع 9 - بقلم عفاف العريشي
اسمى بدر، أبلغ من العمر ثمانية وعشرين عاماً، ولدتُ بلازورد الشمالية. أبي هو الطبيب زاهر، مساعد كبير الأطباء الطبيب نصر، نصر الذى اختفى فجأة ولسبب مبهم. أمي هى ميلاف، الوصيفة الأولى للملكة ليل. ورثت عن أمي الجمال والهيئة.
توفى الملك راكان منذ أعوام وأصبح ابنه الأمير هو الملك الآن. متزوج من الملكة ناديرا التي أحبتني كثيراً عندما رأتني ذات مرة بصحبة أمي أتجول بأرجاء القصر، ومنذ ذلك الحين وأنا وصيفتها.
تعرفتُ على وليد ابن الطبيب نصر، أصبح صديقي والآن حبيبي. اتفقنا على الهرب بعدما أعلن الملك عن زواجه من الأميرة عنود. كانت الخطة تسير على ما يرام إلى أن أمسك بنا الجنود برئاسة الملك الذى أمرهم بوضعنا في سجن القصر إلى صباح الغد حتى نُعرض للمحاكمة.
مرت ساعة تلو الأخرى وأنا أجلس في إحدى أركان تلك الغرفة المظلمة ذات الرائحة العطنة، أبكى وأنا أتذكر وليد وأبى وأمي اللذان سيعاقبان ولا ذنب لهما، فالذنب كله علىّ. الذنب كله ذنبي أنا، ولم يكن سوى أنى أحببتُ بصدق.
تمر الساعات ببطء شديد إلى أن فتحت جفوني بتثاقل وأنا أنظر إلى تلك النافذة الصغيرة في الغرفة والتي لاحظتها لتوي نتيجة لضوء الشمس المنبعث منها. وقفتُ بخوف وأنا أرى أحد الضباط المعنيين بإمساكي. قال وهو يمسك معصمي:
"هيا يا خائنة، سُتعرضين للمحاكمة الآن مع ذلك الخائن رفيقك."
أردفتُ بقوة:
"كيف تفعل هذا؟.. كيف؟"
نظر لعينايّ ولم ينبث ببنت شفه، سحبني للخارج إلى ساحة لازورد بعربة خشبية تجرها الخيول. كانت الساحة مليئة بالأفواد والمنصة يتوسطها الملك والوزراء والملكة ناديرا التي تنظر إليّ بحزن ووليد المكبل اليدين والقدمين وبعض الجنود الأقوياء المتراصين بثبات.
قال الملك بحزم:
"أنتما الأثنان خائنان، ومن يخون العائلة الملكية تعرفان مصيره بكل تأكيد."
أشار إلى الجندي الذى يُمسكني أولاً وقال:
"هذه الخائنة سُتجلد أولاً مائة جلدة، يليها الخائن الآخر ويُحبسان ريثما تنتهى مراسم الزفاف. الأميرة عنود ورئيس الحرس يعقوب بداية الأسبوع القادم، وبعد يومين من الآن عند تعامد الشمس سيتم الإعدام هنا في الساحة أمام الملأ لتكونا عبرة لأمثالكما."
رأيتُ تلك النظرة بعيني وليد وهو يناظر عيني الملك، هذه المرة الأولى التي أرى بها هذه النظرة: خذلان، انكسار وحزن لن أنساها أبد الدهر.
أشار الملك للجندي لكى يبدأ. جلدني بلا رحمة أمام والديّ ووليد الذى يصرخ بهم لكى يتركوني. صرختُ كثيراً عندما هوى السوط على ظهري، وهكذا استمر صراخي إلى أن أنتهى الجندي وأنا طريحة الأرض لا أقوى على الحراك بعدما خارت قواي من كثرة الضرب.
***
أغلقتُ المذكرات بألم، لا أستطيع إكمال القراءة وكأن خنجراً بين طيات المجلد، كلما قرأتُ أكثر زاد انغماسه داخل قلبي. لقد عانا كثيراً لكى يكونا سوياً.
أمسكتُ ببعض الحصوات وقذفتها تباعاً للبحيرة أمامي. بحيرة خالية من الحياة، هى بحيرة الموتى، هنا يتم الإلقاء بالمعاقبين بالإعدام غرقاً بداخل تابوت خشبي مثقوب من جهات مختلفة. ساكنة، تكاد مياهها تغلب السواد الغير مرئي، لا أرى سوى السكون واللون الأزرق يكسوها.
وضعتُ الدفتر بالحقيبة وامتطيتُ جوادي لأحظى بجولة استكشاف إضافية بلازورد. السوق كما هو عندما رأيته لأول مرة، ملئ بالتجار وكذلك الجنود. تذكرتُ صديق وموفق. التقيتُ بالأثنين هنا. تنهدتُ، لا أريد الآن سوى الاختلاء بذاتي والتفكير مليا في هذه المعضلة.
عدتُ أدراجي إلى القصر وسألت أحد الجنود عن مكان غرفة أمي. دلتني إحدى الخادمات. دلفتُ بهدوء، كانت الغرفة هادئة للغاية ومظلمة. أغلقتُ الباب بإحكام بعدما فتحته بالقلادة السحرية. وجدتُ الخزانة، فتحتها، مليئة بالثياب، الفساتين. التقطتُ واحداً وجلستُ على الفراش، قربته من أنفى. رائحة أمي التي لا تفارق ذاكرتي هى ذاتها. تمددتُ على الفراش خاصتها محتضناً ثوبها بشدة. غفوتُ بموضعي لا أعلم إلى متى. ولكن حالما استيقظتُ كان الظلام الدامس يكسو المكان.
خرجتُ بهدوء عائداً إلى غرفتي، أبدلتُ ثيابي وجلستُ أعاود القراءة لكى أصل لنهاية هذه القصة. قبلاً حاولتُ فتح المذكرات بلا جدوى نظراً لحاجتها للقلادة.
***
لم أعلم ما حدث لوليد، ولكنني أيقنت أنهم جلدوه بقسوة بالغة لا تضاهى خاصتي.
جلستُ بثيابي المهترئة أحاول تضميد جروحي. أتى أبي لزيارتي خلسة. قال بقلق:
"بدر، ابنتي، لما فعلتي هذا بنفسك؟"
أجبته بإعياء شديد:
"أبى، لقد أحببته حقاً، كنا سنتزوج ولكن هناك من أخبر الملك بكل شيء."
أردف أبى وهو يخرج بعض الأدوية وقماش أبيض نظيف:
"أستديرِ لكى أضمد جروحك يا ابنتي."
جلستُ متألمة وقال:
"والدتك منذ أن علمت بالأمر وهى طريحة الفراش."
"أبى أرجوك لا تُثقل الأمر علىّ، أخبر أمي أننى على ما يرام. بالتأكيد وليد سيجد حلاً."
أردف بحزم:
"كفى بدر!. هو السبب بهذه الحالة التي أنتِ عليها الآن."
"ليس هو بل أنا، أنا لا أستطيع تركه البته يا أبى."
"ولكن حبك هذا أودى بكِ إلى الهاوية."
ثم صمت لهنية من الوقت وأردف:
"منذ متى والفتيات تقررن ممن يتزوجن؟ لقد فعلتي خطيئة كبرى، سنعاقب جميعاً فبالنهاية ما يقترفه الأبناء يعاقب عليه الآباء. وأنت لم تفكري لوهلة بأمر والديكي، ألهذه الدرجة أعماكِ حبه لدرجة نسيان والديكي أنت يا صغيرتي تفعلين هذا بنا. لا أقلق حيال نفسي، ما يقلقني حقاً هى ميلاف وأنتِ، ماذا سيحل بكما!"
صمتُ أبكي، لا كلمات لألفظها دفاعاً، فأبي محق. لا أشعر سوى بعبراتي الدافئة التي تغرق وجنتايّ. لم ألحظ مغادرته حتى، لقد تركني وله كل الحق، فأنا مخطئة بحقه هو وأمي.
أتى الصباح، سمعتُ إثنين من الجنود يتحدثون بأمر الاحتفال بالزواج خلال الأيام المقبلة. كانا يتحدثان عن يعقوب، يقولون أنه محظوظ بزواجه من الأميرة عنود، أصبح فرداً من العائلة الملكية. لقد أصبح بمكانة وليد الآن، رئيس الحرس.
شردتُ لوقت طويل، أفتقتُ على صوت فتح الباب المدوي ليظهر أحد الجنود. يقول:
"هيا، سيتم تنفيذ الحكم بالساحة بعد قليل."
وقفتُ بإعياء، وجهي يتقلص إثر آلامي التي لم تشفى بعد. لكزني بقسوة أمامه.
وصلتُ إلى الساحة من جديد. وليد أمامي ينظر أمامه بغضب وقسوة. لانت ملامحه حالما رآني. هناك أمر مريب. نظر إلي نظرة لم أفهمها وهو يشير بعينيه إلى الحشد الهائل. نظرتُ ولكن لم ألحظ أي شيء. جذبني الحارس لكى أقف بجواره.
بعد عدة دقائق أمر الملك ببدء مراسم الإعدام، ليصمت الجميع. ولكن صدر صوت شخص فجأة هاتفاً:
"فلتحيا لِبچَشان."
بعدها رأيتُ شيء يلمع بشدة بجانبي ولم تكن سوى يد وليد اليمنى. ابتسم بشدة وقال:
"سنذهب سوياً بعيداً عن هؤلاء، هل تقبلين بي زوجا لكى يا أميرتي؟"
"بالطبع، هل تمزح؟"
أمسك بيدي بشدة وبعدها لم أشعر بشيء سوى حرق شديد بيدي الممسكة بيده وألم رأسي الشديد. آخر ما رأيته هى فتاة ترتدى وشاح أسود طويل بمنتصف الحشد بموضع خروج الصوت. لم أرى سوى ابتسامتها أسفل الوشاح.
بعد عدة ثواني سقطنا سوياً على أرض ملساء. كانت حجرة صغيرة مربعة بيضاء عليها في جدارها الأيمن من جهة الداخل نفس القلادة التي أبغضها بشدة.
(قلادة الملك راكان الأول البوتو العظيم العائدة لعهد ريديس).
***
أصبحت الصفحات الموالية كالحجارة، لا أستطيع تقليبها أبداً. يبدو أنها لعبة أخرى هنا.
تأففتُ بضيق وارتديتُ ملابس للتدريب متجاهلاً أمر جرحى ذاهباً إلى الساحة الخلفية. لم أتدرب كثيراً سمعتُ صراخ لونار مجدداً.
أمسكتُ المصباح الزيتي والسيف وهبطت الدرج بهدوء. أرهفتُ السمع على بعد خطوات من الباب الموصد. كان صوت ذلك الرجل يحدثها بصرامة، إن لم تصارحهم بمكان مكوث الهاربان سيقتلها. لم أستطع سماع أي كلمة من الحديث بعد ذلك، ولكن بعد عدة ثواني كانت صرخات لونار هى الجواب. تقدمتُ بحرص إلى أن نظرتُ من ثقب الباب. كانت بمفردها. فتحتُ الباب ودلفتُ. لم ترفع ناظريها لترى من، أظن أنها اعتادت على مثل هذه الأمور من تعذيب وقهر وقسوة.
كانت ساكنة، لا تتحرك قيد أنملة. ثوبها أضحى ملطخاً بالدماء بعدما عُذبت كالمعتاد من قبل الحراس. حقاً هذا الأمر بشع، ولكن لا أعلم ما الذنب الذى اقترفته لكى يؤدى بها إلى هنا.
قاطع شرودي صوتها الواهن الواثق:
"أمممم، هل جئت لتكمل تعذيبي؟"
"لا."
"إذن ما الذى أتى بك إلى هنا؟"
"أتيتُ كي أطمن على حالتك، هل أنتِ بخير؟"
"وهل هذه الحالة الميؤوسة تستحق عناء الدلوف خلسة إلى هنا؟"
"ما الذى اقترفته لكى يجزوا بكى للسجن هكذا؟"
"تريد جواباً؟"
"بالطبع."
"ساعدتُ صديقتي."
"ومن هى؟"
"بدر، أو الهاربة كما تنعتونها هذه الأيام."
"أمي صديقتك أنتِ؟"
وأخيراً رفعت عينيها إليّ. عينيها زرقاء سماوية، يبدو أنها من عامة الشعب وقالت بدهشة:
"أم من يا أحمق!؟ بدر لازالت بمقتبل العمر!"
"أعلم، ولكن أنا حقاً ابنها. هي ووليد نصر، ألا تعرفينه؟"
نظرت أمامها بامتعاض وقالت:
"بلى، ولكن قصتك الحمقاء هذه يستحيل أن أصدقها."
"لا بأس، سأثبت لكِ. منذ يومين كانت مراسم إعدام والدايّ واختفيا قبل الإعدام وكان الفارق بضعة دقائق، أليس كذلك؟"
رفعت حاجبها الأيمن وقالت:
"أجل، وشعب لِبچَشان يعلم هذه القصة برمتها."
"وتعلمين أن أبى وأمي اتفقا على الهرب؟"
لم ترد بل مازالت رافعة لحاجبها ونظرة الامتعاض ذاتها تأبى ترك ملامحها. زفرتُ بحنق، يبدو أن أمر إقناعها متعب.
أخرجتُ الخاتم ونظرت لها بلامبالاة، لكنها صرخت فجأة:
"من أين لك بهذا الخاتم أيها اللص! لا والأدهى أنكم تنعتون العبيد باللصوص ولا لصوص غيركم يا أوغاد."
"أتعلمين قصة هذا الخاتم؟"
"أجل، إنه خاتم الطبيب نصر وأعطاه لذلك الغليظ المدعو وليد قبل ذهابه بأيام، ولكن من أين لك به؟"
"هذا الخاتم يعود لأبي، أنا يونس وليد نصر وجئتُ بحثاً عنه."
"حقا، ولكن كيف؟"
"اسمعي إذن."
"كلى آذان صاغية يا بنى."
ضحكتُ بخفوت، حقاً هذه الفتاة قوية وعنيدة، بحالتها هذه تمزح.
انتهيتُ من سرد قصة والدايّ. قالت بعدما صمتت هنيهة من الوقت:
"أممم، هذا يعنى أنك ابن صديقتي، يا الله لقد كبرت كثيراً."
"الرحمة يا الله، أنا أشكو لكِ همي وأنت تمزحين يا لونار!"
"حسناً، لا عليك. والآن أين بدر؟"
"لا أعلم حقاً، لا أعلم."
"يا عزيزي، هذه هى الحياة، الآباء يسلمون الراية للأبناء وأنت شاب يافع ما شاء الله."
ثم بصقتُ هواءً على يمينها قائلة:
"فليحفظك الرب دائماً يا بنى."
"أشكرك يا جدتي."
"لا علـ... جدتك؟"
زفرتُ بضيق، ما هذا! كنت أحسبها عاقلة ولكنني دائماً ما أنخدع بسهولة.
"حسناً، ما يهم الآن، هو كيفية إخراجك من هنا."
تحدثتُ بجدية هذه المرة:
"وكيف ستخرجني؟ وإلى أين سأذهب بالأساس؟"
نظرتُ أمامي باسماً وقلتُ:
"هذه لعبتي."
فككتُ أسرها سريعاً وأعطيتها خنجراً، ولكن الأصفاد التي بقدميها كانت ثقيلة للغاية. تركتها مطمئناً وخرجتُ لكى أبدأ بمهمتي الأولى.
كان القصر هادئاً في مثل هذا التوقيت، وبالطبع لا يخلو من الجواري والخدم.
دلفتُ إلى غرفتي وقمتُ بإخراج المذكرات والكتاب في محاولة للقراءة، ولكن لا يوجد سوى نهاية المذكرات ورسالة بالنهاية مفادها:
(يطالب المحيط بالحرية من آلامه ولكن لا ينفك الأسر من جليد الوحدة سوى بشيء واحد، نصف نجمه).
ألغاز غريبة لا أعلم كنهها. فتحتُ الكتاب ولكن حالما رفعتُ الغلاف تقلبت الصفحات تباعاً دون مجهود إلى أن توقفتُ على إحدى الصفحات.
بها بعض الجمل بلغة غريبة رددتها رغماً عني، ثم انطفئت الأضواء. حل الظلام بجميع أركان الغرفة برغم الشمس الوهاجة بالخارج. ظهرت الأعين الزرقاء مرة أخرى. تنهدتُ بحيرة وأنا أناظرها، يبدو أننى فقدتُ جزئاً من خوفي هذه المرة.
***
رواية لِبچَشان الفصل العاشر 10 - بقلم عفاف العريشي
صدح الصوت الرنان قائلاً:
_ لا توجد نهاية للقصة، النهاية هي قصتك أنت.
_ وكيف أدون النهاية إذن، وأنا أشعر بالتيه لا أدري أين والداي وهل أمي لا تزال على قيد الحياة؟
_ الاثنان بأمان يا مولاي، ولكن عليك بالمعافرة لكي تصل فما زال الطريق أمامك.
_ من أنت ولماذا تساعدني؟
_ أنا حامي العهد.
_ حقاً، ولماذا يساعدني حامي العهد؟
_ لأنك النجم المنتظر، من سينير ظلام سمائنا.
_ أنا لست منقذاً لأحد، فالجميع هنا يرضى بالهوان والذل إذن لماذا الجهاد في سبيل حقيقة مقبولة بالنسبة لهم.
_ يجب أن تزيل حجاب عقولهم يا مولاي، ولا أحد يصلح لهذه المهمة سواك.
_ حسناً سأبذل قصارى جهدي ولكن بشرط؟
_ وما هو؟
_ أن تخبرني أين أبي وأمي؟
_ أعتذر، فلا دخل لي بهذا الأمر.
_ لم؟
_ أنا هنا للمساعدة، أنا رفيقتك دائماً بالقلادة ستجدني أمامك حينما تحظى بالمسؤولية الكاملة لتحمل مشقة إعادة العهد كسالفه.
_ وإن خالفت هذا الاتفاق؟
_ هذا ليس اتفاقاً وإنما هو مناقشة بالأمور التي يجب عليك إتمامها لا أكثر.
_ ما اسمك؟
_ أنا حامي العهد لا أحد يستطيع إخراجي من القلادة سوى حامل دم ريديس.
_ لقد علمت أنني حفيد ريديس أهذا صحيح؟
_ بالطبع، وكيف لي أن أقف أمامك الآن.
_ إذن من الخائن الذي أودى بوالديّ للسجن؟
اختفت الأعين فجأة وعادت الإضاءة كالسابق، نظرت بالأرجاء كمحاولة يائسة لإيجاده حتى أنني حاولت إخراجه من القلادة ولكن بلا جدوى إلى أن سقط الكتاب أمامي وظهرت رسالة مفادها:
» الخائن هو نفسه الوفي الذي عاهد على الأمانة والصدق، وفي لحظة الالتفات طعن بخنجر الخيانة، فلا وجود للنقاء في منتصف بركة راكدة «
ماذا يقصد بمنتصف بركة راكدة؟
توقفت عن التفكير عندما اشتد ألم ذراعي فجأة برغم التقطيب الممتاز الذي قام به الطبيب ولكن الألم يداهمني بين الفينة والأخرى.
أمسكت بعلبة الدواء الذي هو عبارة عن خليط من بعض الأعشاب المساعدة بتسكين الآلام.
حاولت الاسترخاء قليلاً فما زال أمامي متسع من الوقت على اجتماع الوزراء، بعد عدة دقائق سمعت صوت طرقات الباب.
دلف الحارس الخاص بي يعقوب وأخبرني برغبة الضابط بمقابلتي ولكن ما لفت نظري فعلاً هي يده الملفوفة بقماش طبي نفس الموضع الذي ضربت به الرجل الملثم.
بعد زمن قصير كنت أسير أمام الحارس إلى الغرفة الخاصة بيعقوب والأفكار تكاد تمزق دهاليز عقلي، أيعقل أن يكون هو ذلك الملثم؟
ولما لا وجنودي الذين هربوا فور إصابتي، كان يعقوب جالساً وحالما رآني هكذا هب واقفاً يسألني عن السبب وراء إصابة ذراعي هكذا.
أجبته قائلاً:
_ لا شيء فقط هجوم من قبل مجهول.
_ وجنودك أو هؤلاء الخونة عديمي الشرف، كيف تخرج دون التأكد من هويتهم يا يونس.
_ منذ عودتي من جيكا وذاكرتي ليست على ما يرام، ولم أكن أعرف هويتهم.
_ أعلم أن المهمة كانت شاقة عليك، ولكن لا أريد خسارتك فأنت صديقي قبل أن تكون مساعدي.
صمت لبرهة وارتسمت على ثغره ابتسامة صغيرة قائلاً بتأثر:
_ فقدت صديقاً ولا أريد فقدان الآخر.
_ تقصد السيد وليد؟
نظر لعيني بهدوء وصمت هنيهة ثم قال:
_ لم يكن مجرد صديق بل أخ، أتمنى أن يكون سعيداً بحياته رفقة بدر.
اكتفيت بإيماءة بسيطة والنظر للأرض أمامي، قال بعد وقت قصير:
_ والآن يجب أن تأخذ قسطاً وفيراً من الراحة.
أردت البوح بمكنون صدري للسيد يعقوب، صمت بحيرة وانصرفت بعد أن حاولت النظر لنفس اليد التي أصبتها ولكن يعقوب كان يضعها خلف ظهره واقفاً بشموخ.
أفكار الشك تساورني عن حارسه أيعقل أن يكون هو من قام بخيانة أبي؟
لم أعد للغرفة بل ذهبت إلى الساحة ومنها إلى السجن حيث لونار صاحبة اللسان السليط.
قالت بعدما دلفت:
_ يبدو أن السجن نال إعجابك.
_ إلى حد ما.
_ ما سبب زيارتك إذن؟
_ لا شيء أردت التأكد من أمر ما.
_ وما هو؟
_ حقيقة أنك صديقة أمي.
_ ألا يكفي رؤيتك للأصفاد وصوت تعذيبي دليلاً لك.
_ لا.
_ إذن؟
_ كم عمرك؟
_ أنا بالثامنة والعشرين.
_ وأنا بالثلاثين.
_ انظروا إلى سخرية القدر ابن صديقتي يفوقني بالعمر.
_ كفاك ترهات لونار.
_ حسناً لا بأس، على أي حال لا أريد مشاجرتك ولكن حالما أخرج سترى بعينك، وإلى حينها استمتع بقدر استطاعتك برؤية الأشياء من حولك لأنني سأقتلع عينك الجميلة من محجرها.
نظرت لها بامتعاض وقلت:
_ ترأفاً بحالتك لن أقوم بأي تصرف حيال سخافتك.
_ يا حبيب خالتك، حقاً أحسنت بدر تربيتك وتهذيبك.
صمت وقلت بعد برهة:
_ أبي من قام بتربيتي يا لونار، فأمي وافتها المنية قبل زمن.
_ لا تهذي بدر لا تزال شابة بمقتبل العمر.
_ وأنا أكبرك بعامين؟
أجابت وعبراتها تهدد بالهطول:
_ أجل، حتى ولو كنت تكبرني بالضعف فهي لا تزال شابة، لقد عاهدت على الصمود والبقاء بجانبي إلى الممات.
_ والآن ما أريد إخبارك به هو خطة للهرب من هذا المكان الرث.
_ وإلى أين سأذهب؟
_ إلى مكان رائع للغاية.
خرجنا سوياً إلى الساحة الخلفية بعدما حررت وثاقها كانت هادئة الخطى إثر جرح قدمها الذي لم يتماثل للشفاء بعد.
قلت هامساً:
_ انتظريني!
ظهرت علامات الحيرة على قسمات وجهها ولكنني تجاهلت الأمر وذهبت مسرعاً إلى الداخل وعدت حاملاً عباءة سوداء كبيرة وحقيبتي القماشية بعدما ارتديت واحدة مماثلة، وضعتها على رأسها بهدوء وأسرعت بالخروج رفقتها.
بالخارج عندما وصلنا كانت دارين تقف رفقة جوادي شهاب وجواد آخر.
قلت لها شاكراً:
_ أشكرك دارين، لولا مساعدتك ما خرجت سالماً.
_ هذا واجبي سيد يونس، فالفضل الأول لك بإنقاذ طفلي.
امتطيت صهوة جوادي وشاهدتها وهي تساعد لونار لامتطاء الجواد الآخر وتذكرت ما حدث قبل أسبوع..
كنت في طريقي إلى اجتماع المجلس التشريعي للقاء بأهم الوزراء وكاتمي الأسرار الملكية لمناقشة آخر تطورات الإدارات بالمملكة.
رأيت دارين واقفة بآخر الرواق تتحدث إلى إحدى الخادمات تبكي، توجهت إليها وسألتها عما بها.
قالت بهدوء:
_ لا شيء سيدي فقط بعض المشكلات.
_ حسناً، ولكن لماذا البكاء؟
نظرت إليّ بدموع وقالت بعدما أخفضت رأسها:
_ طفلي لقد سقيته شراب الميلاد قبل أيام وهو الآن بحالة مزرية للغاية وظهرت العديد من الأعراض كالبقع الحمراء على جلده ويرفض الحليب وبات يصرخ كثيراً.
_ ألم تأخذيه للطبيب؟
_ بلى فعلت.
_ وما تشخيصه؟
_ تسمم يا سيدي، سيموت طفلي بعد شراب الحياة، ولا وجود للدواء بلازورد يا سيدي فقط بإحدى الإمارات الأخرى.
_ أي إمارة؟
_ إمارة شيلا فهي مطلة على المحيط والغابة وهناك يتم صناعة الدواء.
_ وكم مدة الرحلة إلى شيلا؟
_ ثلاثة أيام للوصول.
_ حسناً دارين لا عليكِ فقط أخبريني بالتفاصيل وأنا سأذهب لإحضار الدواء لطفلك.
انفرجت أساريرها فرحة وسألتني:
_ أحقاً يا سيدي؟
_ حقاً ولكن كيف يمكنني الحصول على الدواء وما اسمه؟
_ إنه ترياق يصنع هناك يقولون أنها طريقة ريديس ولا أحد يعلم السر سوى رجل واحد هو جواد حاكم شيلا، ولأن الصراع محتد بين شيلا ولازورد فلا نستطيع الولوج للإمارة.
_ كيف لا يمكنكم الولوج لقد رأيت العبيد من شيلا يقومون بالأعمال هنا منذ بضعة أيام.
_ أجل هذا صحيح فالعبيد يأتون إلى هنا للتجارة والعمل وذلك يعود إلى الاتفاقية بين الملكين راكان وجواد ولكننا لا نستطيع الذهاب فبالنهاية هم العبيد أي يمكنه سرقتنا أو ارتكاب جرائم شتى.
_ أرى أنكِ تبالغين.
_ لا فهذه هي الاتفاقية وأنا لا أقوى على الذهاب وترك صغيري المريض هنا.
_ حسناً لا عليكِ سأذهب الآن ولكن هل جلبت لي بعض الحاجات؟
_ بالتأكيد.
وخلال الرحلة كنت أتحرك رفقة شهاب بسرعة شديدة لكي أصل بأسرع وقت ممكن.
بعد يوم كامل من التحرك توقفت قليلاً لأخذ قسط من الراحة فجسدي أضحى يئن وجعاً توقفت ساعتين ثم أكملت المسير إلى الجنوب مررت على البحيرة يليها حدود الصحراء ثم دلفت إلى حدودها لكي أتحرك بطريق مختصر فالليل أقبل سريعاً اليوم.
توقفت ثانية خلف صخرة عملاقة عندما رأيت مخيم الجنود على مرمى بصري أملاً بإيجاد صديق ذا رأس الطماطم العفنة.
وقفتُ منتصباً متربصاً قرابة الساعتين رأيت وجوهاً مألوفة ولكني لا أعرفهم وأخيراً ها هو صديق يتثاءب أشرت له كثيراً دون جدوى زفرت بضيق ثم نظرت إلى حصاني شهاب وإلى الحقيبة القماشية نزعت شارة الوزير ووضعتها بداخلها لكي تصبح ملابسي كسائر الجنود بالطبع هذا جنون وأخرجت الخاتم وارتديته واضعاً إياه أمامها انتظرت لثواني قبل أن أسقط أرضاً محاولة للصمت.