تحميل رواية «هل من سبيل للغفران» PDF
بقلم نورهان العشري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ل 1 - السبيل الأول ❤️🔥يُقال إنّ العفو من شِيَم النبلاء، ولكن هل يسقط من قائمتهم مَن كانت آلامه تقف سدًّا منيعًا بينه وبين الغفران؟ ماذا لو فاق الوجعُ قدرةَ الإنسان على الأحتمال، وجعله ضحيةً لعقلٍ يتملّكه غضبٌ أهوج، وقلبٍ يفترسه وجعٌ عظيم يُفقد الروحَ وهجَها ويُطفئ آخرَ ضوءٍ للحياة بداخلها؟من هذه البقعة المظلمة تحديدًا تُولَد القس.وة، ويُخلَق الجبر.وت؛ فحين تأبى القلوبُ العفوَ ذلك ليس بدليلًا على اسودادها، بل لأنّ الألم قد يفوق طاقة احتمالها. فليست كلّ الأخطاء قابلةً للغفران، ولا يجوز المقارنةُ...
رواية هل من سبيل للغفران الفصل الأول 1 - بقلم نورهان العشري
رواية هل من سبيل للغفران الفصل الثاني 2 - بقلم نورهان العشري
أنت فين؟ رد عليا. أنا خايفة أوي.
هكذا كانت آسيا تصرخ وهي تدور حول نفسها في هذا المكان المظلم المخيف، الذي كان خاليًا إلا منها هي ومخاوفها، لتظل تطرق كل الأبواب والطرق بحثًا عنه إلى أن وجدته يقف في مكان بعيد نسبيًا يطالعها بأعين جامدة لا يتوهج بها العشق كما عهدتها وملامح شاحبة لا تشبه أبدًا ولكنها توحي بثقل ما يحمله داخله لتصرخ بلهفة:
أخيرًا لقيتك.
خليكِ مكانك. أوعي تقربي مني.
هكذا صرخ كمال بعنف أفزعها ليتساقط الدمع من مقلتيها كالمطر وهي تهتف بتوسل:
أرجوك اسمعني.
التفت إلى الجهة الأخرى وهو يقول بجفاء:
مهما قولتي مفيش حاجة هتتغير. الخيانة ملهاش مبررات.
أنا عمري ما خنتك ولا حبيت حد غيرك في حياتي.
وأنا عمري ما ندمت على حاجة في حياتي غيرك.
بكرهك يا آسيا. بكرهك. أنتِ طالق. طالق.
هكذا أخذ صوته يعلو ويتردد في الأجواء حتى اخترق سمعها فحاوتت رأسها بيدها وهي تصرخ بألم:
لا يا كمال. لا استنى متقولش كدا. كفاية. كفاية..
قالت جملتها الأخيرة بصراخ أنتشلها من هذا الكابوس المرعب، لتلتفت حولها بأعين جاحظة وجبين متعرق وجسد يرتجف بقوة لتندفع أشجان تجاهها تحاوطها بحنو تجلى في نبرتها حين قالت:
آسيا يا حبيبتي. فوقي دا كابوس.
كان جسدها يرتجف كليًا وكذلك نبرتها حين قالت:
يعني كمال لسه هنا! كمال مطلقنيش صح!
اخفضت أشجان رأسها بحزن قبل أن تقول بأسف:
لا يا آسيا كمال فعلًا طلقك وسافر.
كانت الجملة وكأنها سهم سُدِد إلى قلبها بمنتهى الدقة فبكت بقوة حتى اهتز جسدها والسرير أسفلها لتحاوطها أشجان بذراعيها وهي تقول بمواساة:
اهدي يا آسيا. الدكتور قال أن الانفعال غلط عشانك.
طافت عينيها في المكان حولها ليتضح أنها بغرفة مشفى فلاحظت أشجان الاستفهام الصامت في عينيها لتقول بحنو:
لما قولتلك الخبر أغم عليكي وعمر قال لازم ننقلك المستشفى.
ليه؟ كنتوا سبتوني.
انتقلت أشجان لتجلس في مقابلها وهي لازالت تحتوي أكتافها لتقول بجدية:
أنتِ لازم تهدي عشان تقدري تحكيلنا إيه اللي حصل خلى كمال يطلقك ويسافر بالشكل دا. يمكن نقدر نحل الموضوع.
لا تعرف كيف تبدأ ومن أين يمكنها الشرح؟ هل تبدأ من تلك الليلة التي قلبت حياتها ولطخت برائتها، وزرعت بذرة الانتقام داخلها! أم تبدأ من عند تلك اللحظة التي اصطدمت بحقيقة عشقها له؟ أم تبدأ من نقطة غبائها وزيارتها لها الرجل!
كل البدايات تدينها والنهايات لم تنصفها، فلماذا الحديث!
مش عايزة اتكلم. عايزة أنام.
اندهشت أشجان من حديثها، ولم تستطع الصمت لتهتف بحدة:
لا هتكلمي. أنتِ عارفة أنتِ متهمة بإيه؟ متهمة أنك خاينة، وعشان كده جوزك طلقك وسافر. فوقي كده واعرفي أن غصب عنك لازم هتتكلمي.
صُدمت من حدة أشجان التي كانت جديدة كليًا عليها فناظرتها آسيا بألم ليتناثر الحزن من بين عيني أشجان ونبرتها حين قالت:
حقك عليا. بس أنا مقدرش أسمع الاتهامات دي بتتوجه لكِ وأسكت. قوليلي أي حاجة أرد بيها غيبتك. أخرس أي حد يتكلم عنك.
جرفتها نوبة انهيار قوية وهي تصرخ بكل ما يعتمل بداخلها من قهر:
أنا غلطانة بس والله مش خاينة. والله ما خنته. ده هو النفس اللي بتنفسه.
يبقى تحكيلي إيه الغلط اللي ارتكبتيه وصلكوا للنهاية دي.
كان هذا صوت خالد الذي سمع صوت صراخها من الخارج ليندفع إلى داخل الغرفة ليصطدم بحديثها الذي هدأ من غضبه قليلاً.
التفتت أشجان تناظره بتوسل ليقترب منها ويربت بحنو على كتفها وهو يقول بنبرة جامدة:
استنيني بره يا حبيبتي. عايز أتكلم مع آسيا شوية.
كانت عينيه تطمئنها لتوميء برأسها قبل أن تضع قبلة حانية فوق خصلات آسيا التي كان الخوف يلون نظراتها مما جعل أشجان تهمس أمامها بحنو:
متخافيش من حاجة أبدًا. أنا جنبك دايمًا.
خرجت أشجان ليجلب خالد كوب من المياه ويناوله إلى آسيا التي أخذته بيد مرتعشة لترتشف منه قليلًا وهي تراه يتربع فوق المقعد المقابل لمخدعها لتعتدل في جلستها مستندة فوق الوسادة خلفها ليبدأ خالد حديثه قائلًا بجمود:
كمال مشي ليه يا آسيا؟
عايزني أبتدي منين؟ من أول امبارح ولا من ست شهور لما دخلت الشركة أول مرة ولا من سنتين!
استفز حديثها فضوله كثيرًا ليقول بنبرة خشنة:
من البداية. مش عايز يكون في حاجة معرفهاش.
شردت بنظراتها للبعيد قبل أن تبدأ في سرد وجعها بنبرة محتقنة بالألم:
من سنتين بالظبط أنا كنت بكره كمال كره العمى، ومش هو بس. لا كنت بكرهكم كلكم. متستغربش! بس بسببكم أنا اتأذيت أكبر أذى في الدنيا.
صمتت لثوان تحاول تجاهل غصة البكاء التي تؤلم حلقها لتتابع بنبرة ملتاعة:
ليلة احتفال كمال أنه اتعين المدير التنفيذي للمجموعة كان فرح بنت خالتي ولما ماما طلبت من نبيلة هانم تاخد إجازة عشان الفرح بهدلتها وقالت لها هو أنتِ هتبدي أفراحكوا العرة دي على الحفلة بتاعتنا! أنتِ خدامة هنا، ولما نعوزك تكوني موجودة حتى لو بتموتي، وفعلا ماما راحت والوقت اتأخر روحت اجيبها أنا ورؤوف ابن عمي وهناك قابلت ميرهان وهايدي.
كان الغضب يرتسم فوق ملامح خالد بوضوح، ولكنه لم يعلق لتتابع قائلة:
كعادتهم فضلوا يتريقوا عليا.
يعني إيه كعادتهم؟
عشان على طول بيعملوا كده. بيتريقوا عليا اني بنت الخدامة، وبيعيروني أن والدك الله يرحمه هو اللي مدخلني الجامعة دي بفلوسه.
اكفهرت معالمه من حديثها، ولكنه تحدث باختصار:
كملي.
اليوم ده زودوها أوي، ضربوني وقطعولي هدومي، وشتموني بأبشع الألفاظ. داسوا على كرامتي وعروني، ومش بس كده. دول حاولوا يشوهوني بضوافرهم، واللي أنقذني من إيديهم خروج كمال اللي فضل ينادي عليهم، وطبعًا كالعادة لبسوا وش الملائكة قدامه، حتى أنه شاف دمي على إيديهم بس هما قالوا له دي قطة مجروحة صعبت علينا وكنا بنساعدها. تخيل أنه كان خايف عليهم لا يتأذوا من حيوانات الشوارع ونبه عليهم ميقربوش منهم تاني. وحب بقى وأحضان ودلع، وأنا مرمية على الأرض غرقانة في دمي ودموعي.
تبدد الغضب فوق ملامحه إلى صدمة لتهتف آسيا بنبرة تحترق قهرًا:
كرهته معاهم، وحلفت لا هندمهم كلهم على اللي عملوه فيا، وعدى سنتين وأنا لسه منستش ولا حتى قدرت أتجاوز. لحد ما اتخرجت وحضرتك عينتني في الشركة. يومها قررت أبدأ في انتقامي منهم، وأولهم كمال. عدت الأيام ولقيت نفسي بغرق في مشاعر مش فهماها وعقلي رافضها. أنا حبيته، ولما حبيته حاولت أبعد بس هو مدانيش فرصة، وكنت كل ما أتقابل مع ميرهان كانت بتوجعني بكلامها وإهاناتها. أنا حاولت أمشي. حاولت أوقف بس هما مدونيش فرصة.
قالت جملتها الأخيرة وهي تبكي بحرقة لتمتد يد خالد بأحد المحارم الورقية تناولتها منه بأيدٍ ترتجف ألمًا لتحاول محو عبراتها الغزيرة قبل أن تتابع بنبرة يتخللها الندم:
ولأكون صريحة معاك أكتر. كمال كان فرصة العمر. منها أحقق انتقامي، وأبقى أعلى منهم، وأخلي الإيد اللي كانت بتطبطب عليهم هي اللي تقسى وتوجع زي ما وجعوني، وكمان أبقى آسيا هانم. أعيش حياة كريمة في مستوى اجتماعي مرموق. مش هعفي نفسي من الغلط ولا هلبس توب الملائكة. أنا كنت وصولية وطماعة.
بكت بحرقة قبل أن تتابع بنبرة يفوح منها رائحة القهر:
بس كمال مكنش يستحق مني كده. ده مفيش حاجة حلوة ممكن تتعمل معملهاش عشان يفرحني. خلاني أحس اني نسيت الماضي. رجعنا من شهر العسل وأنا طايرة من الفرح. لحد ما جت نبيلة وحضنتني وهي بتقولي مبروك يا بنت الخدامة، نار الغضب والانتقام شعللت في قلبي وحلفت أني أكمل في انتقامي.
و كملتِ؟
لا. والله ما أذيت حد فيهم. لكن هما أذوني. مبطلوش يوم يأذوني.
عملوا إيه؟
رؤوف ابن عمي. ده كان أقرب صاحب ليا، وكان في مشاعر بيني وبينه بس أنا مصرحتش بيها. فضلت كتماها في قلبي عشان رؤوف مكنش طموحي، وقدرت فعلا أتغلب عليها. بس هو لا، ولما قالي أنه عايز يتجوزني هربت، وحاولت أوصله اني رافضه من غير ما أجرحه. مكنش لسه حصل حاجة بيني وبين كمال، ويوم فرحي اتفاجئت برؤوف جايلي واتهمني اني مابحبش كمال بحب فلوسه، وسألني لو كان كمال في مكانه وهو في مكان كمال كنت هقبل اتجوز كمال بردو!
التفتت تناظر خالد وهي تقول بصدق:
رديت عليه وقولتله إني هتجوز كمال في كل الظروف عشان بحبه، وكنت صادقة في كلامي، مكنش أعرف أن في مؤامرة قذرة بتتعمل عليا بينه هو وميرهان!
وهو إيه علاقته بميرهان؟
كانت بترسم عليه لأنها فكرتني بحبه، وكانت عايزة تكسرني بيه، والحقيقة اني اتقهرت لما عرفت أنه مشاركها في مكتب هندسي، واتقهرت اكتر واكتر لما عرفت أن في علاقة بينهم. بس مش عشان بحبه أقسم بالله. بس متخيلتش أنه يحط إيده في إيد الإنسانة اللي أذتني الأذى ده كله. هو كان أكتر واحد شايف هي عذبتني إزاي!
اسودت ملامحه من فرط الغضب، وأصبحت عينيه كالحمم البركانية التي تهدد بالانفجار في أي لحظة وكذلك كانت نبرته قاسية حين قال:
ما أنتِ اتجوزتي أخوها.
بس أنا اكتشفت أن كمال مش زيهم، ولا عمره كان هيقبل باللي حصل معايا ده.
أومأ خالد برأسه قبل أن يقول بجفاء:
كملي.
روحت لرؤوف المكتب واتخانقنا سوا، ولومت عليه إزاي يعمل كده ويحط إيده في إيدها بعد ما أذتني الأذى ده كله، وهناك اتخانقنا ورجعت وأنا كلي ندم إني روحت، ومن غبائي لما شفت ميرهان بتكلمه في التليفون حبيت أعرفها أنها مكسرتنيش وقعدت أخبط في الكلام، وقولتلها اني اتجوزت كمال عشان أذلها، وهو سمعني، وميرهان قالتله اني روحت لرؤوف المكتب، وإني خاينة، واتضح كمان أن رؤوف كان بيسجل لي يوم الفرح وقص الجملة اللي بقوله فيها اني بحب كمال وهتجوزه تحت أي ظرف، وبعته لمريهان وهي سمعته لكمال، ومن وقتها مشفتوش تاني.
بلغ الأمر قمة الوقاحة من وجهة نظره من كلا الجهتين، وخاصةً شقيقاته الأغبياء، ولكنه لم يعفيها هي الأخرى من اللوم ليقول بنبرة قاسية:
أنتِ شايفة نفسك غلطانة يا آسيا؟!
غلطانة واستحق الموت.
عارفة غلطك فين؟
غلطت اني مشيت ورا انتقامي، وسمحتلهم يوصلوني للنقطة دي، غلطانة عشان روحت لرؤوف يومها. بس والله أنا ما خونته أبدًا وعمري ما حبيت غيره.
بلغ الغضب منه مبلغه، فانهض من على المقعد وهو يقول بقسوة:
غلطك الأساسي من بدأ يوم ما ضربوكي يوم الحفلة، ومصرختيش وفضحتيهم، وأنتِ شوفي كمال وقتها هيعمل فيهم إيه وهياخد حقك إزاي!
لم يعطها الفرصة للرد عليه بل تابع بحدة أفزعتها:
غلطتي لما مستكفتيش بكمال وحبه وطمعتي أنك تكملي انتقامك، بالرغم من أن ربنا كرمك في شغلك ودراستك وحب كمال ليكِ، وسمحتيلهم يجروكي للقرف ده.
حاولت الحديث فصرخ بحدة جمدتها بمكانها:
غلطتي عشان محترمتيش الراجل اللي أنتِ شايلة اسمه، وروحتِ تقابلي واحد تاني أيًا كانت أسبابك. تعاتبيه ليه وعشان إيه! يخصك في إيه يشارك ميرهان ولا يولعوا الاتنين!
كان مُحقًا في حديثه للحد الذي أشعرها برغبة قوية في التلاشي من فرط الحرج والألم ليهتف خالد بشراسة أفزعتها:
أنتِ وهما شبه بعض. لا أنتِ تستحقي زوج زي كمال، ولا هما يستحقوا أخ زيه، والنهاية أخويا مشي ومش عارف هو فين ولا حالته إيه بسبب ناس تافهة وأنانية زيكوا.
تعالت شهقاتها مما جعل أشجان تهرول إلى الداخل لتُصدم من مشهد آسيا التي انفجرت في بكاء مرير لم يردع خالد عن الحديث بجفاء:
كمال قبل ما يمشي حب يحققلك أمنيتك، وكتبتلك شيك باتنين مليون جنيه مهرك ومؤخرك، وقال للمحامي يديلك كل حقوقك. شوفتي بقى كمال اللي كرهتيه عشان فكرتيه زيهم فكر فيكِ إزاي! حتى وأنتِ دبحاه كان بيفكر فيكِ بردو.
ارتجت الجدران إثر بكائها مما جعل أشجان تهتف بتوسل:
خالد.
قمع باقي كلماته وهو يضغط على أسنانه بعنف حتى كاد أن يطحنها، فأخذ يطلق أنفاسًا قوية تحرق جوفه من الداخل، قبل أن يلتفت مرة أخرى إلى آسيا قائلًا بجفاء:
مبروك يا آسيا. خدتي حقك تالت ومتلت وانتقمتي مننا كلنا. حقك تفرحي مش تعيطي.
رفعت رأسها تناظره بألم، ولكن كلماته كانت تحمل معنى مستتر لتقول بلوعة:
أنا منتقمتش غير من نفسي.
أنتِ و هما شبة بعض. لا أنتِ تستحقي زوج زي كمال، ولا هما يستحقوا أخ زيه، والنهاية أخويا مشي ومش عارف هو فين ولا حالته إيه بسبب ناس تافهة وأنانية زيكوا.
تعالت شهقاتها مما جعل أشجان تهرول إلى الداخل لتُصدم من مشهد آسيا التي انفجرت في بكاء مرير لم يردع خالد عن الحديث بجفاء:
كمال قبل ما يمشي حب يحققلك أمنيتك، وكتبتلك شيك باتنين مليون جنيه مهرك ومؤخرك، وقال للمحامي يديلك كل حقوقك. شوفتي بقى كمال اللي كرهتيه عشان فكرتيه زيهم فكر فيكِ إزاي! حتى وأنتِ دبحاه كان بيفكر فيكِ بردو.
ارتجت الجدران إثر بكائها مما جعل أشجان تهتف بتوسل:
خالد.
قمع باقي كلماته وهو يضغط على أسنانه بعنف حتى كاد أن يطحنها، فأخذ يطلق أنفاسًا قوية تحرق جوفه من الداخل، قبل أن يلتفت مرة أخرى إلى آسيا قائلًا بجفاء:
مبروك يا آسيا. خدتي حقك تالت ومتلت وانتقمتي مننا كلنا. حقك تفرحي مش تعيطي.
رفعت رأسها تناظره بألم، ولكن كلماته كانت تحمل معنى مستتر لتقول بلوعة:
أنا منتقمتش غير من نفسي.
متقلقيش الكلاب الباقيين تربايتهم عندي أنا.
فزعت أشجان من جملته وخاصةً عندما انطلق إلى الخارج لتهرول خلفه وهي تصرخ بفزع:
خالد. استنى يا خالد هتعمل إيه؟
رحمة أمي لا اللي هعمله فيهم ميتخيله عقل. بس الصبر.
طب أهدى. أهدى بس و خلينا نطمن على كمال الأول.
عند ذكرها لاسم شقيقه اكتظت جفونه بالألم لتنفلت منهم دمعة غادرة غافلت كبرياءه وثباته كما جاءت نبرته جريحة حين قال:
كمال ميستحقش حد فيهم. أخويا مش هيمشي كده غير لو الأذى فاق قدرته على التحمل.
اقتربت أشجان تعانقه بشفقة وهي تهمس بطمأنة:
إن شاء الله هيرجع يا خالد. يوم ولا يومين وهيرجع هيروح فين.
ألقى بنفسه وبكل هذا الثقل الذي يرسو فوق صدره في أحضانها وهو يقول بنبرة تئن من فرط الألم:
مش بالسهولة دي. آخر مرة كمال مشي فيها كانت بعد موت بابا. فضل سنة غايب، ومحدش يعرف هو فين. سنة كاملة واحنا بنتعذب من القلق والخوف عليه.
حاوطته بقوة وهي تبكي بألم وإحساس قوي بالذنب يجتاحها ليتضاعف إحساسها حين سمعته يقول بنبرة جريحة:
كمال مش بس أخ. كمال سند عارف أني لو في يوم وقعت هيكون هو عكازي.
تعالت شهقاتها لترتد إلى الخلف وتقوم باحتضان وجهه بين يديها وهي تهتف بطمأنة:
هيرجع يا حبيبي. زي ما رجع قبل كده. لو في حد في الدنيا كمال ممكن يرجع عشانه هو أنت.
أومأ برأسه قبل أن يتراجع عنها وهو يحاول محو آثار ضعفه ليقول بجمود:
روحي شوفيها و خليكِ جنبها لحد ما أرجع.
كعادته بتر اعتراضها والتفت مغادرًا ليقوم بجذب هاتفه يجري مكالمة، وما أن أتاه الرد حتى صرخ بلهجة آمرة:
اسمعني كويس يا عابد. ميرهان، نبيلة، هايدي، عز الدين مفيش مخلوق منهم يخرج بره القصر النهاردة، ولو عز الدين فتح بقه قوله خالد الوتيدي بيقولك لو خرجت من البيت مش هتدخله تاني.
اللهم اجعل السعادة دائمة في حياتنا، اللهم ابعد عنا الحزن والضيق، وفرج همومنا، واشرح صدورنا، وتقبل أدعية قلوبنا، و"اللهم ارزقني سعادة لا تزول، وفرحًا يأتي من عندك، ويسر أمري، وبارك لي في وقتي"، وأيضًا طلب العفو والعافية في الدنيا والآخرة.
كانت تجلس فوق المقعد تحتضن جسدها بخوف، فقد استيقظت لتجده غير موجود، فاجتاحتها موجة هلع كبيرة أن يكون حصل له شيء، فهي لم تعد تمتلك في هذا العالم سواه، لتنخرط في نوبة بكاء حارة لم يقطعها إلا صوت قفل الباب يدور لتهب من مقعدها حالما رأته وتندفع إلى أحضانه وهي تصرخ بانفعال:
ياسر.
حاوطها ياسر بقوة وهو يهتف بلهفة:
مالك يا غنى في إيه؟
كنت فين يا ياسر؟ أنا مت من الرعب عليك.
أطلق أنفاسه المحبوسة وهو يشدد من احتوائها بين يديه وكأنه يمتص خوفها قبل أن يقول بنبرة خشنة:
كل ده عشان اتأخرت عليكِ شوية! وقعتي قلبي يا غنى.
شوية إيه؟ ده أنت من الفجر وأنت نازل، أنا اترعبت قولت جرالك حاجة بعد الشر.
امتدت أنامله الحانية تمحي عبراتها بلطف تجلى في نبرته حين قال:
متخافيش يا حبيبتي. أنا كويس.
عبأ صدره بالهواء النقي قبل أن يقول بنبرة متحشرجة:
عشان أنتِ موجودة بس يا غنى أنا كويس.
ابتسامة بسيطة مزقت قناع الألم الذي يخيم على ملامحها، فيفقدها رونقها لتمتد يدها تعانق ذراعه وهي تجذبه ليجلس على الأريكة لتعانق كفوفه بحنو تجلى في نبرتها حين قالت:
أنا دايمًا موجودة عشانك. اطمن.
مد يده ليلامس خصلة هاربة تتمايل فوق جبهتها قبل أن يقول بنبرة خافتة:
بقالي كتير بلف في الشوارع. عمال أسأل نفسي ليه وإزاي؟ وإيه كمية الظلم اللي حصلنا من أقرب الناس لينا ده؟ ولما ملقتش إجابة لقيتني بقول الحمد لله إنك هنا.
أكثر حاجة توجع في اللي حصلنا ده أنه كان من أقرب الناس لينا. إحنا ليه حصل معانا كده؟
لم يحاول منع عبراته من التدفق لتتحشرج نبرته وهو يتابع:
متقوليش الكلام ده. إحنا ربنا رحيم بينا أوي على فكرة.
ضيقت عينيها باستنكار ليتابع بأسى:
اللي عملته هيام ده كسر ضهري. مش هقدر أنكر. بس لو مكنتيش جنبي مكنش زماني قدرت أقف على رجلي تاني.
أنا جنبك على طول. أصلًا ماليش مكان غير جنبك. أنا بس كل اللي واجعني. هل هنقدر نتخطى اللي حصل! هنقدر نبص في وشهم يا ياسر؟! هقدر أتعامل مع ماما عادي! وانت هتقدر تبص في وش هيام تاني!
وضعه وجهًا لوجه مع هذا الاستفهام الذي نهش روحه بلا رحمة، فأخذ يهيم في الطرقات بحثًا عن إجابة بإستطاعتها تهدئة أنين قلبه، ولكن لا الإجابة جاءت ولا الأنين هدأ! فكيف يتخطى الإنسان الضربة التي جاءت من أكثر موضع للأمان بالنسبة إليه! وأي دواء هذا الذي يجدي نفعًا مع طعنة غدر جاءت من أولئك الذين ظنناهم خلاصًا فصاروا هلاكًا!
جاءت نبرته قاطعة حين قال:
لا، ومش مضطرين نعمل ده. الاتنين شافوا وجعنا بعنيهم، ومحدش فيهم اتهز في شعره. يبقى إحنا كمان مش هنحطهم في حساباتنا تاني.
لا إراديًا احتمت بصدره من ذلك الألم الذي نهش روحها ليحتويها في اعتذار صامت عن كل هذا الوجع الذي تجلى في نبرتها حين قالت:
طيب هنروح فين؟ هتفضل قاعدين في فندق كده على طول!
نثر عشقه فوق خصلاتها قبل أن يقول بنبرة صارمة:
لا يا غنى مش هنهرب.
تراجعت عنه تنظر إليه بعدم فهم ليتابع موضحًا:
أيوا مي هنهرب. هنرجع تاني الحارة، وهنعيش هناك. بس لوحدنا. في بيت أبويا.
توسعت عينيها من الصدمة ليتابع بجمود:
عشان نبقى على نور أنا مش هاخد حاجة من فلوسي اللي مع جابر. عشان أساساً هي فلوس هيام. ده كان مهرها من جابر، وده اللي بدأنا بيه الشراكة سوا، ولا هاخد مليم من ورث أبويا الله يرحمه. مش بعد ما اتجنوا عليه وظلموه وقهروه أخد فلوسهم كده عادي. أنا هبدأ من الصفر يا غنى. عارفة يعني إيه من الصفر!
صمت يتابع وقع الحديث على ملامحها ليُكمل بنبرة متحشرجة:
قبل ما تقرري إذا كنتِ معايا ولا لا لازم تعرفي أني مش هقدر أوفر لك كل الرفاهية اللي كانت في البيت هناك، ومقدرش أوعدك كمان إني هملى إيدك دهب ولا هملى دولابك حرير وهدوم عال موضة.
شدد من احتضان يديها قبل أن يتابع بنبرة صادقة يجيش بها العشق الخالص الذي يحمله في قلبه تجاهها:
كل اللي أقدر أوعدك بيه. أني أشيلك فوق راسي، وبين رموش عنيا، وهتقي ربنا فيكِ، وابديكِ على نفسي في كل حاجة، وعمري في يوم لا ههينك ولا هندمك أنك اخترتي تكملي معايا. قولتي إيه يا غنى معايا؟!
كانت عينيه تتوسلانها بالقبول، تعدها بعشقٍ خالص لا يشوبه وجع ولا يخالطه خذلان. يرتجي من قلبها تجاوز منحنى الفراق والسير معه في درب الحياة حتى يستطيع إكمالها، ولأنه كانت أمنيتها الوحيدة والدائمة مدت يدها تلامس وجهه بحنو وهي تقول بابتسامة عذبة:
قولت إني غنى ملهاش حياة من غيرك يا ريس.
لم يصدق حديثها الرائع ليقوم باعتقاله بجانب صدره، وهو يهتف بنبرة عاشقة:
ياروح قلب الريس.
تنهيدة قوية خرجت من جوفه، فقد كانت السبيل الوحيد لنجاته وسط كل هذه الطرق الموحشة، ليشدد من احتوائها أكثر وهو يهمس بجانب أذنيها:
بحبك يا غُريبة.
ابتسامة عذبة اعتلت ثغرها وهي تجيبه بخفوت:
قلب الغُريبة.
مرت لحظات من السكون والهدوء بينهم كانت هي آمنة بين جنبات صدره وهو آمن بوجودها إلى أن تراجع ينظر إليها وهو يقول:
يالا عشان نرجع. مبقاش له لزوم لقُعدتنا هنا.
تشابكت الأيدي وتعانقت القلوب بعد أن هدأ ضجيج الألم قليلًا ليمر وقت ليس بطويل قبل أن يوقف ياسر السيارة أمام بيتهم القديم، ويترجل منها وهي كذلك لتمتد يده لتحتضن يدها وهو يتوجه إلى بداية طريقهم، وإذا به يتفاجأ حين وجد يزيد يجلس على عتبة الباب الخارجي واضعًا رأسه بين يديه لتبادل الثنائي النظرات المدهوشة في أن يقول ياسر بصدمة:
يزيد! بتعمل إيه هنا؟!
هل يزيد من مكانه ينظر إلى شقيقه نظرة شمولية وكأنه يطمئن عليه ويروي قلبه من رؤيته قبل أن يذم شفتيه وهو يقول بتوبيخ:
لسه فاكر تيجي يا بيه انت وهي؟! اتأخرتوا كده ليه؟
توسعت أعينهم من حديثه لتهمس غنى بخفوت:
هو ماله ده! اتهبل ولا إيه؟
هتف يزيد بتقريع:
سمعتك على فكرة. لا ياختي متهبلتش. فسحي كده.
قال جملته وهو يقترب منهما لتبتعد عن ياسر مدهوشة ليرتمي بين أحضان شقيقه يعانقه بقوة، وكأنه لا يصدق أنه يراه سالمًا، وبالمقابل بادله ياسر العناق الشوق بالشوق، واللهفة باللهفة، فقد كان يعتبره ابنًا وليس أخـ
كده برضو يا ريس! تاخد الصفرا دي وتمشي وتسيبني! تسيب يزيد حبيبك، محستش أن في حاجة واقعة منك طيب ترجع تاخدها.
رغمًا عنه ضحك ياسر على حديثه قبل أن يقول بتقريع:
مين دي اللي صفرا ياواد أنت؟!
خضرا طيب! أي لون المهم تضحك.
ليه بطيخة يا ظريف؟!
مش هرد عليكي عشان الريس واقف. اصبري بس لما يبقى مش هنا.
هتعمل إيه وانا مش موجود إن شاء الله؟!
سيبك منها بس خلينا نعيش اللحظة من تاني. دانا محضنتكش من وأنا في رابعة ابتدائي.
ابتسم ياسر على حديثه، وقام بالربت على كتفه وهو يقول:
طب تعالى ندخل جوا بدل ما تفرج الناس علينا.
أنا بقول كده برضو.
وتقولي ليه؟ أخ وأخوه بيقولوا تدخلي ليه أنتِ.
عشان ده جوزي يا خفيف.
سيدي يا سيدي. جوزي بقى وحركات. أي نعم بتقول جوزي قدامي من غير كسوف ولا احراج. بس بتحبك. والله العظيم البت دي بتحبك وأنا بحبك. وربنا بحبك أكتر منها.
نجحت كلماته في جعل الضحكة تعرف طريقها إلى ثغر ياسر، فابتسمت غنى في المقابل وهي تجلس على الأريكة القديمة التي تتوسط الصالة الصغيرة ليبدأ يزيد في الحديث هذه المرة ولكن كانت الجدية تلون ملامحه حين قال:
حقك عليا يا ياسر. حقك على راسي في اللي حصل.
شعرت غنى بأنها يجب عليها أن تُفسح لهم المجال للحديث على انفراد، فتمتمت بخفوت:
اقعدوا اتكلموا انتوا براحتكم على ما أستكشف البيت.
أوقفها حديث يزيد حين قال:
بقولك إيه استنى.
التفتت تناظره باهتمام ليتابع مازحًا:
في خمسين قرش من أيام القدماء المصريين أنا عاينها تحت المخدة أوعي تطمعي فيها.
نجح في تبديد الاحراج الباد على ملامحها وجعلها تضحك بقوة ليتابع بأسف حقيقي:
حقك عليا انتِ كمان يا غنى. عارف أن اعتذاري دلوقتي مش هيغير حاجة. بس ده أبسط حق ليكِ.
ناظرته بامتنان تجلى في نبرتها حين قالت:
بالعكس. اعتذارك ده له قيمة كبيرة أوي عندي.
رغمًا عن كل شيء ولكن هناك شيئًا اهتز داخله وبقوة من موقف شقيقه الأصغر واعتذاره لها ليربت بحنو على فخذه قبل أن يقول:
طول عمرك راجل يا يزيد.
طبعًا مش تربية الريس ياسر الوتيدي.
خلتني فخور بيك فعلًا.
لا ولسه الفشخرة جاية متقلقش.
ابتسم ياسر على حديثه وهو يقول بجدية:
عرفت منين أن أنا جاي هنا؟
عشان هنا أصلنا، ومرجعنا. بيت أبونا يا ياسر، وأنا عارف البيت ده غالي عندك قد إيه؟
حسيت أني عايز أبدأ منه.
عين العقل. رجوعك لبيتك ولحتتك بعد اللي حصل ده دليل أنك قوي وعايز تقف على رجلك من تاني، وهتعمل ده أنا واثق فيك.
ياريت كل الناس تكون زيك.
حتى لو مش كل الناس زيي. أنا في ضهرك، ومش هسيب حد ييجي عليك تاني.
المشكلة أنها حرب غير متكافئة يا يزيد. تخيل لو حد تاني اللي عمل كده أنا كنت عملت في إيه؟!
قست نظراته ونبرته حين قال:
الله في سماه كنت ساويته بالأرض.
ربت يزيد فوق ركبته محاولًا تهدئته حين قال:
ربنا أراد يبتليك عشان بيحبك، وصبرك على الأذى ده هتؤجر عليه يا ريس مش أنا اللي هقولك.
أما بالنسبة لهيام. سيبهالي. أنا هعرفها غلطها.
ليه هي مش عارفة أنها غلطت ولا إيه؟
صمت يزيد يسترجع جملتها التي ألجمته من فرط الصدمة:
لا مغلطتش، دي واحدة اتمننت ببنتها عليه، وعايرتنا وهانتنا، وتستحق اللي شافته في جوازة بنتها ده عقاب من ربنا على اللي عملته فينا وفيه، ولو رجع بيا الزمن هعمل كده تاني.
ادعى يزيد اللامبالاة حين قال:
مش فكرة متعرفش أنها غلطت. فكرة أنها شايفانا نخصها. ولادها اللي مفروض نسامحها لو عملت فينا إيه..
هل ياسر من مكانه، وهو يصيح باستنكار:
ولادها! وفي أم تعمل في ولادها كده؟! بإيديها تأذيهم، وتغدر بيهم؟!
أهدى يا ياسر، وشيل هيام من حساباتك خالص. فكر في نفسك، وشوف هتعمل إيه وهتبتدي منين، ده الأهم دلوقتي.
انتهى من الاطمئنان على ياسر ليتوجه إلى البيت الكبير، فوجد هيام تقابله بلهفة تجلت في نبرتها حين قالت:
لقيته يا يزيد؟!
لقيته.
طب هو فين؟
مش هقولك يا هيام.
كده يا يزيد؟ مش عايزني أشوفه وأنت عارف أنا قلبي محروق عليه إزاي؟!
أيوا مش عايزك تشوفيه بس عشان عارف هو قلبه محروق بسببك إزاي؟!
طب قولي بس هروح أشوفه وأطمن عليه.
لا، وخلي بالك أن أنا اللي هقفلك لو فكرتي تروحيله.
برقت عينيها من شدة الصدمة لتهتف دون وعي:
هتقف قدامي يا يزيد؟
أيوا هقف قدامك. كفاية أوي اللي عملتيه فيه، واللي حتى مش ندمانة عليه ارحميه بقى….
قاطعته هيام بصفعة قوية جعلت رأسه يدور إلى الجهة الأخرى..
اللهم سخر لي من حظوظ الدنيا أجملها، ومن السعادة أكملها، ومن الناس أخيرهم، واجعل قلبي متعلق بك لا يرى سعادته إلا منك.
عادت من المشفى بعدما اطمأنت على آسيا، وقد قررت أنها لن تبقى في هذا المنزل الملعون دقيقة واحدة، ستأخذ شقيقتها وتغادر قبل أن تخسر المزيد من ثباتها وكرامتها، لتتوجه إلى الأعلى مرورًا بنبيلة التي كانت تحتسي كوب من القهوة في الصالون الواسع، وابتسامة عريضة تلون ثغرها، فقد عرفت من ميرهان ماذا حدث بين كمال وآسيا، وأيضًا سمعت هذا الخبر السعيد حين سمعت سعاد وهي تصرخ في عمر صباحًا:
هتندم يا عمر. طلاقك لشروق ده مش هيعدي بالساهل. هترجع تقول ياريتني، وتترجاها بس تبص في وشك، ولا هتسأل عنك.
شاهدتها نبيلة تتجاوزها وتصعد إلى الأعلى لتهتف بسخرية:
شروق. قلبي عندك يا حبيبتي. سمعت أن عمر ابني طلقك!
توقفت شروق بمنتصف الدرج وهي تحاول كظم غيظها قبل أن ترسم ابتسامة هادئة على شفتيها وهي تلتفت قائلة:
قلبك عنده هو يا طنط مش عندي. أصله بصراحة كان رافض وطلع عيني عشان أخلص منه. هو أولى بالمشاعر النبيلة دي مش أنا.
توسعت عيني نبيلة من حديثها وخاصةً أنها غادرت إلى الأعلى لتتركها تغلي من شدة الغضب الذي تبدد حين رأت عز الدين الذي كان يصرخ بهياج:
هو مفكر نفسه مين عشان يمنعني من الخروج؟!
هرولت نبيلة لتقابله وهي تقول بلهفة:
حصل إيه يا عز الدين؟!
خالد بيه أخوكي. مانع حد أنه يخرج من البيت لحد ما ييجي! شكله اتجنن على الآخر..
طب أهدى يا حبيبي. يمكن خايف علينا ما أنت شوفت حصل إيه مع رنا.
بلا إهدى بلا زفت.
لم يكد ينهي جملته حتى سمعوا احتكاك قوي لإطارات سيارة وصوت خالد الجهوري كالرعد على أسماعهم:
ميرهان..
عند سماع اسمها بتلك الطريقة هرولت ميرهان للأسفل وهي تعدو كالشاة التي تفر من الذبح لتحتمي بنبيلة التي ارتجف جسدها حين رأت مظهر خالد المرعب والذي هتف بسخرية:
الله الحرا'بي كلهم متجمعين؟ اومال فين التالتة بتاعتكوا؟ راحت في أنهي داهية؟
قال جملته الأخيرة بصراخ أفزعهم ليهتف عز الدين باستنكار:
أنت إزاي تتكلم عن بنتي بالشكل ده؟! أنا مسمحلكش.
انت مين عشان تسمح ولا متسمحش. وبعدين مالك فخور أوي كده بنتك. بنتك دي مشافتش تربية. عايزة الضرب بالنار.
أهدى يا خالد بس وقولنا حصل إيه؟
توجه خالد ليجذب ميرهان من خصلاتها بعنف وهو يهتف بغضب يتخلله صرخاتها:
هتقولي أنتِ عملتوا إيه في آسيا في الجنينة يوم حفلة كمال، ولا أقول أنا؟! هتقوليلها خربتي حياة أخوكي إزاي ولا أقول أنا؟!
كانت ميرهان تنتفض أسفل يديه من فرط الألم والخوف وهي تنتحب قائلة:
والله يا أبيه كذابة. أنا..
مالت صفعة قوية من خده تلاها صراخه المرعب:
وكمان بتحلفي بربنا كذب. أنتِ إيه شيطانة!
تسمرت شروق ومن خلفها جميلة وهم يروا ما يحدث ليلاحظ خالد وجودهم وتلك الحقيبة التي بجانبهم ليهتف ساخرًا:
طبعًا انتوا ناويين تطفشوا من وكر التعابين اللي عايشين فيه؟!
جاء صوته شروق جامدًا على عكس أنين قلبها:
أنا طلقت أنا وعمر.
عض على شفتيه بغيظ تحول إلى سخرية حين قال:
صح هي دي المعادلة المظبوطة. مينفعش البيت ده يكون فيه بذرة خير واحدة. عشان كده محدش فينا لام على أمك لما مشيت زمان.
صرخ عز الدين بانفعال:
لا أنت زودتها أوي، وناسي أن البيت ده له راجل؟!
هو فين الراجل ده؟! هو اللي مراته تمشيه يبقى راجل؟! وعلى فكرة بقى اللي متعرفهوش. أنا إني كنت وكيل نسمة في كتب كتابها، نسمة مهربتش ولا حاجة. نسمة نفدت بجلدها منكم، والست مراتك كانت عارفة بس اختارت تستغفلك، وانت من غبائك مفكرتش تدور وراها.
أنهى جملته التي كان وقعها مريعًا على عز الدين الذي ارتمى جالسًا على المقعد خلفه، انا أعيُن نبيلة المصدومة ليتجاهلهم خالد ويلتفت موجهًا حديثهإلى شروق:
سيبي الشنط وأسبقوني على العربية.
أطاعته شروق ليأمر أحد الحرس بأخذ حقائبهم إلى السيارة ويلتفت إلى نبيلة وعز الدين قائلًا باحتقار:
طلقتي شروق، وآسيا وطفشتوا كمال؟! مش متفكروا أن اللي حصل ده هيعدي بالساهل؟! ألاقي كمال بس وكله هيتعاقب.
أنهى جملته وجر ميرهان من خصلاتها التي لازالت أسيرة قبضته الغير رحيمة وهو يهتف بوعيد:
أما أنتِ بقى، فربايتك هتبدأ من النهاردة.
أخذت تصرخ وهو يجذبها خلفه ليتوقف أمام باب القصر وهو يقول بتحذير:
خلي بالك لو عقلك وزك وفكرتي تقربي من أشجان. هيكون موتك حلال بالنسبالي.
لم ينتظر أي إجابة كعادته، وتوجه بميرهان جرًا ليُلقي بها على أرض الصالة الواسعة، وهو يزأر بوحشية:
اللي زيك بقى لازم يعيش عيشة الخدامين اللي ياما هانهم، وداس على وجعهم. من هنا ورايح مفيش خروج غير بأذني، ومفيش عربية، وكريديت كارد، وهتقعدي تاكلي في المطبخ معاهم. سامعة؟!
سامعة. سامعة والله.
ولو سمعت ولا عرفت أنك ضايقتي واحدة فيهم بحرف، ومنفذتيش أمر من أوامري يا ويلك يا ميرهان مني.
أخذت تتراجع إلى الخلف وهي تصرخ كالمذعورة:
حاضر.
كان الخدم يقفون على أعتاب المطبخ ليصرخ بهم:
كلامي واضح ليكوا أنتوا كمان؟
أومأ الجميع برأسه دلالة على الموافقة ليتوجه إلى الأعلى لغرفة ميرهان ويقوم بإخراج ملابسها من الخزانة ليتوجه إلى الخارج ويقوم بإلقائها من أعلى الدرج وهو يزأر بوحشية:
هدوم الرقاصات دي يتولع فيها وتترمي في الزبالة سامعين؟!
أوامرك يا خالد باشا.
اللهم اقسم لي من خشيتك ما تحول به بيني وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغني به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علي مصائب الدنيا.
كان يُنهي بعض الأوراق حتى يعود للمشفى ليطمئن على أشجان، ليُصدم حين فُتِح باب الغرفة ورأى رؤوف يطل عليه ليهتف خالد بشراسة:
أنت…
رواية هل من سبيل للغفران الفصل الثالث 3 - بقلم نورهان العشري
رواية هل من سبيل للغفران الفصل الرابع 4 - بقلم نورهان العشري
أتذكر ليلة فراقنا المجيدة؟
تلك الليلة التي أطلقتُ فيها سراح آخر أمل لي في عشقك، بينما غادرتَ أنت بلا التفاتة، بلا رحمة، غير مبالي بالقلب الذي تصدع حتى العجز. يتشرب وجعه بصمت ثقيل، وكأنه لوحة صامتة بعنوان: امرأة اختزلت العالم أجمع برجل، وخُذلت بحجم العالم.
في تلك اللحظة أقسمت، وأنا أجمع رماد روحي، أن يأتي يوم أقتلعك فيه من أعماقي اقتلاعًا، وأمحوك كما تُمحى الندبة حين يكف الألم عن الاعتراف بها.
وها نحن نلتقي بعد عامٍ كامل من الاحتراق والنجاة.
أنت الآن تهواني، وأنا ما عدت أراك.
لحظات من الصمت الذي كان مليئًا بالضجيج مرت عليها، ضجيج كان منبعه قلبها الذي أهتاجت دقاته، وكأن أحدهم أشعل فتيل النيران بين جدرانه حين وقعت عينيها عليه.
كانت رؤيته الليلة تحديدًا آخر شيء توقعته في حياتها، علمًا بأن هناك شعور قوي بداخلها يهاجمها منذ الصباح أن هذه الليلة لن تكون عادية أبدًا، ولن تمر مرور الكرام. وها قد صدق حدسها، وعاد الغائب الذي لم يغب يومًا عن ذاكرتها.
عاد وهي بقمة نجاحها الذي كلفها الكثير من الدمع والدماء حتى تصل إليه، لذا لن تسمح بهدم ما وصلت إليه.
حتى لو تمزق قلبها لأشلاء، ستقف على أطلاله وتُكمل ما بدأته.
أفلتته عينيها لتنتقل إلى أشجان التي كانت مبهوتة كليًا حين رأته، للحد الذي جعلها تستند على خالد وعينيها لا تفارقان كمال الذي بدا وكأنه يتطلع إلى عالمٍ آخر خالي تمامًا منها، فقد كان باردًا لا مباليًا، وكأنها شيئًا لا يعنيه!
تناحرت أنفاسها وبدأ الألم بالإعلان عن نفسه لتتقلص ملامحها وأوشك جسدها خيانتها، ولكن هناك من البعيد أتت نظرة دعم كانت في أمس الحاجة إليها، والتي كانت من سوزان، وكعادتها الدائمة تأتي في أكثر الأوقات التي تحتاجها. ولذلك ابتسمت بهدوء يكمن خلفه عاصفة هوجاء جعلت نبرتها مبحوحة بعض الشيء حين قالت:
"ـ والآن أترككم مع رجل الأعمال الأشهر في الشرق الأوسط، الراعي الرسمي لحفلنا الليلة ورئيس مجلس إدارة النجار جروب، الرجل الذي آمن بفكرته، وحول حلمه إلى حقيقة، وها نحن نحتفل بنجاحه الليلة. رحبوا معي بالمهندس راجي النجار."
أنهت جملتها تزامنًا مع اقتراب راجي منها ليقترب ويصافحها بحرارة قبل أن يتمتم مازحًا:
"ـ أحرجتيني والله يا آسيا. متوقعتش إنك بتعرفي تقولي كلام حلو."
ابتسمت بمجاملة، فقد تفاجئت من تلك الكلمات التي لا تعرف لما زينت بها حديثها عنه، ولكنها خرجت منها دون أن تعي، فقد استفزتها نظراته الجامدة، وقررت تحريك الرماد قليلًا، أملًا في اشتعال جذوة النيران من جديد!
ولكن هل يمكن لما مات أن يحيا من جديد؟
كان يقف على بُعد أمتارٍ منها، تلك المرأة التي لم تُحرقه فحسب، بل أطفأت وهجه. هو الذي ظن بأنه نارًا أزلية، لا تُمس ولا يجرؤ أحد على حرقها، جاءت هي، فانتزعت قلبه من بين ضلوعه، وألقته حيًا في أخدودٍ مكتظ بالجمر، مغمورٍ بالانتقام، وقيح الخيانة.
هو الذي لم تُخترق حدوده قط، تسللت إليه كالسُم، بهدوء دون ضجيج. اقتحمت برجه العاجي لا بالقوة، بل بالنعومة الماكرة، تلوّنت كالحرباء، والتفّت كالأفعى حول قلبه، حتى أحكمت قبضتها على قلعته المنيعة، ثم ببرودٍ قاتل دفعت به من قمتها بلا تردد، ليجد نفسه كمحارب خسر في معركته مع الحياة، فهام في الأرض جريحاً، كسيرًا، دون مأوى ولا وطن، ولكنه عاد. وينوي أن ينتزع كل ما سُرِق منه، دون أن تأخذه شفقة أو رحمة بأي أحد.
"ـ أنت كنت عارف أنه راجع!"
هكذا تحدثت أشجان بجانب أذن خالد بنبرة ترتجف من فرط الغضب والخوف ليربت بحنو على كتفها وهو يقول بنبرة خشنة:
"ـ تقريبًا!"
ناظرته بعتب تجلى في نبرتها وهي تقول:
"ـ وليه مقولتليش يا خالد؟"
خالد باختصار:
"ـ عشان مالوش لزوم."
أشجان باستنكار يخيم عليه الصدمة:
"ـ مالوش لزوم! دا أنت شفت بعينك هي اتبهدلت إزاي! على الأقل أنبهها…"
خالد بحدة طفيفة:
"ـ ولما تنبهيها. تفتكري كانت هتقدر تقف على رجليها قدام الناس زي ما وقفت كدا!"
أعطته الحق في حديثه، فهي رأت كم كانت آسيا متوترة قبل أن تصعد إلى المنصة، وعلى الرغم من ذلك ذمت شفتيها وهي تناظره بغضب وتتخذ موضع الخصام لتلون ابتسامة عذبة ثغره قبل أن يتمتم بجانب أذنيها بنبرة عابثة:
"ـ أفهم من كدا إن عندي سهرة صُلح للصبح النهاردة؟"
نجحت كلماته في رسم ابتسامة خجلة على شفتيها، ولكنها حجبتها عنه وهي تنظر إلى الجهة الأخرى تجاه رنا التي كان القلق يُخيم على محياها لتمد أشجان يدها وتهندم خصلة شاردة من خصلاتها وهي تقول بحنو:
"ـ إيه القمر دا بس؟"
تلمعت النجوم في سماء عينيها وهي تقول بلهفة:
"ـ بجد يا مامي شكلي حلو!"
أشجان بتأكيد:
"ـ طبعًا يا روحي شكلك زي القمر."
ابتسمت الصغيرة بسعادة وهي تعانق أشجان التي عانقتها بحب قبل أن تلتفت ناظرة إلى سوزان وهي تقول بقلق:
"ـ تفتكري اللي جاي خير!"
سوزان بغموض:
"ـ مفيش حاجة بتحصلنا مبتكونش خير. إحنا بس اللي لازم نفهم إن مش شرط الخير يكون على هوانا."
أشجان بنبرة مُشجبة وهي تناظر آسيا التي تقف من بعيد بابتسامة مشرقة تناقض الألم في عينيها:
"ـ أنا خايفة عليها أوي النهاردة. خايفة لا تقع مننا تاني."
ربتت سوزان على يدها بلطف قبل أن تقول بتقريع:
"ـ نفسي تبطلي خوف شوية. جبتلنا ذعر لا إرادي. ماهي البنت زي الفل أهي، وواقفة قمر أربعتاشر. بنتي جدعة مش خرعة زيك."
ناظرتها أشجان بابتسامة ممتنة، فقد كانت هذه المرأة السبب بعد رحمة الله لاستعادة شقيقتها ثقتها بنفسها وحياتها من جديد.
بينما كانت سوزان تمثل الجمود وداخلها يحترق خوفًا على تلك الفتاة التي ارتمت بين أحضانها ذات يوم وهي تصرخ من فرط الألم الذي أطفأ وهج الحياة في ملامحها وقلبها، وبشق الأنفس استطاعت أن تعود للحياة من جديد.
وهنا تذكرت ذلك اليوم الذي جاءت إليها آسيا برفقة أشجان وشروق.
عودة إلى وقتٍ سابق.
كانت تُعد أحد فطائرها المفضلة وهي تدندن مع فيروز "يا حبيبي الهوى مشاوير".
"ـ سيدي يا سيدي على الروقان."
هكذا تحدثت أشجان وهي تقترب من سوزان التي التفتت ناظرة إليها بحب تجلى في نبرتها حين قالت:
"ـ الواحد بس يشوف الوش الحلو دا يروق على طول."
أشجان بحب:
"ـ والله أنا اللي لما بشوف وشك برتاح، وبطمن."
سوزان بهدوء:
"ـ بس عنيكِ بتقول إنك مش مرتاحة ولا مطمنة. مالك؟"
سحبت قدرًا كبيرًا من الهواء داخلها قبل أن تقول بنبرة مُشجبة:
"ـ آسيا. حالتها صعبة أوي، وبالعافية قدرت أقنع بابا إنها تقعد مع شروق شوية لحد ما نفسيتها تتحسن. مش عاوزاها تصطدم بماما تاني. بيني وبينك أنا مش هقدر أجازف إني أسيبها معاها لوحدها."
سوزان بتعقل:
"ـ كل واحد فينا له طبع يا أشجان، ومامتك بتحبكم مفيش خلاف على كدا. بس هي طبعها حاد شوية. عقليتها وتفكيرها جايين من زمن تاني، فبلاش تلومي عليها هي دي دماغها ودا تفكيرها، وفي زمنها كانت كل حاجة لسه بخيرها."
أشجان بتعب:
"ـ عادي بقى. ربنا يهديها. أنا عن نفسي مبقتش بزعل منها."
سوزان بهدوء:
"ـ دا اللي مفروض يحصل. محدش يزعل من أمه. خلينا دلوقتي في آسيا طمنيني هي عاملة إيه؟"
أشجان بحزن:
"ـ ساكتة. بس عينيها بتقول كتير."
"ـ طيب استني أنا عملت لها حاجة خفيفة كدا تاكلها وبعدين تريح. يلا نروح نطمن عليها."
وبالفعل قادتها أشجان إلى الشقة المجاورة التي تمكث بها كلًا من جميلة وشروق لتقابلهم الأخيرة بابتسامة هادئة ونبرة تشبهها حين قالت:
"ـ إيه الريحة الحلوة دي يا سوزي؟"
سوزان بمزاح:
"ـ أهو أنتِ اللي حلوة."
كانت آسيا تجلس على الأريكة تستند برأسها إلى الخلف مغمضة العينين لتقترب أشجان منها قائلة بحنو:
"ـ آسيا. سوزي جاية تسلم عليكي."
فتحت عينيها والتفتت إلى سوزان التي هالها رؤية كل هذا الألم الذي يحتل ملامحها على الرغم من أنها لم تراها سوى مرة واحدة يوم زفاف أشجان وخالد، ولكنها أشفقت على ملامحها الجميلة من هذا الوجع الذي تحمله لتقترب منها قائلة بحنو:
"ـ حمد لله عالسلامة يا حبيبتي."
آسيا بنبرة مُتحشرجة:
"ـ الله يسلمك يا طنط. تسلميلي."
زمت سوزان شفتيها وهي تقول بتقريع:
"ـ طنط! قوموا البنت دي مشوها من هنا. دي بتقولي يا طنط!"
ابتسمت الفتيات على حديثها ومن بينهم آسيا لتهتف شروق بمُزاح:
"ـ معلش لسه نزيلة جديدة يا سوزي."
سوزي بمُزاح:
"ـ لسه متعرفش القوانين يعني. بصي بقى عشان نبقى على نور. قواعدنا هنا مفيهاش استثناء. مش معنى إنك حلوة وجميلة كدا إننا هنسكتلك لا! أنا شديدة أوي مع النُزلاء بتوعي."
ابتسمت آسيا ولم تعلق لتُتابع سوزان بحدة مُفتعلة:
"ـ وممكن أسامح على أي حاجة إلا كلمة طنط دي، ومابحبش الناس الكشرية. أنا والنكد مبنجتمعش في مكان."
آسيا بنبرة حزينة:
"ـ يبقى أنا كدا ماليش مكان هنا."
مدت سوزان يدها لتربت فوق كتفها بحنو تجلى في نبرتها حين قالت:
"ـ المكان هنا وسُكانه تحت أمرك، وإن متشالتكيش الأرض نشيلك جوه عينينا."
في السابق لم تكن ممن يؤثر بهم الحديث كثيرًا، ولكنها الآن كانت في أمس الحاجة للحظة حنان واحدة تربت على جراحها لتهدأ، فتجمعت العبرات في مقلتيها قبل أن تقول بنبرة مُتحشرجة:
"ـ شكرًا أوي على كلامك الحلو دا."
سوزان بهدوء:
"ـ دا مش كلام يا حبيبتي دي حقيقة. إحنا هنا كلنا أهل، وأنتِ بنت من بناتي، ولو احتاجتي أي حاجة أنا موجودة."
كانت تريد البكاء أو الصراخ ظنًا منها أن هذا قد يُفيد في تهدئة آلامها ولو قليلًا، ولكنها كعادتها لم تُفصح عن مكنوناتها، بل اكتفت بعبارات شكر هادئة لتقوم سوزان بجذب صينية الطعام الشهي وطبق من الفطائر الشهية ووضعها أمامها وهي تقول بحنو:
"ـ أنا جهزتلك أكل خفيف، تاكلي وتاخدي دواكي وتدوقي الفطيرة الحلوة دي عملتها بإيديا هستنى رأيك فيها."
ابتسامة ساخرة شقت جوفها وهي تستمع إلى كلمات سوزان التي أصابت وترًا حساسًا بداخلها لتهتف بتهكم مرير:
"ـ أنتِ لو قاصدة توجعيني مش هتعملي كدا. فطيرة وغدا دا أنا أمي معملتيش كدا! مفكرتنيش أصلًا! بقولك إيه خدي أكلك، وحاجتك معاكِ أنا مش عاوزة شفقة من حد."
دون أن تدري تساقطت العبرات من مقلتيها وهي تتحدث لتمتد يد سوزان وتمحو عبراتها وهي تتجاهل كلماتها التي تبدو قاسية لتقول بهدوء:
"ـ مفيش بنات كبيرة بتعيط زي العيال الصغيرة كدا، ومينفعش حد يقدملنا حاجة ونرفضها حتى لو وحشة. تدوقي وتقولي الله يا سوزي تسلم إيدك إيه الجمال دا."
اصطدمت بتقبل سوزان لكلماتها وسعة صدرها لتصمت غير قادرة على الرد، فتابعت سوزان بنبرة مُتحشرجة بالبكاء فقد آلمها حال آسيا كثيرًا:
"ـ أنتِ مش محتاجة شفقة من حد. أنتِ أحسن بنت في الدنيا، حتى لو الدنيا ضغطت عليكِ شوية. دا عشان يخرج أحسن ما فيكِ. زي الفطيرة دي بالظبط. اتعجنت كويس، واتسابت عشان تخمر، وبعد كدا حطيناها تحت درجة حرارة عالية أوي عشان تبقى بالجمال دا. خليكِ جدعة، وأوعي تستسلمي. خلي الضربة اللي متتموتكيش تقويكِ، وتخرج أحسن ما فيكِ. أنا عارفة إنك تقدري تعملي دا."
اندفعت العبرات من بين مآقيها كالفيضان الذي اجتاح ثباتها دون أي مقاومة منها فقد كانت مهزومة، متعبة، تخلى عنها كل شيء حتى إرادتها لتهتف بنبرة تتقطع لها نياط القلوب:
"ـ بس أنا مش قادرة آخد نفسي. حاسة في ألم في قلبي بيموتني بالبطيء. بحاول أتجاهل، وأقول هتعدي ألاقي دموعي سبقاني، وكإن روحي بتنزف لحد ما هتتصفى وأموت وأنا بتعذب."
شاركها الجميع في نوبة البكاء الحارة التي انخرطت بها، ولكن سوزان استغلت ذلك لتحاول تهدئة هذا الألم قليلًا حين قالت:
"ـ وليه تتجاهلي! عيطي وصرخي لحد ما تخرجي كل الطاقة اللي جواكي. فرغي شحنة الألم والخوف اللي مالية قلبك عشان يرتاح. خدي وقتك في الزعل. الجرح مبيطيبش لو قفلنا عليه وعملنا نفسنا مش واخدين بالنا منه."
صمتت ثوانٍ لتمتد يدها تمحو عبراتها بحنو تجلى في نبرتها حين قالت:
"ـ عالجيه، وهو هيطيب واحدة واحدة. ربنا خلق النسيان عشان رحيم بينا متفكريش إنك لوحدك اللي موجوعة. بس آخرة الوجع إيه؟ هنموت! لا. هنقف ونكمل لحد ما نلاقي ألف سبب نفرح عشانه."
آسيا بحزن:
"ـ معتقدش إني ممكن أفرح في يوم!"
سوزان باستفهام:
"ـ أنتِ شايفة إنك تستحقي تفرحي؟!"
تذكرت ذنبها العظيم لتخفض رأسها بندم، ولكن سوزان لم تُمهلها الفرصة بل وضعت أناملها فوق ذقنها ترفعه بقوة اجتاحت نبرتها وهي تقول:
"ـ تستحقي. أنا اللي بقولك دا. أنتِ تستحقي كل الفرح اللي في الدنيا. حتى لو غلطتي. كلنا بنغلط دي صفة بشرية. المهم نتعلم، ونتجنب الأخطاء وحتى الطباع اللي وصلتنا إننا نغلط."
تخدّرت أوجاعها قليلًا وهدأت نوبات الألم لتهمس بخفوت ونبرة يغلب عليها الامتنان:
"ـ عندك حق. مش عارفة أشكرك إزاي!"
سوزان بمُزاح:
"ـ تقوليلي رأيك في الفطيرة بتاعتي. أو لا رأيك إيه تقوليلي حلوة على طول حتى لو معجبتكيش."
ابتسمت آسيا على جملتها وقالت بامتنان:
"ـ حلوة عشان منك. كفاية إنك تعبتي نفسك وعملتيها."
سوزان بحنو:
"ـ أنتِ تستاهلي. يلا امسحي دموعك مش عايزة خيبة وبنات مايصة بتعيط على الفاضي والمليان. دا أنتِ غلبتي أشجان في النكد."
قالت جملتها الأخيرة بحدة مفتعلة لتتعالى قهقهات الفتيات على حديثها لتقترب أشجان تحتضنها بقوة وهي تقول بمُزاح:
"ـ انتوا عملتوني ماركة مسجلة في النكد ولا إيه؟ لا دانا بقيت فرفوشة."
سوزان بفخر:
"ـ البركة في ابني الغالي."
ابتسمت أشجان لتلتفت سوزان إلى آسيا قائلة بمُزاح:
"ـ خلاص بقينا أصحاب؟"
آسيا بابتسامة هادئة:
"ـ بقينا أصحاب."
سوزان بحنو:
"ـ طب تعالي في حضني بقى."
لم يكن عناقًا بل قلب اشتهى أن يتكيء على جدار من الحنان لا ليسنده فقط بل ليحنو على فتاته حتى يستطيع لملمتها والبدأ من جديد.
عودة إلى الوقت الحالي.
حاولت سوزان تجاهل تلك الغصة في صدرها وهي تنظر إلى آسيا بابتسامة مُشجعة، قبل أن تحين منها إلتفاتة إلى كمال الذي كانت تترقب عودته، ولكنها كانت تتمنى لو أنه يعود وهي في أبهى صورها حتى يُدرك أنها أنثى لا تتكسر بسهولة حتى لو أضناها الوجع. وها هو يعود هو الآخر ممزقًا من الألم، ولكنه يحسن ارتداء قناع الصلابة، واللامُبالاة، وربما القسوة!
احتارت في تفسير قدومه في هذا الوقت بالذات. ترى هل جاء ليهدم؟ أم ليُعيد بناء ما هدمه رحيله!
"ـ ياترى صدفة ولا مقصود!"
هكذا تحدث خالد إلى جانب كمال الذي قال بنبرة لامُبالية:
"ـ هو إيه؟"
يعرف تلك النظرات القاسية التي تنبعث من عيني شقيقه، والتي توحي بأن ما مر به لم يكن سهلًا فقد أعلن حربه على كل شيء أودى به إلى هاوية الألم التي أصقلته كما تصقل النيران الحديد، لكنه لم يُفصح عن شيء فقط قال بصراحة:
"ـ إنك تيجي الحفلة بتاعت آسيا!"
مضى وقتٍ طويل منذ أن شعر بأن الألم يكاد يكسره، والآن تغلب على آثاره واعتاد عليه لذا لم يهتز عند ذكر اسمها ولا حتى رؤيتها لذا قال بملل:
"ـ أنا هنا في مصر من أسبوع وأنت عارف دا، وكمان راجي كان زميلي في الجامعة، وبعتلي دعوة لحفلته، وبالمناسبة الدعوة كانت باسمه."
أومأ خالد برأسه، وقد أدرك أن تنصل شقيقه من أي شيء يخصها لهو بادرة تبعث على الراحة على الأقل في الوقت الراهن، فقد رأى بعينيه مدى معاناتها طوال الاثنى عشر شهرًا الماضيين، وهو ما جعله يخبر سوزان لتأتي إلى الحفل الليلة.
خالد بحبور:
"ـ أحسن حاجة عملتها إنك رجعت."
التفت كمال يناظره بابتسامة هادئة مُمتنة قبل أن يقول بنبرة جافة:
"ـ من بكرة هنزل الشركة. مجمع المستشفيات اللي انتوا ناويين تعملوه محتاج كل الورق بتاعه والميزانية المبدئية عشان أشوفها الأول لو فيها تعديل."
خالد بعملية:
"ـ هتلاقيها على مكتبك الصبح."
بدأ الحفل برقصة هادئة، لتستغل آسيا ذلك وتتوجه بخطٍ حاولت أن تكون ثابتة متجاهلة وجوده الطاغي وإشباع رغبة مُلحة داخلها في النظر إلى داخل عينيه، لتمر به وكأنه مجرد شبح لرجل زعزع وجوده أوتار قلبها، وألقت بنفسها بين ذراعي سوزان التي تلقتها بقلب رحب، وعانقتها بكل ما تمتلك من حب تجلى في نبرتها حين قالت:
"ـ بنتي. حبيبتي. فخورة بيكِ أوي."
تشبثت بها كما يتشبث المرء بآخر خيط يربطه بالحياة لتهتف بأنفاس مقطوعة:
"ـ حاسة إني مش عارفة أتلم على نفسي. هو هنا صح!"
سوزان بخفوت:
"ـ هو هنا وبيصص عليكِ، ومش هو بس. كل اللي في الحفلة، يبقى نجمد كدا ونفضل جدعان لحد النهاية. افتكري إنك تعبتي لحد ما وصلتي للحظة دي."
سحبت قدرًا كافيًا من الهواء داخلها قبل أن تقول بنبرة مُرتجفة:
"ـ بطني وجعاني أوي، ونفسي أملي عيني منه وأقف قدامه وأقوله إني اتوجعت منه وعشانه أوي."
تراجعت سوزان عنها لتنظر إلى داخل عينيها بحُب تجلى في نبرتها وهي تقول:
"ـ ينفع تعتبريه مش موجود! الليلة دي بس، وبعدين هييجي الوقت اللي تقولي وتعملي فيه كل اللي أنتِ عايزاه. الصبر."
أشجان بتشجيع:
"ـ اسمعي كلام سوزي، وكأنه مجاش."
اقتربت شروق تعانقها بقوة وهي تقول:
"ـ قلبي يا سيسو. فرحانة بيكِ أوي."
عانقتها آسيا بقوة، وهي تقول بتوتر:
"ـ احضنيني أوي."
شروق بتشجيع:
"ـ اجمدي كدا. هو جاي النهاردة عشان يهد اللي أنتِ بنيتيه! وأنتِ أوعي تسمحيله يعمل كدا."
كانت أكثر من يعلم بخطأها، ولكن ذبحها الفراق دون أن يمنحها الفرصة للدفاع عن نفسها، وهو ما لم يرتضيه قلبها أبدًا لذا حاولت أن تستمد الشجاعة من حديثهم لتقول بتصميم:
"ـ حاضر."
"ـ بقى بتعاكسيني قدام الناس كلها وجاية دلوقتي تديني ضهرك!"
كان هذا صوت راجي المرح من خلفها لتلتفت آسيا تناظره بابتسامة باهتة وأجابته بنبرة يشوبها الارتباك:
"ـ أبدًا والله. حضرتك تستحق أكتر من كدا بكتير."
كانت عيناه في مكانٍ آخر تحديدًا على ملامح شروق التي كانت جميلة بصورة خاطفة للأنفاس أو لأنفاسه هو ليبتسم وهو يوجه حديثه إليها قائلًا:
"ـ طب ناخد رأي شروق بما إنها السكرتيرة بتاعتي؟"
غمرها الإحراج لتقول بخفوت:
"ـ حضرتك تستحق أكتر من كدا بكتير. آه أعرفك. دي سوزي اللي حكيت لحضرتك عليها."
قالت جملتها الأخيرة وهي تشير إلى سوزان ليلتفت إليها راجي قائلًا باحترام:
"ـ أهلًا بيكِ يا مدام سوزان. نورتي الحفلة."
سوزان بلُطف:
"ـ ميرسي لذوقك. الحفلة منورة بالناس الجميلة اللي فيها."
في هذه اللحظة كان كمال يناظرهم بأعين حادة لا يفلح في كبح أسهمها وهو ينظر إلى ظهرها ويرى ابتسامات راجي المتبادلة بينهم، والتي كانت تخصها أكثر من أي أحد، وقد بدأ الغضب يتشعب إلى أوردته رغمًا عنه، فالعاشق يمكن إخفاء سنوات من العشق، ويسقط أمام لحظات من الغيرة، ولكنه لم يكن يدري أنها كانت ترتجف من فرط التوتر الذي تحاول تجاهله، ولكنه تمكن من جسدها لتشعر برغبة ملحة في التقيؤ، فاعتذرت منهم بلطف، وتوجهت إلى المرحاض حتى تنفث عن ألمها الداخلي، فالتفتت سوزان قائلة إلى أشجان بقلق:
"ـ روحي ورا أختك اطمني عليها."
شعر راجي بالتوتر السائد ليقترب من شروق مستفهمًا:
"ـ هي آسيا متوترة شوية ولا أنا بيتهيقلي؟!"
شروق بقلق:
"ـ هي فعلًا متوترة."
راجي بانتباه:
"ـ في مشكلة ولا إيه؟"
ناظرته شروق بتردد ليهتف بطمأنة:
"ـ شروق أنتِ عارفة كويس أوي إنك غالية عندي، وآسيا كمان، ولو في مساعدة أقدر أقدمها مش هتردد لحظة."
تعرف كم أنه شخص مهذب، فمنذ ذلك اليوم الذي أوصى به خالد لتعمل عنده، وهو لا ينفك يثبت لها أنه من الأشخاص الذين يمكن للمرء الاعتماد عليهم.
"ـ كمال الوتيدي هو طليق آسيا، وتقريبًا من وقت ما أطلقوا وهي مشافتهوش، واتصدمت لما شافته دلوقتي."
راجي باندهاش:
"ـ معقولة! دا كمال كان زميلي في المدرسة، أنا قابلته في الطيارة بالصدفة وأنا راجع من إيطاليا."
تذكر تلك الجملة التي أخبره كمال بها وهم عائدين إلى أرض الوطن:
"ـ مكنتش رحلة عمل. كانت رحلة علاج من مرض الشفا منه مستحيل."
راجي بحماس:
"ـ أوبا. مرض مالوش علاج يبقى الحب. أنا بايني غبت كتير ولا إيه!"
كمال بنبرة مُشجبة:
"ـ أنا كمان غبت كتير، وياريته بفايدة."
"ـ سرحت في إيه؟"
هكذا استفهمت شروق حين وجدته يشرد إلى البعيد ليتحمحم قائلًا بلامُبالاة:
"ـ لا ولا حاجة. طيب أنا هروح أسلم عليه وأرجعلك."
شروق بلهفة:
"ـ متجيبش سيرة آسيا معاه."
راجي باندهاش:
"ـ كمان هتقوليلي أقول لصاحبي إيه ومقولش إيه؟"
شروق بحرج:
"ـ أنا آسفة مقصدش."
راجي بغزل مُبطن:
"ـ أنا عارف. بس بحب أرخم عليكِ. تقريبًا عشان بتبقي زي القمر وأنتِ مكسوفة كدا."
اخفضت رأسها بخجل، فهي ترى بعينيه ما يُخيفها ولكنها تتجاهله من فترة ولا تعرف إلى متى!
"ـ ازيك يا خالد باشا عامل إيه؟"
هكذا تحدث راجي مُرحبًا بخالد الذي أجاب بنبرة خشنة:
"ـ أهلًا يا راجي. حمد لله على سلامتك."
"ـ الله يسلمك. أومال فين كمال! عرفت إنه جه وبدور عليه مش لاقيه!"
طافت عيني خالد في الحفل، فلم تجده وكذلك آسيا التي هدأت ثورة جسدها قليلًا لتخرج من المرحاض، وهي تحاول تنظيم أنفاسها، وهي تضع يدها فوق معدتها وكأنها تواسيها عن الألم الذي يجتاحها بشراسة، وفي هذا التوقيت كان كمال ينهي مكالمة طارئة وهو يقول بجفاء:
"ـ اتصرفي لحد ما آجي."
أنهى كلماته تزامنًا مع اصطدام عينيه بآسيا التي كانت تلتقط شيئًا ما من النادل وتبتلعه ثم تمسك بكوب من الماء لترتشف بعض القطرات، وقد استرعى انتباهه هذا الأمر للحظات قبل أن يُعنف نفسه بأن هذا الأمر لا يعنيه، وقد قرر الدخول دون أن يُعيرها أي اهتمام، ولكن للقدر رأيًا مغايرًا دائمًا، فحين التفتت لوضع الكوب على الطاولة المجاورة اصطدمت بذلك الجسد القوي الذي أصبح نحيفًا عن السابق، وأكثر صلابة، وقد كانت على وشك الوقوع لولا يد قوية اعتقلت خصرها بقسوة لتمنعها من الوقوع، وياليته ما فعل!
فكل شيء على قلبها أهون من تلك النظرة الباردة كالصقيع التي شملها بها قبل أن يتركها وكأن وجودها لا يعني شيئًا بالنسبة إليه، وكم آلمها ذلك كثيرًا، ولكنها لن تسمح لوجودها أن يكون عابرًا وستتخلص من هذا الثقل بداخلها وإلى الأبد لذا هتفت قائلة:
"ـ كمال."
كان يُعطيها ظهره متوجهًا إلى الحفل، وكأن كلمتها ارتطمت بحائط صد، فعادت إليها خائبة، وقد كان تجاهله لها إهانة قاسية ربما أقسى من ألمها الداخلي، فها هو يتجاهلها للمرة الثانية، ولكنها لن تسمح بذلك.
كان في طريقه إلى الحفل وهو عازمًا على تجاهلها وكأنها مجرد سراب، فحتى ارتجافة صوتها وهي تناديه لم تؤثر به، وقد نسى أو تناسى أن هذه المرأة قادرة على قهر ثباته وإضرام الدهشة بداخله ببراعة، وقد كان، فحين كاد أن يقترب من باب القاعة تفاجيء بها تقف أمامه حتى كاد أن يصدمها ليتوقف على بعد إنشات قليلة منها، وقد كان هذا ما لم يتوقعه، فتبدد الجمود في نظراته إلى ذهول لحظي تحول إلى غضب حين سمعها تقول:
"ـ إحنا لازم نتكلم."
أول ما فكر به هو أن يصفعها بقوة حتى لا تفرض وجودها مرة أخرى عليه، فقد كان بالكاد يتحكم بقلبه الجريح المشتاق، والذي لم يتخطى طعناتها التي غرستها بقلبه ذلك اليوم، ولكنه استخدم ماهو أقوى من الضرب، اختار صفعها بالتجاهل قبل أن يرميها بنظرة ساخرة، ثم تجاوزها وذهب إلى الداخل، وكأن قلبه لم يدق بقوة لأجلها، وقد كان هذا أقسى ما قد تحتمله لذا لم تحاول قمع تلك العبرات التي تدافعت بقوة من عينيها وخصوصًا حين سمعت ذلك الصوت الأنثوي الرقيق يناديه من بعيد:
"ـ كمال!"
تفاجيء كمال من وجود صوفيا التي اقتربت منه قائلة بحبور ونبرة رقيقة:
"ـ مش مصدقة إني شيفاك قدامي! وحشتني أوي أوي."
اقتربت تعانقه، وهو بالمثل قبل أن تتأبط ذراعه وتدلف معه إلى داخل الحفل، لتلتفت آسيا ناظرة أمامها وعينيها تطلقان جمرات مشتعلة بفعل الغيرة، لتجد يد أشجان تربت على ظهرها بقوة، وهي تقول بلهفة:
"ـ آسيا كنتِ فين؟ روحتلك التويليت ملقتكيش."
آسيا بنبرة مُتحشرجة:
"ـ نسيني. أكيد. ماهي النظرة دي مش بتاعت حد قلبه لسه بيدق صح! لا وبيحضن كمان وبيسلم. ماشي. حلو أوي دا."
أشجان بقلق:
"ـ حصل إيه؟ انتوا اتكلمتوا ولا إيه؟"
حاولت كظم غيظها وألمها القوي لتمد يدها تجذب أحد المحارم فوق الطاولة وتكفكف عبراتها، وهي تقول بإصرار:
"ـ هو مش أحسن مني! أنا كمان نسيته. مبقاش فارقلي، ماهو اللي يرميني سنة كاملة من غير حتى ما يسمعني ولو لمرة واحدة يبقى يستحق إني أنساه صح!"
أشجان بحنو:
"ـ صح. لو دا هيريحك يبقى صح. أصلًا مش مهم أي حاجة في الدنيا غير إنك تبقي مرتاحة."
آسيا بجفاء:
"ـ مرتاحة جدًا يالا ندخل."
دلفت إلى الداخل بابتسامة مُشرقة أثارت انتباه الجميع، وخاصةً سوزان التي كان كمال يسلم عليها في هذه اللحظة ليستمع إلى صوت ضحكة صاخبة جمدته في مكانه، ولم يستطع منع نفسه من الالتفات لرؤيتها وهي تتحدث إلى أحد ضيوف الحفل بحماس، لينضم إليهم رجلًا آخر قائلًا بغزل استقر بمنتصف أذنيه:
"ـ بصراحة أنا كنت مندهش من الحفلة والتنظيم الرائع بس لما شوفتك وعرفت إن أنتِ اللي مسؤولة عن كل دا. عرفت الذوق الراقي دا جاي منين! ماهو الجمال دا كله لازم يعمل العظمة دي."
آسيا بخجل:
"ـ ميرسي جدًا لذوق حضرتك. أنا مش عارفة أشكرك إزاي!"
الرجل بإعجاب بالغ:
"ـ أنا اللي لازم أشكر راجي إنه عرفنا على مبدعة زيك."
لاحظت سوزان كم الغضب الهائل بعيني كمال لذا قالت بتخابث يغلفه الحدة وهي تنظر إلى شروق:
"ـ ناديلي على آسيا. مش معقول من بداية الحفلة والكل عمال يعاكس فيها، مش طريقة دي!"
إلى هنا وشعر بأنه لم يعد يحتمل، فقد تخلى عنه ثباته، وعزيمته التي حشدها طوال الفترة الماضية ليهتف بجفاء:
"ـ هروح أسلم على ناس صحابي."
أنهى جملته وهو يلتفت مغادرًا لتوقفه إحدى النادلات وهي تقول بلطف:
"ـ من فضلك ممكن تاخد الرقم بتاع الرقصة الذهبية."
لم يكن في حالة تسمح له بالاستفهام ولا الرفض، فقد انتزع البطاقة منها وغادر إلى الركن الآخر من المكان، بينما هي أخذت تتلقى المباركات وكلمات الإطراء والكثير من العروض وهي تحاول تجاهله هو وقلبها على حد سواء.
"ـ خفي شوية يا سوزي. دا أخويا بردو!"
هكذا تحدث خالد إلى جانب سوزان التي أجابته بتحدي:
"ـ أخوك عايز قرصة ودن. شايف الناس عينيها هتطلع على البنت إزاي!"
خالد بجفاء:
"ـ المواضيع مبتتحلش كدا!"
سوزان بتهكم:
"ـ محدش تطرق لأي مواضيع. هو اللي ابن حلال ويستاهل. رزقه في رجليه."
التفت ناظرًا إلى أشجان التي كانت تتألق بفستان من اللون الأزرق الذي يحيط بجسدها دون ابتذال، ومعه حجاب بنفس اللون يبرز لون بشرتها الخمري، وملامحها الجميلة التي تأثر دائمًا، لتقسو يده حول خصرها جاذبًا انتباهها قبل أن يتمتم بعبث:
"ـ بفكر أخده وأهرب النهاردة على الفندق. إيه رأيك!"
أشجان بنبرة يحتاجها القلق:
"ـ لا دانا اللي ههرب منك وأروح أبّات مع آسيا النهاردة. قلقانة عليها أوي، وشكلها مش عاجبني خالص."
خالد بحدة:
"ـ إن شاء الله ما عجبك شكلها. آسيا مين اللي هتباتي عندها! مفيش الكلام دا."
أشجان بصدمة:
"ـ خالد بتقول إيه! أختي محتاجاني."
خالد ساخطًا:
"ـ محتاجاني في إيه؟ ماهي زي القردة أهي، وبعدين دي معاها سوزي. يعني أخويا الغلبان هو اللي يتخاف عليه!"
ابتسمت على سخطه، وهتفت بتوسل:
"ـ خالد بجد. سيبني النهاردة بس هاجي الصبح على طول…"
خالد بصرامة:
"ـ ولا حتى ساعة، واقفل الكلام على كدا."
لم تكد تُجيبه حتى استمعوا إلى صوت راجي وهو يقول في مكبر الصوت:
"ـ ضيوفي الكرام. جه وقت الرقصة الذهبية، وبما إن الجمال دا كله كان من إبداع المصممة الجميلة آسيا عزام، فهنشوف مين هيفوز بالرقصة الذهبية معاها!"
وقع الأمر وقوع الصاعقة على مسامع كلٍ من كان يتشارك في هذه الحرب الخفية ولو كان مشاركته صمتًا، ولكن كان لآسيا نصيب الأسد من الصدمة، وبالمقابل برقت عيني كمال وبرزت عروق رقبته بقوة حتى كادت أن تخترق جلده فهل يمكن أن يرى رجلًا غيره يرقصها، وقد كان الاستنكار نصيب خالد الذي هتف بحدة:
"ـ إيه العبث دا!"
ليستكمل راجي مفاجأته حين قال بتخابث:
"ـ الفايز بالرقصة الذهبية هو رقم ٧٧."
أخذ الجميع يقلب بطاقته ماعداه، فقد كاد على وشك الذهاب وتحطيم وجه راجي الذي اتسعت ابتسامته، وهو يقول بصوت جهوري:
"ـ ٧٧ دا رقم رجل الأعمال كمال الوتيدي. يلا نحييهم كلنا."
تعالت الصيحات والتي وقعها لم يكن وقع تلك الصاعقة التي كانت أشد وأقوى من سابقتها على مسامعهم وجعلت جسد آسيا يرتجف، وهي لا تصدق ما يحدث ولا إراديًا التفتت تناظره، لتجده يقف في مكانه دون حراك، فمرت لحظات كانت كالدهر وهي تراه لا يزال على حالته، لتدرك أنه سيصفعها برفضه لها أمام الجميع لتستدير تنوي الذهاب تجاه راجي لإنهاء هذه المهزلة وإذا بها تجد يده قوية تقبض على معصمها لتشهق حين رأت كمال الذي كانت عيناه تحملان شيئًا أقوى من الغضب بكثير، فقد كانت القسوة تحتل نظراته وتسكن كفه الخشن الذي جذبها إلى حلبة الرقص دون وعيًا منها لتجد نفسها أسيرة لذراعيه وعينيه وجسده.
تشاركوا سويًا الأنفاس المحترقة، والنظرات المصدومة من جهتها، والغاضبة من جهته، لتمر الدقائق وهي ترقص بين يديه لا تدري كيف يتحرك جسدها ولا تملك سبيلًا للتوقف أو الابتعاد عنه، لتباغتها نبرته القاسية التي يشوبها التهكم حين قال:
"ـ ويا ترى اللي بيحصل دا كان من ضمن تنظيمات الحفلة بردو!"
حاولت استجداء ثباتها أمام هجومه لتقول بنبرة جافة:
"ـ البروجرام مش من ضمن ترتيباتي. مستر راجي هو المسؤول عنه."
كان يطحن أسنانه بغل من فرط الغضب ليهتف بقسوة:
"ـ معقول مقالكش إنك هتقدمي جايزة لرجل من اللي في الحفلة."
استقرت إهانته في منتصف صدرها مُحدثة آلام عظيمة جعلت جسدها ينتفض بين يديه، لتحاول جذب نفسها من بين براثنه وهي تهتف بحدة:
"ـ اخرس."
"ـ مكانك."
هكذا هتف بشراسة أفزعتها لتتجمد مقاومتها فتابع بتهكم:
"ـ متقنعنيش إن الموضوع جرحك أوي."
أرادت رد الصاع صاعين حين قالت بسخرية:
"ـ اللي جارحني فعلًا إني برقص معاك أنت دونًا عن كل الموجودين في الحفلة."
أصابه في الصميم، وكما عهدها قوية لا يردعها شيء. تحارب حتى آخر أنفاسها لا يوقفها خصم، ولا يردعها خطر.
تركها كمال بغتة وهو يقول بقسوة:
"ـ الجايزة للأسف مش مُجدية بالنسبالي، وأقل بكتير من إن يتقال عليها ذهبية. طلعت فالصو!"
تركها وغادر دون الالتفات لوقع كلماته عليها، فقد شعرت بأن ألمها يطفو على السطح، وقد يُعريها أمام الجميع لذا تراجعت إلى الخلف، وتختفي بين الجموع، ولحسن حظها، فقد ساعدتها الإضاءة الخافتة حتى لا يرى الجميع حالتها المُذرية وهي تهرول إلى الحمام والدماء تنبثق من فمها.
"اللهم رب السموات السبع وما أظلت، رب الأرضين وما أقلت، رب الشياطين وما أضلت، كن لي جاراً من شر خلقك كلهم جميعاً أن يفرط علي أحد وأن يبغي علي عز جارك وجل ثناؤك ولا إله غيرك." ♥️
"ـ كمال استنى يا ابني رايح فين؟"
هكذا تحدث راجي وهو يخرج خلف كمال الذي توقف في منتصف الرواق، يعض على شفتيه بقوة حتى لا يقوم بتحطيم رأسه، ولكنها كانت أمنية لا تقاوم، فإذا به يلتفت ويقوم بتوجيه لكمة قوية إلى وجه راجي الذي تراجع إلى الخلف من شدتها وعلى وجهه إمارات الذهول ليهتف كمال بشراسة:
"ـ أنت كنت قاصد اللي حصل جوا صح! دا كله من ترتيبك؟"
تغلب راجي على ألمه وهو يشير للحرس بعدم الاقتراب من كمال ليمسد الضربة الموجعة بيده قائلًا بحدة:
"ـ هتفضل غبي طول عمرك كدا. دا بدل ما تشكرني!"
اقترب كمال منه حتى كاد أن يضربه مرة ثانية ليوقفه راجي قائلًا بتحذير:
"ـ هنتخانق هنا ونفرج الناس علينا، ولا نتكلم بالعقل ونفهم أنا عملت كدا ليه؟"
تجاوز عن غضبه وهو يقول بفظاظة:
"ـ عشان حشري. وبتدخل في اللي ملكش فيه."
راجي بهدوء مستفز:
"ـ لا مش كدا. بس مقبلش إن راجل غريب يرقص مع البنت اللي صاحبي بيحبها!"
برقت عيني كمال من حديثه ليهتف بحدة:
"ـ إيه دا إن شاء الله!"
راجي بتوضيح:
"ـ شروق قالتلي إنك طليق آسيا، وهنا فهمت إن دي البنت اللي بسببها سافرت وسبت مصر، وبصراحة نظراتكوا لبعض أكدت لي دا، ولأن الرقصة الذهبية دي المفروض اللي يفوز بيها هو اللي يحدد هيرقص مع مين، وطبعًا أي حد من اللي جوا هيختار إنه يرقص معاها، وأكيد أنت شفت نظرات الإعجاب اللي عليها طول الحفلة. قولت ألعب لعبة صغيرة، وأبعتلك رقم الفايز، وترقص أنت معاها بدل أي حد غريب. فهمت بقى!"
رغمًا عنه أقر بأنه فعل الشيء الأقرب إلى الصواب، فلو رأى أحد يرقص معها لكان هدم الحفل فوق رؤوسهم، ولكنه رفض أن يعلن عن غيرته أو مشاعره التي خانته وظهرت على السطح بأول ليلة له هنا إذا هتف بقسوة:
"ـ الموضوع دا انتهى، وأنا طلقتها، ومتشغلش دماغك تاني."
لم يكَد يُنهي جملته حتى لمحها وهي تهرول إلى الجهة الأخرى، فشعر بالقلق تجاهها، ولكنه تجاهل شعوره، والتفت مرة أخرى يناظر راجي قائلًا بجفاء:
"ـ الموضوع دا انتهى من سنة، ومش عايز أي حاجة تفتحه تاني والإنسانة دي أنا مفيش أي حاجة بتربطني بيها."
راجي باختصار:
"ـ اللي تشوفه."
"اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين، وغلبة الرجال." ♥️
جاء الصباح بعد هذه الليلة الكارثية، وقد كانت شروق أول من تخطاها، بعد أن اطمأنت أن آسيا قد استقرت حالتها، فقد عرضوها على الطبيب البارحة بعد انتهاء الحفل، والذي أكد على ضرورة عدم تعرضها إلى التوتر، والالتزام بالنظام الغذائي والدواء الذي وصفه لها، لتتوجه إلى عملها وهي تحاول تجاهل شعور قوي بأن شيء سيء على وشك الحدوث، ولكنها تجاهلته لتقوم بتحضير مخطط اليوم، وتتوجه إلى مكتب راجي الذي رحب بها قائلًا:
"ـ أهلًا بالموظفة المنضبطة اللي بتيجي في معادها مهما اتأخرت في السهر."
شروق بهدوء:
"ـ الشغل مالوش علاقة بأني سهرت ولا لا. الشغل شغل."
راجي بإعجاب:
"ـ عشان كدا دايمًا بقول عليكِ اختيار موفق."
شعرت بالخجل، وكعادتها تغير دفة الحديث حين يحاول أن يرسو فوق بر لا ترغب به لتقول بهدوء:
"ـ هعمل لحضرتك القهوة قدامك عشر دقايق تشربها قبل الاجتماع مع الدكتور معتز بخصوص مجمع المستشفيات."
راجي بابتسامة هادئة:
"ـ الصراحة قهوتك دي أكتر حاجة أنا محتاجها في الوقت الحالي."
شروق باختصار:
"ـ حالًا وتكون جاهزة عن إذنك."
أنهت جملتها وتوجهت إلى الخارج ومنه إلى غرفة الاستراحة لتقوم بعمل فنجان من القهوة إلى راجي الذي رحب به كثيرًا لتمر الدقائق وهو يشاهدها تقوم بإعداد الأوراق المطلوبة بهدوء كعادتها وبأناملها الرقيقة التي تعمل بمنتهى الاحترافية ليجذب انتباهه صوت طرق على الباب، فسمح للطارق بالدخول ليُطل معتز برأسه إلى الداخل ومن خلفه عمر الذي توجه خلف صديقه إلى مكتب راجي الذي رحب بهم قائلًا:
"ـ أهلًا بالدكاترة اتفضلوا."
كانت شروق تلملم الأوراق في الطرف الثاني من الغرفة، لتتجمد أوصالها حين سمعت صوت تعرفه جيدًا. صوت لطالما غزى واقعها ومنامها ورغمًا عنها اشتتاقه قلبها كثيرًا لتستدير ببطء وهي ترى عمر يجلس في المقعد المقابل لمكتب راجي، الذي كان يرحب بهم، غافلًا عن نظراتها المبهوتة، وملامحها التي يلونها الفزع، فقامت على الفور بالالتفات إلى الجهة الأخرى تحاول تنظيم أنفاسها حتى تستعد لهذه المقابلة، التي لم تحسب حسابها، فقد كانت آخر مرة رأته بها يوم طلاقهم، واختفى كأنه لم يكن موجودًا يومًا، ولكن عشقه المسموم لم يختفي معه.
شدت من أذر نفسها وهي تهمس لها بأنها قوية وأنها لن تدع له الفرصة للانتصار عليها، وستجعله يرى أنه أصبح غريبًا وكأنه لم يكن موجودًا يومًا.
"ـ شروق."
هكذا تحدث راجي مناديًا عليها ليشعر عمر بأن الاسم كألسنة اللهب التي تحرقه من الداخل وتذكره، بذلك الجرح المدفون بأعماق قلبه، ليجذب أنفاسه وقع لكعب حذاء نسائي يبدو كنغم موسيقي يوحي بأن هذه المرأة تتدلل لا تمشي، ولكنه لم يُكلف نفسه عناء الالتفات نحوها، ليمنحها تلك الفرصة لرؤية وقع المفاجئة عليه حين التفتت تقف بجوار راجي قائلة بنبرة عذبة:
"ـ صباح الخير."
اخترقت جملتها أذنه، فهذا الصوت لم يخطئ في معرفته أبدًا ليرفع رأسه وتستقر عينيه عليها لتتوسعان حتى كاد بؤبؤها أن يغادر مقلتيه!
"ـ أعرفكم. شروق مديرة مكتبي."
كانت جميلة، هادئة، واثقة بنفسها إلى حد كبير، ملامحها تضج بالفتنة وكأن الأيام مرت عليها لتعطيها لا لتأخذ منها، وأيضًا ثيابها كانت لامرأة ناضجة على عكس السابق، كل شيء بها مختلف مميز، على عكسه فقد نمت لحيته، ونحف جسده، وانطفأ بريق عينيه، حتى بدا أكبر من سنه بكثير وكأن الأيام كانت تغترف من طاقته ورغبته في الحياة.
"ـ اتفضل يا فندم. دا المخطط اللي نفذه التيم عندنا للتصميم الداخلي للمبنى الرئيسي."
وضعت الأوراق أمام راجي الذي رمقها بابتسامة كانت كفيلة لتجعله يستيقظ من صدمته وتحتد نظراته التي شملتها كُليًا ولكنها لم تؤثر بها ولو قيد أنملة.
"ـ عمر. يا عمر."
كان هذا صوت معتز صديقه الذي أخذ يكرر نداءه إلى عمر الغارق في تأمله لها ليجذب انتباهه يد معتز التي وضعها على فخذه ليجعله يستفيق وينظر إليه، فقام معتز بوضع الأوراق أمامه وهو يقول:
"ـ إيه رأيك؟"
ضيق عينيه وهو ينظر إلى الأوراق بعقل مُغيب تمامًا وملامح مكفهرة، وعيناه تتفرقان ما بين شروق التي كانت تتحدث بخفوت إلى راجي، ويبدو أنهم منسجمان في الحديث، مما جعله لا يدرك أي شيء مما يراه ليقترب منه معتز قائلًا بخفوت:
"ـ في حاجة يا عمر؟"
عمر بجفاء:
"ـ لا."
"ـ طب إيه رأيك؟!"
هكذا تحدث معتز إلى عمر الذي كانت عيناه معلقة على شروق ليتابع معتز باستفهام:
"ـ أنت تعرفها!"
كيف يخبره بأنها أقرب الناس إلى قلبه بالرغم من كل شيء! أنها كانت زوجته الأولى وحبيبته الوحيدة التي حُرِمت عليه جميع النساء بعدها!
"ـ لا."
"ـ إيه رأيكوا يا دكتور معتز؟"
لم يُمهله عمر الإجابة فقد نصب عوده وهو يقوم بلف اللوحات ليقول بجفاء وعيناه تتفرقان ما بين شروق وراجي:
"ـ هنشوف ونبقى نرد عليك."
اندهش راجي من حديثه ومظهره، فلم يروق له ذلك الرجل منذ أن رآه، ولكنه لم يستطع إلا أن يتعامل باحترام حين قال:
"ـ طيب مش تشربوا حاجة!"
التفت عمر ناظرًا إلى معتز وهو يقول بجفاء:
"ـ هستناك بره."
لو بقى ثانية واحدة لسفّر رأسه تلك التي لم تمنحه حتى التفاتة على عكس قلبه الغبي الذي اهتز من مجرد سماعه وقع ضربات حذائها على الأرض!
"ـ هو الدكتور عمر ماله!"
هكذا استفهم راجي ليُجيبه معتز بحرج:
"ـ معلش. بس أصل عمر لسه جاي من سفرية مكنتش أحسن حاجة، فأعصابه تعبانة شوية."
أومأ راجي بتفهم ليُغادر معتز خلف عمر الذي ما أن خرج من المشفى حتى قام بتمزيق اللوحات بحنق وإلقائها بعنف، فقد كان تجاهلها قاسي حد الألم، مستفز حد الجنون، وداخله يستنكر رؤيتها في هذا الوقت بالذات. لم يكن يحتمل أي استفهامات لذا استقل سيارته وغادر كعاصفة تشبه التي في قلبه تمامًا.
"اللهم أبدل قلقي سكينة وهمي انشراح وسخطي رضا وخوفي طمأنينة وعجزي قدرة وحزني فرح."
"ـ خالد. كمال رجع بجد!"
هكذا استفهمت نبيلة التي هرولت إلى هذا المنزل الذي حُرِم عليها طوال الاثنى عشر شهرًا الماضيين بأمر من خالد الذي رفع رأسه يناظرها بقسوة تجلت في نبرته حين قال:
"ـ أنتِ استأذنتي قبل ما تدخلي هنا."
نبيلة بعتب:
"ـ هتفضل محرم عليا بيت أبويا العمر كله يا خالد! معقول مصعبتش عليك!"
خالد بجفاء:
"ـ لا."
"ـ طيب بلاش أنا. ميرهان اللي دابت زي الشمعة دي مش صعبانة عليك بردو!"
خالد بفظاظة:
"ـ بالعكس. أنا زعلان من نفسي إني اتأخرت أوي في تربيتها."
نبيلة بانفعال:
"ـ كل دا عشان مين؟"
صاح خالد بحدة أفزعتها:
"ـ عشان تتربوا."
انتفضت إلى الخلف مذعورة من حدته لتهتف بنبرة مُرتجفة:
"ـ للدرجة دي هونت عليك أنا وهي!"
خالد بتهكم:
"ـ بتستعطفي إني عشان إيه! فارقلك بيت أبوكي أوي ولا حتى اللي فيه؟"
"ـ أيوا فارقلي. وانتوا كمان فارقينلي."
هكذا صرخت نبيلة لتهرول أشجان إلى غرفة المكتب إثر صراخها وهي تهتف بلهفة:
"ـ فيه إيه؟"
ناظرتها نبيلة بتخابث قبل أن تقول بتوسل:
"ـ تعالي يا أشجان احضرينا. يرضيكِ عمايل خالد فينا دي! يرضيكِ يمنعني أدخل بيت أبويا الفترة دي كلها، وحتى إني أشوف ميرهان أختي اللي مربياها على إيدي."
خالد بجفاء:
"ـ خرجي أشجان من كلامنا دلوقتي."
نبيلة بمكر يغلفه الحزن:
"ـ لا يا خالد إزاي مش مراتك ومفروض تنبهك لما تغلط."
أشجان بتأثر:
"ـ لا يا خالد، ملكش حق. خلاص بقى. انسى والمسامح كريم."
خالد بسخط:
"ـ اركني أنتِ على جنب دلوقتي."
نبيلة بتخابث:
"ـ إزاي تقولها كدا؟ اتكلمي يا أشجان."
أشجان بعتب:
"ـ لا يا خالد مينفعش كدا. الكلام أخد وعطى."
خالد بتحذير:
"ـ أشجان. الموضوع دا بره عنك."
أشجان في محاولة لتهدئته:
"ـ أهدى بس يا خالد واسمعها."
واصلت نبيلة بث سمومها إذ قالت بتأثر زائف:
"ـ هو طول عمره كدا. قاسي ومبيفكرش فينا. ولا بيسمع لحد، ولولا إني كنت بصعب عليكِ وبتخليني أشوف ميرهان الفترة اللي فاتت دي. كان زماني بقالي سنة مشوفتش أختي!"
اخترقت الجملة رأس خالد وصدر أشجان التي كادت أن تقع من فرط الخوف حين زأر بقوة:
"ـ أشجااااان."
نبيلة بأسف زائف:
"ـ أوف. أنا شكلي عكيت."
نهرها خالد بشراسة:
"ـ اطلعي بره."
أطاعته على الفور لتغادر وهي على وجهها ابتسامة ساخرة، وهي تشعر بالغبطة لما فعلته، والذي لن يمرره شقيقها مرور الكرام، وقد تأكدت ظنونها حين سمعته يهتف بحدة:
"ـ اقفلي الباب وتعالي هنا."
رواية هل من سبيل للغفران الفصل الخامس 5 - بقلم نورهان العشري
ـ أنتِ فعلًا كسرتي كلامي و خلتيهم يشوفوا بعض من ورايا ؟!
هكذا تحدث خالد بنبرة حادة قابلتها هي بالخوف الذي يُكلله الندم، فقد رق قلبها كثيرًا لبكاء الاثنتين، و أذعنت لرجاءهم في رؤية بعضهم البعض ولو لدقائق مستغلة غيابه، لم تكن تتخيل أن معروفها سينقلب ضدها و يضعها في هذا الموقف المُحرِج معه لذا أخفضت رأسها وهي تفرك يديها بقوة و العبرات تتزاحم في مقلتيها ترغب في الإفصاح عما يجيش بداخلها مما جعل نبرتها مُتحشرجة حين قالت:
ـ أيوا.
في وقتٍ آخر و مع شخصٍ آخر لكان هدم المكان فوق رأسه، فقد كان الغضب في أوجه داخل صدره، فهو يعلم أن هذا الإعوجاج الذي أصاب شقيقته الصغرى هو نتاج لتربية نبيلة لها، و لذلك لم يكن أمامه حلًا سوى بإبعادها عنها ليتمكن من تصليح هذا العطب الذي أصاب شخصيتها، و من جانب آخر فهو لم يكُن مُعتاد على تجاهل أوامره كما فعلت، و على الرغم من ذلك كظم غيظه و هتف بنبرة جافة:
ـ ليه؟
ـ صعبوا عليا.
هكذا رفعت رأسها تناظره فاصطدم غضبه العارم بحزنها الكبير ليُطفئه كنسمات الهواء العليلة التي رغم رقتها إلا أنها أخمدت جذوة الجحيم بداخله، ليسحب قدرًا كافيًا من الهواء داخل صدره قبل أن يقول بنبرة خشنة:
ـ تعالي هنا.
على الرغم من أنها تعرف مدى عشقه الكبير لها، و كم أنه يجاهد غضبه حتى لا يؤذيها، ولكن هناك في أعماق قلبها يوجد نقطة لازالت عالقة بالماضي تعج بالخوف الذي يهتاج رغمّا عنها حين ترى غضبه وقد تجلى ذلك في عينيها لتُجيبه وهي لازالت بمكانها:
ـ ميرهان كانت طول الوقت بتعيط و كنت بسمع دا بودني، بغض النظر عن أخطائها بس احنا بني آدمين هنفضل لحد امتى نقابل الشر بالشر، والغلط بالغلط. بالشكل دا الدايرة دي عمرها ما هتتقفل أبدًا!
لطالما كان هناك صراعًا قويًا بين الخير و الشر منذ بدأ الخليقة، ولكن ماذا لو اتخذ الشر من الخير درعًا لينتصر هو! و هل يُلام المرء على إنسانيته! أم يُعاقب على حسن الظن؟! أنحارب الشر حتى ينتصر الخير أم نعاقب الخير على تسيده لأفعالنا!
جميعها إستفتعامات دارت بعقله حين استمع إلى إجابتها لتلين ملامحه قليلًا قبل أن يمُد إليها يده وهو يقول بهدوء:
ـ قربي.
اقتربت منه بخطٍ سُلحفية و عينيها تبحث داخل عينيه عن أي ذرة غضب قد تتقد جذوته في أي لحظة ولكنها لم تجد سوى سماء خالية من الغيوم لا تصفو إلا إليها.
احتوت كفوفه خاصتها قبل أن يرفعهم إلى شفتيه ليُلثمهم برقة و عينيه تفصحان عن ما يجيش به صدره من عشقٍ كبير خلق لأجلها:
ـ لحد امتى هتفضلي تخطـفي قلبي برقتك دي!
التمعت نجوم الحب بسماء عينيها جراء حديثه لتقول بلهفة:
ـ يعني أنت خلاص مش زعلان مني!!
خالد بابتسامة ساخرة:
ـ أنا مش زعلان و بس! أناهطق منك.
انمحت بسمتها حين سمعت حديثه ليجذبها حتى تستقر بجانب صدره وهو يقول مُعاتبًا:
ـ ينفع تكسري كلمتي بدل ما تكوني أنتِ أول حد ينفذها؟
أشجان باعتذار:
ـ أنا أسفة. عارفة اني غلطت حتى لو عندي مُبرر من وجهة نظري قوي. بس صدقني هما فعلًا صعبوا عليا. نفس مشاعري ناحيتهم نفس مشاعرك تجاه آسيا. بالرغم من أنها جرحت كمال بس انت مقدرتش تتخلى عنها. حتى لو من جواك زعلان منها و مش مسامحها.
سحب رائحتها العذبة إلى رئتيه بقوة، فقد آلمه حديثها خاصةً و أن شقيقتاه لا يملكون خيرًا بداخلهم تجاه أحد، فإن كان هو ساعد آسيا ذلك لكونه متأكد من أنها تستحق ولكن شقيقته اثبتت اليوم و للمرة الألف أنها لا تستحق، ولكنه لن يقدر على البوح بما يعتمل بداخله لذا قال بخشونة:
ـ هطلب منك طلب، و ياريت بلاش أسئلة كتير اتفقنا!
رفعت رأسها تناظره وهي توميء بالموافقة لتمتد أنامله تلامس ملامحها بحنو وهو يقول بنبرة لا تلين سوى معها:
ـ بعد كدا متزرعيش الحب غير في المكان اللي عارفة أنه هيطرح ورد. مش شوك!
تفهمت على الفور لما يقصده، ولكنها لم تستطِع منع الكلمات من التدفق من بين شفتيها حين قالت:
ـ طيب واللي مبيعرفش يزرع غير الحب يعمل أيه!
ابتسم على عفويتها و طيبتها ليُجيبها بحنو:
ـ يبقى ميتعاملش غير مع حبيبه وبس. أنا أولى بالحب دا كله.
أشجان بخفوت:
ـ يعني متعاملش مع حد خالص!
خالد بسخرية:
ـ ياريت. تعاملاتك بتجيب مشاكل.
أضحكها حديثه بقوة لتُضيء عينيه حالما رأى ابتسامتها ليقول بحُب:
ـ ياريت لو العالم كله يقف عند الضحكة الحلوة دي.
أشجان بنبرة تقطر عشقًا:
ـ أنا كمان بتمنى العالم كله يقف وأنا جنبك و قدام عنيك. حقيقي مفيش حاجة أحلى من كدا.
ـ لا في أحلى!
أشجان باستفهام:
ـ أيه اللي أحلى؟
تفاجئت حين احتوت ذراعيه خصرها ليرفعها بغتةً حتى أصبحت بنفس طوله وهو يقول بنبرة عابثة لا تخلو من العشق:
ـ أنك تكوني في حضني..
أنهى جملته و أخذ يتناول العشق من بين ضفتي التوت خاصتها بروية، وكأنه يملك كل الوقت لذلك، ولكن العالم لا يُمهلهم الوقت للاستمتاع بعشقهم، فقد جاء صوت رنين الهاتف ليجذب انتباههم، فتركها خالد علي مضض وهو يجيب على كمال الذي قال باستفهام:
ـ صحيتك؟
خالد بتهكم:
ـ لا غلست عليا بس..
كمال بسخرية:
ـ الكينج بتاعنا بيفطر ولا أيه؟
خالد بحنق:
ـ بيحلي يا ظريف. انجز عايز أيه؟
كمال بعُجالة:
ـ مستنيك في الشركة قبل معاد الدوام عشان نتناقش في شوية حاجات مع بعض. متتأخرش.
خالد باختصار:
ـ نص ساعة وهكون عندك.
اغلق خالد الهاتف لتقترب منه أشجان وهي تمسك بكفه بتوسل خالط نبرتها وهي تقول:
ـ قولي أنه مش ناوي ينتقم من آسيا يا خالد. أنا عارفة اني كدا ممكن أكون أنانية. بس أنا مش فرحانه برجوعه. خايفة عليها أوي..
ربنا بحنو على كفها المُمسِك بكفه وهو يقول بنبرة خشنة:
ـ لا مش أنانية اي حد مكانك هيحس بكدا، و عمومّا اطمني الانتقام دا مش طبع كمال، بالإضافة أنه عمره ما هيتخطاني. و عمومًا انا ليا كلام معاه.
أشجان بحب:
ـ ربنا ما يحرمني منك أبدًا.
رفع كفها إليه يُلثمه وهو يبتسم بعذوبة قبل أن يقول باستفهام:
ـ قوليلي رنا عاملة أيه في المدرسة الجديدة؟
ـ مفيش جديد. لسه بس متوترة في الأول. كمان هي لسه متعرفش حد. بس واحدة واحدة هتتعود
هكذا أجابته أشجان ليُجيبها هو:
ـ خير. أنا هروح الشركة و نبقى نتكلم لما ارجع.
أشجان بحب:
ـ ربنا معاك يا حبيبي.
توجه معها إلى الخارج و ذراعه تحيط بكتفها، لتبرق عيني نبيلة حين رأت الصفاء الذي يخيم على أجوائهم، وكأنها لم تُفجر بارود حقدها بينهم منذ قليل ليرمقها خالد باحتقار لم يُعبر عنه بل التفت إلى أشجان قائلًا بحنو:
ـ لو حبيتي تخرجي هبعتلك السواق.
أشجان بهدوء:
ـ هكلمك اعرفك.
وضع قبلة فوق جبهتها قبل أن يقول بنبرة حانية على دويها بقصدٍ منه:
ـ خلي بالك من نفسك يا حبيبي.
أشجان بحُب:
ـ لا إله إلا الله.
ـ سيدنا محمد رسول الله.
هكذا أجابها قبل أن يرفع رأسه لتتبدل نظراته كُليًا وهو ينظر إلى نبيلة قائلاً بجفاء:
ـ يالا نكمل كلامنا بره، و لمعلوماتك أنتِ وهي أوامري لسه زي ماهي.
ارتعد جسد ميرهان من نظراته، فتراجعت إلى الخلف قاصده غرفتها لتتوجه نبيلة خلفه والغضب يأكل صدرها من الداخل و يتجلى بنبرتها حين قالت:
ـ أوامرك دي احنا كلنا كنا ماشيين عليها ماعدا مراتك الحلوة.
قالت كلمتها الأخيرة بسخرية قابلها بالجفاء حين قال:
ـ مراتي الحلوة تعمل اللي هي عايزاه، و بعدين هو أنتِ مش حكمتيها بينا و قولتي من شوية لو غلطت هي تردني! أهو حصل!
فغر فاهها و توسعت حدقتيها من فرط الذهول حين سمعت حديثه، فهل هذا شقيقها الذي يرتعب منه الجميع! تلك النكرة باستطاعتها تغيير دفة تفكيره. بينما هو ابتسم ساخرًا على مظهرها ليُتابع بنبرة هادئة ولكنها قاسية:
ـ مراتي الحلوة كان عندها حق لما خليتكوا تتقابلوا من ورايا. يعني عشان محسش بأي تأنيب ضمير تجاهكوا.
نبيلة بأنفاس متلاحقة من الصدمة:
ـ والله!
خالد بهدوء مُثير للأعصاب:
ـ والله. استمروا على كدا بقى، وكل فترة لما تصعبوا عليها هتبقى تخليكوا تتقابلوا.
لطالما كانت تشعر بالغضب منه في السابق لكونه دائمًا من يُفسد خططها و يقف لمصالحها، ولكن منذ ذلك اليوم حين جعله والده رئيسًا للشركة بعده مُتجاهلًا زوجها الذي كان أكبر سنًا و أكثر خبرة، و قد بدأ الغصب يتحول الى حقد، جعلها تقتل زوجته و طفله، و الآن أصبح الحقد كُره كونه يقهرها و يقطع كل محاولاتها في السيطرة على كل شيء حولهم، و يُحقر من شأنها بهذه الطريقة أمام ابنة الخادمة التي أصبحت سيدة القصر الذي هو قصرهم مما جعل ضباب الانتقام يُخيم على عينيها قبل أن تقول بجفاء:
ـ مُتشكرين يا خالد. ياللي وعدت بابا الله يرحمه انك تحافظ على اخواتك البنات و تكون في ضهرهم لكن الحقيقة أن انت اللي بتقطع فيهم، ومن بس كدا! دا أنت كمان بتركب مراتك فوق راسهم.
ضيق عينيه وهو يناظرها بخيبة أمل كبيرة، و رغمًا عنه يقارن بين حديثها المسموم و حديث أشجان في المكتب! و بين ما فعلته معها و مخالفتها لأوامره فقط لأنها أشفقت عليها، وبين ما فعلته معها، و مقابلة معروفها بالسوء ما جعله يقول بفظاظة:
ـ العفو.
الوحيد الذي ينجح في استفزازها و إخراجها من طور الهدوء الذي تتقمصه لتهتف بغل:
ـ هو أنت للدرجادي مبقتش شايف في الدنيا غيرها!
خالد بنبرة خشنة:
ـ دي حقيقة، اللي يشوف الخير اللي جوا أشجان، طبيعي أنه ميحبش يشوف الشر اللي جواكوا، ولو كنتِ منتظرة مني إني ممكن اهينها أو حتى ازعلها عشان هي خالفت أوامري، فتبقى غلطانه!
نبيلة بحقد:
ـ اومال بتعمل معانا احنا كدا ليه؟ بتهد الدنيا فوق دماغنا لو واحدة فينا غلطت ليه؟
خالد بتقريع:
ـ عشان فرق كبير أوي، بأن الشخص اللي قدامي غلط عشان كان عايز يعمل خير، و بين شخص غلط عشان هو مؤذي و بيكره الخير للناس كلها.
كادت تأكل أسنانها من شدة الغيظ، ولكنه لم يُمهلها الفرصة. الحديث إذ قال بفظاظة:
ـ نرجع لموضوعنا. كمال رجع، و معتقدش انه هيكون حابب يشوفكوا أو يتعامل معاكوا، و طبعًا مش محتاج أقول إن رغباته هتكون أوامر و محدش فيكوا هيفكر يضايقه.
نبيلة بغضب:
ـ هتمنعنا عنه كمان!
خالد بجفاء:
ـ ما أنتِ لسه قايلة اني أبويا الله يرحمه موصيني على اخواتي، وأنا لازم احافظ على وصيته. أه و بمناسبة الوصية بما أن جوزك أسس شغل جديد له ايه رأيك لو تاخدي نصيبك و تساعديه…
ـ لا. نصيب أي؟ انا مش عايزة حاجة. خلي فلوسي زي ماهي معاك.
هكذا هتفت بلهفة، فهي لم تقع في هذا الخطأ و تنفصل عنهم، كيف تفعل و أموالها تتضاعف كل دقيقة وهي معه! و أيضًا هناك حلمٌ كبير بأن يُصبح كل هذا ملكٌ لها!
ـ و على ذكر وصية ابوكي الله يرحمه، ففي وصية كمان هو كتبها وموثقة أن كل بنت فيكوا متاخدش غير ربع حقها، وانا عشان الحرام والحلال، تجاهلت الموضوع دا، و قولت حق كل بنت في رقبتي،فبلاش تضطريني اغير الخطة.
هكذا تحدث بنبرة مُحذرة لتتراجع فورًا من قمة الغضب إلى أقصى درجات التملُق حين ارتمت بين ذراعيه وهي تقول بنبرة زائفة الحب:
ـ حقك عليا يا خالد. بس انت اخويا حبيبي و يعز عليا اني اشوفك بتنصر مراتك عليا. طبيعي اني اغير واخد على خاطري. مكنش قصدي كل اللي انت فهمته خالص. سامحني و حقك عليا.
خيمت الخيبة على ملامحه وهو يستمع إلى كلماتها و إلى عانقها الذي يشبه احتضان الأفعى لفريستها قبل اتهامها، فجميع مشاعرها زائفة، و قد عرف ذلك منذ زمن بعيد، ولكنه لم يُريد جرحها أكثر لذا قام بالربت على كتفها وهو يقول باختصار:
ـ حصل خير.
تراجع عنها دون النظر إلى وجهها، فقد كان الألم بادٍ على ملامحه، فبالرغم من كل شيء، فهي شقيقته، بكل ما تحمله من كره و حقد و شر يكن لها مشاعرٍ لا تستحقها، كما لا يستحق أحد في هذا العالم أن يشعر بأن عليه أن يقف حذرًا من جزءٍ منه! ذلك الجزء الذي من المفترض أنه يكون أمانًا ولكنه ليس سوى عدو مُقنع، فهذا الشعور لم يكُن موجعًا، فحسب ! و ليس حتى مجرد خذلان! إنما هو انهيار لمعنى الانتماء بحد ذاته.
ـ أنا كلمت السواق، و هياخد الولاد على سوزي، و هيرجع ياخدك أنتِ كمان على هناك، وانا لما اخلص هجيلكوا.
كانت هذه الرسالة النصية التي أرسلها إلى أشجان، فلم يكن في حالة تمكنه من الحديث، ولا يستطِع تجاهل شعوره بالخوف عليهم من بقائهم في المنزل مع كل هذا الشر المُحيط بهم.
ـ كدا كل حاجة خلصت، و فاضل بس اغرف الأكل لما ياسر ييجي.
هكذا تحدثت غنى وهي تطفيء الموقد على الطعام، لتتوجه إلى الداخل و تتوضيء لتُصلي المغرب قبل وصوله، لتتفاجئ به يدخل من الباب، فارتسمت ابتسامة عريضة فوق شفتيها لطالما كانت العناق الذي يضم أوجاعه و يستقبله بحفاوة وهو عائد من هذا العمل القاسي، فقد كان يعمل في البناء طوال السنة الماضية في أحد المحافظات البعيدة كل البُعد عن القاهرة و خاصةً المكان الذي كانوا يعيشون به، ليستطِع أن يبدأ معها حياة لا يشوه تفاصيلها الماضي.
ـ حمدالله على السلامة. رجعت بدري النهاردة يعني.
تناسى تعبه وهو يقترب منها قائلاً بنبرة عاشقة:
ـ يمكن وحشتيني!
لون الخجل محياها لتقول بخفوت:
ـ يمكن مش أكيد!
ابتسامة عذبة أضاءت ملامحه وهو يُجيبها:
ـ دا أكيد وأكيد و أكيد. وحشتيني يا غُريبة قلبي.
ابتهج قلبها لجملته العذبة فالتمعت عينيها بالحب، و لكن هيئته جعلتها تتنبه لحالته، مما جعلها تقول بلهفة:
ـ تعالى ريح هنا، وانا خمس دقايق هجهزلك الحمام، و على ما تخلص اكون حطيت الأكل.
ياسر بحُب:
ـ مش عايز اتعبك.
غنى بدلال:
ـ تعبك راحة يا ريس.
توجهت إلى الحمام الذي لم يكُن فاخرًا أبدًا كحال الشقة التي كانت متوسطة ولكن وجودها و لمساتها الجميلة حولتها لتُصبح كالجنة في عينيه، فالسنة الماضية كانت كـ استراحة احتاجها كليهمَ لترميم تلك الجروح الغائرة، و شفاء لأوجاع جعلت الروح واهنه لا تقوى على المواجهة، وعلى الرغم من الجهد المُضني الذي يبذله في عمله الجديد، ولكن وجودها كان أكثر من كاف ليهون كل شيء و يبدد تلك العتمة عن عالمه، على الرغم من أنه لم يحدُث اي اتصال جسدي بينهم، ولكن يكفي أرواحهم التي تتعانق كل ليلة ليغفو كليهمَ مطمئنًا بجانب الآخر.
مضى بعض الوقت قبل أن يجلسوا سويًا على الطاولة الصغيرة في الصالة المتوسطة الحجم ليهتف ياسر باستمتاع:
ـ الأكل حلو أوي تسلم إيدك.
غنى بحبور:
ـ بالهنا و الشفا. قولت اعملك البامية اللي بتحبها.
ياسر بحنو:
ـ كل حاجة من إيدك بحبها.
اتسعت ابتسامتها ليُتابع بمرح:
ـ بس عشان أكون صريح البامية بتاعتك دي في قلبي. بتكون مسكرة زيك.
ابتسمت غنى بفخر تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ أيوا أصلي بحط إيدي فيها.
ضيق عينيه بخُبث جعلها تتوجس خيفة منه و خاصةً حين قال بمكر:
ـ قولتيلي! أنا عرفت السر. طب ما تيجي ادوق كدا وانا اقولك صح ولا غلط!
غنى باندفاع:
ـ لا تدوق ايه؟ هو انت مش واثق في كلامي!
ياسر بمُزاح:
ـ لا يا غالي واثق. دا إلا الثقة. بس ميمنعش اني أدوق بردو. زيادة تأكيد. ولا ايه؟
كان الخُبث يلون ملامحه وعينيه مما جعلها تتراجع في مقعدها وهي تقول بتوجس:
ـ أيه ؟
باغتها حين هب من مكانه يندفع نحوها لتتراجع إلى الخلف وهي تشهق بفزع لتتفاجيء به يجذب كفوفها بين يديه، ليخفض رأسه يّلثم أناملها الصغيرة برقة قبل أن يرفع رأسه وهو يناظرها بحُب و ضحكة رائعة تزين عينيه ليقول بغزل:
ـ تصدقي صح. مسكرة.
ـ أنت بتسهبل على فكرة. وقعت قلبي.
هكذا تحدثت بلُهاث، فقد كانت تحبس أنفاسها من فرط الخوف، فطوال العام الماضي لم يحاول الاقتراب من تلك المساحة الشخصية التي وضعتها بينهم، وقد كان يحترم رغبتها دون أن يحاول فرض نفسه عليها، وكأنه اختار أن يُطيب جراحها واحدٍ تلو الآخر أولٍا ثم يبدأ حياتهم الزوجية بعد أن تصبح هي مستعدة لذلك، ولكن لم يخلو الأمر من مشاكساته و غزله الذي يوحي بأنه يرغبها كزوجة، وكأنه يذكرها بأن هناك روح تشتاق لاكتمالها و سرعان ما ياخذ الأمر منحنى آخر و ينتهي بضحكة سعيدة يتشتركوها سويًا، ولكنها بكل مرة يفعل ذلك تشتعل جذوة الخوف بقلبها. تتمنى لو تقتلع جذوره من داخلها لتهنيء بحياة سعيدة برفقته.
ـ سلامة قلبك يا حبيبتي. أنا بهزر معاكِ.
كلماته جعلت الذنب يزحف إلى قلبها، لتقول بنبرة حزينة:
ـ نفسي ابطل الخوف دا. بيكون غصب عني.
ياسر بتفهم وهو لازال يحتضن يدها بكفوفه الحانية:
ـ سيبي كل حاجة لوقتها. احنا ورانا أيه؟ و بعدين كفاية أننا مع بعض.
رق قلبها لحديثه لتقول باستفهام خافت:
ـ مش هتزهق؟
ياسر بنبرة عاشقة:
ـ مهما حصل عمري ما هبطل أحبك، ولا اقولك انك أنا بحبك. اضحكي بقى..
اعتلت بسمة رائعة ثغرها ليبتسم هو الآخر قائلًا بمرح:
ـ اتمنى متكونش دي مقدمة و ألاقي الدنيا تضرب تقلب جوا، و تصعبي على ياسر، فيقف يساعدك، والحجج دي عارفها أنا..
قهقهت على حديثه وهي تراه يرفع صينية الطعام و يدلف إلى المطبخ الضيق ليضعها على الطاولة التي في ركن المطبخ وهي خلفه تهتف بتذمُر:
ـ هي مرة ولا اتنين اللي ساعدتني فيهم، مش حوار يعني!
رفع أحد حاجبيه بحنق قبل أن يقول بحدة:
ـ على أساس أن كلامي مطلعش صح! قربي وقوليلي ايه دا يا هانم!
برقت عينيها من الاندهاش، فقد قامت بجلي الصحون و تنظيف المطبخ. قبل حضوره لتقترب بلهفة، دون أن تدرك أنها كانت قريبة جداً منه ليقوم بوضع قبلة دافئة فوق خدها وهو يقول بحُب:
ـ اساعدك العمر كله يا غريبة قلبي. أنتِ بس اؤمري.
ارتج قلبها لأفعاله و لحنانه الذي أغدقها به حتى شعرت و كأنها امتلكت العالم أجمع بين يديها حين أصبحت زوجة هذا الرجل لتبتسم بحُب وهي تراه يقوم بجلي الصحون التي كانوا يأكلون بها، فبالرغم من صعوبة عمله إلا أنه دائمًا يساعدها في أعمال المنزل، و يجلب لها كل ما تحتاجه من الخارج، وكأنه يحاول تدليلها بقدر ما يستطِع.
ـ هتفضلي واقفة تسبليلي كدا كتير! الشيطان شاطر، وانا وهو ولاد عم أصلًا.
قهقهت على حديثه قبل أن تمازحه قائلة:
ـ اسبل ايه! و شيطان مين! متاخدنيش في دوكة. أنت نصاب على فكرة.
ياسر بمرح:
ـ أيوا طبعًا لازم اكون نصاب. اومال يتاكل حقي في البيت دا يا هانم.
غنى بسخرية:
ـ لا ناصح بصراحة..
ياسر بمرح:
ـ اومال ايه؟ وادي كدا المواعين خلصت يارب يتمر بس.
غنى برقة مُفتعلة:
ـ هيتمر طبعًا يا ريس. أنا أقدر!
ضيق عينيه وهو يرى تبدلها المفاجيء ليقول بقلق:
ـ قلبي مش مرتاحلك. في ايه؟
غنى بلهفة:
ـ زهقانه و عايزة أخرج.
ياسر باستفهام:
ـ عايزة تروحي فين؟
غنى بدلال:
ـ أي مكان معاك.
ياسر بوقاحة:
ـ لو تعرفي أنا هموت و نروح فين ؟!
غنى باندفاع:
ـ فين؟
ياسر بتهكم:
ـ مارينا! أيه رأيك ناكل أيس كريم!
غنى بحماس:
ـ هو دا الريس ياسر الوتيدي. يالا بينا.
بعد وقت ليس بقليل كانت تسير إلى جانبه يدًا بيد وهم يتناولون المثلجات، لتقول غنى:
ـ عارف أحلى حاجة فيك أي؟
ياسر بحنو:
ـ أنتِ.
غنى بدلال:
ـ دا شيء مفروغ منه. أنا بتكلم عن حاجة تانية. بجد بحب أوي انك لما بنمشي سوى بتمسك ايدي كدا و تقربني منك. مش زي الرجالة اللي بتمشي قدام و تسيب مراتتها تمشي وراها.
ياسر بتهكم:
ـ هو انا عليا تار همشيكي ورايا تحرسيني!
اضحكتها كلماته بشدة لتجده يُتابع بتحذير وهو يضع ذراعه فوق كتفها:
ـ وبعدين لازم الغريبة بتاعتي تمشي جنبي كدا و إيدها في ايدي. عشان الناس كلها تعرف انها تخصني. أي حد ظريف، خفيف يفكر أنه يبصلها بعين اخلعله اللتنين..
ابتسمت على كلماته التي أشعرتها بالسعادة لتقول بحماس:
ـ أيوا بقى يا ريس يا جامد.
ياسر بوقاحة:
ـ والله ماحد جامد إلا أنت يا قلب الريس..
غنى بريبة:
ـ معرفش ليه بحس أن كلامك دا نصه و وراه نوايا خبيثة!
ياسر بتهكم:
ـ حاسة مش متأكدة! أنا قولت من الأول انا متجوز واحدة هبلة..
مرت ساعة وهم يمشون في الطرقات الهادئة يدًا بيد يتجاذبون أطراف الحديث تارة و يمزحون تارة أخرى إلى أن وصلا إلى المنزل ليرن هاتف ياسر الذي أجاب بمرح:
ـ زيدو….
يزيد بحنق:
ـزيدو و زفت. أبو قردان. اقصد أبو غنى بيموت. لازم تيجوا بسرعة.
ـ اللي سمعته. بجولك مفيش بيناتهم حاچة. من وجت ما چاب المهندِس جال عشان يچدد الاوضة وأني حسيت إن في حاچة غريبة بتحصول! اتاريه قسم الأوضة بيناتهم.
هكذا تحدثت نجيبه على الهاتف بنبرة خفيضة ليأتيها صوت رماح المغلول:
ـ بت أبوها صوح. عرفت توجفه عِند حده. بس هانت. فات الكتير، واني جربت ارچع مصر من تاني، و هخليه يجول حجي برجابتي.
نجيبه بحنق:
ـ إني سمعت الحديت ده كتير، و مفيش أي حاچة بتحصل. ميتا هتخلِص عليه!
رماح بحدة:
ـ الصبر يا ولية. جولتلك فات الكتير. جوليلي. أنتٌ ليكِ حديت معاها!
نجيبه بغل:
ـ جليل جوي. الست هانم مابتعبِرش حد، و البيه جدامنا بيعاملها كيف الأميرة. لاه و مش بس أكده دا كمان مخليها تتحكم في الدوار كلاته.
قهقه رماح قبل أن يقول بشر:
ـ أكده معناه أنه طب، و ده حاچة في موصلحتنا. فاضل بس ألم الشمل، و البنته تعرِف أن أبوها بيدور عليها. اسمعيني زين في اللي هجوله و نفذيه بالحرف الواحد.
ـ سمعاك يا رماح.
في الناحية الآخرى كان رحيم يترأس طاولة الطعام، و هي على المقعد المقابل له، فطوال العام الماضي التزم كليهما جانب الصمت. يتعاملان أمام الجميع كزوج و زوجة، وبينهم كان كلًا منهما يلزم غرفته، فقد قام بجلب مهندس صديق له من القاهرة ليقوم بإعادة تشكيل غرفته الكبيرة لجعلها غرفتان ولكن بباب واحد حتى لا يشعر أحد بما يحدُث، و لم يكُن يدلف إليها أي شخصٍ سواهم كل هذا في سبيل رضاها الذي طال، حتى بدأ يشعر بأن طاقته أوشكت على النفاذ، فلم يستطِع اي شيء جعلها تتجاوز عن فعلته أو حتى تُعطيه الفرصة للشرح.
ـ كيف الأحوال في الدوار اهنه؟
هكذا تحدث محاولًا فتح أي باب للحديث معها لتُجيبه دون أن ترفع رأسها عن الطبق أمامها:
ـ بخير.
عض على شفتيه حنقًا قبل أن يقول بنبرة غليظة:
ـ نجيبه لسانها بتضايجك!
نجاة بجفاء:
ـ لاه..
حاول مجددًا حين قال باستفهام:
ـ مين اللي عِمل الوكل؟
اغتاظت من إصراره على فتح حديث معها لترفع رأسها تناظرها بغضب قبل أن تقول بنفاذ صبر:
ـ اللي بيعمله كل يوم!
كان يشتاق لملامحها الرائعة التي أصبح يعشق كل إنش بها، لينمحي غضبه حين رفعت رأسها تناظره ليقول بنبرة خشنة:
ـ تسلم يدك..
زعزعت كلماته البسيطة ثباتها، و تنتفض دقات قلبها تأثرًا بنظراته التي اشتبكت مع خاصتها لبرهة قبل أن تجذب عينيها من أثر عينيه لتقوم من مكانها تنوي الهرب، و إذا بيده تقبض على خاصتها تمنعها من التحرك خطوة واحدة لتناظره بحدة قابلتها نبرته الآمرة حين قال:
ـ اجعدي كملي وكل..
عاندته قائلة بغضب:
ـ شبعت.
شاب التحذير نبرته حين قال:
ـ جولتلك كملي وكلك يا نچاة بطلي شغل عيال..
اغتاظت من حديثه، وحين أوشكت على الرد تفاجئت بسكينة التي دلفت الى داخل الغرفة، فوجدت يده تمسك بيدها لتتبدل نظراتها على الفور ونبرتها وهي تقول:
ـ شبعت. خليني اعملك الشاي. عشان متتأخرش.
دون أن يلتفت علم سبب تغير حالها ليستغل ذلك قائلًا بتخابث:
ـ متتعبيش حالك. اني معنديش مواعيد. لغيتها النهاردة وهجضي اليوم كله اهنه. كلي براحتك، و بعدين نشربوا الشاي مع بعضينا فوج.
ودت لو تقوم بكسر هذا الطبق فوق رأسه، فذلك اللعين قال حديثه عن قصد أمام تلك البومة التي كانت تناظرهم بارتياب وهي مجبرة على مجاراته حتى تقتل أي شك ينمو في رأسها اللعين لذا قالت بابتسامة صفراء:
ـ وماله. اللي تشوفه يا عمدة..
بعد مرور بعض الوقت كان رحيم يجلس في غرفته التي يفصلها عن غرفتها جدار وباب لعينان يحجبان عنه جنته بين ذراعيها، و لكنه أصبح لا يُطيق ذلك الوضع لذا قرر بكل الطرق تغييره.
دلفت إلى داخل الغرفة وهي تحمل صينية الشاي و الغضب يلون محياها، و خاصةً حين وجدت تلك البسمة الماكرة ترتسم فوق ثغره لتقوم بوضع الصينية التي كان فوقها إناء حراري به لترًا من الشاي و بعض الأكواب ثم التفتت تنوي التوجه إلى غرفتها لتوقفها كلماته الآمرة حين قال:
ـ صبيلي الشاي..
كانت تطحن ضروسها من فرط الحنق، ولكنها تجاهلته و توجهت إلى الصينية لتقوم بسكب الشاي في الكوب، ولسوء حظها، فقد كان الإناء غير محكم الغلق ليسقط الماء الساخن فوق كفها لتصرخ بألم، فهب رحيم مفزوعًا لينظر إلى جلدها المُحمر، وهو يهتف:
ـ مش تحاسبي.. وريني يدك..
تفحص يدها ليرى مدى الضرر بها ليقوم بجذبها و يتوجه إلى المرحاض ليضعها أسفل الماء الجاري، ولكنها صرخت بألم فقد كانت يدها تؤلمها بقوة جعلتها تبكي، ليرق قلبه كثيرًا على ألمها مما جعله يقوم بمد يده و محو عبراتها وهو يقول بحنو:
ـ بزيداكي بكى. تعالي معاي هدهنلك مرهم يهدي الحرج شوية.
لم تقاومه بل تركته يقوم بفرد الدهان فوق الحرق الذي يؤلمها و ما أن انتهى حتى أخذ ينظر إلى وجهها الباكي، وخصلاتها التي التصقت بجبينها من شدة التعرق ليمد يده بعفوية ويمحو قطرات العرق من على جبينها لتتراجع هي إلى الخلف بلهفة جعلته يقول باستنكار:
ـ لساتك خايفة مني يا نجاة! اديلنا سنة عايشين في أوضة واحدة كيف الاغراب محاولتش حتى اضايجك ولو بكلمة، و أنتِ بردك شيفاني كيف الوحش اللي هيأذيكِ!
تألم قلبها لحديثه ولكن عقلها إبى التراجع لتقول بلهجة مُتحشرجة:
ـ تجصد الوحش اللي أذاني جبل أكده.
آلمته الكلمة بقوة ليُغمض عينيه بألم تجلى في نبرته حين قال:
ـ أني عمري ما كنت وحش. بس أنتوا يا حريم كيف الجطط بتاكلوا و تنكروا. عمومًا متخافيش اني مش هجرب عليكِ لا بجصد ولا من غير. اطمني.
نهض من مكانه يتوجه إلى الخارج ليتجمد بأرضه حين سمع كلماتها المُعذبة بعد أن قررت المواجهة أخيرًا:
ـ أنت اللي جتلت مرتك صوح!
ـ اللي سمعته. بجولك مفيش بيناتهم حاچة. من وجت ما چاب المهندِس جال عشان يچدد الاوضة وأني حسيت إن في حاچة غريبة بتحصول! اتاريه قسم الأوضة بيناتهم.
هكذا تحدثت نجيبه على الهاتف بنبرة خفيضة ليأتيها صوت رماح المغلول:
ـ بت أبوها صوح. عرفت توجفه عِند حده. بس هانت. فات الكتير، واني جربت ارچع مصر من تاني، و هخليه يجول حجي برجابتي.
نجيبه بحنق:
ـ إني سمعت الحديت ده كتير، و مفيش أي حاچة بتحصل. ميتا هتخلِص عليه!
رماح بحدة:
ـ الصبر يا ولية. جولتلك فات الكتير. جوليلي. أنتٌ ليكِ حديت معاها!
نجيبه بغل:
ـ جليل جوي. الست هانم مابتعبِرش حد، و البيه جدامنا بيعاملها كيف الأميرة. لاه و مش بس أكده دا كمان مخليها تتحكم في الدوار كلاته.
قهقه رماح قبل أن يقول بشر:
ـ أكده معناه أنه طب، و ده حاچة في موصلحتنا. فاضل بس ألم الشمل، و البنته تعرِف أن أبوها بيدور عليها. اسمعيني زين في اللي هجوله و نفذيه بالحرف الواحد.
ـ سمعاك يا رماح.
في الناحية الآخرى كان رحيم يترأس طاولة الطعام، و هي على المقعد المقابل له، فطوال العام الماضي التزم كليهما جانب الصمت. يتعاملان أمام الجميع كزوج و زوجة، وبينهم كان كلًا منهما يلزم غرفته، فقد قام بجلب مهندس صديق له من القاهرة ليقوم بإعادة تشكيل غرفته الكبيرة لجعلها غرفتان ولكن بباب واحد حتى لا يشعر أحد بما يحدُث، و لم يكُن يدلف إليها أي شخصٍ سواهم كل هذا في سبيل رضاها الذي طال، حتى بدأ يشعر بأن طاقته أوشكت على النفاذ، فلم يستطِع اي شيء جعلها تتجاوز عن فعلته أو حتى تُعطيه الفرصة للشرح.
ـ كيف الأحوال في الدوار اهنه؟
هكذا تحدث محاولًا فتح أي باب للحديث معها لتُجيبه دون أن ترفع رأسها عن الطبق أمامها:
ـ بخير.
عض على شفتيه حنقًا قبل أن يقول بنبرة غليظة:
ـ نجيبه لسانها بتضايجك!
نجاة بجفاء:
ـ لاه..
حاول مجددًا حين قال باستفهام:
ـ مين اللي عِمل الوكل؟
اغتاظت من إصراره على فتح حديث معها لترفع رأسها تناظرها بغضب قبل أن تقول بنفاذ صبر:
ـ اللي بيعمله كل يوم!
كان يشتاق لملامحها الرائعة التي أصبح يعشق كل إنش بها، لينمحي غضبه حين رفعت رأسها تناظره ليقول بنبرة خشنة:
ـ تسلم يدك..
زعزعت كلماته البسيطة ثباتها، و تنتفض دقات قلبها تأثرًا بنظراته التي اشتبكت مع خاصتها لبرهة قبل أن تجذب عينيها من أثر عينيه لتقوم من مكانها تنوي الهرب، و إذا بيده تقبض على خاصتها تمنعها من التحرك خطوة واحدة لتناظره بحدة قابلتها نبرته الآمرة حين قال:
ـ اجعدي كملي وكل..
عاندته قائلة بغضب:
ـ شبعت.
شاب التحذير نبرته حين قال:
ـ جولتلك كملي وكلك يا نچاة بطلي شغل عيال..
اغتاظت من حديثه، وحين أوشكت على الرد تفاجئت بسكينة التي دلفت الى داخل الغرفة، فوجدت يده تمسك بيدها لتتبدل نظراتها على الفور ونبرتها وهي تقول:
ـ شبعت. خليني اعملك الشاي. عشان متتأخرش.
دون أن يلتفت علم سبب تغير حالها ليستغل ذلك قائلًا بتخابث:
ـ متتعبيش حالك. اني معنديش مواعيد. لغيتها النهاردة وهجضي اليوم كله اهنه. كلي براحتك، و بعدين نشربوا الشاي مع بعضينا فوج.
ودت لو تقوم بكسر هذا الطبق فوق رأسه، فذلك اللعين قال حديثه عن قصد أمام تلك البومة التي كانت تناظرهم بارتياب وهي مجبرة على مجاراته حتى تقتل أي شك ينمو في رأسها اللعين لذا قالت بابتسامة صفراء:
ـ وماله. اللي تشوفه يا عمدة..
بعد مرور بعض الوقت كان رحيم يجلس في غرفته التي يفصلها عن غرفتها جدار وباب لعينان يحجبان عنه جنته بين ذراعيها، و لكنه أصبح لا يُطيق ذلك الوضع لذا قرر بكل الطرق تغييره.
دلفت إلى داخل الغرفة وهي تحمل صينية الشاي و الغضب يلون محياها، و خاصةً حين وجدت تلك البسمة الماكرة ترتسم فوق ثغره لتقوم بوضع الصينية التي كان فوقها إناء حراري به لترًا من الشاي و بعض الأكواب ثم التفتت تنوي التوجه إلى غرفتها لتوقفها كلماته الآمرة حين قال:
ـ صبيلي الشاي..
كانت تطحن ضروسها من فرط الحنق، ولكنها تجاهلته و توجهت إلى الصينية لتقوم بسكب الشاي في الكوب، ولسوء حظها، فقد كان الإناء غير محكم الغلق ليسقط الماء الساخن فوق كفها لتصرخ بألم، فهب رحيم مفزوعًا لينظر إلى جلدها المُحمر، وهو يهتف:
ـ مش تحاسبي.. وريني يدك..
تفحص يدها ليرى مدى الضرر بها ليقوم بجذبها و يتوجه إلى المرحاض ليضعها أسفل الماء الجاري، ولكنها صرخت بألم فقد كانت يدها تؤلمها بقوة جعلتها تبكي، ليرق قلبه كثيرًا على ألمها مما جعله يقوم بمد يده و محو عبراتها وهو يقول بحنو:
ـ بزيداكي بكى. تعالي معاي هدهنلك مرهم يهدي الحرج شوية.
لم تقاومه بل تركته يقوم بفرد الدهان فوق الحرق الذي يؤلمها و ما أن انتهى حتى أخذ ينظر إلى وجهها الباكي، وخصلاتها التي التصقت بجبينها من شدة التعرق ليمد يده بعفوية ويمحو قطرات العرق من على جبينها لتتراجع هي إلى الخلف بلهفة جعلته يقول باستنكار:
ـ لساتك خايفة مني يا نجاة! اديلنا سنة عايشين في أوضة واحدة كيف الاغراب محاولتش حتى اضايجك ولو بكلمة، و أنتِ بردك شيفاني كيف الوحش اللي هيأذيكِ!
تألم قلبها لحديثه ولكن عقلها إبى التراجع لتقول بلهجة مُتحشرجة:
ـ تجصد الوحش اللي أذاني جبل أكده.
آلمته الكلمة بقوة ليُغمض عينيه بألم تجلى في نبرته حين قال:
ـ أني عمري ما كنت وحش. بس أنتوا يا حريم كيف الجطط بتاكلوا و تنكروا. عمومًا متخافيش اني مش هجرب عليكِ لا بجصد ولا من غير. اطمني.
نهض من مكانه يتوجه إلى الخارج ليتجمد بأرضه حين سمع كلماتها المُعذبة بعد أن قررت المواجهة أخيرًا:
ـ أنت اللي جتلت مرتك صوح!
ـ اللي سمعته. بجولك مفيش بيناتهم حاچة. من وجت ما چاب المهندِس جال عشان يچدد الاوضة وأني حسيت إن في حاچة غريبة بتحصول! اتاريه قسم الأوضة بيناتهم.
هكذا تحدثت نجيبه على الهاتف بنبرة خفيضة ليأتيها صوت رماح المغلول:
ـ بت أبوها صوح. عرفت توجفه عِند حده. بس هانت. فات الكتير، واني جربت ارچع مصر من تاني، و هخليه يجول حجي برجابتي.
نجيبه بحنق:
ـ إني سمعت الحديت ده كتير، و مفيش أي حاچة بتحصل. ميتا هتخلِص عليه!
رماح بحدة:
ـ الصبر يا ولية. جولتلك فات الكتير. جوليلي. أنتٌ ليكِ حديت معاها!
نجيبه بغل:
ـ جليل جوي. الست هانم مابتعبِرش حد، و البيه جدامنا بيعاملها كيف الأميرة. لاه و مش بس أكده دا كمان مخليها تتحكم في الدوار كلاته.
قهقه رماح قبل أن يقول بشر:
ـ أكده معناه أنه طب، و ده حاچة في موصلحتنا. فاضل بس ألم الشمل، و البنته تعرِف أن أبوها بيدور عليها. اسمعيني زين في اللي هجوله و نفذيه بالحرف الواحد.
ـ سمعاك يا رماح.
في الناحية الآخرى كان رحيم يترأس طاولة الطعام، و هي على المقعد المقابل له، فطوال العام الماضي التزم كليهما جانب الصمت. يتعاملان أمام الجميع كزوج و زوجة، وبينهم كان كلًا منهما يلزم غرفته، فقد قام بجلب مهندس صديق له من القاهرة ليقوم بإعادة تشكيل غرفته الكبيرة لجعلها غرفتان ولكن بباب واحد حتى لا يشعر أحد بما يحدُث، و لم يكُن يدلف إليها أي شخصٍ سواهم كل هذا في سبيل رضاها الذي طال، حتى بدأ يشعر بأن طاقته أوشكت على النفاذ، فلم يستطِع اي شيء جعلها تتجاوز عن فعلته أو حتى تُعطيه الفرصة للشرح.
ـ كيف الأحوال في الدوار اهنه؟
هكذا تحدث محاولًا فتح أي باب للحديث معها لتُجيبه دون أن ترفع رأسها عن الطبق أمامها:
ـ بخير.
عض على شفتيه حنقًا قبل أن يقول بنبرة غليظة:
ـ نجيبه لسانها بتضايجك!
نجاة بجفاء:
ـ لاه..
حاول مجددًا حين قال باستفهام:
ـ مين اللي عِمل الوكل؟
اغتاظت من إصراره على فتح حديث معها لترفع رأسها تناظرها بغضب قبل أن تقول بنفاذ صبر:
ـ اللي بيعمله كل يوم!
كان يشتاق لملامحها الرائعة التي أصبح يعشق كل إنش بها، لينمحي غضبه حين رفعت رأسها تناظره ليقول بنبرة خشنة:
ـ تسلم يدك..
زعزعت كلماته البسيطة ثباتها، و تنتفض دقات قلبها تأثرًا بنظراته التي اشتبكت مع خاصتها لبرهة قبل أن تجذب عينيها من أثر عينيه لتقوم من مكانها تنوي الهرب، و إذا بيده تقبض على خاصتها تمنعها من التحرك خطوة واحدة لتناظره بحدة قابلتها نبرته الآمرة حين قال:
ـ اجعدي كملي وكل..
عاندته قائلة بغضب:
ـ شبعت.
شاب التحذير نبرته حين قال:
ـ جولتلك كملي وكلك يا نچاة بطلي شغل عيال..
اغتاظت من حديثه، وحين أوشكت على الرد تفاجئت بسكينة التي دلفت الى داخل الغرفة، فوجدت يده تمسك بيدها لتتبدل نظراتها على الفور ونبرتها وهي تقول:
ـ شبعت. خليني اعملك الشاي. عشان متتأخرش.
دون أن يلتفت علم سبب تغير حالها ليستغل ذلك قائلًا بتخابث:
ـ متتعبيش حالك. اني معنديش مواعيد. لغيتها النهاردة وهجضي اليوم كله اهنه. كلي براحتك، و بعدين نشربوا الشاي مع بعضينا فوج.
ودت لو تقوم بكسر هذا الطبق فوق رأسه، فذلك اللعين قال حديثه عن قصد أمام تلك البومة التي كانت تناظرهم بارتياب وهي مجبرة على مجاراته حتى تقتل أي شك ينمو في رأسها اللعين لذا قالت بابتسامة صفراء:
ـ وماله. اللي تشوفه يا عمدة..
بعد مرور بعض الوقت كان رحيم يجلس في غرفته التي يفصلها عن غرفتها جدار وباب لعينان يحجبان عنه جنته بين ذراعيها، و لكنه أصبح لا يُطيق ذلك الوضع لذا قرر بكل الطرق تغييره.
دلفت إلى داخل الغرفة وهي تحمل صينية الشاي و الغضب يلون محياها، و خاصةً حين وجدت تلك البسمة الماكرة ترتسم فوق ثغره لتقوم بوضع الصينية التي كان فوقها إناء حراري به لترًا من الشاي و بعض الأكواب ثم التفتت تنوي التوجه إلى غرفتها لتوقفها كلماته الآمرة حين قال:
ـ صبيلي الشاي..
كانت تطحن ضروسها من فرط الحنق، ولكنها تجاهلته و توجهت إلى الصينية لتقوم بسكب الشاي في الكوب، ولسوء حظها، فقد كان الإناء غير محكم الغلق ليسقط الماء الساخن فوق كفها لتصرخ بألم، فهب رحيم مفزوعًا لينظر إلى جلدها المُحمر، وهو يهتف:
ـ مش تحاسبي.. وريني يدك..
تفحص يدها ليرى مدى الضرر بها ليقوم بجذبها و يتوجه إلى المرحاض ليضعها أسفل الماء الجاري، ولكنها صرخت بألم فقد كانت يدها تؤلمها بقوة جعلتها تبكي، ليرق قلبه كثيرًا على ألمها مما جعله يقوم بمد يده و محو عبراتها وهو يقول بحنو:
ـ بزيداكي بكى. تعالي معاي هدهنلك مرهم يهدي الحرج شوية.
لم تقاومه بل تركته يقوم بفرد الدهان فوق الحرق الذي يؤلمها و ما أن انتهى حتى أخذ ينظر إلى وجهها الباكي، وخصلاتها التي التصقت بجبينها من شدة التعرق ليمد يده بعفوية ويمحو قطرات العرق من على جبينها لتتراجع هي إلى الخلف بلهفة جعلته يقول باستنكار:
ـ لساتك خايفة مني يا نجاة! اديلنا سنة عايشين في أوضة واحدة كيف الاغراب محاولتش حتى اضايجك ولو بكلمة، و أنتِ بردك شيفاني كيف الوحش اللي هيأذيكِ!
تألم قلبها لحديثه ولكن عقلها إبى التراجع لتقول بلهجة مُتحشرجة:
ـ تجصد الوحش اللي أذاني جبل أكده.
آلمته الكلمة بقوة ليُغمض عينيه بألم تجلى في نبرته حين قال:
ـ أني عمري ما كنت وحش. بس أنتوا يا حريم كيف الجطط بتاكلوا و تنكروا. عمومًا متخافيش اني مش هجرب عليكِ لا بجصد ولا من غير. اطمني.
نهض من مكانه يتوجه إلى الخارج ليتجمد بأرضه حين سمع كلماتها المُعذبة بعد أن قررت المواجهة أخيرًا:
ـ أنت اللي جتلت مرتك صوح!
ـ اللي سمعته. بجولك مفيش بيناتهم حاچة. من وجت ما چاب المهندِس جال عشان يچدد الاوضة وأني حسيت إن في حاچة غريبة بتحصول! اتاريه قسم الأوضة بيناتهم.
هكذا تحدثت نجيبه على الهاتف بنبرة خفيضة ليأتيها صوت رماح المغلول:
ـ بت أبوها صوح. عرفت توجفه عِند حده. بس هانت. فات الكتير، واني جربت ارچع مصر من تاني، و هخليه يجول حجي برجابتي.
نجيبه بحنق:
ـ إني سمعت الحديت ده كتير، و مفيش أي حاچة بتحصل. ميتا هتخلِص عليه!
رماح بحدة:
ـ الصبر يا ولية. جولتلك فات الكتير. جوليلي. أنتٌ ليكِ حديت معاها!
نجيبه بغل:
ـ جليل جوي. الست هانم مابتعبِرش حد، و البيه جدامنا بيعاملها كيف الأميرة. لاه و مش بس أكده دا كمان مخليها تتحكم في الدوار كلاته.
قهقه رماح قبل أن يقول بشر:
ـ أكده معناه أنه طب، و ده حاچة في موصلحتنا. فاضل بس ألم الشمل، و البنته تعرِف أن أبوها بيدور عليها. اسمعيني زين في اللي هجوله و نفذيه بالحرف الواحد.
ـ سمعاك يا رماح.
في الناحية الآخرى كان رحيم يترأس طاولة الطعام، و هي على المقعد المقابل له، فطوال العام الماضي التزم كليهما جانب الصمت. يتعاملان أمام الجميع كزوج و زوجة، وبينهم كان كلًا منهما يلزم غرفته، فقد قام بجلب مهندس صديق له من القاهرة ليقوم بإعادة تشكيل غرفته الكبيرة لجعلها غرفتان ولكن بباب واحد حتى لا يشعر أحد بما يحدُث، و لم يكُن يدلف إليها أي شخصٍ سواهم كل هذا في سبيل رضاها الذي طال، حتى بدأ يشعر بأن طاقته أوشكت على النفاذ، فلم يستطِع اي شيء جعلها تتجاوز عن فعلته أو حتى تُعطيه الفرصة للشرح.
ـ كيف الأحوال في الدوار اهنه؟
هكذا تحدث محاولًا فتح أي باب للحديث معها لتُجيبه دون أن ترفع رأسها عن الطبق أمامها:
ـ بخير.
عض على شفتيه حنقًا قبل أن يقول بنبرة غليظة:
ـ نجيبه لسانها بتضايجك!
نجاة بجفاء:
ـ لاه..
حاول مجددًا حين قال باستفهام:
ـ مين اللي عِمل الوكل؟
اغتاظت من إصراره على فتح حديث معها لترفع رأسها تناظرها بغضب قبل أن تقول بنفاذ صبر:
ـ اللي بيعمله كل يوم!
كان يشتاق لملامحها الرائعة التي أصبح يعشق كل إنش بها، لينمحي غضبه حين رفعت رأسها تناظره ليقول بنبرة خشنة:
ـ تسلم يدك..
زعزعت كلماته البسيطة ثباتها، و تنتفض دقات قلبها تأثرًا بنظراته التي اشتبكت مع خاصتها لبرهة قبل أن تجذب عينيها من أثر عينيه لتقوم من مكانها تنوي الهرب، و إذا بيده تقبض على خاصتها تمنعها من التحرك خطوة واحدة لتناظره بحدة قابلتها نبرته الآمرة حين قال:
ـ اجعدي كملي وكل..
عاندته قائلة بغضب:
ـ شبعت.
شاب التحذير نبرته حين قال:
ـ جولتلك كملي وكلك يا نچاة بطلي شغل عيال..
اغتاظت من حديثه، وحين أوشكت على الرد تفاجئت بسكينة التي دلفت الى داخل الغرفة، فوجدت يده تمسك بيدها لتتبدل نظراتها على الفور ونبرتها وهي تقول:
ـ شبعت. خليني اعملك الشاي. عشان متتأخرش.
دون أن يلتفت علم سبب تغير حالها ليستغل ذلك قائلًا بتخابث:
ـ متتعبيش حالك. اني معنديش مواعيد. لغيتها النهاردة وهجضي اليوم كله اهنه. كلي براحتك، و بعدين نشربوا الشاي مع بعضينا فوج.
ودت لو تقوم بكسر هذا الطبق فوق رأسه، فذلك اللعين قال حديثه عن قصد أمام تلك البومة التي كانت تناظرهم بارتياب وهي مجبرة على مجاراته حتى تقتل أي شك ينمو في رأسها اللعين لذا قالت بابتسامة صفراء:
ـ وماله. اللي تشوفه يا عمدة..
بعد مرور بعض الوقت كان رحيم يجلس في غرفته التي يفصلها عن غرفتها جدار وباب لعينان يحجبان عنه جنته بين ذراعيها، و لكنه أصبح لا يُطيق ذلك الوضع لذا قرر بكل الطرق تغييره.
دلفت إلى داخل الغرفة وهي تحمل صينية الشاي و الغضب يلون محياها، و خاصةً حين وجدت تلك البسمة الماكرة ترتسم فوق ثغره لتقوم بوضع الصينية التي كان فوقها إناء حراري به لترًا من الشاي و بعض الأكواب ثم التفتت تنوي التوجه إلى غرفتها لتوقفها كلماته الآمرة حين قال:
ـ صبيلي الشاي..
كانت تطحن ضروسها من فرط الحنق، ولكنها تجاهلته و توجهت إلى الصينية لتقوم بسكب الشاي في الكوب، ولسوء حظها، فقد كان الإناء غير محكم الغلق ليسقط الماء الساخن فوق كفها لتصرخ بألم، فهب رحيم مفزوعًا لينظر إلى جلدها المُحمر، وهو يهتف:
ـ مش تحاسبي.. وريني يدك..
تفحص يدها ليرى مدى الضرر بها ليقوم بجذبها و يتوجه إلى المرحاض ليضعها أسفل الماء الجاري، ولكنها صرخت بألم فقد كانت يدها تؤلمها بقوة جعلتها تبكي، ليرق قلبه كثيرًا على ألمها مما جعله يقوم بمد يده و محو عبراتها وهو يقول بحنو:
ـ بزيداكي بكى. تعالي معاي هدهنلك مرهم يهدي الحرج شوية.
لم تقاومه بل تركته يقوم بفرد الدهان فوق الحرق الذي يؤلمها و ما أن انتهى حتى أخذ ينظر إلى وجهها الباكي، وخصلاتها التي التصقت بجبينها من شدة التعرق ليمد يده بعفوية ويمحو قطرات العرق من على جبينها لتتراجع هي إلى الخلف بلهفة جعلته يقول باستنكار:
ـ لساتك خايفة مني يا نجاة! اديلنا سنة عايشين في أوضة واحدة كيف الاغراب محاولتش حتى اضايجك ولو بكلمة، و أنتِ بردك شيفاني كيف الوحش اللي هيأذيكِ!
تألم قلبها لحديثه ولكن عقلها إبى التراجع لتقول بلهجة مُتحشرجة:
ـ تجصد الوحش اللي أذاني جبل أكده.
آلمته الكلمة بقوة ليُغمض عينيه بألم تجلى في نبرته حين قال:
ـ أني عمري ما كنت وحش. بس أنتوا يا حريم كيف الجطط بتاكلوا و تنكروا. عمومًا متخافيش اني مش هجرب عليكِ لا بجصد ولا من غير. اطمني.
نهض من مكانه يتوجه إلى الخارج ليتجمد بأرضه حين سمع كلماتها المُعذبة بعد أن قررت المواجهة أخيرًا:
ـ أنت اللي جتلت مرتك صوح!
ـ اللي سمعته. بجولك مفيش بيناتهم حاچة. من وجت ما چاب المهندِس جال عشان يچدد الاوضة وأني حسيت إن في حاچة غريبة بتحصول! اتاريه قسم الأوضة بيناتهم.
هكذا تحدثت نجيبه على الهاتف بنبرة خفيضة ليأتيها صوت رماح المغلول:
ـ بت أبوها صوح. عرفت توجفه عِند حده. بس هانت. فات الكتير، واني جربت ارچع مصر من تاني، و هخليه يجول حجي برجابتي.
نجيبه بحنق:
ـ إني سمعت الحديت ده كتير، و مفيش أي حاچة بتحصل. ميتا هتخلِص عليه!
رماح بحدة:
ـ الصبر يا ولية. جولتلك فات الكتير. جوليلي. أنتٌ ليكِ حديت معاها!
نجيبه بغل:
ـ جليل جوي. الست هانم مابتعبِرش حد، و البيه جدامنا بيعاملها كيف الأميرة. لاه و مش بس أكده دا كمان مخليها تتحكم في الدوار كلاته.
قهقه رماح قبل أن يقول بشر:
ـ أكده معناه أنه طب، و ده حاچة في موصلحتنا. فاضل بس ألم الشمل، و البنته تعرِف أن أبوها بيدور عليها. اسمعيني زين في اللي هجوله و نفذيه بالحرف الواحد.
ـ سمعاك يا رماح.
في الناحية الآخرى كان رحيم يترأس طاولة الطعام، و هي على المقعد المقابل له، فطوال العام الماضي التزم كليهما جانب الصمت. يتعاملان أمام الجميع كزوج و زوجة، وبينهم كان كلًا منهما يلزم غرفته، فقد قام بجلب مهندس صديق له من القاهرة ليقوم بإعادة تشكيل غرفته الكبيرة لجعلها غرفتان ولكن بباب واحد حتى لا يشعر أحد بما يحدُث، و لم يكُن يدلف إليها أي شخصٍ سواهم كل هذا في سبيل رضاها الذي طال، حتى بدأ يشعر بأن طاقته أوشكت على النفاذ، فلم يستطِع اي شيء جعلها تتجاوز عن فعلته أو حتى تُعطيه الفرصة للشرح.
ـ كيف الأحوال في الدوار اهنه؟
هكذا تحدث محاولًا فتح أي باب للحديث معها لتُجيبه دون أن ترفع رأسها عن الطبق أمامها:
ـ بخير.
عض على شفتيه حنقًا قبل أن يقول بنبرة غليظة:
ـ نجيبه لسانها بتضايجك!
نجاة بجفاء:
ـ لاه..
حاول مجددًا حين قال باستفهام:
ـ مين اللي عِمل الوكل؟
اغتاظت من إصراره على فتح حديث معها لترفع رأسها تناظرها بغضب قبل أن تقول بنفاذ صبر:
ـ اللي بيعمله كل يوم!
كان يشتاق لملامحها الرائعة التي أصبح يعشق كل إنش بها، لينمحي غضبه حين رفعت رأسها تناظره ليقول بنبرة خشنة:
ـ تسلم يدك..
زعزعت كلماته البسيطة ثباتها، و تنتفض دقات قلبها تأثرًا بنظراته التي اشتبكت مع خاصتها لبرهة قبل أن تجذب عينيها من أثر عينيه لتقوم من مكانها تنوي الهرب، و إذا بيده تقبض على خاصتها تمنعها من التحرك خطوة واحدة لتناظره بحدة قابلتها نبرته الآمرة حين قال:
ـ اجعدي كملي وكل..
عاندته قائلة بغضب:
ـ شبعت.
شاب التحذير نبرته حين قال:
ـ جولتلك كملي وكلك يا نچاة بطلي شغل عيال..
اغتاظت من حديثه، وحين أوشكت على الرد تفاجئت بسكينة التي دلفت الى داخل الغرفة، فوجدت يده تمسك بيدها لتتبدل نظراتها على الفور ونبرتها وهي تقول:
ـ شبعت. خليني اعملك الشاي. عشان متتأخرش.
دون أن يلتفت علم سبب تغير حالها ليستغل ذلك قائلًا بتخابث:
ـ متتعبيش حالك. اني معنديش مواعيد. لغيتها النهاردة وهجضي اليوم كله اهنه. كلي براحتك، و بعدين نشربوا الشاي مع بعضينا فوج.
ودت لو تقوم بكسر هذا الطبق فوق رأسه، فذلك اللعين قال حديثه عن قصد أمام تلك البومة التي كانت تناظرهم بارتياب وهي مجبرة على مجاراته حتى تقتل أي شك ينمو في رأسها اللعين لذا قالت بابتسامة صفراء:
ـ وماله. اللي تشوفه يا عمدة..
بعد مرور بعض الوقت كان رحيم يجلس في غرفته التي يفصلها عن غرفتها جدار وباب لعينان يحجبان عنه جنته بين ذراعيها، و لكنه أصبح لا يُطيق ذلك الوضع لذا قرر بكل الطرق تغييره.
دلفت إلى داخل الغرفة وهي تحمل صينية الشاي و الغضب يلون محياها، و خاصةً حين وجدت تلك البسمة الماكرة ترتسم فوق ثغره لتقوم بوضع الصينية التي كان فوقها إناء حراري به لترًا من الشاي و بعض الأكواب ثم التفتت تنوي التوجه إلى غرفتها لتوقفها كلماته الآمرة حين قال:
ـ صبيلي الشاي..
كانت تطحن ضروسها من فرط الحنق، ولكنها تجاهلته و توجهت إلى الصينية لتقوم بسكب الشاي في الكوب، ولسوء حظها، فقد كان الإناء غير محكم الغلق ليسقط الماء الساخن فوق كفها لتصرخ بألم، فهب رحيم مفزوعًا لينظر إلى جلدها المُحمر، وهو يهتف:
ـ مش تحاسبي.. وريني يدك..
تفحص يدها ليرى مدى الضرر بها ليقوم بجذبها و يتوجه إلى المرحاض ليضعها أسفل الماء الجاري، ولكنها صرخت بألم فقد كانت يدها تؤلمها بقوة جعلتها تبكي، ليرق قلبه كثيرًا على ألمها مما جعله يقوم بمد يده و محو عبراتها وهو يقول بحنو:
ـ بزيداكي بكى. تعالي معاي هدهنلك مرهم يهدي الحرج شوية.
لم تقاومه بل تركته يقوم بفرد الدهان فوق الحرق الذي يؤلمها و ما أن انتهى حتى أخذ ينظر إلى وجهها الباكي، وخصلاتها التي التصقت بجبينها من شدة التعرق ليمد يده بعفوية ويمحو قطرات العرق من على جبينها لتتراجع هي إلى الخلف بلهفة جعلته يقول باستنكار:
ـ لساتك خايفة مني يا نجاة! اديلنا سنة عايشين في أوضة واحدة كيف الاغراب محاولتش حتى اضايجك ولو بكلمة، و أنتِ بردك شيفاني كيف الوحش اللي هيأذيكِ!
تألم قلبها لحديثه ولكن عقلها إبى التراجع لتقول بلهجة مُتحشرجة:
ـ تجصد الوحش اللي أذاني جبل أكده.
آلمته الكلمة بقوة ليُغمض عينيه بألم تجلى في نبرته حين قال:
ـ أني عمري ما كنت وحش. بس أنتوا يا حريم كيف الجطط بتاكلوا و تنكروا. عمومًا متخافيش اني مش هجرب عليكِ لا بجصد ولا من غير. اطمني.
نهض من مكانه يتوجه إلى الخارج ليتجمد بأرضه حين سمع كلماتها المُعذبة بعد أن قررت المواجهة أخيرًا:
ـ أنت اللي جتلت مرتك صوح!
ـ اللي سمعته. بجولك مفيش بيناتهم حاچة. من وجت ما چاب المهندِس جال عشان يچدد الاوضة وأني حسيت إن في حاچة غريبة بتحصول! اتاريه قسم الأوضة بيناتهم.
هكذا تحدثت نجيبه على الهاتف بنبرة خفيضة ليأتيها صوت رماح المغلول:
ـ بت أبوها صوح. عرفت توجفه عِند حده. بس هانت. فات الكتير، واني جربت ارچع مصر من تاني، و هخليه يجول حجي برجابتي.
نجيبه بحنق:
ـ إني سمعت الحديت ده كتير، و مفيش أي حاچة بتحصل. ميتا هتخلِص عليه!
رماح بحدة:
ـ الصبر يا ولية. جولتلك فات الكتير. جوليلي. أنتٌ ليكِ حديت معاها!
نجيبه بغل:
ـ جليل جوي. الست هانم مابتعبِرش حد، و البيه جدامنا بيعاملها كيف الأميرة. لاه و مش بس أكده دا كمان مخليها تتحكم في الدوار كلاته.
قهقه رماح قبل أن يقول بشر:
ـ أكده معناه أنه طب، و ده حاچة في موصلحتنا. فاضل بس ألم الشمل، و البنته تعرِف أن أبوها بيدور عليها. اسمعيني زين في اللي هجوله و نفذيه بالحرف الواحد.
ـ سمعاك يا رماح.
في الناحية الآخرى كان رحيم يترأس طاولة الطعام، و هي على المقعد المقابل له، فطوال العام الماضي التزم كليهما جانب الصمت. يتعاملان أمام الجميع كزوج و زوجة، وبينهم كان كلًا منهما يلزم غرفته، فقد قام بجلب مهندس صديق له من القاهرة ليقوم بإعادة تشكيل غرفته الكبيرة لجعلها غرفتان ولكن بباب واحد حتى لا يشعر أحد بما يحدُث، و لم يكُن يدلف إليها أي شخصٍ سواهم كل هذا في سبيل رضاها الذي طال، حتى بدأ يشعر بأن طاقته أوشكت على النفاذ، فلم يستطِع اي شيء جعلها تتجاوز عن فعلته أو حتى تُعطيه الفرصة للشرح.
ـ كيف الأحوال في الدوار اهنه؟
هكذا تحدث محاولًا فتح أي باب للحديث معها لتُجيبه دون أن ترفع رأسها عن الطبق أمامها:
ـ بخير.
عض على شفتيه حنقًا قبل أن يقول بنبرة غليظة:
ـ نجيبه لسانها بتضايجك!
نجاة بجفاء:
ـ لاه..
حاول مجددًا حين قال باستفهام:
ـ مين اللي عِمل الوكل؟
اغتاظت من إصراره على فتح حديث معها لترفع رأسها تناظرها بغضب قبل أن تقول بنفاذ صبر:
ـ اللي بيعمله كل يوم!
كان يشتاق لملامحها الرائعة التي أصبح يعشق كل إنش بها، لينمحي غضبه حين رفعت رأسها تناظره ليقول بنبرة خشنة:
ـ تسلم يدك..
زعزعت كلماته البسيطة ثباتها، و تنتفض دقات قلبها تأثرًا بنظراته التي اشتبكت مع خاصتها لبرهة قبل أن تجذب عينيها من أثر عينيه لتقوم من مكانها تنوي الهرب، و إذا بيده تقبض على خاصتها تمنعها من التحرك خطوة واحدة لتناظره بحدة قابلتها نبرته الآمرة حين قال:
ـ اجعدي كملي وكل..
عاندته قائلة بغضب:
ـ شبعت.
شاب التحذير نبرته حين قال:
ـ جولتلك كملي وكلك يا نچ
رواية هل من سبيل للغفران الفصل السادس 6 - بقلم نورهان العشري
رواية هل من سبيل للغفران الفصل السابع 7 - بقلم نورهان العشري
شعرت بأن للكلمات أسنان مُدببة انغرزت في قلبها حين جاء على ذِكر زوجته الأولى، و وضعها في مقارنة معها. وكما هي العادة تختار أن تتألم وحدها بصمت لذا تراجعت من أمامه دون أن تُعطيه الفرصة لتجاوز صدمته عن ذلك الخطأ الفادح الذي ارتكبه في حقها دون قصدٍ منه، ليفزع قلبه حين شاهدها تتراجع إلى غرفة تبديل الملابس وتغلق الباب خلفها ثم تستند عليه بكل ثقلها و عبراتها تروي أي وجعًا أصاب قلبها، لتنتفض إثر طرقه القوي على الباب وهو يهتف بلهجة مُشبعة بالندم واللهفة معًا:
ـ أشجان. حقك عليا. اخرجي نتكلم.
كانت تجلس فوق الأرض الصلبة تضم قدميها إلى صدرها تحتضنهم بذراعيها، فهي الشخص الوحيد الذي يبقى لها في نهاية المطاف، فبكل مرة تسقط تكن هي الوحيدة التي تمحو عبراتها و تربت على جراحها حتى تهدأ.
ـ سيبني دلوقتي يا خالد أنا مش قادرة اتكلم..
كان الندم يقرضه من الداخل حتى كاد الألم أن يجعله يُجن بالإضافة إلى نبرتها المبحوحة و شهقاتها الخافتة التي تتراشق بصدره كالرصاص، كل هذه الأشياء كان لها وقعًا ضاريًا عليه ليصرخ بانفعال ارتجت له جدران الغرفة:
ـ أشجان بلاش تجننيني قولتلك افتحي الباب دا خلينا نتكلم.
هبت من مكانها وهي تصرخ بانفعال من بين عبراتها الغزيرة:
ـ قولتلك مش عايزة أكلمك امشي..
صوتها الجريح و بكائها و حزنها كان هذا المُثلث المُرعِب قادر على الفتك به في هذه اللحظة، فأي غباء قد ارتكبه في حق حبيبته البريئة الرقيقة مما جعل نبرته تتهدج حين قال:
ـ طب اسمعيني و بس. مش لازم تردي عليا. خليني افهمك. أنتِ متعرفيش أنا بخاف عليكِ منهم ازاي!
كان عقلها كالإعصار الذي لا يهدأ، فقد أخذ يستعرض ذكرياتها المريرة منذ زواجها الأول، و حتى طلاقها و كل ما تلاه من وقائع ظالمة نالت من قلبها حتى أدمته مما جعل آلامها تتضاعف، ولم تلحظ كلماته التي تقطر عشقًا، فقد أرادت التلاشي من هذا العالم الذي لا يحترم الضعف ولا يقدس البراءة. لا إراديًا وضعت يدها فوق أذنها وهي تهز رأسها يمينًا و يسارًا هاتفه بصراخ:
ـ اسكت بقى. مش عايزة اسمع منك حاجة. محدش فيكوا بيحبني. محدش فيكوا اتقبلني زي مانا. كلكوا وحشين زي بعض. أنا بكره الدنيا اللي رمتني في طريقكوا. كلكوا دوستوا عليا. أمين و أمه و ماما و نبيلة و أنت. بكرهكوا كلكوا. أنتوا ناس مبترحمش. كلكوا شبة بعض…
لم تكد تُنهي جملتها حتى شقت جوفها شهقة قوية حين وجدته يضرب الباب بقوة لينفتح على مصرعيه و يطل عليها بجسده الضخم و ملامحه الخشنة المُكفهرة بفعل الغضب و الألم معًا إضافة إلى عينيه التي من فرط تباين الشعور بها يراها المرأ و كأنها نافذة تُطل على جهنم.
ـ خليك عندك.
هكذا همست بنبرة خافتة، فقد شعرت بالذُعر منه حين رأت مظهره على عكس شعوره القوي بالغضب حين وضعته بكفه واحدة مع هذا الحقير، ولكن هناك شعور كان أقوى و أعنف وهو الذنب لكونه من دفعها إلى هذه الحالة ليتقدم منها بخطوات فهدية جعلت الدماء تتجمد في عروقها من الخوف الذي بددته يداه التي جذبتها بقوة لتستقر بين ضلوعه وهو يضمها إليه بعُنف وكأنه يداوي خطأه بما هو أعظم من الاعتذار، فبعض العبارات لا تفي بالغرض لهذا خُلِق العناق. ليُرمم بعضًا مما أفسدته الكلمات، و بالرغم من أنه كان السبب في ألمها ولكنه كان الوحيد القادر على تخفيفه لذا دفنت رأسها في صدره تبكي كما لم تبكي من قبل، وقد كان هذا أقسى عقاب قد يسقط عليه في حياته. أن يكُن هو سبب لوعتها و ألمها بدلًا من أن يكون سبب فرحتها و اطمئنانها.
ـ حقك عليا يا حبيبي. والله ماكنت أقصد.
هكذا همس وهو ينثر أسفه على هيئة قُبلات متفرقة فوق خصلاتها و يديه تمر برفق وحنو فوق ظهرها و كأنه يمسد وجعها ليهدأ ولكنها ظلت تبكي بقوة مما جعله يتابع بحنو:
ـ كفاية دموع بقى عشان خاطري. أنا مقدرش اتحمل تزعلي مني كدا.
تراجعت إلى الخلف تناظره بعتب لم يُخطيء في فهمه ليمد يديه و يكوب وجهها بين يديه وهو يتابع بصوتًا أجش:
ـ دموعك دي أكبر عقاب ليا في الدنيا. أنتِ مش متخيلة بتعذبني قد أيه؟
لثمت كلماته جرحها ولكنه لم تمحو الوجه كُليًا لتُجيبه بنبرة مُتحشرجة:
ـ كلامك عنها قهرني يا خالد.
خالد بلهفة:
ـ بعد الشر عنك. أنا بعتذرلك. أنا عمري في حياتي ما اعتذرت لحد لأني مكنش بيفرق معايا زعل أي حد. بس أنتِ لا.
أشجان بنبرة ترتجف ألمًا:
ـ أنا مش محتاجة منك اعتذار. أنت قولت اللي جواك..
قاطعها بنبرة خشنة:
ـ لا محتاجة. محتاجة أقولك ان انا أسف عشان خبطت في الكلام. لكن مشاعري و اللي في قلبي لو شوفتيهم مش هتنزل دمعة واحدة من عيونك.
أشجان بنبرة مُثخنة بالوجع:
ـ الكلام اللي بيخرج لحظة الغضب بيكون أصدق كلام يتقال..
خالد بنفي قاطع:
ـ الكلام دا مش صح. لما ذكرت اسمها مكنش عشان اقولك انها احسن منك. أو مكنش عشان أنا مش قادر اتخطاها. أنا اتخطيت كل حاجة وحشة حصلتلي في حياتي معاكِ. مشاعري تجاهك محستهاش تجاه أي حد في الدنيا.
كانت تعرف أنه صادق، فقد رأت ذلك بعينيه ولكن جرحها لازال يئن لذا استفهمت بحيرة:
ـ طب لو انت متقصدش تقارني بيها أو تحسسني أنها أحسن مني واني لازم اكون زيها. ولا انت لسه في قلبك مشاعر ليها. ليه جبت سيرتها بيننا؟
خالد بنبرة لينة:
ـ الغضب بيعمي يا أشجان، وأنا كنت في أقصى درجات غضبي منك. لما اعرف أنك اتعرضتي لإهانة أو موقف سيء لدرجة أنك تزعلي تعيطي و ابقى عارف و متأكد انك مردتيش ولا خدتي حقك. عيزاني أكون عامل ازاي ؟!
أشجان باندفاع:
ـ لا رديت عليها بس بأسلوبي اللي أنا عارفة أنه مش هيعجبك.
خالد بتفهم:
ـ مش كدا. بس أسلوبك دا هيبقى صح مع اللي هيفهمه.
شعر بتعبها و تخبطها ليجذبها من يدها بحنو و يجلسها فوق الأريكة وهو يتابع بنبرة هادئة:
ـ يا حبيبتي افهميني. دول اخواتي وانا عارفهم كويس. عارف عيوبهم و بحاول على قد ما اقدر أقومها و اتعامل معاها. لكن أنتِ مش بتساعديني.
أشجان باستفهام:
ـ ازاي مش بساعدك؟!
خالد بنبرة خشنة:
ـ أيوا مش بتساعديني. منعت نبيلة تدخل البيت عشانك قبل ما يكون عشان ميرهان عملتي أنتِ اية؟ روحتي دخلتيها من ورايا. تقوم هي اللي تحكيلي عشان تقومني عليكِ.
هتفت بنبرة متلهفة:
ـ بس والله هي صعبت عليا.
خالد بنبرة يشوبها الحنق:
ـ عارف. و عشان كدا بقولك أسلوبك كتير بيكون غلط. اشجان هو أنتِ مسألتيش نفسك هل لما بقسى عليهم كدا انا بكون من جوايا مبسوط؟
أجابته بخفوت:
ـ أكيد لا.
حاول توضيح الأمر من جهته دون التطرق لتفاصيل مؤلمة حين قال:
ـ دول اخواتي اللي من دمي. صعب عليا أني اقسى عليهم و ادوس بالشكل اللي بتشوفيه دا. بس دا الحل الوحيد قدامي عشان اوقفهم عند حدهم.
أرادت أن تستغل الأمر و تطرح هذا الاستفهام المُلِح الذي ودت طرحه منذ زمن:
ـ طيب ليه متجربش تقرب منهم و تتكلم معاهم؟!
خالد بسخرية مريرة:
ـ مين قالك اني معملتش كدا؟! بس صدقيني النتيجة كانت أسوأ مما تتخيلي.
قرضها الفضول لتستفهم عما يعنيه قائلة:
ـ ازاي؟
لم يكُت يريد تذكر تلك الذكريات السيئة لذا قال بجفاء:
ـ مش لازم نتكلم في اللي فات. خلينا في دلوقتي. أنا عايزك تكوني عندك شيء من الحزم و الشدة لو أمكن. و عارف انك مش عايزة تكوني طرف في مشكلة بيني وبينهم.
قاطعته بلهفة:
ـ والله أنا مش عايزاك تخسرهم عشان زي ما انت قولت هما اخواتك و بتحبهم.
شدد من احتواء يديها بين كفوفه وهو يقول بنبرة يشوبها الصرامة:
ـ لو فعلا مش عيزاني اخسرهم يبقى تقفي أنتِ قدامهم وتاخدي حقك منهم. لأنك لو معملتيش كدا انا اللي هعمل دا، و بالطريقة دي اكيد هخسرهم.
اخفضت رأسها وهي تقول بقلة حيلة:
ـ المشكلة اني فعلا مبعرفش أرد زيها. عقلي مبيجمعش الكلام اللي مفروض أقوله، يمكن آسيا شاطرة في دا عني بس انا دي مش طبيعين. كمان ميرهان هديت عن الأول كتير. بتتلاشاني اصلًا. إنما نبيلة….
احتارت كيف تخبره بتهديها الذي لا تملك عليه أي دليل و أيضًا الحديث الذي يخص زوجته السابقة بأنها من تخلصت منها. ودت لو تبوح بكل هذه الأشياء التي تؤرقها ولكنها لا تملك دليلًا واحدًا عليها، كما أنها تعرف أنه سيعلن الحرب وقتها وهذا قد يستفز هذه الحية و قد تُقدِم على أذيتها بالفعل أو أذية أطفالها لذا لجأت للصمت القاتل لتسمعه يتحدث بنبرة يشوبها الشجن:
ـ نبيلة اتعودت من وهي طفلة تاخد متديش. والأخد اللي مالوش حدود دا بينمي الجشع في النفوس. و دا خلاها عايزة تاخد كل حاجة من اللي قدامها سواء كان شيء مادي أو معنوي.
صمت لثوان يسترجع تاريخًا ود لو يدفنه في أعماق قلبه ليُتابع بسخرية مريرة:
ـ نبيلة متجوزتش عز عشان بتحبه. اتجوزته عشان هو بيحبها. بيحبك يعني هيتحملك. يعني مش هيقدر يزعلك. يعني هييجي على نفسه عشان خاطرك، وهو دا اللي هي عايزاه. لدرجة أن عمر ابنها كان نفسيًا بيتأذي من سيطرتها على أبوه طول الوقت لدرجة أن الموضوع عمله عقدة.
أشجان بلهفة:
ـ أيوا فعلًا انا حسيت أن تصرفاته مع شروق فيها ازدواجية، بالرغم من أنه بيحبها جدًا بس قبل يتخلى عنها عادي.
خالد موضحًا:
ـ هو مفكر أن الحب ضعف، وأنه هيحوله لنسخه هو بيكرهها. واللي هي عز الدين.
كان الحرج يكسو نبرتها حين قالت:
ـ طيب انا اسفة في السؤال يا خالد. ازاي انتوا اتربيتوا سوى و من نفس الاب و الأم. انت وكمال يعني مختلفين عن نبيلة و ميرهان اقصد أن هما مش شبهكوا خالص.
أطلق تنهيدة قوية قبل أن يُجيبها بنبرة خشنة:
ـ عارفة المشكلة في ايه؟ أن في ناس كتير اوي بتعتبر أن الست دي كائن مالوش لازمة. شيء على الهامش. في حين أن تسعين في المية من نجاح أي بيت هو الست.
ـ صح بس دا ايه علاقته بسؤالي؟!
خالد موضحًا:
ـ علاقته أن والدي الله يرحمه كان بالنسباله نبيلة دي بنت ملهاش اي تأثير مسيرها تتجوز و هتبقى في رقبة راجل. فكانت طريقة التعامل كلها معاها غلط. اتجاهلها، متسمعلهاش، متركزش معاها، هي أيه إمكانياتها؟ و دا خلق جواها شخص معقد عايز يفرض وجوده و يسرق الاهتمام بأي شكل. دا غير أن بقى عندها نهم للسيطرة على أي حد أضعف منها. عشان تحس أن ليها شخصية.
أشجان باستفهام:
ـ طب و ممتك كان ايه وضعها؟
خالد بجمود:
ـ ممتي كانت حنينة فوق ما تتخيلي. مبتقولش غير حاضر و نعم، ودي اكتر حاجة كانت بتضايق نبيلة. عشان هي شايفة دا ضعف وللأسف ماتت بدري، و بدأ بابا يشوف نبيلة و ازاي هي كانت منهارة، و للأسف كان بيعالج حزنها و زعلها على ماما غلط جدًا.
ـ ازاي؟
خالد بتهكم:
ـ بدأ يدي كل حاجة ببزخ ماعدا الاهتمام طبعًا. أو كان بيديه بطريقة معينة. يعني مثلًا مكنش عنده وقت يسمعها ولو اتكلمت كأن هي والهوى واحد. لكن في نفس الوقت كان كل طلباتها المادية مجابه. شوف يا خالد هي عايزة أي و هاتهولها. اعملهولها. متزعلش أختك. في حين أنه حتى عمره ما سمع مشكلة ليها ولا أهتم!
ـ بس دا غلط.
أكيد حديثها قائلًا:
ـ أكبر غلط طبعًا. دا غير أنها لما كانت بتغلط في حق نسمة مفكرش ولا مرة يردها. كان يقولي بنتي مبتغلطش من غير ما يسمع ولا يعرف هي عملت أيه؟
أشجان باستنكار:
ـ طب ليه كدا؟ هو معنى أن بنتي غلطت اني معاقبهاش احنا بنبربي ولادنا عشانهم قبل اي حاجة.
خالد بأسف:
ـ مكنش فيه الكلام دا. هو كان شايفها أقل بكتير من أن يكون ليها تأثير، وفي نفس الوقت هي بنت الوتيدي مينفعش حد ييجي عليها. وهي استغلت دا صح. و اتجوزت عز الدين عشان تحس ان ليها قيمة و شخص مؤثر و مُسيطر و بقت بتدوس و مش فارقلها بتدوس على مين..
شعرت أشجان بمدى معاناته لتقول بخفوت:
ـ الموضوع معقد فعلا.
خالد بخشونة:
ـ التطرف في التربية هو اللي غلط. و الانحياز كمان. اللتنين دول بيعملوا كوارث. بابا مكنش شايف غيري انا وكمال. وبالرغم من كدا كان بيقسى علينا و هو مفكر أنه بيربينا عشان نكون رجاله، و في المقابل نبيلة و ميرهان دول ستات في النهاية كل واحدة فيهم هتبقى في رقبة راجل وخلصت.
ـ فعلًا عندك حق. الست ليها دور في كل حاجة. سواء سلبي أو إيجابي.
خالد بتوضيح:
ـ الست أساس كل حاجة. لو صالحة هيبقى البيت في توازن. هي مش مجرد تابع، ولا القوامة معناها أن الست تخضع للراجل و خلاص. ربنا أدى للراجل القوامة عشان هو قوي مش عشان الطرف الأهم.
ـ صح.
أحنى رأسه ليُلثم باطن كفها بحنو قبل أن يرفع رأسه قائلًا بنبرة لينة:
ـ عشان كدا عايزك تعرفي رنا الغلط من الصح. ومتتهاونيش ابدًا في الغلط. بالعكس من آمن العقاب أساء الأدب. لازم تفهم أنها شخص مسئول. الحنية مطلوبة بس مش لدرجة أنها تفسد. أنا عارفة أن رنا معاكِ في إيد أمينة و انك عارفة ربنا كويس، والموضوع دا مريح قلبي فوق ما تتخيلي.
تضخم قلبها من فرط السعادة بإطرائه و ثنائه عليها لتقول بخفوت:
ـ حاضر.
مد يده يداعب خدها وهو يداعبها قائلًا:
ـ الجميل زعلان مني لسه؟
تدللت قائلة:
ـ بصراحة أه ..
خالد بنبرة عابثة:
ـ طيب أيه رأيك أصالحك؟
أشجان بمرح:
ـ مش عارفة محتاجة افكر شوية.
شاكسها قائلًا:
ـ حبيبي. أنا لما قولتلك اني عايزك قوية و عندك حزم والكلام دا كنت أقصد معاهم مش معايا.
أشجان بمُزاح:
ـ معلش المباديء مبتتجزأش.
خرجت منه ضحكة مرحة قبل أن يقول بنبرة عابثة:
ـ صح. احنا نلغيها خالص.
ـ دا اللي هو ازاي يعني؟!
ضيق عينيه وهو يشاكسها قائلًا:
ـ يعني مثلًا اول ما تدخلي من الباب دا تسبيها كلها بره.
أشجان متصنعة الاندهاش:
ـ وابقى إمرأة بلا مباديء يرضيك؟!
خالد متصنعًا الصرامة:
ـ اه يرضيني. انا موافق بيكِ على كدا. نخرج بره ناخد المباديء بتاعتنا المرمية دي و متقلقيش مفيش حد هنا هيبصلها ولا هتلفت انتباههم حتى.
أطلقت ضحكت رنانه دغدغت حواسه و أشعلت حمية العشق بقلبه ليقول بنبرة تقطر ولهًا:
ـ أهي الضحكة دي اللي بتنور دنيتي. مش هسامح نفسي أبدًا لو غابت بسببي.
أشجان بخفوت:
ـ غصب عني أنا اتوجعت أوي لما قولت اسمها و قارنتني بيها..
خالد بحُب:
ـ مفيش حد في الدنيا يتقارن بيكِ.
صمت لثوان قبل أن يتابع ينتقي كلماته بعناية حتى لا يجرحها:
ـ لكن عشان اكون صريح معاكِ هي الله يرحمها هفضل شايلها كل الاحترام و المعزة جوايا. دي أم بنتي. و مشوفتش منها غير الخير. حتى لو كنا بنختلف بس كانت ست محترمة. و دا حقها عليا اني افتكرها بالخير.
تعلم أنه رجل صالح، ولكنها انثى تعشق و تغار لذا أخفضت رأسها تُخفي تأثرها بحديثه ليمُد أصابعه و يضعها أسفل ذقنها ليرفع رأسها إليه، ثم تابع بنبرة تعج بالمشاعر:
ـ لكن أنتِ….
أشجان بلهفة:
ـ أنا أية ؟
صمت لثوان وعينيه تتشربان ملامحها الجميلة قبل أن يقول بنبرة مُفعمة بالعشق:
ـ أنتِ حياة الروح.
ابتسمت على هذا اللقب الغريب ليتابع موضحًا:
ـ على فكرة دي حقيقة. أنا قبلك مكنتش عايش. أنتِ حييتي روحي من أول و جديد.
لا إراديًا ارتسمت ابتسامة عذبة فوق شفتيها قبل أن تقول بنبرة عاشقة:
ـ كلامك دا بيحييني يا خالد.
خالد بنبرة مُحبة:
ـ قلب خالد مفهوش غيرك ولا بيدق لغيرك. و لا هيشوف غيرك. نعمة وجودك في حياتي تخليني اقعد عمري كله احمد ربنا عليها.
اتسعت ابتسامتها و عادت سماءها صافية من جديد ليقترب مُضيقًا عينيه وهو يقول بتخابُث:
ـ الضحكة الحلوة دي معناها اتصالحنا؟
أشجان بخفوت:
ـ اتصالحنا!
خالد بتهكم:
ـ ورحمة أمي انا عارف انك هتفضلي هبلة و مش هتتغيري..
أشجان بصدمة:
ـ ليه بتقول كدا؟
خالد بتخابُث:
ـ هو الصلح بيكون كدا بردو؟!
غزى الخجل ملامحها و نبرتها حين قالت:
ـ اومال ازاي؟
احتوتها ذراعيه ليحملها بين يديه وهو يقول بنبرة عابثة:
ـ تعالي يا حلو وانا اقولك..
كانت تمكث بغرفتها منذ أن وصلوا إلى البيت بعد ما حدث في المشفى، و خاصةً بعدما رأت تأثير كلماتها الهوجاء عليه، فقد كان يتجنبها وكأنه يحميها من غضبه.
زفرت بحدة وهي تؤنب نفسها للمرة التي لا تعرف عددها. كيف خرج منها هذا الهُراء؟ كيف استطاعت التفوه بتلك الكلمات الغبية؟!
كاد رأسها أن ينفجر من شدة التفكير و الندم لتسند رأسها بين كفيها تحاول تنظيم أنفاسها حتى يتثنى لها التفكير بروية في إصلاح ما أفسدته بحديثها الغبي، ولكنها تفاجئت حين وجدت باب الغرفة يُفتح و ياسر يطل عليها بملامح واجمة وهو يقول بجفاء:
ـ يالا عشان تتعشي.
لم يُطِل في المكوث بل التفت يغادر لتعبأ صدرها بالهواء النقي وهي تحاول التحكم بضربات صدرها المُتلاحقة قبل أن تتوجه إلى الخارج لتجده يجلس حول الطاولة الموضوع فوقها أطباق الطعام الذي قام بإعداده لتتقدم نحوه تجلس في المقعد المجاور له بصمت ولكن عينيها كانت تتحدث نيابة عنها، فقد كانت تطلق الكثير من الاعتذارات التي لا تعرف كيف تُصيغها لتمحو ذلك الخطأ الكبير الذي ترك بصماته على ملامح ياسر المُكفهرة فقد باغته حديثها و أصاب كبريائه و قلبه في آنٍ واحد، فلم يحتمل البقاء أكثر من ذلك ليغادر وكأنه يفر من غضبه ومن جرحه و من انفجار أن أفلت زمامه سيحدث الكثير من الضرر، ولهذا لجأ للنوم حتى يبتعد عنها بالقدر الذي يجعلها في مأمن من غضبه.
بالرغم من كل شيء ولكنه قام بإعداد الطعام، و اخبارها كونه متأكد من أنها لم تأكل شيء منذ الصباح وهذا ما لم يحتمله قلبه الذي و أن عانى لأجل عشقها للمرة الألف، سيهتف أعشقها عله ينجو في المرة الألف و واحد.
توقف النبض بأوردته لثوان وهو يشعر بكفها يغمر كفه لتنتقل إليه رجفتها، فرفع رأسه لينظر إلى عينيها و إذا به يصطدم بكل هذا الألم الذي يغتال جمالها و يطفيء بريقها، فرق قلبه لحالها، و خاصةً حين همست بخفوت:
ـ ياسر..
من سوأ حظه أن هذه المرأة تعلم جيدًا كيف تتسلل إلى قلبه فتُعريه ضعفه تجاهها، و تستميل جميع حواسه تجاهها فحتى العقل يتنحى أمام كل هذا العشق الذي يحمله لها.
ـ نعم..
هكذا أجاب وهو ينتزع عينيه من شباك عينيها ناظرًا إلى الجهة الأخرى لتمتد يدها إلى ذقنه لتُعيده للنظر إليها مرة أخرى، وكأنها تتحدى ثباته و تعاند غضبه دون النظر إلى العواقب
ـ بصلي طيب..
هكذا تحدثت بنبرة يشوبها التوسل فجذب نفسه بعيدًا عن مرمى لمساتها ليهتف بجفاء:
ـ عايزة ايه يا غنى؟
غنى بنبرة مُشجبة
ـ عايزة اقولك اني آسفة قد الدنيا كلها، و الكلام اللي قولته…
قاطعها حادة مُحذرة:
ـ اعمليلك قفلة يا غنى.
لم يرهبها تحذيره ولم توقفها حدته إنما تابعت بنبرة يتساقط منها الأسف:
ـ ياريت لساني انقطع قبل ما اتغابى في الكلام.
ياسر بقسوة:
ـ كويس انك عارفة انك اتغابيتي…
غنى بلهفة:
ـ عارفة و أسفة. أنا فعلًا مقصدتش بس…
رأى الكثير من الأحاديث الصامتة في عينيها مما جعله يقول بجمود:
ـ قولي اللي عندك كله.
اخفضت رأسها وهي تزفر بقوة وكأنها تلصق الوجع بذرات الهواء التي تخرج منها لتقول بنبرة مُشبعة بالحزن:
ـ مش هتكسف أقولك على اللي جوايا يا ياسر. أنا كان نفسي اعمل اي حاجة تخلي ماما تشوفني مش عبء عليها هي وبابا، وأني اقدر اكون سند ليهم زي الولد بالظبط.
تناثرت حبات اللؤلؤ من عينيها وهي تتابع بشفاة مُرتجفة:
ـ خرج الكلام من بُقي من غير حتى ما افكر. والله ياياسر ما كنت اقصد…
كلماتها استفزت غضبه و حنقه على هؤلاء البشر و لا إراديًا تنحت كل مشاعره السلبية تجاهها و أصبح كامل حواسه تتضامن مع وجعها ليهتف بنبرة محتقنة بالغضب:
ـ سيبك من الكلام دا و قوليلي مين اللي قالك الكلام العبيط دا؟! ولد ايه وبنت ايه؟ دي البنت أوقات كتير بتكون أحسن ألف مرة من الولد..
غنى بسخرية مريرة:
ـ الكلام دا ممرش على دماغ بابا و ماما يا ياسر. دي كانت قاعدة تعيط في المستشفى و تقول ياريتني سبته يتجوز و يجيب الولد اللي يسنده..
ياسر باستنكار:
ـ وأنتِ الكلام الاهبل دا اثر فيكِ؟
غنى بنبرة مُشجبة:
ـ الموضوع اكبر من مجرد أثر. دي عقدة نقص جوايا و عشان كدا خرج مني الكلام غصب عني.
تبدلت نبرتها إلى السخرية حين قالت:
ـ قال يعني كدا هيقولوا عني أن أنا سند وبميت ولد.
احتوى كفها بين يديه و عينيه تحنو وهو يقول بنبرة صادقة:
ـ بس دي حقيقة. أنتِ فعلًا كدا.
لامست كلماته أوتار قلبها، ولكنها سرعان ما استنكرتها قائلة:
ـ بتتريق يا ياسر! هو أنا عارفة أسند نفسي لما هسند حد؟!
ياسر بنبرة هادئة:
ـ كفاية انك عندك استعداد للعطاء. بس عشان تقفي جنب الناس اللي بتحبيهم، و خصوصًا أن العطاء عندك مش مشروط.
ـ تقصد ايه؟!
ياسر بنبرة تجيش بها المشاعر التي يعج بها صدره:
ـ أقصد أن الإنسان يكون عنده استعداد يدي من غير ما ينتظر مقابل دي حاجة كبيرة اوي، مش كل الناس بتفهمها. للأسف في ناس بتدي عشان تملك اللي قدامها، ولو مقدرتش تملكه بتعايره باللي ادتهوله.
زفر بقوة قبل أن يُتابع بمرارة وكأن هناك علقمًا يسكن صدره:
ـ اوحش حاجة في الدنيا دي المعايرة. سواء كانت بالمشاعر أو بالعطاء أو بالأفعال! و خصوصًا لما تخلي اللي قدامك يلعن الحوجة اللي وصلته انه يقبل منك حاجة.
فطنت إلى مقصده لتقول بنبرة رقيقة:
ـ فهماك و حاسة بيك. بس في حاجة مهمة لازم تاخد بالك منها.
ـ اللي هي ايه؟
غنى بنبرة لينة:
ـ موضوع هيام مش مجرد أنها عايزة مقابل وبس. هيام بتغير عليك مني. كل اللي شايفاه اني خدتك منها. بالرغم أن زمان مكنتش كدا.
ياسر باختصار:
ـ مين قالك؟
غنى بتوضيح:
ـ مكنش باين عليها.
ياسر بأسف:
ـ عشان مكنش في أي موقف يسمح بأنها تبين دا. مكنش في ارتباط رسمي بيننا، و كمان المواقف هي اللي بتبين اللي جوا القلوب.
شعرت بمقدار الأسى الذي يشعر به لذا مازحته قائلة:
ـ بس شوفتني النهاردة وانا طيبة و بسمع كلامك!
تبدد حزنه و تحول إلى حنق تجلى في نبرته حين قال:
ـ لا شوفتك و انتِ بتخبطي في الكلام و عايزة قلمين يعدلوكي.
غنى بتهكم:
ـ الصراحة أنا قولت انك هتديني علقة محترمة.
ياسر بنبرة مغلولة:
ـ والله نفسي.
غنى بمُزاح:
ـ أنا حسيت كدا بردو و عشان كدا كنت قاعدة بفكر هغضب اروح فين؟ أمي لو روحتلها هتعملني محتوى سنة قدام..
شاركها المُزاح قائلًا:
ـ هتخلي فضيحتك بجلاجل..
غنى يتهكم:
ـ و هتشمت فيا الأخصام انا عارفة.
ياسر بوعيد:
ـ و ياترى بقى استقريتي هتغضبي فين لما أديلك العلقة المحترمة؟!
غنى بعفوية:
ـ الصراحة فكرت اه و استقريت على مكان كمان
ـ كمان!
ـ أيوا أومال!
ياسر بسخرية:
ـ و ايه هو بقى؟ مستشفى المجانين!
ضحكت على حديثه قبل أن تقول بمرح:
ـ لا طبعا دول لو قفشوني مش هيعتقوني.
ابتسم على حديثه ليقول بتهكم:
ـ اومال كنتي هتروحي فين يا ناصحة؟
غنى باندفاع:
ـ كنت هروح اقعد مع آسيا و شروق. وحشوني اوي.
ضيق عينيه و تضاربت المشاعر داخله ما بين عشق كبير و غضب يوازيه ليهتف بحنق:
ـ اعمل فيكِ أيه؟
غنى بلهفة:
ـ سامحني و اكسب فيا ثواب دانا غلبانه والله. و معايا شهادة معاملة أطفال.
ياسر بجدية زائفة:
ـ مش مسامحك لا.
احتدت نبرتها حين قالت بنفاذ صبر:
ـ اعملك قفلة بقى ياريس. في ايه؟!
برقت عينيه من الاندهاش، فهي تستخدم كلمته الشهيرة مما جعله يقول باستنكار:
ـ نعم ياختي.
غنى بدلال:
ـ نعم الله عليك. اضحك بقى.
لم يفلح في قمع ضحكته التي أضاءت ملامحه مما جعلها تقول بنبرة عاشقة:
ـ أحلى ريس في الدنيا والله.
غزى ملامحه العبث مما جعله يقول بتخابُث:
ـ أنا ملاحظ انك عماله تعاكسيني، ومن شوية كنتِ بتتحرشي بيا و بعدين يعني مش عيب؟!
ارتدت إلى الخلف وهي تهتف باستنكار:
ـ نعم! مين اللي اتحرشت بيك دي أن شاء الله ؟
ـ أنتِ مش لسه كنتِ ماسكة إيدي!
ـ اه بس..
قاطعها بحدة زائفة:
ـ مبسش دا اسمه تحرش و كمان حسستي على وشي.
غنى باندفاع:
ـ محصلش.
ياسر بعناد:
ـ حصل.
غزر الحرج معالمها لتهتف بارتباك:
ـ أيوا يعني عايز ايه يعني…
قاطعها حين اقترب يقتطف قطرات العسل من فوق ضفتيها بحنو وكأنه يمحو بشهدها كل ما مر عليهم من أحداث مؤلمة، و قد كانت هي الآخرى تبغي النسيان والسكينة ولكن ذلك الإضطراب و المشاعر الجارفة التي ضربتها لم تكُن في الحسبان، و لكنه كما عهدته حنونًا مراعيًا تراجع قبل أن تتبدد روعة الأمر و تستفز خوفها يكفيه أنها لم تعُد تهاب قربه، وقد حاول أن يفرش طريقه معها ببتلات العشق الذي غزا نبرته إلى جانب العبث حين قال:
ـ بعد كدا مش هقول أنا عايز ايه ؟ انا هاخد اللي أنا عايزة على طول ..
شعرت وكأن صوتها تلاشى أمام طغيان ما اكتنفها من مشاعر انضم إليها الخجل لتهمس بخفوت:
ـ ياسر.
ياسر بنبرة خشنة:
ـ غُريبة قلبي.
ابتسمت بخجل قبل أن تُعيد همسها باسمه مرة أخرى ولكن هناك من سبقها إذا بدد صوته الجهوري الذي كان كالنشاذ:
ـ يااااااسر…
انتفضت غنى فزعًا بينما ياسر عض على شفتيه حتى كاد أن يُدميها من فرط الحنق الذي تجلى في نبرته حين قال:
ـ اطلع ابلعه لسانه الحيوان دا ولا اعمل فيه ايه؟
ضحكت على حديثه لتقول بسخرية:
ـ معتقدش أن يزيد زينا عنده لسان واحد..
ياسر بغل:
ـ هييجي يوم و هقصهوله. وعلمي على كلامي.
غنى بتهكم:
ـ ربنا معاك…
ـ حمادة. مالك يا قلب أمك؟
هكذا هتفت هيام بلهفة حين أخبرتها أحد الخادمات بأن طفلها مُصاب بنوبة برد لتهرول إلى الأعلى وتحديدًا إلى غرفته فوجدت جابر الذي كان يجلس بجانبه من اتجاه و روضة من الاتجاه الآخر.
ـ متقلقيش يا ابلة هيام الدكتور كتبله على دوا وقال هيبقى كويس..
هكذا تحدثت روضة ليأتيها صوت جابر الغاضب الذي افزعها في مكانها:
ـ روضة.. روحي على أوضتك..
اطاعته روضة مهرولة إلى الخارج بينما ارتفعت نظرات هيام عن طفلها تناظره بترقب لتجد الغضب بادٍ على محياه بصورة تدعو إلى الريبة، فاختارت الصمت خوفًا من حدوث ما لا تُحمد عقباه بينهم، لينفجر جابر في وجهها صارخًا:
ـ عرفتي أن ابنك كان محموم و سخن مولع يا ست هيام، و مكنش جنبه غير روضة.
ارتعبت من صراخه بهذا الشكل الذي لم تره به منذ أن تزوجته لتهتف بارتباك:
ـ يا قلبي يا ابني. بس . بس حرارته كويسة..
جابر بقسوة:
ـ حرارته كويسة دلوقتي. انما من كام ساعة كان مولع نار و مش مبطل عياط بينادي على أمه، لكن حضرتك كان عندك حاجات أهم..
بللت حلقها قبل أن تقول بتوتر:
ـ معلش يا حاج. حقك عليا. أنا أصلي كنت مع يزيد في مشوار..
جابر بانفعال:
ـ يزيد اللي سابلك البيت ومشي . بعد ما ياسر هج من الحارة والمكان كله بسببك! غريبة يعني أنه بص في وشك بعد كل دا وراح معاكِ مشوار!
اصابتها كلماته في الصميم مما جعلها تهب واقفة وهي تُجيبه بانفعال:
ـ حاسب على كلامك يا حاج..
ـ و أنتِ كنتِ حاسبتي على افعالك؟!
هيام بحدة:
ـ أفعالي دي حاجة بيني وبين اخواتي..
جابر بصراخ افزعها:
ـ أنتِ ناسية انك محسوبة عليا مرا…
أهانها للمرة الثانية، لتهبط العبرات من مُقلتيها وبالمقابل تفجر الغضب في اوردتها لتهتف بحدة:
ـ خلي بالك من كلامك يا جابر. و متفكرش أن عشان مانا مبكلمش اخواتي اني بقيت وحيدة و ماليش حد!
جابر بقسوة:
ـ أنتِ مينفعش غير انك تبقي وحيدة عشان تقدري قيمة الناس اللي في حياتك.
هيام بانفعال:
ـ أنت بتكلمني كدا ليه؟ هو انا عملت فيك ايه؟
جابر بتقريع:
ـ لما تتعديني و تخلي صاحبي يمشي اخوكي من الشغل عشان تضيقي الدنيا عليه، و مش بس كدا. دا أنتِ تستخدميني في أساليبك القذرة دي تلقي عايزة قطم رقابتك..
صُدِمت حين علم بما أخفته عليه طوال الفترة المنصرمة لتتأرجح الحروف فوق شفتيها وهي تقول:
ـ أيه. اللي . أنت. بتقوله دا يا حاج..
قاطعها بحدة:
ـ كمان هتكذبي عليا وانا عيني في عينك! اسمعي يا بت الناس. أنا العوج دا محبوش، والدنيا علمتني لما الفرع يميل يتقطع. شوفي نفسك لو هتفضلي مكملة في طريقك دا يبقى كل واحد يروح لحاله.
شهقت بصدمة:
ـ عايز تطلقني يا جابر؟
جابر بجفاء:
ـ قدامك حلين ملهمش تالت. يا ترجعي زي ما كنتِ وتحافظي على البيت دا، يا هطلقك، و أشوف واحدة تعرف ربنا تربيلي العيل اللي حيلتي..
بلغت الإهانة حدها الأقصى بالنسبة لها مما جعلها تقول بانفعال:
ـ أنت كدا غلطت يا جابر وانا مش هقبل بالإهانة دي. أنا هروح على بيت أبويا ولما تعرف قيمتي ابقى تعالى.
جاءت عطلة نهاية الأسبوع الذي كان ثقيلًا على من يجاهد حتى تمر الأيام، يدعي أنه على قيد الحياة ولكنه كان يهرب من الموت فقط.
يظن بأنه يسلك درب النجاة، ولكن الحقيقة أنه يهرول في طريق الهلاك وكأنه العدو الأكبر لنفسه. تدور به الأيام وهو يجاهد حتى ينسى ولكن قلبه مازال في نفس المكان عند تلك اللحظة التي ادعت بها أنه لا شيء بالنسبة لها.
زفر عمر بقوة وهو يقف على الجهة الأخرى أمام هذا المطعم الذي يقع بالقرب من الشاطيء يشاهد تلك التي سلبت منه قلبه، و طمأنينته و تركته فريسة للألم والغضب، و الحيرة فهو بكل مرة يقرر تخطيها يجد نفسه يبحث عنها. يؤنبه عقله و يتراجع أمام جبروته ولكن يجذبه إليها طوق من نار يكتوي بها قلبه الذي تأزر به الوجع حين رآها تستقل السيارة مع هذا الرجل و تتوجه الى هذا المكان.
غادر الرجل الكريه و تركها ليبقى هو يجاهد شوقه و غضبه الذي يوسوس له بالتوجه إلى حيث تمكث ليهزها بعُنف وهو يخبرها أنها لا يجوز لرجل آخر الاقتراب منها، ولكن كيف وقد قرر هو أن يُكمل حياته مع أخرى!
انتشله من ضجيج أفكاره رؤيته لسيارة كمال التي أوقفها على الرصيف المقابل له ليندهش في بداية الأمر ولكنه سرعان ما غادر سيارته لينادي عليه، فالتفت كمال إليه قائلًا باستنكار:
ـ عمر!
عمر بشوق:
ـ حمد لله عالسلامة يا كمال وحشتني.
كان هو الآخر يشتاق إليه لذا قام بمعانقته وهو يقول:
ـ الله يسلمك يا عمر، وأنت كمان وحشتني.
تراجع عمر يناظرها بعتب تجلى في نبرته حين قال:
ـ من وقت ما عرفت انك رجعت وانا مستنيك تكلمني. بس انت متكلمتش.
ـ وأنت ليه متكلمتش ؟!
عمر بنبرة يتخللها خيبة الأمل:
ـ خوفت تكون مش عايز تشوفني أنا كمان.
عنفه كمال قائلًا:
ـ بقولك ايه يا عمر بلاش تعيش دور اللي بيكسف عشان انت بجح وأنا اكتر واحد عارفك.
ابتسم عمر على حديثه ليجيبه بسخرية:
ـ كويس عشان أنا ماليش خلق للافلام دي.
ـ قولي انت جاي هنا ليه؟
هكذا استفهم كمال ليحاول عمر المراوغة قائلًا:
ـ كنت معدي من هنا.
كمال بعدم تصديق:
ـ مش مصدقك.
عمر بملل:
ـ ولا انا مصدق نفسي انت داخل المطعم ده؟
ـ ايوه ليه؟
ـ هدخل معاك.
كمال باستنكار:
ـ تدخل تهبب ايه ؟!
عمر بنفاذ صبر:
ـ معرفش المهم اني هدخل معاك وخلاص.
كمال بسخرية:
ـ لسه تبت زي ما انت.
عمر بتهكم:
ـ حصل.
سار كمال و من خلفه عمر في الممر المؤدي إلى المطعم لتبرق نظرات عمر الذي هتف بحرج:
ـ كمال.
استدار كمال ليرى على ماذا تستقر نظرات عمر لتتوسع حدقتيه و يهتف بحدة:
ـ أيه العبث دا؟!
ـ اعملي حسابك هنسيب الولاد مع سوزي و نخلع احنا.
هكذا تحدث خالد بجانب أذن أشجان التي غمرها الخجل من تلميحاته لتهتف بخفوت:
ـ خالد بطل. رنا جاية..
خالد باستفهام:
ـ هي رنا بتكلم مين في التليفون؟
ـ بنت صاحبتها اسمها سهيلة اتعرفت عليها مبقالهاش كتير، وعلى فكرة باين عليها حبوبة أنا كلمتها و عزمتها تيجي تتغدى معانا عند سوزي عشان اتعرف عليها أكتر.
اومأ خالد برأسه في استحسان قبل أن يقول بنبرة حانية:
ـ كويس انك عملتي كدا. يالا عشان منتأخرش.
تبعته أشجان إلى الأسفل ليوقفهم صوت نبيلة الكريه وهي تصيح بحبور:
ـ يا خالد. تعالى بسرعة شوف مين نورنا؟!
توقف خالد مبهوتًا حين رأى…..
رواية هل من سبيل للغفران الفصل الثامن 8 - بقلم نورهان العشري
ـ زينة!
هكذا هتف خالد باندهاش وهو ينظر إلى تلك المرأة الثلاثينية التي تضاعف جمالها منذ آخر مرة رآها بها لتبدو بهيئة رائعة مصحوبة بابتسامة لازالت تخطف أنفاس كل من رآها.
ـ حمد لله على السلامة رجعتي من السفر أمتى؟
هكذا تحدث خالد وهو يصافح زينة شقيقة زوجته الراحلة التي ابتسمت بدورها و أجابته بنبرة رقيقة ولكنها تحمل الثقة كما هي عادتها:
ـ الله يسلمك. أنا راجعة بقالي تلت أيام.
ـ اخس عليكِ. تلت أيام ولسه فاكرة تيجي تزورينا النهاردة!
هكذا تحدثت نبيلة بـود زائف لتنظر إليها زينة بابتسامة هادئة قبل أن تقول بنبرة تحمل السخرية بين طياتها:
ـ صدقيني يا بلبلة لو اعرف انك هتستقبليني الاستقبال الحار دا كنت نزلت من الطيارة على هنا على طول.
ارتسمت ابتسامة بسيطة على ثغر خالد الذي يعلم المعنى المبطن خلف كلماتها، ولكن نبيلة تجاهلت ما ترمي إليه وهي تقول بنبرة ودودة:
ـ ازاي بقى؟ دا أنتِ حبيبتنا. أنتِ ناسية انك متربية وسطنا ولا أيه؟
لم تُعلق زينة ليلتفت خالد ناظرًا إلى أشجان التي كانت تقف أسفل الدرج بأعيُن يتماوج بهم الغضب ليقول بنبرة خشنة:
ـ حبيبي. تعالي سلمي على زينة.
اقتربت أشجان بخطوات هادئة و عينيها لم تغفل عن نظرات نبيلة الخبيثة لتتفاجيء حين طوق كتفها خالد وهو يقوم بتعريفها إلى هذه الضيفة الجميلة:
ـ اعرفك يا زينة. أشجان مراتي. و دي زينة خالة رنا.
تبادل كُلًا من أشجان و زينة النظرات المصدومة حين علمت كلتاهما هوية الآخرى لتستفهم زينة بجمود:
ـ معقول اتجوزت!
هذه المرة كانت المفاجأة من نصيب خالد حين وجد أشجان تمد يدها و تصافح زينة وهي تُجيبها بنبرة قوية:
ـ أه معقول. نورتينا.
شعر بالغبطة من فعلتها لتبتهج عينيه فمن الرائع أن الأمر حين يصل عنده يتبدل سكونها و تشتعل جذوة النيران بداخلها كما هو واضح في نظراتها لتندفع زينة بلهفة:
ـ على فكرة والله انا مقصدش. أنا بس اتفاجئت. ألف مبروك.
شعرت أشجان باحراجها و بعفويتها في التعامل لذا ابتسمت بلُطف وهي تقول باختصار:
ـ الله يبارك فيكِ.
ـ يالا ندخل أنتِ واقفة على الباب ليه؟ و فين شنطك عشان الخدم يطلعوها فوق.
تصلب جسد أشجان أسفل ذراعه من حديث نبيلة المسموم ليتحدث خالد بنبرة جافة:
ـ نبيلة. أدي فرصة للناس تاخد نفسها، أنا مُقدر طبعًا أن زينة وحشاكي! بس الدور اللي أنتِ قايمة بيه دا دور أشجان بما أن دا بيتها.
قال جملته الأخيرة بنبرة ذات مغزى، فشعرت نبيلة بالإهانة خاصةً أمام زينة التي شعرت بالحرج، فهتفت الأخيرة بارتباك:
ـ سوري يا خالد. أنا اللي جيت من غير ميعاد، و نبيلة اكيد متقصدش.
تدخلت أشجان قائلة بنبرة يغمرها الثقة النابعة من دعمه لها، و تعزيز مكانتها علنًا دون تهاون:
ـ مفيش داعي للإعتذار. أنتِ نورتينا حقيقي، وكلنا مبسوطين أننا شفناكِ مش نبيلة بس، و اللي هيفرح أكتر و أكتر بقى لما يشوفك هي رنا.
ابتسم برضا من حديثها ليستمع إلى صوت زينة تقول:
ـ ميرسي لذوقك. أنا فعلًا نفسي أشوف رنا دي وحشاني أوي.
أشجان بهدوء:
ـ دقيقتين و هتلاقيها نازله. اتفضلوا نقعد في الصالون.
تقدمت نبيلة في المقدمة وكأنها تعلن كونها فردًا أساسيًا في هذا المنزل، و خلفها زينة، لتتبعهم أشجان و بجانبها خالد الذي جذبها مختلسًا قبلة استقرت فوق جبهتها كتعبير غير منطوق لما قامت به منذ دقائق ثم توجهوا إلى الصالون الكبير ليستقر الجميع في مقاعدهم لتبدأ نبيلة في استجوابها قائلة:
ـ قوليلي يا زينة يا حبيبتي. هو جوزك اتوفى بقاله قد أيه؟
خالد باستفهام:
ـ أيه دا هو سامح اتوفى امتى؟ انا فاكرك جايه زيارة عادية؟
زينة بهدوء:
ـ لا للأسف. سامح اتوفى بقاله أربع شهور و نص، و أنا راجعة استقر في مصر. مش ناوية اسافر تاني.
التمع الفرح في أعيُن نبيلة من حديث زينة، على عكس أشجان التي دق ناقوس الخطر في قلبها لا تعلم السبب ولكنها لم تُعلق ليقطع الصمت الدائر دخول رنا التي ما أن سمعت بوجود خالتها حتى هرولت من الأعلى لتحتضنها بشوق و فرحة عارمين.
كان كمال يجلس حول الطاولة في مواجهة سوزان و ملامحه مُكفهرة بشكل يبعث على الرهبة، منذ أن رآى تلك الغبية تقف في شرفة الشقة وهي ترتدي هذه المنامة البيتية التي تكشف عن اكتافها البيضاء و خصلاتها البنية تتماوج حرة طليقة حولها وكأنها قاصدة استفزازه بينما هي كانت تنظر إلى البحر وهي تحمل كوبّا ترتشف منه على مهل غافلة عن الأعيرة النارية التي تندفع من نظراته.
ـ نورتني النهاردة يا كمال.
هكذا تحدثت سوزي بلُطف وهي تنظر إلى ملامح كمال التي تُنذر بالسوء و كذلك كانت لهجته الجافة حي أجابها:
ـ أي مكان بتكوني فيه بينور بوجودك يا سوزي.
التفتت سوزان ناظره إلى عمر الذي كان يجلس بجوار كمال و قد بدا عليه التحفظ لتقول بنبرة ودودة:
ـ و اللي أحلى و أحلى كمان انك جبت معاك الدكتور عمر. سمعت عنه كتير.
كمال بحنق:
ـ أنا لا جبته ولا شفته أصلًا. أنا اتكعبلت فيه وأنا داخل.
اغتاظ عمر من كلمات كمال ليُتمتم بحنق:
ـ أصيل طول عمرك.
سرعان ما تبدد حنقه ليُجيب على سوزان قائلًا بمرح:
ـ الصراحة أنا كنت بتمشى بالعربيه و لفت نظري المكان. فقولت ادخل اقعد شوية واتفاجأت بكمال، و بعدين بحضرتك. مكنتش اعرف ان دا المطعم بتاعك. يعني الموضوع كله صدفة.
كانت ترى الكذب بوضوح في عينيه، ولكنها اكتفت بالقول بابتسامة بشوشة:
ـ يا محاسن الصُدف والله.
علق كمال ساخطًا:
ـ هي محاسن فعلًا.
ـ سوزي يا سوززززي.
هكذا هتفت آسيا و من خلفها شروق ليتنبه كُلًا من كمال وعمر إلى وجودهم الطاغي، و بالمقابل تفاجئت الاثنتين من وجودهم لتشتعل النظرات لثوان بين الجميع، خاصةً حين شاهد كمال ذلك الفستان الذي ترتديه آسيا و الذي لم يكُن كاشفًا كتلك المنامة التي كانت ترتديها في الشرفة، ولكنه كان يبرز منحنياتها بدقة و يتلائم لونه الزيتي مع لون بشرتها، فبدت صارخة الجمال حتى بدون مساحيق تجميل.
أما عن عمر، فقد افلتت نظراته المُشتاقة تحتوي شروق التي كانت ترتدي ملابس بسيطة، مكونه من تيشيرت أبيض اللون بنصف أكمام، و بنطلون أسود يعانق ساقيها بأغواء. تاركة العنان لخصلاتها الرائعة لتتماوج خلفها بحرية و خاصةً وقد ازداد طولها عن السابق، فهاجمته ذكرى بعيدة وهو يقوم بتصفيف هذه الخصلات المتمردة و يستنشق عبيرها و يغرز أصابعه بين طيات نعومتها.
ـ أهلًا بالحلوين. تعالوا يا بنات.
كانت شروق كعادتها سرعان ما تحسن ارتداء قناع الجمود قبل أن يظهر عليها أي شيء على عكس آسيا التي كانت تعرف مُسبقًا بأنه قادم، ولكن بدا عليها التأثر حين تذكرت تلك الصفعة التي نالت من كرامتها لتغيم عينيها بحزن تبدد حالما لمحت نظرات سوزان المُحذرة لتتدراك الأمر حين رأت شروق التي أرادت النيل من عمر هذه المرة أيضًا حين تقدمت من كمال قائلة بنبرة ودودة:
ـ ازيك يا كمال عامل ايه؟
صافحها كمال وهو يجيبها بنبرة ودودة:
ـ الحمد لله ازيك يا شروق.
كان يتفرسها رغمًا عنه، فقد اشتعلت جذوة الشوق بصدره و ود لو يعانقها حتى تتكسر عظامها، فلن يكفيه مجرد مصافحة، والحقيقة أن لشروق رأيًا آخر أفزع كبريائه بقوة حين ضنت عليه بالمصافحة التي لم تكن ترضيه واكتفت بإيماءة بسيطة من رأسها كتحية له، وقد تبدلت نيران شوقه إلى غضبًا حين رآها تلتفت ناظرة إلى سوزان وهي تقول بمرح:
ـ شوفتيني وأنا منضبطة و جاية آخد الشيفت بتاعي في معاده!
سوزان بحـب:
ـ لا شوفتك وأنتِ زي القمر. يالا على المطبخ.
شروق بمُزاح:
ـ عنيا يا فندم.
أنهت جملتها ثم التفتت إلى كمال قائلة بنفس نبرتها المرحة:
ـ كان نفسي أوجب معاك والله. بس المديرة بتاعتنا شديدة شوية.
ابتسم كمال الذي كان يتقن لعبة التجاهل هو الآخر ليقول بنبرة خشنة:
ـ كفاية أن أنا شوفتك. دا أحلى واجب.
اقتربت آسيا مُزعنة لتقوم بالترحيب بعمر الذي كان الغضب بادٍ على محياه:
ـ أهلًا يا دكتور عمر. نورتنا.
صافحها عمر وهو يحاول التغلب على غضبه من تجاهلها له قائلاً بنبرة جامدة:
ـ ازيك يا آسيا عاملة أي؟
آسيا باختصار و هي تحاول تجاهل هذا الذي لم يعير وجودها حتى التفاتة:
ـ الحمد لله.
ثم التفتت إلى سوزان قائلة بجمود:
ـ وأنا هجهز الشواية عشان ابتدي الشوي على ما خالد و أشجان يوصلوا.
ناظرتها سوزان بلوم يتناقض مع نبرتها المُعتزة حين قالت:
ـ حظكوا من السما هتاكلوا احلى مشويات من إيد آسيا النهاردة.
كان باردًا إلى الحد الذي يظن المرأ بأن براكين الغيرة لم تطأ أرضه يومًا، ولم يحترق مناخه بنيران العشق أبدًا، لينهض من مكانه وهو يضع نظراته الشمسية لتكتمل صورة نموذجية لرجل وسامته و الهلاك وجهان لعملة واحدة، ليقول بنبرة خشنة:
ـ أنا همشي عشان ورايا حاجات مهمة، و بعدين أنا ماليش في المشاوي، تقيلة على معدتي. مابحبهاش.
غادرت بهدوء وكأن داخلها لم يتحطم منذ لحظات لتحدجه سوزان بنظر لأئمة قبل أن تقول بنبرة مُعاتبة:
ـ على فكرة أن قايله لخالد يقولك انك هتتغدى معانا النهاردة.
كمال موضحًا:
ـ قالي والله، و مردتش أقوله يعتذرلك جيت بنفسي عشان متزعليش.
مد يده يصافحها فربتت على كفه بيدها الأخرى وهي تقول بنبرة ذات مغزى:
ـ هيفوتك كتير.
كمال بجمود:
ـ محدش بياخد أكتر من نصيبه.
لم تُطيل في الأمر لتوميء برأسها، فتدخل عمر قائلًا بنبرة جافة:
ـ أنا كمان همشي، مبسوط اني شوفت حضرتك و اتعرفت عليكِ.
سوزان بنبرة ودودة:
ـ أنا اكتر، و اتمنى اشوفك كتير هنا. المكان مكانك.
عمر بجمود:
ـ أن شاء الله.
ما أن غادر الرجلان حتى هتفت سوزان بنبرة ساخطة:
ـ أنتِ يا مقصوفة الرقبة ياللي اسمك آسيا.
جاءت آسيا بخطوات غاضبة و نبرة تشبة الصراخ:
ـ أنا مقصوفة الرقبة ليه أن شاء الله؟!
سوزان بتقريع:
ـ بقى يا بت أنتِ دا اللي اتفقنا عليه؟ الراجل داخل عليا هيطق من جنابه!
آسيا بحنق:
ـ يستاهل.
تدخلت شروق محاولة تخفيف الأمر:
ـ اهدي شوية يا آسيا و اسمعي سوزي.
سوزان بحنق:
ـ ليه تسمع الشر بره و بعيد! هي لازم تجود من عندها.
آسيا بحدة:
ـ مش هو عاملي فيها مجروح و مد إيده عليه يستاهل بقى.
هتفت سوزان موبخة:
ـ عشانك غبية. مفروض شوفتيه متعصب متقفيش قدامه.
آسيا باستنكار:
ـ دا ليه أن شاء الله! حد قالك إن أنا جبانه!
سوزان بتقريع:
ـ لا مش جبانه بس غبية. لما الواحدة تلاقي اللي قدامها متعصب مفروض تنسحب حتى لو عندها الف حق. عشان ميحصلش اللي حصلك. وعلى رأي أدهم الحسيني الله يمسيه بالخير دا الجري نص الجدعنة.
شروق و آسيا في آنٍ واحد:
ـ مين أدهم الحسيني دا؟
سوزان بشجن:
ـ دا واحد حكيم كدا. كان في رواية اسمها للعشق وجوه كثيرة أنا بحبها اوي.
عقبت شروق قائلة باعتراض:
ـ ما علينا. بس على فكرة يا سوزي اللي عيزاها تعمله دا يبقى اسمه هروب.
سوزان بتوضيح:
ـ اسمه هروب تكتيكي يا هبلة. هو لما يتهور مين اللي هيتعور؟
شروق بإقرار:
ـ هي.
تدخلت آسيا بغضب:
ـ بصي بقى أنا السبب هو السبب. المهم أنه جه عليا و قوي، و مفكر أني هجري وراه اترجاه! دا بعينه! أنا أموت ولا اني اتذلل لحد.
سوزان بحدة:
ـ يابت تتذللي أيه؟ أنتِ هتجننيني! عارفة؟ انا مش تاعب قلبي غيرك! شايفة البت اللي عاملة فيها رضوى الشربيني دي ميتخافش عليها. حتى الهبلة أشجان انا متطمنة عليها. انما أنتِ دماغك مسوحاكي و شيطانك عفي.
تجمعت سحب الغضب بعينيها لتمطر ألمًا تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ أنتِ اللي بتقولي كدا!
رق قلب سوزان لعبراتها لتهتف بحنو:
ـ يا بنتي الله يهديكِ. بلاش تصبي الزيت على النار. قولنا أن دا ابننا و غلط، و مجروح، قلبه واجعه. كمال لسه باديء يفوق من الصدمة. منضغطش عليه. نتجنب غضبه. دا الحزن معشش جوا عنيه.
اقتربت آسيا تجلس بجانبها واضعه رأسها فوق صدر سوزان لتهتف من بين عبراتها:
ـ عارفة أن القلم اللي ضربهولي موجعنيش قد كلامه! لما سمعته بيتكلم مع خالد و قد أيه هو مجروح حسيت اني كرهت نفسي. اتمنيت لو كنت موت ولا كنت وجعته كدا.
سوزان بحنو وهي تمحو عبراتها بحنو تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ يا حبيبتي اللي حصل حصل، واحنا بنحاول نصحح الغلط دا. بلاش تستفزيه احنا عايزين نقرب بطريقة متبينش اننا قاصدين. بنحاول نخلق صدف عشان نقرب المسافات بينكوا.
آسيا بنبرة تئن وجعًا:
ـ بروده و تجاهله ليا دول بيجننوني. شوفتي شكله كان عامل ازاي لما دخلت؟ اللي يشوفه و ميعرفش اللي كان بيننا يقول إني شفافة بالنسباله. غصب عني الموضوع مؤلم و مُهين أنتِ متعرفيش كمال دا كان بيتعامل معايا ازاي!
سوزان بتوضيح:
ـ على قد حبه على قد وجعه. اصبري و اهمدي و اسمعي الكلام. عايزينه يرجع زي الأول و أكتر بس بعقل.
اومأت برأسها بإذعان لترفع سوزان رأسها و تنظر إلى شروق التي كانت في وادٍ آخر لتهتف قائلة:
ـ والله ما مريحني إلا العاقلة الراسية دي. جابته على ملا بوزه قال أيه كان معدي من هنا بالصدفة و لفت انتباهه المطعم!
انتفضت دقات قلبها إثر حديث سوزان لترتسم ابتسامة ساخرة فوق شفتيها قبل أن تقول بمرارة:
ـ والله لو بيموت يا سوزي وروحه معايا هيستكبر ياخدها، وانا هستكبر أردهاله. أنا غير آسيا. أنا عارفة و متأكدة أن قضيتي خسرانه معاه.
مدت سوزان يدها إلى شروق التي كانت في أمس الحاجة لعناقها لتحتل الجانب الآخر من صدرها في مقابلة آسيا لتقول سوزان بحنو:
ـ مفيش خسارة يا حبيبتي. هو بس محتاج يتقرص عشان يفوق.
شروق بتهكم:
ـ عُمر عمره ما هيفوق أبدًا.
سوزان برزانة:
ـ بكره تشوفي. اللي بيتكبر على الحب. زي بالظبط اللي بيقف يرتجف في البرد عشان خايف لا النار تلسعه. ولما يحس أنه قرب يموت من البرد هيجري على اللي كان خايف منه. الإنسان لما بيلاقي نفسه بيقع بيدور على أي حبل يتمسك بيه حتى لو كان الحبل دا شوك. مش قلب زي قلبك.
خرج استفهام مؤلم من بين طيات قلبها الموجوع:
ـ وهل يفلح مع من ارتكب جُرمه الغفران؟!
سوزان بحنو:
ـ بكرة كل حاجة هتتصلح بإذن الله و هتقولوا سوزان قالت.
أنهت جملتها و قامت بتوجيه ضربة خفيفة لجبهة آسيا وهي تقول بتقريع:
ـ دا لو الهانم طبعًا سمعت الكلام، و متسببتش في كارثة بعنادها.
رفعت رأسها تناظره سوزي بتأثر وهي تقول بتعب:
ـ تفتكري في أمل كمال يرجعلي تاني؟!
سوزان بحنو:
ـ في بدل الأمل ألف. بس احنا نتصرف بعقل و نبطل نبني في السور اللي بيبعدك عنه بدل ما نهده.
آسيا بلهفة:
ـ حاضر هسمع كلامك في كل اللي تقوليه.
تدخلت شروق التي قالت بتخابُث:
ـ و الخطوة الجاية من عندي. يالا يا سيسو أن شالله ما حد حوش.
زينة بنبرة رقيقة:
ـ خالد ممكن اتكلم معاك في موضوع؟
نظر خالد إلى ساعته قبل أن يقول بنبرة خشنة:
ـ معلش يا زينة خلينا نأجل كلامنا النهاردة لأننا للأسف عندنا معاد مهم و اتأخرنا عليه و مضطرين نمشي. البيت بيتك طبعًا.
لا تعلم لما شعرت بأنه يتهرب من الحديث معها لتوميء برأسها قبل أن تقول بخفوت:
ـ لا طبعًا ولا يهمك اتفضل. أنا بس هستأذنك اخد رنا تبات معايا النهاردة عشان هي وحشاني أوي.
هذه المرة تدخلت أشجان عن عمد حين قالت:
ـ وليه تاخديها وتمشي؟! خليكِ معاها هنا. و باتي كمان معاها.
هتفت رنا بحبور:
ـ ياريت يا خالتو. أنا نفسي بجد اقعد معاكِ. أنتِ وحشاني أوي.
اندهشت زينة حين تولت أشجان الإجابة بدلًا عن خالد، وكأنها تخبرها بأن ابنة أختها تحت تصرفها هي ولكنها لم تُفصِح عما يجول بخاطرها بل تحدثت بهدوء:
ـ خلاص تمام. أنا بس محتاجة اروح الفندق عشان اجيب هدومي و حاجات ليا.
ـ مفيش مشكلة وأنا هبعت السواق معاكِ يوديكي و يجيبك.
هكذا تحدث خالد لتبتسم زينة بامتنان لتلتفت أشجان ناظرة إلى رنا بحُب قبل أن ان تقول بهدوء:
ـ متنسيش تكلمي سُهيلة تقوليلها انك مش هتخرجي معانا.
رنا بأدب:
ـ حاضر يا مامي. و بوسيلي نانا سوزي وقوليلها سوري عشان مش هعرف اجي معاكوا.
قبلتها أشجان فوق جبهتها قبل أن تقول بحنو:
ـ حاضر ياروحي. اتبسطي مع خالتو و نبقى نروح لنانا سوزي في وقت تاني.
أخيرًا توجه كُلًا من خالد برفقة أشجان و أطفالها إلى الخارج وما إن كاد يستقل السيارة حتى تفاجيء من هذا الصوت خلفهم:
ـ خالد.
التفت خالد فصُدِم حين وجد هيام التي كانت تقف على مقربة منهم، ولكن كانت الدهشة من نصيب اشجان التي هتفت قائلة:
ـ هيام!
ـ أهلًا يا هيام. واقفة بعيد ليه؟ تعالي.
هكذا تحدث خالد لتتوجه هيام تجاه سيارة خالد لتمد يدها و تصافح أشجان ثم التفتت لتصافح خالد وهي تقول بحرج:
ـ حقك عليا جيت من غير معاد. بس الموضوع اللي جايه فيه مهم أوي.
شعرت أشجان بأنها لا تريد الحديث أمامها لذا التفتت إلى خالد قائلة:
ـ خالد أنا نسيت حاجة هطلع اجبها و اجي.
اومأ خالد برأسه قبل أن يلتفت إلى هيام قائلاً:
ـ تعالي احنا نقعد نتكلم هنا.
توجهت معه إلى أحد الطاولات بالحديقة لتجلس وهي تحاول ترتيب حديثها، وإذا بها تفاجئه حين قالت:
ـ أنا جيالك يا ابن عمي لما الدنيا ضاقت بيا وملقتش حد أروحله.
كانت تتحدث و العبرات تتحدث عنها أيضًا ليتفاجيء خالد الذي هتف بقلق:
ـ حصل ايه يا هيام؟ و ليه بتعيطي كدا؟
هيام بنبرة حزينة:
ـ مخنوقة شوية، و كنت عايزة اطلب منك تكلم رحيم عشان استلم ورثي من أبويا الله يرحمه.
كان يجلس في القاعة الكبيرة التي تحتل جزءً كبيرًا من مقدمة البيت يفض أحد النزاعات بين الفلاحين، والتي انتهت أخيرًا بالتراضي ليتفاجيء بصوتٍ صراخ أحد الفتيات داخل البيت، فهب من مكانه يندفع إلى الداخل ليرى ماذا حدث، فإذا بأحد الخادمات تصرخ بذِعر:
ـ الست نچاة غميت.
وكأن قلبه انشق إلى نصفين حالما رآها تتوسط الأرض وهي ساكنة كجثة هامدة ليندفع كالممسوس تجاهها يتفحص نبضها بيدين ترتعش من فرط القلق، فإذا به يشعر بالراحة حين أدرك بأنها على قيد الحياة ولكنها فاقدة للوعي ليقوم بوضع ذراعه أسفل ركبتها و الآخر خلف ظهرها وهو يصرخ في الخدم بصوته الجهوري:
ـ شيعوا للحكيمة بسرعة.
هرول بها إلى الأعلى وهو يدعو الله أن تفتح عينيها الجميلة و ترفرف برموشها الطويل التي تلقي بشباكها حول قلبه، فيقع بعشقها بكل مرة يقف أمامها، ولكن آخر مرة تحدث معها كان الحديث شوكًا بينهم، ولكن كيف يحنو وهو المذبوح بسكينة الهجر!
وضعها فوق مخدعه وهو ينتظر مجيء الطبيبة لتطمئنه على حالها، والتي لم تتأخر بل جاءت على الفور لتقوم بالكشف عليها لتخبره بأنها أُصيبت بهبوط في الدورة الدموية نتيجة الضعف و عدم التغذية، ليلعن تحت أنفاسه، فهي منذ ثلاثة أيام لا تجلس على مائدة الطعام معه، و تحديدًا منذ تلك المواجهة المروعة بينهم.
ـ أنت اللي جتلك مَرتك!
ناظرها رحيم بصدمة تجلت في نبرته حين قال:
ـ بتجولي اي؟
نجاة بنبرة حاولت جعلها قوية:
ـ بجولك انت اللي جتلت مَرتك؟! و ياريت تچاوبني بصراحة من غير لف ولا دوران.
كان حديثها أهانة بالنسبة إليه، فهل تتهمه بالجُبن و الخوف من قول الحقيقة أمامها! أسدل الغضب ستائره على ملامح رحيم و تبدلت نظراته من الصدمة إلى الغضب الذي احتل نبرته حين قال بجهامة:
ـ أنتِ بتتحدتي أكده ويا مين! مچنونة أنتِ ولا اي؟ رحيم الوتيدي عيخاف من مرا!
الخوف احتل تقاسيمها و نظراتها للحد الذي جعلها تتراجع خطوة للخلف، وهي تهتف بنبرة مُرتجفة:
ـ مجصديش. أني بس عايزة اعرِف الحجيجة.
رحيم بفظاظة:
ـ وهي الحجيجة دي أني هخاف أجولها جدامك!
كان يقترب منها بخطوات وئيده كفيلة ببث الذُعر في أوصالها، ولكنها عاندته وهي تقول بنبرة حاولت جعلها ثابتة:
ـ يبقى تجولها.
توقف أمامها وعينيه رغم القسوة كان بها عتاب كبير، ولكنه لم يُفصِح عنه إذ قال بجفاء:
ـ مجتلتش حد.
رغمًا عنها خرج استفهامها مندفعًا كالإعصار:
ـ ازاي الحديت دا!
ـ زي الناس. لما أجول مجتلتهاش يوبجى مجتلتهاش.
هكذا هتف رحيم بنبرة غاضبة ألجمت الكلمات فوق شفتيها ولكنه تابع بنبرة خطرة:
ـ بس جتلت غيرها!
شهقت بصدمة ليُتابع رحيم بمرارة لم تُخطيء في فهمها:
ـ عارفة جتلته ليه؟ عشان غلط غلطة كبيرة جوي، و بسبب غلطته دي اني ارتكبت أكبر ذنب في حياتي.
غافلتها الكلمات و خرجت مندفعة حين قالت:
ـ ذنب ايه؟
تنهيدة قوية خرجت من جوفه قبل أن يقول بنبرة يفوح منها الوجع:
ـ أذيتك!
كانت عينيه تخاطب عينيها بعتب و اعتذار ولكن ألمها كان أكبر من كليهما لتهتف بلوم:
ـ أذيتني بس! أنت دبحتني! يمكن لو كنت موتني كنت هرتاح لكن اني بسببك كنت بعيش نفس الخوف و الوچع كل يوم.
اقترب ممسكًا ذراعيها يهزها بقوة جاءت من عمق الوجع الكامن بداخله وهو يقول بنبرة مُلتاعة:
ـ فكرِك أني متوچعتش! فكرك اني مكنتش مدبوح جبلك!
همست بنبرة مذبوحة من فرط الوجع:
ـ أني ذنبي أيه في وچعك ده!
غامت عينيه بالقسوة قبل أن يقول بنبرة قاسية:
ـ اللي وچعني دمه بيچري في عروقك، بس اني مش ظالم، و مخدتكيش بذنب حد. مشيلتكيش شيلة مش شيلتك.
نزعت نفسها منه وهي تهتف باستنكار:
ـ كل حديتك عن ابوي أني مش مصدجاه. استحالة يكون بالقسوة دي! و بعدين ما يمكن انت عملت فيا أكده عشان تنتقم منيه!
برقت عينيه من حديثها ليهتف مُستنكرًا:
ـ انتقم منيه فيكِ! و لما دي نيتي مكملتش في انتقامي للآخر ليه؟ و ليه اتچوزتك بعد أكده! و ليه لما بقيتي في داري عِملتك هانم عالكل، ومحدش يقدر يتنيلك كلمة!
لا تعلم كيف خرجت الكلمات من فمها كالرصاص حين قالت:
ـ ما دا انتقام بردك. لما تكون مبتچيبش عيال و تتچوزني يوبقى عشان عايز تنتقم مني!
سددت سهم كلماتها في منتصف صدره ببراعة ليجتاحه نوبة ألم قاسية أفقدته النطق للحظات، شعر بها بأن العالم يدور من حوله، فقد تعرى أمام محبوبته، ولم يقتصر الأمر على هذا فقط. بل وقد استغلت هي الأمر لتطعنه بقوة في أضعف نقطة بقلبه، ولكنه لم يعتد على الانحناء يومًا، فقد كان يتلقى الرصاص كرذاذ المطر، هل يقع الآن من مجرد طعنة حتى و إن كانت نافذة!
شعرت بغباء ما تفوهت به، و انتفض قلبها يُعنفها على ما اقترفته بحقه، ولكنه لم يُمهلها الفرصة لكي تتراجع أو تصلح الأمر بل وجدته يتراجع شامخًا برأسه وهو يشبك يده خلف ظهره و قد خيمت القسوة على نظراته و نبرته حين قال:
ـ صوح. حديتك صوح. اتجوزتك عشان انتقم عشان اني مبخلفش. و لو كنت بخلف. عمري ماكنت هتچوز من بنت رماح الهلالي! الدم النچس ده مينفعش واصل أنه يختلط بدم الوتايدة.
شعرت بالألم يقطر من بين كلماته التي آلمتها هي الآخرى، ولكن الأعظم من الألم هو أن تضطر للتماسك بينما داخلك ينهار وقد كان هذا حاله عندما غادر الغرفة ليتركها فريسة للندم و الوجع والقهر.
كانت عينيه تمر على ملامحها بشوق، فمنذ ذلك اليوم حُرِمت عليه رؤيتها، فقد انقطعت عن مشاركته الطعام، وقد كان هو يختار البقاء طوال اليوم في الخارج ليبتر نوبات الحنين التي تجره إليها خاصةً وأن كلماتها كانت كالسرطان الذي يأكل روحه بصمت مروع، فقد نالت من كرامته و كبريائه و رجولته حين ذكرته بنقصه. ولكنه لا يقدر على أيذائها، فقط تجاهل مؤلم من جانبه كان الشيء الوحيد الذي استطاع فعله.
عبرة متمردة غادرت جفنيه يبدو أن الألم قد فاق حدود احتمالها لتمحوها أنامله بقوة حين شاهدها ترفرف برموشها و تبدأ في الاستيقاظ ليهب من مكانه ويتوجه إلى المقعد المقابل لمخدعها، فما أن فتحت جفونها بتثاقُل حتى وجدته يجلس أمامها بهدوء و عينين لا تفصحان عن شيء وملامح جامدة لتعود رويدًا رويدًا إلى الواقع و يبدأ قلبها بالأنين فقد تغزى الندم على روحها الايام الماضية و سلبها طاقتها حتى لم تعد تحتمل أكثر من ذلك فسقطت، ولكنها قررت الحديث، فلم تعُد تطيق هذا الثُقل بداخلها.
حاولت الاعتدال تبغي الجلوس ولكن الدوار داهمها مرة أخرى ليسقط رأسها على الوسادة مما جعله يندفع لا إراديًا ليساعدها معدلًا من وضع الوسادة خلف رأسها قبل أن يجعل رأسها يستند عليها برفق لامس قلبها، فبالرغم من كل شيء ولكنه يهُب لمساعدتها وكأنها ليست من قتلته منذ أيام!
حين أراد النهوض من جانبها أوقفته حين قالت بخفوت:
ـ رحيم.
اخترقت حروف اسمه قلبه حين نطقتها بتلك الطريقة ولكنه حاول الثبات قائلاً بجفاء:
ـ نعم.
شعرت بجفاءه ولكنها لم تستسلم بل قالت بخفوت:
ـ عايزة اتحدت وياك.
رحيم بجفاء ولازال عازفًا عن النظر إليها:
ـ جولي اللي عندك.
جفائه مؤلم، أو أنها غير معتادة عليه لذا أرادت تبديده حين قالت بجرأة:
ـ ينفع تمسك يدي عشان اجعد!
رغمًا عنه التفت يناظرها بصدمة طالت للحد الذي جعلها تتمتم بحزن:
ـ خلاص هجعد أني…
حين حاولت الحركة تفاجئت حين اقترب يُحيط خصرها بذراعه القوي لتصطدم بصدره و تتعانق نظراتها مع خاصته في قربٍ مُهلِك لكليهما جعلتهم يتشاركا الهواء سويّا لتمر لحظات من الصمت المشحون بضجيج لا يسمع صوته ولكن صداه كان شيئا لا يمكن نكرانه!
قطع رحيم تواصلهم البصري حين تركها فجأة بعد أن اسندها على ظهر السرير ليتراجع ينوي تركها ولكنها لم تتركه بل مدت يدها لتمسك خاصته حتى توقفه عن المغادرة، فخيم الاندهاش على ملامحه والذي تضاعف حين قالت بخفوت:
ـ أني آسفة.
ارفقت اعتذارها بعبرات غزيرة تلاها كلمات مؤثرة خرجت من شفتيها المُرتعشة حين قالت:
ـ أني معرُفش قولت اللي قولته دا ازاي! بس الوچع اللي في جلبي معدتش جادرة اتحمله.
لم يحتمل التطرق إلى هذا الحديث ليجذب يده من يدها و ينهض من جوارها وهو يقول بقسوة:
ـ متبرريش حاچة. الحديث اللي جولناه مفيهوش حاچة غلط. كل واحد قال اللي في جلبه، و انتهينا.
عاندته حين قالت باندفاع وهي تحاول الوقوف على قدميها:
ـ لا منتهيناش يا عمدة. ولازمن تعرِف أني عارفة غلطي، و ندمانه عليه كمان.
ـ ممنوش فايدة الحديت ده. خدي دواكي و ريحي، و أنا هخليهم يطلعولك الوكل اهنه.
هكذا تحدث رحيم بجفاء وهو يحاول الهرب من أمامها، فالأمر كان موجعًا بالنسبة إليه، لتهتف نجاة بنبرة حادة:
ـ أني عارفة موضوع الخلف ده من اول يوم سبوع ليا اهنية. قبل ما يحصول بيننا أي حاچة.
خيمت الصدمة على ملامحه من كلماتها ليلتفت ناظرًا إليها بعدم فهم لتُتابع بنبرة مُتحشرجة:
ـ ولو أنت مكنتش عايز من بنت رماح الهلالي ولاد، فبنت رماح الهلالي مكنش يفرج معاها لو قعدت العمر كله چنبك من غير ولاد.
كان الأمر يبدو و كأنها اختارت كلماتها بعناية حتى تجعله يقع في عشقها للمرة التي لا يعرف عددها. فتتنحى كل شيء في هذه اللحظة ما عدا صورتها المُرتجفة أمامه ليقترب منها بخطٍ سُلحفية وهو يقول بنبرة خطرة:
ـ جولتي ايه؟
ارتجفت الحروف فوق شفتيها وهي تقول:
ـ جولت اني مكنش فارج معاي اي حاچة من اللي سمعتها. مكنش فارج معاي غيرك.
وقف أمامها يُطالعها بأعيُن يتماوج بهم الشعور، فلم تُمهله فرصة للتفكير إذ قالت بخفوت:
ـ أني طول عمري بكرة الأذى، وعمري ما كنت ولا هكون شخص مؤذي. حتى لو اني بنت رماح الشيطان اللي انت بتكرهه، فأني مش زيه، وآسفة على الحديت اللي خرچ مني يومها….
لم يُمهلها الوقت للحديث إنما قام بجذبها لتستقر في منتصف حضنه وكأنه يرفض أي شيء قد تقوله يمنعه من فعل ذلك، فقد فاق الوجع كل شيء داخله يبغي قربها حتى يتخدر ذلك الألم العظيم ولو لثوان، و يبدو أنها تشاركه نفس الأمنية إذ ارتمت بداخله بعجز دون مقاومة أو اعتراض.
أخرجهم رنين الهاتف من تلك اللحظة الرائعة ليتراجع عنها على مضض، ولكن حين رآى رقم المتصل أجاب على الفور ليقع هذا الخبر فوق رأسه وقوع الصاعقة حين سمع الحديث على الطرف الآخر:
ـ رماح رجع مصر النهارده الصبح يا عمدة!
ـ هيام الكلام اللي أنتِ بتقوليه دا مينفعش. يعني أيه مقولش لياسر على الموضوع دا!
هكذا تحدث خالد باستنكار لتُجيبه هيام بحزن:
ـ ياسر قطع علاقته بيا عشان مراته، باعني عشان الهانم بتاعته ويزيد مشي وراه. بدل هما خالص باعوني يبقى يعرفوا عني حاجة ليه؟
خالد بعدم تصديق:
ـ هو أنتِ بتتكلمي عن ياسر و يزيد اللي انا اعرفهم؟!
هيام بسخرية:
ـ أيوا هما. هو في غيرهم!
خالد بنفاذ صبر:
ـ أنا لازم اتكلم مع ياسر، و اوعي تقوليلي لا. الكلام اللي أنتِ بتقوليه دا مش داخل دماغي، وحتى لو اللي بتقوليه فعلًا صح يبقى ياسر محتاج اللي يرده لعقله.
اخفضت هيام رأسها وهي تقول بجمود:
ـ اعمل اللي تعمله المهم اني عايزة أخد حقي في اقرب وقت.
شعر خالد بأن هناك خطبًا ما ليستفهم قائلًا:
ـ أنتِ في عندك مشكلة؟!
تناثرت العبرات من مقلتيها قبل أن تقول بخفوت:
ـ اتخانقت مع جابر و سيبت البيت.
خالد باستنكار:
ـ سبتي البيت؟! ليه حصل ايه؟
هيام بحرقة:
ـ الناس كلها بقت وحشة يا ابن عمي. مفيش حد بيفتكرلك حاجة حلوة عملتهاله. بيهدوك و يدبحوا فيك أول ما حاجتهم عندك تخلص.
على الجانب الآخر كانت أشجان تغلي من الغضب في الغرفة حالما تذكرت كلمات نبيلة المسمومة حين وجدتها تدلف إلى الداخل:
ـ أيه دا انتوا مش كنتوا خارجين!
تسمرت أشجان في مكانها، فقد كانت غاضبة بقوة من هذه المرأة لما حدث منذ قليل لذا خرجت الكلمات حادة من فمها حين قالت:
ـ شيء ميخصكيش.
اغتاظت من ردها الذي لم تكن تتوقعه لتصعد الدرج خلفها هاتفه بتهكم:
ـ هو أنتِ متعصبة ليه كدا؟ أحسن يكون خالد غير رأيه في موضوع الخروج دا بعد ما شاف زينة! شوفتي زينة عاملة ازاي يا أشجان!
قالت جملتها الأخيرة بنبرة مُبطنة بالتحقير ولكن أشجان عكفت عن الرد لتُتابع نبيلة قاصدة إذلالها:
ـ زي القمر، و أرملة، و حلوة، و دكتورة و من عيلة محترمة. لا و التقيلة بقى من ريحة سهام الله يرحمها.
نالت منها كلمات نبيلة للحد الذي أعماها مما جعلها تهتف بغضب:
ـ قصدك سهام اللي أنتِ قتلتيها!
برقت عيني نبيلة و جمدت ملامحها للحد الذي كان مُخيفًا ثم التفتت تنظر حولها قبل أن تقوم بجر أشجان من يدها بقسوة لدلف الى داخل غرفتها التي كانت على بعض خطوتين منهما ثم أغلقت الباب لتلتفت ناظرة إلى تلك التي كانت ترتجف من فعلتها لتلون ابتسامة خبيثة ثغرها قبل أن تقول بنبرة مسمومة:
ـ سمعيني بقى قولتي أيه تاني كدا!
تذكرت كلمات خالد البارحة لتحاول تنحى خوفها جانبًا وهي تقول بنبرة حاولت جعلها ثابتة:
ـ أنتِ سمعتي أنا قولت أيه، و خلي بالك انا لولا خايفة على خالد لا يتصدم أن أخته بالبشاعة دي كنت قولتله على اللي قولته من زمان.
توسعت عيني نبيلة من فرط الصدمة، و سرعان ما احتل الخوف زاوية عيناها ولكنها نحته جانباً و حاولت رد الهجوم بآخر مُضاد حين قالت:
ـ أيه دليلك! تبقي مجنونة لو فكرتي أن ممكن خالد يصدقك. عارفة ليه؟ عشان خالد حتى لو مبيعجبهوش تصرفاتي فهو واثق و متأكد أن أخته ضعيفة و منقدرش تعمل كدا. كبيرها تضرب إسفين بينه وبين مراته.
عاندتها أشجان قائلة:
ـ هيصدق لما اقوله هيصدق!
نبيلة بخُبث:
ـ وحتى لو صدق! تفتكري هيبلغ عني! هيسجنني! هيقتلني! هيعمل أي! هيقاطعني لا هيقدر يخرجني من بيتي، ولا هيقدر يخرج من بيت أبوه. هيزعق و هيكسر، و مش بعيد يضربني، وقتها لا عز ولا عمر هيسكتوا، و هيقفوا كلهم لبعض. و لما يحصل دا انا اكيد مش هقف ساكتة! دانا هحسرك على ولادك زي مانتِ خسرتيني أخويا.
لم تكُن تتخيل كل هذا الحقد الذي تحمله تلك المرأة داخلها لتهتف بلا وعي:
ـ أنتِ ايه؟! أنتِ مش طبيعية! دا ابليس مش كدا! أنتِ أبشع إنسانة شفتها في حياتي.
نبيلة بتهديد:
ـ أنتِ لسه مشوفتيش حاجة من بشاعتي.
أشجان بحدة:
ـ ربنا شايف. و صدقيني مهما كان جبروتك ربنا قادر يخسف بيكِ سابع أرض.
لم تتأثر بالحديث ولكنها تأكدت من أنها أخافتها على النحو المطلوب، لتقول بنبرة ناعمة:
ـ مش هرد عليكِ. عارفة ليه؟ عشان أنا واثقة انك مش في حالتك الطبيعية من وقت ما شوفتي زينة. يا حرام الله يكون في عونك. ماهي عرتك و بينت قد ايه أنتِ قليلة. اتوقع أن خالد هيشوف دا قريب جدًا و هيرجعك لمقلب الزبالة اللي جابك منه.
آلمتها الإهانة بقوة ولكنها الآن أدركت كم كان مُحقًا في حديثه عنها، لذا حاولت جعل نبرتها ثابتة حين قالت:
ـ اللي خلى جوزك يعيش معاكِ العمر دا كله من غير ما يشوف بشاعتك. يخلي خالد ميشوفش ست غيري. اخرجي بره أوضتي.
نجحت في تهديد إهانة قاتلة في مرماها، ولكنها حاولت التظاهر باللامُبالاة حين قالت:
ـ بردو صعبانه عليه. عشان كدا مش هرد عليكِ. كفاية اللي أنتِ فيه.
أنهت جملتها و خرجت تتهادى في مشيتها إلى أن غادرت لترتمي أشجان فوق مخدعها وهي تشهق بقوة، فقد تخطت هذه المخلوقة كل الحدود في تجبرها و شرها.
ـ يعني أنت نويت تدفع فلوس العملية كلها يا ياسر!
هكذا تحدث يزيد الى ياسر الذي أجاب باختصار:
ـ أيوا.
يزيد بتحذير:
ـ خلي بالك انت كدا هتحط كل اللي حوشته الفترة اللي فاتت دي، وكأنك معملتش حاجة طول السنة اللي فاتت دي.
زمجر ياسر غاضبًا:
ـ أسيب الراجل يموت يعني.
تراجع يزيد عن حديثه قائلًا بلهفة:
ـ اللي تشوفه يا ريس. لو عايز تاخد كليتي تديهاله متغلاش عليك. دا أبو نسب بردو.
ابتسم ياسر لا إراديًا على مُزاح يزيد ليقول الأخير بمرح:
ـ أيوا يا عم اضحك كدا وفكها مش ناقصين نكد.
لم يكد ينهي يزيد جملته حتى اندفعت غنى من الداخل هاتفه باعتراض:
ـ بس أنا مش موافقة يا ياسر.
غصب ياسر من تدخلها في هذا الأمر و تذكر كلماتها في المشفى ليهتف بحدة:
ـ و أنتِ مين طلب رأيك؟!
غنى بانفعال:
ـ مش لازم حد يطلب رأيي. دا ظلم يا ياسر، وأنا مش هقبل تدفع كل اللي معاك وتبدأ تاني من الصفر. أنت محدش قدملك حاجة عشان تضحي بالشكل دا.
ياسر بنبرة حاسمة:
ـ وأنا مطلبتش حاجة من حد، ولا عايز حاجة من حد، وبعدين ايه الأوفر دا تضحية أيه! دا والدك و مريض أسيبه يموت يعني! دا لو حد معرفوش و سمعت بحالته هساعده.
تعلم كم هو نبيل، ولكنها تشعر بالأسف لأجله، فهي سبب كل هذه المصائب التي ألمت به، فبسببها ترك كل شيء لذا قالت بنبرة مُلتاعة:
ـ يا ياسر افهمني.
قاطعها ياسر بنبرة قاطعة:
ـ اعمليلك قفلة يا غنى.
قاطع حديثهم صوت رنين هاتف ياسر الذي أجاب حين رأى أن المتصل خالد:
ـ أيه يا وحش عامل ايه؟
خالد باختصار:
ـ كويس انت فين؟
ياسر بقلق:
ـ أنا في الحارة. رجعت بقالي حوالي أسبوع. في حاجة؟
خالد بنبرة خشنة:
ـ أيوا في. هيام عندي في البيت. زعلانه من جوزها و منكوا، و عايز اعرف حصل ايه؟
تفاجيء ياسر من حديثه ليهتف بعدم تصديق:
ـ بتقول ايه يا خالد؟
ـ اللي سمعته يا ياسر. هيام زعلانه اوي و كلامها زعلني. لازم نتقابل و افهم منك حصل ايه.
قمع غضبه بشق الانفُس قبل أن يقول بجفاء:
ـ طيب أنا دلوقتي عندي حوار كدا هخلصه و هكلمك نتقابل.
خالد باستفهام:
ـ في حاجة؟
ياسر بجمود:
ـ والد غنى تعبان اوي، و لازم يعمل عملية نقل كلية في أسرع وقت و بندور على متبرع و مش لاقيين.
خالد بخشونة:
ـ طب ليه مكلمتش عمر!
ـ كنت هلجأله آخر حل.
هكذا تحدث ياسر ليُجيبه خالد بتقريع:
ـ والله عيب عليك. هو انتوا أيه اللي حصلكوا يا وتايدة؟ كل واحد خيبته اكبر من التاني ايه كدا؟!
ياسر بحنق:
ـ خلاص يا خالد أنا مش طايق نفسي أصلًا.
خالد بفظاظة:
ـ كلم عمر رسيه على حوار حماك و أنا نص ساعة و هكون عندك.
اغلق ياسر الهاتف والتفت ناظرًا إلى غنى التي كانت تتشاجر مع يزيد قائلة:
ـ عاجبك اخوك وعنده!
يزيد بحنق:
ـ يعني أنت عاجبك اقتراحاتك اللي شبه وشك دي!
غنى بحدة:
ـ الحق عليا اني خايفة عليه.
هتف يزيد ساخطًا:
ـ الله يخربيت دي كلمة. هو كل واحدة تعمل فيه مصيبة تقول خايفة عليه! شحط زي دا خايفين عليه من ايه؟
لم يمنحها ياسر الفرصة للحديث بل هتف بنبرة جافة:
ـ خالد هيجيلي و هنخرج، و متقلقيش عليا من اي حاجة. هكلم عمر يشوف متبرع عنده في المستشفى وان شاء الله خير.
ارتاحت حين سمعت حديثه لتبتسم براحة ليتدخل يزيد ساخرًا:
ـ شوف ياخي ضحكتي دلوقتي و بتسبلي ياما كان نفسي يمسكك يدور فيكِ الضرب.
غنى بحدة:
ـ ضربة في قلبك دا بعينك.
قالت جملتها قبل أن تتوجه لتستقر بين أحضانه ليقوم بوضع قبلة حانية فوق خصلاتها و يشدد من احتضانها ليُتمتم يزيد بحنق:
ـ ياما نفسي حد يمسكك أنتِ وهيام اختي يدور فيكوا الضرب لحد ما يبانلكوا صاحب.
ياسر باستفهام:
ـ بتقول أيه باد أنت!
يزيد بسخط:
ـ بكح!
مر بعض الوقت ليلتقي كُلًا من ياسر و خالد الذي قال بخشونة:
ـ مزعل هيام ليه يا ياسر!
ياسر بتهكم:
ـ مزعل هيام! تخيل بقى أن هيام قهرتني يا خالد؟!
خالد باستفهام:
ـ لا وضح عشان مش فاهم.
زفر ياسر بتعب قبل أن يقُص عليه ما حدث بداية من جريمتها التي ارتكبتها في حقه مرورًا بكل ما حدث إلى أن أنهى حديثه قائلًا:
ـ تخيل أنها بعد كل دا مفكرتش تقولي أنا آسفة أو أنا غلطت!
كانت الصدمة تحتل ملامحه بقوة من حديث ياسر ليحاول التغلب عليها قبل أن يقول ساخرًا:
ـ غلطت! هو اللي عملته دا مجرد غلط! أيه التهريج دا! هي هيام خابت على كبر ولا ايه؟!
ياسر بتعب:
ـ والله يا خالد أنا عن نفسي مصدوم ومش عارف اعمل أيه؟! تعبت فعلًا.
صمت خالد لثوان قبل أن يقول بعتب قاسي:
ـ أنا زعلان منك يا ياسر. ماشي حقك تزعل و تثور و تغضب لكن مفروض أن ليك اخوات كُبار تتكلم معاهم و تاخد رأيهم. انما تروح تتبهدل في البلاد عشان تعاقب هيام! و نشتغل عند الناس وانت صاحب ملايين! أيه المنطق دا!
ياسر بانفعال:
ـ أنا مش هاخد ولا جنية من الفلوس دي. قبل ما الناس كلها تعرف أن أبويا اتظلم يا خالد. الفلوس دي عمرها ما هتمحي العار اللي حسينا بيه ولا هترد كرامتنا.
خالد بخشونة:
ـ أنت عارف كويس اوي أننا بنسعى لدا و حق والدك دين في رقابتنا، و اول خطوة كانت رجوع صافية.
استفهم ياسر بيأس:
ـ مفيش أخبار بردو!
خالد بحزن:
ـ للاسف لا. الدكاترة بتقول أن الغيبوبة دي اوقات كتير بتطول، ووارد ممكن تفوق في أي وقت.
تحدث ياسر بإرهاق:
ـ أنا تعبت يا خالد.
خالد بنبرة مُشجعة:
ـ دا مش وقت تعب. أنت لازم تقعد هيام قدامك و تحطها قدام غلطها. دي بتتكلم و كأنها مظلومة قلباً و قالبًا لدرجة اني زعلت عشانها!
ياسر بنبرة مُشجبة:
ـ أنا نفسي مصدوم. مش مصدق أنها تعمل كدا. بس للأسف هي عملت كدا و أكتر من كدا. دي بتكابر لدرجة تخليك تتجنن.
خالد باستياء:
ـ دي كارثة. أنها تعمل كل دا و متكونش متخيلة أنها غلطانه. بقولك ايه مش يمكن تكون غيرانه عليك!
قال خالد جملته الأخيرة باستفهام ليُجيبه ياسر ساخطًا:
ـ اهو دا بقى اللي غايظني! و دا اللي بيقوله يزيد. الموضوع كدا مش غيرة يا خالد. لما توصل أنها تأذي بالشكل دا يبقى مش مجرد غيرة دا بقى مرض.
خالد بامتعاض:
ـ يعني هو جديد على ستات العيلة دي كلهم كدا. المهم. عمر هيتولى موضوع والد غنى، وانت تشوفلك حل مع هيام.
ياسر بنبرة حازمة:
ـ خالد يكون في علمك أن انا اللي هدفع كل جنية لعملية أبو غنى.
زجره خالد بغضب قبل أن يقول بتقريع:
ـ حاضر لما نوديه مستشفى تانية مش عليها اسم الوتيدي هنبقى ندفعك. عيب دا انت ريس. متزعلنيش منك.
يعلم كم أنه شهم، فهو مثله تمامًا كلاهما يجري في عروقهم نفس الدماء ليقول ياسر بامتنان:
ـ تسلم يا خالد.
خالد موضحًا:
ـ للمرة المليون دا حقك للمرة. وانت مأجله لكن مش رافضه. المهم شوف مع جابر دا هو مزعل هيام ليه، وأنا هخليها عندي كام يوم لحد ما نشوف هنعمل أي؟
ياسر بجمود:
ـ حاضر. هشوف و هكلمك.
مر يومين حافلين بالكثير مما لم يكُن يعنيها، ما يُعنيها أن اليوم هو ميعاد الاجتماع الثاني لهم مع شركة الوتيدي، و قد تراه هذا أن تخلى عن قراره في تجنبها، وهنا قد بدأ الصراع يحتدم بين توقها لرؤيته و بين خوفها من عواقب ما يحدُث، و على الرغم من ذلك فقد تأنقت لتبدو من الخارج حورية هاربة من أحد الأساطير بينما في داخلها هي عجوز تجاهد حتى تحيا الباقي من أيامها دون ألم.
ـ تفتكري هييجي؟
هكذا استفهمت شروق بخفوت لتحاول آسيا تضمين اللامُبالاة في نبرتها حين قالت:
ـ جه أو مجاش النتيجة واحدة، فمش هتفرق.
لاحظت آسيا جمود راجي و تحفظه في الحديث مع شروق لتستفهم بخفوت:
ـ هو أنتوا لسه زعلانين ولا ايه؟
تمتمت شروق بحزن:
ـ واخد جنب مني بسبب موضوع عمر، و زعلان اني خبيت عليه انه كان جوزي.
زمت شفتيها بحنق لتسمع صوت خالد يقول نبرته الخشنة:
ـ يالا بينا نبدأ.
استفهم راجي قائلًا:
ـ مش هنستنى كمال ولا ايه؟
لم يكد خالد يُجيبه حتى تفاجئوا من كمال الذي دلف إلى داخل الغرفة وهو يقول بجفاء:
ـ صباح الخير.
رد الجميع تحية الصباح بينما هي كانت في وادٍ آخر حين استمعت إلى صوته الجاف الذي جعل حفنة من الوخزات الموترة تتفشى في جسدها، فبللت حلقها و جذبت كفوفها المرتعشة لتخفيهم أسفل الطاولة، وقد شعرت بتوتر بالغ جعل الألم يزحف إلى جسدها.
ـ أظن كدا نبدأ؟
راجي باختصار:
ـ يالا بينا.
بدؤوا طرح الاقتراحات و نقل جميع التطورات في الموقع ليأتي دور آسيا التي حاولت التعامل وكأنه غير موجود لتشرح الميزانية اللازمة التي جهزتها لوحدات العلاج و المعدات التي سيجلبوها من الخارج، وقدمت شروق قائمة بالبلاد التي سيجلبون منها المعدات، ليقطع انغماسهم في العمل دخول فتاة البوفية لتدوين طلباتهم، فطلب راجي قهوة سوداء و كذلك خالد و كمال و طلبت شروق كوب من القهوة سريعة الذوبان ليأتي دور آسيا التي قالت وعينيها على الأوراق أمامها:
ـ عايزة اسبريسو.
ـ لا.
هكذا جاء صوت شروق المندفع لترفع آسيا رأسها من الأوراق و تناظرها بغضب لم تلتفت له شروق التي قالت بحزم:
ـ هاتيلها عصير فريش.
غضبت من هذا الموقف المُحرج ليتطاير الشرر من عينها تجا شروق ولكنه سرعان ما تبدد ليتحول إلى صدمة حين سمعت خالد يقول بنبرة جافة:
ـ هاتيلها عصير.
تفرقت نظراتها بينهم بحرج، ولكن كان الترقب والريبة من جانب كمال الذي لاحظ حرب النظرات الدائرة، فشعر بأن هُناك خطبًا ما ليتذكر ذلك المشهد حين رآها في غرفة المشروبات الذي جعله يسأل عمر بدون التطرق إلى تفاصيل:
ـ بقولك ايه يا عمر هي أيه أضرار القهوة؟!
عمر باختصار:
ـ بالعكس دي مفيدة.
كان الأمر يؤرقه لا يعلم السبب لذا استفهم بإلحاح قائلًا:
ـ يعني في كل الحالات مفيدة مفيش منها ضرر!
ـ أكيد لا. بس الإفراط فيها غلط، و كمان لو اتشربت على الريق غلط جدًا على المعدة.
لم تروي إجابته فضوله ولكنه عنف نفسه على هذا الاهتمام الغبي ليأتيه سخرية عمر حين قال:
ـ متقوليش انك خايف على نفسك من القهوة! دي القهوة اللي تخاف على نفسها منك. دانت عايز فدان بن عشان يأثر في التراي بس.
التفت له كمال هاتفًا بسخط:
ـ دمك يلطش.
أخذت نظراته تستقر على ملامحها الغاضبة و من الواضح أنها أعلنت الإضراب عن شرب كل شيء فهاهو كوب القهوة لم يُمس، فاحتار في تفسير الأمر، و استبعد فكرة أن يسأل عنه بطريقة مُباشرة لينفض عنه تلك الأفكار، و يمتثل لنداء عقله بالابتعاد عنها وعن كل ما يخصها ليصب اهتمامه بالعمل. ليمر بعض الوقت قبل أن يقول خالد بجمود:
ـ أنا بقول ناخد استراحة و نكمل كمان شوية. أكيد البنات تعبت.
لم تتحدث آسيا بل انتظرت حتى وافق الجميع على اقتراحه لتنسحب من المكان وهي ترغي و تزبد من الغضب، وقد كانت شروق تنوي اللحاق بها ولكن رنين هاتفها أوقفها لتخرج حتى يتثنى لها الإجابة عليه، وقد كان هناك من يقرضه الشوق، ويفترسه القلق، و رغمًا عنه توجه إلى ذلك المكان الذي توقع أن تكون موجودة به، وقد صح ظنه، فقد وجدها تقف أمام ماكينة صنع القهوة تقوم بإعداد القهوة السوداء التي منعتها شروق من تناولها في الداخل، فشعر بحاجة مُلحة داخله تخبره بأن يمنعها. لذا هتف بنبرة قاسية:
ـ هو أنتِ مفيش حاجة غلط مبتعمليهاش!
ـ اهدي يا هيام و امسحي دموعك، وانا ليا كلام تاني مع الحاج جابر و مع ياسر.
هكذا تحدث خالد مواسيًا لتُجيبه هيام ساخرة:
ـ خلاص مبقاش له لأزمة للكلام. كل واحد عقله في راسه يعرف خلاصه.
ضاق ذرعًا من حديثها ليقول بنبرة خشنة:
ـ أنتِ قاعدة فين دلوقتي؟
زاد بكائها وهي تُجيبه:
ـ أنا مفروض أني كنت اروح بيت أبويا بس طبعًا ياسر هناك و معاه الهانم مراته، روحت قعدت عند واحدة اعرفها لحد ما اخد فلوسي و اشتريلي بيت يلمني انا و ابني.
استشاط خالد غضبًا ليهتف مُستنكرًا:
ـ دا كلام يا هيام! ازاي مجتيش هنا على طول. طب ياسر و في مشكلة بينك وبينه. أنما احنا مش اخواتك ولا أيه؟
ـ مش حابة أشيلك همي يا خالد.
قاطعها بنبرة حادة:
ـ بطلي عبط و اعملي حسابك انك هتقعدي هنا لحد ما نشوف هنعمل ايه.
هيام بلهفة:
ـ مش هينفع يا خالد سيبني على راحتي…
خالد بنبرة صارمة:
ـ مفيش حاجة اسمها سيبني على راحتي. في حاجة اسمها أصول. تقدري تقوليلي لو جوزك فكر يصالحك و جالي ولا راح لياسر نقوله منعرفش هي فين؟
حاولت الحديث فحدجها بنظرة مُحذرة قبل أن يقول بصرامة:
ـ عيب يا هيام. أنتِ ليكِ رجالة، وانا هخلص الموضوع دا مع ياسر النهاردة. يالا تعالي جوا، وأنا هخلي أشجان تقول للخدم يجهزولك اوضة.
لم يترك أمامها مجال للرفض لتسير بجانبه مُذعنة إلى الداخل، فوجد نبيلة أمامه التي بدورها صُدِمت من وجود هيام، ليتجاهلها خالد وهو ينادي على أشجان التي كانت قد غسلت وجهها حتى تُهديء من غضبها قليلًا لتهرول إلى الخارج حالما سمعت ندائه:
ـ نعم يا خالد.
دقق النظر في ملامحها وهي تتوجه إليه فحاولت رسم ابتسامة فوق ثغرها حتى لا تثير قلقه، فمن الواضح أن هناك خطبًا ما لينظر إلى هيام وهي يقول:
ـ معلش يا حبيبي هتعبك. بس عايزك تقولي للخدم يجهزوا أوضة لهيام. عشان هتقعد معانا شوية.
صُدِم الجميع من حديثه و كان أول المُتحدثين هي نبيلة التي هتفت باستنكار:
ـ بتقول ايه يا خالد! مين دي اللي تقعد هنا!
اغتاظ من وقاحتها ليناظرها شكرًا قبل أن يقول بنبرة قاسية:
ـ أنا موجهتش كلامي ليكِ عشان أعيده تاني!
لأول مرة تشعر بالسعادة حين ترى شخصًا يُهان أمامها لتتسع ابتسامتها قبل أن تقول برقة:
ـ عيوني يا روحي. دي هيام دي حبيبتي و عشرة عمر.
هيام بامتنان:
ـ تسلمي يا أشجان. دا العشم بردو.
اندهش من حديثها خاصةً حين تخلت عن خجلها لأول مرة أمامهم بهذا الشكل، و ذلك اللفظ التحبُبي الذي خرج كالعسل من بين شفتيها، ولكن من ملامح نبيلة أدرك أن هناك شيئًا ما، فنادى على أحد الخدم ليرشد هيام إلى غرفة الجلوس حتى يتم تجهيز أحد الغرف لها، وما إن غادرت حتى هتفت نبيلة بحنق:
ـ مش لازم كل ما يكون في حد موجود تحرجني بالشكل دا يا خالد! ماهو أنا أختك بردو، وكرامتي من كرامتك، ولا عادي تدوس على كرامتي قدم الناس كل شوية!
ارفقت عتابها بعبرات زائفة لتؤثر عليه أمام تلك التي تنظر إليهم بترقب لردة فعل خالد الذي خرجت الكلمات منه جريحة حين قال:
ـ ياريت تقولي الكلام دا لنفسك. أنا حقيقي نفسي ولو لمرة واحدة تجبريني اتعامل معاكِ كويس.
أنهى جملته و لازالت عينيه تعاتبها ولكن اي عتاب قد تفهمه وهي مصابه بكل هذا الحقد داخلها، ليُدرك من مظهرها أنه ليس هناك أمل، وحين وجدها توشك على الحديث مد يده يجذب يد أشجان ويتوجه إلى الخارج.
ما أن لفح الهواء النقي وجهه حتى التفت ينظر إليها بحُب قبل أن يقول باعتذار:
ـ حبيبي احنا للأسف مضطرين نلغي خروجة النهاردة.
أشجان بلهفة:
ـ ليه كدا؟ حصل أيه؟ هيام شكلها ميطمنش.
قربها منه يضمها إلى صدره قبل أن يتمتم بحنق:
ـ الأوضاع مش متظبطة بينها وبين أخواتها، و لازم ادخل.
كان في أمس الحاجة لدعمها وقد شعرت بذلك لتضمه بقوة قبل أن تقول بحنو:
ـ ولا يهمك يا حبيبي. روح شوف اللي وراك، وانا هكلم سوزي اعتذرلها ونبقى نعوضها وقت تاني. أساسًا مكناش هنعرف ننبسط من غير رنا.
تراجع ينظر الى داخل عينيها قبل أن يقول بنبرة خشنة:
ـ كويس انك فكرتيني. بخصوص زينة هيكون عندك مشكلة لو قعدت معانا فترة بسيطة على ما تظبط أمورها.
شعرت بأن دقات قلبها تهتاج داخلها و تأمرها بالرفض، ولكنها لن تسمح لتلك المشاعر التي بداخلها أن تعميها ولا لتلك الكلمات الحقيرة التي سمعتها من نبيلة أن تُخيفها فهي تثق به لذا قالت بابتسامة هادئة:
ـ لا يا حبيبي. معنديش اي مشكلة. تقعد زي ماهي عايزة.
اقترب خالد يكوب وجهها بين يديه قبل أن يقول بنبرة حنونة:
ـ اسمعيني كويس. لو الموضوع مش على هواكي قوليلي واتأكدي أني مش هعمل غير اللي يريحك.
شعرت بمدى صدقه و أيضًا كان حنانه مُغريًا، ولكنها أشفقت على رنا، فهذه المرأة هي الذكرى الوحيدة من والدتها و لا يجب أن تكون أنانية لذا أجابته بنبرة رقيقة:
ـ عارفة دا كويس، و مقدرة انك مخدتش قرار غير لما سألتني. و معنديش مشكلة.
ابتسم خالد على طيبتها و حنانها الذي لا حدود له، فأراد أن يضع كل شيء نُصب عينيها حين قال:
ـ حتى لو دا رأيك. بس أنا حابب تعرفي وجهة نظري، زينة مسافرة بره بقالها اكتر من عشر سنين، و أنا مش حابب أنها لما ترجع تتبهدل خصوصًا أن أنا تقريبًا اللي مربيها، وكمان دي خالة رنا والحاجة الوحيدة اللي باقية من والدتها الله يرحمها.
اهتز قلبها حين وجدته يتعمد عدم ذكر اسمه زوجته أمامها ولو كان في حديث عارض، وقد أبرز هذا كم هو مراعيًا لمشاعرها مما جعل ابتسامة رائعة تُضيء ملامحها حين قالت:
ـ وأنا فاهمة كل الكلام دا من غير ما تقوله و معنديش فيه اي مشكلة.
تضخم قلبه من فرط العشق الذي يتضاعف كل دقيقة تمر عليه بجانبها، فهذه المرأة هي الملاك الذي هبط من السماء ليحول حياته إلى جنة:
ـ طب أنا هحبك أكتر من كدا ايه؟
اغرورقت عينيها بالدموع قبل أن تقول بنبرة خافتة:
ـ حبني كتير أوي يا خالد. أنا مش محتاجة حاجة في الدنيا دي غير حبك.
خالد بنبرة تقطر عشقًا:
ـ وأنا بحبك اكتر من حاجة في الدنيا دي.
مر يومين حافلين بالكثير مما لم يكُن يعنيها، ما يُعنيها أن اليوم هو ميعاد الاجتماع الثاني لهم مع شركة الوتيدي، و قد تراه هذا أن تخلى عن قراره في تجنبها، وهنا قد بدأ الصراع يحتدم بين توقها لرؤيته و بين خوفها من عواقب ما يحدُث، و على الرغم من ذلك فقد تأنقت لتبدو من الخارج حورية هاربة من أحد الأساطير بينما في داخلها هي عجوز تجاهد حتى تحيا الباقي من أيامها دون ألم.
ـ تفتكري هييجي؟
هكذا استفهمت شروق بخفوت لتحاول آسيا تضمين اللامُبالاة في نبرتها حين قالت:
ـ جه أو مجاش النتيجة واحدة، فمش هتفرق.
لاحظت آسيا جمود راجي و تحفظه في الحديث مع شروق لتستفهم بخفوت:
ـ هو أنتوا لسه زعلانين ولا ايه؟
تمتمت شروق بحزن:
ـ واخد جنب مني بسبب موضوع عمر، و زعلان اني خبيت عليه انه كان جوزي.
زمت شفتيها بحنق لتسمع صوت خالد يقول نبرته الخشنة:
ـ يالا بينا نبدأ.
استفهم راجي قائلًا:
ـ مش هنستنى كمال ولا ايه؟
لم يكد خالد يُجيبه حتى تفاجئوا من كمال الذي دلف إلى داخل الغرفة وهو يقول بجفاء:
ـ صباح الخير.
رد الجميع تحية الصباح بينما هي كانت في وادٍ آخر حين استمعت إلى صوته الجاف الذي جعل حفنة من الوخزات الموترة تتفشى في جسدها، فبللت حلقها و جذبت كفوفها المرتعشة لتخفيهم أسفل الطاولة، وقد شعرت بتوتر بالغ جعل الألم يزحف إلى جسدها.
ـ أظن كدا نبدأ؟
راجي باختصار:
ـ يالا بينا.
بدؤوا طرح الاقتراحات و نقل جميع التطورات في الموقع ليأتي دور آسيا التي حاولت التعامل وكأنه غير موجود لتشرح الميزانية اللازمة التي جهزتها لوحدات العلاج و المعدات التي سيجلبوها من الخارج، وقدمت شروق قائمة بالبلاد التي سيجلبون منها المعدات، ليقطع انغماسهم في العمل دخول فتاة البوفية لتدوين طلباتهم، فطلب راجي قهوة سوداء و كذلك خالد و كمال و طلبت شروق كوب من القهوة سريعة الذوبان ليأتي دور آسيا التي قالت وعينيها على الأوراق أمامها:
ـ عايزة اسبريسو.
ـ لا.
ه
رواية هل من سبيل للغفران الفصل التاسع 9 - بقلم نورهان العشري
لم تتحدث آسيا بل انتظرت حتى وافق الجميع على اقتراحه.
انسحبت من المكان وهي ترغي وتزبد من الغضب.
كانت شروق تنوي اللحاق بها، ولكن رنين هاتفها أوقفها لتخرج حتى يتسنى لها الإجابة عليه.
كان هناك من يقرضه الشوق ويفترسه القلق.
ورغمًا عنه توجه إلى ذلك المكان الذي توقع أن تكون موجودة به.
وقد صح ظنه، فقد وجدها تقف أمام ماكينة صنع القهوة تقوم بإعداد القهوة السوداء التي منعتها شروق من تناولها في الداخل.
فشعر بحاجة ملحة بداخله تخبره بأن يمنعها.
لذا هتف بنبرة قاسية:
ـ هو أنتِ مفيش حاجة غلط مبتعمليهاش!
رواية هل من سبيل للغفران الفصل العاشر 10 - بقلم نورهان العشري
السبيل العاشر ❤️🔥
تدور بينا عجلة الحياة ما بين سقوطٍ و ارتفاع، و أحيانًا نجد نفسنا عالقين بالمنتصف، عاجزين حتى عن التحكم بمصائرنا، لنظن بأننا لسنا سوى بيادق في لعبةٍ تتقاذفنا ما بين صدماتٍ موجعة و مواجهات مُربكة.
ولكن أيضًا هُناك ثوابت يجب أن نضعها دائمًا بعين الاعتبار:
فالصدمة التي لا تقتُل لا تُحيي على الفور. بل تجعلنا مُجبرين على ألّا نسقط. مهما كان الألمُ ثقيلًا لا يُحتمل، وكان الخذلانُ ضاريًا، كوحشٍ كاسر لا يردعه ضعف ولا يرهبه خوف. فالإنسان حين تصفعه صدمات الحياة، لا تُعطيه الكثير من الخيارات؛ إمّا الوقوع في هاوية الخسارة، وإمّا المقاومة حتى النجاة. غير أن النجاة هنا لا تعني دائمًا الانتصار، فهناك ضرائب مدفوعة من أحلامٍ تتساقط واحدًا تلو الآخر في خِضم هذه المعركة الشرسة، معركةٍ تُجرِّد الإنسان من أبسط حقوقه:
وهو حق الانهيار حين لا تعود هناك طاقةٌ على الصمود.
وحين نُفسِح الطريق للكبرياء ليتولى دفةَ الأمر، يصبح صوته حادًّا كالسيف في أوج المعركة حيث لا تهاون، ولا مساومة، ولا التفاتةً لما يتحطّم في الداخل. فالألمُ حين يفوق الحدّ، يولد غضبًا أهوج لا يعترف بالمشاعر، ولا يقبل سوى الثأر.
ومن هنا تحديدًا يبدأ الإنسان في الانجراف نحو الخطأ، فتغدو الحاجة مُلحة إلى الموازنة بين النضال من أجل البقاء، والقتال بدافع الانتقام.
فكثيرٌ منّا لا يُدرك الحكمة الكامنة خلف كل صدمة أصابته، ولا السر خلف كل صفعة خذلان نالت منه منه، إلّا حين يبلغ حافة النهاية. حينها فقط، يرى بوضوح أنَّ كل ما مرَّ به لم يكن عبثاً، بل كان مخاضاً قاسياً لولادة إنسانٍ جديد، وسبباً قوياً لتصحيح مسار رحلته.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
دارت النظرات المُشتعِلة بين الأربعة يُكلهها غضب عارم و خذلان مرير، ميرهان التي تركها رؤوف عامًا كامل دون كلمة وداع واحدة، و كمال الذي لم يكُن يصدق أن يراها بجانب هذا الرجل بعد كل ما حدث بالإضافة إلى وقاحته في القدوم إلى عرينه، و آسيا التي كان الغضب إلى جانب الخذلان يتربعان في عينيها وهي ترى ميرهان خلفه هل سامح من اغتالت حياتهم و هدمتها فوق رؤوسهم، ولم يُكلف نفسه عناء سماعها ولو لدقائق، ثم رؤوف الذي تماوج الاحتقار بعينيه تجاه ميرهان إضافة إلى الغضب تجاه كمال الذي تسبب في كارثة حياته و انتزاع كل ماهو غالي بها، ولكنه تجاهل رؤيته هو و شقيقته ليهتف بنبرة يشوبها التوسل:
ـ آسيا. أنا لازم اتكلم معاكِ.
وكأن الحياة اليوم أقسمت أن تضعها في أسوأ المواقف، و أصعب المواجهات، بداية من حديثها الشائك معه، و إهانته المتعمدة لها مرورًا بتلك المرأة زينة، و قربها منه الذي أوقد نيرانًا هوجاء داخلها ثم رؤيتها لهذه الفتاة التي هدمت حياتها تقف إلى جانبه كانت هذا الأمر بمثابة صفعة خذلان اخرى لها ! توالي الصدمات كان أكبر من قدرتها على الاستيعاب لذا تساقطت العبرات من مقلتيها التي كانت تطلقان الشرر منها حين التفتت إلى رؤوف هاتفه بحدة:
ـ أنت أيه اللي جابك هنا؟! أنا مش عايزة أشوفك تاني ولا عايزة اسمعك.
تألم من حديثها ولكنه اقترب خطوتين منها وهو يحاول تهدئتها قائلًا:
ـ طيب اهدي وخلينا نقعد و نتكلم.
كان هذا الحديث يقع على مسامع كمال الذي التمع الجنون بنظراته و اكفهرت معالمه بشكل مُريب، ليتدخل راجي الذي شاهد ما يحدُث و خاصةً حين سمع كلمات آسيا التي كان جسدها ينتفض وهي تهتف:
ـ امشي. مش عايزة أشوفك هنا تاني، وعمري ما هسمعك ولا هسامحك. لا أنت ولا هي.
قالت جملتها وهي تُشير إلى ميرهان التي كانت تكاد تنفجر من شدة الغضب و القهر وهي تراه يتوسل إلى آسيا حتى تحادثه وهي لم تظفر حتى بنظرة منه.
ـ اهدي يا آسيا و يالا نمشي. ممنوش فايدة الكلام دا.
كان هذا حديث شروق الذي اتبعه راجي الذي شاهد ملامح كمال المرعبة والجنون الباد في عينيه
ـ اركبوا العربية يالا.
جذبت شروق آسيا من يدها وسط نظرات رؤوف المُعذبة تجاهها، لتدخلها إلى السيارة التي انطلق بها راجي ليبتسم كمال بشر وهو يتوجه إلى رؤوف الذي كان يتبادل معه نظرات الغضب ليتفاجيء حين انقض عليه كمال بلكمة عنيفة لم يتوقعها قط، أودت به طريحًا فوق الأرضية الصلبة.
فبالرغم من محاولته السيطرة على نفسه إلا أنه حين شاهدها تغادر لم يستطِع ردع تلك النزعة الشيطانية التي اهتاجت داخله في الثأر لكرامته من هذا الرجل الذي تجعدت ملامحه من فرط الألم الذي تحول إلى غضب مُريع حين انتفض واقفًا ليقوم بتوجيه لكمة أشد عنفًا إلى كمال الذي تفاداها ببراعة ليقوم بتوجية ضربة رأس قوية إلى رؤوف شوشت الرؤية أمامه ليأتيه صوت ميرهان الصارخ:
ـ حرام عليك يا كمال سيبه.
تشتت كمال بفعل صوتها الذي أثار حنقه أكثر ليستغل رؤوف الأمر و يلكم كمال بمعدته لينحني الأخير بوجع لم يردعه عن رد الضربة بأقوى منها لتنال من عيني رؤوف اليمنى و لكنه لم يكتفي بل كان على وشك الإجهاز عليه بضربة آخرى لولا يد خالد التي أمسكت بيدي كمال وهو ينهره بحدة:
ـ بتعمل أيه ؟ انت اتجننت!
نزع كمال يده من يد خالد وهو يزأر بوحشية:
ـ بربي الكلب اللي جاي برجليه لحد هنا و مش هامه حد.
صاح رؤوف الذي تبدلت معالم وجهه من قسوة ضربات كمال:
ـ الكلب دا اللي شك في مراته وسابها و سافر من غير ما يسمع منها حرف.
و كأن الكلمات كانت كالقنابل المُسيلة للغضب الذي تبلور في عيني كُلًا من خالد الذي التفت ناظرًا إليه بحدة، وكمال الذي كان على وشك سفك دماء هذا الرجل في تلك اللحظة ليبتسم بجنون و هو يعض على شفتيه و يقترب منه هاتفًا بوعيد:
ـ وشرف أمي لهدفنك حي…
عند هذه اللحظة صرخت ميرهان بفزع ليتدخل خالد مُستخدمًا قوته في تحجيم جنون كمال الذي اندفع كالثور ينوي تنفيذ تهديده ليصرخ به خالد بعنفوان:
ـ كفاية غباء بقى.
ـ سيبني يا خالد. هخلص عليه.
هكذا صاح كمال ليقوم خالد بدفعه إلى الخلف بقوة وهو يصيح بصوت أفزعهم جميعًا:
ـ اخرس بقى بدل مانا اللي هكسر دماغك.
أنهى جملته والتفت لرؤوف هاتفًا بصوته الجهوري:
ـ وأنت امشي وإياك أشوف وشك هنا تاني. و إلا مش هتروح بيتكوا على رجليك.
تراجع الرجلان فقد خرج الوحش من مكمنه ليطلق نظراته التي كانت تحمل من الغضب ما جعلهم يتأكدون بأنه عازم على تنفيذ تهديده ليكون كمال أول من تراجع وهو يلعن بجميع اللغات ليستقل سيارته و يندفع كالإعصار الذي لا يجرؤ شيء على اعتراضه، ومن بعد رؤوف الذي كان يلوم نفسه بقوة على القدوم إلى هذا المكان الملعون.
بعدما غادر الجميع كانت هي هناك وحدها تقف مذعورة من ما حدث حتى أوشكت قدماها على خيانتها لتعلو شهقاتها و تزداد انتفاضة جسدها الذي كاد لان يسقط لولا خالد الذي هرول إليها بلهفة شابت نبرته حين صاح:
ـ ميرهان..
سقطت بين يديه وهي تنتفض كالطير الذبيح وخالد يحاول طمأنتها وهو يهرول بها إلى الأعلى حتى وصل إلى مكتبه، فقام بوضعها فوق الأريكة ثم جلب زجاجة مياة من الثلاجة الصغيرة في أحد جوانب الغرفة ليحاول جعلها ترتشف بضع قطرات حتى تهدأ قليلًا ولكنها تشعر بإحساس مُريع جعل انتفاضة جسدها تتضاعف وهي تهتف بشفاة مُرتجفة:
ـ أنا السبب. أنا وحشة. أنا السبب في كل اللي بيحصل دا..
وضع خالد قنينة المياة و جذبها إلى أحضانه، فلأول مرة يراها بهذه الحال الذي أثار قلقه ليحاول تهدئتها وهو يقول بنبرة حانية:
ـ اهدي. و بطلي الكلام دا مالوش لازمة.
كانت المرة الأولى التي تستشعر حنانه فلم تمنع نفسها من احتضانه بقوة وكأنها تدعوه لأن يغدقها به أكثر، فشعر خالد بذلك ليُشدد من احتضانها و يده تربت فوق خصلات شعرها بحنو، فقد كان شعورًا رائعًا لم تعرف كم افتقادها له إلا حين تذوقته. حتى أنها بدأت تهدأ تدريجياً ولكنها لم تُريد مفارقته أبدًا ليبدأ هو بالحديث قائلًا بحنو:
ـ بقيتي أحسن؟
رفعت رأسها تناظره بعتب لم يخفى عليه:
ـ ياااه يا إبيه. أنا مش فاكرة اخر مرة حضنتك فيها كانت امتى؟
عاتبها بنبرة أقوى:
ـ افتكري كدا اخر مرة عملتي حاجة فرحتني كانت امتى و أنتِ تعرفي!
شعرت بالمرارة التي تتشعب بين حروفه لتخفض رأسها بخزي تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ أنا عمري ما عملت حاجة تفرحك أنا عارفة. بس أنا معرفش ايه اللي ممكن يفرحك عشان اعمله.
مد يده إلى ذقنها ليرفع رأسها حتى التقت نظراتهم ليقول بنبرة هادئة:
ـ اللي يفرحني أن ألاقي أختي ناجحة. بتشتغل على نفسها. بتحترم الناس و مبتقللش من حد. أشوف فيها البنت البريئة الصافية مش واحدة بتكره الخير لغيرها كل حياتها عبارة عن خطط و مؤامرات عشان تأذي الناس وبس.
نجح في جعل نيران الذنب تزحف إلى قلبها لتبدأ العبرات في التزاحم بمقلتيها وهي تهمس بإزعان:
ـ عندك حق.
وجد أنها الفرصة المناسبة لتصحيح مسار تفكيرها لذا قال باستفهام:
ـ قوليلي يا ميرهان أنتِ عملتي ايه لنفسك؟!
استفهام وضعها أمام حقيقة مؤلمة وهي أنها لم تفعل أي شيء قد يُفيدها أو يُعزز من شأنها لتلتزم الصمت المُخزي، فتابع هو باستفهام أشد قسوة:
ـ طيب لو فجأة لقينا الفلوس دي كلها راحت و لقيتي نفسك مضطرة انك تشتغلي عشان تقدري تعيشي وقتها هتعملي أيه؟
بدأ عقلها يجلدها بسوط الحقيقة المُنفرة وهي أنها لا تصلُح لأي شيء وبدون عائلتها فهي لا شيء لذا تمتمت بخفوت:
ـ مش عارفة..
خالد بنبرة مُعتدلة:
ـأنتِ اكتر حد ضرتيه نفسك. فكرتي تأذي غيرك لكن مفكرتيش تنفعي نفسك. أنتِ بالشكل دا أكبر عدو لنفسك.
كان مُحقًا للحد الذي جعلها تتحدث دون تفكير أو أي محاولة للإنكار:
ـ طيب هعمل ايه؟ انا مفيش حاجة قدامي تتعمل ومفيش حاجة هعملها هتضيف حاجة لحد.
خالد بقوة:
ـ هتضيفي لنفسك.
صمت لثوان قبل أن يُتابع بعتب:
ـ أنتِ متتخيليش أنا زعلان منك وعشانك قد أي؟
لامست جملته حواف قلبها مما جعلها تهتف باندفاع:
ـ هو أنا ينفع افتح قلبي واتكلم معاك؟
ـ طبعا.
تساقطت العبرات من مُقلتيها وهي تتحدث بنبرة حزينة:
ـ أنا اللي زعلانه منك. أنت ولا مرة خدتني في حضنك ولا مرة طبطبت عليا ولا مرة اتكلمت معايا. كل كلامك زعيق و شخط لحد ما بقيت بترعب من وجودك و بقى عندي احساس انك بتكرهني.
لدغته الحروف بقسوة و تفشت علة الندم بقلبه، ولكنه كان يملك تبريرًا لم يتوانى عن طرحه حي قال:
ـ طيب ما كمال طول عمره بيطبطب عملتيله أيه؟
استفهامًا موجعًا أصاب عمق جُرحها ليُتابع خالد موضحًا:
ـ أنا كنت بشد عليكوا عشان مفيش غيري بيشد. مش عشان بكرهك انا بكره تصرفاتك. في فرق كبير بين اللتنين.
كانت العبرات تتساقط بقوة من مقلتيها ليمد خالد يده يمحوها بلُطف قبل أن يُضيف بعتب:
ـ كمان احنا اتكلمنا قبل كدا بس أنتِ اللي وعدتيني وخلفتي..
تذكرت ذلك اليوم حين علمت نتيجتها السيئة في أحد المراحل و كانت ترتعب من عقابه ولكنه فاجئها حين جلس يتحدث معها بهدوء محاولًا تغيير مسار تفكيرها، ولكن هناك من سنن أفكارها، فلازالت كلمات نبيلة المسمومة ترن بأذنيها حين قالت:
ـ سيبك من الكلام الأهبل دا. دا بيثبتك يا حبيبتي عشان يعملك مرمطونة لمراته اللي هتجبله ولي العهد .فكرك هو بيتكلم معاكي دلوقتي ليه؟ عشان سواد عيونك! لا دا عشان الهانم راضيه عنه، و مش عايز حد يضايقها فتقلب عليه.
تجلت حيرتها بوضوح في عينيها لتهتف بضياع:
ـ ماهو انت بتقول كلام. و في كلام تاني بردو بيتقال عكس اللي أنت بتقوله يعني اسمع مين؟!
خالد بثقة:
ـ تسمعيني انا طبعاً. و دا مش عشان أنا اخوكي الكبير وبس، أو عشان أنا كبير العيلة! دا عشان أنا عمري لا ظلمت ولا هظلم حد خصوصًا لو الحد دا يخصني.
هتفت ميرهان باندفاع:
ـ يعني أنت مش هتيجي علينا عشان أشجان زي ما كنت بتيجي علينا عشان سهام!
خالد باستنكار:
ـ امتى جيت عليكوا عشان سهام؟!
ميرهان بخفوت:
ـ كنت بتيجي على نبيلة..
خالد بسخرية:
ـ هو في حد بيعرف ييجي على نبيلة! دا أنتِ أكتر واحدة عرفاها. أنا بحاول أحجمها عشان متدمرش اللي فاضل مننا.
صمت لثوان يحاول انتقاء كلماته حتى تتفهمها ثم عاد يتابع موضحاً:
ـ أنا لو جيت عليكوا أو هاجي عليكوا كنت نفذت وصية بابا الله يرحمه و اديتكوا ربع حقكوا زي ماهو قال.
ميرهان بلهفة:
ـ أيوا بس انت مكتبتش ورق و مفيش إثبات بالكلام دا
خالد بتهكم:
ـ وهو مين اللي مرديش! مش نبيلة بردو؟!
ميرهان بصدمة:
ـ.أيه ؟ نبيلة اللي عملت كدا؟ ازاي؟ دي قالتلي انك مش موافق تعمل ورق بالكلام دا، وان دا كلام و خلاص عشان تهدينا.
خالد بصراحة أجفلتها:
ـ وانتوا لو مهدتوش هتعملوا أيه؟ هتقدروا تقفوا قدامي؟
ميرهان بإذعان:
ـ لا!
زفر خالد بغضب قبل أن يقول بنبرة خشنة:
$ نصيبك ونصيبها موجودين و دا انا قولت هديهولكوا من فلوسي الخاصة عشان مكونش خالفت وصية أبوكي. و عند كلمتي ولو عايزة فلوسك خديها.
ضيق عينيه قبل أن يقول بتحذير:
ـ بس دا مش معناه اني هسيبك تتصرفي فيها زي ما أنتِ عايزة. عشان باختصار أنتِ مش عاقلة كفاية انك تعملي دا. صح ولا أنا غلطان؟!
تهدلت أكتافها وهي توميء برأسها قبل أن تقول:
ـ صح. بس انا مش محتاج فلوس.
شعر خالد بالكثير خلف جملتها الأخيرة فقال باستفهام:
ـ وأيه اللي أنتِ محتجاه؟
ميرهان بشفاة مُرتجفة:
ـ محتاجة أن انت و كمال تسامحوني.وانا والله هتغير ومش هعمل حاجة وحشة تاني تزعلكوا.
صمت لثوان فرأى في عينيها ما جعله يقول بحزم:
ـ الكلام بالنسبالي ضياع وقت. عايز أشوف منك اللي يخليني من جوايا أسامحك. و مش محتاج اقولك تشيلي آسيا من دماغك دا شيء مفروغ منه.
تبدلت نظراتها للغضب الذي شاب نبرتها حين قالت:
ـأنا مابحبهاش و عمري ما هحبها في يوم. لكن اوعدك اني عمري ما هيكون ليا علاقة بيها لا من قريب ولا من بعيد.
كان يرى الصدق في عينيها، لذا قال بنبرة حازمة:
ـ وانا هصدقك. بس لو خالفتي وعدك معايا هتزعلي مني..
ميرهان بلهفة:
ـ لا والله مش هعمل كدا. أنا كل اللي محتجاه فرصة منك
خالد بنبرة خشنة:
ـ و أنا معاكِ شوفي عايزة أيه عشان تبتدي صح المرة دي..
ابتسمت بامتنان قبل أن تقول بنبرة مفعمة بالأمل:
ـ هفكر و هقولك.
خالد باختصار:
ـ موافق.
كانت هناك ابتسامة مُشجعة على شفتيه جعلتها تقترب لتحتضنه بقوة ليبادلها العناق و بداخله شعور قوي بالسعادة التي لم يستطِع التعبير عنها بالكلمات، ولكن هذه السعادة لم تمحو شعور موجع بالذنب يعبأ داخله.
اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيّ حكمك، عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي" ♥️
★★★★★★★★★★
ـ ياسر. كنت فين قلقتني عليك..
هكذا هتفت غنى حالما رأت ياسر يدلف إلى المنزل لتتراجع خطوة إلى الخلف حالما رأت ملامحه الغاضبة وعينيه التي سكنها غضب مريع، حادّ كنصلٍ مسموم، تومض فيه شرارات قاسية تنذر بأن القادم لن يكون هينًا لذا تراجعت من أمامه تفسح له المجال للمرور دون حديث لتجده يتوجه إلى المرحاض ليضع رأسه أسفل المياة في محاولة منه للتخفيف عن هذه النيران المُشتعلة التي تكاد تفتك به، ولكن هل يفلح شيء في إخمادها:
ـ ياسر.
هكذا همست غنى التي التهمها القلق على مظهره الذي يوحي بأن هناك أمرًا جلل قد حدث:
ـ هدخل أنام محدش يصحيني.
هكذا تحدث بجفاء لم تعتاده منه لذا لجأت للصمت و هي تتابعه يتجاهلها ويدلف إلى الداخل لتأخذ مقعدها على الأريكة وداخلها شخصان يتناحران ما بين الغضب و الحزن الغضب منه ومن تجاهله لها و الثاني حزين على رؤيته في هذه الحالة.
جانب منها يتوسلها أن لا تدعه وحده حتى ولو شاركته مصابه صمتًا و جانب آخر يأمرها بتجاهله كما فعل معها، ولكن كانت الغلبة للأول الذي جعلها تتوجه إلى المرحاض لتتوضأ ثم سارت بهدوء لتجلس على حافة السرير الذي يتوسطه لتمد كفها فوق جبهته قبل أن تبدأ في تلاوة الرُقية الشرعية بصوتٍ هاديء لا يُسمع ولكنه يبعث على الراحة.
في بداية الأمر ظل ساكنًا ولكنه بعد ذلك لم يستطِع تجاوز فعلتها و آثرها في نفسه المُحطمة، فقد كُسِر اليوم من أقرب شخص إلى قلبه، وقد كانت توابع هذا الأمر مروعة مما جعل العبرات تجري فوق خديه كالأنهار التي تتدفق بصمت، ولأن القلوب تشعر بساكنيها، فقد شعرت هي به لتبدأ في مشاركته البكاء هي الآخرى دون أن تصدر صوتًا قد يزعج هذا الإنهيار المختنق، لتجده يلتفت مُحتضنًا خصرها بقوة و هو يطلق العنان لنهنهاته التي تردد صداها في الغرفة حولهم.
مرت دقائق لا تعلم عددها إلى أن بدأت عاصفة إنهياره بالهدوء لتمتد يدها تربت فوق خصلات شعره بحنو كان في أمس الحاجة إليه لتسمعه يهمس بنبرة مُتحشرجة:
ـ غنى.
غنى بخفوت:
ـ نعم يا قلب غنى.
شدد من احتضان خصرها وهو يهتف بنبرة مُلتاعة:
ـ أنا بحبك أوي.
كان احتياجًا للحب أكثر من أعلان صريح عنه لتلبي ذلك الرجاء الصامت الذي يتخلل نبرته وتُجيبه بنبرة حانية:
ـ وأنا بحبك أكتر من أي حاجة في الدنيا.
رفع رأسه يطالعها بأعيُن انطفىء بريقها و طمس الحزن وهج الحياة بهم ليهمس بنبرة تئن من فرط الألم:
ـ أنا مخنوق أوي يا غنى. حاسس أن حزن الدنيا كله في قلبي.
لم تستطِع إلا أن تسأله بلهفة:
ـ أنت روحت لهيام؟
اعتدل جالسًا، وقد بدأ الغضب يستعرض نفسه بقوة في عينيه ليهتف بنبرة جافة:
ـ روحت.
ـ اتخانقتوا.
هكذا استفهمت بلهفة ليُجيبها بسخرية مريرة:
ـ لا اتفقنا.
اندهشت من إجابته ليلتفت ناظرًا إليها وهو يتابع بتهكم غاضب:
ـ اتفقنا أن محدش فينا هيعرف التاني أبدًا.
شهقت غنى بصدمة:
ـ بتقول أيه؟
نظر إلى الأمام وهو يهتف بقسوة:
ـ هيام ماتت بالنسبالي…
ـ في أيه يا هيام بتعيطي ليه؟
هكذا استفهمت أشجان بلهفة حين سمعت صوت نحيب هيام التي تصدعت الجدران من بكائها الذي جعل نبرتها مُتهدجة حين قالت:
ـ خسرت يا أشجان. خسرت نور عيني وابني اللي ربيته و حاوطت عليه برموش عنيا. بيقولي أنتِ موتي بالنسبالي.
أشجان بصدمة:
ـ بتقولي أيه يا هيام؟ ياسر قالك كدا ! طب ليه؟
هيام بانفعال:
ـ كله من بنت خالتك. هي السبب! هي اللي دخلت بيننا و كرهته في أخته اللي ربته. خلته مبقاش شايف غيرها. لكن لا…
هبت من مجلسها وهي تهتف بشراسة:
ـ مبقاش هيام لو سبتهولها. ياسر و يزيد دول زرعة عمري. زيهم زي حمادة و أكتر، ومش هسيب حد ياخدهم مني. عرفي بنت خالتك الكلمتين دول.
تراجعت أشجان إلى الخلف وهي تهتف بصدمة:
ـ أيه يا هيام اللي بتقوليه دا؟ غنى دخلها أيه في اللي بينك و بين أخواتك..
هيام بحدة:
ـ هي أوس البلاوي اللي في الدنيا. بس مبقاش هيام لو موقفتهاش عند حدها..
قالت جملتها و غادرت تاركة أشجان في ذهول مما رأته و سمعته منها
ـ استهدى بالله يا ياسر. و استغفر ربنا. مينفعش اللي انت بتقوله دا.
هكذا تحدثت غنى في محاولة منها لتخفيف حدة الأمر قليلًا، فقد صدمها بحديثه و خاصةّ حين صاح باندفاع:
ـ اللي بقوله دا هو اللي هيحصل، و ورايح الموضوع دا ميتفتحش تاني سامعة!
أغضبتها لهجته في الحديث لذا اكتفت بالقول بنبرة واجمة:
ـ اللي تشوفه يا ريس.
شعر بأنه تمادى معها، ولكنه غاضب حد الألم الذي يتشعب بكل خلية داخله. وحين رآها على وشك المغادرة قم بجذب يدها ليُعيدها إلى مكانها مرة آخرى ولكنها أقتربت أكثر من المُعتاد لتجد نفسها على مقربة منه مكنتها من رؤية ذلك الخيط الزيتوني الذي يتسلل بخُبث في عسليتيه ليجعل لونهم أروع ما يكون، فبدأ قرع الطبول يدق بصدرها، و كذلك هو، فقد كان يُعاني الأمرين طوال الفترة الماضية يرغب بقوة في قربها، ويخشى أن يقترب فتفزع و ترتعب، يريد بدأ حياته معها، ولكن شرطه الوحيد أن تكون راضية راغبة. يؤلمه الشوق و يهلكه العشق و كأنه أقام مأدبة على شرف عذابه و بالرغم من ذلك مازال يتمسك بحبال الصبر عل الجبر آتيًا في طريقه إليه.
ترك فاصلًا من الصمت يمر وهو يستنشق عبير أنفاسها بهدوء قطعه حين همس بنبرة خافتة:
ـ لو قولتلك اني حاسس و كأن روحي بتتسحب مني و قربك هو اللي هيحييها هتقولي لا.
جملته أيقظت وحوش الخوف من مكامنها، ولكن هناك جبهة آخرى تحارب بضراوة لأجل رجل امتلك كل ذرة من كيانها لذا همست بنبرة يشوبها العذاب:
ـ عمري ما هقول لا حتى لو كان قربك دا محطتي الأخيرة في الدنيا. أنا موافقة.
يرى بعينيه ما لا تستطِع التصريح به. يرى خوفًا و عذابًا و استنكار وكأن عقلها يبدأ في استعراض ذكريات سيئة لازالت تطاردها كالأشباح، ولكنه لم يعُد يحتمل ثقل ما يمر به لذا اقترب يطوي كل تلك العوائق بينهم ليُقربها منه بقوة لا تضاهيها سوى عشقه لها، وقد كانت هي على الجانب الآخر تغمض عينيها لا تُبدي أي ردة فعل سوى ارتجافة بين يديه دون اعتراض أو استجابة، ولكنه لم يستطِع احتمال هذا الأمر، لذا تراجع عنها غاضبًا أكثر من ذي قبل ولكنه لم يـفصح عن غضبه إنما حاول اغتصاب ابتسامة فوق شفتيه قبل أن يقول بنبرة قاطعة:
ـ احنا لازم نروح لدكتورة..
تراجعت للخلف تناظره بصدمة تحولت إلى استنكار لم يخلو من الخوف حين قالت:
ـ دكتورة ليه؟ أنا معنديش حاجة بتوجعني.
قالت جملتها الأخيرة بشفاة مُرتجفة ليقترب ويحتوي وجهها بين يديه وهو يقول بحنو:
ـ دكتورة نفسيه يا حبيبتي. حتى لو معندكيش حاجة زي ما بتقولي أو مش بتشتكي من حاجة بس هي هتساعدك.
هدأت و لانت ملامحها قليلًا حين علمت مقصده ليستغل ذلك ويُتابع بنبرة عاشقة:
ـ عايز أبدأ حياتي معاكِ يا غنى. نفسي أشوف ولادي منك. أنا تعبت من كل اللي بيحصلنا دا. نفسي لما يكون في حاجة مضيقاني اترمي من حضنك من غير ما افكر ولا اعمل ألف حساب لرد فعلك.
غنى بخفوت:
ـ حقك عليا..
ياسر بلهفة:
ـ أنتِ مغلتطيش في حقي عشان تقولي كدا. أنا عايز حياتنا تكون طبيعية مش أكتر.
ابتسمت بهدوء قبل أن تقول برضا:
ـ وأنا موافقة. هعمل كل اللي يرضيك ويخليك مرتاح.
ابتسم يداعب أنفها بخاصته وهو يقول بنبرة عابثة:
ـ أحلى غُريبة في الدنيا..
لم تمر إلا ثوان حتى سمعوا طرق قوي على باب البيت لينتفض جسد غنى من حدته و يهب ياسر من مكانه متوجهًا إلى الباب ليفتحه فإذا به يجد هيام أمامه بملامح مُغبرة و نظرات غاضبة و نبرة تُشبهها حين قالت:
ـ مكنتش متخيل طبعًا انك تشوف وشي بعد ما موتني على حياة عيني.
تراجع ياسر إلى الخلف ليسمح لها بالدخول وهو يحاول قمع غضبه الجحيمي الذي أن أطلق له العنان سيحرق الجميع وهي أولهم ولكنها لا تساعده إطلاقًا بل تغزي نيرانه بوقود غبائها حين قالت بحدة:
ـ بس أنا بقى جاي أقول كلمتين فيهم الناهية يا ياسر، وقدام السنيورة مراتك عشان تحطهم حلقة في ودنها العمر كله.
صرخ ياسر مُحذرًا:
ـ ملكيش دعوة بيها و كلميني أنا.
هيام بتهكم:
ـ مليش دعوة بيها! دي هي سبب الليلة دي كلها.
التفتت تناظر غنى التي كانت تقف بهدوء في آخر الغرفة:
ـ لو كنتِ فاكرة أنتِ أو أمك انكوا هتحرقوا قلب هيام تبقوا غلطانين! الراجل الطول بعرض اللي واقف قدامك دا ربايتي، زرعتي. ابني اللي حاوطت عليه برموش عنيا، واللي ليا ألف حق فيه. دا ابن قلبي اللي عمري ما هسمح لمخلوق في الدنيا بحالها يبني طوبة بيني وبينه. مش تفكري انك هتاخديه مني.
كان الغضب يمضغ تقاطيعه بطريقة لم يعهدها من قبل ولم يستطِع السيطرة عليه حين احتل نبرته وهو يصرخ قائلًا:
ـ أنتِ أيه؟ عقلك دا فين؟ ارحميني. أنا كرهت نفسي بسببك. ياريتك رمتينا في الشارع بدل ما سممتي حياتنا. لسه بردو بتجيبي اللوم عليها. ارحمينا.
تفاجئت المرأتين من صراخه المُفزع و ملامحه المنفردة و خاصةً حين أضاف و الزبد يسيل من شدقيه:
ـ أنتِ دمرتيني. اكتر حد آذاني في الدنيا. كل اللي عملتيه ميدكيش الحق تلعبي بحياتي و تحرميني من الإنسانة الوحيدة اللي حبيتها. أنتِ مفيش حاجة وحشة معملتيهاش. الراجل اللي بتقولي انك ربتيه دا أنتِ بنفسك اللي هيفتيه لما مديتي إيدك عليه. لما صغرتيه وخليتي واحد كان بيتمنى اني ارمي عليه السلام يطردني من شغلي. عايزة تعملي فينا أيه اكتر من كدا.
كانت الإهانة أمام غريمتها أقسى و أشد لذا صرخت مُستنكرة تحاول فرض سيطرتها المطلقة:
ـ اعمل اكتر من كدا، و متخرجش عن طوعي.
ياسر بصوت جهوري اهتزت له الأبدان:
ـ ليه؟ تبقي مين عشان اتحمل منك كل دا؟! أمي! حاسبه نفسك أم! لو أمي كانت عايشة كانت سابتك تعملي كدا! كفاية بقى مش هسمحلك تستنزفيني أكتر من كدا. فوقي بقى أفعالك اللي خسرتك. مترميش ذنوبك على حد…
استقرت كلماته في أعماقها و ظلت تتردد في رأسها لدقائق وهي تنظر إليه بصمت و لا تتخيل أنه يحادثها بهذا الشكل أمام زوجته التي لابد و أنها شامتة بها هكذا خُيل لها لذا هتفت بقهر:
ـ ذنوبي! بقيت عاصية في نظرك! أنا عارفة أن أنا مش أمك، مانا لو أمك كنت غفرتلي غلط مكنش مقصود. غلط جه بسبب حرقة قلبي عشانك، وعشان متحملتش عليك الهوى. لكن أنا مش امك. بالنسبالك. لكن بالنسبالي طول عمرك ابني. لكن ماشي يا ريس. أنا محقوقالك. و أسفة ليك و للسنيورة تحب ابوس على راسها! ولا رجليها! ماهي الدنيا كدا اللي ترفعه يذلك. بس أنا مسمحاك. مسمحاك عشان قلبي مش زي قلبك وميقدرش يقسى عليك. لكن ربنا مش هيسامح صدقني. عمره ما هيسامحك يا ياسر على عمايلك فيا.
غادرت تاركة خلفها زوج من العينين تناظرها بألم كبير، فقد نجحت كلماتها بإشعال فتيل الذنب بداخله، و أيضًا إصرارها على ارتداء ثوب الضحية بهذه الصورة جعله يشك في أمره!
هل حقًا يظلمها! هل الأمر ليس كبيرًا إلى هذه الدرجة؟! كيف وهو يتألم بهذه الطريقة!
أخذت الاستفهامات تطن بعقله كالذُباب، وهو يجلس واضعًا رأسه بين يديه، فلأول مرة بحياته يجد نفسه تائهًا إلى هذا الحد، غارقًا في الحيرة والألم. يرى الحق بوضوح ولكن كلماتها تشوش الرؤية أمامه مُستغله معدنه الطيب و خوفه من الخطأ لتضغط و بقوة على هذه النقطة لتزُج به في صراعٍ مُميت لا فائز به ولا منتصر.
ـ ياسر..
لم يرفع رأسه لتقترب هي و تجلس أمامه على الأرض ناظره إليه وهي تقول باستفهام:
ـ في أيه جواك يا ياسر؟! اتكلم قول خليك ترتاح..
ياسر باستنكار:
ـ ارتاح!! أنتِ مش سامعة الكلام!
هب واقفًا وهو يدور حول نفسه يهزي كالمحموم:
ـ دي بتدافع عن نفسها كأن هي الضحية! دا لو أن اللي روحت اتبليت عليها و لبستها مصيبة زي دي مكنتش هتقف تقولي كدا!
زرع يديه في خصلات شعره يجذبها بعُنف وهو يصيح بانفعال:
ـ يعني هي اللي صح؟ يعني أنا مكبر الموضوع! أنا مبقتش فاهم حاجة. أنا اللي ربنا مش هيسامحني! أنا خلاص قربت اتجنن.
قال جملته الأخيرة وهو يصرخ بجنون جعله يضرب يديه في الطاولة الزجاجية لتتحطم و يخترق أشلائها يديه لتنبثق الدماء منها كالشلال مما جعل غنى تصرخ بفزع:
ـ ياسر….
لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم ♥️
★★★★★★★★★★★
ـ جايلي بكل وقاحة و بيقولي لازم نتكلم! تخيلي بعد ما خرب حياتي. جاي عايز يتكلم معايا!
هكذا تحدثت آسيا إلى سوزان التي أخذت تربت فوق ظهرها بلُطف في محاولة منها لتهدئتها قليلًا:
ـ ما أنتِ اللي من وقت اللي حصل وأنتِ مش راضية تسمعي منه. قولتلك خلصي الموضوع دا معاه، واقفليه عشان يبطل يحاول معاكِ. مبتسمعيش الكلام.
آسيا بحدة:
ـ مش طيقاه، ولا عمري هسمعه. خلاص دا انتهى من حياتي..
سوزان بتقريع:
ـ يبقى تبطلي تلومي على كمال أنه عمل معاكِ كدا، و مرديش يسمعك!
كان مجرد ذكر اسمه مريعًا بالنسبة إليها، و بدأت كلماته المؤلمة تتردد صداها في عقلها لتنتزع نفسها من بين ذراعي سوزان وهي تهتف بشراسة:
ـ و دا كمان انتهى من حياتي. مش هجري وراه ولا حتى هحاول أبررله. حتى لو جالي لحد عندي و أترجاني احكيله مش هعمل دا. خلاص بقى كفاية وجع قلب، و قلة كرامة. محدش يستحق اني أحبه غير نفسي، والمرة دي كل حاجة هعملها عشان خاطرها. لا عشان انتقم من حد ولا عشان اوصل لحد.
مدت سوزان يدها لتحتوي كفها قبل أن تقول بهدوء:
ـ حلو. كل دا حلو. ممكن بقى نبدأ ننفذه من دلوقتي. تنسي كل اللي حصل، و تقومي تاخدي دواكي، و تقعدي تخلصي شغلك و تنسيهم اللتنين. بدل اختارتي تعيشي لنفسك يبقى متضيعيش وقت.
آسيا بتصميم:
ـ هيحصل. متقلقيش.
★★★★★★★★★
ـ مبروك يا حبيبي. خلاص حددت المعاد مع راندا مامت شاهي، و هنروح نخطبها بكرة أن شاء الله.
هكذا تحدثت نبيلة بمرح و سعادة تتناقض مع تجهم عمر، و غضبه الذي كان يتبلور بوضوح في نظراته ليتهكم عز الدين قائلًا:
ـ طب مش قبل ما تعملي كدا تتأكدي أن ابنك مقتنع و فرحان!
نبيلة بلهفة:
ـ مش هيكون مقتنع و فرحان ازاي وهو اللي طلب مني دا!
عز الدين ساخرًا:
ـ دا شكل واحد مقتنع و فرحان أن خطوبته بكرة!
كانت ملاكح عمر لوحة حية عن الغضب والرفض الذي تعاظم ليتحول الى سخط تجلى في نبرته حين قال:
ـ هروح أقول خالد عشان ييجي معانا بكرة.
عز الدين بحدة:
ـ و خالد ييجي معانا بكرة بصفته أيه؟ ولا أنا مش مالي عينك!
لم يلتفت للرد عليه لتقترب نبيله من عز وهي تحتضن كفوفه بين يديها قائلة بنبرة ناعمة:
ـ دا كلام بردو يا حبيبي! دا انت فوق راسنا. هو بس عمر بيحب خالد شوية، وخالد مش غريب دا خاله، وبعدين خالد يشرف أي حد دا كدا ولا أيه
جذب يده من يدها وهو يصيح بغضب:
ـ طبعًا يشرف مش خالد بيه الوتيدي رئيس مجلس إدارة شركات الوتيدي اللي فنيت عمري فيها و في الآخر جه هو خد كل حاجة على الجاهز.
نبيلة بلهفة:
ـ وحياتك عندي لكل حاجة ترجعلنا من تاني. بس الصبر.
عز بحدة:
ـ أنا مش لازمني حاجة من حد. خلاص ههتم بشغلي ورايح مانا بردو وتيدي ولا نسيتي!
ـ لا طبعًا ليه بتقول كدا؟!
هكذا تحدثت نبيلة بإرتباك ليجيبها عز بجفاء:
ـ ورثك اللي لسه سيباه عند خالد. عشان يزيد، و لما احتاجتخ مفكرتيش تقوليلي هاخده عشانك. أيه معندكيش ثقة فيا. مش مأمناني على فلوسك صح ولا أنا غلطان؟!
تدرك جيدًا كيف تسيطر على لحظات غضبه، وكيف تمتصه ليتحول بعدها إلى عاشق لا يبغي سوى رضاها لذا أتقنت ارتداء قناع الضعف و ذرف العبرات الزهيدة لتهتف بشفاة مُرتجفة:
ـ كدا بردو يا عز! تظن فيا كدا؟! بقى أنا اللي سايبة فلوسي تحت تصرف خالد عشان يفضل ليك حق في كل حاجة تيجي انت تقول اني مش مأمناك؟!
كان حزنها أمرًا لا يستطيع تحمله، و خاصةً حين اخذ جسدها يرتجف وهي تُضيف بوهن:
ـ هو أنا ليه مش مكتوبلي افرح ؟! ليه مكتوب عليا أن اللي يأذيني هما اكتر ناس بحبهم؟!
امتدت يديه لتمحو عبراتها وهو يقول بحنو:
ـ خلاص يا نبيلة متقوليش كدا؟ انا مقصدش أأذيكي بكلامي، وعارف انك سايبة نصيبك عشان يكون لينا حق في كل حاجة. بس أنا مش محتاج دا، و مش لازمني حاجة منهم.
نبيلة بنبرة ناعمة:
ـ بس دا حقنا يا روحي. حق تعبك السنين اللي فاتت. و حق ولادنا..
زفر بتعب لتقوم برفع يده إلى شفتيها تقبلها وهي تقول بنبرة خافته تأثر بها كثيرًا:
ـ حقك على راسي، و متزعلش من عمر كله الا زعلك عندنا.احنا ملناش غيرك.
نجحت في تبديد شحنات غضبه واستبدال شرر نظراته إلى عشقًا تساقط من بين حروفه حين قال:
ـ دا أنا اللي ماليش غيرك يا نبيلة. أنتِ نعمة من ربنا عليا. ربنا ما يحرمني منك أبدًا.
عانقته نبيلة والخبث يلون نظراتها و نبرتها حين قالت:
ـ ولا يحرمني منك أبدًا يا قلبي..
جذب نفسه من بين أحضانها لينظر إلى ساعته قائلًا:
ـ طيب أنا همشي دلوقتي عشان عندي معاد شغل مهم.
ـ اتفضل يا حبيبي، وانا هظبط الدنيا عشان مشوار بكرة..
غادر و تركها ليتوجه إلى سيارته ولكنه تفاجيء حين شاهد زينة التي اقتربت تناظره بسعادة وهي تقول بنبرة ودودة:
ـ أخيرًا يا عز!
عز بصدمة:
ـ زينة! أنتِ رجعتي امتى ؟!
ـ مبقاليش كتير. بس من سوء حظي اني مشوفتكش من وقت ما وصلت.
هكذا تحدثت بمرح قابله بالمُزاح حين قال:
ـ قصدك من سوأ حظي انا. المهم طمنيني عليكِ!
زينة بمرح:
ـ لا اطمنك دي فيها قاعدة، و معتقدش أن بلبلة هتسمحلنا بدا.
ابتسم على مزاحها، فقد كانت معروفة بصراحتها و خفة ظلها لذا ابتسم قائلاً:
ـ طيب أنا عندي معاد شغل. هخلصه و نتقابل بره نتكلم..
زينة بنبرة ودودة:
ـ و أنا موافقة..
اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين، وغلبة الرجال" ♥️
★★★★★★★★
ـ هتفضلي كل ما تركبي الطيارة تتوتري كدا؟!
هكذا تحدث راجي يشاكسها فقد أضناه خصامها ولم يعد يُطيقه لتُجيبه بتوتر:
ـ أنا مابحبش اسافر بالطيارة و أنت عارف دا، وكل مرة بتصمم نسافر بيها معرفش ايه وجهة نظرك؟!
ابتسم وعينيه تطوف فوق ملامحها بحُب تجلى في نبرته حين قال:
ـ عشان عايز أساعدك تتخلي عن كل مخاوفك. مش عايز حاجة أبدًا تخوفك أو توترك.
تفشى الخجل في وجنتيها و التفتت ناظرة إلى الجهة الآخرى، فقد كانت تخشى التطرق لهذه الأمور معه، فهي ترى مشاعره بوضوح ولا تحاول استفزازها أو الاصطدام بها ولكنه قرر الإفصاح عنها حين مد يده يلامس كفها لتُعيد انظارها إليه لتصدمها تلك النظرات والتي توحي بالتصميم، فقد كان يعلم بأنها تهرب وقد عزم على وضع حدًا فاصلًا لهذا الأمر ليقوم بجذب علبة قطيفة حمراء و وضعها فوق راحة كفها وهو يفتحها ليلتمع بريق الألماس الذي كان يُزين هذا الخاتم الرائع لتشهق بصدمة تعاظمت حين قال:
ـ ملقتش في المجوهرات حاجة أغلى من الألماس عشان أقدمهالك، بس هقدم معاه حاجة أغلى من كنوز الدنيا. هقدملك قلبي. تتجوزيني يا شروق ؟!
اللهم إنك تعلم وهم لا يعلمون، اللهم أرح قلبي وهون علي وإسقني صبراً، وأعوذ بك من غصة القلب وضيق النفس، اللهم امسح على قلبي برحمة منك ولا تجعل لي حزنا يقلقني ♥️
★★★★★★★★
ـ حبيبي بيعمل ايه؟
هكذا استفهم خالد وهو يحادث أشجان على الهاتف لتُجيبه بخفوت:
ـ بعمل كيكة شيكولاته.
غازلها قائلاً:
ـ والله مافي شيكولاتة عايزة تتاكل غيرك!
ابتسمت بخجل خيم على نبرتها حين قالت:
ـ بعملها عشان عارفة انك بتحبها.
خالد بنبرة عاشقة:
ـ بحبها عشان من إيديكِ.
أشجان بنبرة خجلة:
ـ وأنا بحب اوي أأكلهالك بإيدي على فكرة..
زفر خالد بتعب:
ـ الله يخربيت الشغل اللي مانعني اجي اخدك في حضني دا..
نظرت إلى الساعة المُعلقة على أحد الجدران لتجد أن الوقت قد تأخر عن ميعاد عودته فهتفت باعتراض:
ـ المفروض الشغل يكون خلص بقاله اكتر من ساعتين. إيه اللي أخرك كدا؟!
خالد بنبرة خشنة:
ـ المدير مالوش مواعيد يا حبيبي.
ـ طب مرات المدير معترضة و زعلانه
هكذا تحدثت باعتراض ليبتسم قبل أن يقول مغازلًا:
ـ لا مانا ناوي أصالحها. و مجهزلها بروجرام في الجون.
أشجان بلهفة:
ـ بجد بروجرام أيه؟!
خالد بخشونة:
ـبعد ما اخلص شغل هعدي أخدك نروح للدكتورة، و بعدها نطلع على الاوتيل، و مش عايز اعتراض أنتِ وحشتيني جدًا و بقالنا كتير مش عارفين نتلم على بعض، وكدا مش فير بالنسبالي.
لم يمر الحديث على عقلها الذي كان متنبها لجملة واحدة وهي زيارتهم للطبيبة، وهنا هوى قلبها بين ضلوعها ذُعرًا مما جعل نبرتها ترتجف حين قالت:
ـ دكتورة ايه يا خالد؟
أجابها بتلقائية:
ـ هنروح نطمن عليكِ و نشوف ايه اللي مانع الحمل لحد دلوقتي!
ثم أضاف بنبرة عاشقة:
ـ مش هقدر اتحمل اكتر من كدا. نفسي في نسخة تانية منك. عايز مليون نسخة مش نسخة واحدة.
تبددت نجومها البراقة خلف سحب حالكة تهدد بهطول المطر في أي وقت، و توغر صدرها ألمًا، فهاهو ما تخشاه قد حدث لذا تاهت الكلمات من فوق شفتيها و ما كاد أن يكمل حديثه حتى انفتح باب غرفة مكتبه و أطل كمال بمظهره المُريع ليقول خالد بجفاء:
ـ طب اقفلي و هكلمك كمان شوية..
اغلق الهاتف ليتحدث كمال بنبرة حادة كالسيف:
ـ الفويس اللي سجله الحيوان دا لآسيا لسه معاك؟!
لم يتفاجيء كثيرًا من أستفهامه لذا قال باختصار:
ـ معايا.
كمال بنبرة قاطعة:
ـ عايزه…
…..