تحميل رواية «غريق على البر» PDF
بقلم نعمة حسن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في منزل بسيط بقرية بجانب محافظة البحيرة. تعمل "فرحه" بكد و إجتهاد قبل عودة والدها من الحقل و عودة أخواتها من الخارج. عاد والدها من الخارج فأسرعت و ساعدته لينزع عنه ملابسه و من ثَم تتابع مجئ إخوتها. دخلت "بدر" متذمرة كعادتها كل يوم عند عودتها من المدرسه و ألقت بحقيبتها فقابلتها "فرحه" بوجه مبتسم و ذراعين ممدودتين لتهرع إليهما "بدر" بين أحضان أمها التي لا تعرف سواها. قبلتها "بدر" ثم قالت: فروحه طبخالنا إيه بقا ؟! طبخالك كل حاجه إنتي بتحبيها يا روح فروحه.. يلا إطلعي إغسلي إيديكي و وشك كدهون و تعالي...
رواية غريق على البر الفصل الأول 1 - بقلم نعمة حسن
في منزل بسيط بقريـة بجانب محافظة البحيرة.
تعمل "فرحه" بكد و إجتهاد قبل عودة والدها من الحقل و عودة أخواتها من الخارج.
عاد والدها من الخارج فأسرعت و ساعدته لينزع عنه ملابسه و من ثَم تتابع مجئ إخوتها.
دخلت "بدر" متذمرة كعادتها كل يوم عند عودتها من المدرسه و ألقت بحقيبتها فقابلتها "فرحه" بوجه مبتسم و ذراعين ممدودتين لتهرع إليهما "بدر" بين أحضان أمها التي لا تعرف سواها.
قبلتها "بدر" ثم قالت:
فروحه طبخالنا إيه بقا ؟!
طبخالك كل حاجه إنتي بتحبيها يا روح فروحه.. يلا إطلعي إغسلي إيديكي و وشك كدهون و تعالي.
فورريره. قالتها "بدر" بحماس ثم وثبت للأعلي.
"السلام عليكم يا فرحتنا" طلّ "رضوان" شقيق" فرحه الأكبر ناطقاً بتلك الكلمات فإستقبلته بإبتسامه بشوشه صافيه و قالت:
وعليكم السلام يا حبيبي يلا إنت كمان غسّل وشك و إيديك و تعالي.. أخوك فين؟!
'رامي' طالع ورايا بس مش عارف'كرم' غطسان فين مش باين.
دلوقتي يظهر.. يا أهلاً بالمعارك.
قالتها فرحه مشاكسه عند دخول "رامي".
جهزت "فرحه" طعام الغداء و جلسوا يتناولون طعامهم سوياً وسط جو ملئ بالضحك و الألفه.
في بيت فخم جداً بحي راقي في القاهرة.
يجلس رجل الأعمال المشهور "أحمد إدريس" يتناول طعام الغداء برفقة شقيقته الوحيده "رضوي" التي بادرت بالحديث قائله بسخريه:
أبله "نورا" كانت هنا من شويه!
ثم لوت شفتيها و قالت بنزق:
كانت بتطمن عليا!!
نظر إلي شقيقته بإبتسامه و قال بصوته الرخيم:
و بعدين معاكي يا رضوي؟! مش قولنا بلاش كلمة أبله دي عشان بتضايقها!
قالت ساخطه:
الله!! وهو أنا لما أحترمها أبقا كده بضايقها؟! هي بس اللي مأنزحه شويتين و مبتحبش تبان كبيرة في السن.
هز رأسه بملل و يأس و تابع:
نفسي أعرف بتجيبي المفردات دي منين؟! و بعدين هي مش كبيرة هي عندها 33سنه بس.. إنتي اللي عشان بنت 18مفكره إن إحنا عجزنا خلاص.
قالت مصححه:
لا يا حبيبي إنت لسه 32 سنه يعني شباب ده إنت أصغر منها.. و بعدين ده سن الشباب في أوروبا بيبدأ من ال60 يعني إنت بالنسبة لهم لسه بيبي!
ضحك ملء فمه و قال:
طيب يا لمضه إتفضلي يلا علي مذاكرتك و أنا هدخل أنام شويه لأني خلاااص هلكاان!
دلف إلي غرفته و ألقي بجسده إلي الفراش و أغمض عينيه بإنهاك ثم غطّ في النوم.
ذهبت "فرحه" لمساعدة "بدر" في أداء واجباتها.. دخلت إلي غرفتها فوجدتها تستلقي إلي الفراش بإهمال.. قطبت حاجبيها و ذهبت إليها قائله:
مالك يا بدر البدور نايمه كده ليه؟!
نظرت إليها "بدر" بـوهن بادٍ علي ملامحها و أشارت إلي موضع قلبها و قالت:
الحته دي بتوجعني أوي يا "فرحه".
إنقباضه أصابت قلبها لشكوي أختها ذات الـ عشر ربيعاً و لكنها تجاهلتها و قالت:
بعد الشر عليكي يا حبيبتي تلاقي بس من كتر الشقاوة و الجري في المدرسه.. يلا قومي عشان نكتب الواجب.
قاطع حديثهما نداء والدها بإسمها فـ نزلت للأسفل تتساءل عمّا يريد فوجدت" رجب"إبن عمها يجلس برفقة والدها فصافحته و قالت:
نعم يابا.. تؤمر بحاجة؟!
مش تسألي خطيبك يشرب إيه يا فرحه يا بتي؟!
نظرت "فرحه" إلي "رجب" و قالت بإبتسامة:
تشرب حاجه يا رجب؟!
آه.. إعمليلي شاي و سيبينا لوحدينا شويه!
أومأت بموافقه و ذهبت ثم أعدّت كوبان من الشاي و عادت تحملهما فإلتقطت أذنيها قول "رجب":
يبقا علي خيرة الله يا عمي آخر الشهر الجاي ان شاء الله نعمل فرح صغير كده علي قدنا.. إنت عارف الظروف يا عمي و اللي نصرفه في الفرح و الكلام الفاضي ده نستثمره و يجيب فلوس أكتر.
لم ينتبهوا لتلك التي تقف تنصت لهما بأعين دامعه إلا عندما سقطت منها أكواب الشاي.
نهض" رجب"فجأه و هرول إليها قائلاً:
مش تمشي علي مهلك!
رمقته بغيظ ثم أطلقت ألسنة اللهب خاصتها و قالت:
بجد؟! هو إنت شايفني ماشيه أترقص؟! و بعدين فرح مين اللي آخر الشهر؟! خير؟! عندنا عرايس من بنات عمي و أنا معرفش؟!
قال بخيلاء:
لا.. فرحنا.
رددت مستنكرة:
فرحنا مين لا مؤاخذه؟!
يه!! فرحنا أنا و إنتي يا مخبوله!
ده اللي هو ازاي يعني؟! داهيه لتكون كنت بتتكلم عننا بردو لما قولت هنعمله علي الضيق و مش عارفه إيه!
آه أومال بتكلم عن مين يعني؟
لااا يا رجب أنا ميمشيش معايا الكلام ده!! إذا كنت عايز تتجوز آخر الشهر يبقا تعمللي فرح و زفه و مغني و ليله كبيرة و تجيبلي عوالم كمان!
يه!! عوالم؟؟!!!
امممممم عوالم.. هي زهرة أختك أحسن مني في حاجه؟! ده محسن كان جايبلها 4عوالم و جوز مغناوتيه و فضلوا طول الليل يرقعوا دن دن دش جمب وداني.
و إنتي عايزاني أجيب عوالم؟! عايزة الناس كلها تقعد تبحلق فيهم و أنا أشيل الذنب؟! عايزانا بنبتدي حياتنا و أحنا بنغضب ربنا؟!
قالت مستهزءه:
و إنت لما كنت واقف تنشف للرقاصه أم عين و عين عرقها مغضبتش ربنا؟! و لما روحت بنفسك جيبتهم من الموقف برجليك اللي إن شاء الله هتنشل يوم القيامه دي مغضبتش ربنا؟! ولا إنت عايز توفر علي قفا فرحه و خلاص!
إحتد النقاش بينهم كعادتهم فتدخل والدها قائلاً:
خلاص يا فرحه إطلعي إنتي فوق دلوقتي.
رمقت ذاك الذي يغلي و يزبد بغضب عارم ثم تركته و خرجت إلي الحقل الخاص بهما.. إفترشت الأرض الخضراء و سحبت شهيقاً قوياً و كأنها تريد أخذ كل هواء الأرض داخل صدرها ثم زفرته محمل بكل ما يعتمل به صدرها من ضغط و ألم و فقد و إحتياج.
أيقظه من نومه رنين هاتفه المرتفع فأجاب بصوت ناعس:
أيوة يا نورا؟!
معقول يا أحمد لسه نايم؟
هي الساعه كام دلوقتي؟!
الساعه 8ونص.. لسه ساعه علي ال meeting يدوب تلحق تجهز و تيجي عشان نكون في إنتظارهم.. دول أتراك يا أحمد و أهم حاجه عندهم الإنضباط في المواعيد.
قلب عينيه بملل و قال:
خلاص بقا يا نورا فلقتيني أتراك أتراك.. مالهم يعني الأتراك ما هم ناس زي أي ناس.
قالت بضيق:
إيه فلقتيني دي؟! إنت بتجيب الكلام ده منين؟!
خلاص يا حبيبتي.. نص ساعة و هكون موجود.. سلام.
أغلق الهاتف زافراً و تمتم بداخله:
مش عجباكي فلقتيني؟! أومال لو سمعتي متأنزحه بقا هتقولي إيه؟!
بدّل ملابسه سريعاً ثم إتجه إلي الفندق المقام به الإجتماع.. تقدم من الوفد التركي و صافحهم ببرود يلائم لون بشرتهم ثم جلس و بدأوا يتناقشون حول أعمالهم و مشاريعهم المشتركه إلي أن إنتهي الإجتماع بالإتفاق معه علي السفر إلي تركيا لزيارة مقر شركتهم و مشاركتهم إفتتاح مجموعة الشركات الخاصه بهم.
كانت فرحه تطمئن علي إخوتها كعادتها يومياً قبل الذهاب إلي النوم.. مرت بغرفهم جميعاً ثم ذهبت إلي غرفتها التي تشاركها بها "بدر" أثناء النوم فإستمعت إلي أنينها.
هرولت إليها فوجدتها مسچاه علي الأرض.. صرخت بفزع و رفعتها عن الأرض مناديه بإسمها و لكن لم يأتها جواب.
ذهبت سريعاً إلي غرفة"رضوان" فأيقظته بهلع ثم ذهب معها لرؤية شقيقته و هوي قلبه أرضاً عندما رآها هكذا.
حملها سريعاً و ذهب بها إلي المشفي برفقة "فرحه".
فحصها الطبيب بعناية ثم نظر لهم بإستياء و قال:
للأسف أنا شاكك في حاجه و يا رب متكونش صح.. بس هنستنا الأشعه و بعدها نشوف.
بعد مرور بضع ساعات قضاها كلاً من فرحه و شقيقها رضوان في إنتظار ظهور نتيجة الأشعه..
رضوان: ها يا دكتور طمنا الله لا يسيئك.
الطبيب: للأسف شكوكي إتأكدت ده تلف في صمامين في القلب و للأسف الحاله متأخرة و لازم العمليه تتعمل في أقرب وقت و للأسف مينفعش تستني تعملها في مصر.. لازم تسافر تركيا!
رضوان و فرحه: تركياا؟؟!!
أومأ الطبيب قائلاً:
حاليّاً، بقت عمليات القلب المفتوح بتتسمّي بعمليات القلب التقليديّة، و ده لظهور نوع جديد من العمليات اللي بتتعمل على القلب من غير فتح تجويف الصدر، باستخدام الروبوت الجراحي، إسمها عمليات القلب طفيفة التدخُّل.. و النوع ده من العمليات مش بتتعمل غير في تركيا و حالة بدر لا تحتمل أي تأخير يعني لازم بكرة تكون مسافرة عشان علي أقل تقدير بعد بكرة تدخل عمليات و متنسوش إنها لما تسافر المستشفى هناك لسه هيعملو لها فحوصات و تحاليل هتاخد وقت فياريت تنجزوا.
أومأا رضوان و فرحه و غادرا المشفي بحيرة و ضيق.
_يا بنتي الله يهديكي بطلي عياط و إفهمي..إنتي مفيش عندك ورق تسافري بيه و الورق هياخد كام يوم علي ما يطلع و مش معقول بردو هنستني لحد ما الورق يطلع عشان تسافري معانا.
قالت فرحه ببكاء:
و إنت عايز حته من قلبي تبقا في حالة زي دي و انا بعيد عنها؟!
قال رضوان:
يا حبيبتي إفهمي..أنا هسافر الليله لأن ورقي جاهز من أيام سفرية الكويت و إنتي هتستني لما"رامي" يخلصلك ورقك و تحصلينا و هو طبعاً مش هينفع يجي معاكي لأنه متخلف عن الخدمه العسكريه بسلامته..والله العظيم انا لولا عارف إن بدر مش هتسكت من غيرك مكنتش خليتك تحصليني خصوصا إنك هتيجي لوحدك.
جهزت فرحه حقيبة "بدر" و ودعتها بالكثير من القبل و الأحضان المصحوبه بالدموع.
بعد مرور أسبوع...
ودّع "أحمد"شقيقته بعد أن أوصاها بنفسها خيراً و قال:
خالتو هتيجي كمان ساعه عشان تقعد معاكي متغلبيهاش و بلاش لماضه و أنا إن شاء الله كلها يومين و ارجع.
إحتضنته و قالت:
تروح وترجع بالسلامة.
و غادر منطلقاً نحو المطار إلي تركيا.
_خلي بالك من نفسك يا فرحه..و متقلقيش أنا هستناكي في المطار..و بدر بتبعتلك بوسه كبيررره و بتقولك هي بقت كويسه الحمدلله.
طيب و بدر هتسيبها لوحدها؟!
متقلقيش هنا المستشفي أمان و كل حاجه مترتبه أصلاً المستشفي مش بعيد عن المطار و هي إتصاحبت علي الممرضات و بيلعبوا معاها كمان..
إنتي نزلتي مصر؟
آيوة وصلنا من ساعة..و الطيارة بكرة الساعه 7إن شاءلله.
إن شاء الله..تيجي بالسلامه.
في صباح اليوم التالي إستعدت"فرحه"للسفر و رافقها شقيقها إلي المطار حتي صعودها إلي الطيارة و إقلاعها ثم عاد أدراجه.
دخلت"فرحه"إلي الطيارة تجول بعينيها في أنحاء الطيارة حتي وقع بصرها علي مقعد فارغ علي يمينها..ذهبت إليه و حدثت ذاك الذي يجلس بزهو قائله:
بعد إذنك.
رفع نظارته عن عينيه و هز رأسه بتساؤل فقالت:
عايزة أقعد جمب الشباك.
نظر لها بتعجب و تجاهلها فأعادت نداؤها:
لو سمحت.
تحدث بضيق و قال:
نعممممم!لو ده مكانك إتفضلي إقعدي من سكات و خلصينا.
قالت بصوت عالي نسبياً:
إنت بتتكلم كده ليه يا أفندي إنت؟!بقوللك عايزة أقعد جمب الشباك!
صرخ بها بنفاذ صبر قائلاً:
تقعدي جمب الشباك إيه يا بتاعه إنتي هو إحنا راكبين أوتوبيس؟!إترزعي في أي حته خلينا نخلص!
جلست بجانبه علي مضض و ظلت ترمقه بنظرات جانبيه حانقه ثم أسندت رأسها إلي الخلف و أغمضت عينيها.
إتسعت عينيها بفزع عندما إستمعت إلي صراخ كابتن الطيارة و قد أعلن حالة الطوارئ على متن الطائرة ثم قال: "ليس لدينا وقود"، وتابع: "لدينا مشكلة تقنية كبيرة"، ثم صرخ مخاطباً برج المراقبة: "ساعدونا.. نحن نسقط".
رواية غريق على البر الفصل الثاني 2 - بقلم نعمة حسن
الأسوأ قد حدث.. إنه الآن يجد نفسه فجأة وسط الماء وقد تقطعت به السبل.
لا يعلم هل كل فرص الإنقاذ معدومة أم لا؟! لقد فقد كل الآمال وهو الآن نحو طريقه إلى الموت البطئ!
ظل يتلفت حوله في جميع الجهات لا يدري هل يتقدم أم يتراجع وأي الطرق يسلك حتّى مر من فوقه سرب من طيور النورس فسبح في نفس اتجاهه حتى ظهرت اليابسة.
خرج من الماء وألقى بجسده على الأرض وظل ينظّم أنفاسه المضطربة مغمضاً عينيه وهو يحمد الله على نجاته.
اعتدل في جلسته ثم نهض بغتة ونزل إلى الماء مرة أخرى محاولاً إنقاذ من يمكن إنقاذه.
ظل يبحث بداخل الماء ولكنه لم يجد أحداً فعلم أنهم قد سقطوا إلى القاع بداخل الطائرة المنكوبة.
همّ أن يسبح نحو الخارج فوقع بصره على يدين ممتدتين إلى خارج المياه وكأنها تستغيث فسبح نحوها بأقصى سرعته حتى وصل إليها ثم جذبها إلى الأعلى بسرعة.
نظر إلى وجه صاحبة اليدين المستغيثتين فوجده شاحبًا للغاية مستكينًا لأبعد حد.
أحاطها بيمناه ثم سبح بها إلى الخارج ووضعها أرضاً على ظهرها واستلقى بجانبها هنيهة يلتقط أنفاسه ثم نظر إليها وإلى شحوب وجهها ثم وضع يده موضع قلبها فوجدها تتنفس ببطء فوضع إصبعيه بجانب حنجرتها يراقب نبضها فوجده مضطربًا بعض الشيء.
حاول إسعافها عن طريق القيام بعملية الإنعاش الرئوي فوضع يده فوق الأخرى ضاغطًا على صدرها عدة ضغطات حتى بصقت الماء الموجود بحلقها ولكنها لم تحرك ساكنًا فاقترب منها وبدأ في مباشرة عملية التنفس الصناعي فأرجع رأسها للخلف وأغلق فتحتي أنفها ثم أخذ نفسًا عميقًا وأحكم شفتيه على شفتيها ونفخ بقوة فباغته هي بصفعة قوية على وجهه اتسعت لها عيناه مذهولاً.
"بتعمل إيه يا عديم الرباية ياللي تنشك في محاسيسك؟!"
قالتها "فرحة" وهي تجاهد كي تلتقط أنفاسها بصعوبة ثم أكملت: "فاكرني ميتة وآخد راحتك أوي لكن يشاء السميع العليم إني ماموتش وأكشفك على حقيقتك!"
لم يجيبها ولم يتفوه ببنت شفة بل ظل ينظر لها بعينين مشدوهتين لما فعلت فأشارت هي بيديها أمام عينيه قائلة: "إيه ده يا أفندي يا محترم؟! اتصدمت إني طلعت عايشة.. صح؟!"
"إنتي إيه اللي عملتيه ده؟!"
قالها وهو يضع يده فوق وجنته فنظرت إليه بريبة قليلاً وقالت: "إيه عملت إيه؟! ما أنت اللي مش محترم!"
قضم شفتيه غاضبًا في غيظ شديد فتوجست هي وبترت كلمتها فقال: "تصدقي أنا فعلاً أستاهل!.. ده جزاء الإحسان!.. كان المفروض أسيبك في المية لحد ما تبوشي وتتحللي من الملح."
نظرت له بامتعاض وقالت: "وهو اللي يعمل خير يقعد يقول أنا وأنا ولولايا ومش عارف إيه؟!"
قاطعها قائلاً: "ششششش.. إسكتي خاالص عشان مش ناقصاكي بجد.. خلينا نشوف هنتصرف إزاي في المصيبة دي."
تمتمت حانقة: "ماله ده! زي ما أكون أنا اللي وقعت الطيارة؟!"
نظر لها وكأنه تذكر شيئًا ما وتحدث قائلاً: "هو إنتي اللي كنتي جمبي وعمالة تقولي عاوزة أقعد جنب الشباك؟!"
اتسعت ابتسامتها بفخر وأومأت بموافقة فصرّ على أسنانه من الغيظ وتمتم: "بوومه!"
التقطت أذنيها الكلمة فقالت بحاجب مرتفع ونبرة متذمرة: "ما تتلم يا أفندي إنت مش عاوزة أغلط فيك!"
قال ساخطًا: "أفندي؟! ليه شايفني ماسك منشة ولابس طربوش!"
رمقته باستهزاء ثم قالت: "إلا قوللي يا أفندي.. إنت عرفت توصل للشط إزاي؟! شكلك كده سبّاح ماهر."
قالت الأخيرة بسخرية فأجابها قائلاً: "اتريقي! أهو لولا السباح الماهر اللي مش عاجبك ده كان زمان سمك القرش عامل عليكي حفلة تحت!"
قلبت عينيها بملل وقالت: "بردو هيشكر في نفسه ويقوللي لولايا! دي مش أصول على فكرة! ها؟!"
هز رأسه متسائلاً فقالت: "عرفت توصل للشط إزاي؟!"
أجابها: "لقيت سرب طيور تقريباً كده نورس فـ عرفت إن في يابسة قريب فـ عومت في اتجاههم لحد ما خرجت! بس."
"يحلاوة.. صحيح العلم نور يا ولاد!"
"العلم نور أه.. إنتي مش متعلمة ولا إيه؟!"
"لا إزاي.. متعلمة طبعاً معايا شهادة الإعدادية."
ضحك بشدة فعبست جبينها مستنكرة وقالت بحدّة: "بتضحك على إيه يا حضرة؟!"
لمح علامات الضيق بادية على وجهها فقال: "أنا آسف مقصدش سخرية ولا حاجة بس طريقتك ضحكتني!"
هزت رأسها بإيجاز وأشاحت بوجهها بعيدًا فقال بنبرة أكثر لطفًا: "طيب ومكملتيش تعليمك ليه؟!"
تناست سخريته سريعًا وقالت: "أصل أمي ماتت وأنا في آخر سنة في الإعدادية فـ اضطريت أسيب المدرسة عشان أراعي إخواتي وخصوصًا إن أبويا كبير في السن ميقدرش على خدمتهم!"
نظر لها بتقدير وقال متسائلاً: "عندك إخوات أصغر منك؟!"
"أيوة "رامي" أصغر مني بسنة وبعده "كرم" عنده 15 سنة وبعده "بدر" عندها 10 سنين وفي "رضوان" ده أكبر مني بسنتين."
"بسم الله ما شاء الله.. ربنا يرجعك ليهم بالسلامة إن شاء الله."
ابتسمت باقتضاب وقالت: "وإنت؟!"
"أنا عندي أخت واحدة اسمها "رضوى".. ووالدي ووالدتي متوفيين من زمان."
"ربنا يخليهالك.. وترجع لها بالسلامة يا رب."
ضحكة ساخرة أطلقها وأردف: "يااارب.. مع إنه مش باين إننا هنخرج من هنا.. حتى الطيارة اللي كانت ممكن تكون علامة غرقت!"
ثم أكمل مستفهماً: "أه صح.. إنتي خرجتي من الطيارة إزاي؟!"
"خرجت من الخرم اللي في ديل الطيارة!"
أجابت بتلقائية فامتعضت ملامح وجهه من أسلوبها وقال: "تقصدي فتحة يعني!"
"أيوة يا أفندي.. الفتحة!.. وبعدين متركزش معايا حضرتك وبسّط الأمور كده عشان شكلنا هنقعد سوا كتير وعايزين الأيام تعدي كده ونخلص."
أومأ مؤكدًا وقال: "معاكي حق.. طيب عايزين نحاول نوفر موارد للأكل والمية وكمان مكان نقعد فيه على ما يلاقونا."
"يااا سيدي متشيلش هم أكل وشرب ما البحر قدامنا أهو نشرب براحتنا!"
نظر لها بتعجب وقال: "نعممم؟! عايزة تشربي من البحر؟! إنتي معتوهة يا بنتي؟!"
فرغت فاها بصدمة وقالت: "على فكرة كده مش حلو ولو غلطت تاني هغلط أنا كمان وبعدين فيها إيه يعني لما نشرب من البحر؟! هيخلص ولا هينقص؟!"
قال بسخرية: "لا يا فيلسوفة زمانك مش البحر اللي هيخلص.. عمرك اللي هيخلص إن شاء الله. إنتي متعرفيش إن الملح اللي في المية ده هيخلي جسمك يفقد المية اللي موجودة فيه ويحصلك جفاف وتموتي؟!"
"ياخويا متفسرش في وشي."
قالتها وهي تشيح بوجهها عنه ثم أردفت: "طب والعمل؟! ده أنا معرفش أعيش من غير ميه!"
"هنتصرف بقا وندور ممكن يطلع حظنا حلو ونلاقي بير."
قالت بتشاؤم: "ولو ملقيناش؟!"
"يبقى لازم نقطر مية البحر ونشربها."
"هنقطّرها إزاي يعني؟!"
"يعني لازم الأول نولع نار وبعدها نحط المية في حاجة ونغليها عشان نغرف نشربها."
"أيوة الله لا يسيئك اتصرّف.. بس ماشاء الله عليك يعني بتفهم في كل حاجة.. هو إنت دكتور ولا إيه؟!"
"لا مش دكتور.. بس عندي معلومات في كل المجالات ودي حاجة مترتبطش بماهية عملي!"
نظرت له بعدم فهم فقال: "بصي أنا حالياً مش مهيأ نفسياً إني أتكلم.. قومي بينا خلينا ندور على أي حاجة تتاكل قبل ما الليل يدخل علينا ولازم كمان نولع نار عشان لو في حيوانات ولا حاجة؟!"
قالت بذعر: "إيه؟! حيوانات؟!"
"أيوة طبعاً حيوانات.. هو إنتي فاكرة نفسك واقعة في صالة بيتكم؟! إنتي في جزيرة مهجورة يا ماما."
"طيب يلا بسرعة نشوف هنولع نار إزاي قبل ما الليل يليل."
ذهبت برفقته إلى داخل الغابة يستكشفونها فقال: "ألا قوللي يا اسمك إيه."
قاطعته قائلة: "إيه اسمك إيه دي؟! اسمي "فرحة" يا أفندي!"
"قوليلي يا "فرحة" كنتي رايحة تركيا تعملي إيه؟!" ثم أكمل ساخراً وقال: "جايلك عقد عمل هناك ولا إيه؟!"
رمقته بسخرية مماثلة وقالت: "لا يا خفيف.. أختي هناك بتعمل عملية وكنت رايحالها! وإنت بقا كنت رايح تعمل إيه بسلامتك؟!"
"كنت مسافر في شغ..."
بتر كلمته ونظر إلى الأمام بدهشة فنظرت هي إلى حيث ينظر وسقط فمها أرضاً لما رأت!
رواية غريق على البر الفصل الثالث 3 - بقلم نعمة حسن
"ديب!"
قالتها "فرحه" بهلع وصوت منخفض مرتعش، واختبأت خلف ظهر "أحمد" الذي ظل ينظر إلى الذئب نظرات ثابتة وقال:
"ارجعي لورا بالراحة."
فعلت "فرحه" كما أمرها، وازداد خوفها. فقال:
"لازم نولع نار بسرعة.. اجرِ وخذي أي جزع شجرة وولعي فيه وهاتيه.. بسرعة."
قالت وهي ترتجف خوفًا:
"أولع فيه إزاي يعني؟!"
رمقها بغيظ وقال:
"هاتي حجرين من اللي على الأرض دول وحكيهم في بعض هيطلعوا شرارة نار.. ولا أقول لك هاتي غصنين من اللي جنبك دول وحكيهم في بعض جامد وحطي بينهم ورق شجر.. اخلصي."
مدت أناملها المرتعدة وأمسكت بغصنين شجر ملقيين على الأرض وفعلت كما أمرها، وفوجئت عندما اشتعلت النيران، فنظرت له بفرحة وقالت:
"دي ولعت."
"بسرعة ولعي جزع شجرة وهاتيه."
أمسكت بجزع شجرة ملقى على الأرض وأشعلته من النار التي صنعتها وناولته إياه، فأمسكه ودار حول الذئب، فدار الذئب حوله بدوره. ظل يدور حول الذئب عدة دورات ممسكًا بيده العصا المشتعلة حتى تركه الذئب وانصرف.
قالت متعجبة:
"ده سابك ومشي!!"
استند إلى الشجرة خلفه وقال وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة:
"الديب مع إنه من أقوى الحيوانات لكن ربنا سابله نقطة ضعف واحدة وهي شوكة في ضهره بتخليه ما يعرفش يلف رقبته، لازم يلف بجسمه كله. عشان كده فضلت ألف حواليه وهو يلف خايف يقرب من النار لحد ما داخ ومشي."
مصمصت فرحة شفتيها في إعجاب وقالت:
"يحلاوة.. صحيح العلم نور يا ولاد!"
نظر لها حانقًا وقال:
"أهو ده اللي بأخده منك.. ثم قال مقلدًا صوتها: يحلاوة.. صحيح العلم نور يا ولاد."
قالت بغضب طفيف:
"الله!! وأنا في إيدي إيه أعمله يعني ومعملتوش؟!"
"لا من اللحظة دي لازم نقسم المهام بيننا وكل واحد يلتزم بالشروط اللي هنحطها دلوقتي."
"اتفضل يا خويا.. قسم واسمعني!"
نظر لها مذهولًا فقالت:
"مش أنا قولتلك متدقش معايا.. انجز يا اسمك إيه.. ألا أنت اسمك إيه صحيح؟!"
"اسمي أحمد.. اسمعي يا فرحه.. أنا هحاول أوفر ميه نشرب منها وإنتي تدوري على أكل أو العكس.. المهم نبدأ من دلوقتي قبل ما الليل يليل."
قالت ساخرة:
"حاضر يا أحمد أفندي.. هخطف رجلي لحد ما السوق اللي في آخر الغابة وأجيب لك اللي نفسك فيه.. حاضر."
لعن تحت أنفاسه وقال:
"بلاش سخرية، مش ناقصاكي.. خلاص اختاري إنتي السهل واعمليه.. هتعرفي تدوري على ميه؟!"
"منا بقولك نشرب من البحر قولتيلي مينفعش! هجيب ميه منين أنا؟!"
"لا قولتلك هنقطرها الأول.. بس لازم نلاقي حاجة نحط فيها الميه على النار.. دي هتكون مهمتك.. وأنا هحاول أصيد سمك لعل وعسى أن أنجح."
"ولو منجحتش؟!"
قالتها بتلقائية فأجاب:
"ما شاء الله كتلة طاقة سلبية متحركة.. يابنتي تفائلي شوية مش كده!"
"طيب يا أحمد أفندي هتفائل.. روح يا رب تصطاد لنا دنيس وشبار هو أنا عايزة إيه يعني؟!"
"اتريقي براحتك.. يلا معاكي حوالي ساعة على ما أرجع تكوني عملتي نار وقطرتي ميه للشرب."
"والحاجة اللي هقطر فيها الميه أجيبها منين؟!"
"اتصرفي بقا مش إنتي المفروض ست بيت؟!"
"لا وإنت الصادق ده أنا بقيت ست غابة!"
لم يستطع أن يمنع ضحكته، فأدار وجهه وذهب نحو الماء.
***
اختفاء طائرة مدنية مصرية على متنها 62 شخصًا عن الرادارات بعد خمس وأربعين دقيقة من انطلاقها إلى تركيا.
وقال موقع تتبع الرحلات الجوية إن الطائرة فقدت أكثر من 3000 مترًا من ارتفاعها في أقل من دقيقة.
وقال أحد البحارة: أنه شاهد تحطم الطائرة وأن قبطان سفينته قرر العودة إلى اليابسة وأضاف: "الطائرة سقطت مثل البرق وانفجرت في الماء"، مضيفًا أن الحادث وقع على "مسافة قريبة منا نسبيًا"، وأن بعض "الشظايا كاد أن يصيب السفينة".
وقال سكان جزيرة قريبة من مكان اختفاء الطائرة إنهم عثروا على أشياء يعتقدون أنها من الطائرة.
وأرسلت السلطات أكثر من عشر سفن وعدداً من الغواصين من سلاح البحرية إلى الموقع الذي يعتقد أن الطائرة سقطت فيه.
ويفحص محققون أجسامًا يعتقدون أنها من حطام الطائرة المفقودة.
وصرح المتحدث باسم وكالة البحث والإنقاذ بأنها تسلمت حقيبتين "إحداهما بها أغراض مسافرين، والأخرى أشلاء.. ولا زلنا نفحص ما نعثر عليه لتحديد هويته".
استمع والد "فرحه" وأخواتها و"رجب" إلى ذلك الخبر الذي ذاع على كل قنوات الأنباء، فقال والدها بنياط قلبٍ ممزق:
"أنا قولت في حاجة حصلت محدش صدقني.. ما هو مش طبيعي إن رضوان ميردش علينا أديله يومين."
قال رجب مطمئنًا:
"متقلقش يا عمي إن شاء الله ما جراش حاجة عفشة.. هما لسه بيدوروا وإن شاء الله هيلاقوهم أنا قلبي حاسس إنه خير والله.. وبعدين دي فرحه يا عمي يعني قطة بسبع أرواح."
قال الأخير مازحًا، فرمقه شقيق فرحه "رامي" بغيظ قائلاً:
"تعرف يا رجب يابن عمي فرحه كانت دائمًا تقول عنك إيه؟!"
هز "رجب" رأسه متسائلاً بحماس فأجاب رامي:
"إنك عديم الحساسة!"
قطب رجب حاجبيه بضيق وقال:
"تشكر يبن عمي.. طيب يا عمي ناوي على إيه دلوقتي؟!"
"هننزل مصر نستنى في المطار مع اللي بيستنوا.. ربنا يردك بالسلامة يا فرحه يا بتي."
***
ظلت "فرحه" تبحث في محاولة منها لإيجاد وعاء يصلح لوضع المياه به ولكنها فشلت. جمعت أكوامًا من الحطب الجاف وقسمتهم إلى ثلاثة أكوام وذهبت باتجاه البحر، فوجدته يقف بداخل الماء فسألته:
"يا أحمد أفندي.. صيّدت كام سمكة؟!"
قال بيأس:
"ولا سمكة!"
"ولو فضلت واقف هنا طول السنة مش هتصيد حاجة.. السمك موجود في الميه القليلة اللي بين الصخور مش موجود على الشط مطرح ما أنت واقف كده."
نظر لها باستهزاء ولم يعيرها انتباهًا، فتركته وذهبت بجوار المياه الضحلة ومدت يدها فابتعد السمك مسرعًا. ثبتت يدها بداخل الماء حتى عاد الماء ساكنًا مرة أخرى وعاد السمك يمر من فوق يديها، فتلتقط هي ما تستطيع الإمساك به وترمي به إلى الرمل.
حسه فضوله ليذهب ويرى ماذا تفعل، ولكن تفاجأ قائلاً:
"يا بنت الإيه!!! أربع سمكات؟! صيّدتيهم إزاي دول؟!"
نظرت له بفخر وغرور قائلة:
"ملكش دعوة."
قال مغتاظًا:
"إيه مليش دعوة دي هو أنا جاي أشحت منك؟!"
"كفي نفسك يا ماما."
"منا يدوب هكفي نفسي بالأربع سمكات يا أفندي.. حد قال لك إني عازماك ولا حاجة؟!"
ذهب باتجاه المياه حانقًا وقد بدأت أمعاءه تستغيث.
ذهبت "فرحه" ناحية النار وبدأت حفلة الشواء خاصتها وهي تغني بخيلاء وفخر.
جلس هو أمام البحر بيأس وحيرة وشرد بخاطره ناحية شقيقته وعما أصابها في غيابه وعن خطيبته "نورا"، فقاطع شروده جلوس "فرحه" بجانبه وهي تمد يدها له بورقة شجرة غليظة فوقها ثلاث سمكات.
نظر لها باستفهام فقالت:
"إيه بتبص كده ليه؟!"
"يلا بسم الله."
"إيه ده؟!"
قالها متعجبًا.
"شوسي.. هيكون إيه يعني يا أحمد أفندي سلامة الشوف."
ضحك ملء فمه وقال مصححًا:
"اسمه سوشي على فكرة.. وبعدين إنتي جايبالي أكلك ليه؟!"
"لا وهو أنا هديك أكلي ليه؟! عاشقاك في الضلمة مثلاً؟! ده منابك. أنا صيّدت 6 سمكات ودي قسمة العدل."
ربت على ظهرها بتقدير وقال:
"لا يا فرحه شكراً مش عايز.. كلي إنتي بألف هنا."
"لا ويمين الله ما أمد إيدي إلا أما تاكل معايا.. يلا سمكة هنية تكفي مية."
ضحك بشدة وبدأ يشاركها الطعام وقال:
"إلا قوليلي يا فرحه."
"أقول لك يا فرحه ليه لامؤاخذة؟!"
نظر لها بتعجب وهز رأسه بيأس فقالت:
"بضحك معاك يا أحمد أفندي.. أصل أنا بحب الهزار والضحك قد عنيا.. مبحبش النكد وشيلة الهم."
"معاكي حق.. مفيش حاجة مستاهلة."
أومأت بتأكيد وقالت:
"هاا كنت عايز تسأل على إيه؟!"
"آه.. إنتي قولتيلي إنك كنتي مسافرة تركيا عشان أختك بتعمل عملية هناك.. مظبوط؟!"
هزت رأسها بنعم فقال:
"بس سفر تركيا مكلف جدًا وكمان العمليات هناك مش بسيطة."
"آاااه.. تقصد يعني عشان إنت شايفني بسيطة وكده فإزاي جبنا مصاريف العملية والسفر."
"بصراحة آه.. عندي فضول أعرف."
"بص يا أحمد أفندي.. إحنا فلاحين يعني عيشتنا بسيطة جدًا بس حالنا متيسر جدًا الحمد لله.. يعني عندنا أطيان ولا مؤاخذة مواشي والحمد لله مستورة فلما جه موضوع عملية "بدر" أبويا باع أرض من اللي عنده لواحد فلاح قريبه بردو وبدر سافرت وعملت العملية الحمد لله ولما جيت أنا أسافر بردو كان عنده "عجلة" صغيرة باعها لـ"رجب" ابن عمي وسافرت وياريتني ما سافرت.. أهو خسرني وخسر العجلة."
انفجر هو ضاحكًا فشاركته الضحك وقالت:
"الحمد لله ده أنا كانت عصافير بطني صوتت من الجوع.. عقبال الميه يا رب."
"شكراً يا فرحه على أكلة السمك المعتبرة دي.. الغدا بكرة عندي ها؟!"
قال جملته مازحًا فقالت ضاحكة:
"لا إنت بكرة تدور على حاجة نقطر فيها الميه وأنا يسيدي عليا الغدا."
أومأ مبتسمًا باقتضاب وأشاح بوجهه نحو البحر.
***
"خلاص بقا يا رضوي يبنتي اهدي بيقولوا لسه البحث مستمر أهو يعني إن شاء الله في أمل!"
قالتها خالة رضوي تحاول تهدئتها فقالت رضوي بنحيب:
"لا يا خالتو أنا قلبي مقبوض من يوم ما سافر وحاسة إنه جراله حاجة. أنا لازم أروح أستنى في المطار ممكن ييجي منهم أي خبر."
***
ظلّا أحمد وفرحه يجلسان أمام البحر في صمت لم يقطعه أيهما حتى تثائبت "فرحه" بشدة وقالت:
"خلاص مش قادرة.. عايزة أنام."
"وأنا كمان النوم غلبني.. قومي نروح هناك جنب النار آمن."
ذهبا وجلسا بجوار النار فأحاطت "فرحه" نفسها بذراعيها تلتمس الدفء منهما وأسندت رأسها إلى الشجرة من خلفها، وفعل هو المثل وغط في ثبات عميق قطعته فرحه صارخة فجأة...
رواية غريق على البر الفصل الرابع 4 - بقلم نعمة حسن
إنت مين؟! إنت ميييييين؟!
قالتها فرحه صارخه وهي تنهض بفزع مسرعه تبتعد عن ذلك الكائن الذي لا تعرف ماهيته.
قام "أحمد" من نومه مفزوعاً عندما إستمع إلي صراخها فوجدها تصرخ قائله: "إنت مين؟!" وتركض مبتعدة، فنظر إلي حيث كانت ترقد وإنفجر ضاحكاً وجري خلفها فوجدها تختبئ خلف شجرة.
جاهد كي يمتنع عن الضحك وقال: ده سنجاب يا فرحه.. إنتي خايفه من سنجاب؟!
نظرت له بأعين دامعه مذعورة، فرَق قلبه لرؤيتها بهذا الحال ومدّ يده لها، فأمسكت به وخرجت من خلف الشجرة.
نظرت إلي السنجاب بخوف، فقال: متخافيش يا فرحه.. السنجاب أليف.
نظرت له بشك، فذهب بجوار السنجاب وأمسك بغصن شجرة وبدأ في مداعبة السنجاب بلطف، ثم نظر لها قائلاً: ده صغير لسه ميتخافش منه. قربي.
لا ياخويا شكراً.. إلعبوا إنتوا وإتبسطوا.. وبعدين يعني كائن زي ده عايش في جزيرة مهجورة زي دي بيعمل إيه؟!
و بياكل إيه.. صحيح فقري إبن فقريه!
إسترعت كلمتها إنتباهه، فقال بغتةً: برافو عليكي يا فرحه.. فعلاً وجود السنجاب هنا ده يدل علي إن في أشجار مثمرة في المكان.
حتي لو في يعني.. هتطلع إنت الشجرة تجيب مثلاً؟!
زفر بغيظ قائلاً: يبنتي مش كده.. مش كل حاجه تقفليها في وشي كده.. أنا لو مموتش بسبب قلة الأكل والشرب هموت بالطاقه السلبيه اللي بتنقليها لي.
لوت شفتيها ساخرة وقالت: خلاص يا أحمد أفندي أنا هخرس خاالص وإتفضل إنت إتصرف.
نامي يا فرحه.. نامي أحسن.. الصبح إن شاء الله هبقا أدور أدور أنا.
ده لو طلع علينا صبح يعني!
لا حول ولا قوة الا بالله!!
قالها وهو يقلّب كفيه في تعجب من أمرها.
أسندت فرحه رأسها إلي الشجرة مرة أخري وقالت: طب هنام إزاي وإبو الصحاب ده مشرّف جمبي؟!
وأشارت برأسها إلي السنجاب، فقال: قولتلك ده حيوان أليف.. وبعدين أنا مش هنام.. نامي إنتي؟!
الله!! ومش هتنام ليييه؟!
قال ساخراً: أكيد مش عشان حضرتك صحتيني مفزوع وإستحيل أعرف أنام تاني دلوقتي.. لا.. ده أنا لازم أسهر علي حمايتك يا سمو الملكه فرحه.
زمت شفتيها بغرور وأغمضت عينيها وإستسلمت لسلطان النوم.
قام هو ببطء وذهب وأحضر عدة وريقات من الشجر وقدمها بيده إلي السنجاب الذي أشاح بوجهه عنها، فقال: أنا كلامي كده صح.. متربي علي الغالي.. أملي فيك يا بطل بكرة تساعدنا نوصل لأي شجرة ألا لو فضلنا من غير أكل كده هنمووت.
ظل يداعب السنجاب حتى إنصرف، وشرد هو أمامه ينظر إلى نقطة وهمية.
تذكر "نورا" وإبتسم ابتسامة لم تصل إلى عيناه، وتخيل لو أنها هي من ترافقه في تلك الجزيرة المهجورة الخالية من أي موارد بشرية ماذا كانت ستفعل؟! هل كانت ستحاول تجاوز الأمور ببساطة كما تفعل فرحه أم كانت ستظل تلعن حظها الذي أوقع بها إلى هنا!
تمتم بداخله: إيه الهبل اللي أنا بعمله ده؟! مفيش وجه مقارنة بينهم أصلاً!
نفض رأسه من تلك الأفكار التي تسبح بداخلها، ثم أسند رأسه إلى الشجرة من خلفه وحاول الاستسلام إلى النوم.
***
مش عارفه يا بابي والله بس هما بيقولوا لسه بيبحثوا.. ومرات يقولوا إنهم هيوقفوا البحث لأنه بدون فايدة وإن جميع الجثث اتحولت لأشلاء وبقى صعب التعرف عليها.. وأنا أهو كل يوم بعمل اتصالاتي وبحاول أوصل لأي جديد بس مفيش فايدة.
إعذريني يا حبيبتي إني مش قادر أكون معاكي في المحنة دي.. بس إنتي عارفه.. السفر دلوقتي مرهق جداً بالنسبالي.
ولا يهمك يا بابي.. إن شاء الله لو في أخبار هبلغ حضرتك.. مع السلامه.
أنهت "نورا" مكالمتها، فرمقتها "رضوي" بغيظ وغضب وقالت: إنتي بتتكلمي ببرود كده ولا كأن اللي كان في الطيارة ده المفروض حبيبك وهتتجوزوا بعد شهر!
إعتدلت "نورا" في جلستها لتقابل "رضوي" وقالت بعملية شديدة: بصي يا رضوي.. إنتي لسه صغيرة ومش بتفكري غير بمشاعرك وعواطفك.. لكن لما توصلي للسن اللي أنا فيها دي هتتصرفي بعملية أكتر.. يعني أنا هستفيد إيه لما أفضل أبكي وأقول يا ترى؟! مش هستفيد أي حاجة.. بالعكس.. ده أنا هخسر.
هزت "رضوي" رأسها بتساؤل، فأجابت "نورا" وهي تعد على أصابع يدها: هخسر وقت، هخسر طاقة، هخسر تركيز ممكن يساعدني إني ألاقي حل.. وأنا أكيد مضايقة وقلقانة زيك بالظبط.. بس مش لازم أوضح ده.. أنا مش ساكتة.. أنا بحاول أوصل لأي حاجة بس للأسف مفيش.
أشاحت "رضوي" بوجهها عنها في عدم اقتناع، فقالت "نورا": أنا هفضل معاكي هنا النهاردة لغاية ما ترجع طنط.. قوليلي بقا فين المكان اللي هنام فيه؟!
هتنامي من الساعة 9؟
أيوة ده معاد نومي.. إنتي عارفه إن أهم حاجة الانضباط والالتزام.
أومأت "رضوي" وأشارت لها ناحية غرفة الضيوف قاصدة إغاظتها، ولكنها تعجبت عندما تقبلت "نورا" الأمر ببساطة شديدة وقالت: تمام.. تصبحي على خير.
***
في كل صباح يستيقظ غزال يدرك أنه يجب أن يعدو بخطوات أسرع من خطوات الأسود وإلا كان الموت مصيره.
وفي كل صباح يستيقظ أسد يدرك أنه يجب أن يعدو بخطوات أسرع من أبطأ غزال وإلا سيموت جوعاً.
لا يختلف عليك الأمر سواء أكنت غزالاً أم أسداً، عندما تبزغ الشمس عليك أن تعدو بأقصى سرعة.
***
إستيقظت "فرحه" من نومها عندما داعبت الشمس وجهها.. أفاقت ببطء وظلت تجول ببصرها من حولها حتى ثبتت عيناها على ذلك النائم بجوارها.
إختلست إليه النظر وتمتمت بداخلها: يخربيتك.. قشطة بالكريمة جاتك داهية في حلاوتك.
قفزت صورة "رجب" في ذهنها فجأة فامتخطت ملامح وجهها وقالت بصوت منخفض: جاتك القرف يا رجب يا نتن.. قال إيه مش عاوز يعمل فرح.
ثم أكملت بتوعد وارتفع صوتها: صبرك عليا بس لما أرجع من المخروبة دهين وديني لأسقيك المر ومش هعمل فرحي غير في فندق خمس نجوم.
بتكلمي نفسك يا فرحه؟!
قالها "أحمد" بصوت ناعس وهو يضع يده فوق عيناه يحجب عنهما أشعة الشمس.
نظرت له "فرحه" مبتسمة وقالت: صباح الخير يا أحمد أفندي.
صباح النور يا فرحه هانم.
إبتسمت فرحه وقالت: تحب حضرتك تفطر هنا ولا في الجنينة بره؟!
قهقه عالياً وقال: المكان اللي تحبيه أنا معاكي فيه.
أومأت بموافقة، فقال: هاا.. كنتي بتكلمي نفسك بتقولي إيه؟!
زمت شفتيها بإيجاز وقالت: مفيش.. افتكرت أهلي وبدر.. يا ترى بقت كويسة!
ويا ترى اكتشفوا غيابي ولا لسه؟!
زفر بحيرة مماثلة وقال: أكيد يا فرحه اكتشفوا غيابك وأكيد مصر كلها بتحكي عن الخبر دلوقتي.
طب وإحنا هنفضل هنا لحد إمتا يا أحمد أفندي؟!
لحد ما ربنا يأذن إننا نرجع يا فرحه..
مفيش قدامنا حاجة نعملها للأسف غير إننا نولع نار كإستغاثة.. يا رب يكون حظنا حلو ويشوفوها.
ولو حظنا وحش؟!
قالتها بتشاؤم كعادتها، فابتسم وأجاب: يبقى هنفضل هنا لحد ما تحصل معجزة ونرجع.
هزت رأسها بوجه خالٍ من التعبيرات وباغته متسائلة: ألا قوللي يا أحمد أفندي؟!
و أقوللك يا أحمد أفندي ليه؟!
نظرت له بتفاجؤ وضحكت بشدة، فبادلها الضحك، فقالت: لا دا إنت كده هتنافسني بقا.
أهو بنتعلم منِك أي حاجة.. ها عايزة تسألي على إيه؟
إن شاء الله لو رجعنا مصر.. إيه أول حاجة هتعملها؟
والله هو المفروض إن فرحي بعد شهر فـ.....
قاطعته قائلة: بجد؟!! ده أنا كمان فرحي بعد شهر!
معقوله!
أيوة.. وإنت كمان خطيبتك مش عايزة تعمل فرح ولا إيه؟!
ضيق بين حاجبيه قائلاً: دي حقيقة فعلاً.. عرفتي إزاي!
لا دي توقعاتي يعني.. أصل رجب ابن عمي ده نفس تفكيره.. من النوع النتن حبتين.. بيقول لي ليه نعمل فرح ومصاريف وتكاليف طب ما احنا قال إيه نستثمر الفلوس دي!
هي "نورا" خطيبتي مش بتفكر من منطق التوفير يعنى.. بس هي طبيعتها مبتحبش المبالغة.. شايفة إن مصاريف الفرح دي ملهاش داعي.. وإن الفرح كله ملوش لزمة يعني هي كانت عايزة نعمل حفلة بسيطة نعزم فيها أقرب الأقربين وخلاص.. مبتحبش الزيطة والجو ده.
إزاي يعني.. وهو ده يبقى فرح؟! دي حتى اسمها ليلة العمر.. يعني لازم طبل وزمر وهيصة وأفرح والناس تفرح.. ولو على الفلوس فأنا عن نفسي شايفه إن مكانتش الفلوس تتصرف على اللي يسعد الإنسان ويخليه مبسوط وفرحان يبقى ملهاش لازمة.
أومأ باقتناع وقال: معاكي حق فعلاً.. طيب وإنتي موافقة خطيبك على قراره ده؟
لا طبعاً.. وإن مكانش يعمل لي اللي أنا عاوزه يبقى مع ألف سلامة.
مش للدرجة دي يا فرحه.. ما يمكن ظروفه متسمحش.
ما هو لو ظروفه متسمحش كنت رضيت وقلت ماشي.. لكن أنا عارفه هو بيعمل كده ليه.
ليه؟
نتانة وبخل بعيد عنك.. أصل رجب ده بيموت على القرش.
يا ساتر.. هو لسه في كده؟
وأكتررر يا أحمد أفندي وأكتر.. ده بينشف تفل الشاي عشرين مرة.
إرتفع صوته ضاحكاً ثم قال: طب يلّا يا فرحه هانم عشان ندور على ميه وأكل.
وإنصرفا بداخل الغابة يبحثان عن موارد للأكل والماء، فسألته: أومال أبو الصحاب فين؟!
آه.. تقصدي السنجاب.. مشي من إمبارح.
بتر كلمته عندما استمع إلى صوت السنجاب من أعلى الشجرة، فرفع بصره للأعلى فسقطت تحت قدمه حبة من جوز الهند.
نظر إلى فرحه بحماس، فبادلته نفس النظرة، فانحنى مسرعاً والتقطها ثم نظر إلى الأعلى مرة أخرى قائلاً: شكراً يا بطل على الكادو الحلو ده.
نظرت فرحه على الأرض حولها، ثم انحنت والتقطت حجر كبير وناولته إياه، فتناوله منها وكسر به ثمرة جوز الهند وأعطاها شطرها وأخذ الشطر الآخر.
شربت فرحه ماء جوز الهند بتلذذ وقد ارتوى عطشها بعض الشيء وبدأت في تناول جوز الهند من الداخل بإستمتاع، وعندما انتهت منها نظرت إلى القشرة الخارجية لجوز الهند والتي تشبه الوعاء، ثم قالت بحماس: إحنا لو سيبنا القشرة دي يومين تلاته في الشمس هتنشف وممكن نقطر فيها الميه!
تصدقي فعلاً فكرة.. إنتي ممتازة يا فرحه.
طالعته فرحه بفخر وقالت: يا سلام لو أبو الصحاب يوقع لنا كمان خمس ست حبات من دول.. تبقا جبرت.
لم تكمل جملتها إلا وقد وقع تحت أقدامهما العديد من ثمرات جوز الهند، فنظرا لبعضهما البعض وانفجرا ضاحكين، ثم جمعا الحبات وتقدما للأمام يكملان البحث.
اقتربت فرحه من شجرة ثم انحنت والتقطت بيديها شيئاً ما وهمت بأكله، فصرخ بها قائلاً: استني.
رواية غريق على البر الفصل الخامس 5 - بقلم نعمة حسن
"إستني!"
قالها أحمد صارخاً بفرحه.
فألتقت ما بيدها أرضاً.
نظرت له بفزع ووضعت يدها على صدرها وقالت:
"خضيتني يا أحمد أفندي، يخربيتك!"
رفع حاجبه دهشة وقال:
"هو إنتي شبه الأطفال كده؟ كل حاجة على بؤك؟"
نظرت له مغتاظة وظلت تلهث وتزفر بعصبية.
فقال:
"لا، تعالي خديلك قلمين أحسن. إنتي تعرفي إذا كان المشروم ده صالح للأكل ولا مسمم؟"
رفعت شفتها بنزق وقالت:
"إسمه عيش الغراب على فكرة، ماسموش البتاع اللي بتقول عليه ده. وبعدين يعني ما هو كان بيطرح جنب البيت وكنا بناكله وإحنا صغيرين، مموتناش يعني."
"يطرح؟ يطرح إيه هو بلح؟ إنتي هتجيبي أجلي قريب يا فرحة."
"لا يا أحمد أفندي، بعد الشر عنك."
نظر لها حانقاً ثم انحنى والتقط الفطر بيديه.
ففركه بين أصابعه، فسرعان ما أصابتها الحمرة والتهبت.
نظر لها بمعني "أرأيتي" ثم قال:
"كان زمانك متسممة دلوقتي يا فرحة هانم!"
قالت ببلاهة:
"إنت عملت إيه؟"
"زي ما شوفتي.. فركته بين صوابعي فإلتهبت.. معني كده إنه مسمم وكان هيسممك."
"يحلاوة..."
قاطعها مكملاً جملتها:
"العلم نور يا ولاد."
اتسعت ابتسامتها فابتسم أيضاً وقال:
"متبقيش مستهترة كده يا فرحة.. فكري الأول قبل ما تتصرفي أي تصرف."
"معاك حق يا أحمد أفندي!"
زفر قائلاً بملل:
"وإيه أحمد أفندي دي يا فرحة؟ إسمي أحمد بس.. ارفعي الألقاب."
فاجأته عندما قالت:
"لاااا يا أحمد أفندي، ماهو أنا مش بقولك يا أفندي احتراما ليك لا سمح الله.. لا ده أنا لساني اللي واخد على كده.. يعني حتى كل يوم الصبح عندنا في البلد لما كنت أشوف عمي حمدان راكب الحمارة كنت بقول له صباح الخير يا حمدان أفندي! الموضوع ملوش علاقة بيك متقلقش."
نظر لها نظرات فارغة وقال:
"قدامي يا فرحة.. إمشي!"
***
في بيت أهل فرحة..
دق الباب فأسرع كرم بفتحه.
وكان الطارق رضوان بصحبة بدر.
أسرع كرم في احتضانهما بشوق ولهفة.
بعد مرورهم للداخل وبعد أن استقبلهم الكل بحفاوة قال والده:
"مفيش أخبار بردو يا رضوان؟"
هز رضوان رأسه بأسف وقال:
"لسه يابا مفيش خبر.. لسه البحث شغال بس كل اللي طلعوهم مش عارفين يحددوا هويتهم.. بس أنا حاسس يابا إن فرحة بخير.. والله هترجع إن شاء الله."
هز والده رأسه بحزن شديد وقال:
"يااارب.. ملناش غيرك يارب.. وإنتي عاملة إيه يا بدر البدور؟"
قالها مقبلاً تلك الصغيرة التي تجلس فوق قدميه.
وقالت:
"أنا شوفت فرحة وأنا نايمة."
استرعت انتباه الجميع فأسرع والدها يسألها:
"شوفتي إيه يا بدر؟"
"شوفتها بتعوم في الميه ومبسوطة وفرحانة وعمالة تضحك وكان معاها حد كمان بيضحك."
"أكيد رجب.. قالها رامي متأففاً."
"لا مش رجب.. ده كان واحد حلو أوي."
ابتسم الجميع.
فقال رضوان:
"بكرة هنزل مصر يابا."
ثم أكمل بتلعثم:
"بعد بكرة آخر يوم في البحث.. إن شاء الله هرجع بفرحة.. متقلقش يابا."
قال والده:
"اللي ربنا رايده هيكون يا رضوان."
***
"وبعدين يا أحمد أفندي؟"
"بقالنا أسبوعين على الجزيرة دهين ولا حد قال لنا إنتوا فين."
قالتها فرحة متسائلة بيأس.
فأجابها بيأس مماثل:
"على الأغلب يا فرحة فرص النجاة بالنسبة لنا بقت معدومة.. النهاردة بقالنا أسبوعين.. يعني أكيد سفن البحث هترجع لأنهم مبيقعوش أكتر من أسبوعين."
"طب ما أنا عندي فكرة.. ليه نستناهم هم يلاقونا؟"
هز رأسه بتساؤل.
فأكملت:
"نروحلهم إحنا!"
"نروحلهم فين؟"
"مكان ما الطيارة وقعت!"
"إنتي عبيطة يا فرحة؟ هو إنتي مفكرة إن إحنا واقعين في بول؟"
"وإحنا إيه اللي هيوقعنا في البول.. ده إيه القرف ده؟!"
"بول إيه يخربيت تفكيرك المعاق.. بول يبنتي اللي هو حمام السباحة."
"آااااه.. البسيم يعني."
"بسيم؟ آه هو البسيم ده بالظبط.. أهو إحنا بقا مش واقعين في البسيم.. إحنا واقعين في بحر ملوش أول من آخر.. يعني لو دخلنا احتمال منخرجش تاني."
وضعت يدها على خدها بإحباط وقالت:
"طب وبعدين.. هقضي بقية عمري في الجزيرة كدهون.. بين السناجب والقرود!"
خطرت بباله فكرة فجأةً فقال متمتماً:
"إشارة الاستغاثة.."
ثم قال:
"قومي بسرعة يا فرحة."
"على فين يا أحمد أفندي؟"
"لازم نجمع حطب كتير ونقسمه على 3 كومة ونرصهم على شكل مثلث.. دي إشارة استغاثة ممكن الطيارات تشوفها لو بالقرب مننا.. بسرعة يا فرحة."
ركضت فرحة بحماس شديد تجمع ما تستطيع جمعه من الحطب وفعل هو المثل حتى فرغا بعد ساعة.
قسم أحمد الحطب لثلاث مجموعات ووضعهم على هيئة مثلث وجلس ينتظر برفقة فرحة مرور أي طيارة.
حدث ما تمنوه واستمعا إلى صوت مروحية تلوح في الأفق.
فوقفا يصرخان وارتفع صوتهما بطلب النجدة مشيرين إلى أنهما هنا ما زالا حيان يرزقان.
ولكن ثبطت محاولاتهما عندما اختفت الطيارة وعاد الجو ساكناً كما كان.
لأول مرة يشعر هو بالعجز الشديد ولأول مرة تشعر هي بأن النهاية تقترب.
ألقت بجسدها إلى الأرض وانفجرت باكية فجأةً.
فنظرت لها وشيء ما قد أصاب قلبه لرؤيتها تبكي هكذا.
فجلس بجوارها ور بت على ظهرها محاولاً مواساتها فقال:
"متعيطيش يا فرحة.. إن شاء الله هترجعي لأهلك بالسلامة."
قالت بنشيج:
"إمتا يا أحمد أفندي؟ بقالنا أسبوعين ومحدش لاحظ إننا موجودين هنا.. إذا كانت الطيارات والسفن وهي جنبنا ملقوناش.. أومال لما يمشوا هيحصل إيه؟"
"متفقدش الأمل يا فرحة وسيبها لله.. ثم قال ممازحاً: وبعدين يعني هتعوزي إيه أكتر من كده.. ماء وخضرة ووجه حسن."
قال الأخيرة مشيراً إلى نفسه فضحكت بخفة.
فأكمل:
"ولا خطيبك وحشك ومبقتيش قادرة على بعده؟"
سألها فأجابت:
"وحشني؟ ويوحشني ليه؟"
أجابت بجدية.
فضاق بين حاجبيه متعجباً وقال:
"يعني إيه يوحشك ليه؟ مش المفروض أي اتنين بيحبوا بعض لما بيبعدوا عن بعض بيشتاقوا لبعض؟ ولا إنتي مش بتحبيه من الأساس؟"
أطلقت لسانها وقالت:
"لا بحبه.. وأنا هكرهه ليه؟"
تعجب لمنطقها وقال:
"لا تفرق يا فرحة.. بين إنك مش بتكرهيه وبين إنك بتحبيه!"
"تفرق في إيه.. ما هو نفس المعنى."
"لا يا فرحة مش نفس المعنى.. إنك تكوني بتحبيه ده يعني إنك بتشتاقيله، بتهتمي لأمره، بتتمنيه زوج ليكي وأب لأولادك،، بتتمني يشاركك حياتك بكل تفاصيلها.. ده الحب يا فرحة.. لكن مش بتكرهيه دي كلمة مايعة متعرفيش تفسريها.. يعني إنسان عادي في حياتك لا بتحبيه ولا بتكرهيه.. وجوده زي عدمه.. مش فارقلك من الآخر."
وكأن كلماتها لمست وتر حساس بداخلها فقالت:
"يمكن كلامك صح.. بس بردو أنا عمري ما فكرت بالطريقة دهين.. أنا عمري أصلاً ما فكرت في رجب.. يعني هو بالنسبة لي ابن عمي اللي متعودة عليه من صغري وحافظة شكله وكلامه وتصرفاته وطباعه.. بس."
ثم أكملت بحيرة:
"بس عمري ما فكرت فيه إنه هيبقي جوزي وأبو عيالي والكلام اللي بتقوله ده.. ومتهيألي هو كمان مفكرش فيا كده خالص.. مش عارفه."
"يعني عمره ما قاللك مثلاً.."
وصمت قليلاً يفكر ثم أردف:
"أنا بحبك يا فرحة!"
ارتعدت أوصالها وارتبكت.
لأول مرة تختبر ذلك الشعور.
لأول مرة تستمع إلى تلك الكلمات.
أشاح بيديه أمام وجهها للفت انتباهها وقال:
"هيييييروحتي فين؟!"
"هاا.. لا معلش سرحت شوية!"
"سرحتي في إيه؟"
ثم أكمل بابتسامة متلاعبه:
"يبقا أكيد قالها."
"هي إيه دي؟"
"أكيد قاللك بحبك يا فرحة!"
قالت بمزاح ساخر:
"هه.. لا والله يا أحمد أفندي أنا أول مرة أسمع الكلمة دي منك دلوقتي."
"معقوله!.. أومال لما بتقعدوا مع بعض بتقولوا إيه؟"
"لا ما إحنا مبنقعدش سوا.. ولو قعدنا سوا بنتخانق!"
"أومال هتتجوزوا إزاي؟"
قالها مستنكراً فقالت:
"إيه يا أحمد أفندي إحنا هنقضي النهار كله نتكلم عن رجب.. زمانه مات شرقان."
شعر بأن شيئًا ما قد أصابها بالضيق فغيّر مجرى الحديث قائلاً:
"طيب قومي يلا نشوف هنتغدى إيه؟"
قالت ممازحة ساخرة:
"إيه رأيك لو أعزمك على أكلة جديدة؟"
"يسلاااام.. يبقا كتر خيرك.. ها هتأكليني إيه؟"
"هأكلك سمك."
أطلق صفيرًا بإعجاب وقال:
"سمك.. ياااه من زمان مأكلتش سمك.. بجد مش عارف أشكرك إزاي."
"لا خد التقيلة بقاا."
ضحك وقال:
"هاااا؟!"
"سمك مشوي كمان."
"يا وعدي يا وعدي.. بجد إنتي عظيمة.. عايز أقوللك إني مأكلتش سمك مشوي ييجي من 7 ساعات كده."
أطلقت ضحكة رنانة انشرح لها قلبه.
فظل ينظر لها بابتسامة ثم تركها وسار ناحية المياه الضحلة.
***
أمام مطار القاهرة الدولي.
ينتظر كلاً من أهالي الغرقى ذويهم بين بكاء وعويل وقلق ودعاء.
تقف عائلة فرحة تدعو من كل قلبها بأن تعود سالمة وكذلك جميع العائلات التي تنتظر أي خبر.
تقدم منهم أحد المختصين بالبحث وقال بأسف:
"للأسف بعد بحث استمر أسبوعين مقدرناش ننقذ أي حد من اللي كان على الطيارة حتى طاقم الطيارة.."
ثم أكمل بعملية شديدة قائلاً:
"في جثث تم انتشالها كاملة وفي أشلاء وفي جثث مقدرناش نوصل لها، أقرب تقدير إنها اتحللت.. إحنا آسفين جداً.. البقاء لله."
تقدم والد فرحة بوهن وحدثه قائلاً:
"عايز أستلم جثة بتي عشان أدفنها.."
ثم انفجر باكيًا.
ربت الرجل على كتفه بأسف وقال:
"للأسف يا حج الجثث اللي تم انتشالها مفيش فيها سيدات.. شد حيلك."
هوى والد فرحة أرضاً وارتفع صوت نحيبه وعويله وأخذ يردد:
"إن لله وإن إليه راجعون.. اللهم أجرني في مصيبتي."
على الجانب الآخر.. وثبت رضوى ناحية رئيس فريق البحث وسألته باكية بخوف وقالت بتلعثم:
"أحمد إدريس.. أخويا أحمد إدريس.. هو طويل وعريض كده.. أخويا.. على الأقل أستلم جثته!"
فتح ملف بيده يحتوي على أسماء الضحايا وقال:
"للأسف.. الجثث اللي تم التعرف على هويتها مش موجود فيها الاسم ده.. البقاء لله.. عن إذنكم."
توقفت حواسها وأظلم الكون من حولها.
سارت إلى الخارج برفقة خالتها بعدم استيعاب.
كانت تنظر أمامها نظرات فارغة.. لا تبكي.. لا تنطق.. لا تصرخ.
اصطدمت بصاحب الطول الفارع الذي لم يكن يرى أمامه من كثرة البكاء.
نظرت له فتمتم معتذراً.
فسقطت تحت قدميه مغشياً عليها.
رواية غريق على البر الفصل السادس 6 - بقلم نعمة حسن
التقطها فوراً بكفيه الغليظتين ورفعها عن الأرض، ثم أجلسها على المقعد أمامه بينما تحاول خالتها إفاقتها.
أحضر زجاجة مياه ونثر بضع قطرات على وجهها بيديه، فبدأت تفتح جفنيها بوهن شديد.
حدثهم قائلاً: "ربنا يصبركم ويصبرنا.. عن إذنكم."
ثم انصرف مصطحباً والده وأشقاءه إلى الخارج، ففاجأهم والدهم قائلاً: "أنا مش هرجع البلد.. أنا هفضل في مصر."
نظروا جميعهم إلى بعضهم البعض بتعجب، وبادر رضوان متسائلاً: "هتفضل في مصر إزاي يابا؟! وليه؟! وفين؟!"
"هنرجع البلد من غير فرحة نعمل إيه؟! عايزني أرجع الدار وهي ريحتها ونفسها في ركن في البيت؟! وهرجع البلد ليه؟! آخد عزاها وأنا مش عارف أدفنها؟!"
اعتلى نحيبه، فالتف حوله أبناؤه يواسونه وهم يحتاجون لمن يقوم بذلك، فقال رامي: "إحنا كمان مش متقبلين الفكرة يابا والموضوع صعب علينا زي ما هو صعب عليك.. بس على الأقل نرجع البلد نساوي حالنا ونرجع تاني."
قال والده بإصرار: "لا مش هرجع البلد تاني.. بعدين تسافر إنت وأخواتك تشوفوا هتعملوا إيه.. يلا يا رضوان كلم صاحبك المصراوي يشوف لنا سكن.. عليك العوض ومنك العوض يا رب."
مع صباح يومٍ جديد، استيقظت "فرحة" عندما داعبت الشمس وجهها كعادتها كل صباح.
فتحت عينيها ببطء ونظرت إلى جوارها فلم تجد رفيق الرحلة وونيسها الأوحد.
انقبض قلبها ونهضت فجأة تجول ببصرها هنا وهناك، حتى وقعت عيناها عليه يسبح بالماء.
ذهبت إلى الشاطئ ورفعت يديها تلوح بها قائلة: "صباح الخير يا أحمد أفندي."
لوح بيديه وقال: "صباح النور يا فرحة.. اتفضلي معانا."
وضعت يدها فوق عينيها تحجب عنهما أشعة الشمس وقالت: "ألف شكر.. لسه ميعاد الشاور بتاعي مجاش."
سبح ناحيتها وخرج من الماء، فأشاحت بوجهها جانباً في خجل لرؤيته بسرواله فقط.
استوعب الموقف، فقال وهو يسرع للخارج لارتداء ملابسه: "أنا آسف يا فرحة.. اعذريني."
ارتدى ملابسه على عجالة من أمره وعاد إليها وتابع قائلاً: "حسيت إني مخنوق فقولت أطلع الطاقة السلبية اللي عندي في العوم."
"ياريتني بعرف أعوم يا أحمد أفندي.. كنت لقيت حاجة أطلع فيها خنقتي أنا كمان."
"إيه ده؟! عمرك ما نزلتي الميه؟!"
"هي مرة اللي نزلت فيها.. كنا في إسكندرية عند خالي الله يرحمه."
"هاا كويس."
"لا مش كويس.. ما أنا المرة دي شربت نص مية البحر وطلعوني بأعجوبة وطلعت زرقا وورمة."
"مبتعرفيش تعومي؟!"
"نهائي.. ده أنا أغرق في البانيو."
كتم ضحكته بصعوبة وقال: "طب إيه رأيك لو أعلمك؟!"
"لاااا.. مستغنيين عن خدماتك المرة دي."
"متخافيش مش هغرقك.. ده أنا بعوم كويس جداً."
"أيوة ما أنا شايفاك ماشاء الله بتبلط في الميه ولا قرموط الترعة."
قهقه قائلاً: "طيب أدي آنتي شوفتي بنفسك.. خايفة ليه؟!"
"وإفرض هاجمتنا سمكة قرش هيبقا إزي الحال!"
"سمك قرش إيه يا فرحة اللي هيخرج برة كده.. إحنا مش هندخل لجوة متخافيش."
"وإنت لامؤاخذة يعني هتعلمني العوم وإنت لابس لبس السباحة؟!"
"لا متقلقيش أنا هدخل معاكي بهدومي كده.. يلا."
ترددت كثيراً، فقال: "بصي يا فرحة.. أنا اتعلمت حاجة مهمة جداً وأحب إنك تعمليها بردو."
"حاجة إيه؟!"
"الحاجة اللي تتغصبي عليها لازم تستفيدي منها.. بمعنى إنك دلوقتي موجودة في المكان ده غصب عنك بس بما إنك هنا يبقى على الأقل تخلقي لنفسك جو حلو أو تخطفي لحظات حلوة وذكريات حلوة عشان لما نرجع إن شاء الله تفتكري المواقف دي وتضحكي."
أشار برأسه بمعنى "هيّا"، فأمسكت بذراعه بكلتا يديها ودخلت معه إلى الماء.
نظرت له بريبة في البداية، سرعان ما تحولت لحماس.
توقف بها في الماء، فقالت: "تعالي ندخل جوا شوية."
ضحك وقال: "حيلك يا فرحة هانم.. واحدة واحدة."
قالت بسعادة: "الميه حلوة أوي.. أنا مبسوطة."
ابتسم لسعادتها وقال: "وأنا مبسوط إنك مبسوطة يا فرحة.. يلا افردي إيديكي وبعدها افردي جسمك كله على الميه."
فردت ذراعيها كما أخبرها وحاولت الاستلقاء على ظهرها، فغاصت تحت المياه.
أخرجها مسرعاً وهو لا يستطيع كبح جماح ضحكته.
سعلت كثيراً وأخذت تشهق وتزفر قائلة: "كنت هغرق.. كنت هغرق.. مغرقتش في البحر وكنت هغرق على البر."
ارتفعت ضحكاته، فنظرت إليه بغضب عارم وقالت بصوت عالٍ نسبياً: "إنت بتضحك على إييييه؟!"
ازدادت ضحكاته وقال: "تغرقي إيه يا فرحة؟! ده إحنا الميه مش واصلة لركبنا.. وبعدين إحنا لسه على البر.. عمرك شفتي غريق بيغرق على البر؟!"
"أنا يا خويا.. ده أنا بغرق في شبر ميه.. وسع كده أنا خارجة."
أمسك بيديها بإحكام وقال بجدية: "مش من أول محاولة تيأسي وتستسلمي.. بطلي شغل عيال صغيرة."
استفزتها كلماته، فقالت: "ماشي.. اتفضل علمني."
"افردي إيديكي زيي كده وبعدها افردي جسمك كله.. يلا."
فعلت كما أخبرها، فوجدت الماء يرفعها، فقالت بحماس وسعادة: "إيه ده؟! ده أنا طلعت بعرف أعوم أهو."
"هو فين العوم ده.. لسه يا فرحة معملناش حاجة.. يلا حركي إيديكي بالعرض وميلي بكتفك وإنتي بتحركي إيديكي."
فعلت المثل، فقال مشجعاً: "برافو يا فرحة.. يلا.. بدلي برجليكي كأنك راكبة Bicycle."
"كلمني عربي الله لا يسيئك.. أنا هعوم ولا هترجم!"
"كأنك راكبة بسكلتة يا فرحة.. يلّا بدلي."
فعلت كما أخبرها، فقال: "برافو يا فروحة.. خدي نفس بانتظام و...........!"
لم تستمع لبقية ما تفوه به، جذب انتباهها بأكمله نطقه لاسمها بتلك العذوبة، بل ويدللها أيضاً.
توقفت يداها وقدماها شاردة به، فنزل رأسها إلى الأسفل مرة أخرى، فأسرع بإنقاذها وإخراجها من الماء، فإذا بها تنظر له نظرات لم يستطع هو فهمها، ولكنها كانت تحمل الكثير والكثير.
نظر بداخل عينيها لأول مرة، ولأول مرة يكتشف جمال عينيها وصفاء لونهما.
نظرت داخل عينيه بدورها، فوجدتهما تفيضان بالدفء الذي لطالما افتقدته.
انتبها على حالهما، فحمحم هو قائلاً: "كفاية كده النهارده.. يلا نخرج."
"لا يا بابي هنزل النهارده.. الحزن ملوش علاقة بالشغل.. وأديني أهو بقالي يومين منزلتش كان إيه اللي اتغير؟!"
"معلش حبيبة بابا.. ده نصيب وقدر.. ربنا يرحمه ويعوض عليكي."
"ونعم بالله.. هستأذن دلوقتي يدوب أنام ساعة وأصحى أنزل... مع السلامة."
استندت برأسها إلى الوراء وأغمضت عينيها وغطت في نوم عميق.
"نورااا.. نوراا فوقي إحنا خرجنا على الشط خلاص.. نورااا حبيبتي فوقي.. إحنا في أمان دلوقتي.. نوووورااااااااااا."
أتاها صوته كأنه صدى صوت يتردد في جُب عميق، فأفاقت من نومها فزعة.
ظلت تتلفت حولها حتى استوعبت أنه منام، فنهضت على الفور واستعدت للذهاب إلى عملها.
"أنا بعت كل البهايم لشريف ابن عمي يابا وأدي فلوسها أهي."
وضع "رضوان" المال أمام والده على الطاولة، فقال والده بهدوء: "خد فلوس الشقة اعطيها لصاحبها وهات التاكسي اللي قلت هتشتغل عليه إنت وأخوك.. وباقي الفلوس انقل بيها مدرسة بدر وكرم.. وإذا مكانتش تكفي انزل بيع فدانين وهات فلوسهم وتعالى."
"لا إن شاء الله هيكفوا.. دلوقتي حالاً هنزل أقابل صاحب الشقة وأديله فلوسها وأقابل كمان صاحب التاكسي ونخلص الورق عشان من بكرة إن شاء الله هشتغل عليه أنا ورامي."
أومأ والده موافقاً وتمتم باقتضاب: "اللي فيه الخير يقدمه ربنا."
"أنا بطني وجعتني يا أحمد أفندي من أكل جوز الهند.. بقالنا 3 أسابيع مبناكلش غيره.. وكل ما أقوللك أنا شامة ريحة موز تعالي ندور تقوللي الغابة جوه مش أمان.. طب حلها إنت."
"يا فرحة أنا خايف عليكي.. أنا مقدرش أجازف وإنتي معايا.. أول حاجة لو دخلنا ممكن يكون جوه حيوانات مفترسة.. تاني حاجة ممكن منعرفش نرجع مكاننا تاني ويبقى لو احتمال 1% إننا نرجع بكده هنخسره.. ف الأحسن منتحركش من هنا.. أو لو مصممة يبقى هدخل لوحدي زي ما قولتلك."
"لا طبعاً مش هسيبك تدخل لوحدك ورجلي على رجلك مكان ما تروح.. وبعدين يعني هنقابل إيه أوحش من اللي إحنا فيه؟! بالعكس ممكن نوصل لمكان أحسن من ده!"
"يا فرحة في الغابة أكيد مش هنلاقي مكان أأمن من ده."
"يا سيدي نجرب مش هنخسر حاجة إن شاء الله.. آحنا نولع عصايتين نار ونتكل على الله.. لعل وعسى نلاقي طريق نرجع بيه بقا ألا أنا لو فضلت هنا أسبوع كمان هيطلعلي شعر في كل حتة في جسمي شبه أبو الليف من كتر قعدتي مع القرود."
ارتفع صوته عالياً بضحك، ثم أومأ موافقاً وقال: "ماشي يا فرحة اللي تشوفيه.. اتفضلي قدامي."
صفقت بفرحة كالأطفال وأشعلت عصاتين ناراً وأعطته واحدة وأمسكت بالأخرى، ثم قالت مازحة: "جواز عتريس من فؤاده باااطل.. بااااطل."
ضحك حتى أدمعت عيناه وقال لها: "قدامي يا آخر صبري."
"لا قدامك إيه.. ليديز فيرست.. والله لـ تتفضل الأول."
لم يتعجب تلك المرة، فقد اعتاد جنونها ومزاحها.
سار أمامها وأمسكت هي بقميصه من الخلف تتشبث به، فقال: "خايفة يا فرحة؟!"
أجابت بصدق: "هخاف وأنا معاك يا أحمد أفندي؟!"
اتسعت ابتسامته وقال: "لو حصل أي حاجة وكان بإمكانك ترجعي ارجعي إنتي يا فرحة وسيبيني."
"وهو لو طلعلنا حنش ومسك في زمارة رقبتي هتسيبني وتمشي؟!"
"يستحيل طبعاً."
"طيب.. اومال بقا؟! هو إنت أجدع مني ولا إيه؟!"
"لا العفو دا انتي اجدع خد قابلته."
تقدما بسيرهما، فصرخت فرحة قائلة فجأة: "شجر موز يا أحمد أفندي!!"
نظر إلى حيث تشير وقال: "برافو عليكي يا فرحة.. إنتي هايلة فعلاً.. بس هنجيبه إزاي؟!"
ظلّا يتلفتان حولهما، حتى وقع بصره على مجموعة كبيرة من العصي المدببة المتساوية الطول والسمك، فنظرا إلى بعضهما البعض وقد واتتهما نفس الفكرة سويّاً....
رواية غريق على البر الفصل السابع 7 - بقلم نعمة حسن
"بتفكر في اللي أنا بفكر فيه يا أحمد أفندي؟!"
قالتها "فرحه" بضحكه متحمسه.
فقال "أحمد": "بسرعه يا فرحه ننقل الأخشاب دي للبر."
قاموا بنقل الأخشاب بأكملها إلي البر سوياً و عادوا مرةً أخري.
فقالت فرحه و هي تلتقط أنفاسها بلهاث: "شبك لي بقا يا أحمد أفندي عشان أطلع أجيب سباطة الموز دي."
"مش وقت هزار يا فرحه.. إحنا هنوقع اللي نقدر عليه بالعصايه دي."
"طب هات أنا أوقع."
"لا بلاش إنتي لتفتحي عش نحل ولا حاجه إحنا مش ناقصين مصايب."
بإستخدام العصا أوقع العديد من ثمرات الموز و حبات جوز الهند و عادوا نحو ملجأهم.
"هاا يا فرحه هانم.. تحبي الڤيو يطل علي البحر ولا علي الغابه؟!"
قالها ممازحاً.
فأجابت: "لا بالله عليك تعمللي البلكونه منها للبحر كده.. و توسع المطبخ و الحمام علي ما تقدر."
أشار بيديه إلي عينيه و قال: "من عنيا الإتنين.. إنتي تؤمري."
"ميؤمرش عليك ظالم.. كلمني جد بقا هنعمل البيت إزاي؟!"
"بصي مبدأياً هو هيبقي شكل كوخ كده يعني مثلث و كماان مش هيكون كبير أوي عشان الخشب يكفي نعمل إتنين."
"تمام.. هنبدأ بإيه؟!"
"أول حاجه هترفعي معايا أول عصا و نسندها علي الشجرة اللي وراكي دي و نميلها بزاويه بحيث تكون دي نقطة البداية في السقف."
فعلت كما أخبرها بمساعدته و أكملوا رص الأخشاب بجانب بعضها البعض حتي تكون هيكل الكوخ.
فرحه: "إنت متأكد إنه مش هيتهربد فوق نافوخي وأنا نايمه؟!"
أحمد: "متقلقيش يا فرحه.. علي ضمانتي.. يلا ساعديني نخلص التاني قبل ما الليل يدخل علينا."
أمسكت بالعصا الأولي و رفعتها إلي الشجرة كما في السابق ثم ساعدته إلي أن إنتهوا من إكماله.
نظر إثنينتهم إلي ما صنعاه بفخر.
فقال أحمد: "تعالي بقا نجمع ورق شجر موز عشان نفرشه علي الأرضيه."
"و إيه اللي هيدخلنا عند شجر الموز تاني ما نجيب من أي شجرة من اللي حوالينا."
"لا طبعا.. شجر الموز ورقه عريض و سميك و ملمسه ناعم نسبياً عن الأوراق التانيه.. يعني أنسب حاجه ننام عليها.. لو تعبتي ولا زهقتي خليكي و أنا هدخل."
"لا يلا بينا."
دخلت برفقته لجمع أوراق شجر الموز المتساقطه و خرجوا بها إلي الخارج و بداوا بفرشها بداخل الأكواخ.
"شوفت يا أحمد أفندي.. بقا عندنا بيت في غمضة عين.."
ثم اكملت بغرور و ترفع: "لولا إني أصريت إننا ندخل جوا مكناش زماننا عملنا الأكواخ دي ولا كنا جيبنا موز."
"طبعاً يا فرحه.. ده الموز ده لوحده حكايه.. ماشاء الله حاسة الشم عندك قويه."
"لاااا.. ده كله إلا الموز.. ده انا مناخيري تلقط ريحته من علي بعد أميال.. ده حتي أبويا و انا صغيرة كان مسميني لبيبه."
"إشمعنا لبيبه؟!"
"علي إسم قردة كان جدي الله يرحمه مربيها."
برز صوته ضاحكاً و قال: "اممممم ده إنتوا حب القرود عندكوا متوارث بقا؟!"
قالت متدلله بمزاح: "بس بذمتك في قرود حلوة زينا كده؟!"
قال مشاكساً: "يا وعدي يا وعدي.. أحلي قرود في الكون."
إتسعت إبتسامتها و قالت: "طب يلا ناكل لأني همووت من الجوع."
إفترشا الأرض سويّاً و بدأا يقشران الموز و يتناولوه في تلذذ.
فقالت فرحه: "ياااااه.. ده الواحد كان قرب ينسي طعم الأكل من كتر ما كلنا سمك و جوز هند."
"إحنا ربنا بيحبنا يا فرحه.. الحمدلله يعتبر لحد دلوقتي مقابلناش حاجه صعبه."
"تعرف يا أحمد أفندي!"
"مممممم؟!"
"أنا حبيت العيشه في الجزيرة و مبقيتش عايزة أرجع.. أو عايزة أرجع أطمن علي أهلي و أجي هنا تاني!"
"و انا كمان زيك يا فرحه.. حقيقي أنا لقيت نفسي هنا.. انا كنت مشتت و تايه من نفسي بس حالياً الوضع إتغير كتير."
قالت متسائله: "يعني لو ربنا أذن و رجعنا.. ممكن تفكر ترجع الجزيرة تاني؟!"
أطلق لسانه بعفويه و صدق: "بس علي شرط.. تكوني معايا."
شردت قليلاً تحاول فهم مقصده ثم نظفت حنجرتها و قالت باحرف متقطعه متلعثمه: "طب لو.. لو أنا يعني مش معاك.. مش هترجع؟!"
أجاب بجدية: "متهيألي صعب.. في مقوله بتقول 'الرفيق قبل الطريق' و أنا إتعودت عليكي و علي وجودك معايا و مش عارف لو مكنتيش معايا صراحه كنت هعمل إيه.. مش بعيد كنت مت من شدة اليأس و الإكتئاب.. فـ لو هكرر التجربه تاني يبقي لازم تكوني معايا."
"مينفعش خطيبتك مثلاً؟!"
زم شفتيه بتفكير قليلاً و قال: "نورا حد منظم جداً و عملي جداً و حيوي جداً و معتقدش إنها كانت هتقدر تتكيف مع الظروف اللي إحنا مرينا بيها دي لو كانت مطرحك.. فـ لأ مقدرش أكون معاها في مكان زي ده لأنها هتوترني و هتستنزف كل طاقتي الإيجابيه كمان.. إنتي علي عكسها تماماً يا فرحه.. إنتي اللي بتجددي طاقتي و بتدعميني كمان."
إبتسمت علي إستحياء و قالت: "والله هو انا مش فاهمه أوي.. بس باين كده إنك بتمدحني يعني."
"طبعاً بمدحك.. إلا قوليلي يا فرحه."
"و أقوللك يا فر....."
قطع مزاحها المعتاد قائلاً بتوسل: "من فضلك إرحميني و إتكلمي جد شويه."
أومأت بإيجاب.
فسألها: "بما إن كان المفروض فرحك بعد أيام.. مش زعلانه؟!"
صمتت لبرهه تبحث عن إجابه فقالت: "عادي.. مش زعلانه و مش فرحانه.. هتصدقني لو قولتلك إن رجب مجاش علي بالي خالص من أول ما جينا هنا.. ولا إفتكرت إنه كان المفروض هتجوز كمان."
ثم سألته هي بدورها و قالت: "طب و إنت؟!"
"زعلان إن ميعاد الفرح فات؟!"
زفر مطولاً و قال بـ حيرة: "مش عارف!.. يعني زيك بردو مش زعلان و مش فرحان.. بصي.. علاقتي بـ نورا علاقه عاديه مش عميقه أوي.. يعني مش قايمه علي الحب في المقام الأول.. لا.. أهم حاجه الإحترام.. التفاهم.. التوافق الفكري و الإجتماعي.. دي كلها حاجات مخليه علاقتنا ناجحه.. إنما العاطفه و الأحاسيس دي مش موجوده بينا اوي يعني.. فـ بالتالي إحنا مش ملهوفين علي الجواز يعني.. و علي ما أعتقد إنها مش زعلانه بردو!"
"ولا حتي زعلانه علي غيابك؟!"
"بصي.. نورا طبيعتها قوية و عمليه مش عاطفيه.. يعني مهما زعلت مش هتخلي زعلها ده يطول او يأثر علي شغلها.. هي ماشيه بمبدأ 'الحزن في القلب بسسسس'."
شدّد علي الأخيرة فزمت شفتيها بعدم إقتناع و قالت: "طيب يلا كفايه كلام كده.. تصبح علي خير بقا.. نوماً هنيئاً إن شاء الله."
"ربنا يهنيكي يا فروحه.. و إنتي من أهله."
دخل كلاً منهما إلي كوخهِ الخاص و أسند رأسه إلي يديه و شخص ببصرة إلي الأعلي و راح يفكر فيما يخترق عقله و يسلب راحته حتي ذهبا في نومٍ عميق.
"التاكسي أهو يا رضوان و ده الإيراد من الصبح لدلوقتي.. هطلع أنا بقا أنام ألا انا خلاص بنام علي روحي."
"إستني هنا.. أنا مالي و مال الإيراد.. إحنا إتفقنا إن كل واحد حر في إيراد التاكسي في الوقت اللي إشتغل عليه.. إنت حر بقا عايز تحوش عايز تصرف إنت و شوقك.. يلا سلام عليكم."
صعد إلي التاكسي و أداره و سار ببطء ثم أحني رأسه يفتح إذاعة القرآن الكريم فإصطدم بشخصٍ ما فأوقف السيارة سريعاً و نزل منها.
"ماشي يا داليا خلاص فهمت.. طيب أنا هقابلك في الكافيه اللي بنقعد عليه في وسط البلد.. بس هاخد منك المحاضرات و هرجع فوراً مش هقعد لأن خالتي مشدده عليا.. باي."
ذهبت إلي "وسط البلد" و أنجزت ما نزلت من اجبه و أثناء عودتها وقعت منها ملزمه علي الأرض فإنحنت تلتقطها فإصطدمت بسيارة أجري.
نزل صاحبها علي الفور يجري مذعوراً و حدّثها قائلاً: "إنتي كويسه؟! جرالك حاجه؟!"
نظرت إليه و قالت: "هو إنت اللي كنت في المطار من يومين؟!"
تذكرها فقال: "هو إنتي اللي أغمي عليها هناك؟!"
أومأت بأسف فقال: "أخبارك إيه دلوقتي؟!"
"الحمدلله.. و إنتوا؟!"
زفر متألماً و قال: "الحمدلله.. الحال من بعضه."
"ربنا يهون.. عن إذنك عشان مستعجله."
"طيب ما تتفضلي اوصلك مكان ما تحبي؟!"
"مش هعطل حضرتك؟!"
"لا ابداً ولا عطله ولا حاجه.. إتفضلي."
صعدت بجانبه إلي التاكسي فسألها علي وجهتها و سار بها نحوها بعد أن أخبرته.
توقف بها أمام المنزل كما أشارت له ثم باغتته قائله: "معلش لو ممكن آخد رقمك عشان أتصل بيك تيجي توصلني للكليه لأني ببقا خايفه و انا راكبه التاكسي.. أحمد الله يرحمه اللي كان بيوصلني."
"الله يرحمهم جميعاً.. طبعاً مفيش مشاكل.. إكتبي رقمي......"
سجلت رقمه في هاتفها ثم اخرجت نقود و مدّت يدها له بها فكف يدها عنه قائلاً: "خلي يا أستاذه.. الجايات اكتر."
ثم إنصرف و تركها تنظر في أثره بتعجب و تقدير.
أصبح مناماً لحوحاً.. يزورها كل يوم بإنتظام.. يرهق ما تبقي لديها من قوة و ثبات.
"نورااا حبيبتي.. فوقي يا نورا إحنا دلوقتي في أمان.. نورااا...."
أيقظها رنين هاتفها و كان المتصل والدها.
أجابت بصوتٍ ناعس يبدو عليه الإرهاق: "أيوة يا بابي."
"حبيبة بابي.. عاملة إيه النهاردة؟!"
"تعبانه يا بابي.. تعبانه.. كل يوم بشوف أحمد الله يرحمه في المنام و كل يوم بيقوللي نفس الكلام.. أنا اعصابي تعبت و جدياً بفكر أروح لدكتور نفسي."
لم يأتيها رده فقالت: "باابا.. معايا؟!"
"دي إستغاثه من أحمد ليكي يا نورا!"
ضيّقت بين حاجبيها بتعجب و قالت: "إستغاثه؟! مش فاهمه حضرتك تقصد إيه."
"أحمد عايش يا نورا و بيستغيث بيكي!"
اطلقت ضحكه مقتضبه ساخرة و قالت: "إيه الكلام ده يا بابي؟! أكيد مش ده تفسير الحلم."
"طيب فسريه إنتي.. ليه بيجيلك كل يوم في المنام و بيقوللك نفس الكلام؟! أكيد مش حاجه عاديه!"
"اكيد عشان أعصابي تعبانه اليومين دول.. انا هحاول أغير مود ممكن أكون أحسن.. المهم إنت كويس؟!"
"كويس الحمد لله.. هسيبك دلوقتي عشان لازم أعنل تليفون مهم و هكلمك بعدين.. مع السلامه."
أنهي المكالمه معها ثم قام بالإتصال بإحدي شركات الطيران الخاصه.
"عايز طيارة خاصه للبحث عن مفقود كان متجه لتركيا و الطيارة سقطت في الميه.. البحث يكون علي أوسع و أشمل نطاق و أنا متكفل بتكاليف الرحله كاملةً."
أغربت شمس يومٍ جديد ليكون هو تتمة الشهر لهما في تلك الجزيرة.
كانت فرحه تجلس برفقه "أحمد" و يشعلان النار كعادتهما كل مساء.
زفرت حانقه و قالت بملل: "ما تيجي نرغي في أي حاجة و لا نعمل أي حاجه بدل قعدتنا السوده دهين."
إبتسم لحنقها و قال: "إيه رأيك نلعب ملك و كتابه؟!"
"و دي هنلعبها إزاي يا سي كرومبو؟!"
"عادي نجيب أي حجرة وشها مختلف عن ضهرها و نلعب بيها."
ظل يبحث حوله حتي وجد الحجر المناسب فقال لها: "ده كويس.. الناحيه الفاتحه كتابه و الغامقه ملك."
أومأت بحماس و قالت: "حلوو.. و اللي يخسر يتحكم عليه!"
"مااشي.. يلا إبداي."
ألقت الحجر بالهواء ثم تلقفته بين يديها و قالت: "ملك ولا كتابه؟!"
"كتابه!"
ضحكت ضحكه سمجه و قالت: "ملك.. احكم عليك بإيييه احكم عليك بإييييه!!! آه أقوللك.. قوم لف الجزيرة 7 مرات و إنت بتقول إحنا فشار إحنا فشار."
نظر لها بصدمه و قال: "فشار إيه يا فرحه؟! و بعدين جزيرة إيه اللي ألفها 7 مرات هو انا عليا ندر؟! ما تختاري حاجه سهله يا فرحه و خليكي جدعه."
"إممممم.. طب أقوللك.. غني."
"أغني؟!"
"لا ماهو إسمع أما أقوللك.. مزاوله مش عايزين.. هتغني ولا تقول إحنا فشار؟!"
"لا أغني أرحم.. طيب غششيني أغاني.. انا مسمعتش أغاني من زمان."
"لا مليش دعوه.. إختار إنت."
"إممم.. طيب هغني ل 'عبد الحليم' لأني مش حافظ أغاني غير ليه."
"إطربني."
إبتسم ثم برز صوته العاذب متغنياً بأحلي ما غني العندليب..
خايف مرة أحب وعارف ليه أنا قلبي خايف
شفت الحب بيبكي ويضحك ماله عيون وشفايف
خايف مرة أحب وعارف ليه أنا قلبي خايف
شفت الحب بيبكي ويضحك ماله عيون وشفايف
إرتجفت أوصالها و إبتسمت لا إرادياً و تمتمت معه.
بس لو ألاقي اللي أحبه، واللي قلبي يروح لقلبه
واللي ترتاح روحي جنبه، يومها عمري ما أبقى خايـف
نظر بداخل عينيها و فعلت هي المثل و كأنه لا يوجد سواهما في الكون و إرتفع صوتهما معاً.
خايف إني أحب، وخايف ينسى الحب يوم يقابلني
خايف أجرب خايف أهرب، خايف أقرب يبعد عني
ناس من الحب شافوا أسية وناس اتهنوا
خايف يقسى الحـب عـليّ خايـف منه
أندم لو حبيت وقسيت، وأندم لو عمري ما حبي
بس لو ألاقي اللي أحبه، واللي قلبي يروح لقلبه
واللي ترتاح روحي جنبه، يومها عمري ما أبقى خايف
رواية غريق على البر الفصل الثامن 8 - بقلم نعمة حسن
مع صباح يومٍ جديد استيقظت فرحه بحماس ونشاط. خرجت من مسكنها الخاص وطرقت بأصابعها الرقيقة على كوخ "أحمد" فلم يجيب.
"أنا هنا يا فرحه."
أتاها صوته من خلفها، فنظرت للوراء مبتسمة وقالت: صباح الخير.
صباح النور. الموج عالي النهارده فقولت أستغل المد والجزر في حاجة.
حاجة إيه؟
أمسك برسغها ثم مشى بها خطوات وتوقف أمام البحر قائلاً: بصي يا ستي. لما يبقى في مد وجزر زي النهارده كده السمك بيخرج مع الميه. فأنا عملت إيه بقااا؟
جمعت حجارة ورصيتها على شكل حرف V بحيث تكون الفتحة في اتجاهنا والسن المدبب في اتجاه البحر زي ما انتي شايفة كده. فمع المد والجزر الأحجار دي هتحتجز الأسماك. يعني صيد بدون مجهود. بدل ما نقعد في الشمس طول اليوم نصيد من بين الصخور.
وإنت مقتنع بالكلام ده بذمتك؟
في إيه يا بنتي على الصبح؟ متشائمة ليه؟ ده إحنا لسه بنقول يا هادي.
قلبي مش مطمن. حاسة إن حاجة هتحصل.
لا سمّي بالله كده وفكري في الإيجابيات.
إيجابيات؟ إيجابيات إيه اللي ممكن تكون في مكان زي ده؟ ده إحنا واقعين من طيارة وكل الركاب ماتوا ومفضلش غيرنا على جزيرة مهجورة لا فيها ميه ولا أكل. ده إحنا عايشين كده حلاوة روح بس.
ثم أضافت ساخرة: قال ويقول لي إيجابيات!
لم تروقه سلبية تفكيرها ولا تشاؤمها، فقال غاضباً: احمدي ربنا إنك عايشة على الأقل وما متيش مع اللي ماتوا.
منا كده كده همووت. ياريتني كنت مت معاهم على الأقل كنت ارتحت بدل ما أنا عايشة مستنية الموت.
قطب حاجبيه بشدة من أسلوبها المغاير تماماً وقال: انتي إيه اللي حصل لك؟ انتي مكنتيش كده!
صرخت بألم قائلة: زهقت.. أعصابي تعبت يا أخي. بقالنا شهر ونص هنا ومليش أمل نرجع. أهلي وحشوني. أختي وحشتني. أهلي زمانهم خدوا عزايا. أبويا زمانه هيموت من قهرته عليا.
كل ده اكتشفتيه في يوم وليلة؟ ده انتي امبارح كنتي بتقوليلي مش عايزة أرجع وامبارح بردو كنتي بتغني معايا وفضلنا للصبح نضحك ونهزر. إيه اللي حصلك فجأة كده؟
كنت بواسي روحي. بضحك على نفسي. بس مش قادرة أضحك على نفسي أكتر من كده. أنا عايزة أرجع لأهلي.
فقد سيطرته على أعصابه بالكامل وتكلم صارخاً بوجهها وقال: على فكرة يا فرحه لو تلاحظي. أنا مش خاطفك. أنا كمان واقع معاكي من الطيارة وأنا كمان عندي أخت عايزة أرجع لها. وأنا كمان زمان أهلي خدوا عزايا يعني نفس الزفت اللي انتي فيه أنا فيه كمان. وأنا أصعب منك كمان.
أصعب مني في إيه؟
إقترب منها بغتةً بعصبية أفزعتها وتكلم من بين أسنانه قائلاً: لأنك دلوقتى مسئولة مني. وحمايتك فرض عليّ. يعني مسئولية مضاعفة.
أحست بالندم لما آل إليه حاله، فأشاحت بوجهها عنه. فأمسك بذقنها يدير وجهها إليه بلطف ونظر بعينيها مباشرةً وقال: فرحه أنا..
رأى الدموع تلتمع بعينيها، فزفر مطولاً وقال: أنا لو في إيديا حاجة أعملها عشان نرجع صدقيني هعملها بس للأسف.. ما باليد حيلة.
إبتعد عنها قليلاً وولّاها ظهره وأخذ شهيقاً يحاول به لملمة شتات نفسه. لا يصدق ما كان على وشك التفوه به.
إقتربت منه ووضعت يدها على ظهره تحثه على الالتفات. فسرت قشعريرة بجسده يختبرها لأول مرة. إستدار سريعاً ولكنه شعر بوخزات ألم عندما رأى لآلئ عينيها تتساقط وتقول: متزعلش مني أنا مقصدش أرمي الحمل عليك. أنا بس اتخنقت وملقيتش قدامي غيرك.
إزداد نشيجها وازداد ألمه، فإحتضنها بغتةً علّ كلاً منهما يشفي بعناق الآخر.
أغمض عينيه مخافة الصد، فأغمضت عينيها مخافة الفقد.
شدّد من إحتضانه إليها مهابة الحرمان، فشدّدت من ضمها إليه باحثة عن الأمان.
نبضات قلبيهما تقابلت وأخبر كلاً منهما الآخر بما لا يقوى اللسان على النطق به.
كانت تريد أن يتوقف الزمن عند تلك اللحظة، فلا قدرة لها بأن تقطع هي تلك الإحساس التي لن تنساه أبد ما حيت. أما هو.. ضعيف جداً ومسلوب الإرادة بين ذراعيها. لم يسبق واحتضن أنثى من قبلها ولا يظن أنه إن كان حدث ستكون لحظة مفعمة بالطمأنينة كهذه.
بدأت حواسها تنذرها لما هي فيه، فإبتعدت على استحياء ومسحت عَبراتها بيديها ورفعت بصرها إليه فوجدت عينيه تفيض بالأسف.
أنا متأسف يا فرحه مكنتش أقصد!
قالها ظناً منه بأنه أثار غضبها وأكمل: متضايقيش مني.. أنا مش عايزك تكوني زعلانة...
اتسعت عيناه بصدمة عندما عانقته هي مطوقة رقبته بذراعيها بتملك، فرفعها عن الأرض وأحاط خصرها بيديه ودار بها مرات متتالية وسط ضحكاتهم المرتفعة الهيستيرية حتى سقطا أرضاً.
إنفجرا ضاحكين دون توقف حتى تساقطت دمعاتهم من فرط الضحك والسعادة، فأطلق "أحمد" لسانه وقال: فرحه أنا...
نظرت إلى الأمام بصدمة وذعر، فنظر إلى حيث ثبتت عيناها فوجد المد قد ارتفع بشدة والموت قادم لا محالة.
***
يرن هاتفه فإلتقطه بحماسة خفتت عندما أخبره المتصل: حضرتك للأسف الرحلة اتأجلت. الخطوط الجوية تم إغلاقها لسوء الأحوال الجوية.
أومأ بإيجاب و قال محبطاً: تمام.. شكراً جزيلاً.
قام بالاتصال بـ "نورا" التي أجابت: أيوة يا بابي. إزيك؟
الحمد لله بخير. إيه أخبارك؟
كويسة الحمد لله. عندي ميتينج أونلاين كمان ربع ساعة. كان المفروض هيوصلوا كمان ساعتين بس لسوء الجو مش هييجوا والميتينج هيبقى أونلاين.
أيوة بيقولوا. يلا ربنا يصلح الأحوال. ماشي هكلمك بعدين. مع السلامة.
***
ارتفع المد فاكتسح اليابسة وجرف معه كل ما يقابله بما فيها الأشجار الصغيرة والأكواخ التي صنعاها "أحمد" و"فرحه".
كانا يركضان بداخل الغابة دون النظر للخلف ممسكين بيد بعضهما البعض بلا توقف.
وقفت فرحه تلتقط أنفاسها بلهث وقالت: نفسي هيتقطع. مش قادرة.
معلش يا فرحه تعالي على نفسك. لازم نبعد عن البر على قد ما نقدر.
حثّها على التقدم وأمسك بيدها وركضا مسرعين نحو المجهول.
أسدل الليل ستائره وحل الظلام وهما لا يزالا يسيران داخل الغابة.
أنا خايفة.
قالتها "فرحه" بخوف حقيقي، فأمسك "أحمد" بيديها بين كفيه وقال بصدق: طول ما إحنا سوا متخافيش. تأكدي إني لا يمكن أسمح إن يجرالك حاجة وحشة. تمام؟
أومأت بموافقة فأكمل: لازم نولع نار. دوري معايا على حطب.
ظلّا يبحثان سوياً حتى وجدت الحطب وأعطته له، فقام بإشعال النار عن طريق الاحتكاك كما فعل في المرات السابقة. ثم ناولها عصا وأخذ أخرى، فسألته: هنفضل هنا لما النهار يطلع؟
لا مش هينفع نفضل في مكان واحد. إحنا لازم نمشي ومبقاش ينفع نرجع. مفيش قدامنا غير إننا نمشي لقدام وإحنا ونصيبنا بقى.
أنا كان قلبي حاسس إن في مصيبة هتحصل.
لعله خير. يلا نكمل؟
يلا.
***
ألوو.
أيوة مين حضرتك؟
إحم. حضرتك أنا رضوى اللي انت وصلتها قبل كده وخدت منك رقمك موبايلك.
أيوة يا أستاذة رضوى. فاكرك طبعاً.
طب كويس. حضرتك فاضي دلوقتي توصلني للسنتر؟
ولو مش فاضي أفضالك. مسافة السكة. سلام.
مع السلامة.
بعد نصف ساعة كان يقف أمام منزلها وكانت هي بانتظاره، فصعدت إلى التاكسي بجانبه قائلة: هاي.
إبتسم. قائلاً: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
زمت شفتيها بخجل وارتسمت على محياها بسمة رقيقة، فسألها: على فين إن شاء الله؟
سنتر "IQ" اللي في آخر المهندسين.
لا معلش اوصفيهالي بالتفصيل لأني جديد في المكان. وفي الشغلة عموماً.
ده بجد!! يعني انت مش من مصر؟
لا إحنا من البحيرة. بس استقرينا في مصر لينا أسبوعين تقريباً. من بعد يوم المطار الأخير.
أشاحت بوجهها ناحية النافذة وتمتمت: الله يرحمهم.
أوصلها إلى قبلتها كما أخبرته، فقالت: ممكن بعد إذنك تفوت عليا كمان 3 ساعات.
حاضر. مع السلامة.
***
بعد مرور 24 ساعة.....
خلاص مش قادرة. هقع من طولي. هموت وأشرب.
نظر لها برأفة وقال لاهثاً: وأنا كمان عطشت جداً. بس معلش استحملي جايز نلاقي.
هنلاقي فين بس د...
شهقت بقوة ثم كممت فمها بيدها وجحظت عيناها وأشارت برأسها إلى الأمام، فنظر حيث تشير.
حنش!
قالتها بصوت متقطع مذعور.
قال محاولاً تهدئتها: اهدي ومتتحركيش من مكانك. اثبتي خالص وهو هيمشي.
أنا خايفة.
برز بها صوتها عندما تشبثت به في خوف وكادت تغرس أصابعها في ذراعه من فرط خوفها، فقال: فرحه بصيلي. بصيلي أنا.
نظرت إليه بأعين فزعة دامعة، فقال: متخافيش. ولا كأنك شيفاه. ده تعبان طالع من بطن الأرض يعني مبيشوفش. ولو مسمعش حركة وغروشة جنبه هيمشي. اهدي.
صمتت عن الكلام ولكن تقسم أنها كانت تستمع إلى صوت ضربات قلبها العنيفة المذعورة.
قبض على يدها بإحكام وخلّل أصابعها بين أصابعه ثم قال: متقلقيش يا فرحه. كل ده هيعدي.
نظر إلى مكان الثعبان ببطء فلم يجده. جال ببصره يمنة ويسرة حتى تأكد أنه غادر.
إمشي على أطراف صوابعك. بشويش يا فرحه.
فعلت كما أخبرها حتى تجاوزا تلك المنطقة، فقال لها: اجري يا فرحه. بسررررعه.
وثبت بسرعة وبعد مرور قرابة النصف ساعة توقفت تلتقط أنفاسها بصعوبة: خلاص همووت. أنا متأكدة إننا مش هنخرج هنا عايشين.
ثم أكملت بيأس وهي تنحني تضع يديها على ركبتيها من شدة الألم: كل اللي بنعمله ده على الفاضي.
لم يعير حديثها المتشائم أي أهمية وقال: يلا يا فرحه. لازم نحاول نوصل لأي حاجة قبل ما الليل يدخل علينا.
نوصل لإيه؟! انت فاكر بعد كل ده هنوصل لحاجة؟!
أمسك بيديها قِصراً وجذبها خلفه.
قالت غاضبة: طيب سيبني. انت جاررني وراك كده ليه؟ هو أنا جموسة؟! هييي!! بص هناك يا أحمد أفندي.
نظر إلى حيث تشير وتمتم: بحيرة!
جذبته خلفها وركضت مسرعة نحو البحيرة وهي تقول: يا فرج الله.... تمساااااااااااح!!!
قالت الأخيرة صارخة وهي تركض مبتعدة عن البحيرة.
وقف هو يضع يد بخصره والأخرى على جبهته بتعب ويأس، بينما تمتمت هي: تماسيح وتعابين وقرود وديابة وسناجب. أنا لو ربنا كتب لي عمر وخرجت من هنا هألف كتاب اسمه "فرحه وحيوانات الغابة".
لا إرادياً ارتسمت على شفتيه ابتسامة وقال: يلا يا فرحه. المكان هنا مش أمان.
لا حوش ياخويا. آحنا كنا قاعدين قبل كده في بورتو مارينا. ما إحنا من يوم ما اتهببنا وجينا هنا وإحنا مش في أمان. إيه الجديد يعني؟
بطلي لماضة يا فرحه ويلا بينا.
يا أحمد أفندي أنا رجليا ورمت ومبقتش قادرة أمشي. وعطشانة وجعانة وكل حاجة وحشة حاسة بيها.
ابتلع المسافة بينهما ووقف أمامها مباشرةً لا يفصل بينهما سوى إنش واحد وأمسك بوجهها بين كفيه ونظر داخل عينيها قائلاً: فرحه اسمعيني.
غاصت بعينيها داخل عينيه وتأملتهما ملياً. كم تود اقتحام حضنه الدافئ لعلها تطمئن.
تابع حديثه وهو يسبر أغوار عينيها ويلقي بتعاويذه الخاصة بداخلهما فقال: إحنا مع بعض. يعني متخافيش. زي ما أنا مش خايف لأنك معايا. خليكي قوية واستحملي. أنا على يقين إننا هنعدي من المحنة دي مهما كانت شدتها. خليكي فرحه العنيدة الطايشة اللي أول ما ركبت جمبي الطيارة كانت مصممة تركب جنب الشباك.
قال الأخيرة ساخراً فضحكت عالياً فقال: اتفقينا؟
اتفقنا.
يلا. 3.. 2.. 1.. اجري يا فرحاااااااااااه.
رواية غريق على البر الفصل التاسع 9 - بقلم نعمة حسن
تسيـر فرحه تجر قدمها بصعوبه بالغه..
أصبح وجهها شاحب و جسدها هزيل لا يقوي علي مجابهة كل ما تَمُرّ به.
خاطبها "أحمد" قائلاً:
معلش يا فرحه إستحملي، مفيش بإيدينا حاجه.
لم تجيب.. لم تنطق.. لم تتفوه ببنت شفه.. إيماءه فقط هي ما حصل عليه منها.
تمزقت نياط قلبه لرؤية وردته الچوريه تذبل هكذا و شعر بالعجز للمرة المليون فأمسك بيدها يمنعها من التقدم ثم جلس أرضاً و أجلسها بجانبه قائلاً:
خلاص، إرتاحي شويه و بعدين نكمل.
نظرت له بوهن و أنفاس متقطعه و قالت بصوت خفيض:
سيبني هنا و كمّل إنت.. أنا لو إستحملت النهاردة مش هستحمل بكرة.
جحظت عيناه لسماع كلماتها و قال:
نعم؟! بتقولي إيه إنتي؟! يستحيل ده يحصل أصلاً.
أجابت و قد إشتدت آلامها:
صد.. ثم إبتلعت لعابها بقسوة ضاريه و قد أحست بأن حنجرتها قد جُرِحَت: صدقني أنا مش هقدر أكمل.. أنا جسمي نشف من قلة الميه.. حتي ريقي مش قادرة أبلعه.. و رجليا مش قادره أدوس عليها حاسه إن فيها نار.. أنا تعبت و جبت أخري!
نظر إلي قدمها فوجدها تلمع من شدة الإلتهاب.. زم شفتيه بأسف و حزن بالغ ثم تفوه ناطقاً:
هنكمل يا فرحه.. لازم نخرج من هنا.. أوعدك إني هرجعك لأهلك.
تحدثت بيأس:
لو مت و إنت رجعت مصر متعرفش أهلي إني كل ده كنت عايشه.. سيبهم فاكرين إني مت غرقانه.
أمسك بوجهها بين كفيه و تحدث بصرامه:
مفيش الكلام ده.. هنخرج من هنا أنا و إنتي و هنرجع مصر سوا.. فرحه أنا مقدرش أستغني عنك.
قال الأخيره بصدق و هو غير مكترث بـ رد فِعلها فنظرت له بأعين باكيه و قالت:
و أنا كمان مش عايزة أسيبك يا أحمد أفندي.
مَسـح عَبراتها بكف يديه و قبّل عينيها بحنان و مشاعر متأججه فإزداد بكاؤها فأعاد الكرة مرة أخري فباغتته هي تطوّق رقبته بذراعيها و تشدد من إحتضانها إليه فطوّق خصرها بيديه و أغمض عينيه زافراً بقلة حيلة ثم إبتعد ليقابل وجهه وجهها و نظر داخل عينيها نظرات لم تفهمها و لكنها رأت ظلمتها و شعرت بأنهما يسكرانها و يفعلان بها الأفاعيل.
أسند جبينه إلي جبينها يحاول كبح جماح رغبته و تكلم بضعف:
لازم نكمّل يا فرحه.. حالاً.
نهض و ساعدها في النهوض فصرخت متألمه و قالت:
مش هقدر أمشي.. مش عارفه أدوس علي رجلي.
بغتةً و بدون تفكير.. حملها بين ذراعيه و سار بها.
إنه الآن.. و تحديداً الآن.، منهَك.. مستنزَف الطاقه.. خائر القوي.
حاول ألا ينظر لعينيها و أن يفكر بأي شىء آخر و لكنه فشل. نظر إلي حصونها التي تفقده عقله فوجدها تغمضهما بإستسلام.
حلّ الظلام فإزداد السير صعوبه و إزدادت وحشته فنادي قائلاً:
فرحه.. إنتي نمتي؟!
فرّقت بين جفنيها بصعوبه و هزت رأسها بنفي فقال:
مالك؟! حاسه بإيه؟!
لم تجيب و لكن إرتعاش جسدها أخبره بأنها ليست علي ما يرام.
أحني رأسه و لامس جبهتها بوجنته فوجد حرارتها مرتفعه بشده.
فرحه.. كلميني.
نظرت له بأعين حمراء من فرط التعب و أغمضت مرة أخري.
ظل ينظر حوله علّه يجد أي شئ يمكنه من مساعدتها و لكن بلا جدوي.
رمقها بنظرات آسفه عاجزة و لكن سرعان ما تبدّلت نظراته لمتحمسه عندما رأي علي مدد بصره، سيارات.
حدثها بسعاده و قال:
خلاص يا فرحه.. هنخرج من هنا.. فرحه.. فرحه!!
لم تجيب و لم تصدر منها أي إشارة بأنها ما زالت واعيه.
نظر لها بقلق و حثّ خطاه علي التقدم بسرعه حتي بدأت الأشجار تتلاشي و تظهر السيارات و تبرز معالم الحياة.
توقف علي إحدي جانبي الطريق و أشار بيده لإيقاف أي سيارة.
توقفت سيارة أجره فنظر صاحبها إليه وهو يحمل فرحه بريبه ثم تركهما و إنصرف.
أشار للسياره التاليه و التي تليها و التي تليها و لكن دون جدوي.
بدأ يشعر بأن طاقته قد نفدت و أنه سيسقط في التو.
توقفت سيارة خاصه فارهه فإنحني يحدّث سائقها و قال:
Can you help us get to the hospital"هل يمكنك مساعدتنا للوصول إلي المستشفى."
_Of course .. Let me help you carry your girlfriend"بالطبع.. دعني أساعدك في حمل صديقتك."
أشار بيده أن "لا" و قال:
No .. Thank you .. She is my wife "لا.. شكراً.. إنها زوجتي."
أومأ الرجل بموافقه فـ حمل "أحمد" "فرحه" و أصعدها إلي المقعد الخلفي و صعد بجانب الرجل و قال:
Please .. Faster.. It is very sick."من فضلك أسرع.. إنها مريضه للغايه."
أومأ الرجل موافقاً و سار بأعلي سرعه حتي وصل بهما إلي المشفي.
_Here we have come."ها نحن ذا قد وصلنا"
نزل "أحمد" يتحامل علي آلامه التي قد إشتدت به و حمل "فرحه" الفاقدة للوعي و أسرع بها لداخل المشفي.
هرع إليه الأطباء و الممرضين و تلقوا فرحه علي"الترول" و حدثه الطبيب متسائلاً:
What about you two? ماذا عنكما؟
=We have been infected with an incident .لقد كنا من مصابين حادث الطائرة المنكوبه.
أسرع الطبيب بإسعافها و أمر طبيب آخر بإسعاف "أحمد" و إمدادهما بـ معلقات الماء و التغذية.
_حضرتك ميعاد الرحله هيكون الساعه 6 الفجر و هنبلغ حضرتك بالتفاصيل و اللي وصلنا ليه.
=إن شاء الله.. تروحوا و ترجعوا بالسلامه.
بعد مرور 6 ساعات متواصله من البحث أتاه إتصال بأنهم لم يتوصلوا لأية نتائج.
أومأ بأسف و حزن بالغ و شكرهم بإقتضاب.
تمتم قائلاً:
الله يرحمك يا أحمد.. كنت زين الرجال.. ربنا يعوّض عليكي يا نورا يا بنتي.
هاتفها كعادته كل صباح فأتاه صوتها متحمساً:
صباح الخير يا بابي.
_صباح النور يا حبيبتي.. إيه صوتك فيه حماسه غريبه كده.
=أصل النهاردة هنوقع مع أكبر شركة تصدير في نيوزيلندا. I'm very excited."متحمسه جداً"
_مفيش فايده فيكي يا نورا.. مبتفكريش غير في الشغل.
=و في إيه أهم من الشغل و إني يبقالي كيان و كرير أفتخر بيه؟!
_في إنك تشوفي حياتك.. تعملي أسرة و يبقالك بيت و زوج و أولاد.. أحمد والله يرحمه.. أكيد مش هتفضلي موقفه حياتك عشانه طول العمر!
=غريبه.. أخيراً سلّمت بحقيقة موته.
_الله يرحمه.. و يعوّض عليكي.. لازم تشوفي حياتك يا نورا يا بنتي.
=بعدين يا بابا الكلام ده.. عن إذنك عشان معايا مكالمه.
إستقبلت المكالمه الأخري:
أيوة يا رضوي.. عامله إيه؟!
_إزيك يا أبله نورا؟! مبتسأليش قولت أطمن عليكي أنا.
تماسكت و تغاضت عن طريقتها المستفزة و أجابت:
أنا مقصره مع الكل والله يا رضوي معاكي حق.. بس الشغل واخد كل وقتي زي ما إنتِ عارفه.
هزت "رضوي" رأسها ساخرة و قالت:
ربنا يعينك يا أبلة نورا.. كنت في المهندسين و شوفتك و إنتي طالعه عيادة الدكتور "كارم عيد" مش ده بردو دكتور نفسي؟
أغمضت "نورا" عينيها بعصبيه و قالت:
معلش يا رضوي لازم أقفل حالاً لأن عندي meeting مهم.. مع السلامه.
أغلقت الهاتف بعصبيه و ألقته علي المكتب التي تقبع وراءه و تمتمت حانقه:
إنسانه مستفزة.
أمسكت "رضوي" الهاتف تقلّبه بين يديها و هوت من عينيها دمعه إلتقطتها هي بكفها و قالت:
الله يرحمك يا أحمد.. مش عارفه كنت مستحملها إزاي!
أتاها صوته التي باتت تعرفه عن ظهر قلب:
أستاذة رضوي.
إلتفتت مسرعه و إرتسمت علي شفتيها إبتسامه عفويه و تمتمت:
رضوان!
إنتقلت له عدوي الإبتسام و إنشرح صدره لنطقها بإسمه بصوتها العذب و قال:
رضوان.. معلش إتأخرت عليكي.
_ولا يهمك.. إيه رأيك تقعد نشرب حاجه الأول و بعدين تروحني؟
!=والله اللي تشوفيه.. و آاااادي قعده.
جلس قبالتها و سألها:
تشربي إيه؟!
أجابت بحماسة طفل:
موز باللبن.
إبتسم بخفه و تمتم:
الله يرحمك يا فرحه.
سألته بفضول:
مين فرحه؟!
_أختي.
=اللي كانت علي الطيارة مع أحمد أخويا الله يرحمه؟!
أومأ موافقاً ففاجئته قائله:
تعرف يا رضوان؟!
إبتسم فقالت بحرج:
آسفه يعني إني بقول رضوان من غير ألقاب.
_لا يا ست البنات إنتي تقولي اللي إنتي عيزاه.
إتسعت إبتسامتها و قالت:
تعرف؟! أنا ساعات بحس إن أحمد مماتش!
نظر لها بصدمه و قال:
تعرفي إن أنا كمان ساعات بحس زيك كده؟! ساعات بحس إن فرحه عايشه.. بس للأسف.. كل الدلايل بتقول إنهم ماتوا.
تنهيده حاره أطلقتها و قالت:
إنت متعرفش أحمد ده كان بالنسبالي إيه.. كان أبويا و أمي و أخويا و صاحبي و حبيبي و كل حاجه.. هو اللي مربيني من و أنا عندي 10 سنين.. بابا مات بالكانسر و ماما ماتت بعده بسنتين و فضلت أنا و أحمد.
وأدت دمعه في محجريها و أكملت:
أحمد اللي كان بيسرح لي شعري و يعمللي ضفيرتين كمان.
إبتسم فإبتسمت و أكملت:
كنت أقولله إنت بتعرف تعمل كل حاجه كده؟! يقوللي لازم الواحد يكون عنده فكرة عن كل حاجه لأن الظروف ممكن تحطك في وضع جديد عليكي فلو معندكيش خبره كفايه مش هتعرفي تعدي.
_الله يرحمه.
تمتم "رضوان" فسألته:
إنت الكبير في إخواتك؟!
أومأ بإيجاب و قال:
أيوة أنا الكبير و من بعدي كانت فرحه الله يرحمها و بعدها رامي و كرم و بدر.. فرحه كانت أمنا مش أختنا بس.. تعرفي.. أبويا نفسه كان بيقوللها من يوم ما راحت أمك و إنتي أمنا كلنا حتي أنا.. كانت حنينه و ضحوكه و بتحب الهزار جداً.. مكنش يتشبع من قعدتها.. الله يرحمها و يحسن إليها.
قال الأخيره و أشاح بوجهه إلي يساره يواسي قلبه المكلوم فجذبه صوتها العذب عندما قالت:
رضوان.. هو ممكن نكون صحاب؟!
نظر إليها بتعجب و سألها:
صحاب إزاي يعني؟!
_يعني إحنا يعتبر ظروفنا واحده و أنا عن نفسي بقيت بثق فيك و دي حاجه محصلتش قبل كده إني أثق في حد و أتكلم معاه.. فـ أنا مش عاوزه أخسر حد زيك.. لو في مانع تمام يعني مش هتضايق.
=لا طبعاً مفيش مانع ده شرف ليا يا أستاذه رضوي.. بس خدي بالك طالما هنكون صحاب يبقا لازم تتقبلي نصايحي حتي لو مش هتعملي بيها!
_أكيد طبعا ده شيء يسعدني إنك تكون مهتم لأمري و تنصحني.
=تمام.. يلا بينا عشان متتأخريش.
_That's whatever happened."هذا كل ما حدث"
قالها"أحمد"عندما إنتهي من قص ما حدث معهما منذ وقوع الطائرة حتي لحظتهم هذه للطبيب الذي أومأ بتقدير و إعجاب قائلاً:
=You are heroes .. The head is still ."أنتم أبطال.. زال البأس."
قال الأخيرة رابتاً علي كتف'أحمد' و أكمل:
=She will start with his hopes shortly. excuse me"إنها سوف تبدأ في الإفاقه بعد قليل.. عن إذنك.
همّ"أحمد" بإغلاق باب الغرفه فدخلت الممرضه ترتسم علي محياها إبتسامه مشرقه فقال لها:
_Please .. above all .. I want to cover the head ."من فضلك.. قبل كل شيء.. أريد غطاء للرأس."
أومأت بموافقه فتابع:
_I want a phone too."و أريد هاتف أيضاّ."
أومأت الممرضه بكل سعة صدر و ذهبت ثم عادت بحجاب من نفس لون رداء المرضي و هاتف ثمناولته إياهم فشكرها مبتسماً و قال:
_Thank you, dear. "شكراً عزيزتي."
إتسعت إبتسامها و لكن قطعتها عندما إستمعت إلي صوت تلك المنبعثه:
إنتوا فاسخين سنانكوا و بتضحكوا علي إيه؟!!
رواية غريق على البر الفصل العاشر 10 - بقلم نعمة حسن
"إنتوا فاسخين سنانكوا و بتضحكوا علي إيه؟!"
قالتها "فرحه" التي أفاقت لتوّها.
ذهب إليها "أحمد" مسرعاً و انحنى بجزعه للأسفل قليلاً و قال:
"حمدالله على السلامة يا فرحه."
نظرت إليه حانقه و قالت:
"إنت كنت بتقوللها إيه خلاها ميتسمه للدنيا أوي كده؟!"
لاحظ نظراتها الجديدة و التي تشبه نظرات الغيره فقال بتلاعب قليلاً:
"كنت بشكرها عشان جابتلي الموبايل."
"لأ إنت كنت بتقوللها حاجه تانيه و بتضحك.. خير؟!"
"كنت بقوللها إن عيونها جميله!"
جحظت عينيها بصدمه و اشتعل قلبها من فرط الغيره و أومأت بهدوء ثم أشاحت بوجهها بعيداً.
إقتربت الممرضه و فحصتها بدقه تحت نظرات "فرحه" التي تراقب تفاصيلها بغيظ فقالت:
"خلاص يختي بقالك ساعه بتفصصي فيا.. منا قدامك شبه الحصان أهو."
نظرت لها الممرضه بإستفهام فنظرت إلي "أحمد" و قالت:
"ترجم لها."
تحدث إلي الممرضه و قال:
"That's enough.. she has been very well."
قالت فرحه:
"إنت بتستعبطني.. مقولتلهاش إني بقيت زي الحصان ليه؟!"
قال متعجباً:
"قولت يا فرحه."
"لا مقولتش.. هو إنت فاكرني جاهله ولا إيه؟! هو مش حصان بالإنجليزي يعني "هورس" إنت مقولتش كلمة "هورس" خالص."
ضحك قائلاً:
"ما أنا مش هترجم لها ترجمه حرفيه يا فرحه أنا قولتلها اللي إنتي عايزة تقوليه بس بالطريقه اللي تفهمها."
كانت الممرضه تنقل نظراتها بين "أحمد" و "فرحه" بتعجب فقالت لها فرحه:
"خير يا عروسه؟! هتفضلي تبحلقي كده كتير؟!"
"What!?"
نظرت فرحه إلي "أحمد" و قالت:
"ترجم لها."
نظر إلي الممرضه و قال:
"Ok.. you can leave."
أومأت الممرضه مبتسمه و نظرت إلي فرحه بإبتسامة ثم غادرت الغرفه.
زفرت "فرحه" و قالت:
"ياباااي.. سم."
ذهب "أحمد" و جلس بجانبها ثم أمسك بيديها بين كفيه و قال مبتسماً:
"حمدالله على سلامتك يا فروحه."
إبتسمت "فرحه" و قالت:
"الله يسلمك.. إحنا فين؟!"
"إحنا يستي في مستشفى علي حدود تركيا."
"مكنتش مصدقه إننا هنخرج من الغابه."
"مش أنا وعدتك؟! يبقي لازم أوفي.. حتي لو كنا فضلنا شهر ماشيين مش أسبوع كنت لازم هنقذك."
"أنا لولاك كان زماني ميته."
إبتسم و ربت علي ظهر يدها و قال:
"و أنا كمان يا فرحه.. لولاكي كان زماني ميت."
لم تفهم مقصده و لكنها إبتسمت و قالت:
"هنرجع مصر إمتا؟!"
أشاح بوجهه بعيداً و قال بتلعثم:
"مستعجله ليه!!"
تعجبت و قالت:
"مستعجله ليه؟! مش كفايه بقالنا شهرين.. هنستني إيه تاني؟!"
ترك يدها بضيق و قال:
"ثواني هعمل مكالمه."
قام بالإتصال برقم ما و انتظر حتي أتاه الرد:
"ألو؟!"
"أيوة يا "منير" أنا أحمد."
"أحمد مين؟!"
"أحمد إبن عمك يبني!"
"نعم؟! أحمد إبن عمي إزاي يعني؟! إنت مين يلا؟!"
"والله العظيم أحمد.. بص أنا في مستشفي هنا في تركيا و بكلمك من تليفون الممرضه.. تعالالي علي اللوكيشن اللي هبعتهولك دلوقتي و هات معاك هدوم ليا و يريت هدوم حريمي لو ينفع."
"أنا مش فاهم حاجه.. إنت أحمد بجد؟! طب إديني أمارة."
زفر "أحمد" بملل و قال:
"والله العظيم أحمد.. أحمد إدريس المسلماني.. إبن عمك إدريس أخو أبوك إبراهيم و عمتك أمنه.. ها إتأكدت ولا لسه؟!"
"أيوة صح.. بس هو إنت مموتش؟!"
"بعدين يا "منير" هحكيلك كل حاجه.. بس يريت تيجي بسرعه."
"حالاً.. مع السلامه."
أنهي "أحمد" المكالمه ثم نظر لـ "فرحه" التي قالت:
"مين ده؟!"
"ده "منير" إبن عمي عايش هنا في تركيا و متجوز من تركيه مسلمه و معاه منها طفلين."
إستمعا إلي طرق الباب فأمسك بالحجاب الذي أحضرته الممرضه و وضعه علي رأس "فرحه" تحت نظراتها المتعجبه.
نظر إليها و قال:
"إيه مالك بتبصيلي كده ليه؟! هو مش إنتي محجبه ولا أنا بيتهيألي؟!"
"أيوة محجبه.. بس إشمعنا يعني بتغطي شعري منا معاك بقالي شهرين من غير حجاب!!"
"ده عشان الظروف هي اللي اجبرتك علي كده.. لكن. لوقتي مينفعش حد يشوفك من غير حجاب."
ثم أجاب الطارق و قال:
"come in.. "إدخل""
دخل الطبيب ليطمئن عليهما و قال موجّهاً حديثه إلي "فرحه":
"Are you fine!?"
نظرت "فرحه" إلي "أحمد" بإستفهام فذهب و جلس بجانبها و أحاط بذراعيها و خاطب الطبيب قائلاً:
"She is very well."
أومأ الطبيب مبتسماً و قال:
"Ok.. now you can leave hospital."
شكر "أحمد" الطبيب فإنصرف متمنياً لهما زوال البأس.
نظرت "فرحه" إلي "أحمد" و سألته:
"كنتوا بتقولوا إيه؟!"
إبتسم و قال:
"قولتله يستي إنك بقيتي زي الفل فقاللي إننا نقدر نخرج من المستشفى.. بس."
قالت مبتسمه بحماس:
"يعني هنرجع مصر؟!"
أصابه الضيق ثانيةً وقال بحده طفيفه:
"في إيه يا فرحه مستعجله علي الرجوع ليه هو إنتي قاعده معايا غصب عنك؟!"
تعجبت من حدته و قالت:
"لا مش غصب عني ولا حاجه.. بس عايزة أرجع لأهلي.. وحشوني."
"حاضر يا فرحه هنرجع.. بس مش النهارده.. خلينا نستني النهاردة عند "منير" و بكرة نرجع."
أومأت بموافقه و لم تتحدث.. إستمعا إلي طرق الباب مجدداً فقال:
"ده أكيد "منير"."
فتح الباب فباغته "منير" محتضناً إياه قائلاً:
"إنت كويس؟! إيه اللي حصل أنا مش فاهم حاجه؟!"
"أنا كويس الحمد لله بعدين هفهمك.. جبت الهدوم؟!"
"أيوة الهدوم أهي.. هي مين دي اللي معاك جوه؟! نورا خطيبتك؟!"
"لا مش نورا.. و بطّل أسئله بقا قولتلك بعدين هحكيلك كل حاجه.. هات و إستناني بره."
إلتقط من بين يديه حقيبة الملابس و دخل إلي الغرفه و أعطي إلي "فرحه" رداء طويل و حجاب و قال:
"إدخلي غيّري هدومك في الحمام."
أومأت و أخذت منه الملابس و ذهبت لتبديل ملابسها.
خرجت فوجدته يرتدي بنطالاً من الجينز و قميصاً من اللون الأبيض.. لقد كان فاتناً للغايه.
نظر إليها فوجد ثيابها تتزين بها فأطلق صفيراً معجباً و قال:
"يا وعدي يا وعدي."
إبتسمت بخجل فأشار لها بالخروج فخرجت برفقته.
حيّاها منير قائلاً:
"إزيك يا مدام."
"آنسه فرحه.."
قالها "أحمد" بإقتضاب فنظر له "منير" بتعجب و إصطحبهم إلي سيارته و ذهب إلي بيته.
***
أمسكت "رضوي" هاتفها و قامت بالإتصال بـ رضوان الذي أجاب علي وجه السرعه قائلاً:
"إزيك يا ست البنات؟!"
إبتسمت "رضوي" و أجابت بسعاده بالغه:
"الحمد لله كويسه.. إنت إزيك؟!"
"أنا كويس الحمد لله.. إيه اللي مصحيكي لحد دلوقتي؟! ده الفجر قرب يأذن."
"والله قلقانه.. عندي إمتحان بكره و خايفه.. و إنت كنت قلتلي إنك بتنام الصبح لما بتسلم لأخوك فقولت أكلمك."
"ذاكرتي كويس؟!"
"يعني.. إلي حدٍ ما."
"متقلقيش إن شاء الله خير."
"بإذن الله.. إنت طلعت البيت ولا لسه؟!"
"لا لسه.. لازمك حاجه أجيبهالك؟!"
"لا شكراً.. إنت مش خاطب يا رضوان؟!"
إبتسم بتعجب و قال:
"اممممم.. عارف أنا الأسئله بتاعة نص الليل دي.. فراغ مش كده؟!"
"بصراحه أه.. فراغ و فضول كمان."
"طيب يستي أنا مش خاطب لأ.. و لا بفكر حتي!"
"يا ساتر عليك.. ليه كده؟!"
"كده.. يستحيل أتجوز أي واحده.. هي خطفايه كده يا تيجي يا متجيش.. لو جت أهلاً و سهلاً و هعافر لحد ما أوصل لها.. مجتش بقاا يبقي أديني عايش وخلاص."
"حلو المنطق ده.. أنا كمان هعمل زيك.. لو ماتخطفتش مش هتجوز."
قال ممازحاً:
"لا إن شاء الله هتتخطي.. روحي نامي يا رضوي!"
"طب سؤال كمان.. إيه مواصفات فتاة أحلامك؟!"
"إنتي عندك إمتحان إيه بكره؟!"
"فيزياء ياخويا."
"طيب يختي روحي ذاكري لك كلمتين ينفعوكي."
"مش قبل ما تجاوب علي سؤالي."
"زنانه إنتي هاا؟!"
"جداً."
"بصي يا ستي.. هي مش مواصفات ولا حاجه.. يعني مفيش شروط لازم تتوفر فيها عشان أحدد إذا كنت هتجوزها ولا لأ.. بس هي بتبقا حاجات كده أساسيه."
"زي؟!"
"تكون أخلاقها كويسه و عارفه ربنا.. بس.. و أي حاجة تانيه هنغيرها سوا."
إرتفع آذان الفجر فقال:
"يلّا روحي صلي و انا كمان هصلي في المسجد هنا قبل ما أطلع."
"طيب ماشي.. تصبح علي خير."
***
وصل "منير" إلي منزله مصطحباً "أحمد" و "فرحه"، فتح الباب و رحب بهم ترحيباً بالغاً وكذلك زوجته التي أتت مسرعه و إحتضنت "فرحه" مرحبه بها و تحدثت بـ عربية ركيكه:
"مرهبا."
"مرهبا بيكي يا عروسه.. إزيك."
قالتها "فرحه" بعفويه فضحك "أحمد" و "منير" كذلك و حدّث زوجته قائلاً:
"Çabuk yiyecekleri getir."
أومأت و أسرعت بالذهاب إلي المطبخ فقالت فرحه:
"أروح معاها يا أحمد أفندي؟!"
"اللي يريحك يا فرحه.. لو حاسه إنك مش تعبانه و حابه تساعديها مفيش مشاكل."
"لا ده انا زي الحصان.. هروح أساعدها."
ذهبت "فرحه" برفقة زوجة "منير" الذي إستغل الفرصه متسائلاً:
"إيه يا أحمد الحكايه.. أنا الفضول هيقتلني."
"يبني لا حكايه ولا روايه.. هو مش أنا وقعت من الطيارة؟!"
أومأ 'منير' بنعم فأكمل أحمد:
"و فرحه كمان وقعت من الطيارة.. بس."
"يسلاااام.. يعني إنت وقعت من الطيارة و فرحه وقعت هي كمان من الطيارة.. أنا كده فهمت إيه؟!"
"بعدين يا منير هحكيلك كل حاجه بالمللي.. أهم حاجه دلوقتي آكل و أناااام."
ربت "منير" علي كتفه و قال:
"طب يلا بيننا نسبقهم علي السفره."
في المطبخ تقف "فرحه" تحضر الطعام بصمت فقالت:
"ألا قوليلي يا إسمك إيه؟!"
"توبا."
"توبه ليه هو أنا عملت حاجه لا سمح الله؟!"
"إسمي توبا."
"إسمك تووووبااااا.. إمممممم.. ليه يختي من قلة الأسامي مسميينك توبه؟!"
إبتسمت "توبا" بحرج و قالت:
"Anlamıyorum."
زمت "فرحه" شفتيها بعدم فهم هي الأخري و أشارت لها:
"إنتي و جوزك اللي بره.. و أشارت للخارج و أكملت: بتتكلموا سوا إزاي؟!"
فهمت "توبا" مقصدها فقالت:
"امممم.. أنا و منير نتكلم تركي."
لوت فرحه شفتيها و قالت:
"يا حلااااوه يا ولاااد.. العلم نور صحيح."
حملت "توبا" الأطباق للخارج فساعدتها "فرحه".
وضعت فرحه الطبق من بين يديها و جلست فجأه أمام السفره و أغمضت عينيها ثم قالت:
"أخيرااا.. كنت فاكرة إني مش هشم ريحة الأكل تاني."
إبتسم "منير" و قال:
"بصي يا آنسه فرحه.. إعتبري البيت بيتك و أكتر.. عايزك تاكلي لحد ما تشبعي."
"من غير وصايه والله يا أستاذ منير.. ده أنا هاكل ليا و لسكان البلد كلهم."
نظر إليها "أحمد" و قال:
"لو مش عاوزه تاكلي بالشوكه و السكينه.. كلي بالمعلقه عادي.. اللي يريحك إنتي."
بدأت بتناول الطعام بتلذذ و أغمضت عينيها مستمتعه و قالت:
"ياااه.. ده أنا بطني نشفت من أكل جوز الهند و الموز و السمك."
تذكر "أحمد" أيامهم الأولي في الجزيرة و إستمتاعهم بأقل الإمكانيات و كم كان سعيداً بجوارها فإبتسم و أكمل طعامه و عقله لا يتوقف عن التفكير في ما هو قادم.
أنهوا طعامهم و جلسوا جميعاً يحتسون الشاي و بدأ "أحمد" يروي لهم ما حدث في الجزيرة، و يترجم "منير" لزوجته بالتركيه.
همست فرحه بجوار أذن أحمد و قالت:
"أنا بنام علي روحي.. إسألهم هنام فين لاني خلاص مش قادرة."
أومأ أحمد موافقاً و سأل منير:
"بعد إذنك بقا يا منير شوف هننام فين لأننا فاصلين خلاص."
حدّث منير زوجته قائلاً:
"Çocuklar uykuya kadar odamıza neden oldular"
ثم حدّث أحمد و فرحه قائلاً بحرج:
"معلش يا جماعه زي ما إنتوا شايفين هما غرفتين بس."
نظرت "فرحه" بصدمه إلي "أحمد" الذي إبتسم بخفه و قال:
"كتر خيرك يا منير.. معلش عاملين لكوا إزعاج."
"لا يا صاحبي ولا يهمك.. يلا إتفضلوا إنتوا إرتاحوا."
دخلت "فرحه" إلي الغرفه علي إستحياء لاحظه "احمد" و قال:
"معلش يا فرحه هي الظروف اللي حكمت.. لو قلقانه أنا ممكن أنام بره علي الأنتريه."
تقدّمت منه و وقفت أمامه و قالت:
"أنا مكنتش قلقانه وأنا معاك في جزيرة لوحدنا و مفيش معانا صريخ إبن يومين.. هقلق و أنا معاك في بيت فيه ناس؟!"
ثم ولّته ظهرها و قالت وهي تخلع حجابها:
"و بعدين عايز تنام علي الأنتريه و إنت بقالك أسبوع منمتش!"
قاطعهم طرق الباب فأشار أحمد لـ فرحه بأن تتنحي جانباً ففعلت و فتح هو الباب فوجد "منير" قد أتي و معه ملابس للنوم لهما.
أخذها و شكره ثم دخل و أعطي فرحه الملابس المخصصه لها فقالت بحرج:
"أنا يعني.. كنت لا مؤاخذه عايزة أخد دش."
"آاااه.. تمام يا فرحه خدي راحتك أنا هخرج اشرب سيجاره علي ما تخلصي."
أومأت فخرج هو من الغرفه فدلفت هي و أنهت حمّامها و إرتدت ما أحضرته إليها زوجة منير ثم دخلت إلي السرير و سحبت غطائها و ولّت ظهرها إلي الباب و راحت في ثبات عميق.
بعد حوالي ساعه دق "أحمد" الباب عدة مرات فلم يأته جواب فعلم أنها من الممكن أن تكون غفت.
فتح الباب بتمهل فرآها غارقه في النوم فدخل الغرفه و أخذ حمّاماً ساخناً و إرتدي ملابسه المستعاره من "منير" ثم خرج و صعد إلي السرير المجاور لـ سرير "فرحه" ثم ألقي بجسده الذي كان يأن شوقاً للراحه و سرعان ما غطّ في النوم.