تحميل رواية «حارة العشاق» PDF
بقلم أمنية أشرف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
وصلت كارمن إلى الحارة الشعبية وأوقفت سيارتها أمام إحدى البنايات. نزلت تنظر إلى الحارة بشوق وحنين. "يا الله، لقد تغيرت الحارة كثيرًا." هذا المقهى الشعبي أصبح أكبر وأوسع وأحدث، ومحل البقالة أصبح سوبر ماركت كبير للغاية، والحارة امتلأت بالعديد من الورش، ورشة الميكانيكي والمنجد والاستورجي وغيرها الكثير. ابتسمت بحنين، ثم رفعت عينيها إلى البناية القائمة أمامها. لقد احتفظت البناية بحالتها كما هي، وكأنها تعاند مرور السنوات. ابتسمت بفرح وحنين وحزن وهي تتأمل الطابق الثالث، حيث كانت تسكن مع أمها وأبيها وأخي...
رواية حارة العشاق الفصل الأول 1 - بقلم أمنية أشرف
وصلت كارمن إلى الحارة الشعبية وأوقفت سيارتها أمام إحدى البنايات. نزلت تنظر إلى الحارة بشوق وحنين. "يا الله، لقد تغيرت الحارة كثيرًا." هذا المقهى الشعبي أصبح أكبر وأوسع وأحدث، ومحل البقالة أصبح سوبر ماركت كبير للغاية، والحارة امتلأت بالعديد من الورش، ورشة الميكانيكي والمنجد والاستورجي وغيرها الكثير. ابتسمت بحنين، ثم رفعت عينيها إلى البناية القائمة أمامها. لقد احتفظت البناية بحالتها كما هي، وكأنها تعاند مرور السنوات. ابتسمت بفرح وحنين وحزن وهي تتأمل الطابق الثالث، حيث كانت تسكن مع أمها وأبيها وأخيها الأكبر. رحمه الله على أبيها وأمها. أما أخاها، فمنذ أن سافر إلى أمريكا، بدأت اتصالاته تقل حتى انعدمت تمامًا. وهي لا تنكر أبدًا تقصيرها تجاهه، فهي أيضًا انشغلت بحياتها ونسيت العالم من حولها، بل تظن أنها نسيت نفسها أيضًا.
تنهدت بيأس. "لم يعد يفيد شيء بعد الآن." فهي قد قررت أن تبدأ حياة جديدة.
فتحت السيارة وأخرجت حقائبها، ثم انطلقت صاعدة إلى شقة والديها.
كان يجلس أمام المقهى الخاص به، يرتدي جلبابًا رمادي اللون وعمامة بيضاء ناصعة البياض. يضع ساقًا على ساق ويراقب المارة في الحارة، وبجانبه أرجيلته، كعادة المعلمين.
رأى سيارة غريبة تدخل إلى الحارة، ومن ثم نزلت منها فتاة تبدو صغيرة السن، خمن أنها في أواخر العشرينات تقريبًا، تشبه الأجانب أو تلك الممثلات التي يراهم في التلفاز أو على مواقع التواصل. "من جاءت هذه الفتاة ومن تريد في حارة شعبية كهذه؟" زاد تعجبه أكثر حينما دخلت بناية الدكتور صلاح. "هل إحدى الساكنات الجدد؟" ولكن الدكتور لا يسكن أحدًا في بنايته، فهي خاصة ملك له ولأبناء أعمامه. ولكن كل هذه الأفكار قد طارت من رأسه حينما شاهد أخرى ذات طول فارع وجسد متوسط، لا هو رفيع ولا ممتلئ، ولكن ذات جسد ممشوق لا يستطيع إنكاره. ترتدي عباءة سوداء وحجاب أسود يطل منه وجه القمر، فهي بيضاء ذات عيون سوداء واسعة وقسمات مريحة للنفس.
تتبختر في مشيتها، بأحد يديها محفظة نقودها، وفي اليد الأخرى تمسك يد صغيرها ذي الخمسة أعوام.
الذي ما إن اقتربوا من المقهى ورأى المعلم نعمان، حتى انطلق إليه سريعًا وهو يصيح بفرح: "عمو نعمان... عمو نعمان!"
ضحك نعمان وهو يحمله ويقبل وجنتيه: "حبيب عمو نعمان... عامل إيه يا بطل؟"
ابتسم الصغير بفرح ورد: "أنا كويس."
ضحك نعمان وأردف: "الحمد لله."
كانت قد اقتربت منهم وهي تبتسم لمشاهدة منظر صغيرها وهو معلق على كتف نعمان. عذرًا، المعلم نعمان، كما تحب أن تدعوه. تكلمت بصوتها ذي الرنين المميز: "العوافي يا معلم."
تنحنح نعمان بحرج وبعض من الخجل، لا يظهر إلا حينما يراها: "الله يعافيك يا ست هدير."
ابتسمت هدير وأجابت: "تسلم وتعيش يا معلم."
سكت نعمان لثوانٍ، ثم نظر للصغير وسأل: "على فين العزم؟"
ردت هدير بسرعة ولهفة لاهتمامه بها: "هروح أشوف سهير، أصلها كلمتني وقالت لي أروح معاها شوية هي وروان."
ابتسم المعلم برزانة وأردف: "وماله." ثم وجه كلامه للصغير: "خد بالك من ماما يا ياسين."
هز الصغير رأسه بجدية: "حاضر يا عمو."
ضحكت هدير بخفة، واضطرب قلب نعمان وازدادت خفقاته كمراهق صغير يسمع لأول مرة ضحكة حبيبته، وليس رجل في الأربعين من عمره.
أمسكت هدير يد صغيرها، ثم قالت: "قول لعمو سلام يا ياسين."
رد الصغير سريعًا: "سلام."
ابتسم نعمان وقال: "مع السلامة يا حبيبي."
ثم انطلقت هدير مع طفلها وهي تودع نعمان بنظرة وابتسامة.
***
صعدت كارمن إلى الدور الثالث ووقفت أمام باب الشقة تبحث في حقيبتها عن مفتاح الشقة. في نفس اللحظة التي خرج فيها الدكتور صلاح من شقته المقابلة لها. وقف صلاح للحظات يفكر في الواقفة والتي تعطيه ظهرها، وبجانبها العديد من حقائب السفر الملونة. ثم غلبه الإدراك وهو يتعرف عليها. إنها هي، لن يخطئها أبدًا ولو بعد مئات السنين. همس اسمها، همس خرج من قلبه قبل شفتيه: "كارمن."
وكارمن كأنها سمعته، استدارت تنظر إليه بابتسامة رائعة أعادته لسنوات مضت. أخرجته كارمن منها بفرحتها برؤيته: "صلاح."
ابتسم صلاح وهو يبعد شعره عن عينه، في عادة ملازمة له: "إزيك يا كارمن؟"
هزت كارمن رأسها: "بخير الحمد لله. أنت عامل إيه؟"
تنحنح صلاح يبعد عن رأسه أفكاره عن نعومة صوتها ورقتها، وأردف: "أنا كويس الحمد لله." ثم سكت وسأل مرة واحدة: "إيه اللي فكرك بينا بعد الغياب دا كله؟"
مرت سحابة حزن على وجهها، وامتلأت عيناها بالدموع، وكادت أن تفقد تماسكها الهش حتى تبكي وتنتحب، مفرغة شحنة البكاء التي حبستها بحزم. ما إن رأت بعينيها زوجها وهو يخونها، ولكنها تماسكت وأجابت: "والله أنا على طول فكراكم، بس أنت عارف الدنيا بتلهي."
هز صلاح رأسه بتفهم، ثم سأل: "وناوية تقعدي هنا قد إيه؟ أنا شايف إن معاكي شنط."
ابتسمت كارمن وقالت: "ناوية أكمل اللي باقي من عمري هنا وسط أهلي وناسي. أنا شبعت بعد."
مرت في رأس صلاح العديد من التساؤلات، ولكنه قرر أن يتركها كما تريد. فهي تبدو ضعيفة وهشة جدًا، ولن تتحمل أي مناقشات الآن. فهو يعرفها أكثر من نفسها، يعرف أنها مكسورة وتريد أن تبكي بشدة، ولكن كعادتها تعاند نفسها وتظهر بمظهر اللامبالية، ولكنها تحترق من الداخل.
ابتسم صلاح وقال: "والله دي الحارة تنور بوجود كارمن هانم."
ضحكت كارمن: "منورة بأهلها يا دكتور."
ابتسم صلاح ولم يعلق. لتردف كارمن: "صلاح، ممكن تساعدني في فتح الباب والشنط؟"
أسرع صلاح نحو الباب وقال: "أكيد طبعًا، بس يا كارمن الشقة بقالها سنين مقفولة ومحتاجة تنضيف. مش هتعرفي تقعدي فيها وهي كدا."
عضت كارمن على شفتيها وقالت: "طب هعمل إيه؟"
ابتسم صلاح وهتف: "متشليش هم حاجة. أنا هجبلك حد ينضفها. ادخلي أنتِ اقعدي في شقتي، أنا كدا كدا نازل العيادة، ولما الشقة تجهز هاجي أقولك."
ثم أخرج من جيبه مفتاح شقته وفتح باب الشقة وأخرج المفتاح وقال: "دا مفتاح شقتي، خليه معاكي عشان تبقي مطمنة أكتر، ماشي؟"
شعرت كارمن بالحرج الشديد وقالت: "ملوش لزوم والله يا صلاح، أنا هقعد قدام الشقة لحد ما تتنضف، ويمكن أساعد في حاجة."
هز صلاح رأسه بنفي: "لا والله أبدًا. ادخلي أنتِ بس اقعدي في شقتي وملكيش دعوة بأي حاجة."
ابتسمت كارمن: "شكرًا يا صلاح، هتعبك معايا."
رد صلاح بهدوء: "ولا تعب ولا حاجة يا كارمن."
... "ادخلي أنتِ بقا عشان أنا كدا هتأخر على المرضى بتوعي."
ابتسمت كارمن ودخلت الشقة بعدما أدخل صلاح الحقائب وخرج، ثم ألقى السلام وانطلق إلى عيادته وهو يكلم السيدة التي تنظف له شقته لكي تجلب أخرى معها لينظفوا شقة كارمن.
***
في مكان آخر.
كانت هدير تجلس مع سهير وروان، ابنة عمها، يتسامرون كعادة جلسة الفتيات.
هتفت روان بشقاوة وهي تغمز بعينيها: "أخبار المعلم نعمان إيه يا ديرو؟"
تنهدت هدير بشوق وابتسمت بحب وقالت: "كويس يا أختي، بيسلم عليكي."
ضحكت روان: "حبيبي يا معلم، سلميلي عليه كتير."
نظرت لها هدير بغيظ وغيره: "ما تتلمي يا بت، محدش يقول عليه حبيبي غيري."
انفجرت روان في الضحك وهتفت: "يا أختي بهزر، دا المعلم يجي من دور أبويا."
شهقت هدير وهي تضرب بيدها على صدرها: "أبوكي دا إيه؟ دا المعلم لسه في عز شبابه."
كادت أن ترد روان ولكن تدخلت سهير تفض النقاش قبل أن يتطور في معرفة سن المعلم: "يا هدير، البت قصدها إنه أكبر منها بكتير، يعني ما أنتِ عارفة روان عندها 20 لسه."
هزت هدير رأسها بتفهم وقالت: "يا أختي منا عارفة، أنا بس برخم عليها." ثم أردفت بمشاكسة: "أو مال سي كارم فين كدا يا سهير؟ مش باين الأيام دي؟"
احمرت روان وأصبحت كحبة طماطم طازجة فقط من ذكر اسم كارم، مما جعل هدير تضحك بشدة: "مالك يا بت احمريتي كدا ليه؟ أومال لو كان قدامك كنتي أغمي عليكي."
نظرت لها روان بغيظ: تصدقي إنك رخمة. أنا عارفة إنك بتردهالي.
ضحكت هدير وهي تلكزها في كتفها: خلاص يا رورو، دا أنا بحبك.
نظرت لهم سهير بقرف واردفت: والله إنتو الاتنين تفقعوا المرارة. جرا إيه يا أختي إنتي وهي؟ ما تنشفوا شوية بدل ما إنتو مدهولين كدا، وياريت واحدة فيكم نافعة.
لم تعرها هدير أي اهتمام وهي تقول: بكرة نشوفك يا أختي لما تتدهولي زينا.
ابتسمت روان بشماتة: آه يا سهير، ياما نفسي أشوفك لما تحبي وتتدهولي، شكلك هيبقى عامل إزاي. دا أنا هفرح فيكي يومها فرح.
هزت سهير رأسها بسرعة وهي تنفي ما تقوله روان: لا لا لا، إن شاء الله مش هيحصل الكلام دا.
ضحكت هدير وهي تقول بنبرة العارف بالأمور: بكرة نشوف.
بعد 3 ساعات، كانت شقة كارمن قد أصبحت نظيفة تمامًا وصالحة للاستخدام. صعد صلاح إلى شقته ليبلغ كارمن. رن جرس الباب وانتظر حتى فتحت له كارمن وهي تبتسم.
هتف صلاح: السلام عليكم، اتأخرت عليكي.
أجابت كارمن: وعليكم السلام، لا ما اتأخرتش ولا حاجة.
ابتسم صلاح: طب كويس. اتفضلي مفتاح شقتك أهو. الشقة بقت زي الفل.
أخذت كارمن المفتاح بخجل وقالت: ميرسي جدًا يا صلاح. والله مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه.
حك صلاح شعره بيده وهو يقول: العفو يا كارمن، أنا في الخدمة دايما.
هزت كارمن رأسها بتفهم وجرت حقائبها خلفها تخرج من شقته إلى شقتها. ثم أمسكت حقيبتها الصغيرة تخرج منها بضعة نقود وهي تقول: ممكن تقولي اللي نضفت الشقة خدت فلوس قد إيه؟
نظر لها صلاح بغضب وقال: رجعي فلوسك في شنطتك يا كارمن، إنتي نسيتي الأصول ولا إيه؟
خجلت كارمن بشدة وتلجلجت وهي تقول: آسفة يا صلاح، مش قصدي أنا بس...
زفر صلاح بضيق: خلاص يا كارمن، مفيش حاجة. وعن إذنك عشان عندي شغل كتير.
ثم تركها وغادر إلى عيادته.
أما كارمن، دخلت شقتها وسندت بظهرها على الباب وهي تتنفس بعمق، تشعر بعبق الذكريات، رائحة أبيها وأمها وأخيها، ذكريات الطفولة والمراهقة والشباب.
تطلعت في كل شبر في الشقة، تحفظه عن ظهر قلب.
ثم اتجهت إلى غرفتها القديمة كما هي تمامًا، لم يتغير فيها شيء، وكأنها تركتها بالأمس.
جلست على سريرها وأمسكت عروستها الأحب إلى قلبها، وهي تترك لدموعها العنان، تبكي وتنتحب بلوعة، وهي تشعر أن قلبها يتمزق من الوجع.
تبكي سنين عمرها التي ضاعت هباءً مع زوج خائن حقير. تبكي اشتياقها للأمومة التي حرمت منها لسبع سنوات بسببه. تبكي وحدتها، تبكي روحها المتألمة بشدة. ظلت تبكي وتبكي حتى تعبت من البكاء ونامت.
بعد منتصف الليل.
وصل جاسم إلى فيلته وصعد إلى جناحه. يعلم أن كارمن لن تمرر الأمر مرور الكرام، ولكنه ترك لها الوقت حتى تهدأ تمامًا، وهو سوف يعتذر منها ويفعل لها ما تريد. فهي تعرف أنها نزوة ليس لها أهمية، تعلم أنها الأصل وأنه يحبها بشدة ولن يقدر على تركها.
دخل إلى الجناح ليراه فارغًا تمامًا. دخل غرفة الملابس.
ليتفاجأ بخلوها من جميع ملابس كارمن.
جن جنونه وهو لا يعلم إلى أين ذهبت دون أن تخبره.
خرج يقلب الجناح علها تكون في مكان ما، وهو لا يصدق أبدًا أن كارمن تركته وغادرت.
جلس على السرير بصدمة، يشعر ببوادر ذبحة صدرية.
لفت نظره نوت وردية اللون موجودة على الكومود.
أخذها ونظر للمكتوب في إحدى أوراقها بصدمة وعينه تتوسع بشدة، وهو يقرر أن يقلب الدنيا رأسًا على عقب حتى يعيدها إليه.
رواية حارة العشاق الفصل الثاني 2 - بقلم أمنية أشرف
مشيت ومش هرجع تاني وهستنى ورقة طلاقي توصلي ع مكتبي.
كانت هذه الكلمات التي خطتها كارمن قبل أن تترك الفيلا، وهي ما قرأه جاسم. توسعت عيناه بشدة وارتفعت وتيرة أنفاسه أثر الصدمة. قام من مكانه بجنون وهو يطوح بيده كل ما هو موجود ع التسريحة الموجودة بالجناح، وهو يصرخ بجنون. لن يتركها أبداً، سيقلب الدنيا رأساً على عقب حتى تعود إليه، فهو لا يترك شيئاً ملك له أبداً.
في صباح اليوم التالي.
استيقظت كارمن على صوت الباعة الجائلين ورنين عربة الفول. ابتسمت بفرح، فهي منذ سنوات لم تسمع هذه الأصوات. كانت معتادة أن تستيقظ على السكون والهدوء الذي يسود الفيلا والكمبوند المحيط بها.
أما في الأحياء الشعبية، فالوضع يختلف تماماً. هنا الضوضاء هي ما تسود المكان بأكمله، أصوات الباعة ورواد المقهى والورش وغيرها الكثير والكثير.
قامت تشعر بتحسن كبير عن الأمس وما مرت به.
أخذت حماماً دافئاً وارتدت فستاناً أزرق قصيراً ذات حملات عريضة وصندلاً أصفر عالي الكعبين، وتركت لشعرها الكستنائي العنان، وهي تقرر أن تنزل الحارة تشتري بعض طلبات المنزل، فهو خالٍ تماماً من جميع الأشياء، وهي تشعر بالجوع الشديد، فمنذ الأمس لم تضع شيئاً بفمها.
خرجت من البناية تتطلع حولها بابتسامة واسعة وهي تنظر للحارة، وكأنها رأتها. هدير وهي تقف أمام ورشة زوجها الراحل تتحدث مع الصبي الذي يعمل بها.
لتتركه وتذهب إليها سريعاً.
اقتربت منها هدير بابتسامة وهي تقول: صباح الفل.
ابتسمت كارمن وردت بصوت ناعم: صباح النور.
رفعت هدير أحد حاجبيها وهي تنظر لها من رأسها حتى أخمص قدميها، ثم هتفت: انتي بتدوري ع حد ولا أي؟
هزت كارمن رأسها بنفي وقالت: لا.
عبست ملامح هدير وهي تقول: أومال انتي مين؟
ابتسمت كارمن ابتسامة واسعة وقالت: أنا كارمن.
هزت هدير رأسها ببلاهة وسألت: أيوا كارمن مين يعني؟
سكتت كارمن لثوانٍ تفكر ماذا تقول لها، ثم هتفت فجأة: تعرفي الدكتور صلاح؟
أومأت هدير برأسها بسعادة وهي تجيب: أيوا طبعاً، هو في حد في الحارة كلها ما يعرفش الدكتور صلاح؟
ضحكت كارمن وقالت: هو بقا يبقى ابن عمي.
انفرجت أسارير هدير، ثم انقضت على كارمن تحتضنها وتقبلها من وجنتيها وهي تقول: يا أهلاً يا حبيبتي أهلاً أهلاً، دا الحارة نورت.
ضحكت كارمن بسعادة: أهلاً بيكي ميرسي.
سألت هدير بجدعنة: مش عايزة أي حاجة يا حبيبتي؟ أنا تحت أمرك.
ابتسمت كارمن: تسلمي، أنا بس كنت عايزة أشتري طلبات للبيت.
جرتها هدير خلفها وهي تثثر: تعالي يا حبيبتي، تعالي وأنا أجيب لك كل اللي انتي عايزاه، دا أنا قلبي انشرح لك خالص وحبيتك والله.
ثم انطلقت تشتري لها الكثير من الخضروات والفاكهة الطازجة، وكارمن تراقبها بسعادة وهي تشتري وتفاوض البائعين وتمازحهم، والجميع يكن لها الاحترام ويلقبونها بـ "الست هدير".
وأثناء سيرهم في الحارة، رأتهما سهير من بعيد، فأقتربتهما سريعاً وهي تنظر لكارمن بفضول: صباح الفل يا ديرو.
ابتسمت هدير وأجابت: صباح الورد يا قلبي.
نظرت سهير لكارمن وقالت: هي مين الحلوة دي؟
ربتت هدير على كتف كارمن وهي تقول: دي كارمن بنت عم الدكتور صلاح.
ابتسمت سهير واقتربت من كارمن تسلم عليها وهي تحتضنها وتقبلها، كالعادة السلام المعتاد: أهلاً يا كارمن، منورة الحارة والله.
ابتسمت كارمن وردت: ميرسي.
ضحكت سهير وربتت على شعرها: هو انتي حلوة كدا طبيعي ولا حاجات من بتاع الأيام دي؟
ضحكت كارمن بشدة وأجابت: لا طبيعي تماماً.
نظرت لها سهير وكأنها كائن من الفضاء وقالت: بسم الله ما شاء الله، الله أكبر، دا انتي يا حبيبتي لازم تخافي ع نفسك من الحسد.
حاولت كارمن كتم ضحكتها على أفعال سهير وأردفت: سيبيه لله.
هزت سهير رأسها وقالت: ونعم بالله، طب أسيبكوا أنا بقا عشان الحق حصتي في المدرسة.
ودعتها هدير: ماشي يا حبيبتي، مع السلامة وخذي بالك من نفسك.
رحلت سهير وبقيت هدير تثثر مع كارمن في كل شيء وأي شيء. قالت فجأة: وانتي يا حبيبتي كنتي ساكنة فين قبل ما تجيء الحارة؟
حزنت ملامح كارمن وشردت قليلاً، ثم ردت: كنت متزوجة وعايشة في فيلا في كومبوند في...
دهشت هدير وهتفت: يا ما شاء الله، وأي اللي حصل كفى الله الشر.
ابتلعت كارمن الغصة في حلقها حتى لا تنفجر في البكاء: اتطلقت ورجعت أعيش هنا تاني.
شهقت هدير بصدمة وضربت على صدرها بيدها كعادتها دائماً حينما تتفاجأ بشيء: يا عينيا، واطلقتي ليه؟ دا انتي لسه في عز شبابك وكمان زي القمر.
امتلأت عيون كارمن بالدموع وهي تشعر بحاجتها الشديدة أن تشارك أحداً ما حدث لها، وانطلقت تحكي لهدير قصة حياتها منذ أن تزوجت حتى حدث ما حدث، وهدير تستمع لها بإنصات شديد ويظهر على ملامحها التعاطف مع كارمن، حتى وصلت إلى رؤيتها لزوجها وهو يخونها. شهقت هدير بفزع وملامحها تتلون للغضب الشديد وقالت: الخاين العرة، عرة الرجال، ياما نفسي أشوفه عشان أطبق في زماره رقبته، والله هو الخسران، وانتي يا حبيبتي بكرة ربنا يعوضك بأحسن منه 100 مرة.
ابتسمت كارمن بحزن وقالت: الحمد لله، أنا خلاص جربت حظي مرة وكفاية، بس هو يطلقني ويسبني في حالي لأني تعبت والله تعبت.
ربتت هدير على كتفها تدعمها: إن شاء الله هتخلصي منه عرة الرجالة دا، وإن ما كانش بذوق يبقى بالعافية واحنا معاكي متخافيش.
ابتسمت كارمن لهدير بمودة: أنا مش عارفة أشكرك إزاي يا هدير، أنا والله حاسة إني أعرفك من زمان ودخلتي قلبي وحبيتك جداً.
ضحكت هدير بخفة: والله وانتي كمان دخلتي قلبي.
واعتبرتك أختي الصغيرة، وأي حاجة تعوزيها تجيلي عند الورشة اللي هناك دي وأنا تحت أمرك في أي حاجة.
هزت كارمن رأسها وقالت: تسلمي يا حبيبتي، يلا سلام.
ابتسمت هدير ولوحت لها بيدها: مع السلامة.
دخلت كارمن إلى بنايتهم ووقفت هدير شارده وهي تنظر إلى مدخل البناية.
حتى سمعت صوته يتنحنح من خلفها ويقول: السلام عليكم.
استدارت هدير بابتسامة واسعة وقالت: وعليكم السلام يا معلم.
تنحنح نعمان مرة أخرى وهتف بفضول: ألا قوليلي يا ست هدير، هي مين الست اللي كانت معاكي دي؟
ابتسمت هدير وانطلقت تثثر تحكي له عن كارمن: دي يا أخويا كارمن بنت عم الدكتور صلاح، كانت متزوجة واحد علوي أوي من اللي هما بيقولوا لهم إيه، آه رجل أعمال، بس عيني عليها يا أخويا اتطلقت.
هز نعمان رأسه بتفهم وسأل بفضول: واتطلقت ليه؟
غضبت ملامح هدير وردت: العرة يا أخويا كان بيخونها.
اتسعت عين نعمان بصدمة ثم أردف: بيخونها؟ هي دي تتخان؟
انطلقت الشرارات الغاضبة من عيون هدير وهي تنظر له بغضب وغيره: نقول إيه؟ فراغة عين يا معلم، ما هما الرجالة كدا كلهم، ما يملاش عينهم غير التراب.
ثم نظرت له بغضب وتركته ورحلت.
نظر نعمان في أثرها بصدمة وقال: هي زعلت ليه؟
في مكان آخر، في إحدى الشركات الكبرى للمقاولات.
كانت تجلس بخيلاء خلف مكتب والدها، تضع ساقاً على ساق، حتى سمعت طرقاً على الباب، فسمحت للطارق بالدخول، ليدخل كارم بابتسامة عملية محرجة: قالوا لي إن حضرتك عاوزاني.
هزت سمران رأسها بابتسامة ساحرة وردت بصوتها الرقيق ذي البحة الطبيعية: أيوا يا بشمهندس اتفضل.
ثم أشارت له على الكرسي أمام المكتب ليجلس عليه.
جلس كارم وهو يتنحنح ويدفع نظارته الطبية للخلف.
أما هي، فاستقامت من جلستها خلف مكتبها لتتحرك بجسدها الفاتن ذي الانحناءات الأنثوية المهلكة، تجلس في الكرسي المقابل له وتضع ساقاً على أخرى بأناقة، ترتدي بلوزة حرير من اللون الأبيض وجيبة سوداء قصيرة للغاية وحذاء أحمر عالي الكعبين، وتضع أحمر شفاه أحمر فاقع، وقد تركت لخصلات شعرها السوداء الهائجة العنان وهي تصل لآخر ظهرها.
تنحنح كارم مرة أخرى وهو يشعر بالخجل، فهو لا يحب أبداً التعامل مع السيدات، دائماً متحفظ ولا يحب الاختلاط.
ركزت سمران عينيها الرمادية عليه وهتفت: أنت عارف طبعاً يا بشمهندس إنّي همسك الشغل لحد ما بابي يرجع من رحلته العلاجية.
أومأ كارم برأسه إيجاباً وقال: أيوا طبعاً عارف يا فندم. ابتسمت سمران ابتسامة واسعة أظهرت أسنانها البيضاء وقالت: طب تمام، أنا سمعت بقا إنك أشطر مهندس في الشركة كلها، فهعتمد عليك إنك تعرفني كل كبيرة وصغيرة في الشركة.
هز كارم رأسه وقال: تمام حضرتك، أنا تحت أمرك.
نظرت له سمران وقالت بدلع تجيده: يبقا اتفقنا يا كارم، أنا هقولك يا كارم عشان مش بحب الألقاب، ثم عضت على شفتيها وقالت: ولا أنت بتفضل الألقاب؟
بلع كارم ريقه بصعوبة وهو يشعر بعدم الارتياح لميوعتها الشديد، ولكنه هتف بعملية: اللي حضرتك تحبيه يا فندم، مفيش مانع.
ضحكت سمران بخفة: ميرسي يا كارم.
ابتسم كارم ابتسامة عملية: تمام يا فندم، عن إذن حضرتك.
ابتسمت سمران وهزت رأسها: اتفضل.
خرج كارم وابتسمت سمران بخبث وهي تشعر أنه لقمة سائغة تستطيع أن تسيطر عليه بسهولة.
وتتسلى.
في مكتب كارمن للهندسة المعمارية، دخل جاسم كالثور الهائج يبحث عن كارمن بجنون. فقابل السكريتيرية في طريقه ليمسكها من ملابسها كحرامي الغسيل وهو يصيح: "كارمن فين؟"
فزعت السكريتيرية المسكينة وهي تقول بتلجلج: "في أي.. في أي؟"
صرخ جاسم مرة أخرى: "كارمن فين؟"
بكت السكريتيرية بخوف: "معرفش.. معرفش.. مش هنا.. مش هنا."
تنفس جاسم بعنف: "أومال فين؟"
ابتلعت السكريتيرية ريقها وهي تشهق باكية: "معرفش.. هي اتصلت وقالت مش هتيجي النهارده."
تركها جاسم أخيرًا لتتنفس الصعداء، ولكنه هدر مرة أخرى: "لو عرفتي أي حاجة عنها أو كلمتك تاني.. تبلغيني.. سامعة؟"
هزت السكريتيرية رأسها سريعا عدة مرات وهي تجيب: "حاضر.. حاضر."
زفر جاسم بعنف ونظر لها بغضب ثم تركها وغادر.
أما هي فسقطت على الكرسي خلفها تشعر بقرب فقدانها للوعي بسبب خوفها الشديد.
ظل جاسم يدور بسيارته حتى المساء يبحث عنها في كل الأماكن التي من الممكن أن تذهب إليها، وكلف العديد من رجاله للبحث عنها، ولكنه لم يصل إلى أي نتيجة. زفر بحنق، فهي المرة التي لا يعرف عددها يتصل عليها ولكن هاتفها مغلق. تبا لها، تعلم أنها لو فتحت هاتفها لاستطاع أن يصل إليها في لمح البصر، لذلك أغلقته تمامًا.
ولكن إلى أين ذهبت؟ عصر رأسه عله يصل إلى مكان.
حتى أنارت في رأسه فكرة ذهابها لمكان ما بعينه تعلم أنه لن يخطر على باله.
كانت تجلس أمام التلفاز تشعر بملل شديد، فهي غير معتادة على الحبس هذه ولا الجلوس بدون عمل. دائمًا لها برنامج خاص ليومها، ولكن حياتها انقلبت رأسًا على عقب. لذلك يجب أن تتأقلم وتساير حياتها الجديدة، فهي قد اتخذت قرارًا ولن تعود فيه أبدًا.
ابتسمت حينما تذكرت حديثها مع هدير اليوم صباحًا. يا الله، كما هي طيبة وودودة وابنة بلد كما يقولون. وأيضًا الأخرى سهير تبدو بشوشة وطيبة أيضًا.
تذكرت أيضًا صلاح، لم تراه اليوم قط، أين ذهب؟ وهل نسي أنها موجودة؟ فمن الواجب أن يسأل عنها إن كانت تحتاج شيئًا، فهي ابنة عمه على كل حال.
أخرجها من شرودها جرس الباب لتنهض تفتح، اعتقادًا منها أنه أحدًا من الحي أو من الممكن أن يكون صلاح.
ولكنها فتحت وتسمرت أمام الباب وهي ترى جاسم واقفًا أمامها ينظر لها بغضب شديد.
رواية حارة العشاق الفصل الثالث 3 - بقلم أمنية أشرف
تسمرت أمام الباب وهي ترى جاسم زوجها واقفًا أمامها ينظر إليها بغضب شديد، ثم تكلم بصوت يشبه فحيح الأفاعي رغم ما يشوبه من التهكم:
"كنتي فاكرة إني مش هعرف أوصلك؟"
تحكمت كارمن سريعًا في ملامح وجهها لتظهر اللامبالاة، رغم تفاجئها بوصوله السريع إليها.
ثم كتفت ذراعيها حول صدرها وقالت:
"لأ.. كنت متأكدة إنك هتيجي، وكنت مستنياك على فكرة."
ابتسم جاسم وهو يفكر أنها قد لانت وسامحته:
"طب يلا بينا نروح بيتنا."
اتسعت عين كارمن بلا تصديق من بجاحته الشديدة:
"انت سامع نفسك بتقول إيه؟"
هز جاسم رأسه وقال:
"أيوه بقول، كفاية كده.. ويلا قدامي على البيت."
تنفست كارمن بسرعة وهي تكاد أن تنفجر من شدة الغيظ:
"لأ دا انت بجح أوي."
صرخ جاسم بحدة:
"كارمن.. أنا مسمحلكيش."
صرخت كارمن بالمقابل وقد طفح بها الكيل:
"يا أخي بلا كارمن بلا زفت.. وانت مين أصلًا عشان تسمحلي ولا متسمحليش؟ انت معدتش ليك أي دخل بيا، واتفضل يلا من غير مطرود عشان أنا مش طايقة أشوف وشك قدامي."
احمرت عين جاسم بشدة وكاد أن يضربها، ولكن يدًا قاسية كادت أن تقتلع يده من شدة قوتها وهي تقول:
"جرى إيه؟ انت هتمد إيدك عليها وهي في وسطنا ولا إيه؟"
كان صلاح عائدًا من نوبته من المستشفى يشعر بالإنهاك، ولكن سمع صوت كارمن وهي تصرخ، فتحفزت كل خلاياه للمشاجرة الوشيكة، حتى كاد جاسم أن يضرب كارمن، ليُمسك صلاح يده بحدة يبعده عنها.
صرخ جاسم:
"ابعد إيدك.. وانت مين انت عشان تدخل ما بين واحد ومراته؟"
ضحك صلاح بسخرية:
"وهو فين التدخل دا؟ انت واحد معندوش رجولة وهيمد إيده على واحدة ست، وأنا رجولتي متسمحليش أبدًا إني أشوف واحد هيضرب واحدة وما أدخلش."
غضب جاسم وقال:
"الست دي تبقى مراتي."
لم تتغير ملامح صلاح ولم تهتز عضلة واحدة في وجهه وهو يجيب:
"حتى لو مراتك، دا مديكش الحق أبدًا إنك تهين كرامتها وتمد إيدك عليها."
تكلمت كارمن من خلف صلاح:
"سيبه يا صلاح، هو خلاص هيمشي ويورينا عرض أكتافه."
هز جاسم رأسه بنفي:
"لأ مش همشي غير ورجلي على رجلك."
ضحكت كارمن بسخرية:
"لأ هتمشي، وهتمشي لوحدك، وهستنى ورقة طلاقي توصلي."
تفاجأ صلاح بكلام كارمن، فهو حتى الآن لا يعرف سبب الخلاف بينها وبين زوجها، ولكنه سكت. أما جاسم فاحمرت عيناه بشدة وقال:
"طلاق مش هيحصل يا كارمن."
ظلت كارمن على سخريتها واحتفظت بجمود ملامحها:
"لأ هتطلقني.. ولا تحب أرفع عليك قضية خلع والأخبار تنتشر إن جاسم بيه الشهاوي مراته خلعته؟"
جز جاسم على أسنانه بعنف:
"كارمن ما تتحدنيش."
ضحكت كارمن بصوت عالٍ:
"لأ هتحداك أنا يا باشا، معنديش حاجة أخاف عليها، وعندي ضدك بدل الدليل عشرة.. وانت عارف إن كارمن مش ضعيفة وعمرها لا كانت ولا هتكون."
ضحك جاسم بسخرية:
"اتغيرتي يا كارمن."
ابتسمت كارمن بسخرية مرة:
"من بعض ما عندكم يا جاسم."
ظل صلاح يتابع هذا الحوار المبطن بالكثير من التهديد والوعيد وهو لا يفقه شيئًا، ولكنه بقى واقفًا حتى لا يتهور جاسم ويؤذي كارمن. أما كارمن فنظرت لجاسم باستهانة وقالت:
"شرفتنا يا جاسم."
زفر جاسم بضيق، ولكنه آثر السلامة، فهي في نقطة قوة، وأيضًا قد اختارت المكان الصحيح حتى تحتمي خلف رجاله، فالحارة كلها كبيت واحد، ولو تهور قد يصبح في خبر كان، وهو الآن وحيد أعزل، فلْينسحب هذه المرة ويعود المرة القادمة ومعه رجاله:
"ماشي يا كارمن.. بس أوعي تفتكري إنك خلصتي مني، أنا همشي دلوقتي بس هرجعلك تاني."
ورحل دون أن ينتظر الإجابة.
دخلت كارمن وتركت الباب مفتوحًا، ثم جلست على أقرب مقعد بجوار الباب، ثم وضعت رأسها بين كفيها بيأس. فما كان من صلاح إلا أن وقف عند ضلفة الباب المفتوحة وقال:
"ممكن أفهم إيه اللي حصل ما بينك إنتي وجاسم؟"
رفعت كارمن رأسها ونظرت لعينه بلا تعبير وردت:
"مفيش حاجة.. كل الموضوع اللي أنا وهو هنطلق."
ضيق صلاح عينيه وهو يقول بتهكم:
"غريبة، يعني مش هو دا اللي انتي حاربتي الدنيا كلها زمان عشان تتجوزيه؟"
زفرت كارمن بضيق وقالت:
"صلاح أنا مش بقدم.. لو سمحت أنا فيا اللي مكفيني."
أخذ صلاح نفسًا عميقًا ثم أردف:
"أنا مش بقدمك يا كارمن، أنا بس عاوز أفهم."
زفرت كارمن بضيق:
"معلش يا صلاح مرة تانية عشان مش قادرة أتكلم دلوقتي."
هز صلاح رأسه بتفهم وقال:
"ماشي يا كارمن زي ما تحبي."
ثم تركها ودخل شقته.
في بناية أخرى في نفس الحارة، وصل كارم إلى شقته بعد يوم عمل طويل. كاد أن يدخل ليسمع صوت باب شقة والده المقابل لشقته يفتح وتظهر منه روان، الصغيرة ابنة عمه الشقية. نظرت له روان بغضب وهي تضع يدها في خصرها وهي تقول:
"اتأخرت كدا ليه يا أبيه؟"
ضحك كارم بصوت عالٍ:
"أنا آسف على التأخير، بس كان عندي شغل كتير." ثم سكت وضحك مرة أخرى: "والله أمي ما بتعمل معايا كدا."
شاركته روان الضحك وقالت:
"ما هي أصلًا سابتلي المهمة دي من زمان."
ابتسم كارم وقال:
"طب تمام اطمنتِ؟ ادخلي نامي بقى.. عشان أدخل أنام أنا كمان."
هزت روان رأسها بنفي:
"لأ استني.. هدخل أجيبلك الأكل، زمانك ميت من الجوع."
ثم أكملت حديثها وهي تدخل الشقة مرة أخرى. جاءت بعد دقائق تحمل بيدها صينية تضع عليها بعض أنواع الطعام المختلفة، وقالت وهي مبتسمة بفخر شديد:
"أنا اللي طابخة النهاردة، ابقي دوّق بقى وقولي رأيك."
ابتسم كارم وقال:
"من غير ما أدوق أكيد جميل.. تسلم إيدك."
ابتسمت روان بسعادة وقلبها تزداد دقاته بسعادة:
"الله يسلمك.. يلا تصبح على خير بقى."
ابتسم كارم وهو يهز رأسه:
"وإنتي من أهل الخير."
ثم دخل شقته وهو يفكر أن رؤية وجهها الجميل هو أجمل ختام لهذا اليوم المُرْهِق له ولأعصابه.
خرجت من بوابة البناية وهي تلهث بشدة ووجهها يظهر عليه الفزع الشديد، واتجهت إلى المقهى سريعًا وهي تنادي:
"معلم نعمان.. يا معلم!"
هرع إليها نعمان سريعًا وهو يقول بفزع:
"في إيه يا ست هدير؟ إيه اللي حصل؟"
تلاحقت أنفاس هدير وقالت بتلجلج:
"أمي الحاجة أم سيد تعبانة أوي ومش عارفة أعملها إيه."
ابتلع نعمان ريقه وهتف:
"طب اهدي، خير إن شاء الله مفيش حاجة.. أنا لسه شايف الدكتور صلاح وهو طالع شقته، وأكيد لسه ما نامش، هتصل عليه بسرعة ييجي يشوفها."
ثم قرن كلامه باتصاله بصلاح، ثم انتظر قليلًا حتى أتاه صوت صلاح يقول:
"السلام عليكم.. أيوه يا نعمان."
رد نعمان سريعًا:
"وعليكم السلام.. معلش لو بتصل عليك في وقت زي دا، بس خالتي الحاجة أم سيد تعبانة شوية وعاوزينك تشوفها."
رد صلاح:
"طب ثواني يا نعمان، أنا جايلك أهو."
ثم أغلق الهاتف وحاول أن يطمئن هدير، ثم انتظر لدقائق حتى أتى صلاح، وهرعوا إلى منزل الحاجة أم سيد، حماة هدير.
بعد بعض الوقت، قالت هدير لصلاح:
"طمني يا دكتور، أمي مالها؟"
ابتسم صلاح بهدوء:
"مفيش حاجة يا ست هدير، خير إن شاء الله.. ضغطها بس عالي شوية."
هزت هدير رأسها:
"يعني هي كويسة؟"
رد نعمان:
"أيوه يا ست هدير كويسة، اجمدي ومتقلقيش كده."
مسحت هدير طرف عينيها بحجابها منعًا لانزلاق الدموع:
"أعمل إيه؟ غصب عني، أنا مليش غيرها في الدنيا، هي وياسين."
نظر لها نعمان بحزن ونفذ قلبه ورق لحالها وقال:
"متقوليش كدا يا ست هدير، واحنا روحنا فين يعني، ما إحنا موجودين أهو."
ابتسمت هدير بضعف وتقابلت عيونهما في نظرة طويلة وأجابت:
"إن شاء الله تسلم يا معلم."
تنحنح نعمان وصمت حتى انتهى صلاح من الكشف وقال:
"أنا ادتلها حقنة توطي الضغط وكتبتلها نوعين علاج جديد مع القديم اللي بتاخده، وأهم حاجة تلتزم بالعلاج وتبعد عن أي حاجة تزعلها."
هزت هدير رأسها سريعًا:
"عنيا يا دكتور، والله ما حد بيزعلها أبدًا، وحاضر هتلتزم بالعلاج.. وألف شكر تعبناك معانا."
ابتسم صلاح بهدوء:
"ولا تعب ولا أي حاجة يا ست هدير، وأي حاجة أنا موجود دايما." ثم وجه حديثه لنعمان: "يلا بينا يا نعمان."
تنحنح نعمان مرة أخرى:
"ها؟ أيوه يلا بينا.. هتعوزي حاجة يا ست هدير؟"
ابتسمت هدير وقالت:
"سلامتك يا معلم، مع السلامة."
ابتسم نعمان وخرج خلف صلاح وهو يلقي السلام.
دخل إلى الغرفة وهو يشعر بالغضب الشديد، ثم قال لصديقه الجالس بهدوء يثير الأعصاب:
"اللي سمعته دا حقيقي؟"
ظهرت ابتسامة لزجة على شفتي صديقه وهو يجيب:
"سمعت إيه؟ خير."
نظر له بغيظ:
"ولااا.. متحورّش.. انت فعلًا قررت ترجع مصر؟"
ابتسم عمار وأجاب:
"أيوه خلاص، أنا زهقت من الغربة وتعبت سنين من عمري عمالة تضيع من غير أي جديد في حياتي، جيت هنا عشان أتمرد على كل حاجة في بلدي، وبعد السنين دي كلها اتكشفت إني معملتش أي حاجة تستحق الغربة والبهدلة، يا ريتني سمعت كلام أبويا وفضلت معاهم، على الأقل كنت جمعت شوية ذكريات قبل ما يسيبوني ويمشوا، وكمان أختي وحشتني، عاوز أشوفها وأطمن عليها، مش عارف ليه عندي إحساس إنها محتاجاني."
هز صديقه رأسه بتفهم:
"يعني دي قرارك النهائي؟"
ابتسم عمار وأجاب:
"أيوه خلاص، وكلها أيام وأسافر بإذن الله."
ضربه صديقه على كتفه بمحبة وقال:
"ربنا معاك يا صاحبي.. وهتوحشني ياض."
ابتسم عمار وعانقه بأخوية وهو يقول:
"وانت كمان يا صاحبي، ابقى تعال زورني."
ابتسم صديقه وقال:
"أكيد هبقى أجلك."
هز عمار رأسه بلا معنى، ثم أخذ نفسًا عميقًا وهو يفكر أنه قد آن الأوان أن يعود مرة أخرى إلى أرض الوطن، وبالأخص إلى الحارة وأهلها.
رواية حارة العشاق الفصل الرابع 4 - بقلم أمنية أشرف
في الصباح استيقظت كارمن من نومها وأخذت حمامًا دافئًا وهي تستعد للذهاب لمكتبها الذي تغيبت عنه لعدة أيام بسبب ظروفها وما مرت به. ارتدت جيب قصيرة رمادية اللون وبلوزة بيضاء، وعقدت شعرها الكستنائي في ذيل حصان طويل، وانتعلت حذاء أسود عالي الكعبين وشنطة صغيرة بنفس اللون.
نزلت من البناية ووقفت أمام سيارتها، فرأتها هدير وهرعت إليها سريعًا، فقابلتها كارمن بابتسامة واسعة وهي تقول:
"صباح الخير"
سلمت عليها هدير سلامًا حارًا وردت:
"صباح الفل والياسمين.. عاملة إيه يا كارمن؟ ومتشيكة ورايحة على فين كده؟"
ابتسمت كارمن وأجابت:
"أنا كويسة الحمد لله"
ثم أكملت:
"أنا هروح الشغل، بقالي كام يوم ما رحتش"
نظرت لها هدير باستفهام وقالت:
"هو انتي بتشتغلي إيه؟"
ابتسمت كارمن وأجابت بفخر:
"أنا مهندسة وعندي مكتب خاص بيا"
هزت هدير رأسها بتفهم، وظلوا يتبادلون الأحاديث حتى جاءت سهير ومعها روان. ما إن رأت روان كارمن، نظرت لها بانبهار وكأنها تنظر لكائن فضائي، وهتفت:
"الله أكبر.. بسم الله ما شاء الله.. ثم نظرت لسهير واستطردت: دا أحلى من الوصف كمان"
ضحكت كارمن بشدة، وشاركتها هدير الضحك أيضًا.
ولكن لم تعرهم روان اهتمامًا، وأكملت موجهة حديثها لكارمن:
"هو انتي من مصر زينا يا أختي؟ أصل انتي حلوة بزيادة أوي، اللهم لا حسد يعني"
ضحكت كارمن وأجابت:
"آه مصرية، بس مامتي كانت هولندية"
هزت روان رأسها وقالت:
"آهااا، أنا قلت كده بردو. الجمال ده لازم يبقى فيه عرق أجنبي"
ابتسمت كارمن:
"بس انتي جميلة جدًا برضه"
ابتسمت روان بسعادة:
"الله يجبر بخاطرك، أول مرة حد يقولي إني حلوة"
نظرت لها سهير بامتعاض وقالت:
"لا والله، ما إحنا طول عمرنا بنقول لك إنك أحلى واحدة فينا"
ضحكت روان وقالت تغيظها:
"ماشي، بس انتوا وحشين أصلًا. أما لما واحدة حلوة أوي كده تقول عليا حلوة، يبقى أنا حلوة بجد مش كلام وخلاص"
كادت سهير أن ترد عليها، ولكن قطع حديثهم صوت صلاح وهو يلقي السلام.
رد الجميع السلام، ونظرت روان له بسعادة وقالت:
"صباح الخير يا أبيه"
ابتسم صلاح بهدوء وأجاب:
"صباح النور يا رورو.. عاملة إيه؟"
ضحكت روان:
"أنا كويسة يا أبيه.. إنت عامل إيه؟"
أجاب صلاح بهدوء:
"بخير الحمد لله"
وظلوا يتحدثون لدقائق، وروان تضحك معه وكأنهم معتادون على ذلك. وصلاح، رغم أنه خجول، إلا أنه يتحدث معها بانطلاق شديد، مما جعل كارمن تتذكر فيما مضى حينما كانت في سن روان أو أصغر منها قليلاً. فقد كانت قريبة جدًا من صلاح ولا يفترقان أبدًا، وكأنهم توأمان. فهو كان أقرب إليها حتى أكثر من أخيها، ولكن كل هذا قد تغير بعد أن أحبت جاسم، وهي ابتعدت عن صلاح تمامًا وكأنهم لم يقتربوا يومًا.
بعد قليل رحل صلاح إلى المستشفى، وتفرقت الفتيات كلٌ إلى وجهته.
***
في شركة المسيري للمقاولات، وبالأخص في مكتب إسماعيل المسيري الذي تحتله حاليًا سمران المسيري، كانت تجلس على طاولة الاجتماعات وبجانبها كارم الذي يشرح لها على اللاب توب ما يخص العمل.
كان هو مندمجًا في الشرح، أما هي فكانت في وادٍ آخر، تنظر إليه بجرأة، تتفحص في ملامحه الرجولية الوسيمة. فهو يمتلك عيونًا بلون القهوة، وشعرًا بنيًا قصيرًا شديد النعومة، وذقنًا بنية تزيده وسامة وجاذبية. هو ليس الأوسم بالتأكيد، ففي عالمها وعالم رجال الأعمال الأرستقراطي، يتواجد الكثير من الرجال شديدي الوسامة والجاذبية. ولكنها تريد أن تمرح قليلاً وترمي شباكها عليه. فلا رجل عاقل يستطيع مقاومة سمران المسيري. ولكن صوت علا بداخلها يخبرها أن هناك رجلًا واحدًا فقط هو ما حطم قلب سمران وهز ثقتها في نفسها وجمالها. هو فقط من يجعلها تقف أمامه كمراهقة صغيرة خجولة لا تعرف كيف تتعامل معه. ولكنها طردت تلك الأفكار عن رأسها وهي تنظر لكارم وتقول بدلع:
"كارم.. ممكن تشرح بالراحة شوية عشان أعرف أستوعب"
تنحنح كارم بحرج وقال:
"آسف يا آنسة سمران.. أنا بس لما بندمج في الشغل بنسى نفسي"
ابتسمت بنعومة:
"ولا يهمك يا كارم"
ثم سكتت قليلاً وقالت بخجل مزيف:
"كارم، هو أنا ممكن أسألك سؤال بس شخصي شوية؟"
شعر كارم بالإحراج، ولكنه أجاب وأذنه تحمر خجلًا:
"آه طبعًا، اتفضلي اسألي"
عضت سمران على شفتيها وقالت:
"هو انت مرتبط؟"
تنحنح كارم مرة أخرى، ولكنه أجاب إجابة قاطعة بـ:
"لا"
سألت سمران مرة أخرى:
"طب بتحب؟"
ابتسم كارم وهو ينظر أمامه بشرود، وملامح روان تتشكل أمامه بعيونها الخضراء وضحكتها الشقية. ولكنه أجاب مرة أخرى:
"لا"
غفلته سمران وهي تضع يدها على يده وتقول بدلع:
"طب مش بتفكر ترتبط؟"
سحب كارم يده سريعًا وكأن لدغته عقربة، وهو يقول بتلجلج:
"لا.. لا.. لا مبفكرش"
ثم قام سريعًا وهو يلملم أوراقه وهو يقول:
"أنا لازم أروح مكتبي لأني افتكرت ورق مهم لازم أشتغل عليه"
ثم خرج سريعًا من المكتب دون أن ينتظر ردها.
***
في المساء، بعد أن عادت كارمن من مكتبها، صعدت إليها هدير وانتظرت حتى فتحت لها كارمن.
وقالت:
"السلام عليكم"
ابتسمت كارمن وردت:
"وعليكم السلام.. اتفضلي يا هدير، تعالي ادخلي"
دخلت هدير وهتفت:
"بصي يا كارمن، أنا جايه آخدك عشان تيجي معايا الفرح"
ابتسمت كارمن وسألت بابتهاج:
"فرح مين؟"
أجابت هدير سريعًا:
"فرح شروق بنت عم فتحي الأسطروجي.. انتي مشوفتيش اللافتة وانتي طالعة ولا إيه؟"
هزت كارمن رأسها بنفي وقالت:
"لا ماشوفتهاش"
ابتسمت هدير وقالت:
"طب يلا ادخلي غيري والبس فستان حلو كده بسرعة عشان نلحق الفرح من أوله، عشان دلوقتي تلاقي الحارة كلها نزلت الفرح"
هزت كارمن رأسها سريعًا بإيجاب، وهي تشعر بالابتهاج، فهي قد اشتاقت كثيرًا للأفراح الشعبية. ثم دخلت لتبدل ملابسها.
***
وعند صوان الفرح، كان يقف نعمان يرتدي جلبابه الأسود وعمامته البيضاء، وبجانبه يقف صلاح يرتدي بنطال جينز أسود وقميص أبيض ينحت على عضلاته وتظهر طول قامته ووسامته. يتبادلون الأحاديث والنكات والضحكات الرجولية فيما بينهم، حتى انضم إليهم كارم. ما إن رآه نعمان، عاجله قائلًا:
"أهلاً هلالك يا كارم بيه، عاش مين شافك يا أخويا"
ابتسم كارم وهو يصافحه بقوة وأخوية:
"تعيش وتتهنى يا معلم.. انت عارف الشغل بقا والله طالع عيني"
رد نعمان:
"ربنا يقويك"
ضربه كارم على كتفه بمزاح وقال:
"يارب يا أخويا، ادعيلي"
ثم وجه حديثه لصلاح وقال:
"وانت أخبارك إيه يا أبو صلاح؟"
ولكن صلاح لم يرد عليه، وهو ينظر لكارمن التي تدخل إلى الفرح بجانب هدير، ترتدي فستانًا قصيرًا كحلي اللون منقوشًا ببعض الورود الحمراء الصغيرة، وتربط على خصرها حزام ستان باللون الأحمر، وحذاء أحمر عالي الكعبين. وتركت شعرها حرًا دون قيود. أما هدير، فكانت ترتدي عباءة سوداء قيمة وطرحة من نفس اللون، على الرغم من شعبيتها، إلا أنها كانت غاية في الجمال برقتها وشموخها. وكان كلا من صلاح ونعمان ينظران إليهما بانبهار وعيونهم تتلون بالإعجاب.
ضيق كارم عينيه وهو يسأل صلاح:
"هي مين دي اللي مع الست هدير؟"
أجاب صلاح دون أن يحيد بعينه عن كارمن قائلًا:
"كارمن، بنت عمي"
تفاجأ كارم وهو يقول:
"كارمن؟ هي دي كارمن؟ اتغيرت أوي.. بس بتعمل إيه في الحارة؟"
رد صلاح دون أن يظهر على ملامحه شيء:
"في مشاكل ما بينها وبين جوزها.. ورجعت الحارة بقالها كام يوم"
هز كارم رأسه بتفهم، ثم حاد بعينيه وهو يرى أخته سهير وبجانبها روان تدخلان الفرح وتتجهان إلى هدير وكارمن، اللتان اندمجتا سريعًا في أجواء الفرح. وأطلقت هدير العديد من الزغاريد تنم عن سعادتها، وكارمن تصفق بسعادة وهي ترى جميع من بالفرح يرقص على أنغام الفرقة الشعبية. وروان تصفر بفمها كالصبيان، وكارم ينظر إليها بغيظ، لتلاعب له حواجبها بإغاظة جعلته ينفجر ضاحكًا وهو يتوعدها بالعقاب.
رواية حارة العشاق الفصل الخامس 5 - بقلم أمنية أشرف
رواية حارة العشاق الفصل الخامس
وقف كارم أمام مكتب سمران يضغط علي نفسه حتي يدخل إليها فلا يعرف لما بات الذهاب الي مكتبها ثقيل علي قلبه فهي تتعمد ان تزيد من دلالها ورقتها أمامه وايضا تتجاوز حدودها وتحاول ان تتلمس يده حينما يكون مندمج في شرح ما يخص العمل وتتدخل في حياته وتسأل عن أشياءا&; لا تخصها وتحاول ان ثؤثر عليه زفر بضيق وهو يرمي هذه الافكار من رأسه ثم طرق الباب ودخل
كانت تجلس علي أريكة جلديه في آخر المكتب تضع ساق علي اخری وتلعب بهاتفها حينما رأته ابتسمت ابتسامتها الناعمه وزدات في رقه صوتها بطريقه مهلكه وقالت : كارم ..كويس أنك جيت كنت لسه هطلبك
ابتسم ابتسامه مزيفه وقال : انا تحت امرك يا فندم
عضت سمران علي شفتيها بميوعه وأشارت علي الأريكة بجانبها : طب تعالا اقعد الأول
جز كارم علي أسنانه وهو يحاول إلا يظهر لها مدی ضيقه منها ولكنه لبی لها ما تريد وجلس في آخر الأريكة
ابتسمت سمران بسخريه دون ان يلحظها وفي لمح البصر تركت مكانها والتصقت به وهي تمسك يده وتتطلع في عينه بجراءه تفاجأ كارم وهم بأن يبتعد عنها ولكن في تلك اللحظه انفتح باب المكتب ودخل آخر شخص تريد أن تراه سمران وفي هذه اللحظه بالأخص إلا وهو سيف الدسوقي
وقف سيف في إطار الباب تكاد رأسه ان تحف به
يظهر عليه الهيبه والشموخ وبعض ملامح الإجرام وتعلو شفتيه ابتسامه سخريه تصاحبه دائما
انتفض كارم بسرعه يشعر بالحرج الشديد
أما سمران شعرت وكأن دلو من الماء انسكب عليها وهو تردد بذهول : سيف
💛💛💛💛💛💛💛
ذهبت هدير الي محل الجزراه في آخر الحاره وألقت السلام ليهرع إليها سلامه الجزار سريعا&; وهو يرحب بها ترحيبا&; حارا&; : يا الف أهلا وسهلا بالست هدير نواره الحاره كلها ...وأنا أقول ليه المحل منوره كدا اتاري الست هدير طلت علينا
ابتسمت هدير ابتسامه بلاستكيه ترد بها علي ترحيبه المبالغ فيه
ليعاجلها سلامه سريعا : اؤمريني يا ست هدير طلباتك اي
ردت هدير سريعا&; : الأمر لله وحده .. عاوزه كيلو لحمه موزه ونص كيلو مفروم ع الورش
هز سلامه رأسه ثم شاور علي عينه وهو يقول : من عيوني يا ست هدير ثم نادی علي احد صبيانه : واد يا حمص هات ياض احلي حته من الموزه للست هدير
لبی الصبي له ما يريد أما هو وقف يلعب في شاربه الكث وهو يرمی هدير بنظرات لا تريحها ابدا وهو تنظر إليه بأمتعاض فهو يبدو كالكوره المنتفخه لا يظهر له طولا من عرض وجلبابه الأبيض ممتلئ بالدماء
ظلت هدير تزفر بضيق كي تتمالك أعصابها حتي أتي إليها بطلباتها وهمت هي بدفع الحساب ليمنعها سلامه وهو يقول : خلي يا ست هدير والله ما ينفع ابدا
اعترضت هدير : الله يخليك يا معلم ..بس والله ما هاخد الحاجه لو ما خدت الحساب
نكس سلامه رأسه قائلا&; : انتي كدا بتحرجيني يا ست هدير
ابتسمت هدير وقالت : ولا حرج ولا حاجه انت خيرك سابق يا معلم تسلم
ثم أعطت له النقود وأخذت اشيائها وذهبت وظل هو يراقب مشيتها وهو ي&;منی نفسه بقرب نيل المراد
💛💛💛💛💛💛💛
كانت روان تشعر بالملل الشديد فقررت ان تذهب هي وسهير الي هدير ليجلسوا معاها يتسامرون وبالمرة تلعب مع ياسين فقد اشتاقت إليه كثيرا&;
وعندما ذهبوا إليها طلبت هدير من سهير ان تذهب الي كارمن وتطلب منها أن تأتي وتجلس معهم
نفذت لها سهير ما تريد وذهبت الي كارمن وافقت كارمن وطلبت منها ان تسبقها وهي ستنجز بعض الأعمال وتذهب إليهم
نزلت سهير من ع الدرج وهي تدندن بشردو
فاضي شويه ....نشرب قهوه في حته بعيده ....اعزمني علي نكته جديده وخلي حساب الضحكه عليا
تفاجأت بمن يسد عليها طريق النزول لترفع رأسها تنظر إليه ولكنها تسمرت وفتحت فمها وهي تنظر إليه كان طويل القامه يمتلك عيون زرقاء بلون البحر وشعر اصفر طويل وذقن صفراء ناعمه يبدو كالممثلين الأتراك التي تمنت دوما أن تری مثلهم ع أرض الواقع
حمحت سهير تحاول ان تفيق من تأملها المفضوح له ولكنها لم تقدر علي ان ترفع عيناها من عليه
ابتسم عمار بسخريه في داخله وهو يضيق عينيه يتأملها كما تتأمله كانت قصيره القامه تمتلك جسد مكتنز ووجه ابيض مستدير وعيون بلون القهوه وخدود منتفخه ورديه اللون تغطي شعرها بحجاب وردي وترتدي عباءه سوداء اللون
حاولت سهير ان تداري علي احراجها من تفحصه فيها لتقول بخشونه : وسع يا جدع عاوزه أعدي
ضيق عمار عينه وهو يقول بعدم فهم : ?What
مصمصت سهير شفتيها وهي تقول بسخريه : ازغط بط يا عنيا
كاد عمار ان ينفجر في الضحك ولكنه حافظ علي ملامحه وهو يقول : you are crezy
احمرت عين سهير وانفعلت لتزداد خدودها احمرارا وقالت بصوت إجرامي :جن لما يبقا يلخبطك ..ابعد ياض من قدامي بدل ما اخلي وشك شوارع
ثم لم تنتظر ان يبتعد عن طريقها لتمر من جانبه وهي تضربه بكوعها في جانبه ليتأوه عمار وهو يراقبها تنزل الدرج بعنف تبرطم بكلام غير مفهوم لينفجر في الضحك عليها ويردف : مجنونه ..بس عامله زي البطه المتزغطه
وألقی نظره اخيره عليها واكمل صعوده الي وجهته
💛💛💛💛💛💛💛💛
كان عائد من عيادته ليری نعمان يجلس أمام المقهی الخاص به ليذهب إليه وهو يرمی نفسه ع الكرسي بجانبه وهو يشعر بالإرهاق الشديد : اه حاسس ان رجلي مش شيلاني
نظر له نعمان بقلق : ليه مالك فيك اي
زفر صلاح بضيق : كنت طول الليل في المستشفی وطلعت منها ع العياده ولسه لحد دلوقتي منمتش
ربت نعمان علي كتفه بدعم : ربنا يقويك يا اخويا
ابتسم صلاح بأرهاق وردد : يارب
سكت نعمان قليلا ثم قال وكأنه تذكر شئ : اه صحيح لسه شايف واحد غريب عن المنطقه طالع العماره بتاعتك
ضيق صلاح عينه وقال : ودا مين دا ان شاء الله
هز نعمان رأسه بنفي : مش عارف بس هو يشبه كدا للست بنت عمك ع&;يل ملون كدا ثم سأل مستفسرا&; هي عندها اخوات
اومأ صلاح برأسه إيجابا وقال : ايوا عمار ...بس دا مسافر أمريكا من يجي 10 سنين فعمتقدتش ان هو
حرك نعمان كتفه ان لا أعرف ثم هتف : الله أعلم ..دلوقتي نعرف
ابتسم صلاح وأردف : ع رأيك
اقترب منهم سلامه الجزار وهو يهندم جلبابه الزيتي ويمشط شاربه الكث بيده ثم رفع يده بجانب رأسه وهو يلقي السلام : السلام عليكم
رد نعمان وصلاح السلام بدون ترحيب ولكن سلامه نادی علي صبي المقهی وقال : هاتلي كرسي هنا ياض يا ع&;نبه
رد الصبي سريعا : حاضر يا معلم ثواني
هز سلامه رأسه ثم وجه نظره لصلاح ونعمان وأردف ببشاشه زائده : ازيك يا داكتور وانت اخبارك اي يا معلم نعمان
ابتسم صلاح بهدوء : بخير الحمد لله ورد نعمان قائلا : في نعمه والحمد لله ...اتفضل يا سلامه اقعد
ابتسم سلامه وهو يربت علي صدره : تعيش يا معلم
ثم جلس وأردف : والله انا ربنا بيحبني عشان لقيتكوا انتو الاتنين مع بعض بما انكو يعني كبارات المنطقه وكدا يعني
زفر نعمان بضيق فهو لا يحبه ابدا ولكنه قال بهدوء : أنجز يا سلامه خير
تنحنح سلامه وهو يمثل الحرج ويبين انه يشعر بالخجل : بصراحه يعني انا عارف ان الموضوع شخصي شويه بس معرفتش اروح لمين فجيتلكم
جذب الحديث اهتمام صلاح فأعتدل في جلسته وهتف : خير يا سلامه من غير مقدمات خش في الموضوع ع طول
تنحنح سلامه مره اخري وقال سريعا : انا عاوز اطلب ايد الست هدير علي سنه الله ورسوله ...وزي ما انتو عارفين هي وحدانيه من يوم ما سيد جوزها مات وساب لها عيل صغير واكيد محتاجه راجل في حياتها
تفاجأ صلاح ونظر لنعمان الذي جحظت عينيه بشده وملامحه ت&;بين أنه ع وشك قتل أحدهما لينظر له صلاح نظره معناها ان تريث ولا تنفعل
ووجه حديثه لسلامه : بس انا ع حد علمي يا سلامه انك متجوز اتنين
ضحك سلامه وظهرت أسنانه البنيه وهو يقول بفخر : ومالو انا راجل م&;قتدر واقدر أفتح بدل البيت اربعه وكمان صحتي ب&;مب والحمدلله
غلت الدماء في رأس نعمان من كلام سلامه ومعناه المبطن وكاد صلاح ان ينفجر في الضحك علي قله عقله وفكره المحدود ولكنه قال : يا سلامه كل دا انا عارفه بس
قطع نعمان حديث صلاح وهو يقرب وجه من سلامه ويقول بهدوء خطر : انت قولت عاوز تتجوز مين
ابتسم سلامه وعيناه تتلون بالإعجاب : نوراة الحته الست هدير
فما كان من نعمان إلا ان أطبق علي مقدمه جلبابه وهو يعتصرها بين يده ويخنقه بشده حتي كاد ان يلفظ أنفاسه الاخيره
رواية حارة العشاق الفصل السادس 6 - بقلم أمنية أشرف
قطع نعمان حديث صلاح وهو يقرب وجهه من سلامه ويقول بهدوء مخيف:
- انت قولت عاوز تتجوز مين؟
ابتسم سلامه وعيناه تتلون بالإعجاب:
- نوارة الحتة الست هدير.
فما كان من نعمان إلا أن يطبق على مقدمة جلبابه وهو يعتصرها بين يده ويخنقه بشدة حتى كاد أن يلفظ أنفاسه الأخيرة.
فزع صلاح بشدة وحاول أن يبعد يد نعمان وهو يصرخ:
- سيبه يا نعمان ابعد إيدك هتموت الراجل!
ولكن نعمان تجاهل كلامه وقرب وجهه من وجه سلامه وهو يقول بصوت يشبه فحيح الأفاعي:
- عارف لو نطقت اسمها تاني هعملك فيك إيه... هقطع لسانك وارميه لكلاب السكك.
ثم ترك جلبابه ودفعه بقوة ليسقط سلامه على الأرض والكرسي خلفه.
نظر صلاح بغضب لنعمان ثم ساعد سلامه المنبطح على الأرض وهو ينادي على صبي المقهى كي يساعده ويأتي له بكوب ماء ثم صرخ في الجمع الذي وقف يشاهد ما يحدث بفضول شديد.
تلاحقت أنفاس سلامه وهو يأخذ أنفاسه بصعوبة وصلاح يساعده في شرب كوب الماء حتى هدأ قليلاً وقام وغادر سريعاً قبل أن يجن نعمان مرة أخرى وتكون نهايته على يده.
وقف صلاح أمام نعمان بغضب وهو يقول:
- انت اتجننت يا نعمان!
جز نعمان على أسنانه بغضب وهو ما زال يشعر بنيران الغيرة تتأجج في صدره:
- وكنت عاوزني أعمل إيه وهو جاي يطلب إيديها مني بكل بجاحة؟
زفر صلاح بضيق وهتف:
- وهو الراجل بيشم على ضهره إيده... كان هيعرف منين إنك عاوز تتجوزها؟
هز نعمان رأسه عدة مرات وهو يقول:
- أنا هخلي الحارة كلها تعرف.
جحظت عين صلاح بمفاجأة وقال:
- هتعمل إيه يا مجنون؟
نظر له نعمان بقوة وقال بتصميم:
- هتجوزها.
ثم ترك صلاح وتحرك في اتجاه بيتها.
وقف صلاح بصدمة لثوانٍ حتى استوعب ما يحدث وانطلق يجري خلفه كي يلحق به.
وقفوا أمام بعضهم كل واحد منهما عينه تخترق الآخر.
هي تنظر له بكل مشاعر الغل والحقد والكره.
أما هو تعلو ملامحه السخرية ولا يظهر شيء مما بداخله.
ظلوا هكذا لثوانٍ أو ربما لدقائق لم يشعر أحدهم بمرور الوقت ولم يلاحظوا كارمن الذي اختفى بمجرد أن دخل سيف.
قبضت سمران على يدها بعنف وهي تصرخ:
- انت بتعمل إيه هنا... ومين سامحلك أصلاً تتدخل شركتي؟
ضحك سيف بسخرية وهو يتحرك يجلس خلف المكتب بعنجهية وغرور وهو يقول:
- مش ترحبي بيا الأول يا بنت خالي... وتقوليلي حمدلله ع السلامة؟
نظرت له سمران بغل وأردفت:
- أنا سألت سؤال ومستنية أسمع الإجابة... ثم تعالى هنا مين سمحلك أصلاً تقعد على مكتبي؟
شبك سيف يديه أمام بعضهما وهو يردد:
- شركتك... ومكتبك... لا برافو... هو أنتي يا حلوة متعرفيش إنها بقت شركتي أنا ومكتبي أنا... حتى أنتي يا حلوة بقيتي بتاعتي؟
جحظت عين سمران وهي تتنفس بحدة وتصرخ:
- أنت أكيد بتكدب... مستحيل بابي يعمل حاجة زي دي!
ضحك سيف ضحكة مليئة بالسخرية وقال:
- والله لو مش مصدقة... اتصلي بيه اسأليه.
هزت سمران رأسها تنفي ما يقول وهي تمنع نفسها من البكاء بصعوبة:
- لا مستحيل... مستحيل أصدقك أنت أكيد بتكدب.
لم يظهر على وجهه أي شعور وهو يقول:
- والله براحتك قدامك كل الوقت اللي تحتاجيه علشان تصدقي... أما دلوقتي أنا مش فاضي ورايا شغل كتير... عاوز أعرف أي آخر التطورات اللي حصلت في الشركة وأنا مش موجود... ويلا اتفضلي روحي ع البيت.
إنجزت كارمن أعمالها سريعاً حتى تذهب إلى هدير وتلحق جلسة الفتيات التي حكت لها هدير عنها من قبل.
ولكن ما أن فتحت الباب وقفت بصدمة وهي ترى أخيها عمار يقف أمامها وهو يبتسم ابتسامته الجميلة التي تشبه ابتسامتها إلى حد كبير.
أغمضت كارمن عينيها وفتحتها عدة مرات لربما كان يتهيأ لها أو تهلوس.
ولكن عمار فتح لها ذراعيه وهو يقول بحنين:
- وحشتيني يا كارو.
صرخت كارمن بفرحة وهي ترمي نفسها بأحضانه وهي تردد وكأنها محمومة:
- عمار... عمار... عمار.
ضمها عمار بشدة وهو يرفعها من على الأرض ويدور بها عدة مرات:
- يااااه... يا كارو وحشتيني جدا جدا.
بكت كارمن وهي تتلمس وجهه بيدها وتقول بأشقاق:
- وأنت كمان... وأنت كمان وحشتني جدا يا عمار.
ابتسم وضمها أكثر وقال:
- بس غريبة أنتي بتعملي إيه هنا... أنا اتفاجأت لما شوفتك... أنا قولت أجي هنا الأول وبعد كدا أجيلك الفيلا.
ظهرت ملامح الحزن على وجه كارمن وابتسمت بحزن:
- موضوع طويل... تعالى ندخل الأول وبعد كدا أحكيلك.
دخلت سهير منزل هدير وجلست تظهر على ملامحها معالم الصدمة الشديدة.
نادت عليها هدير عدة مرات تسألها على كارمن ولكنها في وادي آخر لا ترد على أحد.
نظرت لها بغرابة وهزتها بعنف وهي تقول:
- بت يا سهير مالك يا بت؟
نظرت لها سهير بدون وعي:
- هااا؟
ضيقت هدير عينيها وهي تهتف بحدة:
- هاا إيه يا بت في إيه مالك؟
تنهدت سهير بحالمية وقالت:
- شفت أخو مهند.
حركت روان يدها بعدم فهم واستفسرت:
- أخو مهند مين؟
زفرت سهير بغضب:
- يخربيت القلب بتاعكم... فصلتوني من الموديل.
رفعت هدير حاجب واحد وقالت:
- نعم يا روح طنط موديل إيه يا أم موديل... انجزي يا أختي وقولي إيه اللي حصل.
ابتسمت سهير وحكت سريعاً عن هذا الشاب الأجنبي غريب الأطوار الوسيم وسامه مفرطة وبمبالغة.
انفجرت روان في الضحك وقالت:
- قال عليكي مجنونة والله بيفهم.
ضربتها سهير في كتفها بغيظ وقالت:
- اتلمي يا روان أحسنلك.
تجاهلتهم هدير وسألت:
- ومعرفتيش مين دا يا سهير؟
هزت سهير رأسها بنفي واردفت:
- لا والله ما أعرف.
قطع حديثهم دق على الباب فقامت روان سريعاً لترى من الطارق.
فتحت روان الباب وابتسمت حينما رأت نعمان ومعه صلاح الذي قال سريعاً:
- السلام عليكم.
ردت روان بابتسامة شقية:
- وعليكم السلام يا أبي صلاح... ازيك يا أبي نعمان يا أحلى واحد في شباب المنطقة؟
ضحك نعمان وقال:
- ازيك أنتي يا رورو يا أحلى واحدة في بنات المنطقة؟
جاء صوت هدير من الداخل وهي تقول:
- مين يا روان؟
ردت عليها روان:
- أبي صلاح وأبي نعمان يا هدير.
شهقت هدير وهي تضرب على صدرها:
- وسيباهم ع الباب ليه دخليهم بسرعة!
ثم قامت سريعاً ترحب بهم وهي تقول:
- يا أهلاً وسهلاً... خطوة عزيزة يا معلم... نورتنا يا دكتور صلاح.
ابتسم صلاح وقال:
- دا نورك يا ست هدير.
أما نعمان دخل سأل دون مقدمات:
- هي الحاجة أم سيد فين؟
ردت الخالة أم سيد:
- أنا أهو يا نعمان تعالى.
ذهب إليها نعمان وصلاح وسلموا عليها وجلسوا.
لتقول هدير:
- تشربوا إيه؟
رد نعمان:
- ولا حاجة.
عارضت هدير وقالت:
- لا والله أبداً لازم تشربوا حاجة.
ابتسم نعمان وقال:
- اقعدي الأول عشان الكلام يبقى قدامك.
جلست وجلسن الفتيات بجانبها ينظرن لصلاح ونعمان يحاولن أن يستشفوا ما يريدون.
ولكن تنحنح نعمان وهو لا يعرف كيف يبدأ الكلام فلكز صلاح في كتفه حتى يبدأ الكلام.
ابتسم صلاح وتنحنح وقال:
- بصراحة كدا يا حاجة أم سيد احنا جايين النهارده عشان نطلب إيد بنتنا هدير لأبننا نعمان.
لكزها نعمان في جنبه بغيظ ليكتم صلاح ضحكته وهو يقول:
- قصدي الست هدير للمعلم نعمان.
ابتسمت الحاجة أم سيد ببشاشة وهي تكاد أن تطير فرحاً وقالت:
- واحنا مش هنلاقي حد أحسن من المعلم في الدنيا كلها.
نظرت لهم هدير بعدم فهم هي لا تستوعب حتى الآن ما يقولون حتى وجهت لها أم سيد الكلام قائلة:
- بس الرأي الأول والأخير لهدير.
ماذا... ماذا يريدون من هدير.
نظرت لسهير وروان تستشف منهم الأمور.
رأتهم ينظرن إليها بفرحة شديدة.
وجه نعمان لها الكلام وهو يقول:
- ها يا ست هدير رأيك؟
ردت هدير:
- هاا رأيي في إيه؟
بهتت ملامح نعمان وكاد أن يفقد الأمل ولكن قرصتها سهير وقالت من بين أسنانها:
- هدير في إيه ما تفوقي!
تأوهت هدير وهمست:
- هو الكلام اللي أنا سمعت دا حقيقي ولا أنا بحلم... وأكملت بترجي أنا خايفة أكون بحلم يا سهير.
ضمتها سهير لصدرها وهي تقول:
- لا حقيقي يا حبيبتي الف مبروك.
ثم حسمت أمرها وقالت نيابة عن هدير:
- مبروك يا معلم... زغرطي يا روان!
ابتسم المعلم ابتسامة واسعة وحضنه صلاح وهو يخبط على كتفه وانطلقت روان في الزغاريد وشاركتها سهير وهدير لا تصدق حتى الآن أنها خطبت للمعلم.
حتى قال نعمان:
- طب نقرأ الفاتحة وكتاب الكتاب إن شاء الله الأسبوع الجاي.
شهقت هدير كأول رد فعل يظهر لها منذ أن بدؤوا في الكلام.
ردت أم سيد بحكمة:
- آمين يا معلم... بس كتاب الكتاب كمان أسبوعين مش أسبوع.
هز نعمان رأسه وقال:
- خلاص زي ما قالت الحاجة كمان أسبوعين.
ثم قرؤوا الفاتحة والسعادة تملأ القلوب والعيون.
أمسك جاسم كأس الخمر وتجرعه دفعة واحدة ثم طلب واحد آخر وهو يغلي من شدة الغضب.
رآه صوفيا فذهبت إليه وجلست بجانبه وربتت على كتفه بنعومة أفعى سامة.
نظر لها جاسم بطرف عينه ولم يعرها اهتماماً فقالت:
- وحشتنا يا جاسم باشا.
زفر جاسم بضيق وأبعد يدها عنه بعنف:
- ابعدي عني يا صوفيا وشوفيلك حد غيري.
طقطقت صوفيا بلسانها وقالت وهي تغمز بعينها:
- بس أنا عاوزة أقعد معاك يا باشا.
تجاهلها جاسم وأكمل شرابه لتردف هي سؤالها:
- كارمن هانم أخبارها إيه؟
نظر لها جاسم بغضب وقال:
- عاوزة توصلي لإيه يا صوفيا؟
عضت صوفيا على شفتيها بدلع:
- ولا حاجة... أنا سمعت إنكم انفصلتوا.
هز جاسم رأسه بعنف:
- لا منفصلناش... شوية مشاكل وهنرجع أحسن من الأول.
ابتسمت صوفيا بسخرية:
- بس هي مصممة ع الإنفصال.
وضع جاسم الكأس بعنف وأردف:
- مش هيحصل... لا يمكن أسيبها... مستحيل أسيبها.
ربتت صوفيا:
- طب هدي نفسك... أنت الف واحدة تتمناك... اشمعنا هي... حتى هي مش من مستواك.
تنفس جاسم بعنف:
- وأنا مش عاوز غير كارمن... كارمن وبس.
ردت صوفيا بتهكم:
- بس اللي أعرفه إنك مش وافي ليها... وسط كمية الستات اللي تعرفها.
رد جاسم بلامبالاة:
- مش مهم كل دا مش مهم هي عاوزة أكتر من إنها هي الوحيدة اللي ع اسمي والباقي دول كلهم نزوات وفي الآخر برجعها هي ودي وحياتي ومش هتتغير.
نظرت له صوفيا وقالت بجدية:
- يبقى عمرها ما هترجعلك طالما أنت مش هتتغير.
ثم نظرت له بقرف وتركته.
أما هو رن الكلام في رأسه.
لتخطر في رأسه فكرة أنه ربما لو خدعها ومثل عليها أنه تغير فربما تحن وترجع إليه.
ابتسم بخبث وقرر أن ينفذ هذه الخطة كي ترجع إليه.
رواية حارة العشاق الفصل السابع 7 - بقلم أمنية أشرف
بعد ثلاثة أيام
كان جاسم قد تمعن في رسم خطته لجعل كارمن تعود إليه بعد أن يرسم عليها كم المعاناة التي يعيشها بدونها. ذهب إليها وهو تظهر عليه ملامح الحزن والألم، فقد ترك ذقنه قد استطالت قليلاً وملابسه غير مهندمة. دق الباب وانتظر حتى فتحت له.
تفاجأت كارمن بوجود جاسم، ولكنها كتفت ذراعيها أمام صدرها وهي تقول: خير؟
نظر لها جاسم بحزن وتكلم بصوت مبحوح: عاملة إيه يا كارمن؟
زفرت كارمن بضيق وأجابت ببرود: كويسة.
طأطأ جاسم رأسه أرضاً وقال: مش هتقوليلي اتفضل؟
فكرت كارمن لثوانٍ، كانت تنوي طرده، ولكنها الآن في منطقة قوة، فأخوها معها وجاسم لن يقدر على فعل شيء لها. أفسحت له المجال وأردفت وهي تشير بيدها: اتفضل.
دخل جاسم وأغلقت كارمن الباب خلفه، ولكنه تفاجأ حينما رأى عمار يخرج من غرفته وهو يقول: مين اللي كان بيخبط يا كارمن؟
تجمد جاسم وهو يسب حظه النحس بداخله، ولكنه قرر أن يتمادى في خطته لربما تنجح.
انتبه عمار لوجود جاسم، فرحب به بجمود وأشار لكارمن يسألها عن سبب وجوده. فردت عليه كارمن أن يهدئ ويتركنا نرى ما يريد.
ابتسم جاسم ابتسامة عملية لطيفة وقال موجه الكلام لعمار: حمد الله ع السلامة يا عمار، انت رجعت إمتى؟
هز عمار رأسه ورد بجمود: الله يسلمك... رجعت من تلت أيام.
ابتسم جاسم وسكت قليلاً لتعاجله كارمن قائلة: خير يا جاسم.. يا ترى مشرفنا بالزيارة السعيدة دي ليه؟
عادت ملامح الحزن لجاسم مرة أخرى واحتقنت عيناه بالدموع، كمشهد يأخذ عليه جائزة الأوسكار من شدة براعته. ركز عينه على عينها وهو يقول: كارمن ارجعيلي، أنا مش قادر أعيش من غيرك... صدقيني حياتي وقفت من يوم ما بعدتي عني... أنا عارف إني غلطت، بس سامحيني عشان خاطري.
ضحكت كارمن بسخرية شديدة وهي تنظر له بكره شديد، تتعجب كيف انقلب حالها من قمة الحب لهذا الكائن الموجود أمامها إلى قمة الكره، حتى تتمنى أن لا تراه أبداً: مصدقاك طبعاً، وباين عليك جداً. ثم وجهت كلامها لأخيها: مش كدا يا عمار ولا إيه؟
هز عمار رأسه سريعاً يشارك أخته حديثها: أكيد طبعاً.
تهللت ملامح جاسم وقال: كارمن أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان تسامحيني... أنا بحبك ولسه عاوزك في حياتي.
ضيقت كارمن عينيها الزرقاء وهي تقول بتهكم: بتحبني؟ بتحبني إزاي؟ أنت تعرف إيه عن الحب عشان تقول بتحبني؟ أنت من يوم جوازنا وأنت بتخوني... سبع سنين وأنا مستحملة خيانتك وقرفك، كل يوم بتوجع وبتعذب وأنا بيتبعتلي فيديوهات وصور ليك مع ستات أشكال وألوان، وكل ما أواجهك تقولي نزوة ومش هتتكرر تاني، وأنا استحمل وأعديها، بس معدتش عندي طاقة أستحمل... طاقتي خلاص خلصت... قلتلك حافظ يا جاسم ع شوية الحب اللي باقين جوايا ليك، بس أنت اتمديت وفكرت إن وجودي شيء مفروغ منه... هتلف زي ما أنت عاوز وترجع تلاقيني... قلتلك لو مشيت مش هرجع، بس أنت مصدقتنيش.
ابتلع جاسم الغصة في حلقه، يعلم من داخله أنها معها كل الحق، يعلم أنه شخص قذر، ولكنه لا يقدر على العيش بدونها. الحياة بدون كارمن جحيم لا يطاق، يشعر أنه طفل ضائع بدونها. تكلم هذه المرة بصدق: عارف إني عذبتك كتير... وعارف إنك استحملتي أكتر، بس صدقيني آخر مرة... والله العظيم ما هتتكرر تاني... ارجعلي يا كارمن أنا من غيرك تايه.
هزت كارمن رأسها تنفي ما يقول: هتتكرر... سامحتك كتير وخنتني... أصل الخيانة طبع والطبع مش بيتغير... والخائن لا يؤتمن... طلقني يا جاسم وارحمني... لو لسه بتحبني زي ما بتقول، طلقني.
احمرت عين جاسم وتتطاير الشرر منها وقال: دا آخر كلام عندك؟
أومأت كارمن برأسها إيجاباً: آخر كلام ومش هيتغير.
تنفس جاسم بعنف وهو يستسلم هذه الجولة، ولكن المرات القادمة أفضل: ماشي يا كارمن.... ورقتك هتوصلك ع مكتبك.
ثم استأذن ورحل، ولكن كارمن لم تسترح أبداً لهذا الاستسلام السريع، فمن غيرها يعرف جاسم حق المعرفة، ولكنها استبشرت خيراً، لربما رأف بها وقرر أن يتركها لوجه الله.
نزل عمار إلى الحارة ينوي التعرف على التغيرات التي طرأت عليها في غيابه ويسأل على أصدقائه القدامى.
ولكنه ما إن خرج من البناية حتى رأى سهير، تلك الفتاة التي رآها ما إن خطت أقدامه أرض الحارة. أشار لها وهو يذهب إليها ويقول بابتسامة واسعة: Hi.
شهقت سهير بعنف وهي تضرب بيدها على صدرها كعادة اكتسبتها من هدير وهتفت: أنت هتصاحبني ياض ولا إيه؟
كتم عمار ضحكته بصعوبة وقال بدون فهم: What?
نظرت له سهير بغيظ وردت: وطووطو عليك ساعة وانفضت يا بعيد.
كاد عمار أن يسقط على الأرض من كثرة الضحك، ولكنه حافظ على جمود ملامحه وإظهار عدم الفهم وسأل: You speak English?
ابتسمت وهي تهز رأسها وتجيب بفخر: أيوا طبعاً، أومال.
ابتسم عمار وقال: Nice to meet you.
خجلت سهير واصطبغت وجنتيها باللون الأحمر القاني وقالت في نفسها تتغزل به: والله أنا اللي nice جداً، أقسم بالله.
ولكن تحولت في ثانية وقالت: متشكرين يا أخويا.. واتفضل شوف أنت رايح فين عشان لو حد شافك واقف في سكتي كدا هتبقى ليلتك كوبية.... ولا خليك واقف أما أمشي أنا.
ثم نفذت كلامها وغادرت سريعاً، وما إن غادرت انفجر عمار في الضحك غير قادر على السيطرة عليه حتى أدمعت عينيه وهو يقول: والله الواحد لو في حياته واحدة زي دي مش هيبطل ضحك لا ليل ولا نهار.
ثم وقف قليلاً حتى شعر بمن يضع يده على كتفه، رفع نظره إليه ليراه صلاح، فهتف سريعاً بفرحة: أبو صلاح!
ابتسم صلاح وسأل: واقف كدا ليه؟
رفع عمار خصلات شعره الطويلة وقال بحرج: هااا لا ولا حاجة.
هز صلاح رأسه بتفهم وعرض عليه: طب ما تيجي معايا أعرفك على نعمان وبالمرة تشوف كارم.
ابتسم عمار ورد: طب يلا بينا... عشان كارم واحشني والله ونفسي أشوفه.
نزلت درجات سلالم الفيلا بشرود، قلبها ملئ بالحزن، لم تذهب للشركة منذ أن عاد سيف، لا تريد رؤيته أبداً. ولكن هل من الصحيح أن تترك له شركة والدها التي فنى والدها عمره كله من أجل أن يؤسس شركة بهذا الحجم؟ هل تترك له كل شيء دون أن يكون لها رد فعل؟ ولكنها تفاجأت وجحظت عينيها وهي تراه يجلس على أحد الكراسي، يضع ساق على أخرى وبيده سيجار كوبي يتفخ دخانه في الهواء ويراقب صعودها. أكملت نزول الدرج جرياً حتى وصلت إليه وصرخت بعنف: أنت دخلت هنا إزاي؟
ضحك سيف بسخرية ضحكة عالية: لتاني مرة بتغلطي في السؤال... هو في حد بيتسأل هو دخل بيته إزاي؟
دارت الدنيا بسمران وهي توشك على الانفجار، فإنفسيتها الهشة لن تقدر على تحمل كل هذا، فرؤيته وحدها كافية بأن تجعلها تموت رعباً. لم تقدر على منع الدموع التي انسابت على وجنتيها البيضاء برقة. وهو يراقب اللؤلؤ المناسب من عيونها الماسية بجمود تكلمت سمران ببكاء: حرام عليك، أنت بتعمل كدا ليه؟
طل الكره من عيونه وقال بغضب وحقد: عاوز انتقم منك انتي وابوكي.
بكت سمران بحرقة: وأنا عملت إيه عشان تنتقم مني؟
شبك سيف يده وهتف: معملتيش، بس هنتقم من أبوكي فيكي انتي.
شحب وجه سمران وهي تعرف أن سنين حياتها ستنقلب إلى ظلام دامس والقادم يبشر بالأسوأ.
قطع سيف عليها أفكارها قائلاً: بصي عشان تعرفي إيه اللي هيتم الفترة الجاية... أنا من كرم أخلاقي هسمحلك تعيشي هنا في الفيلا طبعاً عشان انتي مش واخدة ع البهدلة... بس كل حاجة هتم بشروطي، مفيش حاجة تعمليها من غيري إذني، حتى النفس تستأذني الأول قبل ما تاخديه.... العيشة اللي كنتي عايشاها دي تنسيها خالص... عشان من النهارده أنا هحط قواعد اللعبة.
شهقت سمران بخوف لا تصدق أبداً، لا تصدق أن هذا ما ستؤول إليه حياتها، فقد سقطت في يد ما لا يرحم.
رن جرس الباب لتفتح روان سريعاً وهي تبتسم ابتسامة واسعة تنم عن فرحتها الشديدة برؤيته وهتفت: أبيه!
ابتسم كارم وقال: عاملة إيه يا رورو؟
ضحكت روان بشقاوة وردت: أنا كويسة خالص مالص. هز كارم رأسه وسأل: سهير وماما جوا؟
هزت روان رأسها بنفي: لا سهير عند هدير عشان تجهيزات الفرح وكدا، انت عارف... طنط بس اللي جوا. ابتسم كارم: طب أنا هدخل أقعد معاها شوية... وانتِ اعمليلي كوباية قهوة من إيديكي الحلوين.
أشارت روان على عيونها وقالت: من عيوني أحلى كوباية قهوة لأحلى أبيه في الدنيا.
ابتسم كارم بحب وهو يراقبها تتجه للمطبخ وطرق باب غرفة والدته ودخل يقول بابتهاج: ست الكل وحشتني.
ضحكت أم كارم قائلة: تعالا يا واد يا بكاش، أنت فاكر أصلاً إن ليك أم؟
انفجر كارم في الضحك وهتف بدراما: هو أنا أقدر أنساكي يا ست الكل؟ دا انتي اللي في الحتة الشمال.
ضحكت الأم وضمته لصدرها بحنان، وهو شدد من احتضانها يتنعم بهذا الدفء المنبعث من هذا الحضن الحنون، ولكن أمه قطعت عليه تنعمه بحضنها قائلة: واد يا كارم ركز معايا كدا عشان عاوزك في موضوع.
ظهر الاهتمام على ملامح كارم وهو يجيب: خير يا أمي، موضوع إيه؟
ربتت أمه على ظهره وقالت: جايبالك عروسة إنما إيه زي القمر.
شحبت ملامح كارم ولكنه سأل: عروسة مين؟
ردت الأم بابتسامة: عارف بسمة بنت الحاج حسين، مدرسة زميلة أختك سهير في المدرسة... بنت زي القمر وأخلاقها عالية جداً... أنا شفتها في فرح شروق بنت فتحي الأستروجي وعجبتني خالص، إيه رأيك فيها بقا؟
شرد كارم قليلاً وقال: بس يا أمي أنا لسه رافض الموضوع دا دلوقتي، أما أجوز سهير وروان الأول وأفرح بيهم.
عبست ملامح الأم واحمرت عينيها تنذر بانفجار وشيك في الدموع وقالت: هو أنت كدا على طول مش عاوز تريح قلبي أبداً... يا كارم حرام عليك، عاوزة أفرح بيك قبل ما أموت.
رد كارم سريعاً بخوف: بعيد الشر عليكي يا أمي متقوليش كدا... خلاص أنا موافق أشوفها الأول واللي فيه الخير يقدمه ربنا.
انفرجت أسارير الأم بفرحة وقالت: إن شاء الله هتعجبك، دي زي القمر.
هز كارم رأسه بلا معنى وسكت.
أما هناك خلف الباب، قلب قد تحطم حينما سمع موافقته على رؤية العروس، قلب قد شب على حبه هو وفقط، والآن تحطمت جميع الآمال. سقطت من يدها الصينية الموضوع عليها كوب القهوة وتحطم الكوب كما تحطم قلبها.
في منزل المعلم كانت الترتيبات تتم على قدم وساق.
فقد اقترب معاد الفرح واقترب المعلم من نيل المراد.
أما هدير فكانت الدنيا لا تسعها من شدة الفرح، وكما أن هناك قلوب قد تحطمت على صخرة الواقع، هناك قلوب تحلق عالياً في السماء من شدة الفرح، وقلوب أخرى...
مبتهجة تشعر بفراشات الحب تحلق حولها، عسى أن تقترب منها. وقلوب أخرى يقتلها القلق والانتظار والتمني.
رواية حارة العشاق الفصل الثامن 8 - بقلم أمنية أشرف
في يوم زفاف المعلم نعمان والست هدير، كانت الحارة مليئة بالأنوار المبهجة التي علقت في الحارة بأكملها. رغم أن هدير أصرت على أن يكون عقد قرآن فقط، إلا أن المعلم أحب أن يفرح بطريقته، فذبح الذبائح ووزعها على الحارة بأكملها.
وفي منزل هدير، كانت الأنوار الملونة تغطي البناية بأكملها، ويخرج صوت الأغاني العالية من كل اتجاه. فالجميع يشعر بالبهجة والفرح، فكما يقولون إن الضحك عدوى، فالفرح أيضًا عدوى.
كانت الفتيات متواجدات مع هدير منذ الصباح، وكانوا يملئون المنزل بالزغاريد. فسُهير منطلقة تشعر أنها تحلق في السماء مبتهجة على غير العادة. وكارمن تشعر بالطمأنينة، فجاسم قد اختفى منذ أن زارها آخر مرة، تتوسم فيه خيرًا أن يتركها لحال سبيلها. أما روان، فكانت الوحيدة الحزينة، رغم فرحتها الشديدة من أجل هدير، إلا أنها تشعر أنها محطمة الفؤاد. فكارم قد استجاب لأمه وفعل لها ما تريد، وقرر أن يذهب لرؤية العروس بعد زفاف نعمان، وربما يراها اليوم في الزفاف.
ابتسمت سُهير بسعادة وهي تنظر لهدير وتقول:
"بسم الله ما شاء الله... زي القمر يا هدير... مش كدا يا روان؟"
ابتسمت هدير بخجل:
"بجد حلو."
هزت كارمن رأسها وقالت:
"والله حلوة جدا... ثم غمزت لها وقالت: المعلم عقله هيطير لما يشوفك."
انفجرت هدير في الضحك وشاركتها سُهير، ثم نظرت لروان الصامتة ولكزتها في جنبها تقول بهمس:
"في إيه؟"
رسمت روان بسمة صغيرة على شفتيها وردت:
"مفيش حاجة."
رفعت سُهير حاجبها بشك:
"متأكدة؟"
أومأت روان برأسها إيجابًا وأجابت:
"أيوا."
قطع حديثهم صوت الخالة أم سيد تهتف بفرحة:
"يلا يا بنات العريس جه ومعاه المأذون."
قامت سُهير سريعًا تطلق الزغاريد وتساعد هدير في إتمام مظهرها، وخرجن سويا إلى غرفة الصالون المتواجد فيها العريس والمقربين له من شباب الحارة، وبعض المدعوات من معارف هدير.
جلست هدير بجانب المعلم، الذي ابتسم بسعادة ما إن رآها بشكل مختلف عما كان يراها دائمًا. فكانت ترتدي فستانًا من اللون الأوف وايت يضيق من عند الخصر ويتسع حتى كعبيها، وحجابًا باللون الذهبي، وحذاء عالي الكعبين من نفس اللون، وتضع القليل من مساحيق التجميل، ورغم ذلك كانت فائقة الجمال.
بدأت مراسم عقد القرآن، نعمان وهدير ينظرون لبعضهما وقلوبهم تغرد عشقًا، لم يكن يخطر على بال أحدهم أن تتم الأمور بهذه السرعة وأن يكونا لبعضهما في نهاية الطريق.
في أثناء المراسم، لم يستطع صلاح أن يمنع نفسه من النظر إلى كارمن وهو يتذكر موقفًا مشابهًا فيما مضى انتهى بكارثة وبتحطيم قلبه. حينما نظر إليها، علمت كارمن أنه يتذكر أيضًا كما تتذكر هي، والآن هي تندم أشد الندم.
بجانب صلاح، كان كارم يسرح بأفكاره هو الآخر، يحلم أنه لو تزوج روان سيكون أسعد رجل على وجه الأرض. أما روان، فتفكر لو تزوج كارم من تلك العروس، هل تستطيع أن تتحمل كل هذا؟ هل سيتحمل قلبها رؤيته مع أخرى؟ لا لا لا، بالتأكيد سيكون الموت أهون عليها.
بعد انتهاء المراسم وقد أعلن المأذون أنهما أصبحا زوجًا وزوجة، لم تستطع كارمن أن تبقى أكثر من ذلك مع هذه الذكريات التي انتشرت في الأجواء. باركت لهما واستأذنت سريعًا.
سارت في الطريق شارده تتذكر منذ ما يقرب العشر سنوات، كانت هي وصلاح يعيشون قصة حب رائعة. حينما اعترف لها بحبه، كانت الأسعد على الإطلاق، وتمت خطبتهما، وسارت الأمور على ما يرام. حتى بدأت هي تتمرد على الحياة، والعيش في هذه الحارة الشعبية. كانت تريد أن ترتقي بالحياة، أن تعيش كما تتمنى وكما تحلم دائمًا، أن تحيا حياة الأميرات. حينما تعرفت على هايدي، أخته لجاسم، ورأت حياتهم وتعرفت على جاسم، تمنت أن تعيش معهم. تركت كل شيء وراءها وأحبت جاسم. هي لا تعرف هل أحبته حقًا أم أوهمت نفسها بحبه. الحقيقة أنها كانت تحيا حلمًا سعيدًا وفاق منه على الواقع المرير، واقع الألم والخيانه.
تظن أن هذا ذنب صلاح الذي تركته يوم عقد القرآن، ورفضت رفضًا قاطعًا أن تكون له بعد ما كان قد جهز كل شيء ورتب حياته على وجودها. خذلته، وما أمر الخذلان.
في أثناء شرودها، شعرت بأحد ما يضع منديلاً وهو يكتم فمها وأنفها. حاولت أن تصرخ أو تتملص منه، ولكنها أغمي عليها بسبب المخدر، ليحملها سريعًا ويضعها في السيارة وينطلق إلى وجهته.
في فيلا المسيري، كانت سمران تشعر بالملل والاكتئاب الحاد، فمنذ أسبوعين لم تخرج من الفيلا، تحبس نفسها في غرفتها، تشعر أنه يراقب حتى أنفاسها. تتمنى أن تموت حتى تخلص منه، ولكن ليس لها أحد ينجدها منه، فوالدها لن يستطيع أن يعود الآن أبدًا.
تنفست بغضب تنوي التمرد، لن يتحكم فيها أبدًا. ارتدت فستانًا أسود قصيرًا للغاية، ووضعت الكثير من مساحيق التجميل، وتركت العنان لشعرها الأسود الطويل، وخرجت من غرفتها تطرق بكعب حذائها عالي الكعبين.
نزلت السلالم وكادت أن تخرج من الفيلا لتتجمد مكانها وهي تسمع صوته يصدح:
"استني عندك... انتي لابسة كدا ورايحة فين؟"
أغمضت عينيها بقوة وارتجفت من الداخل، ولكنها استدارت وهي ترسم على شفتيها ابتسامة مستفزة:
"خارجة أسهر مع صحابي."
ضحك سيف بسخرية وقال:
"صحابك؟... اطلعي يا هانم أوضتك ومتفكريش مجرد تفكير إنك تخرجي من هنا."
احمرت عينا سمران وهي تصرخ:
"انت مش هتتحكم فيا... أنا أعمل اللي أنا عاوزاه."
نظر لها بقوة وقال:
"بقا كدا... أخر مرة... أنا بحذرك يا سمران."
جزت على أسنانها وقالت:
"أعلى ما في خيلك اركبه."
واستدارت تنوي المغادرة، ولكنه في لمح البصر أمسكها من شعرها الطويل يكومه بيده ويشدد عليها حتى كاد أن يخلعه وقال:
"حذرتك بس انتي ما بتسمعيش الكلام."
صرخت سمران ببكاء:
"ابعد عني... اه... سيب شعري... حرام عليك... حرام عليك... سيف متعملش فيا كدا... حرام."
ولكنه لم يستمع لها وهو يجرها من شعرها يصعد بها درجات السلم وهي تكاد تنكفئ على وجهها، حتى وصل إلى غرفتها وفتحها بعنف، ثم دفعها بقوة لتسقط على الأرض وأغلق الباب بالمفتاح.
وقف عمار بجانب صلاح وهمس له:
"يااه محضرتش أفراح زي دي من زمان أوي."
ضحك صلاح ورد:
"انت اللي حبيت الأجانب وأفراحهم."
ابتسم عمار وقال:
"هما الأجانب حلوين بردو ويتحبوا."
اقتربت منهم سُهير تعطي لهم الشربات، أخذ صلاح أحد الأكواب يعطيها لعمار، ولكن عمار قال دون أن يلاحظ سُهير:
"لا مش عاوز."
شهقت سُهير لينظر لها بصدمة، يعلم أنها كشفت لعبته.
جزت سُهير على أسنانها تقول في نفسها:
"آه يا ابن.... بقا بتشتغلني؟ والله لأوريك."
ثم مثلت أنها تمر بجانبه ودون قصد دلقت عليه الصينية بما تحمله من أكواب.
رواية حارة العشاق الفصل التاسع 9 - بقلم أمنية أشرف
استيقظت كارمن من نومها تضع يدها على رأسها وتتأوه بألم. نظرت حولها بتشوش وقالت:
"أنا فين؟"
سمعت صوت جاسم يقول:
"أخيراً فوقتي يا حبيبتي."
شهقت كارمن بفزع وتلجلجت تهتف بكلام غير مفهوم:
"أنا فين؟ وجيت هنا إزاي؟ أنت عايز مني إيه؟"
اقترب منها جاسم يضع يده على خدها وهو يقول:
"اهدّي يا قلبي.. انتي خايفة كده ليه؟ أنا جاسم جوزك وحبيبك."
أشاحت كارمن بوجهها عنه تنشج ببكاء ناعم مثلها.
تنهد جاسم بضيق وأردف بهدوء:
"كارو زعلانة ليه؟ أنا عارف إن أعصابك تعبانة عشان كده جبتك فيلا الساحل عشان تغيري جو وتريحي أعصابك."
صرخت كارمن بهستيريا وهي تفقد أعصابها:
"مش عايزة حاجة منك.. ابعد عني وسيبني في حالي.. امشي مش عايزة أشوفك.. اطلع بره."
وقف جاسم يقول بهدوء:
"خلاص اهدّي.. اهدّي.. هسيبك لوحدك عمّا تهدي يا روحي وهرجعلك تاني."
ثم خرج وأغلق باب الغرفة خلفه.
وضعت كارمن رأسها بين كفيها وانفجرت في بكاء يقطع نياط القلب من شدته.
***
في الحارة بعد انتهاء الفرح.
وقف عمار يشعر بالقلق الشديد، فكارمن قد اختفت تماماً ولا يعرف إلى أين ذهبت وهاتفها مغلق، مما ينبئه أنه حدث لها شيء ما.
اقترب منه صلاح يضع يده على كتفه وقال:
"مالك واقف كده ليه؟"
نظر له عمار بقلق وأردف بخوف:
"كارمن مش في البيت.. ومش عارف هي فين.. وكمان تليفونها مقفول."
تسرب القلق لقلب صلاح هو الآخر وقال:
"طب وهي هتروح فين؟ في وقت متأخر كده."
هز عمار رأسه بقله حيلة وهتف:
"مش عارف.. مش عارف."
صمت صلاح لدقائق ثم هتف بأمل:
"أنا هكلم كارم أقوله يسأل سهير أو روان يمكن يعرفوا حاجة عنها."
ثم أخرج هاتفه من جيبه وطلب كارم وانتظر حتى جاءه صوت كارم يقول:
"أيوا يا صلاح."
رد صلاح سريعاً:
"كارم آسف لو بتصل في وقت متأخر.. بس ممكن تسأل روان أو سهير لو شافوا كارمن أو يعرفوا عنها حاجة."
استفسر كارم متسائلاً:
"ليه هي كارمن راحت فين؟"
زفر صلاح بضيق:
"مش في البيت وتليفونها مغلق ومش عارفين هي فين."
رد كارم سريعاً متفهماً:
"ماشي.. تمام.. ثواني هسأل روان وأرد عليك."
هز صلاح رأسه كأنه يراه ثم قال:
"ماشي بس بسرعة والنبي يا كارم."
ثم أغلق الخط ينتظر أن يسمع خبر يطمئنه قليلاً.
خرج كارم من شقته يذهب إلى شقة البنات المقابلة له. طرق الباب وانتظر قليلاً حتى فتحت له روان باب الشقة ووقفت تنظر له متسائلة ببرود على غير عادتها:
"في حاجة يا أبيه؟"
كتفت روان ذراعيها حول صدرها وسألت بجمود:
"ليه في حاجة؟"
وضع كارم يده في جيبه ونظر إلى الأرض وهو يقول:
"كنت عايز أسألك عن كارمن."
جزت روان على أسنانها ونيران الغيرة تشتعل في قلبها ولوحت بيدها تهتف بغضب:
"وعايز تسأل عليها ليه إن شاء الله؟"
انتفض كارم يستنكر انفعالها وهتف بهدوء:
"مش أنا ده صلاح اللي بيسأل عليها."
هدأت روان وهي تعود للبرود:
"آها صلاح.. ماشي.. بس بيسأل عليها ليه بقى؟"
نظر لها يستفسر:
"مش هي يا بنتي كانت معاكوا عند هدير؟"
هزت روان رأسها بتأكيد:
"أيوا كانت معانا.. بس بعد كتب الكتاب مشيت على طول."
سأل كارم مرة أخرى:
"طب مقالتش هي راحة فين؟"
نفت روان قائلة:
"لا مشيت من غير ما تقول.. هما مش لاقينها ولا إيه؟"
أومأ كارم برأسه إيجاباً:
"أيوا صلاح وعمار بيدوروا عليها ومعرفوش هي راحت فين."
قضمت روان أصابعها بقلق وقالت:
"طب هتكون راحت فين يعني؟"
هز كارم كتفه بعدم معرفة ورد:
"مش عارف.. المهم ادخلي انتي نامي.. وأنا هكلم صلاح وأشوفه وصل لأيه."
أومأت روان برأسها إيجاباً:
"ماشي.. بس ابقى طمني."
رد عليها كارم عليها وهو يتحرك باتجاه السلم قائلاً:
"ماشي هبقى طمنك."
***
وقف أمام الغرفة يهم بطرقها ولكن في كل مرة يقرر العكس. فمنذ أن دخلوا إلى شقتهم الجديدة واتجهت هدير إلى الغرفة ولم تخرج منها حتى الآن.
وهو تركها على راحتها لربما تشعر بالخجل منه، فهي لم تعتد بعد على صفته الجديدة في حياتها. فالزواج قد تم سريعاً دون أن يأخذوا الوقت الكافي للتعرف على بعضهم وتقبل كل منهما وجود الآخر في حياته.
لذلك قرر أن يتركها الليلة تفعل ما يحلو لها، ويكون له معها كلام آخر منذ الغد.
جلس على أحد المقاعد المتجهة لباب الغرفة المغلق وخلع عمامته ووضع بجانبها عباءته الثمينة التي يضعها على كتفه وهو يسند ظهره بأرهاق على المقعد.
في داخل الغرفة قضمت هدير أظافرها بقلق تنتظره أن يدخل إليها، ولكنه تأخر كثيراً. لا تعرف ماذا عليها أن تفعل، هل تذهب هي إليه؟ لا لا.. يجب أن يأتي هو إليها. ولكن هل ستتركيه يا هدير من أول يوم لكما معاً؟ عنفت نفسها قائلة: بلاش شغل المراهقين ده يا هدير.. اعقلي انتي واحدة كبيرة.. واتجوزتي قبل كده.
شجعت نفسها ثم أخذت نفس عميق وخرجت من الغرفة.
حينما سمع باب الغرفة يفتح تنبه له، ولكنه تسمر مكانه حينما رآها تخرج من الغرفة ترتدي قميص أزرق من الستات طويل بعض الشيء وذو حملات عريضة، تضع القليل من مساحيق التجميل وتترك شعرها الأسود المجعد ينسدل على ظهرها حتى آخره.
لثوانٍ أو ربما لدقائق نسي نعمان أن يأخذ نفسه من شدة جمالها ورؤيتها بهذه الطريقة التي تأسر القلب.
حاول أن يسيطر على ذاته وهو يتنحنح ويجلي صوته، وتظهر في نظرته نظرة عبثية غير تلك النظرة الوقورة التي اعتادت عليها، ثم هتف وهو يغمز بعينه:
"هي باينها هتبقى ليلة فل ولا إيه؟"
ضحكت هدير ضحكة ذات رنين عالٍ ليصفق نعمان بسعادة وهو يقول:
"الله."
ثم دون مقدمات حملها سريعاً وهو يقول بعبث:
"استعنا على الشقي بالله."
***
جز سيف على أسنانه بغيظ وهو يقف أمام باب غرفتها يستمع إلى صوت بكائها العالي. فمنذ ساعتين تبكي بشكل متواصل وهو واقف يستمع إليها. يعنفه قلبه بشدة على ما فعله معها، ولكنه لا ينصت له ولا يلقي له بالاً. ففي نظره هي تستحق.. وتستحق أكثر بكثير مما فعله بها. شحن نفسه بجرعة من الغل ليتحرك من أمام الباب ويذهب إلى غرفته.
جلس على سريره وسند عليه يغمض عينيه وهو يتذكر ما حدث منذ ما يقرب الخمسة عشر عاماً.
كان والده يمر بوعكة صحية شديدة جداً وقد تقرر له عملية بمبلغ طائل. لو ظل سيف يشتغل لعمر كامل ليلاً نهاراً لم يكن ليحصل عليه أبداً.
فكر في جميع الطرق التي من الممكن أن يحصل على المال من خلالها، ولكن لم يجد أي طريقة تسمح له بجني هذه الأموال. لذا قرر أن يذهب إلى خاله إسماعيل المسيري، رجل الأعمال الشهير المعروف بأعماله الخيرية الكثيرة. طلب أن يقابله لعدة مرات، ولكن كان يقابله الرفض في كل مرة، حتى سمح له أخيراً أن يراه في فيلته.
دخل سيف الفيلا ينظر بانبهار إلى مظاهر البذخ والترف التي ينعمون بها، وهو يبتسم ويدعو لهم بالبركة.
رأى خاله يجلس على أحد الكراسي، ولكنه كرسي مختلف قليلاً.. يبدو صنع خصيصاً له.
كاد أن يلقي السلام ويتحدث بأدب، ولكنه عاجله إسماعيل قائلاً بتكبر وعنجهية:
"خير.. من فترة وأنت عايز تقابلني."
بلع سيف ريقه بصعوبة يشعر بأن الكلام قد وقف في حلقه، ولكنه ابتسم بمجاملة وغير مسار الحديث قائلاً:
"ازيك يا خالي."
زفر إسماعيل بضيق وهتف:
"هو أنت جاي تتعرف عليا؟ أنا مش فاضي للكلام ده، أنا وقتي بفلوس."
شعر سيف وكأن دلواً من الماء انسكب عليه، ولكنه آخر كارت لديه، فليأتي على كرامته قليلاً.. من أجل والده الحبيب.
حمحم سيف ودخل في الموضوع مباشرة:
"أنا والدي تعبان وكنت.."
لم يجعله يكمل حديثه وقال:
"عايز فلوس يعني."
هز سيف رأسه بحرج:
"آه.. بس والله العظيم هرجعهم، هيبقوا دين عليا.. وهرجعهم، أو ممكن أشتغل عند حضرتك أي شغلانة."
أشار له إسماعيل يوقفه عن الكلام وسأل:
"أنت في كلية إيه؟"
ابتسم سيف وأجاب سريعاً بفخر:
"هندسة."
هز إسماعيل رأسه بتفهم:
"آه.. ماشي وأنا موافق أديك الفلوس اللي انت عايزها."
ابتهجت ملامح سيف وكاد قلبه أن يرقص فرحاً، ولكنه قتل فرحته في مهدها وإسماعيل يسأله مرة أخرى:
"بتعرف تسوق؟"
هز سيف رأسه إيجاباً.
ليقول له إسماعيل:
"طب كويس.. جهز نفسك بقى عشان تبقى السواق بتاع الهانم الصغيرة."
***
بعد بعض الوقت دخل جاسم إلى الغرفة الموجود بها كارمن. كانت تبدو هادئة بعض الشيء. اقترب منها بابتسامة وهتف:
"كارمن."
لم تنظر كارمن ولم تعره اهتمام، ولكنها قالت بعد فترة صمت:
"تليفوني فين؟"
أخرج جاسم من جيب بدلته هاتفها المحمول وقال:
"أهو.. بس عايزاه ليه؟"
احمرت عينا كارمن وصرخت:
"عايزة أكلم أخويا أكيد قلقان عليا ومعرفش أنا رحت فين."
ابتسم جاسم بسماجة وأردف:
"ويقلق عليكي ليه انتي مع جوزك."
صرخت كارمن مرة أخرى:
"انت مجنون.. مش هو عارف إننا هنتطلق.. هرجعله إزاي من غير ما يعرف."
فكر جاسم قليلاً وأعطاها الهاتف وقال:
"خدي كلميه.. بس تقولي له إحنا اتصالحنا ورجعنا لبعض.. ولو قولتي حرف زيادة يا كارمن حسابك هيبقى عسير."
نظرت له كارمن بكره وودت لو تخنقه بيدها حتى يلفظ أنفاسه الأخيرة، ولكنها فضلت الهدوء وأن تفكر بطريقة صحيحة حتى تتخلص منه، فهي لم تعد قادرة على العيش معه مجدداً.
كان القلق قد بلغ من عمار منتهاه وهو ينظر لصلاح بقله حيلة:
"هتكون راحت فين يعني يا صلاح؟"
أخذ صلاح نفس عميق يهدي به روحه الثائرة بقلق:
"والله ما عارف.. بس أكيد خير إن شاء الله."
ظلوا هكذا لدقائق حتى رن هاتف عمار، ففرح وهو ينظر للاسم:
"دي كارمن."
تكلم صلاح سريعاً:
"طب رد بسرعة."
رد عمار سريعاً بلهفة:
"الو.. أيوا.. كارمن.. انتي فين؟"
أجابت كارمن بهدوء وهي تمنع نفسها من البكاء حتى لا يشعر عمار بشيء:
"أيوا يا عمار.. متقلقش يا حبيبي أنا كويسة.. أنا.. اا أنا اتصالححت أنا وجاسم ورجعنا لبعض."
عبس عمار بشدة وهتف:
"رجعوا لبعض إزاي.. طب ومقولتليش ليه؟"
ردت كارمن تغلق الحوار:
"هفهمك كل حاجة بعدين.. أنا هقفل دلوقتي.. اوكي.. سلام."
أغلقت سريعاً وبقي عمار ينظر للهاتف بصدمة.
سأله صلاح مستفسراً:
"قالت لك إيه؟"
أجاب عمار بذهول:
"بتقول اتصالححت هي وجاسم ورجعوا لبعض."
ابتسم صلاح بحزن وربت على كتف عمار:
"طب كويس يلا نطلع بقى ننام عشان الوقت اتأخر."
وأقرن كلامه بالفعل وهو يتجه إلى باب البناية وعقله يعنف قلبه قائلاً: أكنت تعتقد أنها ستترك زوجها وتعود لك بعدما تركتك من أجله...
في كل مرة ينمو الأمل في قلبه، تهدمه دون رأفة، وكأنها اعتادت على أن تجرحه وتدهسه دون أن تدري.
رواية حارة العشاق الفصل العاشر 10 - بقلم أمنية أشرف
مازالت الذكريات تدور في رأسه وهو يتذكر عندما انتهت المقابلة مع خاله وخرج وهو يشعر بالذل والمهانة، فقد قُبِل أن يعمل لديه كسائق لابنته الصغيرة التي لا تتعدى العشر سنوات، يصبح هو سائقها الخاص، يا الله، كما أن الدنيا تدور ولا أحد يتوقعها، ولا يتوقع كم التنازلات التي يقدمها المرء من أجل أن يحافظ على حياة من يحب، وقف أمام الفيلا، رأسه تدور في كافة الاتجاهات، لا يعرف ماذا عليه أن يفعل ولا لأين سيذهب، ولكنه فجأة شعر بإعصار، كتلة من الشعر الأسود الطويل تجري باتجاهه وهي تفتح ذراعيها له، فما كان منه إلا أن ركع على ركبتيه واستقبلها في أحضانه، ضمها بقوة، ولكنه شعر أنها هي من تضمه بيديها الصغيرتين، استنشق عطرها الطفولي المحبب بسعادة وهو يريد أن يبكي ويضحك في آن واحد.
أبعدها عنه قليلاً وهو يشعر أن هذا الحضن الطفولي قد أعاد له حبه للحياة، وكأنه كان يريد هذا الفاصل لكي يبدأ من جديد، سألها وهو يبعد شعرها الغزير عن وجهها حتى يرى وجهها بوضوح:
"اسمك إيه يا جميلة؟"
ضحكت الصغيرة بسعادة وردت:
"سمران."
ابتسم سيف ابتسامة جميلة وأردف:
"الله... اسمك جميل يا سمران."
ضحكت سمران وهي تنظر له بعيونها الرمادية ذات النظرة الآسرة وقالت:
"ميرسي... ثم سألت بشقاوة: وانت اسمك إيه؟"
ضحك سيف وأجاب:
"سيف... اسمي سيف."
هزت سمران رأسها وسلطت عيونها على عينيه وقالت بنبرة طفولية حزينة:
"ممكن نبقى صحاب يا سيف؟ أنا معنديش صحاب خالص... ومش بشوف حد... ولا بخرج حتى."
لا يعلم سيف لما نغز قلبه لرؤية هذه العيون الرمادية حزينة، هذه العيون الآسرة لم تُخلق للحزن أبداً، فرد سريعاً:
"ممكن طبعاً... من النهاردة أنا وانتي صحاب... وهنشوف بعض كل يوم... وكمان هخرجك زي ما انتي عايزة... تمام."
ضحكت سمران وهزت رأسها بفرح:
"تمام... اتفقنا... وعد."
أومأ سيف سريعاً بالإيجاب:
"وعد."
💛💛💛💛💛💛💛💛💛💛
صباح يوم جديد في الحارة.
خرج عمار من البناية يريد أن يشتري بعض الأشياء.
وفي طريقه رأى سهير تشتري طماطم من إحدى البائعات وهي تفاوصل معها في سعرها، ظل يراقبها حتى انتهت وأخذت أشياءها وهمت بالتوجه إلى بيتها.
قطع عليها عمار الطريق وهو يقول ببشاشة:
"صباح الخير."
نظرت له بضيق وهي تضع يدها في جنبها:
"أهلاً بالخواجة."
ضحك عمار بحرج وهتف:
"أنا بعتذر على هزاري الرخم، عارف إني رخمت عليكي شوية."
مصمصت سهير شفتيها بحركة شعبية مستهزئة وقالت:
"اعتذارك مش مقبول يا حضرت عشان تفكر بعد كدا 100 مرة قبل ما ترخم على بنات الناس."
ابتسم عمار وأبعد شعره الطويل عن عينيه في حركة خطفت قلب سهير وقال:
"معلش اقبلي اعتذاري المرة دي، إحنا برضه ولاد حتة واحدة وكمان جيران... وإنتي برضو خدتي حقك مني."
نظرت له سهير بحنق وهتفت:
"احمد ربنا إني ما كبتش الشربات على دماغك... والله كان نفسي أعملها بس قلت الطيب أحسن."
ضحك مرة أخرى وقال:
"حد قالك قبل كدا إنك دمك خفيف؟"
رمشت سهير بعينيها عدة مرات وأجابت:
"آه طبعاً كتير جدا."
ابتسم عمار ورد:
"طب كويس، المهم سامحتيني ولا لا؟"
سكتت سهير لثواني وكأنها تفكر ثم قالت بابتسامة جميلة:
"أفكر."
قطع عمار حديثها قائلاً:
"شششش خلاص، صافي يا لبن."
ضحكت سهير وهي تهم بتركه والمواصلة في طريقها قائلة:
"حليب يا قشطة."
تمتم عمار في سره بنبرة خفيضة مغازلة:
"والله إنتي اللي قشطة."
💛💛💛💛💛💛💛💛💛💛
نظرت هدير لنعمان النائم بجوارها وهي تتغزل في سمرته المحببة وملامحه الوسيمة برجولية، لا تصدق أن الحياة أخيراً قد ابتسمت لها وأعطتها شيئاً قد تمنته، فهي من صغرها نشأت في عائلة فقيرة جداً تكاد تكون معدمة، وعندما كبرت قليلاً، خطبت لسيد رحمة الله، كانت صغيرة وفرحت بالفستان وخاتم الخطبة، ثم بعدها بسنوات قليلة تزوجته وهي لا تعي شيئاً، ولا تعي كم المسؤوليات التي أصبحت ملزمة بها، ثم ظلت لعدة سنوات لا تنجب، وعندما حَمَلَت بياسين كانت الدنيا لا تسعها من فرحتها، ولكن بعد ولادة ياسين بعدة أشهر توفي سيد في حادث سير وأصبحت هي أرملة وحيدة صغيرة مسؤولة عن طفل صغير وأم زوجها الكبيرة في السن، فقررت أن تصمد وتواجه الحياة وتعيش شامخة برأس مرفوع دائماً، وعندما تعرفت على نعمان كان بعد وفاة زوجها بما يقرب العامين، كان هو أول رجل يداعب أحلامها المراهقة التي مازالت تحتفظ بها في قلبها، كان هو الوحيد الذي عندما تراه تشعر أنها أنثى، كانت تتعامل مع جميع الرجال كأنها مثلهم، لا أحد يؤثر عليها ولا تخضع لأحد إلا معه، كان ينتبها الخجل وتتصرف بمراهقة متأخرة، كان حلماً لم تتجرأ أن تحلم به والآن تحقق دون أن تفعل أي شيء.
فتح نعمان عينيه وهو يرى وجهها الصبوح يواجهه فقال بمغازلة:
"يا أحلى صباح في عمري كله... ده اللي يشوفك أول لما يصحى عمره يطول."
ضحكت هدير ضحكة رنانة، فهتف نعمان بعبث:
"يا بركة دعائكي يا أمي."
خبأت هدير وجهها بخجل، فأبعد نعمان يدها عن وجهها وقبل يدها واحدة تعلو الأخرى عدة مرات، ثم ضمها إليه بحب جَم.
💛💛💛💛💛💛💛💛💛
بكت روان بحرقة شديدة، فاليوم موعد ذهاب كارم لرؤية العروس التي رشحتها له والدته، فضمتها سهير وهي تشاركها حزنها:
"عشان خاطري يا روان متعيطيش... بالله عليكي ما تعملي في نفسك كدا."
تكلمت روان ببكاء:
"هموت يا سهير، حاسة إن قلبي هيوقف من الوجع."
أدمعت عين سهير هي الأخرى وقالت:
"بعيد الشر عليكي يا حبيبتي... أنا مش عارفة كارم دا عقله فين... إزاي مش حاسس بحبك دا... ده إحنا كلنا لاحظنا وهو لا."
نشجت روان بحرقة ولم تستطع الرد عليها، فأكملت سهير:
"أنا مش عارفة هو وافق ليه يشوف العروسة دي، ما طول عمره بيرفض من غير سبب."
ردت روان بصوت مبحوح:
"مامته هي اللي غصبته."
نظرت لها سهير بضيق:
"وهو يعني صغير؟ دافعي يا أختي دافعي عنه... والله هتشل بسببكم انتو الاتنين."
💛💛💛💛💛💛💛
مرر جاسم يده برقة على وجه كارمن النائمة بعمق، ففزعت بشدة وهي تبعده عنها بعنف:
"شيل إيدك من عليا... وأوعى تفكر تحطها تاني."
ضيق جاسم عينه وقال:
"ليه يا حبيبتي؟"
صرخت كارمن بحدة:
"أنا بكرهك، ابعد عني... أنا بقيت بقرف منك."
احمرت عين جاسم بحدة وتتطاير الشرر منها وصفعها بقوة على خدها.
نزلت الصفعة على وجه كارمن بقوة، رجت رأسها بقوة، أغمضت عينيها تجز على أسنانها تمنع نفسها من البكاء، فتحت عيونها تنظر له بكره شديد وهي تتنفس بسرعة وقالت:
"فاكر إن ضربك ليا رجولة يعني؟"
صرخ جاسم بحدة:
"أنا راجل غصب عنك يا كارمن."
تكلمت كارمن بكره:
"إنت ولا تسوى يا جاسم... إنت أقذر راجل أنا شوفته في حياتي."
فقد جاسم آخر ذرة من ضبط النفس وانقض عليها يخنقها بقوة.