تحميل رواية «قلوب تائهة» PDF
بقلم سهام صادق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في منزل يبدو عليه البساطة الشديدة، عندما تدخله ترى مدى بساطة أهله وطيبتهم، ولكن تجد الحزن يخيم على أهله، فقد فقدوا من كان مصدر أمانهم وحمايتهم، نعم الأب والزوج. كانت تجلس سيدة في الخمسين من عمرها، مازالت ملامح جمال الصبا ظاهرة على وجهها، بالرغم من ظهور التجعدات البسيطة والحزن الشديد الذي يملأ قلبها قبل وجهها على زوجها الغالي الذي تركها وحيدة في تلك الحياة هي وابنتها. مريم بحزن واشفاق على حال والدتها، وبرغم من حزنها الشديد والفراق الذي لم تتقبله، ولكن تجاهد أن تبقى قوية من أجل والدتها المريضة. جل...
رواية قلوب تائهة الفصل الأول 1 - بقلم سهام صادق
في منزل يبدو عليه البساطة الشديدة، عندما تدخله ترى مدى بساطة أهله وطيبتهم، ولكن تجد الحزن يخيم على أهله، فقد فقدوا من كان مصدر أمانهم وحمايتهم، نعم الأب والزوج.
كانت تجلس سيدة في الخمسين من عمرها، مازالت ملامح جمال الصبا ظاهرة على وجهها، بالرغم من ظهور التجعدات البسيطة والحزن الشديد الذي يملأ قلبها قبل وجهها على زوجها الغالي الذي تركها وحيدة في تلك الحياة هي وابنتها.
مريم بحزن واشفاق على حال والدتها، وبرغم من حزنها الشديد والفراق الذي لم تتقبله، ولكن تجاهد أن تبقى قوية من أجل والدتها المريضة.
جلست بجانب والدتها وأمسكت أحد يديها ثم قبلتها بحب شديد.
مريم بحب: أخذتي علاجك ياما؟
الأم بضعف: أخذته، مع إن مبقتش فارقة كتير، اللي كان مخليني أحب الحياة راح خلاص.
ثم بدأت دموعها تتساقط.
مريم بحزن شديد ودموع كانت تود أن تخرج بغزارة ولكن حبستها لتكون قوية: ليه كده ياما، بعد الشر عليكي، أنا ليا مين غيرك يا ست الكل.
سعاد (والدتها) بأشفاق وهي تحتضن ابنتها لتهون عليها أو بالاصح تستمد منها قوتها: مش مصدقة يامريم إنه سابنا خلاص، خلاص مش هيبقى موجود في وسطنا، ثم تذكرت أحد مداعباته لها: ولا هيقولي حكاية قفص المانجة اللي كان شبكتي ونفضل نضحك ونفتكر أيام زمان. يااااااا.
مريم باشفاق وهي تمسح بأحد يديها دموعها: وأنا كمان وحشني أوي ياما.
ثم ألقت في حضن والدتها ثانية وظلوا يبكوا سوياً على حياتهم الجديدة التي تنتظرهم بدونه.
................................................................................
أصوات الموسيقى تتعالى، والرقص والضحك وشرب الخمور، والصحافة تملأ المكان، وصفقات بين رجال أعمال تنشأ وصداقة تبدأ من أجل المال والصفقات، عالم تعتبر المادة هي أول أساسيته وأهم أولوياته.
دخل بسيارته الفارهة الحديثة، ونزل منها وهو يكاد ينفجر من غروه تلك، فكيف لا يشعر بهذا وهو حفيد وابن وأخ لأكبر وأهم رجال الأعمال.
التفت أمامه وجد سيارة أخيه الأكبر تدخل وينزل السائق سريعاً ليفتح له باب تلك السيارة بابتسامة.
أدهم بملامح رجولية كاملة تدل على شخصيته القوية وصرامته، وكم يدعي الرجل الذي يحطم القلوب ولا يتحطم، فهو معروف لدى النساء بذلك، وما من واحدة لا ترغب بأن تكون زوجة هذا الشخص، وبالتأكيد من أجل شهرته وماله وأيضاً وسامته التي يخفيها تحت زي رجال الأعمال.
أياد بابتسامة واسعة: أهلاً بالبوص، منور الحفلة، بس إيه اللي غير رأيك وخلاك تيجي.
أدهم بابتسامة حب لأخيه الذي يعشقه: إيه يا أياد مش عايزني أجي عشان مشوفش فضايحك وأتفاجئ بيها بكرة في المجلات، صح؟
أياد بضحكة جميلة قد زادت من وسامته: ما أنت عارف الصحافة مبتقبلش أي حاجة، يعني المرة اللي فاتت طلعتلي قصة حب بس عشان رقصت مع واحدة، أومال لو بوستها كانوا قالوا إيه هتجوزها.
أدهم بهدوء ورزانة: حاسب شوية على تصرفاتك، أنا مش عارف هتكبر امتى، 26 سنة ولسة طايش.
أياد بضحك: أنا لو مكانك أتبرى من العيلة دي، أخ طايش وأب كل يوم بيغير عروسة ولا كأنه بيغير جزمه.
أدهم وكاد أن يتحدث ولكن صمت عندما رأى والده الرجل الذي عمره 60 عاماً يتراقص في حضن فتاة يبدو أنها في عمر أخيه.
أياد بضحك وهو يشاهد أيضاً المنظر: مش بقولك أنت لازم تتبرى من العيلة دي، عيش أنت بقى وسيبني أعيش.
ذهب أياد وكان أدهم نظراته مازالت على أباه، ثم التفت إلى أخاه وجده يقف مع إحدى الفتيات التي تقترب منه بدلال شديد.
نظر عليهم نظرة أخيرة، ثم التفت ليأخذ أحد المشروبات ليهدئ من أعصابه حتى لو قليلاً.
كانت واقفة تتأمله، تتأمل هدوئه ووقاره الذي أعجبها منذ أن رأته في المرة الأولى في إحدى الحفلات، وهو يبتسم ابتسامة جذابة تجعل قلب أي امرأة يذوب من أجلها.
قررت اليوم وبكل جرأة أن تقترب منه قبل أن يظهر أحد وينشغل معه بالحديث، فهذه هي فرصتها.
كاد أن يلتف بظهره ولكن اصطدم بها، وانسكب المشروب الذي كان بيدها على ملابسها الوثيرة الضيقة.
أدهم بهدوء وباعتذار: أسف بجد، ما أخدتش بالي، أنتِ كويسة؟
صافي بابتسامة واسعة: ولا يهمك، أنا اللي كنت غلطانة.
ثم بدأت بالحديث معه.
ثم قالت له بجرأة: طب ما أنت شخص لطيف أه زي بقية الرجالة، أومال ليه دايماً معروف بالصرامة والانضباط؟
وكاد أن تقول كلمتها الأخيرة ولكن...
أدهم بابتسامة: ومعقد، ومغرور صح؟
صافي: مش قصدي صدقني، بس ده اللي دايماً بسمعه من ساعة لما رجعت من لندن.
أدهم: لأ عادي، عن إذنك.
ثم ذهب وتركها وهي تشعر بالحيرة من ذلك الرجل، ظلت تتابع حركاته وانشغاله مع بعض أصدقائه من رجال الأعمال، كانت كل نظراتها عليه إلى أن...
نور بضحك: مش هيبصلك ومش هتفرق معاك، كان غيرك أشطر، مافيش ست لحد دلوقتي قدرت بس إنها حتى تقضي ليلة معاه، ده أدهم شوكت.
نظرت لها صافي بصمت ولم تتحدث.
................................................................................
على فكرة وحشتيني أوي.
وبوسي بدلال: كداب.
أياد بضحك: اخص عليكي، أنا كداب برضو.
بوسي: أومال مبتردش ليه على تليفوناتي؟
أياد: مشغول يا حبيبتي.
بوسي وهي تقترب منه أكثر وتقبله على أحد خديه: مشغول على بوسي حبيبتك برضو؟
أياد بلطف ومجاملة مصطنعة وحب أيضاً مزيف: غصب عني ما أنتِ عارفة، وكمان ولا تزعلي ياستي هنقضي السهرة النهارده مع بعض.
بوسي بمياعة وهي تحتضنه: بموت فيك يا دودي يا حبيبي أنت.
وكادت أن تكمل مياعتها، ولكن قطع حديثهم قدوم...
أحمد: أيوة يا عم، مافيش طبعاً غير سي أياد.
بوسي ببرود: ياسم.
ثم تركتهم وقبل أن تنصرف.
مستنياك يا حبيبي.
ينظر لها أياد بخبث وبابتسامة، ثم التفت لصديقه.
أحمد: امتى هتعقل بقى؟
أياد بضحك: وأعقل ليه، هو أنا اللي برمي نفسي عليهم، أه خلينا نستمتع بحياتنا.
أحمد: وهي دي تعتبر حياة يا سي أياد؟
أياد وهو ينظر لأحد الفتيات التي لفتت انتباهه وعيناه تتفحصها: بتقول إيه يا أحمد.
ثم تركه وانصرف.
أحمد: ربنا يهديك يا ابن خالي وتعقل.
................................................................................
تقبل الله يا ماما.
سعاد: منا ومنكم إن شاء الله.
مريم: يلا عشان نتعشى وتاخدي دواكي.
الأم بحزن ولكي لا تزيد الحزن على ابنتها: يلا يا حبيبتي، بسم الله.
بدأوا في تناول طعامهم ولكن قطع جلستهم رنين هاتف منزلهم، نهضت مريم لكي ترد على المتصل.
مريم: السلام عليكم.
المتصل: وعليكم السلام، ازيك يامريم يا بنتي.
مريم: الحمد لله يا عم حسين، إزي حضرتك.
حسين بخجل: أنا الحمد لله يا بنتي بخير، معلشي اتصلت بيكم في الوقت ده.
مريم: لا أبداً ولا يهمك.
حسين بخجل، وبدأ يقص عليها ما اتصل لأجله.
................................................................................
كفاية بقى ياريري، أنتِ شكلك شقية أوي وهتتعبيني.
ريري: عشان خاطري خلينا كمان نرقص، ولا عايز ولادك يقولوا عليك عجزت.
عزت بتكبر: أنا عجزت فشر.
شايف يا أحمد خالك، مش عارف امتى بس هيحس بسنه، فاكر نفسه لسة مراهق، أنا مش عارف هلقيها منه ولا من أياد، طب أياد لسة شاب وطايش، أما هو دي 10 جوازة ليه في سنة واحدة.
أحمد بتعاطف: أنت هتعمل إيه ولا إيه يا أدهم، ربنا يهديهم.
أدهم بجمود: أنا ماشي، عشان لو فضلت أكتر من كده مش عارف هعمل إيه.
ثم نظر على والده وألقى عليه نظرة أسى ورحل.
كانت عيناها مازالت متعلقة عليه، تتابع حركاته، وعندما رأته يهم ليغادر الحفل استأذنت ورحلت هي أيضاً.
ركب سيارته بهدوء وهو يشعر بالاختناق من تلك الساعة التي قضاها في تلك الحفل التي جمعته بوالده، ليرى تصرفاته تلك.
التفت ليفتح زجاج سيارته لينعم ببعض الهواء وجدها تقف تنتظر إحدى سيارات الأجرة.
أدهم: ثواني بس يا صالح.
خرج من سيارته بهدوء، ثم عرض عليها أن يوصلها كي لا تبقى بمفردها في مثل ذلك الوقت، وأيضاً ليعتذر لها ثانيةً عما فعله بها عندما سكب عليها بعض قطرات العصير.
ركبت بجانبه، وهي تشعر بالسعادة البالغة فقد تحقق ما تمنته.
أوصلها إلى البناية التي تقطن بها في أحد المناطق الراقية، وبعد إلحاح شديد كي يشرب معاها فنجان قهوة، حتى يهدأ الصداع.
وافق على عرضها وترجل معها السيارة ليذهب إلى شقتها التي تقطنها بمفردها.
................................................................................
سعاد بأشفاق: طب هنعمل إيه دلوقتي، معاش أبوكي ولسة الحكومة مش هتصرفوا لينا دلوقتي والله أعلم لو أخدناه.
والتاكسي أه عمك حسين طالب مفاتيحه، اللي أصلاً كنا هنبعتاله من غير كلام، بس الواحد اتلهي، أنا هرجع أخيط تاني يامريم وهطلع مكنة الخياطة.
مريم: لأ طبعاً ياما، طول ما أنا عايشة مش هتعبك أبداً، أنا هنزل من بكرة إن شاء الله أدور على شغل.
سعاد بحزن وتذكرها لزوجها: يااا عبدالله، عمرك ما خليتنا نحتاج حاجة، كنت بتحرم نفسك وتشتغل على التاكسي بالليل عشان متخليناش نحتاج لحد.
مريم بحزن يعتصر قلبها: ربنا كريم ياما، وإن شاء الله مش هنحتاج لحد، قولي يارب، مش أنتِ دايماً بتقوليلي ومن يتوكل على الله فهو حسبه وكفى بالله وكيلا.
سعاد: ونعم بالله، يــــاربــــ.
مريم: يلا ننام بقى يا ست الكل، عشان نصحى نصلي الفجر.
الأم بحب وهي تربط على كتف ابنتها: ربنا يباركلي فيكي يا حبيبتي، ويحفظك.
................................................................................
نظر جانبه وجدها نائمة جواره وهي عارية، ظل يتذكر ما حدث بينهم، ثم نهض بهدوء من جانبها وارتدى ملابسه وقبل أن يرحل نهضت من على الفراش بعد أن غطت جسدها.
صافي: صباح الخير.
أدهم: صباح النور، نمتي كويس؟
صافي: يااااه، ده أكتر يوم أنام فيه وأحس بالراحة من غير أحلام مزعجة.
أدهم بهدوء: يلا سلام.
ثم هم بالرحيل ولكن استوقفه صوتها الحاني.
صافي: هشوفك تاني؟
أدهم ودون أن يلتفت إليها، غادر المنزل ورحل.
ظلت واقفة لثواني معدودة وهي تتذكر تلك الليلة التي قضتها بين أحضانه، ثم ابتسمت وذهبت إلى غرفتها لتكمل نومها لتنعم برائحته التي مازالت على فراشها.
................................................................................
ظلت تبحث طول اليوم عن عمل، ولكن بدون جدوى.
فكل أصحاب العمل يرغبون بمن لديه خبرة أو بالاصح واسطة لكي ينعم بأبسط حقوقه وهي وظيفة لكي يعيش بها.
نظرت إلى أوراق تخرجها والكورسات التي حصلت عليها، ثم وضعتهم في حقيبتها وقررت الرجوع إلى منزلها.
سعاد بحب: عملتي إيه يامريم؟
مريم بأسى تحاول أن تخفيه: لقيت الحمد لله شغل، متقلقيش يا ست الكل.
سعاد بشك: شغل إيه وفي شركة إيه؟
مريم بابتسامة لتداري كذبها: إيه يا سوسو هتفضلي تسأليني كتير كده، ده أنا حتى جعانة وميتة من الجوع، أكل بس وأحكيلك على كل حاجة.
سعاد بحزن على ابنتها التي يبدو عليها التعب: يا خبر يا حبيبتي، ثواني أحضر الأكل وناكل.
نظرت مريم على والدتها بحزن، ثم فتحت حقيبتها لترى المال الذي بحوزتها فكان لا يتعدى خمسمائة جنيهاً.
مريم بدعاء: يــــاربـــ متحوجناش لحد ياربـــ.
ثم ذهبت لغرفتها لتبدل ملابسها وتؤدي صلاتها.
................................................................................
كان يتحدث بصرامة شديدة: الصفقة دي مهمة جداً بالنسبة لمجموعتنا، مش عايز أي تقصير مفهوم؟
نظروا إلى بعضهم وبصوت مضطرب: مفهوم يافندم. أي أوامر تانية؟
أدهم: لأ اتفضلوا.
أحمد وهو يهم بالخروج أيضاً.
أدهم: ثواني يا أحمد عايزك.
ثم ألقى أحد المجلات أمامه.
أحمد بضيق: طب هو فين دلوقتي؟
أدهم بنرفزة: الأستاذ قافل تليفونه، مش كفاية عليا فضايح أبوه كمان فضايحه هو اللي مبتخلصش.
أحمد بهدوء: طب أهدى بس أنت يا أدهم وأنا هشوف الموضوع وأحله.
أدهم بضيق وهو يسند رأسه على كرسيه: ماشي يا أحمد، وياريت أول لما يوصل يجيلي مكتبي على طول.
نظر له أحمد بأشفاق، وغادر.
هنا لو سمحتي، هاتيلي قهوة.
ثم أرجع رأسه للخلف مرة ثانية وبدأ يسترخي قليلاً لعله ينعم ببعض الهدوء.
اشتغل جرسون!!
نظر لها المدير بأستهجان: أومال عايزة تشتغلي إيه، احمدي ربنا إنك لقيتي شغل أصلاً، لولا إن البنت اللي كانت بتشتغل هنا اتجوزت... مكنتيش هتلاقي ياحلوة.
هاا موافقة تمضي العقد سنة ولا.......
رواية قلوب تائهة الفصل الثاني 2 - بقلم سهام صادق
نظرت إلى ذلك الشخص الذي ينظر لها بابتسامته المستفزة، ثم نطقت بموافقتها على ذلك العمل ببرود:
"نمضي بقي العقد."
مضت مريم العقد دون أن تفكر بتلك السنة التي لابد أن تقضيها تحت رحمة ذلك الرجل.
لم تفكر سوى بوالدتها وعلاجها الذي تحتاجه كل شهر لمرض السكر.
ولكنها عزمت ألا تخبر والدتها بعملها.
"طبعًا أنتي شايفة إن المطعم مش أي زباين بتجيه، ناس من أعلى مستوى عمرك حتى ماشوفتيهم. يعني يبقى فيه التزام ووجهة بشوش."
قال بضحكته المستفزة وهو يتفحصها:
"ووجهك حسن، وأنتي بصراحة إيه قمر."
مريم بحدة:
"أفندم؟"
خيري وهو ينده على أحد العمال:
"ياسعد ياسعد، تعالا فهم الآنسة شغلها."
ذهبت مريم لتعرف ماهي طبيعة عملها وهي تشعر بالرهبة الشديدة.
دخل شركته وهو يمشي بثقته المعهودة، ونظرات موظفينه تكاد أن تخترقه.
إلى أن سمع أحد الموظفات تتحدث مع صديقتها:
"عندهم حق البنات تتلهف عليه، حد يطول إن يقضي ليلة مع القمر."
سمع جملتها تلك، فالتفت إليها وهو يخلع نظارته وابتسم لها ابتسامته الساحرة.
الفتاة وبعد أن رحل:
"ده ضحك لي، أنا مش مصدقة."
دخل إلى غرفة مكتبه، بعد أن ألقى التحية على سكرتيرته.
وبعد أن دخل وجد أحمد يدخل خلفه.
أحمد:
"كنت فين يا أياد من امبارح؟"
أياد بهدوء:
"في شرم، ليه حصل حاجة؟"
أحمد:
"وقَفلت تليفونك ليه؟"
أياد:
"في إيه يا أحمد، شايفني صغير؟"
وفي تلك اللحظة، دخل أدهم وعلامات الضيق على وجهه من تصرفات أخيه.
أدهم:
"صغير لا سمح الله يا أياد، ده أنت أياد عزت حفيد شوكت باشا."
وقف أياد لأخيه الأكبر دون أن يتحدث.
أدهم:
"كنت فين يا أستاذ، وقافل تليفونك ليه؟"
أياد:
"في إيه يا أدهم، كنت زي ما كنت، هو تحقيق؟ وأظن إني كبير ومسؤول عن نفسي كويس."
أدهم بضيق وهو يلقي له إحدى المجلات التي يبدو فيها أنه في حالة سكر شديد وفي وضع حميمي مع إحداهما:
"ومدام أنت مسؤول أوووي عن نفسك وكبير وناضج أوووي يا محترم، ابقى شوف تصرفاتك كويس."
ثم خرج وهو يزفر بضيق شديد من تصرفات أخيه.
أياد بضيق:
"في إيه يا أحمد، أنت بتبصلي كده ليه انت كمان؟"
نظر له أحمد ثم غادر ولم يتحدث.
أياد بعصبية وهو يأخذ مفاتيح سيارته مرة أخرى ليغادر الشركة بأكملها.
عادت إلى بيتها، وجدت والدتها تنتظرها ويبدو عليها القلق والخوف الشديد.
سعاد:
"كل ده في الشغل يا مريم؟"
مريم بتعب تحاول أن تخفيه:
"معلشي يا ماما، ما أنتي عارفة المواصلات بتاخد ساعتين كمان."
الأم بضيق:
"استغفر الله العظيم، أنا قولتلك اطلع مكنة الخياطة واشتغل عليها يابنتي، ما أنتي عارفة كان ليا زباين كويسين ولو عرفوا إني رجعت أخيط من تاني أكيد هيجولي."
نظرت مريم لأمها الطيبة التي تشعر من كلامها بجمال الحياة وبساطتها وطيبة أهلها، ولكن هيهات.
مريم بحب:
"وأنا قولتلك طول ما أنا عايشة مش هخليكي تتعبى أبدا، وأنا أه الحمد لله لقيت شغل."
سعاد بحزن وهي تتذكر جملة زوجها أيضًا عندما منعها من شغل الخياطة حتى لا يتعبها:
"طب روحي يا حبيبتي غيري هدومك وصلي المغرب قبل ما العشاء يأذن، وأكون أنا حضرتلك الأكل."
مريم بحب وهي تقبل خد والدتها:
"ربنا يخليكي ليا يا ماما."
سعاد:
"ويخليكي ليا يا حبيبتي."
ذهبت مريم لغرفتها وأعين أمها عليها، وهي تشعر بالحزن من أجل ابنتها.
ابنتها التي كانت دائمًا تداري احتياجها للأشياء التي ترغب بها أي فتاة في سنها حتى لا تكلفهم ما يزيد عن استطاعتهم، حتى لا تشعرهم بفقرهم، كانت ترضي بالقليل بل وبالأقل.
سعاد بدعاء:
"ربنا يعوضك خير يا بنتي، وأفرح بيكي مع حد يحافظ عليكي."
كانت تجلس أمامه، تتطلع له وهي لا تصدق أنها معه للمرة الثانية.
أدهم:
"مالك بتبصلي كده ليه؟"
صافي:
"أبدًا، بس مش مصدقة نفسي إننا اتقابلنا تاني وإنك كلمتني."
أدهم:
"يااا لدرجة دي؟"
صافي بابتسامة صافية:
"أنت متعرفش قد إيه أنا مبسوطة يا أدهم."
ثم اقتربت منه لتمسك يده بحنان.
نظر لها أدهم بقلب يحتاج للاحتواء، ثم أمسك يدها ونهضوا من على الطاولة وخرجوا سويًا.
"مش معقول أياد باشا منورنا، لااا مش مصدق النايت كلب منور."
أياد بغرور:
"الطربيزة بتاعتي فاضية يا حسن."
حسن:
"طبعًا يا باشا، اتفضل."
دخل أياد وجلس على طاولته، وبدأ في الشرب وهو ينفس بدخان سيجارته أيضًا.
جاء إليه بعض أصدقائه، وجلسوا سويًا لقضاء سهرتهم في وسط الفتيات والضحكات والكؤوس التي تتعالى إلى أفواههم للشرب.
يحاوطها بين ذراعيها، وهي تستلقي برأسها نائمة على صدره العاري.
صافي:
"مبسوط يا أدهم؟"
نظر لها أدهم نظرة طويلة ثم أشاح بوجهه، وهو يشعر بالضيق مما يفعله، ولكن احتياجه وهدوء صافي ونظرات الحب التي تبدو في عينيها جعلته يعصف بنفسه لقضاء ليلة أخرى معها، لينسي معها كل أعباء يومه، ويلقي نفسه بين أحضانها فكل منهم أصبح يحتاج للآخر.
لمست صافي وجهه بحنان، وأدارت وجهه ثانية إليها ثم اقتربت منه وطبعت قبلة على شفتيه، ثم ذابوا معًا لقضاء ليلتهم الحميمة.
بدأ صوت أذان الفجر يعلو، وكلمة (الصلاة خير من النوم) تتردد في الأذان لعلنا ننهض ونعلم أن الصلاة خير من أي شيء حتى من النوم الذي يغلبنا، وبالأخص عند سماع الأذان وكأن الشيطان يحلي النوم في أعيننا حتى لا نفيق ونقف بين يدي خالقنا لنستجيب لندائه. رحماك ربي بنا ومن تقصيرنا.
كانت مريم مستيقظة تقرأ وردها اليومي الذي اعتادت على قراءته في ذلك الوقت.
نهضت لترى والدتها هل استيقظت أم غفاها النوم.
مريم:
"صحيتي يا ماما؟"
سعاد بحنان:
"أه يا حبيبتي، قايمة أتوضأ عشان أصلي."
مريم بحب:
"ماشي يا ست الكل."
عاد إلى قصره الفخم، وهو يترنح يمينًا ويسارًا.
الدادة بحزن على حاله:
"أنت جيت يا أياد؟"
أياد بسكر ولا يستطيع الرد عليها، ثم صعد إلى غرفته وألقى بجسده على فراشه الوثير ونام في ثبات عميق.
كانت مازالت واقفة تتطلع إليه بحزن شديد.
نظرت إليه بحسرة على شبابه وما يفعله.
حزنت من أجله كثيرًا فهي من ربته منذ أن تركته والدته وهو كان طفلًا لا يبلغ من العمر عامين.
تركتهم والدته هو وأخاه الأكبر الذي كان يبلغ من العمر 7 سنوات ورحلت وتركتهم في يد أب لا يهمه سوى متعته.
تنهدت المربية بحزن، ثم ذهبت لتؤدي صلاتها وهي تردد له بالهداية والصلاح.
تناولت الفطور مع والدتها، وقبل أن تذهب لعملها.
مريم:
"عايزة حاجة أجبهالك يا ماما وأنا جايه؟"
سعاد وكانت تود أن تطلب من ابنتها أن تجلب لها دواء السكر ولكنها كانت تعلم أن ابنتها لا يوجد بحوذتها سوى القليل جدًا من المال ولم يأتي نهاية الشهر لكي تقبض أول راتب لها:
"لا يا حبيبتي ربنا يخليكي ليا، خلي بالك من نفسك."
"لا إله إلا الله."
مريم بحب:
"محمد رسول الله."
ذهبت مريم إلى عملها، وهي تتذكر كلمة مديرها وهو يحثها على لبس الملابس الضيقة ووضع المساحيق، فلابد أن تكون وجهة لمطعمه الفاخر مثل بقية العاملات.
أشاحت مريم وجهها بضيق وهي تستغفر ربها على حال هؤلاء الناس.
استيقظت من نومها تبحث عنه، ولكنها لمحت تلك الورقة التي وضعها لها بجانبها.
"كانت ليلة جميلة زي اللي قبلها يا صافي."
قرأت كلماته، ثم التفتت لمكان نومه وتحسسته بيديها وظلت تشم رائحة عطره الذي أصبحت تعشقه.
ثم شردت قليلاً في حياتها السابقة وبدون أن تشعر نزلت دمعة من عينيها فمسحتها سريعًا.
كانت دقات رنات هاتفه تتعالى للمرة الثانية، مد يده بتثاقل ليرى المتصل.
أياد بنوم:
"في إيه يا أحمد؟"
أحمد:
"في إيه، في اجتماع بعد ساعة يا أستاذ وحضرتك لسا نايم."
أياد:
"ييييه نسيت، طب اقفل اقفل."
نهض من فراشه بتثاقل شديد، ثم ذهب لحمامه ليأخذ دوشًا لعله يفيق.
كانت تتابع عملها بتعب شديد، إلى أن جاءها اتصال من إحدى جاراتها.
مريم بخوف:
"ماما مالها يا طنط، طمنيني بالله عليكي."
جارتها:
"هي الحمد لله يا حبيبتي، بس ظاهر مكنتش واخدة علاج السكر بتاعها فأغمي عليها."
مريم:
"طب معلشي يا طنط خليكي معاها، وأنا ساعة وهكون عندك ولو في أي حاجة اتصلي بيا وأنا هتابع معاكي."
الجارة:
"ماشي يا حبيبتي."
كانت نظرات المدير تتابعها وترمقه بضيق.
مريم بخوف:
"أستاذ خيري، معلش ممكن أستأذن حضرتك بس النهاردة عشان والدتي تعبانة."
خيري بضيق:
"أنتي مش شايفة المطعم يا آنسة مليان زباين، ولا أنتي فاكرة إني فاتح سبيل؟"
مريم:
"لو سمحت، أنا بترجاك، مش هتتكرر تاني بس والدتي تعبانة."
نظر لها خيري بتأفف:
"طب خلاص روحي، وياريت متتكررش تاني يا آنسة."
"مش هتفطر يا أياد!"
أياد بحب:
"لأ يا بطوط هشرب فنجان قهوة في الشركة، يلا سلام يا موزة."
ابتسمت الدادة، وهي تردد: "الله يرضيك يا أياد يابني ديمًا كده تعكسني وتدلعني."
كان ينظر في ساعته بضيق شديد، الاجتماع بعد 10 دقايق ولسا الأستاذ مشرفش، ولا عزت باشا كمان جه.
أحمد:
"زمانهم على وصول متقلقش."
أدهم:
"خلي هنا تحضر الأوراق وتوزعها قدام كل أعضاء مجلس الإدارة."
أحمد:
"تمام."
ثم غادر أحمد ليتابع ما طُلب منه.
بدأ هاتفه يعلن عن وصول رسالة، وعندما فتحها.
"وحشتينيِ."
وبدون أن يشعر ابتسم أدهم ولكن سريعًا ما اختفت ابتسامته ونهض من على كرسيه ليذهب إلى غرفة الاجتماعات.
وأغلق هاتفه.
كانت تمسك بهاتفها تنتظر منه مكالمة حتى تسمع صوته فقط، أو يبعث لها رسالة ليرد بها على رسالتها.
ولكن ظلت تنتظر دون جدوى.
نظرت إلى هاتفها بحزن ثم أخذت حقيبتها وذهبت للتسوق لعلها تشغل بالها بشيء آخر سواه.
جلسا يرأسهم في غرفة الاجتماعات المخصصة، كانوا يسمعونه فقط هو فقط من يلقي الأوامر والقرارات وهم يسمعون ويقدمون الموافقة دون أدنى شك في قراراته، فهو معروف بخبرته واتقانه لكل شيء وتخطيطه فحتى الآن لم تخسر مجموعتهم أي من الصفقات مهما كان المنافس، كانوا يدركون هما ذلك لذلك لا يعترضوا على شيء.
انتهى الاجتماع، وفي تلك اللحظة دخل والدهم.
نظر له أدهم بأستنكار، ثم عاد النظر مرة أخرى على الأوراق التي أمامه.
كان أياد يتطلع إليهم، ثم نطق ببعض كلمات المرح حتى لا يحصل صدام بين أخيه ووالده.
أياد:
"أهلاً بالعريس، منور يا عزت باشا، لاء أنا كده هغير وهتجوز."
عزت بضحك وهو ينظر لأدهم:
"بس ياواد طول عمرك بكاش، مش هتبطل صياعة."
أياد بضحك:
"طلعلك يا باشا، يعني أبقى ابن عزت باشا وأبقى واحد أي كلام."
ضحك عزت من كلام ابنه الأصغر.
عزت وهو ينظر لأدهم:
"معلش اتأخرت على الاجتماع، أصل كنت في المزرعة ولسا راجع حالًا."
أدهم بهدوء وهو يهم بالرحيل:
"لأ ولا يهمك، براحتك خالص أهم حاجة تتبسط."
ثم تركه وذهب.
نظر عزت لولاده الآخر وابن أخيه أحمد ولم ينطق أحد بشيء.
فهم يعلمون مدى المشاحنات بينهم.
كانت تمسك يدهها وتقبلها بدموع.
"كده يا ماما تخوفيني عليكي، ليه مقلتليش إن الدوا خلص كنت جبتلك غيره، كده تضحكي عليا وتقوليلي بتاخدي دواك."
سعاد بأشفاق:
"يا حبيبتي ما أنا كويسة أه، محصليش حاجة."
مريم بدموع:
"يعني عايزاني أستنى لحد ما حاجة تحصلك."
ثم قالت بحب:
"هروح أجيبلك الأكل اللي الدكتور وصى عليه وأجيبلك الدوا."
أكادت مريم تغادر الحجرة، ولكن استوقفها صوت والدتها.
سعاد بتعب:
"جبتي فلوس الدكتور والعلاج منين يا مريم؟"
نظرت لها مريم بأستغراب فكيف علمت أمها أنها لم تكن تملك إلا القليل من النقود، واضطرت أن تبيع حلقها.
مريم بكذب:
"أستلفت من واحدة صاحبتي، وهردلها الفلوس أول ما أقبض مرتبى علطول، هانت كلها 10 أيام وأقبض."
طلعت سعاد إلى ابنتها بتفحص، ثم نظرت إلى أذن ابنتها.
سعاد بحزن:
"بعتي حلقك يا مريم!"
مريم وهي تعود لوالدتها وتحتضنها:
"أنا من زمان عايزة أبيعه، ما أنتي عارفة كان بيوجعني ودني، وديما رامياه في الدرج."
سعاد بضيق:
"بس برضوه."
مريم بأشفاق على والدتها:
"يا ست الكل يعني هعمل بيه إيه، أنا الحمد لله محجبة ومالوش لازمة أصلًا يعني، هروح أحضرلك الأكل."
ثم قبلت والدتها وذهبت لتحضر لها الطعام.
نظرت عليها سعاد بأشفاق وحزن، وظلت تدعو لابنتها.
يتبع بإذن الله.
رواية قلوب تائهة الفصل الثالث 3 - بقلم سهام صادق
ذكريات وأفكار كثيرة تراوده، وحياة لا يعرف لها معالم، وإنسان لا يرى فيه سوى الآلة تعمل وعقل يفكر، ومشاعر مضطربة وقلب تائه.
أسند رأسه برفق على كرسيه ليستريح قليلاً ويهدأ قليلاً من تلك الأفكار والذكريات.
أغمض عينيه للحظات لعله ينشئ عالماً جديداً من خياله ويعيش فيه للحظات، ولكن كيف؟ فهو لا يحب الخيالات ولا يرى الحياة سوى واقع أليم لا بد أن نعيشه.
أفاق من غفلته تلك القليلة وبعد ثوانٍ معدودة، كان يجلس في سيارته أمام بنايتها.
ظل لبضعة دقائق يتطلع لتلك البناية، وهو لا يعلم لماذا هو هنا الآن.
جلست على الأريكة باسترخاء شديد بعد أن أخذت حماماً منعشاً، وأعددت لنفسها كوباً من النسكافيه وأمسكت إحدى الروايات وبدأت تقرأ فيها.
إلى أن قطع اندماجها صوت جرس الباب.
نظرت إلى إحدى الساعات بجانبها، فكانت الساعة تعلن عن بدء منتصف الليل.
تعجبت كثيراً ممن يدق جرس الباب الآن.
ارتدت روبها وأغلقته بإحكام، وقبل أن تفتح الباب نظرت من العين السحرية لتعلم من يقف خلف الباب.
نظرت إليه بتعجب شديد، وهي تفتح له الباب وتسمح له بالدخول.
"أدهم!"
"أدهم: آسف إني أزعجتك."
"صافي بهدوء: لأ أبداً، ما فيش إزعاج، اتفضل."
أغلقت الباب، واتجهت إليه لتري رغبته عن أي مشروب يريد أن يقدمه له.
"أدهم وهو يخلع معطفه ويضع رأسه على الأريكة: ممكن قهوة يا صافي."
هزت له رأسها بابتسامتها الجميلة، ثم اتجهت إلى مطبخها لتعد له فنجاناً من القهوة.
كان لأول مرة يتطلع إلى شقتها ويتأملها، كان يبدو عليها الأناقة الشديدة والبساطة في نفس الوقت.
نظر إلى المنضدة التي أمامه، وجد عليها إحدى الروايات "لأجاثا كريستي"، ثم لفت انتباهه لتلك الصورة التي تضم طفلاً صغيراً يشبهها كثيراً.
ظل ممسكاً بها يتأمل تلك الصورة بشدة.
جاءت إليه وهي تمسك فنجان القهوة الذي أعدته له، وعندما رأته يمسك تلك الصورة، بدأت معالم الحزن والأسى تظهر على وجهها.
انتبه إلى قدومها إليه، وظل يتطلع بها، إلى أن جاءت وجلست بجانبه ووضعت فنجان القهوة أمامه.
"صافي بحزن: دي صورة ابني."
"أدهم: ابنك!"
"صافي بأسى: آه، مازن ابني."
"أدهم بتردد من سؤاله: طيب هو فين دلوقتي؟ مش عايش معاك ليه؟"
"صافي بحزن وهي تشرد في ذكرياتها السابقة."
"فلاش باك!"
"للأسف يا مدام، زوج حضرتك مش موجود في البلد كلها، وإنتي من الأفضل تنزلي مصر بدل المشاكل اللي هتحصل بسبب هروب زوجك والشيكات اللي عليه."
"صافي ببكاء: أمشي إزاي، وابني؟"
"المحامي: هو ده الحل الوحيد يا مدام صافي. أستاذ أحمد صفّى كل حساباته، وأخد ابنه وهرب، وإنتي لازم تنزلي مصر حالاً."
ثم تركها وانصرف، وهي تبكي بحرقة على ابنها الطفل الذي لا يتعدى عمره 6 سنوات.
لم تشعر بنفسها سوى عندما وصلت إلى وطنها الذي رحلت منه لتتزوج ذلك الرجل الذي أُجبرت عليه من عمها بسبب صفقاته.
نظر لها أدهم باشفاق، ثم مد لها يده بمنديل وأعطاه لها كي تجفف دموعها.
نظرت له صافي بحزن تتأمله ودموعها تنساب على وجنتيها.
***
كانت تمسك بمصحفها وتقرأ بعض آيات الله في خشوع، إلى أن جاءت إلى تلك الآية التي دائماً تقف لتتأملها وتتأمل حال الناس: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ).
ظلت تردد تلك الآية، وتشعر بالحزن على حال بعض الناس بل وأغلبهم، فكيف نكون خليفة الله في الأرض، ونحن نسرق ونفسد ونقتل ونزني ونظلم وننصر الباطل على الحق، ونحب الحرام ونبغض الحلال، ونحلل الأشياء على أهوائنا.
كان كل هذا يتجول بخاطرها وهي تشعر بالحزن.
أنهت وردها ثم اتجهت إلى والدتها لتطمئن عليها وتعطي لها الدواء.
"مريم بحب وهي تقبل يد والدتها: الجميل أخبار صحته إيه النهاردة؟"
"سعاد بتعب وبابتسامة باهتة: الحمد لله يا بنتي على كل حال."
"مريم: هروح أحضرلك الفطار وأجيبلك الدوا يا ست الكل."
"سعاد: ربنا يبارك لي فيكي يا بنتي، ويحلي أيامك دنيا وآخرة."
نظرت مريم لأمها بحب، واتجهت إلى مطبخهم المتواضع لتعد لها طعام الإفطار، وهي تحمد ربها أن اليوم هو يوم الجمعة يوم إجازتها وسوف تقضيه مع والدتها لترعاها.
***
سهرات وحياة يعيشها كما يقولون بطولها وعرضها، ومال ورفاهية يتمتع بها وكل يخضع لأوامره من أجل ذلك المال.
وعالم يعيشه يغيبه عن كل شيء، وشيطان يمتعه بدنيا فانية وعالم مزيف، وهو أين من كل ذلك؟ هو فقط قلب تائه.
"اشرب اشرب يا عم، شكل السهرة النهاردة هتكون جامدة."
"أياد بسكر: طب ما أنا بشرب أه، هو انت فاكرني زيك خرع؟"
"خرع: واو، شايف المزة الجامدة دي؟"
"أياد وهو ينظر إلى الفتاة التي ينظر لها صديقه: لأ جامدة بصحيح، بس ماليش مزاج النهاردة."
ثم أعاد وجهه مرة أخرى بعيداً عنها.
"رامي بتعجب: بقي أياد، يشوف مزة ويقول ماليش مزاج؟"
"أياد وهو ينهض من مكانه وبعد أن ألقى بالنقود على طاولته لدفع ثمن تلك السهرة: أنا ماشي، كمل انت سهرتك."
***
وبعد يوم شاق ملئ بالمتاعب، ووقوف طوال النهار لخدمة الزبائن، عادت إلى منزلها وهي تشعر بالوهن في كل أجزاء جسدها.
ذهبت إلى والدتها لتطمئن عليها أولاً، ثم دخلت غرفتها وبدون أن تشعر بدأت دموعها تتساقط وهي تتذكر كلمات التجريح التي سمعتها من مديرها، أمام ذلك المتعجرف.
وكل هذا لما؟ لأنها أحضرت له طلباً بالخطأ.
وبالرغم من اعتذارها وجلبها له ما أراد، ولكن ظل يوبخها إلى أن جاء مديرها الذي لا يفرق عنه، وظل يوبخها ويسبها ويسب غبائها إلى أن طلب منها أن تعتذر له.
كان ينظر لها بابتسامة نصر عندما سمع أسفها، وكأنه حظي بنصر عظيم عندما سمع ذلك الاعتذار، وكأنه شعر بسطوته وكأن باقي البشر عبيد وخدم فقط له.
هذا ما كانت توحي به نظراته.
ظلت تتذكر مريم نظراته البغيضة، وكلام خيري يتردد في أذنها.
ظلت تبكي بحرقة إلى أن أفاقت على صوت والدتها.
ذهبت إلى والدتها سريعاً بعد أن تأكدت أن دموع عينيها قد جفت.
"سعاد بقلق: مالك يا مريم؟ إنتي كنتي بتعيطي يا حبيبتي."
"مريم بحب وهي تجلس بجانب والدتها: مالي يا ماما؟ أنا كويسة أه، إنتي بس اللي بتقلقي عليا زيادة."
"سعاد: أنا أمك وبحس بيكي، متخبّيش عليا."
"مريم باشفاق على والدتها المريضة: أبداً يا ماما، بس شفت حادثة وصعب عليا الناس اللي ماتت."
"سعاد باشفاق وهي تربت على كتف ابنتها: ربنا يرحمهم، ويجعل خاتمتهم حسنة. طب يلا روحي غيري هدومك وصلي، وكلي يا حبيبتي."
"مريم: حاضر يا ست الكل."
***
كانوا يجلسون سوياً، يتناولون وجبة الإفطار.
إنه يعتبر حدث في قصرهم الفخم، فهم لا يجتمعون سوياً إلا لمرات قليلة.
"أياد بابتسامة: صباح الخير يا أدهم."
"أدهم وهو يضع إحدى الجرائد جانباً: صباح النور يا أياد."
جاءت الدادة لهم ووجهها يملؤه السعادة وهي تراهم مجتمعين سوياً.
"الدادة بحب: أيوه كده اتجمعوا على طول، ربنا يحفظكم ويخليكم لبعض يا حبيبي."
"أياد بدعابة: يا سلام على شوية الدُعاء الحلوين دول يا بطوط."
"الدادة بطيبة: أحلى بطوط بسمعها منك يا بكاش انت."
"أياد وهو يهم بالوقوف ليقترب منها لمداعبتها: اخص عليكي يا بطوط، ده أنا لو كنت بكاش مع كل الناس، إلا انتي، ده انتي اللي في الحتة الشمال."
نظر لهما أدهم مبتسماً، وهو يرى أخاه يداعب مربيته، فهي من كانت ترعى أخاه دائماً منذ طفولته، لذلك يرتبط بها كثيراً.
وفي تلك الأثناء جاء أحمد إليهم، وهو مبتسم.
"أحمد بضحك: هي بس اللي في الحتة الشمال؟ طيب ناني وبوسي وماهي ولي لي؟"
"الدادة: مين دول يا أحمد؟"
"أحمد بضحك: دول اللي في الحتة الشمال كمان."
"أياد: متصدقهوش يا بطوط الواد ده."
"الدادة بضحك: أنا شكلي لو فضلت واقفة معاك، مش هخلص اللي ورايا... ثم ذهبت وتركتهم لينعموا بفطورهم."
"أياد: هتسافر بكرة الساعة كام؟"
"أدهم بهدوء وهو يرتشف من فنجان قهوته: على الضهر إن شاء الله. ياريت الأيام دي تنتبه لشغلك وتصرفاتك."
نظر له أياد ولم يعقب.
ثم ألقى بعض الحديث على أحمد، وما سيفعلونه في غيابه.
***
دخلت وهي ترفع رأسها لأعلى، ولكن تلك الكلمات مازالت عالقة في أذنيها.
ولولا حاجتها للمال والسنة التي مضت عقدها عليها لتركت ذلك العمل فوراً، ولكن كما يقولون ما باليد حيلة.
وجدت نظرات مديرها عالقة بها، كان يحلق بها وكأنه يريد أن يرى كسرة نفسها.
ولكنها أبت أن تجعل أحد من هؤلاء المتعجرفين، أن يؤثروا عليها.
فمن المفترض أن يشعر بالهوان هم، هم من يشعرون بمرض الامتلاك وكأن الكون خلق من أجلهم فقط، ياله من غرور أحمق وعقول مريضة.
بدأت في عملها، الذي أصبحت تكرهه، كانت تعمل بحرص شديد فهي لن تتحمل أن تسمع كلمة أخرى من أحدهما.
انتهى يوم عملها ببطء شديد، وكما اعتادت ذهبت إلى منزلها سريعاً لتطمئن على والدتها.
***
أنهى عمله متأخراً في شركته، وبعد أن أعطى أوامره لهم بالاهتمام بمصلحة المجموعة، ومتابعة العمل كما اعتادوا في وجوده، واطلاعه بكل أمر هام يحدث إلى أن يعود من سفره.
خرج من شركته وهو يشعر بالتعب الشديد.
أمر السائق أن يوصله للفيلا، ولكن تراجع عن قراره وأمره أن يذهب.
***
"يااا يا كريم مش مصدق رجعت إمتى من باريس؟"
"كريم بشوق وهو يحتضن صديقه: وصلت من أسبوع."
"أياد بعتاب لصديق طفولته: أسبوع ومعرفش، لغير النهارده لما اتصلت بيك."
"كريم: غصب عني والله يا أياد، كنت مشغول."
"أياد: ماشي ياسيدي هسامحك. مروان بقي عنده كام سنة دلوقتي؟"
"كريم: 4 سنين، انت أخبارك إيه دلوقتي؟"
"أياد: آه ماشي الحال، مقضيها ما انت عارف."
"كريم: ده أنا قولت هرجع ألاقيك عقلت، امتى بقي هتعقل؟"
وكاد أياد أن يرد عليه ولكن انتبه لصوت ضحكات أحدهما، نعم فهذا الصوت يعلمه تماماً.
التفت لكي يتأكد من مصدر الصوت، فوجد والده، تتشبث في يده إحدى الفتيات ويجلسون على إحدى الطاولات.
أعاد نظره ثانية إلى صديقه، الذي وجده مشغولاً في محادثته الهاتفية.
***
"وقفت تحتضنه من الخلف، وهو يرتدي ساعته ويضع عطره الذي تعشق رائحته، فكيف لا تعشقه وهي تعشق صاحبه."
التفت إليها، وحاوطها بذراعيه، ثم بدأ يداعب أنفها بأحد أنامله.
"أدهم: ها، مش عايزة حاجة أجبهالك من فرنسا؟"
"صافي بتفكير: ممممم، عايزك تجبلي تجبلي."
"أدهم بهدوء وهو ينتظر أن يسمع طلبها: عايزة إيه بقي؟"
"صافي بابتسامتها المعهودة وهي تقبله على إحدى خديه: عايزك تجبلي أدهم."
نظر لها أدهم مبتسماً، وحاوطها بذراعيه، وهو يقول: "يعني عايزة أدهم بس؟"
"صافي بصدق: أيوه أدهم بس."
ثم ارتمت في حضنه وكأنها تخشى أن تفقده.
رفع أدهم وجهها بحنان.
"أدهم: كده أنا هتأخر يا صافي، عشان لازم أروح الفيلا الأول وبعدين أروح المطار."
"صافي وهي تبتعد عنه: هتوحشني أوي."
ثم لمست يده بحنان، وبصوت حنون.
"خلي بالك من نفسك، وابقى طمني عليك."
ثم اتجهوا سوياً ناحية الباب وهي تودعه.
رواية قلوب تائهة الفصل الرابع 4 - بقلم سهام صادق
وكأن قد كُتب عليها أن تودع أعز ما لديها في نفس العام.
وكأن الحزن يريد أن يكسرها ويختبر صبرها.
وكأن الدموع لا تود أن تجف من قلبها ثانية قبل عينها.
نظرت حولها تتأمل بيتها الموحش، تحاول أن تتذكر تلك الأيام السابقة التي نعمت بها بكنف أهلها.
وقفت أمام تلك الصورة التي تجمعها بوالديها وهي تمسك بأيديهم ويحتضونها سوياً.
كانت تتأملها ودموعها تتساقط وقلبها يكاد أن ينشطر وصوتها يريد أن يخرج ليضوي ضوءاً يعبر عن مدى ألمها الذي لا تستطيع أن تتحمله.
فقد ماتت والدتها، وكأنها كانت لا تريد أن تترك أباها بمفرده.
فذهبت إليه وتركوهما هي بمفردها.
كانت كلمة الطبيب ما زالت عالقة بأذنيها وهو ينظر لها بأشفاق بعد أن فحص أمها التي كانت منذ لحظات قليلة تجلس بجانبها وتبتسم لها تارة وتدعو لها تارة أخرى.
كلمة سمعتها للمرة الثانية، وكأن الوداع أصبح رفيقها.
"البقاء لله يابنتي."
وضعت يديها على أذنها، ثم سقطت على ركبتيها وظلت تبكي بكاء الطفل الصغير.
.................................................. ......
عاد من سفره بطيارته الخاصة، وكان أخوه ينتظره.
"يا وحشتينا يا بوس، شهرين تغيبهم."
"اكيد ارتحت مني، وقولت إيه اللي رجعه تاني."
"اخص عليك يا ادهم، انت عارف اني ماليش حد غيرك."
نظر ادهم لأخاه الذي يعشقه كثيراً ويشعر دائماً بالأبوة تجاهه، ثم ابتسم له ابتسامة حب.
بعد وقت قصير..
"أخبار عزت باشا إيه؟"
"كنت لسه امبارح بحضر حفلة جوازه، بس إيه بنت جامدة، أبوك ده بيقع واقف بصحيح."
نظر له ادهم نظرة لم يستطع تفسيرها، ولكن فضل السكوت.
.................................................. .........
ذهبت إلى عملها بعد غياب دام أسبوعاً.
كان وجهها يملؤه الحزن وأيضاً التعب.
بدأت في عملها ولاول مرة لم تسمع توبيخاً من ذاك المدير.
جاء إليها خيري، ووجهه لاول مرة لا ترى فيه النفور والضيق الذي اعتادت عليه.
"أظن إني سمحتلك بأسبوع إجازة، عشان ظروفك. دلوقتي بقي لازم تنزلي شفت زيادة."
هزت له رأسها بالموافقة ولم تعقب أو تتحدث فما بداخلها يكفيها.
ولأول مرة تشعر بأن ذاك الرجل يعمل معها معروفاً فهو سوف يريحها من مكثها وقت زيادة في منزلها بين ذكرياتها.
نظر لها خيري بأشفاق ولأول مرة ترى تلك النظرة في عينيه.
فحمدت ربها بأن ما زال لديه قلب يعبر عن أدميته.
.................................................. ...........
كانت لا تصدق بأنه بجانبها الآن تنعم بدفئه وأيضاً بحنانه الذي لا يظهره، بل هي فقط من تشعر به.
وحتى ولم يشعرها بأي شيء يكفي أنه بجانبها.
كانت تتحسس وجهه بحنان بالغ، كي تتأكد بأنها لا تحلم وأنها بين يديه الآن ونائمة بجواره.
ابتسم لها ابتسامته التي لا ينعم بها وجهه إلا قليلاً.
"إيه مش مصدقة إني جنبك."
"اصلك غبت عني كتير أوي يا ادهم."
"على فكرة وحشتيني أوي أوي."
لم تصدق ما سمعته أذنيها، فهل يعقل هو قد اشتاق لها.
ولكن لم يعطي لها فرصة للتفكير أكثر من ذلك، وبدأ يضمها إليه بشدة لينعما معاً بليلتهم الهادئة التي يسرقونها من حياتهم.
.................................................. ........
وكعادته، كان يقف وقفته المعهودة التي تنم عن غرور صاحبها.
كان يحتسي أحد المشروبات وهو يتحدث مع بعض أصدقائه في تلك الحفل المدعو إليها.
كان يلتف للخلف لكي يحصل على مشروب آخر، ولكن ظل شارداً يتأملها.
كانت فتاة في غاية الجمال شديدة التحرر بملابسها العارية.
كان يتأملها بأعين متفحصة تدل على الرغبة الشديدة.
نظر له صديقه وقد علم ما يفكر به، ثم اقترب من أذنيه وبصوت يسمعه هو فقط.
"دي شاهي اسعد، بنت أكبر موزع وموارد للسيارات في الشرق الأوسط."
نظر له اياد، ثم تركه وذهب إليها.
كانت تتراقص مع أحدهم، وبدون أن تشعر وجدته يمسك يدها ويراقصها.
نظرت له بغضب على فعلته وكادت أن تذهب وتتركه ولكنه بثقته المعهودة أمسك يدها ثانية وبدأ يحاوطها بذراعيه، وهو يهمس في أذنها.
"اصلك عجباني أوي."
نظرت له بأعين كصقر وبصوت يملؤه الغيظ: "مغرور."
.................................................. .........
وضعت طعامها البسيط، وقد بدأت تتأقلم تأكل بمفردها.
نظرت لطعامها نفس نظرة كل يوم، ثم همت بلم الأطباق.
وذهبت إلى غرفتها تجلس وحيدة شارده.
أمسكت بمصحافها وبدأت تقرأ في سورة تبارك، وبعد أن انتهت.
بدأت تمسك منبهها لتضبطه على الميعاد الذي اعتادت عليه قبل أذان الفجر.
وبدون أن تشعر بدأت تنام من كثرة تعبها.
كانت في قصر كبير يملؤه الأزهار، ولكن ما لفت انتباهها أن في هذا القصر زهرتان ذابلتان.
اتجت نحوهم وظلت تنظر لهم بحزن.
بدأت تلمس بيديها الزهرتان، وفجأة أصبحت الزهرتان مثل باقي الزهور الأخرى المزهرة.
استيقظت من نومها على صوت منبهها، وهي تتمتم "الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور."
.................................................. .........
كانت تحتضنه وكأنها أمه حقاً، وليست زوجة أباه الذي تركها منذ زمن كم ترك غيرها.
"وحشتيني يا ادهم، كده متسألش عني من زمان."
"معلش يالولو، ما انتي عارفة الشغل."
"ربنا يعينك يا ابني."
نظر لها ادهم مبتسماً، وهو يتذكر تلك السيدة.
فلاش باك.
"كامل يا ادهم بتعيط ليه؟"
كان ينظر لها نظرات طفل يكره زوجة أباه.
"مالكيش دعوة."
"ماشي ياسيدي ماليش دعوة، بس ممكن تحكيلي يمكن أساعدك."
نظر لها طويلاً، وبدون أن يشعر كانت دموعه كطفل تتساقط.
"مالك ياحبيبي، حد ضايقك في المدرسة."
"هو ليه كل صحابي عندهم أمهاتهم بتوصلهم المدرسة وأنا لأ، اشمعنا أنا."
كانت ترى في عينيه انكسار اليتيم، كما كان قلبها يبكي حزناً عندما رأت تلك النظرة في أعين طفل لم يتجاوز عمره الثماني سنوات.
ضمته إليها بحنان أم، وهي تهمس في أذنه: "ومين قالك إنك مالكش أم ياحبيبي."
ومن يومها هذا إلى أن وصل عمره لـ 15 عاماً وهو مرتبط بها وكأنها أمه حقاً بعكس أخاه الأصغر الذي كان لا يعي شيئاً لصغر سنه.
وياله من يوم عندما علم بطلاقها عندما عاد من مدرسته الداخلية.
عاد بذاكرته، عندما ربطت الهام بيدها على كتفه ليجلس معها ليتناولوا الطعام.
نظر لها نظرة طفل، فهي الوحيدة من تعلم من هو ادهم، ليس ذلك الشخص الحاد القوي ولكن لكل منا عالم يطغي عليه.
.................................................. ......
كانت تودع بعض أصدقائها، بعد أن أنهوا تمرينهم المخصص.
جلست تسترخي على أحد الكراسي، وفجأة وجدته يجلس أمامها، ويتأملها.
نظرت إليه شذراً، وكادت أن تغادر.
ولكن كما اعتادت منه أمسك يدها، وكلماته التي اعتاد عليها مع أي فتاة تعجبه حتى يجعلها تخضع وتلين له.
"وحشتيني على فكرة."
"انت مجنون صح."
"مجنون بيكي ياحبي."
"وقولت الكلام ده كام مرة لمين غيري."
"كتييييير."
نظرت له بحدة لوقاحته وكادت أن تسكب عليه كوب الماء الذي أمامها.
"بس انتي الوحيدة اللي بقولهالها بقلبي قبل عقلي اللي خطفتيه من أول ماشافك ياشاهي."
كانت كلماته ونظراته كفيلة أن تجعلها، تلقي بكل حدتها وعجرفتها وتستمع له وتستكين حتى لو للحظات وهي تتأمل وسامته.
ولكن قبل أن تضعف نهضت سريعاً وانصرفت وهي تلتف إليه ناظرة له.
ابتسم اياد بخبث، وهو يعلم أنه لم يتبق سوى جولة واحدة وتصبح الكرة في ملعبه كما اعتاد.
.................................................. ...........
لم يصدق ما فعلته لأجله، كانت واقفة تنظر له بحب وهي في كامل أناقتها.
اقتربت منه قليلاً وهي تهمس في أذنيه: "كل سنة وانت طيب يا ادهم."
ثم أمسكت يده، وجلسوا سوياً على تلك المائدة التي أعدت له، له هو فقط وبدأوا يتناولون الطعام وهو يتأملها.
"عرفتي منين إن عيد ميلادي النهارده."
"مممم، طرق خاصة."
ضحك ادهم، وهو ينظر لها متفحصاً.
"على فكرة طالعة جميلة أوي النهارده."
ابتسمت له صافي، وبدأت تطعمه بشوكتها.
"انتي بتدلليني أوي ياصافي."
"انا مش عايزة حاجة غير إنك تبقي جنبي يا ادهم حتى لو هكون عشيقتك."
استشهد ادهم بحزن، وهو ينظر لها وما تفعله معه فهو لا يستحق هذا فهو لا يعطيها أي شيء، فقط هي من تعطيه.
ولأول مرة يكره أنانيته، كان يود أن يبتعد عنها ليتركها تنعم بحياتها بعيداً عن تلك القلب القاسي فهو يعرف نفسه تماماً، فهو لن يسمح لقلبه يوماً أن يحب ويعشق.
ولكن هل ستستمر أيها القلب على رغبة صاحبك أم.
مدت له يدها بهديتها التي اختارتها بعناية حتى تنال إعجابه: "يارب هديتي تعجبك."
نظر لها ادهم مبتسماً، وهو يفتح تلك العلبة القطيفية ويرى فيها تلك الساعة التي تنم على ذوقها.
"عجبك!"
"اكيد، زي ما صحبتها عجبتني كده."
ثم ترك الهدية وأمسك يدها، وهم يدخلون تلك الغرفة التي اعتادت على لقائهم المعهود.
وانطفأت الأنوار، وذهبوا معاً في عالم الهروب والاحتياج بقلوب تائهة.
.................................................. .........
خرج من سيارته، وهو يهندم من نفسه وينظر لنفسه بنظرة إعجاب.
دخل إلى تلك المعرض، الذي تقيمه.
وجدها كما اعتاد على رؤيتها واقفة بكل كبرياء وغرور.
ولكن من منهن لم يستطع هو بنظرة واحدة منه أن يجعلها تتمنى أن تبقى طول العمر بجانبه.
اقترب منها بنظرة ثقة.
"مبروك الافتتاح يا آنسة شاهين."
نظرت له بحدة تحاول أن تخفيها تحت أعين إعجابها به: "متشكرة يا بشمهندس."
ثم تركته وانصرفت، لتنشغل بضيوفها.
.................................................. ............
كانت عائدة من مشوارها الشهري الذي أصبحت تخصصه يوم إجازتها لتأخذ بعض المال من مرتبها على قدر استطاعتها وتتصدق به لتوهب صدقتها لوالديها.
وعندما صعدت إلى شقتها، وجدت إحدى جاراتها تنتظرها لتطمئن عليها.
"أخبارك إيه يامريم يابنتي."
"الحمد لله يا طنط، اتفضلي."
"أنا قولت أجي أطمن عليكي، وجبتلك الأكلة اللي بتحبيها، كنت عاملاها النهارده للولاد وافتكرتك."
"ربنا يخليكي يا طنط، بس ليه تعبتي نفسك."
"ولا تعب ولا حاجة ياحبيبتي، انتي زي ولادي، والمرحومة أمك كانت ونعمة الجارة."
نظرت لها مريم بأسى وصمت.
"أنا آسفة يابنتي والله ما كان قصدي أفكرك، ربنا يرحمهم."
"يارب."
"مافيش حد من أهلك بيسأل عنك، ولا حتى عمك."
"مين دلوقتي بيسأل على حد، كله بقى مشغول بحاله، ربنا يعينهم."
"معلشي يابنتي، ربنا ما يحوجك لحد، ويحفظك من شرور نفوس البشر."
"طيب أنا همشي بقى ولو احتاجتي أي حاجة اطلبيها من غير ما تتكسفي."
ثم انصرفت.
تأملت مريم حولها للمكان، الذي يكسوه الحزن.
وفرت دمعة من عينيها.
ثم بدأت تلهي نفسها بتنظيف الشقة.
.................................................. ..........
كان يعلم أن ما يجذبهم إلى رجل في عمره، سوى ماله فقط.
فمهما كان فهو يعلم قدر نفسه.
أخرج من جيبه علبة قطيفة زرقاء اللون.
كانت نظراتها متعلقة بتلك الهدية، وعندما فتحها انبهرت بها.
"بجد تحفة أوي يا زيزو."
ثم اقتربت منه لتقبله بعد أن ارتدت تلك الخاتم.
"عجبك يانانسي."
"أوي أوي يا زيزو."
ثم اقتربت منه بدلالها الزائف حتى ترضيه وتحصل هي على ما تريد منه من مال.
"أنا عايزة أخطب!!"
يتبع بإذن الله.
رواية قلوب تائهة الفصل الخامس 5 - بقلم سهام صادق
كان يتابع بعض أعماله وهو منهمك، وعندما سمع جملة أخاه، ترك ما بيده ونظر له يتفحصه، فهو يعلم طبيعة أخاه الأصغر، وأن طلبه هذا لن يكون سوى نزوة يريد أن يمر بها مع إحداهما، عندما وجد أن الحل الأمثل معها هو الارتباط.
أدهم بهدوء: "ياترى مين اللي قدرت تخلي إياد باشا عايز يرتبط؟"
إياد: "في إيه يا أدهم، مالك بتكلمني كده؟ بدل ما تفرح لي؟"
أدهم بتهكم: "أفرح لك؟ طب قولي إزاي أفرح وأنا عارفك، ممكن بكرة تيجي تقولي لأ خلاص صرفت نظر عن الموضوع، أصلها مش عاجباني إيه يا إياد، ده انت أخويا وأنا أكتر واحد عارفك."
إياد: "لأ، متقلقش، المرة دي بجد."
نظر له ليتأمله قليلاً، وبهدوئه المعتاد.
أدهم: "ومين بقي هتكون سعيدة الحظ؟"
إياد بابتسامة واسعة: "شاهي أسعد، بنت أسعد مرتضى."
أدهم بهدوء: "ممممم، تمام."
نظر إياد لأخاه، وهو يعلم أن أخاه عندما علم بمكانة والدها، فلن يعترض، فهو يعلم بأن أخاه سوف يعقد بعض الصفقات معه، وهذه هي فرصته لتزيد العلاقات بينهم بارتباط أخاه بابنة أسعد مرتضى.
***
حالة من الهدوء أصبحت تسري على أبطالنا، وكل منهم يسير في حياته المعتادة، ولكن ما حدث في تلك الأيام هو ارتباط إياد بشاهي، الذي أحدث ضجة في عالم الصحافة والبيزنس. كانت حفلة الخطبة على أعلى مستوى، يحضرها أكبر رجال الأعمال وأهم فئات البلد. كان أدهم سعيداً جداً بذلك الارتباط، وأيضاً والد شاهي لما بينهم من صفقات.
عزت بابتسامة: "إمتى هفرح بيك يا أدهم؟"
نظر له أدهم ببرود وقال: "المهم انت تفرح بنفسك وتبقى مبسوط، متشغلش بالك بيا."
عزت بأسى: "هتفضل تكرهني لحد إمتى يا ابني؟"
نظر له أدهم بتهكم ثم رحل، ليتابع مقابلة ضيوفه.
كان عزت ما زال واقفاً، وهو ينظر على ابنه الأكبر ويتذكر.
(فلاش باك)
"يا شيخ حرام عليك، أنا تعبت، كل يوم في حضن واحدة شكل، وكنت بقول مش مهم مادام بعيد عن بيتي وولادي. كمان أرجع ألاقيكم أنا وابنك وانت مع واحدة وفي بيتي، منك لله يا شيخ."
عزت ببرود وهو يهم ليضربها: "والله أنا حر أعمل اللي أعمله، وكفاية قوي عليكِ العز اللي عايشّاكاه والفقر اللي نجّتك منه انتي وأهلك."
ليلي ببكاء: "انت بتعيرني يا عزت؟"
عزت ببرود: "لأ، مش بعايرك، بس بفكرك عشان تعرفي بس خيري عليكي وعلى أهلك يا هانم."
ثم اقترب منها ببروده المعتاد: "عيشي يا ليلي وربي عيالك، وسيبيني أعيش."
نظرت له بحزن ولم تتحدث، فكيف ستتحدث مع ذلك الرجل الذي تزوجها غصباً مقابل المال الذي كان ثمناً لمنع والدها من السجن.
كاد عزت أن يغادر غرفتهم، فوجد ابنه ذات الست سنوات ينظر لهم ببكاء.
عزت بأسى: "أنا السبب، أنا السبب يا أدهم."
***
كان قد دعاها لحفلة خطبة أخاه، وعندما جاءت نظر إليها مبتسماً، ثم تابع حديثه مع بعض أصدقائه.
نظرت له تتأمله بحسرة، فهي ليست سوى عشيقته التي يقضي معها وقتاً لطيفاً، ثم ينصرف ويتركها بمفردها.
ظلت تتابعه، وهي ترسم ابتسامة باهتة على وجهها، إلى أن قابلت أحد معارفها، وبدأت تنشغل بالحديث معه لعلها تنسى وجودها القريب منه ولكن البعيد عنه.
***
نظر لها مبتسماً وهو يتذكر كل شيء فعله كي تتم تلك الخطبة.
أمسك أحد يديها ليقبلها.
إياد بابتسامة: "مبروك يا حبيبتي."
شاهي بهدوء: "الله يبارك فيك يا حبيبي."
إياد وهو يقترب من إحدى أذنيها: "بعشقك."
كانت كلماته مثل المغناطيس عليها، فقد سحرها باهتمامه وكلامه المعتاد، حتى استطاع أن يحصل عليها ويرتبط بها بعدما كانت بالنسبة له كسهل الممتنع.
بادلته نفس الابتسامة، وأمسكت يده الممدودة لها وبدأوا بالرقص سوياً تحت أعين الموجودين من المدعوين والصحافة.
***
بدأت عملها اليومي المعتاد مثل كل يوم. وقفت لتقدم لأحد الزبائن ما طُلب منها، فانحنت قليلاً لتضع الطعام ولم تشعر بأنفاسه سوى وهو يهمس في إحدى أذنيها ويدعوها لقضاء ليلة معه مقابل بعض المال. كانت كلماته كالصاعقة لها، فكيف يطلب منها ذلك؟ هل يراها مثل ما يعرفهم؟ ولكن كيف وهي دائماً ترتدي ما يسترها من ملابس محتشمة؟ ولكن ستظل الرغبة عند أمثالهم فطرة يبحثون عنها لمتعتهم ومزاجهم كما اعتادوا.
نظرت له نظرة احتقار ثم سكبت ذلك الكوب الذي أمامه في وجهه.
وقف يهتف بأعلى صوته وهو ينده على مديرها.
"آتي يا خيري والشر يتطاير من عينيك."
خيري: "في إيه يا أكرم باشا، حصل إيه؟"
أكرم بتوعد: "مش تختار الناس اللي بتشغلهم عندك يا خيري، الآنسة كنت حاطط محافظتي وقمت اتكلم في التليفون لقيتها جت وبتحاول تسرقني، ولما اتهمتها لقيتها بتعلي صوتها عليا، وفي الآخر من بجاحتها بص منظري."
كانت واقفة، تتأمل براعته في الكذب، فكيف لا يكذب ليداري عن فعلته. نظرت له باحتقار شديد وبصوت يملؤه الغيظ.
"كذاب يا أستاذ خيري."
خيري بصرامة: "انتي اخرسي خالص، وتاخدي بقية حسابك وتتفضلي، أنا مش مستعد استحملك أكتر من كده."
مريم: "طب والشرط الجزائي؟"
خيري بحدة: "مش قلت اطلعي بره."
ثم اتجه لتلك الرجل وأخذ يعتذر منه.
خيري بود: "آسفين يا أكرم باشا، وغداه النهارده على حساب المطعم، اتفضل يا باشا."
نظر له أكرم بتعالي، وجلس على طاولته وكأن شيئاً لم يحدث.
***
عادت إلى منزلها، نظرت لتلك النقود التي بحوزتها ثم ابتسمت بسخرية وهي تتذكر اتهام ذلك الرجل.
حمدت ربها، أنها ليست من ذاك العالم البشع الذي يعيشونه تحت نفوذهم وسطوتهم.
ولكن ما يجني سطوتهم نحن فقط، وكأننا خلقنا من لا شيء، وكأننا ضيوف على عالمهم ويجب أن نرحل لنتركهم ينعموا هم فقط بعالمهم الذي يزينه فقط سطوتهم ومظاهرهم التي تخفي ما وراء قلوبهم التائهة.
لم يقطع شرودها سوى رنين هاتفها البسيط، وهي تنظر على الرقم الموجود خلف الشاشة بدون اسم.
مريم: "السلام عليكم."
رنا بابتسامة: "وعليكم السلام، إزيك يا مريم وحشاني أوي."
مريم بعدم تصديق: "رنا؟ يااا، رنا انتي جيتي إمتى من السفر؟"
رنا: "لسه راجعة من أسبوع، وحشاني أوي يا مريم، نفسي أشوفك، أخبارك إيه؟"
***
فتحت عينيها ببطء، ثم نظرت إليه وهو يقف أمام المرآة ليهندم من ملابسه.
عندما رآها من خلف زجاج المرآة، التفت إليها.
صافي بصوت ناعس: "صباح الخير."
أدهم: "صباح النور، صحيتك؟"
صافي وبدأت تفيق: "لأ، أبداً، بس أنا اللي قلقت، انت ماشي؟"
أدهم بضحك وهو ينظر لساعته: "الساعة 7 دلوقتي، ولا انتي عايزة صاحب الشركة يروح آخر واحد؟"
صافي وهي تنهض لتقف أمامه: "لأ، أبداً يا حبيبي، هروح أحضرلك الفطار."
أدهم: "متتعبيش نفسك، أنا هشرب قهوة في الشركة."
عادت إليه ثانية، وعلى وجهها ابتسامتها الجميلة وبدأت تربط له ربطة عنقه.
صافي: "ثواني والفطار هيكون جاهز."
ثم اقتربت منه لتقبله وغادرت الغرفة لتحضر له طعام الإفطار.
نظر لها وهي تغادر الغرفة، وتنهد بصعوبة ثم بدأ يكمل ارتداء ملابسه.
***
نظرت إلى صديقتها بأسى، وهي تشفق عليها مما حدث لها.
رنا: "ياا يا مريم، طب مقولتليش ليه؟ كنت ممكن أساعدك تلاقي شغل، ما انتي عارفة علاقات بابا."
مريم: "مكنتش عايزة أشغلك بمشاكلي، سيبك مني انتي، أخبارك إيه؟"
رنا: "أنا يا ستي اتخطبت لابن عمي، وبعد كام شهر هسافر معاه أمريكا."
مريم بفرحة: "مبروك يا رنا."
رنا بحب: "الله يبارك فيكي يا حبيبتي."
ثم نظرت لصديقتها لبعض الوقت، وقالت:
"الشركة اللي بابا شغال فيها محتاجين محاسبين ويكونوا خارجين تجارة إنجلش، إيه رأيك تقدمي للوظيفة وأنا هقول لبابا يساعدك."
مريم: "بس أنا مش عايزة أسبب لك إحراج مع والدك."
رنا: "إحراج إيه يا بنتي، هو أصلاً كان عارض الوظيفة دي على مي بنت خالتي، بس خطيبها رفض، ولما انتي حكيتلي ظروفك افتكرت، وكمان انتي نفس المؤهل اللي طالبينه، ومتخافيش بابا له اسمه في الشركة والكل بيقدره ويحترمه. وانتي اعملي اللي عليكي وقدمي، يمكن يكون ليكي نصيب وتشتغلي في شركة كبيرة زي دي."
مريم بسعادة: "ياا متعرفيش الخبر ده فرحني قد إيه ورحمني، من اللف على أي وظيفة أشتغلها."
رنا باشفاق: "خلاص بكرة إن شاء الله نتقابل، وأخدك لمقر الشركة، مع إن اسمها معروف في البلد كلها."
***
"ها يا أحمد، اخترت المحاسبين اللي الشركة محتاجهم؟"
أحمد: "بكرة إن شاء الله هنعمل المقابلة، وهنختار اللي يصلح للوظيفة."
أدهم ويعيد نظره لبعض الأوراق التي أمامه: "ماشي يا أحمد، التعيين هيكون تحت إشرافك، المهم أخبار بنود العقد مع الشركة الإيطالية إيه؟"
أحمد بابتسامة: "بعتوا لنا مندوبهم عشان نتمم العقود."
أدهم بارتياح: "كويس جداً."
ثم نهض من مكانه وبدأ يرتدي بدلته ليهم بالخروج.
وقبل أن يغادر مكتبه...
"ابقي أعلن عن الصفقة الجديدة للصحافة."
***
"هتوحشيني على فكرة."
شاهي بدلع: "ياسلام، يعني بكرة مش هتزهق مني؟"
إياد: "في حد يزهق من روحه يا حياتي؟"
شاهي: "بكاش على فكرة بقا."
إياد: "في واحدة تقول لحبيبها وخطيبها وزوجها المستقبلي كده؟"
ثم غمز لها بإحدى عينيه وقال بهيام لتذكره لتلك الليلة التي قضوها سوياً منذ ساعات قليلة.
شاهي بخجل: "تصبح على خير."
إياد: "وانتي من أهله يا حبيبتي، أوعي تنسي معادنا بكرة."
ابتسمت له، وخرجت من سيارته وهي تودعه بإحدى يديها.
ثم تنهدت براحة، ودخلت إلى فيلتها التي تقطنها هي وأباها بمفردهم.
***
جلست تنتظر دورها بعد أن اصطحبتها صديقتها وتركتها للتقديم في تلك الوظيفة. كانت عيناها تتابع المكان من حولها وهي تحلم بأن تقبل بتلك الوظيفة.
ظلت تتأمل هؤلاء الفتيات بملابسهن ومكياجهن الصارخ.
نظرت لهم بتعجب، ثم أخفضت رأسها لعلها تستجمع قواها.
تأملتها السكرتيرة باستغراب شديد، وهي تطلع إلى ملابسها، فقد كانت ملابس بسيطة للغاية.
السكرتيرة بابتسامة: "اتفضلي يا آنسة، المقابلة هتكون مع بشمهندس أحمد."
أحمد بهدوء وبدون أن يتطلع إليها: "اتفضلي يا آنسة مريم."
ثم نظر لها وقال: "آنسة مريم صح؟"
مريم: "أيوه يا فندم."
أحمد: "ممممممم ال cv بتاعك هايل، بس ناقصك خبرة. انتي تدربتي في أي شركة قبل كده؟"
مريم بابتسامة: "لأ يا فندم."
أحمد بتفهم: "تمام، اتفضلي."
خرجت من مكتبه، وهي لا يبدلها شك بأنها لن تقبل في تلك الوظيفة.
خرجت من الشركة وهي تشعر ببعض الدوار، وكادت أن تسقط مغشياً عليها، إلى أن لحقها.
"انتي كويسة؟"
مريم بتعب: "آه الحمد لله، متشكرة لحضرتك، عن إذنك."
وقف يتأملها للحظات، ثم صعد إلى غرفة مكتبه ليلقي أوامره على سكرتيرته الخاصة، قبل بدء الاجتماع.
***
استيقظت من نومها، على صوت رنات هاتفها.
انتظرت قليلاً لكي ترد، وبعد أن ردت، لم تكن تصدق ما سمعته منذ قليل. هل هي قبلت حقاً في تلك الوظيفة أم هي تحلم؟
نهضت سريعاً من فراشها لتبحث عن ملابس مناسبة لعملها، ولكن بحشمتها المعتادة. لم تكن ملابسها أنيقة ولكن كانت راضية تماماً عن ملابسها حتى لو سوف تخالف ذلك المجتمع المتحرر.
نظرت لنفسها نظرة رضا.
ثم ذهبت لتبدأ حياة أخرى لا تعلم ما ينتظرها في وسط هذا العالم.
وقفت تنتظر السكرتيرة لتدخلها، نفس المكتب السابق لمقابلة مديرها.
رواية قلوب تائهة الفصل السادس 6 - بقلم سهام صادق
نظرت لتتأمله قليلاً، فلم تجده نفس الشخص الذي أجرت معه المقابلة الأولى.
أشاحت بوجهها سريعاً، وظلت تنتظر أن ينتبه لوجودها.
أرخى بجسده قليلاً وبدأ يتأملها، فلم تمر أمامه مثل هذا النوع من الفتيات.
ظلت عيناه تتفحصها بإعجاب شديد، إلى أن أشاح بوجهه وأمرها بالجلوس.
اياد: آنسة مريم، صح؟
مريم: أيوه يا فندم.
اياد بابتسامة وهو ينظر لملفها: طبعاً أنتِ عارفة إنك اتقبلتي في الوظيفة، بس اللي متعرفيهوش إنك هتكوني تحت إدارتي.
مريم بتساؤل: هو أنا هشتغل سكرتيرة لحضرتك؟
اياد: لأ مش سكرتيرة، بس هتكوني الوسيط بيني وبين مدير الحسابات، هترجعي الحسابات وبعدين أنا هطلع عليها. يعني ممكن نقول كده سكرتيرة تانية ليا.
نظرت له مريم بتفهم، ولم تعقب.
اياد: اتفضلي دلوقتي، والسكرتيرة هتفهمك كل حاجة.
مريم: عن إذن حضرتك.
خرجت من أمامه، وظل نظره عالقاً بها.. إلى أن قطع شروده صوت رنين هاتفه.
اياد: أقول مساء الخير، ولا صباح الخير يا حياتي؟
***
أنا هبة، سكرتيرة بشمهندس اياد.
مريم: مريم، الموظفة الجديدة.
هبة: تشرفت، ها أبدأ أشرحلك طبيعة شغلك، ولا عايزة تسألي عن أي حاجة؟
مريم بابتسامة: لأ ابدأي اتفضلي.
بدأت هبة تشرح لها طبيعة عملها، وتوضح لها كل شيء وعن نظام الشركة وعن الجدية في العمل، إلى أن وصلت أن حثتها أن تحترس من بعض الأمور.
لم تفهم مريم ما تقصده، ولكن ظلت صامتة تتابع الاستماع لحديث هبة.
هبة: ها يا ستي، فهمتي كل حاجة؟
مريم: آه تمام، متشكرة أوي. بس سؤال، هو أنا هشتغل فين؟
هبة: مع زمايلك عادي في قسم الحسابات، بس المسؤول عنك هو بشمهندس اياد لأنك تعتبري تحت إشرافه.
***
بعد أن أنهوا اجتماعهم، جلسوا يتحدثون في بعض الأمور.
إلى أن نظر خلفه، وهو ينادي عليها لكي يعطيها بعض الأوراق.
"آنسة مريم."
اقتربت منه بهدوئها المعتاد، الذي تعود عليه منذ أن أتت من أسبوع.
مريم: افندم يا بشمهندس.
التف ادهم إلى مصدر الصوت، ولكن لم يتذكرها عندما ساعدها في النهوض، ثم أشاح بوجهه ليتابع ما كان ينظره إليه من أوراق.
اياد بابتسامة: اتفضلي الأوراق دي، عايزك تعمليلي جدولة، وتشوفيلي الربح والخسارة هتكون في حدود إيه وكل التفاصيل.
ثم نظر لها مبتسماً، يتأملها كعادته، بدون أن يعرف لماذا عينه دائماً تتفحصها برغم من ملابسها المحتشمة.
نظر له احمد وهو يتابع نظراته، ثم قال بصوت هامس: سيب مريم في حالها، هي مش زيهم وانت عارف كويس كده.
نهض اياد سريعاً من مكانه، وتركهم.
***
وجدها تتطلع لصورة ابنها بدموع وشوق شديد، كان يتأمل عيونها كما كانت تدل على مدى اشتقاقها.
اقترب منها وجلس بمقربة منها، وهو يقول:
"أنا وعدتك إني هرجعهولك يا صافي، خليكي واثقة فيا."
صافي بأسي: تفتكري إني ممكن ألاقيه في يوم؟ خايفة أوي يا ادهم إني أعيش عمري كله أستنى اليوم اللي القدر يجمعني بيه، ويوم ما ألاقيه مش أشوف نظرة الحب اللي أي أم بتشوفها في عين ولادها.
نظر لها باشفاق، وهو يتذكر نظرة أمه المودعة وهي تقول: "خايفة تبقي زيه."
لم يفهم قصدها بتلك الجملة، إلا عندما كبر، علم أنها تقصد أن يصبح مثل والده، زوج خائن وأب لا يُصلح.
اقتربت منه، بعد أن جففت دموعها، واستكانت بين يديه وهي تشعر بدفء أنفاسه وحنانه الذي أدركته عندما اقتربت منه حتى لو لم يظهر لها ذلك.
***
أيام تمر، ووحدتها أصبحت قاتلة، ولكن عملها الجديد أصبح يشغل معظم وقتها.
كانت سعيدة بتلك العمل لكونها تعمل ما تحب.
وضعت رأسها على وسادتها بعد أن تأكدت من موعد استيقاظها من منبه هاتفها، ثم بدأت تتذكر حياتها السابقة، كما كانت تشتاق إليهم كثيراً.
تنهدت بحزن أصبح يملأ قلبها، وذهبت في عالم الأحلام.
"حياتي كما هي، لا أرى شيئاً سوى عالمي التائه فيه، وكأنه أصبح لا يُبصر بشيء سوى هذا العالم الذي يحيطه. كانت ضحكاتها تتعالى في أذنيه ويدها التي تسحب يداه ليراقصها."
ظلت ترقص بين أحضانه، ولاول مرة هي من تسقط عليه الكلمات، كان يسمع كلماتها مثل الأصم في هدوء تام إلى أن سألته عن موعد زواجهما.
اياد بدهشة: جواز؟
شاهي بصدمة: جوازنا يا حبيبي، مش المفروض نتجوز ولا أنت خلاص زهقت مني؟
اياد بارتباك: ليه بتقولي كده؟
شاهي بحزن: مالك يا اياد، أنت بقيت غريب أوي الأيام دي.
اياد بضيق: مفيش يا شاهي، يلا نمشي عشان تعبان.
***
"تفتكر هيجي يوم وتبعد عني، وتسيبني؟"
نظر إليها ليتأملها قليلاً، وبضحكته المعهودة:
"هممممم، ليه بتقولي كده؟"
صافي: لأن لكل شيء نهاية، وانت ممكن في يوم تلاقي نصك التاني اللي تكمل معاه حياتك.
ثم تنهدت بحسرة وهي تلقي على مسامعه تلك الكلمات.
بدأ يعتدل من جلسته وأسند برأسه على الوسادة، وقال:
"مفتكرش."
وظل يتأمل تلك الفراغ الذي أمامه.
صافي: ليه متجوزتش لحد دلوقتي يا ادهم؟
نظر لها بتعجب من سؤالها، فالمفترض لو سأله جميعهن بهذا السؤال هي دونهم لا ترغب أن تسأل تلك السؤال، فهي عشيقته.
ادهم: مالك يا صافي، أول مرة تسأليني السؤال ده؟
صافي بهدوء: واحد زيك عنده كل حاجة، ليه اسمه وسمعته وكمان شخص جذاب وجميل، ليه لحد دلوقتي متكونش في واحدة في حياته قدرت تدخل قلبه؟
ادهم بتنهد وهو يشير إلى موضع قلبه: عشان ده مش عايش، زي صاحبه بالظبط.
كادت أن تكمل كلامها، ولكن علمت بأنها الآن يجب أن تنهي حديثها معه.
نظرت له تتأمله، قليلاً، فوجدته وكأنه يصارع شخص بداخله، فنهضت من مكانها بعد أن غطت جسدها العاري، وهي تعلم تماماً، أن قربهم من بعض هذا ليس سوى اكتمال أرواح تحتاج إلى الاحتواء لتعوض ما بداخلها من نقص يريد أن يكتمل.
***
جلست على أحد الطاولات في ذلك المكان المخصص لاستراحة العمل.
وبعد لحظات قامت لتجلب بعض المشروبات.
مريم بابتسامة: مشروب كل يوم يا عم حسن.
حسن بطيبة: من عنيا يا أستاذة مريم.
ابتسمت له بابتسامتها المعتادة، فهو يذكرها بوالدها، نفس الطيبة التي كانت تراه في عينيه وملامحه.
أخذت طلبها، ليست مدركة بما أمامها، وبدون قصد صدمت به.
ادهم: ابقي خدي بالك يا آنسة.
ثم انصرف وتركها دون أن ينتظر أن يسمع اعتذارها.
هبة بضحك: كنتي هتكبي العصير على رئيس مجلس الإدارة.
مريم بدهشة: هو ده صاحب الشركة؟
هبة بضحك: بقالك شهر، وكل ده ومتعرفيش إن ادهم عزت هو الكل في الكل هنا؟
مريم بتعجب: طب واستاذ اياد، واستاذ احمد؟
هبة: دول أعضاء مجلس الإدارة، بس طبعاً ليهم أسهم في الشركة غير إن بشمهندس اياد يبقى أخوه الصغير.
مريم: عشان كده ديماً كنت بشوفه في كل الاجتماعات وهو اللي بيديهم الأوامر.
هبة بضحك: وبعقلك كده يا فالحة، ما دام هو اللي بيدي الأوامر يبقى مين بقي صاحب الشركة؟ يابنتي ادهم ده هو اللي ماسك كل حاجة، عقله يوزن بلد، وميعرفش أخوه في الشغل.
ثم بدأت تتناول مشروبها وهي تقول: "حتى لو بشمهندس اياد، بس بصراحة غيره خالص."
مريم بتساؤل: غيره إزاي يعني؟
ولكن قطع حديثهم، نهوض الموظفين للذهاب لعملهم، بعد أن انته وقت الراحة.
***
"كنتي فين يا مريم، وفين الملف اللي طلبته منك؟"
مريم: أسفة يا فندم، أصل كنت في الاستراحة عشان ميعاد الغدا، ثواني وهجيب لحضرتك الملف.
اياد وهو يقترب منها: ممممم، وكده تاكلي من غير؟
مريم بحدة: افندم؟
اياد بضحك: إيه يا مريم، هو انتي مالك جد أوي، مش معقول وصلنا للسنة 2014 وفي بنات بالشكل ده.
ثم قال باستهزاء: انتي جاية منين يا مريم؟
نظرت له لبعض اللحظات لترى ضحكاته وهو يحتقرها، وقالت بأسى:
"عن إذن حضرتك."
ثم ذهبت، وهو ما زالت أنظاره عالقة بها، وقد تبدلت ضحكاته لسكون تام.
"وأنا إيه اللي عملته ده، عشان أتريق عليها كده وأضحك؟"
خرجت سريعاً من أمامه، ودموعها تكاد توشك على الهبوط.
كادت أن تصطدم به ثانية ولكنها تراجعت.
رفعت وجهها الذي كانت تخفضه لتري ممن سوف تعتذر، فصدمت عندما رأته.
نظر لها قليلاً، يتأمل عيونها المليئة بالدموع، ثم ابتعد عنها وهو يعلم بأن قد حدث شيء بينها وبين أخاه.
دخل إليه، وجده يهندم من ملابسه ليهم بالخروج من مكتبه.
وبعد أن ألقى عليه ما أراد منه بشأن شاهي، التف لينصرف، ثم عاود النظر إليه ثانية وهو يقول بصرامة:
"عقل شوية، وبلاش تلعب على حد من الموظفين، مفهوم؟"
اياد بابتسامة: "ديماً ظالمني."
ادهم: "أتمنى ذلك."
ثم تركه وانصرف.
أما هو أخذ يحدث نفسه بشأنها:
"ياترى يا مريم انتي غيرهم ولا مع الوقت هتبقي زيهم؟"
***
"مالك يا مريم، هو بشمهندس اياد زعلك؟"
مريم بتساؤل: "هو أنا لبسي مش كويس يا هبة؟"
هبة بابتسامة: "من ناحية إيه مش كويس؟"
ثم بدأت تفهم هبة ما تقصده.
هبة: "ممممم، يمكن انتي مش متحررة زينا كده، يعني أنا مثلاً محجبة بس ممكن أعمل لفات حجابي على الموضة، أحط ميك اب، ألبس ملابس ضيقة شوية وبرضه على موضة، يعني تحرر بس مش زيهم يعني."
نظرت لها مريم باستغراب: "مش زي مين؟"
هبة بضحك: "مريم، هو انتي قولتيلي خريجة كلية إيه؟ اللي يسمع أسئلتك ميقولش إنك خريجة جامعة ومرت عليكي كل أنواع البنات."
مريم: "أنا في الجامعة مكنش ليا اختلاط أوي بحد غير رنا ما انتي عارفاها بنت أستاذ هاشم، كان كل اللي يهمني دراستي."
هبة بتفهم: "هو قالك إيه؟"
مريم وبدأت تتذكر نظراته وضحكته التي يشع منها نظرة الاستهزاء.
وبعد لحظات:
هبة: "بصي يا مريم، سيبك من الوسط ده، مالكيش دعوة بنظراتهم ليكي ولا حتى كلامهم، لأنك هتسمعي كتير من كلامهم وهتشوفي نظرات استغراب وكأنك انتي من عالم وهما من عالم تاني خالص. أنا كنت زيك كده لبسي واسع وماليش في الموضة والكلام ده، صح بلبس لبس متناسق وحلو بس كنت ملتزمة باللبس المفروض تلبسه أي بنت محجبة، بس للأسف فضلت أشوف دي لبست إيه ودي عاملة إيه، ودي بتلفت الانتباه إزاي، لحد لما انتي شايفه أه."
وقالت بابتسامة: "بس يعني لبسي مش وحش أوي، بس مبقتش هبة بتاعت زمان."
مريم بابتسامة: "ربنا يهدينا جميعاً، متشكرة أوي يا هبة على كلامك، بجد انتي ونعمة الصديقة."
هبة بطيبة: "انتي اللي طيبة يا مريم عشان كده بتشوفي الناس كلها كويسة."
"ويلا بقى عشان نلحق نجيب الحاجات اللي عايزة تشتريها."
"انتي صحيح هتشتري اللعب والهدوم الأطفال دي لمين؟"
مريم بابتسامة: "هبقى أقولك بعدين."
***
جلسوا يتناولون طعام العشاء سوياً.
ادهم بابتسامة: "إيه يا اياد مالك سرحان، أكيد بتفكر في شاهي؟"
نظرت له شاهي بخجل، ولم تتحدث.
اياد بارتباك: "آه أكيد."
اسعد بابتسامة: "إيه يا ولاد، مش ناويين تحددوا ميعاد الفرح ولا إيه؟"
ادهم بابتسامة: "أنا عن نفسي جهزتلهم الفيلة اللي هيعيشوا فيها، بس يقرروا بس."
اياد وهو ينظر لشاهي: "أنا بقول نستنى شوية، ولا إيه يا شاهي؟"
نظرت له بارتباك وقالت: "اللي تشوفه."
سعد بضحك: "يعني نطلع منها إحنا."
ادهم بضحك: "أظاهر كده."
ثم نظر لأخاه يتأمله، فوجده شارداً.
اسعد بتساؤل: "أومال فين عزت باشا؟ أنا سمعت إنه سافر فرنسا، خير، راح سياحة ولا إيه؟"
ادهم بتهكم: "أه فعلاً سياحة."
ثم عاود النظر لأخاه ثانياً وهو يحدث نفسه: "ياترى فيك إيه يا اياد؟"
"مريم، أنا آسف."
وقفت ساكنة لبعض الوقت، وكادت أن تهم بالخروج، ولكن استوقفه صوته ثانية.
يتبع بإذن الله.
رواية قلوب تائهة الفصل السابع 7 - بقلم سهام صادق
ابتسمت له كأنه تعبير عن قبولها لاعتذاره، ثم تركته وانصرفت.
كانت نظراتها عالقة بذهنه، ثم تنهد بابتسامة وهو يحدث نفسه:
"مريم مش زيهم يا أياد، اعقل."
ثم بدأ يتابع عمله وهو شارد بتلك النظرة الحانية.
***
ومثل كل يوم، تجلس على فراشها للحظات تتأمل حولها مملكتها الفارغة والهدوء القاتل الذي يحاوطها. شرد عقلها قليلاً بتلك الفترة الماضية وهي تتذكر ملاحظاتها القليلة معه بل والمعدودة.
ظلت تفكر به وهي تسبح في عالم الخيال، تتذكر نظراته الحادة، حديثه القوي، كل شيء فيه قد بهر عينيها برغم أنها لا تعلم ملامح وجهه بدقة. تذكرت المرات التي اصطدمت به وهي تبتسم، ولكن وقف قلبها للحظات وتصدى له عقلها ويقول: "فوقي يا مريم."
انتبهت لما كانت تفكر به وهي تحدث نفسها:
"حياتنا مش شبه بعض، لازم أفوق."
ثم ابتسمت بحزن وهي تخمد أحلامها.
***
"مش هي دي شاهي اللي صممت ترتبط بيها وكنت دايم عشان بس تكلمك."
نظر له أياد قليلاً وقال: "مش عارف يا أحمد بس حاسس إني زهقت."
أحمد بضحك: "ده العادي بتاعك يا أياد، بس تفتكر أدهم هيسكت المرة دي؟"
أياد بضيق: "طبعاً عشان الصفقات اللي بينهم هيحكم عليا بأوامره."
أحمد: "انت اللي حكمت على نفسك يا أياد، محدش ضربك على إيدك وقال لك أفضل أجري ورا شاهي وبعدين ارتبط بيها."
أياد: "منكرش إنها كانت عجباني، بس كانت وخلاص."
أحمد بفهم: "ومين بقى اللي بقت عاجباك دلوقتي؟ ما أنا مش هصدق إنك تزهق منها كده من غير ما يكون فيه واحدة تانية رسمت عليك ودخلت حياتك."
أياد بغرور: "تفتكر فيه حد يقدر يرسم عليا؟"
ثم بدأ يتذكرها وهو يقول بصوت هامس لنفسه: "بقيتي لعبتي الجديدة مريم، ولازم آخدك عشان أزهق منك ومفضلش أشغل بالي بيكي."
ثم انتبه على صوت أحمد وهو يقول: "إزيك يا شاهي."
***
جلس يتأملها قليلاً، وبصوت هادئ:
"هتيجي معايا شرم يومين، إيه رأيك؟"
نظرت له بسعادة وهي تحتضنه: "بجد يا أدهم؟"
أدهم بضحك: "بجد."
صافي بسعادة: "طب وإيه سبب الفسحة المفاجأة دي؟"
أدهم بهدوء: "حاسس إني عايز أهرب من الشغل شوية ومن المشاكل."
صافي بحنان: "يعني انت عايزني معاك؟"
أدهم بابتسامة: "تفتكري إيه؟"
صافي بتنهد: "أنا أي مكان انت فيه بتمنى أكون معاك، انت متعرفش قد إيه بكون سعيدة بوجودك حتى لو هكتفي إني أبصلك بس من بعيد."
اقترب منها بحنان وأخذ وجهها بين كفيه وهو يقول: "أنا جنبك أه يا صافي."
***
أخذ يلقي عليها بعض الأوامر، وبعد أن انتهى، استأذنت منه لتتابع عملها.
نهض من مكانه ووقف أمامها وهو يقول: "بمناسبة حفلة عيد ميلادي، أنا عزماك يا مريم، ياريت تقبلي دعوتي يعني كأصدقاء."
كان يقول هذا وهو يعلم أنها ستوافق، وكيف ترفض طلبه، وكثير منهن يتمنين نظرة منه فقط وليس دعوة.
ابتعدت عنه، وقبل أن تغادر:
"آسفة يا فندم، أنا جاية أشتغل هنا وبس، بس ممكن أقدر أقولك كل سنة وانت طيب.. عن إذنك."
ظل واقفاً قليلاً وهو ينفث غضبه بأنفاسه التي تكاد أن تحرق غروره وهو يقول: "لسه الأيام بينا يا مريم."
***
كانت تنتظر أن ترى قدومه مثل كل يوم، ولكن هذا اليوم قد خيب ظنها. وقفت تتطلع لبعض الوقت ناحية الطرقة المؤدية لمكتبه، ولكن في النهاية التفتت بظهرها لتتابع عملها.
استوقفها صوته وهو ينده عليها بصوت حاد:
"حصليني على مكتبي يا مريم."
تنهدت قليلاً ثم أتبعته وهي تمسك أحد الملفات في يدها.
جلس على كرسيه يحاول أن يكون صارماً حتى لو للحظات قليلة لكي تنجح خطته كما أراد. انتظر قدومها وعندما رآها نظر في بعض الأوراق التي أمامه، وبعد لحظات:
"إيه ده يا أستاذة، كل الحسابات فيها مشاكل؟ أظاهر إنك كنتي نايمة وإنتي بتراجعي الملف."
مريم بدموع: "أبداً والله يا فندم، أنا رجعت الملفات كويس أوي وحضرتك بنفسك قلت كل حاجة تمام."
كاد أن ينكشف أمره، ولكن قال بصوت جهوري: "شفت زيادة هتنزليه النهارده، ترجعي الملفات كلها وفوراً وقدامي كمان، اتفضلي."
نظرت له بصمت شديد، وقالت: "حاضر."
"بس ممكن آخد الملفات وهرجعها على مكتبي؟"
أياد بحدة مصطنعة: "اتفضلي يا آنسة، اقعدي هنا وراجعي، أنا مش فاضي للدلع ده، مفهوم؟"
***
كان يتطلع إلى المياه المتلاطمة أمامه وهو شارد.
وقفت تتأمله كعادتها، وبصوتها الحاني:
"سرحان في إيه؟"
بعد أن أفاق من شروده، وبابتسامة ساخرة:
"قولي مش سرحان في إيه."
ابتسمت له كعادتها: "هتفضل سرحان كده؟ ولا شكلك زهقت وحابب ترجع للأوامر والموظفين وشغلك؟"
أدهم بضحك: "لأ، أنا إجازة الأيام دي."
ثم نظر لها يتأملها قليلاً، وقال: "على فكرة فيه أخبار حلوة ليكي عندي."
نظرت تتطلعه وكلها لهفة من سماع تلك الخبر الذي تتمنى سماعه.
أدهم بابتسامة: "قربت أعرف مكان مازن."
***
كان يجلس طيلة الوقت يتطلع إليها ويتأملها وهي منكبة على تلك الأوراق. اقترب منها قليلاً وجلس على مقربة منها وهو يقول: "كفاية شغل لحد كده."
نظرت له بامتنان شديد، ووجهها يبدو عليه التعب وهي تقول: "اتفضل الملفات اللي اترجعت."
نظر لها بنظرة لم تفهمها، وقبل أن يفعل شيئاً تنهد قليلاً.
"اتفضلي يا مريم، تقدري تمشي."
نهضت من مكانها سريعاً واتجهت ناحية الباب، الذي لم تسمح له بإغلاقه ورحلت وهي تشعر بالتعب في كل أنحاء جسدها.
وقف ساكناً لبعض الوقت وهو يتطلع إلى تلك الأريكة التي كانت منذ ثوانٍ معدودة تجلس عليها، إلى أن قطع شروده صوت رنين هاتفه. ظل ينظر للمتصل لبعض الوقت وتنهد بملل، وأغلقه.
***
عادت إلى وحدتها، تمنت لو أنها وجدت أحداً ينتظرها ليسألها عن يومها. تذكرت قلق والدتها عليها وشعورها بتعبها. ابتسمت بحزن ثم نظرت إلى أحد المجلات التي بيدها ووضعتها بجانب سريرها، وذهبت لتؤدي صلاتها قبل أن تجلس لتقرأ بعض الأخبار عنه حتى لو كانت قديمة.
فكان فضولها يريد أن يعرف عنه الكثير. لم تعرف لماذا تفعل ذلك، ولأول مرة تشعر بأنها ذات قلب تائه مثلهم.
***
جلس ينهك نفسه بالشرب، حتى تذكر صورتها بابتسامتها الهادئة وبصافيها المعهود.
نظر للكأس الذي يمسك به وقال بسكر: "عاجباك صح؟"
ثم بدأ يضحك بصوت عالٍ.
كريم: "ارحم نفسك شوية يا ابني، ومين دي اللي عاجباك؟"
أياد بضحك: "حته بنت، بس إيه خام أوي، ولا لبسها تحس إنها مش عايشة في العصر بتاعنا."
كريم بضحك: "يعني انت اللي عايش أصلاً، وكمان ماله لبسها؟"
أياد بابتسامة: "عجبني موووت، تصدق إن بكثف أبصلها."
ثم ضحك بسخرية: "مش أنا يعني اللي بكثف، ما انت عارفني، بس عيني ما بتقدرش تبص عليها، بس أول ما عيني بتيجي عليها بلقيني ببعدها على طول ومش قادر أبص عليها."
كريم بتنهد: "انت حبيتها ولا إيه يا أياد؟"
أياد بضحك: "أنا أحب مريم؟ مش معقول."
ثم نظر لكأسه: "أنا أحب مريم."
ثم تابع الشرب.
نظر لها صديقه بمرارة، وظل يتطلع له لبعض الوقت يتفرس معالم وجهه.
***
جلست تنظر لغلاف المجلة، وقبل أن تفتح أول صفحة بها تنهدت بأسى، ثم أغلقتها وهي تقول لنفسها:
"بلاش يا مريم، ممكن تشوفي عالم تاني غير عالمك وتنصدمي في أول شخص قلبك يدقله."
اعتدلت من نومتها بأسى وقالت: "هو أنا إزاي حبيته؟ وامتى وليه؟ مع إنه عمره ما بص لي.. اشمعنا هو؟"
ثم بدأت تتذكر صرامته وحدته وابتسمت بأسى.
***
عاد من سفره، وهو لا يعلم ما ينتظره من أخبار.
جلس يسترخي قليلاً، ثم بدأ يتابع عمله، إلى أن:
هنا: "آنسة شاهي خطيبة بشمهندس أياد، مستنية تقابل حضرتك."
أدهم باعتدال: "خليها تدخل يا هنا."
نظرت له بوجه شاحب، وعندما رأى منظرها هذا، تأكد بأن قدومها هذا لأمر هام، ولكن لم يتوقع بأن يكون هذا الأمر هكذا.
شاهي بدموع: "أنا حامل يا أدهم."
نظر لها بدهشة شديدة، وبصوت متحجر، وبدون أن يشعر ظفر بضيق شديد وتنهد بقوة على فعلة أخاه.
***
كان يفكر في حيلة كي يتقرب منها أكثر. ظل يفكر في الحيلة السابقة ولكنه كان يعلم بأنها تحتاج حيلة مختلفة تماماً. تنهد بضيق شديد وقال: "بس برضه لازم تقعي يا مريم."
اقترب منها ليعطي لها كوب الماء وهو يظفر بضيق: "أياد عرف بالموضوع."
شاهي بدموع: "لأ لسه ما عرفش، لأن حضرته مابيردش على تليفوناتي، فملقتش حد أجيله غيرك."
أدهم بضيق وبمرارة: "وأسعد باشا طبعاً لسه معرفش."
شاهي ببكاء: "أرجوك يا أدهم، بابا ما يعرفش، أنا جيتلك عشان عارفة إنك الوحيد اللي ممكن تسمعني وتقف جنبي وتحل المشكلة."
أدهم بضيق: "مشكلة؟ قصدك كارثة.. أنا مش عارف هفضل لحد إمتى أستحمل استهتاره."
***
جلست تنتظر صديقتها على أحد الطاولات، وكادت أن ترحل، وجدت وجدته يجلس أمامها وبابتسامته المعهودة وهو يخلع نظارته: "مفاجأة حلوة صح."
نظرت له بضيق وتمنت لو أن هبة الآن أمامها لأوبختها بشدة على فعلتها.
التفت لترحل، وتتركه بغروره هذا.
ولكن هو كان أسرع ووقف أمامها، وهو يقول: "ماهو مش معقول انتي الوحيدة اللي عاملة فيها تقيلة، إيه فيه حد في حياتك؟ لو فيه حد قولي، ممكن أتصرف معاه."
مريم بحدة: "أظن إن ده شيء يخصني، عن إذنك."
أمسك أحد معصمها بقوة وهو يقول: "مادام أياد شوكت عايز حاجة لازم ياخدها يا حلوة."
نظرت له بدموع وهي تقول: "عشان انت اتعودت تاخد كل حاجة حتى لو مش من حقك، أو بالأصح انتوا..."
عارف إن بشفق عليك أوووي.
نظر لها بدهشة وهو يرى دموعها ويسمع حديثها.
مريم بدموع: أيوه بشفق عليك، بشفق عليك من غرورك، من حياتك. مفكرتش في يوم دي حياة اللي أنت عايشها وفرحان بيها؟ مفكرتش هتفضل طول عمرك فرحان بكده؟ مفكرتش لحظة في شبابك اللي معملتش فيه حاجة؟ مفكرتش في الحياة التانية اللي مستنياك؟ ولا دي كمان نسيتها؟ وفاكر نفسك هتفضل طول عمرك لحد ما تموت إنك أياد شوكت اللي كل حاجة لازم تبقى تحت إيديه والكل يقوله سمعاً وطاعة.
أنا بجد بشفق عليك.
ثم تركته وانصرفت. وهو ظل واقفا تائها يتطلع إليها. ولأول مرة يشعر بأنه حقا يجب أن يشفق أولاً على نفسه.
لم يقطع شروده هذا سوى رنات هاتفه المستمرة.
نظر للمتصل بضيق وهو يقول: أيوه يا أدهم.
جلس أمامه وهو يتطلع إليه ويرى علامات وجهه غير المبشرة بشيء.
تنهد بتساؤل وهو يقول: في إيه يا أدهم؟
أدهم بحدة: في إيه؟ بتسألني في إيه؟ ويا ترى ما فيش إيه عملته يا أستاذ؟ أنا هفضل لحد امتى أصلح وراك؟ بس المرادي أنت اللي لازم تصلح غلطك، لأنك خلاص المفروض هتبقى أب.
أياد بصدمة: أب؟
أدهم بتهكم: شاهي حامل يا أستاذ.
نظر له أياد بصدمة، ثم وضع رأسه بين إحدى كفيه. ونظر لأخاه بضيق.
أدهم: أنا حددت ميعاد الفرح. الفرح بعد أسبوع.
أياد بصدمة: أسبوع؟ ثم قال بضيق: بس أنا مش هتجوز يا أدهم، وشاهي هتنزل الطفل.
نظر له أدهم بضيق. وقبل أن يرد كان أياد يغادر المكان، بل والشركة بأكملها.
كانت تعلم أن نظراته تلك ليست سوى رغبة فيها. رغبة في لعبة لم ير مثلها من قبل. لعبة أراد أن يستمتع بها قليلاً. تنهدت بأسى لما يحدث لها. نظرت إلى إحدى المجلات لتتأمل وجهه، ولكن سريعاً ما أخذتها وأخفتها كي لا تحطم قلبها بأحلام وهمية.
قضى معظم ليلته يهرب من واقع ينتظره. كان يلتقي بكأس يلو الآخر وهو لا يعلم لماذا أصبحت الآن شاهي مجرد لعبة قد انتهت صلاحيتها. بعد أن كان يرغب بها وبشدة.
تنهد قليلاً بأسى وهو يتذكر كلامها الأخير. ثم قذف بالكأس الذي يمسكه وهو يقول: اطلعي من دماغي بقي.
نظرت لها بعتاب شديد. وقبل أن تذهب من أمامها.
هبة برجاء: والله يا مريم، هو اللي أصر عليا. قالي عايزك ضروري. سامحيني.
مريم بطيبة: خلاص يا هبة، حصل خير.
هبة بابتسامة: ماشي يا ستي. بس مالك شكلك منمتيش؟ والنهاردة في اجتماع ولازم تكوني فايقة. لأن أدهم بيه رجع من سفره وطلب من أعضاء مجلس الإدارة كلهم يجتمعوا.
وبدون أن تشعر... وجدت قلبها يبتسم قبل شفتيها. ابتسمت بأسى. ثم قالت:
أكيد بشمهندس أياد وصل.
هبة بضيق: آه وصل. ومش طايق حد.
مريم بتنهد وهي تستجمع قواها لأمر تحويلها من إدارته: طيب أنا هدخله.
كان يفرك في عينيه. كان يبدو عليه الإرهاق الشديد.
نطقت اسمه بهدوء وهي تقول: أنا عايزة أتنقل لقسم تاني.
نظر لها بضيق شديد ولأول مرة لا يتطلع لوجهها: إحنا في شركة هنا مش بنلعب يا آنسة. اتفضلي جهزي نفسك عشان الاجتماع بعد ربع ساعة.
ألقى عليها كلماته هذه. وفي لمح البصر لم يجدها أمامه. تنهد بضيق شديد وهو يقول: أنا إيه اللي بيحصلي ده؟ حاسس إني بقيت ضايع.
كان يتطلع إلى إحدى الصور التي أمامه. تنهد بضيق شديد من تصرفات أخيه. وأخذ يتذكر تلك الوجه وقد عرفه تماماً.
كان أحد المصورين لجريدة ما يجلس في تلك المكان نفسه الذي تقابله فيه. ولحسن الحظ قبل أن تنشر تلك الصور التي تجمع بينهم وهم سويا. كان رئيس المجلة صديقاً له فأخبره بشأن الصور. تنهد بإرهاق شديد وكيف لا يشعر بالإرهاق وكل شيء على عاتقه. نهض من على كرسيه ثم غادر مكتبه ليذهب لغرفة الاجتماعات.
خطوات قليلة كانت تفصلهم وأفكار كثيرة تدور. وقفت لتستمع لما يطلبه منها.
أما هو كان يتطلع إليهم. ويتأمل نظراتهم.
كانت نظراته لها. ولأول مرة يشعر بهدوء أخاه ونظراته المتعبة التائهة التي تحمل شوقاً كثيراً.
أما هي تطلعت لوجهها وهيئتها. وهو لا يعلم كيف أخاه أعجب بها. فهو يعرف طبيعة أخاه أكثر من نفسه. ولكنه كان متأكداً أنها ليست سوى فتاة عابرة بالنسبة له. ولكن وجودها هذا بجانب أخاه سيزيد الأمر تعقيداً.
تنهد بضيق شديد. وقبل أن ترفع عينيها لتري تلك الوجه الجامد كان قد أشاح بوجهه وبدأ يفكر كيف ستتم تلك الزيجة بدون تهور من أخيه.
رواية قلوب تائهة الفصل الثامن 8 - بقلم سهام صادق
مشاعر مختلفة وأفكار هائجة، أحلام جميلة، وقلب لا يعرف سوى الحب، وابتسامة صافية. وقلب آخر لا يعرف سوى القسوة، أو بالأصح، لا ينبت بداخله سوى ذكريات أليمة جعلته تائهاً في عالم لا يعرف الحب. وآخر تائه لا يعرف ماذا يريد.
جلس بهيبته المعتادة. وبعد نظرة طويلة، قال:
"أنا اتفقت على ميعاد الفرح مع أسعد باشا، وحددنا كل حاجة."
أياد بضيق:
"والمفروض أنا أقول سمعاً وطاعة، صح؟"
أدهم بحدة:
"أنت اللي غلطت، ولازم تصلح غلطتك. أنا مش مستعد أخسر صفقات بملايين عشان طيشك يا أستاذ."
أياد:
"أهم حاجة عندك الشغل والفلوس؟ مبتفكرش في غيرهم."
أدهم بضحك:
"ما هي الصفقات والشغل اللي مبفكرش في غيرهم دول يا أستاذ، هم اللي مخلينك أياد باشا، ولا فاكر إيه؟"
ثم أطلق زفرة قوية، لعله يرتاح قليلاً.
"وتفتكر لما اتجوز شاهي، كده هترتاح؟"
أدهم بحدة:
"فكر في الطفل اللي جاي، وافتكر إن محدش ضربك على إيدك إنك تعمل علاقة مع شاهي وبعدين تقول خلاص زهقت."
وقبل أن يدور حديث بينهم آخر، تركه ورحل وهو لا يشعر بشيء.
أدهم بضيق:
"هنا، ابعتيلي أحمد."
...
كانت كلمات أخاه تكاد أن تعصف به. ركب سيارته وكاد أن يتحرك بها، ولكن نظره استوقفه وهو يراها تبتسم لأحد صديقاتها وهي تودعها. إلى أن وقفت إحدى السيارات الفاخرة وفتح لها السائق الباب بعد أن ابتسمت له. كان فضوله يسيطر عليه. لم يدري بنفسه إلا عندما رآها تدخل أحد المنازل الفاخرة ويقابلها رجل يبدو عليه في منتصف الثلاثينات، وعلى وجهه ابتسامة راقية.
أخذ يتطلع عليها، والفضول يكاد أن يقتله. فكيف لفتاة مثلها قد خدعته ببرائتها هذه؟ ظفر بضيق شديد وبدأ يبتسم بسخرية.
وبعد ساعة تقريباً، وجدها تخرج من تلك الفيلا ونفس الرجل يودعها وهو يطلب من سائقه أن يوصلها إلى حيث ما تريد.
تتبعها بنظره باحتقار شديد وهي تغادر. ثم خرج من سيارته ووقف أمام الحارس وهو يسأل عن شيء، حتى أن جاء بالحديث.
الحارس:
"ده جلال بيه، لسه واصل من بره بقاله شهرين. عايش هو وابنه عنده خمس سنين بس مش بسمع ولا بيتكلم، مولود كده."
أياد يسأل:
"والآنسة اللي كانت خارجة من هنا دي تقربلهم؟ أصل بشبه عليها."
الحارس بطيبة:
"آه آنسة مريم، البيه الصغير أصله بيحبها ومرتبط بيها من ساعة ما تاه في يوم ورجعته. ياااه متفكرنيش يا أستاذ، ده كان يوم جلال بيه كان هيقلب الدنيا، ما ابنه عنده حق. ثم تابع في حديثه: بس شكلها بنت طيبة وغلبانة والله، يوميها فاكر جلال بيه عرض عليها فلوس بس هي رفضت. ولما لقي ابنه متمسك بيها، عرض عليها يوم إجازتها إنه تيجي تشتغل هنا تخلي بالها منه وترعاه. بس النهارده الولد تعب وفضل يعيط، فمكنش فيه غيرها عشان يرضي يسكت."
ثم انتبه الحارس لثرثرته الكثيرة مع هذا الغريب وقال:
"هو أنت يا أستاذ قريب الآنسة ولا إيه؟"
أياد بشرود:
"آه. متشكر أوي يا..."
الحارس:
"محمود يا بيه."
نظر له أياد مبتسماً وانصرف، وبداخله أسئلة كثيرة تحاوطه. ولكن ما قرر فعله أنه سيتركها بشأنها، فملاك مثلها لا يستحق إلا لشخص مثله.
تنهد بأسى وهو ينظر إلى وجهه من مرآة سيارته، وانصرف.
...
نظرت إلى ذلك الوجه الذي تعرفه تماماً. لم تصدق أنه الآن قد تذكر أن لديه ابنة أخ. تطلعت إلى وجهه وهي لا تعلم لماذا قد تذكرها الآن وجاء لزيارتها.
منصور:
"إيه يا بنت أخوي؟ مش هتقولي لعمك اتفضل؟"
مريم بابتسامة:
"اتفضل يا عم."
أخذ يتطلع إلى البيت الذي تقطنه بمفردها وقال:
"الله يرحمك يا خوي."
مريم بحزن:
"تحب تشرب إيه؟"
منصور بابتسامة:
"متتعبيش نفسك يابنت أخوي. ثم التف إليها وقال: هنقعد فين؟"
مريم:
"اتفضل يا عم. هو في حاجة حصلت؟"
منصور:
"تعالي يا مريم يا بنتي. ثم بدأ يتطلع إليها بنظرة لما تفهم معناها إلا عندما..."
وقال:
"كبرتي يا مريم وبقيتي عروسة."
نظرت إليه بدون فهم، ولم تتحدث إلى أن تابع حديثه وقال:
"بس قريب هفرح بيكي يابنت أخويا."
...
لم يدرك بنفسه إلا وهو يلقي التحية على أحد الغفر وهو يقول: افتح الباب يا صالح.
نظر له الغفير بتثاؤب، وعندما أدرك من أمامه، أفاق سريعاً.
وهو يقول:
"نورت المزرعة يا أياد بيه."
دخل بسيارته، وكأنه يريد أن يهرب تلك الأيام من كل شيء.
حتى يفيق من هذه الغيبوبة التي أصبح يعيش بها منذ أن دخلت عالمه في تلك المدة القصيرة.
نظر إلى حارس المزرعة، وبعد أن ألقى عليه بعض الأوامر.
ترجل إلى الداخل، لعله يجد في هذا المكان راحة حتى لو قليلاً.
...
كانت دموعها تنثاب وهي تتذكر كلمات عمها بعد أن رفضت تلك الزيجة، وكيف ستوافق على هذه الزيجة وهي لا تعرف شيئاً ولا تعي شيئاً عن هذا الرجل الذي تقدم لخطبتها. وكيف سيتقدم لخطبتها وهي لا تعرفه؟ ولكن عمها متمسك بشدة، كأنه يريد أن يتخلص من عبئها تحت مسمى ابنة أخاه.
تذكرت كلمته الأخيرة وهو يقول:
"ما أنا مش هستنى لحد ما تجيبيلي العار وأنتي عايشة هنا من غير راجل. وديري على حل شعرك."
مسحت دموعها سريعاً عندما سمعت دقات الباب على غرفتها وهو يقول:
"يلا يا مريم المأذون وصل."
كادت أن تخرج من الغرفة وتصرخ في وجههم جميعاً. ولكن ماذا ستقول؟ فإذا رفضت، فحتماً سوف لا تلقي بمصيرها إلا أن تذهب مع عمها لبلدتهم، وكما قال لها:
"هجعلك خادمة لي، ولن تتزوجي سوا ابني بكر."
بكر، الذي يكبرها بـ 25 عاماً. تنهدت بحسرة لما يحدث لها. انتبهت لصوته ثانية وهو يقول:
"يلا يا مريم."
خرجت من غرفتها وهي تتطلع إلى ذلك الوجه. يا لهم من وجوه كثيرة قد رأيتها في تلك الأيام. وجه جامد قد صدمتها في ذلك العالم الذي كانت تعتقده مثل نقاء قلبها. انثابت دموعها وهي تتذكره، فالآن سوف ينتهي حلمها الذي كانت تكتفي برؤيته فقط. لم تحلم سوى أن تسمع صوته هذا الحاد وترى تلك الوجهة الجامد. ولكن كأن الله أراد أن يخلصها من هذا الحلم الذي تعلم حتماً نهايته.
منصور بصوت منخفض:
"حسك عينك تعملي أي حاجة، ولا أنتِ عارفة يابنت أخويا. ثم ابتسم لها ابتسامته المصطنعة وهو يقول: هو أنا عندي أعز منك يابنت أخوي؟ بكرة تعرفي إني عملت كده عشان أحافظ عليكي مع راجل يصونك."
...
الآن قد شعرت بغبائها. فهو لم يحبها، بل كانت كما يقولون لها بأنها لعبته الجديدة.
تذكرت غرورها وهي تقول:
"مش مع شاهي أسعد."
لم يحطم غرورها هذا سواها هي فقط، وكأن الغرور لا يحطمه سوى صانعه. تنهدت بأسى وهي تتذكر حفلة زفافها الذي سيتم بعد يومين، وأين هو من كل ذلك.
...
نظرت لتلك الوجهة الذي يتطلعها، وهي تعلمه تماماً. ظلت تحدق فيه لعلها تستيقظ من هذا الحلم، ولكن لم تجد سوى أن حلمها واقع أمامها يتجسد الآن.
نظر لها مبتسماً وهو يقول:
"إزيك يا مريم؟"
تأملته للحظات للتأكد بأن هذا الصوت هو صوته. ظلت تتطلع إليه.
إلى أن قطع شرودها صوت عمها وهو يقول مبتسماً:
"هسيبكم مع بعض يا أدهم باشا، عشان تتكلموا."
ثم استأذن منه وهو يبتسم.
أدهم بابتسامة:
"مالك يا مريم؟ واقفة ليه؟ ولا أنتِ اتفاجئتي؟"
ثم عاد ليحدثها ثانية، وهو يقول:
"أنتي تعبانة؟ أجيب لك دكتور؟"
ثم اقترب منها قليلاً، بعد أن يأس من سماع صوتها.
وقال:
"مريم، انتي سمعاني؟"
رفعت رأسها قليلاً، لعلها ترى وجهه عن قرب وتتأكد أن الذي أمامه هو، وليس شخصاً صنعه عقلها الباطل.
ثم قالت بصوت ضعيف:
"أستاذ أدهم، أنت بتعمل إيه هنا؟ هو أنت تعرف عمي؟"
أدهم بخبث:
"آه أعرفه. أستاذ منصور عم مراتي."
نظرت له لعلها تدرك أن ما سمعته منذ قليل ليس سوى تفوهات يصنعها عقلها.
ابتسم لها عندما رأى مدى ارتباكها. علم أنها ليست سوى فتاة عادية لغاية. شعر بالذنب قليلاً تجاهها. ولكن شعوره هذا قتله سريعاً. ثم قال بصوت حانٍ:
"إيه يا مريم؟ مفاجأة وحشة إنك عرفتي إني العريس."
نظرت له قليلاً، ثم قالت:
"العريس؟"
أدهم بابتسامة وهو يدير وجهه ليصبح ظهره أمامها، ثم تنهد قليلاً وقال:
"أنا بحبك يا مريم، من أول مرة شوفتك فيها. من أول مرة جيتي الشركة وكنتي هتقعي ومسكتك بين إيديا. بس مكنتش فاكر إني هشوفك تاني. بس حظي كان حلو وشوفتك تاني وعرفت إنك بتشتغلي في شركتي. بس مقدرتش أستحمل أكتر من كده وأنا بشوفك كل يوم قدامي وأنتي بعيدة عني."
كانت تسمع كلماته وهي لا تصدق ما تسمعه أذنيها. هل كان حقاً يحبها مثلما أحبته بدون أن تشعر؟ ولكن كيف وهو دائماً لم يشعرها بأي شيء يجعلها تتأكد من حبه.
كان يعلم ما يدور بداخلها. وقبل أن يجعلها تفكر وتسأل عن شيء قال:
"عارف إني محسستكيش ولو للحظة بحبي ليكي، وديما شيفاني أدهم الصارم اللي الكل بيخاف منه وبيعمله ألف حساب. بس كان غصب عني يا حبيبتي، كنت خايف تضيعي مني."
ثم التف إليها، فوجدها تتطلع إليه في صمت ودموعها تنثاب على وجنتيها. اقترب منها قليلاً وكاد أن يمد يده ليمسح دموعها، ولكن...
منصور:
"مش كفاية كده يا أدهم باشا، عشان نكتب الكتاب واه هتكون مراتك وتقولها كل اللي نفسك فيه وهتبقي معاك طول العمر."
نظر له أدهم مبتسماً، ثم عاود النظر إليها وذهب مع عمها لتتم تلك الزيجة المخادعة.
وقف يتأمل تلك الخضرة وهو شارد بأفكار كثيرة تدور بخاطره. لم يشعر بشيء سوى تلك اليد التي تربت على أحد كتفيه.
"في واحد فرحه بكرة وسايب عروسته."
تنهد أياد: "انت عرفت مكاني إزاي؟" ثم ابتسم بسخرية وهو يقول: "مافيش حاجة بتخفى على أدهم باشا."
"أدهم بيحبك يا أياد وخايف عليك حتى من نفسك."
قال أياد بسخرية: "عارف إن أدهم بيحبني، بس حب بامتلاك. عايز كل حاجة تبقى تحت إيده هو وبس، حتى أنا."
تساءل أحمد: "كريم قالي على كل حاجة. مش معقول أنت حبيت مريم؟"
ابتسم أياد وهو يلتف بوجهه بعيداً عنه: "تفتكر إن واحد زيه كل همه يسهر ويشرب ويقضي سهره مع دي ويصاحب دي، يحب واحدة زي مريم؟ مريم أطهر وأجمل مخلوقة شوفتها، عشان كده واحد زي أنا مينفعش يحبها."
تنهد أحمد: "يبقى حبيتها فعلاً."
"مش عارف يا أحمد، ولا فاهم حاجة، ولا بقيت عارف إيه اللي بيحصلي."
"بكرة ترجع أياد بتاع زمان. آه هتسافر انت وشاهي تقضوا شهر العسل." ثم تابع كلامه بابتسامة: "وأكيد هتتبسطوا."
نظر له أياد طويلاً: "أتبسط، مفتكرش."
لم تشعر بنفسها سوى وهي تسمع كلمة "قابلت زوجها"، ووجه عمها يبتسم وهو يقول: "مبروك يا أدهم يا ابني، قصدي يا أدهم باشا."
نظر له أدهم مبتسماً وقال: "إحنا أهل دلوقتي يا عم منصور، شيل الألقاب دي."
قال منصور بابتسامة واسعة: "ده العشم يا أدهم يا ابني." ثم اقترب من إحدى أذنيه وقال: "أوعى تنسى اللي اتفقنا عليه."
نظر له أدهم بسخرية وقال: "لأ، متخافش. المحامي هيكون عندك بكرة عشان تستلم أوراق الأرض."
قال منصور بصوت عالٍ: "تعالي يا مريم، قربي من جوزك. متتكسفيش يا بنتي."
نظر لها يتطلع إليها وقال: "جهزي نفسك عشان هتيجي معايا."
وكأنها الآن بدأت تفيق من كل هذا: "أجي معاك فين؟"
كاد أن يرد عليها ولكن صوت عمها كان الأسبق.
"هتروحي مع جوزك يا بنتي، يلا روحي جهزي نفسك."
وقفت للحظات قليلة وهي لا تفهم شيئاً. وكيف ستفهم شيئاً وكل شيء حدث وكأنها كانت تحلم واستيقظت الآن من الحلم.
تمنت لو كان حلماً حقاً وتستيقظ منه الآن، ولكن...
قال منصور: "يلا يا مريم يا بنتي، مش عايزين نعطل أدهم بيه أكتر من كده."
ثم قال: "خلي بالك منها يا أدهم، مريم دي زي ولادي."
نظر له بسخرية وهو يرى ذلك العم الذي باع ابنة أخيه من أجل المال، دون أن يعلم سبب هذه الزيجة، وكأنه يبيع قطعة أثاث بالية، ليس ابنة أخيه.
رواية قلوب تائهة الفصل التاسع 9 - بقلم سهام صادق
أحست بأن خطواتها أصبحت تتباطئ،
لم تشعر بنفسها سوى وهو يمد يده ليمسك أحد أيديها ويقول:
يلا يا مريم وصلنا.
نظرت إليه وهي تتأمل تلك المكان،
فكان مكان هادئ للغاية يدل على رقي أصحابه،
نزلت من سيارته وهي تقف تتطلع إلى تلك البناية التي أمامها.
أدهم:
هتفضلي واقفة كتير.
نظرت إليه ثانية،
وكأن أعينها ما زالت لا تصدق أن هذا الشخص الذي يحادثها ويقف بجانبها ليس سواها،
انتبهت على صوته وهو يقول:
مريم.
ثم عاد إليها ثانية ليمسك أحد أيديها ليأخذها إلى مصير لا تعلم عنه شيء.
كانت مثل التائية لا تعرف شيء،
وكأنها قد أصيبت بغيبوبة أفقدتها كل حواسها،
وجدت نفسها تقف بجانبه وهو يدخلها تلك الشقة ويفتح بيده أحد الأنوار،
لتتطلع إليه وتتأمل تلك المملكة الجميلة التي ستعيش فيها معه.
نظرت إليه لتتأمل معالم وجهه وهي تقول:
احنا هنعيش هنا.
أدهم بهدوء:
دي شقتك يا مريم، هتعيشي فيها،
ثم تنهد قليلاً وقال:
وانا هكون هنا مجرد ضيف مش أكتر.
مريم بتسأل:
مش فاهمة ضيف إزاي.
أدهم:
مش مهم تفهمي يا مريم، المهم دلوقتي عجبتك الشقة.
مريم بأرتباك:
آه جميلة.
أدهم:
كل حاجة هتلاقيها عندك،
ولو احتاجتي حاجة كلمي الأمن أو البواب وهما هيجيبوهالك،
ثم أشار على أحد الهواتف وقال:
دوسي على الزر ده واطلبي منهم اللي تحتاجيه.
وكاد ليلف بظهره ليغادر، ولكن
مريم:
هو أنت هتمشي.
أدهم:
في حاجة عايزاها تاني.
نظرت له بخجل شديد،
فقد كانت تريد أن تقول له لا تتركيني وحيدة ابقى معي ولكنها أخفضت رأسها بحزن وهي تقول:
لا شكرا.
نظر لها ليتأملها قليلاً،
ثم تركها وذهب وهو يعلم أنها الوحيدة من ظُلمت في تلك اللعبة المخادعة.
نظرت تتأمل الفراغ الذي تركه،
وبدون أن تشعر فرت دمعة من عينيها وكأن الدموع أصبحت تشفق على صاحبتها لتبكي معها على حالها،
وقفت تتطلع إلى تلك الشقة وهي تقول:
برضو هفضل لوحدي.
.................................................. ...........
ذهب إلى قصره الفخم،
وهو يتذكرها عندما تركها بمفردها ونظراتها الحزينة التي ما زالت عالقة به،
تنهد بضيق شديد وهو يخلع سترته،
وامتد على فراشه بعد أن أشاح بربطة عنقه التي تخنقه وبالأصح ضميره هو الذي يخنقه.
شرد قليلاً وهو يتذكر!!
انت هترفدها من الشركة يا أدهم.
أدهم بضيق:
انت عارف أني مبحبش أظلم حد بسبب حد تاني،
بس أنا هكتفي أني نقلها من هنا.
أحمد وبدون قصد:
وتفتكر إياد هيسكت لو عرف.
أدهم بحدة:
مجرد وقت وهينساها،
انت فاكر أن إياد بتعجبه النوعية دي،
ثم قال بسخرية:
هي بس عجبته شوية وقال ما أجرب العب بيها وبعدين لما أزهق أرميها.
ثم قال بضيق:
إياد أخويا وأنا أكتر واحد عرفه.
أحمد بتنهد:
بس هي إيه ذنبها من ده كله،
هي متعرفش أصلاً حاجة.
أدهم بضيق:
المهم دلوقتي يا أحمد،
تشوف الاستاذ مختفي فين،
خايف يتهور ويعمل حاجة قبل الفرح أنا مش ناقص مشاكل ولا وجع دماغ.
قبل أن ينصرف أحمد،
نظر له طويلاً يتأمل معالم وجهه،
ثم غادر ليتابع أعماله.
نظر لبعض الأوراق التي أمامه،
ولأول مرة يشعر بعدم رغبته في مواصلة عمله الذي بات يعشقه..
نهض من على كرسيه ووقف أمام تلك النافذة التي تطل على الخارج،
كان بصره يحلق لأعلى وهو سارح في أفكار كثيرة،
ثم بدأ بصره يجول لأسفل بدون هدى وكاد أن يلتفت ليكمل متابعة عمله...
إلى أن رآها ظل يتطلع لها كثيرة ولاول مرة ينظر لها هكذا وبالأصح لاول مرة يتطلع إلى امرأة بتلك النظرة،
نظرة ليس كما اعتاد عليها،
نظرت قد نساها منذ زمن...
وجدها تهبط بمستواها إلى تلك الطفلة الصغيرة وهي تمد لها يدها بهذه العلبة،
كانت تمسح على وجهها بحنان وكأنها تملك حنان العالم بأجمعه،
نظر لها بتأمل شديد وكأن عينيه لأول مرة تبصر بتلك المنظر،
ياله من مشهد جميل مشهد العطاء وإحساسك بالغير،
كم كانت جميلة تلك القبلة الحانية التي أسقطتها على خد تلك الطفلة وتلك الرحمة التي بعثت شعاعاً جميلاً وكأن هذا الشعاع أراد أن يوصل لمقصده إلى ذلك القلب الذي فقده منذ زمن بعيد قد أبدله بقلب قاسي لا يشعر،
رأى ابتسامتها الحانية وهي تودعها بعدما أخرجت من حقيبتها بعض النقود لتعطيها لها،
كانت نظرتها لها ليست مجرد مساعدة يقدمها شخص لشخص لسبيل الواجب،
إنما محتاجاً يعطي محتاجاً،
فأحدهم يحتاج للحب والآخر يحتاج لتلك الابتسامة،
ظل يتأمل تلك النظرات وكأن أدميته تصرخ به وتقول هذا هو العالم الحقيقي وليس عالمكم...
تنهد بألم عندما تذكر ما فعله بها،
فهي لا تستحق كل هذا،
ولماذا تستحق وهي بعيدة عن عالمهم تماماً بتلك الابتسامة الحانية وهذا النقاء الصافي كبراءة الطفل تماماً.
لم يكن يدري بنفسه،
وهو يعدل عن قراره وبدل أن يجعلها تبتعد،
اقترب منها هو وتزوجها...
تنهد بحزن وهو يشعر بأن هذه الزيجة لن يعاني أحداً منها سواها،
فعمها قد أخذ ما يريد من المال،
وأخاه كانت لعبة فقط يريدها،
وهو الآن السجان.
تذكر نظرتها وكأنها كانت تريد أن تقول له،
لماذا أتيت بي هنا، وستتركني وترحل...
لم يفق من كل هذا الشرود إلا على صوت رنين هاتفه.
.................................................. .........
نفس الوحدة أحاطتها،
وكأن الوحدة أصبحت رفيق دربها.
لم تكن تشعر لماذا عيناها تبكي،
هل تبكي على حال صاحبتها،
أم تبكي على وحدتها،
وماذا بك أيضاً أيها القلب،
هل أنت تبكي معي أم أنك تبكي لأنك أصبحت تائهاً،
لم تفق من هذا الشعور إلا عندما تذكرت تلك المجلات التي تضم صورها.
نهضت سريعاً لتجلبها حيث جلبتها معها وهي تغادر بيتها بعدما أصبحت زوجته،
ولأول مرة تستطيع عيناها أن تتأملها،
وقفت للحظات تتأمل ابتسامته وكلما تأملتها ابتسم قلبها وابتسمت هي،
كانت تشاهده وكأنها طفلة صغيرة تشاهد أحد الرسوم المتحركة بشغف شديد،
ولكن توقفت فجأة ووضعت أحد كفيها الصغير على وجهها لتمنع عينها من رؤية ما خشت أن تراه،
وكأن عينها رفضت هذا التمنع..
فأزاحت بكفها قليلاً...
وهي تحدث نفسها:
ياله من تحرر مقزز.
لم تصدق نفسها وهي تراه وهو يقف بجانب تلك المرأة التي تلتصق به بملابسها العارية في أحد الحفلات،
ظلت تنظر لهما وكأنها كانت تريد أن تبحث عن شيء لتكذب ما رأت عيناها،
ولكن ابتسامته هذه كانت تعبر عن رضاه بكل هذا.
نظرت لصورته ثانية وكأنه أمامها،
وهي تريد أن تعاتبه ولكن أول ما نطق به لسانها:
يا رب متزعلش منه، يا رب سامحه واهديه.
ظل لسانها يدعو وكأنه يدعو لصاحبه،
شعرت بالأسي الشديد وكأنها تخشى من عاقبة ذنب لم تفعله....
ونست كل شيء حتى هذا الجرح الذي وجعها عندما رأته بجانب أخرى،
ووضعت رأسها على الوسادة وهي تنطق بقول الله تعالى (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)...
إلى أن نامت بدون أن تشعر..
بقلب خائف على صاحبه من العقاب وليس من ألم بات يشعر به.
.................................................. ....
كان يقف ولأول مرة يصرخ في وجه أخيه الذي طالما اعتبره أباه وليس أخاه الأكبر.
إياد بغضب:
طردتها ليه يا أدهم، ليه وهي ملهاش ذنب.
كل ذنبها أني عجبت بيها للحظة، بتعقبها بيا
أولاً عشان خايف أني متجوزش شاهي، وأعملك مشاكل وأخسرك صفقات بملايين، ها ردك.
كان يتطلع له بهيئته الجامدة وكأن لا شيء يؤثر فيه...
وقال:
المأذون على وصول،
ثم تركه وانصرف وكأنه حجر ساكن يتحرك.
أما هو فقف للحظات وهو يتأمل تلك المكان بأسي،
ويتذكرها...
كم كنتي ملاكاً جميلاً يا مريم.
ثم تنهد بأسي وهو يحمد الله..
بأن أبعدها عن هذا العالم الغافل....
الذي أصبحت فيه هي أيضاً بدون أن تشعر وكل هذا بسبب قلوب أصبحت أنانية كأصحابها.
.................................................. ..........
أصبح شعوره يزداد بأنه لا شيء بالنسبة لأقرب من لديه.
أمسك أحد المجلات ونظر لها بأسي،
وهو يقول:
حتى خبر جواز ابني أكون آخر من يعلم يا أدهم،
ليه برضو مصمم أنك تلغيني من حياتكم ليه ليه يا بني.
كل ده عشان بتعقبني، يا أدهم بقيت قاسي أوي.
ثم تنهد بأسي وهو يتذكره عندما كان طفلاً صغيراً:
انت بتضرب ماما ليه يا بابا،
انت مش بتحبها دي حتى ماما طيبة وبتحبك،
دي ديما بتدعيلك وهي بتصلي.
ثم تذكر دموعه وهو يحتضن أمه ويقول:
ماما مش بترد ليه يا بابا،
انت ضربتها تاني،
هي هتصحي صح دلوقتي.
لم يدري بنفسه سوى عندما اقتربت منه وتقبله وتقول:
يا يازيزو بجد الجو بره تحفة ولا إيه يا حبيبي،
مقولكش.
ثم انتبهت لتلك المجلة التي يمسكها بيده،
ونظرت للخبر وقالت:
أكيد بالمناسبة دي لازم أجيب فستان من باريس ولا إيه يا زيزو يعني يرضيك مراتك حبيبتك تكون أقل من أي حد،
بس ده الفرح بكرة،
بليز يا زيزو اتصرف يا حبيبي عشان خاطر نانسي حبيبتك.
نظر لها بشرود وكأنه ما زال في شروده ثم ابتسم لها.
اقتربت منه ثانية وكأنها علمت بموافقته وقالت:
ميرسي يا حبيبي.
.................................................. .........
وقفت تغطي جسدها بذاك الشال،
وكأنها تريد أن تحمي نفسها من شيء مجهول ينتظرها وكأن روحها أصبحت تشعر بما يدور حولها،
تنهدت بأسي وهي تنظر إلى ماء النيل من شرفةها الجديدة التي أصبحت تطل عليه،
سرحت قليلاً وكأنها تريد أن تسبح في أحلامها لتهرب من هذا الواقع الذي أصبحت تائهة فيه،
انتبهت لشرودها هذا
عندما سمعت صوت أقدام خلفها،
وأنفاس تهبط وتعلو وكأن صاحبها يصارع شيئاً بداخله،
التفتت سريعاً لترى من خلفها
فوجدته يقف وينظر لها بهدوء وهو يتأملها.
أدهم:
عاملة إيه دلوقتي يا مريم.
وبنبرة صوتها الهادئة:
الحمدلله،
ثم قالت بصوت خائف:
انت هتسبني على طول لوحدي هنا.
أدهم بتنهد وهو يلتفت ليرحل ثانية:
أنا مش فاضيلك ولا فاضي للدلع،
وأظن أنك متعودة على كده.
نظرت له بأسي شديد وكادت أن تسأله على سبب زواجه منها مادام لا يرغب في وجودها ولماذا أخبرها بأنه يحبها،
ولكن استوقفها صوت رنين هاتفه،
وبعدها غادر المكان وتركاها كما كانت بمفردها.
.................................................. ..........
وقف ليتأمل نفسه في ذاك المرآة،
كان وجهه تائه لا يعرف ماذا يريد،
تطلع لنفسه ثانية وهو يقول وكأنه يسأل ذلك الشخص الذي يشبهه:
مالك يا إياد بقيت كده،
فوق بقى وارجع لنفسك وحياتك.
وكأن شيطانه بدأ يحادثه:
انت نسيت نفسك كده ليه،
عيش وانسى كل حاجة وأرميها ورا ضهرك،
ده الدنيا جميلة أوي.
ابتسم لشيطانه وكأنه ذكره بما كان يريد،
وكأنه الآن قد عاد إلى ثوابه،
وما من دقائق وكان
كما اعتاد..
يجلس في مكانه المخصص ويطلب من صاحب البار ما يريد كي يعيش وينسى تلك الحفلة التي ستقام بعد ساعات معدودة لتتم تلك الزيجة.
.................................................. ........
وقف يتأمل هذا الرجل،
وهو يقول له:
أنا خيري صاحب مطعم الهدى المعروف.
أدهم:
أهلاً، اتفضل خير يا أستاذ خيري.
خيري بابتسامة:
أنا جاي بطالب الشركة بحقي وبما أنك صاحب الشركة والمسئول..
فأنا جيت لك يا أدهم باشا.
أدهم بعدم فهم:
تطالب بحقك، بإيه يا أستاذ.
خيري ببرود:
ما هو لأخد حقي، لأرفع قضية،
ما هو مش معقول موظفينك بيستغفلوك وبيتعقدوا مع شركتكم وهما لسا على تعاقد مع حد تاني.
أدهم بضيق:
انت بتقول إيه، وموظفين إيه.
خيري ببرود:
في موظفة عندك في الحسابات،
كانت شغالة عندي ومتعاقدة مع المطعم بتاعي سنة كاملة والعقد لسا منتهاش،
قصدي المفروض كان ينتهي في المدة اللي كانت شغالة هنا يعني من 4 شهور.
ثم تابع قائلاً وقال بسخريته المعهودة:
هي استغفلتكم ولا إيه.
أدهم بضيق:
اتكلم باحترام فاهم،
وحقك هتاخده واللي غلط هيتعاقب،
هي مين الموظفة دي.
خيري بانتصار:
مريم عبدالله،
ثم تنهد بخبث وقال:
هما حالين لأخد الشرط الجزائي اللي هو 50 ألف جنيه،
لأما هرفع قضية على شركتكم والموظفة اللي هنا،
ها هنتفق ولا هتضحوا بالموظفة ومش مهم سمعة الشركة لما حد من موظفينها يستغفل صاحبها.
رواية قلوب تائهة الفصل العاشر 10 - بقلم سهام صادق
وكأنه قد حصل على مكافأة عظيمة، وكأن الخمسون ألف جنيه ملايين، وكأنه لم يطردها هو بسبب ذاك الرجل الذي لا يفرق عنه كثيراً.
بدأ يبتسم وهو يتذكر كيف أخذ تلك الأموال منه.
نظر له أدهم بحدة وهو يقول:
"فلوسك هتاخدها يا أستاذ خيري، بس يا ريت تتكلم كويس."
ثم تابع بحديثه وهو يقول:
"بس أنا إيه يضمن لي إن كلامك صح، وحتى لو صح إيه يضمن لي إنك مثلاً ما غتشلتش العقد."
خيري بابتسامة:
"الأوراق دي تثبت كل حاجة، وأظن إن واحد زيه مش هيقدر يضحك على أدهم باشا، ولا إيه يا باشا."
نظر له أدهم، وهو يقول بهدوئه المعتاد:
"أنت طردتها ليه."
ثم تابع بالحديث وهو يرجع رأسه للخلف ويتنهد بابتسامة:
"متقلقش فلوسك هتاخدها، مش أدهم شوكت اللي يضحك على حد."
خيري بارتباك:
"انت عرفت منين."
أدهم بهدوء:
"ما انت لسه قايل إن واحد زيك ميقدرش يضحك على واحد زيي."
وبدأ خيري يقص عليه ما حدث، ولكن عندما وقف عند جملة أنها عرضت على أحد الزبائن أن تقضي معه ليلة مقابل المال، كاد أن يقف لينقض عليه ولكنه قرر أن يتمالك نفسه من ذاك الشعور.
خيري:
"هو ده اللي حكاه لي الزبون بعد ما طردتها، مكنش راضي يفضحها في المطعم وقال إنها حاولت تسرقه وبس، يعني عشان سمعتها وسمعته برضه."
كان يسمع إليه وهو لا يفكر في شيء، سوى أنها ليست غير عاهرة، وهو مثل المغفل في النهاية قد ربط اسمه باسم تلك العاهرة.
تطلع إليه خيري وهو يقول:
"أدهم بيه، انت معايا."
أدهم بشرود:
"اتفضل، السكرتارية هتاخدك لمحامي الشركة يا أستاذ خيري."
ابتسم خيري بسعادة، لتلك اللحظة التي جعلته يشاهدها بالصدفة عندما أتى إلى أحد أصدقائه ورآها تعمل هنا.
تطلع إلى ذاك الفراغ بشرود، وتنهد بضيق وهو يقول:
"كنت ناقصك إنت كمان يا مريم.. وعزم على مواجهتها بعد ما تنتهي حفلة زواج أخيه."
"مش قولتلك إني هلاقيه هنا، اقفل يا أحمد دلوقتي وأنا هجيبه وأجاي."
وقف يتطلع إلى صديقه، وبعد لحظات وضع أحد يديه على كتفيه ثم أخذ الكأس بيده الأخرى.
أياد بسكر:
"إيه كريم هنا مش معقول، من امتى وانت ليك في الشرب.. تعالا يلا نشرب سوا."
ثم اتكأ برأسه على الطاولة التي أمامه وهو يفقد توازنه.
كريم بضيق:
"قوم يا أياد خلينا نمشي من هنا، فرحك بعد ساعتين وانت قاعد بتشرب، طب ذنبها إيه شاهي في كل ده إنك تفضحها."
أياد بضحك:
"مظبوط، كلهم خايفين بس من الفضيحة، أوعى تكون فاكر شاهي بتحبني، أنا بس مجرد عريس لقط زي ما بيقولوا."
ثم تابع بسخرية وهو يقول:
"وكمان تقدر تتباهى بيا وسط صحابها."
كريم بتنهد:
"شاهي دلوقتي بقت مراتك وكلها ساعات وهتكون في بيتك ومعاك، وقت الكلام ده خلص خلاص يا أياد."
أياد بسكر:
"صح خلص خلاص، يلا بينا عشان ميصحش عريس في يوم فرحه ميكونش موجود، ولا إيه."
وكاد أن يقف ليسير معه ولكنه أفقد توازنه ثانية.
نظر له كريم بأسي.. واقترب منه ليساعده.
تعالت الأصوات، وانتشر المصورون في كل مكان لمتابعة تلك الحفلة، التي تجمع رجال الأعمال بمناسبة هذه الزيجة.
كانت الأضواء معلقة على العروسين، وكل منهم يحاول التبسم في وجه الآخر ليصبحوا أمام هؤلاء الحضور أسعد زوجين.
نظر أسعد لأدهم وهو يقول:
"أنا سعيد بالزيجة دي يا أدهم، كون إن يبقى فيه ترابط بينا ده في حد ذاته حدث، الصحافة والمجلات هتفضل تتكلم عنه."
ثم تابع الحديث وهو يقول:
"وانت بقى يا أدهم مش ناوي تفرحنا بيك، مش معقول أدهم شوكت لحد دلوقتي لسه ما فيش واحدة مالت عينه وميلت قلبه."
أدهم بشرود:
"بتقول إيه يا أسعد باشا."
أسعد بضحك:
"لااا انت مش معايا خالص يا أدهم."
ثم استأذن منه ليتابع استقبال ضيوفه.
جاءت من خلفه وهي ترتدي ذاك الفستان الأزرق العاري وهي تقول:
"وحشتني."
التفت إليها.. فهو يعلم هذا الصوت تماماً وقال:
"إزيك يا صافي."
صافي:
"إزيك كده بس، مفيش وحشتيني."
أدهم بتنهد:
"تشربي إيه."
صافي بحزن:
"بقالي كتير ناسيني، هو أنا مبقتش أوحشك."
أدهم:
"انتي عارفة يا صافي الأيام اللي فاتت كنت مشغول."
صافي بسعادة:
"يعني دلوقتي بقيت فاضي.."
ثم اقتربت منه بحنان:
"هستناك الليلة، أوعى تتأخر."
ثم تركته وانصرفت وهي تقول:
"هسيبك أنا دلوقتي، عشان ضيوفك."
ظل يتأملها قليلاً.. وكأنه لأول مرة يراها.. ثم تنهد وهو يقول:
"حتى لو مش بحب مريم، مقدرش أخونها."
مازالت لا تشعر بالألفة من ذاك المكان الغريب الذي أصبحت تعيش فيه بمفردها.
أحست بالملل وهي تستيقظ كل يوم على رؤية جدران هذا المنزل، كم أصبحت تشتاق كثيراً لجدران منزلها الجميل، وسط ذكريات كانت تجمعها بوالديها، أما الآن فهي كأنها تعيش في سجن، بالرغم من جمال المكان، ولكنه بالنسبة لها ليس سوى سجن تخاف من وحدته.
جلست على إحدى الأرائك الوثيرة، وأمسكت ذاك الريموت وظلت تتابع بعض القنوات بشرود تام، وفجأة انتبهت إلى هذا الخبر.. فاليوم حفلة زواج أخيه.
نظرت لتلك الخبر بأس شديد.. فهذا الخبر جعلها تشعر بأنها ليست سوى أحد الأثاث الذي تجلس عليه وليس أكثر.
تنهدت بدموع وهي تقول:
"هو ليه اتجوزني، وبيعمل فيا كده."
ثم تذكرت أباها وهي تقول:
"لو كنت عايش يابابا مكنش حصلي كده، ولا عمي عمل فيا كده، وكأني عبء عليه."
ثم تذكرت جملة عمها وهو يقول:
"مش هستنى لحد لما تجيب لي العار."
ظلت تبكي وتبكي وهي تتذكر من يربط دمها بدمه، ومن أصبح يملك قلبها.. ولكن الاثنين في النهاية ليسوا سوى جلاد وسجان.
إلى أن نامت وهي تمسح بأحد أناملها دموعها.
وقفت تنظر لنفسها في تلك المرآة، ثم ابتسمت لنفسها ابتسامة رضا، وذهبت لتكمل تحضير المائدة المعدة لهذه السهرة التي ستقضيها معه.
أنهت كل شيء قد أرادت إتمامه، ولكن الآن قد تجاوز الوقت منتصف الليل، تنهدت بأس وهي تقول:
"كده يا أدهم."
عادت لمرآتها ثانية، ولكن بوجه حزين بعدما كان فرح بهذه الليلة التي كانت ستقضيها بكنفه وهي تستنشق رائحة عطره الذي افتقدته كثيراً.
تنهدت بأس وهي تمسح زينتها التي أعدت له هو فقط كي تصبح في عينيه دائما الأجمل.
وقف يتأملها وهي نائمة مثل الطفلة الصغيرة، كانت تنكمش على تلك الأريكة وكأنها خائفة وشعرها يغطي وجهها.
اقترب منها أكثر، ثم اتكأ على ركبتيه وظل يتأملها عن قرب وهو يزيح تلك الخصلات التي تناثرت على وجهها.
كانت كلمات ذاك الرجل تتردد في أذنه، وكأن شيطانه لا يريد أن يصمت حتى لو قليلاً.
اعتدل من جلسته، ثم قال بصوته الذي اعتادت عليه:
"مريم اصحي."
انتفضت من مكانها سريعاً، وهي تفرك بأحد أصابعها في عينيها.
نظر لها وهو يقول بداخله:
"فعلاً طفلة."
مريم بخوف:
"هي الساعة كام دلوقتي."
أدهم:
"الساعة 2 الصبح."
تطلعت لوجهه قليلاً وهي تتذكر، أنه منذ لحظات كان ينعم بتلك الحفلة وقد تركها وحيدة.
تنهدت بأس وهي تقول:
"مبروك."
أدهم:
"على إيه."
مريم بهدوء:
"إن النهاردة كان حفلة زواج بشمهندس أياد."
أدهم بتسأل:
"وعرفتي منين."
مريم بحزن وكأنه أراد أن يذكرها بعدم وجودها في حياته:
"من التليفزيون."
أدهم:
"مممممممممم، وإنتي مش زعلانة."
تطلعت بأعينها الحزينة إليه، ثم أشاحت بوجهها وهي تقول:
"أنا عارفة إن وجودي مش مرغوب فيه في حياتك، بس انت ليه اتجوزتني.. واوعى تقول إنك بتحبني أنا مش طفلة صغيرة عشان تضحك عليا."
ضحك أدهم بشدة وهو يتأملها وينظر إلى تلك البيجامة الطفولية التي ترتديها وقال:
"ماهو واضح إنك مش طفلة، هو انتي قولتي لي عندك كام سنة يا مريم."
مريم بسخرية:
"هو انت كمان متعرفش عندي كام سنة."
أدهم بضحك:
"ياستي اعتبريني فقدت الذاكرة."
مريم بحزن:
"22 سنة."
ثم نظرت لتتأمل ذاك الوجه الباسم.. وهي تقول:
"انت مش أدهم صح."
أدهم بضحكة شديدة:
"شكلك لسه نايمة يا مريم."
اقتربت منه قليلاً.. وبدون أن تشعر وجدت يديها تتحسس وجهه وكأنها تريد أن تتأكد بأن هذا الرجل هو حقاً من يملك قلبها.
أما هو نظر إليه ولاول مرة يشعر بمثل هذا الشعور.. شعور الدفء الذي افتقده منذ زمن بعيد، ثم اقترب منها وهو يبتسم:
"إيه يا مريم اتأكدتي إني.. مش عفريت يعني."
نظرت إليه بخجل شديد لنظراته التي تتطلع بها.. ثم ابتعدت عنه وهي تقول:
"هو انت هتنام هنا."
تنهد بضيق ومثل كل مرة يخذل قلبها قبل أن يخذلها..
"لاء أنا عايزك في موضوع، وهمشي."
عاودت إليه النظر.. ولكن بأس وهي تقول:
"بس أنا بقيت بخاف، هناك كان بيت بابا وماما بحس بروحهم موجودة حواليا، بس هنا مش حاسة بحاجة.. وخايفة أوووي."
أدهم بحدة ولاول مرة يحاول أن يتصنعها:
"مريم انتي مش صغيرة، والمفروض تتعودي على كده عشان أنا مش فاضيلك."
كادت أن تبكي أمامه، ولكن سريعاً ما مسحت تلك الدموع التي ملأت عينيها:
"حاضر."
التفت إليها ليكون أمامها وقال بصرامته المعتادة:
"اتطردتي ليه من شغلك الأولاني، وياريت متكذبيش عليا."
نظرت له بدهشة شديدة، وكأنها تريد أن تعلم كيف علم بأمر وظيفتها الأولى في ذاك المطعم.
أدهم بحدة:
"انطقي، اتطردتي ليه من شغلك، ولا كلام خيري عنك صح يا هانم."
ثم قال بسخرية:
"أنا برضه كنت شاكك فيكي."
ثم تطلع لها ثانية بسخرية وقال:
"عشان كده عمك ما صدق يبيعك.. ماهو مش معقول واحد هيبيع بنت أخوه.. إلا لو هي..."
كانت كلماته هذه مثل الخنجر، وكأن أحدهم يلف على عنقها خنجراً ويذبحها به.
نظرت له بدموع وهي تقول:
"قصدك إيه، أنا مش فاهمة حاجة."
تطلع لها بسخرية ثم اقترب من إحدى أذنيها وهو يقول:
"ياترى الليلة بتقضيها بكام، ولا على حسب."
ثم قال بضحكة قد مزقت قلبها:
"مالك مكسوفة كده ليه، إيه مش متعودة على الكلام ده يتقال لك ولا انتي بس اللي بتقوليه."
ثم تحرك بخطوات قليلة، وجلس على إحدى الأرائك وقال:
"إيه رأيك فيا يا مريم، أنفع ولا إيه."
ثم قال باستخفاف شديد:
"أوعي تخافي مني، أنا ماليش مزاج فيكي أصلاً ولا في نوعيتك دي."
ثم أردف قائلاً ويالها من كلمة:
"وياترى انتي بنت، ولا..."
لم تكن أذنيها تسمع شيئاً، ولكن قلبها هو من يستمع إلى صاحبه.
وقفت تتطلع إليه وهي تقول:
"اخرص حرام عليك، منكم لله.. عارف ليه عشان انتوا معندكمش رحمة، عمي وأقرب حد ليا باعني ليك، وصاحب المطعم اللي كنت بشتغل فيه كان دايماً يستخف بيا. عارف ليه عشان مكنش شايفني وجه لمطعمه بهدومي اللي بتتريق عليا إني بمثل الاحترام بيها، ولما الفرصة سمحت له طردني وهو عارف إني مظلومة عشان أنا مفرقش معاه حاجة بالنسبة لزبونه الغني اللي هيدفع يعني أنا ولا حاجة كنت، و دلوقتي برضه ولا حاجة بالنسبالك، بس هما موجعنيش زي ما انت وجعتني، وقبل أن أفقد وعيي.. عشان أنا بحبك يا أدهم."
لم يفق من صراخها هذا، إلا وهو يراها تسقط أمامه.
حملها سريعاً، ثم وضعها على فراشها وهو يتأكد من نبضها.
وبعد دقائق بدأت تفتح عينيها وهي تقول:
"ابعد عني، ابعدوا عني كلكم، سيبوني أعيش حياتي البسيطة، حرام عليكوا."
ولأول مرة يشعر بأن ذاك القلب يهتز.
اقترب منها.. وبدون أن يشعر كان يحاوطها مثلما يحاوط الأب طفله الصغير.
حتى هدأت ونامت على كتفيه وهي تقول:
"كلكم بتظلموني.. كلكم."
إلى أن نامت وهي بين أحضانه.
أخذ يتأملها، وهو يحاوطها بين يديه وهو يمسح على شعرها بحنان، ولكنه ابتسم عندما حاول أن يضع رأسها على الوسادة ليبتعد عنها، ولكنها ظلت متمسكة به مثل الطفل الصغير.
ابتسم على منظرها هذا ومنظره هو أيضاً وهو يقول:
"حاسس إني أب."
ثم قال بضحك:
"شكلك يا مريم هتعملي حاجات كتير في أدهم، وهتبقي خطر عليا."
وبدون أن يشعر وجد نفسه يأخذها بين أحضانه لينعموا معاً بلحظات أشبه ما نقول عنها بأحلام العشاق.
بعيداً عن ذاك العالم الذي صنع منه إنساناً آلياً وليس آدمياً.
وبعد وقت طويل، كان الصمت هو سيده.
أياد:
"مبروك."
نظرت له باحتقار شديد وهي تقول:
"مبروك على إيه، على الحفلة السعيدة اللي كل المعزومين فيها كانوا مغفلين، ولا مبروك على فستان الفرح اللي لبساه، ولا مبروك على الطفل اللي في بطني، اللي طبعاً مش فارق معاك، لا تصدق أنا بظلمك كده، لأ هو فارق معاك عشان كده اتكرمت واتفضلت يا أياد باشا واتجوزتني."
نظر لها بحدة شديدة ولكنه أدرك أنه الآن لابد أن يتركها.
تحرك إلى إحدى الغرف، وقبل أن يغلق الباب خلفه قال:
"إنتي اللي رخصتي من نفسك ياشاهي."
كأنه جاء على وجعها الذي باتت تتهرب منه دائماً.
كأنه قال ما يجب أن يقال.
ثم تنهدت بأس وهي تقول:
"رخصت من نفسي للأسف عشان أرضيك."
بدأت تفيق بصعوبة وكأنها لا ترغب بأن تبصر على هذا العالم ثانية.
فتحت عينيها ببطء لتعود إلى عالمها المريب وحبيبها الظالم.
وجدت نفسها نائمة على إحدى ذراعيه، لم تكمل ثواني معدودة إلا وبدأ يفيق ثم اعتدل من نومته هذه وهو يقول لها:
"أنا آسف يا مريم."
نطقها ولاول مرة يشعر بأن لسانه قد فكت عقدته وأصبح يعتذر مثل بقية البشر.
وكيف لا يعتذر منها وهو قد قتلها بكلماته.
كادت أن تنهض وتبتعد عنه، ولكنه جذبها إليه ثانية وهو ينظر في بحور عينيها الدامعة.
ويقول بضحكته التي تعشقها رغم فقرها:
"على فكرة أدهم بيعتذر مش واخده بالك."
تطلعت إليه قليلاً، ثم اخفضت رأسها وكأن عيناها تريد أن تهرب منه.
وقالت:
"عشان أدهم الإنسان غلطان، وظلمني."
تنهد قليلاً وعاد يضحك ثانية:
"أدهم الإنسان، أومال أنا أدهم إيه."
نظرت إليه بحزن شديد عليه وهي تقول:
"حد تاني غير أدهم، أدهم الإنسان ميعرفهوش."
ابتسم بشدة لحديثها.
ثم اقترب منها ليأخذها بين أحضانه وهو يضحك:
"إنتي جميلة أوي يا مريم، جميلة زي الطفل الصغير ببرائته، جميلة زي الورد في الربيع، جميلة زي العصافير وهي بتغني، جميلة زي السما الصافية، جميلة زي أمواج البحر الهادية، جميلة زي الشمس لما بتشرق، جميلة زي القمر بليلة."
ثم تنهد بصعوبة وكأنه يتخلص من قيوده.
وبدون أن تشعر وجدت شفتها تبتسم، ومدت يدها الصغيرة لتضعها على فمه وهي تقول:
"هو ده أدهم الإنسان."
ابتسم لها وكأنه إنسان آخر يبتسم، وكأن سحر نقائها قد حطم حجر قلبه.
وكأن براءتها قد حطمت أسوار قلبه.
لم يدري بنفسه سوى وهو يقبلها وهي ساكنة بين يديه لا تشعر بشيء سوى أنفاسه.