تحميل رواية «لِبچَشان» PDF
بقلم عفاف العريشي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الصحراء الغربية _ عام ١٩٨٤ عباءة الطبيعة السوداء المزينة بحبات اللؤلؤ المنيرة بتوهجها الأخاذ، يجلس على الأرض الرملية الناعمة تداعب حبيباتها الصفراء اللامعة يديه بحنو يشعر بالدفء الذي يفتقده بين أحضان الطبيعة. يشاهد جوهرة السماء التي تشق ظلام ليله الدامس ويحادثه قائلاً: - اليوم هو الذكرى السادسة يا ليل! استشعر رده الصامت بينما نسمات الرياح العليلة المشبعة برائحة الياسمين، ليستأنف الحديث بعد صمت دام لبرهة: - كنت أقول أنني لن أستطيع العيش بدون دفء أحضانها ولكني اليوم أيقنت أنها من تجالسك هل تراها،...
رواية لِبچَشان الفصل الحادي عشر 11 - بقلم عفاف العريشي
(يونس)
وقفت ونظرت الى العملة والتي يدورها جعلتني كالسابق الجندي ذا الاعين البيضاء ربطت الحصان جيداً وشرعت بالذهاب الى صديق، كان جالساً امام النيران المشتعلة، أمسك حصوة صغيرة وقذفتها أصابت انفه امسكها صارخاً وقال:
_ اللعنة عليك فلتصاب يديك، من هنا؟
لم ارد فاكمل حديثه ونبرة تهدديه قائلاً:
_ الان تختبئ أتريد اللعب مع جنود لِبچَشان البواسل يا هذا
قلت هامساً
_ أنا هنا أيها الغبي ماذا تفعل؟
وقف يرهف السمع وقال:
_ من الذي تنعته بالغبي لقد اغضبتني كثيراً والان اخرج وإلا..
وضعت يدي على كتفه من الخلف وهمست بأذنه قائلاً:
_ وإلا ماذا؟
سقط فزعاً وقال:
_اه يا امي
استغرق بضعة دقائق لكي يعود لرباطة جأشه وقال بتعجب عندما رآني:
_ يونس أين كنت طوال هذا الوقت؟
_ انها قصه طويله تريد سماعها
_ بالطبع كلي آذان صاغية
قصصت عليه ما حدث بهدوء وأنا أشاهد تعابير وجهه الصادقة بين الفنة والأخرى فصديق من الشخصيات النقية التي يسهل قراءتها وهذا ما أكد لي إيماني بأن للحياة جهة أخرى جميلة لم نذهب إليها بعد ويوجد الكثير من الفرص لم يحن وقتها،
قال بهدوء:
_ والان ما سبب عودتك الى هنا؟
_ لآخذك معي.
_ وكيف ذلك؟
_ سنخرج من هنا الآن قبل أن يرانا أحد فيا صديقي أنا بحاجتك، هل سترفض طلبي وتردني خائباً؟
لا أقوى على ذلك فأنت صديقي الذي آتي إليه حين ارغب بالجلوس مع نفسي اعلم أنك لا تتذكر ولكنني أتذكر وهذا يكفي، أليس كذلك يا اخي؟
ابتسمت وقلت:
_هو كذلك والآن هيا بنا
وقف وقال:
_هيا الى شيلا الشقيقة
_ أليست مسقط رأسك؟
_ بلى ولكنني افضل النسيان
نظرتُ إليه بهدوء وقلت:
_إذن لنذهب
تسللنا إلى حيث الجواد بهدوء فالوقت متأخر والجميع لأجل تمرين الصباح الخاص بهم أبقى على هيئه يونس التي يعرفها صديق وبدأنا نشق آخر المسير الى شيلا وصلنا إلى المشارف قبل بزوغ الفجر أرض خضراء جميلة على مرمى البصر والأشجار الكثيفة على جانبيها أعطاها منظراً بديعاً
قال صديق متثاءبً:
_ أود الخلود للنوم
_ لا عليك تستطيع النوم كيفما تشاء
_ حسناً
وصلت أخيراً، استطعنا الولوج نظراً للأوسمة والعملات وسألت أحد الحراس عن قصر الملك جواد وقال في المنتصف فالمدينة دائريه الى حد ما وقصر الملكي هو مركزها لم تكن بذلك السوء أبداً تتميز المنازل الطينية والحياة الريفية وهي الغالبة هنا هادئة جداً الناس تسير بهدوء والحياة هنا أجمل بكثير في نظري لكي يسرع وأتأمل أكثر رأيت حقول خلابة والكثير من الاشجار الشاهقة خلفها، شكلها الدائري عندما تقع في أي زاوية تشاهد القصر أمامك وخلفك الحقول الزراعية وخلفها الاشجار،
صحت بحماس وهتفت لصديق :
_ انظر يا صديق يا له من منظر أخاذ.
ولكن لا رد، هتفت ثانية:
_ صديق ؟
نظرتُ خلفي ورأيته يتأمل أحد المنازل، أيقنت أنه المنزل ذاته الذي ترعرع به، ورجل مسن يقف أمامه بوهن، قال صديق بعبرات متحجرة :
_ إنه هو ؛ إنه هو .
_ من يا صديق؟
قفز أرضاً وركض إلى الرجل وأنا على خطاه.
*
" صديق "
رأيته هو أبي، قفزتُ ،سارعت إليه بشوق فأنا لا أشعر بضغينة حياله
_ السلام عليك يا اب....سيدي
_ وعليك السلام ورحمة الله يا بُني
_ هل تريد أية مساعدة ؟
_ أجل فقط أردت البحث عن ابنتي
قلت:
_ أين هى وسآتي لك بها ؟
قال:
_ لقد ذهبت باكراً إلى البئر لجلب الماء ولم تعد، هلا ذهبت إلى هناك ؟
_ بالطبع ، ولكن ما اسمها ؟
_ آيلا؛ اسمها آيلا، وأشكرك كثيراً
داهمتني الشكوك حيال أمر ما رفعت يدي بوجهه ولكنه لم يتحرك أو ينظر لها فقط ينظر إلى نقطة ثابتة أمامه،
نظرت إلى يونس ثم له وقلت:
_ لا تقلق يا أبتي سأعود لك بها.
صعدت خلف يونس وأخبرته أنه أبي وأنه ضرير الآن وأنني سأخبره بقصتي لاحقاً ولكن الآن علىّ إيجاد شقيقتي الصغرى آيلا.
ذهبنا إلى هناك كان هناك حشد كبير من السيدات والفتيات ، لا أعلم هل سأجد صعوبة في التعرف عليها لقد أصبحت مختلفة الآن ولكنني سأجدها فهي بمثابة نصف قلب أمي اتذكرها عندما كنت صغيراً وهى في الثالثة من عمرها لا تستطيع نطق حروف اسمى فيخرج منها " ثديق ".
دققتُ النظر في الجميع وتوقفت عند إحداهن كانت فتاة يافعة وقوية من نظرتها وهى تحدق بمنافستها على المياه، انتهت وكادت تمر جوارنا، قلت بعدما وقفت أمامها :
_ آيلا ؟
توقفت تدقق النظر بوجهي لبضعة دقائق ثم صاحت:
_ صديق !
لقد فقدت النطق اقسم أن الحروف تجمدت بحلقي وانا أرى أمامي فتاة شابة مختلفة حتى أنها قالت صديق وليس " ثديق " اكتفيتُ بإماءة رأسي.
وضعت دلو الماء جانباً، قفزت تعانقني وهى تقول بصوت باكي:
_ لما تأخرت هكذا يا أخي ألا تعلم أن الديار أضحت مظلمة دون نورها
_ لا يا عزيزتي ها أنا أمامك الآن
ضممت ساعدي إلى صدري بحركة درامية وقلت بشجن مصطنع:
_ قمري ،نجمتي المضيئة ها هو الضابط المغوار صديق يقف أمامك ينتظر عقابه طالباً للغفران.
بكت وابتسامة جميلة تشق وجهها قائلة:
_ كفاك تمثيلاً أيها الوغد.
ابتسمت لها ونظرت إليها قليلاً وسألتها قلقاً:
_ كيف أضحى أبي ضريراً؟
أخفضت نظرها للأرض حزناً وأجابت:
_ بعد وفاة أمنا وتركك للمنزل حزن حزناً شديداً لقد بات ضريراً إثر صدمة لما يحتملها عقله يا أخي، لما تركته قبل خمس سنوات وذهبت هكذا؟
سأحكي لكي ولأبي كل شيء ولكن قبلاً أود أن أعرفك على يونس هو صديقي وأخي هاتي هذا الدلو أحمله أنا.
حملته وذهب ثلاثتنا إلى المنزل حيث أبي لا يزال واقفاً هناك.
قالت آيلا بهدوء وهى تقبل يده:
_ ها أنا ذا يا أبي.
_ أين كنتِ يا ابنتي لقد قلقت عليكِ
_ لا تقلق فقط الازدحام كما تعلم، هيا لندلف فالطقس شديد البرودة اليوم ولكن قبلاً أود أن أقدم لك ضيوفاً.
_ صديق ورفيقه
صمتُ لبضعة دقائق وأنا أحاول جاهداً قراءة ملامحه، قال بهدوء:
_ تعال يا صديق ،اقترب يا بُنى
اقتربتُ فرحاً ووقفت قبالته، لطمني على وجهي لم أستطع الحديث يحق له أن يفعل بي أكثر من ذلك.
عانقني بعدها وقال:
_ لم يكن عليك دفع الثمن أبداً يا بني، أبداً.
بكيت:
_ بلى يا أبي، كان لازماً علىّ الوقوف بجانبك ما لي سواك أنت وآيلا أرجوك سامحني.
_ وهل ظننت يوماً أني لم أسامحك، لا يا صديق لقد دفعت من عمرك وحياتك وحريتك لأجلنا، أخجل من نفسي أحياناً فبعد وفاة مياسين لم أستطع منحكما الحب والطمأنينة أرجوكما أغفرا لوالديكما الضرير.
تعانقنا ثلاثتنا وقضيت بضعة ساعات رفقتهما ثم ذهبت رفقة يونس إلى قصر الملك جواد واعداً باللقاء والبقاء إلى جانبهما دائماً.
القصر رائع ولكنه ليس ضخماً كقصر لازورد بل حالته تدل على الثراء مقارنة بالمنازل الطينية التي بجانبه،
دلفنا من البوابة بهدوء فالملك هنا يسمح بولوج العامة وأصحاب المشاكل والأزمات من شعبه.
*
" يونس "
قصر شيلا رائع للغاية وبسيط أيضاً مقارنة بقصر لازورد الملكي،
وقفنا أمام العرش الخاص بالملك بانتظاره إلى أن خرج بهدوء وجلس قائلا:
_ فلتسمحا لي أن أرحب بكما بطريقة لائقة.
_ نشكرك يا مولاي، ولكن جئنا لطلب واحد ونريده بأقرب وقت.
_ تفضل
_ أريد ترياق ريديس، لطفل أصيب إثر شراب الميلاد .
_ من أخبرك بأن الترياق هنا ؟
_ الجميع يعلم بذلك
_ من أي إمارة أتيت ؟
_ من لازورد يا مولاي
تعالى الهتاف والضجيج من الحراس والوزراء وقال :
_ نحن لا نرد أي سائل خائباً لك ما طلبت، وأشار إلى أحد الحراس والذي ذهب مسرعاً وعاد بعد بضعة دقائق بقنينة صغيرة تحوي سائلا أحمر اللون وضعتها بحقيبتي وكدنا نخرج، صدح صوت أحد الحراس قائلاً:
_ هجوم على القصر يا مولاي !
هب الجميع واقفاً، أخرجوا سيوفهم من الغمد.
وكذلك فعلنا أنا وصديق هتف الملك بالحراس :
_ فلتأمنوا المخارج والمداخل جميعها وليذهب أحدكم آمراً الجنود بحماية الملكة والأمير، هيا.
ذهب عدد لا بأس به لداخل القصر وكنا أنا وصديق رفقة الملك بالإضافة إلى الجنود ودارت معركة استمرت لوقت لا بأس به، إلى أن انتبهت إلى أحد الجنود يحاول مباغتة الملك من الخلف بحركة سريعة ضربتُ ذراعه بنصل سيفي وأمسكت به جاذباً إياه إلى الحراس، عندما انتهينا كان جرح يدي ينزف إثر الإجهاد العنيف.
نظرتُ إلى صديق كان على ما يرام مجرد جرح بسيط فوق حاجبه والملك على ما يرام أيضاً، ذهب مسرعاً إلى داخل القصر ونحن بالخلف كانت الجثث المتناثرة في الطرقات أثر عظيم على قلوبنا جميعاً، حينما دلفنا إلى إحدى الغرف وجدنا طفل صغير جالساً محتضناً لرأس سيدة مغلقة العينين واضعة يدها على جرح معدتها الغائر والدماء تحيط بهما، كان يبكي بصوت مسموع ركض الملك إليه وصرخ بالحرس ناهراً، عما حدث لزوجته وقفتُ أتأمل الطفل الباكي تذكرتُ حينها يونس الطفل عندما توقفت والدته وهما وحيدين بالمنزل وجلس فوق فراشها محتضناً رأسها ليقص عليها إحدى القصص الطفولية التي كانت تقصها على مسامعه دائماً، نائمة بوجه شاحب وهو يبكي إلى أن انقطعت أنفاسه ليأتي والده ويحملها إلى المستشفى، ويستمر بتأملها من خلف زجاج غرفتها بالعناية المركزة، لا أحد يعيره أدنى اهتمام كان يريد فقط عناق يطمئنه لا أكثر ولكنه لم يجده،
استدار الملك تجاهنا وقال:
_ ستظلون هنا بشيلا.
*
رواية لِبچَشان الفصل الثاني عشر 12 - بقلم عفاف العريشي
( يونس )
أصبحنا على مشارف شيلا، في هذين اليومين اكتشفت أنها مدينة فقيرة لكنها غنية بالأخلاق بعيداً عما يفعله بعض الآباء حيال أولادهم من بيع وما إلى ذلك ولكنهم برغم ذلك يغفرون.
نظرتُ بجانبي إلى لونار الهادئة بالأونة الأخيرة تشاهد المدينة على مرمى البصر بهدوء، سألتها:
_ ما بكِ؟
_ لا شيء فقط أشاهد، ولكن أتعلم كيف سيتصرف شعب شيلا تجاه الوسم خاصتي فهم يشعرون به من القلادة كما تعلم ،عملتي مختلفة أي أن الوقت سيكون عصيباً هنا.
نظرتُ إليها قائلاً:
_ سأحميكِ دائما، سأحميكِ دون علمك بكلمة.
أخفضتُ بصرها وساد الصمت بيننا.
وصلنا أخيراً إلى قصر الجواد، استقبلنا الملك وخصص لكل منا غرفة خاصة به، على أي حال لم تلق لونار أي تفرقة لأنني قمت بشيء جعلتها تضع الطمي من بحيرة الموتى على القلادة وهكذا لن يشعر بها أحد كان حلاً جيداً حتى ولو مؤقتاً فلا بأس في ذلك.
ذهب كل من صديق ولونار للنوم وأنا اجتمعتُ مع الملك، علمتُ فيما بعد أن سبب الهجوم هو مجموعة من المتمردين ولكن الجميع يجهل هويتهم، أو من أي الأمارات أتوا وأن هذه كانت الضربة الأولى فقط من جانبهم التي أثرت عن مقتل الملكة والأمير الصغير الذى فقد النطق بعد الذي تعرض له إثر الصدمة.
علمت أن مجموعة المتمردين من كتاب خاص بالملك فقط أن مجموعة المتمردين يقطنون في جبال الغرب حيث جيكا، وأن زعيمهم يدعى (مارد) يريد أن يقتص لأبيه وهو زعيمهم السابق، حيث كانت هناك عداوة بينهم وبين الملك راكان أدت إلى خسارة فادحة لكلا الطرفين ولم يكن بيدهم سوى الهرب إلى الجبال واختفت أخبارهم لسنوات ولكن الآن عادوا، وهذه العودة نظير شؤم على لبجشان بأكملها ليس لهم مبادئ ولا معتقدات فقط يؤمنون بالسلطة والنفوذ والمال لا شيء يسمى المبادئ لديهم يقتلون الأطفال والنساء بلا رحمة ولا هوادة، واستقر بهم الأمر إلى العمل كقطاع طرق ينهبون القوافل المارة إلى الأمارات لا يظهرون سوى بمنتصف الليل حيث السكون والظلام الموحش، الظلام دائماً يحمل بين طياته الغموض والأذى كما يعتقد البعض، حيث أنهم عاجزون عن الخروج نهاراً لعهد قديم قام به قائدهم حينها كانوا سادة المملكة يخرجون كما يشاءون ينهبون ويشردون أطفالاً لا ذنب لهم ، لكن حدث ذات مرة هجوم مباغت من قبل الملك راكان بأول عهده أطاح بهم وبقائدهم مما أدى إلى تدهور ملكهم وقتل قائدهم، هرب مساعده رفقة عدد لا بأس به ومعه مخطوطة العهد وذُكر بها أنهم لن يتمكنوا من الظهور نهاراً أمام الملأ سوى بحضور دم قائدهم إلى المملكة، وإلى وقتنا هذا لا أحد يعلم كيف حدث، بما إن هجومهم على قصر الملك جواد كان بوضوح النهار.
بعد حوالي الثانية صباحاً ذهبت في طريقي إلى غرفتي بعدما تمكن مني التعب والإجهاد طيلة الفترة الأخيرة وحالما غفوت أتى حارس العهد، لا يأتي سوى بأوقات الراحة، قال بصوته الرنان ولا يظهر بالظلام الحالك سوى عينيه الزرقاء المتوهجة،
_ مولاي
لم أعطه جوابا فقال:
_ مولاي !
_ ماذا؟
_ لدى تحذير لأجلك.
_ هات ما عندك
_ سيغتالونك اليوم.
صحت قائلاً:
_ وتخبرني بالثانية صباحاً كي أجهز قبري أليس كذلك؟
_ بالطبع لا يا مولاي
قلت بحسرة:
_ لا عليك فقط ساعدني لأجد مكاناً مناسباً لمنزلي الأخير.
_ يا رجل دعني أكمل الحديث.
_ تفضل
_ خطة من قبل حماة راكان يريدون قتلك ولكن تم إيقافهم وأنت بأمان يا مولاي لا داعي للقلق.
صرخت قائلاً:
_ ما ذنبي أنا ولما تخبرني إذن طالما أنني بأمان أيها الحارس.
قال:
_ كي يكون لديك علم بكل شيء.
_ حقاً
_ أجل ذُكر بمخطوطة ريديس أنه لابد من تدريبك يا مولاي، وأنت لم تحظى به إلى الآن.
_ وكيف ذلك؟
قال:
_ يجب أن تأتي معي لأن طاقة وسمك تنخفض وسيؤدي ذلك إلى موتك ويجب استعادة طاقتك، حتى يتثنى لك رؤية من يحميك يا سيدي، لابد من استعادة الطاقة.
_ وكيف ذلك؟
_ يجب أن تأتي معي الآن.
_ أين سنذهب؟
_ ستعرف ولكن مُد لي يدك، رجاءً
مددتُ يدي بتردد في الظلام حتى أن أعينه اختفت شعرت بيد تطبق على يدي بقوة وصوت بأذني يقول أغلق عينيك واحبس أنفاسك.
امتثلت لما قال شعرتُ أنني أغرق ولكن اليد لازالت كما هى.
وبعد عدة دقائق تكمنت من التنفس وفتحتُ عينايّ لأرى شيئاً غير متوقع على الإطلاق.
( لونار)
باليوم الثاني لي بالمملكة، لم يكن سيئاً أواظب على الطمي الغريب ذاك كل صباح،
اعتدتُ الأمير تيم كثيراً وكذلك القصر وكثرت زيارتي للسوق وجولاتي للإمارة، والأخبار عن يونس لثلاثة أشهر اختفى بمهمته ولم يعد ونحن ضيوف للملك لحين عودته، كانت الحياة بالإمارة هادئة نوعاً ما والأهم من ذلك لا قيود فقط حرية.
حسناً أعترف أن يونس وزياراته الغبية كانت تخفف من ألم وحدتي إلى حد ما بالسجن، ولكن الآن الحرية بلا يونس أسوء من الأسر رفقته.
ذهبت مع صديق إلى السوق كعادتي إلى أن توقفنا قبل عبورنا لبوابة الخروج حيث أن السوق له بوابة للولوج وبوابة للخروج وذلك لكي يمر الزوار على سائر المنتجات والتجار، كان تجمعاً هائلاً قال صديق:
_ ماذا هناك؟ يا إلهي يبدو الأمر خطيراً!
قال رجل غريب:
_ لا فقط فتاه دلفت كجاسوسة بيننا وها هى تلقى عقابها المناسب.
قلت:
_ ماذا يفعلون لها؟
قال ببساطة:
_ سيذبحونها.
صرخت به:
_ ماذا؟
عبرت الازدحام بصعوبة ووجدت رجل سمين يمسك بفتاه بيضاء من عامة الشعب ويضع نصل سكين حاد على نحرها وهى تتوسل للجميع بلا جدوى، قاموا بقذفها بالقمامة والبيض،
أبعدتُ الرجل عنها ورفعتُ سيفي بوجهه صارخة:
_ ابتعد عنها، إياك أن تقترب ثانيةً
تجمع تجار العبيد حولنا وكونوا دائرة وهيئتهم لا تدل على الخير البتة،
حاول صديق الوصول إلىّ ولكن منعه أحد هؤلاء الأوغاد،
أمسك أحدهم شعري جاذباً إياه بشدة صرخت ألماً ووضع سيفه على نحري وقال بعدما أسقطت سيفي من يدي:
_ حسنا سنتركها ولكن بالمقابل ستُذبحين أنتِ.
بصقت بوجهه وقلتُ:
_ أيها الوغد أتركني، أقسم أنني سأقتلع رأسك بيدي.
اشتدت ملامحه قتامة وضغط على السكين قليلا أحدث جرحاً بعنقي وصديق يصرخ فكرت في لحظة أن استسلم للقدر وأغمض عينايّ، اخرجني من شرودي صراخ صديق ونحيب الفتاة الواهنة تحت قدمي مددت يدي إلى الخنجر المدسوس أسفل ملابسي اخرجته رفعته عالياً غرزته بجنبه محدثاً جرحاً انفجرت منه الدماء على ملابسي صرخ الرجل متألماً تركني ركضت مسرعة بعد اشارتي لصديق بأخذ الفتاة من هنا والرجال خلفي اختبأت بنهاية زقاق مظلم الجرذان تسير على قدمي اشعر بفرائها الدافئ وذيلها العاري يلامس بشرتي اكتم انفاسي أضع قصاصة على جرح عنقي،
أخرجت رأسي قليلاً بعد ان هدأت الأصوات بالخارج أشاهد المارة كان بجانبي رجل يعرض منتجاته من الأقمشة ابتعت شالاً أسود كبير وضعته على رأسي سرت بهدوء بين المارة والبائعين وصلتُ إلى بوابة الخروج مجدداً ابتسمت بانتصار وقلت بهمس:
_ أين ذلك اليونس ليرى لونار البطلة.
لم أفلح بالخروج قبضت يد صلبة على ساعدي اختفت ابتسامتي حينها شعرت بشيء صلب يسقط فوق رأسي لم أصمد كثيراً حاولت اختلاس نظرة لمن فعل ذلك ولكنني لم أرى سوى الظلام.
" يونس " قبل ثلاثة أشهر.
فتحت عينايّ بعدما استعدت وعي، كنتُ واقفاً فوق سفح جبل وأمامي شخص يعطي ظهره لي، سلسلة من الجبال تمتد إلى مرمى البصر، صحراء جرداء هادئة وبرغم درجة الحرارة المرتفعة ولكن قمة الجبال مغطاة بالثلوج ضممت نفسي في محاولة للتدفئة التفت إلى ذلك الرجل الطويل الضخم ذي الرداء الأسود وغطاء الرأس المماثل، المخيف أن هيئته الغريبة أخافتني وجهه مقسم للونين الأبيض والأسود وعينيه عين زرقاء وأخرى بيضاء يتدلى من عنقه قلادة لذات الطائر، قال بصوت أجش:
_ مرحبا بعودة النجم المنتظر
صمتُ متوتراً ولم أعطه رداً، استأنف حديثه قائلاً:
_ أنا مارد، خادمك يا مولاي بطاعتك دائماً
_ أين ذهب الحارس؟
_ إنه أمامك.
_ أأنت حامي العهد؟
_ بلى
قلت:
_ ولما أتيت بي إلى هنا الآن، وأين نحن من الأساس؟
قال بتروي:
_ نحن بأرض ريديس أو كما شاع اسمها هذه الأيام بأرض المتمردين، نحن قوم " جارام " مكث في هذه الأرض منذ مئات السنين بعدما تركنا
فارين من الحرب بين الملكين ريديس وراكان الأول، نحن السكان الأصليون للبجشان هجين بين العبيد والسادة، لا يوجد عبيد هنا ولا سادة الجميع سواسية، لا تفرقة، لا للظلم، لا للإهانة والذل،
نتكاتف حتى نحمي أرضنا، أطفالنا ونسائنا، نقيم بالكهوف بعدما قتل ريديس على يد راكان غدراً، أوهم راكان الملك ريديس بالصداقة وأقاما هدنة وبعد عدة سنوات تمت معاهدة ريديس المعروفة بمخطوطة العدالة العليا، عشنا لسنوات بهدوء دون سفك للدماء ولا سرقة أو أي شيء من هذا القبيل، كان ريديس ملكاً على لبجشان بعدما تنازل راكان له عن ملكه وتوحدت، لا وجود للإمارات الأربعة آنذاك، إلى أن حل على سماءنا ذلك اليوم الذي تغير به كل شيء، قتل الملك بواسطة أفعى سامة من نوع خاص على فراشه وانتشر الخونة وجنود راكان بالمملكة واغتالوا جميع معاوني الملك وأبناءه كان له خمسة أبناء منهم ابنه الأصغر ريديس حيث اسماه كما اسمه، فر بواسطة خاتم البوتو العظيم ونحن كما ترى بعد فراره أصبحنا نخرج ليلاً فقط ونمكث طيلة النهار بالكهوف نظراً لظلامها لو خرجنا سنحترق لا محالة.
_ لكن أنت تقف أمامي الآن بوجود الشمس؟
_ أجل، فبوجود دم ريديس على أرض المملكة تمكنا من الحركة، من كان يخرج منا هو أنا فقط متخفي أيضاً،
وأخرج قلادة بها سائل أحمر قانٍ وقال:
_ هذا دم ريديس الثاني حفظته هنا فوالدي كان طبيبه الخاص وفي إحدى إصاباته حفظ دمه بسائل يساعد على عدم تجلطه، لأن من يموت من حاملي دم ريديس بدم أفعى بحيرة الموتى يفسد دمه بالكامل ولا نستطيع نحن الخروج:
_ وكيف استطاع الجميع اذن؟
قال وهو ينظر إلى عينايّ:
_ النجم المنتظر، بمجرد وصوله إلى أرض لبجشان أشعر به إثر تأثير طاقته عليّ وأستطيع معرفة مكانه وأنت هو ذلك النجم حامل دم ريديس، وأنت وريثه المتبقي الوحيد الآن وبطاقتك وقوتك الكامنة بداخلك تستطيع مجابهة ذلك الظلم، ولذلك لابد من أن تحظى بتدريبك لكي تُفعّل قواك.
قلت:
_ أنا لستُ نجماً لأحد ما أتيت إليه لم أجده من الأساس هذه ليست حياتي أنا يونس ولست ذلك النجم خاصتكم، لم تكن نيتي أن آتي إلى هنا أو حتى مجابهة أي شيء فقط أردتُ والدايّ لا أكثر وأنا على يقين تام أنهما على قيد الحياة.
قال بهدوء:
_ أجل والداك هنا لقد شعرت بطاقة والدك قبل أشهر أتى إلى لبجشان ولكن ليس بمحض الصدفة بل بإرادته الكاملة حاولت رصد مكانه ولكن خاب مسعاي لأنه يستخدم سم تلك الأفعى يضعه بالقرب منه.
قلت:
_ وكيف سنصل له إذن؟
قال:
_ لا حل أمامك سوى قواك فأنت الآن ضعيف للغاية، وإذا قمت بما قلته لك ستتمكن من الوصول إليه.
سألته:
_ ووالدتي أين هي؟
أجابني:
_ لا أعلم ولكن قواك ستساعدك ولابد لك من البدء بأسرع وقت ممكن يا سيد يونس.
فكرت قليلاً وحسمتُ أمري سأقوم بكل شيء لأجدهما.
قلتُ:
_ موافق ولكن بشرط.
_ قل ما عندك.
قلت:
_ أريد أن أحظى بوسيلة تمكنني من الاطمئنان على أصدقائي.
_ لك ذلك.
أخرج ريشة زرقاء وقال وهو يهم بالرسم على الأرض:
_ ستساعدك هذه، ترسم بطرفها دائرة على الأرض ونشاهد ما يحدث بعد ذكر اسم الشخص المعني.
اخذتها رسمت دائرة وقلت أول اسم جاء بخاطري " لونار ".
كانت جالسة رفقة الأمير تيم تلاعبه ويضحكان سوياً.
أقفلت الدائرة قال مارد:
_ هناك شيء آخر، لا تستطيع استخدامها سوى مرة، واحدة بالشهر قبل غروب الشمس بدقائق.
قلت مستنكراً:
_ أنا أرى الآن وبمنتصف اليوم!
قال وهو يسير:
_ هذا استثناء، والآن لنبدأ.
ركضت خلفه وصحت:
_ انتظر يا مارد لم تخبرني ما كهنك يا رجل.
قال بابتسامة تظهر أنياب بعدما استدار بكامل جسده:
_ مثلك تماماً.
استمر تدريبي لثلاثة أشهر خضت فيها أسوأ ما قد يتصوره إنسان حتى أنني تجرعت سما يومياً، في بادئ الأمر كدت أموت لكن بعد ذلك اعتدت على مثل هذه الأمور فجرعة السم بسيطة للغاية، والكثير من الأشياء الخطيرة والآن بعد ثلاثة أشهر فعلت قوايّ وأصبحت على أتم الاستعداد للقصاص لعائلتي.
أدركت أن ثلاثة أشهر مدة كفيلة ليتغير الإنسان إلى آخر يجهله تماماً.
بآخر يوم لي بأرض ريديس لم ألتقي بأهلها من الأساس سوى مارد وشخص آخر يدعى سليمان كان يأتي لي بالطعام وكل ما أحتاج.
ونمت صداقة بين ثلاثتنا والآن أنا بغرفتي أستعد للمغادرة،
أوقفني صوت مارد قائلاً:
_ والآن بعدما فعلت قواك يمكنني إعطاءك هذه.
نظرت إلى يديه كانت بردية كبردية المصريين القدماء من الجلد ملفوفة على طرفيها قطعتين من الذهب،
قلت:
_ ما هذه يا مارد؟
_ إنها مخطوطة ريديس، إنك الأحق بها الآن يا سيدي.
نظرت له ثم إلى المخطوطة أمسكتها بيد مرتعشة وفتحتها وقرأت ما بها.
بعدما انتهيت من قراءتها قال مارد:
_ والآن يا سيدي عليك معرفة شيء هام.
_ وما هو؟
_ والداك.
_ ما بهما؟
صمت أنظر منتظراً إجابته، خشيت من هواجسي حينها في لحظة الصمت هذه، قال:
_ وجدانهما.
انفرجت أساريري إثر حديثه وسألته متلهفاً:
_ أين هما؟
أجابني وهو يوليني ظهره ويهم بالسير:
_ تتبعني رجاءً.
وصلنا إلى جبل نائي وقال:
_ وجدت والدك بمنجم ثروان قتيلاً، علمتُ فيما بعد أنه عمل لمدة لا بأس بها، وتم قتله على يد زميل له يدعى " همام "، اختفى ولا أحد يعرف طريقه، ووالدتك.
أغلقت عينايّ استعداداً لسماع القادم حيث استأنف حديثه قائلاً:
_ وجدناها مجمدة رفقة والدك حيث أنهما التقيا لا محالة ولكن والدك قتل وتم نقل الجثمان إلى جانب زعيمنا ووالدتك لا علم لنا بما حدث لها يا يونس، أرسلت مساعدي سليمان وهو الآن يندس بإحدى الأماكن التي قيل أنهما كانا يقيمان بها بلازورد وتحديداً قصر الملك.
قلت:
_ أين جثمان والدي يا مارد؟
مد يده بهدوء للأمام وضغط على إحدى الأجحار، ظهر باب حجري فتح تلقائياً ولجتُ إليه كان يضم أكثر من قبر قال:
_ إنه للعائلة المؤسسة.
ذهب بعدما طلبت منه تركي بمفردي.
جلست أمام القبر ولم أنبث ببنت شفة، مر الوقت سريعاً استقمتُ وخرجت، عدت أدراجي بانتظار سليمان.
أتى سليمان حيث كنت جالساً بالغرفة بذلك الكهف حينما تكاثف الكثير من الدخان من العدم وخرج وهو يرتدي ذلك الزي الأسود كما يفعل مارد، ضخم تبدو عليه القسوة والشدة من قسمات وجهه، قال:
_ مرحباً بعودتك سيدي.
صمت احثه على الحديث فتابع:
_ علمت أن السيدة بدر عادت إلى لبجشان بعد اختفائها بثلاثة أيام وأنها ذهبت للعمل بأحد المنازل التابعة لتاجر شهير وأنها اختفت بعدها، وأن السيد وليد عاد كذلك إلى المملكة وظل يبحث عنها إلى أن وجدها ولكنهما لم يبقيا سوياً حيث تم اختطافها وذهب والدك للعمل بمنجم ثروان، وأن زميل له قام بقتله غدراً برغم عدم وجود أية خلافات بينهما، وإن ذلك المدعو همام قتل والدك بعدما أمره سيد له بذلك،
صمت سليمان نظرت له وصحت سائلاً إياه:
_ من الذي أعطاه الأمر بذلك؟
أجاب:
_ الضابط هادي صديق والدك.
_ هادي كان صديق والدي كما علمت سلفاً، إذن ما الفائدة من قتله؟
_ الضابط هادي ليس له سلطة على أحد بوجود والدك فهو الأعلى رتبة آنذاك، والسبيل الوحيد له لكي يظفر بها هي بقتل قائده.
خرجت إلى سفح الجبل مارد بالأسفل ينظر إليّ بابتسامة وخلفي سليمان قلت له:
_ لنعد الآن إلى شيلا.
_ لك ذلك.
أشرت له بيدي إشارة للتوقف وجثيت على ركبتاي، أخرجت الريشة وقمت برسم الدائرة بعدما ذكرت اسم لونار، لم أصدق ما رأيت رجل يمسك بها يحاول قتلها، استقمت وزعقت في سليمان:
_ الآن.
(لونار)
فتحت عينايّ بتثاقل لأرى أنني بغرفتي الخاصة نهضت ولكنني تألمت إثر جرح رأسي الذي تم تقطيبه، قالت فتاة تجلس بجانبي:
_ حمداً للرب على سلامتك.
نهضت بتوجس وتأكدت من أنني بالغرفة وسألتها بتوتر لم أفلح بإخفائه:
_ من انت؟
أجابت باسمة:
_ أنا آيلا.
بادلتها الابتسامة لا أعلم بالرغم من أنني ألتقي بها للمرة الأولى إلا أنني شعرتُ براحة واطمئنان، نهضت وساعدتني هي لأرى بخارج الغرفة صديق ورجل يوليني ظهره ورجلان آخران ولكن الأخير غريب للغاية وهيئته مخيفه.
استدار الرجل ورأيته يونس يقف باسماً، ضحك وقال:
_ وأخيراً استيقظت الخالة لونار.
لم أتحدث ولكنني راقبت ابتسامته وهو يكمل:
_ حقاً لقد شعرت أن أنفاسي تسلب وأنتِ غائبة عن الوعي.
قلت ساخطة:
_ توقف أيها العابث، حقاً لم تحسن بدر تهذيبك يا فتى.
حينها رفع ذلك الرجل المخيف رأسه وقال بعدم اكتراث:
_ من هذه؟
قلت بحنق:
_ وما دخلك، ومن أنت أيها المخيف؟
_ أنا مارد، ومن أنتِ؟
قلت موجهة حديثي ليونس:
_ يا صبي من هؤلاء، وهل تقيم اجتماعاً أمام غرفتي أم ماذا؟
قال يونس بجدية:
_ جيد أنكِ استيقظت يا لونار، لقد حان الوقت للتحرك.
رواية لِبچَشان الفصل الثالث عشر 13 - بقلم عفاف العريشي
ناقشنا ما ننوي القيام به جيداً، وأتى مارد بسبعة خواتم من اللازورد كخاصتي. أخبرنا أنه خاتم خاص بالضغط على الحجر الخاص به ينبه البقية ويجتمعون، ولكن خاتم القائد هم المتحكم حيث أنهم يجتمعون بمكان القائد. كان الخاتم خاصتي هو الخاتم الخاص بالقائد.
ذهب صديق إلى جيكا ليوفر العدة للحرب، وكذلك موفق الذي اقترح علينا الذهاب إلى مملكة هيلاسي المجاورة لنا. ولونار رفقتي، وكذلك آيلا، ومارد ذهب للقبائل الخاص به، بعدما نقل كلا من صديق وموفق توفيراً للوقت. والملك جواد رفقتنا، سنتحرك قبل بزوغ الشمس للازورد.
لقد علمنا أن الضابط يعقوب قتل الملك وحاشيته واستولى على العرش منذ أشهر، وأضحى الجور والنبذ يسود المملكة بأسرها.
أشرفت على الجيش رفقة الملك جواد، وكذلك فعلت لونار وآيلا مع الفتيات. استغرق الأمر لساعات طوال حتى انتهينا بمنتصف الليل. خرجت من غرفتي إلى الحديقة الخاصة بالقصر.
جلست أمام البحيرة الداخلية الصغيرة التي تتوسط الحديقة الخاصة بالقصر. كانت لونار جالسة أيضاً شاردة الذهن. قلت لها بعدما جلست:
_ بماذا تفكرين؟
_ بالقادم.
قلت بعدما قذفت بحجر صغير بالماء محدثا صوتاً:
_ رب الخير لا يأتي إلا بالخير.
قالت:
_ معك حق، هل لي بسؤال؟
قلت باسماً:
_ لكِ سؤالين يا خالتي.
ضحكت وقالت:
_ لما كل هذا يا يونس، أقصد أننا سندخل بحرب نحن في غنى عنها.
قلت:
_ لا، اليوم هو الفاصل. إما أن تعود الإمارات كاليد الواحدة وإما أن تتفرق إلى الأبد.
صمت برهة من الوقت واستأنفت الحديث:
_ لا ذنب للأطفال ولا لأي شخص هنا لكي ينبذوا بهذه الطريقة فقط لأن هذه المملكة تضع معايير للتفرقة بينهم. كم من ظالم يجور الآن على الأبرياء يجلس على عرش ملوث بالدماء. هذه آفة ويجب أن تُنتزع.
سألت:
_ كيف أنقذتني؟ أعني ظننت إنني لقيت حتفي بالسوق.
_ لقد قلتها لكي قبلاً وسأقولها الآن، سأحميكِ دائماً، سأحميكِ دون علمكِ بكلمة.
صمتت وبدأت أنا بسرد ما حدث:
_ وصلت إلى هنا وجلتُ بنظري بالمكان، رأيتك ساقطة بعدما فقدتِ وعيك إثر الجرح والنزيف. أمسكت بذلك الرجل وسُجن، وتم نقلك إلى هنا وقامت الطبيبة بتقطيب جرحك.
قالت باهتمام:
_ والفتاة أين هي الآن؟
قلت:
_ لا تقلقي، هي الآن بمنزلها يا خالتي.
قالت بتأفف:
_ يا رجل، أنا لست خالة لك. ألا تنظر إلى المرآة؟
لم أجب، ولكنها صرخت ذعراً حينما خرج مارد من البحيرة بأعينه الوهاجة وقال بابتسامة متهكمة:
_ لا يا خالة، لا ينظر إلى المرآة.
صاحت برعب:
_ أيها المشعوذ، أرعبتني.
سألته مقاطعاً:
_ كيف جرت الأمور؟
أمال رأسه وقال:
_ كما أمرت يا سيدي، سنجتمع فجراً رفقة جيشاً لا يقل عن خمسين ألف مقاتل.
سررتُ بما قال وولجنا إلى القصر وأخبرنا الملك جواد الذي انفرجت أساريره، ونحن الآن بانتظار البقية.
قبيل الفجر بساعة تقريباً كان كل شيء جاهز للانطلاق، ولكن لم يحضر الجيش الخاص بمارد ولا صديق أو موفق. أمضينا في طريقنا إلى لازورد، رفقة لونار وآيلا ومارد وجواد. قلت لمارد:
_ ألا يمكنك إيصالنا إلى هناك؟
_ لك ذلك.
قالت لونار:
_ كيف سيفعل ذلك هذا الساحر الغريب؟ أخبرتك يا يونس أنه محتال ويكذب علينا. أجزم أنه خائن، ألا نرى عينيه المخيفة هذه.
صرخ مارد خارجاً عن هدوئه لأول مرة:
_ اصمتي يا امرأة، كُفي عن ترهاتك.
صمتت بوجه متجهم ليقلنا مارد أمام لازورد مباشرة. التفتُ إليه قائلاً:
_ ولكن يا مارد، لم نتأكد من عودة صديق وموفق بعد.
_ أنت أمرت وأنا نفذت يا يونس.
ابتسم بمكر وابتعد عنا يتبعه جيشه، فلم يبق سوانا، أنا، لونار، جواد وآيلا.
قال بكل صوته:
_ غبي! صدقتني. تأكدت الآن من أنك مجرد فتى غبي لا يفقه شيئاً سوى التذمر.
قلت بتجهم:
_ ماذا تفعل؟
استحالت هيئته بعدما حاوطه الدخان الأسود من كل صوب إلى يعقوب يقهقه قائلاً:
_ أكنت تريد إن تقتلني؟ تريد أن تقتص لوالدك الغبي؟ ولأجعلك تتأكد، أجل، أنا من قتلته وأنا من كدت له هنا بهذه الإمارة. كان دائماً الأفضل والأجدر بالثقة من قبل الملك، وأنا الهامش لا يتذكره أحد.
أتعلم ما الرائع بما حدث؟
ألجمتني الصدمة وأنا أراه يقهقه ويستأنف حديثه قائلاً:
_ إنني من قتلته بيدي هذه، وأنت يا جواد، لم يكن الهجوم على قصرك بالأمر المستحيل. لقد أرسلت رجالي ليقتلوك وأتخلص منك، وكذلك فعلت مع هذا الفتى بالقرب من المحيط. أتذكر ذلك الرجل؟ أنا من فعلتها ولم أنجح. أكثر من مرة خسرت العديد من الفرص. متمسك بالحياة كعائلتك. والدك اختفى بعدما اقترحت على الملك أن يتزوج من الأميرة عنود، وأطاع اقتراحي، وهكذا أوهمته أنه سيخسر حب حياته وأنه ذلك الوفي لحبيبته بدر.
صمت يشاهد تعابير وجهي بعد أن هبطت من فوق صهوة جوادي. ركضتُ باتجاهه صارخاً:
_ سأقتلع رأسك الرث بيدي.
قال:
_ اعتذر يا جلالة النجم المنتظر، فرأسك سيتدحرج على المنصة غداً رفقة هؤلاء الحمقى.
تابع حديثه:
_ رأيت، لقد قاطعتني. لنكمل القصة، أين توقفنا؟
أجابت لونار بسخط:
_ خيانتك لصديقك يا وغد.
_ أجل، تذكرت. ذهبا سوياً وأيقنت أنني سأتولى زمام الأمور بعدما أتزوج بالأميرة عنود، ولكن مع اختفائهما لم أعد قادراً على التجول نهاراً.
لذا فكرت بحل واحد، وهو أن أجلب دم ريديس للمملكة. بالبداية والدتك، ولكن كما تعلم، فهي ليست بوريثة لريديس. لا بأس، فكانت خطتي أن أجلبها أولاً وحتماً سيأتي وليد مهرولاً، وهذا ما حدث.
أتعلم ما حدث آنذاك؟
لم أجب. زمجرت غاضباً أحاول التملص من أيدي الجنود ليكمل هو حديثه:
_ أمسكتُ به ونحرت عنقه واحتفظت بدمائه قريبة مني. هكذا استطعت التنقل بأريحية.
وسألني بعد صمت دام لبرهة:
_ ماذا كنت تظن نفسك فاعلاً؟ ستصبح الحاكم هنا؟ ألم ترى نفسك بعالمك مجرد رسام منبوذ فاشل يريد أن يقود مملكة شاسعة كهذه.
أمسك الجنود بالبقية حينما أشار لهم بذلك، وجزونا بنا إلى السجن.
لم أفكر مرتين وأمسكت بخنجري واخترقت الصفوف إلى أن توسطت صدر ذلك اللعين. دماءه سوداء، عاد لطبيعته البشعة، رائحته النتنة ملأت المكان. حاوطه الدخان الأسود الكثيف من كل صوب إلى أن استحال إلى هيئته الأولى كمارد، وخلفه الجنود.
أمسك كلا منا بسيفه، أنا، لونار وجواد، كلا منا بظهر صديقه لكي يفديه بحياته، فالموت قادم لا محالة. بدأ القتال وكلاً منا يثابر ويقاتل، والجنود كثر ونحن ثلاثة فقط. لونار قواها بدأت تخور، وجواد مازال كما هو لا يأبى لما يحدث. إلى أن جاءته طعنة. استمر بالرغم من ألمه بالقتال. حاول أحدهم طعن لونار، قتلته.
خارت قوى كلا من لونار وجواد، والجنود أكثر من مئة جندي ضخم.
استسلمنا بنهاية المطاف، أجبرونا على الركوع أمام يعقوب، أيدينا خلف ظهورنا. المكان خالي لا صوت به سوى أنفاسنا الثقيلة المسلوبة. اتسعت ابتسامته الكريهة وهو يشير لأحد الجنود بإرغام لونار على التقدم بنفس وضعيتها، وكذلك جواد. أمسك بسيفه وبضربة واحدة شق عنق لونار وانتقل إلى جواد. دماءهما الدافئة أمامي تلامس قدمي وهما ملقيان على الأرض الزلقة يحدقان بي. سقطت أرضاً فاقداً الوعي. استيقظتُ على همسات باسمي.
فتحتُ عيني، كان موفق أمامي، نجلس بخيمة بالصحراء وأنا أرقد على فراش بسيط.
قال موفق:
_ حمداً للرب على استيقاظك.
سألته:
_ كم استغرقت بالنوم؟
أجاب:
_ أسبوع.
_ وكيف جئت بي إلى هنا، وأين نحن؟
_ نحن بصحراء جيكا وأنا من أتيت بك من السجن بلازورد.
قاطع حديثنا دلوف فتاة غريبة لم أرها من قبل، قصيرة وشعرها البني يتطاير حولها، صرخت به:
_ يا أحمق! ألم أخبرك بأن تذهب إلى أليستروميريا وتخبرها بما نحن بصدد فعله.
أجاب بهدوء يحاول كظم غيظه الذي لم تفلح ملامحه بإخفائه:
_ أجل فعلت، أرسلت لها رسولاً يا سيدتي.
_ حسناً، هكذا أفضل.
قلت:
_ من أنتِ، وأين لونار وجواد؟
أجاب موفق:
_ هذه الأميرة بوفارديا شقيقة الملكة أليستروميريا ملكة هيلاسي. ذهبت إليها وطلبت المساعدة ولبت النداء بصدر رحب. والأميرة أتت مع جيشها لننهي هذه المهزلة يا يونس.
قلت بارتباك:
_ ولونار وجواد؟ ألم تنقذهما؟
أخفض بصره أسفاً ولم يجب.
طلبت منهما تركي بمفردي قليلاً.
خرج الأثنان وبقيت أنا أرثي نفسي بكلمات لا تعيد من ذهب بلا عودة. الرحيل ليس فقط رحيل الأموات، بل هو رحيل الأحياء الأقرب لقلوبنا، من ننادي عليهم بقلوبنا ولقائهم بعالم الأحلام أجمل لقاء.
بكيتُ وأنا أتذكر كيف ذبحا أمامي بلا رحمة. أنقذت لونار مسبقاً، ولكن لم أستطع إنقاذها من أيديهم. أريد أن أراها لمرة واحدة أخبرها كم أحبها وأنني لم أحب ولن أحب سواها. أعترف أنني لم أبوح لها قبلاً، ولكنني حقاً أعشقها.
استمر بي الحال قرابة الشهر لا أخرج من الخيمة، موفق يأتي بالطعام ويأخذه كما هو، إلى أن ولجت تلك الأميرة بوفارديا.
قالت:
_ يا سيد يونس، الحزن لن يفيدك بشيء، سوى خسارة نفسك. لا سبيل للاستسلام الآن، إما الحرب والنصر، أو الاستسلام والهزيمة. هل تشعر بالراحة وأنت تترك ما جئت لأجله؟
صمت ولم أجِب، فتابعت:
_ تترك دماء أصدقائك هكذا؟ تترك هؤلاء الناس في جور أبدي يتوارثونه جيلاً بعد جيل؟ ألست أنت حفيد من أنقذهم قبلاً؟
أجبت بشرود:
_ لا قيمة لكل هذا الآن. ذهبوا ولن يعودوا. حاربت مراراً ولم أجني سوى الهزيمة بكل مرة.
قالت:
_ حتى وإن هزمت فعليك بالمحاولة. وأنا هنا لكي أساعدك بتحرير هذا الشعب من الظلم الواقع عليهم. علينا إخراجه من مستنقع الجهل والهوان هذا.
قلت:
_ لا حاجة لي بذلك يا أميرة، لا حاجة لي.
احتقن وجهها وقالت:
_ إذن لا فائدة من بقائي هنا يا سيد يونس.
لم أعطها رداً وهمت بالمغادرة إلى أن ولج صديق مهرولاً بملابس الحرب قائلاً بأنفاس متقطعة:
_ والدتك يا يونس، إنها على قيد الحياة.
رواية لِبچَشان الفصل الرابع عشر 14 - بقلم عفاف العريشي
خلال رحلة صديق لباقر قرر الذهاب خلسة إلى منجم ثروان لكي يتمكن من الولوج إلى القصر بواسطة الكهنة هناك ولا سبيل لديه سوى ذلك.
بعدما اتفق مع أحد قادة الجيش المخلصين للسيد وليد وأخبره عما في جعبته وعده بالمساعدة ولكن بشرط الحصول على مكانتهم مجدداً، وافق صديق وشق طريقه إلى منجم ثروان ليجده مكان أشبه بالجنة على الأرض، بوابة زرقاء ضخمة والأشجار الشاهقة الارتفاع المحيطة به.
ولج بعد القائد وأخبره أنه سيصنع له ورقة تساعده على الولوج وقتما يشاء.
خلال رحلتهما القصيرة تأمل صديق ما يقابله من الكهنة والمساعدين وكذلك الأطباء إلى أن توقف واخبر القائد أنه سيلتقي به بعدما يفرغ من التقصي.
ذهب القائد وأكمل هو المسير إلى مكان محظور لم يتمكن بالبداية من قراءة تلك اليافطة المكتوب عليها عدم الدخول.
ولج وهو بحالة من الاندهاش والرهبة، خطى بتوجس إلى الأمام وهو يرى سيدة من عامة الشعب.
ذلك الكاهن يجبر الطفل على شرب ذلك الشراب الأزرق الغريب.
حالما غادرت السيدة التفت إلى مساعده وقال:
_ الطفل مريض بشدة وإن استمرت والدته بالمجيء إلى هنا امنعوها، وعلى أية حال سيموت الطفل خلال أيام.
صمت وأكمل حديثه بعد صمت دام لبرهة من الوقت قائلاً بتهكم:
_ هذا الشعب في سبيل السلطة يضحون بأرواحهم، الطفل مريض للغاية وإن أكمل حياته سيصاب بمرض بالعظام ولن يقوى على الحركة وإن أتت والدته وظهرت عليه أياً من الأعراض ستأخذه عنوة، وأشار إلى غرفة خلفه مكملاً حديثه:
_ بجانب أقرانه.
غادر الكاهن ومساعده وبقى صديق يحدق بالباب الموصد.
قرر الولوج، نظر بتوجس إلى المكان لا يوجد أحد إلى أن فتح الباب وهنا كانت صدمته.
شاهد الكثير من الأطفال بغرفة واسعة، المئات من الأطفال الذي لم يتعدى عمرهم الثلاث سنوات كلا منهم بأنبوب يحوي مادة شفافة سائلة والأطفال بلا حراك ساكنين.
من مختلف الطبقات يتوسط الغرفة أنبوب ضخم كالبقية بداخله فتاة ناصعة البياض مغمضة العينين وشعرها الأبيض الطويل متناثر حول وجهها وكتفيها ترتدي فستان أبيض طويل، ترتدي قلادة لطائر البوتو العظيم.
خرج مسرعاً بعدما سمع صوت ذلك الكاهن المقيت عائداً، لكن قبل أن يخرج تمكن من قراءة الاسم الصغير المدون على الأنبوب (بدر ابنه زاهر).
هرول إلى الخارج وجد القائد بانتظاره وعادوا أدراجهما ومنه إلى الصحراء حيث يونس بعدما أرسل له موفق يخبره بما حدث.
بعدما انتهى صديق من سرد قصته هب يونس واقفاً.
قال بحماس:
_ إنها أمي.
ثم وجه حديثه لموفق:
_ كم عدد الجنود رفقتك؟
أجابه باسماً:
_ عشرون ألف مقاتل.
وسأل بوفارديا:
_ وأنتِ يا أميرة بوفارديا؟
أجابته بحماسها المعتاد:
_ ثلاثون ألفاً.
قال وقد اشتعلت عيناه بنار الانتقام:
_ لا حاجة للمماطلة إذن، سنذهب أولاً إلى ثروان، أنا وصديق وآيلا وعدد من المقاتلين، وأنتِ وموفق إلى لازورد وسنلتقي أمام القصر الملكي قبل بزوغ شمس الغد.
انتهى يونس من استعداده سريعاً، وصلوا إلى وجهتهم سريعا قبل غروب الشمس، يونس بالمقدمة يمتطى صهوة جواده يليه صديق وآيلا كلاً على جانبيه يسارعون الوقت وخلفهم الجنود.
مروا كل واحد منهم بالبطاقة الخاصة بصديق على الرغم من ضيق الحارس وحنقه من اختلاف العملات.
قادهم صديق إلى تلك الغرفة خلسة.
ولج ثلاثتهم بعدما قفزوا برشاقة من فوق السور.
لم يروا شيئاً بالغرفة خاوية تماماً.
قال صديق بتوجس وصاح:
_ علينا الخروج من هنا الآن.
خرج الجميع بسلامة والغريب أنه لم يتم كشف أمرهم مما أثار توجس وحيطة يونس.
قالت آيلا بضيق:
_ أظن أنه كان فخاً.
قال يونس وهو يحث جواده على الإسراع:
_ علينا الوصول إلى لازورد سريعاً.
قاطعهما صديق:
_ الأميرة بوفارديا بانتظارنا.
قال يونس:
_ لن نغير شيء سنلتقي بها كما اتفقنا أمام لازورد.
ثم أكمل حديثه بابتسامة خبيثة:
_ فقط سنغير الطريق.
هبط يونس والبقية بحذر شديد من فوق الأحصنة يمسك كلا منهم بسيفه وخلفهم الجنود.
هبطوا بخندق مظلم خانق للأنفاس برائحته العطنة والماء الراكد والذي يحوي الكثير من الحشرات التي تقفز على أرجلهم.
يونس يمسك بشعلة زيتية بالمقدمة وبالنهاية شعلة أخرى يمسك بها جندي من أصل خمسة رفقة ثلاثتهم.
وصل أخيراً إلى مراده سلم حجري يهبط أكثر للأسفل.
هبط بعدما أشار للبقية بان يتبعوه.
ممر طويل وضخم أسفل الأرض تقطر المياه من حوائطه من كل صوب والأعشاب نامية بأركان الحوائط.
وقف الجميع بحيرة بآخر الممر وهم يرون خمس تشعبات مختلفة ومظلمة.
رفع سبابته وابتسم بعدما ضغط على الخاتم الخاص بوالده.
خرج منه ضوء أزرق وهاج أنطلق إلى أحد الممرات الخمس أمامهم وكان الثالث.
نظر للخلف بابتسامه ليبادله الجميع ويكملوا طريقهم.
قال يونس بابتسامة تشفي:
_ فخ أحمق.
كانت الساعة تقترب من الثانية صباحاً حينما وصلوا إلى المكان المتفق عليه قبل حدود لازورد.
كانت بوفارديا تتحدث مع موفق بحنق كالعادة.
سمع الجميع صراخها وهى تقول:
_ يا أحمق يا عديم الفائدة هذه الطريقة خاطئة.
موفق بتهكم:
_ تتحدثين كالسيدة ونحن العبيد.
_ أجل أنا سيدة نبيلة.
_ انتِ بوفارديا ولست نبيلة، وحتى أنني لا أرى سيدات هنا.
كادت تصرخ موبخة إياه مجدداً.
قاطعهما يونس قائلاً بهدوئه المكتسب بالأونة الأخيرة:
_ لا أسياد هنا، نحن أصدقاء نتكاتف جنباً إلى جنب.
تبادل كلا من موفق وبوفارديا نظرات السخط والتوعد للآخر.
قال يونس:
_ استعدوا سندخل الآن.
بوفارديا:
_ هل سنشن حربنا الآن؟
أجاب:
_ لا.
سألته بوفارديا:
_ إذن؟
قال يونس وهو ينظر لأصدقائه:
_ سندخل خلسة أنا وموفق وصديق وآيلا.
ثم أشار إلى قبة القصر الشاهقة وأكمل مخرجاً الريشة الزرقاء من جيبه.
_ ستنتظرين إشارة زرقاء يا سمو الأميرة.
فهمت مقصده وأكمل هو وجهته رفقة أصدقائه.
بقت الأميرة والقادة بانتظار إشارة البدء.
تحرك ثلاثتهم خلسة إلى البوابة الرئيسية للقصر.
عدد الحراس لا بأس به.
نظر يونس بجانبه ورأى مراده، سيقفزون من فوق السور الشاهق بعدما يصعدون واحداً تلو الآخر الشجرة الضخمة بجانبه وسيساعدهم بذلك الضوء الخافت الصادر من الشعلات الزيتية.
تسلق يونس أولاً بخفة ونظر خلف السور وتأكد من خلوه من الخطر ثم أشار لكلاً من موفق وصديق وآيلا الذين لم يختلفوا عنه كثيراً.
وأشار يونس لكلا منهم بالذهاب إلى وجهة مختلفة.
قبل الفراق عانقهم يونس ليلف الجميع أيديهم حول بعضهم بحلقة متعطشة للانتقام.
قال يونس بخفوت:
_ لا مجال للخوف فالرب معنا دائماً.
رآهم أحد الحراس ورفع سيفه بالهواء لكي يهوي على موفق ولكن آيلا كانت الأسرع حيث أخرجت خنجرها وصوبته بمنتصف صدره قائلاً بابتسامة:
_ ضربة موفقة.
أومأ البقية ونظروا إلى جميع الاتجاهات والطرقات المنارة بالضوء الخافت المعتاد لينطلقوا بخفة على العشب.
ذهب يونس إلى الساحة أولاً والتي بها بعض الأدوات التي ستساعده وهو سائل أتي به قبلاً في أثناء رحلاته بلازورد.
قبل ذهابه ألقى نظرة على الدرج المؤدي للسجن الذي احتجزت به لونار.
لم يكن يريد ذلك ولكن دقات قلبه العنيفة أجبرته على النزول بتوجس وفتح الباب.
شهق بصدمة مما رآه.
ذلك الأنبوب الذي تحدث عنه صديق أمامه يتوهج بزرقة بداخلة تلك السيدة الفاتنة مغمضة العينين وشعرها الأبيض المتناثر حولها يخفي جزءاً من ملامح موجهها.
ظل ينظر إليها وإلى الاسم المدون بخط منمق (بدر ابنه زاهر).
اقترب يتحسس الزجاج بالكاد يصل لنصف قامتها إثر الأنبوب المرتفع بشكل ملحوظ.
باتت عينين ممتلئة بالعبرات وهو يشاهدها أمامه لم يرها مسبقاً سوى بالصور على الهاتف المحمول الخاص به وألبوم العائلة.
إنها والدته لا محالة فدقات قلبه كافية لإثبات ذلك.
نظر حوله بخوف وتوجس وتلك الفكرة تجول بخاطره أيعقل أن التي أمامه جثمانها فقط.
حاول لمس يديها من خلف الزجاج ولكن بلا فائدة.
حاول مراراً كسر الأنبوب وكل محاولاته ذهب سدى.
حاول فتحها بقفلها الفضي المستدير بلا فائدة.
اقترب بيديه من ذلك القفل الذي حالما اقترب منه أخرج شعاعاً أزرق دقيق ليصل لخاتم ريديس ويجذب يده بقوة يكاد يجزم أنه سمع صوت عظامه تتحطم.
بعد ألم وصراخ مكتوم فتح الأنبوب بخط طولي من المنتصف ليغرقه ذلك السائل وهو يرى والدته تكاد تسقط.
أمسك بها لا نبض ولا صوت لأنفاسها.
لا بالطبع لا يصدق أن التي بين يديه هى جثتها.
حاول عمل الإسعافات الأولية مراراً وهو يبكي كالطفل التائه ويفحص نبضها للمرة التي لا يعلم عددها.
حتى أنه لم يشعر بضغطه على الخاتم الخاص باستدعاء رفاقه ولا لوجودهم جميعاً حوله.
أفاق على صراخ صديق:
_ عد لرشدك يا يونس إنها جثة.
صرخ وهو يبكي بعنف:
_ لا أمي على قيد الحياة أنا أعلم ذلك.
أبعدته آيلا قليلا وضغطت على موضع قلبها بلا فائدة وموفق صامت لا ينبث ببنت شفة.
يونس كما هو لا يتحرك جميعهم يناظرونه بأسى.
لم يفق سوى موفق الذي أخرج الريشة الزرقاء من جوال يونس وركض خارجاً بأقصى سرعته لم يرى ذلك السهم الموجه إليه.
بالداخل تقبل يونس أن والدته لن تعود وحاول الوقوف إلى أن شعر بيد تمسك يده.
ظن أنها آيلا أو صديق نظر إليهما ورآهما ينظران أمامهما بدهشة لينظر هو الآخر إلى اليد الواهنة والعينين الزرقاء الوهاجة أمامه.
والدته التي تصغره بأعوام تبكي أمامه.
لم يتمالك ذاته وركض جاثياً على ركبتيه يعانقها ببكاء وهى كذلك ظلا يبكيان سوياً إلى أن ابتعدت عنه وقالت وهى تتأمل ملامحه:
_ كبرت كثيراً يا صغيري.
لم يرد ولكنه بكى كالطفل وهو يعانقها ويقول بضحكة خافتة:
_ وأنتِ ما زلت شابة يا أمي.
ضحكت معه بوهن وابتعدت عنه ونظرت لكلا من صديق وآيلا بابتسامة هادئة وقالت بصوتها الرخيم بعدما استندت على يونس ووقفت:
_ هيا بنا يا صغيري لا وقت لدينا فوالدك بانتظارنا.
توقف يونس وهو يناظرها بدهشة قائلاً:
_ أمي أبي...أبي.
صمت لا يعلم بماذا يخبرها.
سألته:
_ أين أباك يا يونس؟
أجاب:
_ أبي.
وقص عليها ما حدث.
لم تبكِ ولم تنهار كما توقع بل إنها وقفت ونظرت أمامها.
مدت يدها إلى يونس قائلة:
_ أعطني خاتم ريديس.
امتثل لأوامرها وأخرج الخاتم لها.
وهى بدورها أخذته وأخرجت القلادة التي ترتديها الخاصة بالعملة.
قالت بضعة كلمات بلغة غريبة ليتحد كلاً من العملة والخاتم مكونان قلادة زرقاء متوهجة لطائر البوتو.
استدارت إليهم بعد ازدياد توهج عيناها وقالت:
_ سأعود ولكن قبلاً على كلا منكم الإنصات إليّ جيداً.
أتصتوا جميعاً إليها ليقف يونس أمامها معانقاً إياها وقال:
_ سأنتظرك يا أمي.
لم تجب عليه ولكنها اكتفت بالابتسامة خاصتها الهادئة.
وابتعدت لمنتصف الغرفة لتعاود الحديث بتلك اللغة الغريبة.
ارتفعت قليلاً بالهواء وازداد توهج عينيها وفي أقل من الثانية اختفت.
نظر يونس إلى صديق وآيلا وهنا أدرك غياب موفق.
قال بقلق:
_ موفق، موفق أين هو؟
قالت آيلا:
_ لقد كان هنا يا يونس.
صمتت وهى تتذكر ما فعل وقالت بعدما صمتت هنيهة:
_ لقد أخذ الريشة وركض خارجاً.
كاد يجيبها ولكن صوت تحطم البوابة الرئيسية الضخمة وصهيل الأحصنة وصراخ الجنود كان الرد.
قال وهو يركض خارجاً:
_ لا حاجة للمعرفة آيلا.
وصاح بحماس رافعا سيفه.
خرج راكضاً رأى بوفارديا وخلفها ثلاثة أحصنة، الخاصة بثلاثتهم ليمتطي كلا منهم صهوة جواده بخفة ويتسابقون إلى الساحة الشاسعة.
رأى يونس حارساً ملثما بالقرب منهم ملقى على الأرض وحوله الكثير من السهام ونحره المشقوق.
ابتسم لعلمه من الفاعل.
موفق بالمنتصف يقاتل ببسالة.
رأى صديق جندي يحاول طعنه من الخلف هرول إليه وقتله، ليصيح موفق بابتسامة:
_ دائما تأتي بالوقت المناسب يا رجل.
قال صديق بمرح يناقض الموقف وهو يقف على صدر جندي ويطعنه بسيفه:
_ هكذا أنا يا رفيق، ولا تقلق حيال ذلك سنتحدث بعد أن نفرغ من هؤلاء الأوغاد.
ابتسم يونس عليهم وهو يناظر كلاً من آيلا وبوفارديا المتكاتفتين تقاتلان بقوة لا تليق إلا بهما.
ركض إلى المنصة حيث مراده ذلك البغيض المدعو يعقوب.
يقتل من يقف بطريقه بلا رحمة حتى أنه أصيب بجروح بمفترق أنحاء جسده ولكن كان الانتقام هو محركه وهو يراه أمامه.
ينظران لبعضهما بوعيد لا يسمعان صوت الصراخ والسيوف حولهما فالمعركة محسومة بالنهاية لصالح يونس.
قال هادي:
_ أرى أنك لا تتعلم من المرة الماضية يا صغير.
لم يعطه اهتماما وصاح وهو يهاجمه بسيفه.
يعقوب يتفادى ضرباته ويهاجمه هو الآخر جرحه يونس بصدره ولم يتأثر.
لا يباليان بالجنود أسفل أقدامهما يتقاتلان بمنتصف الساحة فوق أرضية المنصة الملكية.
سقط سيف يونس ليبتسم غريمه بتشفي وخبث يهاجمه بقوة وجرحه جرح بالغ سقط يونس على المنصة أمامه.
ابتسم يعقوب وهو يرى نظرات اليأس بعيني يونس وهو يرى جنوده يُقتلون بواسطة الكثير من الجنود الذين يظهرون بلا توقف وأصدقاؤه يقاتلون ويحمي كلا منهم الآخر.
نظر إلى السماء بعيداً عن وجه ذلك البغيض أغمض عينيه باستسلام تام.
رفع الآخر سيفه وهوى على جسده.
لم يشعر بأي ألم وفتح جفنيه بعد شعوره بقطرات الدماء الدافئة على وجهه.
تقف أمامه بردائها الأبيض المتطاير الذي بات ملطخا بالدماء ويخرج من منتصف ظهرها نصل السيف الحاد.
لم تسقط ولم تتحدث.
رفعت وجهها بقوة وهى تحدق بعيني ذلك الخبيث وهو يقهقه عليهما.
ظل يقهقه لدقائق وقال وهو يلهث:
_ أعتذر يا عزيزتي بدر، عليكِ مكافأتي لأنني سأرسلك لوليد حبيبك.
لم تشح بنظرها عنه وهى تراه يبتسم.
أمسكت بسيفه المغروس بمعدتها وأخرجته بنفس القوة والتئم جرحها.
لم ترى ذلك الواقف خلفها وهو يرى دمائها تختفي أصبح ردائها أبيض ونقي تماماً.
ابتسمت وهى تلقي سيفه بعيداً وتدور حوله قائلة:
_ لم تكتفي بخيانة صديقك، بل قتلت العائلة الحاكمة وظلمت الشعب، وقتلت النساء والأطفال بلا رحمة، وأنت كذلك ستقتل بلا رحمة.
قالت آخر كلماتها وهى تخرج سيف أزرق وهاج، مثل عينيها.
وقفت أمامه بقوة وسحبت تلك القلادة المحيطة بعنقه التي تحوي دماء وليد.
لتستأنف حديثها:
_ قتلت أهم شخصين بحياتي.
رفعت سيفها وبترت ذراعه تزامنا مع اختفاء جنوده وتوجه أنظار جنود يونس وأصدقاؤه للمنصة.
تابعت:
_ وليد الذي وثق بك زوجي وكل ما أملك.
صرخ متألماً وهى لم تتأثر وكأن قلبها خلى من الرحمة.
رفعت السيف مجدداً وبترت ذراعه الأخرى وهى تقول:
_ أبي وأمي الذي تسببت بموتهما.
سقط أمامها.
رفعت السيف مجدداً وهى تصرخ بعدما تلطخ زيها الأبيض بدمائه السوداء:
_ لونار وجواد وعائلته.
هوت بالسيف على قدمه ليصرخ متألماً مجدداً ولم يتحرك أحد الجميع يشاهد العدالة وهى تتحقق أمامهما عودة الحق وردع الظلم الذي أودى بحياتهم وحياة أطفالهم.
صرخت قائلة:
_ الأطفال الذين توفوا جراء شرابكم اللعين.
صعد كلاً من موفق وصديق وآيلا وبوفارديا بجانب يونس.
أصبح يعقوب قطعة سوداء أمامهم.
رفعت السيف بضربة قاضية حاسمة ليهوى بمنتصف قلبه.
رفعت عينيها ومدت يديها ليونس الذي لبي النداء وأمسكها ليصرخ الجميع بحماس فرحين بانتصارهم.
قالت بدر بهدوء وهى تعانقه:
_ احبس أنفاسك.
لم يفهم مقصدها ببادئ الأمر، شعر بالأرض تتحول لهلام أسفله فتح عينيه وهو يشعر بالماء يغمره، إنهم ببحيرة الموتى.
دفعته بدر جانباً وانطلقت بمهارة إلى يعقوب أخذته إلى القاع لحق بها يونس بخفة يحاول جاهداً رؤية ما يحدث.
حاول الاقتراب وهو يرى والدته تقف باتزان غريب فوق القاع الطيني وأمامهما يعقوب مثبت بأصفاد على الأرض الطينية.
أخرجت السيف الوهاج مجدداً وذرعته بمنتصف القاع بقوة والقلادة تنير المكان بقوة.
رأى يعقوب وهو يتقيد بمنتصف تابوت أزرق خرج بعد أن شُقت الأرض بفعل للسيف.
اهتزت المياه حوله والضوء الصادر من القلادة يزداد توهجاً.
نظرت إليه بدر بابتسامة رفعت قبضة يدها إليه علامة على التشجيع والصمود.
أغلق جفنيه حينما ازداد التوهج الذي تستحال معه الرؤية.
وعندئذ لم يشعر بجفنيه ولا جسده.
صدح صوت بوفارديا وهي تزعق بوجه موفق قائلة:
_ يا غبي ارفعها جيداً، أنت فاشل هكذا بكل شيء.
لم يجيب كعادته ولكنه اكتفى بنظرة تهكمية.
ابتسم يونس وهو يشاهد ما يحدث بحديقة القصر من تزيين وترتيب لليوم.
سار باتجاه خزانته وأخرج جواله بما فيه من كتاب لبجشان وعلبة الخاتم الفضية وتلك القلادة الممتلئة بالطمي.
ابتسم وهو يقلبها بين يديه وقال بخفوت والعبرات تزين جفنيه:
_ أوحشتني كثيراً يا لونار، حقاً اشتقت لكي.
صمت وهو يتذكرها وتابع حديثه قائلاً:
_ سأنتظرك دائماً، ستظلين حية بقلبي دائماً.
ارتداها سريعاً وهو يستمع إلى صوت الخادمة تقول:
_ مولاي، حان الوقت.
صعد المنصة وهو يرتدي ذلك التاج الذهبي الذي رآه أول مرة أتي بها إلى لبجشان.
أنحنى الجميع أمامه.
رفع يده وقال بصوت جهوري:
_ اليوم ترفع راية مملكة جديدة بلبچشان، لا إمارات متفرقة بعد الآن.
رفع الجميع أيديهم والتي لأول مرة خالية من الوسوم وأعناقهم نقية من دنس العنصرية.
يصرخون فرحين بما حدث.
ابتسم يونس وهو ينظر لأصدقائه الداعمين له دائماً.
صديق أول صديق له بلبچشان، موفق أخاه الرائع الشجاع آيلا صديقته الشجاعة وكذلك بوفارديا الأميرة القوية.
يلهو هنا وهناك يقترب من الشاطئ تارة ومن الأشجار تارة أخرى يدحرج الكرة الخاصة به وهو يضحك بسعادة.
الرياح تعبث بملابسه البيضاء وعينيه الزرقاء البريئة.
يركض خلف الكرة الطائرة بفعل الرياح لم يأخذ حذره وهو يقترب من الشاطئ الأزرق المتلاطمة أمواجه أمامه محاولاً جذب كرته الطافية أمامه فوق المياه.
نظر خلفه لعله يجد أحداً يساعده ولكن دون جدوى.
التفت أمامه مجدداً ضرب بأوامر وتحذيرات والده بعدم نزول المياه عرض الحائط.
أمسك بها حاول العودة ليجد نفسه بمنتصف البحيرة دون تفسير لما يحدث.
شعر بشيء يجذب قدمه بقوة لم يستطع الصراخ نتيجة لحبس أنفاسه القصيرة.
حاول المقاومة ولكن ذلك الشيء المجهول يجذبه وهو لايزال مطبقاً على ساقه.
فتح عينيه بعدما شعر برمال أسفله فهو بقاع بحيرة الموتى.
صندوق كبير يهتز بعنف أسفل المياه.
صرخ أسفل المياه ليبتلع الكثير منها وأخيرا رأى أباه يجذبه لحضنه عائداً به إلى الشاطئ.
جلس الطفل بجانب والده وهو يسعل بقوة.
على حين غرة انطلق ضوء أزرق وهاج قوي من منتصف البحيرة إلى السماء يباشره طائر أزرق ضخم يرفرف بجناحيه العريضة القوية منطلقاً كصاروخ لا يتوقف.
فتح الأب عينيه على آخرهما من هول ما يرى قائلا بخفوت:
_ طائر البوتو العظيم.