تحميل رواية «حريم الباشا» PDF
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
البنت دي بنت مين يا فخري؟ __ أي بنت يا كبير؟ الشارع مليان بنات وستات. إللي هناك، إلى ماسكة في إيدها كيس عيش. __ تقصد البنت الصغيرة يا فارس بيه؟ صغيرة؟ دي صغيرة يا فخري؟ ركز فخري بعينه على البنت. __ عمرها يدوبك خمسة عشر ستة عشر سنة يا فارس بيه. ابتسم فارس الناطوري. __ لكن مش باين عليها خالص يا فخري. اللي يبص عليها يقول شابة. سحب فخري من السيجارة ونفخ دخان أزرق يتلوى مثل الحية. __ البنات يا بيه الزمن ده بتكبر ذي الفريرة. لكن معقول يا بيه مش عارفها بنت مين؟ رفع فارس الناطوري إيده وعلى وشه لمحة انزع...
رواية حريم الباشا الفصل الأول 1 - بقلم اسماعيل موسى
البنت دي بنت مين يا فخري؟
__ أي بنت يا كبير؟ الشارع مليان بنات وستات.
إللي هناك، إلى ماسكة في إيدها كيس عيش.
__ تقصد البنت الصغيرة يا فارس بيه؟
صغيرة؟ دي صغيرة يا فخري؟
ركز فخري بعينه على البنت.
__ عمرها يدوبك خمسة عشر ستة عشر سنة يا فارس بيه.
ابتسم فارس الناطوري.
__ لكن مش باين عليها خالص يا فخري. اللي يبص عليها يقول شابة.
سحب فخري من السيجارة ونفخ دخان أزرق يتلوى مثل الحية.
__ البنات يا بيه الزمن ده بتكبر ذي الفريرة.
لكن معقول يا بيه مش عارفها بنت مين؟
رفع فارس الناطوري إيده وعلى وشه لمحة انزعاج.
__ هعرفها من فين يا فخري؟ أنا بأجي الحارة هنا كل فين وفين أبص على محلاتي وأمشي.
عرف فخري إن فارس الناطوري لا يحب أن يسأل السؤال مرتين، وإنه حتى لو كان في حالة مزاجية جيدة فأن أي غلطة كفيلة إن تزهق روحه.
فهمس بسرعة.
__ دي فريدة بنت سيد الساعي إلى كان شغال في شركة حضرتك من زمان، لكنه اتطرد من الشركة بعد ما عمل حادثة وحصلت له إعاقة، رجله اقطعت.
ياه. تأسف فارس الناطوري وقال وهو بيبص على فخري نظرة يحفظها فخري جيد.
__ أوعى تقول إنه ما أخدش مكافأة نهاية الخدمة؟
__ همس فخري، ما أخدش حاجة يا بيه.
البنت كانت وصلت المكان اللي قاعدين فيه ومرت قدامهم.
وعيون فارس الناطوري بتعاينها.
نهض فارس الناطوري وهمس بنبرة آمرة.
__ يلا بينا يا فخري.
__ على فين يا بية؟
قال فارس الناطوري باستغراب كأنه لا يتوقع سؤال بمثل هذا الغباء.
__ نده الراجل مكافأة نهاية الخدمة.
طرق فخري باب الشقة القديم المتهالك.
بعد دقيقة فتح طفل صغير الباب وسابه مفتوح وجرى.
الشقة صغيرة ومكركبة، كل حاجة فوق بعضها.
بص فارس الناطوري على الصالة بقرف.
وفخري نادى بصوت عالي.
__ يالي هنا؟ يالي هنا؟
طلعت على الصوت ست جميلة جدا في أواخر الثلاثينيات رغم خيوط الكدح اللي كانت واضحة على وشها وشعرها.
لما شافت رجالة رجعت لورا بكسوف وقالت.
__ لحظة واحدة أنادي لكم سيد.
بلع فارس الناطوري ريقه وهمس في سره.
__ مش خسارة حتة القشطة دي في البهدلة؟ شقة قذرة ونصف رجل؟ دي تتلف وتتحط في فاترينة عرض أتفرج عليها لوحدي.
خرج سيد عبد المتعال يجر قدمه مستند على عصا.
أول ما شاف فخري وأسامة بيه وقف دقيقة مدهوش مش مصدق عينيه.
قبل ما يقول.
__ فارس بيه؟ معقول؟ دا إحنا زرنا النبي واحد من عيلة الناطوري في شقتنا المتواضعة.
ساد صمت ذهاء دقيقة.
أخرج فيها فارس الناطوري سيجار ووضعه في فمه بعد أن جلس واضعا ساق على ساق.
وقبل أن يتململ قال فخري.
__ فارس بيه وهو بيفتش في ملفات الموظفين القديمة اسمك ظهر قدامه. ولما سأل شؤون العاملين عنك عرف حكايتك المأساوية الأليمة وإنك اتطردت من الشركة دون علمه من غير معاش أو مكافأة. وأنت عارف فارس بيه ميحبش الظلم. غضب جدا وعنف كل الموظفين وأصر يقدم لك المكافأة بنفسه.
أخرج فخري نواحي شيك موقع من جيبه بمبلغ تافه خمستاشر ألف جنيه وحطه على الترابيزة.
انفتحت عيون سيد عبد المتعال.
رغم إن المبلغ بسيط إلا إنه كان محتاجه جدا.
__ إيه ده يا فخري؟
رفع فارس الناطوري صوته وهو يشاور تجاه الشيك.
__ الشيك اللي طلعته شؤون العاملين والحسابات يا باشا.
__ دا تهريج.
رفع فارس الناطوري صوته حتى إن مراته خرجت على الصوت.
__ الراجل فقد ساقه واتطرد من الشغل واترمى زي الكلب في الشارع. وفي الآخر مكافأة خمسة عشر ألف جنيه؟
أطلق فارس مدكور دفعة من الدخان في وش سيد وعينه على مليكة مراته سيد.
__ حط صفر يا فخري جنب اللي خمسة عشر واعمل معاش لسيد.
انحنى فخري الناحي بطاعة.
__ حاضر يا فارس بيه أوامرك.
بوجه منشرح قال سيد الساعي.
__ تعالى يا مليكة شوفي الهنا اللي أنا فيه، زغرتي يا ولية.
تجرع فارس الناطوري دفعة من الدخان وهو يرمق سيد باحتقار.
__ يا ولية؟ اسم لم يسمعه من زمن طويل.
مليكة التزمت وكانت واقفة بخجل ملاحظة نظرات الضيف اللي بتلاحقها داخل الشقة وبتعاينة مظهره.
تحركت مليكة ناحية الأوضة.
لكن سيد جوزها أمرها.
__ خليكي معانا يا وش السعد انتي، اعملي عصير للبيه.
تنهد فارس الناطوري بضيق.
__ ملوش لازمة يا سيد الكلام ده. متجبرش مراتك على حاجة هي مش عايزاها. أنا معملتش غير الواجب.
بدرت نظرة من فخري ناحية سيد نظرة ذات معنى جعلت سيد يصرخ.
__ يلا يا مرة اعملي عصير بسرعة مالك واقفه كده ليه.
نهض فارس الناطوري وحط إيده في جيبه واتمشى في الصالة بين أكوام الملابس.
يعرف إن وقته هنا انتهى.
لكنه لازال هناك شيء آخر.
رواية حريم الباشا الفصل الثاني 2 - بقلم اسماعيل موسى
بص فارس الناطورى على مليكه، امرأة يافعه، ناضجة.
"لو احتجت إى حاجه يا سيد قول بس لفخرى متعملش فرق"
صرخ سيد: "العفو يا باشا احنا فين وانت فين، كفايه انك شرفتنا النهرده."
أحضرت مليكه العصير ووضعته آمام الباشا. شاهد الباشا انحناءتها المثيره فنفخ من سيجاره: "ملوش لازمه التعب دا يا مدام!؟"
همست مليكه: "العفو يا بيه انتو ضيفونا ودى اقل حاجه."
"فيه حاجه ناقصاك تانى يا سيد؟" نظر الباشا إلى سيد فجأة.
"بنتك محتاجه حاجه؟"
ومع كلمته وصلت فريده إلى الشقه. همس سيد: "سلمى على الباشا يا فريده."
بخجل مدت فريده يد رقيقه ناعمه ثم جذبتها بسرعه.
نهض الباشا: "لو احتجت إى حاجه فخرى هيسيب العنوان لمراتك وياريت متتكسفش مني، انت خدمت الشركه كتير وواجبنا نكافأك."
غادر فارس باشا الشقه وترك فخرى خلفه. يعرف فخرى عمله جيدا عندما يتعلق الأمر بمزاجية الباشا.
كان فخرى اتفق مع سيد عبد الهادى ان يبعث له مرتب شهرى يتضاعف بأمر الباشا. ولو سيد احتاج اى حاجه، كل ما عليه فعله ان يرسل خبر مع زوجته إلى الباشا.
فضيت الشقه وسيد مسك الشيك فى ايده واتسند على العصايه.
"شايفه يا وش الفقر العز إلى بقينا فيه؟ 150000 جنيه ومرتب شهرى، انا فى حلم ولا علم؟"
همست مليكه: "ياريت متضيعش الفلوس، اعمل بيها مشروع او اى حاجه، هات الفلوس دى اشيلها."
"ابعدى ايدك يا مره،" صرخ سيد عبد الهادى. "لحسن اقطعهالك. دى فلوسى انا، انا الى اشتغلت يجى عشرين سنه فى الشركه وبعدها طردونى ذى الكلب."
قالت مليكه: "برقه، ودا يخليك تحافظ على الفلوس أكتر عشان بنتنا."
"بصلها سيد عبد الهادى بغضب: "اسكتى يا مره."
"قلت انا لازم انغنغ نفسى، ادفع الفلوس للدكاكين والايجار وانزل القهوه ذى زمان، المعلم سيد هيرجع ذى زمان."
"الباشا عنده فلوس ملهاش اخر."
ولما مليكه حاولت تمنعه، صفعها سيد عبد الهادى على وشها.
"اسمعى يا مره، لازم تعرفى ان فيه راجل للبيت وكلمته لازم تتسمع."
ثم دخل غرفته وخرج بعد دقيقه: "انا نازل القهوه ولما ارجع عايزك تحضرى عشا حلو كده فاهمه."
صفع سيد عبد الهادى باب الشقه المخلع ونزل الشارع يخطو على قدم والأخرى يسحبها خلفه.
رمق العباد، البشر إلى كانو بيحتقروه، أصحاب الدكاكين والمطاعم وتذكر معاملتهم القذره له، كل بسبب الفلوس.
"لكن انا معايا كتير، كتير اوى."
مر على الدكاكين وسدد ديونه كلها وأمر الصبيان ان يرسلو الاطعمه إلى شقته ودفع حسابه.
بعدها جلس فى المقهى معاين نظرات الخلق. لما عجز وقعد فى الشقه مفيش واحد فيهم فكر يزوره رغم انهم كانو أصدقائه. ولما الحال ضاق بيه ونزل القهوه عملو نفسهم ميعرفهوش.
"نزل قهوه وشاى لكل الناس إلى فى القهوه يا عوض على حسابى."
تردد عوض دقيقه، لكن نظرة سيد عبد الهادى والفلوس إلى طلعها من جيبه خلته يتحرك بسرعه.
أراد سيد ان يكسر عيونهم، ان يعرفو انه عاد ومعه نقود كثيره. أرادهم ان يطلبو مساعدته، فيقبل ويرفض. المعلم سيد الذى حلم به وجده اخيرا.
صرف سيد من الفلوس بلا حساب. كل ليله يحاسب لاصدقائه إلى تجمعو حوله ويلقبونه بمعلم سيد.
دخلت مليكه غرفة سيد، قلبها كان حاسس ان سيد خرب الدنيا. كان عارفه المكان إلى سيد مخبى فيه الفلوس. لما فتحت الصندوق ملقتش غير تلتين الف جنيه.
"والباقى صرفه سيد، يا خرابى؟" همست مليكه. "الفلوس خلصت قبل ما الشهر يعدى."
فضلت صاحيه مرضتش تنام. ولما سيد رجع لقيها فى وشه.
"سيد؟ انت خلصت الفلوس كلها؟"
رفع سيد ايده: "بس يا مره متضيعيش الدماغ إلى انا عاملها."
"مش هسكت يا سيد، احنا هنبقى على الحديده."
فتح سيد باب غرفته. مليكه جريت وراه.
"مينفعش كده يا سيد، حرام عليك، افتكر الايام إلى كنا بنام فيها من غير عشا؟"
"قلتلك اطلعى بره،" صرخ سيد. ولما لقى مليكه لسه واقفه، رفع عصايته ونزل عليها ضرب. وقعت مليكه على الارض.
"قلتلك يا مره فيه راجل البيت فاهمه؟"
ونزل بالعصا على جسد مليكه: "أياكى فى حياتك تحاسبينى، مليكيش غير لقمتك اكتر من كده لا فاهمه؟"
"فاهمه يا اخويا،" صرخت مليكه يعد ما عضمها تكسر من الضرب.
رواية حريم الباشا الفصل الثالث 3 - بقلم اسماعيل موسى
كانت مليكة بتقطع الملوخية في الصالة، وشها للمرآية تحاوط الحلة بقدميها.
سيد عبد الهادي بينفخ دخان سيجارة كليوباترا وهو بيرمض مليكة بغضب.
جعل يتمطى، ويبصق، يتملل، لكن مليكة غير مهتمة.
من أول ما ضربها سيد عبد الهادي وكسر عضمها وهي عايشة مع نفسها.
"الفلوس خلصت." نطق سيد عبد الهادي أخيراً كأنه بيكلم نفسه.
"والمرتب معدش مكفي، بقالي يومين مش بنزل القهوة وصحابي بيسألوا عليه. المعلم سيد فين؟ المعلم سيد فين؟"
حل صمت لم يقطعه سوى صوت السكين في الملوخية.
"اتردي يا مرة، هو أنا بكلم نفسي؟"
أدارت مليكة وجه بلوري لا تشوبه شائبة، حتى الحبوب التي تهاجم النساء هربت منه كأنه ترياق سيقتلها.
تبدو مليكة من جلستها أصغر من عمرها، من يراها لا يقول أبدًا أنها في منتصف الثلاثين.
نساء برجوازيات غيرها يدفعن نصف عمرهن ويحصلن على قوام يضاهي قوامها.
"هرد أقول إيه؟ ياما نصحتك يا سيد، قلت لك البنت كبرت، ألبنت كبرت، لكن أنت أهم حاجة معاك دماغك. أنا بأيدي إيه أعمله؟ لا شغلانة ولا مشغلة."
ابتلع سيد ريقه.
"لا في إيدك كتير."
استدارت مليكة باستغراب.
"هعمل إيه يعني؟"
"تروحي للباشا تطلبي فلوس. فارس بيه قال لما تحتاجي فلوس ابعتي مراتك."
"الباشا؟ مش كفاية الفلوس اللي أدهالك الله يباركله؟"
تنهد سيد وعرج على رجله.
"دي ملاليم، أنا خدمت الشركة عمري كله، عيلة الناطوري محقوقالي أوي. قومي غيري هدومك اللي تقرف دي وروحي فيلة الباشا وهاتي الفلوس."
"أروح فين يا سيد؟ أنت اتجننت؟"
"تروحي لفارس بيه وهو هيديك الفلوس."
"يا راجل عايز مراتك تروح بيت راجل غريب؟"
"مش عايز كلام كتير يا مرة، يلا قومي متعكريش مزاجي. وإلا والله وبالله هكسر عضمك."
نهضت مليكة.
"طيب هقوله إيه؟ أنا هموت من الكسوف."
"أنت بس روحي وهو هيفهم. فخري هناك وعارف إن فلوسي خلصت."
مشت مليكة في الشارع وركبت الأتوبيس. العنوان في إيدها.
فارس الناطوري في التجمع. بعد ساعتين وصلت الفيلا.
وقفها الحارس.
"رايحة فين يا ست؟"
طلعت مليكة الكارت وورته للحارس.
"رايحة أقابل الباشا يا أخويا."
"لحظة واحدة."
تحدث الحارس في الهاتف إلى أن رن فجأة وانشغل عنه.
بعد انتظار مليكة دخلت لما زهقت لأن الحارس اختفى.
وقفت على باب الفيلا وقعدت تخبط.
فتحت لها خادمة تبدو أنيقة.
"أنتِ أخيراً وصلتي؟"
"سلطان بقى يعك أوي في شغله، يلا ادخلي."
"أنتِ هتعاينيني؟"
مشت مليكة خلف السكرتيرة. عبرت الرواق.
"المطبخ هناك، شوفي شغلك."
أمرتها السكرتيرة من غير حتى ما تسمع لها.
"اعملي قهوة وطلعيها للباشا في الدور الثاني. قهوة مظبوطة."
وقفت مليكة مرتبكة مش عارفة تعمل إيه.
لكن السكرتيرة اختفت في الغرف الكتيرة.
بصت على المطبخ الفاخر. بتردد عملت القهوة لكنها مش خبيرة فيها.
حملت الصينية ولقيت السلم قدامها.
طلعت الدور الثاني فيه أكتر من غرفة. احتارت.
"طيب الباشا فين؟"
مشيت قدام الغرف وسمعت صوت طالع من جوه غرفة مغلقة.
فكرت يبقى هو هنا. طيب هقوله إيه؟
وقفت دقيقة تفكر.
"أنا كده كده كنت جاية أقابله، هقله على اللي سيد طلبه مني."
خبطت على الباب ووصل الصوت من جوه.
"لحظة واحدة."
"ادخل!!"
فتحت مليكة الباب وشها احمر من الخجل.
"القهوة يا باشا."
"سيبيها عندك واتفضلي امشي."
همس فارس الناطوري، اللي كان مديها ضهره وغرقان في الملفات والورق.
مليكة نزلت القهوة على الطاولة ووقفت متكتفة مش عارفة تعمل إيه.
فارس من غير ما يبص:
"فيه حاجة؟"
ترددت مليكة وخرج صوتها ضعيف.
"أنا مليكة يا باشا."
"مليكة مين؟"
"الخدامة الجديدة؟"
"مليكة مرات سيد عبد الهادي يا فارس باشا."
استدار فارس الناطوري بمقعده واندهاشه يعلو وجهه.
تذكر مليكة، ملامحها الأسبيرطية.
"معقولة جايبة القهوة بنفسك؟"
"معلش يا بيه أصل افتكروني الخدامة الجديدة ومحدش رضى يسمع مني."
"ده من حسن حظي يا هانم اتفضلي اقعدي."
جلست مليكة متخشبة إيديها وسط رجليها على المقعدة.
"هاتي القهوة يا مليكة."
وقفت مليكة مرة تانية وقربت القهوة من فارس باشا.
بإحراج وخجل ونسيت تقعد.
يفكر فارس الناطوري وهو يراقبها بعينيه.
هذا ما يحتاجه تحديداً، طاعة مطلقة، خنوع كلبي خالٍ من التمرد.
تجرع القهوة وترك الفنجان على جنب.
"إيه ده يا مليكة؟ محدش قالك إن قهوتي مظبوطة؟"
احتارت مليكة في الرد. إنها ليست خادمة ولا تعرف كيف يتحدث معها بتلك الطريقة.
نهض فارس الناطوري ومشى في المكتب ويده بجانبه.
"مش بحب أي شخص يغلط في طلباتي. كل الخدم عارفين إن اللي بيغلط بيتعاقب."
سمعت مليكة أنفاسه الساخنة تمر جوار أذنها.
"وأنتِ مش استثناء."
مسك فارس الناطوري ودن مليكة وفركها بقسوة.
"همست مليكة: ودني يا بيه وجعتني."
رواية حريم الباشا الفصل الرابع 4 - بقلم اسماعيل موسى
انتظر فارس الناطورى أن تصرخ مليكة، أن تستهجن فعله، أن تثور وتشتم، لكنه وجدها طائعة مكسورة، النوع الذي يعجبه.
تنهد فارس وهمس بنبرة مؤدبة: "آسف يا هانم. الظاهر نسيت نفسي وعاملتك معاملة الخدم. اتفضلي اقعدي. تشربي إيه؟"
مهتزة تعاين الأضرار، همست مليكة بصوت لا يكاد يُسمع: "مش عايزة أشرب حاجة يا فارس باشا. سيد جوزي بعتني لحضرتك زي ما طلبت منه."
تنهد فارس باشا، وسحب سيجارة ألقاها في فمه: "سيد خلص الفلوس صح؟"
خشيت مليكة أن تقول الحقيقة، يغضب الباشا، قالت: "معرفش يا فارس بيه."
"على كل، مفيش مشكلة يا هانم. سيد عايز كام؟"
صمتت مليكة. أكبر مبلغ رأته عينها كان مع سيد. "معرفش يا باشا. اللي حضرتك تأمر بيه هيكون كافي."
قرأ فارس باشا وجهها وارتباكها، خجلها المغري، وأراد أن يرى هذا الوجه مرات كثيرة. النقود غير مهمة عندما يتعلق الأمر بمزاجه. لديه من النقود أكوام لا يعرف عددها.
لم يكتب شيكًا. فتح الخزنة وأخرج خمسة رزمات.
"اتفضلي يا هانم، دول 50 ألف جنيه. ولا ما تخلص، متتحرجيش تقصديني. وأسف مرة تانية، افتكرت الخدامة."
وضعت مليكة الفلوس في شنطتها ووقفت: "استأذنك يا باشا!؟"
ثم غادرت المكتب الفخم ويدها على أذنها وهي تهمس: "إيه أصله ده؟ ودني كانت هتتقلع. الله يحرقك يا سيد."
وهي في الأتوبيس، جأتها فكرة. سيد هيخلص الفلوس كلها. وبنتها بتكبر. فتحت الشنطة وخبت عشرين ألف جنيه. وطلعت على الشقة. حطت الشنطة قدام سيد.
رمق سيد النقود بعيون لامعة: "كام دول يا مرة؟"
"معرفش يا سيد. أنا خدتهم وحطيتهم في الشنطة. يعني كان ينفع أقول الباشا دول كام؟"
فحص سيد الثلاث رزم: "30 ألف جنيه بس؟ فارس الناطوري دا راجل بخيل. هو قالك إيه؟"
"قال: 'سيد عايز كام؟' وأنا خفت أتكلم."
"مرة غراب، وش فقر! مقدرتيش تقولي مية ألف؟ هيفرق معاه ابن الرفضي ده؟"
"قال إيه تاني؟" همست مليكة، "قال أول ما تخلص الفلوس أروح عنده زي ما أنت اتفقت معاه."
"تمام." قال سيد عبد الهادي ونهض إلى القهوة بعد أن وضع الرزم في جيبه.
قعدت مليكة مع نفسها: "هو أنا غلطت لما كذبت عليه؟ مش كان لازم أعرفه إن الباشا قرص ودني؟"
ثم تذكرت العصا، وضرب سيد لها حتى كسر عظمها. "لأ، مش هقوله. أنا مش ناقصة ضرب."
تمرغ سيد عبد الهادي في متع الحياة. امتلأت الثلاجة باللحمة البلدي والكوارع والكبد والفاكهة. عندما يمشي في الشارع، يخاطبه معارفه بالمعلم سيد.
ترن الكلمة في أذنه ويمشي بانشراح. في المقهى، تعد له أفضل طاولة ويتجمع أصدقاؤه حوله مثل خلية نحل.
وعندما عاد إلى الشقة متأخرًا، وجد مليكة نائمة مع بنتها.
"إنتي يا مرة، قومي. نايمة ليه من المغرب كده؟"
"تعبانة يا سيد من شغل الشقة."
تجهم وجه سيد: "إيه اللي انتي لابساه ده؟ دا لبس مراة المعلم سيد على سن ورمح؟"
وفكر سيد في النساء التي يراها في الشارع وفي التاكسي. "حريم تحل من على حبل المشنقة."
ولما عاتب زوجته، عرف أن ليس لديها ملابس جديدة أو مستحضرات تجميل. سيد ينفق كل نقوده على نفسه.
فتح السيالة وأخرج نقودًا: "خدي اشتري لك هدوم وروشي نفسك من الأحمر والأصفر بتاع ستات اليومين دول."
لكنه عندما دخل غرفته وعاين النقود المتبقية، ركبه الهم. لم يتبق سوى ثلاثة آلاف جنيه.
***
داخل القصر، بعدما غادرت مليكة، نقر فارس الناطوري الجرس.
وصلت السكرتيرة تلهث: "نعم يا فارس باشا؟"
"الست اللي كانت هنا..."
"ماله يا فارس بيه؟"
"أنا اكتشفت غلطي. دي مش الخدامة. تحب لما تيجي تاني نمنعها تدخل؟"
"بالعكس." همس فارس الناطوري وهو ينفخ الدخان. "تدخل على طول وتتعامل معاملة الخدم."
ابتسمت رزان: "الظاهر عجبتك يا باشا!؟"
نظرها فارس الناطوري بنظرة غضب جعلت وجهها يتلوى من الرعب، وأدركت أنها تعدت حدوده.
مشيت بطاعة نحو خزانة الملابس، فتحتها. لم تخرج بذلة أو قميص أو فانلة، بل سوط صغير. ووضعته في يد فارس الناطوري. ثم استدارت، وتركت ظهرها أمامه، وانحنت كاشفة جزءًا من ظهرها.
لم يمر سوى يومين، وقضى سيد على النقود المتبقية.
كم مضى من ذهاب مليكة إلى القصر؟ 15 يومًا.
أستيقظ كارهًا نفسه، يشخط وينهر ويسب ويلعن.
يلف ويدور في الشقة، دماغه يكاد ينفجر، مفتقدًا حتة الأفيون التي تعدل المزاج.
"كوباية شاي يا مرة." صرخ سيد عبد الهادي من جلسته في الشرفة.
ولع سيجارة وعينه على الشارع. "اقعدي هنا." أمرها سيد عبد الهادي لما جابت الشاي.
"هتروحي لفارس باشا تطلبي الفلوس. وقبل ما ترفضي مليكة، قال سيد: تطلبي خمسين ألف جنيه."
"أروح فين يا سيد؟ وبأي وش؟ أنا يا راجل كنت هناك من نص شهر؟"
فتح سيد عبد الهادي عيونًا غاضبة: "إنتي هتعملي اللي أمرك بيه، وإلا برحمة أمي هقتلك. إنتي مجرد رسول."
فتحت مليكة فمها تتكلم، لكن عيون سيد الحمراء والعصا في يده أخرصته.
من سكات، بدلت ملابسها وراحت عن فيلا الباشا.
عرفها حارس الأمن لما وصلت. وقفها وسألها: "إنتي الخدامة الجديدة؟"
قالت مليكة: "لا، أنا جاية أقابل الباشا."
رفع الحارس يده: "أوامر الباشا، محدش يدخل من هنا غير الخدم."
"أنا مش خدامة يا أستاذ."
مشت مليكة بعيدًا عن البوابة، وتذكرت سيد: "طيب، هيعمل إيه فيا لو رجعت من غير فلوس؟"
فهمت مليكة ما ينتظرها من جحيم. استدارت وعادت تجاه القصر.
"أيوه، أنا الخدامة يا أخويا."
"اتفضلي ادخلي." أمرها الحارس.
دخلت مليكة. السكرتيرة كانت في انتظارها. الحارس أرسل لها الخبر.
دخلت مليكة الرواق: "عايزة أقابل الباشا لو سمحتي."
رمقتها رزان من فوق لتحت: "ادخلي الغرفة اللي هناك هتلاقي ملابس خدم. غيري هدومك. اعملي قهوة واطلعي للباشا. وبلاش كل مرة تكدبي وتعملي نفسك مش الخدامة، فاهمة؟"
ثم اختفت رزان.
داخل الغرفة، بدلت مليكة ملابسها. تنورة خدم ضيقة وقصيرة، قميص على مقاسها. شعرت فيه أنها عارية. همست: "إيه أصله ده؟ وإيه الهدوم الملزقة دي؟ الله يحرقك يا سيد انت والباشا في يوم واحد."
صنعت القهوة وصعدت درجات السلم.
"اقفي عندك." صرخت رزان، "مغطية شعرك ليه؟"
رواية حريم الباشا الفصل الخامس 5 - بقلم اسماعيل موسى
شعر إيه ده اللي طالع بيه؟ أنا عمري شعري ما انكشف غير على جوزي سيد، مش كفاية اللبس اللي لبستهولي؟
دي تعليمات فارس باشا بتسري على كل الخدم، وإنتي مش استثناء.
همست مليكة: أنا مش خدامة، يكفي إن الراجل اللي واقف على البوابة قال محدش يدخل غير الخدم، فدخلت.
رفعت رزان صوتها: مضيعيش وقتي، هتنفذي التعليمات هتطلعي للباشا، مش هتنفذي اتفضلي اطلعي بره، وفيه مية خدامة غيرك تتمنى تخدم الباشا.
وبعدين انتي مشيتي آخر مرة من غير ما تاخدي أجرتك ليه؟
رفعت مليكة حاجبها: أجرة إيه؟
أجرة شغلك هتلاقيها في الظرف في المطبخ عندك.
اتجهت مليكة على المطبخ، فتحت الظرف، لقيت فلوس كتير. عدتها.
خمس آلاف جنيه.
همست: كل ده فلوس عشان فنجان قهوة؟ أمال اللي شغالين هنا بياخدوا كام في الشهر؟
لم تتمكن مليكة بعقلها البسيط من توقع مرتب شهر الخادمة في قصر الباشا، لكنها أدركت أنه مبلغ كبير.
كانت رزان اختفت كالعادة.
حطت مليكة القهوة على الطاولة.
يعني هيحصل إيه؟ أنا كده كده مش هينفع أروح من غير فلوس، سيد هيدبحني.
نزعت الطرحة، وأمام المرآة سرحت شعرها، ثم صعدت درجات السلم نحو المكتب.
وقفت قدام الباب، شدت الجيبة على جسمها وخبطت.
الصوت متأخرش: ادخلي.
عادته كان فارس الناطورى مشغول في عمله، لكن لما سمع صوت مليكة استدار. رمقها كلها من إصبع قدمها وحتى شعرها الناعم السارح خلف ظهرها.
أهلاً يا مليكة، عاملة إيه؟
بخير الحمد لله يا باشا، بنفذ تعليماتك بتاعت الخدامين.
ابتسم فارس: تصدقي، لايق عليكي لبس الخدم.
لم ترد مليكة، لا تعرف كيف ترد أصلاً، سحقها ارتباك وعيون فارس تأكلها.
حطي القهوة عندك واقعدي يا مليكة.
نفذت مليكة الأمر وجلست على المقعد. رفع فارس الناطورى لوح ورق: ممكن تحطي رجل على رجل؟
أحط إيه بس يا بيه، ده أنا عمري ما لبست كده حتى لجوزي.
حطي رجل على رجل يا مليكة، هرسمك.
أرسم إزاي يا بيه؟
لوح فارس الناطورى بلوح الرسم، كانت هناك رسمة غير منتهية لمليكة. عايز أكمل الرسمة دي.
فتحت مليكة بقها باستغراب: دي أنا!
أيوه انتي، أصل أنا برسم كل خدامة تشتغل عندي.
بعد صمت قالت مليكة: بس أنا مش خدامة يا باشا، أنا جاية في مشوار وهامشي.
استدار فارس بيه بمقعده وأولاها ظهره: طيب اتفضلي امشي.
ظلت مليكة على مقعدها، كيف ترحل دون نقود؟ وكيف تطلب النقود؟ اعتراها الخجل وصمتت تشعر بالخزي.
لسه قاعدة ليه، اتفضلي امشي. همس فارس الناطورى بنبرة غليظة.
أمره.
طيب والفلوس يا باشا، ده سيد كان هيدبحني!
أطلق فارس باشا رصاصته: طالما مش هتنفذي الأوامر، حلي مشاكلك مع جوزك بطريقتك.
يعني لو حطيت رجل على رجل هتديني الفلوس يا باشا؟
قابلها فارس بابتسامة ودودة: طبعاً هتاخدي الفلوس.
بخجل وضعت مليكة ساق على ساق. نظر فارس الناطورى إلى لوح الرسم وأمسك فرشاته.
كانت مليكة تمتلك وجه بريء غير متصنع، وجه بكر لم تسحقه الحياة.
تمام، تقدري تمشي.
الظرف اللي فيه الفلوس قدامك، خديها وروحي لسيد.
لو كان لم يمضِ سوى خمسة دقائق، تعرف مليكة أن ما من رسام يستطيع أن يرسم شخص في هذا الوقت الضيق.
لكن مهمتها تمت بنجاح، وليذهب الباشا إلى الجحيم.
نزلت حاضنة الفلوس، غيرت هدومها وأخدت أجرتها وغادرت القصر.
معاها عشرة آلاف جنيه وهتسرق من سيد عشرين ألف، يبقى كده عال العال.
لكنها مقدرتش تمنع نفسها التفكير في الباشا وعقله التافه، يدفع خمس آلاف جنيه في فنجان قهوة؟ إنها لا تعتقد أنه رسام.
ثم شعرت بالخجل لما تذكرت شعرها الظاهر ولبسها الملزق.
كل ده بسببك يا سيد يا واطي!
لما وصلت البيت لقيت سيد مستنيها على باب العمارة. أخد منها الفلوس وطلع على القهوة.
فكرة مليكة، ده حتى مفكرش يسألني إيه اللي حصل؟ ولا أنا جبت الفلوس إزاي؟
وكان ضميرها يعاندها فظلت ساهرة حتى وقت رجوعه.
سيد، قالت مليكة قبل ما سيد يدخل غرفته: فيه موضوع عايزة أتكلم معاك فيه.
يعرف سيد أن لا حديث قد يجمعه مع تلك المرأة.
علاقتهم الحميمة انقطعت منذ زمن.
عايزة فلوس؟
قالت: لا.
أمال فيه إيه يا وش الفقر؟
الباشا يا سيد.
ماله الباشا؟ شعر سيد بالخطر ولف الأفيون في دماغه.
كل ما أروح هناك يا أخويا يعاملني معاملة الخدم.
معاملة الخدم إزاي؟
السكرتيرة بتاعته بتخليني أطلعله القهوة عشان آخد الفلوس، وأول ما طلعت القهوة لمكتبه مفيش فلوس.
صرخ سيد: لمسك يا مرة؟
صرخت مليكة هي الأخرى: لمسني إيه يا راجل؟ هو فنجان القهوة!
صمت سيد: يعني لازم تقدميله القهوة؟ فنجان قهوة تمنه تلاتين ألف جنيه؟ صحيح البشوات دول دماغهم متخلفة فعلاً.
أنا مش رايحة هناك تاني يا سيد، يكون في علمك، أنا مش خدامة.
رفع سيد صوته: وناكل ونشرب منين؟
أنا هكلم الباشا شخصياً وأطلب منه يعاملك كويس.
راحت مليكة تناقش، لكن سيد صرخ: أنا عايز أنام، متبوطيش دماغي.
كانت اللوحة أمام فارس الناطورى جميلة، رشيقة، مغرية.
إنه غير مستعجل، يحب أن تستوي الأمور على نار هادئة، لا يحب القفز، يستمتع بالتفاصيل، حيثيات الخضوع والانكسار.
لم يستخدم طرقه بعد، يترك المواقف تقوده.
تذكر معارضتها وعنادها وشعر بالغضب.
في المرة القادمة سيعاقبها، يجعلها تندم على كل كلمة خرجت من فمها.
ضغط على الجرس. حضرت رزان راكضة.
نعم يا باشا.
عايزك تتواصلي مع البنت اللي اسمها... صمت.
قالت رزان: مليكة يا باشا.
أيوه مليكة، عايزها عندي في القصر بعد بكرة تاخد الشهرية بتاعتها.
حاضر يا باشا، أي أوامر تانية؟
لا، تقدري تمشي.
لم تنجح رزان في كبح ابتسامتها، الباشا لديه لعبة جديدة.
لا تعرف رزان أن الباشا يمتلك أربع عيون.
وقفتها صرخته: رزان!
وقفت رزان في مكانها: نعم يا بك؟
بتضحكي ليه؟
ابتلعت رزان ريقها، كادت أن تقول: ما ضحكتش يا باشا.
لكنها تعرف كلفة الكذب مع فارس.
أسف يا باشا، مش هيحصل تاني.
لكن هيهات أن مزاجية فارس الناطورى لا يعلى عليها.
داخل القصر، الكل يعمل حسب مزاجيتها.
اقفي على البلاطة اللي جنبك يا رزان ومتتحركيش من عليها لحد ما آمرك.
ثم نهض ونفخ دخانه ولف حول رزان.
رواية حريم الباشا الفصل السادس 6 - بقلم اسماعيل موسى
كانت رزان واقفة على البلاطة كتمثال، عضلاتها مشدودة، لا تجرؤ حتى على بلع ريقها.
فارس الناطوري كان يتحرك حولها ببطء، خطواته محسوبة، كأنه يقيس المسافة بينها وبين خوفها.
وقف خلفها تمامًا، دون أن يلمسها.
قال بهدوء مريب:
— القصر ده يا رزان… مش محتاج ناس ذكية قوي، محتاج ناس مطيعة.
هزّت رأسها بسرعة.
— حاضر يا باشا.
ابتسم، تلك الابتسامة التي لا تطمئن أحدًا.
— لكِ كام سنة شغالة يا رزان داخل القصر؟
— عشر سنين يا باشا.
— عشر سنين ومعرفتيش إن الباشا مش بيسمح لأي شخص يضحك أو يسخر منه؟
وقبل أن ترد رزان، صفعها الباشا صفعة جعلت جسمها يهتز.
— اعتبري ده تحذير يا رزان.
همست رزان:
— حاضر يا باشا، حاضر مش هتتكرر تاني.
جلس فارس الناطورى على المقعد الوثير ونفخ دخان سيجاره.
— بكرة الصبح تروحي بيت مليكة، هتقوليلها إن اسمها اتكتب في كشف الخدم، وإن مفيش فلوس غير لما تقدمي القهوة كل يوم.
— هتعترض وتثور وترفض؟ مش هتعملي حاجة، هتسيبي الظرف اللي فيه أجرة القهوة على الترابيزة وتقولي كلمة واحدة: "بكرة الصبح تكوني عند الباشا".
— حاضر، أوامرك يا باشا، تقدري تمشي.
شدت رزان قدميها المتعبة من الوقوف في انكسار.
ثم أغلقت الباب خلفها ونزلت درجات السلم وهو تهمس:
— يعني مليكة دي فيها إيه مختلف عن أي بنت دخلت القصر؟
لكنها تعرف أن الباشا لديه نظرة أعمق لن تفهمها حتى لو حاولت، وأن مزاجية الباشا غير متعلقة بمعايير الجمال الفارغة بل على قدر الطاعة المقدم.
بعد اختفائها من الغرفة، رفع فارس الناطورى اللوحة على الحامل.
— اللوحة دي ما اتكملتش، هتبقى هايلة، ممكن أشارك بيها في معرض باريس أو جنوة.
ضغط على جهاز الاستريو، فارت موسيقى تارتيني، الصول الصغير والناي.
خرج فارس الناطورى إلى الشرفة تلتهمه مشاعر مختلطة.
تسريع النسق لا يرضيه.
في الخارج كانت أغصان الأشجار تؤدي رقصتها تحت سماء ضبابية ونسمات هواء لعوبة.
— الحديقة دي عايزة تتغير، أنا مش بحب العشب الأخضر يملى المكان كده، فين زهور حبة الملكة والغار وجوز الحرية وباترينكا؟
رزان دي مهملة جدًا، لكن مش بقدر أستغنى عنها، إنها تحفظ مزاجيتي جيدًا وتفهمها.
لمح تالين تعبر بوابة القصر.
همس بضيق:
— هو ده وقتك دلوقتي؟
كانت تسير مترنحة، حتى أن فارس الناطورى همس:
— لو باباها الوزير شافها بالشكل ده ممكن يجراله حاجة.
سمع صوت طرق الباب.
همس:
— ادخلي يا رزان.
دخلت روان بسرعة.
— تالين هنا.
بلا مبالاة قال:
— شفتها.
— أوامرك طيب يا باشا؟
— اصرفيها يا رزان، مفيش دماغي.
بخجل وحذر قالت روان:
— انت عارف تالين يا باشا، دماغها ناشفة ومهما أقول مش هتسمع.
رفع فارس الناطورى يده.
— هو أنا اتكتب عليّ أكون استبن؟ كل واحدة تتخان أو حبيبها يسيبها تيجي تجري ناحيتي؟
— مفيش وقت يا باشا، أعمل إيه؟
— اصرفيها يا رزان، ولو رفضت، لبسيها لبس الخدم وخليها توقع.
فتحت رزان فمها، تعرف أن الباشا متهور، لكن ليس لهذا الحد.
— تتأكد يا باشا؟
فتح فارس عيونه بغضب.
وفهمت رزان الرسالة.
— مش عايز دوشة، وافقت، خليها تيجي. رفضت، اصرفيها بالقوة.
لازم تتعلم إن كل حاجة وليها تمن في قصر فارس الناطورى.
بعد دقائق، سمع فارس الناطورى صراخ قادم من الطابق الأرضي.
سحق عقب سيجارته ونزل درجات السلم.
— فيه إيه؟
رفعت تالين وجهها.
— تعالى شوف الخدامة بتاعتك بتقول إيه؟ دي اتجننت خالص يا فوفو.
— مش اسمها خدامة، دي سكرتيرتي واسمها رزان، خريجة كلية الألسن وبتتكلم تلات لغات، إيطالي وفرنسي وألماني، دا غير الإنجليزي.
رفعت تالين صوتها.
— مش مهم، هتفضل خدامة، أنا عايزآك ترفدها دلوقتي حالاً.
— مش هيحصل.
همس فارس ببرود:
— رزان غالية عندي أوي.
— طيب وأنا مش غالية يا فوفه؟ بتقارني بخدامة حقيرة؟ عايزاني ألبس لبس خدم وأعمل قهوة؟ أطلع لك المكتب؟ أنا تالين بنت مدحت السنجاري، أعمل قهوة؟
ضم فارس قبضته على درابزين السلم.
— هتعملي قهوة، وهتلبسي لبس خدم، ولو مش عاجبك، امشي.
ارتفعت نغمات كولان لوبران من مكتبه وصعدت الموسيقى إلى جسده.
— انت اتجننت يا فارس؟ فاكر نفسك بتكلم واحدة من حريمك؟
نزل فارس الناطورى السلم واضعًا يده في جيبه، اقترب من تالين المتحدية، عاينها بصمت ثم ابتسم.
— مجرد فتاة تافهة تظن نفسها مركز الكون، تخوض كل ليلة مغامرة جديدة وعندما تشعر بالملل تركض إليّ.
اعتادت أن ترى الخوف والانكسار في عيون الرجال المرتعشين.
تذكر مرة عندما دخل شقتها الخاصة ووجدها جالسة على الأريكة وساقها ممدودة فوق ظهر شاب رخيص.
لطالما عاملها بأدب واحترام حتى تجرأت، وعندما تتجرأ يجب أن تعاقب.
إن مزاجيته تصرخ بداخله: اكسرها، اشقها، اخضعها.
سمعت تالين أنفاسه الساخنة تمر جوار أذنها.
— البسي لبس الخدم واعمليلي قهوة.
— مستحيل.
صرخت تالين بتحدٍ وغضب.
— وأنت بقى عايزة تضيعي انشراحي؟
ودندن مع كولان كلمات الأغنية، ثم مد يده، نفس اليد التي قرص بها مليكتها.
استقبلته أذن ناعمة لا تعرف الشقاء، باهتة تكاد ترى من خلالها.
ثم فركها.
صرخت تالين:
— بتعمل إيه يا مجنون، سيب ودني، دا أنا هخلي حياتك جحيم.
ورحمة أمي لخلى بابا يسحقك زي ما عملك.
— أنا محدش عملني، همس فارس الناطورى وهو يجرها من أذنها خلفه.
أنا عملت نفسي ودفعت كتير أوي.
إلى غرفة الخدم جرها من شعرها وأذنها، كانت تالين تصرخ من الوجع.
— البسي بسرعة.
— مش هلبس يا فارس، مفيش مخلوق يقدر يجبرني أعمل حاجة مش عايزها.
رزان!
صرخ فارس الناطورى:
— هاتي الكرباج.
لف ذراع تالين خلف ضهرها.
رزان الناقمة أحضرت السوط بسرعة كأنها كانت مستعدة، ناولت السوط لفارس الناطورى.
تالين غير مصدقة.
— هتعمل إيه؟
ابتسم فارس الناطورى واهتز جسده على نغم الموسيقى.
— أنتِ اللي هتقرري.
ورمى ملابس الخادمة على الأرض.
— اختاري.
رفعت تالين حاجبها.
— أنت بتهزر صح؟ دا مقلب؟
صفعها السوط برفق على ظهرها، لكن بنت الوزير ارتجفت.
ووجدت وجه فارس الصارم يلاحقها.
همست:
— هاتى يا رزان الهدوم، هلبسه.
رفع فارس يده.
— مكانك يا رزان، انزلي هاتي الهدوم بنفسك يا تالين.
ولوح بالسوط بيده.
لوهلة كادت تالين أن تصرخ وتطلب المساعدة، لكن شيء في عيون فارس أجبرها على التأمل.
صوت داخلي أعجبته اللعبة الجديدة، لعبة غير معتادة عليها.
— طيب، سيب إيدي، هتكسرها.
عندما أصبحت حرة، انحنت على الملابس.
— خليك فاكر يا فارس، هتدفع التمن كبير أوي.
وضع فارس السيجارة التي أشعلتها رزان من أجله وابتسم.
— مش لما يخلص عقابك الأول.
غيري هدومك وهاتي القهوة على المكتب.
رزان! خليكي واقفة قدام الغرفة، أي تلكع، قوليلي: "خلي الهانم تاخد راحتها وهي بتغير هدومها".
حشرت تالين نفسها في زي الخادمة ودمها يغلي.
— بقى أنا تعمل معايا كده يا فارس؟ أنت وحتت الخدامة الحقيرة؟
رغم ذلك، عاينت نفسها في المرآة وأعادت ضبط تسريحتها قبل أن تخرج.
كانت رزان اختفت وفارس الناطورى في الرواق يدخن سيجارة في يده، السوط يلوح به.
رواية حريم الباشا الفصل السابع 7 - بقلم اسماعيل موسى
لبست لبس الخدم كده مبسوط يا فارس؟ عاجبك؟
ممكن أروح بقى، عايزة أرجع بيتنا.
هتروحي بمزاجي يا تالين هانم، وده لما تكوني مطيعة، لأن تمردك هيقابل بمزيد من العقاب.
رفعت تالين ايدها، انت فاكر نفسك مين؟ وسايق في الدور قوي. اصحي يا فارس، أنا تالين.
ابتسمت. أحب الفتاة التي تعتقد نفسها متمردة وتحشي عقلها بكتب التنمية البشرية وكيف تصبحين فتاة ناضجة. الفتيات التي يضعن في حالتهن على الفيس والانستجرام صورة شقية مع أغنية تافهة لمطرب متصابى في الستين من عمره، يسقط وسطه بنطاله المخزي.
نفخت دخان سيجارتي. أشعر بها تنهار. أشم بوادر ضبابية تزحف على عقلها الرخيص.
كان لازم أعرفها إن دي مش مجرد لعبة، وبذلت مجهود مضاعف لأتغلب على مزاجيتي. وقفت وقربت منها. فضلت واقف جنبها لحد ما شعرت بأنفاسها المرتعبة.
مسكت شعرها الطويل، لفيته حوالين إيدي، جرتها ناحيتي، وبعزمي كله جلدتها على ضهرها. كان ضرب موجع لكنه مش مؤذي.
هتعملي قهوة وتقدميها لسيدك فارس في مكتبه. ولما راحت تعترض، لسعها السوط على ضهرها.
على قدر عنادك هيكون عقابك يا تالين. انتي الوحيدة اللي تقدري تحرري نفسك من الألم ده. سمعيني.
حاضر.
بتقولي إيه؟ مش سامع.
حاضر يا فارس، حاضر.
خليكي فاكرة لو قربت منك مرة تانية، لو عصيتيني، العقاب هيكون قاسي جدا.
طلعت الكلمات مني عنيفة صارمة. مش هتهرب من العقاب يا فارس باشا، أوعدك.
تركت كلتها تطير مع دخان سيجارتي. لم تكن لدي رغبة لإفساد مزاجي. موسيقى كولان لوبران تنشيني.
اصنعي قهوة مظبوطة، رغم إني عارف إنك فاشلة في شغل المطبخ، لكن حاولي ترضيني. ده من مصلحتك.
بذلت تالين مجهود كبير في صنع القهوة، وسمعت صراخها عندما انكوى إصبعها أكثر من مرة.
هاتي القهوة واطلعي ورايا.
فارس، ممكن أعرف هتعمل إيه بالضبط؟ لو كنت هتغتصبني، اتفضل وريحني من القرف ده.
خلفي تسير منزوعة الإرادة، تثرثر بكلمات غبية.
فتحت باب المكتب، جلست على مقعدي. هات القهوة.
القهوة قدامك، اتفضل خدها. انت اتشليت؟
سحقت عقب لفافة التبغ في المنفضة، وفتحت درج المكتب. أخرجت حبل رفيع.
تعمل إيه يا مجنون؟ فارس؟
قيدت يديها خلف ظهرها.
تقدري تتفضلي تقعدي في صمت. مش عايز أسمع صوتك. قدرتك على الصمت مفتاح تحريرك يا تالين. دي آخر فرصة.
كانت نبرتي صارمة، وأدركت الفتاة المدللة أنني جاد لأبعد حد، وأن محاولاتها للتمرد لن تزيدني سوى عناد وتجبر. جلست مطيعة تفكر، يدها تؤلمها وعينها ترصد حركتي القادمة. أكثر من ربع ساعة مضت بلا صوت.
تعالى اقعدي هنا.
اقعد فين؟
قلت هنا.
غير مصدقة، نهضت ونفذت الأمر. بعد دقيقة همست.
تقدري تروحي، انتي حرة.
حللت قيدها وسمحت لها أن تغادر القصر.
على باب الشقة وقفت رزان، أنيقة، جميلة، لا تشعر أنها خادمة.
كانت مليكة تنشر الغسيل على الحبل عندما طرقت الباب.
انتي عايزة إيه مني؟
طيب قولي اتفضلي الأول.
اقتحمت رزان الشقة بثقة.
الباشا عايزك في القصر. ودا أجرة فنجان القهوة.
وضعت رزان المظروف المغري على الطاولة.
لو نفذتي الأمر، هيديكي فلوس للسيد كمان.
نفخت مليكة بضيق. هو الباشا فاكر نفسه إيه؟ يملك الكون بيده؟ أنا مش هروح عنده غير لما سيد يطلب مني، واتفضلي خدي فلوسك.
الباشا لما يرغب بحاجة دايما بينولها يا مليكة، متصعبيهاش على نفسك.
كانت رزان صادقة في نصيحتها، لقد عاشرت الباشا سنين طويلة وتعرف مزاجيته.
يفتح الله يا حلوة. ارجعي لسيدك وقوليله مليكة مش بتنفذ غير أوامر جوزها، ومش هتدخل القصر غير بعد خمسة عشر يوم. اتفضلي، اطلعى بره.
ابتسمت رزان. الباشا يقرأ الطالع ولا إيه؟ كان يعرف إنها ستثور، ومؤكد يعرف كيف يروضها.
بشوقك يا مليكة، أنا عملت المطلوب مني. وخليكي فاكرة. إلى يجي بمزاجه أحسن من اللي يجي غصب.
برة طردتها مليكة الثائرة.
عندما وقفت مليكة أمام فارس الناطورى، رفض أن يستمع إليها. همس ببرود.
عارف إيه حصل؟ لما تيجي هنا، عايزك تخليها توقع على الورقة قبل ما تطلعيلي. نفس الورقة اللي وقعت عليها تالين، فاهمة؟
فاهمة يا باشا.
إلى متى قد يطول عنادها؟ يوم، شهر؟ لكنى لا أحب التلكؤ.
تاني يوم، طلعت تليفوني وجبت سيد عبد الهادي مكتبى مع فخري.
رأيت في وجهه آثار الإدمان. البدرة والافيون. دماغ ضايع غير متزن.
أنا طلبت مراتك تيجي هنا تاخدلك فلوس ورفضت يا سيد. دا ينفع؟ مقبول؟
فكر سيد للحظة. مش مقبول يا باشا. مراتك رافضة تخدمني. تقدملي فنجان قهوة نظير الفلوس اللي بتاخدها. هي مراتك متعرفش إن كلكم بتخدموني؟
تردد سيد لحظة، ثم همس. كلنا خدمينك يا باشا.
طيب ارجع لمراتك يا سيد وعقلها، وإلا مفيش قرش واحد هيوصلك مني.
ذرع سيد سيجارة في فمه وهو خارج من القصر، وبصق على الأرض.
هو فاكر نفسه إيه؟ الرزق بإيد ربنا. ورحمة أمي، لولا الخوف من السجن لكنت قتلتله مطرحه. صحيح ديل الكلب عمره ما يتعدل، زي أبوه بالضبط. يغور الباشا وفلوسه.
نفخ سيد دخان سيجارة الحشيش وارتفع مزاجه. أنا المعلم سيد عبد الهادي، الناس بتحلف بعمري. قال عايز مراتى تقدمله القهوة قال. وشعر بطرب خفيف يحرك ذهنه وهو يمشى في الشارع ودماغه تحلق مع عصافير الشارع.
رواية حريم الباشا الفصل الثامن 8 - بقلم اسماعيل موسى
خرجت تالين من القصر بعد منتصف الليل، والسماء فوقها ثقيلة بلون رمادي لا يريح القلب.
كانت خطواتها ثابتة أكثر مما ينبغي، كأن جسدها قرر أن يقوم بالمهمة وحده دون استشارة عقلها.
لم تلتفت خلفها، ليس شجاعة، بل خوفًا من أن تعود إلى القصر لو نظرت.
جلست في السيارة وأغلقت الباب، ثم أسندت رأسها إلى الزجاج البارد.
عقلها كان يعيد المشهد دون ترتيب، كأن الذكريات تتصارع على من يظهر أولًا.
شعرت بالمهانة، نعم، لكنها شعرت أيضًا بشيء آخر لم تحب الاعتراف به.
كان هناك فضول مؤلم يتحرك داخلها ببطء، فضول لمعرفة كيف تمكن فارس من الإمساك بها دون أن تصرخ.
كيف جعلها تصمت وتستجيب رغم أنها بنت هويتها كلها على فكرة التمرد.
حدثت نفسها قائلة إنها أقوى من ذلك.
لكن صوتًا آخر همس داخلها بأنها لم تكن ضعيفة، بل كانت مُربكة، والارتباك أخطر من الضعف.
في المساء، جلست في مقهى راقٍ اعتادت التردد عليه.
كانت تحاول استعادة صورتها القديمة، تلك التي لا يهزها رجل ولا مكان.
لكنها لم تكن تصغي للأغنية في الخلفية، ولا لطعم القهوة.
"ضحى، مالك يا تالين شارده كده مش عوايدك؟"
لاحظت تالين الكأس الفارغ في يدها.
قربت من ضحى وهمست: "فارس الناطورى اتجنن رسمى، ورحمة أمى لابهدله."
ضحى: "فارس ماله، عمل إيه؟"
رفعت تالين عين متمردة: "القذر حاول يخضعني، فاكرني واحدة من بناته الرخاص."
ضحى بلهفة: "بجد عمل إيه؟"
حكت تالين وهي تضحك، حريصة على أن تجعل موقفها أقوى وتوضح مع كل كلمة أنها رفضت ولم تستجب وجعلت ليلته كحل.
التقط سمعها صوت امرأة خلفها، نبرة واثقة تعرف أنها مسموعة.
زوجة رجل مهم في الدولة، امرأة تتحرك دائمًا محاطة بالمعرفة لا بالحراسة.
كانت تالين تعرفها من بعيد، لم يجمعهم حديث طويل سوى السلامات.
سألت المرأة: "فارس عمل كده بجد؟"
وكانت تعرفه من بعض الحفلات المشتركة التي كان يحضرها فارس الناطوري.
تالين: "آه حصل بجد، لكن أنا بهدلته."
راحت المرأة تسأل أكثر، مهتمة بكل تفصيلة حتى لو كانت صغيرة، وتالين ترد.
"هي صافيناز مهتمة ليه كل ده باللي حصل مع فارس؟"
سألت ضحى بفضول بعد أن اختفت المرأة.
"فكك"، همست تالين وهي تفرغ كأس خمر في جوفها.
لكن تالين لحظتها شعرت بالحيرة والغيرة، لا تعلم من أين أتى ذلك الشعور، لكنه إحساس كان حاد وممض.
بعد أسبوع كامل، كان سيد عبد الهادي يجلس على حافة السرير في شقته الضيقة.
كانت النقود قد نفدت، ومعها نفدت القدرة على التمثيل.
جسده بدأ يتمرد عليه، كما يتمرد الخادم المهمل.
كان العرق يخرج من جبينه دون سبب ويده ترتجف رغم أنه لم يمسك شيئًا، رأسه كان أثقل من أن يُحتمل.
حاول أن يقنع نفسه بأن الأمر مؤقت، قال إن الرجولة صبر، وإنه لا يحتاج لأحد.
لكن حاجته كانت أعلى من شعاراته.
تذكر القصر.
تذكر مكتب فارس.
تذكر نظرته التي لا تهدد ولا تطمئن.
كره نفسه لأنه يفكر فيه، وكره نفسه أكثر لأنه كان يعرف الحل.
جلس مع مليكة مساءً، مختلفًا عن عادته.
لم يصرخ، لم يهين، وهذا أربكها.
قال لها بصوت منخفض إنه يريدها أن تذهب للقصر، قالها وكأنها مسألة محسومة لا نقاش فيها.
قال إن الحياة تحتاج تنازلات.
نظرت إليه مليكة طويلًا.
رأت الضعف الذي لم تعتد رؤيته.
رأت رجلًا لا يملك سوى صوته، وصوته بدأ ينهار.
قالت له إنها قالت لا ورفضت الذهاب، وهذا أمر منتهٍ.
قال لها إنه لا يملك رفاهية الرفض، إن الجوع لا يفهم الكرامة.
صرخت مليكة: "قفا يا راجل عايزني أروح هناك بعد ما قلت لأ؟ طب بأي وش هقابله؟"
همس سيد: "فيه ستات كتير بتخدم في البيوت وبتساعد رجالتها، انتي مش هتعملي حاجة غلط، دا مجرد فنجان قهوة. فكري في بنتنا اللي بتكبر وعايزة تتعلم وتتجوز."
في تلك الليلة، نام سيد مرتاحًا لأول مرة منذ أيام.
أما مليكة، فبقيت مستيقظة.
تعرف أنها لن تذهب لأن فارس أمرها.
ستذهب لأن سيد سقط.
وفي مكان آخر، كان فارس الناطوري يشعل سيجارته بهدوء.
لم يسأل عن أحد، لم يتعجل شيئًا.
كان يعرف أن اللعبة وصلت إلى مرحلتها الطبيعية.
فالذين يرفضون أولًا، يأتون لاحقًا وهم أكثر طاعة.
يأتون وهم مستعدين للذي لم يحدث بعد، وهذا ما يعجبه في النفس البشرية التي ترفض من مكان قوة ثم تأتي صاغرة منكسرة كأنها لم تتخذ قرارًا بالأمس.
راح يتخيل وجه مليكة وكيف سيكون عندما تقف أمامه.
قشعر بنشاط وسعادة.
هذه الأمور تنشيه أكثر من المخدر.
كان قد مضى ثلاثة أيام على مغادرة تالين ولم يصله عقابها الذي توعدته به.
تأسف فارس لأنه كان مستعدًا أكثر من اللازم للوقوف في وجه أبيها الوزير وإخراصه.
إنه يملك من الأدلة ما يجعل الرجل يترك وزارته، لكنه لا يريد ذلك، بل يريد تالين خاضعة بقواعده دون الاستعانة بأي أشياء أخرى.
وكانت الشمس تتسحب خلف الأشجار مخلفة شفقًا أحمر.
عندما توقفت سيارة فارهة على بوابة القصر قبل أن يسمح لها الحارس بالدخول.
نفخ فارس دخان سيجارته وهو يفكر: "من تلك؟"
ثم نزلت من السيارة على وجهها نظارة سوداء ترتدي فستانًا من الساتان الضيق، في أواخر الثلاثين من عمرها، أنيقة ورشيقة.
ثم عرفها فارس الناطوري، أن صورها تملاء الجرائد مع زوجها المهم.
فكر للحظة: "ودي عايزة إيه كمان؟"
لم يتأخر الرد.
طرقت رزان باب غرفة مكتبه: "صوفيا هانم تحت، طالبة تقابلك يا فارس باشا."
"غريب؟" تعجب فارس، "ما الذي تريده تلك المرأة؟"
"لطالما كانت رزينة وحريصة."
"هي ما قالتش سبب الزيارة إيه؟"
"لا يا فارس بيه، أنت عارف اللي زي صوفيا مش بيقول حاجة."
فعل فارس، فرّغ الموسيقى واشعل سيجارته.
"خليها تتفضل يا رزان!"
فتحت رزان الباب لصوفيا ثم استأذنت في المغادرة.
صرفها فارس بإشارة من يدها، حرص أن يجعلها ملحوظة.
"أهلاً صوفيا هانم."
مدت صوفيا يدها تنتظر القبّلة المتعارف عليها في وسطها، لكن فارس الناطوري اكتفى بسلام عابر.
"تفضلي يا هانم، تشربين إيه؟"
نزعت صوفيا وشاحها، مسحت المكتب بعينها.
لا وجود لزجاجات خمر أو ويسكي، مكتب أنيق اختير ديكوره وأثاثه بدقة.
"سيجارة؟"
"طبعًا يا هانم."
قرب فارس سيجارة من فم صوفيا وقرب لها الولاعة، ثم نظر في عينيها مطولًا.
لطالما كان قادرًا على قراءة النساء من عيونهن، لكنها تبدو باهتة وعميقة، عصية على الفهم.
بينما كانت تفكر صوفيا، لطالما رأت نظرة الخضوع في عيون الرجال عندما يعرفون اسم زوجها.
لطالما راهنت على ذلك وفكرت أنه ليس شخصًا مختلفًا.
كل ما هنالك أنه حقن نفسه بجرعة مخدر زائدة منحته الشجاعة لفرض سيطرته على تالين.
"طبعًا بتسألين نفسك أنا هنا ليه يا فارس؟"
وضعت صوفيا قدمًا على قدم وأخذت راحتها في الجلسة.
ابتسم فارس الناطوري بلا مبالاة مما أزعجها.
رواية حريم الباشا الفصل التاسع 9 - بقلم اسماعيل موسى
أنت مرحب بيكي في أي وقت يا صوفيا هانم.
ابتسمت صوفيا، تحب الشخص الذي يقدرها، كان ينقصها ذلك الشعور، فكل البقية تخشاها، تخضع لها. إلا أنها لم تحضر من أجل كل ذلك الهراء، لم تكلف نفسها مشوار لم تضعه في اعتبارها من أجل كلام فاضي.
"طبعًا أنت عارف أنا مين ومرأة مين؟"
ابتسم فارس بسخرية، أخيراً قبض على نقطة ضعف.
"المرأة القوية لا تتبجح بقيمة زوجها."
"عارف،" همس فارس وسحق السيجارة في المنفضة، "لكن دا مش مهم، المهم انتي هنا ليه؟"
فتحت صوفيا فمها بانزعاج، كيف يتجرأ ويخاطبها بتلك الطريقة؟ أيظنها تالين أخرى؟
"تالين حكتلك؟" همس فارس وهو يشعل سيجارة ثانية. كانت الموسيقى تتراقص خلفه. مشى تجاه لوحة ولمسها بأصابعه ووضع صوفيا خلف ظهره. "هو دا اللي جابك هنا؟"
واصل فارس كلامه: "أنا مش مندهش من أكاذيب تالين ومنح نفسها قيمة أكتر من اللازم."
ثم استدار فجأة تجاه صوفيا، واللمعت عيناه وثبت نظره عليها كلها.
"لكن انتي هتتحملي مزاجية فارس الناطوري؟"
"انت بتقول إيه؟" خاطبته صوفيا وهي تنفخ الدخان. "أنا مالي ومال مزاجيتك؟ أنا جايه في حاجة تانية خالص؟"
واصل فارس تثبيت نظره على صوفيا وابتسم.
"عايزة تقنعيني إنك تعبتي نفسك ووصلتي هنا تحلّي مشكلة تالين الضعيفة؟"
اقترب فارس أكثر من صوفيا.
"لازم تعرفي إن كل اللي يدخل القصر هنا ملكي."
مصدومة، صرخت صوفيا.
"يا ابني أنا مرأة زياد المليجي."
"أوديك ورا الشمس من غير ما تحس."
"زياد المليجي دا في الفيلا بتاعتكم يا صوفيا، مش هنا."
"أنتي مش مهتمة بجوزك عشان كده انتي هنا."
همست صوفيا بنبرة محذرة.
"أنت قليل أدب فعلاً، تالين مكدبتش."
كان فارس يفصله خطوة واحدة عن صوفيا، لكنها كانت تقف في ثبات مقلق.
"وإنتي ست جميلة ورقيقة يا صوفيا، لكن محطوطة في فاترينة عرض للفرجة."
"احترم نفسك،" حذرته صوفيا.
لا يحب فارس الناطوري المماطلة، لطالما كان تهوره أهم صفاته.
"اقفي هناك يا صوفيا."
سمعت صوفيا الأمر بنفور، ارتفع غضبها.
"الظاهر إنك إنسان سوقي فلاح نضيف مش أكتر."
"قلتلك اقفي هناك."
دفعها فارس بيده جنب اللوحة.
صرخت صوفيا.
"ابعد إيدك القذرة عني! أنا هعرف أوريك إزاي تكلمني بالطريقة دي يا حيوان!"
وأخرجت هاتفها، لكن الصفعة التي تلقتها جعلت رأسها تلف وسقط الهاتف على الأرض.
"قلتلك زياد المليجي دا في فيلتكم مش هنا."
"حيوان قذر ابن..."
كلب كتم فارس فمها بيده ومنعها من إطلاق الشتائم.
***
وصلت مليكة إلى بوابة القصر قبل الظهر بقليل، والحرّ يضغط على صدرها كما يضغط الخوف على التفكير. وقفت لحظة أمام السور العالي، تشعر أنها أصغر من ظلها، وكأن المكان ينكمش ليبتلعها لا ليستقبلها.
سألها الحارس عن اسمها، فقالته بصوت خافت لم تعتد أن تسمعه يخرج منها. لم تسأل إلى أين تذهب، ولم تعترض، فقط تبعت الإشارة بقدمين مترددتين.
كل خطوة داخل القصر كانت تخلع شيئًا منها.
خلعت نظرتها القديمة لنفسها كزوجة فقط.
خلعت فكرة أنها زائرة.
خلعت وهم المؤقت.
في الردهة، أوقفتها رزان. لم تكن مبتسمة ولا قاسية، فقط تؤدي دورها كما اعتادت. تناولتها زي الخدم دون كلمة زائدة.
نظرت مليكة إلى القماش بين يديها طويلًا. لم يكن اللبس ما أوجعها، بل ما يعنيه. هذا اللبس إعلان صريح، لا لبس فيه، ولا رجعة عنه.
دخلت الغرفة المخصصة، وبدّلت ثيابها ببطء. كانت يداها ترتجفان وهي تغلق الأزرار، وكأن كل زر يُغلق بابًا خلفها.
نظرت إلى صورتها في المرآة، فلم ترَ امرأة مهزومة، بل امرأة تخلت عن المقاومة.
حدثت نفسها أنها تفعل هذا من أجل ابنتها، ثم من أجل سيد.
ثم، في لحظة صمت صادقة، اعترفت أنها تفعل هذا لأن لا خيار آخر لديها.
خرجت من الغرفة مطأطئة الرأس. لم تُطلب منها هذه الحركة، لكنها جاءت وحدها. الجسد أحيانًا يسبق الأوامر.
أوقفتها رزان مرة أخرى.
"اسمك؟"
"مليكة."
قالتها هذه المرة بوضوح أقل.
"شغلك إيه؟"
ترددت ثانية واحدة، ثم قالت:
"خدامة."
لم تشعر بالذل وهي تنطق الكلمة. شعرت بالفراغ، وكأن الكلمة أزاحت عنها عبئًا ثقيلًا اسمه الرفض.
قادتها رزان عبر الممر الطويل المؤدي إلى مكتب فارس الناطوري. الجدران كانت صامتة، والهدوء مخيفًا. لم تسمع صوت خطواتها، كأن القصر لا يعترف بوجودها بعد.
توقفت أمام الباب، قالت رزان بهدوء محسوب.
"لما تدخلي، ما تتكلميش غير لما يُطلب منك."
أومأت مليكة، هذه القاعدة كانت سهلة بشكل مقلق.
فُتح الباب، دخلت. كان فارس الناطوري يقف قرب نافذة مكتبه، ظهره لها. لم يلتفت فورًا، ولم يعطها شرف النظرة. تركها واقفة، منتظرة، معلّقة بين الدخول والوجود.
شعرت مليكة بحرارة في عينيها، لكنها لم تبكِ. البكاء يحتاج إذنًا، وهي هنا بلا إذن.
قال فارس بصوت بارد دون أن ينظر:
"اسمك؟"
"مليكة ياباشا."
"جايه ليه؟"
تقدّمت خطوة دون أن يطلب. انحنى رأسها أكثر مما قصدت، وقالت بصوت انكسر رغم محاولتها ضبطه:
"جايه أشتغل يا باشا."
التفت أخيرًا. نظر إليها نظرة باردة، فاحصة، لا رغبة فيها ولا غضب. نظرة رجل يرى النتيجة لا المعركة. سكت لحظة، ثم قال:
"قوليها تاني."
ابتلعت مليكه ريقها. رفعت عينيها نصف رفعة ثم أنزلتهما سريعًا، وقالت بوضوح:
"جايه أقدّم نفسي خدامة لحضرتك."
في تلك اللحظة، لم تعد مليكة تشعر بالخوف. شعرت بالانكسار الكامل. الانكسار الذي لا يصرخ، لا يعترض، لا يطلب رحمة.
"تعالى قربي يا مليكه."
وجدت نفسها صغيرة وهي أمام عيون فارس.
"لازم تعرفي إن فارس الناطوري مش بيقول الكلمة مرتين، وطلباته أوامر."
"كنتي بتقولي جوزك بس إلى بيديكي أوامر؟ كنتي غلطانة، لكن أنا عديتها بمزاجي. وجوزك بنفسه هو اللي أمرك تيجي هنا، ودا يوضحلك مين السيد الحقيقي. فاهمه؟"
"فاهمه يا باشا."
"فاهمه،" همست مليكة وهي منحنية لا إراديًا.
***
نفخ فارس الناطوري دخان سيجارته وشرد لبعيد حيث الشرفة المطلة على الحديقة التي أمر بتغيير أشجارها. رمق الورد والزهور وتذكر صوفيا عندما كانت واقفة هنا في نفس المكان أمس تنظر إليه بتحدٍ.
نقص فارس السيجارة وشعر بيده تهتز، يده التي وجهت إليها أول صفعة في حياتها. ابتسم عندما لمح الدهشة على وجهها، كأنها في عالم تاني مفصولة عن الواقع وفمها يردد: "هخلي جوزي يطين عيشتك هدخلك السجن يا كلب انت."
ثم هجومها عليه مثل القطة المفترسة. قبض فارس على يدي صوفيا بقوة ومنعها من الحركة وعيناه الثابتة ترمقها بتحكم.
"قلتلك جوزك في بيتك يا هانم، إنتي هنا في قصري. وأي إن كان اللي هيحصل أنا مش مهتم ولا خايف. وكلما زاد وعيدك زاد عقابك."
لكن هيهات أن تصمت صوفيا بنت الأكابر وزوجة الرجل المرموق الخطير. خربشته أظافرها وفمها لم يتوقف عن السباب. ببرود صفعها فارس مرة ثانية وثالثة وهمس في أذنها: "اصمتي، اتعلمي من تالين الصمت في وجودي."
"مش هسكت، مش هسكت!" صرخت صوفيا حتى ظن فارس أنها ستنهار عصبيًا وبريق التحدي في عيونها يزيده نشوة.
قيد فارس حركتها وأجلسها على الأريكة بعنف.
"صراخك مش هيفيدك ولا هيفرق في حاجة."
ثم لمس شعرها الطويل الناعم وجذبه.
"اتكلمي بالعقل وبأدب، إنتي متعرفيش أنا ممكن أعمل فيكي إيه."
همسها فارس كأنه مجنون وأدركت صوفيا الحقيقة. فارس مجنون فعلا، هاذي ومش فارقة معاه. تخيلت للحظة أن الأصعب قادم، فهمت وصمتت.
***
استدار فارس وتفاجأ أن مليكه لسه واقفة.
"اتفضلي اعمليلي قهوة وهاتيها بسرعة من فضلك أحسن دماغي هتنفجر."
"حاضر يا فارس باشا." همست مليكه وفي طريقها للمطبخ.
"غمغمت دماغه هتنفجر ليه؟"
رواية حريم الباشا الفصل العاشر 10 - بقلم اسماعيل موسى
لم تتحرك مليكة فورًا.
كلمة «من فضلك» التي قالها فارس لم تخفف شيئًا، بل أربكتها.
هي تعلم، بالفطرة، أن لطفه ليس إحسانًا، بل عادة ومزاجية.
وفي هذا القصر، اللين فخ.
سارت نحو المطبخ بخطوات محسوبة، لا سريعة فتبدو متلهفة، ولا بطيئة فتحسب متباطئة.
كانت تسمع القصر أكثر مما تراه؛ حفيف ستائر بعيدة، طرقات أقدام خافتة، همسات لا تُقال إلا للجدران.
كل شيء هنا يراقب، حتى الصمت.
في المطبخ، وقفت أمام الموقد لحظة.
نظرت إلى يديها، يدين فقدتا حق الاعتراض، لكنهما لم تفقدا الإحساس.
كانت تعرف أن أول خدمة تقدمها لفارس الناطورى ليست القهوة بل الطاعة الدقيقة.
وضعت البن في الركوة كما لو كانت تؤدى طقسًا.
انتباهها للتفاصيل لم يكن اجتهادًا، بل غريزة بقاء.
الخطأ الأول لا يُغتفر هنا.
في المكتب، كان فارس قد جلس خلف مكتبه أخيرًا.
السيجارة بين أصابعه، لا ليُدخّن، بل ليؤكد سيطرته على اللحظة.
هو لا يُسرع، لأن الوقت يعمل لصالحه دائمًا.
دخلت مليكة.
لم ترفع عينيها.
الصنية ثابتة، لكنها تشعر أن ثقلها أكبر من وزنها.
وضعتها أمامه بانحناءة خفيفة، محسوبة، بلا مبالغة.
هذا النوع من الانحناء لا يُشعره بالنصر الكامل، بل بالاستحواذ التدريجي، وهو ما يفضّله.
«اتأخرتي شوية»، قالها بنبرة باردة مثل الثلج.
«آسفة يا باشا».
«آسفه دي كلمة خفيفة… هنا، الغلط بيتصلح مش بيتأسفله».
رفع الفنجان، تذوّق أول رشفة، ثم توقف.
نظرت مليكة إلى الأرض، لكنها شعرت بتوقف الزمن.
«قهوة مظبوطة»، قالها أخيرًا.
تسلل نفس صغير من صدرها.
«براعتك فى القهوة هتغفرلك تأخرك. انا مش منزعج. مش عارف ليه، المفروض اثور، اعاقبك، اتعمد ازلالك. لكن…»
نظر فارس إلى مليكه.
«مش لاقى رغبه جوايه انى اعمل كده».
«شغلك هيبقى دايمًا قريب… قوي، قريب من أوضتي، من مكتبي، من مزاجتي».
«والقريب هنا… ما بيفكّرش، ما بيسألش، وما بيفترضش، فاهمه؟»
«حاضر يا باشا».
خرجت الكلمة منها بلا مقاومة.
لم يعد داخلها صوت آخر.
حس فارس بالانزعاج.
تلك الطاعه الكلبيه لا ترضيه.
إنه يحب أن ينتزع الطاعه من بين براثن البشر.
وأمامه تقف مليكه دون مقاومه، جثه هامده.
«روحي دلوقتي».
انسحبت مليكة للخارج، خطواتها الآن أخف، لكنها أضعف.
في الممر، وقفت تستند إلى الجدار لحظة.
من بعيد، كانت تسمع صوت الباشا، صوته وهو يصدر أوامر لا تحتاج لرفع.
القصر كله يعرف متى يتكلم، ومتى ينصاع.
وفي الطابق العلوي، خلف باب مغلق، كانت تجلس أكبر مخاوفها.
لكن عقلها لم يتوقف عن التفكير.
المقارنه بين الباشا وسيد، بين رجل يعرف كيف يملك غضبه وأخر هائج مثل الثور بلا عقل.
ولأول مره وجدت نفسها تبتسم.
إنه لا يبدو بمثل هذا السوء.
***
كانت صوفيا تجلس صامتة داخل غرفتها.
في صمت ليس خضوعًا، بل صدمة.
العاصفة لم تنتهِ داخلها، لكنها تعلم الآن أن فارس الناطورى شخص مختلف، وأن ما كانت ترغب به حتى لو حدث لن يمر دون عقاب.
أما فارس الناطوري داخل قصره، فكان يرتشف قهوته بتمهل، وقد استعاد توازنه.
اليوم كسب خادمة، وأمس كسر امرأة تظن نفسها مركز الكون.
وغدًا، القصر سيطلب المزيد.
والسيطرة، كما يعرف جيدًا، لا تُمارَس دفعة واحدة، بل تُبنى، طوبة فوق طوبة، وإنسانًا بعد إنسان.
***
صوفيا.
لم يكن ما حدث لها مجرد إذلال عابر يمكن محوه ببلاغ أو تهديد، بل كان ارتباكًا عميقًا أصاب تعريفها لنفسها من الداخل.
طوال حياتها كانت تعرف من تكون بدقة؛ ابنة أكابر، وزوجة رجل يُفتح له الطريق قبل أن يطرقه، وامرأة لا تُلمَس إلا بإذن ولا تُخاطَب إلا بحذر.
السلطة كانت دائمًا تحيط بها، لكنها لم تختبرها يومًا، بل ورثتها، وتعايشت معها باعتبارها حقًا طبيعيًا لا يُناقش.
لهذا، حين واجهت فارس الناطوري، لم تكن الصدمة في غضبها أو في الكلمات التي اندفعت من فمها، بل في اكتشافها أن الغضب لم يكن درعًا، وأن الصوت العالي لم يعد كافيًا ليحميها.
رفضت الإذلال بكل ما تملك، تشدّد جسدها، ارتفع صوتها، وانفلتت شتائمها بلا حساب، لأن الرفض كان بالنسبة لها فعل بقاء، تأكيدًا أخيرًا على أنها ما زالت هي، المرأة التي لا تُكسر.
لكن ما حطمها من الداخل لم يكن الصفعة، ولا الجلوس القسري، ولا الصمت الذي فُرض عليها في النهاية.
ما حطمها حقًا كان ذلك الإدراك الثقيل بأن فارس لم ينتصر بالعنف ولا بالضجيج، بل بالهدوء البارد.
كانت ترى في عينيه متعة خفية أربكتها أكثر من الألم، متعة لا علاقة لها بالجسد، بل بعقل يعرف أنه يمسك بالخيوط ويحرك الآخر دون أن يرفع صوته.
هنا بدأ الصراع الحقيقي.
جزء منها كان يصرخ بداخلها أن هذا رجل خطر، يجب سحقه ومعاقبته وكسره كما كسرها.
لكن جزءًا آخر، أكثر هدوءًا وأكثر خيانة، كان يراقب المشهد من بعيد ويعترف — رغمًا عنها — أن فارس لم ينتزع قوته منها، بل كشف هشاشتها، وهذا بالضبط ما لا يُغتفر.
صوفيا لا تسامح من يراها على حقيقتها، ولا تغفر لمن يعرّي أوهامها أمام نفسها.
قرارها بمعاقبته لم يولد من الإهانة وحدها، بل من رغبة أعمق في استعادة صورتها القديمة، صورة المرأة التي لا يُجرؤ أحد على كسرها أو إخضاعها.
هي لا تبحث عن انتقام صاخب، بل عن استرداد سيطرة ضاعت للحظة.
لكن في العتمة، حين يهدأ الأدرينالين وتخفت شهية الصراخ، تتسلل فكرة مخيفة تحاول إنكارها، فكرة غير مكتملة تقول إن فارس، في لحظة ما، كان يتحكم… وإنها شعرت بذلك التحكم يخترق دفاعاتها.
لم يكن خضوعًا، ولم يكن قبولًا، بل وعيًا مرعبًا بوجود رجل لا تهزه أسماؤهم، ولا يشتريه نفوذهم، ولا يسعى لرضاهم.
وهذا النوع من الرجال يوقظ داخل المرأة شيئين متناقضين في آن واحد: رغبة في محوه من الوجود، وافتتانًا خطيرًا بكسر قواعده.
صوفيا كرهت نفسها لأنها لاحظت ذلك، لأنها التقطت الوميض في عينيه عندما صمتت أخيرًا، ولأن جزءًا صغيرًا داخلها أدرك أن ذلك الصمت كان انتصارًا أنيقًا له.
لهذا، لن يكون قرارها بمعاقبته اندفاعًا أعمى أو فضيحة مباشرة، بل فعلًا باردًا ومحسوبًا بعناية.
صوفيا لا تريد أذيته جسديًا، بل تريد نزع المساحة التي يعتقد أنها ملكه، وأن تزرع داخله الشك والتردد والانتظار.
هي تعرف الآن أن فارس لا يخاف العقاب، لكنه يضيق بالفوضى، وللمرة الأولى في حياتها تفكر أن تكون الفوضى نفسها.
أما الخطر الحقيقي، الذي لا تجرؤ على الاعتراف به حتى لنفسها، فهو أنها وهي تخطط لمعاقبته تعود في خيالها إلى تلك اللحظة، لحظة سيطرته الصامتة، وتشعر بشيء يشبه القشعريرة، لا خوفًا ولا رغبة، بل انهيار صورة قديمة عنها وولادة فضول لا يليق بها.
وصوفيا، مهما بدت قوية، باتت تعرف أن أخطر المعارك ليست مع فارس الناطوري، بل مع نفسها، بعد أن سقطت أول قطعة من الوهم.
***
عرفت تالين بزيارة صوفيا لقصر فارس دون أن يخبرها أحد مباشرة، بل عبر تلك الطريقة التي تكرهها وتثق بها في الوقت نفسه؛ همسة ناقصة، جملة مبتورة، ونظرة عابرة قالت أكثر مما ينبغي.
لم تسأل فورًا، لأن السؤال اعتراف، والاعتراف ليس من عادتها، لكنها شعرت بالخبر وهو يستقر في صدرها كحجر بارد، لا يؤلم فورًا بل يضغط ببطء حتى يُربك التنفس.
بدأ عقلها يعمل وحده، كما يفعل دائمًا حين ترفض الانفعال العلني.
راحت تختلق الأسباب الممكنة، تُقنِع نفسها أن الزيارة بروتوكولية، أن صوفيا لا تتحرك إلا بغطاء اجتماعي واضح، وأن فارس — مهما بلغ — ليس سوى محطة عابرة في شبكة علاقات أكبر.
لكنها، كلما أغلقت بابًا للتفسير، فتح عقلها بابًا آخر، أضيق وأكثر إيلامًا.
لماذا لم تخبرها صوفيا؟
ولماذا اختارت القصر تحديدًا؟
ولماذا فى توقيت سمعت فيه صوفيا هانم قصتها مع فارس ؟
حين علمت أن صوفيا كانت في القصر بمفردها مع فارس، انفلت شيء داخلها لم تستطع تسميته.
لم يكن غضبًا صريحًا ولا خوفًا محدد المعالم، بل شعورًا حادًا بالاستبعاد، كأن مشهدًا خطيرًا جرى في غيابها، وكأن دورًا سُرق منها دون إنذار.
حاولت أن تضحك على الفكرة، أن تُقزّمها، لكنها لم تستطع منع تلك الجملة من التردّد داخل رأسها: لماذا وحدهما؟
لم تكن الغيرة في قاموس تالين كلمة مقبولة، لأنها تعني ضعفًا، وهي بنت صورة كاملة عن نفسها باعتبارها غير قابلة لهذا النوع من الانكسار.
لكنها، وهي تُعيد ترتيب الاحتمالات، لاحظت أنها لا تفكر في صوفيا وحدها، بل في فارس أيضًا، في حضوره المغلق، في المكتب الذي لا يسمح فيه بالضجيج، وفي الطريقة التي يعرف بها كيف يجعل النساء يصمتن لا خوفًا، بل ارتباكًا.
راودتها فكرة مزعجة، حاولت أن تخنقها فورًا، مفادها أن وجود صوفيا معه لم يكن عابرًا، وأنه — كما فعل معها — يعرف كيف يخلق مساحة خاصة لا يشاركها أحد.
وانه ربما وهذا ما يؤلمها حتى لو أنكرت استطاع ترويض صوفيا ان يفرض عليها الطاعه.
زاد الغضب حين أدركت الفكره.
شعرت أن السيطرة، تلك التي كانت ترفض الاعتراف بتلذذها الخفي بها، صارت فجأة امتيازًا يُمنح لغيرها.
وهذا ما لم تتسامح معه.
حاولت تالين أن تُعيد تعريف شعورها بعبارات أكثر قبولًا لديها، فقالت لنفسها إن الأمر يتعلق بالكرامة، وبالحدود، وبأن صوفيا لا يليق بها الدخول إلى هذا القصر أصلًا.
لكنها كانت تعرف، في طبقة أعمق، أن غيرتها لا تتجه نحو المرأة فقط، بل نحو المشهد، نحو اللعبة، ونحو اللاعب.
كانت تغضب لأنها رأت فارس يمارس ما تعرفه جيدًا، تلك القدرة على الإمساك بالنفوس دون ضجيج، وتغضب أكثر لأنها شعرت — رغم إنكارها — بأن جزءًا منها كان يستمتع بتلك السيطرة حين كان دورها وحدها.
لم تعترف تالين لنفسها بأنها تشتاق لذلك الشعور المركّب، شعور أن تكون داخل دائرة اهتمامه لا خارجها وان تستعبد.
لكنها، وهي تُغلق هاتفها بعصبية لا تناسب هدوءها المعتاد، أدركت أن معرفتها بوجود صوفيا في قصر فارس قد أزاحت حاجزًا كانت تبني خلفه توازنها.
لم تعد القضية زيارة عابرة، بل صراعًا صامتًا على المساحة، وعلى من يملك الحق في الوقوف أقرب إلى مركز السيطرة، حتى لو لم يعترف أيٌّ منهما بذلك صراحة.
بدقات بسيطة على هاتفها احضرت تالين شاب مغرم ومتيم بها.
إنه أكثر جمالًا وأناقة من فارس، وأيضًا في مركز اجتماعي مرموق.
حضر الشاب الملهوف بوجه مبتسم.
اقترب لتحية تالين كالعادة.
«أقف عندك»، أُمرته تالين بنبرة صارمة.
«متحركش غير لما أأمرك».