تحميل رواية «خطاياها بيننا» PDF
بقلم هدير نور الدين
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في إحدى القرى المصرية، والتي تمتاز بجمالها وروعة مناظرها الطبيعية الخلابة التي تخطف الأبصار، كانت هناك غرفة ذات مظهر رث بالٍ. كانت غزل تجلس بأرضيتها شبه المتهالكة، بوجه حزين وعينين ممتلئتين بالدموع غير المتدفقة، تستمع بحسرة إلى صوت الأغاني والزغاريط الصاخبة التي تأتي من خارج المنزل. كانت تقام في حديقة منزل العزايزي خطبة صفا العزايزي، ابنة شقيق عثمان العزايزي، مالك المنزل وجميع الأراضي المحيطة به. فقد كانت صفا هي الفرد الوحيد في هذه العائلة، غير زوج والدتها عثمان، التي تعاملها بلطف ورفق. بعكس باق...
رواية خطاياها بيننا الفصل الأول 1 - بقلم هدير نور الدين
في إحدى القرى المصرية، والتي تمتاز بجمالها وروعة مناظرها الطبيعية الخلابة التي تخطف الأبصار، كانت هناك غرفة ذات مظهر رث بالٍ. كانت غزل تجلس بأرضيتها شبه المتهالكة، بوجه حزين وعينين ممتلئتين بالدموع غير المتدفقة، تستمع بحسرة إلى صوت الأغاني والزغاريط الصاخبة التي تأتي من خارج المنزل. كانت تقام في حديقة منزل العزايزي خطبة صفا العزايزي، ابنة شقيق عثمان العزايزي، مالك المنزل وجميع الأراضي المحيطة به.
فقد كانت صفا هي الفرد الوحيد في هذه العائلة، غير زوج والدتها عثمان، التي تعاملها بلطف ورفق.
بعكس باقي العائلة، الذين كانوا يتعاملون معها كما لو كانت جمادًا لا يشعر، كأنها شيء أقل منهم شأنًا، لا تستحق التواجد بينهم في ذات المكان. فقد كانوا يستغلون أي فرصة أو خطأ يصدر منها حتى يقوموا بإهانتها وسحقها أسفل أحذيتهم الملوثة. فكل فرد منهم يتعامل معها كما لو كان بينها وبينه ثأر ويرغب بأخذه منها، لذا كانوا يتلذذون في إهانتها والتقليل من شأنها.
أطلقت تنهيدة حزينة وهي تحيط جسدها بذراعيها، محاولة مواساة نفسها. فقد كانت ترغب حقًا بحضور تلك الخطبة والاحتفال مع صديقتها، لكنها لا تستطيع الحضور بملابسها البالية الرثة تلك.
نهضت واقفة على قدميها المرتجفتين، واتجهت بخطوات متعثرة نحو خزانة ملابسها شبه المتهالكة، تفتح أبوابها على مصراعيها. حيث أخذت تتأمل بعينين محتقنتين بالدموع العباءة الوحيدة الموضوعة بداخلها بإهمال بنهاية الخزانة. فقد كانت باهتة اللون، ممتلئة بالبقع المختلفة أثر عملها المستمر بالمطبخ.
فقد كانت لا تملك سوى عباءتين، واحدة ذات قماش ثقيل ترتديها بالشتاء، وأخرى قماشها أخف ثقلاً ترتديها بالصيف.
حيث قامت لبيبة (خالة جابر) بعد تلك الحادثة، التي بسببها تم تغيير مجرى حياتها، بحرق جميع ملابسها التي كان يشتريها لها جابر.
فور تذكرها لجابر، انسكبت دموعها التي كانت تحبسها وأغرقت وجنتيها، شاعرةً بالتواء حاد من الألم يصيب قلبها. لكنها هزت رأسها بقوة رافضة التفكير فيه أو فيما كانت تعيشه معه بالماضي. حاولت دفعه بعيدًا ودفن ذكرياتها معه كما اعتادت أن تفعل طوال تلك السنوات الماضية، حتى لا تتسبب بالحسرة والألم لنفسها، فيكفيها ما لديها من أوجاع وألم.
تنهدت باستسلام وهي تعيد غلق الخزانة، قبل أن ترتمي فوق فراشها شبه المتهالك، والذي كان مكونًا من مرتبة بالية صلبة للغاية، مليئة بالثقوب، ملقاة بإهمال على أرضية الغرفة البالية.
كانت بالبداية تجد صعوبة في النوم عليها، حتى أنها كانت تظل أيامًا عدة بدون نوم، لكنها بالنهاية اعتادت عليها، فلم يكن أمامها خيار سوى هذا.
قامت سريعًا بمسح الدموع العالقة بوجنتيها بيديها المرتجفتين، وهي تهمس لنفسها بصوت ممتلئ بالحسرة:
"أنا عارفة حظي كويس.. مش مكتوب لي أبدًا أفرح.. مجتش على دي يعني."
لكن ما أنهت جملتها تلك، حتى فُتح باب غرفتها فجأة ودون سابق إنذار، مما جعلها تنتفض جالسة بتعثر فوق فراشها، وقد تشدّد كامل جسدها في خوف، متوقعة رؤية لبيبة أمامها ترغب بتعنيفها على أي شيء كما تفعل دائمًا.
لكنها تنفست الصعداء عندما رأت صديقتها حلا هي من تقف بالباب، هاتفةً بصخبها المعتاد:
"إيه ده يا غزل؟ انتي نايمة؟ إيه لسة مجهزتيش؟"
أجابتها غزل بنبرة يتخللها الانكسار:
"أجهز إيه بس يا حلا."
لتكمل وهي تمسك بطرف عباءتها المنزلية التي ترتديها:
"إنتي مش شايفة شكلي عامل إزاي."
اقتربت منها حلا قائلة وهي تلوح لها بحقيبة كانت تمسك بها:
"عيب عليكي، صاحبتك عاملة حسابها."
لتكمل وهي تقذف بالحقيبة نحوها:
"امسكي، البسي بسرعة، ده فستان جبته لك معايا وأنا بشتري فستاني."
أسرعت غزل بفتح الحقيبة بلهفة، لترتسم على شفتيها ابتسامة واسعة فور رؤيتها للفستان الذي ألقته نحوها. تتسع عينيها بانبهار من روعته، قبل أن تنتفض واقفة وتتجه نحو صديقتها تحتضنها بقوة.
فقد كانت حلا صديقة طفولتها، أقرب شخص لها بهذه الحياة، فقد كانت تعدها كشقيقة لها. فقد كانت أول شخص تعرفت عليه فور وصولها إلى هذا المنزل مع والدتها، فقد كانت وقتها طفلة لم تتجاوز السابعة بعد، بينما كانت حلا بنفس عمرها تقريبًا. فقد كان والد حلا يعمل لدى عثمان العزايزي، حيث كان بمثابة ذراعه الأيمن. ووقتها قام عثمان بتعريفها على حلا، ومنذ ذلك اليوم وهما معًا دائمًا.
ظلت حلا تحتضنها وهي تربت على ظهرها بحنان حتى هدأت تمامًا. وعندما ابتعدت عنها غزل، أسرعت قائلة بارتباك وعلى وجهها يرتسم خوف حقيقي:
"بت يا غزل، أوعي حد يشوف الفستان ويقول لي إن أنا اللي جبته لك، دول ممكن يودوني في داهية ويقولوا لأبويا وتبقى مصيبة. أنا اتفقت مع صفا إنها هتقول إنها هي اللي جبته لك عشان تحضري خطوبتها، أنا مرتبة معاها كل حاجة، متخافيش."
أومأت غزل برأسها موافقة، وعلى شفتيها ترتسم ابتسامة مرتجفة، بينما تتأمل بفرح وسعادة الفستان الذي بين يديها.
غمغمت حلا وهي تتأمل بحسرة سعادتها تلك، شاعرة بالشفقة عليها لما تعانيه على يد أصحاب هذا المنزل. فبعد ما كانت تنعم به من دلال على يد جابر العزايزي، الذي كان يعلم الجميع مدى حبه وتعلقه الشديد بها، فقد جميع من بالبلد يطلقون عليها الأميرة المدللة.
حتى انتهى بها الحال بهذه الغرفة الرثة التي لا تصلح حتى لكي يعيش بها حيوانات الشوارع الضالة.
"أنا همشي بقى يا غزل قبل ما حد منهم يشوفني هنا."
أومأت غزل برأسها دون أن تشيح عينيها التي يلمع بها الفرح والحماس عن الفستان الذي بين يديها.
وفور أن غادرت حلا وأغلقت الباب خلفها، أسرعت بنزع العباءة البالية التي كانت ترتديها، وارتدت سريعًا الفستان الذي كان باللون الأسود اللامع. اتجهت بخطوات متعثرة نحو المرآة المتهالكة المعلقة داخل خزانتها، والتي كان أكثر من نصفها مفقودًا، والنصف الآخر مليء بالخدوش.
اتسعت ابتسامتها فور رؤيتها لانعكاس صورتها بالمرآة، فقد كان الفستان ذو لون أسود لامع ملصقًا بجسدها، مظهرًا جمال قوامها. حيث كانت تمتلك قوامًا يحسدها عليه الكثير من الفتيات، فقد ورثته عن والدتها أزهار، التي كان معروفًا عنها جمالها الساحق.
نزعت الوشاح الذي كانت تعقده حول رأسها، وحررت شعرها من عقدته لينسدل على ظهرها كشلال من الحرير، حيث كانت تمتلك شعرًا بلون العسل كثيفًا يصل إلى أسفل ظهرها. فقد كان أكثر ما يميزها بالإضافة إلى عينيها اللتين كان لونهما رماديًا، والتي ورثتها عن جد بعيد لوالدها.
اتجهت مسرعة نحو فراشها تلتقط قلم أحمر الشفاه المنكسر جزئيًا، والذي كانت تخبئه أسفل مرتبة فراشها حتى لا تعثر عليه لبيبة وتقوم برميه ومعاقبتها.
أمسكت غزل بقلم الحمرة وقامت برسم شفتيها بلونه القاني الذي أبرز جمال شفتيها الممتلئة. تراجعت للخلف تتأمل مظهرها، وابتسامة حالمة تملئ شفتيها، شاعرةً بسعادة لم تشعر بها منذ عدة سنوات.
تنهدت قبل أن تقوم بعقد شعرها مرة أخرى فوق رأسها، وتعقد حول رأسها الحجاب الذي أتت به صديقتها مع الفستان. ثم تناولت نظارتها الطبية التي كانت تضعها بجانب فراشها، فقد كانت تعاني من ضعف شديد في النظر، تكاد تصبح عمياء بدون نظارتها الطبية تلك.
مما جعلها تتعرض للتنمر من قبل جميع ساكني هذا المنزل، فقد كانوا يلقبونها بذات الأعين الأربعة، وأحيانًا أخرى العمياء "الضبشة". ورغم تأثرها بكلامهم هذا، إلا أنها لم تكن تظهر لهم هذا.
اتخذت خطوة إلى الخلف، تلقي بنظرة أخيرة راضية على انعكاس مظهرها بالمرآة، قبل أن تسرع وتخرج من الغرفة، والفرح والحماس يلتمعان بعينيها، حيث كانت تفكر بأنها أخيرًا ستهرب، ولو ليوم واحد، من واقع حياتها البائسة.
فتحت الباب الضخم للمنزل الذي يطل على الحديقة حيث يقام حفل الخطبة. كانت تهم بالخروج عندما شعرت فجأة بيد قاسية تقبض من الخلف على شعرها من أسفل حجابها، وصوت غاضب يعصف بقسوة:
"راحة فين يا روح أمك بمنظرك ده؟!"
صرخت غزل بألم بينما تلتف حول نفسها حتى تواجه جابر، الذي كان يقف خلفها مباشرة بوجهه المقتضب، الذي يظهر عليه علامات الغضب والكراهية التي أصبحت لا تفارقه كلما نظر إليها.
كانت تهم بإجابته، لكن تجمد لسانها داخل فمها من شدة خوفها، حيث كان هناك تعبير وحشي مرتسم داخل عينيه لا ينبئ بالخير، مما جعلها تتراجع إلى الخلف تلقائيًا في محاولة منها للهرب. لكنها أطلقت صرخة مدوية عندما جذبها مرة أخرى من شعرها الذي كان لا يزال يمسك به، قائلاً بغضب:
"تعالى.. تعالى.. راحة فين؟ ده انتي ليلة أهلك مش هيطلع لها شمس النهاردة."
أنهى جملته تلك، ساحبًا إياها من شعرها إلى داخل المنزل، لتتبعه بخطوات متعثرة وهي تطلق صرخات متألمة، مما جعله يزمجر بنبرة يملؤها القسوة والتهديد، بينما مستمر في طريقه نحو غرفة مكتبه:
"اكتبي وما أسمعش نفسك.. وإلا قسمًا بالله أدفنك حية مكانك."
ارتجف جسدها بخوف فور سماعها تهديده هذا، لتسرع بهز رأسها بالموافقة، بينما تضغط بأسنانها على شفتيها بقوة، محاولة كتم صوت أنينها، حيث كان الألم الذي يعصف برأسها أثر جذبه لشعرها لا يحتمل، فقد كانت تشعر بأن شعرها سيُقتلع في يده بأي لحظة من شدة جذبه له.
فتح باب الغرفة ودلف جاذبًا إياها معه إلى الداخل، وهو يزمجر بقسوة ويشدد من قبضته حول شعرها، مرجعًا رأسها إلى الخلف بقسوة، مما جعل حجابها ينزع تمامًا.
"اسمعيني بقى كده، كنت راحة فين؟"
ابتلعت غزل الكتلة التي كانت تسد حلقها، قبل أن تهمس بصوت خافت مرتجف، بينما أخذت ضربات قلبها تزداد بعنف من شدة الخوف:
"كـكـ.. كـنت راحـ.. راحة أ..أحـ.حـ.ضر خطوبة صفا في الــ……"
لكنها ابتلعت باقي جملتها، منتفضة في مكانها بفزع، مطلقة صرخة ذعر، وقد شحب وجهها تمامًا عندما قاطعها صائحًا بشراسة:
"صفا…؟!!! صفا حاف كده…؟؟؟ إيه يا زبا.لة، انتي نسيتي نفسك ولا إيه؟ اسمها ستي صفا…….!"
ليكمل بقسوة وعينيه المشتعلة بنيران الغضب تمر فوق جسدها بتفحص دقيق:
"أهلاً، والفستان ده جبتيه منين بقى إن شاء الله……؟!"
أخذت تتطلع إليه بصمت، وعينيها متسعتين بالذعر والرهبة، بينما أحشائها كانت تلتوي بداخلها بقوة من شدة الخوف. حاولت تحريك شفتيها لإجابته، لكن لم يخرج صوت من حلقها، فقد تشنجت أحبالها الصوتية من شدة انفعالها والرعب الذي تشعر به.
لكنها انتفضت في مكانها مرتعبة عندما صاح بغضب وهو يجذبها من شعرها بقسوة أكبر:
"انطقي يا بت، جبتيه… منين؟!"
أجبرت شفتيها على التحرك بصعوبة، هامسة بصوت ضعيف مختنق:
"صـ..صـ.. فا…"
لتكمل مسرعة مصححة ذلة لسانها عندما رأت الغضب العاصف الذي زجرها به:
"قــ.. قصدى ست..ست صفا بنت عمك هي اللي جبتهولي."
قاطعها بخشونة وقسوة، بينما عينيه التي لازالت مسلطة على جسدها بهذا الفستان تنطلق منها شرارات غضب أسود عاصف:
"جابتهولك برضو ولا سرقتيه من دولابها يا زبا.لة؟ ما أنا عارفك كويس، إيدك طويلة زي أمك……"
هتفت مقاطعة إياه بأنفاس لاهثة يملؤها الذعر، فور سماعها كلماته تلك:
"لا… لا والله العظيم ما سرقت حاجة، هي… هي اللي جبتهولي عشان أحضر خطوبتها……"
لتكمل هامسة بتضرع، وعينيها محتقنة للغاية، ممتلئة بدموع الألم والإهانة، بعد أن لاحظت أن الساعة المثبتة على الحائط تشير إلى الساعة الحادية عشر والنصف دقيقة، أي أنه لم يتبق الكثير على انتهاء حفل الخطبة:
"وحياة أغلى حاجة عندك يا جابر، سيبني أحضر الخطوبة، مفضلش إلا نص ساعة والخطوبة تخلص. أنا بقالي كتير مخرجتش من البيت ولا شوفت ناس."
اشتدت قبضته التي تقبض على شعرها بقوة، مما جعل رأسها يرجع إلى الخلف بقسوة، قرب وجهه منها، ينظر إليها بعينين تلمعان بشراسة وغضب، مما جعلها تخفض عينيها في خوف، بينما تسمعه يزمجر من بين أسنانه:
"تحضري إيه… انتي اتجننتي؟ من امتى الكلاب اللي زيك بتحضر أفراح أسيادها؟ انتي نسيتي نفسك ولا إيه."
ليكمل باشمئزاز وغضب وهو يدفعها بقوة للخلف كما لو أنه لا يطيق لمسها، مما جعلها تتعثر وتسقط بقوة على الأرض الصلبة، ويرتطم ذراعها بساق الطاولة، مما جعلها تطلق صرخة متألمة، باكية:
"قدامك 5 دقايق تغيري الفستان ده وتلبسي عبايتك الجربة اللي شبهك.. وتفضلي في أوضتك لحد ما الخطوبة دي تخلص. عارفة لو لمحتك برا هعمل فيكي إيه."
ليكمل بقسوة ووعيد، وهو يرمقها بنظرات ممتلئة بالكراهية والازدراء، كما لو كانت شيئًا ملوثًا لا يطيق النظر إليه:
"وآخر تنبيه ليكي، لو لمحتك واقفة مع صفا أو بتتكلمي معاها تاني، همحيكي من على وش الدنيا، فاهمة؟!"
دفنت غزل، التي كانت لا تزال ملقاة مكانها، وجهها بالأرض، بينما تنفجر في نحيب يمزق أنياط القلب، وقد تحولت دموعها إلى شهقات بكاء عالية ممزقة، بينما ظل هو واقفًا ينظر إليها عدة لحظات بعينين غائمتين ممتلئتين بمشاعر قد تذهلها إن رأتها، قبل أن يلتف ويغادر الغرفة مسرعًا، كما لو كان يهرب من نفسه، قبل أن يهرب منها، مغلقًا الباب خلفه بقوة، اهتزت لها أرجاء المكان وجسد تلك المسكينة.
صعد جابر إلى غرفة شقيقته بسمة، التي وجدها جالسة كالمعتاد على المقعد الذي أمام نافذتها، تتطلع إلى الخارج بوجه مكفهر كئيب، مما جعل قلبه يتألم عليها. اقترب منها جالسًا على المقعد الذي يجاور مقعدها، مربتًا بحنان على ذراعها، قائلاً بمرح يعاكس ما بداخله من ألم:
"إيه يا بسوم؟ منزلتيش الخطوبة ليه حبيبتي؟"
أجابته بسمة بصوت مختنق وهي لازالت تتطلع خارج النافذة:
"أنزل فين يا جابر؟ وأخلي الناس تشوفني بمنظري ده؟ إنت عايزهم يتصرعوا."
قاطعها جابر سريعًا وهو يشعر بالغضب:
"ليه كده يا بسمة؟ بتقولي كده ليه؟ إنتي فيكي إيه عشان تقولي كده؟"
انتفضت بسمة واقفة تهتف به وهي تنفجر باكية، بينما تشير إلى نصف وجهها المشوه بقسوة:
"فيكي ده يا جابر.. فيكي ده."
لتكمل من بين شهقات بكائها الممزقة:
"فيكي إني مسخ.. ما بدخلش مكان إلا والكل بيبص عليّ بقرف وخوف كأني وحش.. الأطفال أول ما يشوفوني يشوروا عليّ ويقولوا ماما عو.. أنا بقيت عو."
أسرع جابر باحتضانها إليه بقوة، مقبلاً أعلى رأسها:
"مفيش الكلام ده يا حبيبتي، أقسم بالله إنتي زي القمر."
"كل ده وهم جواكي."
همست بسمة ببكاء مرير:
"متضحكيش عليا.. أنا عارفة نفسي.. أنا مسخ.. مسخ."
شدد جابر احتضانه إليه قائلاً بحدة وهو يقاطعها، رافضًا أن يسمعها تتحدث عن نفسها بهذا الشكل:
"لا مش مسخ.. ومسمعكيش بتتكلمي عن نفسك تاني بالشكل ده."
دفنت بسمة وجهها في صدره تنتحب بقوة، هامسة بألم:
"هي السبب في كل اللي أنا فيه ده.. هي السبب.. أنا بكرهها.. بكرهها."
شدد جابر من احتضانه لها، مغلقًا عينيه وهو يضغط على فكيه بقوة، والغضب يعصف بداخله كالنيران، فقد كان يعلم أنها السبب بالفعل في كل هذا.
في اليوم التالي.
بعد أن أنهت غزل جميع الأعمال المنزلية التي أمرتها بها لبيبة، سمحت لها أخيرًا بأن تذهب لزيارة والدتها بالمشفى التي كانت ترقد بها. فقد كانوا يسمحون لها بأن تذهب لزيارتها يومًا واحدًا في الأسبوع فقط.
جلست غزل بجانب الفراش الذي تستلقي عليه والدتها، التي كانت في غيبوبة تامة، غائبة عن الوعي والعالم منذ أكثر من أربعة سنوات، أي منذ ذلك الحادث الذي تعرضت له مع زوجها.
ارتجف جسدها فور تذكرها لهذا اليوم الذي تم فيه إبلاغها بأن والدتها قد تعرضت لحادث أليم هي وزوجها عثمان، الذي أصيب هو الآخر في هذا الحادث بشلل جعله جليسًا على مقعد متحرك، بينما أصبحت والدتها في حالتها تلك من اللاوعي، غارقة في عالمها الخاص.
تساقطت الدموع من عينيها، بينما نشيج متألم يصدر من بين شفتيها، فور تذكرها لكل الآلام والمعاناة التي عانتهم طوال تلك السنين الماضية، فقد تعرضت للتعذيب والتعنيف من قبل لبيبة، شقيقة وفاء العزايزي، زوجة عثمان الأولى.
في محاولة منها للانتقام بسبب ما فعلته والدتها بشقيقتها في الماضي. فبعد زواج أزهار العزايزي، والدة غزل، بابن عمها عثمان العزايزي، كانت وقتها غزل تبلغ من العمر سبعة سنوات. وكان عثمان وقتها متزوجًا من زوجته الأولى وفاء، ولديه منها طفلين، جابر وكان يبلغ من العمر الثانية عشر، وشقيقته بسمة كانت في التاسعة من عمرها.
لا تنكر غزل أن والدتها كانت تملك قلبًا قاسيًا للغاية وشخصية قوية ملتوية بعض الشيء، حيث استغلت حب عثمان لها وضعف شخصيته معها لتتعمد إهانة وإيذاء زوجته وفاء. وبرغم قوة شخصية وفاء، إلا أنها لم تستطع الصمود أمام جبروت أزهار، التي قوى من موقفها دعم عثمان لها والوقوف أمام أي شخص من أجلها.
فرغم أنه كان ذا شخصية حادة وقوية للغاية، يهابه الجميع ويخافه، إلا أنه معها كان أشبه بالطفل، لا يستطيع أن يُحزنها أو يرفض لها أمرًا، كما كان يتغاضى عن أفعالها الشنيعة في حق زوجته، حتى أنه وصل به الأمر إلى لوم زوجته وفاء وتعنيفها، مخبرًا إياها بأنها هي من تستفز أزهار بأفعالها.
فقد كان هناك ماضي بينهما لا تعلم عنه غزل شيئًا، سوى أن والدتها كانت هي وابن عمها عثمان يعشقان بعضهما البعض منذ الطفولة، لكن عندما علم جدهم بأمر علاقتهما تلك، قام بضرب والدتها ورفض أن يزوجها لعثمان بعد أن تقدم لخطبتها، متحججًا بأنهم قاموا بتجاوزه وأنهم لوثوا شرف العائلة بفعلتهم تلك.
ثم أجبر عثمان على الزواج من وفاء، ابنة عمه الآخر، بعد أن هدده بأنه إن لم يوافق على هذه الزيجة، سوف يخبر عمه والد أزهار عن علاقتهما، والذي لن يتردد في قتلها ثانية واحدة، فقد كان معروفًا عنه بجمود عقله، مما بث الخوف بقلب عثمان على محبوبته، لذا وافق على الزواج من وفاء، بينما قام جدهم بتزويج أزهار لوالد غزل، والذي كان يكبرها بأكثر من 25 عامًا.
ظلت والدتها متزوجة زوجها هذا أكثر من خمس سنوات دون إنجاب، فقد كانت أزهار تعاني من بعض المشاكل، وعندما قامت بمعالجتها حملت على الفور.
وعندما كانت غزل بالرابعة من عمرها، توفى والد أزهار، جدها، في حادث أليم، ثم لحق بهم زوج أزهار، حيث توفي وغزل تبلغ من العمر سبع سنوات.
وقتها أسرع عثمان بالتقدم للزواج من أزهار، والتي وافقت على الفور وتم زواجهم مباشرة بعد العدة الشرعية لوفاة زوجها، مما جعل القيل والقال ينتشر حولهم، لكنهم لم يهتموا.
ومن ثم بدأ الصراع بين أزهار والدة غزل، ووفاء والدة جابر، التي تم تحويل حياتها إلى جحيم بعد تعمد أزهار الدائم التقليل من شأنها في كثير من الأحيان. حتى وصل بها الأمر بجعلها تعمل في تنظيف المنزل، رغم وجود الكثير من الخدم. رفضت وفاء في بادئ الأمر، لكنها خضعت عندما قام عثمان بتهديدها بالطلاق إذا لم تنفذ ما أمرت به أزهار، لذا وافقت، حيث كانت تعشق زوجها رغم معاملته السيئة لها.
كانت غزل تستغرب لما هي توافق وتتقبل إهانتها بهذا الشكل، ولما كان عثمان ينفذ كل ما تطلبه والدتها كما لو كان مرعوبًا من فقده لها. لا يمكن لغزل أن تنكر أن والدتها أيضًا كانت تعشقه حد الجنون، لكن لم تفهم غزل لما كانت تعامل وفاء بهذا الشكل البشع.
وكلما حاولت لبيبة التدخل بينهم ومساعدة شقيقتها، كان يقف بوجهها عثمان. لكن في ذات ليلة، عندما تشاجرت والدتها معها وقامت لبيبة بضرب أزهار، طردها عثمان من المنزل ورفض أن تخطو قدمها المنزل مرة أخرى.
ظلوا على حالهم هذا حتى كبر جابر واشتد عوده، بدأ يقف بوجه والده رافضًا ما يحدث بحق والدته من إهانة وإذلال على يد أزهار، مما جعل والده يعنفه هو الآخر بقسوة. ومن هنا بدأت العلاقة بين جابر ووالده تسوء.
وعندما بلغ جابر الثامنة عشر من عمره، نشأ خلاف كبير بينه وبين والده بسبب ضرب أزهار لوالدته، مما جعله يتطاول على والده، حتى أنه قام بسب أزهار. وقتها عنفه والده بشدة وقام بضربه بقسوة، مما جعله يفر هاربًا من المنزل. وقتها انهارت والدته، حتى والده الذي كان يحاول أن يظهر بمظهر القوي غير المبالي، إلا أنه ورغمًا عنه الدمار والحزن كانا يظهران عليه.
وقتها كانت غزل في الثالثة عشر من عمرها، تأثرت كثيرًا بغيابه، فقد كان جابر الشخص الوحيد المقرب لها بالإضافة إلى حلا وصفا. فقد كان رغم كرهه لوالدتها، إلا أنه كان يعاملها بحنان ورفق، مما جعلها تتعلق به وأصبحت ملتصقة به أينما ذهب تلاحقه في كل مكان، مما تسبب في غيرة شقيقته بسمة، التي كانت تكبر غزل بسنتين، إلا أنها كانت تكرهها كثيرًا بسبب حب والدها لغزل وتدليله لها، حتى جابر كان يدللها كثيرًا.
ظل جابر مختفيًا عن المنزل أكثر من ثلاثة أشهر، تدهور فيهم صحة والده ووالدته بشدة، لكن بالنهاية استطاع والده الذي لم يكف عن البحث عنه، بالعثور عليه يعمل بإحدى محطات الوقود. وقتها رفض جابر العودة إلى المنزل، لكن عندما أخبره أن والدته مريضة بسبب غيابه عنها، اضطر إلى العودة مرة أخرى، رغم شعوره بالحنق من والدته بسبب ضعف شخصيتها وجبنها وقبولها بهذا الوضع المذل.
وبرغم كل هذا، استمر الحال بين أزهار ووفاء على ما هو عليه، فقد كانت أزهار تتمادى في أفعالها معها كما لو كانت تنتقم منها عن شيء لا أحد يعلمه سواهما. حتى وصل بها الأمر أنها في إحدى المرات، بعد ضربها لوفاء، قامت بإغراقها بسائل البنزين وكادت أن تشعل النيران بها، لولا تدخل جابر، الذي كان يبلغ وقتها الثالثة والعشرون من عمره، وأنقذ والدته في آخر لحظة، حتى أنه قام بضرب أزهار ضربًا مبرحًا، حيث تسبب في كسر يديها الاثنتين، مما تسبب في جن جنون عثمان، الذي قام بتعنيفه بقوة وطلب منه الاعتذار منها، لكن جابر رفض الأمر رفضًا تامًا، وطلب منه أن يقوم بتطليق والدته، لكن عثمان رفض، مما جعل جابر ينفجر به ويخبره بأنه ضعيف الشخصية أمام زوجته، وأن جميع الناس يتحدثون عنه ويسخرون منه ومن ضعفه هذا.
ثم ترك المنزل وغادر، مصطحبًا معه والدته، التي ولأول مرة توافقه على قراره هذا، حيث كانت في كل مرة يطلب منها أن تأتي معه ويتركوا هذا المنزل، كانت ترفض رفضًا تامًا.
ولم يمر أسبوعًا واحدًا على مغادرتهم، حتى وصل إليهم خبر وفاة وفاء، والدة جابر. وقتها طرد جابر والده من العزاء، رافضًا أن يجعله يحضر جنازتها، بينما أخذت لبيبة، شقيقة وفاء، تصرخ بوجه عثمان وأزهار بأنهما من تسببا في وفاة شقيقتها، التي توفت قهرًا وحسرة على حالها، فزوجها بدلًا من أن يقوم بتعنيف زوجته الأخرى لمحاولتها إشعال النيران بها وقتلها، قام بتعنيفها هي واتهامها بأنها هي من استفزت زوجته الثانية.
ظل جابر يرفض جميع محاولات والده لمقابلته أو التحدث معه، وظل يعيش بمنزل والدته مع خالته لبيبة وشقيقته بسمة، مركزًا جهوده في العمل بالأرض التي ورثها عن والدته، حيث عمل على تكبيرها وتوسيعها.
في ذلك الوقت، كانت غزل تبلغ من العمر سبعة عشر عامًا، كانت واقعة رأسًا على عقب في حبه، وقد أثر بها كثيرًا غيابه عن المنزل، فقد اعتادت منذ الصغر أن تراه يوميًا. وعندما علمت ما حدث بجنازة والدته، انهارت بغرفتها، حيث علمت أن أي أمل في أن يكون جابر لها وأن يكونوا معًا قد دمر بسبب والدتها وأنانيتها. لذا اقتحمت غزل غرفة والدتها وأخذت تصرخ بها وهي منهارة ببكاء شبه هستيري، متهمة إياها بأنها السبب في تدمير حياتها وأنها السبب في وفاة والدة جابر.
ولصدمتها، بدلًا من أن تقوم والدتها بالصراخ عليها أو تعنيفها كعادتها، احتضنتها بقوة، مقبلة أعلى رأسها بحنان، مربتة على ظهرها محاولة تهدئتها، هامسة بصوت مرتجف:
"حقك عليا يا نور عيني، أنا عارفة إنك بتحبيه."
لتكمل وهي تمرر يدها بحنان فوق شعر طفلتها التي ازداد نحيبها:
"بس إنتي متعرفيش حاجة يا غزل، متعرفيش هما عملوا فيا إيه ولا أذوني إزاي.. بكرة يا قلب أمك هتفهمي كل حاجة."
رفضت غزل الاستماع إلى والدتها، حيث اندفعت مبتعدة عن حضنها، صارخة بألم:
"أفهم إيه؟.. إنتي ست ظالمة وأنانية وأنا عمري في حياتي ما هسامحك.. فاهمة.. عمري ما هسامحك."
وانطلقت راكضة من الغرفة بأقصى سرعة، تدخل غرفتها وتنهار فوق فراشها، منفجرة في نوبة بكاء مرير.
مر شهر وأكثر على هذا، دخلت غزل خلاله بحالة من الاكتئاب والحزن، رافضة محاولات والدتها للتخفيف عنها وإخراجها من حالتها تلك، حيث كانت تذهب إلى مدرستها ثم تتوجه منها إلى دروسها الخارجية، وتعود إلى المنزل بعدها، تستلقي على فراشها تبكي متألمة من اشتياقها لجابر حتى تغرق بالنوم.
ظلت على حالتها تلك حتى ذات يوم، كانت خارجة من مدرستها، تخطو بخطوات بطيئة ورأسها منحنى، بينما وجهها الشاحب يرتسم عليه الألم والحزن. لكنها رفعت رأسها بحدة، وقد أخذت ضربات قلبها تتسارع بجنون عندما سمعت صوتًا تحفظه جيدًا ينادي باسمها.
أشرق وجهها بالفرح، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة واسعة فور رؤيتها لجابر يقف أمام البوابة الخارجية لمدرستها، يستند إلى سيارته وعينيه مسلطة عليها باهتمام واشتياق واضح. لم تشعر بنفسها إلا وهي تندفع راكضة نحوه، وقلبها يكاد يغادر جسدها من شدة دقاته التي أخذت تتسارع بجنون.
أمسكت بيديه فور أن أصبحت بجانبه، هامسة بصوت مرتعش متقطع، وقد امتلأت عينيها بالدموع:
"جابر.. أنا مش مصدقة إنك هنا بجد.. أنا كنت فاكرة إن مش هشوفك تاني."
ابتلعت باقي جملتها، حيث دموعها الحبيسة أخذت تتساقط على خديها بغزارة، بينما تغرق في نوبة بكاء، مما جعل وجه جابر يتصلب بقوة، قبل أن يسرع بدفعها داخل خصوصية سيارته، حتى لا يلفت مشهد بكائها أنظار الناس من حولهم، فقد كانوا ببلد ريفية ينتشر بها القيل والقال في أي أقل من ثوانٍ قليلة.
قاد السيارة بصمت، وهو يضغط على فكيه بقوة، كما لو كان يقاوم شيئًا ما بداخله، بينما ظلت هي بجانبه تغرز أسنانها بشفتيها، بينما التوتر والارتباك يتغلبان عليها من صمته هذا، شاعرة بالإحراج في ذات الوقت من بكائها أمامه وفضح اشتياقها إليه.
تشددت قبضتاها الممسكتين بحقيبة مدرستها، وهي تحاول بصعوبة منع الدموع التي تشكلت بعينيها مرة أخرى من أن تتساقط وتفضح أمرها أكثر، عندما أوقف جابر السيارة فجأة، مما جعلها تلتف إليه تهم أن تسأله لما توقف، عندما انتبهت أخيرًا إلى أنهما يقفان بجانب الطريق الرئيسي الذي يؤدي إلى المدينة.
شهقت بقوة عندما فجأة أحاطت يده إحدى يديها، يضمها بين يديه برفق، بينما يده الأخرى تمر بلطف فوق خدها، يمسح بحنان الدموع العالقة بها، قائلاً بصوته الأجش الذي تعشقه:
"وحشتيني يا غزل."
انحبست أنفاسها داخل صدرها، وقد اتسعت عينيها بشدة فور سماعها كلماته تلك، لكنها هزت رأسها بقوة، محاولة إخراج نفسها من حالتها تلك، هامسة بتردد:
"أنا… أنا كنت فاكرة إني مش هشوفك تاني، وإنك أكيد مش هتبقى عايز تشوفني أو تعرفني تاني بعد اللي حصل بسبب ماما."
قاطعها جابر قائلاً بنبرة صلبة، وقد تشدد وجه، بينما أصبحت عيناه تلمعان بالقسوة فور سماعه اسم والدتها:
"إنتي مالكيش دخل بكل اللي حصل يا غزل.. كام مرة أقولك إنتي حاجة وأزهار أمك حاجة تانية."
ليكمل والتعبير الحاد المرتسم على وجهه يختفي، وعينيه المعذبة تمر فوق ملامح وجهها باشتياق واضح:
"بعدين أنا مقدرش أبعد عنك.. إنتي مش عارفة إنتي غالية عندي إزاي.. يا غزل."
احمر وجه غزل بشدة، وقد اكتسحته حرارة الخجل، مما جعله يبتسم، بينما يراقب بشغف حالتها تلك.
ترك يدها برفق، قائلاً وهو يعيد إدارة السيارة:
"هاخدك وننزل المنصورة.. مش كنت واعدك هوديك السينما تتفرجي على فيلم تامر حسني الجديد."
أطلقت غزل صيحة فرح فور سماعها كلماته تلك، وهي تسقف بيديها بحماس وسعادة. لكنها سرعان ما تجمدت في مقعدها، وهي تشعر بالذنب من حماسها وفرحتها تلك، فوالدته لم يمر على وفاتها شهرين، فكيف يمكنها أن تظهر فرحها بهذا الشكل المبالغ به.
هز جابر رأسه متسائلاً فور أن لاحظ سكونها المفاجئ:
"في إيه يا غزل.. مالك؟"
أخذت نفسًا طويلًا مرتجفًا، قبل أن تجيبه بصوت منخفض يملؤه الذنب:
"معلش يا جابر، سامحني. أنا قعدت أتنتط وأصوت وماخدتش بالي."
لتكمل وهي تضم حقيبتها المدرسية إلى صدرها، وشعورها بالذنب يزداد بداخلها:
"بلاش نروح سينما.. إنت أكيد مش فاضي ولا ليك نفس."
قاطعها جابر على الفور بحدة وهو يلتف ينظر إليها:
"لا هنروح السينما يا غزل."
ثم صمت للحظة، قبل أن يتابع بنبرة متحشرجة، وهو ينظر داخل عينيها بعمق:
"أنا جيتلك عشان عايز أخرج من اللي أنا فيه.. ومليش غيرك هيخرجني منه."
قطع جملته فجأة، وقد عقد حاجبيه بغضب، بينما عينيه مسلطة على شعرها الذي كان تعقده في ذيل حصان كثيف يصل إلى أسفل ظهرها. أمسك بطرفه بين إصبعيه، قائلاً بنبرة يملؤها الحدة والغضب:
"مش قولتلك قبل كده كفاية بقى لحد كده وتتحجبي يا غزل."
ليكمل بغضب وهو يدير وجهها نحوه:
"إنتي مبقتيش صغيرة، إنتي في 3 ثانوي.. وإحنا في بلد ريفية، يعني البنت بتتحجب من قبل ما بتدخل الإعدادي. بعدين العين عليكي خصوصًا إن شكلك ملفت."
رفعت غزل نظارتها الطبية التي ترتديها إلى أعلى جسر أنفها، وهي تقاطعه مغمغمة بارتباك:
"شكلي ملفت إزاي يعني.. مش فاهم؟"
أخذ جابر يتطلع إليها بصمت عدة لحظات، قبل أن تمر عينيه فوقها متفحصًا بنظرات ممتلئة بالإعجاب واضح. لكنه تنحنح بقوة، بينما يدير وجهه بعيدًا، فاركًا شعره بعصبية، كما لو كان يحاول السيطرة على نفسه، قائلاً بصوت أجش حاد، بينما يعود للقيادة:
"من بكرة تلبسي الحجاب يا غزل.. كفاية أوي لحد كده."
أومأت غزل رأسها بالموافقة، وهي تفكر كيف سوف تقنع والدتها بارتدائه، فقد كانت ترغب بأن تظل بشعرها لحين دخولها الجامعة بالعام المقبل.
زفر جابر بقوة، كما لو كان يحاول تهدئة نفسه، قبل أن يلتف إليها قائلاً وهو يبتسم لها، محاولًا تعويضها عن قسوته السابقة معها:
"ها، مقولتليش يا ست غزل موافقة تيجي معايا السينما ولا لأ؟"
أومأت برأسها بصمت، قبل أن تبادله ابتسامته تلك بابتسامة خجلة، بينما أخذ قلبها يقفز داخل صدرها بعنف، وهي ترى عشقه لها مرسومًا داخل عينيه بوضوح. عشقه الذي لم يفصح عنه بالكلمات حتى الآن، لكنه أفصح عنه بجميع أفعاله معها.
ومنذ ذلك اليوم، أصبح جابر من عادته أن ينتظرها أمام مدرستها يوميًا، يراها لمدة دقائق قليلة، موصلًا إياها إلى المنزل بسيارته، لكنه كان ينزلها بعيدًا عن المنزل بعدة شوارع حتى لا يقابل والده. وكان بكل مرة يأتي لها بمجموعة كبيرة من الحلوى، خاصة غزل البنات ذات الألوان المبهجة التي كانت تعشقها.
كان يحب دائمًا مراقبتها وهي تتناوله. في ذلك الوقت، كانت متأكدة من حبه لها، فقد كان فظًا مع جميع من حوله، حتى في عمله كان يخافه العمال والأشخاص الذين يعملون معه، عكس ما كان معها، فقد كان لينًا في حديثه معها. كان يحاول دائمًا إسعادها بأي طريقة. حتى أنه كان يصطحبها إلى المدينة عدة مرات، يأخذها هناك لزيارة الأماكن التي كانت ترغب بشدة لزيارتها.
كان والده عثمان ووالدتها يعلمان بأمر زياراته لها بالمدرسة وخروجهم سويًا، إلا أنهم تصنعا عدم المعرفة، فقد كان والده يأمل دائمًا بتزويجهم.
بينما استمر الخصام بين جابر ووالده لأكثر من عام، لكنه انتهى عندما تعرض عثمان وأزهار إلى حادث أليم، الذي أدخل أزهار في غيبوبة دائمة وجعل من عثمان عاجزًا مقعدًا.
فاضطر جابر للعودة إلى المنزل، حيث تحدث إليه والده الذي كان في حالة من الانهيار بسبب حالة أزهار، حيث ترجى جابر أن يسامحه ويعود إلى المنزل هو وشقيقته. وبالفعل، أخبره جابر أنه قد سامحه، حيث لم يستطع أن يرى والده بهذه الحالة بمفرده. لكنه لم يعد إلى المنزل مع شقيقته فقط، فقد جاءت معهم لبيبة، شقيقة والدتهم، التي تحججت بأنها ستقيم معهم حتى تقوم برعاية ابنة شقيقتها بسمة.
ثم حاولت إقناع عثمان بأن يتزوج منها حتى تستطيع البقاء معهم بالمنزل دون أن يصيبها القيل والقال من الناس، لكنه رفض بشدة أن يتزوج امرأة غير أزهار، التي كان يذهب يوميًا إلى المشفى لزيارتها على كرسيه المتحرك.
أما لبيبة، فقد رفضت غزل وقامت بإهانتها وطلبت من جابر أن يطردها خارج المنزل، لكن جابر رفض بشدة وهدد خالته بعدم الاقتراب منها ومعاملتها بشكل جيد، وإلا ستواجهه هو، مخبرًا إياها بوضوح بأن غزل ليست كوالدتها، وأنه يجب عليها الفصل بينهما.
وقتها وافقت لبيبة على مضض، لكنها بدأت أن تتبع معها أسلوبًا ماكرًا، حيث اتفقت مع ابنة شقيقتها بسمة عليها، فقد كانوا أمام جابر يعاملونها بشكل جيد، وفور غيابه يقومون بإهانتها وإذلالها بكلمات مهينة قاسية، خاصة عندما كان يسافر جابر للعمل بالخارج، فقد كان يزداد الأمر سوءًا، حيث كانوا يجبروها على العمل بالمنزل، حتى وصل بهم الأمر في كثير من الأحيان من حرمانها من واجبات الطعام والغلق عليها بغرفتها.
وعندما هددتهم غزل بأنها ستخبر جابر بما يفعلونه بها، ابتسمت بسمة وأخبرتها بأنها ستنكر الأمر، وبالطبع جابر لن يصدقها ويكذب شقيقته، وأنها ستخبره بأنها تفعل ذلك حتى تخرب علاقتهم كما فعلت والدتها بعلاقة والديهم. لذا صمتت غزل عما يفعلونه بها، فقد كانت تعلم بأنه لن يصدقها ويكذب شقيقته الوحيدة، التي كان يهتم لأمرها كثيرًا، خاصةً بعد وفاة والدتهم.
لكن عندما ازدادوا في أفعالهم تلك، اضطرت غزل إلى أن تلجأ إلى جابر وتخبره بما يفعلونه بها، وقتها غضب جابر بشدة فور سماعه الأمر، واجتمع بهم في الحال وقام بتعنيفهم، لكن انفجرت بسمة في البكاء والعويل، مخبرة إياه بأنها لم تفعل شيئًا، وأن غزل هي من تحاول صنع المشاكل حتى تفرقهم عن بعضهم البعض.
رفض جابر تصديق بسمة، وطلب منهم بأن يبتعدوا عنها، وإلا ستواجهان غضبه. كان ما يصبر غزل على كل ذلك معاملة جابر لها، فقد كان يعاملها بحنانه واهتمامه المعتاد، وكان يحاول كثيرًا التخفيف عنها، فقد كان يعلم مدى صعوبة الأمر عليها بسبب مرض والدتها، حتى أنه كان يأخذها إلى المشفى يوميًا لزيارتها، حيث كان يبقى منتظرًا إياها بالخارج لحين انتهائها من زيارتها، كما كان يخصص عطلة نهاية الأسبوع لها، حيث كان يأخذها إلى المدينة للترفيه عنها، كما كانوا يفعلون بالماضي، مما أشعل ذلك غيرة شقيقته، فرغم أنه كان يدللها كثيرًا، لكنها كانت لا تطيق تقرب شقيقها من غزل، مما جعلها تزيد من معاملتها السيئة لغزل، فقد كانت تكرهها حقًا.
وفي ذات يوم، كانت غزل جالسة بغرفة الطعام تتناول بمفردها طعامها، عندما جاءت بسمة ووقفت بجانبها، تتطلع إليها بنظرات ممتلئة بالكراهية والاشمئزاز:
"هو إنتي إيه معندكيش دم.. الطفح اللي عمالة تطفحيه ده.. والفلوس اللي عمالة تبعتريها يمين وشمال دي.. مش فلوس برضو جابر بتصرفيهم بأي حق؟"
شحب وجه غزل، وقد أصابتها كلماتها تلك في مقتل، فقد كانت حقًا تشعر بالإحراج بسبب بقائها هنا بعد مرض والدتها، فجابر كان ينفق عليها الكثير والكثير من المال، فقد كان كل حين يشتري لها الملابس الجديدة بالاضافة إلى الخروجات والسفر إلى المدينة، فكل ما كان يمكن أن تتمناه كان يأتي به لها دون حتى أن تطلبه منه.
أكملت بسمة بغل وسخرية لاذعة، وهي تتطلع إليها بقسوة:
"أكيد هتديله تمن اللي بيصرفه عليكي في أوضة النوم.. مش كده؟"
انتفضت غزل واقفة تهجم عليها، وغمامة من الغضب تعمي عينيها، لا تصدق أنها اتهمتها بهذا الأمر الحقير. قبضت غزل على شعرها تجذبه بعنف، مما جعل بسمة تصرخ بقوة مستغيثة بمن في البيت، ليقتحم الغرفة راكضًا جابر، الذي ما إن شاهد وضعهم هذا، أسرع بحمل غزل بين ذراعيه بعيدًا عن شقيقته، صارخًا بهم بغضب بأن يتوقفوا عن أعمال الأطفال تلك، ناعتاً إياهم بأنهم غير مسؤولين.
التفتت إليه غزل قائلة بحدة، مقاطعة إياه وهي تنتفض مبتعدة من بين ذراعيه:
"أختك.. شايفة إني أدفعلك في أوضة النوم تمن اللي بتصرفه عليا من فلوس؟ إيه رأيك يا جابر؟"
اشتعلت عينين جابر بغضب عاصف فور سماعه كلماتها تلك، صفع شقيقته بقسوة وهو يصرخ بها بشراسة:
"قسماً بالله يا بسمة، إن ما احترمتي نفسك واتظبطتي لأوريكي وش تاني مني.. الظاهر إني دلعتك بزيادة."
هتفت بسمة بحدة ويدها فوق خدها الذي أصبح بلون الدماء أثر صفعه لها، قائلة بغل وهي تنظر بتحدي إلى غزل:
"بتضربني ليه عشان بقول الحقيقة؟ مش هي دي برضو أمها الفاجر.ة اللي كانت عشيقة أبونا وهي على ذمة راجل تاني……"
لم تشعر غزل بنفسها إلا وهي تهجم عليها، تضربها بقسوة بأنحاء جسدها، ناعته إياه بأقسى الشتائم، مقاومة بضراوة جابر الذي حاول فصلها عن شقيقته حتى نجح بصعوبة بالنهاية.
حملها بين ذراعيه بعيدًا عن بسمة، مما جعلها تصرخ به وتضربه بيديها محاولة دفعه بعيدًا، فقد كانت في حالة شبه هستيرية. ظل جابر يضمها إليه رافضًا تحريرها حتى هدأت تمامًا، لكنها التفتت تتطلع إلى بسمة المستلقية على الأرض بشعر أشعث ووجه ملئ بالخدوش بفعل الأظافر الحادة لغزل:
"قسماً بالله يا بسمة لأدفعك تمن اللي قولتي ده غالي."
لتكمل بوعيد والكراهية تلمع بعينيها:
"سمعتيني.. قسماً بالله لأندمك طول حياتك على الكلام اللي قولتي ده وهعرفك الفاجرة بنت الفاجرة هتعمل فيكي إيه."
قاطعها جابر بحدة وثرامة:
"غزل.. إيه اتجننتي؟ بتهددها قدامي."
زجره غزل بغضب قبل أن تلتف إلى بسمة مرة أخرى قائلة بتهديد:
"خافي مني عشان قسماً بالله ما هرحمك.. حتى أخوكي ده مش هيقدر يرحمك من اللي هعمله فيكي."
أنهت جملتها دافعة جابر بحدة في صدره، قبل أن تنطلق خارجًا، ولكن وهي في طريقها إلى الأعلى، وصل إلى سمعها صوت جابر الغاضب وهو يعنف شقيقته بقسوة، حتى أنها سمعت تلك الحقيرة تبكي طالبة منه السماح، لكنها لم تهتم وذهبت إلى غرفتها.
جاء بعد ذلك جابر إليها وحاول مراضاتها، وعندما أخبرته أنها ستنتقل وتترك المنزل، انفجر بها وأخبرها أنه يحبها ويرغب بالزواج منها. وقتها شعرت غزل بأنها ملكت العالم بأكمله، لكنهم اتفقوا أن ينتظروا قليلًا قبل إعلان خطبتهم، فقد كان حادث والده ووالدتها لا يزال حديثًا. وظلوا أكثر من شهر كانوا غارقين بحب بعضهم البعض، وقتها شعرت غزل بسعادة لم تشعر بها من قبل طوال حياتها.
حتى جاء اليوم الذي هدم فيه سعادتها تلك.
اعتدلت غزل في مقعدها بجانب فراش والدتها بالمشفى، وهي تتذكر ذلك اليوم الذي انقلب به حب جابر وعشقه لها إلى كراهية واحتقار. ففي إحدى الليالي، شعرت غزل بالجوع في منتصف الليل، لذا هبطت إلى المطبخ لكي تصنع شيئًا تأكله، وهي تشعر بالاطمئنان لوجود جابر بالمنزل، فلبيبة و بسمة لن يستطيعوا فعل شيء لها في حضوره.
أخرجت من المجمد بطاطس جاهزة للقلي، وضعت زيتًا غزيرًا على نار البوتاجاز حتى تقوم بقليها. عندما سمعت صوتًا خلفها، التفتت فازعة لتجد بسمة واقفة بباب المطبخ تزجرها بنظرات يملؤها الكراهية والغل، بينما كان وجهها وعينيها منتفخين بشكل ملحوظ، كما لو كانت قد قضت الساعات الماضية في البكاء.
همست بصوت خشن يقطر بالغل والحقد:
"بقى أنا بنت الحسب والنسب يفضلك إنتي عليا.. ليه فيكي إيه زيادة عني.. فيكي إيه مش فيا."
غمغمت غزل بارتباك وعدم فهم:
"هو مين ده؟ أنا مش فاهمة حاجة؟"
صرخت بسمة مقاطعة إياها بنبرة يتخللها الجنون والغضب:
"أيوه.. استهبلي.. أوي يا بت، وقعي رجالة العيلة كلها في حبلك واعملي عبيطة مش فاهمة. إيه مش كفاياكي جابر اللي واكله عقله.. جاية عايزة كمان تاخدي مني ده كمان.. بس أقول إيه، ما إنتي خرابة بيوت زي أمك."
لتكمل وهي تتقدم لداخل المطبخ وعينيها لازالت مسلطة على غزل الواقفة تتطلع إليها بأعين متسعة بالصدمة، وهي لا تفهم عما تتحدث:
"بس أنا عارفة إزاي أخليكي تختفي من حياتي خالص وجابر اللي يطردك من البيت بإيده زي ما كان المفروض أمك تتطرد منه بعد ما حاولت تولعي في أمي وتحرقيها."
أنهت جملتها تلك وهي تتقدم نحو، ترفع العبوة التي كانت بيدها وتسكب السائل الشفاف الذي بداخلها فوق رأسها، لتغرق كامل جسدها به، وينبعث على الفور رائحة البنزين القوية والنفاذة، مما جعل غزل تتراجع للخلف بعيدًا عنها، وهي تشاهد بارتباك ما تفعله وهي لا تفهم ما الذي تحاول صنعه تلك المختلة.
لكن شحب وجه غزل، وقد سيطر الخوف فور أن سمعتها تصرخ بأعلى صوت لديها بنبرة شبه هستيرية:
"الحقــــــوني.. عايزة أولع فيا.. الحقــــــني يا جابر عايزة تحرقني زي ما أمها كانت عايزة تحرق أمي.. الحقوني يا ناس هتموتني."
رواية خطاياها بيننا الفصل الثاني 2 - بقلم هدير نور الدين
الحقوني…. عايزة أولع فيا….
الحقوني يا جابر عايزة أحرقني زي ما أمها كانت عايزة تحرق أمي…
الحقوني يا ناس هتموتني……
كانت تصرخ بتلك الكلمات بأعلى صوت لديها وهى تتقدم نحو غزل وابتسامة شامتة تتسع بها شفتيها، فقد كانت تعلم جيداً أن شقيقها سيقوم بطردها ما إن يأتي إلى هنا ويرى أنها تحاول حرقها بالفعل كما فعلت والدتها بوالدتهم.
أخذت تتقدم ولم تنتبه إلى نيران الموقد المشتعل الذي كانت غزل تقف بجانبه تصنع طعامها، لذا وما إن أصبحت بجانبه أمسكت النيران بملابسها التي كانت مشبعة بسائل البنزين القابل للاشتعال، مما جعلها تصرخ بهستيرية والنيران أخذت تلتهم جسدها.
أخذت غزل تصرخ هي الأخرى صرخات هستيرية مرتعبة وهي في حالة من الرعب والصدمة، وعقلها لا يستوعب ما حدث بالفعل، بينما تتراجع إلى الخلف في خوف وهي تشاهد النيران تلتهم جسد بسمة.
في أقل من ثوانٍ اقتحم جابر الغرفة وكمال من بالمنزل الذين اجتمعوا على صراخ كلاً من بسمة وغزل، لكن تجمدوا في أماكنهم وقد صعقوا من رؤيتهم لحالة بسمة.
بينما أسرع جابر الذي تصرف سريعاً واختطف عبوة إطفاء الحرائق وقام باستعمالها على النيران التي كانت تلتهم شقيقته لتخمد على الفور وتنطفئ.
انهارت غزل على أرضية المطبخ تدفن وجهها بين ساقيها، بينما تحيط ذراعيها جسدها الذي كان ينتفض بقوة من شدة الصدمة والخوف.
أغلقت عينيها بقوة وهي تحاول دفع بعيداً مشهد النيران التي كانت تلتهم جسد بسمة.
دفنت رأسها أكثر بين ساقيها محاولة حجب صوت الصراخ الغاضب لجابر الذي كان يحمل جسد شقيقته المتضرر ويركض مسرعاً إلى الخارج بها نحو المشفى، وصراخ وعويل لبيبة الذي ملأ المكان.
كانت غزل تنكمش على نفسها أكثر راغبة بأن تختفي أو أن تموت بهذه اللحظة.
بعد مرور عدة ساعات…
كانت غزل مرتمية فوق فراشها تبكي، فقد علمت من إحدى العاملين بالمنزل بأن بسمة قد تعرضت لحروق خطيرة من الدرجة الثالثة أدت إلى تشوه أكثر من نصف جسدها وجزء من وجهها.
دفنت وجهها بوسادتها وهي تطلق نشيجاً ممزقاً، بينما كامل جسدها كان يرتجف من شدة شهقات بكائها، فهي لا تعلم لماذا فعلت بسمة ذلك، فقد كانت ترغب بحيلتها تلك أن تؤذيها وتطردها من المنزل، لكن بالنهاية هي من تأذت ودمرت.
انتفضت جالسة فور أن انفتح باب غرفتها بقوة جعلته يرتطم بالحائط.
نهضت مغمغمة بلهفة فور رؤيتها لجابر يدلف إلى داخل غرفتها.
"جابر… طمني بسمة عــ…."
لكنها ابتلعت باقي جملتها بخوف متخذة عدة خطوات إلى الخلف عندما رأت جابر يتقدم نحوها بوجه متجهم وعينين تتقافز شرارة الغضب منها.
شعرت برجفة من الخوف تسري بسائر جسدها.
خوف لأول مرة تشعر به في حضور جابر الذي كان يطمئنها وجوده دائماً.
همست بتردد وذعر وهي تراقبه بأعين متسعة من الخوف.
"إيه يا جابر… مالك؟!"
ولكن وقبل أن تنهي جملتها دوت صفعة على خدها أطاحت برأسها من مكانه مما جعلها تسقط بقسوة أرضاً وهي تصرخ متألمة منفجرة في بكاء مرير.
حاولت أن تلملم شتاتها وتنهض ببطء، لكنه لم يدع لها الفرصة حيث أنهال عليها بصفعة أخرى جعلت رأسها يرتطم بالأرض بقسوة مما جعلها تصرخ متألمة، بينما الدماء تسيل من جانب فمها وأنفه.
انحنت حول نفسها دافنة رأسها بين ذراعيها بحماية، وكامل جسدها يرتجف رعباً عند سماعه يصرخ بها وهو يعاود ضربها بشراسة بضربات متفرقة بأنحاء جسدها.
"حرقـتيها…. ليه… حرقتيها ليه… نفذتي خلاص تهديدك وندمتيها العمر كله… عرفتيها بنت أزهار قادرة تعمل إيه زي ما هددتيها؟!"
ليكمل وهو ينهال عليها ضرباً بقدمه يضربها ضربات متفرقة بأنحاء جسدها غير آبه بصراخها المدوّي الباكي المتألم.
فقد كان أشبه بالمجنون المغيب.
"اللي أمك معرفتش تعمله في أمي… انتي قدرتي تعمليه في أختي….. وأنا السبب… أنا اللي ساعدتك في ده."
صرخت غزل باكية وهي لازالت تحاول حماية جسدها من ضرباته.
"والله ما عملت حاجة… هي اللي عملت كده والله العظيم ما لمستها ولا قربت حتى منها….."
قاطعها مزمجراً بوحشية وهو يقبض على شعرها بعنف حتى كاد أن يقتلعه من جذوره، لا يعير لصراخها المتألم.
"هي اللي عملت في نفسها إيه يا بنت الـ*** يا زبالة، هي اللي حرقت نفسها… ليه مجنونة؟"
هزت رأسها بينما تطلق صرخة مدوية عندما جذب شعرها بقسوة.
"والله ما عملت فيها حاجة… هي اللي دخلت ورمت على نفسها البنزين وقالتلي إنك هتطردني من البيت، وأول ما قربت من البوتجاز النار مسكت فيها….."
أنهت جملتها والأمل بداخلها يتصاعد عندما رأت الغضب الذي بعينيه قد هدأ قليلاً، بينما يده الممسكة بشعرها قد خفّت قبضته.
لكن انطفأ أملها هذا عندما سمعت لبيبة تهتف بقسوة من خلفه وهي تتقدم لداخل الغرفة.
"أوعى تصدقها يا جابر دي كدابة… فوزية شافتها بعينيها وهي بتولع عود الكبريت وترميها على أختك الغلبانة."
اتجهت عيني جابر نحو فوزية المرأة التي كانت تعمل بهذا المنزل، والتي يعدها يحترم جابر كثيراً ويعدها كوالدته، فقد معروف عنها الصدق والأمانة، وكان معروف عنها حبها الشديد لغزل.
سألها بصوت مرتجف وهو يدعو في قلبه بأن تنفي سؤاله هذا.
"شوفتيها ولا لأ يا فوزية…؟"
هزت فوزية التي كانت تقف خلف لبيبة رأسها قائلة بصوت مرتجف بعض الشيء.
"حصل يا بني غزل هي اللي حرقت أختك أنا شوفتها بعيني…."
صرخت غزل بصدمة وهي لا تصدق أن تلك المرأة الطيبة قد كذبت، فبكلماتها تلك ثبتت عليها التهمة.
"محصلش أقسم بالله ما حصل خالة فوزية انطقي بالحقيقة حرام عليكي."
صرخت لبيبة انتحاباً مزيفاً مقاطعة إياها عمداً.
"آه يا ضنايا يا بنتي… يا زهرة شبابك اللي راح يا بنتي.. منك لله يا حرباية يا بنت الحرباية أمك موتت أمها بحسرتها وقهرتها وأنتي وحرقتي بنتها حية وحرقتي قلبنا عليها… يا ترى هتقومي منها يا بنتي ولا خلاص عليه العوض."
فور سماع جابر كلماتها تلك جن جنونه مرة أخرى، وقد جعلت كلماته الدماء تفور بعروقه.
أنهال عليها يضربها بقسوة، ضربات متفرقة بأنحاء جسدها غير آبه بصراخها المدوّي الباكي المتألم.
لكنه فقد السيطرة على نفسه تماماً وقبضت يديه على عنقها يعتصره بشدة.
ظل على حالته تلك من اللاوعي وهو يعصر عنقها الرقيق بين يديه، بينما أخذت هي تحاول مقاومته حيث انعدم الهواء تماماً داخل صدرها، فأخذت تضربه بيديها ضربات متعثرة فوق قبضته المحيطة بعنقها محاولة جعله يفلتها، لكنه لم يتحرك من مكانه وظل في حالته الجنونية تلك.
وقفت لبيبة تتابع هذا المشهد وابتسامة واسعة شامتة تلتوي بها شفتيها، بينما كانت مستمرة بالصراخ بكلماتها السامة مزيدة من إشعال غضبه، مانعة فوزية من التوجه نحو جابر وإنقاذ غزل من بين يديه.
استمرت غزل في مقاومته لكنها بالنهاية استسلمت حيث أدركت أن هذه هي نهايتها التي لا مفر منها، رددت الشهادة بداخلها قبل أن تغرق في غمامة سوداء ابتلعتها داخلها.
لم تستيقظ غزل إلا في المشفى وبجوارها تجلس فوزية التي كانت تعمل بمنزل العزازية منذ أكثر من ٣٥ عاماً.
أمسكت بيد غزل هامسة وهي تبكي.
"سامحيني يا بنتي… بس غصب عني لبيبة هددتني بعيالي… ودي ست قادرة وتقدر مش تموتلي عيل لا دي ممكن تمحي عيلتها كلها من على الأرض….."
لتكمل وهي تنحني على يدها محاولة تقبيل يدها.
"سامحيني.. يا ضنايا حقك عليا."
جذبت غزل يدها سريعاً قبل أن تربت على يدها بحنان مطمئنة إياها أنها تعلم أن الأمر ليس بيدها.
قامت فوزية برعاية غزل بالمشفى والاعتناء بها، ثم اصطحبتها إلى المنزل.
وقتها حاولت غزل الهرب من المشفى رغم أنها وقتها لم تكن تعلم إلى أين تذهب، فعائلة والدها مقاطعين إياها بسبب كرههم لوالدتها.
لكن لم يهمها هذا وقررت الهرب إلى المدينة، لكن أمسك بها كلاً من خليل وجعفر غفر جابر الذين كانوا ينتظرون خارج المشفى وأخبروا جابر فور وصولهم إلى المنزل بمحاولة هربها تلك.
وقتها ثار عليها كالمجنون، فكان غاضباً غضباً لم تراه بحياتها، لكنه رغم ذلك لم يحاول إيذاءها واكتفى بتهديدها أنها إذا حاولت الهرب مرة فسوف يقتلها.
ثم شدد الحراسة على المنزل ومنعها منعاً باتاً من الخروج من المنزل إلا لزيارة والدتها، وهذا أيضاً بصاحبة إحدى الغفر.
مثل الآن ومنذ ذلك وقد بدأت معاناتها بمنزل العزايزة حيث جعلتها لبيبة خادمة لها ولمن بالمنزل جميعاً.
تتعمد إهانتها وتعنيفها كما لو كانت تتلذذ بذلك، وبسمة التي أصبحت معاملتها لها أسوأ من قبل، فقد كانت تعاملها كما لو كانت حقاً من قامت بحرقها.
كما أصبحت حبيسة غرفتها ترفض الخروج إلى الناس، فقد شوه جسدها وجزء من وجهها، ورغم قيام شقيقها بتسفيرها إلى الخارج لإجراء الكثير من عمليات التجميل، إلا أن ظل جزء كبير من وجهها وجسدها متضرر.
كما أصبح جابر يتجاهلها يتعامل معها ببرود مميت، لكن أحياناً كان يصيبها غضبه مثل ما حدث بالأمس بحفل خطبة ابنة عمه.
في اليوم التالي.
كانت غزل نائمة في سلام عندما استيقظت فجأة منتفضة وهي تشهق بصوت يملؤه الذعر عندما شعرت بماء بارد مثلج ينسكب على وجهها، وبارجاء المكان يصدح صوت لبيبة التي كانت تقف بجوار فراشها على وجهها يرسم معالم السخط والغضب.
"اصحي يا منيلة على عينك وعين أهلك.. إيه كل ده نوم.. ده انتي ليلة أبوكي سودة النهاردة."
مررت غزل يدها فوق وجهها تمسح المياه العالقة بها مغمغمة بحنق.
"إيه يا خالة لبيبة… أنا عملت إيه دلوقتي…؟"
قاطعتها لبيبة بقسوة ضاربة إياها بقبضتها في ذراعها مما جعل غزل تصرخ متألمة.
"عملك منيل زي وشك ووش اللي جابوكي…. الساعة بقت ٥ وربع… قومي فزي حضري الفطار ونضفي البيت…."
ضربت غزل شرشف الفراش بيدها متأففة بغضب قائلة وهي تنهض.
"حاضر قايمة أهو… قايمة أهو."
لتكمل محدثة نفسها وهي تدير ظهرها لها بينما تفرك ذراعها الذي كان يؤلمها أثر ضربها به، مهمهمة بحنق وبصوت منخفض كعادتها.
"اللهي تتشلي في إيدك يا بعيدة… اللهي عربية تعدي من فوقك أربع مرات رايح جاي لحد ما تتقلي لحمة مفرومة يتقرف الكلب حتى……"
صرخت لبيبة بحدة من خلفها مقاطعة إياها.
"بتبرطمي بتقولي إيه يا بت انتي… انتي مش هتبطلي عادتك الزفت دي إيه فكراني مش فاهمة بتهببي إيه؟"
استدارت إليها غزل قائلة وهي تهز كتفيها ببرود، متصنعة البراءة.
"ولا حاجة يا خالة كنت بفكر مع نفسي أعملكم فول بالطماطم ولا بالطحينة… مش أكتر."
رفعت لبيبة حاجبها قائلة باستهجان.
"لا وحياة أمك أزهار… عليا برضه ما أمك الله يجحمها مطرح ما هي متلقحة كانت زيك كده برضه بتعقد تبرطم باللي جواها…."
قاطعتها غزل بغضب وحدة.
"بعد الشر على أمي… متدعيش عليها."
لتكمل بغضب وعصبية وهي تشعر بقلبها يتمزق من مجرد تخيلها لوالدتها.
"إن شاء الله هيجي اليوم اللي تفوقي فيه وترجعي بيتها وتجيبيلي حقي منكوا كلكوا… واحد.. واحد."
أطلقت لبيبة ضحكة رنانة ساخرة قبل أن تقترب منها ببطء وتقبض على شعرها بقسوة مما جعل غزل تطلق صرخة متألمة.
"بتقولي إيه يا حيلتها سامعيني تاني كده… ترجع وتدفعنا التمن…"
لتكمل بغل وهي تدفعها بقوة للخلف مما جعلها تسقط بقسوة.
"أمك دي لو فاقت وقامت لها قومة من تاني هجيبها هنا تحت رجلي… تخدمني زيك بالظبط كده…. عثمان اللي كان مقوياها علينا بقى عامل زي خيال الميتة متلقحة فوق اهو لا بقى بيهش ولا بينش…."
أنهت جملتها منحنية فوق غزل مزمجرة من بين أسنانها وهي تسترد قائلة بغل وعينيها تلمع بكم الكراهية التي تكنها لوالدتها.
"ده لو أصلاً لو قامت منها… أمك كلها شهر ولا اتنين بالكتير وتلبسي عليها أسود…."
لتكمل وهي تنتفض مستقيمة مرمقة إياها بنظرات مليئة بالاشمئزاز والرفض.
"عقبال ما نلبسه عليكي قريب انتي كمان…."
جفلت غزل بشدة فور سماعها كلماتها القاسية تلك مما جعلها تهتف بغضب وهي تزجر لبيبة بحدة.
"بعد الشر عليا وعلى أمي…."
لتكمل وهي ترمقها بنظرة ذات معنى.
"إن شاء الله اللي يكرهنا….."
لوت لبيبة شفتيها في ابتسامة ساخرة وهي تقاطعها ببرود.
"واللي يحبوكوا أو يطقيكوا كمان….."
لتكمل وهي تتجه نحو الباب متجاهلة تعبير الكراهية المرتسم على وجه غزل.
"خلصي وقومي فزي يلا وشوفي وراكي إيه تنيليه…. عايزة الفطار يبقى جاهز في نص ساعة…."
وقفت بالباب مستديرة نحوها قائلة بوعيد وتهديد.
"وعلى الله تتأخري ثانية واحدة علشان أخلي ليلة اللي جابوكي سودة زي وشك العكر…."
أنهت جملتها تلك خارجة من الغرفة تاركة باب الغرفة مفتوح على مصراعيه، بينما ظلت غزل جالسة بمكانها على الأرض ترمقها بنظرات سامة، حيث لو كانت النظرات تقتل لكانت وقعت لبيبة صريعة في الحال.
بمنتصف اليوم.
كانت غزل تضع الطعام الذي أعدته على طاولة الطعام، متجاهلة النظرات المتفحصة التي كان يرمقها بها جابر الذي كان يجلس مترأساً طاولة الطعام، وبجانبه تجلس لبيبة التي ما إن وضعت أمامها صحن الحساء عكفت أنفها قائلة بحدة.
"إيه ده الشوربة دي باردة كده ليه… انتي مسخنتهاش ولا إيه…؟!"
تفحصت غزل بارتباك صحن الحساء الذي كانت الأبخرة تتصاعد منه، فقد كان السائل الذي به يكاد يصل حد الغليان.
"باردة إيه!!! ما هي سخنة قدامك اهها.. ولا هو أي تلاكيك وخلاص."
تفت لبيبة بحدة.
"تلاكيك؟!! انتي بتكدبيني يا بت انتي هي حصلت…."
لتكمل وهي تلتفت نحو جابر الذي كان يتناول طعامه بهدوء قائلة بعصبية.
"شايف البت وقلة أدبها.. يا جابر انت هتسكت على قلة أدبها دي؟"
أكمل جابر تناول طعامه بهدوء متجاهلاً إياها كما لو كانت لم تتحدث، مما جعل نيران الغضب تشتعل بصدرها.
التفت نحو غزل مرة أخرى قائلة بغل وهي تجز على أسنانها بقسوة.
"انجـري يا بت سخني الشوربة دي وهاتيها تاني… وهخلي ليلة أهلك تعدي."
هزت غزل رأسها قائلة برفض، بينما عينيها متعلقة بخوف على جابر وهي تتوقع أن يعنفها بأي لحظة.
"مش هسخن حاجة الشوربة سخنة قدامك اهها…."
تشنج جسد لبيبة بغضب فور سماعها كلماتها تلك، لكنها حاولت تمالك نفسها والسيطرة على أعصابها حتى لا تنهض وتجذب شعرها بين يديها تمزقه حتى تعلمها كيف تتحدث معها هكذا، لكنها لا تستطيع فعل ذلك أمام جابر، فرغم أنها تقوم بإهانتها إلا أنها تخاف أن تمسها بسوء جسدياً أمامه.
تنفست بعمق قبل أن تهمهم بلؤم وهي ترفع الصحن من أمامها.
"تعالى خديه وسخنيه وخلي ليلتك دي تعدي قولتلك…."
زفرت غزل بحدة قبل أن تستسلم وتتجه نحوها حتى تأخذ الصحن منها وتعيد تسخينه، لكن ما إن همت بتناوله منها دفعت لبيبة الصحن مما جعل جميع محتوياته تنسكب فوق يدي غزل التي صرخت متألمة وهي تشعر بيدها تحترق.
انتفض جابر واقفاً فور سماعه صرختها تلك يهم بالتوجه نحوها وهو يشعر بالهلع، لكنه تمالك نفسه في آخر لحظة مرتدياً مرة أخرى قناع اللامبالاة وهو يعاود الجلوس مكانه مرة أخرى.
بينما هتفت لبيبة بفزع كاذب.
"يقطعني الطبق اتزحلق من إيديا…. "
لتكمل وهي تتناول ملعقة من الطعام تضعها بفمها مهمهمة ببرود.
"يلا الحمد لله إنها باردة مش سخنة… وإلا كانت حرقت إيدك."
وقفت غزل تحتضن يدها المحترقة إلى صدرها وهي تكاد تنفجر في البكاء، تنظر باستنجاد إلى جابر الذي كان يجلس بهدوء تماماً يرتشف من كوب العصير الذي بيده كما لو أن لم يحدث أي شيء غير طبيعي.
شعرت بغصة تكاد تخنقها بينما دموعها تنسكب من عينيها بحسرة وألم.
بينما كان جابر جالساً بجسد متشدد يضغط بعنف على كوب العصير الذي بيده حتى كاد أن يكسره وهو يحاول تجاهل نظرات غزل تلك، فقد كان يعلم أنها تنتظر منه ردة فعل على ما حدث، لكنه تجاهلها وحاول الاستمرار في إظهار بروده الذي يعاكس النيران المشتعلة داخل صدره.
ضغط بقوة على الكوب العصير الذي بيده حتى كاد أن يكسره وهو يحاول السيطرة على أعصابه الثائرة والحفاظ على قناعه من الهدوء واللامبالاة.
شاهدها بطرف عينيه وهي تطلق نشيجاً باكياً قبل أن تستدير وتغادر الغرفة بكتفين منحنيين وهي تضم ذراعها المصاب إلى صدرها مما جعل الألم يمزق قلبه.
غمغمت لبيبة بسخرية لاذعة وهي تلوى شفتيها بشماتة واضحة بينما تتابعها بالخارج بنظراتها السامة.
"اجري يا ختي اجري بلاش محن…."
لكنها ابتلعت باقي جملتها مطلقة صرخة من الرعب والألم في ذات الوقت عندما شعرت بشيء ساخن للغاية يسقط فوق أعلى صدرها مما جعلها تنتفض واقفة وهي تصرخ من الألم حيث أن الحرق أصاب جلدها.
"إيه اللي انت عملته ده… يا جابر…. انت اتجننت……"
قاطعها جابر مزمجراً بقسوة.
"هــا… سخنة ولا تحبي أخلي حد يسخنهالك أكتر كمان….."
تجمدت مكانها فور سماعها كلماته تلك، نظرت بأعين متسعة بالرعب والارتباك إلى أعلى حيث كان يقف وبيده صحن الحساء الذي سكب محتوياته فوقها، مما جعلها تصرخ بغل.
"بتحرق خالتك علشان خاطر اللي متتسماش يا جابر… إيه زعلان أوي عليها……"
لتكمل وهي تقترب منه حتى أصبحت تقف أمامه تتطالعه بأعين تلمع بالقسوة والكراهية.
"بس متخافش عليها أوي كده حرق الشوربة… مش زي حرق البنزين اللي حرقت به أختك.. أختك اللي أكتر من نص جسمها ووشها اتاكل واختك اللي بقالها أكتر من سنتين مستخبية في أوضتها من الناس والدنيا كلها.. علشان محدش يقول عليها مسخ…… إيه حبك لها هيعميك زي ما حب أمها ما عمى أبوك………"
ضغط جابر على فكيه بقوة فور سماعه كلماتها تلك التي تسببت بألم لا يطاق بصدره، أخذ ينظر إليها عدة لحظات وهو لا يعلم بما يجيبها قبل أن يلتف ويغادر المكان بخطوات غاضبة مسرعة.
دلفت حلا إلى غرفة صديقتها التي كانت مستلقية فوق الفراش تبكي بصوت مرتفع مما جعلها تندفع نحوها قائلة بقلق وهي تنحني جالسة بجانبها.
"غزل…..!!!"
ارتمت غزل في حضنها وانتحابها يزداد مما جعل حلا تشدد من احتضانها لها وهي تهمس.
"اهدي…. يا حبيبتي….."
لتكمل بارتباك وهي تحاول إبعادها عنها بلطف بينما تحاول فحص ذراعها.
"هي إيدك اتحرقت أوي ولا إيه…؟!"
همست غزل وهي تنظر إليها بارتباك وعدم فهم.
"و انتي عرفتي منين إن إيدي اتحرقت…؟!"
أخذت تتطلع إليها حلا عدة لحظات بصمت وعلامات التوتر تظهر على وجهها قبل أن تجيبها بتلعثم.
"هقولك بس تحلفي بالله إنك مش هتقولي لحد إن قولتي لك حاجة…."
أومأت غزل برأسها وهي تمسح وجهها من الدموع العالقة به وهي تغمغم بعصبية وفضول.
"والله العظيم ما هقول لحد… قولي بقى."
أجابتها حلا وابتسامة ترتسم على شفتيها.
"جابر اللي كلمني وقال لي أجي أشوفك وأجيب معايا علاج للحروق.. بس بعدها راح مخشن صوته وقال لي……"
لتكمل بجدية وهي تعقد حاجبيها.
"قسماً بالله لو عرفت إنك قولتي لغزل أو عرفتيها إن أنا اللي كلمتك هقتلك انتي وعيلتك كلها…."
فغر غزل فمها وهي تستمع إلى حديث صديقتها هذا هامسة بدهشة.
"بجد… هو اللي قالك..؟!"
أومأت حلا برأسها بالموافقة مما جعل غزل تغمغم بارتباك.
"طيب وقولتيلي ليه…. انتي مش خايفة منه..؟!"
هزت حلا كتفيها قائلة.
"خايفة طبعاً ده مجنون ويعملها…."
لتكمل وهي تبتسم ابتسامة واسعة.
"بس أنا فتانة… ومقدرش أخبي عنك حاجة… وأنتي أكيد يعني مش هتروحي تقولي له… أكيد مش مستغنية عني…."
شعرت غزل بمشاعرها تضطرب وهي لا تستطيع فهم لماذا اهتم بما يحدث لها خصوصاً وأنه كان يظهر أمامها لامبالياً حتى عندما حرقت لبيبة ذراعها بالحساء الساخن ظل يتناول طعامه بهدوء دون يلتف وينظر إليها مرة واحدة حتى.
راودتها فكرة جعلت قلبها تتسارع دقاته، هل من الممكن أن يكون لا يزال يهتم بها؟ لكنها هزت رأسها في الحال رافضة تلك الفكرة الحمقاء، فجابر لم يعد يهتم بها منذ حادثة شقيقته فقد تحول حبه لها إلى كراهية وبغض.
لكن ما لا تفهمه حقاً لماذا طلب من حلا أن تأتي بدواء ومعالجتها؟
في ذات الوقت.
كان جابر جالساً في غرفة مكتبه ينظر أمامه بجمود وعلى وجهه يرسم مزيج من الغضب والحزن في ذات الوقت، فقد كان يشعر بالغضب من نفسه بسبب تلك المشاعر التي لا يزال يشعر بها نحو غزل رغم كل ما فعلته به وبشقيقته.
فقد كان بالماضي يعشقها حد الجنون عندما كان يصدق أنها بريئة أشبه بملاك تسحره بضحكتها وساذجتها وبراءتها، فقد كبرت على يديه.
كانت أشبه بزهرة رائعة الجمال تكبر وتتفتح أمامه وتنضج، ويوماً بعد يوم ومع نضوجها هذا وفتحها كان يقع بحبها، حتى أصبح عاشقاً مهووساً بها وببراءتها، حتى جاء اليوم الذي قتلت به حبه لها.
تذكر ذلك اليوم الذي أحرقت به شقيقته وكاد أن يقتلها به خنقاً، ارتجف جسده بعنف وقد انقبض قلبه فور تذكره للحالة التي كانت عليها، فقد ظن وقتها أنها ماتت وفقدها للأبد.
صرخت لبيبة بانتحاب مزيف مقاطعة إياها عمداً.
"آه يا ضنايا يا بنتي… يا زهرة شبابك اللي راح يا بنتي.. منك لله يا حرباية يا بنت الحرباية أمك موتت أمها بحسرتها وقهرتها وأنتي وحرقتي بنتها حية وحرقتي قلبنا عليها… يا ترى هتقومي منها يا بنتي ولا خلاص عليه العوض."
جعلت كلماتها تلك الدماء تفور بعروقه فور تذكره لما حدث لوالدته على يد والدتها وكيف خدع بها، فقد كان يظنها ليست مثل والدتها لكنها خدعته ببرائتها المزيفة.
أنهال عليها يضربها بقسوة، ضربات متفرقة بأنحاء جسدها غير آبه بصراخها المدوّي الباكي المتألم.
وقد فقد السيطرة على نفسه تماماً وقبضت يديه على عنقها يعتصره بشدة، ومشهد شقيقته وهي تحترق أمام عينيه مما جعله يشعر كما لو كان وسط جحيم يشعل جسده بنار لا يستطيع تحملها.
ظل على حالته تلك من اللاوعي وهو يعصر عنقها الرقيق بين يديه، بينما أخذت هي تحاول مقاومته حيث انعدم الهواء تماماً من صدرها، فأخذت تضربه بيديها ضربات متعثرة فوق يديه المحيطة بعنقها محاولة جعله يفلتها، لكنه لم يتحرك من مكانه وظل في حالته الجنونية تلك يعتصر عنقها بقوة.
ولم يخرج من حالته تلك إلا على صراخ لبيبة التي كانت تهتف بصدمة كاذبة.
"البت قطعت النفس يا جابر… موتها يا جابر…."
لتكمل وهي تزغرط فرحاً.
"جبت حق أختك.. تسلم البطن اللي جابتك…."
هز جابر رأسه بقوة بينما الغمامة التي كانت تحيط عينيه وعقله تنزاح أخيراً.
أخفض نظره نحو تلك المستلقية أسفله بسكون تام ليشعر بالدماء تجف بعروقه فور أن رأى وجهها الشاحب كشحوب الأموات تماماً، بينما شفتيها تحولت إلى لون أزرق باهت بسبب انعدام الهواء.
انحنى عليها هاتفاً بهلع وفزع وهو يهزها بقوة، شاعراً بقلبه ينتفض ذعراً داخل صدره وبالدماء تكاد تغادر جسده ظناً منه أنها ماتت بالفعل.
"غزل…."
أخذ يمرر يده التي كانت ترتجف بقوة فوق وجهها الساكن وشعرها محاولاً إفاقتها وهو على وشك الانهيار والإغماء، هامساً بهلع وانتحاب.
"غزل… لا… لا يا حبيبتي… علشان خاطري.. لا… غزل…"
انحنى يتحسس نبضها الذي وجده ضعيفاً للغاية.
انحنى عليها وحملها بين ذراعيه راكضاً بها نحو باب الغرفة محاولاً الوصول بها إلى أقرب مشفى، لكن لبيبة وقفت أمامه تسد عليه الباب تمنعه من الخروج هاتفة بغضب.
"رايح بيها فين يا جابر… هتوديها المستشفى؟ إيه هتعالج اللي حرقت أختك وخالتها مرمية في المستشفى بين الحياة والموت……"
صرخ بها جابر الذي كان كامل جسده يرتجف، بينما قلبه يتمزق بداخله من فكرة أنه على وشك فقدها إن لم يسرع بإنقاذها خلال الدقائق التالية.
"ابعدي عن طريقي…."
صرخت لبيبة بغل وهي تمسك بإطار الباب بيديها مانعة إياه من العبور.
"لا مش هبعد يا ابن أختي مش هبعد… سيبها تغور في داهية وإحنا نخلي الغفر يدفنوها في الجنينة الورانية.. ولا من شاف ولا من داري وهي ملهاش حد يسأل عنها أصلاً… أمها و متلقحة في غيبوبة……"
هدد الضغط الذي قبض على صدره بسحق قلبه فور تصوره وهم يدفنون جسدها بين الأتربة، مما جعل ألم عنيف يضرب قلبه، شاعراً بالاختناق كما لو الهواء قد انعدم من حوله.
زمجر بشراسة مرعبة بينما يندفع للأمام دافعاً عمته جانباً بقوة مبعداً إياها عن طريقه، مما جعلها تسقط بقوة أرضاً، لكنه لم يبالي بها واندفع راكضاً للخارج.
صرخت به لبيبة وهي تتابعه بأعين تلمع بالغل والحقد.
"أجري وداوي اللي حرقت أختك ودوس على أختك زي ما أبوك ما داس على أمك… بسبب حبه لأمها اللي كان عماه…. زي ما حبك لبنتها الخاطية عامي قلبك وعينيك…."
تباطأت خطوات جابر فور سماعه كلماتها تلك وهو يشعر بالذنب يجتاحه، لكنه فور أن خفض عينيه نحو تلك التي يحملها بين ذراعيه ورأى حالتها التي كانت أشبه بالأموات لم يهتم بأي شيء.. لم يهتم أي شيء سواها.
ثم تبع طريقه راكضاً إلى الخارج حتى يقوم بإنقاذها وإنقاذ نفسه معها.
زفر جابر بعنف بينما يفرك وجهه بعصبية، فهو يجب أن يتمالك نفسه أكثر من ذلك، يجب أن يجعل نفسه يعتاد على أنها لا تعنيه ولا يهتم أمرها في شيء.
فهذه كانت المرة الأخيرة التي يتدخل بها في شيء يخصها.
خرج من غرفة مكتبه حتى يذهب إلى العمل ومباشرة أعمال الزراعين بالأراضي وهو لا يزال يردد عهده هذا لنفسه.
في اليوم التالي.
كانت غزل ذاهبة لإطعام الدجاجات والمواشي بالحظيرة التي تقع خلف المنزل عندما أوقفها عوض ابن عمة جابر الذي لا تعلم من أين ظهر.
"غزل كنت عايز أتكلم معاكي في موضوع…."
غمغمت غزل بتململ وهي تتلفت حولها خائفة من أن يراها أحد تقف معه، فقد كان يجن جنون جابر إذا رآها تتحدث مع أي شخص من خارج المنزل خاصة الرجال.
"خير يا عوض عايز إيه…؟! أنت عارف إن وقفتنا مع بعض دي ممكن تقلب الدنيا عليا….."
قاطعها عوض بحدة وعصبية.
"بقولك إيه يا غزل… محدش له حاجة عندي أو عندك…."
ليكمل وصوته يصبح ألطف قليلاً.
"أنا عايزة أكلمك في حاجة مهمة… بصراحة كده يا غزل أنا بحبك وعايز أتزوجك…."
اهتز الصحن الضخم الذي تحمله مما جعله يسرع ويحمله عنها وهو يسرع قائلاً عندما لاحظ وجهها الذي شحب من شدة الصدمة.
"عارف إنك مستغربة… بس والله بحبك.. بحبك من وإنتي كنت عيلة لسه في الثانوي…."
ليكمل بحدة وعينيه تلمع بغضب.
"واللي كان مانعني أن أتكلم معاكي وقتها أو حتى أتقدم إن الكل كان عارف إنك وجابر بتحبوا بعض وشبه مخطوبين….. لكن دلوقتي الكل عارف إن بعد اللي حصل مع بسمة أي حاجة بينكم انتهت من زمان…."
هدد الضغط الذي قبض على صدرها بسحق قلبها عند سماعها كلماته تلك، شاعرة بالحسرة والألم لما كانت تمتلكه وفقدته.
غرست أسنانها في شفتيها حتى أدمتها وذاقت طعم الدماء بفمها وهي تحاول حبس الدموع التي سدت حلقها.
بينما أكمل عوض وهو يحاول إقناعها.
"وافقي يا غزل… وافقي خليني أخرجك من البيت ده…."
التقطت غزل نفساً مرتجفاً في محاولة منها لتهدئة نفسها قبل أن تهمس بصوت مختنق بعض الشيء.
"سيبني فترة أفكر…. أنت عارف إنه مـ…………"
لكنها ابتلعت باقي جملتها وقد شحب وجهها عندما سمعت صوت جابر الحاد يأتي من خلفها.
"بتزفتي إيه عندك…؟!"
استدارت غزل تواجهه هامسة بتلعثم.
"أبداً كنت… كنت بأكل البهايم وعوض……."
أكمل عوض سريعاً ببعض التوتر، فرغم خوفه ورهبته من جابر إلا أنه حاول ألا يظهر هذا أمام غزل.
"أنا اللي وقفتها يا جابر… كنت بكلمها في موضوع……"
زمجر جابر بقسوة وهو يندفع يقف أمامه مباشرة وتعبير من الوحشية على وجهه.
"موضوع إيه بقى إن شاء الله اللي بتاخد رأيها فيه…. بعدين هو أنا مش نبهت عليك وحذرتك إن رجلك متخطيش البيت ده…."
ابتلع عوض لعابه بصعوبة قبل أن يجيبه بصوت مرتجف بعض الشيء وهو يحاول استجماع شجاعته.
"أصل كنت عايز غزل في موضوع خاص يا جابر…."
فقد جابر السيطرة على أعصابه فور سماعه كلماته تلك وقبض على عنقه مزمجراً من بين أسنانه المطبقة بعنف.
"موضوع خاص إيه يالا أنت هتعملهم عليا……."
ليكمل وقبضته تشتد حول عنقه بينما يهزه بقوة جعلت أسنانه تتخبط ببعضها البعض.
"طيب قسماً بالله تاني مرة إن شوفتك واقف معاها لهندمك العمر كله…… ويلا غور من هنا ومشوفش خلقتك تاني…."
أنهى جملته دافعاً إياه بقوة جعلته يسقط أرضاً زاجراً إياه بنظرات غاضبة عاصفة قبل أن يستدير نحو غزل التي كانت تشاهد ما يحدث بوجه شاحب وأعين ممتلئة بالخوف.
قبض على ذراعها بقسوة جاراً إياها خلفه طوال الطريق نحو المنزل وما إن دلفوا إلى غرفة مكتبه اشتدت قبضته حول ذراعها مما جعلها تطلق تأوهاً متألماً لم يعير له اهتماماً مزمجراً بحدة بينما عينيه المسلطة عليها تنطلق منها نيران مشتعلة.
"كان عايز منك إيه…؟"
ظلت تحدق في وجهه بخوف من لهيب الغضب الذي يلمع بعينيه، لكنها انتفضت في مكانها بفزع عندما صرخ بها.
"انطقي…. كان عايز إيه…؟"
همست بصوت مرتجف بينما تدفع بيدها الحرة التي كانت ترتجف بقوة نظارتها ذات الإطار الأسود للخلف فوق أنفها الدقيق الصغير.
"كان… كان بيقولي…. إنه عايز يتجوزني و………"
لكنها ابتلعت باقي جملتها مطلقة صرخة فزع عندما دفعها بقوة للخلف ليصطدم ظهرها بالحائط لتصبح محاصرة بينه وبين جسد جابر الذي كان لا يفصل بينهم سوى بوصات قليلة.
شعرت بالرعب يجتاحها عندما أحاطت يده عنقها يعتصره.
لكنه بعد ثوان قليلة ارتخت قبضته من حول عنقها.
شعرت غزل بالصدمة عندما الغضب المرتسم على وجهه يتحول إلى تعبير معذب كما لو أنه يتألم.
اتسعت عيناها عندما ضاقت عيناه عليها وهدير خافت يصدر من حلقه قبل أن يدفن وجهه بجانب عنقها مما جعلها تشعر برجفة حادة تسري بسائر جسدها عندما شعرت بأنفاسه الدافئة تمر على جانب عنقها، أخذ صدرها يعلو وينخفض بشدة وهي تكافح لالتقاط أنفاسها وهي لا تفهم ما حدث له فجأة.
أحاطت يديها كتفيه تدفعه بعيداً عنها مما جعله يرفع رأسه عن عنقها ينظر إليها بعينين محتقنتين يظهر بهما السعير الذي يكوي أعماقه قبل أن يهمهم بصوت أجش معذب.
"وافقتي…؟!"
ظلت تتطلع إليه بأعين ممتلئة بالدموع وهي تفكر في الأمر قبل أن تتوصل أخيراً إلى قرارها، فرغم حبها له إلا أنها تعلم أنه أصبح يكرهها ولم يعد هناك أمل بينهم بعد كل ما حدث بينهم، فموافقتها على الزواج من عوض هو الحل الوحيد للهروب من العذاب الذي تتعرض له بهذا المنزل.
أومأت برأسها بصمت ودموعها تنساب من عينيها مغرقة وجهه.
بينما تحول شحوب وجهه إلى لون رمادي كما لو كان قد فقد الحياة.
أحاط وجهها بيديه هامساً.
"هتوافقي بالساهل كده.. بعد كل اللي كان بينا…."
أشعلت كلماته تلك الغضب بداخلها، ضربته بيديها في صدره مبعدة إياه عنها وهي تهتف بغضب.
"بالساهل…؟!! أنت بتسمي العذاب اللي شفته على إيدك وإيد كل اللي في البيت ده بالساهل…."
لتكمل وقد تحولت دموعها إلى شهقات بكاء عالية ممزقة.
"واللي بينا أنت اللي موته…."
صاح مقاطعاً إياها بغضب عاصف.
"أنا اللي موت اللي بينا ولا انتي لما حرقتي أختي….."
أجابته بحدة وهي تمسح بتصميم وجهها الغارق بالدموع بكف يدها المرتجفة.
"أيوة أنت اللي صدقت… إني ممكن أعمل حاجة زي كده.. وكأنك متعرفنيش….."
ظل يتطلع إليها بصمت عدة لحظات قبل أن يهز رأسه كما لو كان ينفض ما في رأسه بعيداً قبل أن يحيط وجهها بيديه مرة أخرى قائلاً بصوت أجش.
"اتجوزيني يا غزل…"
اتسعت عينيها فور سماعها كلماته تلك وقد اهتز جسدها من شدة الصدمة، لكنها هزت رأسها محاولة الخروج من صدمتها تلك وهي تقنع نفسها أنها قد سمعت كلماته خطأ، لكنها خرجت من حالتها تلك عندما قرب وجهه منها ينظر إليها بأعين تلمع بالحاجة واليأس.
"تعالى نتجوز… انتي عارفة إننا مكتوبين لبعض مينفعش نكون لغير بعض……"
قاطعته غزل تهز رأسها بقوة وهي في حالة شبه هستيرية.
"لا… لا……"
ضاق عينيه بغضب محدقاً بها بقسوة بينما يديه التي تحيط وجهها تشدد.
"يعني إيه لا…… مش عايزة تتجوزيني…؟"
أجابته وهي تدفع يديه بعيداً قائلة بصوت ممتلئ بالوجع والحسرة.
"أيوة مش عايزة أتزوجك…."
لتكمل بصوت مرتجف مختنق بينما بكائها يزداد.
"مستغربة أوي ليه.. بعد كل اللي عملته فيا عايزني أأمنك على نفسي إزاي… أنا هتجوز عوض أهو ينجدني من العذاب اللي أنا فيه…"
قاطعه جابر هاتفاً بصوت مخيف مظلم بينما تتقافز شرارة الغضب من عينيه.
"على جثتي…. فاهمة على جثتي.. ده أنا أقتلك وأقتله…."
ليخفف من حدة نبرته فور أن رآها تجفل بخوف، أغمض عينيه يتنفس بقوة محاولاً السيطرة على ما بداخله من ألم وغضب، وعندما نجح في ذلك أحاط وجهها بيديه مرة أخرى.
"مهما اللي حصل بينا يا غزل مينفعش تبقي لغيري…."
همست بصوت مكتوم باكٍ القهر ينبثق منه.
"ليه… هتفرق معاك إيه ولا أهمك في إيه…. أنا لو مت دلوقتي ولا هيفرق معاك مش بعيد تخلي حد من الغفر بتوعك هو اللي يدفني في أي تربة من ترب الصدقة… أنا ولا حاجة في حياتك يا جابر."
انقبض صدره بألم عند سماعه كلماتها القاسية تلك، أحاط خصرها بذراعه يجذبها نحوه يضمها إليه بقوة دافناً وجهه بعنقه وهو يهمس بصوت معذب.
"انتي تهميني يا غزل و تهميني أكتر من أي حد في الدنيا… لو مش تهميني كان زماني سمعت كلام لبيبة ورميتك في الشارع يوم الحادثة، لو حد غيرك عمل كده في أختي أنا كنت قتلته ومترددتش ثانية واحدة بس أنا ضعيف نحيتك وده أكتر حاجة تعباني…. أنا محبتش في حياتي ولا عمري هحب حد قدك…."
تسارعت أنفاسها واحتدت بشدة شاعرة بالأرض تميد أسفل قدميها فور سماعها كلماته تلك.
وقفت جامدة بين ذراعيه لا تدري ما يجب عليها فعله، لكن اهتز كامل جسدها فور انقرب شفتيه من أذنها يهمس لها بصوت أجش مليء بالرجاء.
"وافقي… يا حبيبتي وأنا هعوضك هعوضك عن كل اللي فات… كفاية اللي ضاع مننا لحد كده."
تراجعت للخلف بعيداً عن ذراعيه وعينيها متسعة بالدهشة من نبرة المرارة والرجاء الموجودان في صوته.
أخذت تتطلع إليه بارتباك وقد بدأ قلبها الخائن يتأثر، لكنها رغم الألم والحزن اللذين يعصفان بداخلها إلا أنها تصنعت القوة قائلة بحدة.
"لا يا جابر مش هتـ………"
أسرع بوضع يده فوق فمها يمنعها من تكملة باقي جملتها مزمجراً بشراسة.
"متنطقهاش…."
ليكمل وهو ينظر داخل عينيها بتحدي واصرار بينما يضغط بقوة على فكيه.
"وأنا بقولك مش هتجوزي غيري يا غزل…."
همست بصوت منخفض وقد ارتجفت شفتيها في قهر دفين تنظر إليه بأعين غائمة لا ترى بسبب الدموع التي تملئها.
"إيه اللي جد يا جابر…. اللي يشوف طريقتك معايا من ساعة بس كان يقول إنك متطيق العمى ولا تطيقني…."
ابتلع بصعوبة الغصة التي تشكلت بحلقه عندما لمح ومضة الألم التي تلمع بعينيها قبل أن يجيبها.
"أنا عمري ما كرهتك يا غزل… ياريتني كنت قدرت أكرهك مكنش بقى ده حالي….."
ليكمل قائلاً وهو ينزع نظارتها الطبية ويمرر يديه على خديها يزيل دموعها برقة تعاكس جمر الغضب الذي كانت تتلوى عليه روحه والاحتراق بنيران الغيرة.
"اللي جد إني حسيت فجأة إنك ممكن تضيعي من بين إيديا وتبقي لحد تاني وده اللي لا يمكن اسمح به….."
أكمل هامساً بتضرع لأول مرة بحياته يصدر منه.
"انسى اللي فات وخلينا نبدأ صفحة جديدة… انتي لسه بتحبيني يا غزل زي ما أنا لسه بحبك متنكريش وتضيعي مننا سنين أكتر من اللي ضاعوه."
هزت رأسها بقوة برفض وقد تحول انتحابها إلى شهقات بكاء عالية ممزقة وهي تتمتم بشبه هستيرية.
"ابقى بكذب عليك لو قولتلك إني مش بحبك…."
لتكمل بكلمات متقطعة من بين بكائها.
"بس.. أنا خايفة… أنا خايفة منك وده إحساس عمري ما حسيته معاك زمان… لكن دلوقتي بقيت بخاف منك وبعمل حساب لكل كلمة بنطقها معاك عشان متبهدلنيش زي كل مرة… جابر اللي حبيته عمره ما قلل مني عكس دلوقتي….."
قاطعها بصوت يملئه الألم.
"غصب عني… غصب عني يا غزل كنت عايزاني أعمل إيه بعد اللي حصل لأختي بسببك… بس يمكن أنا غلطت المفروض كنت أراعي إنك وقتها كنت صغيرة ومكنتيش قادرة تفرقي بين الصح والغلط…."
قاطعته هاتفة بصوت ممزق.
"معملتش حاجة فيها… أقسم بالله ما عملت حاجة فيها…. حلفتلك كتير وبرضو مش عايز تصدقني…."
مرر جابر يديه بشعره يفركه بقوة ويأس يتملك منه، لكن تجمد جسده عندما شعر بيدها تمسك بيده وهي تهمس بصوت مرتجف يملئه الرجاء والألم.
"أقسم بالله مش أنا اللي عملت في بسمة كده ولا حتى قربت منها…."
ظلت نظراته المتسعة مسلطة على يدها الممسكة بيده قبل أن يطلق زفرة طويلة مرتجفة ويحيطها بذراعيه يضمها إليه قائلاً باستسلام وهو يقبل أعلى رأسها.
"مصدقك يا حبيبتي…. مصدقك."
كانت انتفضت مبتعدة عنه هامسة بارتباك وخوف.
"بالساهل كده صدقتني دلوقتي وقبل كده مصدقتنيش ليه… مصدقتنيش ليه قبل ما ترميني لعمتك واختك يبهدلوا فيا……"
ضغط جابر على فكيه بقوة وهو يشعر بعجز لم يشعر به طوال حياته.
"علشان مقدميش حل إلا أن أصدقك يا غزل…. لأني مش عايز أخسرك…."
دفنت وجهها بين يديها بينما حلقها ينقبض وهي تحاول كتم شهقات بكائها لكنها فلتت منها منكسرة بينما اهتز كامل جسدها وقد بدأت تبكي بنحيب مرتفع يمزق القلب مما جعله يسرع بضمها إليه بحنان محاولاً تهدئتها، بينما ظلت هي تبكي مخرجة كل الألم والوجع الذي تشعر بهم، فقد كانت لا تعلم ماذا تفعل، فقلبها يخبرها بأن تسامحه وعقلها يخبرها ألا تستسلم له وتتذكر ما تعرضت له خلال السنتين الماضيتين.
انتفضت مبتعدة عنه راكضة نحو باب المكتب تهرب منه رافضة الإجابة على ندائه الذي ظل يلاحقها للخارج.
بعد مرور نصف ساعة.
اقتحم جابر منزل عمته ووقف بردهة المنزل الواسعة يهتف بأعلى صوت لديه ينادي عوض.
استقبلته عمته صبحية التي هرولت خارجة من غرفتها وقلبها يقصف بصدرها من شدة الخوف.
"جابر يا أهلاً وسهلاً يا ضنايا….."
غمغم جابر مقاطعاً إياها وهو يحاول السيطرة على الغضب الذي كان يعصف بداخله.
"فين ابنك يا عمة صبحية…؟!"
غمغمت صبحية بارتباك وقد ارتسم على وجهها الخوف فقد تعلم أن مجيء جابر إلى هنا لا يبشر بالخير.
"عوض… عوض في أوضته… خير يا بني في إيه هو عمل حاجة فهمني…."
لكن قطع حديثها هتاف عوض الذي كان يهبط الدرج قائلاً بحدة وهو يحاول ألا يظهر خوفه منه.
"إيه يا جابر بتزعق ليه…؟!"
اندفع نحوه جابر فور رؤيته له يقبض على عنق عبائته وغضب عاصف يحترق بداخله، لو أطلق العنان له لأحرق كل ما حوله ولا يترك خلفه سوى الدمار والموت.
زمجر منبين أسنانه بصوت حاد شرس.
"اسمعني بقى كده…. كنت عايز إيه من غزل…؟!"
ابتلع عوض غصة الخوف وهو يحاول استجماع شجاعته قبل أن يجيبه بحدة تعاكس الخوف الذي يرتجف به قلبه.
"عايز أتزوجها……"
اعتصر جابر عنقه وهو يهتف بشراسة وتعبير من القتل مرتسم على وجهه.
"تتزوج مين يالا… أنت اتجننت ولا عامل فيها عبيط وبتستعبط…."
حرر عوض نفسه من قبضته متراجعاً للخلف وهو يغمغم بصوت مرتجف.
"اتجننت ليه بقى… أنا هتجوزها على سنة الله ورسوله إيه المشكلة…."
هتف جابر مقاطعاً إياه بصوت عاصف حاد وهو يشعر بأنه يكاد يجن من شدة الغضب الذي يشعر به.
"انت هتستعبط يا روح أمك…. ما انت عارف إن غزل مكتوبة ليا من وهي عيلة عندها ١٧ سنة…. والبلد كلها عارفة…."
قاطعه عوض قائلاً بسخرية لاذعة وهو يلوى فمه بشماتة.
"الكلام ده قبل ما تحرق بسمة وتعملوها خدامة في بيتكم…. "
ليكمل باستفزاز وعينيه تلمع بشهوة جعلت الدماء تفور برأس جابر.
"بعدين أنا قولت أنا أولى من الغريب ما هي مصيرها تتجوز والفرسة أم عود غزال دي حرام تطلع برا العيلة……"
لم ينهي جملته إلا وأصابه قبضة جابر في وجهه مما جعله يترنح للخلف ويسقط فوق الدرج الذي كان لا يزال يقف عليه.
حاول النهوض لكن لم يتيح له جابر الفرصة حيث سدد له لكمة أخرى من المحتمل أنها تسببت في كسر أنفه فقد تناثر الدم على وجهه ولم يكتفي بذلك بل أخذ يسدد له اللكمات المتفرقة بوجهه وأنحاء جسده وهو يلعنه ويسبه بأفظع الشتائم، متجاهلاً صرخات عمته صبحية وبناتها الذين تجمعوا من حولهم يحاولون جذبه بعيداً عن عوض الذي أصبح وجهه غارقاً بالكامل بالدماء.
عندما عجزت صبحية عن جذبه عن ابنها أخذت تلطم خدييها وهي تصرخ نادبة والخوف يمتلكها مما جذب صراخها بعض الجيران الذين أسرعوا لداخل المنزل لينجح بعض الرجال من تحرير عوض الذي كان استنزف كلياً من بين يدي جابر الذي كان أشبه بإعصار سيبتلع ويدمر كل شيء بسبب غضبه ونيران الغيرة التي كانت تحرق روحه.
مسح العرق الذي يتصبب من جبينه قبل أن يهتف بأنفاس لاهثة من أثر مجهوده السابق قائلاً بكلمات مبهمة حتى لا يفهم الناس المتجمعين حولهم عما يتحدثون.
"انسى الموضوع اللي في دماغك ده… وإلا قسماً عظماً أخلي أمك تلبس أسود عليك العمر كله…."
شحب وجه عوض فور سماعه كلماته تلك، لكنه انتفض في مكانه عندما بصق عليه جابر يحدقه بنظرات يملئها الاشمئزاز قبل أن يستدير ويغادر المكان تاركاً إياه بين يدي والدته التي كانت تمسح الدماء من وجهه محاولة الاطمئنان عليه.
في وقت لاحق.
انتفضت غزل مستيقظة وهي تصرخ بفزع وخوف عندما انفتح فجأة باب غرفة نومها على مصراعيه وجابر يندفع إلى غرفتها.
هتفت بصوت مرتجف وهي تضم الشرشف إلى صدرها بخوف.
"انت عايز إيه… وإزاي تدخل أوضتي كده في نصاص الليالي انت عايز تلبسني مصيبة…."
لكنها ابتلعت باقي جملتها متراجعة إلى الخلف بخوف عندما هجم عليها فجأة محاولاً الإمساك بها، لكنها حاولت الفرار منه لكنه أسرع بالقبض على ذراعها وجذبها لتصبح واقفة على قدميها مواجهة إياه مباشرة مما جعل رجفة من الخوف تسري بأنحاء جسدها عندما رأت الجنون والوحشية مرسمة بعينيه.
زمجر بشراسة.
"مفيش جواز من عوض ولا من غيره…."
ليكمل بصرامة وعينيه تنطلق منها شرارة الغضب.
"ولو نشفتي راسك عليا النعمة يا غزل لاقتلك واقتله…."
هزت رأسها هاتفة بصوت مرتجف يملؤه التحدي والاصرار بينما تقاوم حتى لا تنهار أمامه.
"أعلى ما في خيلك أركبه…. برضو هتجوزه…."
لتكمل وهي تصرخ بوجهه بإصرار أكبر وهي ترغب بإيلامه.
"سامعني… هتجوزه.. هتجوزه…."
أشعلت كلماتها الغضب والغيرة بدماءه فلم يشعر بنفسه إلا وهو يخرج مسدسه من جيب سترته ويغرز فوهته بجبين غزل التي اتسعت عينيها بصدمة وخوف.
رواية خطاياها بيننا الفصل الثالث 3 - بقلم هدير نور الدين
هزت رأسها هاتفة بصوت مرتجف يملئه التحدي والإصرار، بينما تتماسك بصعوبة حتى لا تنهار أمامه.
"اقتلني… برضو هتجوزه."
لتكمل وهي تصرخ بوجهه بإصرار أكبر.
"سامع… هتجوزه… هتجوزه."
أشعلت كلماتها الغضب والغيرة بدماءه، فلم يشعر بنفسه إلا وهو يخرج مسدسه من الجيب الداخلي لسترته، ويغرز فوهته بجبين غزل.
اتسعت عينيها بصدمة وخوف، لكنها سرعان ما تغير هذا الخوف إلى استسلام. ارتسمت على شفتيها ابتسامة حزينة، هامسة بصوت مرتجف وقد احتقنت عينيها بالدموع.
"عايز تموتني… يا جابر؟!"
لتكمل والدموع تنساب من عينيها تغرق وجنتيها، وهي ترفع يدها لتحيط بيده الممسكة بالمسدس، وتدفعه نحو جبينها بقوة أكبر حتى انغرست فوهته بقسوة به.
"موتني… موتني وريحني من العذاب اللي أنا فيه… موتني."
ارتجفت يد جابر الممسكة بالمسدس وهو يشعر بعالمه ينهار من حوله. هو يرى استسلامها هذا. نزع يده من يدها وأدار فوهة المسدس نحوه، هاتفاً بألم.
"لا يا غزل… أنا اللي هموت يمكن ترتاحي من العذاب اللي معيشك فيه."
ليكمل بصوت متكسر والعذاب يملأ وجهه، وهو يدفع المسدس إلى صدره أكثر.
"أنا مقدرش أعيش وانتِ ملك لغيري… أنا الموت عندي أرحم."
شحب وجه غزل، شاعرة بالدماء تحف بعروقها فور سماعها كلماتها تلك. تسلطت عينيها برعب فوق إصبعه الذي كان على زناد المسدس. همست بصوت مختنق.
"نزل المسدس ده يا جابر…"
وأعقبها مقاطعاً، هاتفاً بنبرة شبه هستيرية وقبضته تتشدد بقوة فوق المسدس.
"ليه… أهمك أوي؟"
انفجرت باكية والخوف والرعب يسيطران عليها من أن ينفذ تهديده بالفعل، فهي لن تحتمل خسارته.
"تهمني والله تهمني… أنت عارف أنت إيه بالنسبالي."
لتكمل وهي تربت على صدرها برجاء، هامسة بصوت مرتجف من بين شهقات بكائها التي كانت تهز جسدها بالكامل.
"عشان خاطري يا جابر نزل المسدس."
هتف بعنف مكبوت وتعبير من الألم والعذاب يرتسمان على وجهه.
"الموت عندي أرحم من إنك تبقي لغيري."
هزت رأسها بقوة، كانت ترتجف من رأسها حتى أخمص قدميها. كانت يداها ترتجفان بشدة لدرجة أنها بدت وكأنها قد تنهار بأي لحظة.
"مش هتجوزه والله ما هتجوزه."
صدم جابر، ولم يستطع سوى التحديق بها. وكان الأمل حادًا وساحقًا يضرب بعمق في قلبه ويغمر عروقه بالدفء المهدئ.
"هتتجوزيني؟!"
أومأت برأسها بصمت، بينما دموعها تغرق وجنتيها. ليسرع بإلقاء المسدس من يده وجذبها بعنف نحوه، ضاماً إياها بين ذراعيه بشدة لدرجة أنه شك في قدرتها على التنفس. قام بدفن وجهه في شعرها وأغمض عينيه يستنشق رائحتها بعمق.
بينما احتضنته هي الأخرى، تغلق عينيها بقوة، ولا يزال الشعور بالرعب من فقده يسيطر عليها. فهي تحبه، بل تعشقه حد الجنون، رغم محاولتها في إقناع نفسها طوال السنتين الماضيتين بعكس ذلك.
أبعدها برفق من بين ذراعيه، يمسح دموعها العالقة بوجنتيها، متأملاً الاحمرار الشديد لأنفها ووجنتيها. أحاط وجهها بيديه هامساً بصوت حنون.
"فراولتي."
ارتعشت ابتسامة فوق شفتيها فور تذكرها لهذا الاسم، الذي كان معتاداً أن يناديها به بسبب حمرة أنفها الذي كان يحدث عند أقل انفعال لها.
"تصدق واحشني الاسم ده."
ابتسم، ممرراً يده بحنان فوق أنفها وجانب وجنتيها، متلمساً جلدها الذي كان حريري الملمس.
"وأنا واحشني الاسم… وصاحبة الاسم."
ابتسمت بخجل، مما جعله يبادلها الابتسام، وعينيه التي كانت تتأملها تلتمع بالشغف.
"بس خلاص هانت، بكرة تبقي ملكي يا غزل… ومحدش هيقدر يبعدنا عن بعض تاني… مهما حصل."
ليكمل بجدية وهو يشدد من قبضته حولها.
"اسمعيني يا غزل كويس علشان ربنا يتممها بينا على خير… اللي فات مات… لا أنا ولا انتي هنجيب سيرته تاني."
قضبت حاجبيها قائلة بارتباك.
"طيب وبسمة؟ انت عارف إنها مش هتسكت لما تعرف إننا هنتجوز."
توتر فكيه فور تذكره لشقيقته وردة فعلها التي ستكون على زواجهم هذا. زفر بقوة قائلاً وهو مستمر بتمرير إصبعه فوق خدها.
"أكيد مش هتسكت… وهتبهدل الدنيا، بس غصب عنها هتتقبل في الآخر الموضوع… المهم عندي إنك مهما حصل مترديش عليها."
أنهى جملته طابعاً قبلة على جبينها، وهو يتمتم.
"أنا حاسس إني بحلم يا غزل… مش مصدق إننا مع بعض زي زمان."
أكمل وهو ينظر إليها باهتمام.
"مبسوطة يا حبيبتي؟"
أومأت مبتسمة، وهي تشعر بقلبها يقفز في صدرها من شدة الفرح. ارتمت بين ذراعيه تحضنه بقوة، وهي تحمد الله على عودته لها، فقد كانت فقدت الأمل من يكونوا سوياً مرة أخرى.
أبعدها برفق من فوق صدره، وعينيه منصبة فوق وجهها يتأملها بعينين تلتمع بالعشق والشغف. وعندما استقرت عينيه على شفتيها، تحولت لونها إلى لون مظلم بالرغبة. اخفض رأسه نحوها وعينيه مسلطة على شفتيها، لكنها أسرعت بالتراجع إلى الخلف بقوة، مما جعلها تتعثر وتكاد تسقط، لكنه أسرع بالإمساك بها.
هتفت بحدة وهي تحاول الابتعاد عنه.
"بتعمل إيه يا جابر، أنت اتجننت ولا إيه؟"
غمغم جابر وهو يحاول الوصول إلى شفتيها مرة أخرى.
"وفيها إيه، مش هتبقي مراتي."
دفعته بقوة في صدره، ثم فرت هاربة إلى نهاية الغرفة.
"لا يا حبيبي، لما أبقى مراتك… أبقى اعمل اللي أنت عايزه… لكن دلوقتي."
لتكمل بحدة هجومية وهي تضع يديها بخصرها عندما اقترب منها وأصبح يقف أمامها مرة أخرى.
"ولا علشان سبتك تحضني وأنا بعيط هتعيش الدور."
قاطعها هاتفاً وهو يضع يده فوق فمها.
"خلاص… خلاص اقفلي أم الراديو اللي اتفتح ده… مش عايز منك حاجة، يخربيت كده."
أزال يده من فوق فمها، ثم انحنى هامساً بالقرب من أذنها بصوت أجش مغرٍ.
"بس انتي قولتي لما نتجوز هعمل اللي أنا عايزه… يعني هتسبيني بجد أعمل اللي أنا عايزه يا فراولتي؟"
اشتعل خديها بحمرة الخجل، لتهز رأسها بالموافقة وهي تغرز أسنانها بشفتيها، مما جعله يضرب يديه بساقيه وهو يهتف بنفاذ صبر.
"القوة من عندك يا رب."
هتفت بتلعثم من شدة الحرج الذي كانت تشعر به، بينما تدفعه نحو باب الغرفة.
"اتكل على الله يلا يا جابر، بدل ما عمتك لبيبة تشوفنا وتفرج علينا البلد كلها."
وقف جابر عند باب الغرفة ممسكاً بإطاره، رافضاً التزحزح من مكانه، قائلاً بلهفة.
"طيب سامعينى واحدة من بتوع زمان، خلى القلب يرجع يحيي من تاني."
ارتعشت شفتيها في ابتسامة هامسة بصوت منخفض يملؤه الخجل.
"جابري."
فور نطقها للاسم، أطلق هدير صاخب وهو يغمغم بحماس وفرح، ممسكاً بيديها بين يديه.
"قلب وعمر وحياة جابري… جابري اللي كان تايه وميت من غيرك… والنهاردة بس اتردت فيه الروح."
ضغطت على يديه المحيطة بيديها، هامسة بأعين تلتمع بالدموع التي عاودتها من جديد.
"وأنا مكنتش عايشة… كل يوم كنت بشوف معاملتك وطريقتك معايا كنت بموت ألف مرة."
رفع يدها إلى فمه يطبع براحتها قبلة عميقة، قبل أن يغمغم قائلاً بألم.
"كان غصب عني يا فراولة… كان غصب عني… سامحيني."
أجبرت شفتيها على الابتسام للتخفيف من حزنه.
"احنا مش قولنا اللي فات مات؟"
أومأ برأسه وهو يبتلع الغصة التي تشكلت بحلقه.
"أيوة يا حبيبتي مات واتدفن."
ليكمل وهو يطبع على راحة يدها قبلة أخرى.
"تصبحى على خير يا فراولتي."
أجابته هامسة وعينيها تلتمع بحبها والفرح الذي يتراقص بداخلها.
"وأنت من أهل الخير يا جابري."
أطلق هدير آخر، جاذباً إياها بعنف نحوه وهو يتمتم.
"هتجننيني… عليا النعمة هتجننيني، وهاين عليا أشيلك على كتفي دلوقتي وأطلع بيكي على أقرب مأذون… مسمعكيش بتقولي الاسم ده لحد ما نتجوز."
سددت له لكمة خفيفة في كتفه قائلة بغضب مصطنع.
"اطلع برا يلا يا جابر… بدل ما أغير رأيي وأقولك مفيش جواز خالص."
تنهد قائلاً باستسلام وهو يفرك مؤخرة عنقه بعبوس.
"حاضر… أمري لله."
ثم استدار مغادراً، متمتماً باستياء واضح.
"عيلة نكدية… صحيح مالكيش في الطيب نصيب صحيح."
مما جعلها تنفجر ضاحكة، بينما ابتسامة واسعة ملأت شفتيه فور سماعه ضحكتها تلك. أخذت تتابعه حتى اختفى من الرواق، قبل أن تغلق الباب وتعود لداخل غرفتها، تقفز مكانها فرحة. لكنها توقفت مكانها تعقد حاجبيها بقلق عندما سمعت طرقاً على الباب. الذي فتح ودلف مرة أخرى جابر إلى الداخل قائلاً بعبوس.
"هو أنا رايح فين وسايبك هنا؟"
هزت غزل رأسها مغمغمة باستفهام.
"هنا فين مش فاهمة؟"
"أومال هروح فين؟"
لكنها قطعت جملتها مطلقة صرخة مدوية عندما انحنى فجأة وحملها بين ذراعيه متجهاً بها خارج الغرفة.
"جابر بتعمل إيه نزلني؟"
طبع قبلة حنونة على مقدمة أنفها، قبل أن يجيبها بهدوء.
"هاخدك على أوضتك القديمة اللي جنب أوضتي يا فراولة، أكيد مش هسيبك هنا تاني."
تنهدت مبتسمة، محيطة عنقه بذراعيها فور سماعها كلماته تلك، وهي تشعر بالسعادة بداخلها بأنها أخيراً ستتخلص من غرفتها البالية تلك.
عبر جابر وهو يحملها بين ذراعيه ردهة المنزل التي كانت خالية في هذا الوقت من الليل، حيث كان الجميع بغرفهم نائمين. فتح باب غرفتها القديمة وأنزلها على عتبتها الداخلية برفق. ثم وقف يتأملها عدة لحظات بأعين تلتمع بها الشغف، قبل أن يحيط رأسها بيديه مقبلاً أعلى جبينها وأخرى على خدها المحمر، هامساً بأذنها بصوت ملء بعشقه لها.
"بحبك يا غزل… أقسم بالله بحبك."
امتلأت عينيها بالدموع، وقد أخذت ضربات قلبها تعصف بداخلها فور سماعها كلماته تلك. همست بصوت منخفض وشفتيها ترتجفان تأثراً، أحاطت خده بيدها متحسسة جلده بأطراف أصابعها بحنان.
"وأنا بحبك يا جابر… بحبك أكتر من أي حاجة وأي حد في الدنيا دي."
ضمها بحنان إليه عدة لحظات، مستمتعاً بشعوره بوجودها بين ذراعيه. ثم قبلها على رأسها متمنياً لها ليلة سعيدة، قبل أن يلتف ويغادر الغرفة، مغلقاً الباب خلفه بهدوء.
بينما انطلقت غزل لداخل الغرفة، تلتف حول نفسها تتأمل بفرح واشتياق غرفتها القديمة، قبل أن ترتمي فوق فراشها ذو المرتبة الناعمة وهي تتنهد بسعادة وفرح.
في صباح اليوم التالي…
أخذت لبيبة تبحث بأرجاء المنزل بحثاً عن غزل، بعد أن ذهبت إلى غرفتها التي تقع بالقبو ووجدتها فارغة. في البداية ظنت أنها بالحظيرة تطعم الماشية، لكنها لم تكن هناك أيضاً. أيمكن أن تكون فعلتها ونجحت بالهروب أخيراً؟ فبكل مرة كانت تحاول الهرب بها كان جابر يحبط محاولاتها تلك، حتى يأست ولم تحاول الهروب مرة أخرى منذ أكثر من سنة.
أشرق وجه لبيبة وهي تهمهم محدثة نفسها بفرح.
"باينها عملتها بجد وهربت… اللهي لا ترجع ويتقطع حسك من الدنيا خالص يا بنت أزهار، خليني أرتاح."
ثم صعدت الدرج مسرعة حتى تخبر جابر، وهي تستعد لرسم الفزع والحزن الكاذب على وجهها. لكن تجمدت خطواتها عندما مرت في طريقها على الغرفة القديمة لغزل، ووجدت أن القفل الذي كان يضعه جابر على بابها قد اختفى. قبضت على الباب وفتحته، لتندلع نيران الغضب والكراهية بعروقها فور رؤيتها لتلك المستغرفة بالنوم بمنتصف الفراش، مسترخية وعلى شفتيها يرتسم ابتسامة حالمة. لم تشعر لبيبة بنفسها إلا وهي تندفع نحوها وهي تصرخ بغل.
"أنتي نايمة هنا يا بنت الرافضي؟"
قبضت على شعرها تجذبها منه بغل، مما جعل غزل تنتفض مستيقظة وهي تصرخ بألم. جذبتها لبيبة من شعرها حتى أسقطتها أرضاً وهي تهتف بشراسة.
"ليلة أمك سودا… إن ما قطعت من لحمك وأكلته لكلاب السكك."
حاولت غزل مقاومتها ودفعها بعيداً، لكنها عجزت، فقد كانت ذات بنية جسدية أقوى منها بكثير. لكن فجأة وجدت لبيبة تجذب للخلف بعيداً عنها بقوة وصوت جابر يعصف في الأرجاء بغضب.
"بتعملي إيه؟ أوعي…"
"هتفي لبيبة وهي تتراجع إلى الخلف بعيداً عن قبضة جابر.
"أوعي سيبني أربيها… البت كسرت كلامك وفتحت الباب ونامت في الأوضة بكل بجاحة."
لتكمل وهي تحاول الهجوم على غزل مرة أخرى.
"وحياة أمها لأعلمها الأدب."
صرخت غزل في خوف، مندفعة نحو جابر تطلب منه الحماية، مختبئة خلف ظهره. لكن اهتز جسدها بصدمة عندما قبض على ذراعها بقسوة يجذبها من خلفه ويضعها أمامه، هاتفاً بها بقسوة.
"إيه اللي نيمك هنا يا بت انتي؟ أنا مش نبهت عليكي رجلك متخطيش هنا."
شعرت غزل كما لو دلو من الماء المثلج انسكب فوق رأسها. أخذت تنظر إليه بارتباك. شاعرة بألم يمزق قلبها فور رؤيتها لنظرة الكراهية التي عادت إلى عينيه مرة أخرى.
همست بصوت مرتجف وهي تحاول استيعاب ما يحدث.
"جابر… مش أنت اللي…"
لكنه قاطعها هاتفاً بشراسة وتعبير من القسوة يملأ وجهه.
"اقطمى خالص ومسمعش نفسك… ده انت ليلة أبوكِ سودا النهاردة… بتخلفي أوامري… بتعاندي معايا يا روح أمك."
ارتجف جسدها بخوف عند سماعها الغضب العاصف الذي بصوته. لكن ازداد ارتجافها أكثر وهي تسمع لبيبة تهتف بشماتة.
"أيوه ربيها وعرفها مقامها… اكسر لها دراع ولا رجل خليها تعرف إن الله حق."
لتكمل وهي تتجه نحو باب الغرفة تستعد للمغادرة، بينما تلقي نظرة شامتة على وجه غزل المنكوب الشاحب.
"ما أروح أصحى عثمان وأشوف له حاجة يصبر نفسه بها لحد ما تكون خلصت معاها وتحضر لنا الفطار."
ثم غادرت الغرفة وابتسامة واسعة تملأ شفتيها.
اقترب جابر من غزل التي تراجعت بخوف إلى الخلف وهي تضع يديها فوق وجهها بحماية مطلقة، نحيب ملء بالخوف متوقعة أن تأتيها ضربته بأي لحظة كما وعد. لكن لمفاجأتها شعرت بيده تمر بحنان فوق شعرها، بينما يده الأخرى تمسك بيديها التي تغطي وجهها ويبعدها بعيداً، قائلاً بصوت حنون دافئ مغايراً تماماً لقسوته السابقة.
"أهدي يا حبيبتي… متخفيش مش هضربك."
أنهى جملته مقبلاً أعلى رأسها. لكنها نزعت نفسها بقوة من بين ذراعيه، متراجعة للخلف هاتفة بغضب وهي لا تفهم ما يحدث معه.
"أنت مجنون؟ مجنون ومش طبيعي وعايز تجنني معاك."
لدهشتها رأته يطلق ضحكة منخفضة بدلاً من غضبه من كلماتها تلك. اقترب منها مرة أخرى جاذباً إياها بين ذراعيه، قائلاً بتسلية وهو يقبل خدها الذي كان مشتعلاً بسبب غضبها.
"أيوه مجنون… مجنون بالفراولة… يا فراولة."
دفعت وجهه بعيداً عنها وهي تهتف بغضب وعصبية وهي تشعر بأنها تكاد أن تجن.
"فراولة لما تقف في زورك… أنت عايز تجنني معاك."
تنهد جابر بإحباط عندما أدرك مدى غضبها وأن أي من محاولاته للتخفيف من حدة ما حدث لن تفلح معها. أحاط بيديه وجهها.
"أنا عارف إنك مش فاهمة اللي عملته قدام لبيبة وإني غلطت وكان المفروض أمسك لبيبة من شعرها وأطردها برا البيت علشان لمستك… بس أنا مكنتش عايزها تعرف إننا اتصالحنا ورجعنا لبعض."
هتفت غزل بحدة وعينيها لازالت تعصف بالغضب.
"ليه بقى إن شاء الله؟"
أجابها بهدوء وإصبعه منشغل في تحسس خدها الحريري.
"علشان دي ست شريرة… ولو عرفت مش هتسكت وهتعمل مشاكل، ده غير إن خلاص بقنعها تبيع لي نصيبي في الأرض هي وخالاني… ولو عرفت إننا رجعنا لبعض مش هتبيع، وإنتي عارفة هما ماشيين وراها إزاي… هي اللي بتحركهم وممكن وقتها يبيعوا لأولاد الطحاوي، وإنتي عارفة أنا عندي أموت ولا شبر من أرضنا يملكه الطحاوي وعياله."
عقدت غزل حاجبيها وهي تتذكر العداوة الدامية التي بين جابر وعائلة الطحاوي.
"أيوه عارفة."
لتكمل وهي تزفر بقلق.
"طيب والحل إيه؟"
مرر يده بحنان فوق أحد حاجبيها يفك عقدته، وعينيه التي تلتمع بالعشق مسلطة عليها يتشرب ملامحها بشغف.
"الحل… إننا ننزل المنصورة الأسبوع الجاي ونتجوز هناك."
جفلت وخطت خطوة إلى الخلف وذراعاها تلتفان حول نفسها عندما أصابتها رجفة جعلت جسدها يهتز.
"عايز تتجوزني عرفي يا جابر؟… هي دي آخرتها؟"
قاطعها على الفور وهو يشاهد بألم الضعف الذي يلتمع في عينيها. لقد كانت خائفة… خائفة منه. لقد أصابته طعنة حادة بصدره لأن خوفها هذا كان هو سببه.
"عرفي إيه يا حبيبتي اهدى بس."
زفر بعمق وهو يفرك وجهه بقوة محاولاً السيطرة على أعصابه، وعندما نجح أكمل بصوت هادئ نوعاً ما.
"إحنا هنتجوز على سنة الله ورسوله… وهيكتب الكتاب مأذون شرعي، وأول ما آخد منهم الأرض هعمل لنا فرح يتحاكى عنه البلد كلها."
هزت رأسها وقد ارتفعت الدموع في عينيها، هامسة برفض قاطع.
"لا… برضه مش موافقة، إحنا نستنى لحد ما يبيعوا ووقتها نبقى نكتب الكتاب مع الفرح."
قاطعها بصوت عاصف وقد تحولت عيناه للون أسود مظلم من شدة الغضب.
"إنتي عارفة علشان أقنعهم فيها كام شهر عايزاني أسيبك… من غير ما أربطك بيا كل الوقت ده؟"
غمغمت بصوت مكتوم باكي.
"وإيه يعني ما أنا طول السنين اللي فاتت مكنتش مرتبطة بيك، إيه اللي جد يعني؟"
زمجر بقسوة وقد تسارعت أنفاسه واحتدت بشدة بسبب نيران الغيرة التي تتأكله.
"اللي جد إن في حد استجرى وطلب إيدك… وعايز يتجوزك… أنا بعد اللي حصل ده مش هقدر أستنى يوم واحد وانتي مش على ذمتي… ملكي."
ليكمل وهو يمسك بذراعيها قائلاً بتملك حارق.
"أنا من امبارح مش عارف أنام، مش عارف آكل ولا أشرب ولا أفكر في حاجة… في نار في قلبي ومش بتهدى ولا هتهدى إلا لما تبقي ليا."
وقفت غزل تنظر إليه بعجز والخوف يتملك منها، لا تعرف بما تجيبه. لم يعد جابر قادرًا على الوقوف أمامها وهي تنظر إليه مع الكثير من عدم اليقين والقلق في عينيها. قام بسحبها بعنف نحوه، محتضناً إياها بشدة لدرجة أنه شك في قدرتها على التنفس. دافناً وجهه في جانب عنقها وأغمض عينيه مستنشقاً رائحتها وامتص إحساسها على جلده، فقد كانت موشومة على كل جزء من قلبه وروحه. لا يعلم كيف تحمل السنتين الماضيتين بدونها.
"وافقي يا حبيبتي… وافقي وأنا أوعدك 3 شهور بالكتير وهكون خلصت كل حاجة معاهم، ووقتها هعملك أكبر فرح في مصر كلها."
ليكمل بصوت معذب ملء بالألم وهو يزيد من احتضانه لها كما لو يرغب بدفنها داخل صدره، هامساً بأذنها بصوت مرتجف.
"وافقي يا حبيبتي… وافقي عشان خاطري… متعذبنيش أكتر من كده."
استسلمت غزل عند سماعها العذاب الواضح بصوته، هامسة بصوت مختنق.
"موافقة."
أطلق جابر زفيراً طويلاً ينم عن ارتياحه، ثم أبعدها بحنان عن صدره، طابعاً بشفتيه قبلة فوق جبينها.
قبل أن يبدأ أن يشرح لها خطتهم التي سيقومون بتنفيذها بعد ثلاثة أيام من الآن، فسيخبرون لبيبة بأن غزل ستقضي يومين بالمشفى مع والدتها لسوء حالتها المرضية، ثم سيأخذها إلى المدينة، سيكتبون الكتاب هناك.
بعد مرور ثلاثة أيام…
كانت غزل بغرفة النوم التي بشقة جابر التي تقع بالمدينة، تقف تشاهد بفرح انعكاس صورتها بالمرآة، فقد كانت ترتدي فستان أبيض أنيق قد اشتراه لها جابر مع العديد والعديد من الملابس فور وصولهم إلى مدينة المنصورة بصباح اليوم. قامت بعقد حول رأسها حجابها الذي كان يماثل لون فستانها، مما أضاف إليها جمالاً فوق جمالها. فور أن انتهت، التقطت نفساً مرتجفاً، ممررة يدها فوق وجهها المشتعل، فهي لا تصدق أن اليوم الذي حلمت به منذ أن كانت فتاة مراهقة بالسادسة عشر سيتحقق الآن، ستكون زوجة جابر، وسيكون ملكاً لها أخيراً. فبعد كل ما حدث بينهم وتعقد الأمور، كانت قد فقدت الأمل. لكن ها هو اليوم الذي سيجتمعان به. شعرت بقلبها يضرب داخل صدرها بجنون. بينما تتجه نحو باب الغرفة، الذي ما إن فتحته، رأت جابر يقف أمام الباب ينتظرها. ارتبكت من نظراته التي كانت تتأملها بتفحص دقيق، مما جعلها تتململ في وقفتها بعدم راحة. لكن اشتعلت أنفاسها عندما قابلت عينيها عينيه، ولاحظت الرغبة الواضحة بها، فقد كان ينظر إليها كما لو كان يرغب بالتهامها حية.
اقترب منها محيطاً وجهها بيديه، طابعاً فوق جبينها قبلة حنونة، هامساً لها بصوت أجش خشن.
"زي القمر… يا حبيبتي."
ليكمل بعاطفة وهو يرفع يدها يقبل راحتها بشغف.
"أخيرًا هتبقي ملكي… يا فراولة."
اشتد احمرار وجهها، مما جعله يبتسم من ارتباكها وخجلها هذا. مرر إصبعه فوق خدها، متحسساً جلدها الحريري المحتقن، مطلقاً تنهيدة عميقة، مغمغماً برفق وهو يمسك بيدها بين يديه، مشبكاً أصابعهم ببعضها البعض.
"يلا يا حبيبتي المأذون مستني."
أنهى جملته ساحباً إياها معه لغرفة الاستقبال، حيث كان المأذون يجلس بمنتصف الأريكة وأمامه على المنضدة دفتره الخاص. بينما يجلس كلاً من خليل وجعفر الغفير الذي يعملان لدى جابر، واللذين حضرا معهما هذا الصباح إلى المدينة حتى يشهدوا على عقد القران. جلست بجانب المأذون، وبالجهة الأخرى منه جلس جابر، الذي أخذ يتحدث معه مسلماً إياه أوراق هويتهما الرسمية وهويات الشهود.
مررت غزل يديها التي كانت باردة كالجليد، التي كانت ترتجف من شدة التوتر، فوق ساق فستانها وهي تحاول تهدئة أعصابها.
أدارت رأسها نحو جابر لتجد عينيه مسلطة عليها بالفعل، ينظر إليها بلهفة وشوق واضحين، مما جعل خديها يغرقان في الاحمرار، لتسرع بخفض عينيها بخجل عندما لاحظت أن كلاً من جعفر وخليل الغفير يتابعان ما يحدث بينهم من نظرات.
بدأ المأذون بإجراء عقد القران، وقامت غزل بالتوقيع على العقد، ثم وقع كلاً من جعفر وخليل كشاهدان، من ثم وقع جابر بالنهاية.
بعد أن تلقوا التهنئة منهم، ودعهم جابر وقام بتوصيلهم حتى باب الشقة، الذي ما أن أغلقه خلفهم، أسرع عائداً نحو غزل التي كانت تقف بمنتصف غرفة الاستقبال بوجه مشتعل بالخجل وجسد مرتجف من شدة التوتر والخوف.
لكنها أطلقت صرخة شبه مكتومة عندما رفعها فجأة ودون سابق إنذار بين ذراعيه، وعينيه التي كانت تلتمع بنيران الرغبة تتأكلها. أحاطت غزل عنقه بذراعيها، دافنة وجهها المحترق بجانب صدره.
بينما توجه بها نحو غرفة النوم، وأخفضها برفق على قدميها بمنتصف الغرفة. عقد ذراعيه حول خصرها جاذباً إياها إليه، ليستند ظهرها إلى صدره الصلب، هامساً بالقرب من أذنها بصوت ملء بالعاطفة، بينما أخذت يده تمرر بلطف فوق جانب جسدها، دافناً وجهه بعنقها من أسفل حجابها يقبله بحنان.
"مبروك يا فراولتي."
أخذ صدرها يعلو وينخفض بشدة وهي تكافح لالتقاط أنفاسها. أسندت رأسها على كتفه، بينما كان مستمراً بتقبيل عنقها وحلقها بقبلات شغوفة ملتهبة، هامساً باسمها بعجز.
رفع رأسه عن عنقها أخيراً، مديراً إياها بين ذراعيه، وتصبح مواجهة له. جذبها نحوه ليصطدم جسدها بجسده الصلب، ولم ينتظر كثيراً قبل أن يستولي على شفتيها في قبلة قوية، لكنها كانت حنونة ورقيقة في ذات الوقت. ألقت غزل ذراعيها حول عنقه، بينما تبادله قبلته تلك بخجل.
استمرت في تقبيله الحنون لها هذا عدة لحظات، قبل أن تتحول قبلته فجأة وتصبح أكثر قسوة وضراوة، مما جعلها تطلق صرخة مكتومة متألمة من هجوم شفتيه العنيف، فقد كان حقاً يؤذيها. ولصدمتها، شعرت فجأة بيديه تدفعها بقوة للخلف بعيداً عنه، مما جعلها تتعثر وتسقط فوق الأرض بقسوة.
حاولت غزل فهم ما يحدث معه، لكن شحب وجهها وهي ترى تعبير وجهه المظلم المليء بالكراهية والازدراء. فقد كان ينظر إليها كما لو كانت أكثر شيء يكرهه بهذه الحياة. همست بصوت متلعثم وهي تحاول النهوض بتعثر من فوق الأرض.
"جـ… جـابر."
لكنها ابتلعت باقي جملتها عندما فتح باب غرفة النوم فجأة ودلف إلى الداخل الغفير خليل بجسده وهيكله الضخم إلى الغرفة. التفتت إلى جابر الذي كان لا يزال يتطلع إليها بازدراء وقسوة، هامسة بصوت مرتجف.
"بيـ… بيـ… ـعمل ده إيه هنا؟"
لوى جابر شفتيه بسخرية، مغمغماً بهدوء مصطنع يعاكس النيران المشتعلة بعينيه.
"ده؟!!! مش عيب يا غزل برضه."
ليكمل بتهكم وقد كشرت شفتيه عن ابتسامة بشعة جعلت الدماء تجف في عروقها من شدة الخوف.
"في واحدة محترمة… تتكلم عن جوزها كده برضه."
شعرت بأنفاسها تنسحب من داخل صدرها كما لو أن المكان يطبق جدرانه من حولها، وشحوب وجهها قد تحول إلى لون رمادي كما لو كانت قد فقدت الحياة فور سماعها كلماته تلك. لكنها ظنت أنها أخطأت السمع، لتهمس بصوت مختنق وهي تشعر بأنها على وشك فقدها للوعي، وقد أصبحت عينيها متسعة بالرعب على خليل الذي أصبح يقف بجانبها مباشرة.
"مين… مين ده اللي.. اللي جوزي؟"
أجابها جابر ببرود ولا تزال تلك الابتسامة البشعة على وجهه.
"خليل… جوزك."
ليكمل وعينيه تصبح مظلمة بالكراهية والشماتة.
"كتب الكتاب اللي تم ده كان العريس خليل مش أنا… أنا كنت مجرد شاهد… والمأذون خد له قرشين وظبط الدنيا."
صرخت غزل بهستيرية وهي تشعر بأنها على وشك فقدها للوعي.
"أنت مجنون… صح أنت… أنت مستوعب بتقول إيه؟"
لتكمل وهي تهز رأسها بقوة، تهمهم بصوت مرتعش غير مرتب وهي تضغط بيدها فوق قلبها للتخفيف من الألم الذي أصبح لا يطاق.
"لا لا… استحالة تعمل فيا كده… أنا أكيد بحلم… أنا أكيد في كابوس وهفوق منه."
وقف أمامها مباشرة ينظر إليها بازدراء كما لو كانت حثالة أقل منه شيئاً، قائلاً بقسوة.
"لا مش حلم… ده حقيقي، اديتك لخليل كهدية مني له… يتسلى بيكي يومين وبعدها يبقى يرميكي في أي داهية."
هدد الضغط الذي قبض على صدرها بسحق قلبها وهي تستمع إلى ما يقوله هذا. ترنحت بقسوة إلى الخلف مما جعلها تنهار وتسقط أرضاً أسفل قدميه. لكنه تجاهلها والتف نحو خليل الذي كان يقف بجسده الضخم الممتلئ، يتابع ما يحدث بصمت وعينيه تلتمع بالرضا.
"مبروك يا عريس."
"قضي ليلتك هنا مع عروستك براحتك، مفتاح الشقة سيبهولك على الترابيزة برا."
ثم استدار إلى غزل قائلاً بابتسامة شامتة واسعة ولهيب الكراهية يلتمع بعينيه بوضوح.
"مبروك يا عروسة."
ثم استدار متجهاً نحو باب الغرفة مغادراً، متجاهلاً غزل التي انفجرت باكية بصوت يمزق أنياط القلب. نهضت متعثرة تركض خلفه تتشبث بذراعه وهي تصرخ بصوت متلعثم مرتعب.
"متسبنيش معاه لوحدي يا جابر."
تحولت دموعها إلى شهقات بكاء عالية ممزقة وهي تصرخ برعب بينما تتشبث به وكامل جسدها ينتفض في خوف.
"متسبنيش معاه… متعملش فيا كده… ورحمة أمك ما تعمل فيا كده… أنا ممكن أموت."
لكنه نفضها بعيداً عنه كما لو كان لا يطيق لمستها، دافعاً إياها نحو خليل ليصطدم جسدها بصدره الضخم، الذي أسرع بالإمساك بها مما جعلها تتلوى صارخة محاولة جعله يفلتها وهي تصرخ باكية ترجو جابر ألا يتركها معه. لكنه استدار وغادر الغرفة بهدوء كما لو أنه لم يسمع صراخاتها المستنجدة تلك.
تصلب جسدها في خوف عندما همس خليل في أذنها بصوت خشن.
"أهدي يا حلوة… كده واديني حقي الشرعي بهدوء… لأن كده كده هاخده بالذوق بالعافية هاخده."
رغم خوف غزل وارتعابها منه، إلا أنها أخذت تقاومه بقوة محاولة الإفلات من بين قبضته، لكن ما أصابها من ذلك، أنه قد شد من قبضته حول جسدها مما جعلها تحاربه بشراسة أكثر. عندما نزع بقسوة الحجاب عن رأسها، وبدأت يده الضخمة بتمزيق فستانها. ضربته بقسوة وبكامل قوتها في صدره وساقيه وهي تصرخ وتسب إياه، مما جعله بنهاية الأمر عندما فقد صبره معها، قام بصفعها بقوة مما جعلها تسقط أرضاً وهي تصرخ بذعر وخوف، وهي تراه ينزع قميصه وينحني عليها حتى ينالها كما ينال الزوج زوجته.
رواية خطاياها بيننا الفصل الرابع 4 - بقلم هدير نور الدين
رواية خطاياها بيننا الفصل الخامس 5 - بقلم هدير نور الدين
رواية خطاياها بيننا الفصل السادس 6 - بقلم هدير نور الدين
دلف جابر إلى المنزل وهو يشعر بالراحة، فقد حصل أخيرًا على وثيقة الزواج. كان يعمل منذ الصباح على تسريع الإجراءات ليحصل عليها قبل عودته للقرية. لذا اتصل بجعفر لينقل غزل إلى القرية حتى لا تبقى في المشفى بمفردها في وقت متأخر. فهو لم يرغب بالعودة إلى المنزل بدون تلك الوثيقة، فقد كانت مهمة للغاية لما يخطط له.
خرج من أفكاره تلك وتجمد جسده فور أن دلف إلى ردهة المنزل ورأى العائلة مجتمعة هناك، وعلى وجوههم يظهر الهلع والخوف. بينما والده كان جالسًا على مقعده يبكي صارخًا بأن يحضروا له الإسعاف. خطر بباله على الفور أخته بسمة، فهي من تمرض من حين لآخر، لكنه تذكر أن بسمة ليست بالمنزل، فقد سافرت إلى القاهرة لقضاء عدة أيام لدى أقاربهم، مما جعله يطمئن قليلاً.
أسرع نحو والده الذي كان يبكي بشدة، وجهه شاحب، هاتفًا بقلق:
= فيه إيه يابا… إيه اللي حصل…؟
لكنه ابتلع باقي جملته عندما اتبع نظرات والده الصامتة، لتتجمد الدماء في عروقه وتنحبس أنفاسه داخل صدره، كما لو كان يختنق. فور أن وقعت عيناه على جسد غزل الملقى على الأرض والدماء تحيط به. لم يشعر بنفسه إلا وهو يركض نحوها ووقع منهارًا بجانبها، وهو يصرخ باسمها بصوت ممزق وجسده كله ينتفض بذعر، شاعرًا بروحه تكاد تغادر جسده فور أن أدرك أنها مصابة بطلق ناري.
تحسس بيده التي كانت ترتجف بعنف جانب عنقها بحثًا عن نبضها ليهدئ ذعره قليلاً عندما وجده لا يزال ينبض. لم ينتظر وأسرع بحملها بين ذراعيه، صارخًا بجعفر الذي كان واقفًا يتابع ما يحدث بوجه متجهم قلق. أمره جابر وهو يندفع خارج المنزل ركضًا وهو يحمل جسدها الهامد بين ذراعيه بأن يفتح باب السيارة ويقود إلى المشفى بأقصى سرعة لديه.
جلس جابر في المقعد الخلفي للسيارة، كان وجهه شاحبًا وعيناه محتقنتين بلون الدماء. يضم إلى صدره جسد غزل النازف بين ذراعيه، بينما يحاول بهستيرية كتم الدماء المنسدلة من أعلى صدرها بيده المرتجفة. بينما يهمس بصوت متألم مختنق باسمها، ويقين بداخله أنه سوف يفقدها هذه المرة بالفعل. لكنه لن يستطيع العيش بدونها. لا… لن يستطيع.
رفع عينيه إلى الأعلى هامسًا بتضرع بصوت ممزق والدموع تسد حلقه:
= يا رب متختبرنيش فيها… إلا هي يا رب… إلا هي يا رب.
ضم جسدها إليه بقوة، مما أغرق ملابسه بدمائها. بينما غمغم جعفر الذي كان يراقب جابر من خلال المرآة الأمامية بأعين تلتمع بالشفقة. ففي حياته لم يرَ جابر العزايزي منهارًا أو ضعيفًا بهذا الشكل المثير للشفقة:
= مين اللي عمل فيها كده يا باشا؟
لم يجبه جابر، فهو في هذه اللحظة لا يهتم بمعرفة من فعل بها هذا. فكل ما يهتم به الآن هو أن ينقذها. بعدها سيعلم من فعل ذلك وسيسحقه تحت أقدامه. صرخ بجعفر بأن يسرع بينما يشدد من احتضانه لها، دافنًا وجهه في عنقها وهو يهمس بصوت ممزق:
= كله إلا إنك تسيبني يا غزل… ده أنا استحملت اللي ما فيش بني آدم يقدر يتحمله عشان ما أوصلش معاكي للنقطة دي.
مرر يده فوق وجهها الشاحب الساكن ليتلطخ بدمائها التي كانت تملأ يده، وهو يدعو الله بأن ينقذها من أجله.
***
في وقت لاحق…
كانت غزل مستلقية في غرفتها بالمشفى وهي غارقة في ثبات عميق، أثر مخدر العملية التي تم إجراؤها لها لإخراج الرصاصة التي أصابت أعلى صدرها بالقرب من الكتف. بينما وقفت بآخر الغرفة صفا، التي كانت تراقب بأعين تلتمع بالشفقة ابن عمها جابر، الذي كان جالسًا بجانب فراش غزل. وجهه لا يزال شاحبًا وعيناه التي كانت متحجرة ومحتقنة كالدماء، مسلطة على جسد غزل الساكن. بينما ملابسه كانت مبعثرة وغارقة بالدماء، يمسك بيدها بقوة كما لو كان خائفًا من أن تختفي من أمامه.
اقتربت منه مربتة على ذراعه برفق، مما جعله يلتف نحوها ينظر إليها بأعين فارغة:
= جابر.. روح أنت ارتاح شوية وغير هدومك.. وأنا هفضل هنا مع غزل، هبات معاها أنا وحلا، متقلقش.
هز رأسه قائلًا بصوت أجش مهزوز:
= لا أنا هفضل معاها.. روحوا أنتوا يا صفا وخلي أبويا وكل اللي برا يمشوا، مش عايز حد هنا.
أومأت برأسها، فهي تعلم أنه لا فائدة من الجدال معه. لكنها وقفت مترددة قبل أن تسأله السؤال الذي يقلقها:
= جابر.. هو أنت عرفت عمي فراج ضرب غزل بالنار ليه؟ والله يا جابر.. غزل لا يمكن…
قاطعها بحدة وعيناه تعود للاستقرار على غزل:
= اطلعي يا صفا.. وعرفيهم محدش يهوب ناحية هنا تاني.
أومأت صفا برأسها بخوف من نبرته الحادة تلك، قبل أن تستدير وتغادر الغرفة مسرعة. فور أن أغلق الباب خلف صفا، انهار جابر ودفن وجهه في الوسادة التي يستقر عليها رأس غزل، مطلقًا العنان لدموعه التي كان يحبسها طوال الفترة الماضية. لا يصدق أنه كاد أن يفقدها إلى الأبد.
رفع يدها إلى شفتيه يقبلها بحنان ودموعه تنساب على وجهه، لا يستطيع التحكم بها. كان خوفه من فقدها يكاد يمزق قلبه. حاول التحكم بارتجافة جسده وقلبه الذي كان لا يزال يعصف بخوف بداخله. مرر يده بحنان على وجهها، فقد كان محتاجًا للشعور بها لكي يطمئن قلبه ولو قليلاً. لكن اهتز جسده بعنف عندما وقعت عيناه على يده التي كانت مستقرة على خد غزل وكانت ملطخة بالدماء. لكنها لم تكن أي دماء، فقد كانت دماء غزل. انقبض قلبه بألم كاد أن يحطم روحه إلى شظايا فور تذكره لمشهدها وهي ملقية على الأرض كجثة هامدة والدماء منتشرة من حولها.
قبل جبينها وجانب عنقها وهو يهمس بصوت مرتجف ممزق:
= ليه يا غزل.. ليه وصلتينا لكل ده.. ده أنا محبتش ولا عمري هحب في حياتي قدك.
ليكمل وهو يشعر بألم يمزق روحه إلى أشلاء:
= اديتك فرصة يا حبيبتي.. ليه ضربتيني في ظهري تاني.. المرة دي مش هعرف أسامحك يا غزل.
انسابت دموعه على خديه وهو يهمس بضعف وألم:
= وبرضو مش هعرف أسيبك تبعدي عني.. أنا روحي متعلقة بيكي. عارف إن ده هيخليني ضعيف.. هيخليني عثمان عزايزي تاني.. هيخليني أكتر حاجة كنت خايف ونهرب منها، بس برضو مش قادر أبعد وأسيبك.
ارتجف جسده بعنف وهو يشعر باليأس، مما جعله يعقد ذراعيه حولها، دافنًا وجهه في رقبتها، يبكي كما لو كان فقد روحه. ظل على حالته تلك حتى هدأ قليلاً. أمسك بيدها بين يده، دافنًا وجهه في عنقها أكثر، ممتصًا أنفاسًا عميقة من رائحتها. لتمر الدقائق والساعات عليه ويقترب الفجر، وهو لا يزال مكانه، لا يمكنه أن يبتعد عنها أو يتركها.
***
في الصباح…
أفاقت غزل أخيرًا لتجد جابر جالسًا في المقعد المجاور لفراشها. وما إن رآها تستيقظ، انتفض واقفًا مقتربًا منها قائلًا بلهفة:
= عاملة إيه..؟! حاسة بوجعك.. أنده الدكتور..؟!
هزت رأسها وهي تنظر إلى كتفها الذي كانت تشعر بألم حاد به:
= كتفي واجعني أوي.. مش قادرة.
أنهت جملتها وهي تحاول بصعوبة النهوض، ليسرع هو برفعها برفق ومساعدتها في الجلوس، واضعًا خلف ظهرها عدة وسائد، محاولًا جعل جلستها مريحة بقدر الإمكان، قبل أن يستدعي الطبيب ويخبره بالألم الذي تشعر به. فحصها الطبيب وأعطاها بعضًا من الأدوية المسكنة القوية، مطمئنًا إياه بأن ألمها هذا طبيعي في حالتها، خاصة بعد زوال المخدر الذي حقنت به قبل العملية التي أجرت لها.
في اليوم التالي…
كان الصمت يحل بأنحاء الغرفة، فقد ظلت غزل جالسة بفراشها تتطلع أمامها بصمت وهي تتذكر كل ما حدث لها بالأمس. ارتجف جسدها بعنف فور تذكرها للاتهامات القاسية التي ألقاها فراج في وجهها وطعنه في شرفها وأخلاقها. والنظرات النافرة التي ألقاها الجميع نحوها، كما لو كانت عاهرة ألحقت العار بعائلتهم. لا تعلم كيف ستخرج من مصيبتها تلك، وكيف يمكنها تبرير وجود تلك الملابس بحقيبتها وحبوب منع الحمل وغيابها عن المشفى.
التفتت إلى جابر هامسة بصوت منكسر:
= لازم تعرفهم إني متجوزة خليل.. وريّهم قسيمة الجواز.. وعرفهم إنك كنت عارف وإنك اللي جوزتني بإيدك.
هز جابر رأسه بالموافقة بصمت، وهو لا يزال مخفض الرأس بوجه مكفهر كئيب، مما جعلها تشعر بالاختناق. فهي الآن ستصبح حقًا زوجة خليل أمام الجميع. لم تستطع تمالك نفسها وهمست بحسرة وهي تشعر بالألم:
= كل ده بسببك.
لمفاجأتها، انتفض واقفًا فجأة هاتفًا بصوت مدوٍ كما لو كان ينفجر:
= بسبب أنا..!! السبب في كل اللي إحنا فيه ده دلوقتي إنتي يا غزل.
ليكمل بخشونة وهو يتطلع إليها بحسرة وألم:
= بسببك ضيعتي كل اللي كان بينا.. بسببك أختي حياتها اتدمرت، بقت شبح بتخاف تواجه الناس.. بقى عندها ٢٨ سنة ومفيش عريس واحد خبط بابها، وهي بنت العزايزة اللي ألف واحد يتمناها.. ومكتفيتيش بكده، لا ووصل بيكِ الجبروت إنك عايزة تدوسي على شرفها وتدمري لها حياتها أكتر ما هي مدمرة.
ليكمل بقسوة وهو ينحني عليها حتى أصبح وجههما لا يفصلهم شيء، ينظر داخل عينيها الضبابيتين بالدموع التي تحاول مكافحتها:
= بسببك حياتي اتدمرت.. بقيت واحد معرفوش.. دمرتيني ودمرتي حياتي.. إنتي اللي خلتيني أسلمك بإيدي لراجل تاني.. فاكرة إنه كان سهل عليا، حتى لو كان لدقيقتين حتى، ولو كنت واقف برا، بس أنا كنت بموت.. قبل ما كنت بعذبك كنت بعذب نفسي وبدمرها.
أشاحت غزل وجهها بعيدًا عنه، مخرجة صوتًا صغيرًا متألمًا كان كسِكّين غرز بقلبه، لكنه انتفض مبتعدًا، يوليها ظهره سريعًا عند سماعه لصوت انتحابها. يقبض على شعره يجذبه بعنف وهو يحاول تمالك نفسه حتى لا يستدير إليها، حيث أراد أكثر من أي شيء سحبها بين ذراعيه وتركها تبكي فوق صدره. أراد تهدئتها وراحتها واحتضانها حتى تهدأ آلامها وآلامه. تطلب منه الأمر كل ما لديه من قوة إرادة لكي يستدير ويغادر الغرفة بالصمت، تاركًا إياها غارقة في موجة حزنها.
***
بعد مرور يومين…
غادرت غزل المشفى مع جابر، الذي لدهشتها لم يتركها طوال فترة مكثها بالمشفى، رافضًا بشكل قاطع طلب كل من حلا وصفا بالبقاء معها. حيث ظل معها يراعاها ويساعدها في كل شيء قد تحتاجه. فقد تولى مسئولية جعلها تتناول أدويتها في مواعيدها المحددة وإطعامها. حتى كان يساعدها في الذهاب إلى الحمام، حيث كان يحملها بين ذراعيه ويدخلها إلى هناك، ثم يتركها لقضاء حاجتها. ورغم رفض غزل بقاءه معها، إلا أنه تجاهل رفضها هذا.
كان ينام على المقعد الذي يقع بجانب فراشها، مما جعل الطبيب يعرض عليه بأن ينام بغرفة مجاورة لغرفتها. وعلى الرغم من عدم راحته وعدم حصوله على ما يكفي من ساعات نوم مريحة، إلا أنه رفض هذا العرض وفضل أن يبقى معها في ذات الغرفة. فقد كان يظل مستيقظًا بجانبها مستعدًا لمساعدتها في أي شيء قد تحتاجه أو تطلبه. لكنه رغم اهتمامه ورعايته تلك، إلا أنه كان لا يتحدث معها، فقد كان يظل صامتًا طوال الوقت. كما هي الأخرى تجاهلته كما لو كان غير موجود معها بالغرفة، فقد كانت تشعر بالغضب والكراهية نحوه كلما تذكرت الفخ الذي أوقعها به.
فور أن وصلت سيارتهم أمام المنزل، أوقفها جابر وظل بمكانه يتطلع أمامه بأعين تلتمع بالحدة والجمود، مما جعل غزل تفتح الباب لتهم بالهروب. لكنه أمسك بذراعها المعافى يمنعها من الخروج، قائلًا بصوت أجش ممتلئ بالتوتر الذي لأول مرة تسمعه منه:
= استني يا غزل عايزك.
هزت غزل رأسها قائلة بتململ:
= عايز إيه مني تاني يا جابر..؟
فرك وجهه بقوة، ملتقطًا نفسًا عميقًا كما لو كان يهدئ نفسه، قبل أن يمد يده بجيب سترته ويخرج ورقة ومدها نحوها. ظلت عينيها مسلطة بريبة واضطراب على تلك الورقة، قبل أن تستجمع شجاعتها وتقوم بأخذها منه وفتحها. ليهتز جسده بعنف وصدمة كما لو صاعقة قد ضربتها فور أن قرأت محتوى تلك الورقة، والتي لم تكن سوى وثيقة زواج قانونية تثبت زواجها من جابر.
ألقت الورقة بوجهه هاتفة بصوت مرتجف وجسدها كله يرتعد بقوة:
= ده.. إيه..؟! أنت عايز تجنني.. مش كده… دي خطتك الجديدة.
أجابها جابر بهدوء وهو يضغط على فكيه بقوة:
= مش خطة جديدة ولا غيره.. كتب الكتاب كان حقيقي وخليل كان شاهد على العقد بس.. يعني إنتي مراتي على سنة الله ورسوله و……
قاطعته كف غزل الذي سقط على خده بصفعة مدوية تردد صداها بأنحاء السيارة الصامتة. لم تنتظر غزل رد فعل منه لتهجم عليه مرة أخرى، تضربه بيدها المعافية ضربات متفرقة بأنحاء جسده، خادشة جانب عنقه بقسوة بأظافرها، متجاهلة الألم الذي يعصف في كتفها أثر حركاتها العنيفة تلك. لكنها لم تهتم، فكل ما تهتم به إلحاق الضرر به، فقد كانت تكرهه حقًا في هذه اللحظة. ظلت تضربه وتخدشه، وهو مستسلم لها، لم يقاومها أو يدفعها بعيدًا رغم قدرته على إبعادها وسحقها بيد واحدة.
صرخت بغضب عاصف وهي مستمرة بضربه:
= أنت مريض.. مريض.. سلمتني لخليل وأنت عارف إنه مش جوزي.
لتكمل بغل وهي في حالة شبه هستيرية منفجرة في بكاء مرير:
= أنا بكرهك سامع بكرهك…. وعمري ما هسامحك على اللي عملته فيا.
أمسك جابر يدها مانعًا إياها من الاستمرار بضربه وهو يقاطعها بشراسة:
= على الأقل خليل أنا كنت واقف برا ومكنتش هسيبك معاه.. كل اللي عملته.. عملته بس عشان تدوقي ولو جزء بسيط من اللي كنت عايزة تعمليه في أختي.. عارف إني غلطت يوم ما عملت كده، بس وجعي وغضبي منك هو اللي خلاني أعمل كل ده.. بس عايزك تعرفي إني كنت متفق معاه ميقربش منك ولا حتى عينه تيجي على طيفك.. بس هو طلع عيل وسخ وخلف باتفاقي معاه.. بس أنا عمري ما كنت هاذيكي ولا أخلي مخلوق يلمسك أو يمس شرفك.. عكسك وعكس نيتك السودا لبسمة.
صرخت غزل بحدة وانفعال:
= محصلش.. متفقتش مع الزفت خليل على إنه يغتصب أختك.. كانت بسمة تانية.. بسمة تانية.
ألقى جابر يدها التي كانت بين يده بحدة، مزمجرًا بصوت مخيف مظلم:
= كدابة.. كدابة زي اللي خلفتك بالظبط.. نفس الكلام اللي قالته أمك لأبويا لما دفعت لواحد من قطاعين الطرق إنه يهجم على أمي وهي في البيت لوحدها.
شحب وجه غزل فور سماعها كلماته تلك، هامسة بصوت مرتجف وهي لا تصدق ما يقوله:
= كداب… أمي عمرها ما تعمل كده.
قاطعها جابر هاتفًا بقسوة والازدراء يلتمع بعينيه:
= أمك تعمل اللي أوسخ من كده.
تابع حديثه مردفًا وهو يشير نحو المنزل:
= انزلي اسألي عثمان العزايزي.. وهو يقولك حصل ولا محصلش.
انسابت الدموع على خديها، بينما نشيج مؤلم يصدر من حلقها، وهي لا تصدق أفعال والدتها. لكنها كانت متأكدة بأن والدتها ليست بهذا الشر الذي يحاولون جميعًا إظهاره. لكنها أيضًا تعلم بأنها كانت تكره وفاء ولبيبة العزايزي أكثر من أي شيء في هذه الحياة. فهل من الممكن أن تكون فعلت ما يقوله حقًا؟ هل اتفقت مع رجل لكي يغتصب والدة جابر؟
مسحت وجهها بيدها المرتجفة قبل أن تلتف إليه قائلة بحدة:
= أنا معملتش حاجة في أختك.
لتكمل سريعًا مقاطعة إياه عندما حاول التحدث:
= عايز تصدق صدق.. مش عايز انت حر.. مبقاش يهمني ولا يفرق معايا.. اللي يهمني دلوقتي لو ورقة الجواز دي صح وحقيقية إنك تطلقني.. أنا مش عايزاك.
التوت شفتيه بتهكم قائلًا بسخرية لاذعة جارحة وهو يقاوم شعوره بالجرح والألم:
= ده على أساس إن أنا اللي عايزك أوي.. ولا طايق حتى أشوف خلقتك.
شعرت غزل كلماته كسِكّين حاد يغرز بقلبها ممزقًا إياه، لكنها رغم هذا لم تظهر له آلامها. أخذت نفسًا طويلاً مرتجفًا قائلة بهدوء:
= يبقى تطلقني.
قاطعها مزمجرًا بقسوة وعيناه تلتمع بالشراسة:
= على جثتي.. الجوازة دي مش هتخرجي منها إلا وإنتي ميتة أو أرملة.
تسارعت أنفاسها، نظرت داخل عينيه وعيناها تنطق بالكراهية والغضب الذي تشعر به نحوه، قائلة:
= يبقى إن شاء الله هخرج منها أرملة.. وقريب أوي.
ثم فتحت باب السيارة وأمسكت بالباب المفتوح محاولة الخروج منها، لكنها لم تستطع، فقد ازدادت عليها آلام كتفها بسبب الحركة المفرطة والعنيفة التي فعلتها أثناء ضربه له. وجدت جابر يقف بجانبها يساعدها على الخروج، لكنها رفضت، مما جعله يطلق لعنة حادة قبل أن يمسكها بإصرار ويخرجها. ثم أحاط كتفها برفق، بينما يحثها على التقدم لداخل المنزل. لكنها دفعته بعيدًا رافضة لمسته تلك. لكنه عاد وأحاط كتفيها، منحنيًا على رأسها هامسًا بأذنها:
= جوه مش عايز أسمعلك صوت.. عايزك توافقي على كل حاجة هقولها.
زجرته بقسوة قائلة بتهكم:
= في المشمش.. ابقى قابلني.
توقف جابر، مديراً إياها نحوه قائلًا بصرامة وحدة:
= غزل.. أنا بهزرش، الموضوع حياة أو موت مش لعبة بنلعبها، فاهمة.
أنهى جملته قبل أن يعاود باستكمال طريقهما لداخل المنزل. لكن فور أن دلفا إلى الداخل، تصلب جسد غزل بقوة فور أن رأت جميع العائلة مجتمعة مرة أخرى. مما جعل شعور من الخوف يزحف بداخلها وهي تتذكر آخر مرة تجمعت العائلة بها هنا، تلقت رصاصة كادت أن تؤدي بحياتها.
ابتعدت غزل عن جابر واتجهت نحو القبو للذهاب إلى غرفتها القديمة، محاولة تجاهلهم. لكن أوقفها صوت جابر الصارم الذي هتف من خلفها:
= تعالي يا غزل هنا.
استدارت نحوه مجيبة إياه بجمود، وهي لا تتحمل التواجد معه أو مع من تسببوا بأذيتها والطعن في شرفها:
= تعبانة وعايزة أنام.
قاطعها جابر بحدة وصرامة:
= قولتلك تعالي هنا.
استسلمت واتجهت إليه حتى لا تصنع مشهدًا أمامهم. وقفت بعيدة عنه بعدة خطوات، لكنه أمسك برفق بذراعها غير المصاب وجذبها نحوه لتصبح واقفة بجانبه. ثم التف نحو العمروسي، والد حلا صديقتها، والذي كان يعد ذراعه الأيمن في الأعمال. أشار إليه برأسه قائلًا بنبرة ذات معنى:
= عمروسي.
هز العمروسي رأسه قبل أن يتوجه نحو والد جابر يعطيه ورقة. أخذها منه عثمان وقرأها، لترتسم على وجهه الصدمة، قبل أن يرفع عينيه نحو جابر قائلًا بصوت ممتلئ بالصدمة والدهشة:
= اتجوزتها..؟!
ليكمل بحدة وغضب:
= لما أنت اتجوزتها معرفتناش ليه.. يا بني.
قاطعته لبيبة هاتفة بعصبية وهي تختطف منه الورقة:
= اتجوز مين بالظبط..؟!
ضربت يدها بصدرها فور أن قرأت محتوى الورقة، شاعرة بدلو من الماء المثلج يسقط فوق رأسها وغضب عاصف يضرب عروقها. اقتربت من جابر هاتفة بقسوة وغِل:
= اتجوزت بنت أزهار يا جابر.. أزهار اللي موتت أمك بحسرتها.. اتجوزت اللي حرقت أختك ودمرت حياته.
لتكمل صارخة بعويل كما لو مات شخص ما:
= آهااا يا وفاء يا حبيبتي…. يا اللي مش هترتاحي في تربتك أبدًا بعمل ابنك…. يا وفــــــــــــــاء يا أختي… يا اللي موتّوكي بحسرتك وحرقة قلبك يا غاليــــــة.
ظل جابر واقفًا ينظر إليها بجمود، محاولًا تجاهل الألم الذي ضرب صدره وهو يستمع إلى كلماتها تلك. بينما أخذ الحضور يتحدثون بين بعضهم البعض والصدمة بادية على وجوههم. والعمروسي يمر عليهم يظهر لهم وثيقة الزواج.
هتف بحدة فراج الذي كان جالسًا بين الحضور، وهو يشير نحو الورقة التي بيده:
= وإحنا إيه ضمنا إن الورقة دي صحيحة؟ ما يمكن أنت ضربتها عشان تتستر على فضيحة حبيبة القلب.
التمع الأمل بداخل لبيبة فور سماعها ذلك. فركت عينيها التي كانت محتقنة كالدماء، محاولة إبعاد دموع الغضب، مسلطة عينيها على جابر محاولة كشف الحقيقة من ردة فعله. بينما أومأ جابر بهدوء مشيرًا بيده بصمت نحو العمروسي الذي انطلق مغادرًا المكان على الفور.
وقفت غزل بجانبه تحاول تجاهل نظرات الجميع التي كانت منصبة عليها، فق كانت ممتزجة بالصدمة والغضب، خاصة فراج الذي كان يطالعها بنظرات تنفجر بالحقد كما لو يرغب الآن الانقضاض عليها وقتلها. لكنها لن تلومه، فها هو بعد كل ما فعله بها يقف أمامها بكل هدوء وجبروت دون أن يحاسبه أحد على ما فعله بها، كما لو كانت روحها التي كادت أن تهلك لا تستحق أن يحاسب من أجلها.
ابتلعت غصة الألم التي تشكلت بحلقها، شاعرة بالشفقة على نفسها، فقد كانت رخيصة بالنسبة لجابر، فلماذا يحاسبه؟ فهو يكرهها، فهي ليست سوى المرأة التي أحرق شقيقته وتآمرت على تلويث شرفها.
خرجت من أفكارها تلك، مرفرفة بعينيها بقوة، محاولة دفع بعيدًا الدموع التي كوت مقلتيها، عندما جذب انتباهها العمروسي وهو يعود مرة أخرى بصاحب رجل يرتدي عباءة وعمامة. تعرفت عليه على الفور، فقد كان المأذون الذي عقد قرانهم منذ يومين بشقة المنصورة.
أشار العمروسي للمأذون قائلًا:
= اتكلم يا أستاذ.
تنحنح المأذون قائلًا بصوت مرتفع:
= أنا المأذون الشرعي سالم السيد، وأشهد أمامكم وأمام الله.
ليكمل وهو يشير نحو غزل وجابر:
= إني عقدت قران الأستاذ جابر عثمان على الأستاذة غزل مجاهد.. من يومين بمدينة المنصورة.
ثم التف نحو العمروسي مسلماً إياه بطاقة هويته ودفتر الزواج الخاص به، وهو يردف بهدوء:
= وادي بطاقتي اللي تثبت إني مأذون شرعي، وده دفتر الزواج متسجل فيه العقد.
ذهب العمروسي بتلك الأوراق نحو عثمان والد جابر، ثم فراج الذي اشتعل الغضب بعينيه من فرار ابنة أزهار من المأزق الذي كان فرحًا بأنها قد وقعت فيه، فقد كان يرغب بفضحها أكثر ودعس وجهها بالأرض الموحلة.
تمايلت لبيبة التي كانت تنظر إلى الدفتر وهي لا تصدق بأن كل ما خططت له قد فشل وتحطم فوق رأسها. تمايلت إلى الخلف وهي تكاد أن تفقد الوعي، مما جعل شقيقها حسان يسرع نحوها هاتفًا بهلع:
= مالك.. يا أختي فوقي.
هزت رأسها بينما تبتعد عنه محاولة تمالك نفسها حتى لا تنهار أمامهم وتفضح أمرها.
راقب جابر حالتها تلك وتعبير ساخر مرتسم على وجهه، قائلًا بسخرية:
= مالك يا خالة لا اجمدي كده.. إحنا لسه بنقول يا هادي.. أوعى يغمى عليكي، لازم تبقي فايقة كده ومصحصحة عشان تتفرجي وتتعلمي من اللي هيحصل قدام عينك دلوقتي.
أنهى حديثه واتجه نحو فراج، يمسك به من كتف عباءته يجذبه بقوة كادت أن تجعله يسقط أرضًا. صرخ فراج بحدة وهو يحاول التحرر من قبضته:
= أوعى.. يا جابر أنت ماسكني كده ليه…. بقولك أوعى.
تجاهله جابر جاذبًا إياه إلى منتصف الغرفة، مشيرًا نحو العمروسي وجعفر اللذان أسرعا بالإمساك بفراج وتقييد حركته، مما جعل فراج يصرخ بذعر وقد شحب وجهه:
= أنت بتعملوا إيه.. أوعى يالا أنت وهو.. أوعى…. أنتوا اتجننتوا.
صرخ إحدى أعمامه بحدة:
= بتعمل إيه يا جابر.. ميصحش يا ابني كده…. مهما كان ده خالك برضه وكان بيدافع عن شرف العيلة.
قاطعه جابر مزمجرًا بصوت مدوٍ حاد:
= عم مصلحي.. مالكش دعوة أنت بالليلة دي أحسنلك.. وخالي مكنش بيدافع عن شرف العيلة.. لا خالى كان بينتقم من بنت أزهار.. أزهار اللي كان دايب وواقع فيها لشوشته وهي رفضته وفضلت أبويا عليه.. فطلع غله وحقده في غزل.. يمكن نار قلبه تهدى.
ليكمل وهو يوجه حديثه إلى جميع الرجال الواقفين ينظرون برهبة إلى ما سيفعله. فرغم صغر عمره إلا أنه من كان يدير شئون العائلة بأكملها، لا يقوى أحد منهم على الوقوف بوجهه:
= وزي ما كل واحد فيكوا برضو كان حاطط جزمة في بوقه وساكت وهو شايفه بيضرب مراتي بالنار.. يحط نفس الجزمة في بوقه وميسمعش نفس.
صمت الجميع بالفعل بعد أن كانت هناك همهمات معترضة بينهم. التف جابر نحو غزل التي كانت واقفة تراقب ما يحدث بوجه شاحب. أمسك بيدها ووضع بين يديها مسدس:
= اضربيه بالنار زي ما ضربك.
اهتز جسدها بعنف من شدة الصدمة فور سماعها كلماته تلك، بينما صدرت الشهقات الصادمة من حولهم. بينما اندفعت لبيبة نحوه تصرخ بهستيرية وصدمة:
= عايز تموت خالك يا جابر.
قاطعها جابر بصوت حاد عاصف وعروق عنقه تنتفض من شدة الغضب:
= واقتل عيلتي كلها مش خالى بس.. وأي حد يفكر بس إنه يلمسها تاني.
شحب وجه لبيبة فور سماعها تهديده هذا، متراجعة إلى الخلف ببطء، بينما قلبها ينبض بداخلها في خوف وذعر. اخفض جابر عينيه نحو غزل عندما حاولت سحب يدها من يده رافضة الإمساك بالمسدس:
= خدي حقك.
هزت غزل رأسها برفض ودموعها تنساب على خديها، مما جعله يضغط على فكيه بغضب هامسًا بأذنها بصوت حاد صارم:
= قدامك حل من الاتنين، لتمسكي المسدس وتضربيه زي ما ضربك ويبقى في أمل إن ضربتك تيجي غلط وتصيب أي حتة في جسمه غير قلبه ويعيش، لأما هضربه أنا يا غزل وساعتها رصاصتي مالهاش مكان إلا قلبه.
أدارت غزل رأسها تنظر إليه بأعين متسعة بالذعر والخوف وهي لا تدري ما تفعل.
رواية خطاياها بيننا الفصل السابع 7 - بقلم هدير نور الدين
استدار جابر ووقف خلفها يستند ظهرها إلى صدره، ثم أخفض رأسه هامسًا في أذنها، متجاهلاً صرخات المعترضة لبيبة وفراج الذي كان يحاول التحرر من قبضة الرجال.
"خُدي حقك."
هزت غزل رأسها برفض ودموعها تنساب على خديها، مما جعله يضغط على فكيه بغضب، هامسًا في أذنها بصوت حاد صارم:
"قدامك حل من الاتنين. لتمسكي المسدس وتضربيه زي ما ضربك، ويبقى في أمل ضربتك تيجي غلط وتصيب أي حتة في جسمه غير قلبه ويعيش. لأما هضربه أنا يا غزل، وساعتها رصاصتي مالهاش مكان إلا قلبه."
أدارت غزل رأسها تنظر إليه بعينين متسعتين بالذعر والخوف، وهي لا تدري ماذا تفعل.
"خُدي حقك يا حبيبتي وبردي ناري،" أكمل وهو يضغط برفق على ذراعها، "وعرفي كل كلب فيهم مصيره هيبقى إيه لو فكر تاني يأذيكي."
ظلت غزل صامتة تنظر إلى فراج بعينين فارغتين، وهي تتذكر كل ما كان يفعله بها. فقد كان يتعمد أن يؤذيها. فعندما كان يأتي لزيارة لبيبة، كان يدخل المطبخ حيث كانت غزل تعمل هناك، مخالفًا أوامر جابر بألا يدخل أي رجل إلى المنزل. وفور رؤيته لها، كان يقوم بإهانتها ونعتها بالعمياء ذات الأربع عيون، ويقوم بإلقاء الصحون والأطباق على الأرض محدثًا ضجة عالية حتى تأتي شقيقته وتسأل ما الذي حدث، فيخبرها بأن غزل العمياء لم تر الصحون وأوقعتها أرضًا، ليبدأ هو وشقيقته بالسخرية منها ومن ضعف نظرها، جاعلين منها تسليتهم.
كانت في البداية ترغب غزل بإخبار جابر بما يفعلونه بها، لكنها بالنهاية قررت عدم إخباره. فقد كانت تعلم أنه يكرهها، وإذا أخبرته، فربما يقوم بالسخرية منها هو الآخر. لذا صمتت وتعمدت تجاهل فراج، مما جعله يغضب ويزيد من مضايقته لها أكثر، ناعتاً إياها "بالضبشة بنت أزهار الفاجرة".
وقتها، وقفت أمامه وهددته كاذبة بأنه إن لم يتوقف، سوف تخبر جابر بأنه خالف أوامره ودخل إلى المنزل. وقتها شحب وجهه واستدار ذاهبًا بصمت. ومنذ ذلك اليوم، لم يدخل المنزل مرة أخرى، لكنه لم يتوقف عن مضايقتها، لذا كانت طوال مدة زيارته لشقيقته لا تخرج إلى الحديقة.
"خُدي حقك وافتكري اللي عمله فيكي،" همس جابر في أذنها وهو يضمها أكثر لجسده في حماية.
تذكرت غزل ضرب فراج لها ومحاولته لقتلها وإهانتها أمام الجميع، وطعنه وسبها بشرفها. ثارت الدماء في عروقها، مما جعلها ترفع يدها وتصوب المسدس نحو فراج، الذي ما إن رأى ما فعلته، صاح بغل وعيناه تشع منها.
"إيه؟ هتضربيني بالنار يا بنت أزهار؟"
ليكمل وهو يبثق كلماته بشراسة واشمئزاز:
"صحيح ما انتي فاجرة وزبالة زي أمك، متفرقيش عنها كتير."
غطى ستار أسود من الغضب عينين جابر، فلم يفكر كثيرًا قبل أن يقبض على يدها التي كانت تمسك بالمسدس، والتي كانت ترتجف بعنف، ويضغط هو على زناد السلاح الذي صوبه نحو صدر فراج، موضع قلبه. لكن أسرعت غزل، وفي ردة فعل سريعة منها، بخفض يدها التي كان يمسك بها، مخفضة فوهة السلاح، لتصيب الرصاصة التي انطلقت من مسدسه فخده الأيمن.
شاهدت غزل بعينين متسعتين بالصدمة والذعر فراج وهو يسقط أرضًا غارقًا في دمائه، وهو يصرخ متألمًا بأعلى صوت لديه، مما جعلها تلتف وتدفن وجهها في صدر جابر، منفجرة في بكاء، وكامل جسدها كان ينتفض بقوة، وهي لا تصدق أنها شاركت في إطلاق النار عليه حقًا.
تعالى في الأرجاء نواح وصراخ لبيبة، التي كانت تبكي بشهقات عالية ممزقة، وهي جاثمة بجانب شقيقها.
"يا خويـــــــــا قتلوك يا فراج... قتلتك بنت أزهار يا فراج....."
كان عثمان جالسًا في مقعده يشاهد ما يحدث بعينين ممتلئتين بالرضا. بينما ضم جابر جسد غزل المرتجف إليه بقوة. عندما شعر بارتجاف جسدها، وهي تهمس بصوت ممزق عند سماعها كلمات لبيبة تلك، ظنًا منها بأن فراج قد مات بالفعل.
"قتلته... أنا قتلته... قتلته."
"حاط خصرها بذراعيه يضمها بحنان إليه، هامسًا في أذنها: "ماتش يا غزل... اهدى يا حبيبتي، جت في رجله متخفيش... ده بسبع أرواح."
ثم انحنى حاملًا إياها بين ذراعيه عندما شعر بارتجافها يزداد. قاومته غزل معترضة، لكنه شدد من إحاطته لها، دافنًا وجهها في عنقه، قبل أن يلتف إلى جميع الرجال الذين كانوا ملتفين حول فراج، قائلًا ببرود وهو يضغط على حروف كلماته بقوة:
"استأذنكوا أنا بقى رجالة أصل... مراتي تعبانة ومحتاجة ترتاح."
لكنه توقف عن تكملة جملته، مطلقًا هسيس متألم عندما قامت غزل، التي كانت تخفي وجهها بجانب عنقه، بغرز أسنانها في كتفه بقسوة، تعضه بغل، مما جعل لهاث متألم يصدر منه، لكنه حاول التماسك وعدم إظهار ألمه حتى لا يفضح أمام رجال العائلة. استدار نحو الدرج، مولياً ظهره للجميع، متصنعًا الصعود، قبل أن يخفض رأسه هامسًا في أذن تلم التي كانت لا تزال تغرز أسنانها في كتفه، هامسًا في أذنها بصوت حاد صارم:
"غزل لمي نفسك بدل ما عليا النعمة أخلي جناني يطلع عليكي."
"قدامه."
نزعت أسنانها من كتفه فور سماعها تهديده هذا، زاجرة إياه بقسوة، لكنه تجاهلها والتف إلى الرجال مرة أخرى، قائلًا ببرود كالصقيع:
"آه، وقبل ما أنسى، كلكوا معزومين على فرحنا الأسبوع الجاي."
ليكمل بسخرية لاذعة وهو يخفض نظره نحو فراج الجالس على الأرض ممسكًا بساقه النازفة:
"اوعى يا خال متجيش، هستناك لازم تيجي. ده انت مهما كان الخير والبركة بتاعتنا برضه."
زجره فراج بنظرة قاتلة ممتلئة بالغل والكراهية، قابلها جابر بنظرة باردة ممتلئة بالتهكم، قبل أن يلتف ويصعد الدرج وهو يحمل غزل بين ذراعيه، غافلًا عن والده الذي كان جالسًا في مقعده يتابعه، وعلى شفتيه ترتسم ابتسامة واسعة فرحة، فما كان يتمناه يتحقق أخيرًا.
***
مشى جابر في الممر الذي بنهايته غرفة غزل، وهو لا يزال يحمل جسدها بين ذراعيه. تململت محاولةً جعله أن ينزلها، هاتفة بحنق:
"نزلني."
تجاهلها واستمر في طريقه، مما جعلها تغرز أصابعها في شعره الكثيف، تجذب خصلاته بقسوة، وهي تصرخ بغضب:
"نزلني... بقولك."
رجع رأسه للخلف بحدة، محررًا شعره من قبضتها، وهو يتمتم بكلمات حانقة غاضبة غير مفهومة، مستمرًا في طريقه حتى وصل إلى غرفتها، التي فتح بابها ودلف بها إلى الداخل، وأخفضها برفق فوق الفراش خوفًا على جرحها.
تراجع إلى الخلف ينظر إليها بحدة، وهو يفرك فروة رأسه التي كانت تؤلمه بشدة إثر جذبها لشعره، قائلًا بحدة:
"عيلة مفترية."
زجرته بحدة هاتفة بغضب يعاكس ارتجاف جسدها:
"تستاهل."
زفر جابر بحدة، وقد لانت تعبيرات وجهه الغاضبة عندما لاحظ ارتجافها هذا، بينما كان وجهها شاحبًا بشدة، مدركًا أنها لا تزال تحت تأثير الصدمة، فقد كان الخوف يلمع مثل منارة في عينيها، لقد كانت خائفة، أصاب ذلك قلبها.
اقترب منها بهدوء، ممسكًا بيدها السالمة، جاذبًا إياها منها برفق حتى أصبحت تقف على قدميها أمامه. سحبها بين ذراعيه يضمها بحنان، لكنه قاومته وحاولت الابتعاد عنه، هاتفة بغضب:
"أوعى، سيبني."
لكنه رفض تحريرها وضمها إليه أكثر، لكنه كان حريصًا في ذات الوقت على ألا يؤذي كتفها المصاب. مرر يده بحنان على ظهرها محاولًا تطمئنتها، هامسًا في أذنها بصوت أجش:
"مش عايزك تبقي خايفة، انتي خدتي حقك، ولازم تتعودي من هنا ورايح أي حد فيهم يعمل فيكي حاجة تاخدي حقك منه."
قاطعته بسخرية لاذعة وهي تحاول دفعه بعيدًا:
"لو نفذت كلامك ده يبقى انت أول واحد هاخد حقي منه، وأول رصاصة هضربها هترشق في قلبك، لأن مفيش حد أذاني قدك."
لتكمل بقسوة وهي مستمرة في استفزازه:
"بعدين، عايزاك تعرف إنه كان أرحملي إني أبقى مرات خليل العمر كله، ولا إني أبقى على ذمتك ليلة واحدة."
أنهت جملتها، متخذة خطوة إلى الخلف بعيدًا عنه، عندما سمعته يصدر هديرًا عاصفًا من بين شفتيه، بينما تحولت عيناه إلى ظلام عاصف من الغضب. لكنها رفضت التراجع أكثر وثبتت قدميها بالأرض، رافضة أن تظهر له خوفها مرة أخرى. رفعت رأسها عاليًا، متجاهلة وجهه الذي كان محتقنًا بالغضب، مرمقة إياه ببرود، كما لو كان غضبه هذا لا يهمها، لكنها انطلقت راكضة تهرب من أمامه نحو الحمام، وهي تصدر صرخة مدوية عندما رأته يتحرك نحوها محاولًا الإمساك بها، وهو يتمتم بكلمات غاضبة.
هربت لداخل الحمام، مغلقة بابه سريعًا بوجه جابر، الذي كان لا يفصله عنها سوى خطوتين فقط وينجح بالإمساك بها. استندت على الباب تزفر براحة، بينما تسمعه يهتف من الخارج:
"ماشي يا غزل، افضلي استفزي فيا، واحرقى في دمي بكلامك اللي زي الزفت ده، ولما أجي ألمسك تقعدي تعيطي وتصوتي زي العيال الصغيرة."
قاطعته من خلف الباب بحدة:
"أنا لا بعيط ولا بصوت."
لتكمل ببرود مستمرة في استفزازها إياه:
"بعدين، أنا ذنبي إيه إنك بتتحول وتتعصب كل ما أجيب سيرة خليل جوزي... قصدي اللي كان جوزي."
وضعت غزل يدها فوق فمها تحاول كتم ضحكتها عندما سمعته يطلق هديرًا عاصفًا، ضاربًا الباب بقبضته بقوة، كما لو فقد السيطرة على أعصابه. لكنه صمت فجأة لعدة دقائق، قبل أن يهتف مرة أخرى بصوت حاد مليء بالغضب ونفاذ الصبر:
"أنا هخرج من هنا... هخرج قبل ما أرتكب جريمة. ده انتي عيلة مستفزة وباردة، ومعندكيش دم."
ثم عقب كلماته تلك، الصوت الحاد لإغلاق باب الغرفة، الذي اهتزت بسببه أرجاء المكان.
***
بعد مرور ساعة...
كانت غزل مستلقية على الفراش، بينما آلام جرحها تزداد، كما كانت تشعر بالحكة بسبب الجبيرة القماشية التي تضم ذراعها إلى صدرها حتى يضمن ألا يتحرك كتفها، فقد تسببت الرصاصة ببعض الأذى به.
طرق الباب، ودلفت بعدها إحدى الفتيات التي تعمل بالمنزل، قائلة بابتسامة خبيثة:
"جابر بيه بعتني ليكي بصنية الأكل دي... وبيقولك تاكلي كويس وتاخدي دواكي، وتخلصي الصنية كلها."
لتكمل سريعًا وهي تضع الطعام على المنضدة التي بجانب الفراش:
"وطلب مني أساعدك في الأكل علشان دراعك مش هتعرفي تحركيه."
هزت غزل رأسها هامسة وهي تشعر بالخجل من اهتمامه هذا الذي أظهره أمام الآخرين، خاصة أمل المعروف عنها القيل والقال:
"تسلمي يارب يا أمل... بس أنا هاكل لوحدي."
همهمت أمل قائلة بتردد:
"بس جابر بيه أكد عليا إني أساعدك، وممكن يضايق مني لو عرف إني..."
قاطعتها غزل بهدوء:
"متخفيش، هقوله إني أنا اللي قولتلك."
لوت أمل شفتيها في ابتسامة، قبل أن تتنهد وهي تهز كتفيها باستسلام، قبل أن تلتف وتخرج من الغرفة. تراجعت غزل تستند إلى ظهر الفراش، وهي تفرك بطنها بيدها، فقد كانت جائعة للغاية، فطعام المشفى لم يكن يشبعها. نهضت محاولة الوصول إلى صنية الطعام، عندما فجأة انفتح الباب بقوة، جعلته يرتطم بالحائط، ولبيبة تدلف إلى الغرفة بوجهها الذي كان أسود من شدة الغضب، وعيناها المختنقة كالدماء، بينما كان أسفل عينيها وخديها ملطخان بسواد كحلها الذي سال بسبب بكائها.
"اتجوزتيه... ها... اتجوزتيه يا بنت أزهار... ونفذتي اللي كنتي مخططاله انتي وأمك من الأول."
لتكمل بغل وهي تندفع نحوها:
"حرباية وعقربة زي اللي جابتك، تفضلوا تلفوا وتحوموا حاولين الراجل لحد ما توقعوه في حبالكوا."
قاطعتها غزل ببرود وهي ترسم على شفتيها ابتسامة واسعة:
"على الأقل إحنا أحسن من اللي بتفضل طول عمرها تلف وتحوم حاولين الراجل لحد ما بتخنقه وبتكرهه في حياته وعيشته، وفي الآخر بيديها بالشبشب فوق دماغها."
فهمت لبيبة أنها تقصد بكلماتها تلك حبها لعثمان ورفضه لها. فبالتأكيد والدتها قد أخبرتها، فلم تشعر بنفسها إلا وهي تنزع نعالها وتهجم عليها محاولة ضربها به. تراجعت غزل على الفور إلى الخلف محاولة الهرب منها، عندما وقع عينيها على المسدس الذي تركه جابر هناك عندما صعد بها إلى هنا. لم تتردد لثانية واحدة قبل أن تمسك به وتشره بوجه لبيبة، التي تراجعت إلى الخلف والخوف والصدمة يملآن عينيها.
هتفت غزل بها بغضب يعاكس ضربات قلبها التي تقفز في صدرها من شدة الخوف والرهبة:
"لو قربتي مني عليا النعمة لأضربك."
صرخت لبيبة مقاطعة إياها بقسوة وقد احمر وجهها من شدة الانفعال:
"فاكرة جابر هيسكت لما تضربي خالته اللي مربياه؟"
قاطعتها غزل ببرود وهي تحاول التحكم في ارتجاف يدها التي تحمل المسدس، فلم تكن ترغب أن تلاحظ ارتجافها هذا:
"جابر مين؟ جابر اللي بإيده خلاني أضرب خالته."
لتكمل كاذبة وهي ترمقها بشماتة عندما لاحظت وجهها الذي شحب:
"ولا جابر اللي اداني المسدس وقالي بالحرف، أي حد يفكر يلمسني في البيت المعفن ده أضربه بالنار."
صرخت لبيبة بغل وعيناها تكاد أن تخرج من مقلتيها من شدة الغضب، فقد كانت تشعر كما لو هناك نيران تلتهم قلبها حيًا:
"ليــــه؟ وإحنا فراخ هتخلصوا علينا انتي وسي جابر بتاعك؟ لا البلد دي فيها حكومة."
قاطعتها غزل مشيرة نحو الباب بالمسدس:
"بقولك إيه يا لبيبة، روحي زوري أخوكي في المستشفى واطمني عليه، مش زيارة المريض واجب برضه."
قاطعتها لبيبه هاتفة بكلمات مليئة بالحقد والغل:
"عقبال ما أزورك كده وأنتي راقدة جنب أمك، وميبقاش ليكي وجود في الدنيا إلا نفسك اللي طالع داخل زي أمك كده."
رسمت غزل ابتسامة على شفتيها، مقاومة الألم الذي عصف داخل قلبها عند سماعها كلماتها القاسية تلك، مجيبة إياها ببرود:
"أنا وأنتي يا خالتي يا رب."
هزت لبيبة رأسها تنظر إليها بعينين تصرخ بالحقد والكراهية:
"ماشي يا بنت أزهار، وحياة أمك لهدفعك تمن وساختك دي غالي، حاضر."
"ابقي افتكري اليوم ده كويس."
أدارت غزل عينيها بسخرية، كما لو أن تهديدها هذا لا يهمها، قائلة بسخرية:
"حاضر، هبقى افتكره حاضر."
التفت لبيبة مغادرة الغرفة وهي لا تزال تسبها وتلعنها بأفظع الشتائم.
***
بعد مرور ساعتين...
كانت غزل جالسة على الفراش تتنهد بحدة وهي تفرك بطنها التي كانت تصدر أصواتًا مزعجة، فقد كانت جائعة للغاية ولم تأكل شيئًا منذ وجبة الإفطار في الصباح. فهي لم تأكل الطعام الذي أتت به أمل، حيث لم تستطع الأكل بيدها الشمال، فقد وجدت صعوبة في التحكم بالملعقة، فكلما رفعت ملعقة طعام إلى فمها، سقط الطعام من عليها قبل أن يصل إلى فمها. فجابر من كان يساعدها في الطعام بالمشفى. فكرت النزول إلى الأسفل وإخبار إحدى الخدم بصنع شطيرة لها، لكنها تراجعت، فهي لا تريد الخروج من غرفتها ومواجهة لبيبة مرة أخرى، فيكفي مواجهتهم الأخيرة. ابتسمت غزل وهي تفكر فيما فعلته، فهي لا تدري من أين أتتها تلك الشجاعة أو الجرأة حتى تقف بوجهها وتشهر المسدس نحوها. لتنفجر ضاحكة فور تذكرها كيف شحب وجه لبيبة في خوف وارعاب. همست بخبث محدثة نفسها وهي تطلق ضحكة قصيرة:
"يلا ما هي طيبة برضه وتستاهل كل خير."
أنهت جملتها متراجعة إلى الخلف فوق الفراش تتمدد باسترخاء، لكنها انتفضت جالسة عندما فجأة انفتح الباب ودلف جابر إلى الغرفة.
هتفت به بحدة وهي تجذب حجابها وتضعه على رأسها:
"إيه ده مش تخبط؟ مش تعمل حساب لحرمة الأوضة ولا هي زريبة؟"
اتجه نحوها بخطوات هادئة، جالسًا بجانبها على الفراش، ممسكًا بحجابها ينزعه من فوق رأسها ويلقيه بعيدًا، متجاهلاً شهقتها الصادمة، قائلًا ببرود:
"حرمة إيه يا متخلفة؟ أنا جوزك."
شهقت غزل قائلة بسخرية:
"جوزي؟!!! لا ده انت صدقت نفسك أوي."
أمسك بفكها بيده، قائلًا بحدة وعيناه تعصف بالغضب:
"آه جوزك يا أم لسان وربع، يعني حقي أدخل الأوضة دي وأي أوضة انتي فيها في أي وقت أنا عايزه."
ليكمل وهو يمسك بطرف منامتها العلوي يرفعه للأعلى:
"ولو قلعتك هدومك دي دلوقتي برضه حقي."
ضربته غزل بيدها السالمة على يده الممسكة بمنامتها، بينما تركله بقدمها في ساقها وذراعها، هاتفة بغضب وقد احمر وجهها بشدة:
"لا بقولك إيه احترم نفسك، ولو فاكر إني بقى غزل بتاعت زمان الطيبة اللي مبيطلعلهاش صوت، لا انسى ده، أنا اتغيرت ومش هسكتلك."
دون إرادته، ابتسم جابر فور سماعه كلماتها تلك مع رؤيته لحركاتها العصبية المنفعلة وهي تنتفض في مكانها:
"آه ما أنا عارف بقيتى بلطجي."
ليكمل وهو يقبض على ساقها التي كانت تركله بها محاولًا تقييد حركتها، لكنها ظلت رغم ذلك تحاول تحريرها وضربة مرة أخرى:
"برضه، أنا جوزك غصب عن عينك وعين أي حد في البيت ده، جوزك يا غزل."
توقفت غزل فجأة عن محاولاتها لضربه، قائلة بهدوء يعاكس ثورتها الغاضبة:
"يعني انت جوزي... مش كده؟"
همهم جابر بالموافقة وهو يحرر ساقها من قبضته، قبل أن يمسك بمشبك شعرها ينزعه، ممررًا يده خلال خصلاته، مستمتعًا بنعومته الحريرية حتى أصبح مسترسلًا على كتفيها كشلال من الحرير.
أومأت غزل برأسها قائلة بدلال، بينما عيناها تلمع بخبث:
"طيب أنا جعانة... وعايزة أكل."
هز جابر كتفه قائلًا بينما هو مستمر بتمسيد شعرها:
"طيب ما تاكلي، هو أنا منعتك."
أجابته قائلة وهي تتصنع الخوف، بينما المكر يلمع في عينيها:
"أصل كل اللي شغالين في البيت زمانهم مشيوا... وأنا جعانة أوي، مأكلتش حاجة من ساعة الفطار... ودراعي مش قادرة أحركه عشان أعمل أكل ليا، فعايزاك تيجي معايا تحت تعملي أي حاجة آكلها."
قاطعه جابر بحدة وعصبية:
"وما أكلتيش ليه يا غزل من الصبح؟ انتي بتستعبطي؟ أنا مش بعتلك الأكل مع أمل وقولت لها تساعدك. انتي بتاخدي أدوية ومضاد حيوي، عايزة تموتي."
ثم انتفض واقفًا، جاذبًا إياها معه، قائلًا وهو يجذب معطفها المنزلي الثقيل الطويل من فوق المقعد ويضعه فوق كتفيها، فارتداءه بالكامل سيكون صعبًا بسبب ذراعها، وضعه عليها ليصبح يغطي منامتها متدليًا على الأرض، ثم وضع الحجاب على رأسها، عاقدًا إياه بشكل غير مرتب، مما جعلها تغمغم بتهكم:
"كده مش ناقص إلا إني أروح أشحت قدام أي جامع بمنظري ده."
قاطعها جابر وهو يضع ورقة من المال في جيب معطفها المنزلي:
"آه، وادي أول 10 جنيه منى."
لوت غزل شفتيها ساخرة منه، قائلة بحدة:
"طيب ولزمتها إيه الطرحة؟ مفيش غيرنا في البيت وأبويا عثمان وخالتك، يبقى لزمتها إيه؟ قول لي."
حاط خصرها بذراعه، يحثها على التقدم معه لخارج الغرفة، وهو يجيبها:
"لما ننزل وأطمن إن مفيش حد تحت، أبقى أقلعيها براحتك، واتكتمي بقى شوية، مش عايز صداع."
هتفت غزل بحنق وهي ترجع رأسها في سخط:
"يا رب ارحمني من دي دماغ مش هتتغير أبدًا... مين يعني اللي هيبقى موجود الساعة 12 بليل."
لم يجبها واستمر في طريقه إلى الأسفل، وهو يحيط خصرها بذراعه، يساعدها برفق على المشي، لكنه وفي منتصف طريقهم، كما لو تذكر أنه يجب عليه عدم تركها تمشي على قدميها، انحنى وحملها بين ذراعيه، مما جعلها تصرخ معترضة، لكنه تجاهلها واستمر في طريقه إلى الأسفل.
فور دخولهما المطبخ، أجلسها برفق على مقعد، متوجهًا نحو البراد يبحث به عن شيء تأكله. استدار إليها قائلًا وهو يمسك بطبق من السمك:
"كانوا عاملين النهاردة سمك... تاكلي."
عكفت وجهها في اشمئزاز ورفض:
"انت عارف إني مباكلهوش يا جابر متستعبطش."
لتكمل سريعًا وهي تشير نحو البراد:
"دور كده عندك، كان فيه شوربة خضار وفراخ أمل كانت مطلعة منها ليا النهاردة."
تنهد جابر بحنق، قبل أن يستدير ويبحث مرة أخرى بالبراد، قبل أن يستدير إليها قائلًا:
"مفيش حاجة."
تنهدت باستسلام، قبل أن تنهض وتقف أمامه، قائلة بوداعة يعاكس المكر الذي يلمع في عينيها:
"جابر مش انت جوزي."
ضيق عينيه عليها يفحصها وهو يعلم أنها تنوي على شيء، قائلًا بهدوء:
"آه بيقولوا إني جوزك."
تلاعبت غزل بأزرار قميصه، قائلة بدلال وهي تحاول كتم ضحكتها:
"طيب يبقى تطبخ لي شوربة خضار وفراخ."
لمفاجأتها، أومأ برأسه قائلًا بموافقة:
"قولي لي أطبخهم إزاي وأنا أعملهم. انتي عارفة عمري ما دخلت المطبخ في حياتي أصلًا."
فتحت عينيها على مصراعيها في صدمة، فقد كانت تتوقع أن يرفض، فالرجال في قريتها يعدون دخول الرجل إلى المطبخ حتى ولو لمساعدة زوجته نوعًا من الإهانة وعدم الرجولة. همست وهي لا تزال لا تصدق أنه وافق:
"هتطبخ بجد؟"
أومأ برأسه قائلًا بحنق وشدة:
"ما قولت آه... قولي أعمل إيه؟"
أجابته هامسة وهي تشير نحو براد التجميد:
"طلع الفراخ والخضار من الديب فريزر."
أومأ بالموافقة وذهب بالفعل ليخرج ما أخبرته به، ثم بدأت تخبره بكل ما يحتاجه لإعداد الوجبة، وكان ينفذ كل شيء تخبره به خطوة بخطوة. جلست غزل على المقعد الذي بالمطبخ، تشاهد بعينين متسعتين بالصدمة جابر وهو واقف أمام موقد الغاز يعد الطعام لها، وهي لا تزال لا تصدق بأن جابر العزايزي بجبروته وغروره واقف يطبخ لها، فإذا شاهده أحد يفعل هذا، سوف يصبح محل سخرية جميع من بالقرية.
التف إليها قائلًا وهو يقلب حساء الفراخ:
"أحط ملح قد إيه؟"
نهضت غزل واقتربت منه، واقفة بجانبه، ممسكة بملعقة بيدها السالمة، وأخذت بعض الملح ووضعته فوق الحساء الذي كان يبدو شهيًا، لكنها حاولت استفزازه:
"استغفر الله العظيم، هي شكلها عامل كده ليه؟"
أجابها بعصبية وهو يضع الغطاء فوق الطنجرة بحدة:
"مالها شكلها؟ مش عاجبك متاكليش منها."
تنهدت قائلة وهي تتصنع الاستسلام:
"مضطرة آكلها، أعمل إيه يعني، مفيش غيرها."
زجره جابر بغضب قبل أن يلتف ويزيل الغطاء، مقلبًا الحساء مرة أخرى، عندما سمع صوت لبيبة يأتي من خلفه:
"إيه ده بتعملوا إيه؟"
لتكمل هاتفة بصوت صاعق وهي تضرب صدرها بيدها:
"يا مصيبتي... بتعمل إيه يا جابر؟"
أجابها جابر ببرود:
"بعمل أكل لمراتي."
قاطعته لبيبة بحدة وهي تزجر غزل بغل:
"مرتك؟!!!"
لتكمل وهي تقترب منهم:
"وهو يصح برضه إنك انت اللي تطبخ بنفسك؟ دي تبقى عيبة وفضيحة."
ظل جابر يتطلع إليها بصمت عدة لحظات، كما لو كان يفكر بالأمر، قبل أن يغمغم قائلًا:
"عندك حق والله يا خالتي."
ارتسمت ابتسامة واسعة راضية على شفتي لبيبة، ناظرة إلى غزل بشماتة، لكن سرعان ما ماتت ابتسامتها تلك عندما سمعته يكمل:
"علشان كده كملي انتي الأكل بقى."
صاحت لبيبة بحدة وغضب:
"أكل إيه اللي أكمله؟!"
تجاهلها جابر واستدار نحو غزل، التي كانت تحاول كتم ضحكتها، ملتقطًا ملعقة وغمسها بالحساء، ثم وضعها أمام فم غزل قائلًا:
"شوفي كده يا حبيبتي محتاجة ملح كمان، لو كده خالة لبيبة تزودهولك."
تناولت غزل الملعقة وهي تبتسم، قبل أن تجيبه:
"لا مظبوطة."
لكن اتسعت ابتسامتها عندما سمعت لبيبة تهمهم في الخلف بكلمات غاضبة حانقة. وضع جابر الغطاء على الطنجرة، قبل أن يلتف إلى لبيبة قائلًا:
"خلصي الأكل يا خالة، وابقي هاتيه لغزل بره في أوضة السفرة."
لم ينتظر إجابتها، حيث أحاط خصر غزل بذراعه وسحبها معه للخارج، تاركًا لبيبة واقفة بجسد مهتز من شدة الغضب، بوجه مشتعل بالغضب وعينين تصرخان بالحقد والكراهية.
"مبقاش إلا أخدم على بنت أزهار."
التفت ممسكة بالأكواب وأخذت تلقي بهم أرضًا وهي تصرخ غضبًا، تشعر بالإهانة والمذلة.
***
كانت غزل جالسة بجانب جابر على طاولة الطعام، بينما كان يتحدث بالهاتف عن عمله كالعادة:
"ظبط الدنيا انت بس يا عمروسي، وأنا ساعة وهجيلك."
ليكمل قائلًا سريعًا عندما رأى لبيبة تدلف إلى الغرفة وهي تحمل صنية من الطعام:
"آه، خليهم يطلعوا المحصول على دفعات وبالراحة، مش عايز خسائر، ماشي."
أغلق معه وعيناه مركزة باهتمام على خالته، التي وضعت الطعام أمام غزل، قائلة بحدة:
"الأكل أهو... يكش يعجب السانيورا."
ابتسمت غزل قائلة بمحبة زائفة:
"تسلم إيدك يا خالتو."
لتكمل وهي تلمس صحن الحساء وهي تعقد حاجبيها:
"بس الشوربة باردة... معلش ممكن تسخنيها."
هتفت لبيبة بغضب وهي تشير نحو الأبخرة التي تتصاعد من الصحن:
"هي إيه اللي باردة... ونبي ما في بارد إلا دمك، ده أنا لسه منزلاها من على النار ومولعة قدامك أهها."
التفت غزل إلى جابر، الذي كان جالسًا يتابع باستمتاع ما يحدث، فقد كان يعلم أنها تأخذ ثأرها من خالته على ما فعلته بها بالسابق:
"جابر، قولها تسخن الشوربة، انت عارف مبعرفش أشربها باردة."
أومأ جابر، بينما يقاوم بصعوبة الابتسامة التي ترتجف بها شفتيه، راسمًا الجدية على وجهه:
"معلش يا خالة سخنيها لها، هي بتحبها فعلاً سخنة."
ظلت لبيبة واقفة مكانها، تكاد الأبخرة تتصاعد من أذنيها، تنظر إلى غزل بنظرات سامة قاتلة، قبل أن تتناول طبق الحساء من أمامها وتذهب للمطبخ حتى تعيد تسخينيه. اقترب جابر من غزل، قرب شفتيه من أذنها يهمس لها بصوت أجش مثير:
"هدّي الدنيا بقى، مش عايز مشاكل."
نظرت إليه بعينين متسعتين، تمتمت ببرائة كما لو كانت لا تعلم عما يتحدث:
"مشاكل؟ ليه عملت إيه؟"
همهم جابر بإجابتها، لكنه صمت عندما رأى لبيبة تعود مرة أخرى وهي تحمل صحن الحساء الذي كان يبدو عليه أنه ساخن حد الغليان، وتعبير من الشر على وجهها. تذكر جابر بالمرة الماضية عندما أحرقَ يد غزل بالحساء، لكنها وقتها كان الحساء ليس بسخونة هذا، فماذا سيفعل هذا إذا وقع على فسوف تتضرر ضرارًا بالغًا بالتأكيد.
انتفض واقفًا، يقف بين لبيبة وغزل كحائل بينهم، قائلًا وهو يمد يده نحو لبيبة محاولًا الحصول منها على الصحن:
"هاتي يا خالة."
هزت لبيبه رأسها رافضة تسليمه له، قائلة:
"لا، أوعى انت يا جابر عني، أنا هحطه على الطرابيزة... الطبق سخن."
رفض جابر التزحزح من مكانه، قائلًا بإصرار وشدة:
"هاتي الطبق يا خالة بقولك."
ألقت لبيبة نظرة جانبية غاضبة على غزل، التي كانت جالسة لا تفهم ما يحدث، قبل أن تعطى الصحن لجابر وتعبير من الامتعاض على وجهها. وضع جابر الصحن أمام غزل، قائلًا بهدوء وهو يتنفس براحة أن الأمر قد مر بسلام:
"يلا كلي، علشان تاخدي علاجك وتنامي."
أشارت غزل برأسها نحو الملعقة، قائلة بهدوء:
"أكلني."
رفع حاجبه قائلًا بصدمة:
"أعمل إيه؟"
أجابته غزل بخبث شيطاني وهي تعلم أنها تستفزه وتقوم بإحراجه أمام لبيبة:
"أكلني... مش عارفة آكل بسبب دراعي. بعدين إيه ما انت كنت بتأكلني في المستشفى على طول."
جلست بجانبها لبيبة، التي كانت تشعر بأنها على وشك الإصابة بأزمة قلبية، قائلة سريعًا:
"هأكلك أنا... يا حبيبتي ما انتي زي بنتي برضه."
هزت غزل رأسها قائلة بدلال ورقة مثيرة غيظها أكثر:
"لا أنا عايزة جوزي اللي يأكلني."
لتكمل بحدة، وقد اختفى الدلال والرقة، وهي تنظر بتحدٍ بعينَي جابر:
"مش انت جوزي برضه يا جابر."
ابتسم جابر وهو يخبر نفسه بأنه يجب عليه تحمل أفعالها تلك، فقد كان يعلم أن ما مرت به خلال الأيام الماضية لم يكن بالأمر الهين عليها. ورغم أفعالها المشينة بحق شقيقته، إلا أنه لا يمكنه إنكار أنها تعرضت لعدة صدمات عنيفة، ويكفي أنه كاد أن يفقدها إلى الأبد على يد فراج الملعون.
تناول الملعقة وبدأ ملئها بالحساء، قبل وضعه أمام فمها، لكنها رفضت فتحه، قائلة وهي تنظر إليه ببرائة:
"الشوربة سخنة، برّدها لي."
أومأ جابر برأسه، ثم بدأ ينفخ برفق في الملعقة محاولًا تبريد محتوياتها، قبل أن يعيد وضعها أمام فمها، الذي فتحته بطاعة هذه المرة وتناولتها، مما جعل لبيبة تنتفض واقفة وهي تهتف بغيظ وهي تضرب يدها بساقيها:
"يا حزن الحزن، لا... لا... دي هتفقع لي مرارتي... مش قادرة، مش قادرة."
لتكمل وهي تتجه نحو الباب، واضعة يديها فوق رأسها:
"أنا طالعة أنام قبل ما أنجلط."
ارتجفت شفتي غزل في ابتسامة وهي تشعر بالرضا والفرح من الحالة التي أوصلت لبيبة لها، لكنها انفجرت ضاحكة عندما سمعتها تهمهم محدثة نفسها كما لو جنت وهي تصعد الدرج:
"سخن لي الشوربة... لا برد لي الشوربة... أكلني الشوربة... لا انفخ لي الشوربة... آه هتجلطني يا ناس... واللهي هتجلطني."
شهقت غزل ضاحكة بصوت رنان مرتفع، وهي لم تعد قادرة على التحكم في نفسها أكثر من ذلك. بينما جلس جابر يراقب ضحكها، وابتسامة كبيرة تملأ وجهه، مستمتعًا بسماع صوت ضحكها بعد أن كاد أن يفقدها إلى الأبد.
تنحنحت غزل متوقفة عن الضحك فور أن لاحظت ابتسامته تلك، تشير برأسها بصمت نحو الطعام، ليبدأ جابر بإطعامها بهدوء، بينما أخذت هي تتناول وجبتها بشهية كبيرة، فقد كانت جائعة للغاية، مما جعل جابر يشعر بالذنب من أنه لم يتأكد بنفسه من تناولها طعام الغداء وترك الأمر لأمل.
فور أنهت طعامها، اصطحبها جابر إلى غرفتها، ساعدها في تناول دوائها، ثم ساعدها في الاستلقاء على الفراش في وضعية مريحة دون أن تؤذي كتفها المصاب. وقف بجانب الفراش قائلًا بهدوء وهو يجذب الغطاء فوق جسدها:
"هروح أنا بقى أشوف اللي ورايا، سايب العمروسي بيراقب العمال وهم بيحصدوا المحصول."
اتسعت عينين غزل بالصدمة فور ذلك، وهي لا تصدق بأنه جلس معها يحضر لها الطعام ويطعمها بنفسه، تاركًا حصاد المحصول، فقد كانت هذه العملية أهم خطوة في عمله، حيث كان بكل عام لا يعود للمنزل عدة أيام بسبب إشرافه على عملية حصد المحصول وتخزينه بالمخازن التابعة له.
أغلقت غزل عينيها متصنعة النوم، مخبرة إياه بصمت أن يغادر، لكنها اهتز جسدها وقد تثاقلت أنفاسها عندما شعرت بشفتيه تلمسان جبينها، مقبلًا إياه بحنان، بينما يده تمسد شعرها برفق، جاذبًا الغطاء حتى عنقها، قبل أن يلتف ويغادر الغرفة بهدوء.
***
في اليوم التالي...
كانت غزل جالسة في حديقة المنزل تتناول إفطارها بمساعدة صديقتها حلا، التي أتت منذ الصباح الباكر، حيث أخبرتها أن والدها هو من اتصل بها وأيقظها من النوم، مخبرًا إياها أن تأتي إلى هنا لمساعدة غزل في تناول إفطارها وأن تتأكد من تناول أدويتها كما وصفها لها الطبيب.
علمت غزل أن جابر بالطبع هو من جعله يفعل ذلك، كما أنه اتصل بها مرتين منذ استيقاظها يطمئن عليها، لكن غزل لم تتأثر بذلك ولم تفسر اهتمامه هذا على أنه حب، فكل ما في الأمر أنه يشعر بالذنب بسبب خطته الحقيرة التي أدت إلى إصابتها بطلق ناري.
وضعت حلا قطعة من الخبز المغطاة بالمربى بفم غزل، وهي تضحك:
"يالهوي... يا غزل ده انتي قادرة، يا بت خلتيها تسخن لك الشوربة، دي زمانها هتتشل."
أومأت غزل مبتسمة فور تذكرها لحال لبيبة:
"كانت هتموت يا بت يا حلا، أنا والله لما سمعتها بتكسر في الكوبايات في المطبخ، قولت هتجيب سكينة وهاتجي تدبها في قلبي."
نكزتها حلا في ذراعها قائلة:
"لا بس جابر... دايب على الآخر."
لوت غزل فمها بحسرة قائلة بصوت مختنق:
"دايب إيه بس يا حلا، بعد كل اللي عمله فيا واللي حكيت لك."
قاطعتها حلا سريعًا:
"ده كان هيموت عشانك يوم ما انضربتي بالنار، أنا أول مرة في حياتي أشوف جابر العزايزي عامل كده، كان عامل زي العيل الصغير اللي خدوا من أمه، ورفض يسيبك، أنا وصفى قولنا له هنقعد معاكي وهو قالنا لأ، هو اللي هيقعد معاكي، منمش دقيقة واحدة ولا حتى كل ولا شرب إلا بعد ما فوقتي، ده كان منظره صعب."
قاطعتها غزل بصوت مضطرب، فهي لا ترغب بسماع كل ذلك:
"حاسس بالذنب مش أكتر."
همت حلا بمقاطعتها، لكنها صمتت وعيناها متسعتان بالصدمة والخوف خلف غزل، هامسة بصوت مختنق:
"غزل الحقي، البوليس."
انتفضت غزل واقفة فور سماعها ذلك، ملتفة تنظر خلفها لتجد عدة رجال من الشرطة يعبرون باب الحديقة ويتجهون نحوهم. عدلت غزل سريعًا حجابها حول رأسها، وكامل جسدها ينتفض خوفًا.
غمغمت إحدى العاملات التي كانت تتبع رجال الشرطة:
"ست غزل، الباشا بيسأل عليكي."
هتف بها أحد الرجال بحدة:
"انتي غزل مجاهد؟"
هزت غزل رأسها بالإيجاب، وهي غير قادرة على النطق بحرف واحد من شدة الخوف. ليشير الرجل إلى رجاله قائلًا بصرامة:
"هاتو ها."
هتفت حلا في رعب وتضرب بيدها صدرها:
"ليه بس يا باشا؟ عملت إيه؟"
أجابها الضابط بحدة واختصار:
"متهمة في محاولة فراج العزايزي."
شحب وجه غزل فور سماعها ذلك، تشعر بالبرودة تجتاح جسدها.
أمسك بها أحد الرجال من ذراعها المصاب، مما جعلها تصرخ متألمة. هتفت حلا به:
"براحة عليها دي عاملة عملية في دراعها."
تجاهلها الرجل وسحب غزل معه للخارج، متجاهلاً صراختها المتألمة.
انفجرت غزل باكية وهي تشعر بعالمها ينهار من حولها، فقد كانت متأكدة بأن جابر من وراء كل ذلك، فقد كانت هذه خطته منذ البداية، خطته البديلة للانتقام منها وسحقها بالكامل والتخلص منها بشكل نهائي.