تحميل رواية «هل من سبيل للغفران» PDF
بقلم نورهان العشري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ل 1 - السبيل الأول ❤️🔥يُقال إنّ العفو من شِيَم النبلاء، ولكن هل يسقط من قائمتهم مَن كانت آلامه تقف سدًّا منيعًا بينه وبين الغفران؟ ماذا لو فاق الوجعُ قدرةَ الإنسان على الأحتمال، وجعله ضحيةً لعقلٍ يتملّكه غضبٌ أهوج، وقلبٍ يفترسه وجعٌ عظيم يُفقد الروحَ وهجَها ويُطفئ آخرَ ضوءٍ للحياة بداخلها؟من هذه البقعة المظلمة تحديدًا تُولَد القس.وة، ويُخلَق الجبر.وت؛ فحين تأبى القلوبُ العفوَ ذلك ليس بدليلًا على اسودادها، بل لأنّ الألم قد يفوق طاقة احتمالها. فليست كلّ الأخطاء قابلةً للغفران، ولا يجوز المقارنةُ...
رواية هل من سبيل للغفران الفصل الحادي عشر 11 - بقلم نورهان العشري
بسم الله الرحمن الرحيم
السبيل الحادي عشر ❤️🔥
ظاهريًا، استنكر وبشدة أي شيء قد يجمعني بك، حتى وإن كانت جملة عابرة تضم اسمينا معًا، وكأنّ اجتماعنا أصبح جريمة لا تُغتفر. لكن الكارثي في الأمر أن الحربَ تدق بقلبي كلما مرت على مسامعي حروف اسمك، وكأنه صوت خفي يحيا بداخلي يوقظ كل ما حاولت جاهدًا دفنه.
يشتعل الشوقُ في صدري كلّما مررتُ بمكانٍ علِقت به رائحتكِ، فتغدو الذكريات فخًا لا مهرب منه، وتتحول التفاصيل الصغيرة إلى سيوف مسلطة على قلبي. غير أنّه الكبرياء، ذلك العناد الأعمى، هو ما يدفعني إلى نكرانك. بينما قلبي، بالرغم من ألمه و صمته، لا يعرف أمنية سوى أنه ينتمي إليك ولا يبغي سواك.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
صمت مطبق خيم على المكان لثوان بعد أن انتهى التسجيل الكامل الذي قام خالد بتشغيله ليستمع كمال إليه و الذي كان صامتًا لا يظهر عليه شيء ليُعيطه خالد مساحته في التفكير قبل أن يقول بجمود:
ـ سكوتك دا رد فعل غريب يا كمال. بتفكر في أي؟
كان ساكنًا على نحو غريب ولكن ملامحه كانت صورة حية عن الخذلان الذي شاب كلماته المختصرة حين قال:
ـ كنت عايز اتأكد من حاجة و خلاص اتأكدت.
خالد باستفهام:
ـ أقدر أعرف ايه هي الحاجة دي!
كمال باقتضاب:
ـ مش لازم.
يرى بوضوح ذلك الألم في عينيه ولكنه أراد دفعه لأسقاط ولو جزء من هذا الثقل الذي يحمله ليقول بنبرة خشنة:
ـ انطباعك ايه عن اللي سمعته؟!
لم تخلو نبرته من السخرية المريرة حين قال:
ـ اتأكدت أن أنا عندي أسوأ أخت في الدنيا.
لا يستطِع معارضة حديثه، فهو محق بالرغم من كل شيء، فقد تأذى كثيرًا بسبب عناد شقيقته و تهورها لذا تجاهل أمرها وأجابه مُستفهمًا:
ـ و بالنسبة لآسيا!
تنبهت جميع حواسه حين أتى على ذكر إسمها و كأن كل ما به يعانده لأجلها، ولكنه يقاوم لذا قال بجفاء:
ـ مالها!
خالد بنفاذ صبر:
ـ أنت سمعت كلامها.
سخر بمرارة:
ـ سمعته. بس محستوش.
توجه ليجلس على أقرب مقعد ناظرًا للبعيد وهو يقول بنبرة يتشعب بها الألم:
ـ أنا عمري ما سألت نفسي هي بتحبني ولا لا! طول الوقت كنت مشغول اني أراضيها و افرحها. طول الوقت كنت بحاول اصلح اي حاجة مكسورة جواها.
صمت يحاول سحب قدرًا كافيًا من الهواء داخله عله يخمد تلك الحرائق المندلعة بصدره قبل أن يُتابع بنبرة مُتحشرجة:
ـ أنا مش فاكر موقف واحد ليها أثبتلي أنها بتحبني أو حتى حسسني بدا، والحقيقة انا مكنش فارقلي. كل اللي كان فارقلي امي كنت عايزها تتخلص من كل حاجة سلبية ليها علاقة بالماضي عشان تقدر تحب.
خالد باستنكار:
ـ كلامك دا في تقليل منك يا كمال. في مليون سبب يخليها تحبك.
كمال موضحًا:
ـ مش تقليل . بس انا كنت مُتفهم ظروفها و اللي هي مرت بيه. مكنتش عايز اطالبها بأي شيء. لحد ما تحس انها قادرة تدي.
خالد باستفهام:
ـ طيب لما رجعت مشوفتش أنها بتحبك!
تغضنت ملامحه بالوجع الذي تجاهله وهو يقول بقسوة:
ـ شوفت. بس الحب دا جه بعد ما خسرتني..
خالد بنبرة خشنة:
ـ كمال لازم تفهم أن آسيا اتأذت جدًا في غيابك.. دي كانت….
قاطعه بألم و نبرة حانقة:
ـ لو هي اتأذت مرة أنا اتأذيت ألف. عارف ليه؟ عشان أنا حبيتها. حبيتها أكتر من أي حاجة في الدنيا، وهي خذلتني على قد ما حبيتها.
تزاحم الألم بمقلتيه ولكنه حاول جاهدًا قمعه ليسكبه بين كلماته حين تابع:
ـ الاحساس بالذنب مؤلم. بس ألم الخذلان مُضاعف يا خالد.
يرى بوضوح كم هو متألم لذا غير دفة الحديث قائلًا:
ـ أنت طلبت تسمع الفويس عشان ميرهان ولا عشان آسيا؟
كمال بجمود:
ـ عشان اللتنين.
أراد وضع اعترافها نُصب عينيه حين قال:
ـ طيب ما آسيا قالت أنها بتحبك.
أجابه كمال بمرارة وكأنه يمضغ صبارًا في جوفه:
ـ آسيا قالت كدا عشان تنفي عن نفسها التهم اللي وجههالها. هي دي آسيا يا خالد. قوية و عندها كرامة و عنفوان. عمرها ما هتتقبل الإهانة و لا هتعديها.
وضع يده على مكان الجُرح مُباشرةً لذا لانت لهجته حين قال:
ـ و دا اللي وجعك في أنها راحت لرؤوف صح!
اهتاجت جيوش الغضب والألم معًا ليهتف بنبرة مُلتاعة صارخة:
ـ دا اللي قتلني. آسيا اللي انا اعرفها بعد ما سمعت منه الكلام دا و المفروض أنه غلط مكنتش هتبص في وشه أصلاً بس واضح أنه غالي عليها شوية. فجت على نفسها و اتجاهلت إهانته وكرامتها وراحت تعاتبه.
ـ يا كمال متحسبهاش كدا..
ضرب بقوة على المكتب الخشبي وهو يهب من مقعده قائلًا بحرقة:
ـ هي كدا. ماهو يا هو عنده حق وهي وصولية و اتجوزتني عشان فلوسي و رمته هو. يا اما هو غالي عليها أوي لدرجة أنها تتجاهل اتهاماته دي وتروح تعاتبه.
صمت يحاول التغلب على تلك الغصة القوية التي اجتاحت صدره حتى كادت أن تمزقه حين تذكر حديثها له ليهتف بأنفاس مقطوعة:
ـ دي كانت بتعيطله. بتقوله ليه تعمل كدا؟ عمري ما هشوف اللي عملته دا غير خيانة. قلبي و عقلي و كرامتي رافضين يشوفوها غير كدا..
كان مُحقًا بالإضافة لكونه يتألم بشدة وهذا واضح على معالمه و في عينيه ليهتف خالد يائسًا:
ـ طيب و العمل! أنت بتغير عليها لسه. بتحبها لسه..هتفضل تعذب نفسك و تعذبها كدا كتير!
غامت عينيه بأسى قبل أن يوجه إليه إستفهامًا غامضًا:
ـ تفتكر لو أنا غلطت نفس الغلط في حقها هتقدر تسامحني!
ضيق خالد عينيه بتفكير قبل أن يقول بترقب:
ـ تقصد أيه ؟
كمال بغموض:
ـ هتعرف بعدين، و وقتها هنشوف إذا كانت حبتني كفاية لدرجة أنها تغفرلي زي ماكانت عيزاني اغفر لها ولا لا..
اللهم يا مسهل الشديد ويا ملين الحديد، ويا منجز الوعيد، أخرجني من حلق الضيق إلى أوسع الطريق ♥️
★★★★★★★★★
مر يومان دون أحداث ظاهرية، فقد كان وكأن الجميع كلًا يحشد طاقته للمواصلة من جديد، وقد كان أول من استعاد ثباته ياسر الذي قام بشراء أحد المحلات المجاورة لبيتهم ينوي البدأ من جديد وحده، وقد مضى العقد مع صاحبها و هاهو بالرغم من كل شيء يقف ناظرًا إلى نقطة بدايته برضا و بداخله أملًا كبيرًا في أن تكون بداية موفقة ليهمس داعيًا:
ـ اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم. رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق، واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً.
ـ مبروك يا ريس..
هكذا تحدث يزيد بمرح ليستدير ياسر ناظرًا إليه بسعادة لم ينكرها، فشقيقه دائمًا إلى جواره مما جعله يقترب و يعانقه بقوة و كأنه يشكره بشيء أعمق من الحديث ليبادله يزيد العناق، فقد كان يشعر بما يجيش بصدر أخيه وعلى الرغم من استنكاره لما يحدُث ولكنه يقف صامتًا، فالخصم أقرب الأشخاص إليهم..
ـ متقوليش انك اكتشفت النهاردة انك بتحبني!
هكذا تحدث يزيد بمرح ليشاطره ياسر مرحه قائلًا:
ـ بالله عليك دي أشكال تتحب بردو!
يزيد بتهكم:
ـ طبعًا مانا مش صوتي ناعم ولا شعري كيرلي و اسمي غريبة. هتحبني ليه؟
قهقه ياسر على حديثه قبل أن يقول بسخرية:
ـ فعلًا. مفيش سبب واحد يخليني أحبك.
ابتسم يزيد على حديثه قبل أن يتابع ياسر ناظرًا إلى ساعته:
ـ يالا عشان نروح نتغدى غنى مستنيانا في البيت.
يزيد بتهكم:
ـ أهو أنا مابحبش في اليوم قد الفقرة دي. اروح الاقيها مستنيانا و عملالنا أكلها الرهيب. دا تحديدًا اللي مسكتني عن المشاعر الجياشة دي.
ياسر بسخرية:
ـ همك على بطنك يعني.
يزيد بجدية:
ـ مش فكرة كدا. بس انا عندي مبدأ بحترمه جدًا، وهو عض قلبي ولا تعض رغيفي، فمضطر اسكت أنها واخدة قلبك كله لحسابها في سبيل أنها بتعملي أكل حلو.
ياسر بتقريع:
ـ قصدك انك بتبيعني عشان الأكل. أنت واطي كدا ازاي!
يزيد بسخرية:
ـ دي جينات .
وصلا إلى المنزل ليستوقفهم نزول جابر من سيارته
وهو يلقي التحية:
ـ السلام عليكم ورحمة الله.
التفت الشابان إليه مرددان السلام ليتابع ياسر بترحيب:
ـ أهلًا يا معلم جابر اتفضل.
جابر بنبرة ودودة:
ـ يزيد فضلك يا ريس. ولو إني زعلان منك.
يعلم جيدًا السبب إذا قال بهدوء:
ـ حقك عليا يا حاج.
لم يكد يتحدث جابر حتى قال يزيد:
ـ طب تعالوا نتكلم جوا بدل ما احنا واقفين في الشارع
بالفعل دلفوا إلى الداخل ليبدأ ياسر حديثه قائلاً:
ـ متزعلش مني يا حاج. أنت غالي عليا.
ربت جابر على كتف ياسر وهو يقول بنبرة ودودة:
ـ أنت ابني يا ياسر، و اللي حصل زعلني زي ما زعلك وأكتر. لكن كنت مستني منك ترجعلي.
ياسر بتعب:
ـ غصب عني. اللي حصل دا كسرني. مكنتش قادر اواجه ولا حتى اتعامل. كان لازم نمشي أنا وغنى عشان نقدر نتعامل بعد كدا.
يعلم مقدار خيبته فقد نال منها أيضًا لذا أجابه قائلًا:
ـ عارف يا ابني، و مش هلوم عليك. أنا بس لازم اتكلم معاك انت ويزيد عشان نحط النقط على الحروف.
تبادل الشقيقان النظرات قبل أن يقول ياسر بقلق:
ـ اتفضل يا حاج جابر سامعك.
جابر بنبرة اصقلها الغضب:
ـ دلوقتي أنا شيلت هيام فوق دماغي من وقت مادخلت بيتي لا عمري زعلتها ولا ضايقتها و عن يدكوا الكلام دا. لكن بعد اللي حصل و الحال اتبدل، و أختك غلطت في حقي وفي حق بيتها، وأنا عشان راجل بيعرف في الأصول كلمتها و شديتها بالذوق. لا قليت أدبي، ولا مديت إيدي. بس الوضع دلوقتي مش مظبوط. عرفت انها راحت بيت ولاد عمها. ودا معجبنيش. لكن بردو أنا جيتلكوا عشان انتوا ولادي وتعزوا عليا وبينا عيش وملح. اختكوا لو رجعت ندمانة و هتشوف حالها وبيتها على راسي. انما أمور اللوع وشغل الحريم دا ميعجبنيش. أنا كدا غلطان يا ياسر؟!
شعر ياسر الغضب المُطعم بالحزن من حديث جابر الذي و للأسف كان مُحقًا لذا قال بتعب:
ـ عداك العيب يا معلم جابر. أنا هشوف الموضوع دا.
جابر بشفقة على حالهم:
ـ معلش يا ياسر. كلنا زعلانين من اللي حصل. أنا مش عارف أواسيك ولا أواسي نفسي. مش دي هيام اللي اتجوزتها أبدًا.
لم يحتمل أن يمس شقيقته بسوء ولو كان مُحقًا لذا اندفع قائلًا:
ـ هيام مش وحشة يا معلم جابر. هيام اطيب قلب في الدنيا. هي بس. زعلانة مني شوية. كانت عشمانه فيا. لكن أنت عاشرتها و شفت معدنها.
و أضاف يزيد أيضًا:
ـ اللي بيننا و بين هيام دا بره عنك يا حاج. ماشي هي ممكن تكون زعلتك. بس هيام أمنا هي اللي ربتنا و ضحت بأحلى سنين في حياتها عشان متسبناش. هي بس اتضايقت من اللي قالته الخالة صابرين، و غصب عنها عملت اللي علمته. كلنا بنغلط. مش هنعلقلها المشنقة.
ياسر بجمود:
ـ يزيد عنده حق. هيام أختي و مهما عملنا في بعض مقدرش أنكر فضلها عليا، ولو زعلان منها بسببي يبقى لا. أنت كدا بتزعلني انا. مهما حصل بيني وبينها مسيرنا راجعين لبعض الضفر عمره ما يطلع من اللحم.
برقت عيني غنى التي كانت تتابع الحديث من الداخل لتشتعل جذوة الغضب بداخلها، فبعد ما فعلته بهم يتفوه بهذا الحديث.
كان القهر يتشعب بين خلاياها وهي تجلس في الداخل تنتظر ذهاب جابر وهي تمضع أسنانها من فرط الغضب وكلماته تتردد بأذنيها إلى أن التقطت صوت قفل باب المنزل و ما هي إلا ثواني حتى وجدت ياسر يدلف إلى الداخل وهو يقول بنبرته العابثة:
ـ غريبة قلبي بتعمل أيه؟
ناظرته بعتب كبير و بنبرة يتخللها القهر والغضب أجابته:
ـ غريبة قلبك قلبها مفطور منك!
توسعت عيناه بصدمة وهو يقول مُستنكرًا:
ـ قلبك مفطور مني! ليه؟!
غنى بنبرة مُدججة بالغضب:
ـ هو سؤال واحد تجاوبني عليه!
بدأ يفهم سبب غضبها ليتركها تكمل فإذا بها تستفهم بنبرة مغلولة:
ـ هو اللي حصل من هيام بسيط اوي كدا. لدرجة أنك ممكن ترجع تتعامل معاها عادي.
اشتعلت الحرائق بصدره و غامت عينيه بغضب مُتحدُم جعل نبرته قاسية حين قالت:
ـ مانا اتجوزتك بعد اللي أنتِ عملتيه فيا!
صدمتها إجابته للحد الذي جعل اللون ينسحب من ملامحها قبل أن تقول بنبرة مشدوهة:
ـ هو أنت بتقارن اللي عملته هي باللي انا عملته! دي هي السبب…
قاطعها بغضب:
ـ هي غلطت و أذتني، وأنتِ غلطتي عشان صدقني عني القرف دا و أنتِ اكتر واحدة مفروض عرفاني و مكنتيش واثقة فيا.
ألقى إجابته في وجهها وعلى الرغم من أنها تشعر بالقهر لمعرفتها بأن لها جانب كبير من الخطأ ولكنها استنكرت أن يتحدث عنها بهذا الشكل، فظلت على صمتها تناظره بعتب غير منطوق ليُتابع هو بغضب:
ـ وبعدين تعالي هنا. هنعتبر ان هيام دي قتلتني عيزاني اشتم عليها قدام الراجل! قدام جوزها! ولا اطلعها وحشة!
هبت عاصفة جنونها حين هتفت بحنق:
ـ لا متشتمهاش بس متطلعاش شهيدة كدا.
لم يُعجبه الحديث لذا قال بتحذير:
ـ غنى اعمليلك قفلة.
عاندته بعناد:
ـ وانا معملتش يا ياسر.
علت نبرته و شابتها القسوة إلى جانب الصرامة حين قال:
ـ هعملك انا..
تساقطت العبرات من عينيها قبل أن تقوم بإلقاء قماشة المطبخ وهي تهتف بجفاء:
ـ أنا رايحة اشوف بابا.
عززت كلماتها الغضب بداخله أكثر ليهتف بحدة:
ـ لما اخلص هبقى اوديكي.
لم تكن تطيق البقاء أكثر من ذلك دون أن تصرخ من فرط الغضب لذا قالت معانده:
ـ انا مش عيلة صغيرة هتوديها و تجيبها.
أعماه الغضب ليهتف بقسوة:
ـ كدا! طب مفيش مرواح في حتة.
غنى بقهر:
ـ يعني ايه!
لأول مرة لم يلتفت لدموعها، فبنظره قد تتمادت كثيرًا لذا تحدث بنبرة قاسية:
ـ اللي سمعتيه. و اقطمي على الكلام دا. لما تبقي ترجعي لعقلك نبقى نتكلم.
عاتبته نظراتها بقسوة لتوميء برأسها و العبرات تتدحرج من مقلتيها قبل أن تقول باختصار:
ـ حاضر.
تجاوزته و توجهت إلى غرفتها لتوصد الباب خلفها لتتركه خلفها يعاني من الغضب و الذنب معًا ناظرًا إلى ذلك الضماد الذي يغلف جرح يده الذي لا شيء بالمقارنة بهذا الجرح العميق في قلبه.
زفر بقوة وتوجه إلى الداخل ليقوم بامساك الهاتف يجري اتصالًا هاتفيًا مع خالد:
ـ أيه يا وحش. عامل ايه؟
خالد بجمود:
ـ كويس.
ياسر بتهكم:
ـ تبقى مش كويس. عايز أقابلك..
خالد باختصار:
ـ ياريت. هعدي عليك بالليل…
اللهم إنك تعلم وهم لا يعلمون، اللهم أرح قلبي وهون علي وإسقني صبراً، وأعوذ بك من غصة القلب وضيق النفس، اللهم امسح على قلبي برحمة منك ولا تجعل لي حزنا يقلقني ♥️
★★★★★★★★★
صف إيهاب رئيس قسم الإنشاء في شركة الجيار سيارته أمام الموقع الذي يقيمون به هذا الصرح و بجانبه آسيا التي كان الجمود يلون ملامحها على عكس ذلك الشعور الخفي بالإنتشاء حين سمعت مكالمة شروق في الصباح:
ـ بقولك ايه! حصل حاجة الصبح انا سمعتها بالصدفة قولت اقولك..
ـ في أيه يا شروق؟
شروق بنبرة خفيضة:
ـ بصي راجي جاله تليفون معرفش من مين أنهم هيبعتوا لجنة من شركة الوتيدي هتباشر الشغل في الموقع، و راجي قال إنه متفق مع بشمهندس أيهاب و معاكِ انكوا هتباشروا الشغل. معرفش اللي بيكلمه قاله أيه؟ راجي رد وقاله مش عاجبني بس مش هزعلك. فمعرفش هو هيعمل ايه؟!
توقعت أن يكون المتصل كمال، ولهذا صممت أن تذهب اليوم كما هو متفق عليه، ولهذا قامت بإغلاق هاتفها، تحايلت على إيهاب لتفعل المثل بهاتفه حتى تأتي إلى الموقع و قد التمع الخُبث في نظراتها حين اصطدمت برؤيته ما أن ترجلت من السيارة. على عكس كمال الذي اشتعلت نيران الغضب في مقلتيه حالما رآها، فقد اتفق مع هذا الغبي راجي أن لا تأتي إلى الموقع وقد أبرم معاه اتفاق بأنه سيباشر العمل مع لجنة خاصة، ولكنه لم يلتزم بهذا الاتفاق و ها هي أمامه بكامل فتنتها و جميع العيون تطالعها بإعجاب خفي أيقظ شياطين جحيمه من جحيمها
ـ السلام عليكم. ازيك يا مستر كمال!
هكذا تحدث إيهاب بابتسامة بشوشة قابلها كمال بآخرى مقتضبة وهو يحاول جذب أنظاره من فوق تلك التي كانت تتهادى في مشيتها وهي تنظر حولها ثم أتى إليها أحد المهندسين لتتحدث معه بتلقائية وكأنها تعرفه منذ زمن ليقوم بإزاحة عينيه عنها بشق الأنفُس حتى لا يرتكب جريمة قتل، فلم يكُن الغضب منها وحدها بل من نفسه و من قلبه الذي يئن وجعًا عشقًا في آنٍ واحد.
كانت تعلم ما يشعر به بوضوح و كم الاحتراق الذي يجيش بصدره الآن، فقد كانت تحترق مثله منذ عدة أيام والآن جاء دوره.
انضمت إليهم لتستقر جميع الاعيُن عليها، فقد كان وجودها طاغيًا و جمالها مُـسيطرًا وكأنه رائحة عذبة تفشت في المكان لتستأثر بحواس الجميع و على رأسهم هو:
ـ ازيك يا بشمهندس علي. طمني أيه آخر الأخبار؟
تجاهلته و مدت يدها تصافح علي الذي صافحها بود وهو يقول بنبرة بشوشة:
ـ تمام احنا ماشيين على البلان مظبوط و أتوقع أننا هنسلم في المعاد المظبوط.
آسيا بنبرة رقيقة واثقة:
ـ أنا واثقة في حضرتك و في التيم. و عارفة انكوا قد ثقتنا..
اتسعت ابتسامة علي الذي أجابها بحبور:
ـ ثقتك دا شيء غالي علينا أوي يا مدام آسيا.
كان إيهاب يثرثر بجانبه ولكنه ليس هنا. فقد أسودت ملامحه وأخذ يطحن ضروسه من شدة الغضب، ولكن عقله لا ينفك يكرر على مسامعه أنها لم تعد تهمه. يحاول كبريائه تهدئه هذا الجحيم المُشتعل بين ضلوعه ولكنها لا تساعده، فقد هتفت بصوتها الناعم الذي يلتف حول قلبه فيجذبه ناظرًا إليها:
ـ حابة أخد جوله في الموقع و اشوف آخر التطورات.
علي بلهفة:
ـ وماله تحت امر حضرتك. اتفضلي.
إلى هنا ولو يعُد يحتمل ليستدير مصوبًا أعيرة نظراته اليها وهو يهتف بصوت خشن يحمل تحذير لفت انتباه الجميع:
ـ الجولة دي تتأجل لحد ما نخلص كلامنا. عشان كلنا محتاجين نشوف آخر التطورات.
أنهى جملته ليستدير مُستكملًا حديثه مع إيهاب، دون الالتفات لعلي الذي أجابه مندفعًا:
ـ طبعًا يا كمال بيه. وقت ما حضرتك تحب.
اغتاظت آسيا ولكنها لم تعلق بل اخذت تلهو بهاتفها إلى أن شعرت به يقترب، فقد كان هو الآخر حضوره طاغيًا للحد الذي جعل حواسها تتأهب و دقات قلبها تقيم احتفالًا داخلها ولكنها ظاهريًا كانت جامدة لا مُبالية لتبدأ الجولة و كلًا منهما لا يلتفت إلى وجود الآخر فقد أخذ يتابع التطورات الجديدة في الموقع وهي تدون الملاحظات ليمر الوقت إلى أن صعدوا إلى أحد البنايات التي كانت يجري بها التشطيبات الأخيرة، فتركتهم آسيا و اخذت تتجول في الغرف و دون أن تلحظ قامت بالدعس على لوح خشبي به مسمار كبير اخترق حذائها العالي ليستقر في كعبها لتصرخ بألم صرخة استقرت في صدره الذي انقبض بذُعر تجلى في نبرته وهو يهتف باسمها:
ـ آسيا.
هروح إلى مصدر آهاتها ليجدها جاثية على الأرض والدماء تنبثق من قدمها ليرتعب قلبه، ويغافله خوفه ليندفع إلى جانبها يتفحص حالة قدمها، فخرجت منها صرخة ألم استقرت في قلبه مما جعله يلتفت إليها مُهدئًا:
ـ اهدي. دا مسمار مصدي. لازم تروحي المستشفى عشان يطهروا الجرح عشان ميعملش تلوث..
كانت تشعر بألم كبير، ولكنها مدت يدها تحاول الاستناد على الحجر الكبير بجانبها لتقف ولكن سرعان ما خرجت منها شهقة قوية حين وجدت نفسها محمولة بين يديه أمام نظرات الجميع لتتوسع حدقتيها من فرط الصدمة، لتتبادل معه النظرات لثوان، ولكن جمود نظراته أعادها إلى الواقع، فقد أدار رأسه وهو يهتف بنبرة خشنة عالية:
ـ هوديها المستشفى، و بشمهندس إيهاب هيكمل..
تدخل علي باندفاع:
ـ أنا ممكن آجي مع حضرتك…
رمقه كمال بنظرة نارية جعلته يتراجع قبل أن يقول بجفاء لا يخلو من التحذير:
ـ خليك في شغلك..
كانت كالمنومة مغناطيسيًا حتى الوجع تخدر أمام ما يحدُث، لهفته و سرعته للإطمئنان عليها و حمله لها كل هذه الأشياء أثارت زوبعة من الفوضى داخلها، ولكن قربها منه بهذه الطريقة كان أمرًا رائعًا، فقد حملها و هبط بها أربع طوابق ثم سار مسافة ليست قليلة إلى أن وصل إلى سيارته، كل هذا الوقت الذي قضته بين ذراعيه كفيل بجعلها تتوه و تتخبط بين مشاعر عاتية لا تملك قوة حتى تجابهها أو تقاومها مما جعلها تضع رأسها فوق كتفه مستسلمة لهذه الدقائق الرائعة ولا تعلم أن فعلتها هذه كانت كفيلة بتوقف تدفق الدماء بأوردته، فكل ما حدث و يحدث ماهو إلا جنون سببه خوفًا مريع اجتاح قلبه منذ أن سمعها تتألم، ولكنه لم يجازف بجعل أحد غيره يقترب منها، لذا قام بحملها إلى الأسفل، وهو يرتدي قناع من الجمود لحفظ كبريائه بينما قلبه ينتفض فرحًا كونها بين يديه و يديها تحيط بعنقه ولكن حين وضعت رأسها فوق كتفه هاجمه جيش من المشاعر الضارية و اخذ قلبه يستعرض ذكرياتهم معًا وهي بين يديه و رأسها ملقى على كتفه وهو ينهل من عشقها بلا هوادة.
صرخت ألم خرجت من فمها حين وضعها على المقعد و اصطدمت قدمها المصابة بباب السيارة ليهتف بلهفة:
ـ حصل ايه؟
آسيا بألم:
ـ رجلي اتخبطت.
في هذه اللحظة تحديدًا ود لو يقبلها إعتذارًا عن الألم الذي سببه لها، لينهره عقله و يعنفه مما جعل الجمود يحتل ملامحه ليقوم بإغلاق الباب برفقٍ يصاحبه صمتٍ تام ثم يتوجه إلى الجهة الآخرى السيارة ليستقلها و ينطلق إلى المشفى، وهي إلى جانبه تموت شوقًا لملامسة كفه الخشن الذي يقبض على مقود السيارة و كبريائها يعنفها بقسوة مما جعل بعض العبرات تتساقط من عينيها، فلاحظ ذلك فقد كان من الحين و الآخر يختلس بعض النظرات إليها مما جعله يقول بنبرة لا تخلو من القلق:
ـ رجلك بتوجعك أوي؟
كان تبريرًا منطقيًا لبكائها مما جعلها تقول بخفوت:
ـ شوية..
كان غاضبًا منها و من مشاعره تجاهها وهذا الضعف الذي يعتريه حين استمع الى نبرة صوتها المـتألمة لتخرج الأمور عن سيطرته و يهتف مُعنفًا بقسوة:
ـ ما أنتِ إنسانة مش مُريحة! أيه جابك الموقع والزفت؟ ما تترزعي و تقعدي في مكتبك!
لم تتخيل ثورته عليها بهذا الشكل، و بجانب الألم الذي تولد بداخلها كان الغضب أيضًا الذي جعل نبرتها حادة وهي تجيبه:
ـ والله أنا حرة اروح مواقع اقعد في مكتبي و حضرتك ملكش حق تحاسبني.
أثار حديثها جنونه أكثر ليزمجر بانفعال:
ـ أحاسبك و أديكي على دماغك. اديني اتعطلت بسبب سيادتك، و اضطريت اسيب شغلي.
لونت الدهشة ملامحها ولكنها لم تدوم طويلًا لتقرر رد الصاع صاعين حين قالت ساخطة:
ـ افتكر اني مطلبتش منك تسيب شغلك وتيجي معايا في أي مكان!
كمال بانفعال:
ـ تصدقي أنا غلطان! كان مفروض أسيبك مرمية بتنزفي هناك!
آسيا بحدة يتخللها الخُبث:
ـ ومين قالك اني كنت هستنى مرمية ثانية! الف مين كان هييجي يوديني المستشفى، وانت شفت بشمهندس علي كان عايز ييجي وأنت البس منعته!
كانت تقصد إضفاء الوقود على غضبه وقد كان لها ما أرادت فقد أسودت ملامحه ونفرت عروق رقبته ليهتف بصوتٍ أفزعها:
ـ علي وزفت! مين علي دا كمان! حتة موظف ملوش تلاتين لازمة. اي موظف في الموقع دا لو جراله حاجة دي مسئولينا احنا. أنتِ الظاهر مخك فوت.
تبدلت ملامحها، و تفشى الحزن بقلبها هل لهذا اندفع لأنقاذها هل لأنها مسئوليتهم! بالإضافة إلى إهانته إليها التي نالت منها، ولكنها لن تُمررها أبدًا لذا هتفت ساخطة:
ـ طب أنا بعفيك من المسئولية دي، و ياريت تقف على جنب عشان مش هروح معاك في أي مكان!
لم يُعير حديثها أهتمام لتقوم بمد يدها في حركة جنونية لفتح باب السيارة، لتخرج جيوش غضبه عن السيطرة مما جعله يصف السيارة على جنب بطريقة مُباغتة جعلت خصلاتها تندفع إلى الأمام ثم قام بجذب رسغها يجذبها بعُنف وهو يصيح بوحشية:
ـ أنتِ أكيد اتجننتي!
صمت مطبق اجتاح الأجواء حولهم حين وجد نفسه على بعد إنشات من وجهها يتنفس أنفاسها و يغوص بعمق في غابات الزمرد المدفون بين حدقتيها لتتقاذف دقات قلبه و تتناحر أنفاسه كمن يخوض سباق للعدو، فطاقة الشوق التي اجتاحت صدره ضارية للحد الذي آلم ضلوعه تدفعه للإرتواء من رحيقها الذي اشتاقه حد الجحيم، وقد كان حالها يشبهه بل و أسوأ فقد كانت منذ عدة أشهر تتمنى لو تلمح طيفه عل الشوق بقلبها يهدأ ولو قليلًا و الآن هي قريبة منه للحد الذي يجعلها تتنفس أنفاسه و تستشعر دقات قلبه الجنونية والتي توازي خاصتها، والحقيقة أن الشوق أضعف إرادتها قليلًا لتخفض رأسها بتعب جعله يستيقظ من لُجة المشاعر التي جرفته ليقترب من أذنها حتى لامستها شفتيه وهو يقول بنبرة مشحونة بالعواطف ولكنها تضم التحذير معها:
ـ اياكِ تحاولي تستفزيني تاني.. سامعة؟
كعادتها تقاتل حتى آخر نفس بالرغم من وهنها و تعبها إلا أنها تراجعت تناظره بتحدي احتل نبرتها حين قالت:
ـ وانت اوعى تفكر تقلل مني تاني.
كان العتب و العذاب يحتل نظراتها وقلبه ولكنه حاول شحذ ثباته وهو يقول بنبرة مُتحشرجة:
ـ الأحسن منتعاملش مع بعض.
تألمت حد الموت، ولكنها ثابته حد الهلاك لتقول بجفاء:
ـ ياريت.
تراجع عنها وهو يحاول تنظيم أنفاسه المقطوعة، فقد أعياه الألم و الغضب والشوق خاصةً و أنها خصم لا يُهزم بسهولة لذا تابع رحلته إلى المشفى بصمت متبادل بينهما إلى أن وصل أخيرًا لتنزع عنها حزام الأمان تنوي أن تسير على قدمها السليمة ولكنه فاجأها حين فتح الباب وقام بحملها للتوجه الى داخل المشفى لتهتف بصدمة:
ـ هو احنا كنا لسه بنقول ايه من دقايق !
اغتاظ من حديثها الذي يعريه أمام نفسه و هو أنه لم يستطِع استغلال فرصة للتقرب منها ولكنه بارد ظاهريًا كم أن لهجته كانت جافة حين قال:
ـ اخرسي.
اغتاظت من جفائه و وقاحته لتهتف بنبرة يغمرها الغضب و يتخللها المكر:
ـ لا مش هخرس، اصلي بصراحة شيفاك بتستغل الظروف ولا خلينا نقول بتتلكك!
كان يود لو يقبلها حتى تكف عن الحديث الذي يجعله ناقمًا على نفسه وعليها أو ليروي شوقه لها، ولكنه بدلًا عن ذلك تحدث بسخرية مستفزة:
ـ الإجابة الأصح. أحلام يقظة.
اغتاظت من براعته في الإجابة لتهتف بحدة:
ـ بطلت أحلم و البركة فيك!
كان قد وصل إلى الغرفة التي أشارت إليها الممرضة ليضطر إلى وضعها على سرير الكشف وهو يقول بنبرة متوعدة أضرمت الرجفة في أوصالها:
ـ حلو انك اتعلمتي مني حاجة. فكريني أعلمك تبطلي ترغي!
زحف الخجل إلى وجنتيها من حديثه الذي فسرته بمعنى آخر، وقد رأى ملامحها التي احتقنت خجلًا ليشتد حريق الشوق بداخله مما جعله ينظر إلى الجهة الآخرى حتى لا تفضحه عيناه ليقطع تلك الأجواء المشحونة قدوم الطبيب.
اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين وغلبة الرجال ♥️
★★★★★★★★★
ـ اجمدي يا أشجان. لازم تعملي كدا عشان ترتاحي.
هكذا أخذت تحدث نفسها وهي تنظر إلى نبيلة التي كانت جالسة تتحدث على الهاتف حول الطاولة التي بالحديقة لتقترب منها أشجان وهي تحاول ادعاء الثقة ثم جلست على أحد المقاعد أمامها ليرتفع حاجب نبيلة باستغراب ولكن أشجان لم تعيرها انتباه بل طالعت أحد الصحُف لتنهي نبيلة مكالمتها وتبدأ في جولة الاستفزاز اليومية:
ـ الله الله دا احنا اتجرأنا اوي، وجاية تقعدي معايا كمان!
حاولت ادعاء اللامُبالة حين قالت:
ـ اقعد في المكان اللي أحبه. دا بيتي صح ولا أنا غلطانه!
اغتاظت ولم تظهر ذلك بل هتفت بسخرية:
ـ لا مش غلطانه. بس غلبانه.
استغلت الفرصة لتقول باستفهام:
ـ أنا فعلًا غلبانه لدرجة اني كل ما أشوف معاملتك الحلوة مع زينة أتصدم. ازاي تكوني عملتي كدا في أختها و تبصي في عينيها!
ناظرتها نبيلة بريية قبل أن تقول بجفاء:
ـ وهو أنا عملت أيه في أختها!
شعرت أشجان بأنها ستكشفها لذا حاولت التعامل بطريقة طبيعية لتقول بنبرة مُستنكرة:
ـ أنتِ ازاي كدا! ازاي بتبصي في عينين الناس و أنتِ بتأذيهم و بتأذي حبايبهم. خالد دا اللي أنتِ أذتيه في مراته وابنه أداكي ميراثه من فلوسه هو. ازاي تأذيه كدا! لا و بتبصي في عنيه عادي.
كانت ملامحها كما عهدتها، و طيبتها و نقائها يغلب عليها مما جعلها تنحي الشك جانباً لتقهقه بقوة قبل أن تقول بخفوت و بنبرة ماكرة:
ـ بتلوميني عشان خلصت على سهام! طب ماهو يا هبلة لو مكنتش عملت كدا مكنش بص في وشك..
وصلت أشجان إلى مبتغاها ولكنها واصلت تمثيليتها حتى لا تشك بها تلك الحية:
ـ نصيب ربنا محدش يقدر يتحكم فيه. وربنا كان كاتبلي اكون مراته. بس أنتِ مؤذية. وانا مش هسمحلك تأذي جوزي ولا ولادي.
ضيقت نبيلة عينيها ثم أخذت تتلفت حولها قبل أن تقول بنبرة متوعدة ولكنها خافتة حتى لا تصل لمسامع اي شخص حولهم:
ـ اسمعيني كويس. مكانك مش هنا. و زي ما غورنا أختك من البيت دا هتغوري سواء عايشة أو ميتة. حطي الكلام دا في ودنك!
زحف الرعب إلى أوصالها لتهتف بذعر:
ـ أنتِ بتهدديني انك هتموتيني عيني عينك كدا مش خايف لا اقول لخالد!
نبيلة بتخابث:
ـ أموتك ليه هو أنا قتالة قتلة! اللي هيموتك بقهرتك هي زينة! عارفة ليه؟ عشان هي راجعة و حاطه عينها على خالد، وبيني وبينك انا ناوية أساعدها.
هوى قلبها بين ذراعيها من حديث نبيلة التي نهضت من مقعدها وهي تقول بنبرة ساخرة:
ـ أه صحيح. حفلة خطوبة الدكتور عمر ابني. على شاهي بنت الحسب والنسب آخر الأسبوع ابقي تعالي عشان تحكي لصاحبتك أن عمر بيه بعد ما رماها خد ست ستها.
أنهت حديثها وغادرت تاركة أشجان تتلظى من الخوف و الصدمة، ولكنها غادرت هي الآخرى إلى الأعلى لتدلف إلى غرفتها وتقوم بإغلاق باب الغرفة وجسدها يرتجف من هول ما تشعر به لتقول بإحراج هاتفها و تقوم بتشغيل التسجيل الذي سجلته منذ دقائق ليأتيها صوت نبيلة الذي وأن كان خفيض ولكنه مسموعًا فقد سجلت حديثها ليكون دليل قوي تقدمه إلى خالد بعد أن تخبره ما حدث.
رن هاتفها لتجده هو فأجابته بلهفة:
ـ خالد.
لاحظ اللهفة و تزاحم أنفاسها حين أجابته ليقول بقلق:
ـ أيه يا حبيبي مالك!
أشجان بتوتر:
ـ لا. لا أبدًا أنا. أنا بس كنت. بفكر فيك!
خالد باستفهام خبيث:
ـ التوتر دا عشان بتفكري فيا! لا دانا لازم اعرف بتفكري في أيه؟؟
شعرت بالخجل من المعنى المستتر خلف حديثه ولكنها كانت لابد وأن تنفذ ما خططت له لتقول بنبرة خافتة:
ـ بصراحة انت وحشتني. وملحقتش اشوفك الصبح قبل ما تنزل..
وكأنها كانت تعزف سيمفونية عذبة على مسامعه ليقول بنبرة خشنة مدججة بالعواطف:
ـ والله انا اللي لو شوفتك دلوقتي هاكلك.
كانت تذوب خجلًا من كلماته لذا قالت بخفوت:
ـ خالد.
ـ خالد لو طايل ياخدك و يهرب هيعمل كدا!
هكذا تحدث بنبرة عاشقة لتهمس باستفهام:
ـ هنهرب نروح على فين!
خالد بخشونة:
ـ أي مكان مشوفش حد من الوتايدة فيه!
نجحت كلماته في جعلها تضحك لتصل ضحكتها إليه مما جعله يقول بنبرة عابثة:
ـ أهي ضحكتك دي ردتلي روحي.
خفقة وجلة ضربت قلبها، فهي خائفة من رد فعله حين يستمع إلى هذا التسجيل ولكن يجب أن تفعل ذلك حتى تحمي بيتها و زوجها و أطفالها من هذه المرأة لذا قالت على استحياء:
ـ هو ممكن أجيلك!
لمعت عينيه من حديثها ليهتف بنبرة عاشقة:
ـ اللي مينفعش انك تكوني بعيد عني لحظة. اجهزي على ما ابعتلك السواق.
أشجان بخفوت:
ـ حاضر..
اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي♥️
★★★★★★★★
ـ تقريبا احنا ممكن منكملش لآخر الأسبوع هنا. لو خلصنا بكرة هنرجع بالليل..
هكذا تحدث راجي إلى شروق التي قالت بعملية:
ـ أنا شايفة كدا بردو. الدنيا لو مشيت تمام. يبقى مالوش لزوم القاعدة هنا..
راجي بغزل:
ـ القاعدة هنا جميلة عشان أنتِ هنا. بصراحة مش عايز ارجع.
اخفضت رأسها من غزله الذي أخجلها ليُتابع بنبرة عاشقة:
ـ لسه بتفكري!
رفعت رأسها تطالعه بصدمة تجلت في نبرتها حين قالت:
ـ مستر راجي انا طلبت وقت افكر، ومعداش غير يومين!
راجي بنبرة عابثة:
ـ طب ما تخلينا هنا يمكن اقنعك!
ابتسمت على حديثه ليُقرر التطرق إلى تلك المنطقة الخطرة حين قال:
ـ عمر الوتيدي يا شروق لسه بيفرق معاكِ!
ارتج قلبها حين استمعت إلى حديثه لترفع رأسها تناظره بهدوء يكمن خلف الكثير من العواصف ولكنها كعادتها لا يظهر عليها سوى الجمود والذي احتل نبرتها حين قالت:
ـ لا..
ـ متأكدة؟؟
شعرت بأن استفهامه يخفي ورائه شيئًا ما، ولكنها قالت بنبرة ثابتة:
ـ متأكدة. ليه بتسأل تاني،؟
قام راجي بوضع الهاتف بين يديها وهو يقول باستفهام يشوبه الترقب:
ـ عشان أنا جيالي دعوة أحضر خطوبته آخر الأسبوع..
رواية هل من سبيل للغفران الفصل الثاني عشر 12 - بقلم نورهان العشري
بسم الله الرحمن الرحيم
السبيل الثاني عشر ❤️🔥
أحيانًا تُباغتنا الحياة و تضعنا في مواقف قد لا نجرؤ على تخيلها أو التنبؤ بها، فيجد للإنسان نفسه مُجبرًا على الاختيار و اتخاذ قرارات مصيرية من شأنها أن تقلب ميزان حياته. فهناك لحظات حاسمة قد لا تكون صاخبة أو مليئة بالأحداث بل أنها قد تأتي في صمتٍ خانق حين تضيق الدائرة، فلم يعُد هناك مجال للمراوغة أو البقاء في تلك المنطقة الرمادية التي تجمع الضدين معًا، فالقدر أحيانًا يرفض الحياد رفضًا قاطعًا، أو لنقل أن الحياة قد تمل من الانتظار، فلم يعد الصمت قرارًا قابلًا للتنفيذ، والمراوغة تُعد خيانة، والتخاذُل عذاب أبدي.
ولكن. ماذا لو أن هذا الاختيار يسير باتجاه مُغاير عكس ذلك الذي سارت عليه الحياة لسنوات! ليس لأجل العناد فحسب، ولا من باب التمرد! بل إنه استجابة لتوسل صامت يرتجف القلب لأنينه، فليس المنطق هو صاحب السيادة دائمًا على قراراتنا، فهناك قرارات لا تُقاس بمدى منطقيتها بل بقدرتها على إبقاء الروح على قيد الحياة.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
ـ والله زمان. أخيرًا اتچمعتوا يا وتايدة!
هكذا تحدث رحيم الذي وصل من الصعيد منذ عدة ساعات لحضور خطبة عمر، و هاهو يجتمع مع أولاد عمومته بعد وقتٍ طويل.
ـ البركة في العريس!
هكذا قال خالد بتهكم وهو ينظر إلى عمر الذي كان يجلس شاردًا ليجذب انتباهه حديث خالد و لهجته الساخرة مما جعله يقول بسخط:
ـ يالا عدوا الجمايل.
كمال بسخرية:
ـ على آخر الزمن جه اليوم اللي يبقى ليك جميلة علينا!
هتف ياسر مازحًا:
ـ شوف ياخي يوضع سره في أهيف خلقه.
عمر بتحذير:
ـ بلاش أنت بدل ما اعملك أنا قفلة.
تدخل يزيد مازحًا:
ـ أوبا تخيلوا ياسر و عمر يدخلوا لبعض جولة مصارعة! أهي دي بقى اللي يتقال عليها مصارعة التيران بحق و حقيقي.
رمق خالد عمر شذرًا قبل أن يقول بجفاء ساخر:
ـ تصدق هو محتاج فعلًا بوكسين من إيد ياسر.
رحيم بمزاح:
ـ لا يا واد عمي ميصحش! احنا بردك بنعرِف في الأصول. خلينا نخرشمه بس بعد ما تخلوص الحفلة.
قهقه الرجال على حديثه ماعدا عمر الساخط على كل ما يحدُث ليتدخل يزيد بمرح:
ـ اسمعوا مني أنا بقول نخلص دلوقتي و نلحق بنت الحلال دي قبل ما تدبس فيه..
عمر بنبرة مُغترة:
ـ والله يا خفيف لو روحتلها برجل واحدة هي قابلة.
ياسر بسخرية:
ـ ليه أن شاء الله ؟
عمر بثقة:
ـ عشان بتحبني طبعًا.
كانت هناك نظرات ذات مغزى متبادلة بين كُلًا من خالد و ياسر الذي قال بتخابُث:
ـ طب أفرض جتلك هي برجل واحدة هتقبل بيها بردو!
توقف عمر أمام هذا السؤال قليلًا، فلم يجد بداخله إجابة تصلح للإفصاح عنها، ولكنه كان مُجبر على الإجابة فكل العيون منصبه فوقه ليقول بنبرة لا مُبالية:
ـ و أنا ليه اتجوز واحدة برجل واحدة؟! ليه اتجوز واحدة متكونش بيرفيكت في كل حاجة!
التفت خالد يناظره بتمعُن قبل أن يقول باستفهام:
ـ قولي يا عمر طيب لو اتجوزتها وهي مفيهاش غلطة و بعد كدا حصلها حادثة لا قدر الله اتشوهت و مبقتش بيرفيكت زي ما اتجوزتها هتسيبها! ولا هتكمل معاها؟!
رفع رأسه يطالع خالد بحيرة لونت نظراته، ولأول مرة يرى الأمر من هذه النقطة. ماذا سيفعل أن حدث مع شاهي هذا الأمر! هل سيتقبلها أم سيرفضها؟! و فجأة لاحت صورتها أمام عينيه فدق قلبه بقوة وهو يتذكر تلك الأيام التي كانت ساقها مكسورة وكيف كان يتمنى لو يبقى جالسًا بجانبها طوال الوقت. يخشى أن يتركها فتتأذى أو تضطر لمواجهة والدته وهي في موقف ضعف لا تستطِع الحركة. يتذكر كم كان السهر إلى جانبها أمرًا رائعًا، وكم كان احتياجها له يجعل النشوة تسري في أوردته، والحقيقة أن كل شيء معها كان مختلف و جميل.
ـ كل دا تفكير! يخربيتك دانت المادة الخام للوطينة!
هكذا تحدث ياسر ليشعر خالد بأن الغضب بدأ يتشعب بداخله من هذا الطائش الذي لا يعرف خطورة ماهو مُقبِل عليه ليُحاول تصحيح مسار تفكيره حي أعاد استفهامه ولكن هذه المرة وجهه إلى ياسر:
ـ طب و أنت يا ياسر. بعد الشر عن غنى طبعًا ممكن تسيبها لو حصلها اي ظرف!
ياسر باستنكار:
ـ لا طبعًا. دانا أشيلها على راسي و في عنيا العمر كله. هو في زي غنى؟! ولا أنا لو لفيت الدنيا بحالها ألاقي ضافرها!
يزيد بتهكم:
ـ أيه يا وحش! دي الغُريبة. الحتة الطرية يعني..
قهقه الجميع على حديثه ليقول ياسر بجدية:
ـ مش فكرة كدا. بس أن الإنسان يلاقي نصه التاني دي مش حاجة سهلة، و مش كل انسان في الدنيا دي محظوظ عشان يلاقي الشخص اللي يكمله. و يحس بالراحة جنبه.
تهكم عمر قائلًا:
ـ أنت اللي بتقول كدا! دا احنا قعدنا ليلة بحالها نقنعك تروح تتقدملها.
ياسر بتوضيح:
ـ أنا كانت ظروفي غير، وكان كبريائي مانعني، و واقف بيني و بينها، وبصراحة أنا مش هقدر انسالك الموضوع دا، وانك قدرت تقنعني وقتها. لو مكنتش اتجوزت غنى مكنتش عارف الأيام هتعدي عليا عاملة ازاي!
التفت خالد ناظرًا إلى رحيم الذي شعر بخطبٍ ما يحدُث لذا قال بنبرته الغليظة:
ـ مشكلتنا يا واد عمي أننا بنفكِر أن الحب ده عيبة، و بنتنكرو منيه، على الرغم أن الراچل منينا مهما بلغت قوته و چبروته محتاچ أنه يروح آخر الليل يلاجى الونس و الصدر الحنين اللي يرمي فيه كل همومه.
كان كمال ينظر إلى الجميع ويشعر بأن للكلمات أسنان مُدببة تُغرز بقلبه و توقظ جميع آلامه دفعةٍ واحدة لذا اختار الصمت، ليُتابع خالد الحديث من حيث وقف رحيم قائلًا:
ـ فعلًا عندك حق. مهما كان الراجل قوي و عنده سلطة و نفوذ بيحتاج لست تقف جنبه و تهون عليه. تكونله سكن و سكينة. دا ربنا لما خلق سيدنا آدم " عليه السلام" خلقله ستنا حوا عشان تكون ونيسه.
كان الحديث كأسهم اتهام تتوجه إلى عقله المتمرد مما جعله يقول ساخطًا:
ـ أيه يا وتايدة كلكوا بقيتوا عشاق على كبر!
صاح يزيد مازحًا:
ـ لا كله كوم ولا الوحش بتاعنا. اللي الناس كلها كانت تشوفه ماشي في طريق تلف من الطريق التاني دلوقتي بيتكلم عن الحب!
خالد مُحذرًا:
ـ خلي بالك أن الوحش بردو لسه الناس بتترعب منه. يعني لم لسانك الطويل دا وخاف على رقبتك.
يزيد بخوف ظاهري:
ـ يا كينج دا انت تقول اللي أنت عايزه، واحنا تقول سمعًا و طاعة. الحب الحب. الشوق الشوق.
تعالت الضحكات ليهتف عمر بجدية:
ـ بصراحة أنا مستغربكوا. الحب دا أكتر شيء في الدنيا بيضعف الإنسان.
قاطعه ياسر موضحًا:
ـ الإنسان الضعيف ضعيف بالحب أو من غيره.
عمر بحدة:
ـ لا معلش بقى. يعني أنت عايز تقنعني انك بسبب غنى متنازلتش على حاجات كتير! و على فكرة قبل ما تجاوب التنازل دا نوع من أنواع الضعف.
ياسر بنبرة ذات مغزى:
ـ انك تتنازل بإرادتك عن اي شيء عشان تكون مع الشخص اللي بتحبه دا منتهى القوة. انك تختار و تقف على أرض صلبة دا في حد ذاته قوة.
عمر باستنكار:
ـ ازاي يا فيلسوف عصرك و أوانك!!
ياسر بتوضيح:
ـ أنا لما سبت كل حاجة و خدت غنى و مشيت محدش جبرني اعمل دا. أنا اللي اختارت. اختارت كرامتي و كرامة مراتي و مشيت. و على فكرة انا ولا لحظة ندمت اني عملت كدا. لأن فعلًا وجودها بيغنيني عن حاجات كتير اوي. و أصلًا انا لما كان عندي الحاجات دي لا كنت مبسوط ولا سعيد زي مانا مبسوط و مرتاح وانا معاها.
دارت الكلمات برأسه قبل أن يقول بجفاء:
ـ المشكلة مش فينا. المشكلة في الستات أنهم لما بيشوفوا الحب في عنينا يبدؤا يتحولوا، و بيكون دا سلاح في إيدهم ضدنا.
تدخل رحيم قائلاً بفظاظة:
ـ صوح. كلام زين، بس الراچل بجى هو اللي بيده بيحط النقط على الحروف. دلع زي ما تحب لكن وقت الچد. كلمتك توبجى سيف على رجبتها. هي بجى عرفت تمشيك يوبجى العيب فيك أنت لا فيها ولا في الحب.
كان خالد يوميء برأسه بالموافقة وعلى ملامحه ابتسامة هادئة بألف حديث، وكأنه في تحدٍ غير مباشر مع عمر ليستغل ياسر الموقف ويقول:
ـ على فكرة انا و غنى زعلانين، وانا عارف اني قرصت عليها و جيت عليها شويتين، بس انا عملت كدا عشان أفرملها وأردها عن الغلط. بالرغم من أني عارف أنه كان غصب عنها لكن في وقت من الأوقات لازم أكون حازم معاها.
عمر بسخرية:
ـ يا جماعة أنتوا بتتكلموا عن الستات. دول ملهمش كتالوج. أن كيداهن عظيم. محدش يأمن مكرهم ولا تفكيرهم. الست من دول تبقى بتمثل دور الزوجة المطيعة وهي ممشية جوزها على العجين ميلخبطوش.
ياسر بجفاء:
ـ هو أنت يا ابني بتفهم منين؟! بنقولك كله من الراجل. مش معنى انك بتقدر مراتك و بتحترمها أنها تبقى ممشياك على العجين. دا تفكير غبي.
يزيد ساخرًا:
ـ و حمار كمان.
تجاهل ياسر حديث يزيد و تابع موضحًا:
ـ طب استني. حصل موقف أول ما رجعت في المستشفى ما بين غنى و هيام، و حق الله هيام هانت غنى و أهلها. و غنى انفعلت وردت عليها. وقتها انا طلبت من غنى تعتذر لهيام..
عمر ساخرًا:
ـ و رفضت طبعًا!
ياسر باختصار:
ـ لا..
عمر يتهكم:
ـ يبقى عيطت عشان تصعب عليك.
ياسر بنفي:
ـ لا بردو. غنى اعتذرت لهيام قدام والدتها و خالتها، مع العلم انها قبل ما تعتذر والدتها قالتها ادي اللي سبتينا عشانه بيدوس عليكِ. لكن غنى مسمعتلهاش و اعتذرت لهيام قدام الكل.
ناظره عمر بصدمة ليُكمل ياسر بنبرة ذات مغزى:
ـ وقتها روحت بوست راسها و اعتذرتلها كمان و رديت اعتبارها هي و أهلها. كدا انا ابقى واحد مراتي ممشياني! ولا راجل مراتي قدرتني و اشترتني وأنا بردو قدرتها و احترمتها! ابقى انهي فيهم من وجهة نظر ؟!
تدخل خالد بفخر:
ـ تبقى ريس بحق و حقيقي.
هتف رحيم يؤيده:
ـ راچل يا ياسر طول عمرك. وتيدي على أبوه.
ناظرهم عمر بضياع وهو يشعر بأن رأسه يكاد ينفجر من كثرة تزاحم الأفكار به. لا يعرف الصواب. من الخطأ! فكل هؤلاء الرجال هو يعتبرهم رموز للقوة و الجبروت، و جميعهم يعترفون بالحب ولا يتنصلون منه. وقد كان هذا الأمر مُحيرًا كثيرًا بالنسبة إليه. لينتشله من ضجيج افكاره صوت يزيد الذي هتف مُستفهمًا:
ـ طب انت يا وحش أيه رأيك في الحب هل انت مع رأي عبد الحليم حافظ دا " أشار إلى ياسر" ولا مع فريد الأطرش دا" كان يشير إلى رحيم" ولا مع الذئب البشري صلاح ذو الفقار دا؟!
كان يُشير إلى عمر ليبتسم خالد قبل أن يقول بنبرة خشنة:
ـ كل واحد بيشوف الموضوع من منظوره و بيحكم عليه من خلال تجربته، لكن عمومًا الحب دا نعمة من نعم ربنا مش كل الناس محظوظة أنها تقابله، والإنسان اللي بيعتبر الحب ضعف دا معندوش ثقة في نفسه.
تدخل عمر مُستفهمًا بلهجة حادة بعض الشيء:
ـ طب ولو كان الحب دا مش مناسب بالنسبة ليه؟
يعلم أنه سيكون قاسيًا في إجابته ولكن القسوة أحيانًا تجعل الإنسان يستيقظ من غفوته لذا قال بلهجة جافة:
ـ المناسب دا بيختلف على حسب معايير كل واحد. لكن في المطلق إن الراجل اللي عنده ثقة في نفسه مش محتاج من مراته غير أنها تكون ست بجد تملى عينه وقلبه. لأنه مش محتاج إضافة منها ليه.
توسعت عيني عمر من حديث خالد الذي تابع بنبرة قوية:
ـ مش شرط بقى أني عشان دكتور فأروح اتجوز دكتورة وإلا متبقاش مناسبة ليا. ما أنت آخر الليل مش هتاخد البالطو بتاعها في حضنك وانت نايم. صح ولا أيه؟
عمر باستهجان:
ـ أيه يعني الدكاترة ميتحبوش!
خالد بجفاء:
ـ يتحبوا بس يتحبوا عشان شخصهم مش عشان مؤهل، ولا عشان عيلة ولا رصيد في البنك. الحب المشروط دا ميبقاش حب.
كانت الكلمات كأحجار ثقيلة تستقر في قلبه الذي كان يئن من فرط الألم و العجز أمام جبروت هذا العقل المُتحجر و الذي جعله يقول مُعاندًا:
ـ على فكرة الحب مش شرط عشان الانسان يعيش يعني. في ناس بتعيش عمرها كله من غير حب و عادي..
خالد مؤيدًا:
ـ صح. مفيش حد بيموت من غير الحب. بس مفيش حد سعيد من غير حب.
شعر بأنه لم يعُد يطيق هذا الحديث لذا قرر الانسحاب حتى يستطِع الاختلاء بنفسه ليصل إلى نقطة تفاهم بين قلبه المؤيد لهذا الحديث و بين عقله الناقم عليه، فاستأذن منهم باختصار دون النظر إلى أيًا منهما و خاصةً خالد، ولكن استوقفه يزيد الذي أخذ هاتفه و توجه إلى الناحية الآخرى
لينظر إليه عمر وهو يحاول تجاهل هذه الرغبة المُلحة التي تولدت بداخله ولكنه في النهاية رضخ لها و توجه إلى يزيد الذي أغلق الهاتف وهو ينظر إليه قائلًا باستفهام ساخر:
ـ قومت ليه؟ الوتايدة حطوا عليك ولا أي؟
عمر بحنق:
ـ حط عليك قطر ياله وريحني منك. أنت ايه لسانك دا مبرد!
يزيد بتهكم:
ـ أنا لساني مبرد و أنت إيدك مرزبة كدا متعادلين.
زفر عمر حانقًا، فهتف يزيد مُستفهمًا:
ـ مالك يا عمر!
عمر بنفاذ صبر:
ـ عايز منك خدمة من غير ما تتحفني بكلامك اللي شبه وشك.
ضيق يزيد عينيه قبل أن يقول ساخطًا:
ـ حتى حقي في التنمر عليكوا عايز تحرمني منه! اطلب يا سيدي.
عمر بتوتر بسيط:
ـ أنت بتتواصل مع جميلة؟!
يزيد بترقب:
ـ على حسب بتسأل ليه؟
عمر بغيظ:
ـ اتنيل رد..
يزيد بملل:
ـ أحيانًا..
عمر بلهفة غير مقصودة:
ـ يعني معاك رقمها!
ـ أيوا؟!
عمر بلهجة آمرة:
ـ طب اتصل عليها، واعرف منها شروق رجعت ولا لا؟
لمعت عيني يزيد بالخُبث الذي لاحظه عمر مما جعله يهتف مُحذرًا:
ـ لو سمعت حرف تريقة و لااستظراف هطرملك سنانك.
زفر يزيد بحنق قبل أن يقوم بالإتصال بجميلة التي كانت تدرس ليرن هاتفها فإذا بها تجد اسم يزيد مما جعلها تتحمحم قبل أن تُجيب بنبرة رقيقة:
ـ آلوو.
يزيد بغزل متناسيًا وجود عمر:
ـ أحلى آلوو في الدنيا كلها.
لكزه عمر في كتفه وهو يناظره بتحذير ليهتف يزيد مُغيرًا حديثه:
ـ أيه يا بت أنتِ آلو دي ما تنشفي شوية..
جميلة باستنكار:
ـ نعم! انت بتكلم مين؟!
يزيد بارتباك:
ـ بكلمك هكون بكلم خيالك!
جميلة بسخط:
ـ هو أنت عبيط ولا شكلك كدا! أنت متصل تتخانق معايا..
شعر يزيد بالغضب من هذا الضخم الذي سيتسبب بإفساد العلاقة التي لم تبدأ بعد لذا حاول جعل الأمر يبدو مُزاحًا حين قال:
ـ بهزر يا جميلة. أيه مبتهزريش؟!
جميلة بحدة:
ـ هزارك شبة وشك و دمك يلطش.
اغتاظ من حديثها ليضغط على كاتم الصوت ثم التفت إلى عمر قائلًا بحنق:
ـ الهي لا يكسبك ولا يربحك يا عمر يا ابن نبيلة. تفضل واقف في الأوف سايد كدا عمرك كله..
زجره عمر بعُنف ليقوم يزيد بإعادة الصوت وهو يقول بتلعثُم:
ـ و أنتِ عاملة أي! و شروق أختك ألا هي رجعت من السفر ولا لسه؟؟
برقت عيني عمر من غباء هذا المعتوه الذي طلب منه أن يستفهم بصورة غامضة وها هو يفسد الأمر، وفي هذه الأثناء سمعت شروق صوت سيارة في الأسفل لتهتف بلهفة:
ـ استنى كدا شكلها وصلت.
يزيد باستفهام:
ـ دا بجد وصلت!
فتحت جميلة باب الشرفة لتجد سيارة راجي التي توقفت أمام باب العمارة لتهتف بلهفة:
ـ أيوا وصلت عربية مستر راجي تحت اهي سلام أنت دلوقتي.
أغلقت الهاتف في وجهه ليلتفت إلى عمر قائلًا بتشفي:
ـ لسه جايه حالًا بعربية مستر راجي.
عض عمر على شفتيه بغيظ، وهو يتمنى زوال هذا المخلوق من الوجود، وقد استعرت نيران الغيرة في صدره مما جعله يتوجه الى سيارته يقودها غير عابيء بنداءات يزيد المتكررة…
اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك♥️
★★★★★★★★
ـ اللي سمعتيه يا سوزي. جيت اسمعه الفويس ملقتهوش على التليفون.
هكذا تحدثت أشجان على الهاتف وهي تروي لسوزي ما حدث لتقول الأخيرة بصدمة:
ـ أشجان أنتِ بتقولي ايه؟ ازاي يعني ملقتيهوش! أنتِ متأكدة أن الموبايل سجل أصلًا؟!
أشجان بتعب:
ـ متأكدة و سمعت التسجيل بنفسي وبعدين اتصلت على خالد قولتله أنا جيالك، وحطيت الموبايل على الشاحن ودخلت خدت شاور و طلعت لبست و روحتله بدور على التسجيل في التليفون ملقتهوش..
سوزان بريبة:
ـ طب خالد حس بحاجة ؟!
تذكرت أشجان ما حدث قبل عدة ساعات..
عودة إلى وقتٍ سابق:
ـ الحلو بتاعي اللي نور الشركة.
هكذا قال خالد وهو يفتح ذراعيه لاستقبالها فلبت ندائه على الفور واقتربت تعانقه بقوة وهو يبادلها العناق بأقوى منه و شفتيه تلثم جبينها بحنو قبل أن يقول بشوق:
ـ قاعد أعد في الدقايق مستنيكِ عشان تيجي تحلي اليوم الطويل اللي مش راضي يخلص دا..
ابتسامة متوترة ارتسمت على شفتيها، فقد كانت تشفق عليه كثيرًا مما تنوي إخباره به، ولكن ما باليد حيلة، فيجب أن يعلم حتى يحاول التصدي لأذى هذة المرأة.
شعر خالد بأنه هناك خطبٍ ما يحدُث معها، فقد كانت عينيها كمرآة شفافة تخبره بما يحدث داخلها ليمد يده يمرر أصابعه بحنو فوق خدها الناعم قبل أن يقول بنبرة خشنة:
ـ في كلام كتير في عنيكي الحلوة عايز اسمعه..
أشجان بصدمة:
ـ هو أنا مكشوفة أوي كدا قدامك؟!
ابتسم على صدمتها ليقول بابتسامة عذبة:
ـ مش كدا. بس أنا عاشق لعيونك الحلوين و دا بيخليني أعرف أقراهم و اعرف لو مخبيين حاجة عني.
لون الخجل ملامحها لترفرف برموشها وهي تقول بنبرة خافتة:
ـ للدرجادي!
أعطاها خالد غمزة عابثة قبل أن يقول مُغازلًا:
ـ اومال. أنا مذاكرك كويس يا حلو..
ابتسمت بخجل ليقوم خالد بجذب يدها متوجهًا إلى الأريكة التي تتوسط غرفة مكتبه ليتربع الاثنين فوقها و يبدأ هو حديثه قائلًا:
ـ عايزة تقولي أيه؟ أنا سامعك.
توقفت نظراتها عليه لثوان لا تعلم كيف تبدأ بالحديث لتختار تشغيل ذلك التسجيل أولًا، فهتفت بارتباك:
ـ استنى لحظة.
أومأ برأسه لترتجف شفتيها وهي تُتمتم بخفوت:
ـ بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم.
جذبت هاتفها بأيدٍ مُرتعِشة وهي تبحث عن هذا التسجيل الذي كان دليلها الوحيد لكشف جبروت هذه المرأة، ولكن كانت المفاجأة عظيمة حين لم تجده!
تعرق جبينها من فرط التوتر و الحيرة حين لم تجده، و أخذت الاستفهامات تتقاذف في عقلها كيف اختفى و كأنه لم يكُن موجود من الأساس!
كاد عقلها أن يُجن ليلحظ خالد حالتها فمد يده يمسك ذقنها ناظرًا إلى عينيها وهو يقول بقلق:
ـ مالك يا حبيبي؟ في ايه؟
احتارت بماذا تُجيبه لتخرج الكلمات من فمها مُرتعشة رغمًا عنها:
ـ ن. نبيلة..
تبدلت نظراته الى آخرى افزعتها كما جاءت نبرته جافة حين قال:
ـ مالها! ضايقتك ؟؟
لم تعرف بماذا تُجيبه، و كيف تخبره بما حدث، لتتوتر أكثر قبل أن تهتف بلهفة:
ـ شوية. يعني . قالتلي. قالتلي أن عمر هيخطب.
تفهم الأمر و ارتباكها بهذا الشكل إذن من أجل صديقتها لذا قام بجذبها لتستقر بين ذراعيه وهو يقول بنبرة حانية:
ـ متضايقيش نفسك، و مفيش داعي انك تتوتري. أنا متفهم انك زعلانه عشان شروق، وأنا كمان زعلان عشانها و عشانه. بس هو لازم يعرف قيمتها، ولو معرفهاش يبقى هو الخسران مش هي صدقيني.
كانت في وادٍ آخر تفكر كيف حدث ذلك؟ أنه لكارثة فهذا التسجيل لو وقع في أيدي تلك المرأة الكريهة ولو علمت بأنها أقدمت على تسجيل اعترافها حتمًا ستؤذيها وعند هذا الحد اجتاحتها موجة رعب عاتية جعلتها تدفن نفسها بين حنايا صدره تبغي الشعور بالأمان..
عودة إلى الوقت الحالي
ـ أنا هتجنن يا سوزي. محدش يعرف بموضوع التسجيل دا غيرك. مين حذفه! حاسة عقلي هيشت.
هكذا هتفت أشجان بقهر لتهتف سوزي مؤنبة:
ـ كنتِ استغليتي الموضوع و قولتيله وخلاص!
أشجان باستياء:
ـ بتقولي ايه يا سوزي ؟ هو الموضوع بالبساطة دي؟ أروح أقوله أختك قالتلي انها قتلت مراتك و ابنك؟! من غير حتى دليل واحد يخليه يقتنع؟ دا غير أنه حتى لو صدقني أنا كدا ابقى قلبت البيت حريقة، و لا عمر ولا عز هيتحملوا اتهام زي دا عليها. و نبيلة عمرها ما هتسكت و وارد تأذي خالد نفسه. لازم يكون معايا دليل يخليها متقدرش تتكلم ولا تنفي التهمة عن نفسها. ولا يخلي حد منهم يقدر يدافع عنها.
سوزي بتفكير:
ـ طيب خلينا نفكر بالعقل. لو دي نبيلة اللي عرفت انك سجلتيلها مش معقول هتكتفي بأنها تحذف التسجيل! على الأقل هتهددك أنك متعمليش دا تاني. اللي حذف التسجيل دا حد عايز الحقيقة تموت أو تتأجل!
أشجان باستفهام:
ـ تتأجل!
سوزان بتوضيح:
ـ أيوا تتأجل. حد له مصلحة أن نبيلة متتكشفش دلوقتي.
أشجان بتعب:
ـ أنتِ لخبطيني أكتر.
قطع حديثهم صوت طرق على باب غرفة أشجان التي رغمًا عنها انتفضت مكانها لتهتف بلهفة:
ـ مين؟!
أطلت نجاة من باب الغرفة وهي تقول بمرح:
ـ أني يا خزان الأحزان..
ابتسمت أشجان باطمئنان قبل أن تنهي الحديث مع سوزان وهي تهتف بترحيب:
ـ تعالي يا نوجا.
دلفت نجاة إلى الداخل لتجلس على الأريكة بجانب أشجان التي قالت بحبور:
ـ مش مصدقة انك قاعدة قدامي. وحشتيني أوي..
نجاة بسعادة:
ـ ولا أنا والله يا شوشو. حاسة كني بجالي سنين مشوفتكيش. متوحشاكي جوي أنتِ و باجي البنات..
ـ أن شاء الله لازم نتجمع كلنا وحشتني لمتنا أوي..
هكذا تحدثت أشجان لتُجيبها نجاة بمرح:
ـ بإذن الله. ألا جوليلي هي مين الولية الملمعة المقمعة اللي جاعده تحت و فارشه و لا أكنه بيت أبوها!
برقت عيني أشجان التي ارتعبت أن تكون نبيلة هي التي تجلس بالاسفل، فقد كانت تخشى رؤيتها ظنًا منها أنها قد تكون من حذفت هذا التسجيل. ليدق باب الغرفة فانتفض جسد أشجان و خرجت منها شهقة قوية جعلت نجاة تهتف بلهفة:
ـ في أيه يا أشچان اتفزعتي أكده ليه ؟
أشجان بارتباك:
ـ لا . ولا حاجة. مين؟
جاءها صوت الخادمة التي هتفت باحترام:
ـ رحيم بيه كان بيسأل عن الست نجاة، وبيستعجلها..
هدأت دقات قلبها قليلًا لتربت نجاة على يدها وهي تقول بريبة:
ـ أنتِ مش عچباني. لكن ده مش وقته نتكلم. بس اعملي حسابك هتقري بكرة و تحكيلي ايه اللي لبشك أكده.
أشجان بقلة حيلة:
ـ لما ييجي بكرة أن شاء الله يبقى ربنا يحلها يا نجاة.
اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين، وقهر الرجال ♥️
★★★★★★★★★
كانت نائمة على مخدعها تحتضن نفسها وهي تنظر إلى البعيد بعينين يتلئلئ بهم الدمع ولكنه يأبى السقوط، فقد كانت تعلم بأنه مُحق ولكنها تتألم و لم تستطِع سماعه يتحدث بهذه الطريقة على المرأة التي تسببت في هدم حياتهم و التي تحايلت و خدعتها و بسببها عاشت الجحيم على الأرض.
لقد كان قاسيًا عليها اليوم كثيرًا وهذا ما لم تعهده منه لذا تألمت بقوة و رفض عقلها تصديق ما حدث لتلجأ للنوم الذي ترأف بحالها ليجرفها في غفوة طويلة استيقظت منها ولم تجده في البيت، وقد أغضبها هذا الأمر كثيرًا و لأجل ذلك قررت أن لا تُمرر الأمر على خير..
طرقة قوية على باب الغرفة أفزعتها ولكنها هدأت حين سمعت صوته في الخارج مما جعلها تهب من مكانها تمحو عبراتها بقوة، وقد قررت تلقينه درسًا لن ينساه لتقوم بالتوجه إلى طاولة الزينة و وضع بعضٍ من مساحيق التجميل البسيطة حتى تمحي هذا الصورة الباهتة التي رأتها في المرآة قبل أن تمشط خصلات شعرها بيدها لتُزيد من توهجهم. ثم اندفعت إلى الباب لتفتحه و تناظره بجمود لترى بعينيها كيف تبدلت ملامحه، فقد كان ينوي الثبات على موقفه حتى تعود إلى رشدها و تتفهم أن ما فعلته خطأ، ولكن مظهرها الرائع و فتنتها الواضحة كانا لهم تأثيرًا ضاريًا عليه، فالتمعت عينيه بوهج العشق و الأعجاب غير أن جمودها جعلوه يعود لارتداء قناة الجمود الذي شاب نبرته حين قال:
ـ عايز اتعشى.
لم تُجيبه انما توجهت إلى المطبخ لتبدأ في تحضير الطعام في صمتٍ أغضبه ليتقدم ويقوم بلكزها في كتفها قاصدًا استفزازها وهو يقول:
ـ اعمليلي بيض بالبسطرمة.
لم تُجيبه انما شرعت بجلب البيض من الثلاجة لتنفيذ طلبه ليحاول قمع ابتسامته على غضبها ثم هتف بجفاء:
ـ و عايز جبنة بقوطة.
غنى من بين أسنانها:
ـ اللهم طولك ياروح..
ياسر باستفزاز:
ـ و حطي عليها خيار..
بلغ الغضب منها ذروته لتلتفت هاتفة بحدة:
ـ مش عايز أدعكلك رجلك بالمرة!
اقترب منها يحاصرها بيديه اللذان وضعهما حول طاولة المطبخ وهو يقول بتخابُث:
ـ الصراحة عايز.
قربه بهذا الشكل أضرم الرجفة في سائر أوصالها ليقوم بمعانقة خصرها وهو يُديرها إليه قائلًا بنبرة عابثة:
ـ و بصراحة اكتر الخصام دا مش جاي معايا سكة. خلينا نتصالح.
غنى بجفاء:
ـ مبتصالحش.
ياسر باستنكار:
ـ نعم ! دا ازاي يعني؟!
غنى بتهكم غاضب:
ـ زي السكر في الشاي.
يعلم كم هي غاضبة منه وقلبه لا يرتضي حزنها أبدًا لذا قال يشاكسها:
ـ طب خليكِ جدعة و شيلي الوش الخشب دا وتعالي نقعد نتكلم كلمتين فيهم المفيد
تشدقت ساخرة:
ـ كان على عيني والله بس انا مصدعة و عايز أنام بدري..
بدأ الغضب يزحف إلى داخله ليهتف مُحذرًا:
ـ عدي ليلتك يا غنى وخلينا نقعد ونتفاهم.
عاندته قائلة بجفاء:
ـ لا معلش مصدعة. ماليش مزاج اتكلم..
ياسر بحدة:
ـ يعني عايزة تفضلي ملوية كدا!
أرادت القصاص منه فتغنجت قائلة:
ـ مين قال اني ملوية! مانا أهو زي الفل أنت اللي مش شايف..
ضيق عينيه وهو يناظر ملامحها التي يعشق قبل أن يقول بتحسّر:
ـ ورحمة أبويا شايف. بس للأسف ممنوع عليا اللمس أو الاقتراب.
هتفت بتشفي:
ـ أحسن. اتفضل العشاء.
ناولته الصينية المُستديرة ليأخذها منها و يضعها فوق طاولة المطبخ وهو يهتف بحدة:
ـ خلاص شبعت.
توسعت عينيها غضبًا لتهتف مستنكرة:
ـ والله! يعني أنت مصحيني من النوم وجاي تقولي شبعت!
تراجع ساخطًا ليخرج إلى الصالة وهو يقول مُحذرًا:
ـ اعمليلك قفلة وروحي نامي يالا..
تبعته وهي تصيح حانقة:
ـ تصدق انا غلطانه اني رديت عليك و قومت اعملك حاجة..
كانت جميلة حد الفتنة وهو يشتاقها حد الجنون لذا حاول عدم الالتفات إلى جمالها و رغبته بها، فهتف مُحذرًا:
ـ وهتبقي غلطانه اكتر لو فضلتي واقفة تعانديني كدا . عشان أنا على آخرى منك ومش ضامن نفسي.
لم تعي المعنى خلف حديثه، فقد كانت غاضبة مما حدث هذا الصباح لذا صاحت بتحدي:
ـ لا والله! طب انا واقفة بقى و عايزة اعرف يا ياسر هتعمل فيا أيه؟!
لم تكد تُكمل جملتها حتى وجدته يقترب ليُجهز على ما تبقى من حديثها يروي شوقه الجارف لها، دون أن تستطِع المقاومة ولا حتى التحرك خطوة واحدة فقد باغتتها فعلته، ليبتعد عنها وهو يهمس بنبرة مُتحشرجة تحكي مقدار لوعته:
ـ حبك دا عامل زي ما يكون ذنب و أنا طول الوقت بكفر عنه.
آلمتها جملته، فهي لم تكن تتخيل كم يعشقها و يشتاق لها ولكنه يخاف عليها بقدر الاثنين غير أنها لم تتفهم ذلك لذا هتفت غاضبة:
ـ أنا لو مكانك بقى اتخلص من الذنب دا و اريح دماغي.
تراجعت عنه تنوي الدلوف إلى الداخل ليجذبها من يديها وهو يهتف بمزاح:
ـ خدي يا بت هنا. اتخلص منه أيه؟ دا لو على موتي يا بت مرزوق مسبكيش.
عاندته قائلة:
ـ مش بمزاجك.
ضاق ذرعًا من خصامها و من كل ما يحدث بينهم لذا قال بجدية:
ـ طب تقول كلمتين يا غنى عشان ننهي الفيلم الهابط دا. أنا مبقدرش آجي على اللي مني. لو قطعنا بعض أنا وهيام مش هاجي عليها قدام حد. حطي دا في دماغك.
بالرغم من أنها تقر بصواب حديثه ولكنه يغضبها لذا قالت بجفاء:
ـ حطيته حاجة تانية؟
تابع حديثه بسخط من جفائها:
ـ و تحطي في دماغك اني مابحبش العند، ولا الاندفاع دا. يعني تقعدي تتكلمي زي الناس. انما تتلوي و تتفردي و تتني كدا دا ميعجبنيش.
كظمت غيظها من حديثه وهتفت بلهجة حادة:
ـ حاضر حاجة تاني؟
ياسر بحدة زائفة:
ـ و تحطي في دماغك اني بموت فيكِ و مقدرش تزعلي مني.
رغمًا عنها لانت ملامحها و ارتسمت ابتسامة جميلة على ثغرها، فحاولت الهرب من براثن عينيه التي تغازلها بطريقة تُشعِل النيران بداخلها لتجده يُعيد أنظارها اليه وهو يقول بنبرة خشنة:
ـ تعرفي عن ياسر أنه ممكن يقل مع اللي منه يا غنى!
بدأ عقلها يعمل بعيدًا عن تأثير الغضب لتُجيبه بصدق:
ـ لا. بس الكلام حرق دمي يا ياسر.. انا بسببها شفت عذاب الدنيا والآخرة..
شدد من احتوائها وهو يقول بعتب:
ـ ولما اتكلم عن اختي وحش قدام جوزها العذاب دا هيتمحي؟!
ـ لا..
ـ طيب كنتي هتفرحي لو قولتله دي فيها وفيها وفيها! كانت صورتي هتفضل زي ما هي في عنيكِ!
هكذا تحدث لتُدرك أنه كان مُصيب في حديثه لتقول بخفوت:
ـ أنا مفكرتش في كدا..
مد يده يحتوي وجهها بين يديه وهو يقول بنبرة حانية:
ـ اسمعيني يا بنت الناس. اللي بيراعي ربنا في أهله بيراعي ربنا في مراته. واللي يقل من أهله اللي من دمه و يقطع فيهم مهما كانت وحاشتهم دا مالوش أمان.
كان مُصيبًا فلم تعترض انما قالت بخفوت:
ـ ماشي يا ياسر.
ياسر بنبرة عاشقة:
ـ لسه زعلانه مني؟
تغنجت قائلة:
ـ شوية..
اقترب يُلثم جبينها بحنو قبل أن يقول:
ـ طب حقك عليا..
كان دلاله لها مُغريًا لذا تعمدت تصنع الحزن لتذم شفتيها مما جعله يقول بنبرة تقطر عشقًا:
ـ طب بحبك..
اخفضت رأسها بدلال وهي تقول بنبرة خافتة:
ـ خلاص بقى..
ياسر باستفهام:
ـ اتصافينا!
غنى بخجل:
ـ اتصافينا.
أطلق زفرة قوية من داخل جوفه وهو يقول بصدق:
ـ زعلك دا غالي عليا أوي، ومقدرش تباتي يوم زعلانه مني.
رفعت رأسها تعاتبه قائلة:
ـ أنا ليا عتب كبير عليك يا ياسر. ليه منعتني اني اروح أشوف بابا؟!
ياسر بتوضيح:
ـ لا ممنعتكيش. بس اتضايقت انك عايزة تروحي لوحدك، و أنتِ عارفة اني مابحبكيش تخرجي لوحدك أبدًا.
ـ ليه بقى ؟
ياسر بنبرة عاشقة:
ـ بغير على الغريبة بتاعتي.
دغدغ حديثه حواسها لتهتف غنى بخفوت:
ـ عارف أنا مشكلتي معاك أيه؟
ـ ايه؟
ـ انك بتعرف تثبتني!
ابتسم ياسر على حديثها قبل أن يقول بتحسّر:
ـ اتقي الله هو انا لو بعرف أثبتك كان زمان دا حالي! يالا عشان نتعشى. شكلنا هتفضل مقضينها أكل وبس..
غنى بتشفي:
ـ احمد ربنا.
ياسر بسخط:
ـ حسبي الله ونعم الوكيل.
غنى بصدمة:
ـ فيا؟!
تجاهل استفهامها قبل أن يقول بجمود:
ـ عمر حجزلنا مع دكتورة زميلته و اعملي حسابك احنا بايتين في حضنها لحد ما تخفي أحسن وعهد الله هرتكب جناية هنا..
ابتسمت على حديثه بل و تعالت قهقهاتها ليطالعها بحُب قبل أن يقوم بجذب رأسها ليحتويه بين ضلوعه، فهاهي الحياة عادت لتبتسم له بعد أن رأى ابتسامتها العذبة..
ـ أيه روحتي جعدتي مع صاحبتك و جولتي عدولي؟!
هكذا تحدث رحيم يشاكس نجاة التي كانت تنظر إلى المكان بريبة، وكل دقة من دقات قلبها ترتجف ترقبًا ورهبة، فقد كانت غرفة نوم كبيرة، ولكن بها سرير واحد، وقد شعرت بإنسحاب الدماء من أوردتها و عقلها يرفض الأمر رفضًا قاطعًا مما جعلها تقول بارتباك:
ـ ما اجعد وياها. عايز مني ايه اياك ؟!
رحيم باستنكار:
ـ عايز منك ايه! هو أني لاقيكي في الشارع ولا اي! اني مستغناش عنك يا نجاة..
تعاظم ارتباكها وجف حلقها من حديثه و عينيه التي تشملها بنظرات تبعث الرهبة بداخلها مما جعلها تتجاهل حديثه قائلة بتوتر:
ـ اني معيزاش انام. نام انت واني هجعد مع أشجان شوية نتحدتوا..
شعر برغبتها في التهرب منه لذا قال ساخطًا:
ـ على أساس أن خالد هيسيبها عادي أكده تسهر و تسيبه! وبعدين في موضوع مهم عايز اتكلم فيه وياكي.
رفعت رأسها تطالعه لتقول بريبة:
ـ موضوع ايه؟
لا يعلم لما استفزته ريبتها و طريقتها ليشبك يديه خلف ظهره وهو يتقدم منها بخطوات سُلحفية بثت الذُعر بداخلها لتتراجع هي إلى الوراء إلى أن اصطدمت بالحائط خلفها ليستغل الفرصة و يقترب واضعًا يديه على الجدار حولها مما جعلها تهتف بذُعر:
ـ في أيه؟
كانت تخفض رأسها مما جعلها يقول بنبرة عميقة:
ـ بصيلي.
رفعت رأسها تطالعه بترقب لتشملها عينيه بنظرات عاشقة قبل أن يقول بنبرة تقطر ولهًا:
ـ لجل عنيكِ الحلوين دول اني وافجت انفذلك طلبك، وكلمت خالد يشوفلنا مهندس عشان نبدأ نبني المدرسة اللي أنتِ عيزاها.
برقت عينيها من فرط الصدمة التي تحولت إلى فرحة غامرة تجلت في نبرتها حين قالت:
ـ بجد يا عمدة!
رحيم بنبرة رخيمة:
ـ بجد يا ضي عنين العمدة.
جملته أصابت منتصف قلبها الذي تناحرت دقاته ما بين عشقٍ و خوف مما جعل نبرتها تخرج مرتبكة حين قالت:
ـ أنت عتجول ايه ؟!
اقترب رحيم حتى أوشك على ملامسه أذنيها ليقول بنبرة خشنة:
ـ أنتِ سمعيني زين. بس وماله نجول تاني. بجولك يا ضي عنين العمدة اني هبنيلك المدرسة اللي عيزاها، ومش بس أكده انا هچيبلها أحسن مدرسين عشان اللي تدخلها تتعلم صوح، و تطلع منيها تدعي لست البلد كلاتها.
اعتلت ثغرها ضحكة خجلة لكلماته العذبة لتخفض رأسها مما جعله يقول باعتراض:
ـ لاه. بقى اني هعمل كل دا و أنتِ عتبخلي عليا بالضحكة الحلوة دي!
همست بخجل:
ـ بزيداك تخچلني!
رحيم بنبرة متوعدة:
ـ لاه. احنا لازمن نطردوا الخچل ده من الدار خالص.
رفعت رأسها بلهفة وهي تهتف مذعورة:
ـ أنت عتجول ايه؟
لم تفلح في إكمال جملتها حتى وجدته يقوم بحملها لتشهق بصدمة وهي تراه يتوجه بها إلى مخدعهم وهو يقول بنبرة لا تقبل الجدال:
ـ ورايح ده مكانك اللي هتنامي فيه و تصحي فيه.
ضربت الرعشة سائر جسدها قبل أن تهمس بخفوت:
ـ رحيم..
تسطح بجانبها يضع رأسها فوق ذراعه وهو يقول بنبرة صادقة:
ـ وعد مني مش هجرب منيكِ غير برضاكي. لكن متحرمنيش اني ارتاح جارك.
كلماته الرائعة سرت كنهرٍ عذب بين أوردتها مما جعلها تبتسم بخجل انتزع قلب رحيم من موضعه ولكنه لم يخلف وعده معها أبدًا لذا قال بنبرة خشنة:
ـ تصبحي على خير يا ست البنته كلاتها…
اللهم رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك. شيء اقض عنا الدين وأغننا من الفقر ♥️
★★★★★★★★★★
كان كالتائه الذي لا يعرف بأي أرضٍ يقف، ولا يعلم أيًا من الديار ستحتويه يرغب بشيء بعيد كل البعد حتى عن أحلامه، ويحيا واقع يرفضه كل خلية به إلا من عقلًا متمرد لا ينفك عن المقاومة لأجل باطل يتنكر له القلب.
أخيرًا أوقف سيارته أمام المطعم الخاص بسوزان و عينيه تشملان المكان بنظرات ضائعة مُشتاقة و حديث أولاد عمومته يرن بأذنيه كالصواعِق.
ترجل من السيارة حالما رأى نورًا قوي يأتي من داخل المطعم لتقوده قدماه إلى الداخل، فإذا به يشُم رائحة شهية تأتي من المطبخ، فتحمحم قبل أن يدلف إلى الداخل ليجد سوزان تلتفت ناظره إليه وهي تقول باندهاش:
ـ عمر!
عمر بحرج:
ـ ازيك يا سوزي..
توجهت إليه بعكازها وعلى وجهها ابتسامة مُتحفظة وهي تُجيبه:
ـ أهلًا يا عمر اتفضل.
أشارت إليه لها إلى الخارج و يجلس على المقعد حول أحد الطاولات بعد أن ساعدها بالجلوس لتقول بنبرة هادئة:
ـ نورت المكان.
عمر بنبرة متعبة:
ـ الحقيقة المكان هنا منور دايمًا ويمكن دا اللي بيخلي الواحد ييجي عليه من غير ما يحس..
ابتسمت سوزان بهدوء قبل أن تقول:
ـ تعرف. أنا أول مرة أسهر هنا لدلوقتي. بس حسيت إن في حد هييجي.
رفع رأسه يطالعها بحيرة هل يشكو إليها تخبطه وحيرته و ألمه؟ هل يخبرها أنه ما أتى إلا مشتاق و بقلبه لوعة تحجب عنه الراحة! لا إراديًا التفت ناظرًا إلى الجهة الآخرى ينظر إلى هذه الشرفة، ويتمنى لو أنه يلمح طيفها، لتطالعه أعين سوزان بشفقة قبل أن تُقرر التطرق إلى منتصف الأمر قائلة:
ـ سمعت أن خطوبتك آخر الأسبوع مبروك. فرحتلك من قلبي.
نجحت كلماتها في إضرام الدهشة بداخله للحد الذي جعلها تلون ملامحه و تحتل نبرته حين قال:
ـ فرحتيلي من قلبك!
سوزان بهدوء وبساطة زادت من ادهاشه:
ـ أه طبعًا فرحتلك. الحقيقة أنا بفرح لأي شخص ياخد خطوة زي خطوة الارتباط دي، و خصوصًا في الزمن دا.
لا يعلم لما شعر بأن الأمر مؤلمًا! هل لأنها من الواضح أنها غير مبالية لأمر زواجه، وهو يعلم بأنها أصبحت بمثابة أم لها ومن المفترض أن تحزن لحزنها! ولكن هنا يخرج استفهام مرعب وهو أن أمر زواجه لا يُعد أمرًا مؤلمًا بالنسبة إليها، ولهذا فسوزان صادقة!
شعر بقبضة قوية تمسك بقلبه من خافته وهو يتخيل أنها لم تعُد تهتم لأمره، أو أنه أصبح شخصًا عاديًا بالنسبة إليها، وقد استنكر عقله هذا الشيء لذا وجد نفسه يقول بنبرة يغلب عليها التحدي:
ـ يعني لو عزمتك على خطوبتي هتيجي ؟!
صمتت سوزان للحظة تتذكر ما حدث قبل ساعة من الآن
عودة إلى وقتٍ سابق
ـ راجي عايزني اروح معاه خطوبة عمر..
هكذا تحدثت شروق بنبرة لا روح فيها لتشهق آسيا بصدمة:
ـ هو المتخلف دا هيخطب!
تخطى الأمر بداخلها حدود الألم، فقد كان مُريعًا ولكنها لازالت تحافظ على رباطة جأشها لتقول سوزان بهدوء:
ـ ليه طلب منك الطلب دا؟
شروق بنبرة مُشجبة:
ـ واحنا مسافرين طلب إيدي في الطيارة، و أنا قولتله هفكر، و لما جتله دعوة الخطوبة سألني هو إذا كان لسه بيفرق معايا ولا لا؟ وأنا طبعًا قولتله له، ولما سألته بيسأل قالي أنه جاله دعوة خطوبة عمر آخر الأسبوع.
آسيا بلهفة:
ـ و بعدين ؟
شروق بنبرة تتضور ألمًا:
ـ مش هنكر اني حسيت و كأن في سكينة اتغرزت في قلبي بس كالعادة كان لازم مبينش، وقولتله أن أنا وعمر عمرنا ما كنا لبعض وان جوازنا كان غلطة، و اتصححت. بس هو معرفش مصدقنيش ولا حابب يتأكد لقيته بيقولي أنه عايزني اروح معاه.
سوزان باستفهام:
ـ بصفتك أيه؟
شروق بسخرية مريرة:
ـ مديرة مكتبة أو أقرب صديقة ليه؟! أو اريحه و أقبل عرضه و اروح معاه بصفتي خطيبته. دا بالظبط اللي قاله..
آسيا باندفاع:
ـ يخربيته دا مصطبح ولا اي؟ طب و رديتي عليه قولتي ايه؟
سقطت عبرة يتيمة من طرف عينيها وهي تُجيبها بنبرة مـلتاعة:
ـ قولتله اني مش حابة اتقابل بالعيلة دي تاني. بس وعدته اني هفكر.
اهتاجت آسيا وهتفت مغلولة:
ـ لا ركزي معايا كدا و اتعدليلي الواد دا عايز يتأدب. أنتِ بقى لو بنت جدعة تلبسي أشيك فستان عندك، و تعملي احلى ميكب و تروحي و أنتِ ايدك في ايد راجي تقهري ابن نبيلة وتيجي. و يبقى يفرح بالسلعوة اللي خطبها دي..
شروق بنبرة جريحة:
ـ ماهو مش لوحده اللي هيتقهر يا آسيا. أنا ببان قدام الناس جامدة بس التظاهر بأنك بخير و أنتِ من جواكي بتنزفي دا شيء صعب. صعب أوي.
اقتربت آسيا منها تعانقها بقوة لتبكي شروق بألم جعل سوزي تشعر بالتعب مما جعلها تتوجه إليها لتربت على خصلات شعرها وهي تنظر إلى آسيا نظرات ذات مغزى لتتراجع الأخيرة و تهتف سوزي قائلة بحنو:
ـ نامي يا حبيبتي و ارتاحي دلوقتي، و أن شاء الله على ما تصحي بكرة نكون فكرنا و شوفنا هنعمل أيه؟
عودة إلى الوقت الحالي
ـ طبعًا هاجي، ومش بس كدا. دانا هعملك حاجة حلوة بإيدي كمان.
اغتمت ملامحه وشعر بالألام تتفشى في سائر جسده، فمن الواضح بأنها قد محته من حياتها، ولم يعد يؤثر بها، فحديث سوزان يؤكد هذا الأمر كما جعله يحاول اغتصاب ابتسامة باهتة وهو يقول بنبرة مُتحشرجة:
ـ هستناكي. عن اذنك.
اللهم إن كان رزقي في السماء فأنزله، وإن كان في الأرض فأخرجه، وإن كان بعيداً فقربه، وإن كان قريباً فيسره، وإن كان قليلاً فكثره، وإن كان كثيراً فبارك لي فيه ♥️
★★★★★★★★★
مر يومان وقد آتى اليوم الموعود لتهتف سوزان بنبرة آمرة:
ـ هتروحي يا شروق و هتثبتي للناس دي كلها أن الموضوع دا مأثرش فيكِ و هتخليه يشوف نفسه ولا حاجة في عنيكِ و يشوفك جنب واحد بيحبك و روحه فيكِ.
شروق بصدمة:
ـ سوزي. أنتِ اللي بتقولي كدا؟!
سوزان بجمود:
ـ أيوا. آسيا عيزاكي تطلعيها النهاردة عروسة..
هكذا قالت وهي توجه أنظارها إلى آسيا وقد كانت عينيها تلمع بالخُبث مما جعل شروق تهتف باستنكار:
ـ سوزي أنتِ بتقولي أيه؟
سوزان بغموض:
ـ بقول اللي سمعتيه، وأتأكدي يا شروق انك مش هتخرجي من المكان دا غير وأنتِ منتصره.
مر الوقت وقد كان خالد يقف بوجه جامد و ملامح مُغبرة يستقبل المدعوين وبجانبه عز الدين و كمال الذي خاطبه خالد قائلًا:
ـ بقولك ايه انا هروح أجيب سوزي، وانت خليك هنا مكاني!
لا يعرف من أين خرج هذا الشيطان بداخله والذي صرخ مُفصحًا عن شوقًا ضاريًا يجتاح سائر كيانه مما جعله يقول بلهفة:
ـ لا خليك أنت. مينفعش تسيب الناس وأنا هروح أجيبها وآجي.
لم يفت عليه ما يحدث مع كمال لذا لم يعترض انما اومأ برأسه بالموافقة لينطلق كمال الذي كان يدعس على دواسة البنزين بغضب وكأن عقله يُعنفه على اندفاعه، وهو يحاول خلق المبررات له، ولكن حالفه الحظ و وصل بسرعة إلى مطعم سوزان ليتوجه إلى الباب الرئيسي ليُصدم عندما شاهدها تجلس على أحد الطاولات وهي تهتف حانقة:
ـ رايح يخطب ابن نبيلة! فاكر نفسه مين! توم كروز ولا براد بيت! بكرة يضرب نفسه بالجزمة و يقول ياريتني.
كانت الغضب يمضغ تقاطيعها لتهتف بغل:
ـ شايفة نفسه الواد اللي مفيش منه قال ايه عشان وتيدي! كان يوم أسود يوم ما شوفنا الوتايدة دول! فاكرين نفسهم مفيش منهم، وهما أصلًا معقدين و توكسيك. قال وتيدي قال! حصلنا الرُعب يا سي وتيدي!
من شدة غضبها لم تكُن ترى نظرات سوزان التحذيرية، ولكنها سرعان ما صُدِمت حين سمعت ذلك الصوت الغاضب القادم من الخلف:
ـ حقك تترعبي فعلًا!
انتفضت تستدير بحدة حالما سمعت صوته لتفزع حين تأكدت من كونه خلفها و من الواضح أنه استمع الى كل ما قالته لتخرج منها شهقة فزع مما جعلها تهب من مكانها لتقف على قدمها المجروحة، فخرجت منها صرخة ألم قوية جعلته يهرول تجاهها هو وسوزان ولكنه كان اقرب، فحالت يديه دون وقوعها أرضًا لتصطدم عينيه الغاضبة بخاصتها المصدومة المتألمة ليقوم بإسنادها لتجلس على المقعد ثم اعتدل واقفًا وهو يقول بتقريع:
ـ دا عقاب من ربنا عشان تبطلي تجيبي في سيرة الناس.
اغتاظت من حديثه فتجاهلت ألمها لتتشدق ساخرة:
ـ اتعاقب لما أكون قولت حاجة غلط..
كمال بوعيد:
ـ والله! يعني احنا توكسيك!
لم يرعبها وعيده إنما أضافت بجرأة:
ـ و معقدين..
كمال بنبرة جافة:
ـ كمان!
آسيا بحنق:
ـ أيوا بالظبط.
ـ في أيه انتوا اللتنين! ولا عاملين لوجودي اعتبار!
هكذا هتفت سوزي بحدة مما جعل كمال يقول بوعيد:
ـ والله يا سوزي انا لو مش عامل لوجودك اعتبار كان هيبقى رد فعلي صادم.
اغتاظت منه، فقد جاء في وقتٍ كانت تغلي من شدة الغضب من ابن شقيقته وما فعله بصديقتها، و أيضًا أتى بكل هذه الأناقة و الوسامة المهلكة مما جعلها تستدير إلى الجهة الآخرى، تحمي عينيها من الوقوع في طغيان هيبته و رجولته المطعمة بالقسوة لتسمع صوت سوزان تقول:
ـ خالد مقاليش أن انت اللي هتيجي تاخدني!
كمال بجمود:
ـ خالد مشغول باستقبال الناس.
تمتمت آسيا بحنق:
ـ يارب القاعة تولع بيك يا عمر يا ابن نبيلة.
لم يستمع إلى ما تقول جيداً ولكن من الواضح أنها غاضبة، وقد حاول رفع عينيه عنها، فقد كانت ترتدي بنطلونًا ضيقًا كاللعنة وبلوزة وردية تبرز لون بشرتها الرائع كما كانت ترفع خصلات شعرها في كعكة مهملة، ولكنها مكنته من رؤية رقبتها النحيلة بوضوح، كانت فاتنة بدرجة جعلته أقرب إلى الجنون لذا أراد الهرب حتى يُفلِت من بين براثن سحرها ليقول بجمود:
ـ جهزتي خلاص؟!
سوزان بهدوء:
ـ أه خلصت يالا بينا..
تحدثت آسيا التي كانت تُعطيهم ظهرها بحنق:
ـ متنسيش تاخديله التورتة، و ابقي لبسيهاله في وشه.
قالت جملتها الأخيرة نبرة خافتة ولكنها وصلته، و لسبب لا يعلمه شعر بأنه يريد الضحك على حديثها ولكنه لم يفعل ليجد سوزان تتقدم وهي مازالت جالسة بمكانها ليقول باستفهام:
ـ هو أنتِ مش هتقفلي المحل؟!
سوزان باختصار:
ـ آسيا هتبقى تقفله.
لم يُعجبه الأمر، فلن يجازف بأن يراها أحد بهذه الملابس كما أنه لا يريد أن يراها أحد من الأساس ليتقدم تجاه سوزان وهو يقول بجفاء:
ـ أنا هقفل المحل و هنمشي..
لم يجد منها أي حركة و كأنها كانت تعانده لتحاول سوزان تهدئة الموقف قائلة:
ـ طب يالا وانا هكلم جميلة تنزل تقفله و تسند آسيا لحد فوق..
لم تستمع لإجابته ولكنها سمعت صوت خطواتهم تغادر لتشعُر برغبة قوية في البُكاء وقد أطاعتها لتسقط عبراتها بغزارة لا تعلم أن كانت شوقًا أو ألمًا أم هي نداء صامت له كي يعود لأجلها، ولكنها لا تعلم بأنه يشاركها أعمق أحاسيسها. فقد اجلس سوزان بالسيارة و عاد إليها ليتفاجيء بأنها تبكي!
شعر برغبة مُلحة في احتضانها و اخبارها بأنه يعشقها رغم كل هذا الألم، و الشعور بالخذلان الذي ناله منها، ولكنه قمع رغبته خلف ستار الجمود الذي شاب لهجته حين قال:
ـ يالا عشان هقفل المحل.
انتفضت في جلستها، فلم تتوقع أن يعود مرة آخرى لتستدير ناظره إليه باندهاش تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ أنت أيه اللي رجعك؟!
كان مظهرها تحدي قاتل لثباته ولكنه خسر بسببها مرة و لن يُكررها لذا قال بجفاء:
ـ ما أنتِ سمعتي..قولتلك هقفل المحل.
اغضبتها لهجته لذا لم تُجيبه إنما تحاملت على نفسها و حاولت النهوض ليُفاجئها للمرة التي لا يعرف عددها حين مد يده يساعدها، ولكنها باغتته و نزعت يدها من بين يده وهي تقول بجفاء:
ـ متتعبش نفسك انا هعرف امشي لوحدي.
ضغط على أسنانه بقوة يحاول تهدئة غضبه الذي تُثيره ببراعة ليهتف بأنفاس مُلتهبة و كأنها لهب جهنم:
ـ اتسندي عليا خليني أوصلك. أنا مش فاضي للدلع دا..
اغتاظت من وقاحته وهتفت بحدة:
ـ دا اللي بقوله بالظبط. الحق مواعيدك أنا مش محتاجة مساعدتك أصلًا!
لا يعلم لما تذكر بداية علاقتهم و تلك المعارك الكلامية التي كانت تنشب بينهم حالما يتواجدون بمكان واحد وكأن الهواء من حولهم يحترق، ولكن اتضح أن الوحيد الذي احترق كان هو!
ضيق عينيه بغضب و هتف متوعدًا:
ـ تعرفي أن الأدب عمره ما جاب معاكِ نتيجة! عشان كدا هلغيه من قاموسي خالص.
جذب المقعد الذي يفصل بينهم ليقذفه إلى الجهة الأخرى بقوة وهو يقترب منها ينوي حملها لتتراجع بذُعر وهي تقول بلهفة:
ـ خلاص خلاص همشي معاك.
رفع أحد حاجبيه لتقوم هي بمد يدها إليه وعينيها أسيرة لعينيه فامتدت يده تلقائيًا تحتوي كفها و التفتت يده الآخرى تحيط ظهرها لتشعر بنفسها قريبة منه إلى درجة كبيرة جعلت الشوق يزحف إلى صدرها الذي يعبأه الألم مما جعلها تقول بتعب:
ـ أنت بتعمل كدا ليه يا كمال؟
وهل يجرؤ على الإجابة؟! يعشقها حد الجنون و يرفض قربها حد الهلاك، وهو حائر مُمزق لا العقل يصفح ولا القلب ينسى، ولا الألام تهدأ. يكفيه بعض اللحظات المسروقة من الزمن و التي تخلقها الصدف ليتنعم بقربها ولو ظاهرياً كان يرفضه.
طال صمته لترفع رأسها تناظره بألم تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ أنت كدا بتاخد حقك مني، و بتردلي اللي عملته بأنك تعذبني بالشكل دا؟!
كانت لحظة ضعف مسروقة من الزمن جعلته يستند بجبهته فوق خاصتها ليعبأ صدره بالهواء المُحمل برائحتها العذبة عل ذلك يُطفيء تلك الحرائق المُندلعة بداخله ليقول بنبرة مُلتاعة:
ـ عارفة يا آسيا أنا لو فكرت للحظة أني آخد حقي منك، و أدوقك الألم اللي دوقتيهولي. مكنتيش هتقدري تقفي على رجلك كدا.
أنين خافت خرج من أعماق قلبها يهتف باستنكار: أه لو تعلم! فقد نال منها التعب و أنهك جسدها الحزن. الذي تعاظم حين سمعته يُتابع بنبرة تئن وجعًا:
ـ النار اللي جوايا دي عمرك ما هتقدري تتحملي حتى ربعها.
عادت برأسها للخلف تناظره للحظات قبل أن يرتسم الأسف على ملامحها لتقول بيأس:
ـ تمام.. يالا عشان متتأخرش.
لازالت حروف بسيطة قادرة على سحق ثباته بين طياتها، فقد كان لكل حرف مذاق خاص بينهم، ولكنه لا يعلم بأن الذي أسعده سابقًا من شأنه أن تقتله ذكراه اليوم!
قادها بصمت إلى البناية ليُساعدها على صعود الدرج وقلبه يتوسل إليه بحملها حتى يستمتع بقربها ولو لدقائق ولكنه للآن يُعنف نفسه حين يتذكر حمله لها في الموقع، فلن يكرر هذا الخطأ مرة آخرى.
دقت آسيا الجرس لتفتح جميلة التي تفاجأت حين رأت كمال ولكن آسيا لم تُعطيها الفرصة لاستيعاب صدمتها بل هتفت بنبرة حادة:
ـ اسنديني عشان ادخل جوا.
بالفعل مدت جميلة يدها لتسندها و تدخلها إلى الداخل، وقد كان يتابعها إلى أن وصلت إلى باب غرفتها الذي ما أن انفتح على مصرعيه حتى تجمد بمكانه حين شاهد ذلك البرواز الكبير والذي تتوسطه أحد صوره الفوتوغرافية التي كانت بغرفته في قصرهم لتقوده قدماه إلى الداخل، فشعرت آسيا بالحرج حين رأته خلفها، وعينيه مثبته على صورته لتحاول شحذ بعضًا من ثباتها وهي تقول بجفاء:
ـ يالا عشان متتأخرش..
لم يُعيرها اهتمامًا بل تقدم الى الداخل ليقف أمام الصورة مبهوتًا من الصدمة، والتي تعاظمت حين لمح قنينة العطر الخاصة به على طاولة الزينة لتمتد يده و تمسكها ليتأكد من أنها هي. فالتفت ليجدها تنظر إلى الجهة الآخرى فقد غمرها الحرج حين شاهد أشياءه الخاصة في غرفتها ليقول بنبرة خشنة:
ـ أيه اللي جاب الحاجات دي هنا؟
حاولت تجاهل موجه الخجل التي غمرتها لتتحمحم قبل أن تقول بنبرة مُتحشرجة:
ـ أنا خدتهم من القصر قبل ما امشي. و اطمن أنا مخدتش حاجة غيرهم. حتى خاتم جوازنا لسه هناك.
حاولت محاربة العبرات التي تلسع جفنيها وهي تُتابع بنبرة مُرتجفة:
ـ هي دي حقوقي اللي مقبلتش أتنازل عنها.
رفعت رأسها تناظره، وكما هي عادته كان الجمود يُسيطر عليه ظاهرياً بينما في الداخل هناك قلب ينتفض فرحًا و لوعة و يموت شوقًا لاحتضانها حتى تئن عظامها من فرط الألم، ولكن على الناحية الآخرى فسرت صمته غضب مما جعلها تقول بلهفة:
ـ تقدر تاخدهم لو عايز. ملهمش لازمة هنا.
يعلم لما قالت جملتها الأخيرة، فصمته جرحها، ولكنه كان في حالة من الألم واليأس والشوق مما جعله يضع الزجاجة فوق طاولة الزينة ثم استدار مُغادرًا دون أن يُضيف كلمة واحدة..
اللهم أجعل لنا نصيباً في سعة الأرزاق وتيسير الأحوال وقضاء الحاجات وإجابة الدعوات اللهم لطفك بقلوبنا وأحوالنا وأيامنا اللهُمَّ تولنا بسعتك وعظيم فضلك إنك على كل شيء قدير ♥️
★★★★★★★★
كان جالسًا بجانب عروسه و قلبه في وادٍ آخر ينظر إلى الوشوش حوله و يشعر بالغربة، تطوف عينيه في المكان بأكمله فلا يجد ركناً واحدًا يمكنه اللجوء إليه. الكثير من البهرجة و الترف، وابتسامات جميعها زائفة، وهذه المرأة بجانبه هل ستكون سكنه مثلما قال خالد! هل ستكون ونيسه و ملجأه الذي يهرب إليه من ضجيج العالم؟
الكثير من الاستفهامات تدور بعقله ذلك العقل الذي كان لعنته الأبدية، فهاهو الآن يستعرض ذكرياته معها و كم كانت أنثى رقيقة كالنسمة بين يديه يتذكر كم كان يشعر بأن للحياة معنى حين كان معها، و كم أن لكل شيء مذاق رائع فقط بجانبها.
أخذ يهز برأسه يحاول نفض هذه الذكريات اللعينة حتى أنه مد يده ليأخذ كوب مياة من النادل ليتجرعه دفعةٍ واحدة وهو يحاول استرداد أنفاسه الهاربة لتقع عينيه على سوزان الجالسة على طاولة خالد و عينيها تناظره بتحدٍ لم يُخطيء في فهمه. ليجذب عينيه من عينيها و يلتفت ناظرًا إلى شاهي وهو يحاول اغتصاب ابتسامة فوق شفتيه و كأنها اعلان مزيف بالسعادة، ليأتي الوقت حتى يقوم بإلباس خاتم الخطبة، وفي تلك اللحظة بالتحديد كانت تتقدم إلى داخل الحفل بأقدام مُثقلة بالألم الذي يتنافى مع جمالها الآخاذ في هذا الثوب الكريمي الذي كان يُحيط جسدها بنعومة، يبرز تقاسيمه دون ابتذال، يضيق عند الخصر و يتسع هبوطًا للأسفل، و كان يتخلله خيوطً ذهبية في مقدمة الصدر، فقد كان الفستان جريئًا على غير عادتها فقد كشف عن قوس الجمال خاصتها المُتمثل في عظمتي الترقواة و قد لائم لون الخيوط الذهبية لون بشرتها كثيرًا، و خاصةً حين جذبت جميع خصلات شعرها إلى الجانب الأيمن كاشفة بسخاء عن الجانب الأيسر، فبدت فاتنة، تتأبط ذراع رجل وسيم قوي يتقدمان إلى الحفل بثقة و ابتسامة هادئة لتتبدد هذه الابتسامة وهي تراه يقف ممسكًا بخاتم الخطبة بين يديه وبجانبه تلك المرأة التي من المفترض أنها تناسبه!
تألم قلبها حتى أن الألم كاد أن يقتله لتشعر بيد راجي تمسك بكفها، فالتفتت تناظره ليقرب كفها من شفتيه ينوي تقبيله، و لكن فجأة و بلمح البصر نال لكمة فولاذية من عمر الذي لم يكتفي بذلك إنما قام بجذبها من يدها مُغادرًا الحفل بأكمله..
رواية هل من سبيل للغفران الفصل الثالث عشر 13 - بقلم نورهان العشري
السبيل الثالث عشر ❤️🔥
الندم: أن تعود بعد أن تُشبعك الحياة صفعًا، فتجد جميع الأبواب التي تركتها مفتوحة قد أُغلِقت، فلم يعُد يُسمح لك حتى بالنظر عبر نوافذها، أن تفقد الكلمات بريقها تلك التي بخلت بالبوح بها ذات يوم والآن ماعد أحد ينتظرها. فتغدو المواقف أشباح تطاردك، فلا أنت تعود للخلف لتصحيحها ولا تملك رفاهية التكفير عنها. فالندم عقوبة مؤجلة تبدأ بعد أن تنتهي المعركة و تتساقط الأقنعة، فيقف الإنسان عاريًا أمام نفسه لا أعذار تنصفه ولا دفاعًا يشفع له. و يبدأ تحدٍ من نوعٍ آخر هل الإنسان شجاع بما فيه الكفاية للإعلان عن ندمه؟ و الإنصات لصوت الضمير الذي يبدأ في محاكمته بالإضافة إلى ذاكرة تنهش في ثباته دون رحمة و تذكره بأنه خان قلبه ذات يوم باسم العقل.
ولكن. حين يصل المرء إلى حافة اليأس يطرح من عمق يأسه استفهام حتمي وهو : هل فات أوان الندم؟! و هل يمكن بناء جسر الثقة الذي هُدِم ؟! يمكن الإجابة بنعم حين يكُن الإنسان شجاعًا بما يكفي للاعتراف بخطئه، و أن يملك إرادة حقيقية لتصحيحه، و خاصةً أن تلك الأخطاء لم تكُن مجرد زلات! بل قرارات كانت عن وعي و إدراك كشفت عن جوهره، ولهذا فالندم لا يؤلم فحسب بل و يُعري الشخص الذي كنت عليه ذات يوم!
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁
شهقات متفاجئة، صيحات استنكار، همهمات قوية دوت في الأرجاء و أصوات أنفاس مترقبة لتلك الكارثة التي حلت، فالعريس ترك عروسه و اختطف آخرى، و ولى هاربًا!
ـ راجي. أنت كويس ؟!
هكذا هتف كمال وهو يساعد راجي على النهوض ليصيح الأخير بشراسة:
ـ الكلب دا والله ما هرحمه.
أنهى جملته و هرول في إثر عمر وشروق ليقترب ياسر و كمال ينويان اللحاق به ليهتف الأخير بانفعال:
ـ المجنون دا راح فين الله يخربيته؟!
ـ مكانك أنت وهو.
كان هذا صوت خالد الصارم الذي جعل الرجلان يوقفان وهم يناظرونه بذهول قطعه ياسر الذي قال بعدم فهم:
ـ أنت اللي بتقول كدا يا خالد؟!
خالد بنفاذ صبر:
ـ أيوا أنا اللي بقول كدا. رايحين فين! ماهو مشي خلاص!
كمال باستنكار:
ـ لا معلش فهمني. يعني ايه دا؟!
خالد بحدة:
ـ أنت كنت منتظر أيه؟! دا شكل واحد فرحان بخطوبته؟! ولا أنت مسنني أيه أصلًا من تربية نبيلة؟! شخص غير متزن و عنده بدل العقدة خمسين.
تدخل رحيم الذي كان غاضبًا و بشدة:
ـ بس دي فضيحة يا خالد!
خالد بغضب:
ـ الجوازة دي لو كانت كملت كانت هتخلص بفضيحة أكبر. خليه يمكن يعرف يلحق اللي باقيله معاها، ولو اني معنديش ثقة فيه، خلونا نلم الدنيا هنا على قد ما نقدر. و بعدين نفوقله.
علت الأصوات و على رأسهم صوت سراج واحد العروس ليهتف ياسر بانفعال:
ـ الدنيا اتقلبت الله يسامحه. معتقدش هنقدر نلمها!
خالد بنفاذ صبر و نبرة أشبه بالصراخ:
ـ مفيش قدامنا حل تاني. كمال. مشي الناس دي كلها. خلينا نشوف هنعمل ايه
أنهى جملته و توجه إلى سراج الذي كان يصرخ على عز الدين بملء فمه:
ـ بقى أنا ابنك يعمل في بنتي كدا؟! بنت سراج الشافعي يتعمل معاها كدا؟!
كان عز لا يدري ماذا يفعل أو بماذا يُجيبه ليتدخل خالد هاتفًا بجفاء:
ـ أهدى يا سراج، و حقك وحق بنتك انا هجيبهولك، و هعرف اتصرف مع عمر.
سراج بحدة:
ـ أهدى ازاي يا خالد؟! اتفضحت انا وبنتي قدام الناس كلها. و أنت تقولي هتصرف معاه! هيفيد بإيه تصرفك! هيمحي الفضيحة! تقبل كدا على بنتك؟!
خالد بفظاظة:
ـ لا مقبلش، و الفضيحة مش ليك لوحدك، و بدل ما تقف تزعق شوف بنتك الأول. و حاول تهديها وأنا هتصرف.
التفت سراج ليجد شاهي تنتفض بين أحضان والدتها التي تعنف نبيلة:
ـ بقى دا ابنك اللي قولتي أن روحه في بنتي؟! أنا بنتي تتساب بالشكل دا! بس أنا اللي غلطانه. واحدة زيك ابنها هيكون أيه غير واحد مُستهتر و ميعرفش يعني أيه أدب ولا تربية.
كانت إهانة بالغة لم تستطِع صدها ولا حتى الرد، فولدها هو من وضعها في هذا الموقف المُخزي مما جعلها تلتفت و خلفها هايدي و ميرهان للخارج ليقترب سراج الدين يعانق ابنته يسندها إلى الخارج ولكن قبل أن يُغادر التفت إلى خالد قائلًا بنبرة تنتفض غضبًا:
ـ أنا هستنى منك انت رد اعتبار يا خالد.
كان كالبركان الذي تغلي الحمم بداخله ولكنه اكتفى بالإيماءة برأسه وهو يقول باختصار:
ـ هيحصل.
الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل♥️
★★★
ـ أنت مجنون صح! أيه اللي عملته في الحفلة دا؟ و واخدني و رايح على فين؟!
هكذا صرخت شروق الجالسة في السيارة بجانب عمر الذي كانت ملامحه مكفهرة بشكل مُريب و عروق رقبته نافرة ونظراته سوداوية تتسم بالشراسة كمن يواجه خصمًا قويًا لن يدعه يهزمه بسهولة، والحقيقة أن هذا الخصم هو عقله الذي يؤنبه على هذا الجنون الذي ارتكبه، لكنه لم يستطِع أن يراها برفقة رجل غيره!
كانت لحظة حاسمة إما أن ينتصر عقله و غروره و يُكمل هذه الخطوة التي هو غير متأكد منها و يخسرها للأبد، أو يُنحي هذا العقل العاصي جانبًا و يهرب بها بعيدًا عن كل هؤلاء البشر و هذه الحياة الكريهة التي يحياها و تحديدًا أراد الابتعاد عن ذلك النموذج الذي شوه كل معاني الحب بداخله.
ـ أنت يا بني آدم رد عليا.
هكذا صرخت شروق وهي تلكمه في كتفه بغيظ ولكنه استمر في صمته الذي أثار جنونها، و خاصةً حين وجدت الطريق أمامها ليس مألوفًا، فقد كان طريقًا صحراويًا غير معلوم بالنسبة إليها لتهبط عبراتها بغزارة وتتمنى لو بإمكانها إلقاء نفسها من هذه السيارة، و الابتعاد عن هذا المجنون الذي بالرغم من كل ما يجيش بداخله من غضب و ندم كان هناك شعور بالذة وهو يتخيل مظهر والديه بعد ما فعله.
بعد وقت غير محسوب بالنسبة إليها تفاجئت حين اوقف السيارة أمام مبنى مكون من طابقين و من الواضح أنه بجانب البحر، فقد وصلت رائحته إلى أنفها لتنتفض غضبًا و تقرر الوقوف أمامه مهما كلفها الأمر، فتح عمر باب السيارة وهي يقول:
ـ انزلي.
شروق بعناد:
ـ مش هنزل معاك في اي مكان!
عمر بجمود:
ـ انزلي يا شروق احسنلك.
شروق بانفعال:
ـ بقولك مش نازلة
عمر بتحذير:
ـ معنديش اي مشكلة أشيلك أدخلك جوا
شروق بصراخ:
ـ إياك تقرب مني. إيدك لو اتمدت عليا هكسرهالك
عمر بمهادنة:
ـ طيب انزلي خلينا نتكلم جوا. مش هتخافي تفضلي قاعدة لوحدك طول الليل هنا!
ـ لا مش هخاف
ـ انزلي يا شروق بقولك.
اطاعته مُكرهة لتدلف إلى داخل الشالية وما إن اغلق الباب حتى هتف بعيد مكتوم:
ـ ها قوليلي بقى الحيوان دا كان ماسك ايدك ليه؟
ـ ميخصكش.
أثارت حنقه ولكنه تحلى بفضيلة الصبر حين قال بقوة:
ـ يخصني.
شروق بجمود:
ـ لا ميخصكش.
عمر من بين أسنانه:
ـ لا يخصني. كل حاجة تخصك تخصني.
شروق بسخرية:
ـ تقريبا انت عايش في وهم و محتاج يا اما تصحي من النوم ياتروح تتعالج.
مد يده يجذبها من رسغها وهو يحذرها قائلًا:
ـ بطلي استفزاز بقى و جاوبيني..
ـ سيب إيدي، وإياك تقرب مني تاني، فاهم ولا لا؟
هكذا صرخت بكل ما يعتمل بداخلها من غضب وهي تنزع يدها من بين يديه، ليقابل غضبها بجبال الثلوج التي يُحيط نفسه بها منذ رحيلهم الكارثي عن الحفل.
ـ لا، مش فاهم.
لوهلة كادت أن تنفجر في وجهه كالبالون، غير أنها تراجعت عن هذا الفعل الذي لا يُشبهها، فقط لتسلبه لذة الانتصار، فلا تمنحه متعة الظن بأنه ما زال قادرًا على تحريك أي شيء بداخلها.
وهكذا خمدت العواصف في عينيها، واحتلهما الهدوء كمدينة هجرها سكانها منذ زمن بعيد، تاركين وراءهم الفراغ والصمت الذي دار في المكان لثوان قبل أن تقطعه شروق التي قالت بنبرة هادئة:
ـ الخسارة صعبة، أنا عارفة، وخصوصًا على الدكتور عمر الوتيدي. بس انت كمان لازم تفهم وتعرف كويس يا عمر إن مفيش جولات تانية. كانت واحدة، وانت خسرت فيها، فمالوش لازمة كل اللي بتعمله دا.
على عكس براكين الغضب التي تهيج بداخله، فقد تراجع إلى الخلف يستند على إحدى الطاولات، واضعًا يديه في جيوب بنطاله بتكاسل قبل أن يقول بنبرة تجيش بالكثير من العواطف:
ـ أنا معرفش يعني إيه خسارة، وعمري ما اعترفت بيها.
قالت شروق بجمود:
ـ يبقى آن الأوان إنك تعترف إنك خسرت.
تجاهل حديثها، وتابع بنبرة تفوح منها رائحة التملك:
ـ انتمائك ليا دا شيء مفروغ منه، واللي بيني وبينك مش مجرد جولة وانتهت، دي حياة نهايتها الموت. وأنا أهو، لسه عايش وبتنفس.
صمت لثوانٍ قبل أن يُطلق جأشه المكبوت داخل صدرٍ يحترق من لوعة الفراق:
ـ بتنفس وجودِك.
ارتج قلبها داخل ضلوعها، وعلَا أنينه، لكنها لا تزال تقاومه، وكأنه مُحتل غاشم لا تبغي سوى الخلاص منه، لتقول بنبرة جافة:
ـ بس دا مش ذنبي، ووجودك بالنسبالي بقى زي عدمه
تألم لكلماتها إلى الحد الذي لم يكن في مقدوره إخفاء الوجع الذي تجلى بوضوح فوق ملامحه، ليستفهم بنبرة يعج بها القهر:
ـ هو سهل عليكِ أوي كده إنك توجعيني؟
ـ زي ما التخلي عني كان سهل عليك أوي بردو.
باغتته جملتها التي كانت كحد السيف على قلبه، لتُتابع قاصدة إغراقه في بحر خطاياه أكثر:
ـ أنتِ طالق. عادةً الكلمة دي بتكون صعبة أو تقيلة على اللسان، في ناس بتعمل المستحيل عشان تتفادى الكلمة دي، بس سبحان الله، كانت سهلة أوي على لسانك.
خلت ملامح وجهها من التعابير، ولم يبق سوى هدوء ممزوج ببعض السخرية التي تجلت في نبرتها حين أكملت:
ـ وعلى الرغم من كده، أنا ما عاتبتكش. بالعكس، نفذت، وانتهينا، وبدأت حياتي من جديد، ويمكن دا اللي جننك… إن إزاي أنا أعيش حياتي وأنساك.
إلى هنا لم يعُد يحتمل هذا القناع الذي يرتديه، ليتصدع على الفور حين اقترب منها، يهزها بعنف وهو يصرخ في وجهها مُستنكرًا:
ـ بتضحكي على مين؟ على نفسك عشان تقنعيها إني مبقتش أُهمك؟ ولا عليا؟ وأنتِ شايفة الكارثة اللي عملتها عشان نكون مع بعض دلوقتي!
نزعت نفسها من بين يديه وهي تصيح محذرة:
ـ لآخر مرة هحذرك، متقربش مني! وكويس أوي إنك عارف إن اللي عملته كارثة، وياريت ننهيها حالًا، وترجعني.
قاطعها صارخًا:
ـ مش هيحصل! عايزة ترجعي للحيوان دا تاني؟
خطت إلى أكثر منطقة قد تؤذيه، لذا دللت نبرتها حين قالت متعجبة:
ـ أنا مفهمتش، انت مش طايقه ليه؟ ولا أي حد كويس وأنا بحبه يبقى وحش؟
تأجّجت عينيه اشتعالًا حين سمع كلمتها 'بحبه' وكأنها كانت المفتاح الذي أطلق سراح جميع شياطينه دفعة واحدة، فقام بحمل أحد المقاعد وإلقائه في الزاوية وهو يصرخ كالمجنون:
ـ كفاية بقى! كفاية! اخرسي، مش عايز أسمع صوتك!
كانت تدرك تمامًا أنها تدفعه شيئًا فشيئًا إلى حافة الجنون، ورغم ما اعتراها من خوف، بل رعب حقيقي من ملامحه المتوحشة إلا أنها آثرت ألا تُظهر شيئًا من ذلك، فتراجعت إلى أقصى نقطة تفصلها عنه، ووقفت أمام النافذة توليه ظهرها، تحاول عبثًا تهدئة أنفاسها المتلاحقة، وتستجدي عبراتها أن تتماسك وألا تخونها، حتى لا تُعري ضعفها أمامه، فقلبها لسوء الحظ، ما زال يحمل وسم عشقه كخطيئة أبت أن تُمحى.
كان صوته وأنفاسه المتوترة يمزقان سكون المكان من حولهما، كأنهما شكوى صامتة من وجع عميق ينهشه من الداخل، فتسلل إليها شعور خائن بالأسى لأجله، سرعان ما تلاشى لتحل محلّه رجفة الذعر حين شعرت بخطواته تقترب منها. لتتعالى دقات قلبها حتى خيل إليها أن ضلوعها توشك أن تتكسر من شدتها، ليفاجئها صوته القريب، حين همس بنبرة مُلتاعة لامست أعماقها
ـ بصي في عيني وقولي إنك فعلًا بتحبيه.
مواجهة صعبة كانت في طريقها إليها، وقد كانت مُنهكة ومتألمة، لذا سلكت أقصر الطرق للفرار منها حين أجابته بنبرة جامدة:
ـ بص لليل اللي قدّامك دا، وقولي ينفع يجتمع هو والنهار ولو للحظة؟
تسلط عليه مارد الإصرار ليقول بجفاء:
ـ جاوبيني!
التفتت تُناظره بجمود قبل أن تقول باستفهام هادئ:
ـ النجوم اللي بتلمع في السما دي، هينفع تلمع بالنهار؟ بلاش… الشمس، هينفع تطلع بالليل؟
عبأت صدرها بالهواء قبل أن تقول بجفاء حاد:
ـ هنعتبر إن أنا الليل، وانت النهار. أنا منورتش زي النجوم دي غير لما انت اختفيت من حياتي، وانت كمان، شمسك مش هتنور، ومش هتتخلص من المأساة اللي عايش فيها دي غير لما تنساني.
تسلط على قلبها شيطان الكبرياء حين أضافت بنفس النبرة:
ـ أنا عارفة إنه صعب عليك، بس معلش، دا درس كويس هينفعك في حياتك قدام. أن مش كل الستات زي بعضها، ولا كلهم هيكونوا رهن إشارتك.
اقتربت منه خطوتين قبل أن تقول بنبرة يفوح منها رائحة الغرور:
ـ في ستات زي النجوم، لو طوّلتها تبقى أكتر إنسان محظوظ في الدنيا، أما لو خسرتها، فهتفضل تتحرق بنارها العمر كله.
ومن المؤسف أنها مُصيبة في حديثها، فمنذ ذلك اليوم الذي خسرها فيه، وهو يتلظى في قعر الجحيم الذي أدرك مؤخرًا أن نجاته منه ستكون على يديها.
ـ صح، عندك حق. بس أنا متأكد برضو إن النوع دا من الستات صعب يوهب قلبه غير لشخص واحد بس، وقلبك أنا ملكته من زمان.
سقطت في فخه المُحكم، لتهتف بجمود:
ـ لكل قاعدة شواذ.
أظلمت عينيه قبل أن يقول بصوت أجشّ:
ـ حلو أوي دا… اثبتي على كده بقى.
تراجعت إلى الخلف وهي تراه مُقبلًا عليها، لتصرخ بتحذير مرتجف:
ـ عمـرر!
ما أن رأته مُقبل عليها بأعيُن تلمع الجنون حتى قامت بجلب أحد أواني الزرع الزجاجية وقامت بإلقائها على الأرض تحديدًا في المسافة الفاصلة بينهم لتمنعه من الاقتراب أكتر لتتحطم متحولة إلى أشلاء كحال قلبه حين سمعها تُتابع بشراسة:
ـ اوعى تفكر تقرب مني ولا تفكر انك ممكن تفرض وجودك عليا.
همس باسمها بنبرة مُلتاعة:
ـ شروق..
قاطعته بنبرة صارخة:
ـ شروق اللي قدامك دي غير شروق بتاعت زمان. شروق دي داست على قلبها و أنت ساكن جواه و عدت. داست على فلوسكوا اللي مخلياكوا تفتروا على الناس كلها و عدت. وقعت بدل المرة ألف لحد ما وقفت على رجلها. و معنديش استعداد اني أهد حياتي اللي بنيتها عشان أي حد، و خصوصًا لو أنت.
كلماتها أثارت غضبه بشدة مما جعله يهتف بنبرة مغلولة:
ـ كذابة، و إلا مكنتيش جيتي النهاردة.
ابتسامة ساخرة لونت ملامحها قبل أن تقول بتهكم:
ـ غرورك دايمًا بيقف بينك وبين عقلك يا دكتور عمر. أنا جيت النهاردة مع خطيبي. اللي وصلته دعوة خطوبتك. جيت وأنا إيدي في إيده، و أنا ناوية اكمل حياتي معاه.
اسودت ملامحه و توسعت عينيه، فبدا كثورٍ غاضب أحدهم يتلاعب أمامه بقماشة حمراء، فبرزت عروق رقبته بشكل افزعها فتراجعت خطوة إلى الخلف كرد فعل تلقائي منها لتسمع صوته البارد كنصل سكين يتأهب لبتر الأعناق:
ـ حلو أوي دا. بس اعرفي أنه مش هيحصل. لو حياتك مش هتكون معايا يبقى مش هيكونلك حياة مع غيري. و يبقى راجل بقى لو عرف مكاننا وجه ياخدك مني، و علمي على كلامي.
أنهى جملته و هو يشيعها بنظرات قاتلة قبل أن يندفع إلى الداخل لتسقط هي جالسة على أخد المقاعد تبكي كما لم تبكي من قبل، فبداخلها أنين و لوعة، وعذاب دائمًا كان هو المتسبب به، والآن يأتي و يخبرها أنه لا حياة لها بدونه! و أين كان وهي تبكي وحدها من شدة الشوق و الألم و الوحدة معًا؟ تحتضن نفسها و تربت فوق جراحها لتهدأ.
وضعت رأسها بين يدها وهي تهتف بصراخ اهتز له قلبه:
ـ مش هرجعلك يا عمر. مش هرجعلك لو كنت بتموت قدامي. هفضل طول عمري النجمة اللي مش هتقدر تطولها يا عمر يا وتيدي. أنا بكرهككك…
حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [سورة التوبة59♥️
★★★
ـ يا نهار مش فايت! بتقولي أيه يا سوزي؟!
هكذا هتفت آسيا بصدمة حالما قصت عليها سوزان ما حدث و التي قالت بنبرة لازالت الصدمة تُخيم عليها:
ـ مش هكذب عليكِ انا توقعت انه هيقدر يكمل في الخطوبة دي. أنا شوفت في عنيه أنه بيحب شروق.
آسيا باندفاع:
ـ أيوا صح أنتِ قولتيلها أنك هتخرجي من الخطوبة دي منتصرة في كل الأحوال. متقوليش انك كنتِ عارفة..
سوزان بتأنيب:
ـ أنتِ عبيطة يا بنتي! عارفة أيه؟! لو عارفة كنت هسيبه يعمل الجنان دا؟! أنا كنت اقصد أنه لو شافها وقدر يكمل في الجوازة دي يبقى ميستحقهاش، و وقتها هي كسبت نفسها وخسرت شخص ميستحقهاش و هتقدر أنها تكمل حياتها من غير أي أمل فيه، ولو مكملش، وطبعًا مكنش في بالي أنه يعمل كدا. أنا قولت هيمشي هيقولها مش هقدر اكمل، اي حاجه مش الهبل اللي عمله دا، و بردو هي منتصرة لأنه كدا هيثبت أنه بيحبها بدليل أنه مقدرش يحط دبلته في إيد واحدة غيرها. أنما دا فاق كل توقعاتي.
تشدقت آسيا بسخرية:
ـ دا وتيدي يا حبيبتي. يعني هو والغباء أصحاب أو قرايب، أيهما أقرب!
زجرتها سوزان بحدة:
ـ اتلمي متجبيش لنفسك الكلام. بدل ما تلاقيه طالع من أي حتة. احنا بنعالج مش بنهد.
آسيا بتبرُم:
ـ بنعالج أه! المهم هو ابن حلال و يستاهل اللي شروق هتعمله فيه. زمانها موقفاه وشه للحيط و رافع إيده لفوق ماهي من الوتايدة بردو يعني قادرة زيهم.
سوزي بحدة:
ـ بت أنتِ قومي اتخمدي. أنا قلبي واكلني على البنت. متاكليش دماغي أنتِ كمان. وقومي اتخمدي يالا.
آسيا بتذمر:
ـ طيب.
التفتت ناظره إلى أشجان التي كان التعب يلون ملامحها لتهتف بقلق:
ـ و أنتِ يا حبيبتي قومي ريحي. خالد قال إنه هييجي يبات معاكوا هنا. اطمني بقى وقومي نامي.
أشجان برفض:
ـ مش هقدر يا سوزي اقوم غير لما ييجي واطمن عليه. مش كفاية شروق وقلقي عليها.
ـ ياريت تبطلي قلق شوية..
هكذا تحدث خالد لتهب أشجان من مكانها و تندفع تجاهه ليقربها منه بقوة، فقد كان يعلم مقدار خوفها وقلقها مما جعله يقول بلوم:
ـ قولتلك نامي و مش تستنيني، و جيبتك مخصوص هنا عشان اطمن انك ترتاحي، وأنتِ بردو مقيش فايدة فيكِ.
أشجان بتعب:
ـ هنام ازاي بعد اللي حصل، وكمان أنا كنت قلقانه عليك أوي لما جبتني انا والولاد هنا و مشيت.
ضمها إليه أكثر قبل أن يجذبها ليجلسوا حول الطاولة بجانب سوزان التي قالت باستفهام:
ـ مفيش أخبار؟
خالد باختصار:
ـ لا.
سوزان بتعب:
ـ ربنا يسامحك يا عمر. في حد عاقل بردو يعمل كدا!
أشجان باندفاع:
ـ دا انسان مُستهتر، و أنا لو من شروق اديله على دماغه!
اندفاعها بهذا الشكل أثار رغبته في الضحك، ولكنه لم يفعل إنما قبل يتصنع الغضب:
ـ و أيه كمان يا هانم!
توترت من استفهامه بهذه الطريقة لتقول بنبرة خافتة:
ـ ماهو بردو ياما زعلها ينفع كدا!
خالد بنبرة عابثة:
ـ والله ما ينفع أبدًا. اي حاجة تزعلك متنفعش طبعًا.
ابتسمت بخجل، فشعر بالراحة ولو قليلًا، فهي بمثابة الضوء في عالمه القاحل والذي يعج بالمصاعب و التحديات
ـ أنا مقدرش ازعل منك أصلًا لو عملت أي.
هكذا هتفت بخجل ليبتسم بعذوبة قبل أن يغازلها قائلاً:
ـ دانا ابقى عايز ضرب النار لو زعلتك.
أشجان بلهفة:
ـ بعد الشر.
تدخلت سوزان قائلة بحب:
ـ والله احلى حاجة نختم بيها اليوم الصعب دا هو انتوا. ربنا بس يبعد عنكوا عين نبيلة.
التفت خالد يناظرها بشك قائلًا باستفهام:
ـ مالها نبيلة؟؟
وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} (سورة غافر، الآية 44)♥️
★★★
ـ عاجبك الفضايح دي يا هانم؟! عاجبك اللي ابنك عمله فينا! هو دا اللي قد المسئولية! صغرتيني أنتِ وابنك و حليتوا واحد زي سراج يتنطط عليا و يهزقني وسط الناس!
هكذا كان عز الدين يصرخ في نبيلة التي كانت ترتجف من فرط الصدمة و الغضب و القهر من هذا الموقف المُخزي الذي وضعهم به عمر لتخرج كلماتها مُرتجفة حين قالت:
ـ أنت بتقولي أنا الكلام دا ليه ؟ هو انا اللي خليته يعمل كدا! أنا اتهانت و اتبهدلت انا كمان.
عز بانفعال:
ـ تستاهلي، وانا كمان استاهل عشان سمعت ليكِ أنتِ و ابنك، واعملي حسابك أن دي آخر مرة هتحصل..
إلى هنا ولم تعُد تحتمل ارتداء قناع الضعف أمامه، فهذا الموقف فاق احتمالها لتهُب من مكانها وهي تصرخ قائلة:
ـ كفاية بقى. أنت بتتخانق معايا ليه؟ هو عمر دا مش ابنك أنت كمان، وبعدين الهروب دا حاجة جديدة علينا. بس مش جديدة عليكوا. الست هانم أختك هربت زمان مع واحد و ابن أخوها عمل زيها، ولولا خالد أخويا وقف لسراج كان زمانك تحت رحمته دلوقتي!
بهتت ملامحه من حديثها و نبرتها الجديدة كُليًا عليها، فقد اعتاد منها الضعف و الحنو و الخضوع أو هكذا ظن! ليراها الآن بهيئة مختلفة تمامًا كما جعله يقول باستنكار:
ـ أنتِ بتعايريني يا نبيلة! و واقفة تزعقي قدامي!
اقترب منها خطوة وهو يتابع بهسيس خشن:
ـ و أخوكي هو اللي وقف لسراج و إلا كان زماني تحت رحمته صح! ماشي يا نبيلة. خليكِ فاكرة كل كلمة قولتيها دلوقتي. عشان أنا مش هنساها.
أنهى جملته و اندفع إلى الخارج في الطريق إلى الملحق، و هو يتذكر ما حدث قبل يومان من الآن
عودة إلى وقتٍ سابق
ـ احكيلي بقى ايه اللي حصل معاكِ الفترة اللي فاتت ؟ طبعًا البقاء لله قبل أي حاجة..
هكذا تحدث عز الدين إلى زينة التي ابتسمت قبل أن تُجيب بهدوء:
ـ الدوام لله. سامح توفى بقاله زيادة عن أربع شهور، والحقيقة موته كان صدمة كبيرة انا حتى لسه بحاول استوعب الصدمة. يمكن علاقتنا مكنتش أحسن حاجة بس هو بردو جوزي.
عز باستفهام:
ـ ليه كدا؟ أنا أعرف انكوا متجوزين عن حب! طبعًا مقصدش ادخل في اللي ماليش فيه. بس استغربت من كلامك.
زينة بنبرة مُشجبة:
ـ لا عادي الموضوع مش سر يعني. عمومًا انا و سامح علاقتنا كانت زي أي زوجين بينهم المشاكل العادية، و طبعًا موضوع الخلفة كان أحيانًا بيكون سبب غير مباشر للمشاكل دي. يعني أهله كانوا بيضغطوا عليه عشان يتجوز و يخلف، و هو بصراحة كان بيرفض دايمًا و كان في ضهري في كل محاولة عملناها، و كل مرة بعد ما تفشل كان بيقف جنبي و يواسيني و يقولي بكرة تنجح.
عز بنبرة فضولية:
ـ طب دا كويس معنى كدا أنه كان بيحبك.
زينة بتفكير:
ـ الفكرة مش في كدا. يعني دي حاجة كانت بتخليني أتأكد أنه بيحبني. لكن في نفس الوقت كان في حاجات بتحصل بتخليني اتجنن واقول دا عمره ما حبني. بس بعد ما مات ابتديت افهم حاجات كتير.
عز بانتباه:
ـ زي أيه؟
زينة بتوضيح:
ـ سامح كان الكبير في أخواته، و كان بيحب والدته جدًا وهي كمان كانت بتحبه. كتير كانت بتغير مني عليه و بتحاول تضايقني و وصلت لدرجة أنها توقع بيننا، وهو كان بيبقى شايف دا. لكن عمره ما وقفها عند حدها. عمره ما قالها أنتِ غلط.
عز باستنكار:
ـ بس دا غلط طبعًا.
زينة بجمود:
ـ الغلط دا شيء نسبي عند بعض الناس. يعني اللي أنت شايفه غلط. غيرك شايفه شيء بسيط. و سامح كان كدا. كان دايمًا يقولي عمري ما هزعل أمي عشانك. مش هقدر اغضبها. افرض جرالها حاجة في أي وقت أنا مزعلها فيه لو ماتت غضبانة عليا مش هتحمل.
كانت الكلمات كضوء ذو وهج قوي سُلِط على أعيُن كانت غارقة في الظلام مما جعل عز يشعر وكأن هناك مشاعر قوية تنغز بداخله وقد زاد الأمر حين تابعت زينة قائلة:
ـ مكنش بيقدر يزعلها أبدًا لدرجة أن الموضوع كان بيضايقني و. يخليني انفعل و ازعل منه و أخد موقف كمان. بس هو كان بييجي يراضيني، و بيكون عنده استعداد يجيب لي نجمة من السما بس إلا أنه يزعل والدته عشاني، تقريبًا كان قلبه حاسس انه هيموت قبلها ولا ايه معرفش. بس بعد ما مات وشفتها و شفت حالتها عرفت هو كان ليه بيعمل كدا.
كانت يتنبه لحديثها بكامل حواسه يشعر و كأن السماء أرسلت صوتًا يُخاطبه، و يوقظ ضميره الغائب تجاه والدته مما جعل يستفهم بنبرة مُتحشرجة:
ـ ازاي!
زينة بنبرة حزينة:
ـ الست تقريبًا بتموت بالمعنى الحرفي للكلمة. طول الوقت مبتبطلش تقوله أنها راضية عنه. كلنا بدأنا نتخطى إلا هي. تقريبًا حياتها واقفة من اللحظة اللي عرفت فيها بموته. منكرش اني اتوجعت و كنت بموت. بس هي كانت حالتها مختلفة. قعدت افتكر كلامه، و حبه ليها، و احترامه ليها، و خوفه على زعلها. تخيل أنه كان بيراضيني بس عمره ما قالي أنها غلطانه. كان بيحافظ على كرامتها حتى بيني وبينه.
تحمحم عز الذي ضاقت أنفاسه وهو يقول:
ـ بس دا في ظلم ليكِ. مفروض كان يقولها أنتِ بتيجي على مراتي ليه، و يمنعها أنها تهينك أو تقلل منك.
زينة بتوضيح:
ـ بصراحة أنا مكنتش بسمح أن الموضوع يتطور للإهانة. كنت بشتري نفسي وبنسحب من أي نقاش أو مشكلة ممكن تكبر. بس كنت بيني وبين نفسي بزعل، وهو كان بيراضيني أوي. أكيد كان بيتكلم معاها بينه وبينها. بس الحقيقة هو كان مقتنع أن عمره ربنا ما هيباركله في حاجة وهي زعلانه منه أو مش راضية عنه.
انتهى اللقاء بينهم ليشعر بأنه ضائع، يتذكر كم الأخطاء التي ارتكبها بحق والدته و كم المشاجرات التي حدثت بينهم، فمنذ زواجه لم لم يكونوا يومًا على وفاق على الرغم من أنه يذكر كم كان قريبًا منها.
زفر بقوة وعاد إلى البيت و بداخله مشاجرات عنيفة بين ضمير يؤنب و عقل يتمرد ليقرر أخيرًا زيارتها، فتوجه إلى الملحق الذي اعتبرته بيتها بعد رحيل شروق ليتفاجيء بها جالسة على الأريكة و بجانبها عدة صورة فوتوغرافية قديمة تناظرها بشجن و ألم ليتحمحم قبل أن يقول:
ـ ازيك يا ماما.
ارتفع رأسها بتثاقل تناظره بهدوء لم يستمر طويلًا إنما قطعه صوتها الساخر حين قالت:
ـ ماما! هو أنت لسه فاكر ان ليك أم؟!
غضب من حديثها، و من نفسه ليقرر تجاهله وهو يقترب جالسًا على المقعد أمامها قبل أن يقول:
ـ كنت جاي أبشرك أن عمر هيخطب كمان يومين، و عايزك تيجي عشان تحضري خطوبته.
تشكلت غصة قوية في حلقها مما جعل نبرتها تتهدج حين قالت:
ـ عملتوها أنت و مراتك! خلتوه يطلق بنت نسمة، و طفشتوها زي ما طفشتوا أمها؟! كل دي ذنوب هتشيلوها على كتافكوا!
هب من مكانه وهو يهتف باستنكار:
ـ بلاش كلامك دا. أنا مخلتوش يطلق حد، ومعرفش اطلقوا ازاي ولا عايز أعرف، و نسمة اللي هربت و فضحتنا و بناتها بيشيلوا ذنب عمايلها احنا ملناش ذنب.
سعاد بحدة:
ـ الشيطانة مراتك هي السبب في كل حاجة. بس عارف أنا مش زعلانه. خلاص الدنيا قلبت قلبتها، و الحق قرب يرجع.
عز باستنكار:
ـ أنتِ بتقولي ايه! حق ايه اللي يرجع؟!
سعاد بانفعال يشوبه القهر:
ـ حقي من اللي خدت ابني مني و قلبته عليا و خلته يقهرني أنا وبنتي. أنت فاكرني زعلانه عشان عمر هيخطب! لا. والله دانا فرحانه. ماهي اللي جايه دي نقاوة نبيلة، و أكيد شبهها و هي دي اللي هتاخدلي حقي منها. دي اللي هتبرد ناري. سواء عشت وشوفت اليوم دا ولا موت قبل ما اشوفه.
صمت لثوان يناظرها وكلمات زينة تعاد على ذاكرته وهو يتخيل أن تذهب من هذا العالم وهي تحمل بداخلها كل هذه المشاعر تجاهه ليبتلع غصة قوية تشكلت داخل حلقه و هو يناظرها و يرى ارتجافة يديها و شفتيها و ترقرق العبرات في مقلتيها مما جعله يقف حائرًا ممزقًا لا يعرف ماذا عليه أن يفعل فقط مجرد كلمات واهية افلتت من بين شفتيه حين قال:
ـ أنتِ مشكلتك معايا أنا ونبيلة بس عمر حفيدك و أنتِ بتحبيه. تعالي افرحي بيه، خلينا نفرح كلنا و أجلي كل الكلام دا لبعدين.
سعاد بسخرية مريرة:
ـ تفرح! هو أنت متخيل انك ممكن تفرح يا عز وأنا قلبي غضبان عليك؟! امشي يا ابني و خلي بالك أن الدنيا دوارة.
عودة إلى الوقت الحالي
ـ أنتِ السبب صح؟! أنتِ السبب في كل اللي حصل دا! دا بسبب دعاكي عليا.
هكذا صرخ عز الذي كان يقف أمام والدته المذعورة من مظهره لتهتف بصدمة:
ـ في أيه يا عز؟
عز بانفعال:
ـ الهانم بنت بنتك. هربت مع البيه ابني و فضحونا قدام الناس كلها. الحيوان ساب عروسته و خدها و مشي.
شهقت سعاد بذهول من حديث عز الذي تابع بنبرة يشوبها الانكسار:
ـ فرحانه فيا صح! شمتانه طبعًا. أنا عرفت ليه مفيش حاجة حلوة بتكمل في حياتي. بسببك. بسبب دعاكي عليا. أنا فنيت عمري في شركة الوتيدي وفي الآخر راح خلى ابنه رئيس مجلس الإدارة. و الست هانم بنتك خلتني مش قادر ارفع عيني في عين الناس. و من بعدها ابني اللي عمري ما حسيت انه قريب مني. زي ما يكون بيشوف اللي بكرهه وبيعمله. كل دا بسببك.
قال جملته الأخيرة بصوت أشبه بالصُراخ ليأتيه صوت زينة المفزوع خلفه وهي تقول بلهفة:
ـ في أيه يا عز ؟ صوتك واصل لآخر الدنيا.
ناظرها عز بغضب و سعاد باندهاش لتدور النظرات بين الثلاثة قبل أن يندفع عز إلى الخارج، لتهتف سعاد بلهفة غارقة في التوسل:
ـ الحقيه يا بنتي دا ممكن يجراله حاجة.
رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}♥️
★★★
كان يدور حول نفسه كالمجنون يود لو يحطم المكان حتى يهدأ هذا الغضب المقيت الذي ينهش بداخله بدون رحمة ليجد باب مكتبه يُفتح و كمال يدلف إلى الداخل ليزأر راجي بوعيد:
ـ هقتله يا كمال. ورحمة أمي لهقتله. و مش هيهمني لا أنت ولا الوتايدة كلهم.
يعرف حالته جيداً ولهذا لم ينفعل أو يوجه إليه أي لوم بل اقترب وهو يقول بهدوء:
ـ أهدى يا ياراجي. أنا مقدر حالتك كويس. و مش هلومك على اي حاجة هتقولها.
ضرب راجي المكتب بكلتا يديه وهو يصرخ بانفعال يشوبه القهر:
ـ أنا هتجنن. هيجرالي حاجة. مش هيهديني غير اني اطلع روحه في أيدي. دا خدها من بين إيديا. عارف يعني ايه خدها من بين إيديا؟!
لأول مرة يجد نفسه في هذا الموقف المُحرج ليحاول البحث عن كلمات تهدأ من جنون هذا الوحش:
ـ أنا عارف و حاسس باللي جواك.
قاطعه راجي بنبرة أشبه بالصُراخ:
ـ لا مش عارف. جرب كدا حد يغفلك و ياخدك على خوانه ويخطف آسيا من بين إيديك!
للوهلة الأولى بدا الأمر غير قابل للطرح من جانبه، فلو حدث ذلك معه لهدم المكان فوق رأس الجميع على أن يمس أحدهم ظلها، و لكنه سرعان ما تغلب على هذا الشعور نافيًا حدوث ذلك الأمر ليهتف بحدة:
ـ قولتلك فاهمك و عارف انت حاسس بأيه، و بعدين مش يمكن شروق موافقة على اللي حصل دا؟!
لم يتثنى لراجي أن يُجيبه، فقد استرعى انتباههم صوت طرق على باب المكتب ليأمر راجي الطارق بالدخول لتدلف آسيا بخطوات سرعان ما تجمدت حين رأت كمال الذي تفاجيء من قدومها هو الآخر، ولكن راجي لم يسمح لكلاهما بالاستيعاب ليقترب من آسيا قائلًا بلهفة:
ـ عرفتي أي أخبار عنها؟
احتارت بماذا تخبره ولكنها قررت أن تقول الحقيقة لتُجيبه بنبرة مُتحشرجة:
ـ للأسف لا.
التفت إلى الجهة الآخرى وهو يزمجر بوحشية، فقد كان قاب قوسين أو أدنى من الجنون لتنتقل نظرات آسيا إلى كمال الذي كان يريد معرفة سبب قدومها إلى مكتب راجي فقد شعر بأنها أرادت التحدث في أمرًا هام وقد تجلى التردد على ملامحها، ولكنها قررت التحدث بالرغم من كل شيء لذا قالت بنبرة حاولت جعلها ثابتة رغم ارتباكها أمام عيني كمال:
ـ مستر راجي. أنا محتاجة انك تهدى شوية عشان أعرف اتكلم معاك.
استدار راجي يناظرها بترقب و كل ما بداخله يرفض أي شيء يمكن أن يجعله يتألم أكثر مما يتألم الآن، ولكنه بالرغم من ذلك استكان ليستمع إلى حديثها مما شجعها على الشروع به لتقول بنبرة ثابتة:
ـ اللي حصل دا طبعًا مرفوض شكلًا و موضوعًا بس في حاجات لازم تعرفها. أنا عارفة أن كلامي ممكن يبان قاسي. بس شروق بتحب عمر و عمر بالرغم من كل اللي عمله بس هو بيحبها. و وارد أنهم لما يقعدوا ويتعاتبوا يرجعوا لبعض تاني.
برقت عينيه استهجانًا لحديثها الذي جعل الجنون يتملك منة مرة آخرى ليقترب منها هاتفًا بحدة أفزعتها:
ـ أنتِ مجنونة ولا ايه؟ اللي بتقوليه دا لايمكن يحصل..
كان يتقدم نحوها دون أن يدري ليوقفه كف كمال الذي وضعه على صدره يجذبه بحدة للخلف وهو يصرخ بغضب اهوج:
ـ راجي. فوق لنفسك. أنت اللي باين عليك اتجننت.
ناظرته بصدمة، فقد اندفع يقف أمام راجي لأجلها وقد وعى الأخير على ما يحدث معه ليدفع يد كمال للخلف وهو يصيح بانفعال:
ـ أنت مش سامع الكلام! شروق مأكدالي أن الموضوع دا انتهى، والحيوان دا مبقاش له مكان في حياتها.
أوشك كمال على الرد ولكن آندفاع آسيا أوقفه:
ـ للأسف محدش فينا لة سلطة على قلبه.
اخترقت جملتها دفاعاته ليستدير ناظرًا اليها ليجد الألم يتبلور بوضوح في عينيها و يحتل نبرتها حين قالت:
ـ أنا حاسة بشروق جدًا، و أنا أكتر واحدة شوفت هي اتوجعت قد أيه. بس اللي عمر عمله دا مالوش غير معنى واحد. أنه فاق وعرف قيمتها. و ناوي يرجعها من تاني حتى لو كان الموضوع صعب. و حتى لو شروق رفضت دا مرة واتنين و عشرة. ي مش سهل أن الإنسان يعاند قلبه.
حاولت الإبقاء على عبراتها قيد الاعتقال لكي لا تفصح عن مدى الألم بداخلها وهي تقف أمامه و كل حرف يصدر عنها يحكي عن وجعها و معاناتها أمام عشقه الجارف، لتنجح في ذلك فقالت بنبرة ثابتة:
ـ لو مكنتش تهمني، و فعلاً مش عيزاك تتجرح مكنتش جيت قولتلك الكلام دا.
لم يكُن يتألم فحسب بل كان يموت من فرط الألم، و قلبه يرفض هذا الحديث ولو شعر بأنه الصواب، والحقيقة أنه لم يكُن وحده الذي يتألم، فقد كان لكمال نصيب الأسد من العذاب واللوعة و خاصةً وهو يرتدي قناع الجمود الذي يمنعه حتى من التعبير عن هذا الألم بداخله
ـ يعني أنتِ شايفة أن شروق ممكن ترجع لعمر من تاني!
آسيا بتعاطف:
ـ مقدرش أأكد دا دلوقتي. بس أنا متوقعة أن مليون في المية دا هيحصل سواء بعد يوم أو بعد سنة.
تدخل كمال هو الآخر في الحديث قائلًا بجمود:
ـ هي بتتكلم صح. هما اللتنين بيحبوا بعض، وعمر عمره ما كان طايش دا أكتر واحد كان بيحسب حساب الخطوة قبل ما يخطيها عشان شكله قدام الناس كون أنه يعمل كدا، فالموضوع مفيش في رجعة.
رن هاتف آسيا لتجد أن المتصل سوزان فتراجعت عنهم لتُجيب، و إذا بها تهتف بذُعر:
ـ بتقولي ايه يا سوزي؟
ـ بقولك جميلة سمعتني وانا بتكلم مع أشجان عن اللي حصل، و انهارت و خرجت جري وهي بتقول انا هجيب حق أختي و أمي منهم. الحقيها يا آسيا.
هكذا تحدثت سوزان بذُعر قابلته آسيا بأشد منه لتقول بلهفة:
ـ طب اقفلي، وأنا هحاول ألحقها.
أغلقت الهاتف لتجد كمال يستفهم بقلق:
ـ في أي؟
آسيا بخوف يتجلى على ملامحها و نبرتها حين قالت:
ـ جميلة عرفت اللي حصل و رايحة على الفيلا تدور على شروق. معرفش بتقول هاخد حق أمي و أختي منهم..
كمال بلهفة:
ـ طب اهدي، وتعالي معايا نلحقهم.
اومأت برأسها و تركت نفسها ليديه التي جذبتها برفق نظرًا للجرح في قدمها، ليلتفت راجي ممسكًا بهاتفه يقوم بإجراء مكالمة هاتفية و حين أتاه الرد تحدث بلهجة صعيدية مُتقنة:
ـ أيه يا واد عمي. عِندينا طلعة، في حدانا تار و لازمن ناخدوه الليلادي..
وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ♥️
★★★
ـ هي فين؟ هي فين اللي دمرت حياة أمي و حياة أختي؟!
هكذا صرخت جميلة بقهر وهي تقف بمنتصف الحديقة تحديدًا أمام قصر عز الدين لتخرج نبيلة و خلفها هايدي ابنتها التي هتفت باحتقار:
ـ الزبالة دي دخلت هنا ازاي؟
جميلة بصراخ اهتز له أرجاء القصر:
ـ الزبالة دي أنضف منك مليون مرة. أخوكي ودى أختي فين يا حقيرة؟
اقتربت نبيلة منها بخطوات سريعة و أعيُن تحمل الشر و كأنها موطنه الدائم لتصرخ باحتقار وهي ترفع يدها تنوي أن تصفع جميلة:
ـ اخرسي يا قليلة الأدب.
أغمضت جميلة عينيها خوفًا من صفعتها، ولكن كانت الصدمة حين وقفت آسيا بينهم لتُمسِك بيد نبيلة لكي لا تنال من خد جميلة، فقد وصلوا في نفس توقيت وصول جميلة، وحين أتاها صوتها لم تنتظر أن يصف كمال سيارته بل اندفعت تجاه مصدر الصوت وهي تعدو دون النظر إلى جرحها فقط أرادت أن تكن بجانب جميلة في مواجهة أولئك الأفاعي، وقد كان توقيتًا مثاليًا لمنع نبيلة من صفع جميلة وهي تصيح بصوت جهوري:
ـ إيدك لا اقطعهالك.
أنهت جملتها و قامت بدفع يد نبيلة التي كانت على وشك السقوط لولا يد هايدي التي حالت دون ذلك لتهتف بانفعال:
ـ أنتِ اتجننتي يا حقيرة أنتِ.
آسيا بتهكم ساخر:
ـ شوف مين اللي بتتكلم عن الحقارة! المادة الخام ليها!
اعتدلت نبيلة وهي تقول بحدة:
ـ اكتمي يا بنت الخدامة..
اقتربت آسيا لتدفعها أكثر وهي تقول بشراسة:
ـ بنت الخدامة دي جزمتها برقابتك يا حية. أنتِ مفكراني هخاف منك! دانا ادفنك هنا و ملكيش دية. اصل الكلاب اللي زيك ملهمش تمن ولا سعر.
لسوء حظها كان كمال وصل للتو، فاخترقت جملتها مسامعه لتنال منه الصدمة التي سرعان ما تحولت لغضب عارم جعله يتقدم منها يجذبها بعُنف من رسغها وهو يقول بعُنف:
ـ آسيا!
جذبت يدها من يده بقوة وهي تصرخ باستنكار:
ـ بلا آسيا بلا زفت. اخواتك دول كفرة. معندهمش دين. دول سبب كل البلاوي اللي حصلتلنا في حياتنا.
خيمت الصدمة على ملامحه وهو يرى حالتها التي تتفرق ما بين الغضب الوحشي و الضعف المُزري الذي تجلى في تلك العبرات التي تدحرجت من مُقلتيها ولكنها لم تلتفت إلى صدمته إنما التفتت ناظره إلى نبيلة وهي تقول بوعيد:
ـ عارفة! أنتِ مش هيكسرك غير بنتك دي. حق كل واحدة سممتي حياتها و قهرتيها هيقعدلك فيها. دي الشوكة اللي هتقطم ضهرك و ابقى قولي انت الخدامة قالت.
اخترقت الجملة الأخيرة مسامعه ليستنكرها بشدة، ولكن صوت خالد الجهوري أفزع الجميع وهو يصيح قائلًا:
ـ أيه اللي بيحصل هنا؟
ـ الحقوني..
كان هذا صوت سعاد الضعيف المتألم الآتي من خلفهم، فقد استمعت لهذا الشجار الذي يحدث في الآخر لتحاول الخروج بمقعدها ولكنها اصطدمت بالباب وسقطت على الأرض بقوة ليُهرول الجميع إليها و يقوم خالد بحملها إلى الداخل و خلفه الجميع ومن بينهم أشجان ما عداها، فقد أخذتها قدماها إلى ذلك المكان الذي قتلت به روحها ذات يوم، فبالرغم من كل شيء فهي لم تتخطى تأثيره بها، ولم تنمحي ذكرياته الأليمة من داخلها، فقد رأت بجميلة اليوم نفسها تلك الليلة، ولم تستطيع تركهم ليجردوها من كرامتها و كبريائها. لم تريد لها أن تصبح مثلها بيوم من الأيام.
ـ جاية تستعيدي لحظة انتصارك ولا أيه!
هكذا تحدث كمال بنبرة ساخرة لا تخلو من القسوة لتحاول السيطرة على نوبات الألم التي عصفت بها و استجماع المتبقي من ثباتها قبل أن تهمس بنبرة تئن وجعًا:
ـ قصدك لحظة انكساري!
اخذ حديثها على محمل السخرية ولكن كانت المرارة ترتسم على ملامحه حين قال:
ـ لحظة انكسارك! افتكر ان في نفس المكان دا طلبت منك تتجوزيني.
لم تفلح في ردع هجمات الذكريات التي غزت عقلها بضراوة و ما يصاحبها من ألم مرير ضجت به نبرتها حين قالت:
ـ لا يا كمال بيه. الموضوع كان قبل طلبك للجواز مني بكتير. تحديدًا يوم احتفالك الغالي انك بقيت المدير التنفيذي للشركة.
كان مظهرها مروعًا حين التفتت له، فقد كانت ملامحها لوحة حية عن الألم، و عينيها تمطران بغزارة بالإضافة إلى نبرتها التي يفوح منها رائحة القهر حين قالت:
ـ الشجرة دي شهدت على موتي في الليلة دي. المكان دا اتقتلت فيه انسانة بريئة كان كل حلمها تعيش و تفرح. اتشوهت فيه روح عمرها ما كانت تعرف يعني إيه أذى. هنا بالظبط اتقتل الخير جوايا واتزرع مكانه ألف بذرة انتقام.
تمام كمال مذهولًا:
ـ أنتِ بتقولي ايه؟
صرخت بنبرة تتقطع لها نياط القلوب:
ـ الليلة دي أنا اتكسرت هنا. اتعريت هنا. اتهانت و ادبحت برائتي هنا.
ضربت يدها بقوة على الشجرة خلفها وهي تتابع بكل ما يعتمل بداخلها من قهر:
ـ الشجرة دي هي اللي سترتني عن عيون الناس، لما ناديت على اختك و بنت اختك الحلوين كنت أنا مرمية تحتها برتعش من الخوف و البرد و الوجع، الدم اللي كان في أيديهم و انت فكرته لقطة في الشارع دا كان دمي.
كان الألم بصدرها لا يُطاق، و السبيل الوحيد للنجاة منها هي الصراخ حتى يهدأ ضجيج الذكرى بداخلها ولو قليلًا لتُتابع بنبرة مُلتاعة:
ـ هنا عروني يا كمال. هنا هانوني و ضربوني و عايروني بفقري، و أنت . أنت نادتلهم و طبطبت عليهم، و أنا. أنا ملقتش حد يطبطب عليا.. عارف؟
حاولت تهدئة أنفاسها الهادرة قبل أن تقول بنبرة تحترق قهرًا:
ـ أنا كنت بشوفهم في الحلم بيعملوا كدا فيا، و أقوم اصرخ. مكنش في حد بيطبطب عليا، و كل ما افتكر كلامك و حنيتك عليهم اكرهك معاهم.
خرجت الكلمات ترتجف ألمًا من فوق شفتيها حين تابعت:
ـ أنا هنا اتعلمت أكره، هنا حلفت لازم انتقم. هنا اتدمرت، و هنا بردو انت طلبت ايدي للجواز.
وضعت يدها فوق قلبها وكأنها تربت على وجعه قبل أن تقول بحزن:
ـ زي ما يكون الدنيا بتعايرني، و بتفكرني بوجعي في عز فرحتي. أنا ماخترتش أكون وحشة، ولا كنت اتمنى اكون شخص مؤذي. بس أنا كان جوايا بدل الجرح ألف.
رفعت رأسها تناظره بأسى تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ جرح قلبي، و جرح كرامتي، يمكن جروح جسمي مخدتش وقت، بس سابت أثر زيها زي كل الجروح اللي جوايا.
قالت جملتها الأخيرة بنبرة متحشرجة فكان مصعوقًا مما يسمعه، و مما يراه أمامه، فمن يراها الآن إمرأة تبدو و كأنها عادت لتوها من الجحيم بعد أن ظلت الشياطين تلاحقها لسنوات، ولكن ما أفزعه حقًا حين شاهدها تخر على ركبتيها وهي تحتضن معدتها من فرط الألم ليسقط بجانبها بلهفة وشفتيه تهمس باسمها دون وعيًا منه:
ـ آسيا.
أسندت رأسها فوق كتفه وهي تشهق بعُنف و كلماتها تخرج غير مفهومة لتلتفت ناظره إليه بألم كان يُذيبها كالشمعة وهي تصرخ بنبرة مُلتاعة مقهورة:
ـ أنا ليه حبيتك أنت دونًا عن كل الناس؟! اشمعني أنت! أنا كان نفسي أفضل اكرهك طول عمري زيهم. كان نفسي أفضل كرهاك و محبكش أبدًا. أبعد عني. أبعد..
قالت كلمتها الأخيرة وهي تدفعه لتتحامل على نفسها و تهب من مكانها مهرولة إلى الخارج لتتركه خلفها مصعوقًا مما رآه و سمعه.
قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي♥️
★★★
ـ أهلًا بالواطي الخسيس. يا راچل دانا جولت أن فيك شوية نخوة هيخلوك تدبح بت خالد الوتيدي تجوم تهروب زي النسوان!
هكذا تحدث رماح إلى أمين المُقيد و الملقى أرضًا في أحد المخازن ليهتف بحدة:
ـ ادبح بنته وهو ييجي يدبحني انا بعد كدا! بتلبسني معاه و بعدين تهرب!
قهقه رماح بشر قبل أن يقول بتقريع:
ـ ياخي استرچل دا خد منيك مرتك و ولادك. بدل ما تنتجم منيه بتلوم عليا!
أمين بغضب:
ـ انتقم منه لما أكون في قوي وقتها مش هكتفي اني ادبحه، لكن اروح انتقم منه وانا أضعف منه بمراحل! دا كدا اسمه انتحار، و أنا مش هضحي بنفسي عشان واحدة باعتني ولا حتى عشان عيالي.
رماح باندهاش من موقفه:
ـ ياختي داني فكرتك عاشجها!
أمين بخسة:
ـ بحبها اه مش هنكر لكن لو هعشق يبقى هعشق نفسي و مصلحتي. ولا ترموا بأنفسكم إلى التهلكة!
قهقه رماح بشر قبل أن يقول ساخرًا:
ـ لا تقي يا راچل! صدجتك أنا! المهم. أنت راچل واضح، وده يشفعلك عِندي. و عشان أكده هساعدك. لو كان الموضوع بالقوة و الفلوس يبقى سهلة. شوف محتاچ أيه واني معاك.
لمعت عيني أمين بالشر وهو يقول بخُبث:
ـ أيوا كدا. اقدر احارب وانتقم، و ارجع مراتي وولادي بمزاج.
رماح بتحذير:
ـ خلي بالك. مفيش حاچة هتعملها جبل ما ترچعلي.أني معنديش تهاون في الغلط. و مش هسمح لحد يلخبطلي خططي..
أمين بلهفة:
ـ لا من الناحية دي اطمن. أنت خطط وأنا انفذ. بس قولي بما أنك هتحطني في وش المدفع و تفضل في المداري. لما أنت عندك القوة و الفلوس والنفوذ مبتخلصش من خالد دا ليه؟
شرد رماح إلى البعيد وخيم الحقد على نظراته و احتل نبرته حين قال:
ـ مشكلتي مش مع خالد بس. أني مشكلتي مع كل واحد شايل اسم الوتايدة، و عشان اخلص منيهم لازمن اسقطهم واحد واحد. عشان اللي يقع فيهم مبلاقيش حد يسنده.
أمين باستفهام:
ـ طيب وهتعمل دا ازاي ؟!
رماح بمكر:
ـ كل حاچة متخططلها زين، و بدأنا التنفيذ كمان.
جذب انتباهه صوت رسالة نصية على هاتفه ليفتحها ثم ابتسم بشر فاستدار إلى الخارج ليقول بإجراء مكالمة هاتفية، وما أن أتاه الرد حتى أجاب بنبرة زائفة الحزن:
ـ جولت يا رماح بدل بتك مسألتش عنيك. أسأل أنت. يمكِن متعرِفش انك بتدور عليها. وحشتي أبوكي يا نچاة!
وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ♥️
★★★
ـ أيوا يا ياسر. ماما نامت خلاص و أنا طلعت أهو انت فين بقى؟
كان هذا صوت غنى التي تتحدث على الهاتف ليُجيبها صوت ياسر الحاد حين قال:
ـ ما تترزعي في البيت لحد ما آجي. طالعة تعملي أيه؟
غنى باستفزاز:
ـ أشم هوى يا ريس. بلاش؟!
ياسر بوعيد:
ـ والله! تشمي هوا؟! طب فكريني أطبق على زمارة رقبتك لما أشوفك.
غنى بدلال:
ـ أهو انا بقى واثقة و متأكدة أنك عمرك ما تعمل كدا. اعملك قفلة يا ريس و بلاها تهديدات انا قاعدة على قلبك ومربعة.
ياسر بابتسامة عذبة:
ـ بصراحة أنت واخدة القلب والروح والعقل وكل حاجة في الريس لحسابك، دا كفاية انك الوحيدة اللي مسموحلك تعمليله قفلة.
ابتسمت بدلال على حديثه، و سرعان ما انمحت بسمتها حين سمعت هذا الصوت الكريه خلفها:
ـ دا أنتِ طلعتي بتعرفي تضحكي و تدلعي اهو!
سقط الهاتف من يدها وهي ترى رأفت الذي كان يطالعها بأعيُن تطلقان الشرر بدلًا من النظرات..
رواية هل من سبيل للغفران الفصل الرابع عشر 14 - بقلم نورهان العشري
شعرت بأن صاعقةٍ قوية أصابت نبضها فأصبحت دقاتها تتقاذف بجنون حين استمعت إلى هذا الصوت الكريه خلفها لتحاول إقناع نفسها بأنها تتخيل ولكن لسوء حظها، فقد كان واقعًا يتمثل في رجل لا يُشبه سوى الشيطان يناظرها بكُره كبير كان أضعافه بقلبها مما جعل نبرتها تخرج مغلولة حين قالت:
ـ أنت بتعمل أيه هنا؟
رأفت بنبرة مُغترة:
ـ جاي لخطيبتي.
صُدِمت حين سمعت حديثه لتهتف بألم:
ـ خطيبتك! تاني هتظلم واحدة تانية معاك؟!
انتفض جسده جراء كلماتها التي ذكرته بنقيصته لذا صرخ مُهتاجًا:
ـ اخرسي. أنا اللي تتجوزني تبقى أمها دعيالها. أنما أنتِ واحدة أهلها رموهالي داعيين عليها. عشان كدا مكنش ليها في الطيب نصيب.
لم تعد الأمور كالسابق، فقد شعرت أمامه ولأول مرة أنها في موقف القوي أو على الأقل لم يكُن هناك من يدعم ذلك المُختل الذي تعرف جيدًا كم أنه ضعيف وعلى الرغم من أن الألم بدأ يزحف إلى جسدها و قلبها مع الذكريات ولكنها قالت باحتقار:
ـ قصدك ربنا نجدها من واحد مريض و جبان زيك.
برقت عيني رأفت غضبًا من حديثها لتُتابع قاصدة الثأر لنفسها التي دمرها هذا الوغد في الماضي على ذلك يهديء الألم قليلًا:
ـ و ياترى بقى غيرتوا الدكتورة اللي كانت أمك بتوديلها ضحاياك! ولا هي هي؟!
أعماه الغضب و الإهانة التي نالت منه في الصميم، مما جعله يقترب منها بغل تمكن من كل خلية منه ليتفاجئ حين صدمته سيارة ياسر الذي كان في طريقه إليها لتتوسع عينيه من فرط الغضب الذي احتدم في نظراته وهو يراها تقف مع هذا الوغد الذي رآه يقترب منها لتستيقظ شياطينه من سُباتها و يقوم بصدمه ليقطع رأفت أرضًا وهو يصيح بألم بينما غنى تراجعت للخلف وهي تشهق حين استمعت إلى صوت ياسر الغاضب وهو يزأر بوحشية:
ـ مالك ومالها يا حقـ…ير؟!
أنهى جملته وهو ينحني ليجذب رأفت من تلابيبه و الذي ارتجف جسده رعبًا حين وجد نفسه بين براثن هذا الثور الغاضب الذي برقت عروق رقبته وهو يتابع بشراسة:
ـ رد عليا…
رأفت بتلعثُم:
ـ ما. ماليش. دعوة. هي. هي اللي نادت عليا…
هوى قلبي غنى من كذب رأفت و امتقعت ملامحها وحين أوشكت على الحديثه صرخ بها ياسر:
ـ استنيني في العربية.
أما عنه فقد أسودت معالمه من إدعاءات ذلك الجبان، فهو يعلم علم اليقين أنه كاذب بل و حقير لذا هتف بنبرة مغلولة:
ـ أهي حقارتك دي اللي رمتك في طريقي عشان أخد حقها منك.
لم يتثنى لرأفت استيعاب حديثه ليقوم ياسر بتوجيه عدة لكمات إلى وجهه لينكسر أنفه الذي انبثقت منه الدماء وهو يقول بشراسة:
ـ و أدي إيدك اللي اتمدت عليها كسرناها.
قال ذلك وهو يقوم بثني ذراعه بيد و بالآخرى قام بتوجيه ضربة قوية في منتصف ذراعه ليصل إلى أذنيه صوت كسر عظامه وسط صرخات رأفت و نجيب غنى التي كانت ترتجف في السيارة ولا تقدر على الوقوف على قدميها من فرط الخوف لتراه يدفع رأفت على الأرض صارخاً بوعيد:
ـ لو لمحتك في مكان هي ماشية فيه. اعرف أن دا هيكون آخر يوم في عمرك، و الريس ياسر الوتيدي مبيهددش!
أنهى جملته و عاد إلى السيارة بملامح مُكفهرة و أعيُن لا زالت تلمع بوهج النار التي تجيش في صدره الذي كان صوت دقاته مسموعًا مما جعلها ترتجف بمكانها و عبراتها لا تمل من السقوط فالتفت يناظرها لوهلة قبل أن يقوم بجذبها إلى أحضانه لتنفجر في نوبة بكاء مريرة وهي تصيح من بين عبراتها:
ـ والله ما عملت حاجة يا ياسر. معرفش طلعلي منين بتلفت لقيته ورايا.
كان صدره يعج بغضب مرير، و غيرة قاتلة لو لم يتدخل عقله في اللحظة الحاسمة لكان أرداه صريعًا في الحال فقد كانت الغيرة كوحش ينهب قلبه مما جعله يهتف بنبرة حادة من بين أنفاس ثائرة:
ـ أنا عارف انك معملتيش حاجة. خلاص بطلي عياط.
لهجته الجافة كانت تنفي حديثه لتتراجع عنه ناظره في عينيه ليتركها و يقطع تواصلهما و ينطلق بالسيارة و إمارات الغضب لازالت بادية على وجهه مما جعلها تقول بخفوت:
ـ ياسر.
كان قلبه مرتعًا لجميع المشاعر المؤذية في هذه اللحظة. الغضب و الغيرة و الخوف أيضًا عليها من رؤيه هذا الوغد مرة آخرى. يخشى أن تنتكس حالتها و يعود معها إلى نقطة البداية و لكن كان الشعور الأول الذي يطغى عليه هو الغيرة التي تفترسه وهو يتخيل أنها كانت زوجته رغمًا عن علمه بكل ما حدث، ولكن ذلك الشعور الملعون لا يعترف بأي حقائق هو يقتل فقط.
ـ انزلي.
هكذا تحدث ياسر وهو يصف السيارة أمام المنزل لتناظره غنى بعتب قبل أن تترجل من السيارة ليظل بالداخل لدقائق غير قادر على المغادرة ليضع رأسه بين يديه، فالماضي مؤلم بكل ما تحمل الكلمة من معنى.
ولكن. هل الماضي مؤلم بالنسبة إليه فقط؟ أم هي ليها نصيب كبير من هذا الألم؟! عند هذه النقطة ترجل من السيارة متوجهًا إليها، فقد كان متأكدًا من أنها تبكي الآن و قد صح ظنه فقد كانت في حالة من الإنهيار التام وهي تتذكر كل ما مر عليها في الماضي و لازالت تستمع إلى ذلك الصوت المريع وهو يصرخ عليها و يُمطرها بلكماته حد شعورها بالألم و كأنه لازال يضربها للآن، ولكن قدوم ياسر انتشلها من تلك الذكريات المريرة التي تلسعها بسوط لا يعرف الرحمة ليُصدم من مظهرها المُزري و تُصدم هي من رجوعه ولكنه كان هنا. لذا هرولت مندفعه إليه وهو بالمقابل لتستقر بين ذراعيه التي حاوطتها بقوة وكأنه يعتذر عن كل ما حدث معها حتى غيرته الملعونة التي جعلته يتركها لهذه الدقائق وحدها.
أخذت تنتفض بين يديه وهي تهتف بشفاه مُرتجفة:
ـ متسبنيش يا ياسر. الله يخليك متسبنيش.
شعر بالخوف من حالتها ليشدد من ضمها وهو يقول بلهجة حانية مُتلهفة:
ـ أنا جنبك و عمري ما هسيبك أبدًا.
كانت تدفن رأسها بمقدمة صدره و يدها تحيط بها ذراعيها بقوة، فقد بدت و كأنها تتألم بقوة ليست روحها فقط المتأذية ولكن من الواضح أن للجسد ذاكرة أيضًا وقد عادت له جميع الذكريات و ألمها ليقوم ياسر بحملها ليتوجه بها إلى الأريكة و يجلسها بين ذراعيه يحاول تهدئتها:
ـ غنى حبيبتي. اهدي انا جنبك.
كانت ترى بوضوح عينيه التي تشبهان شيطان لا يعرف الرحمة وهي تنظران إليها و كأنها فريسة يخرج بها عجزه لينتفض جسدها بقوة وهي تهتف بحروف متقطعة:
ـ اوعى تسبني. متسبنيش. أن خايفة.
لأول مرة يشعر بهذا العجز وقلة الحيلة، فقد كانت الذكريات المريرة تهاجمها وهي بين يديه، حتى وجوده لم ينجح في انتشالها من هذا الألم، ليشعر بالضياع للحظات قبل أن يُقرر أن يفرض حضوره على عقلها ليمنع هذا الغزو الضاري ليقوم بوضع يديه أسفل ذقنها ليرفع رأسها إليه في ألتحام مُباغت لم يتوقعه عقلها الذي تشتت عن الألم للحظة ليسكن جسدها بين يديه للحظات كانت كافية لجعله يأخذ قراره، ليتصدى لكل هذا الذكريات المؤذية و يصنع آخرى رائعة ليقوم بفصل إقترابهم، ناظرًا إلى عينيها بعشق تجلى في حروفه حين قال:
ـ بحبك يا غنى.
ناظرته بضياع، فقد كانت في المنتصف الغير مفهوم لا هي سعيدة ولا حزينة، فقد ضغت الحيرة و بدد تشتتها الألم ليُعيد التحامهم مرة آخرى و يده تحنو فوق خصلات شعرها و الآخرى تمر برفق فوق صفحة وجهها ليمر وقتًا غير معلوم بالنسبة إليها، قبل أن يفصل اقترابهم مرة آخرى و يتراجع عنها ناثرًا عشقه فوق صفحة وجهها وهو يهمهم عاشقًا:
ـ أنا مش بحبك وبس. أنا بعشقك. أنتِ نور عيوني، و حبيبة قلبي.
كانت كلماته كسيمفونية رائعة تطرب آذانها التي افلتت كل الأصوات من حولها إلا صوته الحاني لتغمض عينيها و قد لانت ملامحها و كأنها في عالمًا آخر خاليًا من الألم ليشعر بأنه على الطريق الصحيح، فاقترب منها مرة آخرى ولكن هذه المرة أصبحت زوجته بالفعل و قد كان هذا أعظم شعور قد خابره في حياته، فلم يكُن يتخيل أن تهدأ بين يديه، ولكن حاجتها للهروب من ذلك الألم الضاري، و أيضًا ثقتها في أنه الشخص الوحيد الذي ستنجو معه من كل شيء جعلوا كل ما بها يتقبل قربه و خاصةً عقلها الذي شعر بأنه قربه هو الملجأ الآمن له من ألم لا يبرأ و أوجاع لا تهدأ.
اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وغلبة الدين وقهر الرجال♥️
★★★★★★
ـ لسه منمتش يا خالد!
هكذا تحدثت أشجان بنبرة مُتحشرجة وهي تقف خلف خالد الذي كان ينظر من الشرفة وما إن استمع إلى صوتها حتى استدار ناظرًا إليها بحب، فقد كان غارقًا بأفكار جميعها سوداوية ولكن رؤيتها بددت كل هذا السواد ليبتسم و يمد يده إليها وهو يقول بحُب:
ـ تعالي.
اقتربت تستقر بين ذراعيه واضعة رأسها على صدره وهي تقول بخفوت:
ـ حاسة بيك عمال تتقلب طول الليل. عايزة اعرف بتفكر في ايه؟
شدد خالد من عناقها قبل أن يقول بنبرة مغمومة:
ـ مفيش حاجة مظبوطة. كل الناس اللي حواليا حياتهم ملخبطة. كل واحد فيهم مشتت وعنده بدل المشكلة ألف، و دا في حد ذاته يقلق.
تراجعت عنه ترى عينيه التي كانت مليئة بالكثير من التعبيرات و أيضًا تلك النبرة القلقة لم تعهدها منه لذا قالت باستفهام:
ـ هو في حاجة حصلت جديدة؟ أنا حساك قلقان أوي.
مد يده يربت فوق خدها برفق قبل أن يقول بحنو:
ـ متقلقيش اوي كدا. مفيش حاجة جديدة حصلت. بس كل واحد فيهم لازم يفوق لنفسه.
قطع حديثهم رنين هاتفه ليجيب خالد فإذا به يستمع إلى صوت عمر المتعب:
ـ خالد. أنا محتاج اشوفك ضروري.
شعر خالد بأن الأمر كان كارثيًا مما جعله يقول باستفهام:
ـ شروق كويسة؟!
عمر بتعب:
ـ كويسة. بس مش طايقة تبص في وشي.
خالد بحنق:
ـ مش لوحدها. أنت فين؟
ـ هبعتلك العنوان. تعالى لوحدك يا خالد بالله عليك.
كان اليأس في صوته يبعث على الحزن مما جعل خالد يعده بذلك قبل أن يغلق الهاتف لتتحدث أشجان بلهفة:
ـ شروق كويسة صح ؟
خالد بطمأنه:
ـ كويسة متقلقيش عليها. بس شكلها روقت عليه و هو ابن حلال و يستاهل.
أشجان باستفهام:
ـ طيب أنا سمعاه بيقولك هبعتلك العنوان خدني معاك انا قلقانه عليها أوي.
خالد برفض:
ـ مش هينفع. انا هروح اشوف في أي و أنتِ نامي و ارتاحي. و لما اخلص هكلمك اقولك حصل أيه؟
أوشكت على الحديث فأوقفها قائلًا بنبرة حازمة بعض الشيء:
ـ مش هينفع يا حبيبي. قولتلك لما اخلص هكلمك.
انصاعت لرغبته و ابتسمت بهدوء قائلة:
ـ تمام، أنا مش جايلي نوم هروح اطمن سعاد هانم.
خالد بلهجة مُحذرة:
ـ خليها الصبح الوقت دلوقتي متأخر. و خلي بالك. ياريت متدخليش نفسك في أي حوار يخص شروق وعمر انا على آخري من نبيلة وجوزها و فاضلهم معايا غلطة.
ناظرته بقلق لا تعرف هل تقدم له هذه الغلطة و تخبره بما تعرفه علها ترتاح من هذا العبأ الذي تحمله بداخل قلبها ؟ أم تبقى صامتة؟!
غادر خالد، فتوجهت إلى غرفة الأولاد للإطمئنان عليهم، فإذا بها تستمع إلى صوت قادم من غرفة رنا التي كانت تقول بخفوت:
ـ أنتِ مجنونة يا سهيلة! هخرج ازاي دلوقتي؟ مينفعش. بابا و ماما لو صحيوا و ملقونيش في البيت هتبقى كارثة.
اللهم إني أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا طيبًا، وعملاً متقبلاً♥️
★★★★
كانت تحتضن نفسها تنظر إلى البحر عبر النافذة تتمنى لو تذهب إليه و تُلقي بجميع آلامها بين أمواجه لتعود بعدها بذاكرة خالية وقلب لا يحمل بداخله ندبات الماضي ولا يشوهه جراحه الدامية، ولكنها كانت أمنية بعيدة المنال يستحيل حدوثها، فالماضي هو من يُشكل الحاضر و يرسم خطى المستقبل و لذا فماضيها سيظل يلاحقها إلى أن يدفن جسدها تحت الثرى.
تنهيدة قوية خرجت من جوفها مصحوبة بعبرات هادئة دون صوت أو ضجيج فقد كان الضجيج يعج به صدرها وهي تتذكره. كيف كانت آمنه بجواره، هانئة بكل لحظة تحياها برفقته، كيف جعلها تدرك أن للحياة معنى و أن السعادة ليست سلعة نفيسة لا تملك ثمنها.
اخفضت رأسها وهي تعاتب نفسها قائلة:
ـ أنا ليه مكتفتش بيك يا كمال؟ ليه مقولتش كفاية السعادة اللي انا عيشاها جنبك؟
الإجابة كلمة كلمة واحدة " الماضي" هل من تملك ماضي سيء مثلها يُمكنها أن تحيا الحاضر بسلام؟
رن جرس الباب فنظرت إلى ساعتها لتجدها تُشير إلى الثانية بعد منتصف الليل. فظنت أنها قد تكون جميلة فقد أخبرتها سوزان بأنها ستقضي الليلة عندها نظرًا لحالتها فلم تهتم بالنظر إلى مظهرها الباكي ولا إلى ملابسها البيتية فقامت بفتح الباب، و إذا بها تتجمد بمكانها حين رأت كمال يقف أمامها:
ـ كمال!
هكذا همست بخفوت ولكن جذب انتباهها ملامحه الشاحبة و عينيه اللتان يتبلور بهم العذاب الذي كان الدافع الأول لقدومه إلى هنا، ولكن هاجس مُريع ضرب عقلها لتهتف بذُعر:
ـ شروق جرالها حاجة؟!
كمال بجمود:
ـ لا.
تنفست الصعداء حالما أجابها لتطلق نفساً قويًا جعله يقول بنبرة مُعذبة:
ـ شايفة النفس اللي أنتِ لسه وخداه دا! أنا من وقت اللي حصل مش عارف اخده. مش عارف اتنفس أصلًا. بس أنا تعبت.
كلماته نالت منها و بقوة، و تذكرت حالتها بعد تلك الليلة المشؤومة و كم كانت تشعر بأن الهواء لا يكفي لأنفاسها! كيف أن هناك شيء ثقيل يرسو بقوة فوق صدرها جاعلًا من تنفسها أمرًا مؤلمًا هبطت دمعة من طرف عينيها حين سمعته يقول بنبرة مُلتاعة:
ـ عايز اعرف اللي حصل زمان. ليلة الحفلة بتاعتي.
جاء الوقت الذي انتظرته، ولكن هل ستصمد أمام آلامها المريرة! تراجعت للخلف لتُفسح له المجال للدخول ليدلف إلى داخل الشقة لتهمس بنبرة مُتحشرجة:
ـ استناني هنا.
قالت جملتها و توجهت إلى الداخل تجر بأقدامها لتقوم بفتح الخزانة و جلب تلك الحقيبة التي تحمل جزءً كبيرًا من الماضي و آلامه مما جعل جفونها تكتظ بالعبرات ولكنها لم تردعها هذه المرة، فلن تحتمل أن تسقط أمامه من فرط الألم، فلتترك العبرات تخفف من ثقل العذاب ولو قليلًا.
كان جالسًا كمن يجلس على جمرات الخوف من القادم، فقد رأى بعينيها صباحًا ماهو أبعد من الألم، فقد كانت الحروف تحترق قهرًا فوق شفتيها و نظراتها المُعذبة تشكوه لوعة ما ألم بها تلك الليلة، فلم يحتمل البقاء للصباح و أتى لمعرفة ما حدث.
تفاجيء حين وضعت أمامه على الطاولة هذه الحقيبة البلاستيكية ليناظرها بأستفهام، أجابت هي عليه قائلة بنبرة مبحوحة:
ـ افتحها.
مد يده ليقوم بفتحها فوجد ثوبًا اسود اللون ممزقًا و كأنه كان فريسة لأحد الذئاب، و أيضًا خصلات الشعر ، و هناك ورود بيضاء كانت تُزين الفستان ولكن كان يُلطخ بياضها قطرات من الدماء ليشعر بالتشتت قبل أن يبدأ في ربط حديثها صباحًا بما يراه الآن، ولكنها لم تمهله الوقت بل شرعت تروي فجيعتها بحروف كشواظ من نار:
ـ دا كان أول فستان أشتريه في حياتي. كنت جيباه و فرحانه بيه قد الدنيا. كان فرح غنى و كنت بعد الدقايق عشان البسه. و كنت فرحانه بنفسي أوي. كانت أول مرة أشوف نفسي بنت حلوة زي كل البنات اللي بشوفهم. بس للأسف هما استكتروا عليا دا.
رفع رأسه يطالعها بصمت مُعذب لتتابع بنبرة تئن من فرط الوجع:
ـ روحت أنا ورؤوف بالليل عشان تجيب ماما. اصل نبيلة هانم مردتش تديها إجازة تحضر فرح بنت اختها، و قالتلها أن حفلتنا أهم من القرف دا. و دي بصراحة كانت المرة الأولى اللي أشوف فيها حفلة من بتوع الناس الأغنية. فضلت اتفرج من بعيد وانا مستنيه ماما. عند الشجرة اللي فكرتني النهاردة واقفة قدامها استعيد لحظة انتصاري!
تعالت نهنهاتها و هي تُتابع بقهر:
ـ يومها شافتني ميرهان و هايدي، و بدأت وصلة المعايرة و الإهانة، ولما رديت عليهم. كانت دي جزاتي.
اقتربت تمسك قماش الفستان الممزق وهي تصرخ بلوعة:
ـ ضربوني و بهدلوني، و عروني الفستان دا اتقطع عليا وانا لبساه، و الشعر دا شعري، و الدم اللى على الورد دا دمي. كانوا بيضربوني بإيديهم و رجلهم. كتموا صوت صريخي عشان يكملوا فيا ضرب. موقفهمش غير لما سمعوك بتنادي عليهم. فاكر؟!
كانت العبرات تتدحرج من مقلتيه بينما عينيه جاحظة من هول ما يسمعه ليجعله حديثها يعود إلى الخلف لهذه الذكرى البعيدة، فأعادت عرضها أمام عينيه وهي تخبره حديثه نصًا:
ـ حد يقرب من حيوانات الشارع بالطريقة دي؟! افرضي فيها حشرات ولا مليانه جراثيم تموتي دلوقتي!
صرخت بملء صوتها وهي تتابع:
ـ مكنتش حيوانات يا كمال. دي كانت أنا... دا كان دمي. انا كنت بعيط و جسمي بيرتجف من الوجع والبرد. الشجرة دي اللي سترتني. و دارتني عن عيون الناس. محستش بيا يا كمال. مسمعتش صوتي.
حملته أقدامه ليقف مبهوتًا فاغرًا فاهه من حديثها المُريع الذي كان كشاحنة ضخمة دهست قلبه دون رحمة لتُتابع صارخه:
ـ عارف أنا روحت لرؤوف ليه؟ عارف كنت بعاتبه ليه؟ عشان هو الوحيد اللي حس بيا. هو الوحيد اللي جري يدور عليا و يشوفني اتأخرت ليه! شافني مرمية على الأرض وأنا بنزف من جسمي و وشي. هو اللي شاركني ألمي و وجعي و أسوء ذكرياتي. هو اللي غطاني و قلع قميصه ولبسهولي و سندني وروحني. لو هو مكنش موجود مكنش هيطلع عليا نهار يومها.
سقطت جالسه على المقعد خلفها وهي تتابع بنبرة تحترق كمدًا:
ـ عشان كدا عاتبته. قولتله ليه تحط إيدك في إيدها. دا انت شوفت بعينك. هو شافني….
لم تقدر على الاستمرار في الحديث أكثر من ذلك، فأخذت تبكي بقوة و جسدها ينتفض أمام عينيه حتى سقطت على ركبتيها فقد كان هو الآخر يبكي كما لم يفعل من قبل. ولأول مرة عقله لا يعجز عن التصرف تتفرق نظراته ما بينها وبين الفستان الممزق بقوة وهو يتخيل قسوة ما حدث، فقد كان مجرد التخيل يذبح قلبه بلا رحمة، فكيف بشعورها هي!
لا يعلم كيف سقط بجوارها يحتضنها بقوة وهو يبكي بقهر لم يشعر به طوال حياته، ولكن كان الأمر هائلًا بداخلها حد تفاقم آلام جسدها الذي بدأ يُعلن عن ثورته، وهذا ما لم تكن قادرة على احتماله لتجذب نفسها من بين يديه، و هي تهتف بنبرة مبحوحة:
ـ امشي يا كمال.
تراجع إلى الخلف يناظرها بعذاب و قلب يأبى مفارقتها فلم يكن يعلم أن هذا العذاب أضعافه بقلبها و جسدها الذي بدأ بخيانتها، فتغضن جبينها بالألم، ولكن كان صوت سوزان هو المنقذ حين جافاها النوم، لتقوم بالتوجه إليها للإطمئان على حالتها فإذا بها تتفاجيء بآسيا التي تفترش الأرض و الألم بادٍ على ملامحها، وكمال يجلس بجوارها لتهتف بصدمة:
ـ في أيه؟
تحاملت آسيا على آلامها لتهرول تجاهها وترتمي بين ذراعيها وهي تصرخ بألم:
ـ مشيه يا سوزي. قوليله يمشي. ياخد كل حاجة تفكرني بيهم ويمشي.
كان هذا أقسى ما يمكن احتماله خاصةً في هذه اللحظة لينصب عوده ويقترب منهما وهو يقول بنبرة مُلتاعة:
ـ آسيا.
شعرت سوزان بالبلل فوق كتفها الأول، فعلمت ما حدث لتقول بنبرة صارمة:
ـ امشي يا كمال لو سمحت.
لم ينتظر أكثر من ذلك ليندفع إلى الخارج تزامنًا مع انهيارها التام، فهتفت سوزان بذُعر:
ـ آسيا.
كانت الدماء تنبثق من فمها لتخرج الكلمات خافتة متقطعة من فمها:
ـ اوعي تخليه يشوفني كدا. ابوس ايدك يا سوزي.
اللهم يا رازق السائلين، يا راحم المساكين، يا غياث المستغيثين، إياك نعبد وإياك نستعين، يا مقيل العثرات، يا قاضي الحاجات، اقض حاجتي وفرج كربتي وارزقني من حيث لا احتسب♥️
★★★
ـ خلاص بقى يا ميرهان سامحيني. قولتلك بخاف اجي من خالو خالد. لو شوفتي نظرته ليا تقولي قتلاله قتيل.
هكذا تحدثت هايدي إلى ميرهان التي كانت غاضبة منها بشدة نظرًا لكونها تجاهلتها ولم تحاول رؤيتها سوى مرات بسيطة طوال الوقت الماضي
ـ بتضحكي على مين! دانا عرفاكي اكتر من نفسك. أنتِ لقيتي ميرهان مش هتخرج معاكي ولا منها منفعة قولتي افكني منها و أشوف نفسي.
شعرت بالملل منها لذا هتفت بحنق:
ـ خلاص بقى. قولتلك كنت بخاف آجي بسبب خالو، وبعدين مراته الجربوعة دي مبتنزليش من زور. و مش هاجي بقى اتمسح فيها واقولها والنبي خليني اشوف ميرهان!
ميرهان باحتقار:
ـ طول عمرك واطية.
ضيقت هايدي عينيها بخُبث تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ الواطية دي جيبالك أخبار عن حبيب القلب.
انتفضت ميرهان في جلستها وهي تهتف بلهفة:
ـ رؤوف!
ـ هو.
ميرهان بقلب اهتاجت دقاته حين استمعت إلى اسمه:
ـ شوفتيه فين ؟
هايدي بمكر:
ـ صالحيني الأول.
ميرهان بنفاذ صبر:
ـ تخلصي بقى. صالحتك.
اندهشت من حالتها، فقد تبدلت كُليًا حين أتت على ذكر اسمه لذا شرعت تقص لها ما حدث:
ـ أبدًا يا بنتي. فاكرة الشقة اللي كنتوا عاملينها مكتب! كان كام خال دانيا عشان يبعتله المفتاح قبل ما يسافر و مكنش في حد ياخده منه، فقاله خليه معاك و بعد لما رجع كلمه تاني فقاله أنه هيخلي دانيا تقابله تاخده منه و أداله رقمها كلمها و كنت أنا معاها روحنا نقابله و خدته منه بس.
انقبض قلبها بألم، فهل سافر و عاد مرة آخرى دون أن يكلف نفسه عناء التواصل معها؟! ألهذه الدرجة لا يهمه أمرها!
ـ مالك سرحتي في أيه؟
هكذا تحدثت هايدي لتُجيبها ميرهان بحزن:
ـ مسألكيش عني!
هايدي بنفي:
ـ لا هو أصلًا مشافنيش. دانيا نزلت اخدت منه المفتاح وانا كنت في العربية. بس على فكرة هي شكلها اعجبت بيه.
أصابتها جملة ميرهان الأخيرة في الصميم لتهتاج مشاعر الغيرة داخلها مما جعلها تقول بحدة:
ـ مين اللي قالك كدا!
هايدي بلامُبالاة:
ـ هي اللي قالت كدا.
ـ أيوا قالت ايه بالظبط يعني ؟!
هكذا صرخت ميرهان غاضبة لتُجيبها هايدي بذهول:
ـ في أيه يا بنتي ما تهدي شوية. قعدت تقول عنه أمور و شخصية و كاريزما. و حاجات كتير كدا..
هبت ميرهان من مكانها وهي تصيح بغل:
ـ الحيوانة. هي لسه معاها رقمه؟!
هايدي بسخرية:
ـ معرفش والله. بس أكيد يعني بقولك كلمته عشان تقابله تاخد منه المفتاح.
كانت تحترق من فكرة أن تقترب منه تلك الفتاة لذا قالت بحدة:
ـ بقولك ايه؟ لو طلبت منك تعملي حاجة عشان تعمليها!
هايدي بانتباه:
ـ حاجة اية ؟ اطلبي.
ميرهان بجمود:
ـ تقابلي رؤوف.
اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن ♥️
★★★★★
وصل خالد إلى العنوان الذي أرسله إليه عمر ليترجل من سياراته متوجهًا إلى المنزل المكون من طابقين، و الذي كان أمام البحر مُباشرةً في شاطيء معزول نسبيًا، فما أوشك على دق الباب حتى وجد عمر يفتحه، فقد رآه من النافذة ليناظره خالد بشمولية ليتأكد من أنه لم ينم الليلة الماضية، وها قد بدأت الشمس بنشر دفئها في المكان ولكن بعض القلوب لم يكُن لها نصيبًا منه.
تراجع عمر الى الخلف ليدلف خالد إلى الداخل ولكنه لم يرى شروق له إلى غرفة مريحة حوائطها من الزجاج، يبدو أنها غرفة المعيشة ليجد عمر يستقر على الأريكة فاستفهم خالد قائلاً:
ـ فين شروق؟
عمر باختصار:
ـ فوق.
خالد بجفاء
ـ عايز اشوفها.
عمر بنبرة مُتعبة:
ـ قبل ما تشوفها عايز اتكلم معاك.
اقترب خالد يجلس على المقعد بعد أن فتح اذرار بذلته واضعًا قدمًا فوق الآخرى ليبدأ عمر حديثه قائلًا بنبرة مُشجبة:
ـ أنا بحبها.
خالد بفظاظة:
ـ و أيه الجديد ؟
عمر بتعب:
ـ الجديد اني اعترفت بدا. مبقتش قادر اهرب منه. يمكن عشان مكنتش متخيل اني ممكن اني بحبها أوي كدا.
صمت لا يعرف كيف يصيغ حديثه ليقول خالد بنفاذ صبر:
ـ أوي كدا اللي هو ازاي؟ ما تنجز. هو أنت تقلب الدنيا و تفضحنا قدام الناس و تاخدها و تهرب و جايبني آخر الدنيا في نص الليل وجاي تنقطني بالكلام! عمر. أنا على آخري منك. اخلص.
هب عمر من مكانه وهو يهتف بصوت اخترق سمعها في الأعلى:
ـ ماشي يا خالد. أنا بحبها. مقدرش اعيش من غيرها. لما اتحطيت في اختيار بينها وبين كل الحاجات اللي فاكرها مهمة في حياتي اختارتها هي.
ارتج قلبها من حديثه لتقف أعلى الدرج تستمع إلى تلك المحادثة الشائكة فوصلها صوت خالد الذي قال بجفاء:
ـ و بعدين!
عمر بنبرة متألمة:
ـ أنا مش عارف اعمل ايه عشان تصدق اني بحبها. أنا جرحتها كتير. بس غصب عني. دي اول مرة احس بالمشاعر دي ناحية حد. أنا أصلًا كنت رافض المشاعر دي من البداية. رافض اني اسمحلها تدخل حياتي. و مرتب كل خطوة في مستقبلي. لحد ما جت هي…
زفر بتعب وهو يتربع على المقعد قائلًا بقلة حيلة:
ـ جت هي لخبطت كل حاجة. لخبطتني أنا شخصيًا. لقيتني بغرق في حاجات جديدة عليا. لقيتها بتتمكن مني واحدة واحدة، وأنا من جوايا حتى مش بقاومها. لكن عقلي كان رافض و كان طول الوقت بيقولي اقف، فرمل. مين هينفع. بس في النهاية لقيتني بحبها. وانا مكنتش عايز كدا أبدًا. أنت اكتر حد فاهمني يا خالد.
خالد بجمود:
ـ أنت مشكلتك مش مع شروق يا عمر. أنت مشكلتك في الحب نفسه. مفكر ان الحب دا ضعف، وانك لو سمحتله يدخل حياتك هيحولك لنسخة انت بتكرهها، والحقيقة أن دا غباء أو خلينا نقول تفكير محدود. ما عندك ياسر اهو. بيحب مراته لكن هل معناه أنه ضعيف قدامها! بلاش ياسر. رحيم… هل حبه لمراته معناه أنه ضعيف..
صمت لثوان قبل أن يتابع قائلًا:
ـ خلينا نركن كل دول على جنب. أنت عايش معانا و شفت انا كنت بحب سهام قد ايه. هل دا خلاني ضعيف قدامها!
عمر باندفاع:
ـ بس كنتوا طول الوقت في مشاكل وصراعات و دايمًا كنت بحس انها عايزة تبقى راسها براسك.
خالد باستفهام:
ـ و كانت بتقدر تعمل دا؟
عمر بهدوء:
ـ بصراحة لا.
خالد بتوضيح:
ـ خليني بس اوضحلك. موضوع راسها براسي دا. أولاً مراتي في نفس مكانتي بالظبط لا بتزيد ولا بتقل و كرامتها من كرامتي، و انا معنديش اي مشكلة أني اخد رأيها واسمع منها، لكن. اني الغي عقلي قدامها دا هو اللي غلط. أنها تفكر مجرد تفكير تقلل مني دا أصلًا شيء غير مطروح. أنها تتجاوز معايا حدود الأدب دا بردو أنا عمري ما هسمح بيه. وهنا بقى الفرق. ان الراجل يبقى محافظ على مكانته و هيبته و على شخصيته قدام مراته.
صمت لثوان قبل أن يُتابع بتقريع:
ـ المشكلة في الراجل مش في الست. لو انت شايف بقى انك متقدرش تعمل كدا قدام مراتك يبقى دي مشكلتك مش مشكلتها.
أصابت كلماته عمر في الصميم ليهب من مكانه قائلًا:
ـ لا المشكلة فيهم. المشكلة أنهم بيستغلوا حبنا غلط، و بيزيفوا الحقايق عادي. وعشان انا بتحب هتصدق.
خالد باستفهام:
ـ وانت فين عقلك من اللي بتسمعه؟
عمر بحدة:
ـ حتى لو عرفت الغلط من الصح. مش هتقدر بردو تاخد موقف عشان بتحب.
خالد بنفاذ صبر:
ـ مسمهاش تاخد موقف. اسمها تقوم مراتك و تفهمها الغلط و تتعامل معاه. أنت بتتكلم في ان الراجل دايمًا في موقف ضعف و طرف مبيلقيش قدامه اي حل غير أنه يرضخ، والكلام دا مش مظبوط.
كان هذا ما رآه طوال حياته، وما شب عليه وما ساهم في تشكيل شخصيته أو لنقل ما تسبب في إعوجاج تفكيره إلى هذا الحد.
تابع خالد حديثه قائلًا:
ـ أنت عندك عقد نفسيه يا عمر. محتاج تتعالج منها.
عمر بسخرية مريرة:
ـ يظهر كدا.
خالد بنبرة مُحذرة:
ـ خلينا متفقين أن مشاكلك النفسية هي ملهاش دعوة بيها. بنت الناس ملهاش ذنب تتحمل كل دا، وكان مفروض تروح تتعالج من عقدك ومشاكلك دي الاول قبل ما تظلمها معاك.
عمر بأسف:
ـ مانا مكنتش اعرف اني هحبها كدا. أنا على قد ما حبيتها على قد ما خذلتها. لدرجة اني عارف انها هتبقى معذورة لو كرهتني. بس أنا اقسم بالله بحبها.
تأثر كثيرًا بحالته فلأول مره يراه هكذا مما جعله يقول بهدوء:
ـ اقعد يا عمر.
اطاعه عمر بصمت ليُتابع بقسوة كان لابد منها الآن:
ـ شروق في يوم من الأيام كانت مراتك، وأنت اللي كنت رافض تعترف بدا. و معتقدش أن شخصية زي شروق هتقدر تغفرلك حاجة زي كدا.
أوشك على الحديث ولكن يد خالد أوقفته ليُتابع قائلًا:
ـ اسمعني الأول. أنا عارف اللي عندك، وعارف انك في النهاية عرفت انك بتحبها. بس لازم تسمع مني الكلمتين دول.
ازعن عمر لخالد الذي تابع بنبرة خشنة:
ـ قولتلي قبل كدا انك طلقت شروق عشان مش مناسبة ليك. بس خليني اقولك كراجل بقى أنا شايف شروق ازاي ؟
تنبهت جميع حواسه لحديث خالد الذي تابع بنبرة قوية:
ـ شروق بنت تتاقل بالدهب. بنت نشأت في ظروف صعبه اتيتمت وهي صغيرة. عرفت أن أمها ليها عيلة كبيرة من أغنى العائلات، و رفضت تجري عليهم بسبب اللي عملوه في أمها زمان، ودي اسمها عزة نفس و كرامة. اشتغلت وهي بتدرس و اتبهدلت عشان تصرف على نفسها وعلى أختها اتحوجت كتير لكن فضلت محافظة على نفسها. اقولك كام واحدة بتسمح لنفسها تمشي في طريق الغلط بحجة الاحتياج؟ بس هي معملتش دا. بالعكس. عافرت عشان متقعش في الغلط، ودا اسمه احترام.
صمت خالد يتابع وقع الحديث عليه قبل أن يُلقي ها الاستفهام في وجهه بكل قسوة:
ـ بنت جميلة و محترمة و متربية، و مكافحة. عندها عزة نفس و كرامة أنت كراجل عايز ايه في مراتك اكتر من كدا؟!
كانت الكلمات كالرصاص تستقر في عقله المريض الذي صور له ذات يوم أنها لا تناسبه، لتأتي كلمات خالد القاسية لتُجهز على الباقي من ثباته حين قال:
ـ خليني بقى اقولك أن في الوقت اللي انت بتسمع لعقلك المريض اللي عمال يدوس على مشاعرك تجاهها أن في واحد زي راجي الجيار من أكبر عيلة في الصعيد راجل معاه دكتوراه، و ماسك رئيس مجلس إدارة مجموعة شركات تقريبًا في نفس قوة شركاتنا يعني ميقلش عنك دا بالعكس يزيد. بيحبها وعايز يتجوزها. لا هامه بقى هي مين؟ ولا بنت مين! ولا ابوها كان شغال ايه؟ ولا حتى فرقله أنها مطلقة.
جن جنونه وهب من مكانه يزأر كالأسد الجريح:
ـ دا بعينه. شروق دي مراتي. حبيبتي. محدش هيقدر ياخدها مني..
خالد بحدة:
ـ الكلام دا لما هي كمان تبقى عيزاك.
ـ بس أنا مش عايزاه.
هكذا تحدثت شروق وهي تدلف إلى داخل الغرفة لتقع عليها نظرات عمر المُعذبة لتتجاهلها ناظره إلر خالد الذي قال بنبرة آمرة:
ـ سيبني شوية مع شروق.
لم يجادله انما خرج وكأن المكان يضيق به حتى كاد أن يختنق ليغادر على الفور، فالتفت خالد ينظر إلى شروق قائلًا بهدوء:
ـ اقعدي يا شروق. محتاجين نتكلم مع بعض.
جلست شروق وقد نزعت عنها قناع القوة ليتجلى الألم بوضوح فوق ملامحها مما جعل خالد يبدأ حديثه قائلًا بنبرة خشنة:
ـ قبل ما نتكلم لازم تعرفي ان عمر فعلًا بيحبك، و أكيد انتِ عارفة عواقب اللي عمله دي هتبقى صعبة قد ايه.
اومأت برأسها دون حديث ليُتابع خالد مستفهمًا:
ـ أنتِ سمعتي كلامنا صح؟
شروق بخفوت:
ـ صح.
خالد بجمود:
ـ كويس. يعني كل حاجة بقت واضحة قدامك.
كانت تتألم بقوة، مُجبره على رفضه في الوقت الذي قرر هو الاعتراف بها، وكم كان هذا قاسيًا أنه لا شيء يمكن أن يشفع له عند كرامتها. لا عشقه ولا ندمه ولا وجعه. لذا اخفضت رأسها وهي تقول بنبرة يقتلها الألم:
ـ فعلًا كل حاجة بقت واضحة، و مبقاش ينفع نكون لبعض.
كان يشعر بالأسى لأجلهم، ولكنه لابد أن يضع الأمور في نصابها الصحيح لذا قال بخشونة:
ـ أنا عرفت من أشجان أن راجي طلب إيدك للجواز. هتوافقي؟
رفعت رأسها تطالعه بتعب تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ مش عارفة. للحظة كنت هوافق.
خالد باستفهام:
ـ هينفع تتجوزي واحد وأنتِ بتحبي واحد تاني؟!
هزت رأسها بالرفض ليُتابع بنبرة جافة:
ـ يبقى ترجعي لعقلك. قصتك أنتِ وعمر مينفعش فيها طرف تالت. حرام راجي يتأذي من غير ذنب. عاقبي عمر زي ما أنتِ عايزة، وانا معاكِ. لكن متظلميش حد تاني.
شروق بخفوت:
ـ عندك حق.
خالد موضحًا:
ـ كلامي دا حتى لو قررتي فعلًا تبعدي عن عمر. أنا عارف راجي كويس. وهو ميتحقش غير كل احترام، وانتِ كمان لازم عشان تبدأي من جديد تقفلي على القديم.
شروق بأسى:
ـ طب ازاي! ازاي اقفل عليه بعد اللي عمله. أكيد الناس كلها بتتكلم عني. حتى راجي نفسه استحالة هيقبل على نفسه اللي حصل دا. عمر مش بيحبني عمر مصمم يدمرني عشان يضمن اني مكونش مع حد غيره.
خالد بنبرة قاطعة:
ـ لا. لو هو فعلاً كدا كان ممكن يعمل اي حاجة في الدنيا عشان يبعدك عنه إلا أنه يعمل اللي عمله دا. عمر ولع في الدنيا و خدك و مشي. هو فعلاً بيحبك. بس زي ما قولتله هو محتاج فعلًا يتعالج، و أنتِ مش مجبرة انك تتحملي مشاكله النفسية.
شروق بلوعة:
ـ أنا بدفع تمنها. زي ما ماما كانت بتدفع التمن مع نبيلة.
كانت محقة، وكان هو آسفًا يشعر بالخزي من شقيقته التي لا يجد لها شيئًا واحدًا يمكنه أن يحسن صورتها ولو قليلًا لذا قال بجفاء:
ـ عندك حق. بس عمر مش زي نبيلة. عمر مش حالة ميئوس منها. صدقيني.
شروق بتعب:
ـ قولي اعمل ايه؟ انا تعبت بجد.
خالد باستفهام:
ـ قبل اي حاجة. عايز اعرف. عمر مالوش اي رصيد جواكي يشفعله عندك؟!
غامت عينيها بألم وهي تتذكر المرات التي وقف بها أمام والدته لأجلها، و أبيه أيضًا وكم كان يدافع عنها ولا يسمح لأحد بالتطاول عليها. تتذكر كم كان حانيًا في أوقات كثيرة، وكم كانت الذكريات رغم كل شيء تؤلم لذا زفرت بتعب تجلى في نبرتها وهي تقول:
ـ مش هقدر أنكر انه وقف قدام أهله عشاني، و مسمحش لممته تجرحني أو تأذيني. لولاه كانت بهدلتني انا و جميلة. دا كمان وقف قدام خالي، و مسمحلوش يمد إيده عليا.
خالد مُعقبًا:
ـ حلو. يعني بالرغم من كل شيء كان جنبك وفي ضهرك. و عشان بس اوضحلك احنا كلنا اتربينا في البيت دا على العزة بالاسم، و أن الوتايدة دول أحسن ناس في الدنيا، وحتى في اختياراتنا كما مجبرين نختار احسن حاجة حتى لو مش هتناسبنا. اه مش كلنا كنا بنرضخ و كل واحد فينا كان له رؤية في الشيء المناسب له. بس صدقيني هي طريقة غلط. زمان كانت الناس عندها كبر غريب و للأسف عمر اترسخ دا جواه، وخلاه اعمى عن حاجات كتير.
شروق بتهكم:
ـ عارفة. اذا كانت جدتي اعتبرتها ميتة عشان اتجوزت باباو واهي بنتها.
خالد بنبرة هادئة:
ـ خلينا في المهم. عمر محتاج انك تعلميه الأدب. تخليه يلف حوالين نفسه لحد ما يعرف قيمتك. هتستغربي كلامي. بس هو دا الحل. أنتِ بتحبيه، وهو بيحبك عشان تدخلي حد بينكوا هتبقي بتظلميه، و بتظلمي نفسك معاه. فكري في كلامي وقرري
كان مُصيبًا في حديثه ولكنها كانت بحاجه الى وقتٍ اطول في التفكير لذا قالت بتعب:
ـ أنا فعلًا محتاجة وقت افكر. بس في الغالب مش هقدر ارجع لعمر حتى لو حياتي هتقف بعده. عمر مش بس آذاني. عمر خاني كمان.
ـ نعم! هو مين دا اللي خانك؟!
هكذا تحدث عمر الذي عاد ليرى ماذا حدث ليتفاجيء بحديثها الذي جعل عينيه تبرقان من شدة الصدمة لتهتف هي بحدة:
ـ اسأل نفسك.
عمر بلهفة:
ـ اسأل نفسي مين! شروق متجننيش انا عمري ا خنتك، ومن يوم ما اتجوزتك حتى مبصتش لواحدة.
شروق بتهكم:
ـ و بالنسبة لمصطفى اللي كلمته عشان تتقابلوا مع بنات. أنا سمعاك بودني على فكرة.
هتف خالد بنبرة سوداوية غاضبة:
ـ الكلام دا حصل؟
عمر باندفاع:
ـ حصل، وفعلًا روحت. بس مطلعتش. والله ما طلعت. لو تفتكري رجعتلك على طول، وقولتلك مقدرتش اعمل فيكِ كدا. وأنتِ يومها صممتي تطلقي، وقعدتي تستفزي فيا لحد ما طلقتك.
شروق بانفعال:
ـ طلقتني عشان استفزيتك ولا عشان كنت ناويها عشان ناوي تتجوز حبيبة القلب الست شاهي هانم.
عمر بصدمة:
ـ شاهي مين وزفت مين؟ هو أنتِ شاربة حاجة! مانا سيبتها في نص الحفلة و جبتك و جيت على هنا.
شروق بحدة:
ـ عشان شوفتني مع راجي. لكن قبل كدا كانت حبيبة القلب، و كنت بتستغفلني.
كان خالد يتخد جانب الصمت تعجبه هذه المواجهة كثيرًا، فالاثنان بحاجة ماسة إليها
ـ شروق متجننيش. شاهي ايه وزفت ايه؟ والله ما كنت بكلمها ولا بعبرها حتى لما اتنيلت خطبتها مبصتش في وشها غير يوم الخطوبة..
صاحت باهتياج:
ـ كذاب يا عمر. أنا بعيني شايفة رسايلكوا على الواتس، واتفاقها معاك انكوا هتسهروا سوى.
كاد أن يتحدث عمر ليستفهم خالد قائلًا:
ـ الكلام دا كان امتى يا شروق؟
شروق بجفاء:
ـ قبل ما نطلق. كان بيضحك عليا ويقولي أنه رايح المستشفى، و لما يرجع هنتكلم و نحل كل حاجة، و من سوء حظه نسي تليفونه على الشاحن و دخل الحمام، جتله رسالة على التليفون. فتحتها لقيتها منها. أيه هتكذب عيني يا دكتور عمر ؟
كان عمر غارقًا في الصمت. لا يتخيل عقله تلك الذكرى التي لم يظن أن لها أهمية، ولكنها كانت سببًا قويًا في تدمير كل شيء ليقوم بجذب هاتفه و يبحث في الرسائل ليشغل هذا المقطع الصوتي الذي أرسله إلى هذه الفتاة ذلك اليوم:
ـ قرفتيني. عماله تبعتي رسايل من امبارح و تحذفيها. شاهي فكك مني. أنتِ زيك زي هايدي عندي، روحي شوفي بتعملي أيه بعيد عني.
ضيقت شروق عينيها باستنكار فيما هتف خالد مستفسرًا:
ـ يعني ايه عماله تبعت رسايل و تحذفها ؟
عمر بنبرة ضائعة:
ـ شروق عندها حق. اليوم دا انا طلعت من الحمام لقيت شاهي بعتالي رسايل و حذفتها.
هتفت شروق باستنكار:
ـ عايز تفهمني أنها بعتت الرسايل عشان أنا أشوفها و حذفتها قبل ما انت تشوفها؟ ياااه. للدرجادي دي لو مرقبانا في الاوضة و سامعه كلامنا عشان أول ما تدخل الحمام تبعتلي الرسالة أشوفها، و بسرعة قبل ما تخرج تقوم هي حذفاها! معقول قدرت تظبطها بالدقيقة كدا!
تجمدت الحروف فوق شفاهها حين شاهدت ضحكة عمر الصاخبة البعيدة كل البعد عن المرح قبل أن يلتفت ناظرًا إلى خالد الذي هب من مكانه إثر حديث عمر الذي قال بسخرية مريرة:
ـ تفتكر قدرت تظبطها كدا ازاي؟
أخذ يوميء برأسه وقد تيقن أن للشياطين يد في تحريك حياته ليأتيه صوت خالد الذي قال بتعقل:
ـ خلينا نفكر بعقل يا عمر.
رفع عمر رأسه لتشهق شروق و تتراجع إلى الخلف من مظهره، فقد كانت ملامحه مكفهرة بشكل غريب، و عينيه و كأنهم مرآه للجحيم بالاضافة لأنفاسه الثائرة، وصدره الذي يعلو و يهبط بقوة ليبدو كالوحوش بحق و خاصةً حين تحدث بنبرة شرسة:
ـ وصل شروق بيتها.
التفت مُغادرًا ليلحق به خالد الذي قبض على ذراعه وهو يهتف بحدة:
ـ اقف هنا رايح فين؟
نفض عمر يده من يد خالد وهو يزأر بوحشية:
ـ رايح اقول لنبيلة الوتيدي مشاعري ناحيتها هي و جوزها. رايح أقولهم اني مبكرهش في حياتي قدهم.
اندفع عمر إلى سيارته كالمجنون لتصرخ شروق بذُعر:
ـ في أيه ؟ انا مش فاهمة حاجة.
خالد بصراخ:
ـ تعالي معايا بسرعة نلحق المجنون دا.
اطاعته لتستقل السيارة بجانبه وداخلها يرتعب مما يحدُث و خاصةً حين سمعت خالد يهاتف أحدهم قائلًا بغضب جحيمي:
ـ رحيم. اسمعني كويس. عمر جاي عالقصر دلوقتي. اوعى تخليه يقابل عز ولا نبيلة.
كان رحيم نائماً، فانتفض من مخدعه وهو يقول بلهفة:
ـ حوصول ايه يا واد عمي؟ ناوي على ايه المخبول ده؟!
خالد بعُجالة:
ـ لما أجيلك هحكيلك. المهم تفرمله حتى لو اضطريت تخلي الحرس يكتفه لحد ما آجي.
اغلق رحيم الهاتف، وهو يتوجه إلى ملابسه يرتديها بعُجالة وسط أنظار نجاة التي كان الألم يتجلى بوضوح في عينيها ليهتف بها رحيم:
ـ مالك لونك مخطوف أكده ليه؟ متجلجيش صاحبتك بخير. اني سامع صوتها چار خالد و زمانه چايبها و چاي.
اومأت نجاة برأسها وهي تتذكر كلمات رماح إليها:
ـ جدرتي تنامي في حضن اللي جتل عمك، و حاول يجتل أمك يا نچاة؟
ـ أنت عتجول ايه؟
هكذا قالت بنبرة مصدومة ليُجيبها رماح بحزن زائف:
ـ بجولك اني اتوحشتك. اتوحشتك بتي اللي معرفش بوچودها غير بعد ما بچت عروسة، و ملحجتش افرح بيها. عرفت انها اتچوزت عدوي اللي يده ملطخه بدم مراتي و أخوي..
نجاة بتلعثُم:
ـ أنت كذاب..
رماح بعتب زائف:
ـ بتشتمي أبوكي عشان! اني عارف انك عرفاني، وأنه جالك عني، و طبعًا ملا راسك بالكذب، بس لو عايزة تعرفي الحجيجة. أسأليه عن أمك. بلاش أسأليه مين اللي جتل رياض الهلالي عمك. روحي أسأليه هو أتچوزك ليه؟ طبعًا هيكذب ومش هيجولك عشان ينتجم مني. بس اني مش هسمحله. لما تعرفي حجيجته كلميني. هستناكي.
الكلمات مؤلمة، والقلق تشعب إلى صدرها ولكنها ترفض التصديق، لذا غامت عينيها بألم صدم رحيم الذي أنهى ارتداء جلبابه ليقترب منها يحتوي ذراعيها بيده قائلًا بقلق:
ـ مالك؟ حد ضايجك ولا ايه؟
ارتعش جسدها من ملامسته له ليشعر برعشتها مما جعله يقول بلهفة:
ـ حوصول أيه؟ مالك؟
نجاة بنبرة مُرتعشة:
ـ بعد يدك عني.
آلمه حديثها ليقول بنبرة جريحة:
ـ مالك؟ أني عِملت حاچة ضايجتك؟!
هل هذا حنانًا بحق؟! أم محاولة لخداعها ؟ هل يعشقها بالفعل؟ ام يتخذها وسيلة للانتقام من والدها؟ عقلها و قلبها وكل مابها يرفض التصديق لتندفع العبرات من مقلتيها بغزارة ليهوى قلبه بين ضلوعه مما جعله يقوم بجذبها إلى صدره وهو يحتويها بحنو يتنافى مع ضجيج قلبه الذي كانت كل دقة به تهتف باسمها
ـ جوليلي بس مين زعلك يا ست البنتة وشوفي اني هعملك فيه ايه؟
تراجعت عنه وهي تقول بنبرة مُحترقة:
ـ أنت يا عمدة. هتجدر تچيبلي حجي منيك؟!
تفاجيء رحيم من حديثها و ما كاد أن يُجيبها حتى سمع صوت طلقات رصاص في الأسفل…
رواية هل من سبيل للغفران الفصل الخامس عشر 15 - بقلم نورهان العشري
السبيل الخامس عشر ❤️🔥
يستغرق الإنسان وقتًا طويلًا وهو يحاول اتخاذ قرار مغادرة وطنٍ لم يعد يشعر فيه بالأمان، ومفارقة أشخاصٍ لم يشعر يومًا بأنه ينتمي إليهم. و يُصبِح الأمر أشد قسوةً حين يُجبر على التغاضي عن الضربات التي تلقاها من تلك الجدران التي ظنها بيته، فلم تُبقِ لأعدائه شيئًا ليقتلوه به. فالخُذلان حين يأتي من الأماكن التي كان يُفترض بها أن تكون ملاذًا يكون أعمق أثرًا وأشد وطأة.
ولهذا يكون الرحيل ثقيلًا، لكنه ضرورة حتمية لا مفر منها؛ فالأذى الذي يُصيب الإنسان من عائلته كالشق الذي يسحق القلب، فلا يفلح شيء في إعادة ترميمه كما كان. إنه كالصخر إذا تفتت، لا يعود صلبًا من جديد، بل يتحول إلى رمادٍ لا ذاكرة له.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
ـ ممكن اعرف أنت متحامل على عمر بالشكل دا ليه؟
هكذا تحدثت زينة إلى عز الذي كان ينظر إلى البعيد بملامح متجهمة ليُجيبها بنبرة جافة:
ـ لسه بتسألي! دا أنتِ شوفتي بعينك اللي حصل!
زينة بنبرة ناعمة:
ـ ماهو عشان شوفت اللي حصل بعيني بسأل. عز هو أنت كنت شايف ابنك واحد فرحان بخطوبته أو حتى مقتنع بيها؟!
عز بحدة:
ـ ولما هو مش فرحان ولا مقتنع خطبها من الأول ليه؟
ـ و أنت قبل ما تخطبله مسألتوش انت مقتنع ولا لا ليه؟
هكذا تحدثت زينة بحدة طفيفة ليصمت عز بضع لحظات قبل أن يغمغم بخشونة:
ـ هو اللي طلب من نبيلة أنها تروح تخطبهاله، ولما سألتها قالت أنه مقتنع.
زينة بسخرية:
ـ قصدك نبيلة اللي مقتنعة. عز هو أنت ليه باعد عنك كل الناس المهمة اللي في حياتك؟
عز باستنكار:
ـ نعم!
زينة باندهاش:
ـ أنت مستغرب من سؤالي كدا ليه ؟ هو أنت مش شايف علاقتك بوالدتك عاملة ازاي؟ و علاقتك بعمر اللي هو ابنك ومفروض يكون أقرب حد ليك و أنت اقرب حد ليه ؟ حتى هايدي مبشوفهاش مقربة منك. أنت حد ملكش أصحاب!
توسعت عينيه بعض الشيء اندهاشًا من حديثها مما جعله يقول باستفهام:
ـ غريبة! ازاي لاحظتي كل دا وأنتِ يدوب راجعة مبقالكيش شهر من السفر؟!
اندفعت الدماء إلى وجنتيها من حديثه لتحاول رسم ابتسامة هادئة فوق ملامحها وهي تقول بنبرة زائفة الثبات:
ـ أنت عارفني من صغري بحب أوي أني أحلل الشخصيات و بركز في التفاصيل، و كمان هكون صريحة معاك الأوضاع اللي شيفاها في القصر غريبة. الدنيا اتغيرت أوي عن زمان.
أومأ برأسه موافقاً على حديثها ثم هتف بنبرة مُشجبة:
ـ عندك حق. كل حاجة من سيء لأسوأ.
زينة بنبرة ذات مغزى:
ـ بس لسه الوقت مفاتش أننا نغير الوضع السيء دا. حاول تقرب من عمر أكيد عنده وجهة نظر.
عز بسخرية:
ـ وجهة نظر ايه و زفت ايه؟ دا واحد أناني مبيشوفش غير نفسه وبس. من بين كل البنات اختار اكتر بنت انا وأمه رافضينها!
زينة بذهول:
ـ دي بنت أختك!
عز بانفعال:
ـ اقفلي على الموضوع دا يا زينة.
ناظرته باحتقار سرعان ما نحته جانبًا لتمد يدها وهي تقول بنبرة ناعمة:
ـ فاكر يا عز لما ماما اتوفت و اضطريت اني اجي أعيش معاكوا في القصر، وكان في ناس كتير متضايقة من وجودي وانا حسيت بدا و اتوجعت جدًا. فاكر أنت قولتلي أيه يومها؟
كانت حركة مُباغتة لا يعلم لما كان وقعها مُغايرًا على قلبه، فهو يتذكر ذلك الموقف و حديثه مع هذه الطفلة الجميلة التي فجأة وجدت نفسها وحيدة في مواجهة هذا العالم، يتذكر كيف أمسك بيدها و طمأنها بأنها وسط أهلها، ولكن هذه اليد الناعمة لا تشبه أبدًا تلك اليد الصغيرة التي أمسكها في ذلك الوقت!
ـ زمان انت وقفت جنبي، و أنا دلوقتي بردلك وقفتك جنبي و بحاول اوصل معاك لحل. عمر ابنك محتاج تقف معاه على أرض صلبة و تحسن علاقتك بيه. بلاش تخلي فيه وسيط بينكوا.
كانت جيدة في الإقناع فخضع لسحرها لثوان ثم تحمحم بخشونة وهو يتحدث بنبرة جافة:
ـ هحاول. ولو اني عارف اللي عنده. بس لازم اتكلم معاه.
زينة بابتسامة جميلة:
ـ و ياريت يكون الكلام بينك وبينه زي أي أب و ابنه. حرام عمر يكون عنده اب حنين كدا و مش عارف يتواصل معاه ولا يقرب منه.
كلماتها رسمت ابتسامة هادئة على شفتيه وقد راقت له كثيرًا وقد قرر العمل بنصيحتها لتُتابع هي بمرح:
ـ أنا هسيبك عشان أكيد وراك شغل وانا عطلتك.
عز بلهفة:
ـ لا ولا أي عطلة. تعالي هروحك، بالمرة اطمن على ماما.
أضاءت ملامحها ابتسامة جميلة قبل أن تُجيبه بنبرة مُحذرة:
ـ مش هقدر أجازف أن نبيلة تشوفنا راجعين مع بعض، فتقلب عليا. خلينا حبايب انا مش قدها!
عز باندفاع:
ـ على فكرة نبيلة اطيب قلب في الدنيا كلكوا فاهمينها غلط.
زينة بنبرة ساخرة:
ـ مش منطقي يا عز أن كلنا نبقى ظالمينها أو فاهمينها غلط! أنت بس اللي طيب وهي محظوظة بيك.
هناك كلمات كالأفاعي لدغتها لا تؤلم ولكنها تبث سمومها في النبض بهدوء ليسري في الدماء دون ضجيج، فلا يُدرك الملدوغ ماحدث معه ألا وهو في النزع الأخير.
اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وغلبة الدين وقهر الرجال ♥️
★★★★★★★★★★
لا يوجد في العالم ما هو أسوأ من أن تهتز صورة العائلة في نظر المرء. أن تتشقق تلك الملامح التي ظنها حصنًا من الأمان، فإذا بها قناع يخفي وجهًا آخر للشيطان، أن تتكسر صورة أحب الناس إلى قلبك، فتبدو حياتك كرواية مزيفة لا يعرف أولها من آخرها، و يغدو القلب كغريب لا ينتمي إلى مكان، و كأنه مُعلقًا على حافة الضياع، فاقدًا لكل معاني الاحتواء، لا يملك كتفًا واحدًا فوق جزعه يمكنه الاتكاء.
نورهان العشري ✍️
ذاكرة الرماد " حين ينفُث الرماد عطرًا" ورقي
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
ـ افتح الباب دا.
هكذا صاح عمر بصوت جهوري غاضب وهو إمام بوابة قصرهم ليُجيبه الحارس باحترام:
ـ خالد بيه أمرني مفتحش الباب لحضرتك غير لما يوصل.
تعاظم الغضب بداخله حتى كاد أن يعمي عينيه ليصرُخ كالمجنون:
ـ بقولك افتح الباب بدل ما اكسره فوق دماغك!
تجمع الحرس ليقفوا أمامه كالسد المنيع و يقول قائدهم:
ـ يا عمر بيه أهدى شوية احنا مش في إيدينا حاجة. دي أوامر و احنا….
لم يكد يُكمل جملته، فإذا به يجد عمر يندفع لينتزع سلاح أحد الحراس ويوجهه على البوابة الحديدية صارخًا بجنون:
ـ اوعوا من قدامي..
تراجع الحرس من أمام فوهة النيران التي انطلقت من السلاح بيد عمر ليتحطم قفل البوابة، فقام بإلقاء السلاح أرضًا وهو يتوجه إلى الداخل بأقدام تترك اللهب في إثرها أينما حطت إلى أن وصل إلى باب قصرهم ليجد نبيلة تهرول من الأعلى و خلفها هايدي و إمارات الفزع بادية على وجوههم ليتفاجئوا بعمر يقف بمنتصف الرواق و وجهة لوحة حية عن الغضب لهتف نبيلة بصدمة:
ـ حصل ايه يا عمر؟ و ايه صوت ضرب النار دا؟
جاءهم صوت رحيم من الخلف والذي ما أن سمع صوت النيران حتى هرول إلى الأسفل ليجد عمر يتوجه إلى قصرهم مما جعله ه ليقول بنبرة حادة:
ـ حوصول ايه يا عمر؟ و ايه صوت ضرب النار ده!
كانت نظرات عمر الغاضبة تتوقف على ملامح نبيلة التي لأول مرة تشعر بهذا الخوف والذي تضاعف حين سمعت صوته الهادر حين صرخ قائلاً:
ـ هتعرف دلوقتي كل حاجة يا رحيم. بس الكلام اللي هقوله لازم يتقال قدام عز الدين الوتيدي. عشان في كلام كتير يخصه لازم يسمعه.
ـ عز الدين الوتيدي! هستنى أيه من واحد من زيك! لا اتربى ولا يعرف حاجة عن التربية.
كان هذا صوت عز الدين الذي وصل لتوه ليرى ما حدث في الخارج، فاستدار عمر ناظرًا إليه بابتسامة أبعد ما تكون عن المرح ليقول بنبرة ساخرة:
ـ والله اني متربتش دا موضوع انت اللي تتسأل فيه مش انا.
عز بحدة:
ـ مانا نويت أعيد تربيتك من اول وجديد..
توجه رحيم ليقف أمام عز الدين الذي كان يتقدم تجاه عمر ليقول الأول بجهامة:
ـ وجف يا عز. رايح فين؟ وحد الله يا راچل.
اندفعت نبيلة تجاه عمر وهي تقول بنبرة مُرتجفة:
ـ عمر يا حبيبي أهدى وتعالى اقعد نتكلم.
استنكر تلك الكلمة التحببيه التي نعتته بها ليهتف باستنكار:
ـ حبيبك! هو أنتِ بتعرفي تحبي لا سمح الله!
توقفت نبيلة على مقربة منه وهي تقول بصدمة:
ـ عمر! أنت بتقولي أنا كدا؟!
عمر بنبرة تغلي من فرط الوجع والغضب معًا:
ـ أيوا أنا اللي بقولك كدا! عارفة انا كام مرة كان نفسي أقولك الكلام دا و ارجع في كلامي؟! عارفة كام مرة كان نفسي أسألك هو أنتِ تعرفي يعني أيه حب أصلًا؟
تجمدت الحروف فوق شفاهها جراء حديثه ليندفع عز الدين تجاهه ولكن رحيم أوقفه مما جعله يصرخ مُعنفًا:
ـ اخرس يا حيوان. ازاي تتكلم مع امك بالشكل دا!
زأر عمر بوحشية:
ـ دي أكتر حاجة بكرهها في حياتي أنها أمي.
وصل خالد في هذه اللحظة و من خلفه شروق ليهتف بصوت جهوري أدار جميع الرؤوس نحوه:
ـ عُمر.
طفرت العبرات من عيني عمر وهو يصيح بنبرة مُحترقة:
ـ من النهاردة مش هسكت. مبقتش العيل الصغير اللي هيشوف الظلم قدامه هيسكت. مش هسكت يا خالد. انا كل حاجة وحشة حصلتلي في حياتي كانت بسببها هي وجوزها.
التفت ناظرًا إلى نبيلة التي كان جسدها يرتعش و الذهول بادٍ على محياها ليُتابع وهو يُوجه اصبع الاتهام إليها:
ـ أنا فاكر كل حاجة وحشة عملتيها زمان. فاكر لما روحتي لعمتي وهي قاعدة على كرسي و ضربتيها و ضربتيني عشان مفتحش بقي واقول على اللي عملتيه فيها و هددتيني مقولش حاجة لبابا. فاكر قسوتك عليها يومها و ازاي جريتي تتحامي فيه و تعيطيله و كأنك اللي مظلومة مش هي، فاكر لما روحتي حطيتي ساعتك في دولابها و عيطي لبابا وقولتيله أنها سرقتها و خلتيه يضربها هنا في نفس المكان اللي احنا واقفين فيه دا.
برقت الأعيُن من فرط الذهول الذي يُخيم على ملامح الجميع و الأفواه مُغلقة بأمرٍ من الصدمة التي جمدت الحروف على شفاههم. وحده من كان لأنفاسه صوتٍ عالي و كأنه يجاهد حتى ينتزعها ليستطِع إسقاط هذا الثُقل عن كاهله ولكن حين تابع حديثه لم تكن نبرته عالية بل عميقة و كأنه يحفر الكلمات في عقول الحاضرين:
ـ فاكره يا ماما لما روحتي قولتيله اختك هربت مع راجل وسابت البيت ؟! بس نسيتي تقوليله انك أنتِ اللي كرهتيها في كل نفس بتاخده في البيت دا. لحد ما مبقاش قدامها غير انها تمشي. في الوقت اللي مكنتيش شيفاني فيه و لا متخيلة اني ممكن اكون مركز في أي حاجة من اللي بتحصل. كانت كل حاجة بتحصل قدامي بتتسجل جوايا.
كان جسد شروق يرتجف من هول ما سمعت عن الظلم الذي تعرضت له والدتها مما جعل العبرات تتقاذف من عينيها كالمطر لا تملك القدرة على إيقافها، و لأول مرة تشعر نبيلة بالألم الحقيقي ولكن الخوف من المذلة أمام أعين الجميع وخاصةً زوجها كان أكبر بكثير مما جعلها تصرخ بانفعال:
ـ اخرس. كل اللي بتقوله دا كذب. كذب وهي ملت بيه دماغك عشان تكرهك في أمك.
عمر بصراخ يصم الأذان:
ـ أنا مش محتاج حاجة تكرهني فيكِ انا أصلاً بكرهك.
كانت لحظة مرعبة لم تتخيل بأسوأ كوابيسها أن تحياها، فتوجهت نظراتها إلى عز الدين لتجد الصدمة تخيم على ملامحه فتجاوزته لتنظر إلى خالد، فلم ترى منه سوى الاحتقار و الأسف لتشعر بأنها على شفير الهلاك مما جعلها تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه لتقوم برفع يدها تنوي صفع عمر ولكنها تفاجئت به يمد يده و يمسك كفها قبل أن يصل إلى وجنته وهو يتابع و كأنه يجلدها بسوط كلماته:
ـ زمان ضربتيني عشان اسكت بس دلوقتي لا هسيبك تضربيني ولا هسكت!
تدخل خالد ليوقف الأمر عن التفاقم أكثر من ذلك خوفًا على عمر الذي كانت ملامحه تضج بألم كبير ليقترب منه قائلًا بنبرة خشنة:
ـ خلاص يا عمر. كفاية كدا..
عمر بنبرة جريحة:
ـ عندك حق كفاية. انا بس هسألها سؤال واحد. هعرف إجابته و امشي على طول!
كانت لاتزال يدها حبيسة كفه ليشدد عليها وهو يقول بنبرة تئن من فرط الوجع:
ـ عمتي و تيتا كنتِ بتكرهيهم عشان كدا عملتي فيهم اللي عملتيه. لكن انا. بتكرهيني بردو زيهم عشان تدمري حياتي كدا؟!
لم تسعفها الكلمات للرد، فالأمر تخطى حدود الشر بداخلها، فقد كانت أجبن من أن تتحدث فقط ترتجف وهي تهز برأسها يمينًا و يسارًا دون أن تجد القدرة على الحديث ليُتابع بنبرة مقهورة:
ـ كنتِ عارفة اني بحبها، شوفتيني تايه و ضايع بتخبط في كل ناحية شوية مش عارف أرسى على بر. بدل ما اصعب عليكِ و تنصحيني. روحتي عملتي ايه؟! عملتي خطة قذرة عشان توقعي بيني وبينها. عشان تبني بيني وبين سعادتي سد كبير معرفش اتخطاه أبدًا.
ترك يدها وهو يضع يده في خصلات شعره يبكي بقوة و صوتٍ مسموع اخترق آذان وقلوب الجميع ليُتابع بتعب:
ـ أنا كنت بجاهد نفسي. بحاول اغلب شيطاني. بس مقدرتش اغلبك أنتِ.
شعر خالد بأن نفسه يضيق ألماً على عمر الذي تابع بنبرة تحترق ألمًا:
ـ أنا كنت بكذب نفسي عشان تفضل صورتك جميلة في عنيا. بس للأسف كل مرة كنت بشوفك بتكذبي و تزيفي الحقايق كانت صورتك جوايا بتتشوه.
بحياتها لم تكُن تتخيل أن تقف في مثل هذا الوضع المُهين أمام الجميع، فقد صُدِمت حين شاهدت كل هذه الأزواج من العيون تطالعها بذهول و أخرى تطالعها بشماته لتخترق كلمات عمر رأسها حين قال:
ـ أنتِ حتى اليتامى مصعبوش عليكِ. مفيش حاجة حلوة شوفتها منك في حق حتى اقرب الناس ليكِ. انا كرهت بابا بسببك، و بسبب ضعفه قدامك. كرهت الحب لو هيخليني شبهه.
سقط عز الدين جالسًا على المقعد خلفه وهو يحاول جاهدًا لانتزاع أنفاسه عنوة من بين براثن الألم الذي اجتاح صدره جراء حديث عمر لتقترب ميرهان من عز وهي تصرخ على عمر قائله:
ـ كفاية بقى. اخرس هتموت بابا. أنت بتبرر أفعالك قدام الهانم عشان ترضى عنك. لكن الحقيقة غير كدا انت انسان بشع…
ـ و ياترى بقى عندك استعداد أنتِ كمان تواجهي حقيقتك اللي ابشع منه بكتير ؟!
كان هذا صوت كمال الذي يقف أمام باب القصر بعينين حمراء وكأنهما بركة من الدماء وملامح جعلها الوجع تشبه ملامح كهل في السبعين من عمره لتلتفت جميع الأعيُن تناظره بصدمة ليهتف خالد بنبرة خشنة:
ـ كمال!
تقدم كمال تجاه هايدي التي شعرت بالذُعر فتراجعت لتقف خلف والدتها وهي تقول بنبرة مرتجفة:
ـ خالو كمال!
التفت كمال ينظر إلى ميرهان الواقفة بجانب الدرج بغل تجلى في نبرته حين قال:
ـ حلو دي الحقيرة التانية كمان هنا!
هتف خالد بحدة:
ـ كمال! أنت اتجننت؟!
صرخ كمال بصوت اهتزت له جدران القصر:
ـ متجننتش! متجننتش يا خالد لكن عرفت حقيقتهم. عرفت أننا ربينا معانا وحوش متعرفش يعني أيه رحمة!
اهتز جسد الفتاتين و معهما نبيلة التي خرجت الكلمات تتعثر فوق فمها حين قالت:
ـ في أي! هما عملوا أيه؟
تبدلت ملامح كمال من الألم إلى الغضب الذي احتل نبرته حين صرخ قائلًا:
ـ هتقولوا عملتوا ايه في آسيا من تلت سنين يوم الحفلة بتاعتي ولا اقول أنا؟!
تبادلت كلا الفتاتين النظرات المذعورة ليتدخل خالد قائلاً:
ـ مالوش لازمة الكلام دا دلوقتي يا كمال.
كمال بنبرة ساخرة تحمل الحقد بين طياتها:
ـ لا يا وحش له لازمة. كل واحدة فيهم زي الشاطرة كدا تقول عملت ايه خلونا نسمع قد أيه هما معدومين الاحساس و معندهمش لا دين ولا ضمير..
خرجت ميرهان عن صمتها حين صرخت بغل:
ـ احنا معدومين الدين والضمير و الست آسيا هانم هي اللي ملاك مش كدا!
و أيدتها هايدي قائلة:
ـ دي شيطانه و خبيثة، و أيوا أحنا ضربناها و بهدلناها بس دا رد على قلة أدبها علينا. لكن انت طبعًا مش هتشوف غلطها.
زأر كمال بوحشية جعلت جسد هايدي يرتد إلى الخلف:
ـ غلطها! غلط ايه اللي يخليكوا تضربوها و تقطعوا هدومها و تنهشوا في لحمها بالشكل دا!
قام بركل الطاولة لتسقط و يتحطم كل ما فوقها وهو يصيح بشراسة:
ـ بتبرروا أيه يا شوية حيوانات! دا انتوا لو شياطين مش هتعملوا كدا!
كان الأمر يتفاقم بشكل مرعب على جميع النواحي ليتقدم خالد ويدفعه إلى الخلف وهو يصيح بوحشية مفرطة:
ـ خلاص بقى. قولتلك ممنوش فايدة الكلام دا دلوقتي.
تدخل عمر قائلًا بنبرة آسفة:
ـ فعلًا ممنوش فايدة. مبقاش في فايدة فيهم خلاص يا كمال..
كمال بنبرة تحترق من فرط الغضب:
ـ والله لولا خالد لكنت مولع فيكوا انتوا اللتنين.
نبيلة بتلعثُم:
ـ خلاص يا كمال. دول كانوا عيال مش فاهمين حاجة..
التفت خالد قائلًا بغضب:
ـ قصدك عيال ملقوش حد يربيهم، ولا يقولهم عيب.
صاحت نبيلة بانفعال:
ـ هتجيبها فيا دي كمان يا خالد! دا بدل ما تدافع عني سايبني ملطشة للكل؟!
خالد بقسوة:
ـ للأسف انا لو حاولت اسكتهم هبقى ظالم. مفيش حد منهم متأذاش منك. حاولت كتير اجنبك لحظة زي دي بس أنتِ عمرك ما ساعدتيني على كدا.
تدخل كمال بنبرة يشوبها الاحتقار:
ـ عارفة احنا غلطتنا فين! أننا وثقنا فيكِ، وفكرناكي هتبقي أمينة علينا. هتبقي أم و أخت بس للأسف أنتِ متعرفيش تبقي أي حاجة حلوة لحد. حتى ولادك فشلتي معاهم!
نبيلة بلهفة:
ـ كمال انا ماليش ذنب في اللي هما عملوه! هما غلطوا يتعاقبوا انا ذنبي ايه؟
ناظرتها هايدي بسخط من تخليها عنهم لتهتف بحدة:
ـ طب على فكرة بقى ماما عارفة عننا كل حاجة، والموقف دا تحديدًا هي سقفت لنا عليه.
تهاوت آخر ذرة احترام لها في عين الجميع لتمر أنظارها عليهم بدايةً من خالد الذي كان الغضب والحزن يخيمان على ملامحه، ثم عمر الذي كان يطالعها بخيبة أمل كبيرة، و كمال الذي رمقها بكُره، ثم سعاد التي كانت تناظرها بشماته وهي تقف أمام الباب بمقعدها المتحرك و خلفها زينة التي كان الأسف يلون معالمها، بجانبها أشجان التي طالعتها بصدمة فلم تكن تتخيل أن تراها في مثل هذا الموقف، و رحيم الذي التفت برأسه إلى الجهة الآخرى مُستنكرًا ما حدث، ثم شروق التي كان الكره و الألم يخيمان على ملامحها و أخيرًا عز الذي كان يطالع الفراغ و كأنه معزول عن العالم كُليًا، فما مر على مسامعه اليوم دربًا من دروب الخيال، و لأول مرة يجتاحها الألم وهي تتذكر نسمة التي وضعتها في مثل هذا الموقف ذات يوم حين أخبرتهم أنها تقيم علاقة غير شرعية مع صابر قبل الزواج وكيف كانت تبكي بحرقة وهي تصرخ نافية الأمر ولكن لم تجد أي شخصٍ يسمعها!
لتشعر بأنها تريد الهرب من هذا المكان وكل هذه الأعيُن التي تطالعها و كأنها تجلدها بسوط النظرات لتسقط مُغشيًا عليها.
اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء، وتذل من تشاء، بيدك الخير إنك على كل شيء قدير ♥️
★★★★★★★★
فتح باب الغرفة ينظر إلى تلك النائمة، وكأنها في عالمٍ آخر لا تريد مفارقته، فقد كانت الساعات المنصرمة دربًا من دروب الجنون بالنسبة إليه، فلم يكُن يتخيل أن يتم زواجهم بتلك الطريقة!
تراجع ليجلس فوق الأريكة التي تتوسط الصالة الكبيرة وهو يتذكر كيف أتخذ ذلك القرار في لحظة عجز العقل عن التفكير كل ما أراده هو تشتيت الألم الذي كان يجتاحها بقوة، و كأنها عالقة بين أنياب الذكريات المريرة ليقترب منها محاولًا فرض وجوده بالقوة على عقلها وقلبها و جسدها ليأثرها بين براثنه بضراوة أجفلتها ثم بدأت لمساته ترق تدريجيًا حين شعر بهدوئها بين يديه و كأن الفرصة أصبحت سانحة أمامه لبثها عشقه الضاري لها وهو يهتف بنبرة مُتحشرجة:
ـ بحبك يا غنى.
كان يهمس بحبها وعينيه تخاطب عينيها التي كانت ضائعة و كأنها تظن بأن وجوده ليس حقيقيًا إنما وهمًا كما كان يحدث دائمًا لتستيقظ على كابوس اسمه " رأفت"! ليشعر هو بما تعانيه فاقترب منها مرة آخرى لينتزع أنفاسها من جديد و يده تضمها إليه في محاولة لغرس وجوده في عقلها و أنامله تلامس صفحة وجهها بحنو لتمر ثواني وهي تحت تأثير ما ظنته حلمًا، ليتراجع عنها وهو يتحدث أمام عينيها ليُثبت حقيقة أنها معه:
ـ أنا مش بحبك وبس. أنتِ نور عيوني، و حبيبة قلبي.
هب من مكانه وهو يتذكر كيف كانت تغمض عينيها و كأنها تهرب من الواقع إلى عالمٍ آخر ولكنه أراد أن تراه و تنظر إلى داخل عينيه لتُدرك ما يحدث بينهم فهمس بجانب أذنيها بصوته الأجش:
ـ غنى. فتحي عنيكي وبصيلي. عايز اشوف عنيكي اللي بعشقهم.
استجابت لا إراديًا الى طلبه لتفتح عينيها تدريجيًا تناظره بضياع وهو تهمس بصوتٍ خافت:
ـ أنت هنا جنبي صح؟
ياسر بلهفة:
ـ هنا. هنا يا روح قلبي. أنتِ معايا. في حضني.
رغمًا عنها تذكرت ذلك الحلم الجميل الذي كانت تراه به يهمس لها بحبه، ثم تستيقظ مفزوعة على لكمات و ضربات تركت بها آلام لا تهدأ لينتفض جسدها وهي تهمس بحروف متقطعة:
ـ أنا بحلم. انا هصحى على كابوس تاني.
ياسر بلهفة:
ـ لا. لا لا. مفيش كوابيس يا روح قلبي. أنا معاكِ جنبك. هاتي إيدك.
امسك كفها ليمرره على ملامحه بحنو لتقع عينيها على تقاسيمه التي تعشقها، فإذا بها تهمس باسمه بنبرة خافتة تكاد تكون غير مسموعة:
ـ ياسر.
قام بوضع قبلة قوية فوق راحة يدها قبل أن يرفع رأسه يجيبها بنبرة مُلتاعة:
ـ أيوا ياسر . ياسر اللي مش عايز من الدنيا كلها غيرك. ياسر اللي بيعشق التراب اللي بتمشي عليه يا غنى.
رافقت العبرات بسمتها وهي تنظر إلى داخل عينيه و تستمع إلى حديثه لتمد كفها الثاني و تحتوي وجهه بحنو ليضم كفوفها بيده وهو يقول بنبرة مُتحشرجة:
ـ قوليلي انك بتحبيني. عايز اسمعها منك. قوليلي بحبك يا ياسر.
أطاعته بلهفة شخص يحاول انتزاع أنفاسه ليحيا من جديد:
ـ بحبك يا ياسر. بحبك.
ارتشف باقي حروف اسمه من بين ضفتي التوت خاصتها ليعانقها بكل ما أوتي من عشق و كذلك هي، فقد أغمضت عينيها تحاول النجاة بين يديه، فقد تحققت أمنيتها و أصبح حلمها حقيقة، فقد كان موجودًا لينتزعها عنوة من بين براثن الألم و الوحشة و يرمم أوجاع الجسد والروح لتتشبس به وكأنه آخر أمل يربطها بالحياة لتسمعه يهمس بجانب أذنيها:
ـ بحبك يا غريبة قلبي.
انهى جملته و حملها يدور بها في المكان وهو يردد هذه الكلمات التي كان لها مفعول السحر عليها لتبتسم بخجل و يبتسم هو الآخر حين عاد إلى أرض الواقع ليتوجه إلى الغرفة مرة آخرى ينظر إليها، فلاحظ ارتجافة رموشها، فعلم أنها قد استيقظت ليحاول تهدئة ضربات قلبه ثم أخذ نفسًا طويلًا بداخل صدره قبل أن يتوجه إليها ليجلس على طرف السرير و يمد يده بحنو فوق صفحة وجهها وهو يقول بنبرة عاشقة:
ـ اصحي بقى وحشتيني.
كانت تحاول ادعاء النوم، فلم تكن تتخيل أن يحدث بينهم ما حدث، فقد كانت ترتعب من قدوم هذه اللحظة التي ستذكرها بكابوسها المُريع، ولكنه كان مراعيًا لأقصى درجة، نجح في حجب عقلها و جعله يغيب عن كل شيء إلا وجوده. تتذكر حين حملها و دار بها في الغرفة وهو يردد على مسامعها هذه الكلمة التي تدغدغ حواسها:
ـ بحبك يا غريبة قلبي..
لتشعر بقلبها يتضخم من فرط الحب الذي لم يتوانى عن إغداقها به، فلم تشعر وهو يتوجه بها إلى غرفتهم ليجلس فوق مخدعهم وهي بين يديه هامسًا في أذنها بخفوت:
ـ أول مرة عيني شافتك فيها حجزتي مكانك في قلبي. قلبي اللي عمره ما كان يعرف يعني ايه حب، ولا كان متخيل أنه موجود أصلًا.
كان يتحدث و يقرن حديثه بالأفعال و كأنه يسلك كل الطرق لتخدير كل جرح لايزال نازفًا بداخلها، و أنامله الحانية التي كانت تمر فوق ملامحها بخفة وهو يرسم تقاسيمها الرائعة وشفاهه تتغزل بها لأول مرة دون تحفظ:
ـ عنيكِ الحلوة اللي لما كانت بتضحك كانت الروح بترد فيا، و كأنها رحمة القدر بيا، و تكشيرتك اللي كانت بتخليني عايز اهد الدنيا عشان ترجع ضحكتك الجميلة تنور من تاني. تخيلي سنتين وانا عاشق لكل تفصيله فيكِ ومش قادر اجي اقولك بحبك! بشوفك من بعيد زي القمر وسط البنات كلها و اقول امتى هتبقى ليك يا ياسر ؟
اقترب ينثر عشقه فوق ملامحها بروية وهي غائبة عن العالم برفقته ليُتابع حديثه دون التطرق إلى ما بعد ذلك في علاقتهم حتى لا يعيد ذاكرتها إلى ما حدث بعد ذلك:
ـ و أخيرًا بقيتي ليا و معايا، وعمري ما هسيبك أبدًا.
كان قاب قوسين أو أدنى من نيل قربها و كانت هي في وادٍ آخر لا يوجد به سواه على الرغم من أنها كانت تخشى تلك الحظات المرعبة التي عاشتها سابقًا وجعلتها تود لو تفقد الذاكرة لتنساها، تلك اللحظات كانت عائقًا كبيرًا بينهم، ولكنه كان بارعاً في إخضاع قلبها فلم تشعر بأنها أصبحت بين يديه دون عوائق، حتى تلك اللحظة التي أصبحت له لم يتثنى لها التفكير أو المقاومة فقد رمم حنانه شقوق روحها و جسدها معاً، و خاصةً كلماته التي كان لها مفعول السحر عليها لتنصهر بين يديه في عالمٍ لطالما خشيت أن تطأه قدميها، ولكنه كان رائعًا بكل ما للكلمة من معنى.
عادت إلى الوعي حين ضربت قشعريرة سائر جسدها حين سمعت كلماته العابثة:
ـ يعني مش ناوية تصحي! طيب انا أشيلها هيلا بيلا و احطها تحت الدوش يمكن تصحى..
عند سماع جملته الأخيرة هبت من نومها لتعتدل وهي تقول بلهفة:
ـ لا خلاص انا صحيت.
ضيق ياسر عينيه وهو يقول بتخابُث:
ـ يعني صاحية و بتشتغليني! من امتى وانتِ نصابة كدا؟
غنى بخفوت:
ـ انا مش نصابة.
غازلها قائلاً:
ـ عندك حق. ماهو مفيش نصابه حلوة كدا بردو!
كانت العقل حاضرًا في هذه اللحظة و الحواجز التي كانت بينهم عادت مرة أخرى لتهمس بنبرة مُتحشرجة:
ـ ياسر….
قاطعها بنبرة عاشقة:
ـ عيون ياسر..
رق القلب لكلماته مما جعل العقل يتخبط جراء تلك المشاعر الرائعة التي تشعر بها في هذه اللحظة لتقول بتلعثُم:
ـ احنا. أنا.. يعني..
وضع إصبعه فوق شفتيها يمنعها من الحديث قائلًا:
ـ احنا بنحب بعض. و أنا تحديدًا بعشقك و ربنا وحده يعلم اتمنيت قربك دا قد أيه؟
رغمًا عنها كانت تشعر بأن هناك نقصًا في اعماق روحها وجسدها مما جعلها تقول بنبرة جريحة:
ـ بس انت تستحق احسن حاجة في الدنيا وأنا…
للمرة الثانية يقاطعها قائلًا:
ـ أنتِ عندك حق، وعشان انا استحق أحسن حاجة في الدنيا ربنا رضاني بيكِ. هو في أحسن منك يا غنى!
قال جملته الأخيرة بنبرة عميقة ارتج لها قلبها لتستفهم قائلة:
ـ أنت بت. بتقول كدا من قلبك؟
اقترب يحاوط وجهها بكفوفه وهو يقول بنبرة مُفعمة بالمشاعر:
ـ معقول محستيش انا بحبك قد ايه يا غنى! بطلي تكذبي نفسك عشان أنتِ بتحبيني قد ما بحبك و اكتر.
حديثه يفعل الأفاعيل بها. أنه كمن يعبث باعدادات عقلها و يتحكم بنبضات قلبها مما جعلها تنظر إليه بضياع ليضيق عينيه بمكر تجلى في نبرته حين قال:
ـ انا بقول اثبتلك فعليًا عشان الكلام دا هري عالفاضي.
برقت عينيها من حديثه لتهتف وهي على وشك البكاء:
ـ لا لا! انا هقولك..
جذبها لتتوسط ذراعيه قبل أن يقول بحنو:
ـ هششش. اهدي و خدي نفسك متتعبيش دماغك الحلوة دي بالتفكير. ولو عايزة تتكلمي قولي كل اللي جواكي يا غُريبة قلبي و انا سامعك. انا اصلًا مش ناوي اعمل حاجة تانية غير أني اسمعك.
في هذه اللحظة لم تكن تبغي سوى الهدوء بين ذراعيه، فقد شعرت بالارهاق النفسي و البدني لما مرت به اليوم، فقد تخطت الكثير من الحواجز، والعقبات النفسية، حتى مواجهته بعد ما حدث بينهم كان أمرًا شاقًا عليها ولكن حنانه جعل كل شيء يمر بهدوء لتضع رأسها فوق صدره وهي تقول بخفوت:
ـ عايزة اغمض عيني في حضنك و اسكت وبس…
كان لها ما أرادت، فقد تسطح بجانبها يحتويها بين ذراعيه و أنامله تمر برفق بين خصلاتها و كأنه يعبر عن حبه و يبثها حنانه بصمت، وقد كانت في أمس الحاجة لذلك.
مر وقتٌ ليس معلوم لكليهما قبل أن يستمع ياسر إلى صوت رنين جرس الباب، فحاول النهوض من مكانه بهدوء حتى لا يقلق راحتها فقد غرقت في النوم من جديد ليتوجه الى الخارج يفتح الباب، فإذا به يجد أحد الضباط يقف أمام الباب والذي قال باستفهام:
ـ أنت ياسر الوتيدي ؟
ـ أيوا أنا. خير في ايه؟!
هكذا استفهم ياسر ليُجيبه الضابط قائلاً:
ـ مطلوب القبض عليك.
ياسر بصدمة:
ـ نعم! بتهمة ايه ؟!
الضابط:
ـ محاولة قتل رأفت عبد الحفيظ الصباغ.
ـ حبيبي. مش هتروح تطمن على نبيلة؟
هكذا هتفت أشجان وهي تساعد خالد في ارتداء جاكت بذلته ليُجيبها الأخير قائلًا بجفاء:
ـ متقلقيش عليها. هي كويسة..
أشجان بارتباك:
ـ خالد. هي نبيلة فعلاً عملت كل دا؟!
كانت الإجابة مؤلمة بنكهة مريرة، ولكنه كان مُجبر عليها لذا قال بجمود:
ـ ما أنتِ سمعتي اللي اتقال. أنتِ شايفة أية؟
شعرت بغباء استفهامها لذا حاولت تصحيح خطأها قائلة:
ـ أقصد أنت مصدق اللي اتقال! يعني مش شايف أنهم ممكن يكونوا بيبالغوا؟
كانت تريد أي شيء من شأنه أن يدفعها لإخباره تعلم أنها جبانة ولكنها أرادت نقطة بداية لكي تخبره بما يُثقل كاهلها ولكنه ولأول مرة يلجأ للمراوغة حتى يهرب من هذا الحديث الذي يثير حنقه و ألمه في آنٍ واحد مما جعله يقول بجفاء:
ـ أكيد في جزء منه حقيقي.
أشجان بصدمة:
ـ جزء!
زفر بحدة قبل أن يقول بنفاذ صبر:
ـ أنتِ عايزة أيه يا أشجان ؟ اقفلي على القصة دي.
شعرت بأنها أغضبته فما حدث البارحة لم يكن هين لذا هتفت بلهفة:
ـ أنا أسفة مقصدش أضايقك والله.
خالد باقتضاب:
ـ خلاص يا حبيبي. محصلش حاجة.
كانت عينيه ملبدة بغيوم الغضب ولم تصفو بعد لذا اقتربت تتوسط صدره وهي تهمس بنبرة خافتة:
ـ أنا بجد اسفة. بس من امبارح وأنت ساكت وانا قلقانه عليك..
زفر بقوة وهو يشدد من احتوائها، وكأن قربها وحده كفيل بأن يهدأ من ألمه ولو قليلًا وهو يقول بنبرة مُشجبة:
ـ الكلام هيتعب أكتر.
أشجان بنبرة حانية:
ـ خلاص احضني وبلاش تتكلم.
ابتسم على حديثها وقام بوضع قبلة دافئة فوق مقدمة رأسها وهو يقول بحُب:
ـ تصدقي أحلى فكرة.. ربنا ما يحرمني منك أبدًا. لولاكي مكنتش عارف هعدي كل اللي بيحصل دا ازاي؟
رفعت رأسها تطالعه بنظرات عاشقة وهي تقول بدلال:
ـ يعني أنا السبب انك قادر تعدي كل دا!
خالد بنبرة خشنة:
ـ أنتِ السبب أن أنا واقف على رجلي و موقعتش بعد كل دا!
أشجان بلهفة:
ـ يارب تفضل العمر كله واقف على رجلك و متقعش أبدًا يا حبيبي.
لم يتثنى له إجابتها فقد جاءهم صوت طرق على باب الغرفة ليسمح بالطارق للدخول فأطلت رنا برأسها من الباب وهي تقول بخفوت:
ـ صباح الخير..
خالد بابتسامة عذبة:
ـ صباح النور. تعالي يا حبيبتي.
توجهت رنا لتحتضن خالد وهي تنظر إلى أشجان بخجل و الأخيرة كانت تناظرها بعتب ولكن خالد أضاف بنبرة مُحبة
ـ حبيبة بابي عاملة أي في المدرسة ؟
رنا بارتباك وهي تنظر إلى أشجان:
ـ الحمد لله يا بابي.
شعر خالد من نظرات الاثنين إلى بعضهم أن هناك خطبًا ما مما جعله يقول باستفهام:
ـ في حاجة ولا ايه؟
هذه المرة أجابت أشجان وهي تجذب رنا إلى أحضانها:
ـ لا أبدًا مفيش حاجة. صح يا رنا!
نظراته الثاقبة جعلت رنا تتوتر أكثر وهي تجيب:
ـ أه. أها. أكيد.
تلعثمها كان سببًا آخر لجعله يرتاب في الأمر مما جعله يقول بنبرة حازمة:
ـ طب اسبقيني تحت يا رنا وانا هجيب ممتك و هاجي.
ارتعبت رنا من فكرة أن تخبره أشجان بما حدث قبل يومين
عودة إلى وقتٍ سابق
ـ أنت مجنونة يا سهيلة! هخرج ازاي دلوقتي ؟ بابا وماما لو صحيوا و ملقونيش في البيت هتبقى كارثة!
ـ رنا..
ارتعبت رنا حين سمعت صوت أشجان التي تقف أمام باب الغرفة و يبدو أنها سمعت ما قالته رنا لتغلق الهاتف وترتعب الأخيرة وهي تقول بذُعر:
ـ ماما!
أشجان باستفهام:
ـ بتكلمي مين؟
رنا بتلعثُم:
ـ ها. دي . دي سهيلة كانت عيزاني اروح بكرة اذاكر معاها..
أشجان بجمود:
ـ بس أنا سمعتك بتقوليلها انك مش هتعرفي تخرجي دلوقتي ؟ ليه بتكذبي؟!
رنا بارتباك:
ـ لا محصلش انا مبكذبش..
أشجان بإصرار:
ـ بتكذبي.
رنا بتوتر:
ـ لا حضرتك سمعتي غلط..
زفرت أشجان باستلام قبل أن تقول بتقريع:
ـ طيب يا رنا هعتبر أني سمعت غلط. بس خلي بالك أن ربنا شايفك، وان الكذب دا شيء وحش جدًا، و خصوصًا انك مش مضطرة لدا، و يالا اقفلي الفون دا ونامي.
عودة إلى الوقت الحالي
نظر خالد إلى أشجان وهو يضيق عينيه، فقد شعر أن هناك ما تخفيه عنه لتهتف الأخيرة بارتباك:
ـ لا يا روحي. اصل رنا كانت جيالي عشان نجرب يعني أنها تلف الحجاب و تشوف نفسها فيه هتكون عاملة ازاي؟ صح يا رنا؟!
رنا بلهفة:
ـ أه صح. مامي اقترحت عليا اجرب وقولت اشوف وكدا يعني..
كانت كلتاهما مكشوفتان أمامه ولكن الفكرة راقت له مما جعله يقول بإعجاب:
ـ حلوة الفكرة والله. طب يالا أنا كمان عايز اشوف رنا في الحجاب..
توجهت الاثنتين إلى غرفة الملابس وهو خلفهم لتقول أشجان بارتباك:
ـ تعالي يا رنا اختاري هتلبسي ايه من الطُرح؟
أخذت رنا تعبث بمحتويات الدرج وهي تخرج لفات الحجاب بإهمال ليسقط من بينهم شريط حبوب كان مخبأ بين طياتهم أمام أنظار خالد الذي كان يجلس باسترخاء على عكس أشجان التي دب الذُعر في أوصالها حين رأته يسقط أمامه لتندفع و تلتقطه بطريقة جعلت الشك يزحف إلى عقل خالد الذي قال باستفهام:
ـ حبوب ايه دي؟
ـ دي. دي. حبوب. حبوب. صداع
نظراتها المُرتعبة و أنفاسها الهادرة و كلماته المبعثرة جعلوه ينصب عوده وهو يهتف بغضب:
ـ هو في ايه انتوا اللتنين ؟ مالكوا ؟ و ايه الحبوب دي ! هاتي الشريط دا؟!
اخذ الشريط من يدها ليقوم بتقليبه بين يديه بتفحص و إذ فجأةً تضرب رأسه صاعقة مباغتة حين تذكر تلك الحبوب التي كانت زوجته الراحلة تتناولها بانتظام بعد ولادة ابنتهم رنا ليرفع رأسه ينظر إلى أشجان قائلًا بصدمة:
ـ دي حبوب منع الحمل؟!
اللهم إن كان رزقي في السماء فأنزله، وإن كان في الأرض فأخرجه، وإن كان بعيداً فقربه، وإن كان قريباً فيسره، وإن كان قليلاً فكثره، وإن كان كثيراً فبارك لي فيه ♥️
★★★★★★★★★★
ـ وحشتني اوي يا بابا.
هكذا تحدثت آسيا وهي تعانق والدها بقوة فقد اشتاقت له كثيرًا وهو كذلك:
ـ و أنتِ كمان يا حبيبتي وحشتيني أوي. طمنيني عليكِ ؟
آسيا بنبرة حزينة:
ـ الحمد لله كويسة.
عزام باستفهام:
ـ متأكدة؟
ـ متأكدة
أومأت برأسها ليمد يده يعيد أحد خصلاتها الى الخلف وهو يقول بحنو:
ـ عايزك تعرفي أني مسبتكيش تبعدي عني و تعيشي لوحدك غير عشان عارف انك مش هترتاحي مع امك. بس دا مش معناه اني مش هعرف احميكي منها، انا كان نفسي تصلبي طولك و تقفي على رجلك زي الأول، و أنتِ شاطرة و جدعة و عملتي دا. اوعي تخلي حاجة تهزمك تاني. أنتِ قوية وقد كل اختبار الدنيا بتحطك فيه.
كانت كلماته مؤثرة جعلت العبرات تزحف إلى مقلتيها ولكنها حاولت كبحها قدر الإمكان حتى لا تثير خوفه عليها لذا قالت بنبرة حانية:
ـ طول ما أنت بتدعيلي أنا هبقى كويسة.
عزام بحنو:
ـ بدعيلك يا حبيبتي..
ـ وهي محتاجة دعواتك ياخويا ماهي لقت اللي يدعيلها. الست اللي مش فاكرة اسمها ايه دي! كان اسمها ايه يا بت بطني اللي غنتك عن أمك وابوكي؟!
كان هذا صوت رضا الساخر من خلفهم مما جعل آسيا تقرر المغادرة حتى تنجي بنفسها من جرح آخر ينال منها من الجهة الخاطئة، ولكن عزام نهرها قائلًا:
ـ نقطينا بسكاتك يا رضا. خلينا نعرف نتكلم انا وبنتي؟؛
رضا بتهكم:
ـ بنتك! هي لسه فاكرة أن ليها أهل؟! بنتك اتكبرت علينا خلاص.
عزام بحدة:
ـ قولتلك اخرسي..
آسيا بنبرة مُشجبة:
ـ بابا يا حبيبي متزعقش أنت تعبان. انا كدا كدا كنت همشي عشان ورايا شغل، و أن شاء الله يومين و هاجي أشوفك تاني.
شعر بأن وجودها هنا لن يقدم لها سوى المعاناة لذا اومأ برأسه وهو يقول بنبرة يشوبها الأسف:
ـ ماشي يا حبيبتي، و اوعدك المرة الجاية لما تيجي تشوفيني هيكون حاجات كتير اتغيرت..
غادرت دون أن تلتفت إلى وجود والدتها، فقد كانت تشبهها حين تقرر أن تكون قاسية ولم تلتفت إلى الخلف، فقد أرادت الهرب من كل شيء مؤلم، و حتى من نفسها، وللحظة تذكرته. تذكرت حين خرجت من هذا البيت ذات يوم باكية، و وحدها كفوفه التي محت عبراتها. تلك الكفوف كانت تربت بلطف فوق جراحها، وهي التي تسببت في جرحها!
ابتسامة باهتة ارتسمت على ثغرها وكأنها تخبر قلبها بأن طرقهم ما عادت تلتقي مرة آخرى.
فجأة وهي في غارقة في أفكارها وجدت سيارة دفع رباعي تقف أمامها لتشهق بقوة وهي تتراجع إلى الخلف، لتجد كمال يترجل منها بملامح لا تُفسر، لتهمس بذهول:
ـ كمال.
لم يتثنى لها إكمال جملتها، لتجده يتقدم منها و يجذبها من يديها وهو يقول بنبرة آمرة:
ـ اركبي.
في محض ثواني وجدت نفسها بجانبه في السيارة التي انطلق بها بسرعة كبيرة، لتضع يدها فوق صدرها تحاول تنظيم أنفاسها الهادرة، قبل أن تهتف بنبرة متحشرجة:
ـ احنا رايحين فين؟
كمال بجفاء:
ـ هنتكلم.
أرجعت رأسها إلى الخلف تحاول تهدئة نفسها حتى لا تصيبها نوبة آخرى، فقد لا تستطيع المقاومة هذه المرة، و خاصةً أن الطبيب امطرها بوابل من التحذيرات حين ذهبت إلى المشفى في الليلة ما قبل الفائتة بعد حديثهم الشائك لتشحذ ثباتها و تحاول الحفاظ على صلابتها مُذكرة نفسها بأنه لم يعُد هناك شيء تخشاه، فقد انكشفت كل لأسرار و أصبحت الآن حرة.
أخيرًا أوقف السيارة في أحد الأماكن المعزولة نسبيًا لتمر دقائق من الصمت الذي قطعه حديثه ذو النبرة الحادة كنصل السكين:
ـ ليه مجتيش قولتيلي قبل ما نتجوز عاللي حصل؟
بدأت حلقة الاستفهامات التي كانت تمقتها ولكنها ذكرت نفسها بأنه لم يعد هناك شيء تخاف منه لذا عاهدت نفسها على الصراحة حتى تتخلص من بقايا الماضي المؤلم:
ـ مقدرتش!
كمال بنبرة قاسية:
ـ مقدرتيش ولا عشان تعرفي تنتقمي منهم!
صارحته قائلة:
ـ يمكن دا السبب.
كمال بنبرة جافة:
ـ و انتقمتي؟
اهتاج الوجع بداخلها وهي تجيبه بنبرة جريحة:
ـ انتقمت من نفسي.
باغتتها كلماته الحادة حين قال:
ـ خلي نفسك بره الموضوع دلوقتي. خدتي حقك منهم ؟!
عاهدت نفسها ألا تكذب مرة آخرى لذا التفت تناظره وهي تقول بجمود:
ـ لا.
فاجأته صراحتها، ولكنه كان يتوقع أن ما حدث لن يشفي أوجاع الماضي أو يهدأ من حقدها تجاههم لذا قال بنبرة خليط من الألم و الاستنكار معًا:
ـ مش شايفة انك غلطي في حقي لما دخلتيني جوا دايرة انتقام ماليش اي علاقة بيها!
اومأت برأسها وهي تخطو فوق جراحها قائلة:
ـ انا عارفة اني غلطت في حقك يا كمال بس انت طلقتني و سافرت من غير ما تديني حق ادافع عن نفسي..
لم يبد أنه تأثر بألمها ليقول باستفهام ذو نبرة قارصة البرودة:
ـ يعني لو كنت سافرت من غير ما اطلقك كانت هتفرق!
كانت أمنيتها التي بكت لأجلها كثيرًا لذا أجابته بنبرة محرورة:
ـ أكيد. على الأقل كنت هتسيب بابا موارب بيننا.
كمال بسخرية مريرة:
ـ دا بالظبط اللي مكنتش عايز اعمله. بس احنا لسه فيها.
تفاجئت من جملته الأخيرة لتقول باستفهام:
ـ يعني ايه؟
كمال بنبرة جافة تحمل طابع الصرامة:
ـ يعني هنطلع دلوقتي على المأذون و و أردك لعصمتي!
توسعت حدقتيها ذهولًا من حديثه لتهتف بأنفاس مقطوعة:
ـ أنت بتقول ايه؟
كمال باختصار:
ـ اللي سمعتيه!
شعرت برأسها يدور من فرط الصدمة لتهتف بعدم فهم:
ـ كمال انا مش فاهمة حاجة.
أجابها بنبرة ساخرة يشوبها القسوة:
ـ ليه ؟ مش كنتي بتقولي انك زعلانه عشان مسبتش باب موارب بيننا اديني بفتحلك الباب على آخره.
استنكرت حديثه لتهتف بألم:
ـ بالسهولة دي! بعد كل اللي حصل؟
كمال باستفهام:
ـ افهم من كدا انك مش موافقة ؟
آسيا بقوة:
ـ لا…
توحشت ملامحه على نحو مريب و كذلك نبرته حين قال:
ـ طب اسمعيني كويس بقى، انا ليا حق عندكوا كلكوا. عندك وعندهم و عنده!
آسيا باستنكار:
ـ عنده! و هو عمل فيك ايه أنا اللي روحت له؟
قاطعتها نبرته الحادة حين صرخ قائلًا:
ـ عشان اتجرأ و طلع لمراتي يوم فرحي و قالها اللي قاله، و عشان اتجرأ بردو و قرب من الزفتة التانية عشان ينتقم منك و مني.
تناحرت أنفاسها بداخل صدرها من فرط الصدمة و الخوف لذا قالت بنبرة مُتحشرجة:
ـ أنت بتقول ايه؟ جبت الكلام دا منين!
أدار رأسه إلى الجهة الآخرى وهو يقول بغموض:
ـ هتعرفي كل حاجة في وقتها..
شعرت بالألم يزحف إلى معدتها لتحاول سحب أنفاسها قبل أن تقول بنبرة يائسة متعبة:
ـ كمال انت عايز ايه؟ أنا مبقتش فاهماك عايز حقك خده من اختك قبل اي حد..
قاطعها بنبرة متوعدة:
ـ هيحصل متقلقيش. خليكي في اللي يخصك..
ـ اللي هو ؟
كمال بنبرة قاسية و عينين تشبهانها:
ـ أنتِ بلسانك قولتي انك اتجوزتيني عشان تنتقمي منهم، يعني أنا كنت لعبة في إيدك. صح ولا غلط؟
آسيا بلوعة:
ـ كمال…
قاطعها صارخًا بصوت أفزعها:
ـ ردي عليا..
انتفض جسدها من فرط الفزع مما جعلها تقول من بين عبراتها:
ـ لا مش صح. مش بالظبط. انا مقصدتش كدا.. بص انا تعبت عايز حقك مني خده وريحني.
قالت جملتها الأخيرة بتعب لم يخفى عليه، ولكنه كان ينوي الوصول لهدفه مهما كلفه الأمر لذا قال بقسوة:
ـ هاخده متقلقيش. و هاخد روحه معاه..
انتفضت بذعر تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ بتقول ايه؟ روح مين اللي هتاخدها؟!
كمال بنبرة مغلولة تتخللها غيرة قاتلة:
ـ أنا عمري ما كرهت حد قد ما كرهت البني آدم دا، و مفيش حاجة في الدنيا هتريحني غير اني اطلع روحه في أيدي.
أخذت تهز برأسها وهي تهتف برعب:
ـ انت اكيد مش هتعمل كدا!
كمال بتصميم:
ـ لا هعمل.
مدت يدها تمسك بكفه القابض على مقود السيارة وهي تهتف بتوسل:
ـ لا يا كمال. حرام عليك. أرجوك بلاش كدا.
قست نظراته و نبرته حين قال:
ـ خايفة عليه ؟
تخشى اي إجابة قد تثير جنونه أكثر لذا هتفت بتلعثُم:
ـ اه. لا . لا انا، أنا خايفة عليك انت…
كمال بنبرة فظة:
ـ كدا متفقين. لو مش عايزة تروحي البيت تسمعي خبر وفاته و يحسبوه عليه بني آدم يبقى نطلع عالمأذون قولتي ايه؟
شهقت بعُنف وهي تصيح باستنكار:
ـ أنت سامع نفسك بتقول ايه ؟
صاح بنبرة حادة افزعتها:
ـ عايز اسمع إجابة حالًا..
لم يكُن أمامها بُد من الموافقة لذا اخفضت رأسها وهي تقول بخفوت:
ـ تمام. موافقة..
اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيّ حكمك، عدلٌ فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك... أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي ♥️
★★★★★★★★★
ـ شروق..
كانت تلهو بالعجين وهي تفكر فيما حدث و كيف كانت والدتها تحيا بين هؤلاء الطغاة المتحجرين القلب؟! شعرت بأنها تريد للزمن بأن يعود مرة آخرى حتى تعانق والدتها و تربت بحنو فوق ظهرها وتخبرها بأنها تحبها، ولكن من يملك رفاهية إعادة الزمن إلى الوراء ؟!
ـ هكون مبسوط لو كنتِ سرحانه فيا ؟!
اخترق تفكيرها صوت عمر القادم من الخلف لتنتفض بفزع وتحاول محو عبراتها ولكن أناملها كانت ملطخة بالدقيق لترتبك لثوان أمام ناظريه، ليتقدم منها وهو يمد أنامله ليمحو عبراتها برفق خضعت لسحره لثوان قبل أن تتراجع إلى الخلف وهي تحذره قائلة:
ـ ايدك طويلة على فكرة، و دا مش حلو..
عمر بابتسامة باهتة:
ـ بالعكس دا حلو اوي…
أدارت وجهها إلى الجهة الآخرى وهي تقول بجفاء:
ـ جاي ليه؟
صارحها القول حين هتف بنبرة مُشجبة:
ـ حسيت اني مش كويس. قولت اجي أشوفك.
شروق بسخرية:
ـ معلش ومين قالك إن الأوبشن دا من حقك؟!
ـ أنا..
هكذا أجابها ببساطة لتعنفه قائلة:
ـ بجاحتك عمرها ما فشلت أنها تفاجئني.
زفر بقوة قبل أن يقول بندم:
ـ أنا عارف انك بتلومي عليا في اللي حصل لعمتي زمان بس انا كنت طفل، و صدقيني أنا لومت نفسي كتير اوي اني سكت لكن أنا من جوايا كان في صراع كبير اوي. انا كنت كتير بكذب نفسي. دي أمي يا شروق..
كانت معاناته تتجلى بوضوح فوق ملامحه مما جعلها تقول بأسى:
ـ و دا اكبر سبب يخليني عمري ما افكر أقرب منك يا عمر ..
هب عمر من مكانه يتوجه إليها يهزها بعُنف وهو يقول بنبرة تحترق من فرط الألم:
ـ بس أنا بحبك و مبقتش عايز من الدنيا غيرك. افهمي بقى..
ـ بعد يدك عنها و إلا هكسرهالك!
كان هذا صوت راجي الذي يقف أمام باب المخبز و خلفه رجال كثيرون يرتدون الجلباب الصعيدي مما أدهش كلا من شروق و عمر الذي هتف بحدة:
ـ و أنت مال اهلك و مالها! و أيه اللي جايبك هنا؟
راجي بنبرة صارخة اهتزت لها جدران المكان:
ـ عشان هي من أهلي يا ابن الوتايدة!
هذه المرة تدخلت شروق قائلة باستفهام:
ـ يعني أيه الكلام دا؟!
راجي بنبرة حادة:
ـ يعني أنتِ بت عمي عبد الله صابر الجيار….