لم يمر وقت كثير و خرج الأطباء جميعهم. فنهض عمر واقفاً وعلامات القلق تغزو وجهه. بينما أقبل عليه الطبيب، ثم مد يده ورَبت على كتفه قائلاً بأسف: -البقاء لله. اتسعت عينا عمر في ذهول وهز رأسه مراراً في عدم تصديق. فأمسكت ياسمين بذراعه ورَبتت على كتفه بإشفاق. بينما اندفع عمر من مكانه راكضاً، ثم تجاوز غرفة العناية. تبعته ياسمين على الفور، فيما تجمد هو بموضعه عندما رأى أمه ممددة فوق ذلك الفراش المعدني ذا الأغطية البيضاء.
تقدم عمر صوب أمه بخطى وئيدة مترددة، حتى وصل إليها. فحدق بوجهها ملياً. بدت وكأنها نائمة، ولكنها أكثر شحوباً واصفراراً. فقد هرب الدم من لونها. مد عمر يديه وأخذ يد أمه بين راحتيه، فشعر ببرودة بشرتها. تلك السيدة الرقيقة الحنونة فقدت دفئها ورونقها. وهنا فقط أيقن أنها حقاً رحلت.
فتلآلآت الدموع بعينيه، ولم يعد قادراً على حبسها بجفنيه أكثر. فأطلق لسيل دموعه العنان، فيما تهاوت قدماه وجثى على الأرض منهاراً وهو ينشج بالبكاء المر. فجثت ياسمين بدورها إلى جانبه، ثم راحت تواسيه في لطف قائلة: -بس يا عمر.. اهدا.. مش كده. شد حيلك. -أمي.. أمي يا ياسمين. ردد باكياً. فبكت ياسمين رغماً عنها وقالت: -ادعيلها يا عمر.. وبلاش تعمل في نفسك كده.
تعالت همهمات بكائه أكثر. فما كان بها إلا أن تغدق عليه مزيداً من عطفها ولطفها، علها تستطيع تزويده بالصبر والتماسك. -مر أسبوع على ذلك القصر البهيج المترف الذي بات كئيباً حزيناً. انقلبت أحوال جميع أفراد الأسرة رأساً على عقب، حيث اضطر الجميع أن يخضعوا لشعور المرارة والألم الذي غلف الأجواء.
لم يعد عز الدين إلى المنزل منذ اضطراره لمواجهة أمه تلك الليلة. فتأثرت داليا نفسياً لغيابه. شعرت بفراغ رهيب، كما فقدت شهيتها تجاه كل شيء، خاصة لأنه أبدى غضبه منها حيث رفض الحديث معها نهائياً. فقط وجود عدنان قربها هو ما كان يهون عليها الآسي الذي تكبدته طوال ذلك الأسبوع.
على الطرف الآخر، كان عمر منفرد بنفسه داخل غرفته خلال تلك الأيام السبعة الفائتة. غمره شعور هائل بالندم جعله غير قادر على استعادة رباطة جأشه مجدداً. لقد تهشمت عفوته المحببة، وقد خارت عاداته المرحة.
انطفأ بريق عينيه البنيتين الجميلتين، كما تقيد بالصمت أيضاً. فيما تعددت محاولات ياسمين اليائسة للحؤول دون استرساله في الحزن أكثر، ولكن عبثاً ذهبت كل محاولاتها. فهو منذ وفاة أمه، تغيرت أحواله كثيراً، نفسياً وبدنياً. فقد هزل جسده وشحب لون وجهه، ولم يعد به شيء من قديم صفاته على الإطلاق.
بينما كانت عبير أخفهم حزناً واضطراباً. فهي لم تعهد أمها، ولم تذكر عنها أي شيء. كل ذكرياتها تضم أخويها وخالد، حيث نشأت بينهم حتى امتشقت قامتها وأصبحت شابة يافعة. ولكنها لم تستطع إنكار شعورها المتعاطف والمنحاز إلى والدتها. فقد قسى شقيقها عليها بدرجة كبيرة دون أن يهتم بعواقب أفعاله التي انعكست على توابع مرضها.
كانت تجلس عبير قبال خالد إلى مقعد عاجي وثير بقاعة الجلوس. لم تكن مستعدة بعد لملاقاته، ورغم ذلك سعدت برؤيته، ولكنها نجحت في عدم إظهار ذلك له، حيث تبادلت معه حديثاً جامداً متقطعاً. بينما بدا هو مذبذباً تلك المرة، إذ لم يستطع ضبط انفعالاته كما اعتاد أن يفعل مؤخراً.
نظراته المرتبكة، لهجته المختلجة، وحركاته المتوترة، كل هذه أشياء أوضحت لعبير مدى تأثره بغيابها عنه وولعه بها. وتلك أمور لطالما سهرت ليالٍ تفكر فيها. ولكنها ما زالت متمسكة بقرارها، إلا إذا نجحت خطتها الجهنمية التي رتبت لها بالغش والتحايل. وكم شعرت بالآسف لذلك، ولكن ما من حل آخر. -وأنتي عاملة إيه في دراستك؟ قال خالد متسائلاً، فأجابته في هدوء: -الحمد لله.. كله تمام. أومأ رأسه مراراً، ثم عاد يسألها:
-مش محتاجة أي حاجة طيب؟ -أي حاجة زي إيه؟ -فلوس مثلاً.. المفروض إنك مراتي يعني ومسؤولة مني. ابتسمت عبير بخفة، ثم شكرته برقة: -شكراً يا خالد.. أنا مش محتاجة أي حاجة.. بس أكيد لو احتجت هطلب مساعدتك. تنفس بعمق، وقد غمره سرور عارم جاهد في إخفائه. ليس بسبب كلامها، وإنما لتأكده بأنها قد نست فكرة طلاقهما. -ما جبتش عز الدين معاك ليه يا خالد؟
كان هذا صوت داليا التي جاءت فجأة دون تأهب، فيما تطلع إليها خالد في استغراب، ثم سألها مقطباً: -أجيبه منين؟ -تجيبه منين!! هتفت داليا في تساؤل مستنكرة، ثم عادت تسأله: -هو مش قاعد عندك؟ أومأ خالد رأسه صائحاً: -آه.. هو كان قاعد عندي فعلاً. -كان! يعني إيه؟ أجابها خالد باسمًا: -أصله سافر. -سافر!! هتفت داليا في صدمة، بينما تابع خالد قائلاً:
-آه.. راح ريو يتمم ورق صفقة مهمة أوي. هو المفروض كان يفضل هنا وأنا اللي أطلع مكانه.. بس لقيته غير رأيه فجأة الأسبوع اللي فات. -بس إزاي يسافر من غير ما يقولي؟ تساءلت داليا بخفوت مقطبة، بدت وكأنها تخاطب نفسها. حيث استدارت وعادت أدراجها وهي لا تزال تتحدث إلى نفسها. بينما تنهدت عبير بثقل، ثم قالت وهي تحدق بعيني خالد: -محدش عرف عز الدين ده إلا وتعب نفسياً يا خالد. ثم منحته ابتسامة عذبة، فبادلها البسمة عينها.
-أنا بجد تعبت معاك. قالت ياسمين ذلك في ضجر مصطنع وهي تجلس إلى جانب عمر فوق أريكة غرفته الصوفية، ثم تابعت: -مش كده يعني يا عمر.. قدر إني واحدة دكتورة سايبة مذاكرتي و لازقالك ليل نهار وبحاول أخليك تفك. لم يجبها عمر بل ظل صامتاً وجامداً كما هو. فزمت ياسمين شفتيها في عدم رضا، ثم قالت: -يعني هتفضل ضارب البوز ده كده كتير؟
أوكيه.. براحتك يا عمر.. بس خد بالك بقى من هنا ورايح.. خلص الود بينا.. وأنا مش عايزة أكلمك تاني خالص أصلاً. وهبت واقفة، وما كادت تخطو إلى الأمام بعيداً عنه، فقد قبض على رسغها وأعادها إلى مكانها مجدداً. ثم أخيراً فتح فمه، وقال بلهجة صارمة: -اقعدي يا ياسمين وكفاية كده بقى. زفرت ياسمين في ضيق، ثم راحت تخاطبه بجدية: -أنا برضه اللي كفاية يا عمر؟ بتقولي أنا كفاية؟
قطب عمر حاجبيه ونظر أرضاً. فمدت ياسمين يدها ولمست لحيته التي نمت كثيراً، ثم وبخته قائلة: -عاجبك منظرك ده؟ عاجبك الوضع اللي أنت فيه؟ هتفضل كده لحد إمتى؟ لم يعطها جواباً، فعادت تسأله بإلحاح: -ما ترد عليا ساكت ليه؟ -عايزة إيه يا ياسمين؟ صاح عمر بعصبية بالغة، ثم تابع بنبرة أقل حدة: -أنا تعبان ومحدش حاسس بيا.. مخنوق وقرفان من نفسي.. كل ما بفتكر إني جيت عليها في مرة بـ... -هي أكيد مسامحاك ومش زعلانة منك يا عمر.
قاطعته ياسمين في لطف، وأضافت: -وبعدين حزنك ده لازم ينتهي.. كل يوم بيعدي عليك حالتك دي بتتطور أكتر و بتبقى أسوأ. مامتك مش هترجع خلاص يا عمر.. وغلط إنك توقف حياتك وتهمل في مستقبلك بالشكل ده. ماتنساش إنك لسه طالب.. وكمان أنت فاتتك حاجات كتير جداً طول الفترة اللي فاتت.. يعني جه الوقت بقى إنك ترجع تركز تاني في دراستك. -مش هقدر أركز في حاجة يا ياسمين. قالها بصوت منخفض، فابتسمت ياسمين بخفة، ثم غمزت بعينها مرحاً وقالت:
-ماتقلقش يا سيدي.. أنا هساعدك. ابتسم عمر رغماً عنه، وسألها: -هتساعديني إزاي بقى؟ -هشجعك وهفضل جنبك.. مش هاسيبك إلا لما ترجع تقف على رجليك من تاني. مد عمر يده وأخذ يدها، ثم رفعها إلى فمه وطبع قبلة رقيقة بباطن كفها، وقال: -ربنا يخليكي ليا يا سو. تخضبت وجنتيها بحمرة الخجل، ولكنها جاهدت ومنحته ابتسامة رقيقة. -يا دكتور، مافيش داعي للاستعجال. وبعدين أخويا سافر ولسا مارجعش.
قالت عبير ذلك تخاطب دكتور أمجد هاتفياً، بينما احتج برقة قائلاً: -ما بلاش تقوليلي دكتور دي يا عبير.. ارفعي الألقاب وناديني باسمي عادي. أطلقت عبير شهقة قصيرة، ثم قال: -يا خبر.. لأ لأ ماقدرش يا دكتور. -ليه بس يا عبير؟ ما انتي لازم تتعودي على كده من دلوقتي، ولا انتي ناوية تعامليني برسمية بعد الجواز برضه؟ قهقهت عبير بخفة، ثم عادت تقول: -مش لما الجواز يتم الأول يا دكتور.
-إن شاء الله هيتم، انتي بس حدديلي ميعاد مع أخوكي أول ما يرجع من سفره بالسلامة، وأنا عليا الباقي، أوعدك في خلال شهور قليلة جدا هتبقي مراتي، يكون فات وقت الحداد على والدتك برضه. تجاهلت عبير خفقات قلبها السريعة، وقالت بثبات مرتبك بعض الشيء: -مش هينفع أحددلك أنا ميعاد مع عز الدين، الموضوع هيبقي حساس بالنسبة لي. -طيب هنتصرف إزاي؟ -انت هتاخد الميعاد بنفسك...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!