تحميل رواية «حارة العشاق» PDF
بقلم أمنية أشرف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
وصلت كارمن إلى الحارة الشعبية وأوقفت سيارتها أمام إحدى البنايات. نزلت تنظر إلى الحارة بشوق وحنين. "يا الله، لقد تغيرت الحارة كثيرًا." هذا المقهى الشعبي أصبح أكبر وأوسع وأحدث، ومحل البقالة أصبح سوبر ماركت كبير للغاية، والحارة امتلأت بالعديد من الورش، ورشة الميكانيكي والمنجد والاستورجي وغيرها الكثير. ابتسمت بحنين، ثم رفعت عينيها إلى البناية القائمة أمامها. لقد احتفظت البناية بحالتها كما هي، وكأنها تعاند مرور السنوات. ابتسمت بفرح وحنين وحزن وهي تتأمل الطابق الثالث، حيث كانت تسكن مع أمها وأبيها وأخي...
رواية حارة العشاق الفصل الحادي عشر 11 - بقلم أمنية أشرف
صرخ جاسم بحده: أنا راجل غصب عنك يا كارمن.
تكلمت كارمن بكره: أنت ولا تسوى يا جاسم... أنت أقذر راجل أنا شفته في حياتي.
فقد جاسم آخر ذرة من ضبط النفس وانقض عليها يخنقها. بقوة تملصت كارمن منه وحاولت أن تبعده عنها ولكنه يفوقها قوة وضخامة. شحب وجهها، ليتركها جاسم وهو ينظر لها بحقد: ده بس تحذير بسيط عشان تعرفي يا كارمن إني ممكن أدنك ولا حد يعرف لك طريق.
تلاحقت أنفاسها بصعوبة وهي تنظر إليه بغل. كاد أن يقتلها هذا المجنون دون أن يشعر بها أحد. لو بقيت معه ستكون نهايتها القتل لا محالة. تنفست بعمق وهي تمنع نفسها من البكاء، ولكنها فقدت السيطرة وانفجرت في البكاء وهي تتكلم بصوت مبحوح: حرام عليك يا جاسم... أنت بتعمل فيا كده ليه؟ أنا عملت لك إيه؟
اقترب منها جاسم سريعًا يحاول أن يضمها إليه وهي تحاول أن تبتعد عنه وهي تضربه في كتفه وصدره بكل قوة. ولكن المقارنة مجحفة، فهي هشة ضعيفة ترتجف من الخوف وهو في أوج قوته. ضمها جاسم بقوة وقال: أنتِ ليه عاوزة تسيبيني يا كارمن؟ أنتِ عارفة إني بحبك... أنا مليش حد غيرك.
صرخت كارمن بصوت مهزوز: أنت اللي خونتني... خونتني بدل المرة ألف... كنت هفضل معاك إزاي؟ بعد ما شفتك بعيني وأنت بتخوني... أنا استحملت كتير وسامحتك أكتر... أنا استحملت حرماني من الأمومة عشانك... وده يكون جزائي؟ إنك تخوني وتضربني وعاوز تموتني.
شدد جاسم من ضمه لها كأنه خائف أن تهرب منه: أنتِ وعدتيني إن عمرك ما هتسبيني... حتى بعد ما عرفتي إن مستحيل أخلف فضلتِ معايا، ليه عاوزة تسبيني دلوقتي؟
بكت كارمن أكثر: لأني مبقتش قادرة أتحمل... طاقتي خلصت وتعبت.
مسح لها جاسم دموعها وهو يمسك وجهها بين يديه: سامحيني... آخر مرة... والله ما هعمل كده تاني.
بكت كارمن من قلة حيلتها، دموع تعبر عن مدى ما وصلت إليه من وجع. قبل جاسم يدها ووجنتيها وهو يعتذر، وهي لا تفعل شيئًا وكأنها تمثال من الشمع. اقترب منها جاسم أكثر وأكثر، لتفيق كارمن وهي تبعده عنها بحده وهي تصرخ بحده: لا... لا لا... مش هقدر... مستحيل... أبعد عني.
ابتعد جاسم بهدوء وقال: طب خلاص... خلاص أهدي.
***
كان صلاح يجلس في المقهى وبجانبه عمار يشرب كأس الشاي بالنعناع بمزاج رائق. نظر له صلاح وقال: منور.
ابتسم عمار وهو يربت على صدره قائلًا: حبيبي تسلم... بس أنت قلت لي منور ولا يجي عشرين مرة، كفاية كده النور هيغطي على كهربا المنطقة كلها.
ضحك صلاح وقال: عندك حق فعلاً... كفاية كده... بس الواحد زهقان أوي ومش عارف يعمل إيه.
نظر عمار لكأس الشاي بيده وقال: قلت لك اشرب لك كوباية شاي بالنعناع وأنت مزاجك هيبقى عنب بس أنت مصدقتنيش.
قلب صلاح عينيه وهو ينظر له بقرف: عمار... اكتم عشان أنا مش طايقك أساسًا.
لم يعره عمار أي اهتمام وهو يكمل شرابه بمزاج، حتى حضر نعمان بهيبته المعتادة وهو يقول: السلام عليكم.
هلل صلاح ببشاشة قائلًا: وعليكم السلام... يا أهلا بالعريس... نازل بدري ليه كده؟ ده أنا النهارده لسه الصباحية.
ابتسم نعمان برزانة وقال: أصل سهير وروان عندنا، فقولت أسيبهم براحتهم. وكمان هدير كانت عاوزة ياسين فبعتهولها.
هز صلاح رأسه بتفهم ولم يعلق. لينظر عمار لنعمان نظرة ذات معنى وأردف: مبروك يا عريس... هاا رفعت راسنا ولا إيه؟
نظر له نعمان بغضب، وانفجر صلاح في الضحك. ليهتف نعمان بسخرية قائلًا: ولااا هو أنت كنت في أمريكا بجد ولا كنت بتضحك علينا؟
ضحك عمار وهتف: لا والله كنت هناك... بس أنا محتفظ بالجزء المصري في قلبي.
ضحك نعمان وخبط رأس عمار بمشاغبة وجلسوا يتبادلون الحديث والنكات فيما بينهم، حتى جاء كارم وهو يبدو عليه الحزن. ألقى السلام وجلس بجانب صلاح ليميل عليه صلاح يسأله: إيه مالك؟
زفر كارم بضيق وقال: مفيش حاجة.
تمتم صلاح بهمس: طالما هتولع كده إيه اللي غصبك؟ ما تستنى ما أنت طول عمرك مستني.
هز كارم رأسه بقله حيله: مينفعش يا صلاح أنا اتفقت مع الناس... وكمان وعدت أمي... ولو هستنى هفضل مستني لحد إمتى؟ هيجي يوم وتحبني دي بتقول لي يا ابيه.
ضحك صلاح: ما هي بتقول لي أنا كمان يا ابيه عادي يعني.
نظر له كارم بغضب، ليبتسم صلاح وهو يقول: فاهم... فاهم... بس أنت ليه فاهم إنها شايفاك زي أخوها الكبير؟ ما ممكن تكون بتحبك.
نفى كارم برأسه: لا طبعًا مستحيل... عارف حتى ما شفتش أي رد فعل منها لما عرفت إني هخطب.
فخلاص بقى هفضل أعذب نفسي لحد إمتى.
أردف صلاح بحزن: صدقني هتندم... مش هتعرف تحب غيرها.
نفخ كارم بضيق: هو أنت عاوزني أفضل زيك أبكي على الأطلال وهي عايشة مع جوزها وفرحانة وأنت موقف حياتك من يوم ما سابتك.
الكلام نفذ إلى قلب صلاح كخنجر مسموم، ألا يكفي ما في قلبه من أحزان حتى يأتي كارم ويكمل عليه.
نظر له صلاح بقوة وقال: عندك حق... كفاية كده... أنا كنت عاوز أقول لك طالما هتخطب بقا... أنا كمان عاوز أخطب روان.
احمرت عين كارم وغضب بشدة وهو يجز على أسنانه بحده: صلاح أنت عارف أنت بتقول إيه؟ كده هنخسر بعض.
تكلم صلاح بلامبالاة: والله أنت عاوز تخسرني أنا معنديش مانع... بس ليه أنت هتخطب وهي هتجي يوم وتتخطب وأنا أولى من الغريب صح ولا إيه؟
تنفس كارم بحده وضرب على المنضدة الموضوع عليها الطلبات أمامه وهتف: صلاح.
قام صلاح من مكانه وهو يهم بترك المقهى وهو يقول: ما تنساش تبلغني ردها تمام.
ثم تركه يغلي من الغضب والغيرة.
***
ابتسمت سهير بسعادة وهي تنظر لهدير التي يبدو عليها أنها تحلق في السماء من شدة الفرح وقالت: مبروك يا ديرو والله فرحنالك من قلبي.
ضحكت هدير وردت: حبيبة قلبي يا سوسو... عقبالك يارب إن شاء الله.
ابتسمت سهير وقالت بشقاوة: يارب يا أختي يارب.
ثم نظرت لروان ولكزتها قائلة: إيه في أي يا بومة ما تفردي وشك.
غضبت روان وهتفت بحده: سهير أنا مش طايقة نفسي... سبيني في حالي.
ربتت هدير على كتف روان وسألت: إيه في أي يا روان مالك؟
ابتسمت روان بضعف: مفيش يا هدير أنا كويسة.
تمتمت سهير قائلة: والله لو ربنا كاتبه لكِ محدش هيقدر ياخده منك.
زفرت روان بضيق: خلاص يا سهير أنا قلت مش عاوزة أتكلم في الموضوع تاني... هيخطب ما يخطب براحته... أنا كمان هشوف نفسي.
ضيقت سهير عينيها وسألت بعدم فهم: يعني إيه يا روان؟
ردت روان بلامبالاة: يعني خلاص كارم معدتش في دماغي ولا عاوزاه أصلًا.
مصمصت سهير شفتيها وقالت: عجائب مش كارم ده اللي كنتي لسه مموتة نفسك من العياط عشانه... دلوقتي بقيتي مش عاوزاه.
هزت روان رأسها بتأكيد: آه مش عاوزاه.
لوت سهير شفتيها وردت: وماله... بكرة نشوف.
تمتمت روان بلامبالاة: هتشوفي.
***
وقفت تنظر إليه وهو يجلس يتناول فطوره بهدوء تام وكسل وكأنه يمتلك كل وقت العالم. نظرت له بحقد وكره مختلط ببقايا حب قديم قد دهسه تحت قدميه وهاجر دون أن ينظر لمن تركها محطمة الفؤاد.
وتذكرت حينما كانت في السادسة عشرة من عمرها. كان سيف يعمل لديهم كسائق خاص لها منذ ست سنوات ولكنه كان أقرب إليها حتى من والدها، فوالدها لا يهمه شيء في الدنيا سوى جمع الأموال، أما سيف فكان كل عالمها.
ذهبت إليه كان يقف ويستند على السيارة. نادت بصوت خفيض وهي تشعر بالخجل الشديد: سيف.
ابتسم سيف ورد: عيون سيف... بقالك عشر دقايق واقفة ساكتة ليه؟
نظرت سمران للأرض بخجل وقالت وهي تحاول أن تتشجع وتعترف له: عاوزة أعترف لك اعتراف.
جذبت اهتمام سيف فقال: اعتراف إيه؟
بللت سمران شفتيها وهي تغمض عينيها ثم قالت بشجاعة: سيف أنا بحبك.
تفاجأ سيف ولكنه حافظ على ملامح وجهه وقال: بتحبيني إزاي؟
هزت سمران أكتافها وكررت: بحبك.
حمحم سيف وقال: أنت لسه صغيرة أوي يا سمران على الكلام ده.
هزت سمران رأسها بنفي وهي تنظر إليه بغضب: لا أنا مش صغيرة على فكرة أنا بقيت آنسة... وكمان كل البنات معايا في الـ School مرتبطين وبيحبوا.
نظر لها سيف بعدم تصديق: لا والله بجد.
أومأت سمران برأسها إيجابًا: آه والله بجد... وأنا بقا بحبك وعاوزة ارتبط بيك تمام.
ابتلع سيف ريقه وهو لا يعرف بما يجيبها: يا سمران بس...
هزت سمران رأسها بنفي: لا مفيش بس... عشان خاطري يا سيف عشان خاطري.
فكر سيف لثواني وهتف: يا سمران والله ما هينفع... أنتِ فين وأنا فين.
رمشت سمران بعينيها تؤثر عليه بدلالها الفطري التي تعلم تأثيره جيدًا: سيف... سيفو.
هتف بحدة يستنكر ضعفه أمامها: سمران.
ابتسمت سمران وقالت: بحبك.
وظلت سمران هكذا لعدة أسابيع تخبره بحبها ليلاً ونهارًا، حتى رفع سيف الراية البيضاء مستسلمًا لها وسقط صريع تلك العيون الرمادية الآسرة.
ولم يكن يعرف أيًا منها أن نهاية هذا الحب سيكون كارثية للجميع.
رواية حارة العشاق الفصل الثاني عشر 12 - بقلم أمنية أشرف
وقف صلاح يهندم بدلته الرسمية السوداء ويمسك بيده باقة ورود حمراء أمام شقة والد كارم التي يسكن فيها الفتيات.
دق الباب وانتظر حتى فتح كارم الذي نظر له بغيظ وحنق وهتف: نعم.
ابتسم صلاح ابتسامة سمجة ورد: إيه يا أبو نسب مش هتقولي اتفضل.
جز كارم على أسنانه بحدة: أنت هتتفضل بس هتتفضل توريني عرض أكتافك.
ضحك صلاح وأردف: والله يا أبو نسب أنا مش هحاسبك على كلامك ده عشان عارف إنه من ورا قلبك.
رد كارم بغضب: لا من قلبي ويلا غور بقى.
كاد صلاح أن يرد عليه ولكن جاءت روان من خلف كارم وقالت ببشاشة: دكتور صلاح.
ابتسم صلاح لها، أما كارم نظر لها بغضب وقال: دكتور صلاح من امتى وإنتي بتقوليله يا دكتور... ما إنتي على طول بتقوليله يا أبيه.
ابتسمت روان وعضت على شفتيها بخجل، ليرد صلاح موجهاً الكلام لها: قوليلي صلاح بس.
هزت روان رأسها وأردفت: حاضر.
نظر لهم كارم بغيظ وهو يغلي من شدة الغضب والغيرة، وهو يفكر في كيفية قتلهم دون أن يترك لهم أثر في الحياة، ولكنه خرج من أفكاره الدموية على صوت روان وهي تقول: أبيه كارم... هو إنت هتسيب صلاح واقف كتير على الباب ولا إيه.
ابتعد كارم رغم عن إرادته وهو يعد صلاح يمر، ثم ضربه على كتفه وهو يقول من بين أسنانه: أهلاً يا صلاح أهلاً.
تأوه صلاح من شدة الضربة ولكنه ضحك ببرود ورد: ده نورك يا أبو نسب.
دخلوا إلى غرفة الصالون وسلم صلاح على والدة كارم التي فرحت جداً برؤيته: إزيك يا صلاح والله وحشني خالص يا ابني.
ابتسم صلاح ووضع قبلة حانية على رأسها وقال: والله وإنتي أكتر يا خالتي... أخبار صحتك إيه.
ابتسمت والدة كارم برضا: في نعمة والحمد لله.
وجه صلاح حديثه لروان وهو يعطيها باقة الورود وقال: اتفضلي يا رورو دي ليكي.
ابتسمت روان وضمت الباقة لقلبها وردت: ميرسي جداً يا صلاح.
كل ذلك وكارم يتابع الحوار وعينه تطلق الشرر وهي تتحول إلى اللون الأحمر.
سألت روان ببشاشة: تشربوا إيه.
رد صلاح بابتسامة: شربات.
ولكن كارم رد بضيق: اعملي قهوة سادة يا روان... وع الله تعملي حاجة تانية غير القهوة.
مصمصت روان شفتيها بضيق وردت: ماشي... عن إذنك يا صلاح.
هم كارم أن يقوم يجذبها من رأسها ولكنه آثر الهدوء والتعقل، حتى تكلم صلاح: احم... إنت طبعاً... عارف يا كارم إني طلبت إيد روان... بس قولت الكلام على القهوة ما كانش مناسب فجيت النهارده النهارده عشان أكرر طلبي وأطلب إيد روان منك ومن خالتي أم كارم.
وضع كارم ساق ه أخرى ورد ببرود: طلبك مرفوض.
شهقت أم كارم وهتفت: مرفوض ده إيه يا كارم هو إحنا هنلاقي حد من صلاح لروان... ده حتى إنتو صحاب من وانتو صغيرين.
ظهر الحزن على وجه كارم وقال: صحاب إيه بقى... ما هو الأستاذ نسي الصحوبية.
لم يعره صلاح اهتمام رغم أن قلبه تألم من أجل صديق عمره، ولكنه رد بلامبالاة: أنا شايف إننا نسأل روان ونشوف هتقول إيه.
دخلت روان في تلك اللحظة وبيدها صينية القهوة ليقول صلاح: أهي روان جت أهه... ها يا روان قولتي إيه.
ابتسمت روان بخجل وقالت: أنا موافقة.
نظر لها كارم بصدمة وكأنها لو رشقته في قلبه بخنجر مسموم لكان أهون عليه، فصمت تمام وسكن دون رد فعل.
فرح صلاح وهتف: طب نقرأ الفاتحة.
ثم بدأ في قراءتها ومسح على وجه، ثم أردف: مبروك... مبروك يا روان.
ردت روان عليه بابتسامة: الله يبارك فيك.
وكل ذلك حدث وكارم صامت، فهو يشعر أن قد تم خيانته من أقرب الناس لقلبه، حبيبة العمر وصديق طفولته وشبابه.
كانت هدير تقف في المطبخ تقلب الطعام بشرد، فاقترب منها نعمان دون أن تشعر به وقال بالقرب من أذنها بهمس: الجميل بيعمل إيه.
شهقت هدير بعنف وضربت على صدرها وقالت: خضتني يا نعمان.
ابتسم نعمان ورد بمغازلة: سلامتك من الخضة يا قلب نعمان.
ضحكت هدير بخجل وردت: لا أنا مش واخدة على الدلع ده يا معلم.
ضحك نعمان وغمز لها بعينيه: لا خدي عليه يا قلب المعلم... ثم سأل: هو إنت صحيح يا هدير تعرفي إن صلاح هيخطب روان.
حزنت ملامح هدير وقالت: آه... أنا مش عارفة إزاي ده هيحصل.
هز نعمان رأسه وقال: ولا أنا والله، أنا متوقع كارم... لكن صلاح غريبة والله.
هزت هدير رأسها بتأكيد: أيوا أنا قولت كده... بس شكل الموضوع ده فيه إن، وأكيد هنعرفها.
أكد نعمان على كلامها ورد: يا خبر النهاردة بفلوس بكرة يبقى ببلاش.
مصمصت هدير شفتيها بحركة شعبية شهيرة وقالت: على رأيك.
نظر نعمان حوله نظرة ذات معنى وقال: هو ياسين فين.
ردت هدير بابتسامة وقالت: نزل يلعب في الشارع.
ابتسم نعمان وغمز قائلاً: طب إيه.
ضحكت هدير ضحكة عالية ذات رنين مميز وردت بخجل: إيه.
جلست كارمن على الفراش وهي تكاد أن تبكي من شدة اليأس، فقد قلبت الجناح رأس على عقب تبحث عن أي وسيلة اتصال تستطيع من خلالها أن تصل لأخيها عمار، فجاسم يحبسها في الجناح ولا يسمح لها بالخروج أبداً.
طفح بها الكيل لتبكي بحرقة وهي تردد: يارب... يارب... يارب أنا تعبت بقى ومبقتش قادرة أستحمل... يارب خلصني منه.
فتح باب الجناح ودخل جاسم بابتسامة وقال: حبيبي اتأخرت عليكي.
نظرت له بكره وعيونها حمراء من البكاء: إنت بتعمل فيا كده ليه.
هرع إليها سريعاً: مالك يا قلبي بتعيطي ليه.
لهثت كارمن بشدة وصرخت: بعيط ليه... إنت مجنون... إنت حاسبني ومانع عني كل حاجة حتى أخويا مش عارفة أكلمه... حرام عليك... حرام عليك أنا تعبت.
حزنت ملامح جاسم وقال: طب أعملك إيه.
هتفت كارمن: سيبني... اعتقني لوجه الله.
هز جاسم رأسه بنفي بشدة: لا لا... اطلبي أي حاجة غير إني أسيبك.
بكت كارمن وقالت: طب عايزة أكلم عمار.
أومأ جاسم برأسه إيجاباً ثم رمى لها الهاتف وقال: كلميه بس يكون في علمك... إنه عمره ما يقدر ينقذك مني... خليكي عارفة إنك لو وقفتيه قدامي يبقى هتتحملي ذنب موته طول عمرك.
ثم خرج وأغلق الباب خلفه بعنف وتركها تبكي، لا تعرف كيف هو التصرف الصحيح.
قابل عمار صلاح بفرحة شديدة وهتف وهو يسلم عليه سلام رجالي خشن: نقول مبروك.
هز صلاح رأسه إيجاباً ليردف عمار: خلاص هتودع العزوبية يا صلاح.
ضحك صلاح بمرح: آه يا أخويا عقبالك إنت كمان.
ضحك عمار ورد عليه قائلاً: أديني مستني لحد ما واحدة تخطف قلبي.
خبط صلاح على كتفه وقال بنبرة ذات معنى: قريب إن شاء الله... أو يمكن يكون اتخطف.
تنحنح عمار وهتف: قصدك إيه.
ابتسم صلاح ورد: قصدي كل خير.
قطع حديثهم رنين هاتف عمار الذي رد عليه سريعاً ليأتيه صوت كارمن الباكي: عمار.
رواية حارة العشاق الفصل الثالث عشر 13 - بقلم أمنية أشرف
قطع حديثهم رنين هاتف عمار الذي رد عليه سريعا.
ليأتيه صوت كارمن الباكي: عمار.
رد عمار بحده رغم تلهف قلبه لسماع صوتها: لا والله كويس إنك لسه فاكره إن ليكي أخ اسمه عمار.
اجهشت كارمن في البكاء ليهتف عمار بخوف: كارمن مالك.. بتعيطي ليه؟
ردت كارمن من وسط بكائها تهتف بقهر: أنا مرجعتش لجاسم بمزاجي.. هو اللي خطفني وغصب عليا إني أقولك إننا اتصالحنا.
توسعت عين عمار بشده وصرخ قائلا: يعني إيه خطفك إزاي.. وغصب عليكي تكدبي عليا؟
نشجت كارمن من شده البكاء وقالت: وكمان من يومها وهو حابسني وضربني.. وكان هيموتني.
هتف عمار بغضب وخوف: كان هيموتك إزاي؟
هنا لم يستطع صلاح متابعة الحوار أن يصمت أكثر، فقد نغزه قلبه منذ أن سمع رنين الهاتف.
ليأخذ الهاتف من عمار ويردف بخوف: كارمن.
ردت عليه كارمن بصوت مبحوح من كثرة البكاء قائلة بهمس وصل لقلبه كسهم نافذ: صلاح.
تنحنح صلاح وسأل: قوللي إنتي فين.. عشان نجيلك أنا وعمار.
صرخت كارمن تنفي برأسها بحده وكأنه يراها: لا لا لا محدش يجي.. قالي لو عمار دخل هيقتله.. بلاش عشان أنا مليش غيره في الدنيا.
هز صلاح رأسه وهو يشعر أن قلبه سيتوقف من شدة خوفه عليها وهي في قبضة ذلك المختل: لا متخافيش.. مش هيقدر يعمل حاجة.. وإحنا مش هنيجي لوحدنا.. متخافيش.
نفت كارمن مرة أخرى: لا عشان خاطري.. يا صلاح.. بلاش عشان خاطري.
ابتلع صلاح ريقه بصعوبة قائلا: عشان خاطري أنا.. قولي إنتي فين.
بكت كارمن لا تعرف أتخبره لينجدوها من جاسم الذي ظهرت عليه علامات الخلل والجنون.. أم تظل ع موقفها وتحمي أخيها وتتحمل هي مصيرها ونتيجة اختيارها الخاطئ.
حثها صلاح قائلا: كارمن قولي لينا العنوان.. عشان عمار هيتجنن من الخوف عليكي.
سلمت كارمن أمرها وردت: إحنا في فيلا... في الساحل.. بس الفيلا عليها حرس كتير جدا.
تكلم صلاح بهدوء لكي يهدأ من روعها: إحنا هنيجيلك تمام.. مش عاوزك تخافي من أي حاجة.. إن شاء الله كل حاجة هتبقى كويسة ماشي.
نشجت كارمن وردت: ماشي.. بس أنا مش عاوزة حد يتأذي.
هتف صلاح: متخافيش.. مفيش حد هيتأذي.. إنتي بس خلي بالك من نفسك.. وإحنا في أسرع وقت هنكون عندك تمام.
هزت كارمن رأسها بموافقة وردت: تمام.
ابتسم صلاح بحزن وخوف وقال مودعا: سلام.
ردت كارمن من بين بكائها: مع السلامه.
أغلق صلاح الهاتف واشتدت قبضته عليه بعنف ليعاجله عمار قائلا: هنعمل إيه يا صلاح؟
هز صلاح رأسه بنفي: مش عارف.. مش عارف.. بس إحنا مش هنسيبها أبدًا مع ابن... دا.
اقترح عمار قائلا: نبلغ البوليس.
نفي صلاح مرة أخرى: لا.. مش هنستفاد حاجة.. جاسم واصل وليه معارف كتير.. وغير كده واحد ومراته ومش هنعرف نثبت إنه غصبها ع العيشة معاه.
ضرب عمار كف ع كف وهتف: يعني اتقفلت.. طب هنعمل إيه؟
فكر صلاح لدقائق وقال: متقلقش تعالا معايا.
***
وقف سيف أمام غرفة سمران يفكر لماذا لم تخرج اليوم من غرفتها. فقد ذهب إلى عمله وعاد وسأل عليها الخدم فقالوا إنها لم تخرج من غرفتها اليوم. نغزه قلبه عليها ليقف يهم بالطرق ولكن يشعر بالحرج فقد تفهم سؤاله عنها بشكل خاطئ ولكنه خائف عليها بشده.
دق الباب عدة دقات ولكن لا من مجيب. فكرر.. هل هي نائمة أم ماذا؟ طرق بشكل أعلى.. ولكن لم يصله رد أيضًا.
ففتح الباب ودخل ينادي بصوت عالي: سمران.. سمران.
وصل إلى جانب فراشها ليراها نائمة بعمق. ابتسم ابتسامة حزينة. كان دائمًا يحب رؤيتها وهي نائمة تبدو كملاك وشعرها الأسود الهائج كستار من حولها. يا الله كم هي ناعمة.. وجمالها فاتن بدرجة لا توصف. سبحان الخالق فيما خلق وأبدع.
اقترب منها تأكله أصابعه لكي يبعد شعرها عن عينيها. ليطاوعها ويضع يده على بشرتها بنعومة فلسعت يده من شدة حرارتها. فمرر يده مرة أخرى يقيس حرارتها ليتفاجأ أنها تغلي من ارتفاع درجة الحرارة.
هتف بخوف: سمران.. سمران.. حبيبتي.. إنتي كويسة؟
تأوهت سمران تبرطم بكلام غير مفهوم ليقوم سيف سريعا ينادي على أحد الخدم لكي يجلب له خافض الحرارة وطبق به ماء بارد.
بعد عدة دقائق جلبت له إحدى الخدمات ما يريد. فجلس بجانب سمران وأعطاها الدواء. فتحت سمران عيونها وهتفت بتعب: سيف.
رد سيف بلهفة وحب قد حاول على مر السنوات أن يقتله: قلب سيف.. إنتي كويسة؟
ولكن سمران لم ترد عليه وهي تذهب في سبات عميق من شدة التعب والإرهاق.
ابتسم سيف وخلع جاكت بدلته وشمر أكمام قميصه الأبيض وشرع في وضع الكمادات الباردة لها.
وهو يسرح في الماضي كعادته.
وقفت سمران تعطيه ظهرها بغضب وهو يحايلها برقة: يا روحي أنا آسف.
هزت سمران رأسها: لا أنت نسيت عيد ميلادي يا سيف.
نفي سيف برأسه: والله أبدا.
أدمعت عين سمران برقة: أنت مفكرتش حتى تقولي كل سنة وانتي طيبة.
ضحك سيف وقال: طب كل سنة وانتي طيبة يا روحي.
دبدبت سمران في الأرض وهي تهتف: بعد إيه بقى ما خلاص.. ما هو أنا مش ع بالك يا أستاذ سيف.
رد سيف بضحك: إزاي بتقولي الكلام ده إنتي ع بالي دايما.. وكمان في قلبي.
تهكمت سمران قائلة: كان يبان.
هز سيف رأسه بيأس: يعني خلاص مش عاوزة الهدية ولا الورد اللي أنا جايبه.
عضت سمران على شفتيها: مع إنهم متأخرين عن عيد ميلادي بيوم.. بس أكيد هاخدهم يعني.
ابتسم سيف وقال بأسف: أنا آسف والله.. إنتي عارفة إن دماغي مشغولة بمليون حاجة.
ابتسمت سمران بتفهم: عارفة يا حبيبي والله.. بس أنا بحب أرخم عليك.
ضحك سيف وقال: عارف عارف.. إنك رخمة.
حزنت ملامح سمران وهتفت وهي تشير على نفسها بدلع: أنا رخمة.
هز سيف رأسه بنفي: لا إنتي قلبي.
ضحكت سمران بخجل وتعلقت بأحضانه ليضمها سيف بحب شديد. ولم يروا ذلك الذي التقط لهم الصور وأرسالها إلى والد سمران الذي قلب الدنيا رأس على عقب وهو يأمر أحد رجاله بخطف سيف وضربه حتى كادت أن تزهق روحه. ثم حبسه لعدة أيام في أحد المخازن يتلقى يوميًا الضرب المبرح. ثم هدده إن لم يترك البلاد ويرحل سيقتل له أمه وأخواته. ليرضخ سيف رغم عن إرادته ويرحل دون أن يودع سمران الذي أرسل لها والدها جواب نيابة عن سيف يخبزها إنه سافر ولن يعود أبدا وأنه لم يكن يحبها بل كان يسلي نفسه لبعض الوقت معها.
***
اجتمع كلا من صلاح وعمار وكارم ونعمان في المقهى الخاص بنعمان وأغلقوا عليهم بابه بعد أن أخبرهم صلاح بما حدث لكارمن.
ليقول نعمان: إحنا كده محتاجين حد يعس لينا حوالين الفيلا دي ونعرف.. فيها حرس قد إيه.. وكمان ليها كام باب وأسهل طريقة للدخول.
تكلم عمار قائلا: بس إحنا كده محتاجين رجالة.
رد نعمان بثقة: متقلقش أنا حبايبي كتير.. ويتمنوا يخدموني.. وكمان هكلم واحد حبيبي أوي.. يبعت لينا رجالة يعرفوا يتعاملوا مع الحرس.
استفهم كارم قائلا: حبيبك مين؟
ابتسم نعمان: سيف باشا الدسوقي.. مش إنت عارفه يا صلاح.
أومأ صلاح برأسه إيجابا: أيوا طبعًا دا سيف عشرة عمر.
هتف نعمان بجدية: المهم دلوقتي نحط خطة كويسة.. عشان نطلع كارمن من غير ما تتأذي ويبقى إحنا كمان في السليم.
استفسر عمار متسائلا: طب هنعمل إيه؟
رد نعمان يشرح أبعاد الخطة: اسمعوا.
شرح لهم نعمان وهم يستمعون إليه بتفهم حتى انتهى قائلا: اتفقنا.
هز الجميع رأسه وهتفوا: اتفقنا.
رواية حارة العشاق الفصل الرابع عشر 14 - بقلم أمنية أشرف
فتحت سمران عيونها لتتفاجأ بسيف يجلس بجانبها على الفراش يستند على ظهره ويغط في نوم عميق. نظرت له بحزن وعشق شديد، رغم ما حدث، ولكن في لحظة مر عليها تركه لها ومعاملته السيئة، لتهب وتلزمه في ذراعه بغضب.
فزع سيف وقال بسرعة وهو ينظر لها بلهفة: "سمران حبيبتي، انتي كويسة؟"
احمرت عين سمران وصرخت: "أولاً أنا مش حبيبتك.. وثانياً، انت بتعمل إيه هنا؟ ومين اللي سمح لك تدخل أوضتي أصلاً؟"
حاول سيف تهدئتها وقال: "حبيبتي، انتي كنتي تعبانة."
تنفست سمران بعنف وهي تشعر أن التعب عاد إليها مرة أخرى: "حتى لو بموت، ملكش دعوة بيا."
حزنت ملامح سيف وقال: "طب خلاص.. أنا آسف.. مش هتتكرر تاني."
هزت سمران رأسها بعنف: "يكون أحسن برضه."
رد سيف بهدوء: "ماشي."
سكتت سمران لثوانٍ، ولكنها نظرت له مرة أخرى وقالت: "انت لسه هنا بتعمل إيه؟ يلا اتفضل اطلع برا."
قام سيف من مكانه وقال: "طب أطمن عليكي الأول، انتي كويسة؟"
صرخت سمران: "قلتلك ملكش دعوة بيا.. اطلع برااا."
خرج سيف بسرعة وهو يقول: "حاضر.. حاضر."
دفنت سمران يدها بين كفيها وانفجرت في البكاء وهتفت من بين بكاءها: "بكرهك يا سيف.. بكرهك."
***
ظلت روان تسير أمام باب الشقة ذهاباً وإياباً، وهي تنظر كل ثانية إلى العين السحرية الموجودة في الباب، تنتظر أن يخرج كارم من شقته، فهي لم تره منذ يومين ولا تعرف فيما هو مشغول، ولا يسأل عنها وكأنها غير موجودة بالمرة. وسهير أيضاً تتجنبها وغير راضية عما تفعله. نظرت مرة أخرى للعين السحرية فرأت كارم يفتح باباً، فعدلت حجابها بسرعة، ثم فتحت الباب ونادت عليه بسرعة: "أبيه.. أبيه كارم."
وقف كارم لثوانٍ ينوي عدم الرد عليها، ولكن قلبه لم يطاوعه لفعل، فالتفت لها ورد عليها بجمود: "نعم؟ في حاجة يا روان؟"
ابتسمت روان له بجمال: "إيه يا أبيه، انت نسيتني ولا إيه؟ بقالك كام يوم مش بتسأل عليا."
نظر لها كارم ببرود ورد باستنهاز: "وأنا أسأل عليكي ليه؟ مش عندك خطيبك؟ عاوزة مني إيه بقا؟"
حزنت ملامح روان وردت بصدق: "أيوه.. بس مفيش حد في الدنيا يعوضني عنك أبداً يا أبيه.. انت أهم عندي من كل الدنيا."
رق قلب كارم لها، ولكن حافظ على جموده وقال: "بس انتي اخترتي خلاص يا روان ووقفتي ضدي وما سمعتيش كلامي."
ردت روان بسرعة: "يا أبيه أصل..."
قطع حديثها قائلاً: "خلاص يا روان، اللي حصل حصل.. لو ما عندكيش حاجة تانية تقوليها.. أنا مش فاضي ومستعجل.. عن إذنك."
واستأذن مغادراً، وتركها تشعر أن لعبتها هي وصلاح قد انقلبت عليها، وبدل من أن تجعله يشعر بها، أخرجها من حياته نهائياً.
***
شهقت هدير وضربت على صدرها بعنف تقول بذهول: "آه يا عرة الرجالة يا واطي.. أنا قلت يا نعمان من ساعة ما كارمن حكتلي اللي حصل معاها إن جوزها ده رجل عرة ومعندوش لا أخلاق ولا نخوة."
نفخ نعمان بضيق وهتف: "ما خلاص بقا يا هدير.. أنا غلطان أصلاً إني حكيتلك."
لم تعره هدير اهتمام وهي تكمل حديثها: "آه يا عيني عليكي يا كارمن.. يا غلبانة.. والله قلبي اتقطع عشانها.. والنبي يا نعمان تنقذوها منه."
هز نعمان رأسه بيأس ورد: "إن شاء الله متقلقيش."
هتفت هدير برجاء: "يارب.. يارب."
ثم مصمصت شفتيها وقالت: "بس والله البت كارمن دي خايبة، ده أنا لو مكانها كنت جبت كرشه نصين."
أه ضيق نعمان عينيه ونظر لها بخوف مصطنع: "جرا إيه يا هدير؟ أنا كده أخاف منك."
ضحكت هدير بصوت عالٍ ضحكة ذات رنين مميز ونظرت له بحب وقالت: "لا طبعاً.. يا نعمان، هو في حد زيك؟ ده انت سيد الرجالة يا معلم."
ضحك نعمان بخشونة وقالت بمغازلة: "روح المعلم وقلبه انتي والله."
***
وقف عمار يستند ظهره على حائط البناية ويثني إحدى قدميه وهو يدخن سيجارته بشرود. رأته سهير وهي عائدة من المدرسة، فذهبت إليه بسرعة ورُمت السلام وقالت: "أستاذ عمار، ازيك؟"
تنبه عمار من شروده ورد بابتسامة حزينة: "أهلاً يا سهير.. ازيك انتي؟"
ابتسمت سهير وردت: "أنا بخير الحمد لله.. قلبي عندك والله.. أنا عرفت اللي حصل مع كارمن."
ردد عمار بحزن: "كارمن."
استطردت سهير: "خير إن شاء الله.. هتعرفوا ترجعوها من غير ما حد يتأذى؟"
هز عمار رأسه بتأكيد: "إن شاء الله.. ادعيلنا."
ابتسمت سهير وهتفت وهي تشير لعيونها: "عيوني حاضر.. بإذن الله ربنا معاكو.. المهم خلي بالك من نفسك."
ابتسم عمار وهو يشعر أن الحديث معها قد حسن من نفسيته وخوفه على أخته، فلا يعلم لماذا رؤيتها تجعل قلبه يبتهج ويشعر أن الجو من حولها قد تغير، يشعر ببواذير الربيع وتفتح الورود. نفض من رأسه الأفكار ورد بابتسامة قائلاً: "حاضر هخلي بالي من نفسي."
نظرت سهير للأرض بخجل وقالت: "إن شاء الله ربنا يحفظك.. قصدك يحفظكم من كل شر."
أمن عمار على دعائها قائلاً: "يارب.. تسلمي يا سهير.. وشكراً جدا."
ابتسمت سهير وردت: "العفو.. وابقى طمني.. عن إذنك.. سلام."
أومأ عمار برأسه إيجاباً: "عيوني حاضر.. مع السلامة."
***
بكت كارمن بحرقة وهي تناجي ربها: "يارب.. يارب.. انقذني منه أنا ماليش غيرك يارب.. يارب أنا تعبت ومبقتش قادرة استحمل.. يارب سامحني.. لو في حاجة أنا عملتها وزعلتلك مني سامحني يارب وتوب عليا.. يارب توب عليا.. واحميني واحفظني من كل شر يارب.. يارب اللهم إني وكلتلك أمري فكن لي خير وكيل.. ودبرلي أمري فإني لا أحسن التدبير."
***
جهز الشباب عدتهم وأسلحتهم بعدما وضعوا خطتهم وكيفية دخولهم الفيلا، بعدما بعثوا أحد الرجال يعرف لهم عدد الحرس ومواعيد تبديلهم، وبابها الداخلي والسري، وأيضاً مدّهم سيف بعدد من الرجال لمساعدتهم.
ذهبوا إلى الفيلا ودخل الرجال بسياراتهم واشتبكوا مع الحرس وشغلوهم عن نعمان الذي ساعد صلاح لكي يتسلق على سور الفيلا ونزل منه إلى داخلها. أما عمار فذهب مع كارم من الباب الخلفي الذي يوجد عليه حارس واحد، واجهه كارم واشتبك معه، وغفله عمار وضربه على رأسه بمسدسه ليفقد الوعي، ثم ضرب البوابة الحديدية عدة طلقات لتنفتح على مصراعيها، ثم دخل بسرعة وهو يجري إلى داخل الفيلا من ناحية المطبخ الذي يطل على الحديقة الداخلية. جرى عمار باتجاه السلم الداخلي وكارم يؤمّن له ظهره.
صعد عمار وفتح الغرف التي تقابله ينادي على كارمن بأعلى صوته وهو يبحث عنها كالمجنون.
قفز صلاح من على سور الفيلا وجرى باتجاه الفيلا، ولكن رآه أحد الحرس واشتبك معه بالأيدي، ولكن أحدهم ضربه برصاصة أصابت ذراعه. صرخ صلاح بوجع، فذهب إليه نعمان بسرعة ودافع عنه وهو يضرب حرس جاسم بغضب شديد، ثم قال وهو يتنفس بعنف: "انت كويس يا صلاح؟"
رد صلاح بألم: "آه يا نعمان، متقلقش."
رأى عمار غرفة في آخر الممر، فجرى باتجاهها ثم دق على بابها المغلق وهو ينادي: "كارمن.. كارمن."
كانت كارمن تشعر بقلق في الفيلا وتسمع أصوات الرصاص، ومع سماعها لصوت أخيها اطمأن قلبها وردت بلهفة: "أيوه يا عمار، أنا هنا."
اطمأن قلب عمار وسأل: "كارمن، انتي كويسة يا حبيبتي؟"
ردت كارمن بسرعة: "أيوه يا عمار، أنا كويسة."
هز عمار رأسه وقال: "طب ابعدي عن الباب، ابعدي عشان أفتحه، ابعدي خالص يا كارمن."
ابتعدت كارمن عن الباب تماماً، وضرب عمار الباب بسلاحه، ففتح وصرخت كارمن، فذهب إليها عمار بسرعة وضَمّها وهو يقول: "حبيبتي، انتي كويسة؟"
ضمته كارمن وهي تبكي بعنف وتردد: "عمار.. عمار."
ضمها عمار أقوى وقال: "متخافيش يا حبيبتي، أنا معاكي، متخافيش."
دق كارم على الباب ونادى: "عمار.. يلا بسرعة.. نمشي من هنا."
هز عمار رأسه بتأكيد وقال: "أيوه يلا بينا.. يلا يا كارمن."
وأمسكها بيده وجرها خلفه.
دخل صلاح الفيلا هو ونعمان، وما رأى كارمن تنزل من على الدرج هي وعمار وكارم، حمد الله وهو يدعو أن يخرجوا سالمين دون أي إصابات. نزلوا بسرعة من على الدرج وجرى صلاح اتجاههم وهو يقول بلهفة لكارمن وقلبه يوشك أن يخرج من محله: "كارمن.. كارمن، انتي كويسة؟"
ابتسمت كارمن بضعف: "أنا كويسة يا صلاح، متقلقش."
ابتسم صلاح بحب يحاول مدارته، ولكن في هذا الوقت كان يريد أن يضمها إلى صدره ليطمئن قلبه أنها بخير.
قال نعمان بسرعة: "طب الحمد لله إن الست كارمن بخير.. يلا نمشي من هنا بقا قبل ما جاسم يوصل."
رد الجميع بتأكيد: "يلا بينا."
توجهوا جميعاً باتجاه باب الفيلا للخروج، ولكن وصلهم صوت جعلهم يتسمرون بأماكنهم.
قبل قليل كان جاسم يجلس في مكتبه، كان موجوداً في الفيلا ولكن لم يره أحد، حينما رأى اقتحامهم للفيلا وسمع أصوات الرصاص، ظل حتى يحين الوقت المناسب ليخرج لهم.
ضرب جاسم عدة طلقات في الهواء وصرخ: "كااااارمن."
كان أول من استدار له هي كارمن التي نظرت له بابتسامة مستهزئة: "نعم."
نظر لها بحزن وقال: "عاوزة تبعدي عني؟"
هزت كارمن رأسها بتأكيد وقوة: "أيوه يا جاسم.. عشان بكرهك ومبقتش طايقة أشوف وشك."
احمرت عين جاسم وصرخ: "بعدك عني بموتك يا كارمن."
اقتربت منه كارمن بشجاعة: "اقتلني يا جاسم.. يلا مستني إيه."
وجه جاسم السلاح باتجاه كارمن، لتستطرد كارمن وهي تشير على نفسها: "يلا يا جاسم مستني إيه.. اقتلني خليني أخلص منك ومن الدنيا كلها."
نظر لها جاسم بغضب، وفي أقل من ثانية كانت الرصاصة تنطلق من المسدس وتخترق صدر كارمن، التي وقعت بين يد أخيها الذي صرخ بفزع، وصلاح الذي وقف على ذهوله من شدة الصدمة.
وما كان من جاسم إلا أن نظر لكارمن وليده وللسلاح بصدمة، ثم قام برفع السلاح ووجهه لرأسه، وهو يغمض عينيه، يضرب نفسه طلقة اخترقت رأسه وسقط صريعاً في الحال.
رواية حارة العشاق الفصل الخامس عشر 15 - بقلم أمنية أشرف
وجه جاسم السلاح باتجاه كارمن.
لتستطرد كارمن وهي تشير على نفسها:
"يلا يا جاسم، مستني إيه؟ اقتلني، خليني أخلص منك ومن الدنيا كلها."
نظر لها جاسم بغضب، وفي أقل من ثانية كانت الرصاصة تنطلق من المسدس وتخترق صدر كارمن. وقعت بين يدي أخيها الذي صرخ بفزع، وصلاح الذي وقف على ذهوله من شدة الصدمة.
وما كان من جاسم إلا أن نظر لكارمن ووليد، وللسلاح بصدمة، ثم قام برفع السلاح ووجهه لرأسه. وهو يغمض عينيه، ضرب نفسه طلقة اخترقت رأسه وسقط صريعًا في الحال.
كل هذا حدث في لمح البصر، فلم يصدق أي منهم أن تكون هذه النهاية. كارمن مدرجة بدمائها، وعمار يصرخ بفزع، وصلاح سقط قلبه بسقوط كارمن أمامه، فلم يعد قادرًا على فعل شيء. نظر نعمان لكارم بذهول، فانطلق كارم باتجاه جاسم الفاقد للحياة ليقول بذهول:
"دا مات."
تمتم نعمان:
"لا حول ولا قوة إلا بالله... إن لله وإن إليه راجعون... موت نفسه! أنا مش مصدق، ما جاش في بالي إن ممكن يعمل كدا أبدًا."
هز كارم رأسه بذهول وهتف:
"ولا أنا... المهم هنعمل إيه دلوقتي؟"
نظر نعمان حوله يقيم الوضع وأردف:
"هنبلغ البوليس... ونتصل بالإسعاف."
رد كارم سريعًا:
"طب وكارمن؟"
نظر نعمان باتجاه كارمن الغارقة في دمائها، وعمار الباكي بجوارها، وصلاح الواقف بلا حراك. ليتحرك باتجاه صلاح يدعمه ويخرجه من حالة الصدمة التي تلبسته، حتى يتم إنقاذ حياة كارمن قبل فوات الأوان.
هزه برفق وقال:
"صلاح، فوق واجمد كدا... أنت دكتور، وياما مر عليك حالات أكتر من كدا... افحص كارمن بسرعة عشان نلحقها."
تنفس صلاح بعمق وتحرك بآلية يبعد عمار ويفحص كارمن، وهو يتصبب عرقًا من خوفه عليها. ليهتف سريعًا:
"نبضها ضعيف جدًا... وفقدت دم كتير، لازم نوديها المستشفى بسرعة."
أومأ نعمان برأسه:
"طب يلا بسرعة، خدها أنت وعمار لأقرب مستشفى. وأنا هفضل هنا أنا وكارم لحد ما البوليس يجي. وهكلم سيف يشوف لنا حل عشان نخلص من الموضوع دا من غير ما حد فينا يتأذى."
أكد الجميع على كلامه، ليقوم صلاح بحمل كارمن ويصرخ في عمار حتى يسبقه ويحضر السيارة سريعًا.
وضع صلاح كارمن في السيارة وجلس بجانبها، لينطلق عمار بأقصى سرعة حتى كاد أن يتسبب في الكثير من الحوادث. وصلوا إلى المستشفى بوقت قياسي.
لينزل صلاح وهو يحمل كارمن ويهرول بها سريعًا وهو يصرخ في طاقم التمريض:
"فقدت دم كتير ولازم تدخل العمليات حالا!"
هرع إليه الأطباء والممرضون ليأخذوها منه سريعًا إلى غرفة العمليات.
سقط عمار جالسًا على الأرضية غير قادر على فعل شيء، ثم وضع وجهه بين كفيه ليجهش في البكاء. نظر له صلاح بحزن وقلبه يعتصر ألمًا وخوفًا، وقال وهو يجلس بجانبه يربت على كتفه بدعم:
"هتبقى كويسة، متقلقش."
انتحب عمار بقوة وقال:
"أنا خايفة عليها أوي يا صلاح، أنا مليش غيرها في الدنيا، هي اللي بقيتلي من عيلتي... ليه يحصل فيها كل دا؟ كارمن طيبة، وكانت بتحبه، ليه يعمل فيها كدا؟"
زفر صلاح بقوة، لا يملك إجابات ولا يحق له الكلام. فقط يتمنى ألا يصيبها مكروه، حتى لا يظل لبقية عمره يبكي فراقها، وهذه المرة سيكون فراقًا أبديًا بلا رجوع.
في الحارة، اجتمع الفتيات بمنزل هدير ونعمان ينتظرون الأخبار ليطمئنوا على كارمن.
هتفت سهير بخوف:
"أنا قلقانة أوي."
نظرت لها هدير ووضعت يدها على قلبها وأردفت:
"أنا قلبي واكلني عليهم وحاسة إن في حاجة وحشة حصلت."
قضمت روان أظافرها بقلق وهتفت:
"لأ، متقوليش كدا، هما بخير، مفيش حاجة حصلت... هما هيمسكوا جاسم الكلب دا يطحنوه علقة موت ويجيبوا كارمن منه."
تكلمت سهير بهدوء:
"ربنا يستر."
رددوا خلفها بتضرع:
"يارب."
رن جرس الباب، لينظروا لبعضهم بتساؤل، لتهتف هدير:
"دا مين اللي جاي الساعة دي؟"
ردت سهير:
"مش عارفة." ثم وجهت حديثها لروان:
"قومي افتحي يا روان."
فتحت روان الباب لتتفاجأ بمن تبعدها وتدخل وهي تصرخ:
"سنة على ما تفتحوا الباب، إيه الحال لو مش جايه بيت أخويا؟"
زفرت هدير بغيظ وتمتمت:
"ودي اللي جابها دي؟"
ثم ابتسمت برزانة وقالت:
"تعالي يا نسمة... معلش يا حبيبتي، بعد كدا لما أعرف إنك جاية هقف جنب الباب عشان أول ما ترني الجرس أفتح لك."
نظرت نسمة لها بكره وقالت:
"إنتي بتتريقي يا هدير؟"
ابتسمت هدير بسخرية:
"ودا يصح بردو يا نسمة؟ دا إنتي أخت الغالي."
جلست نسمة بغيظ وتجاهلت الموجودين، ثم سألت هدير:
"أومال أخويا فين؟"
ردت هدير بهدوء:
"مش هنا يا حبيبتي... مسافر يومين، هيجيب شوية طلبات وييجي."
تميزت نسمة غيظًا من هدير وهتفت بحقد:
"ما هو من يوم ما اتجوزك معدش فاضي... دا أنا حتى مبقتش أشوفه... كأنه نسى إنه له أخت."
ربتت هدير على كتفها تسترضيها:
"لأ، متقوليش كدا، نعمان عمره ما ينساكي... هو له غيرك... هو بس مشغول شوية اليومين دول... ولما يفضى هنيجي أنا وهو نزورك في بيتك."
مصمصت نسمة شفتيها:
"لأ يا أختي، ريحي نفسك، أنا جيت أهو وقاعدة معاكوا يومين كدا."
نظرت لها هدير بمفاجأة وقالت:
"تنوري طبعًا... بس هتسيبي بيتك وولادك وجوزك لمين؟"
دمعت عين نسمة وردت:
"أنا ومجدى ضاربين خناقة للسما... ومش هرجعله أبدًا إلا لما يعرف قيمتي... وولاده معايا عشان يعرف أنا بتعب في تربيتهم إزاي."
فهمت هدير سبب مجيئها، ولكنها قالت بتعقل:
"إنتي طبعًا يا حبيبتي عارفة إن دا بيتك وبيت أخوكي وتيجي في أي وقت... بس الواحدة منا في الآخر ملهاش إلا بيتها وجوزها... والمشاكل اللي بينا نحلها تحت سقف بيتنا من غير ما حد يتدخل... لأن طول ما المشاكل بينا هنعرف نتصافى ونرجع أحسن من الأول. أما لو طلعت برة البيت واتعرفت هتكبر أكتر."
زفرت نسمة بحنق:
"بصي يا هدير، خلي نصايحك لنفسك... ولا إنتي مش قابلة أنا أقعد هنا؟"
نفت هدير سريعًا:
"لأ يا أختي، اقعدي زي ما إنتي عايزة على راسي... أنا بس بنصحك عشان إنتي أختي."
ابتسمت نسمة بسماجة:
"شكرًا يا أختي، وفري نصايحك لنفسك... أنا هدخل أغير هدومي وأنام شوية."
ثم قرنت كلامها بالفعل وهي تتجه إلى إحدى الغرف.
تمتمت سهير بحنق:
"يادي الوقعة الهباب... إحنا هنمشي يا هدير؟"
شهقت هدير وهتفت:
"تمشوا فين وهتسيبوني لوحدي؟ لأااا، إنتو هتفضلوا معايا لحد ما حد يطمنا... أو هما يجوا بالسلامة."
دخل سيف إلى غرفة سمران وهو يحمل بيده صينية موضوع عليها بعض الطعام. ليراها شاردة ويظهر عليها الحزن والتعب الشديد. وضع ما بيده على الكومود بجانب الفراش ووقف ينظر إليها دون كلام. رفعت عينيها إليه بسكون تام، ليتحشرج صوته وهو يقول:
"أنا جبتلك الأكل... لازم تأكلي عشان تبقي كويسة."
أدارت وجهها بعيدًا وتمتمت بوهن:
"مش عاوزة منك حاجة."
تكلم سيف بحدة:
"سمران."
صرخت سمران بوجع:
"إنت عاوز مني إيه؟ سيبني في حالي بقى... أنا خلاص تعبت ومبقتش مستحملة، كفاية بقى كدا، كفاية... إنت سبتني مرة ودمرتني، رجعت تاني ليه؟ رجعت عشان تعذبني أكتر؟ أنا كنت ما صدقت اتعودت على بعدك عني... رجعت تعودني على وجودك وتبعد وتسيبني أموت؟ المرة دي مش هقدر أستحمل... مش هقدر."
هرع سيف إليها بلهفة وهو يضمها إلى أحضانها بقوة ويتمتم:
"عمري ما هسيبك تاني... مش هبعد تاني أبدًا... كان غصب عني والله، كان غصب عني... والدك خالي العزيز هو السبب... لما عرف إننا علاقة، سلط رجاله عليا، حسبوني وفضلوا يضربوني لحد ما كنت هموت... وهددتني لو مبعدتش عنك هيقتل أمي وإخواتي... وأنا خفت عليهم، أنا كنت عارف إنه يقدر يعمل كدا وأكتر كمان... بس أمي وإخواتي ملهمش ذنب... استسلمت بس مكنش عندي حل تاني... يا أضحي بقلبي وحبي ليكي... يا أما أضحي بعيلتي، وبردو كنت هخسرك لأنه عمره ما كان هيسمح إننا نبقى مع بعض."
انتحبت سمران بعنف قائلة:
"إنت بتكدب عليا."
نفى برأسه:
"مستحيل... أنا عمري ما كدبت عليكي... افتكري كويس، سيف عمره كدب عليكي."
نفت برأسها ثم ضمته وهي تتعلق بعنقه وقالت بضعف:
"إنت لسه بتحبني؟"
ابتسم سيف وقبل جبينها بحنان وقال:
"والله بموت فيكي... عمري ما حبيت ولا هحب غيرك... بحبك يا سمرا... بحبك أكتر من روحي."
نظرت في عينيه وهي تضع يدها على خده برقة:
"هتفضل معايا على طول؟"
أومأ برأسه إيجابًا:
"أيوا وهنتجوز وأعملك أحلى فرح في الدنيا... وهنجيب كتاكيت صغيرين حلوين زيك كدا."
ضحكت برقة وهي تسند رأسها على كتفه:
"إنت وجعتني أوي يا سيف."
ضمها بقوة:
"آسف... كان غصب عني يا قلب سيف."
تمتمت برقة:
"بحبك."
رد بابتسامة:
"بحبك أكتر."
قطع عليهم صفاء هذه اللحظات رنين الهاتف، ليهتف سيف بحنق:
"مش وقتك خالص."
تطلع في الهاتف ليرى رقم نعمان، فتح سريعًا:
"أيوا يا نعمان، خير طمني."
ظل يستمع لمحدثه لدقائق ليقول بذهول:
"جاسم ضرب كارمن بالنار وموت نفسه... تمام يا نعمان... تمام... متقلقش، أنا هتصرف... ابعتلي العنوان وأنا هجيلكم على هناك... سلام."
أغلق معه وشرد قليلاً، لتسأله سمران قائلة:
"في إيه؟ إيه اللي حصل؟ أنا مش فاهمة حاجة."
أجاب سيف بحزن:
"صحابي واقعين في مشكلة كبيرة أوي... وأنا لازم أروح لهم."
تكلمت سمران بحزن:
"وهتسبني لوحدي وأنا تعبانة؟"
فكر سيف لثوانٍ ثم أردف:
"لأ، مش هسيبك، قومي يلا... غيري هدومك."
ردت بتساؤل:
"هروح فين؟"
ابتسم بهدوء وأجاب:
"هتعرفي لما نوصل."
تحرك عمار أمام غرفة العمليات ذهابًا وإيابًا، ليهتف بقلق:
"هما اتأخروا كدا ليه؟"
طمأنه صلاح قائلاً:
"متقلقش، دلوقتي الدكتور يطلع ويطمنا."
هز عمار رأسه بتفهم وسكت لثوانٍ، ثم سأله مرة أخرى:
"إنت مدخلتش معاهم ليه؟ إنت دكتور وهتعرف تتصرف."
سكت صلاح ولم يعرف بماذا يجيبه. هل يقول إنه قد نسى كل شيء درسه بمجرد أن رآها تسقط أمامه، فلم يكن لديه أعصاب لفعل شيء؟ فلو دخل معها العمليات لنهار في البكاء دون فعل شيء آخر، فهو يتمالك بصعوبة حفاظًا على كرامته.
فاق صلاح من شروده ع خروج الطبيب من غرفه العمليات ليهرع إليه سريعا يسأله:
طمنا يا دكتور
أجاب الطبيب قائلا: ........
وجه جاسم السلاح بأتجاه كارمن لتستطرد كارمن وهي تشير علي نفسها:
يلا يا جاسم مستني أي ...اقتلني خليني اخلص منك ومن الدنيا كلها
نظر لها جاسم بغضب وفي أقل من ثانيه كانت الرصاصه تنطلق من المسدس وتخترق صدر كارمن التي وقعت بين يد أخيها الذي صرخ بفزع وصلاح الذي وقف علي ذهوله من شده الصدمه.
وما كان من جاسم إلا نظر لكارمن وليده ولسلاح بصدمه ثم قام برفع السلاح ووجهه لرأسه وهو يغمض عينيه يضرب نفسه طلقه اخترقت رأسه وسقط صريعا في الحال.
كل هذه حدث فى لمح البصر فلم يصدق ايا منهم ان تكون هذه النهايه كارمن مدرجه بدمائها وعمار يصرخ بفزع وصلاح سقط قلبه بسقوط كارمن امامه فلم يعد قادرا على فعل شئ.
نظر نعمان لكارم بذهول فانطلق كارم بأتجاه جاسم الفاقد للحياه ليقول بذهول:
دا مات
تمتم نعمان:
لا حول ولاقوة إلا بالله.... إن لله وإن إليه راجعون... موت نفسه انا مش مصدق مجاش ع بالى ان ممكن يعمل كدا ابدا
هز كارم رأسه بذهول وهتف:
ولا انا... المهم هنعمل اى دلوقتى
نظر نعمان حوله يقيم الوضع وأردف:
هنبلغ البوليس... ونتصل بالأسعاف
رد كارم سريعا:
طب وكارمن
نظر نعمان بأتجاه كارمن الغارقه فى دمائها وعمار الباكى بجوارها وصلاح الواقف بلا حراك ليتحرك بأتجاهه صلاح يدعمه ويخرجه من حاله الصدمه التى تلبسته حتى يتم إنقاذ حياة كارمن قبل فوات الأوان.
هزه برفق وقال:
صلاح فوق واجمد كدا... انت دكتور وياما مر عليك حالات اكتر من كدا... افحص كارمن بسرعه عشان نلحقها
تنفس صلاح بعمق وتحرك بأليه يبعد عمار و يفحص كارمن وهو يتصبب عرقا من خوفه عليها ليهتف سريعا:
نبضها ضعيف جدا... وفقدت دم كتير لازم نوديها المستشفى بسرعه
أومأ نعمان برأسه:
طب يلا بسرعه خدها انت وعمار ع اقرب مستشفى وانا هفضل هنا انا وكارم لحد ما البوليس يجى وهكلم سيف يشوفلنا حل عشان نخلص من الموضوع دا من غير ما حد فينا يتأذى
اكدت الجميع ع كلامه ليقوم صلاح بحمل كارمن ويصرخ فى عمار حتى يسبقه ويحضر السياره سريعا.
وضع صلاح كارمن فى السياره وجلس بجانبها لينطلق عمار بأقصى سرعه حتى كاد ان يتسبب فى الكثير من الحوادث... وصلوا الى المستشفى بوقت قياسى.
لينزل صلاح وهو يحمل كارمن ويهرول بها سريعا وهو يصرخ فى طاقم التمريض:
فقدت دم كتير ولازم تدخل العمليات حالا
هرع إليه الاطباء والممرضين ليأخدوها منه سريعا الى غرفه العمليات.
سقط عمار جالسا على الأرضية غير قادرا ع فعل شئ ثم وضع وجهه بين كفيه ليجهش فى البكاء.. نظر له صلاح بحزن وقلبه يعتصر ألما وخوفا وقال وهو يجلس بجانبه يربت ع كتفه بدعم:
هتبقى كويسه متقلقش
انتحب عمار بقوه وقال:
انا خايفه عليها اوى يا صلاح انا مليش غيرها فى الدنيا هى اللى بقيالى من عيلتى... ليه يحصل فيها كل دا كارمن طيبه وكانت بتحبه ليه يعمل فيها كدا
زفر صلاح بقوه لا يملك اجابات ولا يحق له الكلام فقط يتمنى ألا يصيبها مكروه حتى لا يظل لبقيه عمره يبكى فراقها وهذه المره سيكون فراقا أبدي بلا رجوع.
فى الحاره اجتمع الفتيات بمنزل هدير ونعمان ينتظرون الاخبار ليطمئنوا على كارمن.
هتفت سهير بخوف:
انا قلقانه اوى
نظرت لها هدير ووضعت يدها ع قلبها وأردفت:
انا قلبى واكلنى عليهم وحاسه ان فى حاجه وحشه حصلت
قضمت روان اظافرها بقلق وهتفت:
لا متقوليش كدا هما بخير مفيش حاجه حصلت... هما هيمسكوا جاسم الكلب دا يطحنوه علقه موت ويجبوا كارمن منه
تكلمت سهير بهدوء:
ربنا يستر
رددوا خلفها بتضرع:
يارب
رن جرس الباب لينظروا لبعضهم بتسأول لتهتف هدير:
دا مين اللى جاى الساعه دى
ردت سهير:
مش عارفه ثم وجهت حديثها لروان: قومى افتحى يا روان
فتحت روان الباب لتتفاجأ بمن تبعدها وتدخل وهى تصرخ:
سنه ع ما تفتحوا الباب اش حال لو مش جايه بيت اخويا
زفرت هدير بغيظ وتمتمت:
ودى اى اللى جابها دى
ثم ابتسمت برزانه وقالت:
تعالى يا نسمه... معلش يا حبيبتي بعد كدا لما اعرف انك جايه هقف جنب الباب عشان اول ما ترنى الجرس افتحلك
نظرت نسمه لها بكره وقالت:
انتى بتتريقى يا هدير
ابتسمت هدير بسخريه:
ودا يصح بردو يا نسمه.. دا انتى اخت الغالى
جلست نسمه بغيظ وتجاهلت الموجودين ثم سألت هدير:
اومال اخويا فين
ردت هدير بهدوء:
مش هنا يا حبيبتي... مسافر يومين هيجيب شويه طلبات ويجى
تميزت نسمه غيظا من هدير وهتفت بحقد:
ما هو من يوم ما اتجوزك معدش فاضى... دا انا حتى مبقتش اشوفه... كأنه نسى انه له اخت
ربتت هدير ع كتفها تسترضيها:
لا متقوليش كدا نعمان عمره ما ينساكى.... هو له غيرك... هو بس مشغول شويه اليومين دول... ولما يفضى هنجيلك انا وهو نزورك فى بيتك
مصمصت نسمه شفتيها:
لا يا اختى ريحى نفسك انا جيت اهوو وقاعده معاكوا يومين كدا
نظرت لها هدير بمفاجئه وقالت:
تنورى طبعا... بس هتسيبى بيتك وولادك وجوزك لمين
دمعت عين نسمه وردت:
انا ومجدى ضاربين خناقه لرب السما .. ومش هرجعله ابدا إلا لما يعرف قيمتى.... وولاده معاه عشان يعرف انا بتعب فى تربيتهم إزاى
فهمت هدير سبب مجيئها ولكنها قالت بتعقل:
انتى طبعا يا حبيبتي عارفه ان دا بيتك وبيت اخوكى وتجى فى اى وقت... بس الواحده مننا فى الاخر ملهاش إلا بيتها وجوزها... والمشاكل اللى بينا نحلها تحت سقف بيتنا من غير ما حد يتدخل.... لان طول ما المشاكل بينا هنعرف نتصافى ونرجع احسن من الاول اما لو طلعت برا البيت واتعرفت هتكبر اكتر
زفرت نسمه بحنق:
بصى يا هدير خلى نصايحك لنفسك... ولا انتى مش قبلانى اقعد هنا
نفت هدير سريعا:
لا يا اختى اقعدى زى ما انتى عاوزه ع رأسى... انا بس بنصحك عشان انتى اختى
ابتسمت نسمه بسماجه:
شكرا يا اختى وفرى نصايحك لنفسك... انا هدخل اغير هدومى وانام شويه
ثم اقرنت كلامها بالفعل وهى تتجه الى احدى الغرف.
تمتمت سهير بحنق:
يادى الوقعه الهباب... احنا هنمشى يا هدير
شهقت هدير وهتفت:
تمشوا فين وهتسيبونى لوحدى ..لاااا انتو هتفضلوا معايا لحد ما حد يطمنا
او هما يجوا بالسلامه.
دخل سيف الى غرفه سمران وهو يحمل بيده صنيه موضوع عليه بعض الطعام ليراها شارده ويظهر عليها الحزن والتعب الشديد وضع ما بيده ع الكومود بجانب الفراش ووقف ينظر إليها دون كلام رفعت عينيها إليه بسكون تام ليتحشرج صوته وهو يقول:
انا جبتلك الاكل... لازم تأكلى عشان تبقى كويسه
أدارت وجهها بعيدا وتمتمت بوهن:
مش عاوزه منك حاجه
تكلم سيف بحده:
سمران
صرخت سمران بوجع:
انت عاوز منى اى سيبنى فى حالى بقا... انا خلاص تعبت ومبقتش مستحمله كفايه بقا كدا كفايه....انت سيبتنى مره ودمرتنى.. رجعت تانى ليه... رجعت عشان تعذبنى اكتر انا كنت ماصدقت اتعودت ع بعدك عنى.... رجعت تعودنى ع وجودك وتبعد وتسيبنى اموت... المره دى مش هقدر استحمل.. مش هقدر
هرع سيف إليها بلهفه وهو يضمها الى احضانها بقوه ويتمتم:
عمرى ما هسيبك تانى... مش هبعد تانى ابدا.... كان غصب عنى والله كان غصب عنى... والدك خالى العزيز هو السبب.. لما عرف إننا ع علاقه سلط رجالته عليا حسبونى وفضلوا يضربونى لحد ما كنت هموت... وهددتنى لو مبعدتش عنك هيقتل امى واخواتى... وانا خفت عليهم انا كنت عارف ان هو يقدر يعمل كدا واكتر كمان... بس امى واخواتى ملهمش ذنب... استسلمت بس مكنش عندى حل تانى... يا اضحى بقلبى وحبى ليكى .... يا اما اضحى بعيلتى وبردو كنت هخسرك لأنه عمره ما كان هسمح اننا نبقا مع بعض
انتحبت سمران بعنف قائله:
انت بتكدب عليا
نفى برأسه:
مستحيل... انا عمرى ما كدبت عليكى.. افتكرى كويس... سيف عمره كدب عليكى
نفت برأسها ثم ضمته وهى تتعلق بعنقه وقالت بضعف:
انت لسه بتحبنى
ابتسم سيف وقبل جبينها بحنان وقال:
والله بموت فيكى.... عمرى ما حبيت ولا هحب غيرك.. بحبك يا سمرا... بحبك اكتر من روحى
نظرت فى عينيه وهى تضع يدها ع خده برقه:
هتفضل معايا ع طول
أومأ برأسه إيجابا:
ايوا وهنتجوز واعملك احلى فرح فى الدنيا... وهنجيب كتاكيت صغيرين حلوين زيك كدا
ضحكت برقه وهى تسند رأسها ع كتفه:
انت وجعتنى اوى يا سيف
ضمها بقوه:
آسف.. كان غصب عنى يا قلب سيف
تمتمت برقه:
بحبك
رد بأبتسامه:
بحبك اكتر
قطع عليهم صفاء هذه اللحظات رنين الهاتف ليهتف سيف بحنق:
مش وقتك خالص
تطلع فى الهاتف ليرى رقم نعمان فتح سريعا:
ايوا يا نعمان خير طمنى
ظل يستمع لمحدثه لدقائق ليقول بذهول:
جاسم ضرب كارمن بالنار وموت نفسه... تمام يا نعمان...
تمام... متقلقش انا هتصرف... ابعتلى العنوان وانا هجيلكم ع هناك... سلام
اغلق معه وشرد قليلا لتسأله سمران قائله:
فى اى... اى اللى حصل انا مش فاهمه حاجه
اجأب سيف بحزن:
صحابى واقعين فى مشكله كبيره اوى... وانا لازم اروح لهم
تكلمت سمران بحزن:
وهتسبنى لوحدى وانا تعبانه
فكر سيف لثوانى ثم أردف:
لا مش هسيبك قومى يلا
غيرى هدومك
ردت بتسأول:
هنروح فين
ابتسم بهدوء وأجاب:
هتعرفى لما نوصل.
تحرك عمار امام غرفه العمليات ذهابا وإيابا ليهتف بقلق:
هما أتاخروا كدا ليه
طمأنه صلاح قائلا:
متقلقش دلوقتى الدكتور يطلع ويطمنا
هز عمار رأسه بتفهم وسكت لثوانى ثم سأله مره اخرى:
انت مدخلتش معاهم ليه... انت دكتور وهتعرف تتصرف
سكت صلاح ولم يعرف بماذا يجيبه.. هل يقول انه قد نسى كل شئ درسه بمجرد ان رأها تسقط امامه فلم يكن لديه اعصاب لفعل شئ فلو دخل معها العمليات لنهار فى البكاء دون فعل شئ آخر فهو يتماسك بصعوبه حفاظا ع كرامته .... فاق صلاح من شروده ع خروج الطبيب من غرفه العمليات ليهرع إليه سريعا يسأله:
طمنا يا دكتور
أجاب الطبيب قائلا: ........
رواية حارة العشاق الفصل السادس عشر 16 - بقلم أمنية أشرف
فاق صلاح من شروده على خروج الطبيب من غرفة العمليات، فهرع إليه سريعًا يسأله:
طمنا يا دكتور.
أجاب الطبيب بعملية:
الحمد لله العملية نجحت وقدرنا نطلع الرصاصة... بس للأسف هي فقدت دم كتير، وأنتم اتأخرتوا على ما جبتوها... فهتفضل في العناية المركزة لحد ما تتجاوز مرحلة الخطر... ادعولها.
ثم تركهم وغادر دون أن يضيف كلمة أخرى.
اقترب عمار قائلاً:
أنا مش فاهم حاجة... هي هتبقى كويسة صح؟
هز صلاح رأسه إيجابًا:
أيوه هتبقى كويسة بإذن الله متقلقش.
تضرع عمار بالدعاء:
يارب... يارب.
في فيلا جاسم، حيث وقع الحادث، وقف رجال الشرطة يعاينون الحادث ويفهمون ملابسات الأمور، بعد أن تحفظوا على جثمان جاسم وأخذوا البصمات. فالأمر واضح أنه هو من قتل نفسه، ولكن لماذا؟ هل كان يعاني خللًا ما؟ أم هي زوجته من أوصلته لذلك؟ وحسب ما تم قوله، أنه أطلق عليها الرصاص هي الأخرى وترقد حاليًا في إحدى المستشفيات ولم تتجاوز مرحلة الخطر.
وجه الضابط السؤال لنعمان وكارم قائلاً:
أنا عاوز أفهم بالظبط إيه اللي حصل، وأنتم جيتوا هنا إزاي وليه؟ وأي المشاكل اللي وصلت جاسم الشرقاوي إنه يضرب على زوجته الرصاص ويقتل نفسه؟ ليه يعمل حاجة زي كده؟
وقف نعمان بجانب كارم بثبات وتولى هو مسؤولية الرد، وكارم يؤمن على كل ما يقوله:
إحنا كل اللي نعرفه يا باشا... أن كان فيه مشاكل كتير ما بينهم، وأنها كانت طالبة الطلاق وسابت بيتها وجت تقعد مع عمار أخوها عندنا في الحارة. بعد كده عرفنا أنه خلاها ترجعه بالغصب، وأنه بيضربها وبيبهدلها، وهي استنجدت بأخوها وابن عمها الدكتور صلاح، ودول أعز أصحاب لينا أنا والباشمهندس كارم. وعشان إحنا ولاد بلد وبنفهم في الأصول، مرضناش نخلي عمار وصلاح يجوا لوحدهم عشان ميحصلش مشاكل ونحل الموضوع بالتراضي. بس تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن... الموضوع كبر والخناقة زادت ما بين جاسم والست كارمن مراته، وهو فقد أعصابه وراح ضربها بالنار. ولما شافها وقعت قدامه ضرب نفسه هو كمان.
هز الضابط رأسه إيجابًا بتفهم:
تمام... تمام، يعني دا كل اللي تعرفوه؟
رد نعمان سريعًا:
أيوه والله يا باشا دا كل اللي نعرفه.
هتف الضابط مرة:
ماشي، بس أنتوا لازم تيجوا معانا القسم عشان ياخدوا أقوالكم، وبرضه هناخد أقوال أخو مدام كارمن وابن عمها، ونستنى لما هي تفوق عشان ناخد أقوالها هي كمان ونقفل القضية.
أومأ نعمان ورد:
إحنا تحت أمرك يا باشا.
وصل سيف وسمران إلى الحارة، لتتساءل سمران بذهول:
إحنا فين يا سيف؟
ابتسم سيف وقال:
إحنا في الحارة... حارة العشاق.
ضحكت سمران:
بجد اسمها كده؟ أنا أول مرة أجي مكان زي ده.
رد بابتسامة:
أهو دا بقى يا ستي المكان اللي أنا متربي فيه.
اتسعت عين سمران بتفاجؤ وهتفت:
بجد؟ أنت كنت ساكن هنا زمان؟
هز رأسه بتأكيد، لتستطرد:
طب إحنا هنعمل إيه هنا؟
أجاب بهدوء:
أنا جايبك تقعدي مع ناس معرفة ليا من زمان... ناس طيبين أوي مش هتلاقي حد زيهم لا في جدعنتهم ولا كرامتهم. ناس هبقى مطمن عليكي وسطهم، ومتقلقيش هتحبيهم.
عضت سمران شفتيها وقالت بخوف:
أنت متأكد؟ أنا خايفة.
أمسك يديها وقبلها، ثم وضعها على قلبه:
متخافيش، أنتِ هنا في أمان. ويلا ننزل بقى عشان بقالنا كتير في العربية.
نزلوا من السيارة وأمسك يدها واتجهوا إلى إحدى البنايات وصعدوا إلى الطابق الثاني وطرق الباب.
ثوانٍ وفتحت هدير التي تفاجأت بوجود سيف قائلة:
سيف باشا... أهلاً وسهلاً.
ابتسم سيف بوقار:
السلام عليكم... إزيك يا ست هدير.
ردت هدير ببشاشة:
إن شاء الله تسلم. ثم وجهت نظرها لسمران، ليعرفها سيف بمودة:
سمران مراتي.
لتنطلق هدير تضمها بقوة ترحب بها، لتتأوه سمران بضحك، لتقبلها هدير على وجنتيها:
يا أهلاً وسهلاً يا حبيبتي، دا الحارة نورت... تعالوا اتفضلوا.
ابتسم سيف وهتف:
سمران بس اللي هتتفضل... وأنا همشي عشان هروح لنعمان.
شهقت هدير ووضعت يدها على قلبها:
انت عرفت حاجة؟ طمني يا أخويا... هما كويسين؟
طمأنها سيف قائلاً:
متقلقيش كلهم كويسين... فيه بس شوية مشاكل حصلت بسبب جاسم، وأنا هروح لهم وهنرجع كلنا سوا.
تفهمت هدير وهتفت:
أنا قولت الراجل ده خسيس ومش هيعديها بالساهل... المهم بس يرجعوا بالسلامة.
هز سيف رأسه:
هيرجعوا متقلقيش... المهم مش هوصيكي على سمران... هي بس تعبانة شوية، فخدي بالك منها.
ردت هدير بجدعة:
في عيني متقلقش... اتكل أنت على الله ومتشلش هم.
هز سيف رأسه بتفهم ووجه كلامه لسمران:
مش هتأخر عليكي يا حبيبتي... وخلي بالك من نفسك.
ودعته سمران ودخلت مع هدير إلى شقتها، لتقول هدير بفرحة حقيقية:
نورتي الدنيا كلها والله.... تعالي أما أعرفك على صحابي هتحبيهم أوي، ثم نادت بصوت عالٍ:
يا سهير..... بت يا روان تعالي.
خرجت روان سريعًا، ومن خلفها سهى التي قالت:
إيه يا هدير.... ثم نظرت إلى سمران وقالت:
الله مين الحلوة دي؟
ضحكت هدير قائلة:
دي سمران مرات سيف باشا صاحب نعمان.
هزت سهير رأسها وسلمت على سمران قائلة:
أهلاً يا قمر... نورتي... ألا أنتِ ليه اسمك سمران مش سمر واحدة وخلاص؟
ضحكت سمران برقة شديدة، لتهتف روان بانبهار:
هما بيجيبوا النسوان الحلوة دي منين؟
انفجروا في الضحك، لتردف سمران موجهاً حديثها لهدير:
صحابك دمهم خفيف أوي يا هدير.
ربتت روان على صدرها بخفة قائلة بدراما:
الله يخليكي... الله يخليكي.
دخلوا إلى غرفة الجلوس وجلسوا يتسامرون، واندامجت سمران معهم سريعًا، لتسألها هدير:
صحيح سيف باشا كان بيقول إنك تعبانة.. هو أنتِ حامل ولا إيه؟
احمرت سمران بشدة ونفت سريعًا برأسها:
لا... لا مش حامل... أنا بس عندي شوية برد.
ابتسمت هدير وربتت على يديها قائلة:
سلامتك يا حبيبتي... ربنا يرزقك عن قريب إن شاء الله.
ابتسمت سمران بخجل ولم تجب بشيء سوى الصمت.
وصل إلى سيف إلى قسم الشرطة الموجود به نعمان وكارم، بعد أن أخبروه بوجودهم هناك. وقف أمام مكتب الضابط ليقول للعسكري بالخارج:
قولي للباشا سيف الدسوقي.
هز العسكري رأسه وأخبر الضابط بوجود سيف بالخارج، ليقوم الضابط من مكانه يرحب به سريعًا:
سيف باشا يا أهلاً يا أهلاً اتفضل.
حيا سيف بوقار وجلس بهدوء، ليسأله الضابط قائلاً:
خير يا باشا.. أي خدمة؟
تكلم سيف بجدية:
أنا عرفت إن أنت محتجز أصدقاء ليا هنا.
سأله الضابط:
مين دول؟
رد سيف:
كارم إبراهيم.. ونعمان الخطيب.
هز الضابط رأسه وقال:
آها... إحنا مش حاجزينهم، بس كنا بناخد أقوالهم في حادثة انتحار جاسم الشرقاوي.
سأله سيف مرة أخرى:
يعني هما مش عليهم أي حاجة؟
نفى الضابط برأسه:
لا يا باشا متقلقش.. أنا هدخلهم لحضرتك دلوقتي.
ثم نادى للعسكري:
أنت يا بني دخلّي كارم ونعمان من بره.
ضرب العسكري التحية العسكرية وخرج، ثم عادت بعد ثوانٍ ومعه كارم ونعمان.
استقبلهم سيف بتساؤل:
انتوا كويسين؟
أجاب نعمان:
أيوا بخير... بس عاوزين نروح لصلاح.
وجه سيف السؤال للضابط قائلاً:
نمشي يا حضرة الظابط ولا لسه عاوزهم في حاجة؟
مد الضابط يده بالسلام وقال:
لا يا باشا اتفضلوا... مع السلامة.
وقفت تصرخ على صغيرتها التي تركض هنا وهناك بمشاكسة:
يا بنتي يا بنتي.. اتكني في مكان بقى... أنا تعبت.
دبدبت الصغيرة على الأرض بعنف بقدمها الصغيرة وقالت:
يا ماما سيبيني ألعب براحتي بقى... أنا زهقت.
زفرت أسماء رأسها بلا فائدة وقالت:
يا قلب ماما أنا خايفة عليكي... تتعوري.
نفت الصغيرة:
لا متخافيش مش هتعور.
ردت أسماء بابتسامة:
إن شاء الله يا حبيبتي.
قطع كلامهم صوت رنين الهاتف، لتقول أسماء لابنتها:
هاتي الفون يا لولي.
ردت الصغيرة:
حاضر يا مامي.
ذهبت الصغيرة وأحضرت الهاتف لوالدتها، لتنظر أسماء للرقم الغريب بتساؤل:
رقم مين ده؟
ثم فتحت الهاتف، ليأتيها صوت أحدهم قائلاً:
السلام عليكم... مدام أسماء الشرقاوي معايا.
ردت أسماء:
أيوه يا أستاذ مين معايا؟
أجاب:
معاك الرائد محمد فوزي.
هزت أسماء رأسها:
أهلاً يا فندم خير.
حمحم الضابط قائلاً:
أنا عايز أبلغ حضرتك إن جاسم بيه الشرقاوي انتحر النهارده الصبح.
جحظت عين أسماء بشدة، لتصرخ بصوت عالٍ:
أخوياااااااا.
ترنح صلاح في وقفته أمام غرفة العناية المركزة، ليسانده عمار وهو يقول بهلع:
إيه يا صلاح في إيه؟
لكن صلاح لم يرد عليه، وهو يسقط مغشيًا عليه.
رواية حارة العشاق الفصل السابع عشر 17 - بقلم أمنية أشرف
فتح صلاح عينيه ليطالعه سطح الغرفة.
أغمض عينيه ثم فتحهما مرة أخرى ليتأكد مما يراه.
ليعاجله عمار قائلاً: "صلاح، أنت كويس؟"
وجه صلاح نظره إليه ليراه ينظر له بخوف وبجانبه نعمان وكارم وسيف.
ليحاول صلاح أن يتعدل في رقدته ويقول: "في أي... أي اللي حصل؟"
تولى عمار الرد وهتف: "اللي حصل إن حضرتك كنت واخد رصاصة في ذراعك. وبسبب اللي حصل لكارمن انشغلت ونسيت تشوف جرحك لحد ما التهب. والحمد لله إن الرصاصة دخلت اللحم وخرجت، وإلا كانت هتكون مشكلة كبيرة."
هز صلاح رأسه بتفهم: "أنا كنت عارف إنه جرح بسيط، عشان كده مشغلتش بالي."
نظر له عمار بلوم: "الجرح مش بسيط خالص يا صلاح."
سكت صلاح ولم يرد.
ليغير سيف دفة الحديث: "سلامتك يا صلاح."
ابتسم صلاح بهدوء ورد: "الله يسلمك. المهم طمنوني عملتوا إيه؟"
رد نعمان: "متقلقش، الموضوع يعتبر خلصان. الظابط بس هياخد أقوالكم وانتوا تأكدوا على الكلام اللي إحنا قولناه أنا وكارم. ولما كارمن تفوق تقول نفس الكلام والقضية تتقفل."
أومأ صلاح ووجه السؤال لسيف: "محدش هيتأذى يا سيف، صح؟"
هز سيف رأسه بثقة: "ولا تشغل بالك."
اقترب كارم من صلاح وربت على كتفه السليم برفق: "سلامتك يا صاحبي."
رفع صلاح عينه لكارم دون كلام، ليشعر كارم بكل ما يريد صلاح قوله. فهو يعاني ولا يملك القدرة على البوح، ومن يشعر به سوى صديق عمره الذي يفهمه فقط من عينيه.
لذلك هتف كارم بثقة يبثها لصديقه: "كل حاجة هتبقى تمام، اجمد. مرينا بظروف أصعب من كده وعدت."
ليومئ صلاح وهو يشدد على يده، عله يستمد منه بعض الثقة.
***
صرخت سهير بغيظ: "أنا هقوم أجيبها من شعرها، الولية دي!"
قهقهت سمران وروان غير قادرين على منع أنفسهم من الضحك.
لتزجرها هدير بعنف: "ما تسكتي بقى يا سهير!"
احمرت عين سهير وهتفت: "اسكت أنت، مش شايفاها؟" وأشارت إلى نسمة، اخت نعمان، التي تجلس على الأريكة أمام التلفاز وتضع طبق الفاكهة على قدمها تأكل منه وهي تضحك على ما تشاهد دون أن تبالي بشيء.
واستطردت: "بقى إحنا قاعدين هنموت من القلق على رجالتنا اللي ما نعرفش عنهم حاجة لحد دلوقتي، والست دي جاية تزودها علينا؟ كنا ناقصينها إحنا!"
كممت هدير فمها: "بيت أخوها تعمل اللي هي عايزاه. مش عاوزين مشاكل."
احتدمت عين سهير: "قصدك إيه يا هدير؟ اطلع منها يعني؟ وع أي يا أختي أما أقوم أروح؟ بيت أبويا أولى بيا."
هتفت هدير بغيظ: "في إيه يا سهير؟ هو كل حاجة أروح؟ أروح؟ ما قولنا محدش هيتحرك من هنا لحد ما يوصلوا بالسلامة. أنا قلبي واكلني ومبقتش مستحملة، خايفة يكون حصل حاجة ومخبين علينا."
كادت سهير أن ترد عليها ولكن قطع حديثهم رنين هاتف هدير.
التي أجابت على المتصل بلهفة قائلة: "نعمان؟ أنت كويس يا أخويا؟"
أجابها نعمان على الطرف الآخر: "أنا كويس يا هدير، متقلقيش. أنتو كويسين؟"
هزت رأسها وكأنها يراها أمامه: "أيوا الحمد لله، طمني بس. كارمن وكل الشباب كويسين؟"
اجتمع الفتيات حولها، كل منهن تسأل عن من يخصها.
ليقول نعمان بتشوش: "إيه الدوشة اللي عندك دي؟ مش سامع حاجة."
أجابت هدير: "دول سهير وروان وسمران، بيسألوا على كارمن وعمار وكارم وسيف وصلاح."
رد نعمان: "طمنيهم كلهم بخير. ولما نيجي هنقولكم على كل حاجة، إحنا جايين في الطريق. سلام."
هتفت: "ماشي يا نعمان، توصلوا بالسلامة يا حبيبي. مع السلامة."
هتفت سهير وروان في صوت واحد: "قالك إيه؟"
سندت يدها على خدها وقالت: "جايين في السكة."
سألت روان: "طب في إيه؟"
أجابت بشرود: "صوته مش مطمني."
تكلمت سهير بتساؤل: "هيكون إيه اللي حصل؟"
ردت هدير بشرود: "دلوقتي نعرف."
بعد مرور عدة ساعات، كانت الساعة قد تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل.
وقفت روان تتطلع من النافذة المطلة على الحارة تراقب مدخل الحارة لكي تكون أول من يرى الشباب عندما يصلوا.
هتفت بسخط: "أتأخروا أوي."
أردفت هدير بهدوء: "هتلاقيهم داخلين عليكِ حالا."
ما كادت تنتهي من جملتها حتى صرخت روان بحماس أنهم وصلوا.
وأسرت تجري باتجاه الباب لتكون باستقبالهم.
تبعها سهير وسمران ومن خلفهم هدير.
أوقف سيف السيارة أمام البناية التي يسكن بها نعمان.
لينزلوا ويقفوا بجانب بعضهم.
جاءهم صوت روان وتلهث بشدة: "بيه!"
استدار كارم بابتسامة حزينة.
لتندفع روان إلى أحضانه دون أن تفكر بشيء سوى أنه أمامها وبخير ولم يصبه شيء.
فقد كانت أن تجن عندما يخطر ببالها أن يصيبه أذى.
ظل كارم مسمر مكانه غير قادر على رفع يده ليغرزها في أحضانه.
فبعد عناء هذا اليوم كان يحتاج إلى هذا الحضن لينسيه كل شيء عداها هي، صغيرته وحبيبة قلبه.
ابتعدت روان بخجل وهتفت: "بيه، أنت كويس؟"
هز كارم رأسه: "بخير، اطمني."
اقتربت هدير وأمسكت يد نعمان تتطمئن عليه.
ليهز رأسه دون القدرة على قول شيء.
أما سمران فتسمرت حينما رأت كارم وتذكرت أفعالها حينما أرادت أن تستمل له انتقاماً من جنس الرجال بسبب جرح سيف لها.
فهرعت إلى سيف تختبئ بين أحضانه.
أما سهير فسألت بدهشة: "أومال عمار وكارمن وصلاح فين؟"
سكت الشباب دون رد.
لتسأل هدير بلهفة: "إيه اللي حصل يا نعمان؟"
زفر نعمان بحزن وحكى لهم باختصار شديد ما حدث.
لتشهق هدير وهي تضرب بيدها على صدرها: "يا عيني عليكي يا كارمن... يا حبيبة عيني... يا رب احميها يا رب."
"هي هتبقى كويسة يا نعمان؟ أنا عايزة أشوفها."
أومأ نعمان وقال: "هنروح لهم."
بكت سهير وشاركتها روان البكاء حزناً على ما حدث لكارمن وصلاح.
لتسأل روان: "طب أنتوا مفضلتوش معاهم ليه؟"
رد كارم: "في أمور لازم نحلها الأول وهنرجع لهم تاني. صلاح بقى أحسن كتير، وعمار معاهم."
صمتوا بتفهم.
ليردف نعمان بتعب: "أنا عايز أنام."
تمتم كارم: "ومين سمعك."
هتف سيف: "طب إحنا هنمشي بقى وهنبقى على اتصال يا نعمان. شكراً يا ست هدير على استضافتك لسمران."
ردت هدير: "دا الواجب يا سيف باشا. وسمران خلاص بقت واحدة منا وتيجي في أي وقت."
ابتسم سيف وودعت سمران الفتيات على أمل اللقاء مرة أخرى.
وركبوا سيارتهم وانطلقوا إلى فيلاتهم.
نظر كارم لسهير وقال: "يلا يا سهير، أنتِ وروان نطلع بيتنا. ويلا أنت كمان يا نعمان اطلع عشان تستريح ونتكلم الصبح. سلام عليكم."
ثم انطلق كل منهم إلى بنايته.
***
في صباح اليوم التالي.
استلمت أسما الشرقاوي وزوجها جثمان أخيها جاسم.
وانطلقوا به إلى المقابر حيث يُشيع إلى مثواه الأخير، آملين أن يغفر له الله الغفار ما جناه في حياته.
رغم ما فعله بنفسه ونهى حياته بهذه الطريقة المحرمة، فبانتحاره قد خسر الدنيا والآخرة.
ولكن الله هو من يحاسب العبد لا نحن، ولا نستطيع أن نجزم بشيء، فالأمر كله لله.
***
دخل صلاح إلى غرفة العناية المركزة الموجود بها كارمن.
اقترب منها ووقف بجانب الفراش وتكلم بوجع:
"لحد إمتى هتفضلي توجعي في قلبي... لحد إمتى يا كارمن... رميتي حبي زمان وفضلتيه عليا وشوفي عمل فيكي إيه. رميتي الحب واشتريتي الفلوس. اشتريتي جاسم باشا رجل الأعمال اللي هيحققلك كل اللي بتتمنيه... كل حاجة نفسك فيها هتجيلك لحد عندك. أما صلاح دكتور صغير عايش في حارة مش هيعرف يقدم لك حاجة غير قلبه... والله كنت هعمل كل اللي نفسك فيه لو كنت طلبتي عيوني كنت أدتهالك من غير ما أفكر. زي ما أنا دلوقتي مستعد أضحي بروحي بس انتي تعيشي... مستعد أعمل أي حاجة بس تفوقي وترجعي أحسن من الأول. بحبك يا كارمن، بحبك رغم وجع قلبي وسنين حزني وقهرتي منك، بس بحبك وهفضل أحبك. قلب صلاح لا عمره حب ولا هيحبك غيرك. ارجعيلى يا كارمن، ارجعي عشان لو جرالك حاجة أنا مش هستحمل وهموت وراكي. السنين اللي فاتت دي استحملتها بس عشان كنت عارف إنك عايشة ومرتاحة. فُوقي يا كارمن... فُوقي عشان خاطري."
***
بعد يومين.
فتح كارم باب شقته ليرى روان كانت تهم بطرق الباب.
ابتسم في وجهها وقال: "صباح الخير يا رورو."
ردت بابتسامة ناعمة: "صباح النور يا بيه. أنا عرفت إن أنت رايح عند كارمن وأبيه صلاح. ممكن تاخدنا معاك أنا وسهير عشان عاوزين نطمن عليهم؟"
أغلق كارم إحدى عينيه بخبث: "سهير اللي بعتاكي، مش كده؟"
نفت روان برأسها سريعاً: "لا لا، أنا بردو عايزة أطمن عليهم."
أومأ كارم برأسه: "ماشي، ماشي. بس يلا البسوا واجهزوا بسرعة، عمّا أدور العربية وأشوف نعمان خلص ولا لسه."
ضحكت روان وهي تجري باتجاه شقتهم وهي تقول بشقاوة: "فوريرة... ثواني وهتلاقينا قدامك."
ابتسم كارم بيأس ونزل إلى الحارة ليرى نعمان يمسح زجاج سيارته.
هو يتأفف ليلقي عليه الصباح قائلاً: "صباح الخير يا معلم. مقريف ليه ع الصبح؟"
نظر له نعمان ببشاشة وقال: "صباح النور. مرات أخوك يا عم مصممة تيجي معانا تشوف كارمن، ولا كأننا رايحين رحلة."
ضحك كارم وهتف: "مش لوحدك، أنا بردو سهير وروان مصممين يجوا معانا."
هز نعمان رأسه بإدراك: "آها، قولتي بقى يبقى هما متفقين مع بعض."
بعد عدة دقائق هتفت الفتيات في صوت واحد: "إحنا جاهزين."
نظر لهم نعمان بغيظ وقال: "سلاماً قولاً من رب رحيم."
هتفت هدير بعنف: "بتقول حاجة يا نعمان؟"
نفى نعمان برأسه سريعاً: "لا ولا حاجة يا حبيبتي."
ضحك الجميع بقوة.
لتهتف روان وهي تلاعب حاجبيها لنعمان: "مسيطرة... همشيك مسطرة."
أشار لها نعمان بتهديد.
لتضحك بشدة وهي تتجه إلى سيارة كارم وينطلقوا إلى المستشفى الموجود بها كارمن.
***
وصلوا إلى المستشفى بعد ساعة واتجهوا إلى الغرفة الموجود بها كارمن.
ليقابلهم عمار الذي رحب بهم بشدة.
وابتسم ابتسامة واسعة حينما رأى سهير تختلس له النظرات كي تطمئن عليه.
دخلوا إلى الغرفة وتأخرت سهير قليلاً كي تتحدث مع عمار.
تكلمت سهير بخجل: "أستاذ عمار، أخبارك إيه؟"
ابتسم ورد: "بخير الحمد لله. أنتي عاملة إيه يا آنسة سهير؟"
خجلت سهير وردت: "كويسة الحمد لله. قولي اليومين اللي فاتوا عدوا عليك إزاي؟"
أغمض عمار عينيه بتعب وقال: "ياااه... أصعب أيام مرت عليا. من وقت ما عرفت إن أختي في خطر وانتهى بها الحال مضروبة بالنار بين الحياة والموت، كنت حاسس إن قلبي هيقف من الخوف عليها. فجأة لقيت صلاح وقع هو كمان، مبقتش عارف أعمل إيه ولا أشتكي لمين. حسيت إن كل حاجة قفلت في وشي. بس الحمد لله ربنا كان رحيم بينا وصلاح بقى كويس وكارمن فاقت امبارح بالليل واتنقلت أوضة عادية. الحمد لله."
رددت سهير خلفه: "الحمد لله."
ثم استطردت: "ربنا يجعل أيامك الجاية كلها فرحة."
رد عمار بابتسامة ممتنة: "يارب يا آنسة سهير... يارب."
في الداخل.
هتفت هدير بلهفة: "حبيبتي يا كارمن... سلامتك ألف سلامة."
ردت كارمن بضعف: "الله يسلمك يا هدير."
ازيك يا رورو.
ردت روان: كويسة يا كارمن، المهم إنتي.
ابتسمت كارمن بضعف وأغمضت عينيها.
ليقول نعمان بهدوء: يلا يا جماعة نخرج، إحنا اطمنا عليها... خلوها ترتاح.
خرجوا ووقف كارم بجانب صلاح وسأله باهتمام: عامل إيه يا صاحبي؟
جاوبه صلاح بهدوء: الحمد لله يا صاحبي، أحسن.
اقتربت منهم روان وهتفت: أبيه صلاح.
ابتسم صلاح ورد: رورو... أبيه إيه؟ إنتي نسيتي إننا مخطوبين؟
ضحكت روان بشدة.
ليهتف كارم بغيظ: صلاح!
نظر له صلاح بلامبالاة: نعم... خير يا كارم بيه؟
جز كارم على أسنانه يتكتم غضبه.
ليعاجله صلاح: طالما إنت بتغير كده وهتموت عليها، ما تتجوزها واخلص.
صرخ كارم بعنف: صلاح!
تمتم صلاح بغيظ: بلا صلاح بلا زفت، أولعوا.
وتركهم وغادر.
لتقف روان تتقافز أمام كارم قائلة: كارم... كارم... إلا أبيه صلاح قالوا بجد... بالله عليك قول إنه بجد وإني مش بحلم.
ضحك كارم بيأس وهز رأسه قائلاً: بجد... بحبك يا روان... بحبك معرفش إمتى ولا إزاي بس بحبك.
دارت روان حول نفسها بذهول وقالت: أنا مش بحلم... مش بحلم.... يلا نتجوز.
قهقه كارم بشدة وقال: ما تتقلي يا بنتي، ده إنتي واقعة أوي.
ضحكت روان وبكت في نفس الوقت وهتفت: واقعة.. إنت مش فاهم حاجة... إنت حلم عمري... يا أبيه.
نظر لها كارم بغيظ ليقول: أبيه... طب ابقي شوفي مين اللي هيتجوزك.
وتركها وغادر.
توسعت عينيها بشدة وهي تركض خلفه تنادي: يا أبيه استنى... قصدي يا كارم... كاارم.
رواية حارة العشاق الفصل الثامن عشر 18 - بقلم أمنية أشرف
بعد مرور شهرين.
تعالت الزغاريد بشدة بعد أن تم عقد قرآن كارم وروان، وسط جو من الفرح والبهجة الذي عم الأجواء.
هلل الشباب وانطلقوا يلقون عبارات المباركة والنكات فيما بينهم، ليهتف عمار بصخب: "مبروك يا عم كارم... خليت نفسي تهف على الجواز."
ضحك كارم بقوة وأردف: "طب يلا شد حيلك بقى، عاوزين نفرح بيك."
اختلس عمار النظر باتجاه سهير وأجاب بتمني: "ادعولي."
ضحك الجميع، ليقول نعمان لكارم ببشاشة: "أخيرًا عملتها، دا أنا كنت فقدت الأمل."
ابتسم كارم وهتف بمشاغبة: "الحمد لله... أقولك عقبالك للمرة الثانية ولا إيه؟"
شهقت هدير ونظرت لكارم شزراً وهتفت بغيظ: "جرا إيه يا كارم... قوله يا أخويااا عقبال ولادك.. مرة ثانية إيه!"
ضحك نعمان وهو يربت على كتف هدير بمحبة وقبل رأسها يسترضيها قائلاً: "مرة ثانية إيه، هو في حد يتجوز أم ياسين ويفكر في غيرها.. دا هي عندي بالدنيا كلها."
ابتسمت هدير بخجل واحمرت وجنتيها، لتشاكسها روان قائلة: "سيدي سيدي على الكلام الحلو... الله عليك يا أبيه نعمان."
ثم لكزت كارم في كتفه وقالت له بهمس: "اتعلم."
رفع كارم إحدى حاجبيه وهتف: "والله على أساس إني مبقولكيش كلام حلو."
هزت روان كتفيها قائلة: "هو فين دا.. أنا شفت منك.. ثم إنك حتى مقلتليش مبروك."
ضحك كارم وهمس بجوار أذنيها: "ما أنا مستني لما نبقى لوحدنا، عندي كلام كتير عاوز يتقال."
ثم غمزها بخبث وتحرك باتجاه صديقه الحزين.
شهقت روان وتأوهت بقوة، ثم ضربت سهير على يديها لتهتف سهير بضحك: "في إيه؟ بقرصك في ركبتك عشان أحصلك في جمعتك."
صرخت روان بغيظ: "وهو القرص يبقى بالغباء ده!"
هتفت سهير: "أيوه لازم عشان أتجوّز بسرعة، ولا عاوزاني أفضل قاعدة؟"
ضحكت روان بيأس، ثوانٍ واحتضنوا بعضهم بشدة، لتهتف سهير بفرحة: "مبروك يا رورو... أنا مفيش حد فرحان قدّي النهاردة.... أخيرًا عشت وشوفتكوا بتتجوزوا."
ضحكت روان بشدة وقالت: "صحيح، لقد هرمنا."
قهقهت سهير وقالت: "من مئة وعشرون عاماً وأنا أنتظر هذه اللحظة."
هتفت هدير وهي تبعد سهير عن روان: "كفاية، عاوزين نبارك للعريس."
ابتعدت سهير تقول بغيظ: "ما تباركي يا أختي، هو أنا مانعاكي."
حضنت هدير بقوة تبارك لها بمحبة، لتقترب سهير من كارمن تقول لها: "يلا خدي دورك انتي كمان."
ابتسمت كارمن بهدوء: "هستنى لما هدير تخلص."
هزت سهير رأسها: "هدير مش هتخلص النهاردة، دا لسه هتديها الوصايا العشر."
هتفت هدير بغيظ: "ما تتلمي يا سهير."
تكلمت سهير بمسكنة: "ألاه، هو أنا قلت حاجة؟"
نظرت لها هدير بنصف عين: "يا بت."
ضحكت سهير بقوة وتمتمت بصوت خفيض: " عاوزين شوية خبرة من اللي عندك يا كبيرة.. أكيد المعلم عامل الواجب وزيادة."
قهقت هدير بقوة وغمزت لسهير قائلة: "اتقلي تاخدي حاجة نضيفة."
نزلت سمران على درج الفيلا وهي تجري بشدة، وفي نهاية الدرج تلقفها سيف بين ذراعيه، يضمها إليه بقوة يكاد يلصقها به وهو يتمتم بهمس: "وحشتيني يا قطتي."
ردت سمران وهي تغمر وجهها في عنقه: "وانت كمان وحشتني أوي يا سيف.... كل دا غياب، قولتلي هتيجي بعد أسبوع وبقالك شهر بعيد عني."
رضاها سيف قائلاً: "معلش يا قلبي، غصب عني والله."
دمعت عين سمران برقة: "ينفع تسيبني كل دا لوحدي؟"
ضم سيف وجهها بين يديه وقال بحب: "آسف يا عمري."
"مش هتتكرر تاني... بس لما تشوفي المفاجأة اللي أنا عاملها لك هتسامحيني."
هزت سمران رأسها بتساؤل: "مفاجأة إيه؟"
قبل سيف جبينها برقة وابتعد، يجلي صوته وهتف بقوة: "ادخل يا سليم."
دخل شاب في أوائل العشرينات يشبه سيف إلى حد كبير، ولكن تظهر على ملامحه الشقاوة والمرح، يجر رجل في أواخر الخمسينات يجلس على كرسي متحرك، لتصرخ سمران بقوة: "بابي!"
تنحنح كارم يريد الجلوس مع روان، ولكن الفتيات يأخذونها منه ولا يتركون له المساحة الكافية كي يتكلم معها لدقائق، فهو حتى الآن لا يصدق أنها أصبحت له حلاله، يريد أن يضمها إلى صدره ليتأكد أنه لا يحلم وأنها حقاً بين ذراعيه.
هتفت سهير: "يلا يا بنات... نسيب العريس يقعد مع عروسته شوية."
ضحكت هدير قائلة: "ماشي... يلا بينا.. بت يا رورو."
"زي ما قولتلك."
ابتسمت روان بخجل وقالت: "حاضر يا ديرو.... لا تقلقي."
كتمت هدير ضحكتها وهمست: "أنا مش قلقانة... أنا خايفة عليه هو منك... ربنا يستر وما تفضحيناش."
انفجرت سهير في الضحك غير قادرة على منع نفسها، وكارمن تكتم ضحكتها بشتى الطرق حتى لا يظهر عليها شيء، ثم خرجوا وأغلقوا الباب خلفهم وهم يغمزون لروان بمشاغبة.
تنفس كارم بقوة واقترب منها ونظر لها بعمق وقال: "ياااه لسه فاكرك وإنتي لسه بيبي قد كده..... مين كان يصدق إن الحلوة اللي ربيتها على إيديا هتكون من نصيبي في يوم من الأيام..... كبرتي قدامي سنة بسنة لحد ما فجأة لقيت نفسي بحبك... معرفش حصل إمتى وإزاي... كل اللي أعرفه إن عمري ما اتمنيت واحدة غيرك... كل ما كنت أتخيل البت اللي هتجوزها كانت صورتك هي اللي بتيجي في بالي... بحبك يا رورو... بحبك أوي."
بكت روان ورمت نفسها بين أحضانها وهتفت بقوة: "وأنا... وأنا.... عمري ما اتمنيت حد غيرك... وعمري ما حبيت حد إلا انت.... من يوم عرفت يعني حب... كنت انت المثال الوحيد في حياتي... انت مش بس حبيبي يا كارم... انت أبويا وأخويا وصاحبي ودنيتي كلها... انت كل عيلتي يا كارم.... أنا مليش غيرك ومش عاوزة حد غيرك."
تأوه كارم يضمها بقوة يريد وشمها على صدره: "آه يا عُمر كارم وأحلى ما في حياته."
رفعت وجهها إليه تنظر في عمق عينيه بحب، ليقترب منها كارم يقبلها جبينها بعمق، لتغمض روان عينيها.
تستمتع بوجودها بين يديه... نزل كارم بشفتيه إلى عينيها، ثم نظر لشفتيها وابتلع ريقه بقوة، ولكن لم يقدر على منع نفسه وهو يراها بكل هذه الرقة والوداعة، ليقطف من رحيق شفتيها قبلة تنسيه عالمه.
شهقت روان بقوة، ليضمها كارم وهو يمرر يده على ظهرها برقة، ثوانٍ واستسلمت وتركته يتعمق في قبلته أكثر وأكثر.
في المساء.
دخل نعمان إلى منزله ليقابله الهدوء على غير العادة، انطلق باتجاه غرفته ليرى هدير تقف أمام المرآة وهي تمشط شعرها، ألقى السلام وهتف: "أومال البيت هادي كده ليه؟ ياسين فين وخالتي أم سيد؟"
ابتسمت هدير وأجابت: "ناموا."
هتف نعمان بتساؤل: "بدري كده؟"
أومأت هدير برأسها: "أيوه ياسين اتنهك من اللعب طول النهار وخالتي أم سيد خدت العلاج ونامت."
هز نعمان رأسه بتفهم وقال: "طب أنا هغير هدومي وأدخل آخد دش على السريع كده."
نظرت له هدير بتوتر تفكر كيف تخبره بهذا الخبر الذي يؤرق ليلها، تتخيل ردة فعله عندما تخبره، هل سيفرح أم سيكون له رأي آخر.
هم نعمان بالخروج من الغرفة لتهتف هدير منادية: "نعمان."
رد نعمان: "نعم يا هدير.. في حاجة؟"
عضت هدير على شفتيها تقول بتوتر: "كنت ك... كنت. عاوزة أقولك على حاجة."
لاحظ نعمان توترها ليقترب منها يمسك يدها يبثها الأمان وقال: "في إيه؟ قوللي."
بلعت هدير ريقها بصعوبة تتمتم: "أنا روحت عند الدكتورة من يومين وقالتلي."
قطعها نعمان برعب: "كنتي عند الدكتورة ليه.... انتي تعبانة... مالك يا هدير طمنيني."
ابتسمت هدير تطمئنه: "متقلقش مفيش حاجة.. في بس ضيف هيشرفنا كمان كام شهر."
نظر لها نعمان بعدم فهم يقول: "إيه؟ مش فاهم."
ضحكت هدير على صدمته لتمسك يده تضعها على بطنها برقة، ليقول نعمان بذهول: "هدير بجد... اللي جه في دماغي صح... انتي حامل؟"
هزت هدير رأسها بقوة.
ليصرخ نعمان: "يا ما انت كريم يارب.... الحمد لله.. الحمد لله.. الحمد لله..... أنا مش مصدق نفسي... أنا هبقى أب يا هدير... هبقى أب."
ضحكت هدير بقوة ليحملها نعمان ويدور بها بقوة، صرخت هدير: "هدوخ يا نعمان نزلني."
أنزلها نعمان وحضنها بقوة وهتف: "يا وش السعد يا قلب نعمان..... حققتلي كل اللي كنت بتمناه يا هدير."
"عاوزك ترتاحي خالص... متعمليش أي حاجة... واطلبي كل اللي بتتمنيه، كل اللي تعوزيه هتلاقيه قدامك.... اقعدي ارتاحي.... هصلي ركعتين شكر وأجيلك."
ربتت هدير على كتفها تقول برقة: "اهدأ... اهدأ."
دمعت عين نعمان بفرحة، رجل تخطى الأربعين لم يكن يصدق أنه بعد هذا العمر الطويل وكل هذه السنين التي ضاعت من عمره أنه سيكون له طفل صغير من صلبه.
لقد اكتفى بياسين وحمد الله ورضى أنه حتى لو لم يرزق بأطفال فسيكفيه وجود هدير وياسين بجواره، ولكن الآن بعدما أخبرته هدير أنه سيكون له وريث، طفل يحمل اسمه، يدلله ويحقق له ما يتمنى، يكبر أمامه عينيه ويتعكز عليه، يسنده ويستند عليه.
لو يصف شعوره الآن فهو لا يقدر بثمن، لن يشعر به سوى من مر بظروفه، شعوره كمن كان في عتمة وفجأة امتلأت حياته بالنور.
هرعت سمران إلى أحضان والدها تبكي بشدة وتلومه على تركه لها: "وحشتني أوي يا بابا.... ليه سبتني دا كله لوحدي."
ربتت الأب على كتفها يشارك ابنته البكاء والشوق: "آسف يا حبيبة بابا، حقك عليا... سامحيني يا سمران... أنا جيت عليكي كتير أوي... الشغل والفلوس كانوا عندي في المقام الأول لحد ما نسيتك ونسيت نفسي.. بس الفلوس عملتلي إيه؟ خسرت كل حاجة.... كل شركاتي وفلوسي خسرتهم، حتى صحتي خسرتها... سامحيني يا بنتي سامحيني."
انتحبت سمران بشدة وهتفت: "مسمحاك يا بابا، أنا مليش غيرك في الدنيا... مهما عملت فيا هسامحك... ومش مهم الفلوس، مش مهم أي حاجة.... المهم إن انت معايا وكويس."
ضم ابنته ونظر لسيف بحزن وكبرياء مكسور: "شكراً يا سيف.... شكراً يا ابني... إنك حافظت على بنتي... ومعرضتهاش للذل والإهانة.... شكراً إنك حميتها وشلتها في عيونك.... سامحني على اللي عملته فيك زمان وإن فرقكم عن بعض.... الدنيا كانت عامية عيني والفلوس بتخلي الواحد جبروت وبتخليه ينسى كل حاجة حتى نفسه."
تكلم سيف برزانة: "مسامحك يا خالي..... وسمران في عيوني وهتفضل في قلبي وعيوني... طول ما هي معايا متقلقش عليها.... أنا أضحي بحياتي ولا إنها تتعرض لأذى."
نظرت له سمران بامتنان شديد وهي تبكي بحرقة شديدة، غير قادرة على التوقف، يكفيها ما مرت به وما مر به والدها وهي تراه أمام عينيها قعيد، غير قادر فعل شيء، دارت الدائرة وأصبح الآن في موقف ضعف بعد أن كان يتجبر ويتكبر على من هم أضعف وأقل منه.
"لا يا جماعة أنا مش هستحمل نكد أكتر من كدا."
كان هذا الصوت لسليم، الذي نظرت له سمران بذهول وهتفت: "انت مين؟"
توسعت عين سليم بشدة وهتف بذهول مصطنع: "إيه دا؟ انتي متعرفينيش؟"
نظرت له سمران بأسف، ثم نظرت لسيف تستشف منه الإجابة، ليستطرد سليم بحزن مصطنع: "لا لا... أنا مش مصدق أبداً... أبداً إزاي...."
هو في حد ما يعرفش سليم الدسوقي، أوسم شاب في مصر والشرق الأوسط.
كتم سيف ضحكته ثم تكلم بحده: "سليم اتلم."
وجهت سمران الحديث لسيف قائلة: "أنا مش فاهمة حاجة."
رد سيف بابتسامة: "ده سليم أخويا يا سمران... لو فاكرة أنا حكيتلك عنه قبل كده."
مسحت سمران عيونها وهتفت بفرحة: "بجد... أنت سليم.... سيف حكى لي عنك كتير أوي.... وكنت في نفسي أشوفك."
ضحك سليم وقال: "متشوفيش وحش... إزيك يا سمران عاملة إيه؟"
ردت سمران بابتسامة: "كويسة..... أنت عامل إيه؟"
ضحك سليم وسأل: "هو ده صوتك... أنتِ رقيقة كده ليه.... سيف أنت بتتعامل معاها إزاي؟"
هتف سيف بحزم: "سليم متنساش إنها مرات أخوك."
تكلم سليم بغيظ: "يا جدع هو أنا قولت حاجة... ده مجرد سؤال بريء... صح ولا إيه يا سمران؟"
ضحكت وقالت: "سيبه يا سيف... ده طلع لطيف أوي."
نظر سيف بقرف وأردف: "ده لطيف من أنهي ناحية؟"
عدل سليم جاكت بدلته وهتف بغرور: "على طول بيغير مني.... هما كده أعداء النجاح كتير."
هتف سيف بوعيد: "بقى أنا بغير منك وكمان ليك أعداء نجاح... طب هتشوف أنا هعمل فيك إيه."
صرخ سليم وانطلق يجرى وخلفه سيف يتوعده بعقاب شديد وسليم يصرخ: "الحقيني يا سمران... هيموتني."
ضحكت سمران بشدة على أفعالهم وهي تحمد الله على نعمة وجود سيف في حياتها.
رن جرس الباب ليفتح عمار الذي تفاجأ بوجود صلاح ورحب به قائلاً: "أبو صلاح... تعالى اتفضل."
دخل صلاح وهتف: "أومال كارمن فين؟"
ردت كارمن من الداخل: "تعالى يا صلاح أنا هنا."
دخل صلاح إلى غرفة الجلوس حيث كارمن وجلس بهدوء عكس ما ينم بداخله وقال: "خير يا كارمن... عاوزاني في إيه؟"
نظرت إليهم هو وعمار وقالت: "أنا مليش غيركم دلوقتي وعاوزة أقولكم على الخطط الجاية في حياتي... أنتو طبعاً عارفين إني ورثت فلوس كتير أوي من جاسم... بس مش عاوزة أي حاجة... أنا هتبرع بكل ورثي للجمعيات الخيرية والمحتاجين."
هز صلاح رأسه بتفهم وقال: "حقك يا كارمن... دي فلوسك وأنتي حرة فيها... وأعتقد إنك كده بتعملي الصح."
أيده عمار فيما يقول لتستطرد كارمن قائلة: "ده أول حاجة... تاني حاجة أنا قررت أسيب مصر وأسافر."
رواية حارة العشاق الفصل التاسع عشر 19 - بقلم أمنية أشرف
نظرت كارمن إليهم وقالت: أنا مليش غيركم دلوقتي وعاوزة أقولكم على الخطط الجاية في حياتي. أنتم طبعًا عارفين إني ورثت فلوس كتير قوي من جاسم، بس مش عاوزة أي حاجة. أنا هتبرع بكل ورثي للجمعيات الخيرية والمحتاجين.
هز صلاح رأسه بتفهم وقال: حقك يا كارمن، دي فلوسك وأنتي حرة فيها. وأعتقد إنك كده بتعملي الصح.
أيده عمار فيما يقول، لتستطرد كارمن قائلة: ده أول حاجة. تاني حاجة أنا قررت أسيب مصر وأسافر.
جحظت عين صلاح ووقف بانفعال وهتف: كارمن! أنتي واعية للي بتقوليه؟
أومأت كارمن بهدوء تحسد عليه، ليستشيط صلاح غضبًا وهو يصيح بقوة: للمرة الألف بتاخدي القرار الغلط يا كارمن. أنا مبقتش عارف أنتي بتفكري إزاي. أنتي أنانية وهتفضلي طول عمرك أنانية. مبتفكريش غير في كارمن واللي يريح كارمن وبس، أما الباقي يولع بجاز ميهمكيش.
وضعت كارمن وجهها بين كفيها وانفجرت في بكاء مرير. فما كان من صلاح إلا أن هز رأسه بيأس وقال: اعملي اللي انتي عاوزاه. أنا خلاص تعبت. وفي الأول والآخر دي حياتك وأنتي حرة فيها.
ثم ألقى عليها نظرة أخيرة وتركهم واتجه إلى شقته.
جلس عمار بجانبها وضم رأسها لصدره وهمس بهدوء: بس يا حبيبة أخوكي. اهدى. متعيطيش. كفاية يا كارمن متوجعيش قلبي.
هتفت كارمن من بين بكاءها الشديد: أنا موجوعة قوي ومحدش حاسس بيا. أنا بموت في اليوم ألف مرة. أنا حياتي اتدمرت. أنا جوزي خانى وعذبني وخطفني وأهانى وهان كرامتي وحاول يقتلني وانتحر قدام عيني. اللي أنا مريت بيه مش شوية. أنا مقهورة وقلبي بيتقطع. أنا مش مصدقة إني مريت بكل ده. أنا كنت هموت يا عمار. كنت هموت.
ربت عمار على كتفها برقة يهدأ من روعها وقال بهمس: عارف إن اللي مريتي بيه مش شوية. بس ربنا أنقذك منه ونجاكي. واديكي فرصة تانية للحياة. انسى يا كارمن وعيشي وابدأي من جديد. متحبسيش نفسك في الماضي والبكاء على الأطلال. في فرصة جديدة في حياتك استغليها.
هزت كارمن رأسها بيأس: مش هقدر. عاوزة أبعد.
رد عمار بتفهم: أنا عارف إن أعصابك تعبانة. أي رأيك نروح أي مكان نغير جو؟ نروح شرم ولا الغردقة ونتفسح وننسى الدنيا.
نظر له كارمن بألم ليستطرد: صدقيني يا كارمن الغربة مش حل. اسمعي مني أنا اتغربت سنين عن بلدي. كنت عايش بس زي الآلة. كل حياتي شغل في شغل. محستش بالدفء غير لما رجعت هنا وعيشت وسط الحارة وأهلها. مش عاوزين نخسر اللي وصلنا له ونرجع نبني حياتنا من أول وجديد. أنتي هتلاقي فين حد بجدعنة المعلم نعمان والست هدير اللي بيقفوا جنبنا ويساعدونا من غير أي مقابل؟ هتلاقي مين زي كارم وروان وسهير؟ هتلاقي فين صلاح وقلب صلاح؟ لو خسرناهم مش هنعرف نلاقي زيهم تاني أبدًا. أنا هسيبك تفكري وشوفي تفكيرك هيوصلك لأيه وأنا معاكي في أي حاجة ومش هسيبك.
وقف صلاح يدور حول نفسه لا يصدق أنها تتخلى عنه مرة أخرى. لقد سامحها وقرر أنه سيمضي الباقي من عمره معها وليتركوا الماضي بكل ما فيه. سيرمي بكرامته عرض الحائط فقط ليحصل عليها هي. هي حلم حياته، حب العمر. من تركتُه يبكي ألم فراقها سنوات طويلة. وللأسف الشديد مع جرحها له وهوانها عليها وتفضيل من هو أقل منه عليها، لم يقدر يومًا على كرهها. لم يتمنى لها يومًا سوى الفرح والسرور حتى ولو كان على حسابه نفسه وقلبه. لا.. لا.. لن يقدر على تحمل كل هذا الألم بمفرده مرة أخرى. فليشاركه أحد وإلا سيجن حتمًا. أخرج هاتفه من جيبه وأجرى مكالمة لم يقل سوى كلمة واحدة: محتاجلك يا صاحبي.
جاءه الرد من الطرف الآخر سريعًا: ثواني وأكون عندك.
أغلق الخط وانتظر لدقائق ليسمع رنين جرس الباب.
فتح ليدخل كارم وهو يهتف بقلق: مالك يا صاحبي؟ في أي قول لي.
رمى صلاح نفسه بين يدي صديق عمره وانفجر في البكاء. يبكي سنوات عمره. ويبكي حب بلا جدوى يقتاد على روحه. ويبكي ألم الفراق وما ألمه به. يبكي ويبكي كطفل تركته أمه في منتصف الطريق ولم تلتفت له مرة أخرى. وانتظر كارم بصبر يعلم أن ما أوصل صديقه لهذه المرحلة لهو أمر جلل. بكاء الرجال لا يكون إلا على عزيز وغالي. حينما يبكي الرجل فأعلم أنه قد أصيب في مقتل. بعد دقائق لا يعلم عددها خف بكاء صلاح وتنهد بقوة وقال: آسف يا صاحبي، عكننت عليك في يومك.
زجره كارم قائلاً: أنت عبيط ولا إيه؟ أنا أسيب الدنيا كلها عشانك. أجيب سنين منين تاني عشان أعمل لك صاحب زيك.
ابتسم صلاح بألم: طول عمرك أصيل يا صاحبي.
ربت كارم على كتفه وقال: قول لي في أي. أي اللي وصلك للمرحلة دي.
أغمض صلاح عينيه وسند رأسه بيده وتمتم بيأس: كارمن هتسيب البلد وتسافر.
هتف كارم بمفاجأة: إيه؟ أنت بتقول إيه؟ هي عاوزة إيه تاني؟ هي معندهاش قلب؟ مش كفاية جرحها ليك زمان جايه تكمل عليك دلوقتي.
زفر صلاح بضيق: أنا تعبت. تعبت منها وتعبت من نفسي. ومن قلبي اللي مش عاوز يشوف غيرها. تعبت وسنين عمري بتجري قدام عيني وأنا مش عارف أعمل حاجة ولا عارف آخد أي خطوة في حياتي. بس خلاص زي ما هتبيعني المرة دي أنا كمان هانساها للأبد ولا كأني عرفتها في يوم.
ثم نظر أمامه بتصميم عازمًا على فعل ما يقول. لقد اكتفى منها ومن جرحها له.
وقفت تتطلع إلى صورتها في المرآة وهي ترتدي فستان العروس الأبيض. تبدو كالأميرات بفستانها ذي التصميم الرقيق. بسيط إلى أبعد حد ولكنه أنيق ويليق بها وحدها. صففت شعرها في تسريحة أنيقة ووضعت الطرحة عليه وتركتها وراء ظهرها.
دخل سيف إلى الغرفة بخطوات بطيئة. لا يصدق أنه وصل أخيرًا إلى هذه المرحلة. لقد أصبحت الأميرة من نصيب السائق. هل هو في حلم أم واقع ملموس؟ يا الله أميرته تبدو كالملاك في فستان زفافها الرائع مثلها. لم يزيدها الفستان شيئًا بل هي من زادته جمالاً وتألقًا. ابتسم سيف وهمس برقة: عمري ما شفت عروسة في جمالك يا قلب سيف.
ضحكت سمران بخجل، ليستطرد: لو كان للجمال اسم هيكون سمران. القمر نفسه هيغير من جمالك يا حبيبتي.
غطت سمران عيونها بخجل وتمتمت: كفاية بقى يا سيف بتكثف.
ضحك سيف بقوة وهتف: هو أنا قولت حاجة؟ دا إحنا ليلتنا لسه طويلة قوي. وهنقول لما نشبع.
عضت سمران على شفتيها بقلق وقالت: اسكت بقى يا سيف متخوفنيش.
ضمها سيف بين ذراعيه وقال: متخافيش أبدًا وأنتي معايا يا قلب سيف. عمري ما هاذيكِ أبدًا يا سمران.
هزت سمران رأسها وقالت مغيرة الكلام: صحيح يا سيف أنت عزمت هدير وصاحبتها البنات.
أومأ سيف برأسه إيجابًا: أيوه عزمتهم كلهم وجم تحت.
هتفت سمران بفرحة: طب يلا بسرعة ننزل عشان منتأخرش على المعازيم.
بالأسفل في حديقة الفيلا المقام فيها حفل الزفاف.
جلس الشباب والفتيات على طاولة كبيرة تضمهم جميعًا ليتسامروا ويعلقوا على فقرات الفرح بسخط.
هتف نعمان: والله أفراح ولاد الذوات دي ملهاش أي طعم. مشغلين أغاني ملهاش معنى. وكله قاعد ساكت ولا كأننا في عزا. دا مفيش واحدة حتى بتزغرط.
أيدته هدير قائلة: آه والله يا أخويا عندك حق. مش عارفة إيه ده.
ضحكت سهير بقوة وقالت: والله الفرح لطيف خالص. أنتوا اللي واخدين على الهيصة والدوشة.
زجرتها هدير بنزق: والله أنتي اللي ما بتفهمي حاجة. اقعدي ساكتة.
صرخت سهير بسخط: بقا كده يا هدير؟ أنا ساكتالك بس عشان أنتي حامل وتعبانة، غير كده كنت بهدلتك.
شقهت هدير وقالت: نعم يا عنيا؟ وكنتي هتعملي إيه يعني يا ست سهير؟
جزت روان على أسنانها تقول بغيظ: اتلموا بقى فضحتونا. بيئة صحيح.
ردوا الاثنين في صوت واحد: بتقولي حاجة يا روان؟
نفت روان قائلة: مبقولش. اسكتوا.
قامت سهير من مكانها وقالت: أنا سايبالكوا المكان كله وماشية.
ثم تركتهم واتجهت لمكان آخر. تبعها عمار الذي هتف ما إن أصبح قريبًا منها: الأحمر هياكل منك حتة.
شهقت سهير تضع يدها على قلبها قائلة: عمار خضتني.
ابتسم عمار بمحبة قائلاً: سلامتك من الخضة يا قمر.
ضحكت سهير وتدجرت وجنتيها باللون الأحمر القاني، ليهتف عمار بجدية: سهير أنا مش عارف أقول لك إيه. بس أنا ممكن أسافر اليومين الجايين دول ومش عارف هرجع إمتى. بس أكيد هرجع. هتستنيني؟
ارتمست ملامح الحزن على وجهها وهتفت: هتسافر ليه وفين؟
أجاب قائلاً: كارمن عاوزة تبعد عن هنا. وأنا مش هينفع أسيبها لوحدها.
همست سهير بحزن: هتغيب قد إيه؟
رد عمار بجهل: مش عارف. بس عاوز وعد منك إنك هتستنيني.
ابتسمت سهير بحزن: اوعدني إنك هترجع. وأنا هوعدك إني هستناك العمر كله.
هتف عمار بابتسامة وقد اطمأن قلبه: أوعدك.
في يوم السفر وقفت كارمن تودع صديقتها والدموع تغرق وجه الجميع. لتهتف هدير ببكاء: هتوحشيني قوي يا كارمن. هنهون عليكي كده بسهولة؟
حضنتها كارمن وهي تنتحب بالبكاء هي الأخرى: غصب عني يا هدير. عاوزة أبعد وأنسى. بس هرجع تاني. مش هعرف أعيش تاني غير وسطكم.
ربتت هدير على ظهرها بمحبة: هنستناكي يا حبيبتي.
.... تروحي وترجعي بألف سلامة.
ابتعدت هدير واقتربت سهير تقبلها على وجنتيها وتوصيها بأن تهتم بنفسها وتترك الماضي للماضي.
وتبدأ من جديد. ضمتها روان وقالت: برغم إني بحبك وهتوحشيني. بس أنا زعلانة منك. في قلب هنا أنتي هتكسريه ببعدك.
ضمتها كارمن أكثر وهتفت: غصب عني. والله غصب عني. الدنيا هي اللي مش عاوزانا لبعض.
شاركتها روان البكاء وقالت: اوقفي في وش الدنيا وخذي منها حقك. لو حاجتك في بوق السبع خديها منه.
ردت كارمن باستسلام: طاقتي خلصت. مبقتش قادرة أحارب. تعبت.
ربتت روان على ظهرها وضمتها للمرة الأخيرة وابعدت.
مر صلاح عليهم دون أن ينظر لكارمن واتجه لعمار يودعه. لتنطلق كارمن تنادي عليه قائلة: صلاح.
وقف صلاح واستدار بقوة ولا مبالاة: نعم.
رفعت عيونها الممتلئة بالبكاء إليه وقالت: سامحني.
ابتلع صلاح ريقه بصعوبة وقال: أسامحك على إيه ولا إيه يا كارمن؟ خلاص رصيد السماح اللي عندي خلص.
سلطت عيونها عليه وقالت: فرصة أخيرة لكارمن.
هتف صلاح بهدوء قاطع: لو سافرتي يبقى بتقطعي آخر خيط ما بينا. وده آخر ما عندي. والقرار ليكي.
رواية حارة العشاق الفصل العشرون 20 - بقلم أمنية أشرف
رفعت كارمن عيونها الممتلئة بالبكاء إليه وقالت: سامحني.
ابتلع صلاح ريقه بصعوبة وهتف بحرقة: أسامحك على إيه ولا إيه يا كارمن... خلاص رصيد السماح اللي عندي خلص.
سلطت نظراتها عليه وأردفت بحزن: فرصة أخيرة لكارمن.
هتف صلاح بهدوء قاطع: لو سافرتي يبقى بتقطعي آخر خيط بينا وده آخر ما عندي... والقرار ليكي.
أغمضت كارمن عينيها تكتم غصة البكاء وتمتمت بوجع: مش هقدر.
ثم وجهت نظراتها لأخيها تستجديه ولكنها رأت في عينه نظرة أمل أن تغير رأيها، فهي تعلم أنها بتهريبها تمنع أخيها من الحصول على الفتاة التي يحب وتمنع نفسها كذلك من وجود صلاح بجانبها، بالإضافة إلى خسارتها لصديقتها هدير التي أحبتها بشدة، وبالتالي تفقد كل هذا الدفء الذي شعرت به منذ أن خطت قدمها الحارة. ولكن هل يستطيع كل هذا أن يمحو الألم والوجع الشديد الذي تشعر به؟ نظرت إلى صلاح تخبره بعينيها... هل تستطيع مداواتي؟ ليتبادلها النظرة بنظرة أشد ثقة بأنه سيجعلها تنسى كل ما مرت به.
وهذا كل ما تحتاجه أن تبدأ من جديد، تمحو كل ما مر وتعود كارمن الطفلة الصغيرة مدللة ابن عمها الطبيب الذي لم يكن يتحمل أن يصيبها أي مكروه، بل كان يبذل كل ما في وسعه ليرى فقط ابتسامتها التي تهون عليه كل مرارة الحياة... أخيراً رحمت كارمن أعصابهم التي تفتت من الانتظار وتمتمت بخفوت: مش هسافر.
هنا تنفس صلاح الصعداء فقد كان على وشك أن يتوقف قلبه من الترقب... وانفجرت أسارير الفتيات وانطلقوا يهللون في فرح. ضمتها هدير وأردفت: عين العقل يا كارمن... والله ما هتندمي أبداً.
ابتسمت كارمن بهدوء ولم تعقب، ليقترب صلاح منها ويهمس: ينفع أخطفك؟
ضحكت كارمن بخفوت وقالت: هنروح فين؟
رد صلاح بابتسامة: هتعرفي لما نوصل.
أومأت كارمن برأسها ليهتف صلاح: يلا ولا إيه؟
ابتسمت كارمن وأجابت: يلا وأمري لله.
ليستأذن صلاح منهم وينطلق باتجاه سيارته وهو يتقافز من الفرح، ثم ركبوا وانطلقوا إلى الوجهة التي يريدها.
بعد رحيل صلاح وكارمن، وقف عمار بجانب سهير وقال: ما تيجي نشرب شاي ويحسدنا الرايح والجاي.
قهقهت سهير بقوة وهتفت: حلو الكابشن ده، فكرني أكتبه يوم خطوبتنا.
ثم استدركت ما قالت وهتفت: قصدي هكتبه لما أتخطب.
ضحك عمار وهتف: هي خطوبتنا صح، متغيرهاش بقى.
ابتسمت سهير بخجل ولم تعقب، ليهتف عمار: انت فين يا كارم؟
وقفت روان أمام سهير ونظرت له ببرود وقالت: خير يا أستاذ عمار، عاوزه ليه؟
ضحك عمار وأردف: عاوز معاد.
تخصرت روان وهتفت: لأيه إن شاء الله؟
رد عمار بابتسامة: انت حامية عليا كده ليه يا روان... ده إحنا هنبقى نسايب.
ردت روان بلامبالاة: لما نبقى بقى... وبعدين اللي عاوز كارم يجيله لحد البيت... تمام.
ثم ربتت على كتف سهير وقالت: قدامي يا سهير... اللي عاوزنا بيتنا مفتوح..... مش هنقضيها كلام وخلاص.
وجرت سهير خلفها واتجهوا إلى البناية التي يقطنون بها.
ضرب عمار كفاً بكف يضحك بعدم تصديق على موقف روان العدائي معه.
أوقف صلاح السيارة أمام مدينة الملاهي لتهتف كارمن بذهول: أنت جايبني الملاهي بجد؟
هز صلاح رأسه بتأكيد وقالت: أيوا... عاوز نعيد كل الحاجات اللي كنا بنعملها زمان.... عاوز أعيد كل ذكرياتنا الحلوة سوا.... عاوز أنسى السنين اللي ضاعت وإنتي بعيد عني.
نظرت له كارمن بحزن لا تصدق أنها في يوم ما رمت كل هذا الحب وراء ظهرها... كيف كانت عديمة الشعور إلى هذه الدرجة؟ سألت بحزن: أنت إزاي بعد كل ده مكرهتنيش... لأ وكمان بتديني فرصة نبدأ من جديد؟
ابتسم صلاح بحزن ونظر لها بعشق مفضوح وقال: هو حد في الدنيا يعرف يكره روحه... إنت روحي يا كارمن.... لا عرفت أكرهك ولا عرفت أنساكي.... رغم إنك دبحتيني بس بردو فضل قلبي متعلق بيكي يا بنت قلبي.
انفجرت كارمن في البكاء تندم على السنوات التي أضاعتها من عمرها في اللا شيء... كانت تبحث عن وهم... وهم سيطر على عقلها وقلبها... اختارت المال والجاه... وفقدت معنى الحياة.
نظر صلاح أمامه لا يريد رؤيتها بكل هذا الضعف والبكاء... حينما تبكي يشعر أن قلبه يتمزق من الوجع... لو بيده لضمها إلى صدره وأخذ كل أوجاعها إليه.
تمتم بيأس: كفاية يا كارمن.... متوجعيش قلبي أكتر من كده.... مش عاوز أشوف دموعك... عاوز بس الضحكة اللي كانت بتنور حياتي ترجع تاني.
كفت كارمن دموعها وأخذت نفس عميق تهدئ به قلبها المحترق وهتفت بمرح لا تشعر به: إحنا مش هننزل... أنت غيرت رأيك ولا إيه؟ أنا عاوزة ألعب كل الألعاب.
ضحك صلاح وسايرها قائلاً: عيوني لكارمن هانم... يلا بينا.
نزلوا ودخلوا إلى مدينة الألعاب وانطلقت كارمن تختار أخطر الألعاب لتجربها، فهذه الألعاب الخطيرة ستجعلها تصرخ كيفما شاءت دون أن ينتقدها أحد.
يكفيها أن تخرج كل هذا الكبت بداخلها.
وصلاح كان يشعر بها وبكل ما تريده ويسعى جاهداً لتحقيق لها كل ما ترغب به... فيسأله أحد لما يفعل هذا بعد ما فعلت معه... ولتكون إجابته أنه قد ذاق جحيم بعدها ولم يقدر على العيش، فهو كان كالشخص الذي فقد روحه... وبعودتها عادت روحه إليه، فلينفذ روحه وينفذها، ويعيش المتبقي من عمره إلى جوارها، علها تكون الداء والدواء.
بعد يوم رائع قضاه صلاح وكارمن في مدينة الملاهي، أخيراً ابتسمت كارمن من قلبها وهي تأكل غزل البنات بنهم وتحمل بيدها دب كبير قد اشتراه لها صلاح كما كان يفعل في الماضي.
نظر لها صلاح بحب وسأل: مبسوطة؟
ردت كارمن بابتسامة جميلة: طول ما أنت موجود أكيد هبقى مبسوطة...... أوعدني تفضل جنبي مهما حصل.
وعدها صلاح قائلاً: وعد، كل اللي باقي من عمري هيكون ليكي وعشانك يا كل وجع العمر وأجمل ما فيه.
بعد مرور عام.
دخل سيف إلى الجناح الخاص به ليرى سمران تحمل سيليا التي تبكي بشدة وتشاركها سمران البكاء.
هرع سيف إليهم وحمل صغيرته على يد وضم سمران بالأخرى وهتف بقلق: إيه يا حبيبتي، في إيه؟
ردت سمران ببكاء وصوت مكتوم: سيليا مش مبطلة عياط بقالها ساعتين بتعيط... وأنا تعبت ومش عارفة أسكتها.
ضحك سيف بيأس وقال: يعني هي مش راضية تسكت... تقوم تعيطي انتي كمان.
هتفت سمران بتعب: ما أنا مش عارفة أعملها إيه، أكلتها وغيرتلها... وأديتها الدواء وبردو بتعيط.
ربت سيف على ظهرها وأردف بخفوت: عشان تعرفي تسكتيها لازم تبقي هادية وإنتي بتتعاملي معاها، لما تتوتر هي هتتوتر ولما تعيطي هي هتعيط أكتر.
ثم نظر للصغيرة التي هدأت تماماً وأخذها النعاس: شوفي سكتت إزاي ونامت.
نظرت لها سمران بحقد طفولي: هي أصلاً بتحبك أكتر مني... كل ما بتشيلها بتسكت... وتيجي عليا تفضل تعيط وتتعبني.
انفجر سيف في الضحك وقال: انتي غيرانة بقا؟
هزت سمران رأسها وقالت: أيوا.
ابتسم سيف وقام ووضع الصغيرة على الفراش المخصص لها، ثم عاد إلى سمران وضمها إليه وقال برقة: أنا عارف يا حبيبتي إنك بتتعبى مع سيليا عشان هي أول بيبي... وكمان مفيش حد بيساعدك ولا يعرفك تتعاملي إزاي معاها... بس أنا عارف إنك أجمل مامي في الدنيا وشوية شوية هتعرفي تعملي كل حاجة لها من غير ما تبقي مضغوطة ولا خايفة... وأنا جنبك أي ما تحتاجيني اتصلي بيا وهتلاقيني قدامك على طول... ومش مهم الشغل ولا أي حاجة، المهم إنتوا... وخليكي فاكرة إنك إنتي وسيليا في المقام الأول عندي دايماً.
ضمته سمران بقوة وهمست: حبيبي يا سيف، ربنا يخليك ليا.
شدد على ضمها وقبل رأسها برقة وأردف بخفوت: نامي يا حبيبتي.
تثأبت سمران وقالت: بس صحيني كمان ساعة... عشان ألحق أجهز نفسي قبل الفرح.... هدير والبنات أكدين إن لازم أحضر وكمان أنا بحب الأفراح بتاعهم.
وظلت تثرثر حتى ذهبت في سبات عميق.
صدحت الزغاريد تملأ مركز التجميل الذي تتزين به العروستان سهير وكارمن، فقد أصر عمار أن يكون يقيم حفل زفاف جماعي... برغم اعتراض كارمن على إقامة حفل زفاف لها، فقد كانت تفضل أن يكون هادئ دون أي مظاهر احتفال، ولكن اعترض عمار بشدة وأصر على أن يحتفلا سوياً. ونظراً لأن صلاح لم يسبق له الزواج، فقد رضخت كارمن لما يريدون، ولكن فضلت أن تكون طلتها هادئة، فقد اختارت فستان أبيض ذو تصميم بسيط وتركت شعرها حراً دون قيود ووضعت عليه تاج رقيق مرصع بالألماس.. أما العروس الأخرى الذائبة في عشق صاحب العينان الزرقاوان، فقد ارتدت فستان أبيض تل منفوش مرصع بالماس وزادها حجابها جمالاً على جمالها. دخلت هدير ببهجة وتحمل طفلها آدم على يدها وتطلق الزغاريد في سعادة بالغة وبجانبها روان ببطنها المنتفخة. هتفت هدير بفرحة: الله أكبر..... الله أكبر.
.. ربنا يحميكوا من العين يا حبايب قلبي.
ضحكن بخجل ونظرت لهم روان بعيون دامعة وأردفت: مبروك يا سوسو..... مبروك يا كارمن... أنا قلبي هيطير من الفرحة.
ابتسمت كارمن وتولت سهير الرد قائلة: الله يبارك فيكي يا رورو يا روح قلبي.... ثم نظرت لبطنها المنتفخة وقالت: رورو أوعي تعمليها النهارده... مش عاوزة أول ليلة ليا تبقى في المستشفى.
دمعت عين روان وتمتمت بخفوت: والله أنا تعبانة وخايفة من الصبح بس ربنا يسترها بقى.
هتفت سهير بتضرع: يارب.
نظرت كارمن إلى المرآة وتمتمت على فستانها ليصدح صوت هدير: يلا يا عرايس العرسان مستنينكوا برا.
مين اللي هتطلع الأول؟
ردت سهير بسرعة: كارمن.
ضحكت كارمن وأومأت برأسها إيجاباً وخرجت.
وقف صلاح يراقبها وهي تقترب منه غير قادر على وصف جمالها ورقتها، هل أصبحت له أخيراً بعد كل هذه المعاناة؟ هل كان يجب أن يمر بكل هذا الآلام حتى يحصل عليها؟ يقسم أنه لو كان يعلم أنها ستكون له في النهاية لم يكن ليحزن يوماً على ما مر به... يكفيه رؤيتها الآن عروساً تزف له.... يحمد الله ألف مرة أن حقق له ما تمنى أخيراً... وقفت أمامه تماماً تقرأ كل ما مر برأسه... في عام واحد طبطب على جراحها عوضها سنين الحزن، بدأت معه حياة جديدة بلا ألم... في العام المنصرم كان فقط يعيد لها ثقتها بذاتها وحبها للحياة، يعيد كارمن التي طمسها جاسم تحت رماد الخيانة والوجع... كان يبرهن لها حبه ليس فقط بالقول بل كل أفعاله تبين لها كم يحبها ويحيى فقط بوجودها.
تكلمت كارمن بخجل: هتفضل تبصلي كده كتير؟
رد صلاح بابتسامة مبهورة: مش مصدق عيوني.
ضحكت كارمن بخجل وهمست: صدق.... المفروض أنا اللي مصدقش نفسي من الفرحة... أنا محظوظة أوي... محظوظة بيك وبوجودك وحبك...... لو فضلت طول عمري أعبرلك قد إيه أنا ممتنة ليك ولوجودك مش هعرف أعبر.... بس عاوزة أقولك حاجة واحدة... إني اكتشفت إني كل اللي فات من عمري كان وهم وإني لأ عمري حبيت ولا هحب غيرك.
بحبك يا صلاح.
ضمها صلاح إلى أحضانه برد فعل تلقائي لما قالت. لا يصدق أنه بعد كل هذه السنوات يسمعها منه هكذا صريحة. فليمت صلاح فداءً لهذه الكلمة من بين شفتيها. دمعت عينه وهو يضمها ويكرر اسمها كالمحموم.
هتف بقوة: وأنا بحبك حب ملوش حدود.
حب لو اتوزع ع العالم كله هيكفي ويفيض.
شدت كارمن أحضانه تضحك بفرحة وتحمد الله من قلبها على عوض لها.
دخل عمار يفسد جمال اللحظة يصيح بمرح: ما كفاية يا جدعان بقا. عاوز آخد عروستي.
ضحكت كارمن بشدة وهي تبتعد عن صلاح وتمسح الدموع التي غفلتها ونزلت تشاركها اللحظة.
في الداخل.
وقفت سهير تعطي ظهرها لعمار وتنتظر رد فعله حينما يراها بفستان الزفاف.
هتف عمار: النهارده فرحي يا جدعان.
ضحكت سهير بقوة. ليستطرد عمار: ما تلفي بقا يا سوسو.
هزت سهير رأسها بأن لا.
ليزفر عمار بحنق: لا عاوزين ننجز يا سوسو ورانا ليلة طويلة.
استدارت له سهير تصرخ بحنق: ما عندكش ريحة الرومانسية.
تمتم عمار وغمز لها بوقاحة: الرومانسية بالليل واحنا لوحدينا.
احمرت سهير بشدة وصرخت: كنت عارفة إنك قليل الأدب. يا كارم يا أخويااا. طلقني منه.
ثم جرت تخرج من المكان بأكمله.
جرى عمار خلفها يتمتم: يا بنت الهبلة. استني يا سوسو.
في الحارة علقت الأنوار في كل مكان احتفالاً بحفل زفاف خيرة الشباب. كان الجميع يظهر عليه الفرح والسرور. الجميع يرقص ويغني ويشارك بفرحة بالغة. الزغاريد تصدح بقوة. وصلوا بعد الزفة التي شارك فيها معظم الشباب. وكان يشاركهم فيها سيف وأخوه سليم الذي اندمج مع الأجواء سريعاً.
كانت أجواء الزفاف رائعة. الجميع فرح من قلبه. الشباب يشاركون صلاح وعمار الرقص. والفتيات يشجعن سهير التي ترقص بجنون تعبيراً عن فرحتها الشديدة. وكارمن تصفق بقوة وحماس. هي وسمران التي وقفت تتعلم من روان بعض الحركات بحماس شديد.