تحميل رواية «غريق على البر» PDF
بقلم نعمة حسن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في منزل بسيط بقرية بجانب محافظة البحيرة. تعمل "فرحه" بكد و إجتهاد قبل عودة والدها من الحقل و عودة أخواتها من الخارج. عاد والدها من الخارج فأسرعت و ساعدته لينزع عنه ملابسه و من ثَم تتابع مجئ إخوتها. دخلت "بدر" متذمرة كعادتها كل يوم عند عودتها من المدرسه و ألقت بحقيبتها فقابلتها "فرحه" بوجه مبتسم و ذراعين ممدودتين لتهرع إليهما "بدر" بين أحضان أمها التي لا تعرف سواها. قبلتها "بدر" ثم قالت: فروحه طبخالنا إيه بقا ؟! طبخالك كل حاجه إنتي بتحبيها يا روح فروحه.. يلا إطلعي إغسلي إيديكي و وشك كدهون و تعالي...
رواية غريق على البر الفصل الحادي عشر 11 - بقلم نعمة حسن
فَزِع "أحمد" من نومه عندما استمع إلى صوت ارتطام شيء ما على الأرض، وبعدها استمع إلى أنات مكتومة. علم مصدرها عندما وقعت عيناه على "فرحه" الملقاة أرضاً.
"بسم الله الرحمن الرحيم.. إنتي وقعتي يا فرحه؟!"
قالها أثناء نهوضه من الفراش وانحنائه على "فرحه" يساعدها في النهوض.
أمسكت "فرحه" بظهرها من منطقة الخصر وقالت:
"آاااه يا عضمك يا رضاا.. أنا اتشائمت من الطيارات واللي بيركبوها."
كتم ضحكته وقال:
"وإيه دخل الطيارة بوقوعك من على السرير؟!"
نظرت له بغيظ مكتوم وقالت:
"ما أنا كنت بحلم إني وقعت من الطيارة.. قومت لقيت نفسي متكومة على الأرض."
ربت على ظهرها وقال:
"خلاص يا فرحه اتغطي كويس ونامي."
"أنا شامّة ريحة تريقة في كلامك."
"لا يا فروحه هو أنا أقدر.. يلّا نامي عشان بكرة ورانا حاجات كتير هنعملها."
أجابت بحماس:
"حاجات إيه؟"
"هنخرج.. لازم تشوفي تركيا قبل ما نرجع.. وكمان هنعمل ورق جديد نسافر بيه."
"وإنتي عايزة يعني بعد إذنك أشتري هدية لبدر."
"اطلبي عينيا مش هعزها عنك يا فرحه."
قالها بصدق شديد، ألتمسته هي فابتسمت بود، ودخلت إلى فراشها وولّته ظهرها وقالت:
"تصبح على خير."
"وإنتي من أهل الخير يا فرحه."
لم يستطع النوم مرة أخرى. ظل ينظر باتجاهها وبداخله الكثير من الكلام الذي يود أن يبوح به. يتمنى لو أن تتسنّى له الفرصة ليصارحها بكل ما يعتمل به صدره. ولكن ما الفائدة؟ ما فائدة الحديث إذا كان لا طائل منه؟ هل إذا أخبرها بأنه بات يعشقها ويعشق تفاصيلها البسيطة ويعشق عفويتها وطلاقتها، ستترك خطيبها مثلاً وتخضع لرغبة قلبه المتيّم؟ بالطبع لا.
أخبره عقله: كفاك حماقة! أنت تعلم أنك لن تنال كل مطالبك.. لست محظوظاً لتلك الدرجة يا أبله!
أجاب قلبه: أنت مسؤول عن السعي، لا النتيجة.
اعترض قلبه: إذن فلتسعى كما تشاء.. تابع انقباضة قلبك كلما رأيتها وانتشاء روحك المسكينة كلما نطقت اسمك بصوتها العذب، تابع كل هذا بسرور.. ولكن لا تنسَ أنك ستتابع أيضاً غربة روحك عن جسدك عندما تفترق بك السبل.
أغمض عينيه بشدة يُنهي صراع قلبه وعقله، ولكن على ما يبدو أن تلك الليلة ليست ليلة حظه كما يقال.
أتاه صوتها الدافئ يقول:
"إنت نمت يا أحمد أفندي؟!"
فتح عينيه على الفور ونظر إليها وقال:
"لا يا فرحه مش جايلي نوم.. منمتيش ليه؟!"
أجابت بعفوية:
"أصل أنا عارفة إنك طالما قلقت مفزوع مش هيجيلك نوم دلوقتي.. فمش هاين عليا أنام وأسيبك."
نهض على الفور وجلس على السرير بجانبها قائلاً:
"فرحه أنا عايز أتكلم معاكي شوية."
اعتدلت في مجلسها بانتباه وأومأت بموافقة.
اختفت الحروف من بين شفتيه، وعلت ضربات قلبه، فقال بأحرف متقطعة:
"لما نرجع مصر.. ناويّة على إيه؟!"
"ده أنا ناويّة على حاجات كتيييير.. أول حاجة همسك البيت أقلبه كده فوقاني تحتاني وأنضفه وهشوف واجب...."
قاطعها ساخطاً:
"أكيد مش قصدى تنضفى البيت ولا لأ يا فرحه.. قصدي على حياتك يعني.. خطيبك.. كده."
نظرت حولها بتخبط وكأنه فتح جرحاً غائراً، فقالت:
"مش عارفه.. مبفكرش.. بس أنا متأكدة إن أول ما أرجع "رجب" هيحوم حوالين أبويا عشان يتمم الجوازة."
سألها وبداخله يتوسلها أن تنفي، فقال:
"وإنتي هتوافقي؟!"
"أومال أعمل إيه؟!"
نظر لها بعينين تفيض من الألم وابتسم بانكسار حاول أن يخفيه، وقال:
"تصبحى على خير يا فرحه."
هم بالإبتعاد، فأمسكت بذراعه وقالت:
"إنت زعلان مني في حاجة يا أحمد أفندي؟!"
سرت قشعريرة بجسده إثر لمستها، فالتفت لها وقال:
"يا ريت يا فرحه.. يا ريتني أقدر أزعل منك و..."
بتر كلماته، فإنه على وشك البوح بكل شيء. ظل ينظر إليها وكأنه يحفر ملامحها بداخل ذاكرته. نظر إلى حصونها المهلكة التي تخبئ وراءها الكثير ولا تقوى على الإفصاح عنه. نظر إلى تقاسيم وجهها البريئة التي سيفقدها حد الهلاك. نظر إلى شفتيها اللتين لا عتب عليه إن اقتنصهما في إعصار مدمر ومن ثم فليعتذر.. لا بأس.
أشاح بوجهه عنها وأغمض عينيه بألم داخلي يبدد صبره ويضعف قواه. أجلى حلقه ثم قال:
"تعرفي يا فرحه.. اليومين اللي قضيتهم معاكي في الجزيرة رغم صعوبتهم إلا إنهم كانوا أحلى أيام حياتي."
استمعت ولم تجب، فتابع:
"أنا حاسس إن قلبي لسه هناك.. جسمي موجود وحاضر بس قلبي لأ."
اختنق صوته وأحس بأنه سوف ينفجر باكيًا، ولكن لم يكترث فأكمل:
"أنا لحد دلوقتي لسه غريق يا فرحه.. مش قادر أخرج من اللحظات اللي عيشتها معاكي ولا المشاعر اللي حسيت بيها وأنا جنبك."
ثم ابتسم بسخرية وقال:
"يعني تقدري تقولي كده إني غريق بس غريق على البر."
نظر إليها يتبين رد فعلها، فوجدها تنظر إلى الأرض وتبكي في صمت. فأشاح بوجهه عنها حتى لا يرق قلبه ويعتصرها داخل أحضانه.
خرج إلى شرفة الغرفة وأشعل غليونه يطرد معها كل آلامه التي تكوي فؤاده. كان بحاجة شديدة إلى الصراخ حتى يهدأ صدره، ولكن كتم صراخه بصدره وأغمض عينيه وظل يدخن غليونته بغيظ. ولكن للعجب، سقطت عبراته الحبيسة فوأدها سريعًا بإبهامه.
استمعت "فرحه" إلى صوته يدخل إلى الغرفة، فأغمضت عينيها متصنعة النوم. نظر إليها وابتسم ساخرًا ودخل إلى فراشه وأغمض عينيه متوسلاً النوم أن يرحمه ويواتيه.
***
خرجت "رضوى" من الكلية بعد الامتحان، فتفاجئت بـ"رضوان" ينتظرها.
خطت إليه خطوات سريعة وصافحته وقالت:
"متخيلتش إنك هتستناني."
"طمنيني.. عملتي إيه؟!"
"الحمد لله.. حليت كويس إلى حد ما."
"إلى حد ما بردو؟!"
"اممممم.. أنا جعانة جداً.. إيه رأيك أعزمك على غدا؟!"
"تعزميني؟! طب مفيش معاكي مراية أشوف الروج مظبوط ولا اتمسح؟!"
ضحكت هي بشدة، فهز رأسه متعجبًا وقال:
"قدامي يا رضوي.. قال تعزمني قال!!"
اصطحبها إلى مطعم يرتاده هو كثيرًا، فقالت:
"الله.. ريحة الأكل حلوة أوي."
قال وهو يضع أمامها طبقًا:
"اتفضلي يا ستي.. سندوتشات كبدة بقا إنما إيه.. وصاية."
تناولت الشطيرة بتلذذ واستمتاع وقالت:
"الله بجد.. تحفة."
"إنتي مأكلتيش كبدة قبل كده؟!"
"عمري.. تخيل.. مع إني باكل بره طول الوقت بس عمري ما أكلت سندوتشات الكبدة دي.. واوو بجد."
"خلاص يستي طول فترة الامتحانات هوّديكي كل يوم مطعم من اللي أنا بتغدى فيهم.. بكرة الغدا فول وفلافل."
قالت بحماس شديد:
"الله.. ميرسي يا رضوان."
قال مشاكسًا:
"يا خواتي رضوان طالعة منها زي العسل."
ابتسمت بحياء وأكملت طعامها، وبعد أن فرغا أوصلها إلى منزلها وانصرف.
***
مع صباح يوم جديد، استيقظ "أحمد" بكسل على غير عادته. نهض من فراشه وظل ينظر للوجه الملائكي الذي يغفو بجانبه بهدوء، ثم ذهب ومد يده يهزها برفق قائلاً:
"فرحه.. فرحه.. قومي يلا خلينا نلحق اليوم من أوله."
فتحت عينيها ببطء ونظرت له، ثم ابتسمت ابتسامتها التي تسلبه عقله وقالت:
"صباح الخير يا أحمد أفندي."
ابتسم لها بحب وقال:
"يسعد صباحك يا فروحه.. يلا فوقي كده واجهزي بسرعة عشان ننزل نفطر."
أومأت بإيجاب وقامت، ثم بدلت ملابسها وخرجت من الغرفة فوجدته ينتظرها.
حيّتها "توبا" قائلة:
"Günaydın" (صباح الخير).
ردت فرحه بعفويتها المعهودة وقالت:
"صباح النور يا توبه يا عسل.. متستغربيش أنا معرفش الكلمة اللي قولتيها اسمها إيه بس هي أكيد صباح الخير."
ابتسم جميعهم، فردد "منير":
"صح يا آنسة فرحه.. يلا إن شاء الله تتبسطوا وتركيا تعجبكوا."
حدث "منير" "أحمد" قائلاً:
"خد يا صاحبي.. الفيزا معاك أهي وكأنها فلوسك وعيييييش."
"مش عارف أشكرك إزاي يا منير بجد.. إن شاء الله أول ما أرجع هحوللك الفلوس اللي هاخدها."
"يعم عيب عليك والله.. ما إنت ياما ساعدتني من غير مقابل."
"تسلم يا منير.. يلا عن إذنكم."
نزلت "فرحه" برفقة "أحمد" يستكشفون تلك الدولة الأكثر سحرًا وجمالاً في العالم. قرر "أحمد" تناسي أي شيء واستغلال ذلك اليوم أفضل استغلال حتى يصبح يومًا لا يُنسى.
"فرحه.. لازم أشتري حاجة مهمة وبعدين نروح نفطر."
"حاجة إيه؟!"
"كاميرا.. لازم أوثق اليوم ده من أوله لآخره.. ثم أكمل بنبرة مرتعشة: أهو يبقالي ذكرى منك."
نظرت له بدقات قلب مضطربة ولم تجب.
دخلوا إلى متجر للإلكترونيات واشترى الكاميرا، ثم خرجوا.
"هوّديكي بقا يا ستي أحلى مكان ممكن تفطري فيه.. والمنظر هناك تحفة.. اسمه "رجب أوستا"."
"والأسطي رجب ده هو اللي بيعمل الأكل بإيديه؟!"
قالتها فرحه مستنكرة، فنظر لها "أحمد" ضاحكًا وقال:
"أسطي رجب مين يا فرحه هو إحنا رايحين عند ميكانيكي؟! اسمه "رجب أوستا"."
"يسيدي متدقش أوستا ولا كوستا المهم ناكل."
دخلوا إلى المطعم ورحب بهم مالك المكان الذي تجمعه بـ"أحمد" علاقة طيبة، وسأل "أحمد":
"Bu senin karın Ahmed Bek?" (هل هذه زوجتك أحمد بك؟!)
انشرح قلبه لمجرد نسبها إليه وأومأ موافقًا وقال:
"Evet .. bu benim karım" (نعم.. إنها زوجتي).
حيّاها فأومأت برأسها، ثم انصرف الرجل بعد أن أخبر "أحمد" أنه سيحضر لهم الطعام من اختياره.
"كان بيقولك إيه خلاك انشكحت أوي كده؟!"
"مفكرك مراتي!"
صدمها رده، فتساءلت:
"وإنت قولتلوا إيه؟!"
أجاب بكل هدوء:
"قولتله أيوة مراتي."
اتسعت عيناها بدهشة وهمّت بقول شيء ما، ولكن مجيء النادل بالطعام بتر كلامها.
شكره "أحمد" وانصرف، فقال لـ فرحه:
"يلا يا فرحه كلي.. الأكل هيعجبك."
بدأت "فرحه" بتناول الطعام بشراهة وتلذذ، فقالت:
"أما الأسطي رجب ده إيديه تتلف في حرير صحيح.. إنت بتعمل إيه؟!"
"بظبط حاجة في الكاميرا.. كلي إنتي."
أكملت طعامها غافلة عن ذاك الذي يحتفظ بأدق تفاصيلها.. ضحكتها.. كلماتها العشوائية.. عيناها.
أنهوا طعامهما وخرجا إلى الشاطئ. ذهبت فرحه أمام البحر مباشرة وجلس بجانبها ومعه الكاميرا. عدّلها إلى الوضع الأمامي وقام بالضغط على تسجيل.
"مبسوطة يا فرحه؟!"
"أوي أوي يا أحمد أفندي.. الجو هنا حلو أوي."
"نفسك تعملي إيه؟!"
"يابن الإيه؟! إنت بتصور؟!"
أومأ موافقًا، فحمحمت ونظرت إلى الكاميرا بيده ولوّحت بيديها في إشارة ترحيب وقالت:
"إزيك يا أحمد أفندي.. أحب أعرفك بنفسي.. اسمي فرحه محمد السنهوري.. عندي 25 سنة.. من محافظة البحيرة مركز بدر.. أنا وبلا فخر كنت من ركاب الطيارة إياها اللي وقعت في البحر.. واللي لولا إن ربنا بعتك ليا مكنتش زماني قاعدة هنا."
"نفسك تعملي إيه دلوقتي يا فرحه؟!"
"والله أنا طول عمري نفسي أركب خيل بس عندنا في البلد مينفعش الكلام ده."
أغلق الكاميرا وأمسك بيدها قائلاً:
"قومي."
"على فين؟!"
لم يجيبها. اصطحبها إلى حيث تقف الخيول في مشهد جمالي على البحر، واستأذن مالكها الذي أذن له بدون مقابل عندما علم أنهم مصريين.
"يلا يا فرحه حطي رجليكي هنا واطلعي."
"لا أنا ممكن أقع.. أنا لسه واقعة إمبارح معلمة فيا."
بغتةً أمسك بخصرها ورفعها على ظهر الحصان وصعد وراءها وأمسك باللجام وقال:
"فرحه ثبتي رجلك في ركاب السرج وخلي ضهرك مفرود."
"كده؟!"
"لا مش كده.. لازم ودنك وكتفك وكعبك يكونوا في خط واحد مستقيم."
انتابتها نوبة ضحك شديدة، فضحك معها وقال:
"على فكرة والله مبهزرش.. دي وضعية ركوب الخيل الصح."
بدأ "أحمد" بركل الحصان بخفة كي يتحرك، وسأل "فرحه":
"مبسوطة يا فرحه؟!"
أجابت بحماس وسعادة بالغة:
"هموت من الفرحة، ما تخليه يجري."
"مش هتخافي؟!"
"عمري ما أخاف وأنا معاك."
حثّ الحصان على الهرولة عن طريق الضغط على جانبيه برفق، فأسرع الحصان يهرول بهما على الشاطئ.
صرخت "فرحه" كثيرًا من فرط الحماس والسعادة اللذين يتملكان منها، وفردت ذراعيها للهواء الطلق، ومن خلفها يضحك "أحمد" بسرور شديد لذلك الإحساس الذي هو على يقين بأنه لن يتكرر ثانيةً.
رواية غريق على البر الفصل الثاني عشر 12 - بقلم نعمة حسن
بعد مسافة كبيرة قطعها الخيل و يعتليه العاشقان الغارقان بالحب، توقف عندما شدّ "أحمد" ركبتيه وفخذيه في إشارة منه للحصان بأن التوقف قادم.
نزل من على ظهر الحصان ومدّ يده لـ "فرحه" كي يساعدها في النزول، ومن بعدها سارا سويًا على الشاطئ.
فَتح الكاميرا و قام بالضغط على زر التسجيل وسأل "فرحه":
إتبسطتي يا فرحه؟
أجابت بسعادة بالغة:
مش قادرة أوصفلك إتبسطت قد إيه!! حاجة حلوة أوي لما تعمل حاجة كان نفسك تعملها.
_لسه نفسك تعملي إيه تاني؟!.. النهاردة اعتبري كل أحلامك مجابة.. اللي هتطلبيه هنفذهولك من غير نقاش.
أجابت بعد تفكير دام دقائق:
عايزة أزور جبل الأسرار اللي بيقولوا عليه في المسلسلات التركية.
_من عيوني يا فرحه.. نروح جبل الأسرار.
=تسلم عيونك يارب..
و عايزة أركب مرجيحة في البحر.
_و مالو.. نركب مرجيحة في البحر ولو عايزة تركبي مرجيحة وسط السحاب أنا عنيا ليكي.
ابتسمت بسرور شديد وتوقفت أمام الماء ودخلت بضعة مترات حتى لامست المياه ركبتيها، فسألها "أحمد" وهو يوجه الكاميرا باتجاهها:
بتفكري في إيه؟
أطلقت زفيرًا حارًا وقالت:
بفكر هيكون رد فعل أهلي إيه لما أرجع؟!
أصابه الضيق وقال:
سيبي بكرة لبكرة يا فرحه.. اليوم ده مش هيتعوض.. عيشيه واتمتعي بكل تفصيلة فيه..
ثم ضربها خلف رأسها بخفة وقال:
ويلّا غني.
نظرت له بتعجب، فقال:
غنيلي يا فرحه.. يعني مركبك خيل وهخليكي تركبي مرجيحة في البحر وإنتي مستكترة عليا أغنية؟!
_بتستفزيني يعني؟!
قال ضاحكًا:
أنا أصلاً إنسان مستفز.
جلجلت ضحكتها وقالت بخيلاء:
طيب هغني بس على شرط.. تغني إنت الأول.
_طب إيه رأيك نغني سوا؟
!=ماشي يلا.. بس اختار حاجة سهلة.
أغمض عينيه وأطلق العنان للهواء والرياح يحركانه كما يشاءان، وابعد بخياله قليلًا وغنى:
حاجة غريبة حاجة غريبة
الدنيا لها طعم جديد
حاجة غريبة حاجة غريبة
أنا حاسس إن ده يوم عيد.
نظرت له بكل ما أوتيت من حب وقالت:
وأنا حاسة الدنيا هربانة
ويانا في ليل كله سعادة
وأنا حاسة الدنيا هربانة
ويانا في ليل كله سعادة.
ليها فرحة حلوة في عنيا وحلاوتها سكرها زيادة
ليها فرحة حلوة في عنيا وحلاوتها سكرها زيادة.
إنت عارف ليه؟
_قولي إنت ليه؟
!=علشان إحنا مع بعضنا ولأول مرة لوحدينا
ولا حدش بيبص علينا غير فرحة قلبنا وعنينا.
حاجة غريبة حاجة غريبة.
_حاجة غريبة حاجة غريبة.
الليل ده كله كان امبارح
بيزيدني حرمان وأسية.
إتغير ليه، إتغير ليه
حتى سواده له ضي حنين في عنيا.
=السما بتغني إنت سامعها؟
_أيوه سامعها بتغني مع فرحة حبي.
=والموجة اللي هناك دي بترقص؟
_أيوه شايفها، دي بترقص على دقة قلبي.
إنت شايف إنت سامع إنت حاسس
إحساس غريب قبل النهار ده ما جربتوش.
شعور جميل عمري في حياتي ما عرفتوش.
إيه اللي جرالنا إحنا بنحلم؟
ولا بنحلم، كلمني قول.
لو كان ده حلم ياريتوا يطول.
لو كان ده حلم ياريتوا يطول.
علشان نفضل نحلم كده على طوله.
الدنيا تفضل هربانة
ويانا في ليل كله سعادة.
و الدنيا تفضل هربانة
ويانا في ليل كله سعادة.
ليها فرحة حلوة في عنيا وحلاوتها سكرها زيادة.
إنت عارف ليه؟
أيوة عارف ليه.
علشان إحنا مع بعضنا ولأول مرة لوحدينا.
ولا حدش بيبص علينا غير فرحة قلبنا وعنينا.
حاجة غريبة.
*****
_ممكن أفهم إنت مضايق مني ليه؟
!=قال يعني مش عارفه.. بقولك إيه يا رضوى.. من الآخر كده لبسك زي الزفت!
_لبسي؟! ليه يا رضوان شايفني لابسة عريان؟! منا لابسة جينز وتيشيرت أهو ومفيش حاجة باينة مني.
حاول تهدئة أعصابه الثائرة وقال بحدة أقل:
رضوى يا حبيبتي افهميني.. مش لازم تكوني لابسة قصير ولا عريان عشان يبقى حرام.. اللي زيك كده اسمهم الكاسيات العاريات.. يعني لابسين ومش لابسين.. يا ماما إنتي بنوتة جميلة وصغيرة.. وعارف إن أغلب اللي في سنك بيلبسوا كده وألعن بس أنا مش عايزك تكوني زيهم.
نظرت له ببلاهة وتيه وقالت:
آه.. كمل.
قال حانقًا:
أكمل إيه.. إنتي معايا أصلاً؟!
_معاك والله.. كمل.
=يا رضوى إنتي تهميني.. وأنا اللي يهمني وأشوفه بيعمل غلط لازم أنبهه.. البسي واسع ويستحسن تتحجبي وتداري شعرك خالص.
_أتحجب؟
!=أيوة تتحجبي.. صغيرة ولا صغيرة؟!
_بس أنا لسه مكملتش الـ 18.
=أنا مالي كملتيهم ولا لسه.. هو أنا بقولك طلعي بطاقة.. إنتي كان المفروض اتحجبتي من ساعة ما كبرتي أصلاً.
شعرت بحمرة الخجل تكسو وجهها فقالت منهية الحوار:
حاضر يا رضوان هفكر في موضوع الحجاب بجدية إن شاء الله.
أومأ موافقًا وقال:
طيب يلا عشان أوصلك.
صعدت إلى السيارة برفقته وانطلق بالسيارة نحو بيتها، فقال:
تعرفي يا رضوى؟! بقالي يومين حاسس إني خفيف كده ومرتاح!
_بتعمل دايت أو حاجة؟
علت زاوية فمه بسخرية وقال:
دايت؟! أهو إنتي بتفكريني بفرحة كنت كل ما أكلمها في موضوع ألاقيها بتكلمني في موضوع تاني خالص.
_الله يرحمها.
نظر لها بتخبط وقال بتردد:
حاسس إنها عايشة!
نظرت له بذهول وقالت:
عايشة؟! عايشة إزاي يعني؟!
تنهد بيأس وقال:
صدقيني مش بهزر.. حاسس إن فرحة عايشة.. أصل فرحة دي كانت روحي.. كانت أمي برغم إني أكبر منها.. فصعب إحساسي بيها يغلط.. حاسس إن روحي لسه مفارقتنيش.. فهماني؟
_فاهماك.. بس مش قادرة اتخيل.. بلاش توهم نفسك يا رضوان عشان متتعبش.
أومأ باقتضاب وتوقف بالسيارة فجأة وقال:
انزلي.
_على فين؟
!=تعالي بس.
دخل مصطحبًا إياها إلى محل للمحجبات وسط أنظارها المتعجبة.. حدث البائعة قائلًا:
لو سمحتي عايزين كذا حاجة كده تناسب الآنسة.
طالعتها البنت بنظرات متفحصة وقالت:
بس حضرتك مفيش هنا لبس يناسبها.. الموجود كله للمحجبات.
قال ببساطة أدهشتها:
ما هي هتتحجب دلوقتي.
رفعت "رضوي" حاجبيها بدهشة ونظرت له، ولكنـه لم يعرها أي اهتمام.
أحضرت البنت العديد من الفساتين الطويلة بمختلف التصاميم والألوان وقالت:
اتفضلي يا آنسة في البروفة شوفي اللي يناسبك.
نظرت "رضوي" إلى "رضوان" ببلاهة، فشجعها قائلًا:
يلا يا جميل.. جربي ولو مفيش حاجة عجبتك هنمشي.
دخلت إلى "البروفة" وارتدت فستانًا من اللون الوردي المزود بنقوشات خفيفة ومرتبة، ثم نظرت إلى انعكاس صورتها في المرآة بتعجب وخرجت.
عندما رآها أطلق صفيرًا معجبًا وقال:
عليا النعمة قمر ولسه لما تلبسي الحجاب ده بقى هتبقي قمرين.
قالها وهو يضع حجابًا من اللون الأبيض على رأسها ويديرها لتنظر لنفسها في المرآة، وقال:
هاا.. إيه رأيك في العسل ده؟!
ابتسمت بسعادة لمغازلته لها وهمت بالحديث، فقال للبائعة:
على خيرة الله.. هناخد بقى كل الإيشاربات اللي اخترتها دي وشوفي لو في حاجة الآنسة عايزاها تاني؟!
كان كل هذا يحدث و"رضوي" لا تزال خارج نطاق الاستيعاب.. كانت تنظر لهما ببلاهة، فقالت البائعة:
والدريسات اللي في البروفة دي معانا ولا لأ؟!
_أيوة طبعاً هناخدهم كلهم..
ثم نظر إلى "رضوي" وضحك بسماجة قائلًا:
إحنا تحت أمر الآنسة رضوي.
نظرت له "رضوي" بأعين متعجبة، ولكنـه لم يكترث.. دفع ثمن المشتريات ثم اصطحب رضوي للخارج وصعدا إلى السيارة.
_ياا ناااس ياللي هناااا... رضووووي.
نظرت له ولم تتحدث، فقال:
إيه.. القطة أكلت لسانك ولا إيه؟!
برز صوتها حانقًا وقالت:
أنا مبحبش كده يا رضوان.
_كده اللي هو إيه؟؟
=إن حد يحطني تحت الأمر الواقع.
_لا أنا مش بحطك تحت الأمر الواقع.. أنا بحطك على بداية الطريق الصح.
=وهو الصح يبقى صح لما يكون مفروض عليا؟!
توقف بالسيارة فجأة محدثًا صريرًا عاليًا وقال:
بقولك إيه يا رضوي.. تقولي كاني تقولي ماني مفيش لبس من الهباب اللي كنتي بتلبسيه تاني ده!.. أنا مش هسيبك في الرايحة والجاية تتعري من عين شوية كلاب متلقحين على الأرصفة بياكلوا اللي داخل واللي خارج بعنيهم.. ده آخر كلام عندي.. وعلى فكرة معندكيش رفاهية الاختيار.. اللي بقوله هيتنفذ.
ألقى بكلماته ولم ينتظر ردها وأدار محرك السيارة منطلقًا نحو منزلها.
أوقف السيارة أمام منزلها، فهمت بالنزول فأمسك بيدها قائلًا بلطف:
رضوي.. استني.
شبح ابتسامة زعر على شفتيها ظنًا منها بأنه سيتراجع، ولكنـه فاجأها قائلًا بضحكة مستفزة:
كنتي هتنسي الهدوم!
التقطت حقائب الملابس بغيظ وصعدت إلى بيتها، بينما ينظر هو في أثرها متمتمًا:
أومال لما نتجوز وأقولها إلبسي النقاب بقى هتعمل إيه؟!
***
تجلس على الأرجوحة التي تحفها المياه من كل جانب، ويقف هو خلفها يهزها برفق، بينما تغمض هي عينيها بإستمتاع وسعادة لم يسبق لها وأن شعرت بمثلها.
تحدثت وهي مغمضة العينين والمياه تداعب قدماها وقالت:
متحرمش منك أبداً يا أحمد أفندي.. إنت عملتلي كل اللي كان نفسي فيه.. مش عارفة أقوللك إيه؟!
_ترحمني وتبطلي تقولي أحمد أفندي دي.
فتحت عينيها وقالت:
أومال أقوللك إيه؟! ندامة لتكون عايزني أقوللك يا أحمد بيه.
_يستي لا بيه ولا باشا ولا أفندي.. قوليلي أحمد بس.
=مش هعرف يا أحمد أفندي.. أنا لساني خد على كده.
_لا هتتعودي.. قولي يلا.. أحمد.
=أحمد أفندي.
_أحمممممد.
=أحمممممد أفندي.
هز الأرجوحة بعنف، فقالت:
لا بالله عليك يا أحمد أفندي هتوقعني.
لم يعرها اهتمامًا وهز الأرجوحة بعنف أكبر، فصرخت قائلة:
هقع يا أحمااااااد.
انفجر ضاحكًا بشدة، فنظرت له بغيظ وهي تنظم أنفاسها وقالت:
أما إنك بارد بصحيح.. ولما كنت توقعني تغرقني كنت هتلاقي حد يقوللك يا أسطي أحمد حتى؟!
أحاط رقبتها بساعده العريض وهو يقف خلفها وجذبها عليه يمازحها قائلًا:
يوعدي على العسل اللي بيقول أحمد ده يوعدي.
ابتسمت بحب بات يملأ كيانها، فقال:
يلا انزلي.. الليل هيليل خلاص.. يدوب نتعشى ونشوف هنشتري إيه عشان نروح.
اصطحبها إلى مطعم يطل على البحر مباشرةً.. طلب أن يتناولا طعامها على الشاطئ، فجهز لهما النادل طاولة على الشاطئ تحيطها الشموع المضاءة من كل الجوانب.
_الله.. إيه الحلاوة دي.. الجو هنا جميل.
=تركيا صعب تلاقي فيها مكان مش جميل.. مش شرط يكون غالي أو فخم.. بالعكس.. حتى الأماكن البسيطة كلها حياة وبهجة.. هنا تلاقي الناس أهم حاجة عندها إنها تعيش.. تتبسط.. من غير تعقيدات ولا حسابات.. على عكسنا إحنا خالص.
أومأت باقتناع، فسألها:
إتبسطتي يا فرحه؟!
_أوي أوي يا أحمد أف...
تراجعت عندما نظر لها منبهًا، ثم بدأت في تناول وجبتها وسط جو شاعري حالم.
بعد أن أنهوا طعامهما، أمسكت بالكاميرا والتقطت بعض الصور التي تجمعهما سويًا، وكلًّا منهما يتراقص قلبه قبل عينيه من فرط الحب.
*****
_أيوة يا بابي عارفة بموضوع "حاتم" وكلمني قبل ما يكلم حضرتك وأنا رفضت وقفلنا الموضوع خالص.. لزمتها إيه بقى يكلمك تاني؟
!=هو قال ممكن أقنعك أو أوريكي الموضوع من زوايا تانية ممكن تكوني غافلة عنها.
_حضرتك الموضوع مش مستاهل زوايا ولا غيره.. كل ما في الأمر إني شايلة الموضوع كله من دماغي حاليًا.. وحضرتك عارف إن الشغل عندي أهم من الجواز وما شابه.
=الجواز وما شابه؟! للدرجادي الموضوع تافه بالنسبة لك؟!
_حضرتك عارف إن عمر الجواز أو الارتباط بشكل عام من أولوياتي.. ولو كان أحمد الله يرحمه عايش كنا هنتجوز لأننا متفقين في كل حاجة مش أكتر.. يعني الموضوع مش شاغلني حاليًا بجد ومش فاضية أركز فيه أساسًا.
=ماشي يا نورا براحتك.. إنتي عارفة إني يستحيل أغصب عليكي في أي حاجة.. أنا كل همي بس أطمن عليكي قبل ما أموت.. زي أي أب.
_ربنا يديك الصحة وطول العمر يا حبيبي.. يلا هقفل أنا دلوقتي عشان عندي meeting.
=ماشي يا حبيبتي مع السلامة.
*****
مع دقة عقرب الساعة على الثالثة بعد منتصف الليل بتوقيت تركيا.
عاد أحمد وفرحه من الخارج بعد قضاء يوم كامل قضونه يستكشفون البلد الأكثر سحرًا وجمالًا في العالم.
_آاااه يا رجلي.. مش قادرة.
قالتها فرحه وهي تلقي بما في يديها على الأرض وتتمدد على الفراش بإنهاك.
د=بكرة بقى نبقى نروح جبل الأسرار بما إن الوقت مكفاش النها....
قاطعه حديثه طرق الباب، ففتح وكان السائل "منير".
_حمد الله على السلامة يا أحمد.
=الله يسلمك يا صاحبي.. معلش بقى الوقت سرقنا واتأخرنا.
_لأ أنا مش قصدي على مشوار النهارده.
نظر له "أحمد" بتعجب، فرفع "منير" يده له بالأوراق الخاصة بهما، والذي طالعه "أحمد" بحزن شديد.
_ترجعوا بالسلامة إن شاء الله مع إننا ملحقناش نشبع منكم والله.
التقط "احمد" منه الورق قائلًا بإحباط:
الله يسلمك يا منير.. تتعوض إن شاء الله.
دخل إلى الغرفة وأعطى الأوراق لـ فرحه، التي تسائلت:
إيه ده؟!
_الورق بتاعنا.. هنرجع مصر بكرة.
نظرت إلى الورق بحزن وابتلعت لعابها بتوتر حاولت إخفاءه وقالت:
طب الحمد لله.. أخيرًا هنرجع.
نظر لها بخيبة أمل وقال:
هنرجع يا فرحه.. يلا نامي عشان طيارتنا الساعة 9.
أومأت بموافقة.. دخل هو إلى الشرفة وأغلق الباب عليه حتى يمنحها الراحة لتستطيع دخول الخلاء وتبديل ملابسها.
خرج بعد أن استقرت حركتها بداخل الغرفة، فنظر إليها وجدها مغمضة العينين.
علم أنها تصطنع النوم وأن الأفكار تعصف برأسها كما هو حاله، ولكنـه حاول تجاهلها والخضوع إلى النوم.
بعد مرور ساعة.. نزع عنه غطاءه بملل وتوتر وزفر بشدة، ثم نادى عليها قائلًا:
فرحه.
_نعم؟!
أجابته وهي ما زالت توليه ظهرها.
=عايز أتكلم معاكي.. أنا عارف إنك إنتي كمان مش جايلك نوم زيي.
كتمت بكاءها وقالت بصوت مختنق:
نتكلم في إيه؟
!=إنتي بتعيطي يا فرحه؟! قالها وهو يجلس بجانبها ويديرها لتنظر إليه.
اعتدلت بمجلسها ونظرت إلى الأسفل، فأمسك بذقنها لتقابل عيناها الباكيتين عيناه العاشقتين وقال:
بتعيطي ليه يا فرحه؟!
_مفيش حاجة.
!=لأ في.. مالك؟!
_مفيش.
قال بنفاذ صبر:
متكدبيش يا فرحه.. بتعيطي ليه؟!
نظرت له بعينيها التي تهلكانه، فبادلها النظر بـ وله وقال:
زعلانة إننا هنرجع.. صح؟!
سألها متمنيًا أن تؤكد سؤاله، فكرره وقال:
صح يا فرحه؟!.. زعلانة إننا هنبعد عن بعض؟!
أومأت بموافقة وهي ما زالت تنظر أرضًا، فتهللت أساريره وأمسك بيديها بين كفيه وقال:
فرحه.. إنتي حاسة من ناحيتي بحاجة.. صح؟!
نظرت إليه مجددًا ولم تجيب، فقال:
جاوبيني يا فرحه.. عشان خاطري متسكتيش.
نظرت إلى الأسفل مرةً أخرى، فأمسك بوجهها يديرها إليه وقال:
متبصيش في الأرض تاني.. جاوبيني.
انفجرت في البكاء وزاد نحيبها، فمسح دمعاتها بكف يديه الحاني وقال:
فرحه.. بصيلي.
نظرت إليه بألم داخلي يغزو قلبها، فقال وهو ينظر داخل عينيها:
أنا بحبك يا فرحه.
رواية غريق على البر الفصل الثالث عشر 13 - بقلم نعمة حسن
أنا بحبك يا فرحة.
قالها و قد أنهكه السكوت عن ما يشعر به. لا بد أن يريح قلبه المسكين. أطلقها و لا يعلم ماذا سيترتب عليها.
عندما استمعت إليه ينطق بها، وضعت كفيها تخبأ عينيها و ارتفع نحيبها بشدة.
اقترب منها و مد يده يزيح بها كفيها و أمسك به مقبّلاً إياه بحب صادق و قال: "متعيطيش يا فرحة. أنا حاسس إنك بتحبيني و إحساسي مبيخيبش. أنا مش صغير، عارف إن نظرتك ليا نظرة واحدة بتحب و عارف إن ضحكتك اللي بتطلع من القلب و إنتي معايا دي متطلعش غير من قلب واحدة بتحب."
لم تجبه، فأمسك بذقنها لتقابل عينيها عيناه و سألها متوسلاً: "صح يا فرحة؟ إنتي بتحبيني مش كده؟"
إلتزمت الصمت، فقال بحده: "إنتي عمرك ما حبيتي رجب ولا عمر قلبك دق له."
ثم اختفت حدته و قال بلين: "بس بتحبيني أنا زي ما بحبك. عشان خاطر ربنا متسكتيش كده. قولي أيوة بحبك. لا بكرهك. قولي أي حاجة."
نظرت له بأعين منتفخة إثر بكائها المتواصل و قالت: "حتي لو قولت.. إيه اللي هيتغير؟ هتسيب خطيبتك؟ هعرف أسيب رجب؟"
أجاب و بدأ قلبه بنبض بشدة: "لو إنتي فعلاً بتحبيني أنا مستعد أسيب الدنيا كلها عشانك. ثقي فيا و صدقيني. لو قولتيلي إنك بتحبيني هعمل المستحيل عشانك. بس عشان خاطري ريحيني."
أشاحت بوجهها بعيداً و لم تجب و زاد نشيجها و بدأت تشعر بالإختناق.
أحس بها و كأن شيئاً أصابها فقال بقلق: "فرحة.. مالك؟ طيب إسكتي و أنا مش عايزك تجاوبيني. خلاص إنسي.. بس قوليلي بتعيطي ليه؟"
"عشان أنا بحبك أوي."
قالتها و هي تنظر للأرض و تبكي بشدة، فجذبها إليه يضمها بقوة و أغمض عينيه زافراً براحة و قال: "أخيراً يا فرحة قولتيها."
مسّدت رقبته بذراعيها و أغمضت عينيها و بعفوية منها طبعت قبلة حانية علي رقبته.
ارتجفت أوصاله فجأة و ابتعد عنها يجاهد لكي لا يفعل شيئاً قد يفقدها ثقتها الوليدة به. نظر لها مبتسماً و أمسك بكفيها بين يديه و نظر لها بعشق لا حاجة له في أن يخفيه بعد الآن و قال: "فرحة.. ممكن أطلب منك طلب؟"
أومأت بموافقة، فقال: "قوليلي "بحبك يا أحمد"."
"ما أنا قولت."
"قوليها تاني و تالت و عاشر. يلّا."
نظرت داخل عينيه و ابتسمت بحب يفيض من عينيها و قالت: "أنا بحبك أوي يا أحمد. و عمري ما حبيت ولا عرفت يعني إيه حب غير معاك."
انشرح صدره و انتابته نوبة ضحك هستيرية من فرط السعادة و احتضنها مرة أخرى قائلاً: "بحبك أوي يا أحمد؟"
أومأت و هي تعانقه و قالت: "إمممم."
"يا وعدي علي الناس اللي بتحب دي يا وعدي."
علت ضحكاتهما سوياً، فأبعدها عنه قائلاً: "طيب.. خلينا نتكلم في اللي جاي."
بدأت ملامحها يكسوها القلق، فقال: "بصي خلينا عارفين إن موقفنا مش سهل. لكن بردو مش مستحيل. أنا بكرة هوصل معاكي البلد و هكلم والدك و أصارحه بكل حاجة. و هو أكيد هيفهمني."
"طيب و رجب؟" قالتها متسائلة بتوتر.
"ده دورك إنتي. لازم تكوني شجاعة و تتكلمي معاه و تنهوا الموضوع من غير مشاكل. أكيد هيكون في حساسية و زعل بس الصراحة أحسن من الخداع."
"يعني أروح أقول له أنا بحب واحد تاني و هسيبك عشانه؟"
"إيه العبط ده؟! حتى لو دي الحقيقة بس متتقالش كده. إحنا هنقول نص الحقيقة و نداري نصها التاني لبعدين."
"مش فاهمه."
"يعني إنتي اقعدي مع ابن عمك و فهميه بالأصول إنك مش مرتاحة و مش قادرة تكملي و إن طريقكوا مش واحد. وكذلك أنا هقعد مع 'نورا' و هنتكلم بكل صراحة و أنا واثق إنها هتتقبل الأمور ببساطة."
قالت بريبة: "مش عارفه."
"قلقانة."
"لا متقلقيش إن شاء الله خير. إنتي بس قوّي قلبك و اتكلمي."
"ربنا يستر."
"بإذن الله. يلّا نامي لأن بكرة يوم طويل و هنصحي بدري."
أومأت، فنهض واقفاً و انحنى بجزعه عليها قليلاً و طبع قبلة مفعمة بالحب على جبينها، ثم صعد إلى فراشه و أغمض عينيه براحة و يا للعجب. استسلم للنوم سريعاً.
***
كان "رضوان" ينتظر "رضوى" أمام بيتها بالتاكسي الخاص به. اتسعت ابتسامته عندما رآها تُقدم عليه في ثوبها الجديد.
نظرت له حانقة، فقال مشاكساً: "اللهم صلِّ على النبي. قمر يا رضوى."
صعدت إلى السيارة بجانبه بصمت، قطعه هو عندما قال: "أنا عايز أجي أطلب إيدك. أكلم مين؟"
نظرت له بصدمة، فقال: "يسلااام؟! يعني مفكرة إننا هنفضل رايحين جايين سوا كده عشان صحاب؟"
"مش فاهمه حاجة. هتطلب إيدي ليه؟"
"هيكون ليه يعني؟! ما أكيد عشان أتجوزك."
ابتسمت ببلاهة، فقال: "آااه وبعدين؟! مفهمتش بردو هكلم مين؟"
"هو أنا مليش غير خالتي و عمتي و منير ابن عمي بس ده في تركيا."
"خلاص هاتي رقم منير أكلمه الأول عشان يبقى كلام رجالة و بعدها نشوف عمتك."
"ماشي هبعتلك الرقم على واتساب."
نطق ممازحاً: "ما صدقتي إنتي. هااا؟!"
غلبتها ابتسامتها، فأشاحت بوجهها إلى يمينها. أوصلها إلى جامعتها و ودعها قائلاً: "أول ما تخلصي رنيلي عشان أجلك. يلا ربنا معاكي."
***
أيقظ "أحمد" ساعته البيولوجية في تمام الثامنة صباحاً. قام من نومه بحماس و أيقظ "فرحة" التي حيّته بأجمل ابتسامة.
استعدّا سريعاً و غادرا المنزل بعد أن ودّعا "منير" و "توبا" ثم انصرفا نحو المطار.
حانت رحلتهما، فصعدا إلى الطائرة، فقال 'أحمد' وهو يشير لفرحة: "إتفضلي إقعدي جمب الشباك."
نظرت له ضاحكة و جلست، فجلس بأكملها و بعد دقائق بسيطة أقلعت الطائرة.
شعرت "فرحة" بالخوف كثيراً، فأمسك "أحمد" بيدها و قال: "متخافيش يا فرحة. إقرأي قرآن و إنتي هتهدي."
فعلت كما أخبرها و أغمضت عينيها، فسألها: "مبسوطة إنك راجعة يا فرحة؟"
ابتسمت بألم داخلي و قالت: "اكيد مبسوطة. هشوف أهلي و إخواتي."
أومأ بتأكيد قائلاً: "ربنا يجمعك بيهم على خير إن شاء الله. إتبسطتي في تركيا؟"
أومأت ببسمة منكسرة: "إتبسطت جداً و زعلانه إننا راجعين."
"لعله خير. تعرفي؟!.. أنا مش شايل هم حاجة غير بعادك عني و إنك هتبقي في مكان و أنا في مكان."
"نصيبنا بقا. الحمدلله."
"أيوة الحمد لله. يلا إفطري."
قال الأخيرة وهو يشير للطعام الموجود أمامهما، فبدأت "فرحة" في تناول طعامها بصمت لم يقطعه أيّاً منهما.
بعد مرور ساعتان، أشار لها و قال: "حمدالله على السلامة. وصلنا."
نظرت من النافذة بجانبها، فوجدت سفح الأهرامات يلوح من الأفق، فحدثته بحماس و قالت: "وصلنا مصر. أخيراً وصلنا مصر. أنا مش مصدقة."
ابتسم بسعادة لسعادتها و قال: "طيب يلا."
نزلا من الطائرة و صعدا إلى التاكسي، فقال 'أحمد': "معلش توصلنا للموقف."
بعد ساعتين قضاهما من مواصلة لأخرى، وصل بـ فرحة إلى بلدتها.
ذهبت "فرحة" إلى منزل والدها و طرقت الباب و لكن أحداً لم يجيب.
تساءلت بين المارة عما حدث و أين أهلها، ولكنها تفاجئت برد فعلهم.
"شوفوا اللي قالوا ماتت. راجعة بعد شهرين هي و الأفندي اللي كانت دايرة معاه و جايه لسه تسأل على أهلها. يشيخه الله يلعنك!"
"أبوها كان هيموت من حسرته عليها و هي ماشية البيه ده. يا خسارة تربيتك يا حج محمد."
وقفت هي تستمع بذهول و أعين باكيه، و يقف "أحمد" بجوارها يغلي و يزبد، فصرخ بهم و جاء ليتحدث، فقاطعه ذلك الصوت صارخاً: "قطع لسان اللي يجيب سيرة بنت عمي بكلمة عاطله. اللي هيكتر في الكلام حسابه معايا أنا. ده بدل ما تقولوا لها حمدالله بالسلامة. البلد نورت. بتتهموها بالعاطل إنها كانت ماشية مع الأستاذ و متخبيه معاه كل الوقت ده؟! فين عقلكوا إنتوا؟!.. هو إنتوا تايهين عن ادب و أخلاق بنت عمي ولا إيه؟!"
نكس الجميع رأسه أرضاً، فصرخ بهم قائلاً: "إذا كنتوا تايهين مين هي بنت محمد السنهوري، فـ أنا مش تايه عنها. و كلامكوا كله ولا فرق معايا، و هنتجوز ولا كأن حاجة حصلت. يلا كل واحد يشوف حاله."
انصرف الجميع، فاقترب "رجب" من "فرحة" و نظر لها بإشتياق حقيقي و قال: "حمدالله على سلامتك يا فرحة. الدنيا كلها نورت."
قالت بإبتسامة هادئة: "الله يسلمك يا رجب. هو أبويا و إخواتي فين؟"
"في مصر. من ساعة الحادثة وهما مرجعوش. بينا نكلمهم نخليهم يرجعوا."
أمسك بيديها يجذبها خلفه، فقالت: "إستني يا رجب. الراجل واقف."
نظر للخلف و قال: "اااه صح يادي الإحراج." ثم تقدم من 'أحمد' و مد يده يصافحه بحرارة قائلاً: "لا مؤاخذة يا أفندي بس من فرحتي مركزتش. إنت اللي موصل فرحة من المطار مش كده؟"
أومأ "أحمد" مقتضباً، فقال "رجب": "تسلم يا ذوق. ربنا يجعلك دايماً سبب في مساعدة الناس. طب اتفضل نتغدا و ترتاح شوية."
"شكراً ليك أنا لازم أرجع دلوقتي حالا."
"الشكر لله يا أستاذ. مع السلامة."
نظر "أحمد" إلى "فرحة" و عيناه لا تحيدان عنها و قال: "مع السلامة."
رواية غريق على البر الفصل الرابع عشر 14 - بقلم نعمة حسن
ذهبت "فرحه" إلى منزل عمها والد "رجب".
دخلت فتفاجأ الجالسين أجمعهم و جحظت أعينهم.
فقال "رجب": شوفتي ياما؟! مش أنا دايماً أقولكوا فرحه دي قطة بسبع أرواح؟!
التف حولها الجميع يعانقونها بشدة و يصافحونها بحرارة، وبين الكثير من الأسئلة عمّا حدث؟! و كيف نجت؟! و أين كانت؟!
زفرت هي بشدة و حاولت إخفاء ألمها و قالت:
والله هحكي لكوا كل حاجة.. بس أطمن على أبويا و إخواتي الأول.. وبعدين هحكي لكوا كلكوا مرة واحدة عشان الموضوع طويل و مش هقعد أحكي كل شوية.
قال رجب بحماسة تملؤه:
برن على رضوان أهو.. بيكونسل عليا أكيد سايق.
سائق؟! قالتها فرحه بتساؤل متعجب.
فأومأ "رجب" قائلاً:
آه.. ما هو اشتغل على تاكسي هو و رامي.. ألوو.. أيوة يا رضوان مبتردش ليه؟
=كنت داخل على لجنة والله و معرفتش أرد.. عاملين إيه؟! و إزي مرات عمي؟!
إحنا كويسين الحمد لله.. المهم.. خد كلم.
=أكلم مين؟!
لم يجبه و أعطى الهاتف لـ"فرحة" التي تناولته بيد مرتجفة و قالت بحنين بالغ:
إزيك يا رضوان.
على الجانب الآخر.. توقف "رضوان" بسيارته فجأة و هوى قلبه أرضاً و نطق بذهول:
فرحه!!
بكت فرحه لصوت أخاها المشدوه و قالت:
أيوة فرحه يا رضوان.
قال وقد فقد أعصابه:
إقفلي يا فرحه أنا هجيب أبوكي و آخواتك و هننزل البلد حالاً.. مع السلامه.
أغلق الهاتف بوجهها فضحكت بين دمعاتها و قالت:
طول عمره مبيعرفش يركز في حاجتين سوا.
قالت زوجة عمها و هي تضع أمامها ما لذ و طاب من الطعام:
تلاقيه يا حبة عيني انصدم.. مسافة السكة و هيكون هنا.
ثم أكملت و هي تربت على ظهر "فرحه" بود حقيقي:
كلي يا فرحه.. كلي يا حبيبتي تلاقيكي هفتانة.
نظرت لها "فرحه" بأعين دامعة و ارتمت بأحضانها بغتةً و انفجرت بالبكاء قائلة:
أنا تعبانة يا خالتي.
شدت زوجة عمها من احتضانها بقلق و قالت:
إسم الله عليكي يا حبيبتي مالك؟!
التف الجميع حولها يهدئها و يهدهدها كالأطفال و قال "رجب":
متحطيش كلام الناس في دماغك يا بت عمي ولا يهمك.. يا جبل ما يهزك ريح.. إحنا عارفين بتنا متربية إزاي.
سألته أمه باستغراب:
كلام إيه؟!
قال ساخراً غاضباً:
قال إيه ولاد الكلاب مفكرين إن فرحه طول مدة غيابها دي كانت مع الأفندي اللي وصلها لوحديهم.. مفكرين إننا عندنا بنات ماشية بطال لا سمح الله.. بس إيه.. أنا عرفت كل واحد مقامه.
تلاشت "فرحه" النظر لزوجة عمها التي نظرت لها بشك و قالت:
و إنتي شوفتي الأفندي ده فين يا فرحه يا بنتي؟!
همت "فرحه" بالجواب فقاطعها "رجب" قائلاً:
هتكون شافته فين يعني ياما؟! إنتي هتعملي زيهم؟! شافته في المطار و....
لا مشوفتوش في المطار. قالتها فرحه بخوف و قلق شديدين و ترقب للآتي.
قال "رجب" التي بدأت أمارات عدم الارتياح بالظهور عليه:
مشوفتيهوش في المطار أومال شوفتيه فين؟!
ازدردت ريقها بتوتر و قالت:
هو اللي طلعني من المية لما الطيارة وقعت في البحر!
وبعدين؟
ولا قبلين.. وفضلنا كل ده ماشيين في الغابة لحد ما وصلنا تركيا و روحنا عند ناس قرايبه و هما اللي ساعدونا نرجع مصر.
و كل الوقت ده كنتوا قاعدين سوا لوحديكوا؟
بقولك كنا بنجري في غابة يا رجب.. غابة.. يعني مليانة حيوانات مفترسة و كنا متعرضين للخطر.. تقولي قاعدين لوحديكوا؟!
ثم أكملت بأسلوب أكثر عدائية:
وبعدين أنا شامة ريحة تلميحات كده مش حلوة.. في حاجة؟!
تراجع و قال:
لا مش القصد يا فرحه.. وبعدين هو أنا تايه عن أخلاقك.
أومأت باقتضاب و التزمت الصمت.
بعد مرور ساعتين ونصف الساعة.. وصل والد فرحه و أبناؤه محدثين جلبه شديدة عند وصولهم.
دخل والدها يتسائل:
فينها فرحه؟! بنتي فين؟!
فور أن التقطت أذنيها صوت والدها هرعت إليه تحتضنه بانتظار دام أيام وساعات طويلة.
تلقاها والدها بين ذراعيه باشتياق و التف حولها إخوتها كلا يتسارع أيّاً منهما يعانقها أولاً.
قبلت يد والدها و قبل رأسها قائلاً:
حمد الله على سلامتك يا فرحتنا.. روحي ردت فيا يا فرحه.
انتزعها "رضوان" من بين ذراعي والدها و عانقها بشوق بالغ و قال:
كنت حاسس.. قلبي مبيكدبش عليا أبداً في أي حاجة تخصك يا فرحه.. كنت حاسس إن روحي مسابتش جسمي و كنت عارف إنك هترجعي.
شدت "فرحه" من احتضانه و ارتفع صوت نحيبها.
في بداية الأمر ظن "رضوان" أن بكاءها هذا طبيعي بسبب اللقاء بعد غياب وهكذا.
ولكنه شعر بأن الأمر أكبر من هذا و أن قلب شقيقته قد مسّه الضر.
نظر بداخل عينيها يحاول سبر أغوارها فوجدها تحمل الكثير والكثير الذي لن يتوانى حتى تبوح به.
انحنت "فرحه" و جلست القرفصاء تحتضن "بدر" الباكية و بكت معها مرة أخرى مما أثار حفيظتهم جميعاً فتسائل "رامي":
بتعيطي ليه يا فروحه ما إنتي وسطنا أهو الحمد لله.
مفيش حاجة.. أنا بس تعبانة و عايزة أرتاح.
قال والدها:
بينا على البيت عشان ترتاحي و بعديها تبقي تحكيلنا اللي حصل.
أومأت بموافقة و ذهبوا إلى بيتهم فقالت فرحه:
أنا بقالي كتير منمتش.. هموت و أنام.. لما أصحى هبقى أحكي لكوا كل حاجة.
هربت إلى غرفتها و دخلت ثم أغلقت الباب من خلفها بإحكام و ألقت بجسدها إلى فراشها البسيط ثم انفجرت باكية.
بكت بقدر ما عشقته و هي تعلم أنه صعب المنال.
بكت بقدر ما شعرت معه بالسعادة و الاكتفاء.
بكت بقدر ما أحست أن روحها تأن شوقاً إليه.
بكت كثيراً حتى استسلمت لسلطان النوم.
عاد أدراجه إلى "القاهرة" يكسوه الحزن و خيبة الأمل.. لقد جرت المقادير على عكس هواه.. لم يتوقع أن تتعقد الأمور هكذا.
وصل إلى منزله و طرق الباب بلهفة لرؤية شقيقته التي ألجمت الصدمة لسانها عندما رأته يقف على الباب.
نظر إليها بشوق بالغ و احتضنها وهي ما زالت تحت تأثير الصدمة.
ضربها خلف رأسها بخفة و قال ممازحاً على غير عادته:
إيه مبترديش ليه؟! القطة أكلت لسانك؟!
نظرت له بأعين دامعة فأعاد احتضانها و قال:
أيوة أحمد والله.. إنطقي بقا.
انفجرت باكية بشدة و تشبثت به قائلة:
إزاي؟! إزاي؟!
ضحك و غنى وهو يحركها بخفة و قال:
إزاي ترضيلي حبيبتي.. قد ما أعشق اسمك و إنتي.. عاملة تزيدي في حيرتي و منتيش حاسة بطيبتي إزاي؟!
تعجبت أسلوبه الجديد تماماً و لكنها ضحكت بشدة و أعادت عناقه و قالت:
روحي رجعتلي تاني يا أحمد.
نظر إليها و أطلق تنهيدة حارة و قال بألم داخلي يملؤه:
بس أنا روحي راحت مني يا رضوي.
قطبت بين حاجبيها وقالت:
مش فاهمة.. هو إنت مش مبسوط إنك شوفتني؟!
ابتسم قائلاً بتمتمة:
سبحان الله.. نفس الغباء.
بتقول إيه؟
بقول إني جعااان و هلكاااان و عايز أنام.
مش قبل ما تحكيلي كل حاجة بالتفصيل.
لا لما خالتك و عمتك ييجوا عشان أحكيلكوا مرة واحدة لأن الموضوع طويل و مش هقعد أحكي كل شوية أنا.
خالتو نزلت تطمن على عيالها و كانت هترجع تبات معايا.. استنى أكلمها أعرفها.
لا مش دلوقتي.. أنا مش عايز أتكلم دلوقتي و يا ريت متعرفيش نورا بردو.. أنا هبقى أفاجئها بكرة في الشركة.
أومأت "رضوي" بموافقة و قالت:
طيب مش هتقعد معايا.. ده إنت واحشني.
قبل رأسها و قال:
و إنتي كمان يا حبيبتي وحشتيني فوق ما تتصوري والله.. بس اعذريني.. أنا تعبان و محتاج أرتاح و بعدين هبقى أقعد معاكي و نرغي و نحكي كل حاجة.
كان يود الهروب و بالفعل حدث.. دخل إلى غرفته و أشعل الضوء و نظر إليها بابتسامة باهته.
لقد راهن عقله على أنه سيتابع غربة روحهِ عن جسدهِ عندما تفترق بهما السبل، و قد حدث.
إنه الآن جسد بلا روح، بلا حياة، بلا شغف.
ألقى بجسده المتهالك على سريره الفخم و وضع يده على عيناه و فوراً قفزت صورتها بمخيلته.
ابتسم لابتسامتها التي تشع نوراً و اتسعت ابتسامته عندما تذكر ليلة أمس عندما احتضنته و اعترفت بحبها له.
ليلة أمس؟! هل بين ليلةٍ و ضحاها من الممكن أن يتبدل حال الإنسان كلياً هكذا؟!
هل من الممكن أن يخلد إلى النوم و قلبه يتراقص فرحاً و بمجرد مرور الساعات تخفق دقاته؟!
دمعة مكلومة هربت إلى جانب عينيه و لكنه لم يأبه بها.. ظل مغمضاً عيناه حتى واتاه النوم و غطّ به.
رواية غريق على البر الفصل الخامس عشر 15 - بقلم نعمة حسن
تبتسم له بمحيّاها المشرق ثم تُقدِم عليه وتجلس بجانبه، منحنية بجذعها للأسفل وتمد أصابعها الرقيقة تعبث بخصلات شعره المرتبة.
همهمت بصوت خفيض:
"شبابي الغالي ضيعته.. أناجي في الهوا اسمك."
"وأملي لمّا صورته.. في أجمل صورة كان راسمك."
"غالي عليا وضي عنيا.. ارحم عذابي معاك."
أفاق من غفلته على نبرة صوتها المميزة، فوجدها تجلس أمامه تنظر له مبتسمة. فجذبها من ذراعها لتتوسّد صدره، ولكنها سرعان ما تبخرت من بين يديه وأصبحت سرابًا.
فرّق بين جفنيه بفزع وأدرك أنه كان منامًا ليس إلا. نظر للساعة الموجودة بجانبه فوجد عقاربها تشير إلى العاشرة صباحًا. ضيّق بين حاجبيه متعجبًا من ساعته البيولوجية التي يبدو وكأنها أصابها خلل كحال كل الأمور.
نهض من مرقده ودخل إلى الخلاء وخرج بعد قليل من الوقت. بدّل ثيابه وخرج من غرفته. فوجئ عندما رأى "رضوي" ترتدي ثوبًا طويلاً وحجابًا. فنظر لها بتعجب مبتسمًا وقال:
"بسم الله ما شاء الله.. إيه القمر ده!"
ابتسمت بتوتر وقالت:
"بجد حلو؟!"
"حلوو أوي والله.. بس من إمتى؟!"
"من فترة بسيطة.. مش من زمان يعني."
قال ممازحًا:
"إنتي قولتي أخويا مات بقا أمّا أعمل اللي كان بيقوللي عليه."
ابتسمت وقالت بتردد:
"يعني.. حاجة زي كده."
"بتكدبي هااا؟! ماشي يا رضوي.. رايحة فين كده؟!"
"كنا متفقين أنا وصحابي نتجمع سوا عشان نذاكر عشان بكرة يعني آخر يوم امتحانات."
"أيوه صح أنا نسيت خالص.. طيب أنا نازل رايح الشركة يلا أوصلك."
"لا.. يعني في تاكسي بيجيلي وكده.. بلاش تتعطل إنت."
"يلا يا رضوي.. قدامي."
لم تُرِد إثارة شكوكه حولها، فوافقت وذهبت برفقته.
"هتتجمعوا عند مين؟!"
قالها وهو يدير محرك السيارة، فقالت:
"هنتجمع عند 'منه'."
أوصلها إلى منزل "منه"، ابنة أحد شركائه، وانصرف نحو الشركة.
أصابه الحماس الشديد لرؤية رد فعل "نورا" عندما تراه. صفّ سيارته، وبمجرد رؤية رجال الأمن له، حدثت جلبة شديدة والتف الجميع حوله بين مرحب ومتعجب ومتسائل. فقال:
"الله يسلمكم جميعًا.. أنا مقدر صدمتكم وفضولكم تعرفوا اللي حصل بس مش دلوقتي.. لازم الأول أطلع أسلم على باشمهندسة نورا.. عن إذنكم."
صعد للأعلى حيث مكتب "نورا" وطرق الباب بحماس. فأتاه صوتها المنمّق يأذن بالدخول. أدار مقبض الباب ببطء ثم دلف إلى غرفة المكتب الذي تقبع وراءه "نورا" منهمكة في شيء ما.
لم يتكلم حتى تلفت إليه، وبالفعل حدث. عندما لم تستمع إلى صوت، قالت:
"أفندم."
ولكنها حملقت بذهول عندما رأته يقف أمامها. قامت من خلف مكتبها وتقدمت منه، وعلى وجهها أشد علامات الذهول، وتمتمت:
"أحمد!! إزاي؟!"
وقفت أمامه ونظرت له بتمعن وهي ما زالت مشدوهة، وقالت:
"إنت أحمد بجد؟!"
ضحك قائلاً:
"أومال جرافيك؟!"
طوّقت رقبته بود لم تصطنعه، ولكنه شعر بالضيق عندما احتضنته، فرّبت على ظهرها بود لم يصطنعه أيضًا. وابتعد عنها قائلاً:
"عاملة إيه يا نورا؟!"
نظرت له مبتسمة ببلاهة:
"أنا كويسة.. بس مش مصدقة نفسي.. إزاي ده حصل وكنت فين كل المدة دي؟!"
جلس أمامها على الأريكة الموجودة بجانب الغرفة وقال:
"كنت في تركيا..."
وبدأ يقص عليها كل ما حدث منذ وقوعه من الطائرة بالبحر، مرورًا ببقائه في الجزيرة برفقة فتاة تدعى "فرحة" حتى وصولهم للمستشفى، ومن بعدها إلى بيت "منير" الذي ساعدهم في العودة.
كانت تنصت له بتعجب وقالت:
"بس إنك تفضل شهرين في مكان واحد مع شخص واحد حاجة مملة أوي.. إزاي قدرت تستحمل؟!"
نظر لها وابتسم لصدق حدسه ولأنه يعرف بماذا ستعقب، ثم قال:
"بالعكس.. كانوا أحلى شهرين في حياتي."
أطلقت ضحكة ساخرة وقالت:
"بتهزر! وإزاي الإنسان يقدر يعيش ويستمتع وكل موارد الحياة الأساسية مفقودة.. أنا لو مكان البنت اللي اسمها 'فرحة' دي يستحيل كنت أقدر أعيش هناك الشهرين دول."
أومأ بتأكيد وقال:
"فرحة دي مفيش زيها."
ارتفع حاجبها وقالت بضيق:
"من ناحية إيه يعني؟!"
زمّ شفتيه وقال ببساطة:
"من ناحية كل حاجة.. هي اللي كانت مهوّنة عليا الوضع الصعب اللي كنا فيه."
ثم استطرد بجدية:
"يعني إنتي بنفسك بتقولي إنك لو مكانها مكنتيش هتقدري تتعاملي."
قالت بضيق لمقارنتها بأخرى:
"مش لأن قدراتها أعلى مني.. بس لأني واخدة على الرفاهية جايز."
أومأ برأسه وأدار دفة الحديث قائلاً:
"إيه أخبار الشغل؟!"
"كله كويس وماشي مظبوط.. ما إنتَ عارفني."
"شكراً ليكي يا نورا.. هقوم أنا بقى أمر على الموظفين وفي كذا حاجة هعملها.. See you."
"See you."
خرج من مكتبها، فعادت لعملها سريعًا. بينما مر هو بمكاتب الموظفين واطّلع كل أوراق بعض المشاريع والصفقات التي تمت. وفي نهاية اليوم، مرّ بمكتب "نورا" مرة أخرى فوجدها كما تركها أول مرة.
هز رأسه بيأس وقال:
"مفيش فايدة فيكي مبتزهقيش من الشغل."
ابتسمت وقالت:
"هاا خلصت؟!"
أومأ موافقًا، فقالت:
"تيجي نخرج ونتغدى؟!"
"معلش يا 'نورا' مش قادر.. محتاج آخد شاور وأنام.. مرة تانية."
"تمام مفيش مشاكل.. أنا هخلص شوية شغل وأروح."
"تمام.. يلا باي."
خرج من الشركة وعاد إلى منزله فوجده يعج بالزائرين. دخل ورحب بالجميع، ومن بعدها استأذن منصرفًا إلى غرفته كي ينال القليل من الراحة.
"هااا يا فرحة.. احكي لنا بقى اللي حصل، إحنا سايبينك براحتك من إمبارح بس عندنا فضول نعرف."
قالها "رامي" متحمسًا بشدة، فابتسمت فرحة قائلة:
"اللي حصل إني وقعت من الطيارة في المية وواحد أفندي كده خرجني."
"واحد أفندي خرجك إزاي؟!"
"ما هو نَجَى زيي من الطيارة.. شافني غرقانة قام خرجني."
"وبعدين؟!"
"ولا قبلين.. فضلنا قاعدين في الجزيرة لحد ما في يوم المد كان عالي فـ اضطرينا نمشي في الغابة وفضلنا ماشيين لحد ما وصلنا للبر التاني من البلد وواحد نقلنا المستشفى وبعدها روحنا لقريب الأفندي ده وهو رجعنا مصر."
تساءل والدها:
"وكنتوا قاعدين إزاي في الجزيرة من غير أكل وشرب؟!"
ابتسمت للذكرى وقالت:
"كنا عايشين حياة البدائيين، بنصطاد سمك من البحر وبناكل من على الشجر."
قال رضوان:
"وإنتي حكيتي الكلام ده لرجب وأهله؟!"
"أكيد لأ يعني.. ده رجب الشك راكبه من غير ما أحكيله حاجة."
قال والدها مستاءً:
"إن شاء الله يركبه 100 عفريت، ولا هو ولا غيره يستجرى يقول نص كلمة."
قاطعهم رنين هاتف "رضوان" الذي استأذن منهم وابتعد ليجيب:
"ألو.. أيوة يا رضوي."
"أيوة يا رضوان إنت فين من إمبارح وقافل تليفونك؟!"
"فرحة رجعت يا رضوي.. مش قولتلك إنها عايشة."
"معقول؟! وأحمد كمان رجع إمبارح؟!"
"بتتكلمي جد؟! يعني معقول أخوكي هو اللي وصل فرحة لهنا؟! ولا في ناس غيرهم برضو رجعت!! أنا مش فاهم حاجة."
"ولا أنا.. هو لحد دلوقتي محكاش إيه اللي حصل معاه.. من ساعة ما جه وهو نايم."
"تمام أنا هبقى أعرف من فرحة.. حمد الله على سلامة أخوكي ومعلش إني اختفيت فجأة.. بس والله أول ما الخبر جالنا نزلنا البلد ومجتش فرصة أكلمك خالص."
"طيب هترجعوا إمتى؟!"
قال بتردد:
"والله يا رضوي مش عارف إذا كنا هنرجع ولا لأ.. رجوع فرحة بالسلامة هيغير الوضع."
قالت بقلق:
"يعني إيه؟! مش هشوفك تاني؟!"
"لا أكيد هتشوفيني إن شاء الله وهاجي قريب جدًا أطلبك من أخوكي.. بس يومين كده لما الأوضاع تستقر."
"ماشي يا رضوان."
قال مناديًا:
"رضوي."
"نعم؟!"
"إنتي وحشتيني.. والله العظيم وحشتيني."
اختنق صوتها وقالت:
"وإنت كمان وحشتني يا رضوان."
"طيب متضايقيش روحك.. يومين إن شاء الله وهنزل مصر عشان أقابل أخوكي.. تمام؟"
"إن شاء الله.. خلي بالك من نفسك."
"خلي بالك إنتي من نفسك ومتنزليش إلا للضرورة.. يلا مع السلامة."
"باي."
انتفضت عندما استمعت إلى صوت أخيها يقول:
"بتكلمي مين يا رضوي؟!"
نظرت له وقالت بتلعثم:
"د.. ده.. دي مروي صاحبتي."
اقترب منها فازداد توترها، فأمسك برسغها وجذبها لتجلس أمامه وقال:
"متكدبيش عليا.. مبتعرفيش تكدبي أصلاً."
نكست رأسها أرضًا وقالت:
"ده واحد بيحبني وعايز ييجي يطلبني منك."
"وإنتي؟!"
"وأنا إيه؟!"
"بتحبيه؟!"
أومأت بنعم، فابتسم وقال:
"وعرفتيه إمتى وإزاي؟!"
"شوفته أول مرة في المطار بعد الحادثة بتاعة الطيارة.. كان هناك يومها لأن أخته كانت معاك على الطيارة.. وبعدها قابلته صدفة كان هيخبطني بتاكسي بتاعه."
"تاكسي؟!"
أومأت بقلق وقالت:
"أيوة هو كان شغال هنا سواق على تاكسي بس هو في الأصل ظروفه كويسة يعني وعندهم أطيان وأراضي وكده."
"وإيه اللي حصل؟!"
"بعد موت أخته سابوا بلدهم وجم القاهرة.. هو من البحيرة أصلاً."
اضطرب قلبه وسألها:
"إسمه إيه؟!"
"رضوان."
نظر لها بصدمة وقال:
"أخو فرحة."
نظرت له بصدمة مماثلة وقالت:
"إنت تعرف فرحة!! دي هي كمان رجعت إمبارح."
"أنا وفرحة كنا مع بعض."
"مش فاهمة حاجة."
قال وبصيص أمل قد ظهر أمامه:
"طيب.. طيب هو قاللك هييجي إمتى يطلبك؟!"
تعجبت "رضوي" وقالت:
"هو قاللي لما الأمور تستقر، لأنهم رجعوا البلد تاني وأكيد الأوضاع ملخبطة لسه."
"طيب لو كلمك تاني قوليله إني مستنيه في أي وقت."
قالت بسعادة:
"أفهم من كده إنك موافق؟!"
"موافقة مبدئية.. لسه لما أقعد معاه وأشوف طباعه وتكوين شخصيته مع إن شخصيته باينة من أولها أهي."
نظرت له بتعجب. فقال:
"مش هو اللي أقنعك تلبسي طويل وتتحجبي؟!"
"مش حتة أقنعني هو يعني...."
"على فكرة مش طالب تبرير.. دي حاجة كويسة وتحسب له.. أنا عن نفسي بحترم الراجل الغيور.. وبعدين اللي يربي شخصية زي فرحة أنا عمري ما أخاف منه."
"مالها فرحة؟! ما تحكيلي بقى اللي حصل."
"اللي حصل يستي إنه لما الطيارة........."
قص "أحمد" على شقيقته كل ما حدث، فقالت وسط دهشتها:
"يعني إنت وفرحة بتحبوا بعض؟!"
أومأ بموافقة وقال:
"شوفتي؟! في شهرين عملت اللي نورا مقدرتش تعمله في سنين."
"أنا أصلاً مبحبش نورا دي ولا هي بتحبني ولا بتحب حد و أقوللك؟! ولا بتحبك حتى."
"أنا عارف إن نورا ملهاش في العاطفة.. بس ليه بتقولي كده؟!"
"مشوفتهاش ولا مرة متأثرة ولا بتبكي عشانك حتى بعد ما البحث انتهى وقالوا إنهم ملقوش حد.. كانت عادي."
"دي طبيعة نورا مش حاجة جديدة عليها، لذلك أنا وضعي أسهل من 'فرحة' كتير.. أنا بكلمتين هنهي الموضوع مع نورا إنما فرحة الوضع معقد جدًا."
"سيبيها لله.. رضوان دايما يقوللي متفكريش واللي في علمه يتمه."
ابتسم لرؤية صغيرته تقف على أعتاب مرحلة جديدة تملؤها الحياة والحب، وقال:
"ونعم بالله.. مش عايزك تخبي عليا حاجة تاني.. اتفقنا؟!"
طبعت على خده قبلة حانية وقالت:
"اتفقنا."
كانت فرحة تجلس برفقة أبيها وإخوتها، فـ دق الباب وكان الطارق "رجب". اضطربت عند رؤيته وهمّت بالانصراف، فأوقفها قائلاً:
"إزي حالك دلوقتي يا فرحة؟!"
رسمت ابتسامة بسيطة على شفتيها وقالت:
"بخير يا ابن عمي الحمد لله."
"إزيك يا عمي؟! صحتك حلوة؟!"
"بخير يا رجب الحمد لله.. اقعد."
جلس "رجب" بجانب عمه وقال:
"بصراحة يا عمي أنا جاي ومحرج بس قولت يا ولد يا رجب قوي قلبك ومبدهاش."
"خير يا رجب؟!"
"خير يا عمي إن شاء الله.. بقول يعني بما إن فرحة رجعت بالسلامة الحمد لله يبقى مفيش مانع نتمم الجوازة.. ولا إيه رأيك يا رضوان؟!"
نظر "رضوان" لعينيّ أخته التي تستغيث به، فقال:
"وإنت مش شايف إنك مستعجل أوي يا رجب؟! دي فرحة لسه راجعة إمبارح.. وتعبانة ونفسيتها تعبانة من اللي حصل."
قال "رجب" متأففاً:
"ماهو بصراحة يعني وأنا مكنتش عايز أتكلم في النقطة دي.. أهل البلد من ساعة رجوع فرحة وهما ملهومش سيرة غير الموضوع ده وموضوع الأفندي اللي كان معاها.. فـ أنا عايز أقطع ألسنتهم كلهم وده مش هيحصل إلا لو اتجوزنا، هثبت لهم إنهم بيحكوا في الفاضي فيخرسوا خالص."
همّ "رضوان" بالحديث، فقاطعه قول والده:
"خلاص يا رجب إن شاء الله الفرح كمان أسبوعين."
جحظت عينا "فرحة" بذهول، وألجمت الصدمة لسانها ولم تقو على النطق. صعدت إلى غرفتها وألقت بجسدها على فراشها وارتفع صوت نحيبها.
بعد انصراف "رجب"، صعد "رضوان" إلى غرفتها وطرق الباب ودخل، فوجدها تضم ركبتيها إلى صدرها وتتساقط دمعاتها بصمت. اقترب منها وجلس بجانبها وقال بنبرة هادئة:
"مالك يا فرحة؟!"
لم تجب، فكرر سؤاله، فقالت:
"مش عايزة أتزوج رجب!"
لم يتعجب حديثها، فهو كان على يقين أنها ستقول ذلك. نظر إليها وسألها:
"بتحبي حد تاني.. مش كده؟!"
ازداد بكاؤها مرة أخرى، فربّت على كتفها وقال:
"متكتّمش في نفسك يا فرحة.. صارحيني.. أنا أخوكي وهفهمك وهدلك على الصح كمان."
اعتدلت بجلستها وقالت:
"أقول لك إيه؟! وحتى لو قلت هيفيد بإيه؟!"
"على الأقل هترتاحي.. قوللي.. مين؟!"
نظرت له بريبة، فطمأنها بعينيه، فقالت بتلعثم:
"أحمد."
لم يُظهر أي رد فعل، فأكملت:
"اللي كان معايا في الطيارة."
فرغ فاه بصدمة وقال:
"أحمد إدريس؟!"
أومأت بتعجب وقالت:
"إنت تعرفه منين؟!"
"أصل أنا بحب أخته."
"رضوي؟!"
أومأ موافقًا، فانفجرا كلاهما ضاحكين بشدة.
كانت "نورا" تجلس برفقة "أحمد" في إحدى المطاعم الفخمة يتناولان طعام العشاء.
"وعمي أخباره إيه؟!"
قالها "أحمد" محاولاً خلق جو لطيف للعشاء، فاومأت هي وقالت بإيجاز:
"كويس."
أومأ بملل وزفر بشدة، تاركًا الملعقة من يده بحدة. لاحظتها هي فسألت:
"إيه يا أحمد.. مالك؟!"
"مفيش حاجة.. بحاول أفتح معاكي أي حوار وإنتي قافلة."
قالت متعجبة:
"ما ده طبعي.. وإزاي عارف إني مبحبش أتكلم وأنا باكل.. إيه اللي حصل؟!"
"مفيش يا فرحة.. اتفضلي كملي أكلك خلينا نمشي."
"فرحة؟!"
رواية غريق على البر الفصل السادس عشر 16 - بقلم نعمة حسن
"نورا"؟ قالتها بإستهجان شديد وضيق طغى على ملامح وجهها. فنظر إليها "أحمد" وقال معتذراً:
معلش يا نورا، إتلخبطت.
إتلخبطت؟! مين فرحة دي أساسًا عشان تغلط في اسمي وتنادي باسمها؟!
بدأ يفقد السيطرة على أعصابه المثارة وقال بصوت أكثر حدة:
قلتلك معلش يا نورا، إتلخبطت. ملوش داعي الكلام ده بقى.
ملوش داعي إزاي يعني؟! أنا اسمي نورا الحديدي يا أحمد بيه.. قال فرحة قال!
قالت الأخيرة وهي تنظف فمها بالمنديل الموجود على يمينها، ثم ألقته على طاولة الطعام بعصبية ونهضت. التقطت حقيبتها وغادرت المكان على الفور.
زفر بملل وتمتم مقلدًا طريقتها:
اسمي نورا الحديدي يا أحمد بيه..
ثم أكمل مستنكرًا:
ويطول حد يبقى زي فرحة!
أخرج هاتفه الذي نقل إليه كل الصور ومقاطع الفيديو التي جمعها مع فرحة في تركيا، وبدأ بمشاهدتها.
قام بتكبير الصورة لتحتوي الشاشة على وجه "فرحة" فقط، وحدّثها قائلًا:
وحشتيني يا فرحة، ووحشني أيامنا سوا.
عاد لتناول طعامه بشهية مفتوحة وهو ينظر إلى صورتها التي تبدو وكأنها تواسيه.
***
يجلس "رضوان" برفقة والده وإخوته جميعًا. فحمحم قائلًا:
بعد إذنك يا بابا، أنا كنت عاوز أتكلم معاك.
اعتدل والده بمجلسه بانتباه وقال:
قول يا رضوان.
أنا في واحدة في دماغي عايز أخطبها.
عالبركة يا ابني.. مين دي وبنت مين؟
هي من مصر.. مش من البلد.
تعجب والده وقال:
عرفتها وإحنا قاعدين هناك؟
أومأ رضوان قائلًا:
شفتها أول مرة في المطار.. أصل أخوها كان مع فرحة في الطيارة.. وبعدين شفتها صدفة، كنت هخبطها بالتاكسي.. ومن يومها بقى.
قال والده متسائلًا:
طيب وإنت هتطلبها منين؟
من أخوها.. بالمناسبة يا بابا.. أخوها يبقى الأفندي اللي وصل فرحة لحد هنا.
صدفة غريبة.. سبحان الله.
ها يا بابا، قلت إيه؟
قلت لا إله إلا الله يا ابني.
سيدنا محمد رسول الله.. يعني موافق ولا معترض؟
والله يا ابني ما أنا عارف أقول لك إيه.. بس ميتهيأليش إن أخوها يوافق.. وحتى لو وافق على شخصك، مش هيوافق أخته تسيب مصر وتيجي هنا.
سيبها لله يا بابا، واللي في علمه يتمه.
ونعم بالله.
طيب، حيث كده بقى يبقى ننزل مصر بكرة نطلبها.
لا، روح إنت بكرة ولو حصل نصيب واتوفقت إن شاء الله أبقى أجي معاك مرة تانية.
تمام، ماشي..
هقوم أنا بقى أبلغهم.
***
كانت "رضوي" تجلس برفقة أخيها يشاهدان فيلمًا لعبد الحليم حافظ، وكل منهما شارد في نصفه الآخر.
أفاقهما من شرودهما رنين هاتف "رضوي"، التي نظرت لأخيها فأومأ برأسه إشارة منه بأن تجيب.
ألو.
أيوة يا رضوي.. عاملة إيه!
الحمد لله كويسة.
وحشتيني.
تمام الحمد لله.
ضحك رضوان قائلًا:
أخوكي جنبك؟
أيوة الحمد لله.
زاد ضحكه، فابتسمت بتلعثم. وابتسم شقيقها لرؤية تخبطها أمامه، فقال:
قومي يا رضوي هاتيلي أشرب.
نهضت على الفور وذهبت إلى المطبخ، وحادثت رضوان بصوت خفيض وقالت:
أيوة يا رضوان، مكنتش عارفة أتكلم براحتي.. أحمد كان قاعد.
أيوة منا فهمت.. طيب ابعتيلي رقمه عشان أبلغه إني جاي بكرة.
ارتفع صوتها دون وعي منها وقالت:
جاي بكرة بجد؟
أيوة.. إنتي ما صدقتي ولا إيه؟
ههه يلا يا بايخ.
"المية يا رضوي"، قالها "أحمد" بصوت عالٍ. فقالت "رضوي":
باي دلوقتي يا رضوان، وهبعتلك الرقم.
أنهت المكالمة بسرعة وخرجت من المطبخ. فقال أخوها:
فين؟
قالت بتساؤل:
إيه اللي فين؟
المية.
أيوة صح.. ركضت إلى المطبخ سريعًا وأحضرت زجاجة مياه ثم أعطتها له. فقال متسائلًا:
رضوان؟
أومأت بنعم، فقال:
كان عايز إيه؟
عايز رقمك عشان يستأذنك ييجي بكرة.
زمّ شفتيه بتقدير وإعجاب قائلًا:
تمام.. ابعتيله الرقم.
ماشي.. هتتعشى دلوقتي؟
لا مليش نفس.. ادخلي نامي إنتي.
دخلت إلى غرفتها، وأمسك هو بهاتفه وقام بتشغيل مقطع الفيديو الذي غنت فيه "فرحة" معه، وظل يردد الأغنية مرة أخرى.
***
تجلس على فراشها كعادتها في الأيام الأخيرة، تلتزم الصمت، شاردة دائمًا.
طرقت "بدر" الباب ودخلت، فقالت لـ "فرحة":
رجب عايزك تحت يا فرحة.
أومأت "فرحة" بهدوء، وارتدت حجابها ونزلت للأسفل.
إزيك يا عروسة.. أنا استأذنت من عمي وكنت جاي آخدك عشان تختاري الفستان.
أنا مش عايزة أتجوز يا رجب!
كانت لكلمتها وقع الصاعقة على مسامعه. ضحك ساخرًا وقال:
مش عايزة تتجوزي إزاي؟! مش فاهم.
مش شبه بعض يا رجب.. مش هننفع مع بعض.
بدأت نبرته تتبدل وقال:
مش شبه بعض ليه؟! أهلك هما أهلي، لغتنا واحدة، دمنا واحد، علامنا واحد، مستوانا واحد، يبقى إزاي مش شبه بعض؟
بس تفكيرنا مش واحد يا رجب.. ميولنا مش واحد.. طموحنا مش واحد.. مبنحبش نفس الأكل ولا نفس الأغاني ولا نفس الأماكن.. مفيش حاجة مشتركة بينا.
قال باستنكار وصدمة:
مين اللي بتتكلم؟! إنتي يستحيل تكوني فرحة بنت عمي.. إيه اللي جالك خلاكي تتكلمي كده شبه المتعلمين.
هه.. تفكيري اتغير يا رجب.. شفت حاجات مكنتش شايفاها.. نظرتي للأمور اتغيرت.. حرام عليا أدمن نفسي بالحياة مع واحد مش شبهي ولا بيفهمني.
اممممم.. وده من إمتى يا ست فرحة هانم؟
لم تجب.
فقال:
طبعاً مش عارفة.. بس أنا عارف.. من ساعة ما قعدتي إنتي والأفندي الأبهة لوحديكوا وسط الشجر والزرع والميه، ومالي دماغك بالكلام الفاضي اللي بتقوليه ده.. أهل البلد كان معاهم حق.
"إلزم حدّك يا رجب"، قالها رضوان الذي استمع للحديث بأكمله.
أقبل عليهم وكرر جملته:
إلزم حدّك.. إحنا معندناش حد مشيه بطال، والكلام ده أهل البلد ده تحت رجلي أنا وأبوها.. لو هي مش عايزة تتجوز دلوقتي ولا مش عايزة تتجوز خالص، ده شيء ميغيبهاش.. هي حرة.
قال رجب بعصبية:
إنت بتتكلم كده إزاي؟! هو فيه إيه؟! إنتوا اتعمل لكم غسيل مخ!
من غير كلام كتير ورغي ممنوش فايدة يا رجب.. فرحة مش عايزة تتجوز ودي حاجة مفيهاش غصب.. أنا عارفة إنك ليك حق تزعل وتعمل أكتر من كده، بس إنت لازم تحسبها صح.. اعتبرها زي أختك وإنت بنفسك اللي هتـ...
قاطعهم "رجب" صارخًا:
لا مش زي أختي.. ومش هفهم حاجة ومش هحسب حاجة.
ثم أكمل بصوت مختنق:
ماشي يا فرحة.. اللي يريحك يا بنت عمي.. بس أنا مش مسامحك يا فرحة.. مش مسامحك على كسرة نفسي وسواد وشي قدام أهل البلد.
بعد مغادرته، صعدت "فرحة" إلى غرفتها مرة أخرى دون أي رد فعل. لم تحزن، لم تصرخ، لم تعترض، حتى أنها لم تبكِ. وأنى لها البكاء وقد جفت عيناها، أيفيض الخاوي؟
طرق أخيها باب غرفتها ودخل. جلس بجانبها وقال:
مالك يا فرحة؟! حاسة إنك مش مبسوطة إنك سبتي رجب!
رجب؟! رجب قال لي اللي مكنتش راضية أعترف بيه حتى بيني وبين نفسي.
هز رأسه مستفهمًا، فقالت:
قال لي إحنا شبه بعض. كلامنا ودمنا وأسلوبنا وعلامنا واحد.. دي حقيقة فعلاً.. إنما أنا وأحمد مختلفين عن بعض في كل حاجة.. لا تعليم ولا مستوى ولا حتى أسلوب.
زفر أخوها بقلة حيلة وقال:
يعني أنا دلوقتي مبقيتش فاهمك.. منين كنتي بتقولي لرجب إحنا مش شبه بعض، ومنين دلوقتي بتقولي إنكم شبه بعض في كل حاجة؟! ده إنتي ربنا يعينك على المهلبية اللي في دماغك.
ضحكت من بين دمعاتها وضحك معها، ثم قبّل رأسها وقال:
سيبيها لله، واللي في علمه يتمه.
***
دق الباب واضطربت معه دقات قلب "رضوي" عندما ذهب أخوها يستقبل "رضوان" الذي لم يبالغ في الاهتمام بمظهره وكان كعادته، مما زاده تقديرًا لدى "أحمد" الذي استقبله استقبالًا حسنًا.
إزيك يا رضوان، وإزي الجماعة اللي في البلد؟
قالها "أحمد" بود حقيقي، مما جعل "رضوان" يشعر بالألفة وعدم التكلف، فقال:
كلهم بخير الحمد لله.
ثم أكمل جملته وقال:
وبيُسلموا عليك.
وكأن هاتين الكلمتين لامست أوتار قلبه، فابتسم ابتسامة واسعة وقال:
ربنا يسلمهم من كل شر.. نورتنا.
ده بنورك يا أحمد أفندي.
نظر "أحمد" إليه بصدمة ثم انفجر ضاحكًا، مما أثار تعجب "رضوان" فقال أحمد:
دي وراثة بقى.
لم يفهم رضوان مقصده فسأله:
مش فاهم.
حمحم "أحمد" قائلًا:
أصل الآنسة "فرحة" مكنتش بتقولي غير يا أحمد أفندي، فلما إنت قلتها افتكرتها.
أومأ رضوان مبتسمًا، فسأله أحمد:
هي كويسة؟
أجاب رضوان بهدوء:
الحمد لله كويسة.. فرحها كان بعد أسبوعين...
لم يكمل "رضوان" جملته بسبب ذلك الكأس الذي سقط على الأرض من بين يدي "أحمد" متهشمًا.
ارتعدت أوصاله وتحطم قلبه، فتمتم معتذرًا:
أنا آسف.
نهض من مكانه ونادى المساعدة لكي تنظف المكان، وقال:
اتفضل يا رضوان، نقعد في الصالون.
انتقل "رضوان" إلى الصالون برفقته، وضميره يعاتبه. نعم، هو كان يريد رؤية رد فعله عندما يستمع إلى خبر زفاف شقيقته، ولكن لم يعلم أنه سيصاب بالصدمة لذلك الحد الذي يجعله يفقد أعصابه.
لاحظ "رضوان" شرود "أحمد"، فحاول إصلاح الوضع قائلًا:
والله كان بودي تكون أول حد أعزمه على الفرح، بس مفيش نصيب.. سابوا بعض.
نظر له أحمد مذهولًا وقال:
سابوا بعض؟
أومأ رضوان بحزن مصطنع، فقال الآخر بسعادة لم يستطع إخفاءها:
يعني مفيش فرح؟
كتم الآخر ضحكته وقال:
فرح مين بقى.. ما أنا بقولك سابوا بعض!
بعد إذنك بس ثواني وهرجعلك.
قالها أحمد مستأذنًا، ثم انصرف إلى غرفته بهدوء، وبمجرد أن أغلق الباب، قفز بمكانه عدة قفزات عالية وأخذ يضرب بيده الحائط بسعادة بالغة، ومن بعدها انتابته نوبة ضحك قصيرة. انتهى منها وهندم ملابسه، ثم خرج إلى الصالون مرة أخرى.
معلش اتأخرت عليك.. المهم ندخل في المفيد.
طبعًا حضرتك عارف إني جاي أطلب إيد الآنسة "رضوي" وشوف حضرتك اللي عايز تعرفه اسألني فيه.
أومأ "أحمد" قائلًا:
طبعًا رضوي قالتلي، وأنا الحقيقة معنديش أي ملاحظات غير بس رضوي هتقعد فين.. هنا ولا في البحيرة؟!
تفائل "رضوان" وقال:
إن شاء الله لو حصل نصيب هنتجوز في البحيرة بإذن الله.. يعني زي ما حضرتك عارف أنا كبير إخواتي، ووالدي صحته على قده، وكمان أنا بساعده في الفلاحة وميستغنّاش عني.. يعني صعب إني أسيب البلد.. بس "رضوي" طبعًا هتيجي في الوقت اللي تختاره وتحبه.
أومأ "أحمد" موافقًا وقال:
اعذرني لو بدخل يعني، بس هو إنت مبتشتغلش غير في الفلاحة مع والدك؟
لا طبعًا إزاي.. أنا عندي ورشة نجارة بتاعتي أنا ورامي أخويا، وما شاء الله شغالة كويس.. بس بنساعد أبونا في الحاجات اللي ميقدرش هو يعملها.
هزّ "أحمد" رأسه باقتناع وقال:
تمام يا رضوان.. الوالد هيشرفنا إمتى؟
والله الوقت اللي يناسبكم.
تمام، يبقى يوم الخميس إن شاء الله تشرفونا إنت ووالدك وإخواتكم ونقرأ الفاتحة.. والسلام أمانة.
ابتسم "رضوان" بسعادة ونهض، ثم صافحه بحرارة واستأذن منصرفًا.
***
عاد "رضوان" إلى بيته مع آذان الفجر، وكان الكل نيامًا ما عدا تلك التي تنتظره.
لم يدخل إلى غرفتها كعادته، فذهبت هي إليه.
ابتسم بسماجة عندما رآها تقترب منه على استحياء وقالت:
طمنّي يا رضوان.. عملت إيه؟
سهرانة ليه لحد دلوقتي؟
مجاليش نوم وإنت غايب.
نظر لها نظرة بمعنى "أيعقل؟!".
فقالت بنفاذ صبر:
ما تقول بقى يا رضوان، عملت إيه؟
الحمد لله يا فرحة.. قالي آخر الأسبوع هنروح كلنا عشان نقرأ الفاتحة ونتفق مع أبوكي.
ابتسمت بحبور شديد وأدارت ظهرها له وسألته:
كلنا مين؟ يعني أنا هاجي معاكوا؟
و مالك مبسوطة أوي كده ليه؟! مش كنتوا الصبح مش شبه بعض ومتنفعوش بعض.. إيه اللي حصل؟
قالت بتمني ونظرة متوسلة:
سأل عليا؟
أدار "رضوان" وجهها إليه وقال:
أحمد بيحبك يا فرحة.
ابتسمت بسعادة وقالت:
ليه بتقول كده؟
ألقى بجسده المنهك إلى فراشه وقال:
كل الشواهد بتقول إنه بيحبك، وبيحبك أوي كمان.
ثم ضحك عاليًا وقال:
اسكتي يا بت يا فرحة.. قلت أشوفه هيتصرف إزاي.. قمت قايل له إن فرحك بعد أسبوعين.. اتخض واترعش والكوباية وقعت من إيده جت 100 حتة.. كنت ماسك نفسي بالعافية وعاوز أضحك على اللخمة اللي كان فيها.
قالت باستياء:
ليه كده يا رضوان، حرام عليك والله.
متخافيش، منا عرفته إنه اتلغى.. عيب عليكي أخوكي مش سهل.
طيب يا رجل المهام المستحيلة.. ارقد في سلام.
ضحك عليها بشدة وقال:
وإنتي من أهله.
دخلت إلى غرفتها تكاد تطير من فرط السعادة، وفردت ذراعيها تتراقص بخفة وهي تغني:
على قد الشوق اللي في عيوني يا جمييييل سلّم
ده أنا ياما عيوني عليك سألوني وياما بتألم
على قد الشووووق.. يا جميل.. سلّم.
***
وعلى الجانب الآخر كان "أحمد" هائمًا بصورتها على هاتفه، ويدندن مع صوت العندليب:
الليل سهرته والنوم يا ريته كحل عينيا
واللي داريته قوام لقيته باين عليا، باين عليا
شبابي الغالي ضيعته، أناجي في الهوا اسمك
وأملي لما صورته، في أجمل صورة كان رسمك
غالي عليّ وضَي عيني.. ارحم عذابي معاك.
رواية غريق على البر الفصل السابع عشر 17 - بقلم نعمة حسن
يقف رضوان يراقب ما يحدث، على مدّ بصرهِ بتعجب من تلك الفوضى وذلك الزحام.
حتى انتشله من دوامة أفكاره ذلك الصوت الذي يعرف صاحبته جيداً. ألقى بما في يده وانطلق راكضاً نحو ذلك الحشد الغفير، وفرّق بينهم بصعوبة حتى وصل لشقيقته التي تتعارك مع إحدى السيدات وتجلس فوقها تبرحها ضرباً بكل ما أوتيت من قوة.
"إنتوا شايفينهم ماسكين شعور بعض و واقفين تتفرجوا؟!"
قالها رضوان صارخاً بإستنكار، وأمسك بفرحة يحاول منعها عن السيدة الملقاة أرضاً.
"والله مانا قايمه إلا أما أقلعلها شعرها ده في إيدي المعتوهه بنت الكلب دي!"
قالتها فرحة بإصرار وهي تسدد لها المزيد من اللكمات. فأزاحها رضوان عنوةً وقال:
"إيه ده؟! إنتي نايمة فوق الست هتموتيها، عملت فيكي إيه؟!"
قالت بأنفاس متقطعة:
"الولية في الرايحة والجاية تبصلي وتقعد تتمصمص.. أول مرة قولت يمكن متقصدنيش.. تاني مرة قولت يمكن عندها مرض اللي تنشل في شفايفها.. تالت مرة قولت يمكن متهيألي.. لكن مش سيرة هي كل ما تشوفيني تتمصمصي.. المهم.. جيت أقوللها يا أم زفت إنتي واخده بالك مني ليه.. لقيتها بتقولي وهاخد بالي منك ليه يا فلتانة إنتي."
"أنا فلتانة؟!"
قالت الأخيرة وهي تقفز قفزة ثلاثية الأبعاد في الهواء لتنتهي بها فوق تلك السيدة التي صرخت بشدة. فقالت فرحة:
"إصرخي براحتك.. عليا النعمة لأقطعلك أحبالك الصوتية اللي فرحانة بيها دي حبل حبل."
كتم رضوان ضحكته وفرّق بينهما مرة أخرى قائلاً:
"خلاص يا فرحة مش خدتي حقك؟! كفاية كده."
قالت فرحة حانقة:
"هو إيه اللي كفاية ده بدل ما تيجي تضرب معايا؟!"
قال وهو يجذبها بعيداً:
"مانتي قايمة بالواجب ماشاء الله.. يلا بينا."
ثم حدّث الواقفين اجمعهم:
"عيب عليكوا والله.. واقفين تتفرجوا وسايبين جوز حريم بيضربوا بعض؟!"
ثم هزّ رأسه بأسف وأخذ فرحة وانصرف. وبمجرد ما ابتعد قليلاً قهقه عالياً وقال:
"يخرب عقلك يا فرحة، كنتي مثبّتة أم رؤوف تحتك ولا جون سينا."
ضحكت بخيلاء وفخر وقالت:
"لو كنت صبرت عليا بس كنت شفّيتها.. وليه ناقصة.. أنا يتقال لي فلتانة؟!"
"اللي يطرف عينك بكلمة سواء راجل أو ست افتح له دماغه نصين.. إحنا مافيش على راسنا بطحة!"
"إيه ده إنت رجعتني ليه؟ أنا كنت نازلة السوق."
"نازلة السوق تعملي إيه؟!"
أجابت بحماس:
"أشتري طقم جديد."
"إشمعنا؟!"
"عشان يوم الخميس يا رضوان."
"يوم الخميييس.. قولتيلي."
"مش لازم نشرفك قدام العروسة!"
"العروسة بردو ولا أخو العروسة؟!"
"العروسة، أخو العروسة، عمة العروسة، أي حاجة."
"وخطيبة أخو العروسة؟!"
نظرت له بألم داخلي. شعر هو به فقال آسفاً:
"معلش يا فرحة مقصدش أضايقك.. يالا عشان أجي معاكي نختار سوا."
ذهبت فرحة برفقته إلى السوق. وبعد بحث دام طويلاً زفرت بيأس وملل قائلة:
"مفيش ولا حاجة عدلة.. كله شبه بعض."
"معاكي حق.. ده الهدوم في مصر تجنن."
نظرت له بإحباط. فقال:
"بس.. أنا جاتلي فكرة.. نطلب من علي النت اللي إنتي عاوزاه وهما يجيبوه لحد هنا."
قالت بحماس:
"بجد يا رضوان.. هو ينفع؟!"
"كل حاجة تنفع.. تعالي إحنا نروح وفي البيت نبقى نشوف إيه اللي يعجبك."
أثناء عودتهم وقع نظر رضوان على شابّان يتتبعان فرحة بنظراتهما التي لم تروقه على الإطلاق.
"إقفي على جمب إنتي!"
قالها لفرحة وذهب لمحادثة ذلك الشابان.
"خير يا شباب؟! شايفكوا مركزين معانا أوي.. في حاجة؟!"
"آه في.. هي مين القمر؟!"
قالها أحد الشباب ولم يتفادى تلك اللكمة القوية التي أسقطته أرضاً. فحاول صديقه الإيقاع برضوان، فسدد له لكمة بعينه اليمنى جعلته يترنح وكاد يسقط لولا جسد فرحة الذي منعه. فرّ الشابان هاربان. فلحقهما حذاء فرحة وهي تقذفهما بأروع الشتائم. كمم رضوان فمها بيده قائلاً:
"خلاص يا فرحة.. هما وصلوا بيتهم وإنتي لسه بتشتمي.. وبعدين الشبشب الطاير ده هنجيبه منين؟! هتروحي البيت حافية؟!"
"يسوووادي."
قالتها فرحة وهي تنظر لوجه رضوان ومحجره الذي تحول للون الأزرق.
"إيه ده يا بت؟!"
"إنت بقيت شبه البهلول كده ليه يا رضوان؟!"
"بهلوان إيه ما تحترمي نفسك. إنتي هتخبي ولا إيه؟!"
"والله ما بهزر بص في تليفونك كده."
استل رضوان هاتفه من جيبه ونظر بالكاميرا فوجد وجهه يعج بالألوان فقال:
"يا وقعه سودا.. إيه المنظر ده؟!"
"وإنت هتروح تقري فاتحة وإنت بعين وعين كده؟! بينا يا خويا خليني أعمل لك كمادات تلج عشان متورمش."
عادوا إلى البيت فصرخت بدر بفزع قائلة:
"بسم الله الرحمن الرحيم."
ضحكت فرحة بشدة وقالت:
"متخافيش يا بدور ده أليف مش مؤذي."
لكمها رضوان بجانبها ساخطاً فقالت:
"إجري يا بدر هاتي مكعبات التلج من الفريزر وقماشة بيضا."
أحضرت بدر ما طلبته شقيقتها ومدت بهما يدها من على بعد. فقال رضوان حانقاً:
"ما تقربي يا بت خايفة من إيه؟!"
قالت بدر:
"رضوااان.. إنت عامل في عينك كده ليه؟!"
"كنت بتخانق مع ناس فضربتهم وضربوني."
"و ضربتهم ليه؟!"
قالت فرحة بزهو:
"أصلهم كانوا بيعاكسوني.. عقبال ما تكبري زيي كده وتتعاكسي."
"ياااااارب."
قال رضوان:
"يارب ياخدك إنتي وهيا يا عديمة الحيا منك ليها."
ضحكت فرحة وبدر فقالت فرحة:
"متتعصبش إنت ألا العصبية هتزود الورم."
"اتريقي اوي يا محترمة.. ليكي يوم.. هااا؟!"
التزمت الصمت على الفور وباشرت عملها بهدوء.
يوم الخميس.
"حلو يا رضوان؟! إيه رأيك يا رامي؟!"
"ما تخلصي يا فرحة.. ده العريس معملش زيك."
"جميلة يا فرحة.. والفستان كأنه متفصل عشانك."
ابتسمت بسرور وقالت:
"وانت كمان شكلك حلو أوي.. بس لو تسمع كلامي وتخليني أحطلك شوية بودرة بيضا حوالي عينيك هتبقى عال العال."
قلّب رامي كفيه بتعجب وقال بنفاذ صبر:
"أنا نازل يا رضوان عشان مرارتي اتفقعت.. وإنتي خلصي في يومك ده بدل ما أحلف مانتي جاية معانا."
فعلت فرحة حركات مضحكة بوجهها وقالت مقلدة إياه:
"بدل ما أحلف مانتي جاية معانا!! ماله أبو قردان ده؟!"
قهقه رضوان عالياً وقال:
"والله إنتي يا فرحة ما ليكي حل.. يلا قدامي."
ركبوا بالسيارة التي استأجروها خصيصاً لقضاء اليوم وانطلقوا نحو القاهرة. كلما مرّ الوقت كلما ازدادت ضربات قلبها بغبطة وسرور وشوق لرؤيته.
"أيوة يا رامي البيت على يمينك أهو."
قالها رضوان. فنظروا جميعهم إلى ذلك الذي يدعوه "بيت".. إنه أشبه بصرح فخم! من هنا بدأت دقات قلب فرحة تضطرب وبدأ القلق يعلو ملامح وجهها. لاحظ رضوان تغيرها فقال:
"متفكريش في حاجة يا فرحة.. خليكي واثقة في نفسك."
سحبت فرحة شهيقاً طويلاً وأومأت بموافقة. صعدوا إلى المنزل وطرق رضوان الباب وطرق معه دقات قلبيهما. نظر أحمد إلى انعكاس صورته وهيئته في المرآة للمرة المليون ثم خرج من غرفته. أدار مقبض الباب وقلبه يتراقص فرحاً، ولكن لم يراها. توتر لثانية، ولكن اطمأن عندما استمع إلى صوتها الذي اشتاقه حد الهلاك تقول بصوت منخفض:
"مش معقول يعني دولابين واقفين قدامي.. هفطس."
تحرك رضوان ورامي يفسحان لها المجال فوقعت عينه عليها. يا الله.. أيعقل أن يشتاق المرء للمرء حتى يكاد يفقد صوابه؟!
"السلام عليكم يا أستاذ أحمد."
قالها والد فرحة بنبرة ودودة. ففاجأه أحمد عندما انحنى يصافحه بحرارة ثم قبّل يده بتقدير جمّ وقال:
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.. اتفضل يا حج البيت نور ومصر كلها نورت."
"منورة بأهلها يبني."
قالها والد فرحة ودلف للداخل. صافح أحمد رضوان ورامي بترحيب بالغ وألفة شديدة. وقف أمامها يريد أن يحتضنها ويؤنس وحدة قلبه بها، ولكن كيف هذا والرجال يحيطونها من الثلاث جهات. مدّ يده يصافحها ويحاول إخفاء ملامحه المتهللة فقال:
"إزيك يا آنسة فرحة."
عانقت يداها يداه وهي تحاول تمالك أعصابها حتى لا تنفجر في البكاء وقالت:
"إزيك يا أحمد أفندي."
فلتهم شفتيها تلكما اللتان نطقتا بذلك اللقب المحبب كثيراً إلى قلبه.
"اتفضلي."
قالها يشير لها بالدخول. فدخلت ومن بعدها رضوان ورامي وكرم. تمتمت بإنزعاج التقطته أذناه:
"واقفين ورايا شبه الحرس الجمهوري.. أعوذ بالله."
انشرح قلبه كثيراً لسماع مشاغباتها التي لا تنتهي على الأغلب.
"أهلاً أهلاً أهلاً.. إنتي بقا بدر البدور."
قالها وهو ينحني بجزعه قليلاً ثم قبّل وجنتها. ففاجأته قائلة:
"إنت بتبوسني ليه؟!"
ارتفع حاجبيه بصدمة وقال:
"إنتي مش بتحبي حد يبوسك ولا إيه.. أنا آسف."
"فرحة قالت لي مينفعش حد يبوسني إلا إخواتي."
"برافو عليها فرحة.. هي كلامها صح.. اتفضلي."
ظل ينظر في أثرها وتمتم:
"فرحة النسخة المعدلة."
دخل إلى الصالون ورحب بهم جميعاً مرة أخرى قائلاً:
"البيت نور والله يا جماعة.. منورنا يا حج محمد."
برز صوت والدها الوقور:
"منور بإصحابه يبني."
"الله يعزك يارب.. ها يا شباب عاملين إيه؟!"
قالها يخاطب أشقاء فرحة، ولكن جذب انتباهه شيء ما بوجه رضوان فتساءل:
"مش خير يا رضوان ولا إيه؟!"
"آه خير.. كانت خناقة بسيطة."
"كان بيضرب ناس بيعاكسوا فرحة."
قالتها بدر. فنظر أحمد تلقائياً إلى فرحة التي علت حمرة الخجل وجهها وأشاحت بوجهها بعيداً. برز صوت والدها الوقور قائلاً:
"طبعاً يا أستاذ أحمد إنت عارف إننا جايين النهاردة نطلب إيد كريمتك لـ رضوان ابني.. إيه طلباتك؟!"
حمحم أحمد وتحدث:
"أولاً يا حج محمد أنا عايزك تعتبرني زي رضوان ورامي وملوش لزوم الألقاب خالص.. إحنا أهل."
أومأ والد فرحة بموافقة وقال:
"إن شاء الله."
تابع أحمد حديثه قائلاً:
"ثانياً أنا قولت لـ رضوان المرة اللي فاتت إني مليش طلبات.. أو أنا عن نفسي مليش طلبات.. معرفش رضوي في دماغها إيه.. فـ رضوان يكلمها بقا ويشوفوا حياتهم سوا أنا مليش دخل.. أنا أهم حاجة عندي إنه يتقي ربنا فيها ويراعي إنها هتبقى وحيدة وغريبة وسطكوا لحد ما تتعود عليكوا."
قال الوالد:
"لا من الناحية دي متقلقش.. أختك هتبقى زي بنتي فرحة بالظبط.. وفرحة عشرية وبتحب الناس وهياخدوا على بعض."
اختلس أحمد النظر إلى فرحة التي لم تحيد ببصرها عنه إلا عندما نظر إليها.
"هي فين العروسة؟!"
تساءلت بدر بحماس. فابتسم أحمد وقال:
"ممكن تتعبي شوية معانا وتقومي تخبطي على الباب اللي هناك ده؟!"
نهضت بدر بحماس وذهبت لباب غرفة رضوي ثم طرقته ففتحت رضوي التي تفاجأت بتلك الصغيرة.
"يا وعدي ع القمر.. إنتي بدر؟!"
أومأت بدر وقالت:
"أخوكي قال لي أجي آخدك."
ثم مدت يمناها الصغيرة لها فرافقها إلى حيث يجلسون. تمتم جميعهم:
"بسم الله ما شاء الله."
صافحتهم جميعاً حتى وصلت إلى فرحة فاحتضنتها بودّ حقيقي وقالت:
"إنتي عسل أوي يا فرحة!"
"وإنتي كمان جميلة يا رضوي.. مبروك عليكوا."
"الله يبارك فيكي."
جلست بجانب أخيها الذي أحاطها بذراعه يعزز ثقتها بنفسها وقال:
"عمك كان بيسأل لو ليكي طلبات يا رضوي."
أجابت بحياء:
"اللي تشوفه إنت."
"أنا شايف إن أهم حاجة راحتك وسعادتك وأي حاجة بعد كده تتعوض."
أومأت بتأكيد. فقال:
"خلاص يا حج محمد يبقى متفقين إن شاء الله.. وإحنا هنعمل زي ما الأصول بتقول وهنجيب اللي علينا وانتوا تجيبوا اللي عليكوا."
"كلام سليم يبني عداك العيب.. طيب نقرا الفاتحة."
قرأوا جميعهم الفاتحة.
فقالت فرحة:
"مبروك يا رضوان.. مبروك يا رضوي."
ردت رضوي:
"الله يبارك فيكي يا فرحة عقبالك."
نظرت بعفوية إلى أحمد الذي بثٌها ابتسامة حنونة مفعمة بالحب. اشتاقتها كثيراً وقال:
"طيب يا آنسة فرحة بقا همّتك مع رضوي كده تقدموا واجب للضيوف لو مش هيضايقك يعني."
"لأ طبعاً مفيش أي مضايقات.. بينا يا رضوي."
فَهِم والدها أنه يريد كسر الحواجز بين العائلتين ومدح تفكيره ذلك فقال:
"دلوقتي العروسة اللي بتطبخ وبتشوف شغل البيت؟!"
"لأ رضوي فاشلة في الحاجات دي.. في الست رباب دي معانا من زمان هي بتساعدنا وبتخلي بالها من البيت بس هي إجازة بقالها كام يوم.. وأوقات أنا اللي بطبخ والله."
قالها بحزن مصطنع فضحك الجميع. فقالت بدر:
"إنت بتعرف تطبخ بجد؟!"
أومأ بموافقة وقال:
"شوفتي إزاي؟! لما تكبري هعلمك."
"ماشي اتفقتنا."
استمع إلى نداء شقيقته من المطبخ فقال:
"عن إذنكوا أشوف عايزة إيه."
دخل إلى المطبخ فوجد فرحة منهمكة في تجهيز الأطباق. ولكن فور أن وصلها عطره رفعت رأسها ونظرت إليه ثم ابتسمت له ابتسامة أسلبته عقله. فقال وبصره لا يحيد عنها:
"عايزة حاجة يا رضوي؟!"
ابتسمت رضوي وقالت:
"آيوة عايزاك تاخد الحاجات دي ولا هنفضل رايحين جايين!!"
على الأغلب لم يستمع لما قالت. فكررت جملتها:
"أحمد.. بقولك خد الحاجة دي وأنا هغسل إيديا وهاجي وراك أنا وفرحة."
أومأ موافقاً. فذهبت كي تنظف يديها. فاغتنم هو الفرصة واقترب من فرحة وقال:
"وحشتيني يا فرحة."
نظرت له بأعين دامعة لامعة وقالت:
"إنت اللي وحشتني قوي يا أحمد."
أطاع قلبه وعقله وكل ذرة بكيانه كانت تلح عليه إلحاحاً شديداً لكي يحتضنها. فجذبها إليه وأطبق ذراعيه عليها بإحكام وأغمض عينيه يريد أن يتوقف الزمن عند تلك اللحظة. فعلت هي المثل وشددت من ضمها إليه باحتياج وحنين بالغ. فقبّل هو رأسها بحنو شديد وقال:
"هانت يا فرحة.. كل حاجة هتتعدل وهنتجمع قريب بإذن الله."
هزت رأسها وقالت:
"إن شاء الله."
ابتعد عنها وقال:
"هخرج لهم أنا بقا وهاتي رضوي وتعالي."
حمل الآنيات وخرج. فدخلت رضوي تبتسم بخبث مما زاد خجل فرحة. فقالت رضوي:
"على فكرة يا فرحة أنا عارفة كل حاجة.. أحمد حكالي إنكوا بتحبوا بعض.. وهو كمان اللي قالي أبقى أناديكي عشان يعرف يكلمك قبل ما تمشي.. أحمد بيحبك أوي يا فرحة."
دمعة نزلت من عين فرحة فمسحتها بإبهامها. فقالت رضوي:
"أنا عارفة إن وضعكوا مش سهل.. بس بما إنك فسختي الخطوبة يبقى اللي جاي أسهل إن شاء الله."
أومأت فرحة وقالت:
"إن شاء الله."
خرجتا سويّاً وجلسوا جميعهم يتناقشون في مختلف الأمور والمواضيع وسط جو لطيف ودي. قاطع حديثهم رنين جرس الباب. فقالت بدر:
"أنا اللي هفتح."
جرت بدر إلى الباب وفتحتها فطلت نورا بأبهى طلاتها، تتزين كما لم تفعل من قبل. مشت إليهم بغنج مبالغ فيه على غير عادتها وكان لصوت حذائها أسوأ الأثر في نفوس الجالسين. فبرز صوتها المنمق قائلة:
"كده يا بيبي تبقا خطوبة رضوي ومتعزمنيش!"
رواية غريق على البر الفصل الثامن عشر 18 - بقلم نعمة حسن
كده يا بيبي تبقي خطوبة رضوي و متعزمنيش!
نظر لها أحمد بصدمة متعجبه بينما نظرت لها فرحة بـ غيرة شديدة.
ولا إنت مش عايز حد يشاركك في ضيوفك؟
تابعت حديثها وهي تجلس بجوار أحمد ورضوي وتضع قدم فوق الأخرى.
فتحدث أحمد من بين أسنانه: نزلي رجليكي دي واحترمي إن في ناس كبيرة قاعدة.
لم تعره "نورا" اهتماماً ونظرت لـ"فرحة" نظرة جانبية وقالت: إنتي بقا فرحة؟! سامعة عنك كتير!
تعجب الجالسون جميعاً، ولكن أرادت فرحة رد الصاع صاعين فقالت: مش أكتر من اللي سمعته عنك..هه.
أطلقت فرحة ضحكة صغيرة ساخرة بهدف إثارة حنق "نورا" وبالفعل حدث.
فقالت نورا: والله أي حد ليه الشرف إنه يسمع عن نورا الحديدي.
=والله ده على حسب اللي بيتقال عنك.
قالت "فرحة" جملتها بابتسامة ماكرة بثّت في نفس "نورا" الحقد تجاهها وجعلتها تدرك أن "فرحة" ليست خصم هيّن.
إتفضلي يا رضوي الهدية البسيطة دي بمناسبة الخطوبة.. مبروك عليكي يا حبيبتي.
قالتها "نورا" وهي تمد يدها بـ علبة قطيفة مخملية من اللون الزمردي بها سلسال فخم من الألماس الحر.
جذب انتباه الجميع، فابتسم "أحمد" ساخراً فهو يعلم هدفها من تلك الأفعال.
أخذتها رضوي منها ولم تنظر بها، أغلقت العلبة ووضعتها بجانبها.
أومال إنتي مين يا أستاذة؟
قالها والد فرحة متسائلاً، فنظرت "نورا" إلى "أحمد" تنتظر إجابته بخبث.
نظر "أحمد" إلى "فرحة" وكأنه يعتذر مسبقاً، فأعفته هي من ذلك الحرج وأجابت والدها: دي خطيبة أحمد أفندي يابا.
زمّ والدها شفتيه متعجباً وأومأ مقتضباً، فقالت نورا: إن شاء الله قريباً جداً هنعزمكوا على فرحنا.
ثم نظرت إلى "فرحة" مباشرةً وقالت: تنورونا.
=طبعاً أومال إيه.. ده إحنا أصحاب الفرح.
شعر "رضوان" بأن المواجهة ستحتد بينهما، فقال منهياً ذلك الحوار العقيم: طب مش نستأذن إحنا يا حج؟!
=أيوة يا رضوان يلّا.
نهض "أحمد" قائلاً: لا تمشوا إيه.. ده العشا حتى قرب يوصل.
قال والد فرحة: لا يبني معلش اعذرنا.. سكتنا طويلة لسه.
=طيب خليني أوصلكوا بالعربية أسهل.
=لا منحرمش.. كلك ذوق يبني والله.
انصرفت فرحة برفقة والدها وأخواتها بعد الاتفاق على أن تكون خطوبتهم الأسبوع المقبل.
بجد ميرسي ليك يا أحمد.. أعرف من السكرتيرة إن خطوبة رضوي النهارده.. للدرجة دي أنا على هامش حياتك.
نظر لها أحمد متعجباً وقال: أنا مستغربك يا نورا.. من إمتا كانت بتفرق معاكي الحاجات دي؟! وبعدين دي مش خطوبة دي كانت فاتحة بس.. وأديكي شايفة مقولتش لحد نهائي.
ولما هي فاتحة بس.. جايب العيلة بحالها معاه ليه؟! ولا بناءً على طلبك إنت؟
=يييه.. نورا بجد أنا حالياً مش عايز أناهد وأجادل مع حد.. فلو سمحتي بلاش.
أوكي يا أحمد زي ما تحب.. وأنا همشي.
=تمام.. تصبحي على خير.
أخفت ذهولها وحنقها وانصرفت بهدوء.
رضوي: كانت فرصة يا أحمد.. كنتوا اتكلمتوا ونهيتوا الموضوع.
=لا مينفعش النهاردة.. بكرة هقعد معاها ونتكلم.
طيب أنا مش عايزة السلسلة اللي جابتهالي.. أنا مبحبش الخاتم الحاجات المبالغ فيها دي.. خدها واديهالها.
=هه.. هي أصلاً جايباها للفت النظر بس وعشان توصل رسالة مش أكتر.. خليها في الدرج عندك.
طيب ماشي.. أنا هدخل أرتب الصالون وبعدها هنام.
=لا سيبه وأنا هشيل كل حاجة.. يلا ادخلي نامي.
دخل إلى الصالون ورفع الأطباق فوقعت عينه على الكأس الذي شربت فرحة منه ممتلئ لنصفه فشرب ما تبقى منه بانتشاء داخلي لمجرد تلاقي ثغريهما بنفس المكان ثم تمتم قائلاً: إيه شغل المراهقين ده؟! منك لله يا فرحة هشوف إيه على إيدك تاني!
***
ومعانا الفنانة نورا أم قورة.. خشي يا فنانة.
قالتها "فرحة" وهي تمسك بـ طبق من البلاستيك وكأنه "طبلة" وتقرع عليه بيديها.
فدخل "رامي" يرتدي قميصاً طويلاً من ملابس "فرحة" ويضع على رأسه "منديل" يشبه رداء الراقصات.
دخل يتمايل بميوعة ويقلد "نورا" بطريقة جعلتهم يضحكون حتى أدمعت أعينهم.
فقال رضوان: طار في الهوا شاشي وإنت متدراشي.
فقال رامي بنعومة مصطنعة وهو يميل بخصره: يا جدع.
طرفه شاورلي شاورلي عليه.. حكم الهوا ماشي.
قفز "رامي" في الهواء ثم نزل أرضاً وهو يستدير بخصره في حركة لولبية مدهشة.
سقطت "فرحة" أرضاً من فرط الضحك وكذلك رضوان وكرم وبدر.
فقال رامي مقلداً نورا: خدي يا رضوي دي هدية بسيطة تمنها شخروميت جنيه بس عشان اللي قاعدين يعرفوا إن أنا غنية ومفترية ومحدش يقدر عليا.
وضع رضوان يده موطن قلبه من كثرة الضحك من طريقة "رامي" الساخرة وقال: سبحان الله القبول ده نعمة من عند ربنا فعلاً وهي أشد الفاقدين.
فرحة: طريقتها كده متعنطزة وكلها على بعضها منزلتليش من زور.. سم.
=أنا مش عارف أحمد ده هيتجوزها إزاي؟! ربنا يعينه.
قالها "رامي"، فنظرت له "فرحة" بضيق شديد تعجب له هو، ولكن لم يهتم.
=يلا إنت وهو كل واحد على أوضته عشان أنام.
=بتطردينا يعني؟
=حاجة زي كده!
انصرف كلٌ إلى غرفته.
فأغلقت الضوء وألقت بجسدها إلى فراشها وأغمضت عينيها تستدعي تلك اللحظة التي احتضنها فيها ولامس قلبها دفء قلبه.
***
في مكان فخم يطل على النيل مباشرةً.
يجلس أحمد ينتظر "نورا" التي أقبلت عليه وعلى وجهها ابتسامة أقرب للإنتصار.
هاي أحمد.
=أهلاً يا نورا.. اتفضلي.
زمت شفتيها بتعجب وقالت: إيه الرسمية دي؟!
=نورا أنا عندي كلام مهم لازم أقولهولك.. وأتمنى إنك متصعبيش عليا الأمور وتفهمني.
أصابها التوتر وقالت: كلام بخصوص إيه؟!
=بخصوص علاقتنا.. ثم استجمع رباطة جأشه وقال: إحنا مش هينفع نكمل يا نورا.. إحنا مش شبه بعض.
=والفلاحة هي اللي شبهك؟!
قالتها بـ غل وقهر داخلي استشعره هو، ولكن أجاب: بالظبط.. الفلاحة هي اللي شبهي فعلاً.. روحها شبه روحي.
ابتسمت باستهزاء وأشاحت بوجهها بعيداً تحاول كبح جماح تلك العبرات اللعينات ألا يسقطن.
ثم نظرت له بحدة وقالت: إوعي تفكر إني مش ملاحظة تغييرك وشخصيتك اللي بقت سطحية وتافهة من يوم ما رجعت وكل ده بسبب فرررحة.
قالت الأخيرة وهي تشدد عليها باستنكار وتابعت: وكنت عارفة إنك وقعت في غرامها من ساعة ما حكيتلي عنها، بس أنا حاولت أتغاضى عن التفاهات دي عشان مخسرش وهي اللي تكسب.. بس أقوللك؟
نهضت من مكانها وخلعت محبسها ثم ألقته بوجه "أحمد" وقالت: أنا اللي مش عيزاك.. روح للي شبهك لأني كتير عليك.
أفضت ما بجعبتها ثم سحبت حقيبة يدها وولّته ظهرها بكل تفاخر وزهو.. وغادرت.
***
صف سيارته الفارهة على بعد مسافة كبيرة من منزلها وحمل حقائب الهدايا بيده ثم سار على قدميه حتى وصل إلى منزلها.
طرق الباب ففتحت "بدر" التي تعجبت وقالت: إنت جاي لـ رضوان؟!
=لا جاي لـ بابا.. هو موجود؟
=لا هو بره في الأرض بيشرب الشاي.
=وفين فرحة؟
=فوق.. اطلع أناديها؟!
=لا سيبيها بس وصليني لـ بابا.
سارت أمامه وفتحت باباً ظهرت من ورائه أرض خضراء واسعة، وعلى جانب تلك الأرض يجلس والدها يحتسي الشاي بكل هدوء وراحة.
ألقى السلام وجلس بجانبه بعد أن قبل يديه ورحب به الوالد ترحيباً بالغاً.
=نورت البلد كلها يبني.
=ده بنور أهلها يا عمي.. متحرمش منك.
دلوقتي أنا هدخل في الموضوع مباشرةً.. أنا جاي أطلب منك إيد فرحة!
ضيق والد فرحة بين حاجبيه وقال: تطلب إيد فرحة إزاي؟! واللي شوفناها عندك دي مش تبقى خطيبتك!
=لا ما إحنا نهينا الخطوبة وكل حي راح لحاله زي ما بيقولوا.
=غريبة يعني.. يعني سايبها أول إمبارح وجاي النهاردة تخطب غيرها!!
=بص يا عمي أنا اتعودت أكون صريح مع أي حد.. ومعاك بالأخص لازم أكون صريح وواضح.. أنا بحب فرحة.
اعتدل والدها بمجلسه وقطب جبينه قائلاً: بتحبها إزاي مش فاهم؟! وبتحبها من إمتى؟؟
=من وقت حادثة الطيارة وأنا زي ما يكون اتكون بيني وبينها رابط روحي.. وحاولت بعدها أتأقلم من نورا وأكمل بس كنت طول الوقت بقارن بينها وبين فرحة وفي كل مرة فرحة كانت كفتها بترجح عن كفة نورا.. فقولت لازم أسعى للطريق والشخص الصح اللي أكون مرتاح معاه، والشخص ده فرحة.
=وفرحة عارفة بالكلام ده؟!
حمحم "أحمد" وأومأ موافقاً، فقال والدها: عشان كده فرحة سابت رجب ابن عمها؟!
=حضرتك عارف إن رجب مش شبه فرحة ولا كانت مرتاحة معاه.. افهمني يا عمي.. علاقتي بـ فرحة علاقة من أسمى ما يكون.. علاقة نضيفة جداً وراقية جداً وعمرها ما كان فيها تجاوزات.. كل اللي حصل إن الشهرين اللي قضيناهم أنا وفرحة على الجزيرة دول خلونا نشوف في بعض اللي مش لاقيينه في الطرف التاني.. عشان كده اتعلقنا ببعض.
=والله يبني أنا مش عارف أقوللك إيه.. أنا لو وافقت عليك أبقى كده بثبت كلام أهل البلد على فرحة والناس هنا ما بتصدق تلاقي سيرة تحكي فيها.
=بص يا عمي.. الناس ياما قالت وبتقول وهتقول.. لأن الناس مفيش وراها غير الكلام.. ومعلش هي مش هتتخطب لواحد صايع تخجلوا إن اسم فرحة يتذكر مع اسمه.. وكمان لو متكلموش على خطوبة فرحة كني هيتكلموا على خطوبة رضوي ورضوان.. يعني كده كده هيتكلموا.. فـ نسيبها لله ونسيب اللي يقول يقول.. أهم حاجة إنت عارف إن بنتك مفيش في أدبها وأخلاقها.. وعلى رأي والدي الله يرحمه.. طول ما إنت مبتعملش غلط يبقى سيب اللي يتكلم يتكلم وأديك بتكسب حسنات من غير مجهود.
ابتسم والد فرحة وأومأ بتأكيد متمتماً: الله يرحمه.. طيب يبني أنا هشاور اخواتها برضو وهرد عليك.
=براحتك خالص.. مفيش أي مشاكل.. عن إذنك.
=لا والله ما تمشي من قبل ما تشرب حاجة.. يا فرحة.
قال الأخيرة منادياً باسم فرحة التي أجابت النداء من داخل غرفتها: أيوة يابا؟!
=شاي للضيوف بسرعة.
=أنا نايمة يابا.. لما أصحا هبقى أعملهم شاي.
هزّ "أحمد" رأسه بيأس من تصرفاتها الطفولية العفوية، فرفع صوته قليلاً وقال: خلاص يا عمي.. تتعوض مرة تانية إن شاء الله.
ما إن استمعت إليه حتي رفعت عنه غطاءها وركضت إلى الأسفل، وفي غضون ثوانٍ كانت تقف تحمل كوبين من الشاي وقالت وهي تنظر إليه: الشاي يابا.. إزيك يا أحمد أفندي؟!
قال بابتسامة حنونة: الله يسلمك يا فرحة هانم.. معلش تاعبينك معانا.. اتفضلي روحي نامي.
=لا هنام من دلوقتي؟! ده لسه بدري.
قال والدها: تسلم إيديكي يا فرحة.. يلا اطلعي إنتي.
أومأت فرحة على مضض ثم انصرفت إلى غرفتها، ومن بعدها غادر هو على وعد بإجابة طلبه بعد يومين.
رواية غريق على البر الفصل التاسع عشر 19 - بقلم نعمة حسن
فزعت فرحه من نومها عندما استمعت إلى صوت والدها، وعلى ما يبدو وكأنه يتعارك مع أحدهم. ثم تبعه صوت "رضوان" يتحدث بحدة، ومن بعده برز صوت "رجب" صارخاً. فارتدت حجابها وأسرعت بالنزول إلى الأسفل.
"هو إنتوا مفكرين إني مختوم على قفايا؟! من يومين تقولولي كل شيء نصيب يا رجب، وإحنا مش زي بعض ولا شبه بعض، والنهاردة ألاقي البيه اللي فرحه هانم كانت قاعدة معاه في الغابة داخل عندكم وشايل على قلبه إشي علب وإشي شنط. سودتوا وشي قدام الناس وخليتوا الرايح والجاى يتمسخر عليا. يبقا كلام أهل البلد كان صح بقا لما قالوا إنها كانت مرافقاه."
أخرسه صفعة قوية تلقاها من يد عمه، فالتزم الصمت ونظر إلى عمه بأعين مشتعلة.
"قطع لسانك قبل ألسنتهم.. يخص.. ده بدل ما تدافع عن شرف بنت عمك جاى تقول كلامهم صح!! غور من هنا."
قال الأخيرة وهو يشير بيده تجاه الباب، فانصرف رجب. ولكن استوقفه رضوان قائلاً:
"رجب.. استنى!"
توقف "رجب"، فذهب إليه رضوان وتحدث بهدوء أثار حفيظة الآخر وقال:
"كنت بتقول إن فرحه في نفس غلاوة إخواتك مش كده؟! بس للأسف يا رجب طلعت مش في ربع غلاوتهم حتى.. يا خسارة يا رجب كان بإيديك تطلع إبن أصول وإحنا اللي غدارين، بس إنت طول عمرك غبي!!"
اتسعت عينا "رجب" بذهول مما قال "رضوان"، ولكن كظم غيظه وانصرف.
صعد "رضوان" إلى غرفته، ولكنه توقف عندما رأى فرحه تقف على الدرج تبكي بصمت. فمد يده ومسح دمعاتها قائلاً:
"في عروسة قمر كده تعيط بسبب رجب؟! دي حتى تبقي عيبة."
"رجب مش هيسيبني في حالي.. كل ما آجي أفرح هلاقيه في سكتي بينكد عليا."
"سيبك من رجب ومن أهل البلد كلها.. هيفضلوا يتكلموا قد إيه يعني؟! أسبوعين؟! شهر؟! سنة؟! مسيرهم هيزهقوا ويتلهوا في حكاية تانية.. الناس مفيش وراها غير الكلام.. يلا روحي هاتيلي أتعشى."
"تصبح على خير يا رضوان.. مش قادرة."
قالت الأخيرة وهي تضع يدها على فمها تتصنع أنها تتثاءب، وتركته ثم صعدت إلى غرفتها.
"فعلاً.. وقت الجد متلاقيش حد!" قالها بقلة حيلة، ثم ذهب وأحضر طعامه بنفسه. فأتاه اتصال من رقم "أحمد"، فأجابه:
"ألو.. السلام عليكم."
"وعليكم السلام ورحمة الله.. آسف يا رضوان لو عملتلك إزعاج أو صحيتك من النوم."
"لا خالص.. ده أنا حتى كنت بعمل عشا لسه."
"إنت اللي بتعمل؟"
فهم "رضوان" أنه يريد السؤال عن فرحه بطريقة مستترة، فقال:
"آه ما فرحه نايمة أصلها."
زمّ "أحمد" شفتيه وقال:
"آه.. نوم العافية إن شاء الله."
"كنت عايز تكلمها؟!"
"بصراحة أيوة كنت محتاج أتكلم معاها شوية.. معلش مرة تانية بقا."
"طيب خليك معايا ثواني."
صعد "رضوان" إلى غرفة "فرحه"، وأضاء مصباح الغرفة، فتأففت قائلة:
"يووووه.. يعني أنزل أنام في الأرض مع البهايم عشان تسيبوني في حالي؟! ما قولتلك مش عاملة عشا يا رضوان، ومن هنا ورايح كل واحد يعتمد على نفسه. آه، فرحه الطيبة بتاعة زمان دي إنسيها خلاص."
"أنا مش عايزك عشان العشا."
"ولا هعمل شاي لحد.. إشرب على القهوة."
"ولا عايز شاي."
"الصبح يا حبيبي هبقى أكوي لك الهدوم.. يلا مع السلامة واطفي النور."
رفع "رضوان" الهاتف على أذنه وأعطاها ظهره وتوجه نحو الباب، وهو يقول:
"معلش يا أحمد.. فرحه زي ما أنت سامع كده أعصابها تعبانة و...."
هرولت فرحه إليه فجأة، واختطفت من بين يديه الهاتف وقالت:
"ثواني يا رضروض وهنزل أعمل لك أحلى عشا.. اقفل الباب وراك."
ثم تمايلت بخصرها بشدة وهي تجيب:
"ألووووو.. أيوة يا أستاذ لولو.. قصدييييي.. أيوة يا أحمد أفندي."
ظل رضوان ينظر في أثرها بتعجب وتمتم قائلاً:
"أختي انحرفت يا جدعان."
على الجانب الآخر كان "أحمد" يقهقه عالياً، فقال:
"وحشتيني يا فرحه ووحشني خفة دمك."
ابتسمت ولم تجب، فتابع:
"تعرفي يا فرحه.. أنا لو مكنتش قابلتك كنت هفضل تعيس طول حياتي.. حادثة الطيارة دي أحلى حاجة حصلت في حياتي."
ابتسمت ولم تجب مرة أخرى، فقال:
"ساكتة ليه؟!"
"أنا بحبك أوي يا أحمد."
باغته قائلة تلك الجملة، فأغمض عينيه بانتشاء وقال بصوت قد أهلكه العشق:
"عيديها يا فرحه."
"أنا بحبك يا أحمد.. بحبك وعمري ما عرفت طعم الأيام غير وأنا معاك.. وعمري ما ضحكت من قلبي غير وأنا جنبك.. بحبك أوي."
أطلق تنهيدة طويلة وقال:
"آااااه يا فرحه.. هتعملي فيا إيه تاني.. وحق الله إنتي لو قدامي حالياً لكنت مكسر لك ضلوعك دي جوه حضني."
استمعت فرحه إلى جملته تلك ولم تستوعبها، ظلت تحرك أهدابها بصورة متكررة.
"فرحه.. إنتي نمتي!"
"إنت قليل الأدب على فكرة وأنا... أ.. أن.. "
أصابها التلعثم وتقطعت أحرفها، فأطلقت زفرة حارة، فضحك هو قائلاً:
"والله يا فرحه عمري ما كنت قليل الأدب.. أنا مش Business man يبقى لازم أكون زير نساء زي ما هو معروف عن بعض رجال الأعمال، الكلام ده في السينما والروايات بس.. إنما أنا من طبعي إني مش ماجن يعني."
"ماجد مين؟!"
"ماجد؟! ماجد إيه يا فرحه بقولك ماجن؟! يعني اللي هو بتاع ستات يعني."
"إمممم.. طيب ونورا أم قورة؟!"
أطلق ضحكة عالية وقال:
"والله إنتي مصيبة.. نورا يستي جرحها بيلتم بسرعة زي ما بيقولوا.. يومين وتنسي."
"وأنا مالي يلم ولا إن شاء الله عنه ما لم.. أنا أقصد وإنت خاطبها يعني ما.. محصلش بينكوا يعني أي حاجة؟!"
"لا حد الله.. عمري ما كان بيني وبينها الكلام ده.. وبعدين إحنا علاقتنا مكانتش عاطفية يعني عشان يبقى فيها الرومانسيات دي.. أنا صح حضنتها يوم ما رجعت مصر بس حضنتها كمجاملة يعني لما هي بادرت بكده لكن مكنش فيه أي شعور بينا.. إنما إنتي يا فرحه من أول مرة حضنتك فيها وأنا بقيت مجنون فرحه."
ضحكت بسعادة وقالت:
"طب يسلم أحمد يا ابن الملوح روح يلا نام عشان أنام أنا كمان."
"تصبح على خير يا فرحتي."
ابتسمت بسعادة بالغة وقالت:
"وإنت من أهلي."
راقته كلمتها كثيراً فتمتم:
"يا رب.. مع السلامه."
---
بعد مرور ستة أشهر..
في قاعة من أفخم قاعات الأفراح بالقاهرة.. يقف "أحمد" على أسفل الدرج ينتظر عروسه التي أطلت بأبهى طلاتها. يمسك "رضوان" بيدها ثم سلمها لـ"أحمد" الذي قبّل رأسها، ثم احتضنها بسرور شديد، وبدأت ليلتهما الحافلة.
"متفضليش تلفي من هنا لهنا.. كإنك في حتة بفريق الكورة اللي في بطنك ده."
قالها "رضوان" محدثاً رضوي التي أشهرت كف يدها بوجهه قائلة:
"الله أكبر.. ما يحسد المال إلا أصحابه."
"بتخمسي في وشي في رضوي؟! ماشاء الله في أربع شهور بقيتي شبه فرحه أكتر من فرحه نفسها."
"طيب يلا عشان بتنادي عليا.. بعدين تتقمص."
تفاجأ كلاً من أحمد وفرحه بدخول "نورا" إلى القاعة وهي في كامل أناقتها، ثم أقبلت عليهم وصافحتهم ببرود لم تصطنعه وقالت:
"ألف مبروك يا أحمد.. مبروك يا فرحه."
"الله يبارك فيكي يا نورا.. عقبالك إن شاء الله."
تشدق بها أحمد، فأجابت:
"بإذن الله.. بس بعد ما أرجع من روما."
"إنتي مسافرة روما؟!"
"إن شاء الله.. هفتح فرع جديد للشركة بتاعتي هناك.. وحالياً أنا مش بفكر غير في الشغل وبس."
"إن شاء الله.. ربنا يوفقك يارب."
"ميرسي يا أحمد ومبروك مرة تانية."
"الله يبارك فيكي."
غادرتهم "نورا"، فقالت فرحه:
"سبحان الله كتلة برود متحركة.. ربنا يعينها على نفسها."
أمسك "احمد" بيدها وقبلها قائلاً:
"معلش يا حبيبي.. دي مجاملات لا بد منها."
"جامل يا خويا براحتك.. وبعدين مش كل شوية تبوس إيدي لأ تبوس دماغي.. عيب.. عيب الناس حوالينا."
رفع كتفيه بعدم اكتراث وقال:
"وإيه يعني؟! أومال لما نروح بيتنا هتعملي إيه ده أنا هطلع عليكي إحترام 33 سنة."
"لا حول ولا قوة إلا بالله.. الواحد يعجز عن التعبير والله العظيم."
"أيوة يا حبيبي أنا عايزك كده بالظبط.. تعجزي عن التعبير.. عشان كل ما يقل التعبير يزيد الأداء."
"ياا رضووااااان..." قالتها فرحه بصراخ مستغيث، فجاء رضوان متسائلاً:
"مالك يا فرحه؟"
"أنا عايزة أشرب.. ريقي نشف."
"يسلاام يا فرحه.. ندهالي من آخر القاعة عشان تشربي؟! حاضر يستي."
ذهب رضوان ليحضر المياه، فنظر "أحمد" لـ "فرحه" قائلاً:
"على فكرة كل استغاثاتك دي مش هتنفعك لما نبقى لوحدينا.. ابقي اصرخي زي ما تصرخي ونادي زي ما تنادي مش هتلاقي حد يسمعك ولا حد يجاوبك."
"ليه يعني؟!"
"بكرة تعرفي."
"مبروك يا بت عمي."
برز صوت رجب متحدثاً بابتسامة، وبجانبه تقف فتاة تعرفها "فرحه"، فقالت:
"بسمه؟! مش إنتي بسمه بنت خالة رجب؟!"
أومأت الفتاة، وقال رجب:
"بسمه بنت خالتي وخطيبتي.. إن شاء الله فرحنا قريب."
"ربنا يتمم بخير يا رجب.. مبروك يا بسمه."
"الله يبارك فيكي يا فرحه.. مبروك يا أحمد بيه."
أحمد: "العفو يا رجب مفيش بينا الكلام ده.. إحنا أهل.. عقبال عندك إن شاء الله."
انصرفا رجب و بسمه قبل أن يعلو صوت "المنظم الموسيقي" قائلاً:
"نسمع أحلى صقفة لأحلى عروسين اللي هينورونا على الاستيدچ."
نهض "أحمد" بزهو لا يليق إلا به، وأمسك بيد فرحه يساعدها، ثم أحاط خصرها بيمناه، فصعدوا إلى المسرح.
طوقت "فرحه" خصره بيديها، فوضع يده اليمنى على ظهرها والأخرى بخصرها، وأسند ذقنه إلى رأسها، وتراقصا سويّاً على أنغام تلك الموسيقى الحالمة الهادئة.
صعد إلى جوارهم كلاً من "رضوان ورضوي"، "رامي وأمل"، "كرم وشقيقته بدر"، "رجب وبسمه".
صفق الحضور بحرارة لتلك الثنائيات، بينما تنظر لهم "نورا" بغبطة شديدة، وهربت من عينيها دمعة مسحتها سريعاً، ومن ثم أفاقت على ذلك الصوت الرجولي الرخيم:
"تسمحيلي بالرقصة دي يا آنسة؟!"
نظرت له كالمسحورة، لم تقو على قول شيء سوى أن تومئ بموافقة، ثم مدت يدها إليه ليلتقطها بكف يده الغليظ، وصعدا سويّاً ثم شاركا الآخرين الرقص.
---
بعد انتهاء حفل الزفاف..
"يعني كان لازم تسافروا يبني؟! ما كنتوا قضيتوا شهر العسل في أي مكان جوه مصر.. هي مصر صغيرة؟!"
قالها والد فرحه مستاءً من فكرة سفرهما، فابتسم "أحمد" قائلاً:
"معلش يا عمي أنا حابب أغير جو مع فرحه.. ومتقلقش سيبها لله."
"ونعم بالله.. تروحوا وترجعوا بالسلامة إن شاء الله."
بعد وداع حار دام لقرابة الساعة، غادرت فرحه برفقة أحمد إلى حيث تنتظرهما الطائرة الخاصة.
دخلت "فرحه" إلى الطائرة متعجبة:
"إشمعنا يعني مأجر طيارة خاصة؟! ما كنا استنينا أي رحلة!"
أحاطها بذراعه اليسرى وهو يقول:
"لا يا حبيبي.. لازم كل حاجة في اليوم ده تكون مميزة لأنه يوم مميز.. بس إيه رأيك في الـ فيو من عندك؟!"
"حلو أوي.. طول عمري بحب أقعد جنب الشباك."
"لا أبوس إيدك.. بلاش الجملة دي."
ضحكت بخفة، فبادلها الضحك، ثم سألها:
"مبسوطة يا فرحه؟!"
"عمري ما كنت مبسوطة قد النهاردة."
قاطعهم مجيء المضيفة التي نظرت لـ "أحمد" نظرة ذات مغزى فهمها على الفور.
أعطت "فرحه" كأساً من العصير، فتناولته بأكمله، وكذلك "أحمد".
بدأت "فرحه" تشعر بثقل جفونها، وكأن قوة مغناطيسية تجذبهما للأسفل، فحاولت قدر استطاعتها المقاومة، ولكنها فشلت، فأسدلت أجفانها وغرقت في نوم عميق.
رواية غريق على البر الفصل العشرون 20 - بقلم نعمة حسن
فتحت ببطء، فهاجمتها الرؤية الضبابية. استقامت ثم جلست، فأحست بملمس غريب تحت قدميها.
جالت ببصرها يميناً ويساراً، فوقعت عيناها على أربعة جدران من الخشب. الجدار الأول به نافذة محاطة بالورود، والحائط المقابل له به باب يكسوه الورد من أعلاه إلى أسفله. نظرت إلى الجدار المقابل فوجدته يتزين بستارة من اللون الأبيض. أما الجدار الأخير، فيلتصق به السرير المصنوع من الخشب الذي صنعت منه الجدران. تنسدل عليه ستائر باللون اللؤلؤي وتزينه الورود من كل جانب.
نظرت إلى الأرض، فوجدتها مفروشة ببساط من القطيفة الحمراء. وبجانب الغرفة حقيبتان كبيرتان وصندوق أبيض لم تتبين ماهيته، ومائدة مستديرة صغيرة ومقعدان من الخشب. تعلو المائدة باقة من الورود الحمراء.
ساقها فضولها، فنهضت عن مقعدها وأمسكت بباقة الورود، فوجدت ورقة. قرأتها: "صباح الخير لعينيكِ أولاً، ومن ثم للعالم أجمع".
قرأت الكلمات بتعجب ودهشة. ازدادت عندما نظرت إلى فستانها الأبيض.
"أحمد!" قالتها كأنها تذكرت للتو أن هناك من يدعى أحمد.
أمسكت بفستانها ترفعه عن الأرض، وفتحت باب تلك الغرفة غريبة الأطوار. لكنها أصيبت بالذهول مما رأته! ممر طويل مفروش بالورد، وعلى جانبيه أعمدة تحمل ستائر بيضاء، وكأنها أحبال لؤلؤ.
"من المستحيل أن يكون هذا شيئاً سوى منام!" تردد ذلك الخاطر في عقلها. فسارت بذلك الممر إلى آخره، حتى وجدت أحمد يقف ينتظرها.
ابتسم بشدة عندما رآها، ولكنها لم تفعل. ركضت إليه مسرعة وقالت: "أحمد.. هو أنا بحلم؟"
أمسك بوجنتيها وقال: "لا يا فرحتي، مش بتحلمي."
"مش بحلم إزاي يعني؟ يعني إحنا فين هنا؟ وإيه اللي جابنا هنا؟ ومين اللي عمل الحاجات دي؟ أنا أكيد كل ده كنت بحلم!"
ضحك ملء فمه وقال: "يعني بقالك سبع شهور بتحلمي يا فرحة؟ أكيد لأ يعني."
ظلت تنظر حولها بحيرة وقالت: "أومال في إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة!"
أمسك بيدها وسار بها قائلاً: "أنا يا ستي هفهمك كل حاجة.. إحنا فين؟ إحنا على أول مكان شهد على حبنا. إيه اللي جابنا هنا؟ إحنا جينا بالطيارة وأنا حطيتلك منوم في العصير عشان أعملهالك مفاجأة. مين اللي عمل كل ده؟ أنا بقالي فترة بفكر في الموضوع بجدية، وخلّيت مختصين يدرسوا إحداثيات الجزيرة، وجه حد مختص هو اللي صمم الأوضة والممر ده.. وبس."
كانت تنظر له بعدم استيعاب، فقالت: "يعني إحنا هنا على نفس الجزيرة!"
"أيوة يا ستي، إحنا هنا على جزيرة تشوك تشايدا، جزيرة حبنا!"
"وإشمعنى جبتنا هنا تاني؟ يعني يرضيك وأنا عروسة أقعد أصطاد سمك وأشويه ونتنطط من هنا لهنا زي القرود عشان نلاقي موز ولا جوز هند؟"
قهقه عالياً ثم قال: "لا يا حبيبي.. أنا جايبك هنا عشان ترتاحي وتتدلعي بس.. ولا هنصيد سمك ولا هندور على موز."
"والله؟ وهناكل إيه إن شاء الله؟ هنفطر دلع ونتغدى حنية؟"
أمسك بيدها يعيدها ناحية الغرفة وهو يقول: "لو تبطلي طولة لسان بس ولماضة.. هتبقي هايلة والله."
دخل بها الغرفة ووقف أمام الصندوق الأبيض، ونظر إلى فرحة التي يتآكلها الفضول، ثم قال: "هاا.. مستعدة؟"
"يعم إخلص.. هتطلع لنا تعابين ولا إيه من الصندوق ده؟"
جحظت عيناها عندما فتح الصندوق الكبير ورأت ما بداخله.
"إيه ده؟ ميه وعصاير وشوكولاتات وإيه ده كمان؟ دي فاكهة وكمان في خضار! إنت جبت كل ده إزاي؟"
"ده يا ستي آيس بوكس بيحفظ المشروبات والأطعمة.. وفيه كمان أطعمة مجمدة جاهزة للطهي، يعني كل حاجة موجودة."
"وهتتطبخ على إيه؟ على الأشعة الشمسية؟"
"خفة ماشاء الله.. لا يا ظريفة، على النار زي ما كنا بنعمل. كل الأدوات اللي ممكن تحتاجيها للأكل أو عشان تعملي نار موجودة.. متشغليش بالك، أنا منسيتش حاجة."
"وهنقعد هنا قد إيه؟"
"أسبوع على قد الحاجات اللي معانا.. ولو حبينا ممكن نبقى ننزل مصر ونرجع تاني بعدين!"
"ليه هو الموضوع سه..."
اقترب منها بغتةً وقال: "خلاص بقى يا فرحة.. بعدين يا بابا ابقي اسألي.. يعني مستنيكي لما تصحي بقالك أربع ساعات ولسه هستنى زيهم عشان حضرتك مش رحماني أسئلة؟"
"مش بتطمن يمكن ينسونا ومير..."
ابتلع باقي جملتها مع قبلته العاصفة التي عصفت بكيانها وجعلتها تسقط مغشياً عليها.
"يا نهار أبيض! فرحة.. فرحة."
برز صوت أحمد قلقاً وهو يحاول إفاقتها، ولكن دون جدوى. رفعها عن الأرض ووضعها على الفراش، ثم فتح إحدى الحقيبتين وأخرج منها قنينة عطر ونثر القليل منها على يده، ثم حك يده بأنفها، فبدأت بالاستجابة له وأفاقت.
"حرام عليكي يا فرحة، وقعتي قلبي." قالها ثم زفر زفرة طويلة يشوبها القلق والتوتر.
"إيه؟ هو أنا كنت بحلم؟"
"كنتي بتحلمي بإيه؟"
"كنت بحلم إنك.. كنت يعني.. مش عارفة."
"كنتي بتحلمي إني ببوسك.. مش كده؟"
اتسعت عيناها بدهشة مما قال، فأكمل: "أنا آسف يا حبيبي.. بس ده مش حلم.. أنا كنت ببوسك فعلاً، وياريتني ما بوستك."
قالت بحنق: "ياريتك ما بوستني؟ ليه إن شاء الله؟"
ضحك قائلاً وهو يقترب منها: "لا متفهميش غلط.. ياريتني ما بوستك لأنك أغمي عليكي وقلقيتني.. كان المفروض أتحكم في نفسي وأصبر لحد ما انفعالاتك تقل.. تقريباً ضغطك نزل بسبب الأحداث اللي ورا بعضها دي.. يلا قومي غيري وا لبسي حاجة مريحة وتعالي ناكل أو نشرب حاجة عشان تفوقي كده."
"هو إنت عامل حساب اللبس كمان؟"
"أكيد يعني مش هنفضل بالفستان والبدلة طول الأسبوع!"
نهض من الفراش ثم فتح حقيبة الملابس وأخرج قميصاً أبيض من الحرير وعرضه أمامها: "إيه رأيك يا حبيبي؟"
فرغت فرحة عيناها بصدمة وقالت: "لمين ده؟"
"أكيد مش ليا يا فرحة.. في إيه؟ إنتي غريبة النهارده."
"أنا اللي غريبة ولا تصرفاتك؟"
"معاكي حق.. طب يلا غيري هدومك وتعالي نقعد بره.. تعالي."
قال الأخيرة وهو يجذبها يقف بخلفها يساعدها في خلع الفستان، فقالت: "لا أنا هقلعه أنا.. استنى بره."
"ماشي زي ما تحبي."
خرج إلى الخارج ينتظرها، فخرجت بعد حوالي نصف ساعة ترتدي ذلك القميص الذي أعطاها إياه.
رآه مظهرها الفاتن ذلك كثيراً، فأطلق صفيرة معجباً وقال: "يا وعدي يا وعدي."
تقدمت منه على استحياء وهي تبتسم بخجل، فأمسك بيدها ثم استوقفها قائلاً: "شكلك زي القمر يا فرحة."
ابتسمت وقالت: "إنت كمان شكلك حلو."
"استنى أدخل أجيبلك روب تحطيه عليكي عشان البرد."
"روب كمان؟ ما شاء الله بتهتم بأدق التفاصيل."
"طبعاً.. أي حاجة تخصك لازم أهتم بيها."
دخل إلى الغرفة الخشبية وأحضر الرداء، وأخرج مشروبين باردين ومفرش طويل، ثم ذهب إليها.
فرش المفرش على الأرض الرملية وجلس، وجلست بجانبه، فأحاطها بذلك الرداء الطويل والتصق بها بحميمية.
أعطاها المشروب وبدأ في احتساء مشروبه وسألها: "زعلانه يا فرحة إننا جينا هنا؟"
"لأ طبعاً.. إنت عارف إن المكان ده غالي عليا، وفكرة حلوة إن حكايتنا تكمل هنا زي ما بدأت هنا."
قبّل جبينها ثم أسند جبهته إلى جبهتها وهو مغمض العينين، ثم قال: "بحبك يا فرحة.. بتحبيني؟"
أومأت بموافقة، فقال: "عايز أسمعها منك يا فرحة."
"بحبك يا أحمد."
أطلق العنان لرغبته تأخذه حيث شاءت، فالتقط شفتيها في قبلة هادئة حنونة للغاية، فبادلته قبلته فزادت حماسته.
حملها بين يديه ثم دخل إلى الغرفة وألقاها بالفراش، فصرخت قائلة: "أي حركة غدر لا لا لا لا."
"ده من هنا ورايح الجاي كله غدر.. أنا أصلاً بحب أغدر جامد.. حتى شوفي."
قال الأخيرة وهو يجذبها إليه، ومن ثم قبلها قبلة شغوفة متطلبة، فقالت وهي تبتسم ويبدو أنها قد راقها الأمر: "يابن الغدارة."
"شوفتي بقا.. تعالي بقا أما أصدمك فيا الصدمة الكبرى."
همهم بها ليجعلها "مدام أحمد إدريس".
***
في صباح اليوم التالي..
استيقظت فرحة بسعادة وانتشاء، زاد عندما نظرت إلى "نصفها الآخر" ينام بجانبها.
أيقظته بحب لا يليق إلا بهما، وبدأت بإعداد الفطور.
"يا أحمد."
"هاا يا حبيبي؟"
"هنفطر في الأوضة؟"
"لا أنا هفرش المفرش بره على الرمل ونفطر في الهوا."
أحضرت طعام الإفطار، فقال: "إيه ده كله!! تسلم إيديكي يا حبيبي."
قال وهو يتناول طعام الإفطار: "إيه رأيك بعد ما نفطر نعوم شوية؟"
"أيوة كده.. أهو ده الكلام الصح."
"طيب متمليش بطنك بقا عشان تقدري تعومي."
"أهو ده الكلام الغلط بقا.. لأن أنا جعانة ومأكلتش بقالي يومين."
"لا يا حبيبي كلي براحتك، بعدين نعوم.. لسه معانا أسبوع."
"طب وإفرض محدش جه ياخدنا بعد أسبوع؟ أو نسيونا مثلاً؟"
"لا طبعاً مفيش الكلام ده، أنا اتفقت مع شركة الطيران وكمان قايل لكذا حد إننا هنا، وأولهم رضوان."
"شوف ابن الإيه ولا جابلي سيرة.. آااه بطني وجعتني من كتر الأكل.. الحمد لله."
قالت الأخيرة وهي تمدد جسدها على الأرض بأريحية، فرقد بجانبها ثم جذبها بغتة لتنام فوق صدره قائلاً: "هنا أحسن، ألا يجيلك برد في عضمك ولا حاجة."
نظرت إلى عينيه بابتسامة وقالت: "بتحبني للدرجادي؟"
"أكتر مما تتخيلي يا فرحة.. بموت فيكي."
طبعت قبلة رقيقة عفوية فوق وجنته ثم تلتها بأخرى على عينه وقالت: "وأنا كمان يا أحمد بحبك، وعمري ما حبيت غيرك."
"يا وعدي على الناس اللي بتحب دي يا وعددددددي."
قال الأخيرة وهو يشدد من احتضانها بقوة جعلتها تشعر بأن أضلاعها قد أوشكت على الكسر.
"تعالي أوريكي حاجة."
"حاجة إيه؟"
"تعاااالي بس."
قالها وهو يجذبها من يدها ويسير بها، ثم توقف أمام ذلك الشيء الذي أسعدها كثيراً.
"الله.. المرجيحة دي حلوة أووووي.. يلا زق."
وقف خلفها يدفعها بخفة، فتضحك هي عالياً. يغمرها شعور بالسعادة الشديدة، خاصةً عندما تداعب المياه قدماها.
ظل يدفعها على الأرجوحة حتى غابت الشمس، فقال: "هاا.. زهقتي ولا لسه؟"
"أه.. وجوعت كمان."
ضحك قائلاً: "طيب يلا انزلي وتعالي نعمل حاجة ناكلها."
قاما بتجهيز الطعام وأشعلا النيران، وجلسا يتناولان غذائهما.
"يا ترى اللي في مصر عاملين إيه؟" سألت، فأجابها: "أكيد كويسين إن شاء الله.. متشغليش بالك بأي حاجة دلوقتي غيرنا.. وإزاي تعيشي يومك، لأن اللحظات دي مش هتتعوض."
سألته: "ليه مش هتتعوض؟ هو مينفعش كل فترة نيجي هنا؟ ولا مكلفة؟"
"هي أيوة مكلفة وجدا كمان، بس مش ده قصدي.. قصدي إنها مش هتتعوض لأن ببساطة مش هنعرف نعوض البدايات تاني، مش هنعوض حلاوة أول كل إحساس جديد حسينا بيه سوا.. وبعدين أكيد إن شاء الله هنيجي دايماً، وكمان هنجيب ولادنا نفرجهم على جزيرة حبنا."
"ولادنا؟" قالتها شاردة بابتسامة متأملة، فأجابها: "نفسي أخلف منك أوي يا فرحة، وأول بنت هسميها 'فرح'."
"وإشمعنا فرح مش فرحة؟"
"لأن هي هتكون مقتبسة منك كل حاجة.. إنتي الأصل وهي حتة منك.. هتاخد جزء من ملامحك ومن صفاتك، وكذلك هتاخد جزء من اسمك."
راقها حديثه كثيراً، فاتسعت ابتسامتها، فقال: "بتفكري في إيه؟"
"بتخيل!"
"بتتخيلي وأنا موجود؟ والله عيب."
***
"أنا مش مرتاحة باللي أنا لبساه ده.. حاسة إن حد هيشوفنا."
"يا فرحة يا يا حبيبتي.. مين بس اللي هيشوفنا؟ وبعدين لو في احتمال 1% إن حد يشوفنا، أكيد مكنتش هخليكي تلبسي بيكيني يعني.. يلا إفردي نفسك على الميه بقا، غلبتيني."
فردت ذراعيها على الماء وأغمضت عيناها، وتركت جسدها ينساب بنعومة مع المياه.
"إلحقي يا فرحة سمكة قرش!!"
فزعت بشدة وكادت تغرق، فأمسك بها بإحكام وهو لا يستطيع منع ضحكته، فأطلق ضحكة رنانة وجذبها إلى صدره يحتضنها بشدة، فقالت: "حرام عليك والله العظيم قلبي كان هيقف."
"لا يا حبيبي بعد الشر عليكي." قالها وانفجر ضاحكاً مرة أخرى يقول: "وبعدين يا فرحة القرش إيه اللي هيجيبه هنا.. إحنا يعتبر على البر."
"ماشي.. بس خليك فاكر إن فرحة مبتسيبش حقها.. يلا تعالي نتمشى في الغابة شوية.. جوز الهند وحشني."
خرجا من المياه ثم ذهبا إلى الغرفة وارتديا ملابسهما، وقال: "خدي البسي ده في رجليكي."
"وإيه الشنطة اللي معاك دي؟"
"دي فيها سكينة وصاعق وخُطّاف، وفيها كمان إزازة ميه وكام شيكولاتايه عشانك.. خدي بقا شيلي الكاميرا."
اتخذا طريقهما نحو الغابة يسترجعان بها الذكريات ويلتقطان الصور لكل إنش بها.
"جوز هند أهو يا فرحة هاتي الخُطاف!!"
قبل أن يتسلق إلى الشجرة، كانت قد سقطت عدة حبات من جوز الهند تحت أقدامهما، فقالت فرحة صارخة بحماس: "أبو الصحاااب!!"
نظر أحمد إلى حيث تشير، فوجد السنجاب صديقهما يقف أعلى تلك النخلة، فأمسك بالكاميرا والتقط له عدة صور. ثم أخرج السكين من حقيبته وقام بتكسير جوز الهند، ثم أعطاها لها، فتناولت ماءه بتلذذ شديد وقالت: "صورني وأنا باكل جوز الهند."
أخرج الكاميرا وانشغل بها، فالتقطت هي عدة أحبال متساقطة من الشجر وألقتها عليه قائلة: "إلحق يا أحمد، تعبااان."
فزع بشدة وانتفض جسده، فكادت تسقط على الأرض من فرط الضحك، وقالت: "عليك واحد."
نظر لها بحنق وهز رأسه يائساً، يطالعها باستخفاف من أعلى رأسه إلى أخمص قدميها، ثم تركها وسار للأمام. فقالت: "أحمد.. إيه ده هو ماتخضش ولا إيه.. واد يا أحمد.. استنى طيب أقوللك.. أحمااااااد."
***
بعد مرور 6 سنوات
"هو بابا اتأخر ليه كده يا فرحة؟"
نظرت فرحة حانقة إلى طفلتها التي تبلغ من العمر 5 سنوات وقالت: "فرحة؟ يعني هو بابا وأنا فرحة؟ معرفش يختي لما ييجي ابقي اسأليه.. وبطلي زن بقا يا فرح، مش عارفة أنام."
"كل شوية بطلي زن بطلي زن.. محسساني إني مرات أبوكي."
"مرات أبويا؟ إنتي بتجيبي الكلام ده منين؟"
"منك يختي!!"
"منك يختي؟ إيه الولية دي؟" قالت الأخيرة وهي تركض خلف طفلتها التي تعالت ضحكاتها، حتى فتح والدها الباب، فركضت إليه تستقبله، فرفعها عن الأرض يقبلها بإشتياق بالغ.
"إزيكم يا فرحتي؟" قالها لطفلتيه الكبيرة والصغيرة، فقالت فرحة: "الحمدلله يا حبيبي، إنت اتأخرت ليه كدا؟"
نظر إلى فرح وقال: "كنت بجهز مفاجأة لـ فروحة عشان عيد ميلادها."
قالت فرح بحماس: "الله.. هنعمل إيه يا بابا؟"
"هنروح يستي مكان كبير وواسع وفيه بحر وهوا و ومرجيحة زي اللي بتشوفي فرحة بتتمرجح عليها في الصور."
صفقت فرحة بيديها في حماس حار وهتفت هي وفرح: "يا وعدي يا وعدي.. يعيش بابا أحمد إدريس."