جلس "تيم" أعلى الفراش و هو يُضم جسد شقيقته الصغير إلى أحضانه. ألقى "فهد" نظرات نارية مشتعلة. رغم البرود الذي كان يسيطر على ملامح "فهد"، إلا أنه رمقه ببعض النظرات الغاضبة. عقله لم يتوقف لحظة عن العمل، كان يصول ويجول. اشتدت أصابعها الصغيرة على قميص أخيها بخوف. لقد أصبحت تهاب خطواته البعيدة عنها بأمتار. تخشى أن يهجم عليها لينتزعها من أحضان أخيها. تخشى حركته الغاضبة.
تخشاه وتنتفض الآن وهي تدفن رأسها بجسد أخيها، محاولة أن تصم أذنيها عن أنفاسه الغاضبة. حصلت تلك البريئة على نظرات قاتلة مشتعلة، ولكن لم تكن من "فهد". بل من تلك التي جلست على طرف الأريكة تجز على أسنانها. حين وجدت "تيم" يقبل خصلاتها ويده تريت على ظهرها بهدوء، هامساً لها بأذنها. لم يكن عليها أن تكون خارقة الذكاء لتفهم أنه يطمئنها الآن. يكفي احتوائه لها بأحضانه الدافئة الحانية. يكفي أن يكون "تيم" هو الدرع الحامي لها.
أغمضت عينيها تحبس دموعها التي تهدد بالهطول. وأن ترتمي بأحضانه تطلب الغفران والعفو. لكن كيف وهو منذ خروج الجد والعم من الغرفة لإحضار أدلة واضحة يحتفظ بها الجد قبل أن يبدأ بسرد الماضي المؤلم. إن نظر ناحيتها، يرمقها بنظرات مشتعلة غاضبة. والأكثر إيلاماً حين يلقيها بنظرات احتقار. صرخ "فهد" فجأة. "نائل" الواقف عاقداً ذراعيه يسلط نظراته على "أسيف". وهي الوحيدة التي تثير شفقته بتلك الأجواء المشتعلة.
كم هي بريئة منذ نعومة أظافرها، رقيقة البراري بشهادة الجميع. لم يرها أحد من العائلة أو الأصدقاء إلا وقع بعشق هدوئها ولطفها. "أنت يابني ااادم! بدل سرحانك ده روح شوف أبوك وجدكككك هم بيلعبوا بيااا ولا بيرتبوهااا سواا؟! قلب "نائل" عينيه وهو يزيحها عن "أسيف". ناظراً نحو ابن عمه بتأفف وهو يقول بصوت قوي أجش: "بقولك ايه روح وراهم راقبهم ومتصدعنيش.. انا مليش في الليلة دي كلها اصلا." لم يكد يُنهي كلماته وقالت "سمر"
محاولة تهدئة الأجواء: "اهوو بابا ومراد." اضطربت أنفاس الجدة المسنة وهي تبتلع رمقها بتوتر بالغ. دلف الجد وهو يمسك بحقيبة صغيرة من الواضح أنها تخص أبيه. لقد نُقشت حروف اسمه عليها كعادة العائلة. جلس وهو يأمر فهد بنبرة هادئة رزينة: "اقعد يابني." انصاع له الحفيد ورغبته بمعرفة الماضي وخُدعة والده تطغى على جميع مشاعره الآن. جلس بجانب شقيقته الغاضبة أعلى تلك الأريكة.
وهو يراقب حركات أنامل الجد فوق جهاز التحكم بشاشة العرض بتوتر خفي. نظر الجد إليه وبدأ يسرد الأحداث بروية. وصوته الرخيم يعيد ذكريات لعينه إلى عقل ذلك الصامت. "ابوك كان طبيعي جداا لحد سن 16 سنة، اتعرف علي بنت من مدرسته.. وكانوا زمايل وصحاب وطبعا علاقتهم اتطورت مع الوقت. ولأنه سن مراهقة مفيش تحكيم للعقل فيه كانوا لسه طايشين.
البنت بدأت تتعامل مع كل اللي في البيت. عمك سليم كان في تانيه جامعة وقتها، وكان شاب عاقل وحكيم وكنت بدأت انزله معايا الشغل واعرفه حاجات كتير عشان يساعدني اول ما يتخرج. البنت مع الوقت ابتدت تنجذب لسليم وشخصيته وتركيزها المراهق كله بقي معاه. وللأسف ابوك كان بدأ يفهم من معاملتها ليه لما اتغيرت للأسوأ اكيد. وفي نفس الوقت البنت حاولت تعرض حبها علي سليم، وسليم رفض لانه كان بدأ يحب "رنا" ام "أسيف وتيم".
طبعا البنت مع طيشها وجنانه تصرفاتها ابتدت تسوء ومحاوله مع التانيه وعمك بيتجنبها. واخر ما زهق طلب مني اخطب "رنا" عشان البنت تبعد عنه وفعلا بعدت. بس للأسف ابتدت تلعب علي عقل ابوك، وكانوا ساعتها داخلين الجامعات. وطبعا اقنعت ابوك ان عمك هو اللي حاول معاها كتير وهي رفضت عشان بتحبه من أيام المدرسة. وطبعا ابوك كان ييحبها جدا وغفرلها انها سابته وعلاقتهم اتطورت وجيه طلب مني انه يخطبها وكان في ٢ جامعه.
و طبعا انا عارف سلوكها ورفضت وحاولت اقنعه انها مش مناسبه بس للأسف.. اصر عليها واتجوزها من ورايا." تنهد الجد وهو يراقب تعبيرات الحفيد الصامتة. ثم دارت عيناه بالغرفة تتفقد وجوههم. مشاعرهم المندسة خلف تلك الوجودة الجامدة. أحدهم متألم صامت، والآخر يعاني الويلات بتلك الجروح التي لم تطيب بعد. وآخر يعاني ليبقي صامداً إلى نهاية تلك القصة ذات النهاية البشعة. تابع الأحفاد بصمت تام وفضول تلك الكلمات.
ليكمل الجد بعد أن انتقل ليجاور "أسيف" بجلستها. رابطاً على خصلاتها برفق. "وللأسف مع الوقت بدأت تقنع أبوك إني بميز أخوه عنه و أنه خطب في نفس سنه. أبوك مع الوقت اتأثر بكلامها وحبها بجنون واتعلق بيها لدرجه إني طردته ومنعته يدخل القصر وقعدوا في شقه بتاعه أمها. وهي كرهها بيزيد كل يوم لعمك و"رنا". لحد ما عملت حادثة وماتت." أغمض عينيه بألم يداري نظراته الموجوعة. ثم أجلى حنجرته وأكمل بصوت رخيم:
"وأبوك فضل فترة حابس نفسه في الشقة لحد ماروحنا أنا واعمامك وجدتك ورجعناه القصر بعد معاناة ومحاولات كتير طبعاً. بس مع الوقت لقينا تصرفاته غريبة وأسلوبه اغرب. حاولنا نستحمله وجدتك قالت انه لازم يتجوز تاني يمكن يخرج من حالته وينسي البنت دي. وفعلا عرضنا عليه ورفضش بالعكس ده قالي أنه محتاج يكون بيت وأسرة بس شرطه الوحيد انه ميقعدش هنا في القصر وانه عاوز يستقل.
وطبعا أنا مرفضتش وفعلا اتجوز وامك جاتلي بعد أسبوعين جواز منهارة وبتقولي أنه مريض نفسي وأنها مش جايه عشان تتخلي عنه بالعكس هي عاوزه تساعده يتعالج." صمت الجد حين وجد حفيده يغمض عينيه جازاً بقوة على أسنانه لدرجة ارتعش فمه المغلق الدقيق. إنها أوجاع الماضي. لكل منهم ذكرى أليمة يعايشها الآن بقهر وصمت. ليكمل الجد وهو يرفع صوته بنبرة قوية: "أمك قدرت تقنعه أنه يتعالج فعلا وأنها بتحبه من سنين وهتصبر عليه.
وبدأ العلاج بس انقطع عنه لما لقي عمك أسس أول شركة من أملاكه واتجوز "رنا". بدأ الحقد يسيطر على كل تفكيره وعادة اكتسبها من البنت اللي حبها. الكذب. عرف يكذب علينا ويوهمنا أنه عايش حياة مستقرة معاك ومع أمك وإن العلاج جاب نتيجة كمان." ضربت الكلمات خنجر مسموم بقلب تلك البريئة التي تستمع منذ فترة بصمت تام. الآن علمت كيف تعلم ذلك الرجل فن الخداع والمواراة. لم يكن سوى الأب المخادع هو من فعل ذلك.
سالت دموعها بصمت وهي تحاول أن تركز على باقي الأحاديث وتشدد من قبضتها فوق قميص أخيها. أكمل الجد بحزن وقد بدأت نبرته تتحشرج متذكراً حال أبنائه: "كان بيتعامل عادي مع اخواته ومعانا وكنا بنتجمع في سهرات وحفلات كتير. بس مع الوقت ومع ضغطه على عقله حالته النفسية اتدهورت وبقي تصرفاته شبه جنونية بتحصله تهيؤات. وطبعا كان الزمام فلت من ايدي ومبقتش قادر ارجعه للعلاج اللي اتفاجئت انه وقفه. ابتدي يضرب امك و... "كفاااايه!!!
صرخ بها ذلك المكلوم وصدره يعلو ويهبط بقوة من فرط الذكريات التي تدور أمام عينيه منذ طفولته. هو ليس بحاجة إلى وصف الجد المسن. لقد رأى مذلة أمه بعينيه. لقد كان شاهداً على قهرها واهانتها. لقد بللت دموعها أحضانه الطفولية ويديه الحانية التي كانت تربت على خصلاتها الحريرية وتهبط لتمسح تلك الدمعات الدافئة من فوق وجنتيها الجميلة. كم هو مؤلم ذلك الشعور الآن.
كم هو مؤلمة صورة والدته التي تتراقص أمام عينيه بلا شفقة أو رحمة بقلبه المفطور. صرخ وهو يقف بغضب: "ولما انتوا كنتوا عااارفين انه بيعمل كده سبتوهاا معا ليييييه!! وقف الجد يصيح بغضب: "مكنااااش نعرف!! أبوك كان مسيطر على أمك جداااا زى مانت عملت في أسيففف!!! طعنت الكلمات قلبها وشعرت بالإهانة تلقتها بصمت. لكن ذلك الذي بدأ صدره يعلو ويهبط أسفل خدها صرخ نيابة عنها ينبه الجد بغضب: "جديييي!!!
بدأت الأجواء تتوتر ورفع الجد يده المرتعشة أعلى خصلاتها يهمس باعتذار حرج. ولكن لم تجب ولم ترى تلك الأعين التي تسلطت عليها يراقب شهقاتها المكتومة التي طالما كان يجبرها على كتمانها حتى لا تثير غضبه وكانت تطيع. الآن فقط لا يرى صورة أمه بل. أقسم أنه إن نظر في المرآة للتو سوف يرى أبيه بانعكاس صورته. الآن فقط رأى مدى جُرمه. لقد اختلطت المشاعر عليه. لقد اختلط كل شيء ليصرخ بهم: "كدببب كل ده كدبببب!
معندكش أي دليل بتعمل كده عشان توقفني!! نظر الجد إلى العم ليمسك "مراد" الذي كان يتابع بصمت وأعين دامعة جهاز التحكم ويضغط على الزر لتبدأ الشاشة بعرض تسجيلات الكاميرات بغرفة الطبيب الذي كان يعالج أبيه. بدأ صوت أبيه يتضح الآن وهو يعترف بأنه يعاني بصراعات كل يوم وأصبح يمقت أخيه السارق لمحبّة والديه والذي ينعم بحياة هادئة الآن. اتسعت أعين الأحفاد أثناء متابعة الحديث واتضاح الحقائق أمام أعينهم ليقول الجد بصوت مقهور حزين:
"عايز تعرف عرفنا كل ده امتي!! لما ابوك مات واخدناك وللأسف كان زرع في عقلك افكار جنونية ناحية عمك. فتحنا الخزنة ولقينا المذكرات وطبعا اتفاجئنا من الكلام الموجودة لان معظمه عن مواقف منا محصلتش. وعمك عرضها علي دكتور نفسي فهمنا أن ابوك كان بيعاني من تهيؤات وانفصام في الشخصية نتيجة اكتئاب حاد دخل فيه. وانت اخدتها من ورانا من فترة. بس دي غلطتي انا مش انت كان لازم أحرقها في وقتها."
هب الجميع واقفاً حين اندفعت المزهرية تحطم شاشة العرض. وبالطبع لم يكن الفاعل سوى "فهد" الذي صرخ وهو يطيح المنضدة حين ضربها بطرف قدمه: "انتوا بتقولوا ايييييه؟!!! ازاي تخبي علياااا كل داااااا!!! لم يرف جفن الجد واتجه "مراد" يقف بجسده أمام والده حتى يعيق وصول الحفيد الهمجي إن خانه تفكيره وفكر بأذية الجد. تعالت الشهقات المصدومة والخائفة. وقفت "ندى" الباكية المصدومة من تلك الاعترافات تتجه لأخيها تحاول تهدئته.
وصوت نحيبها يملأ الغرفة. "فهد ااا…" اتجهت أنظاره الحارقة نحوها وأمسكها بقوة من ذراعيها يصرخ بها ودموعه تهبط وتهدجت أنفاسه ليصبح صوته كالزئير الغاضب: "انتي عاااارفه احنا عملنا اييييه؟!!! انتي عااااارفه الكلام ده معناااه ايه!!!! انا انتقمت من آآآ" انقطعت الكلمات حين هجم عليه ذلك النبيل الهادئ طوال الأحاديث إلا حين فهم الآن ماذا حدث.
لقد كان ذلك المدنس يأخذ انتقامه من شقيقته التي تنتفض الآن باكية تضع يديها أعلى أذنيها بأحضان الجدة المنتحبة والعمة التي تصرخ بهم بحزن. جأر "تيم" وهو يدفعه بغضب ليسقط جسده القوي أعلى المنضدة الواسعة الزجاجية تحطمت وتناثرت إلى فتات صغير ك تلك القلوب الموجوعة. ثم اندفع فوقه يكيل له اللكمات والسباب اللاذع: "اااه ياااابن الكلببببببب!
بقي كنت بتاخد حقككك منهاااااااا مانت مش راااجل انتتت ××××× لو كنت راجل كنت خده مني وواجهني انا يااااا ×××××، ذنبهاااا ايه !!!! اندفعت يديه بهمجية وهو يكمل صارخاً يتخيل هيئة شقيقته خلال تلك الأيام التي قضتها مع ذلك الفهد عديم الشرف. تركهم "نائل" بعد عدة محاولات بفصلهم لكن هيهااات. إنه ثأر. ثأر رجولة لا يعرفه سوي أمثال ذلك النبيل الرافض أن تمس شقيقته تلك الأيدي الملوثة.
وقف "نائل" أمام "أسيف" وهو يحاول إبعاد يديها عن أذنيها وتهدئتها فمن الواضح أن حالتها لن تمر تلك المرة على ما يرام. تلك ثالث الصدمات. لقد كان انتقامه سراب. لقد ظلمت أباها الحنون بأفكارها ولومها على ما هي فيه. لقد ولقد. ولقد انطلقت سهام الماضي تحرق الأخضر واليابس. هرعت "ندي" إلى ابن عمها حين وجدت العم يستدعي من يعاونه بفصل ذلك الوحش عن فريسته التي تستقبل لكماته بصمت أحياناً ودفاع أحياناً أخرى.
مالت بجسدها وكادت تلمسها بيدها لتصرخ "أسيف" وتزحف فوق الفراش برعب واضح للعيان. هبطت من ناحية الفراش الأخرى وكادت تندفع إلى الشرفة بلحظات جنونية ليصرخ كلا من "نائل" و "ندى" بر
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!