تحميل رواية «جبل النار» PDF
بقلم رانيا الخولي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ل 1 - بقلم راينا الخوليترجل الدرج حافي القدمين يتحسسه قبل نزول كل درجة منه ويحسب مسافاته بدقة ويعد كل درجة حتى انتهت المعاناة عند الأخيرة وحينها أخذ بصعوبة يتحسس الطريق بقدمه لكن تلك المرة بمساعدة عصاه حتى يعتاد عليهلم يتذكر المكان جيدًا فقد مرت أعوام لم يأتي فيها إليه.الظلام دامس من حوله لكنه اعتاد عليه أو هكذا يتظاهر كي لا يؤلم عمهظل يتخبط في الأشياء الموجودة في المنزل ومنه يستكشفها كي لا ينصدم بها مرة أخرى حتى استطاع الوصول إلى الشرفة.قام بفتحها فتلفح وجهه نسمات الليل الآتية من البحر الهادئ ع...
رواية جبل النار الفصل الأول 1 - بقلم رانيا الخولي
ترجل الدرج حافي القدمين يتحسسه قبل نزول كل درجة منه ويحسب مسافاته بدقة ويعد كل درجة حتى انتهت المعاناة عند الأخيرة وحينها أخذ بصعوبة يتحسس الطريق بقدمه لكن تلك المرة بمساعدة عصاه حتى يعتاد عليه
لم يتذكر المكان جيدًا فقد مرت أعوام لم يأتي فيها إليه.
الظلام دامس من حوله لكنه اعتاد عليه أو هكذا يتظاهر كي لا يؤلم عمه
ظل يتخبط في الأشياء الموجودة في المنزل ومنه يستكشفها كي لا ينصدم بها مرة أخرى حتى استطاع الوصول إلى الشرفة.
قام بفتحها فتلفح وجهه نسمات الليل الآتية من البحر الهادئ على غير عادته.
فهو لا يحبه هادئًا مستسلمًا بل يعشقه ثائرًا هادرًا فيجابهه هو بكل شجاعة.
سار إليه بأقدامه العارية متلذذًا بنعومة الرمال رغم سخونتها لكنه لم يبالي فقد حرم من رؤية الشمس لذلك يتلفح بدفئها
توقف عن السير عندما بللت الموجة الرتيبة قدميه العارية وأخذ يتنفس بعمق ويملأ رئتيه برائحته الندية.
أعلنت ساعة يده عن العاشرة صباحًا وذلك الوقت الذي كان يستمتع به على الشاطئ قبل أن يفقد بصره.
اخرجه من شروده صوت عمه وهو يعاتبه
: داغر ايه بس اللي خرجك لوحدك؟
ابتسم داغر لعمه الذي لا يكف عن الإهتمام به منذ ما حدث وتمتم بروية: متخفش ياعمي انا فاكر المكان كويس وبعدين انت نسيت إني بقالي سنة بتدرب على التعامل مع الطريق حتى البحر.
تقدم منه عمه وقد أشار للعامل أن يأتي بمقعدين يجلسا عليهما وقال
_ماشي ياسيدي خلينا بقا نقعد نستمتع بالجو الجميل ده بدل ما انت واقف حافي كدة.
جاء العامل بالمقاعد وساعد خليل ابن أخيه على الجلوس ثم قال داغر للعامل: ياريت يا صالح تعملي فنجان قهوة
استاء عمه من طلبه وتمتم بامتعاض: وبعدين معاك ياداغر مش الدكتور منعك منها؟
رد داغر بابتسامته الواهنة: معلش مرة واحدة في اليوم مش هتضر.
وافقه خليل على مضد ثم انصرف العامل وظل داغر يستمع إلى الاصوات من حوله
فقد فقد بصره لكنه يرى بأذنيه ويتخيل كل ما حوله بالأصوات التي تترامى حوله
زقزقت العصافير في ذلك الصباح
وتلك النسائم الآتية من الشمال تتناغم مع رائحة يود البحر والتي تذكره بالماضي.
ذلك القبطان الذي كان يبحر في كل البحار أصبح الآن عاجزًا مستندًا على عصاه
ترى هل سيأتي اليوم الذي سيعود فيه ذلك القبطان قائدًا على مركبه؟
أم كتب عليه وعليه الرضا بما قسم له.
انتبه لانفاس عمه التي تدل على صعوبة تحكمه في دموعه حزنًا عليه ولا يعرف بأنه تعود على الحرمان من كل شيء
تحسس بيده حتى وصلت إلى يد عمه وشدد عليه قائلًا: طول عمرك وانت الجبل اللي بسترد منه ثباتي، بلاش تيجي في أكتر وقت محتاج قوتك فيه وتضعف.
حاول خليل جعل صوته ثابتًا وغمغم بحزن
: أنا مضعفتش بس أول مرة أقف عاجز قدامك
طول عمري وأنا بحاول أعوضك عن كل شيء مفتقده، فيه اللي قدرت أعوضك وفي اللي فشلت بس صدقني….
قاطعه داغر بصدق: انت عمرك مافشلت بالعكس لولا وجودك في حياتي وطريقي اللي رسمته معاك كان زماني مدمن مخدرات ولا واحد فاشل مستني قرشين أبوه يبعتهمله كل شهر وخلاص بس انت فضلت جانبي لاحد ما كبرت وبقيت راجل وحققتلي كل أحلامي بدعمك ليا، عشان كدة عايزك تكمل جميلك للآخر.
ربت بيده الأخرى على يد ابن أخيه وتمتم بحب: هفضل في ضهرك لآخر يوم في عمري.
ابتسم بامتنان لذلك الرجل الذي لم يتخلى عنه كما فعل والده وظل بجواره حتى تلك المحنة.
أراد التطرق في موضوع آخر وقال بثبوت
_بس أنت شايف إن أجازتك طولت أوي ولازم ترجع شغلك يا سيادة المستشار.
تنهد خليل بتعب وقال: والله ياابني انا بفكر أقدم استقالتي وأكتفي بالهدوء اللي أنا عايشه دلوقت.
علم داغر بأنه يود ترك عمله كي يبقى بجواره لذا تحدث برتابة
: بس ياعمي دي رسالة ولازم حضرتك تقدمها للآخر.
فكر خليل في العودة حقًا لعمله لكنه أيضًا لن يستطيع تركه وحيدًا حتى لدقائق معدودة
فمنذ ذلك الحادث وهو لا يتركه لحظة واحدة ويخشى أيضًا أن يشعره بأن إعاقته سببت مشكلة له لذا تحدث بجدية: صدقني من وقت ماعرفت إن سالم أخد إعدام وأنا قررت إني اتنازل عن المنصب ده.
ساد الصمت بينهم وكل واحد بهم يحمل نفسه ذنب ذلك الشاب الذي اتهم زورًا واستطاع الجاني تضليل العدالة والفرار منها متخذًا من شاب لم يتعدى عمره الثلاثون عامًا درعًا له
فلولا أن اضطر خليل لترك القضية اثناء الحادث لما حدث ذلك.
فقال داغر بإصرار
_يبقى الافضل إنك ترجع عشان اللي حصل ده ميتكررش تاني، أرجوك ياعمي بلاش تحسسني إني بقيت عقبة في حياتك عايز كل حاجة ترجع لطبيعتها.
تنهد خليل بيأس منه وقال باستسلام
_ماشي ياسيدي بس عندي شرط.
………….
وقفت تنظر إلى تلك الأمواج التي تتلاطم على الشاطئ في شرود وذكريات الماضي لا ترحم ذلك القلب الذي لاقى من الدنيا أشد العذاب
وكلما تقدمت خطوة للأمام اعادتها الدنيا خطوات للوراء كي تكسر شوكتها
لكن روح العناد ظلت تعافر ولم تستسلم مطلقًا
ليس قبل أن تنتقم ممن أذوها ودمروا كل شيء بداخلها
فيشتعل لهيب الانتقام كلما تذكرت ما فعله ذلك الخائن بها
لن ترحم ولن ترأف به كما لم يرأف بها من قبل
عليه أن يركع تحت أقدامها يطلب منها الصفح ويتوسلها كما توسلت هي قبله
وحينها فقط ستهدئ تلك النيران التي أشتعلت منذ عامين ولم تهدئ حتى الآن
فكلما فكرت أن تطوي صفحة الماضي وتبدأ صفحة أخرى بيضاء تسطر بحروف من نور
لكن هيهات فكلما أمسكت قلمها لتكتب ينكسر ومضى عامين لم تستطيع ملئ تلك الصفحات
_ ما..ما.
استدرات أسيل لتنظر إلى ذلك الصوت الذي يخطوا اولى خطواته فاردًا يديه الصغيرتين بسعادة لا توصف يسقط وينهض بإصرار وهي تقف تراقبه بابتسامة خاصتها له وحده
حتى وصل إليها أخيرًا
فتحت ذراعيها له فيقترب منها ذلك الصغير ويلقي بنفسه داخل أحضانها الساجية فينثر بضحكته السعادة داخل قلبها ممحيًا بها مرارة الألم.
هو وحده من يستطيع انتشالها من قسوة الذكريات بضحكاته التي تجعل قلبها يرفرف بسعادة كبيرة.
جاءت امرأة كبيرة في السن تسير بصعوبة وتقول بتعب
_ وبعدين في ابنك ده انا خلاص كبرت ومش قادرة اجري وراه.
ضحكت حور وهي تنظر لطفلها وقالت بسعادة
_ إيه يا ديدو مزعل تيتا ليه؟ وايه اللي مصحيك بدري كدة؟
اخفى الطفل وجهه في ثنايا عنقها فقالت تلك السيدة
_ صاحي بقاله ساعة ومطلع عيني من وقتها شكله هيكون متعب زي خاله.
لم تنتبه أمينة لكلماتها والتي جعلت حور تتذكر ما حاولت جاهدة نسيانه.
ابتسمت كي لا تلاحظ أمينة شيء وقالت
_طيب تعالي ندخل جوه عشان الجو برد هنا.
عادت للداخل مع أمينة وهي تحاول جاهدة عدم التفكير في عائلتها
تطلعت إليها وقالت: معلش يادادا خديه لحد ما اخد شور وانزل اجهز الفطار.
حملت الطفل عنها وقالت بتعاطف: اطلعي يابنتي ارتاحي انتي واقفة على رجلك طول الليل وأمبارح منمتيش كويس.
: لأ انا نمت في المستشفى لأن مكنش فيه حالات كتير.
صعدت غرفتها وخلعت حذاءها في منتصف الغرفة بإهمال ودلفت المرحاض لتقف أسفل المياه الباردة ربما تهدئ نيرانها
لكن نيرانها لا يمكن لشيء أن يخمدها إلا بالانتقام ممن آذوها وبالأخص هو
لن ترأف ولن ترحم حتى لو وصلت إلى قتـ.ـله، كما فعل بها من قبل
مازالت تلك الليلة عالقة في مخيلتها ولم يمحيها الدهر.
خرجت من المرحاض ووقفت أمام المرآة تمشط خصلاتها فجالت إليها بعض الذكريات التي خدعت بها عندما كان يتغنى بلونه البني وخدعت هي بكلماته المعسولة.
تساقطت دموعها وهي تتذكر كيف كان يستجدي نظرة واحدة منها
كيف كان يستجدي قلبها حتى خضع له
كل ذلك كان محض اكاذيب ووقعت هي في شركه
فاقت من مشاعرها الوردية على حقيقته التي دمرتها وقضت عليها
أخذت تغسل في جسدها كأنها بتلك الطريقة تمحي آثاره علها لكن لا فائدة
مازالت تشعر بلمساته القاسية وأنفاسه التي كانت تقذف حممًا تحرقها بلهيبها
تذكرت حينما استطاعت الافلات من بين يديه والهرب منه لكن ما أن وصلت لباب الغرفة حتى استطاع الوصول إليها وجذبها من خصلاتها
كان أقوى منها وهي ببنيتها الضعيفة لم تستطيع مجابهته
ترجته استعطفته لكن ذلك الذئب الغادر صم أذنيه عن رجاءها واستحل ما ليس له
لم يرأف بها ولا بأنها مرتها الأولى فأخذها بعنف شديد ولم يتعاطف مع صرخاتها
حتى فقدت الوعي
سقطت على الأرضية لتبكي بألم يمزق القلوب واحتوت جسدها العاري بيدها كأنها تحميه وكأن أيضًا المشهد يعاد بقسوته مرة أخرى.
تذكرت عندما عادت لوعيها ووجدت نفسها وحيدة داخل الغرفة وهي ملقاه على الفراش الذي أكد بأنها فقدت اعز ما تملك وانتهى الأمر
بيد مرتعشة سحبت ملابسها الممزقة وارتدتها لكنها سترتها كانت ممزقة بشكل كامل فلم تخفي شيء
وجدت قميصه ملقي على الأرض بجوار الفراش فلم تجد حل آخر سوى ارتداءه وبعدها سترتديه يومًا في عزاءه.
كان كبيرً فضفاضًا عليها لكن في تلك اللحظة لم تبالي بشيء
خرجت من الغرفة ولم تبالي بهيئتها ولا لآثار الصفعات الحادة على وجهها.
كل ما يهمها هو الهرب من ذلك المكان.
سمعت طرق على الباب وصوت أمينة تناديها بقلق
_حور انتي كويسة؟
اغمضت عينيها وأخذت نفس عميق تطرد به تلك الذكريات الأليمة ثم تمتمت بصوت مهزوز
_ا..اااه متقلقيش انا خارجة حالًا.
أخذت نفس عميق مرات متتالية كما اخبرها الطبيب عندما تداهمها الذكريات ثم نهضت لتلف جسدها بالمنشفة ثم خرجت من المرحاض
مرت أمام المرآة فتنتبه لأول مرة أنها تغيرت كثيرًا
حتى ملامحها أصبحت ذابلة
وضعت يدها على تلك الندبة التي احتلت جانب عنقها وظلت متمسكة به رغم مرور عامان وأكثر
وضعت يدها تتحسسها وجالت بخاطرها الذكريات عندما عادت إلى المنزل في ذلك الوقت المتأخر
كانت تجر قدميها وتدلف من الباب الخلفي كي لا يراها أحد
لكن كانت مدبرة المنزل ومربيتها قد جافها النوم من القلق عليها وجلست في الحديقة تنتظر عودتها بعد أن فشلت بالاتصال بها.
صكت على صدرها عندما وجدتها تدلف عليها بتلك الحالة
أسرعت إليها عندما سقطت أسيل على ركبتيها وجثت امامها تسألها بفزع
_ ايه اللي عمل فيكي كدة؟
تجمعت العبرات داخل عينيها وتمتمت بصوت مهزوز
_دبحني يادادة.
اتسعت عين أمينة بصدمة وتطلعت إلى آثار عنفه عليها فعلمت بأن ذلك الرجل قام بالغدر بها
أمسكت ذراعها تساعدها على النهوض وقالت بوجل
_طيب تعالي نطلع اوضتك قبل ما حد يشوفك.
كانت مسلوبة الإرادة واستسلمت ليديها التي تساعدها على النهوض وهمت بالتحرك لكن توقفت أقدامهم عن الحركة عندما رأته أمامها
أغمضت عينيها تحاول محو ذلك الماضي من رأسها لكن يبدو انه سيلاحقها طوال عمرها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في اليوم التالي
ترجل داغر الدرج وقد بدا يعتاد المكان بعد غياب استمر عامين
أخذ يتحسس الطريق حتى وصل لغرفة الطعام حيث ينتظره عمه تقدم من الطاولة وهو يقول
_صباح الخير يا عمي.
ترك عمه الهاتف من يده ورد بحب
_صباح النور، ها نمت كويس؟
جلس داغر على المقعد ورد بعدم اكتراث
_عادي مفيش فرق، المهم هتنزل القاهرة النهاردة؟
شرع خليل في تناول افطاره وأجاب باقتضاب
_لأ.
_ليه؟
_لأنك ببساطة مردتش عليا.
جعد وجهه باستياء لأصرار عمه على ذلك الطلب وقال بامتعاض
_ ياعمي انا مش عارف انت ليه مصر على الطلب ده، هما هيكونوا تلات أيام بس في الأسبوع وهترجع تاني، بلاش تحسسني إني عيل صغير مش هعرف افضل لوحدي.
_لا ياابني الموضوع مش كدة بس كل الحكاية….
قاطعه داغر بتصميم
_لازم ترجع شغلك لأن القضاء أكيد مفتقد انسان نزيه زيك، فبلاش قلقك الزيادة ده لأنه بيحسسني بالعجز.
رد خليل بإصرار
_قول اللي تقوله انا مصر ومش هغير رأيي.
تنهد داغر باستسلام
_ماشي ياعمي اللي تشوفه، مع اني شايف إن سلوى قايمة بالدور وزيادة
_يا ابني سلوى كلها اسبوع وتسينا عشان هتسافر لجوزها ولازم يكون حد موجود معها
الحاجة التانية انها تدربها عشان يبقى عندها دراية بكل حاجة.
رن هاتف داغر وكان المتصل والده
تحسس هاتفه وقام بكتم الصوت وتركه فقال خليل
_مش هترد عليه؟
رد داغر باقتضاب وهو يمسك الملعقة ويبدأ بتناول طعامه
_لأ
_ليه بس دا مهما كان ابوك وعايز يطمن عليك.
تظاهر داغر بانشغاله بتماول الطعام ولم يرد على عمه
لم يضغط عليه وتركه كي لا ينفعل وتتضرر حالته أكثر من ذلك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تطلعت حور إلى طفلها الذي يتناول طعامه ويرفض مساعدتها
ذلك العنيد الذي يزداد الشبه بينه وبين أبيه كلما كبر.
عينيه الرمادية بحدتها، وخصلاته القاتمة كقتامة قلبه الغادر.
يشبهه في كل شيء حتى طباعه لكنها لن تقبل بأن تكون هناك نسخة أخرى لذلك القاسي
تذكرت عندما علمت بحملها
كانت صدمتها قاسية وقد كانت هي القشة التي قصمت ظهر البعير
تذكرت عندما ترجت الطبيب أن ينزله لكنه أبى ذلك وأقنعها على أن تتركه ربما يكون هو سندها الوحيد بعد أن تخلى عنها الجميع.
أخذت نفس عميق تحاول به تهدئة تلك النيران التي تشتعل بداخلها للذكرى
مسحت دموعها عندما طرق باب المنزل ونهضت لتفتح فلم يكن سوى حازم الذي جاء ليطمئن عليهم.
_صباح الخير، عديت عليكي عشان أخدك في طريقي بس قالولي انك روحتي.
ابتسمت حور له بود وتنحت عن الباب كي تسمح له بالمرور وهي تقول
_صباح النور معلش يادكتور خلصت بدري قلت أروح عشان إياد.
دلف حازم الذي ما أن رأه إياد حتى أسرع إليه وهو يتمتم
_بـا…بـا.
حمله حازم وقد شعر بالسعادة من سماع تلك الكلمة منه والتي تجعل الأمل يزدهر بقلبه وتمتم مداعبًا
_أحلى صباح لأحلى ديدو في الدنيا.
لم يسر حور ما يحدث بل يزيد الكره بداخلها له لذا قررت قطع تلك اللحظة وقالت بثبوت
_ثواني هنادي على طنط.
تركته ودلفت إحدى الغرف وتركها تتهرب منه كعادته بها، فلا يريد الضغط عليها كي لا تنفر منه ربما يلين قلبها يومًا من الأيام وتشعر به.
أما هي فدلفت غرفة أمينة فتجدها مستلقية على الفراش شعرت بالقلق عليها فجلست على الفراش بجوارها وسألتها
_رقدة ليه ياطنط انتي كويسة؟
ردت أمينة بارهاق
_انا كويسة ياحبيبتي بس قلت انام شوية لأني منمتش طول الليل.
_ليه في حاجة قلقاكي؟
اخفت أمينة عليها تلك الكوابيس التي ترواضها منذ أيام كلما اغمضت عينيها وهي ترى حور تلقى في التهلكة وتستنجد بمن ينقذها فقالت بثبات مزيف
_عادي يابنتي بس انتي عارفة لما بتاخدي شيفت بالليل بقلق عليكي ومش برتاح إلا لما ترجعي.
ابتسمت حور بود لتلك المرأة وقالت بامتنان
_مش عارفة لولا وجودك في حياتي كنت عملت ايه.
ربتت امينة على يدها وقالت بحنان مفرط
_هو انا عملت ايه دا انتي بنتي اللي ربتها ومصدقت انها رجعت ليا تاني.
تذكرت حور امر حازم فقالت
_ينفع كدة نستيني إن حازم برة وعايز يشوفك.
_طيب خليه يدخل.
أومأت حور وخرجت إليه تدعوه للدخول
فأخذتها فرصة وأخذت طفلها ودلفت غرفتها.
غرفة العذاب كما تطلق عليها
فكلما خلت بنفسها حتى تداهمها الذكريات التي لا تزال عالقة بذهنها
تخطط وتستعد للأنتقام منه لكن هناك من يجعلها تتراجع
وهو ذلك الطفل الذي يحكم قبضته عليها كلما حاولت الوصول لمبتغاها.
لكن قريباً سيأتي ذلك اليوم وتنتقم ممن أذوها وهو أولهم
ظلت تلاعب طفلها م
في غرفة أمينة
جلس بجوار والدته يقبل يدها وقال بحب
_عاملة ايه ياست الكل؟
ابتسمت له وقالت بحب
_بخير ياحبيبي الحمد لله انت اخبارك ايه وهايدي والولاد؟
_كلهم كويسين وبيسلموا عليكي، حتى هايدي اصرت أننا نعزمكم على الغدا بكرة وتقضوا اليوم معانا.
ترددت والدته بالقبول وقالت
_كان نفسي ياابني والله بس انت عارف ظروف حور…
قاطعها حازم بإصرار
_متقلقيش أنا مأمن كل حاجة وهاجي أنا وهايدي ناخدكم بالعربية ومحدش هياخد باله من اياد.
_حاضر هحاول أقنعها وإن رفضت مش هقدر أسيبها هي وإياد لوحدهم انت عارف ظروفها.
اومأ لها بتفاهم رغم امتعاضه ثم أخذ يتحدث معها في بعض الأمور ومن ثم انصرف.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رواية جبل النار الفصل الثاني 2 - بقلم رانيا الخولي
أخذته قدماه إلى الشرفة عندما استمع لصوت إحدى السفن التي تشق الأمواج متجهة إلى وجهتها.
عادت إليه الذكريات بحلوها وهو يتولى قيادتها، يصارع الأمواج وتصارعه. فمنذ نعومة أظافره وهو يعشق البحر ورائحته التي تنثر الطمأنينة في قلبه وعقله.
أقسم منذ صغره أن يجوب العالم ببحاره وأنهاره وحتى المحيط. كانت ملامحه تستاء عندما ترسوا قدماه على اليابسة وكأن روحه تكاد تفارق جسده، لذا كان يرفض الأجازات التي تسمح له ويفضل العودة للبحار. لولا عمه الذي يشتاق إليه ما فكر يومًا بالعيش خارج المياه.
حتى جاء ذلك اليوم الذي رأى فيه من ينافس البحار في قلبه.
يتذكر ذلك اليوم جيدًا عندما وجدها تقف مستندة بمرفقيها على السياج، تتلاعب الرياح الهادئة بخصلاتها فتثور مشكلة هالة من الجمال حول وجهها. لا يعرف لما ساقته قدماه إليها ووقف بالقرب منها يتطلع إليها بجانب عينيه.
كانت تنظر للأجواء من حولها وطيور النورس التي ترفرف بالأعلى تبحث عن صيدها بأصوات متناغمة بانبهار، فجعلت ثباته يتلاشى وتقدم منها أكثر متمتمًا بهدوء:
_ عجبك المنظر؟
تطلعت إليه بانبهار لزي القبطان الذي يرتديه وردت بخجل:
_ أمم.
تطلع داغر أمامه وتحدث بشغف:
_ الحياة في البحر حاجة تانية، سواء بهدوءه أو عنفه، بيخلي الإنسان يحس إنه ملك العالم كله، وخاصة بقا لو في مغامرة من مغامراته.
لعب على عنصر التشويق داخلها مما جعلها تسأله بلهفة:
_ مغامرات؟
أومأ بسعادة لأنه استطاع لفت انتباهها أكثر وقال:
_ بس المغامرات مش بتكون بسفن زي دي، بتبقى كدة بيخت أو مركب وتواجهي بقا الثوران ده في يوم يكون فيه عاصفة.
لمعت عينيها وسألته:
_ على كده جربتها؟
_ كتيير.
_ هنا في مصر؟
هز رأسه بنفي وتحدث برتابة:
_ لأ نادرًا أوي لما تلاقي الأجواء دي في مصر، بس أنا خضتها في المحيط أكتر من مرة.
لاح الاستياء على ملامحها مما جعله يسألها:
_ إنتي عايشة فين؟
تحول الاستياء إلى حزن وتطلعت إلى الأفق البعيد أمامها متمتمة بخفوت لم يسمعه:
_ في الجحيم.
_ نعم؟
انتبهت لما تفوهت به ثم عدلت قائلة:
_ في القاهرة.
رغم امتعاضه أنه لن يراها مرة أخرى لكنه سألها:
_ مش ناوية تسافري تاني؟
حاولت الابتسام فخرجت باهتة وتمتمت بخفوت:
_ لأ.
شعر بالاستياء لعدم خوض تلك التجربة معها، إلا أن ذلك الشعور تبدل عندما تذكر بأن عليه الذهاب للقاهرة بسبب انشغال عمه الذي طلب منه الذهاب إلى القاهرة.
تطلع إليها ليلاحظ نظراتها الحزينة، فشعر بأن تلك الفتاة خلفها قصة عويصة، وذلك جعل روح المغامرة بداخله تتمسك بها فعاد يسألها:
_ ولا حتى سفرية صغيرة.
هزت رأسها بنفي لكنه لم ييأس وقال بثقة:
_ أنا واثق إنها هتتكرر ووقتها هخليكي تعيشيها.
تطلعت للمياه التي تتماوج بسبب انشقاق السفينة لها وقالت بشرود:
_ بس أنا بسمع إن البحر غدار.
تأكد حسه لذا رد عليها بحكمة تعلمها من تجاربه:
_ البحر عمره ما كان غدار لأن دي طبيعته وإحنا اللي بنتعدى عليها، يعني الغلط بيكون مننا مش منه.
قطع سحر اللحظة صوت أحد العاملين على السفينة وهو يناديه:
_ كابتن داغر محتاجينك في غرفة القيادة تحت.
أومأ داغر وتطلع إليها باعتذار:
_ كان نفسي نكمل كلامنا بس أكيد في حاجة مهمة، بس لو عايزة تعرفي أكتر عن البحر استنيني هنا الساعة عشرة بالليل.
أومأت رغم رفضها واستأذن منها ذاهبًا إليهم، أما هي فقد أخذت تستمع لطيور النورس التي تشدو بأجمل الألحان في سكون تام.
في المساء.
أخذ ينظر في ساعته كل برهة حتى شعر بأن الوقت ثابت لا يتحرك. تطلع من نافذة السفينة ينظر إلى المياه التي تتلاطم بالسفينة فلم يعد يستطيع الانتظار أكثر من ذلك.
خرج من غرفة القيادة والتي تولاها مساعده وصعد على سطحها يبحث عنها بعينيه. لم يحن موعدهم بعد لكنه فضل أن ينتظرها في ذلك المكان.
مر الوقت وجاءت العاشرة لكنها لم تأت. انتظر وانتظر حتى فقد الأمل في مجيئها.
اندهش من نفسه، لما يريد رؤيتها بذلك الإلحاح؟ هو لم يراها سوى تلك المرة ولا يعرف حتى اسمها. منذ متى وهو بتلك السطحية حتى يتعلق بفتاة عابرة؟ هل لأنها جميلة؟ لكنه رأى من هم أجمل بكثير. ربما لأنها تشاركه هوايته؟ لكن أيضًا ما أن يصعد لسطح السفينة حتى تهفو إليه الفتيات واللواتي يحاولن جذب انتباهه بالحديث عن البحر، وكان البعض يلقبه بالسندباد ويسمع حديثهم وهم مبهورين به وبوسامته.
إلا تلك الفتاة التي لم يجذب انتباهها إلا بالحديث عن البحر ومغامراته، حتى أنها لم تنظر إليه إلا نظرات عابرة عندما تحدثه أو تسأله عن شيء.
أراد أن يمحوها من تفكيره وقرر الصعود لأعلى السفينة حيث يجلس الجميع وهم بالصعود على الدرج، لكنه توقف عندما وجدها تستند على السياج تنظر إلى البحر بشرود. شعر بأنها تفضل الوحدة لذا احترم رغبتها ولم يتطفل عليها وصعد إلى الأعلى.
وبدأت النظرات تهفو إليه لكن نظراته هو تعلقت بها وهو ينظر إليها من الأعلى. تجمعت الفتيات بالقرب منه يحاولن جذب انتباهه لكنه لم يبالي سوى بمن خطفت بصره وجعلته لا يرى سواها.
رفع الكاب ووضعه جانبًا وأخذ يتطلع إليها بتفحص. جميلة حقًا بملامحها الهادئة وجسدها الممشوق، مجرد النظر إليها يجعل من يراها يشعر بالرضا.
ودون إرادته وجد قدمه تسوقه إليها ونزل للأسفل ليصاب من حاولوا رمي شباكهم عليه بالإحباط. تقدم منها ليقف بجوارها متطلعًا إلى المياه أمامه وتمتم بعتاب مرح دون النظر إليها:
_ أنا قلت هلاقيكي مستنياني بس أنا اللي استنيتك كتير.
تطلعت إليه بابتسامة باهتة وتمتمت بتمهل:
_ أنا قلت أكيد مشغول وبلاش أعطلك.
نظر إليها مبتسمًا:
_ بس أنا في الوقت ده بكون فاضي وعشان كده قلتلك عليه.
عادت تنظر إلى البحر وتمتمت بروية:
_ بيت جدي على البحر في إيطاليا، كان بيحب البحر أوي أوي، بس مكنش بيقرب منه لأن أخد منه مراته اللي هي تيتا.
لمعت السعادة بعينيها وهي تردف:
_ تخيل أنه رفض يتجوز بعدها؟ وعايش حياته كلها على ذكراها؟
تمتم داغر بينه وبين نفسه:
_ الإيطالي عادي عنده بيقضيها وخلاص.
سألته بحيرة:
_ بتقول حاجة؟
حمحم بإحراج:
_ لا أنا بس بقول إنه شخص وفي جدًا.
_ دي حقيقة، تخيل أنه رفض ينزل البحر من وقتها؟ كان بيكتفي أنه يبصله بس.
_ بس أنا ملاحظ إنك بتتكلمي مصري كويس مع إنك عايشة في إيطاليا.
عاد الحزن يغزو عينيها وتمتمت بصوت حزين:
_ أنا ماما إيطالية، اتطلقت من بابا بعد عشر سنين، معرفتش تتأقلم على الحياة في مصر وعشان كده طلبت الطلاق. بابا أخدني وعشت في مصر لحد ما ماما تعبت من سنتين وطلبت وجودي جنبها وقضيت سنتين الجامعة الباقيين هناك.
ازداد الحزن بداخلها وهي تتابع:
_ بس خلاص ماتت وبابا أمرني إني أرجع مصر، بعيد عن كل حاجة بحبها.
تأثر داغر بحديثها لكنه لم يبين ذلك وقال بمرح أراد به بث السرور بداخلها:
_ طيب إيه رأيك باللي يعوضك عن الحرمان ده؟
قطبت جبينها متسائلة فأجابها:
_ السفينة هتفضل في البحر أربع أيام وأنا بقا هعيشك أجواء البحر بكل ما فيها.
عودة للحاضر.
عاد لواقعه الأليم وعينيه الحادة ثابتة لكنها تغلي كبركان ثائر من تلك الغادرة التي تخلت عنه تلك الليلة. عامان مضوا ولم يعرف عنها شيئًا سوى طعنة قاتلة أصابت قلبه الخائن والذي نبض فقط لأجلها.
لكن سيأتي اليوم الذي سيقابلها به وسيكون انتقامه أشد قسوة من الموت. لكن كيف ذلك وقد أصبح عاجزًا لا يقوى حتى على السير دون مساعدة.
أغمض عينيه بشدة يريد أن يدمر كل ما حوله كي ينفث عن غضبه لكن حتى تلك لا يستطيع فعلها.
ضغط بقبضته على ستائر النافذة حتى ابيضت مفاصله. لما حكم عليه القدر أن يعيش ذلك العذاب وكأن الدنيا لم تجد غيره لتقسو عليه بتلك الحدة.
خرج من الغرفة ومن المنزل بأكمله وسار بخطوات رتيبة حتى وصل للمر المؤدي ليخته. يتوق للأبحار به ويسقط المرسى في وسط البحر كما كان يفعل ويغوص ويتعمق بداخله.
ابتسامة محملة بالمرارة غزت فمه عندما سمع تلاطم المياه به وتساءله: هل باستطاعته يومًا فعلها؟ وإن لم يرد إليه بصره كيف باستطاعته العيش هكذا؟ فقد مر عامان ولم يستطيع تقبل الأمر مطلقًا. فماذا إن طال الحال به أكثر من ذلك. أسئلة كثيرة لكن لا يعرف لها إجابة.
❈-❈-❈
جلست تنتظر عودته في سكون تام رغم عقلها الذي يطلب منها الاعتراض على ذلك الظلم التي تراه على يده، لكن ماذا تفعل في قلبها الذي يرفض دائمًا ويواصل عصيانه.
ذلك القلب الأهوج الذي يتعلق به حد الجنون وهو عاشقًا لأخرى. ترى ذلك الكم الهائل من المشاعر التي يغدقها بها وتقف هي تشاهد في صمت متعللة بأن الأخرى لا تبالي بمشاعره.
تنتظر من أجل أن تحافظ على ما تبقى لها منه على أمل أن يشعر بغلطته ويعرف أن لا أحد في تلك الدنيا يعشقه مثلها.
تتساءل لما لا يشعر بها؟ لما لا يرى حبها له؟ ماذا تفعل أكثر من ذلك كي تكسب وده؟ تعبت حقًا لكنها لن تيأس وستظل تتظاهر بالجهل حتى يأتي ذلك اليوم الذي يأتي إليها فارغ القلب لتملأه بعشقها وولعها به. لكن متى؟
مسحت دموعها بظهر يدها عندما انفتح الباب ودلف حازم مغلقًا الباب خلفه. وضع المفتاح بإهمال على الطاولة وجلس على الأريكة بإرهاق قائلاً:
_ صباح الخير يا حبيبتي.
استطاعت ببراعة تخفي آلامها وردت بابتسامة:
_ صباح النور يا حبيبي، ثواني هجهز السفرة ونفطر مع بعض.
تطلع بساعته فوجدها قد تعدت الثانية عشر فسألها بدهشة:
_ معقول لسه مأكلتيش؟ إحنا بقينا الضهر.
هزت كتفيها بعدم اهتمام:
_ عادي يا حبيبي أنت عارف إني مش بعرف أكل من غيرك.
نهضت لتدلف المطبخ وتلفت هو خلفه ليسألها:
_ أومال فين الولاد؟
أجابت وهي تحمل الأطباق لتضعها على السفرة:
_ عند ماما، قلت بما إننا إجازة النهاردة وبكرة من المستشفى نقضي اليوم لوحدنا وبكرة هجبهم عشان يقضوا اليوم مع طنط وحور.
_ طيب هدخل آخد شاور لحد ما تجهزي السفرة.
دلف حازم الغرفة أما هي فقد رتبت السفرة بعناية فائقة ووضعت في منتصفها باقة من الورود التي يحبها وكل الأصناف التي يفضلها. انتهت من تجهيزها وقد انتهى من أخذ حمامه وخرج إليها بمنامة قطنية فتقدم منها ليضع قبلة عابرة على وجنتها ثم جلس على مقعده.
جلست هي بدورها وهي تقول بابتسامة:
_ عملتلك كل الأصناف اللي بتحبها يارب بقا تعجبك.
ابتسم بمجاملة لها وتمتم بصدق:
_ بس إنتي واثقة كويس إن كل حاجة بتعمليها بتعجبني.
أخذ يدها ليقبلها ثم يعود الجمود لملامحه وقال بثبوت وهو يبدأ تناول طعامه:
_ أنا كلمت ماما تيجي تقضي اليوم معانا بس قالت احتمال متقدرش عشان حور عندها شيفت بالليل ومش هتقدر تيجي معاها.
شرعت هايدي في تناول طعامها وقالت متظاهرة بالثبات:
_ أنا مش عارفة ليه حور بترفض الخروج من البيت مع إنها شغالة ممرضة في المستشفى.
تهرب من سؤالها وقال بعدم اكتراث:
_ دي طبيعتها ومش عايزة تغيرها.
علمت أنه مثل كل مرة يغلق الحديث عنها قبل أن تفتحه، احترمت رغبته ورفضت التحدث عنها وظلوا على صمتهم حتى انتهوا.
نهض ليغسل يده وهي أخذت الأطباق للمطبخ وأعادت كل شيء لوضعه ثم قامت بتحضير قهوته وتقديمها له ثم دلفت غرفتها وبدلت ملابسها بملابس رقيقة كرقتها ثم أسدلت شعرها بحرية متعطرة بذلك العطر الذي يفضله دائمًا. وضعت أحمر شفاه جعلها تبدو بفتنة تسلب الأنفاس وكان ثوبها طويل بفتحة جانبية تصل لأعلى ركبتها عاري الأكتاف.
دلف حازم الغرفة فتسقط عيناه على تلك الفاتنة وتقابلت أعينهما في المرآة محركة مشاعره بهيئتها. ابتسم برضا لها فهي تعرف جيدًا كيف تسعده وكيف تلبي احتياجاته كرجل لكن ذلك القلب الأحمق لم يستطع النبض لها.
بخطوات بطيئة تقدمت منه وكأنها تتلاعب على أوتاره حتى وقفت على قدميه العارية وقربت وجهها من وجهه متمتمة بخفوت بين شفتيه:
_ وحشتني، بقالنا فترة بعاد عن بعض وقلت….
لم يتركها تكمل جملتها وقاطعها بأن وضع إصبعه على فمها وأخذت عينيه تجوب ملامحها ثم نزلت لعنقها الذي يغريه لطبع بصمته عليه. ولم يتوانى لحظة واحدة مستجيبًا لتلك الدعوة فيميل على عنقها يقبله بنعومة قبل أن يتذوق شهده بقبلة متلهفة تاركًا بصمته عليها. أما هي فاستسلمت ليديه التي حاوطتها لتقربها منه بقوة ترحب بتلك اللحظات التي تعيشها بين يديه ويتغزل بها بكل الكلمات التي يعرفها لكنه يقتـ.ـلها بل يذبـ.ـحها عندما ينطق باسم أخرى وهي التي باحضانه.
كانت قبلاته متلهفة تطالب دائمًا بالمزيد ومن بين قبلاته ينطق اسمها. تتقبلها وتتصنع عدم سماعها حتى تنتهي جولتهم ويستلقي بجوارها يضع رأسه على كتفها كطفل صغير يتشبث بمن يعطيه الحنان لكن عقله وقلبه مع أخرى.
لا تنكر أنه يغدقها بكرم حنانه ومشاعره بل وكل شيء لكن قلبه ليس لها. لو فقط يعشقها مثل ما تعشقه لكانت أسعد امرأة بالوجود لكن ليس كل ما يطلبه المرء يدرك.
أخذت تتلاعب بخصلاته وهي تنظر إليه بعتاب حتى غلبها النعاس ونامت بجواره.
في المساء.
كانت حور تعمل في قسم العناية المركزة عندما أخبرتها الممرضة بأن مدير المشفى يريدها في الطابق الثالث. ذهبت إليه وهي مندهشة من طلبه لها في ذلك الوقت واثناء مرورها في ممر المشفى وجدت والدها واقفًا أمام إحدى الغرف.
صعقت لرؤيته وعادت بظهرها للخلف وقد أخذت ضربات قلبها تهدر بعنف. ما الذي جاء به إلى هنا؟ هل علم بوجودها؟ لكن كيف؟
ألقت نظرة أخرى فوجدته مازال واقفًا ويبدو عليه القلق. ماذا حدث؟ ولما جاء إلى الإسكندرية؟ هل يعلم الدكتور عاصم بوجوده؟ ولما لم يطلب منها توخي الحذر؟
كل تلك الأسئلة تدور بخلدها. عليها الهرب بأي طريقة، فإذا رآها وعلم أنها مازالت على قيد الحياة فلن يراأف بها ولا بسليم.
ظلت تدعو ربها أن ينقذها من ذلك الموقف. أخذ الدوار يقتحم رأسها لكنها قاومت ليس الآن فهي على وشك الوقوع في براثين والدها.
حاولت تنظيم أنفاسها المتسارعة كي يخفف من حدة الدوار لكنه يشتد أكثر. ألقت نظرة أخيرة عليه لكنها شهقت برعب عندما تقابلت نظراتهم.
عادت مسرعة للوراء ودقات قلبها تهدر بقوة حتى جعلت جسدها يرتجف بشدة. لقد رآها، علم بوجودها، انتهى أمرها. شعرت بأقدام تتقدم منها وعند تلك النقطة استسلمت لمصيرها.
❈-❈-❈
_ داغر.
انتبه داغر لذلك الصوت والذي تعجب من سماعها. استدار مستعدًا لتلك المشاغبة والتي ستنتهي سكينته بوجودها. شعر بيديها تلفت حول عنقه تتعلق به بسعادة وهي تتمتم:
_ I miss you.
ابتسم داغر وهو يتحسس وجهها بحب:
_ وانتي كمان، ليه مقولتيش كنت بعت حد يستناكي في المطار؟
ردت الفتاة بلهجة ركيكة:
_ قلت أعملها مفاجأة، داد حاول يتصل بك كتير بس إنت مش بترد.
احتضنت ذراعه وتابعت بحب:
_ افتقدتك كثير داغر، مقدرتش أقعد من غيرك.
ضحك داغر وسألها:
_ هصدق مع إنك رفضت تيجي تسلمي عليا قبل ما أمشي.
قالت بدلال:
_ مش بحب الوداع وإنت عارف كده كويس وبعدين لو كنت قابلتك كنت هقع بلساني وأقول لك إني جاية وراك.
جذبت يده وقالت:
_ تعال ندخل جوه لأن عمو وحشني أوي.
دلف معه للداخل وقد استطاعت أن تخرجه من حالة اليأس التي تمكنت منه تلك الفترة. دلفت للداخل فتجد خليل ينزل الدرج. أسرعت إليه تحتضنه بدوره وقالت بمرح:
_ إيه رأيك في المفاجأة دي؟
احتضنها خليل بحب وقال بابتسامة:
_ مفاجأة جميلة طبعًا يا حبيبتي بس جيتي إزاي.
نزلت معه باقي الدرجات وهي تجيبه بحماس:
_ أنا طلبت من بابا إني أرجع معاكم وهو وافق صحيح ماما رفضت بس فضلت وراها لحد ما وافقت بس أوراقي طولت شوية وقلت أسافر وراكم.
أحاطها داغر بذراعه ليقبل رأسها:
_ ناوي تطولي ولا هترجعي على طول؟
_ هرجع معاكم وقت العملية، بس في الإجازة هقضيها معاكم.
قال خليل:
_ طيب يلا غيري هدومك وتعالي نقعد مع بعض.
❈-❈-❈
وقفت حور ترتعد بخوف تنتظر نهايتها حتى تفاجئت بصوت يسألها:
_ حور إيه اللي موقفك كده؟
انتفضت حور إثر ذلك الصوت فاطمأنت عندما وجدته الدكتور ثابت. ازدردت جفاف حلقها وردت بتيهة:
_ لا أبدًا أنا بس كنت دايخة شوية وقلت أرتاح شوية.
تطلعت إلى مكان والدها فوجدته يدلف الغرفة التي كان واقفًا أمامها وحينها أخذتها فرصة وأسرعت بالهرب متجهة إلى المصعد كي تخرج من المشفى قبل أن يعثر عليها.
فتحت المصعد وضغطت على الزر مرات عديدة حتى أغلق ونزل بها للطابق السفلي فتضع يدها على قلبها تنظم أنفاسها المتلاحقة حتى توقف المصعد وفتح الباب فتشهق بصدمة أكبر عندما وجدته أمامها…
يتبع…..
رواية جبل النار الفصل الثالث 3 - بقلم رانيا الخولي
استدارت مسرعة عندما وجدت سليم يدلف المصعد وهو يتحدث في الهاتف.
صدمة أخرى وخطر آخر حاوطها، وتلك المرة في الزاوية.
أولته ظهرها كي لا يراها وقلبها تزداد وتيرته بعنف.
هل هذه نهايتها؟ وإن رأوها ماذا سيكون مصير طفلها؟
مؤكد والدها لن يرحمه كما فعل معها.
تظاهرت هي أيضًا بالعبث بهاتفها كي لا ينتبه إليها، لكنها اندهشت عندما سمعته يقول لمن يحدثه:
_متقلقيش البرج بيبقى عليه حراسة ٢٤ ساعة، مفيش داعي لخوفك، واحتمال بكرة بالكتير هكون عندك._
_ملقتش طيارة لأمريكا النهاردة غير بالليل وكمان الحجز خلص. إن شاء الله هحاول أكون عندك._
كانت واقفة منزوية في أحد الأركان تنتفض رعباً.
لم تستطع الخروج من المصعد، فما إن تستدير لتخرج ستتقابل وجوههم، وحينها لن يردعه شيء عن قتلـ.ـها.
توجه المصعد للدور الثاني حيث ينتظر والدها، وحتى الآن لم تعرف سبب وجودهم.
أخذت وتيرة دقاتها في ازدياد حتى خشيت أن يسمعها أخيها.
كانت يدها ترتعش بقوة مما جعل الهاتف يسقط منها، فينتبه إليها.
ابتعد الهاتف عن أذنه ليسألها:
_في حاجة يا آنسة؟_
هزت رأسها مسرعة ومالت على الهاتف تلتقطه في خوف.
كان يتحدث مع فتاة لذا أخذت كل إحساسه، فلم ينتبه لتلك التي ترتعد بخوف، لو لاحظه لشك بها.
فتنفست الصعداء حينما توقف المصعد وخرج أخيها.
مما جعلها تسقط على الأرض عندما أغلق المصعد خلفه، وضمت ساقيها لصدرها وقد عاد الخوف بأشده إليها.
عادت إليها تلك الذكرى تقتحم مخيلتها، وهي بين يدي والدها يذيقها العذاب بيدين حادتين، ورأسها الذي ضرب في الحائط مرات عديدة بلا شفقة أو رحمة مما سبب لها حالات إغماء مستمرة معها حتى الآن.
والكسور التي تعرضت لها وهو يضرب بلا هوادة، فقط يضرب وصوته المرعب يدوي صداه في أذنها حتى الآن.
وضعت يدها على أذنها تكتم ذلك الصوت وهو يهدر بها بسخط:
_فضحتيني وجبتيلي العار يافاجرة……. مين هو اللي خلص عليكي…… انتي لازم تموتي وأتخلص من عارك…….._
وبعد كل ذلك تجثو على ركبتيها وهي مقيدة على شاطئ البحر، تنظر للمياه التي تتلاطم عليه، فتغمض عينيها بوداع أخير وقدم أخيها التي تهتز على ظهرها تستعد لقذفها.
أصوات تأتي من البعيد، وأيدي تصفعها برفق، تحسها على العودة لوعيها.
لكن لا لا تريد العودة لتلك الحياة الظالمة.
وخز بالإبر وأصوات لا تعرفها، لكنها تأبى العودة، تريد الرحيل، لكن جالت بخاطرها صورة طفلها الذي لا يعرف سواها.
فقاومت وتحدت ذلك الظلام وفتحت عينيها تردد اسمه "إياد".
❈-❈-❈
استيقظ من نومه وهو يشعر بألم شديد في رأسه من تلك الكوابيس التي أصبحت ملازمة له.
نفس الحلم يتكرر معه.
مسح بيده على وجهه.
ثم مد يده يتحسس المنضدة بجواره حتى وصل لهاتفه.
جلس مستندًا بظهره على الوسادة وفتح هاتفه ببصمة الصوت طالبًا رقم عمه، وعندما جاءه الرد:
_ايوة ياعمي صباح الخير._
رد عمه وهو بسيارته:
_صباح النور يا داغر، شكلك لسة قايم من النوم._
مسح داغر بكفه على وجهه وسأل:
_انت فين؟_
_رايح يا سيدي المشوار اللي اتفقنا عليه امبارح، ولا انت بتنسى؟_
زفر داغر بحنق وتمتم مستسلمًا:
_ماشي ياعمي اللي تشوفه، بس حاول متتأخرش._
أغلق الهاتف وألقاه على الفراش بإهمال، ثم فتح الدرج كي يخرج سجائره التي اخفاها عن عمه كي لا يلقيها في القمامة كلما وقعت عيناه عليها.
أخذ واحدة وأشعلها ثم أخذ نفس عميق منها وزفر دخانها، فتجول بخاطره ذكرى مشابهة.
عندما تقابلوا مرة أخرى على سطح السفينة وعلى نفس السياج.
وأثناء حديثهم جاء شخص ليشعل سيجارته بالقرب منها، فأخذت تسعل بقوة.
تطلع إليها بقلق يسألها:
_انتي كويسة؟_
أومأت له بضيق من ذلك الشخص:
_اه كويسة بس بتخنق من ريحة السجاير._
تطلع داغر إلى ذلك الرجل وقال بأمر:
_ارمي السيجارة دي، انت عارف إن ممنوع التدخين على السفينة._
رد الرجل بفتور وهو يكمل تدخينه:
_انا بدخن على البحر وبرمي السيجارة فيه، مش شايف أي مشكلة._
انفعل من رده وقال باحتدام:
_لو مرمتش السيجارة دلوقتي هخلي الأمن يدخلوك أوضتك بالإجبار._
تطلع إليهم الرجل بحنق ثم ألقى السيجارة وابتعد عنهم.
تطلع إليها وسألها باهتمام:
_بقيتي أحسن؟_
أومأت بامتنان:
_اه احسن._
_تحبي نقعد؟_
هزت رأسها بنفي وعادت تنظر للبحر:
_لأ خلينا هنا._
تطلع إلى شعرها الذي قيدته بعصبة، فلم يعد حراً مسترسلاً حول وجهها كما رآه أول مرة.
وكم أراد في تلك اللحظة أن يجذبها ويحرر أسره كي يتناغم مع ذلك الهواء الطلق، لكنه أحجم رغبته كي لا يخيفها منه.
_تعرفي اني لحد دلوقتي معرفش اسمك؟_
تهربت عينيها منه بخجل ثم تمتمت بخفوت:
_أسيل._
استعذب نطق اسمها عندما ردده بينه وبين نفسه ثم قال بثبوت:
_جميل._
_كابتن داغر عايزينك ضروري._
أغمض داغر عينيه بضيق ثم نظر إليها باعتذار:
_أسف._
نظرت إليه بدهشة:
_على إيه ده شغلك._
قال باقتراح:
_طيب إيه رأيك نتعشى مع بعض النهاردة؟_
ظهر الرفض واضحاً دون قوله، لكنه لم يقبل وقال بإصرار:
_وافقي ومش هتندمي، المطعم اللي فوق بيبقى حكاية بالليل._
رغم أن عقلها رفض ذلك، إلا أنها أحبت أن تودع حريتها على الباخرة قبل عودتها إلى المنزل.
أومأت له بصمت مما جعله يقول بسعادة:
_خلاص هستناكي في المطعم، أوعي متجيش._
تركها ورحل دالفاً غرفة القيادة فوجد المساعد يقول بقلق:
_جالنا بلاغ إن في عاصفة هتقوم الليلة وهنضطر نوقف الباخرة لحد ما تمر._
تطلع داغر إلى مؤشرات الرياح، فلاححت ابتسامة على محياه ثم قال آمرًا:
_خليهم ينزلوا المراسي._
أومأ له المساعد وتركه كي ينفذ مهمته.
أما هو فقد أخذ يفكر في خوض مغامرة جديدة يشاركها لأول مرة مع أحد.
أعلن للركاب أن السفينة ستتوقف هذه الليلة بسبب هبوب رياح خفيفة.
_مفيش داعي للقلق._
_العشاء هيكون في أوضكم وياريت محدش يخرج على السطح نهائي._
بدأ الجميع ينسحب بهدوء إلى غرفهم إلا منها.
أرادت أن ترى تجمع السحب الهائل في ذلك الجو البارد.
تشعر ببرودة شديدة، لكنها رفضت أن تدلف غرفتها كي ترتدي معطفاً يحميها من البرودة.
شعرت بالخوف لربما أحد يمنعها من الخروج مرة أخرى.
أخذت تشاهد المنظر وقد بدأت الرياح تهب على سطح السفينة والبرودة تشتد أكثر، حتى أنها أخذت تدلك ذراعيها كي تبث الدفء بها.
انتبهت فجأة لمن يقف خلفها ويضع معطفه على أكتافها، ولم يكن سواه.
التفتت إليه فوجدته يتطلع إليها بعينيه الرماديتين، والتي لم ترى في جاذبيتها من قبل.
ربما لأنها كانت تبتعد عن الجنس الآخر عامة مخافة من أبيها، لكن ذلك استطاع أن يلفت انتباهها بكل سهولة ويسر.
ابتسمت له بامتنان:
_ميرسي._
أومأ لها بابتسامته الساحرة مما جعلها تهرب مسرعة وصوته الأجش يقول:
_كنت عارف إني هلاقيكي هنا، كنت هتعب أوي لو ملقتكيش._
قطبت جبينها بدهشة وسألته:
_ليه؟_
أسند مرفقيه على السياج ناظرًا إلى الغيوم بالأعلى وقال بثبوت:
_كنت هدور في كشف المسافرين عن واحدة اسمها أسيل وأعرف رقم أوضتها عشان تعيش معايا الجو ده._
بدأت السفينة تتراقص مع الأمواج وعينيها هي تتهرب منهم.
مما أعطى له فرصة للتأمل في ملامحها.
تلك الحورية التي خرجت له من المياه لتنثر سحرها على ذلك القلب الصلب، والذي أحاط إياه بسياج من حديد كي لا تستطيع امرأة خرقه.
تلك الصلابة لانت عند نظرة واحدة منها.
لم يصل لمرحلة العشق، لكن ما يعرفه بأنه وضع قدمه على أولى درجاته.
ساد الصمت بينهم وكأن لا أحد منهم يريد اختراقه، أو ربما ينتظر كل منهما أن يبدأ الآخر.
وكان هو من اخترق صمتهم قائلًا:
_تحبي نطلع فوق؟_
شعرت بالقلق لأول مرة عندما جاءت موجة عالية حركت السفينة، فقالت بقلق:
_مفيش خطر؟_
_هو لو فيه خطر هطلبه منك ليه، وبعدين عيبه في حقي أوي، أنا بقالي سنين طويلة في البحر وعارف كل حركاته._
ضحكت أسيل مما جعله يشرد بضحكتها.
كل شيء بها يلفت انتباهه ويجعل ضربات قلبه تنبض بالسعادة.
أشار لها بالتقدم وظل يراقبها خوفًا عليها من السقوط حتى صعدوا إلى أعلى السفينة.
الرياح أشد بالأعلى مما جعلها تتشبث بالسياج، ولم تفلح تلك العصبة بإحكام خصلاتها.
وظل يتهرب خصلة تلو الأخرى حتى سقطت وهو يشاهد في صمت مطبق.
كانت تنظر للأفق منبهرة بالأجواء حولها، وهو منبهر من تلك الفتاة التي جذبته بعفويتها وعدم تصنعها.
ماذا سيفعل عندما تنتهي رحلتهم ويعود كل منهم لحياته.
هو لعمله الذي يجبره على التغيب أيام طويلة.
وإذا عاد يعود إلى الإسكندرية.
هو لا يتحمل الآن عودتها إلى الغرفة، فكيف يتحمل فراقها.
هذا ما كان يخشاه، وهذا ما جعله يحصن قلبه جيداً.
عاد لواقعه وهو مازال يدخن سيجارة تلو الأخرى، وكأنه يريد حرق ذكرياته كما يحرق سيجارته.
لكن هيهات، فقد حفرت بداخله ولن يستطيع التخلص منها سوى بالثأر.
سينتقم منها أشد انتقام وسيجعلها تسقط تحت أقدامه تطلب منه الرحمة، لكن حينها لن يكون لديه قلب يغفر به.
أطفأ السيجارة في المطفأة بغضب جحيمي ثم أمسكها وقذف بها، فتنصدم بالجدار وتتناثر أجزاؤها في كل مكان.
لكن لم تخمد حركته تلك لهيبه، بل تشتعل أكثر وأكثر.
لما كل هذا العذاب الذي يعيشه؟
وإلى متى؟
طرق الباب ودلف منها محسن وهو يسأله بقلق:
_في حاجة يا ابني؟_
حاول ضبط أعصابه وتمتم بثبات:
_مفيش حاجة ياعم محسن، الطفاية بس اتكسرت مني._
تطلع محسن إلى موضعه على الفراش وإلى الزجاج الذي لف الغرفة بأكملها، فعلم أنه فعل ذلك من شدة غضبه.
_طيب خليك متتحركش لحد ما ابعت للبنات تيجي تنضف المكان من الإزاز ده._
خرج محسن ورفع داغر الغطاء ثم ارتدي خفه وتحسس طريقه حتى وصل للمرحاض.
وقف أمام الحوض وتطلع بظلامه للمرآة، والتي كلما واجهها تقتحم تلك الفتاة مخيلته.
لا يستطيع التخلص منها.
وكأنها توغلت داخل أوردته فأصبحت جزء لا يتجزأ به.
ماذا يفعل حتى يستطيع التخلص منها؟
وإذا أراد الانتقام كيف ذلك وهو لا يعرف عنها شيء؟
استخدم معارفه وكل شيء حتى يستطيع الوصول إليها، لكن لا أثر لها.
مال ليضع رأسه أسفل المياه الباردة، ربما بذلك يهدئ من ثورانه، لكن لا فائدة.
مازال ذلك الخائن ينبض له.
مازال عاشقاً لمن تخلت عنه ولاذت بالهرب فور أن علمت بإعاقته.
النيران تشتعل بداخله والمياه الباردة لا تجدي نفعاً.
مر وقت طويل وهو يضع رأسه أسفل المياه حتى رفعه بعد وقت طويل، ناظرًا للمرآة.
هل مازال يراها؟
رفع يده يتحسس موضع المرآة ويقوم بمسحها بيده، ربما تكون طريقة منه لمحوها.
لكن جاءته الإجابة بأسرع وقت.
بأن لا فائدة ترجى وليس له سوى الصبر.
كانت المياه تتساقط من خصلاته على صدره العاري ولم يشعر ببرودتها.
ما دامت تلك الفتاة بداخله، فستظل دماءه تغلي كبركان ثائر.
❈-❈-❈
وضعت حور الكوب على المنضدة بجوارها بتعب، فسألتها إحداهن:
_ها بقيتي أحسن دلوقتي؟_
أومأت لها وقد بدأت تسترد وعيها وسألتها بوهن:
_إيه اللي حصل؟_
نهضت زميلتها كي تنزع المحلول من يدها بعد انتهاءه وقالت:
_كالعادة حالة الإغماء اللي بتتعرضي ليها، بس المرة دي طولت أوي._
_هي الساعة كام دلوقتي؟_
خلعت الجهاز من يدها وهي تجيبها:
_إحنا بقينا الصبح ميعاد انصرافك._
نهضت من السرير لتستعد للذهاب، لكن سهى منعتها قائلة:
_انتي رايحة فين بحالتك دي، اصبري شوية لحد ما تفوقي._
نهضت حور بإصرار قائلة:
_لأ، أنا لازم أروح._
دنت منها لتساعدها على السير:
_طيب خليني أساعدك._
عادت حور إلى المنزل وتوجهت إلى غرفتها كي لا يلاحظ أحد حالتها.
أخذت حماماً دافئاً ثم اندست تحت الفراش لتسمح لدموعها بالعنان.
مازال الخوف يفعم قلبها.
وكلما حاولت نسيان الماضي يأتي إليها بأشده.
ماذا ستفعل لو علموا بوجودها؟
لن يرحمها أبيها مهما ترجته، وربما أيضاً يؤذي طفلها إن علم بوجوده.
بعد مرور وقت طرق الباب ودلفت أمينة التي تفاجئت بمجيئها:
_حور انتي رجعتي امتى؟ أنا قلقت عليكي وقلت إيه اللي آخرك._
مسحت دموعها مسرعة واعتدلت في فراشها قائلة:
_أصلي جيت بدري النهاردة وطلعت أوضتي على طول، قلت بلاش أقلقكم._
أومأت لها بتفاهم:
_طيب لسة مصرة تفضلي لوحدك؟ حازم تحت وعايزك تقضي اليوم معاهم._
_معلش سيبوني على راحتي._
تنهدت أمينة بيأس منها:
_خلاص براحتك بس أنا هاخد إياد معايا ومتخافيش محدش هياخد باله منه._
تركتها أمينة وخرجت من الغرفة فوجدت حازم واقفاً على أحر من الجمر.
تنهدت بيأس من ابنها الذي مازال ينتظر أملاً زائفاً ويترك زوجته التي تفعل كل ما بوسعها لإسعاده.
دنت منه وهي تقول بروية:
_يلا نمشي إحنا عشان هي جاية تعبانة ومش هتقدر تيجي معانا._
سألها بلهفة:
_ليه مالها؟_
_مفيش هي بس عايزة تنام لأنها منمتش امبارح كويس._
أومأ لها وحمل إياد وخرج مع والدته وذهب بهم لمنزله.
كانت هايدي سعيدة بوجوده معهم بمعزة صافية واهتمت به طوال مكوثه معهم.
دلف حازم المطبخ مقبلاً وجنتها وقال:
_تحبي أساعدك؟_
ابتسمت هايدي وقالت:
_اه ياحبيبي حط الأطباق على السفرة وخلاص._
قام بمساعدتها وهو ما يفعله دائماً في يوم إجازته، يساعدها في كل شيء، فهي تعمل طبيبة مثله ولا تسمح بأن يأتي أحد لمساعدتها، لذا هو يساعدها كما تساعده هي في كل شيء.
تعلم جيداً بأنه يفعل ذلك لشعوره بالخيانة تجاهها، وكأنه بتلك الطريقة يكفر عن ذنبه بحقها، ولا يعرف أنها لا تريد سوى قلبه.
كانت أمينة تنظر إليهم برضا وتمنت أن ينزع الله حب حور من قلبه لأجل زوجته التي لا تفعل شيئاً سوى إسعاده.
قد تكون مبالغة في اهتمامها به، حتى عندما تسمح له بمساعدتها تسمح له فقط بالأشياء البسيطة، وهذا يعد خطأ كبيراً من وجهة نظرها.
عليه أن تشعره بالفقد كي يشعر باحتياجه لها، لكنه الآن ينعم بذلك الاهتمام ولا يشعر بالنقص.
جلسوا جميعاً على طاولة الطعام والتوأم يتسابقون على إطعام إياد، والذي كان بدوره سعيد بوجوده معهم.
تطلعت هايدي إلى إياد بحب وقالت:
_كل ما أشوف إياد أحن للأطفال._
تطلعت لحازم الذي يتناول طعامه دون انتباه لها وسألته:
_ايه رأيك ياحازم لو نجيب بيبي تاني؟_
انتبه حازم لكلمتها الأخيرة فتطلع إليها بامتعاض قائلاً:
_أنا قلت إن العذاب اللي شوفتيه مع عمر وعلي هيخليكي تنسي الموضوع ده خالص._
_لأ طبعاً انت عارف أنا بحب الأطفال قد إيه وبعدين ده تخصصي._
ترك الملعقة من يده ورد بعدم اهتمام وهو ينهض من مقعده:
_خليها لما الولاد يدخلوا المدرسة._
تركها دالفاً المرحاض فتطلعت في أثره بنظرة يملؤها العتاب.
ربتت أمينة على يدها وقالت بحنان:
_هو أكيد خايف عليكي، عارف إنك مضغوطة في البيت والمستشفى._
أخفت هايدي تلك الغصة بداخلها وقالت بابتسامة زائفة:
_أكيد._
نهضت لتحمل الأطباق وتضعها في المطبخ.
أما أمينة فدلت غرفة المكتب خلف ابنها وقالت باحتدام:
_وبعدين معاك ياحازم، انت هتفضل كاسر بخاطرها لحد امتى._
عقد حاجبيه باندهاش وهو يجلس خلف مكتبه:
_أنا يا أمي؟ ليه؟ هعمل إيه أكتر من اللي بعمله؟_
جلست أمينة على المقعد قبالته وقالت بحيادية:
_أنا عارفة إنك مقصرتش معاها في حاجة، بس أحيانًا ردك عليها بيجرحها. هي نفسها تخلف تاني ليه بقا بترفض بقلة الذوق دي؟_
تنهد بتعب وعاد بظهره للوراء:
_مينفعش دلوقتي على الأقل، وقلت الكلام ده أكتر من مرة._
_ليه؟_
تهرب حازم برتابة:
_ياستي أنا مش عايز حاجة تشغلها عن علي وعمر، هما برضه لسه مكملوش خمس سنين._
_بس هي نفسها في…_
قاطعه حازم بحزم:
_ماما خلاص خلينا نقفل على الموضوع ده._
كانت تود أن تواجهه بحقيقة رفضه، لكنها فضلت الصمت تحسباً لوجود زوجته.
❈-❈-❈
استيقظت حور إثر تلك اللمسات الناعمة التي تداعب وجهها.
فتحت عينيها بتثاقل، فيقع بصرها عليه وتقابل عينيها الصافية بعينيه التي تنثر سحرها على كل من يراها.
ذلك الحبيب الذي استوطن قلبها دون أي مجابهة كي تحرر قلبها من استيطانه.
لاح العتاب بعينيها وكأنه أبلغ من الكلام.
عاتبت عشقه الذي خدعها به.
وقلبه الذي أضعف قلبها بهوى الروح.
وعيونه… آااااه من تلك العيون التي تأسر بسحرها الأبصار، فتجعلها خاضعة لها كي لا ترى غيرها.
وقد كان له ما أراد وجعلها رغم قسوته، إلا إن قلبها مازال ينبض له كلما تذكرت أوقاتهم معاً.
مازالت تعشقه ومازال الحب مستوطن أوردتها يسير بدمائها.
رفعت يدها تتحسس تلك العينين، لكن انتهى كل شيء فور عودتها لواقعها المرير.
فتجد نفسها وحيدة منبوذة ملقبة بالخاطئة من أهله.
نهضت تهرب من ذكرياتها والتي زادت تلك الأيام ولا تعرف لما.
فضلت العمل بالليل كي تعود في الصباح منهكة وتلوذ بالفرار للنوم، لكن لم يفلح شيء معها.
رن هاتفها ولم يكن سوى مدير المستشفى التي تعمل به.
لابد أنه غاضب منها لتركها المشفى دون أن تخبره.
ردت عليه فتجده يبدأ هو:
_أيوة ياحور انتي فين؟ بعتلك تاني قالوا إنك تعبتي وروحتي البيت._
اعتدلت حور في الفراش وتمتمت:
_أنا تعبت شوية ومقدرتش آجي لما لقيت بابا في المستشفى، هو كان في حاجة؟_
رد عاصم بعدم اكتراث:
_مفيش، هو كان عازم نفسه عندي على العشاء وشكل مراته كان عندها برد في معدتها فحبت تدلع شوية، لكن متقلقيش أنا كنت مأمن كل حاجة وعشان كده طلبت من الممرضة إنها تبعتك المكتب اللي فوق، المهم أول ما توصلي تجيني المكتب عشان عايزك ضروري._
أغلقت الهاتف ووضعته على المنضدة.
ثم خرجت من الغرفة فتجد المكان معتماً.
يبدو أنهم لم يعودوا بعد.
أضاءت الأنوار ودلفت المطبخ كي تحضر طعامها، لكنها لم تشعر بالجوع، لذا قررت الذهاب للمشفى.
قامت بتبديل ملابسها وذهبت إليها متجهة إلى مكتب المدير كما طلب منها.
سمح لها بالولوج بعد أن طرقت الباب ودخلت ليشير لها بالجلوس على المقعد:
_تعالي ياحور أقعدي._
جلست قبالته وهي تسأله:
_خير يا دكتور._
_شوفي ياستي واحد صاحبي ابنه عمل حادث وللأسف أصبح كفيف وهو بيضطر يسافر القاهرة كتير عشان شغله ومحتاج ممرضة تكون جانبه._
رمشت بعينيها مرات متتالية وتمتمت:
_بس انت عارف إني مقدرش أسيب ابني وخصوصاً….._
قاطعها بإصرار:
_ابنك انتي سيباه مع دادة أمينة يعني مفيش قلق عليه، وبعدين ده صديق عمري ومش عايز أبعتله أي واحدة وخلاص، وإنتي برضه عارفة معزتك عندي قد إيه وعشان كده اخترتك انتي ومتخافيش المكان بعيد ومحدش فيه هيعرفك._
لم تجد حل آخر بعد أن رأت والدها في المشفى، لذلك وافقت مجبرة كي تبتعد عن المنطقة قليلاً.
تابع عاصم حديثه:
_هو اسمه خليل الحسيني وعايش هنا في إسكندرية في……. لمدة شهرين وهيرجع تاني أمريكا عشان يعمل العملية الأخيرة._
رددت حور الاسم لتمر لحظات قبل أن تستوعب الموقف و…..
رواية جبل النار الفصل الرابع 4 - بقلم رانيا الخولي
مر اليوم ببطء شديد. أصبحت حياته خالية من كل شيء. فقط ظلام دامس وأصوات تخبره بأنه مازال على قيد الحياة. لكن أي حياة تلك التي يعيشها وقد انتزعت منه كل سبلها؟
يقف على الشاطئ يستمع لتلاطم المياه، والتي وحدها تشعره بأنه مازال حي يتنفس.
كانت ليلة باردة تنذر بهبوط أمطار، مما صعب الأمر عليه. كانت تلك الليالي من أمتع الأوقات على قلبه، حيث يأخذ زورقه ويجابه تلك الأمواج الثائرة، غير عابئ بقسوتها.
عادت إليه الذكريات في تلك الليلة العاصفة. كيف وقفا وحدهما على سطح السفينة يشاهدوا الأمواج التي تعلو وتهبط وتهز السفينة، فتجعلها تتمرجح على سطح المياه متناغمة مع أمواجه.
كانت سعادتها لا توصف عندما تساقطت الأمطار الغزيرة، وهي متشبثة بالحديد كي تثبت توازنها مع حركة السفينة. فتبلل خصلاتها وتخمد ثورتها التي لفحت وجهه مرات كثيرة.
تطلعت إلى المكان حولها وتمتمت بشغف:
_ أنا مش مصدقة إني بعيش الأجواء دي وسط البحر.
استند بظهره على السياج يراقب شغفها، ثم تحدث بابتسامة عريضة:
_ لو عايزة تعشيها في قلب المياه معنديش مانع.
قطبت جبينها بدهشة وسألته:
_ إزاي؟ مش فاهمة؟
اعتدل في وقفته ومد يده يجذب يدها:
_ تعالي معايا وأنا هعرفك.
سحبت يدها مسرعة وأخفتها خلف ظهرها، مما جعله يعتذر قائلاً:
_ أنا آسفة، بس أنا شايف إنك مش متوازنة على السفينة ولو اتحركتي هتقعي.
هزت رأسها بنفي وتحدثت بإحراج:
_ لأ، هقدر أتحرك عادي.
وما إن تركت يدها السياج حتى سقطت على الأرض، فيسقط قلبه معها. كانت ترتدي بنطال أسود وبلوزة شتوية ثقيلة، وعليها سترته التي غاصت بها لفرق الحجم بينهم. سألها بلهفة:
_ إنتِ كويسة؟
تبللت ملابسها إثر سقوطها، فاستندت على ركبتيها متمتمة بخجل:
_ آه، كويسة.
مد يده وهو يومئ لها ألا تعاند. نظرت إلى يده الممدودة بتردد، وقد سرت البرودة في جسدها من ابتلالها بمياه الأمطار. أبت، لكن عندما وجدت صعوبة في النهوض، أرضخت له ومدت يدها مجبرة.
وما إن لامست يداه أناملها الرقيقة حتى شعرت بتدفق الدماء في جسده احتجاجًا على قوة هذه المشاعر التي شعر بها. لو كان يعلم أن هذا ما سيحدث له من هذه اللمسة، ما فعلها حتى إذا كانت أنفاسه الأخيرة بها، فقد جعلت وتيرة قلبه تزداد بقوة.
وكم صعب عليه الأمر حينما اضطر إلى الاحتفاظ بها حتى تنزل الدرج، مما جعله يسحبها بتشتت. وضع حد لتلك المعاناة قائلاً:
_ اسندي على السور الحديد وانزلي براحة وحاولي تكون حركتك متزنة عشان متقعيش. هستناكي قدام الممر لحد ما تغيري هدومك، وياريت تكون حاجة مناسبة للجو ده.
خلعت سترته، لكنه رفض قائلاً:
_ خليها، أنا مش محتاجها.
دلفت الغرفة وقامت بتبديل ملابسها بأخرى ثقيلة تحميها من المطر وارتدت حذاء مناسب.
نظرت إلى هيئتها في المرآة، ثم شعرت برعشة تنتابها وهي تتذكر والده. ماذا سيفعل إن علم بما تفعله؟ ماذا إن كان هناك من يراقبها بدافع منه وينتظر وصولهم حتى يخبره بما تفعله؟ حاوطت جسدها بذراعيها وكأن المشهد يحدث أمامها.
ضرب، تعذيب، حبس بأربع جدران، نظرات شامتة متشفية. وعند تلك النقطة قد تصل للق.تـ.ـلا.
تـ.ـلا. زادت ارتعاشتها وهي تتذكر صوته الذي طنينه يظل بأذنها حتى يكاد يدفعها للجنون. سقطت على الأرض وأنزوت بأحد الأركان تصم أذنيها عن ذلك الطنين وجسدها يرتعش بخوف. لكن لم تفلح يديها في صد تلك الأصوات عنها.
سئم داغر من الانتظار وتطلع إلى غرفتها فلم يجد إشارة لخروجها. انتظر أكثر حتى شعر بالقلق عليها، فتقدم من الغرفة وطرق الباب فلم يجد رداً. ازداد شعوره بالقلق أكثر فسألها:
_ أسيل، انتِ كويسة؟
لم تجيبه، فاسترق السمع أكثر لكن لم يسمع شيء. طرق الباب بقوة أكثر:
_ أسيل، ردي عليا..
لم يجد منها إجابة مما جعل شعور القلق بداخله يزداد. فلا بد من فتح الباب والدخول، لكن كيف ذلك؟ لمح عامل النظافة يمر داخل الممر فناداه قائلاً:
_ عم طلال، تعالى أفتح الباب ده.
تقدم العامل منه وهو يقول:
_ من عينيه يا غالي.
أخرج العامل الكارت ووضعه في مكانه فانفتح الباب، ثم شكره:
_ متشكر يا عم طلال.
انصرف الرجل ودلف داغر ليجدها منزوية في أحد الأركان تنتفض بخوف. أسرع إليها يجثو أمامها ويسألها بلهفة:
_ في إيه؟
كانت تضع يدها على أذنها بشكل مهيب، فمد يده كي يبعد يدها عن أذنها لكي تسمعه، لكن حينها صدرت منها صرخة خوف وأخذت تنزوي أكثر. رفع داغر يديه وتمتم بهدوء:
_ طب إهدي، إهدي متخافيش، انتِ في أمان معايا.
أعادها صوته الحاني إلى رشدها قليلًا، لكن تلك الأصوات مازالت تقتحم أذنها. تمتم داغر بحنو:
_ قولتلك متخافيش، انتِ في أمان معايا، مفيش داعي لخوفك ده.
مد يده بروية كي يبعد يديها وهو يتمتم بحيطة:
_ خلاص، اهدي.
بهدوء وروية، أبعد يدها عن أذنها واستسلام تام منها، ثم رفعت أهدابها بتباطؤ كأنها تخشى مما ستراه أمامها. وعندما لاحظ ذلك تمتم بخفوت:
_ متخافيش، طول ما انتِ معايا متخافيش من أي حاجة. قومي متخافيش.
ولم يستوعب ذلك الذعر الذي يراه بعينيها والذي يدل على أن هذه الفتاة لاقت من الدنيا أشد العذاب. شعر بغصة تهز قلبه، لكنه أخفاها بابتسامة بثت الأمان بداخلها عندما لاحظ ترددها:
_ قولتلك طول ما انتِ معايا متخافيش. قومي معايا.
عاد داغر إليها وهو يحمل عصير الليمون الذي أصر أن يعده بنفسه. فيجدها جالسة على حافة الفراش في شرودها المعتاد. جذب المقعد ليجلس عليه أمامها ثم قدم لها الكوب قائلاً بابتسامة:
_ اشربي الليمون ده، هيهديكي شوية.
مدت يدها التي ما زالت تنتابها رعشة خفيفة وتمتم بخفوت:
_ متشكرة.
_ لا شكر على واجب يا ستي، المهم تخلصي العصير بسرعة عشان ننفذ اللي وعدتك به.
قطبت جبينها متسائلة، فرد قائلاً:
_ نسيتي ولا إيه؟
تذكرت أسيل وتمتمت بخفوت:
_ لأ، منستش، بس خليها مرة تانية.
رد بإصرار:
_ أنا مش ضامن أنها تتكرر تاني وانتِ معايا، يلا وأنا هخليكي تنسي اسمك.
وافقت أسيل مرغمة، لكنها أرادت أن تسرق لحظات سعيدة من الزمن، ربما تظل ذكرى سعيدة بحياتها ولا تكون نقمة سقطت عليها. أخذها وذهب للمركب الملحق بالسفينة، مما جعلها تندهش وتسأله بحيرة:
_ هتعمل إيه؟
رد بابتسامة يطمئنها بها وهو يحل وثاقه:
_ هعيشك مغامرة عمرك ما هتنسيها.
لاح على محياها التردد وهي تنظر للأمواج المتلاطمة وشعرت بالخوف. ليس خوفًا على نفسها، فالموت أهون بكثير من الحياة المقبلة عليه. لكن هي لا تريد أن تكون سببًا في حادث قد يؤدي بحياته. وعندما لاحظ ترددها قال بثقة:
_ تعالي ومتخافيش.
بعد تردد دام للحظات، استسلمت ليده التي مدها إليها وساعدها كي تصعد على متنه، ثم ساعدها للجلوس على المقعد المخصص بجواره، وأخذ هو يتولى تشغيله وسألها:
_ جاهزة؟
تطلعت بعينيها البنية إلى عينيه وأومأت له بصمت. تحرك المركب ببطء في البداية، ثم بدأ يسرعه رويداً رويداً، وهي تتشبث بخوف بكل ما تجده.
_ كابتن داغر، أرجوك هدي السرعة شوية.
تمتم داغر بامتعاض:
_ إيه كابتن دي؟ في وقت زي اللي بنعيشه ده، مش عايز أي ألقاب.
أومأت له بابتسامة، لكنها اختفت عندما وجدت أنهم ابتعدا كثيرًا عن السفينة. ظل يقود المركب بسرعة حتى ابتعد عن الباخرة، فقالت بوجل:
_ لأ، بلاش نبعد أكتر من كده.
تطلع إليها بعينيه التي لم يخفِ الظلام حلاوتها وقال بلهجة بثت الاطمئنان بداخلها:
_ طول ما أنا معاكي متخافيش.
طمئنها بجملته، لكنه لا يعرف أنها لا تخاف على حياتها، بل حياته هو. ظل ملتزم الصمت منتبهًا فقط للمياه أمامه، وتركها تتأمل الأجواء بانبهار. صرخ عندما يرتفع الزورق بهم وينزل، لكن صرختها تكون بفرحة وانبهار، وقد تناست كل شيء في تلك اللحظة، فقد تريد أن تتعايش مع لحظاتها التي من المؤكد أنها لن تعيشها مرة أخرى.
قذفت موجة مياهها عليهم، فقالت أسيل:
_ كابتن، إحنا كده هنغرق.
ضحك داغر:
_ هو أنا هقولها كام مرة (شدد على كلمته) انتي معايا.
وبعد مرور لحظات، وجدت المركب يتوقف أمام جزيرة ليست كبيرة، ويوجد بها منارة عالية يلتف ضوءها بروية. أوقف المركب بجوار الممر، ثم ترجل هو أولاً وقام بربط المركب كي لا ينجرف مع التيار، ثم مد له يدها كي يساعدها على النزول. لكنها أبت وسألته:
_ إحنا فين؟
_ ثقي فيا وتعالي.
رفضت يده التي يمدها لها وأبت أن تكررها، وتماسكت جيدًا، ثم خرجت منها رغم صعوبتها. توقفت أسيل مكانها وهي تنظر إلى المكان بعدم استيعاب. الأشجار المثمرة والأرضية الخضراء تبث الراحة في قلب من يراها. كانت الإضاءة خافتة وضوء المنارة يدور في المكان مشكلًا هالة من السحر.
خرج رجل من كوخ صغير وهو يشير له متحدثًا:
_ كنت أنتظر مجيئك.
تطلعت إلى داغر الذي أشار له بدوره ورد قائلاً:
_ تعلم جيدًا بأني لن أفوت مثل تلك الفرصة.
ثم نظر إلى أسيل:
_ تعالي يا سيلا، هنفضل هنا شوية لحد العاصفة ما تهدى لأن شكلها هتزيد.
وافقت وهي لأول مرة تتصرف بتهور. فهي تدرس كل خطوة قبل أن تخطيها، إلا منذ ولوجها لتلك السفينة. كل شيء تبدل، حتى هي. سارت بجواره حتى تقدموا من ذلك الرجل واحتضن داغر، ثم قال بمزاح وهو يبتعد عنه:
_ أوووه، أرى ملابسك قد تبللت، لديك الكثير من الملابس بالداخل. ادخل أنت وحبيبتك كي تبدلها.
لم تفهم أسيل ما يقول، لذا التزمت الصمت. فنظر إليها قائلاً:
_ تعالي نغير هدومنا عشان متبرديش.
ازدردت لعابها بوجل وقالت:
_ لأ، أنا كده كويسة.
علم أنها شعرت بالخوف من ذلك المكان، ولا يلومها على ذلك، فلم يمر عليهم سوى يومين. فقال بلهجته الحانية:
_ لو خايفة من حاجة، فأنا بطمنك إن المكان هنا آمن ومفيش داعي لخوفك.
أخفضت عينيها للحظات، ثم رفعت وجهها إليه لتومئ له بصمت. أشار لها بالتقدم وسارت معه حتى دلفوا إلى الكوخ. كان منظمًا رغم قدمه والحياة به تبدو جميلة. أشار لها داغر على أحد الغرف:
_ ادخلي الأوضة دي.
دلفت الغرفة فوجدته يدلف خلفها، وقبل أن تعترض وجدته يتقدم من الخزانة وأخرج ملابس منها ووضعها على الفراش أمامها:
_ معلش بقى لبس رجالي لأن مفيش حد بييجي هنا غيري أو عمال الصيانة لو في عطل في المنارة.
تطلعت إلى الملابس التي تبدو خاصة به هو لعلامتها التجارية المطبوعة عليها، لن يرتديها واحد مثل جاك في ذلك المكان. خرج داغر من الغرفة بعد أن أخذ ملابس له أيضًا، وقامت هي بتبديل ملابسها. ارتدت ملابسه الفضفاضة، وكان مثل ما كانت ترتدي بنطال أبيض وبلوزة بيضاء. لاحت ابتسامة على ثغرها، ثم خرجت من الغرفة لتجده هو أيضًا قد بدل ملابسه لمنامة قطنية. ووقف يحضر الطعام مع جاك. كانت رائحة الطعام جيدة مما جعلها تشعر بالجوع أكثر. تركتهم وخرجت من الكوخ، فتجد أن الأمطار توقفت لكن البحر مازال ثائر. ظلت تتمشى حتى وصلت للشاطئ، ولم تعلم بأنه يراقبها. كانت ترتدي غطاء رأس صوفية مما حدد وجهها أكثر. سار كالمسحور خلفها حتى وقفت عند الشاطئ، وعندما شعرت بخطوات خلفها استدارت مسرعة فوجدته هو بابتسامته الجميلة:
_ متخافيش، المكان هنا آمن.
عادت تنظر للأمام وقالت بإعجاب:
_ كل حاجة هنا حلوة، الهدوء والطبيعة والبحر. بتخيل المكان ده بالنهار بيكون شكله إيه.
استمتع بانبهارها:
_ بيكون ساحر أكتر وملفت أكتر.
جالت الذكريات في مخيلته وهو يتابع:
_ من تلات سنين فكرت أعمل اللي عملته النهاردة، بس المركب كان فيها عطل ومنتبهتش له. كنت بعيد عن السفينة ومكنش قدامي غير جزيرة المنارة. نطيت في المايه وفضلت أعوم لحد ما وصلت لها، ووقتها كنت خلاص جسمي اتشنج من البرد والعوم المسافة دي كلها. جاك أنقذني وفضلت عنده لحد ما الفريق اللي معايا لاحظ تأخري وبدأوا يدوروا عليا لحد ما وصلوا للجزيرة. ومن وقتها وأنا وجاك أصدقاء وبنتقابل كل فترة.
أشار لها بالجلوس:
_ تعالي نقعد لحد جاك ما يجهز العشا.
جلسا على الأعشاب المبتلة، ثم سألها:
_ أنا معرفش حاجة عنك غير اسمك وإنك من أم إيطالية.
عاد الحزن يغلف عينيها كأنه ذكرها بما تود نسيانه، لكنها رغم ذلك قالت بشرود:
_ أنا أسيل حسين النعماني، عمري اتنين وعشرين سنة. اتعلمت في مصر بس دخلت الجامعة في إيطاليا آخر سنتين، عشان أكون جنب ماماليا. أخ وحيد وبابا بعد ما طلقها اتجوز بنت عمه بس مش بيخلف وهو ما اهتمش إنه يخلف تاني. كانت علاقتي بيها سطحية ومكنش فيه كلام بينا، وعشان كده هي اللي أقنعت بابا إني أسافر لأمي عشان تخلص مني. ولما ماما ماتت كنت خلصت الجامعة وبابا طلب مني أرجع مصر. هي دي كل حكايتي.
_ تعرفي إن قصتنا متشابهة.
عقدت حاجبيها متسائلة، فتابع:
_ ماما برضه ماتت وأنا عمري تلات سنين، وبابا برضه اتجوز، بس اتجوز أختها من الأب، ولأنها كانت بتغير منها رفضت وجودي في حياتها. ولما بابا قرر يعيش بره مصر، رفضت أكون معاهم، وأنا طلبت إني أعيش مع عمي ومش بشوفه غير كل تلات سنين وأكتر كمان.
تأثرت أسيل بقصته والتي شابهت قصتها هي أيضًا. جاء جاك وهو يحمل الطعام ووضعه أمامهم، ثم قال لداغر:
_ سوف أنام بالمنارة، وبعد الانتهاء من طعامكم بإمكانكم النوم في الكوخ.
أومأ له داغر وتركهم متجهاً إلى المنارة. تطلعت إليه أسيل بامتعاض:
_ إحنا هنبات هنا؟
_ لا طبعاً، لأني لازم أرجع شغلي. أول العاصفة ما تهدى هنمشي على طول.
كانت رائحة الطعام شهية، فقال داغر وهو يضع الطبق أمامها:
_ عايز أقولك إني باجي هنا مخصوص عشان آكل السمك ده من إيد جاك.
بدأوا بتناول طعامهم وكل واحد منهم يحكي للآخر ما يفضله أو يبغضه، حتى هدئت العاصفة واضطروا للعودة. تناسوا تمامًا أمر ملابسهم وعادوا بالملابس التي ارتدوها، ولم تنتبه لها أسيل إلا فور دخولها الغرفة. أما هو فلم يبالي، فقد أقسم أن يعودوا إليها مرة أخرى مهما مرت الأعوام.
دلفت أسيل غرفتها وأبدلت ملابسه التي ترتديها. استلقت على فراشها بعد أن أشعلت المدفأة وأخذت تفكر في لحظات لم ترى مثلها من قبل، حتى إنها لأول مرة تسعد بقرار اتخذته عندما قررت السفر بالباخرة كي تماطل في سفرها. تطلعت لملابسه التي وضعتها بعناية على المقعد وأخذت تتذكر أوقاتهم معًا وذلك الشعور العجيب الذي يراودها كلما وقعت عيناها عليه.
أما هو فلم تترك مخيلته لحظة واحدة، ولا يعرف سببًا لذلك. هو هو العشق الذي سمع عنه؟ لكن كيف أتى إليه بتلك السرعة؟ أخذ هاتفه من فوق المنضدة وقام بفتحه والنظر إلى صورها التي التقطها دون أن تدري. كانت واقفة مستندة بمرفقيها على السياج، وأخرى وخصلاتها تتطاير بفعل الهواء. وأخرى أظهرت عينين لاح بها حزن الدنيا. وأخرى التقطها وقت غروب الشمس، فظهر وجهها واضحًا بجوار قرص الشمس المستدير، فلم يفرق بينهما. هي هي شمسه التي اعترف أخيرًا بأنها وحدها من استطاعت بنورها إضاءة عتمة قلبه.
أشرق الصباح عليهم ولم يستطع أحد منهم النوم. كان كل تفكيرهم في وصولهم لمصر، ماذا سيفعل كلاهما؟ وهي ستعود لمصير محتوم، وهو لحياته وعمله. كانت أجازته تلك المرة ثلاث أيام فقط وسيسافر بعدها برحلة تستمر أسبوعين.
خرجت لسطح السفينة كي تتناول إفطارها رغم عدم وجود شهية لديها، لكنها أرادت أن تراه مرة أخرى قبل أن يعودوا الليلة إلى الإسكندرية. أخذت تتلاعب بطعامها بشرود حتى يأست من مجيئه، فعادت إلى غرفتها كي تحاول النوم.
طرق الباب مما جعلها تندهش. ارتدت مئزرها وفتحت الباب فتجد أحد عمال المطعم يحمل بين يديه طاولة طعام صغيرة وقال باحترام:
_ آسف على إزعاج حضرتك، بس الكابتن داغر طلب مني أبعتلك الفطار ده وقالي مرجعش إلا لما تاخديه مني.
حاولت اخفاء ابتسامتها وقالت بامتنان:
_ متشكرة أوي، تقدر تدخله.
دلف العامل وقام بوضعه على الطاولة ثم انصرف. تقدمت من الطعام تنظر إليه برضى، فتلاحظ ورقة مطوية داخل زجاجة صغيرة. امسكتها بحيرة ثم فتحتها واخرجت منها الورقة وكان محتواها:
_ لاحظت إنك مأكلتيش شيء من فطارك، فقلت أبعتلك فطار على ذوقي. أما الغدا فهيكون برضه على ذوقي، بس في المكان اللي يعجبك.
طوت الورقة ووضعتها مرة أخرى في الزجاجة، ثم اخذت تنظر إليها بسعادة. رفرفت بقلبها لأول مرة. احتضنتها بشدة قبل أن تضعها داخل الحقيبة، ثم جلست تتناول الإفطار بشهية حتى انهته.
❈-❈-❈
عادت حور إلى المنزل كي تستعد لتلك المهمة. لكن كيف تقنع حازم وأمينة بذلك العمل الجديد؟ تعلم جيدًا بأنه يرفض مثل ذلك النوع من العمل، وخاصة إن كان رجلًا. هي لا ترى ضيرًا في ذلك، كما أنها ستعود في المساء. دلفت المنزل فتندهش أمينة من عودتها فسألتها بقلق:
_ حور، مالك يابنتي؟ إيه اللي رجعك؟
وضعت حور الحقيبة على الأريكة وجلست بجوار أمينة وهي تقول بثبوت:
_ غيرت الشيفت وبعد كده هشتغل بالنهار.
_ أحسن برضه، أنا كنت ببقى قلقانة عليكي طول الليل. هقوم بقى أسخنلك العشا اللي هايدي بعته لكِ بس لقيتك مشيتي قبل ما أوصل.
منعتها حور من النهوض:
_ خليكي، أنا هقوم أجهزه بنفسي.
نهضت حور وتبعتها أمينة بعينيها وقد اندهشت من حالتها. أمس كانت بحالة يرثى لها، أما الآن فالأمر مختلف تمامًا. تبدو أمامها وكأنها كانت تعاني حملًا ثقيلًا وانزاح أخيرًا عن كاهلها. أخذت تراقبها وهي تتناول طعامها بشهية لم تراها من قبل، مما جعلها تسألها بحيرة:
_ حور، انتي كويسة؟
أومأت دون النظر إليها، وهذا جعلها تقلق أكثر، فعادت تسألها:
_ طيب، في حاجة حصلت إمبارح في المستشفى؟
أجابت دون أن ترفع عينيها من الطبق:
_ شوفت بابا وسليم إمبارح في المستشفى.
ضربت أمينة بيدها على صدرها وقالت برعب:
_ حد منهم شافك؟
_ تؤ، محدش أخد باله مني.
رفعت عينيها أخيرًا وأردفت:
_ بس كان ممكن يشوفوني بسهولة، فقررت إني أبعد عن المستشفى الفترة دي.
قطبت أمينة جبينها بدهشة وسألتها:
_ إزاي بتقولي هتشتغلي بالنهار، وانتي هتبعدي عن المستشفى الفترة دي زي ما بتقولي؟
تركت الملعقة من يدها وقالت ببساطة:
_ لأني ناوية أشتغل ممرضة خاصة لواحد أعمى.
قالت كلمتها الأخيرة وهي تحاول ضبط أعصابها، لكن يبدو أنها فشلت في ذلك وبدأ الشك يتلاعب بقلب أمينة، فتسألها:
_ ومن إمتى بتوافقي على الشغل الخاص؟
مسحت يدها بالمحرمة وألقتها بأهمال على الطاولة وهي تجيب:
_ من وقت ما شفتهم في المستشفى، عايزة أبعد عن أي حاجة تفكرني بيهم.
_ مختلفناش، بس مش بالطريقة دي، ومع راجل كمان.
بدأ يصعب عليها التحكم في أعصابها وقالت باحتدام:
_ بقولك أعمى.
ردت أمينة بصبر عندما لاحظت تعصبها:
_ برضه راجل ياحبيتي، وأنا مش هآمن عليكي وإنتي مع ناس.
قاطعتها حور بإصرار:
_ أنا مش صغيرة وأعرف أحافظ على نفسي كويس.
لم تشأ أمينة أن تجادل معها أكثر من ذلك كي لا تنهار وتفقد وعيها، لذا قررت أن تهاودها:
_ طيب، إنتي تعرفي الناس دي؟ يعني ناس كويسة؟ أآمن عليكي معاهم.
اهتزت عينيها قبل أن تجيب:
_ الدكتور عاصم يعرفهم، قالي إنه ابن واحد صاحبه.
اتسعت عين أمينة وقالت باندفاع:
_ كمان شاب؟
تنهدت حور بتعب وقالت:
_ إيه المشكلة لما يكون شاب؟ وبعدين هو مش لوحده وهكون معاه بالنهار بس وهرجع أبات معاكي، يبقى فين المشكلة.
ردت أمينة بحدة:
_ المشكلة اللي مش واخدة بالك منها هو حازم، مستحيل يوافق على المهزلة دي.
_ وإيه اللي هيعرفه؟
عقدت حاجبيها بدهشة وسألتها:
_ يعني إيه؟ عايزة تخبي عليه؟
نهضت حور تنهي ذلك الجدال، لكن أمينة لم تتركها وذهبت خلفها إلى غرفتها:
_ كلميني زي ما بكلمك وعرفيني إيه اللي في دماغك بالظبط. لو كان على أبوكي وسليم، فده شيء عادي، يومين بييجوهم كل سنة عند عاصم بيه وبيرجعوا تاني. شغلك ده مش سبب أبدًا.
علمت حور أن الجدال لن يجدي نفعًا معها، لذا قررت أن تتحدث باللين:
_ دادة، قولتلك أنا عارفة أنا بعمل إيه وعمري ما هعمل حاجة تسيء ليا، وإنتي عارفة كده كويس. الشغل ده أنا محتاجاه بجد ومش هسيبه تحت أي ظرف من الظروف. ده هيكون لمدة شهر واحد وبعدها هيسافر يكمل علاجه. أرجوكي بلاش حازم يعرف حاجة.
_ يعني مفيش حاجة هترجعك عن اللي في دماغك؟
هزت رأسها بنفي، فاضطرت أمينة على الموافقة:
_ خلاص، إنتي حرة، بس لو حصل.
قاطعتها حور بثقة وقد ظهر بريق عجيب بعينيها:
_ مش هيقدر يعمل حاجة، متقلقيش.
_______________
استيقظ داغر من نومه على صوت الباب، مما جعله يستاء من الطرق. لم ينم تلك الليلة جيدًا. مسح على وجهه يحاول محو النوم، ثم سمح للطارق بالدخول. دلفت سلوى قائلة:
_ صباح الخير يا داغر بيه. خليل بيه تحت وبيقولك إن الممرضة زمانها على وصول ولازم تنزل تشوفه.
تنهد داغر بضجر وقال بثبات:
_ طيب، انزلي إنتي وأنا جاي وراكي.
خرجت سلوى وضغط على ساعته التي أنبهته بأن الوقت العاشرة صباحًا. أزاح عنه الغطاء ثم أخذ يتحسس عصاه حتى وصل لها وهم بالنهوض بها، لكنه تراجع وقذفها جانبًا، ثم توجه إلى المرحاض.
وقفت أمام ذلك المنزل الكبير القريب من الشاطئ والذي يتمتع بموقعه الفريد وبنيانه الفاخر. تقدمت من آمن الباب الرئيسي والذي أخذ يستجوبها ويتأكد من هويتها قبل الدخول. دلفت للداخل فتجد الخادمة تنتظرها في الحديقة وأخذتها لتصلها للداخل حيث ينتظرها خليل. تقدمت منه لتقدمها العاملة قائلة:
_ الممرضة وصلت يا فندم.
رفع خليل عينيه عن هاتفه وتطلع إليها لحظات قبل أن يرحب بها:
_ أهلًا يابنتي، اتفضلي.
ازدردت جفاف حلقها بصعوبة وتقدمت لتجلس على المقعد بجواره وقال بهدوء:
_ دكتور عاصم شكر لي فيكي وقالي إنك ممرضة ممتازة، وإن شاء الله تتبسطي معانا.
لم تستطع الرد سوى بإيماءة من رأسها، وقد بدأ ثباتها يتلاشى عندما وقعت عينيها عليه وهو ينزل الدرج، فيعاد أمامها المشهد بقسوته وجبروته. ازدردت لعابها بصعوبة وهي تراه ينزل الدرج بكل جبروت، ولا تتخيل أنها تقف أمامه الآن. ودون إرادتها أحاطت جسدها بذراعيها عندما تقدم صوبها، فتزداد وتيرة تنفسها وضربات قلبها تهدر بعنف. انتهى ثباتها وضاعت القوة الزائفة التي دلفت بها. ارتجفت أوصالها عندما سمعت صوته الغادر يقول:
_ صباح الخير يا عمي.
رواية جبل النار الفصل الخامس 5 - بقلم رانيا الخولي
في المشفى
دلفت هايدي مكتب حازم فتجده يتابع أحد العمليات على جهازه.
تقدمت منه لتجلس على المكتب أمامه وأغلقت حاسوبه وهي تقول بدلال:
_ هتفضل شاغل نفسك كده طول الوقت؟ افضالي شوية.
ابتسم حازم وتمتم بمكر:
_ أومال اليومين اللي فاتوا دول كانوا إيه؟
تلاعبت هايدي بنظارته التي يضعها على عينيه وقالت بغنج:
_ دي حاجة كده حلواني، إنما الاشتياق ده مستمر حتى وأنت في العيادة اللي جنبي.
هزت كتفيها بدلال:
_ ولا إيه؟
لمع المكر بعينيه وهو يقربها منه:
_ متأكدة إنك قفلتِ الباب كويس؟
أومأت وهي تقرب وجهها منه:
_ أوي.
نظر لثغرها برغبة ومال عليه يلتقطه، لكن صوت الباب منعه من التكملة فأغمض عينيه بضيق وغمغم من بين أسنانه:
_ عجبك كده؟
ضحكت هايدي ونهضت من أمامه قائلة:
_ زي ما عجبك كده، أنا هرجع بدري النهاردة يا ريت أنت كمان متتأخرش، باي.
خرجت هايدي ودلفت الممرضة تخبره بميعاد العملية.
مرت على صديقتها في المختبر كي تعرف منها نتيجة التحليل.
وفور دخولها قالت بابتسامة وهي تشير لها بالنتيجة:
_ شكك طلع في محله، مبروك ياقمر إنتي حامل.
تبدلت ملامح هايدي وأخذت منها الورقة كي تتأكد بنفسها فتجد النتيجة إيجابية كما أخبرتها فتمتمت بعدم استيعاب:
_ مش ممكن، أنا باخد الحبوب بانتظام.
_ عادي يابنتي بتحصل، وبعدين ده رزق من ربنا هنقوله لأ.
لا تنكر تلك الفرحة التي شعرت بها، لكن خوفها من رد فعله جعل تلك الفرحة تتلاشى.
***
شعرت بالأرض تميل بها حتى أنها أمسكت بالمقعد قبل أن تفقد توازنها فسألها خليل بقلق:
_ مالك يابنتي إنتي كويسة؟
حاولت حور التحلي بالشجاعة وقالت بارتجافة غلفت صوتها:
_ لا أبدًا، أنا... اصل الطريق كان طويل شوية وأخدت وقت لحد ما عرفت البيت.
توهجت عينيه الرمادية بوميض عجيب قبل أن يقول بصوت ثابت:
_ عشان كده أخرتي؟
انتفض قلبها بشدة عندما وجه حديثه لها وتمتمت برهبة:
_ عشان أول مرة، بس مش هتتكرر تاني.
أومأ لها بصمت ثم جلس على المقعد ويضع قدم على الأخرى قائلاً بتكبر:
_ طيب عرفتي دورك هيكون إيه؟
شعرت للحظات بأن الكلمات توقفت في حلقها لكنها جاهدت ليخرج صوتها ثابتًا:
_ آه عارفة، دكتور عاصم عرفني كل حاجة.
رد بمغزى:
_ بس اللي عرفك بيه الدكتور عاصم غير اللي أنا هقوله دلوقتي، ولو عندك اعتراض تقدري تتفضلي.
هم خليل بالاعتراض لكن داغر منعه:
_ لو سمحت ياعمي أنا وافقت عشان خاطرك سيبني بقا أعمل اللي يريحني.
تقبلت حور تلك الإهانة وقالت بثبوت:
_ اتفضل قول.
التزم الصمت لبرهة وكأنه يختبر صبرها ثم تحدث بجدية:
_ إنتي هتكوني مسؤولة عن كل متطلباتي، مش بس مواعيد الأدوية أو التدريبات المطلوبة منكِ. يعني هتقومي بكل الأدوار، الممرضة والعاملة وحتى الأكل إنتي اللي هتكوني مسؤولة عنه.
رغم رفضها لكل ذلك إلا إنها تقبلت إهانته، لن تستسلم بتلك السهولة. فمنذ أن علمت بعودته وهي تتوق لفرصة كهذه كي تنتقم منه أشد انتقام.
لن تترأف به ولن ترحمه، ستجعل حياته بين يديها وتدمرها كما دمر هو حياتها.
فقط عليها التحمل في البداية وبعدها ستنفذ ما انتوت فعله وخططت له.
_ ودلوقتي تقدري تدخلي المطبخ تحضري الفطار.
اكتفت بهز رأسها وأخذت تبحث بعينيها عن مكانه فأشار لها خليل:
_ هتلاقيه على إيدك الشمال وإنتي داخلة من الباب ده.
انصرفت حور ونظر خليل له بانفعال:
_ ممكن أفهم ليه بتعامل البنت بالأسلوب ده؟
رد داغر مدعي عدم الفهم:
_ بعاملها إزاي مش فاهم.
_ داغر إنت فاهم أنا أقصد إيه كويس، مش هفهمك إن دي بنت ناس وعاصم وصاني عليها لأنها بنت صاحبه فياريت تخلي أسلوبك مهذب معاها.
_ ربنا يسهل، إنت هتسافر إمتى؟
علم خليل أنه يغير مجرى الحديث فقال بانفعال:
_ متغيرش موضوعنا ومش هقولها تاني، لو ضايقت البنت أنا اللي هقفل لك.
نهض خليل ليدلف مكتبه وترك داغر يضغط على أسنانه بغضب جحيمي ثم أخرجه في الطاولة الزجاجية أمامه وهو يطيحها بقدمه جعلها تصطدم في المقعد المقابل فتتهشم محدثة صوت ليس عاليًا لسمك السجادة التي سقطت عليه.
انهض بغضب وصعد إلى الغرفة وحينها شعر بأنه لا يستطيع التنفس بأريحية وكأن العواء سحب من المكان.
وعادت إليه الذكريات بأشدها ولم يرحمه الظلام الذي أحاط به من قسوتها.
عودة للماضي
ارتدت أسيل بنطال أبيض وبلوزة زيتونية ثم نظرت لصورتها في المرآة تتأكد من تحشم ملابسها.
فرغم حياتها التي قضتها في الخارج إلا إنها التزمت بمعايير بلدتها.
خرجت من الغرفة وذهبت حيث ينتظرها.
قال لها تتبعي قلبك ليدلك على مكان وجوده.
رسالة عجيبة وكأنه يستشف إذا كانت تحبه أم لا.
وللحقيقة هي لا تعلم حتى الآن.
كل ما تعرفه أنها تشعر بالسعادة كلما رأته عيناها.
والوقت الذي تمضيه معه يمر كأنه حلم جميل.
ذهبت للمكان التي رأته به أول مرة لكن لم تجده.
إذًا أين هو؟
ظلت تتجول على سطح الباخرة حتى صعدت على متنها فوجدته بالفعل واقفًا ينتظرها بزيه الذي يعلم جيدًا بأنه يسلب أنفاسها به.
وقفت مكانها على أعلى الدرج ولم تستطع التقدم خطوة واحدة.
فلأول مرة تجد من يحاول بشتى الطرق إسعادها.
كان واقفًا أمام طاولة صغيرة بجوار السياج تحمل بعض الأطعمة الخفيفة وضوء شموع خافت موضوع عليها.
تقدم منها بخطوات ثابتة وكأنه يعلم صداها داخل قلبها.
توقف أمامها متطلعًا إلى عيناها التي توهجت على ضوء الشموع.
وشعرها الثائر بفعل الهواء يحجب وجهها عنه فترفع أناملها الرقيقة لتبعده وتحكمه خلف أذنها.
كم تمنى أن يفعلها يومًا ويضعها هو خلف أذنه.
لكنه أحكم تلك الرغبة وتمتم بثبات:
_ أخرتي أوي.
اهتزت نظراتها وقالت بروية:
_ وإنت واقف وشايفني وأنا بدور على المكان وساكت.
رفع حاجبيه بمكر:
_ مكنش ينفع أغششك، كان لازم تيجي بقلبك.
رفعت عيناها إلى عينيه التي تاهت بغيومها فوجدتها تتطلع إليها بشغف لم ترى مثله من قبل.
_ أنا قلت الليلة دي آخر ليلة لينا مع بعض.
تطلع في ساعته وتابع:
_ قدامي ساعتين بس اللي مسموح بيهم وقلت أقضيهم معاكي.
أشار لها على الطاولة فتقدمت منها تجلس عليها وجلس هو قبالتها ثم قال:
_ بما إنك بتحبي البحر تبقي بتحبي السمك، وصيت الشيف إنه يعملنا حاجة كده من الآخر يارب يعجبك.
نظرت إلى الأصناف الموضوعة على الطاولة وغمغمت باحراج:
_ بس للأسف أنا مليش في النوع ده من الأسماك.
هم بالنهوض وهو يتمتم:
_ خلاص هكلم الشيف يجيب لك غيره.
منعته أسيل مسرعة:
_ لا مفيش داعي، أنا أصلًا مليش نفس.
_ طيب خلاص دوقيه، أنا متأكد إنه هيعجبك.
أومأت بصمت وشرعت في تناوله.
لم تتقبل مذاقه في البداية وعندما لاحظ ذلك تطرق في الحديث كي لا تركز به.
انتهوا من تناول طعامهم وسألها حينها:
_ ها إيه رأيك؟
ردت باحراج:
_ بصراحة متقبلتوش في البداية بس بعد كده عجبني.
مسحت يدها بالمنديل المعطر وكذلك فعل هو ثم وقفوا على السياج يتحدثوا في أمور عدة.
حتى جاء موعده.
تطلع إليها باستياء:
_ معلش أنا لازم أمشي دلوقتي وممكن معرفش أشوفك إلا وإحنا نازلين من السفينة.
أومأت له وقالت بتفاهم:
_ ده شغلك ومينفعش تتأخر عنه، وبجد أنا سعيدة جداً إني اتعرفت على حضرتك.
قطب داغر جبينه بدهشة مصطنعة:
_ إيه شغل الوداع ده، محسساني إننا مش هنشوف بعض تاني.
لاح الحزن على قسماتها لكنها أخفته مسرعة بملامح مبهمة:
_ أكيد طبعًا، كلها ساعتين بالكتير وكل واحد هيرجع لحياته.
لم ينتبه داغر لمثل ذلك الأمر ولم يفكر به.
ولم يعد يملك الوقت كي يقرر فسألها:
_ في حد هيكون مستنيكي؟
عاد الحزن على ملامحها وهي تجيب باقتضاب:
_ لأ.
_ خلاص خليني أوصلك في طريقي بدل ما تسافري لوحدك.
اهتزت نظراتها من شدة الخوف والذي ظهر واضحًا على محياها وتمتمت بريبة:
_ لأ مش هينفع.
عقد حاجبيه باندهاش وسألها:
_ مالك خوفتي كده! أظن إن الليلة اللي قضيناها في الجزيرة يخليكي تثقي فيا.
ازدردت لعابها بوجل وتمتمت برهبة:
_ مش قصدي بس أهلي لو عرفوا مش هيعدوا الموضوع بالساهل.
تأفهم مع خوفها وقال بتروي:
_ أنا برضه مش هأمن عليكي تركبي مع حد غريب وخصوصًا إننا هنوصل بالليل، خليني أوصلك لحد القاهرة وبعدها هطلب لك أب يوصلك لحد البيت.
أومأت بعينيها وأومأ هو بابتسامته التي تسحرها ثم انسحبت بهدوء وعاد هو لعمله.
***
في مكان آخر
خرج حسين من مكتبه فيجد سليم يصعد لغرفته فنادى عليه:
_ سليم.
استدار له سليم وتمتم باقتضاب:
_ نعم.
تقدم منه يسأله بجمود:
_ هي فين؟
_ السفينة وقفت الليلة ومش هتوصل غير بكرة آخر النهار.
_ طيب غير هدومك وتعالى عشان عايزك.
أومأ سليم وأبدل ملابسه ونزل إليه:
_ خير؟
أشار له بالجلوس ثم تحدث:
_ أنا فتحت فرع للشركة في أمريكا، شاهي هناك وخلصت كل حاجة بتوكيل مني، لو شايف إنك...
قاطعه سليم بلهجة لا تقبل نقاش:
_ لأ مش شايف، إنت عارف كويس إني رافض أبعد بره مصر، لو هي شايفة إن الفرع ده هيرفع من شأن الشركة يبقى تتابعه هي إنما أنا لأ.
كالعادة لا يقول كلمة واحدة لابنه، ليس من باب التعلق به، ولكن حتى لا يهدم ما بناه بداخله.
أن يكون بكلمة لا يمكن الرد عليها، وإنسان لا يمكن أن يهزه شيء.
وخاصة حينما تابع:
_ أنا مش هسيب الشركة اللي تعبت فيها وأروح أبدأ من الأول في فرع ممكن يفشل، عايز حد يديره يبقى شوف غيري.
ثم تركه وغادر.
صعد إلى غرفته وهو يشعر بضيق حقيقي من تلك الحياة وذلك المنزل الذي برغم وسعه إلا أنه يشعر دائمًا أنه ضيق حد الاختناق.
خلع رابطة عنقه وفتح الأزرار العلوية ووقف في شرفته ربما يخف ذلك الاختناق.
الحياة في ذلك المنزل أصبحت لا تطاق لكن عليه التحمل لأسباب عدة وأولهم ألا يترك الساحة لزوجة أبيه التي تود الخلاص منه بأي شكل.
والسبب الآخر هي أسيل التي ستكون دمية في أيديهم يفعلوا بها ما يشاءوا.
والأهم من كل ذلك هو قلبه الذي عشق وعشقه حكم عليه بالعذاب منذ مولده.
حكم عليهم أن يكونوا تحت سقفٍ واحد ويتعاملوا كالأغراب.
لذا عليه البقاء مهما ازداد بداخله ذلك الشعور.
***
في اليوم التالي
رست السفينة في الميناء البحري وبدأ الجميع بالخروج منها وعين داغر تراقبها وهي تسير على الممر.
شعر برغبة ملحة في التقدم منها وحملها بين يديه والسير بها على ذلك الممر لكن ليس هنا.
سيكون في ممر منزله.
وإلى يخته الذي ينتظره بالإسكندرية وخصلاتها الثائرة موضوعة بأريحية بعض منها على كتفه وأخرى على صدره.
حمحم باحراج من نفسه على تلك الأفكار التي يفكر بها ثم توجه إلى سيارته بعد أن أنهى الإجراءات وانتظر مجيئها.
ها هي تخرج تسحب حقائبها وبقى هو منتظرها داخل السيارة كما طلبت منه.
لكن انتهت أحلامه عندما وجد شاب يقترب منها يقبل وجنتيها بفتور وآخر تقدم منهم ليحمل الحقائب.
توقفوا لثواني معدودة ثم رحلت معه.
عودة للحاضر
تنهد بتعب من تلك الذكريات التي لا تترك مخيلته لحظة واحدة وكأنها لعنة سقطت عليه.
أخرج هاتفه من جيب بنطاله وقام بالنطق على الرقم المنشود حتى جاءه الرد:
_ أمر يا كابتن.
_ ساعتين بالضبط وتكون جايب لي كل المعلومات المطلوبة عن حور وجدي حمدان.
أغلق الهاتف دون أن يستمع لرد وأعاده لجيبه.
عليه أن يعرف كل شيء عنها.
أما هي فقد تحججت بحاجتها للمرحاض وأسرعت بالولوج إليه لينتهي ذلك الثبات التي تمسكت به قدر الإمكان كي لا تنهار أمامه وأخذت تنتفض بخوف.
وذكريات تلك الليلة تهاجمها بشراسة.
عادت بأشدها وكأن المشهد يعاد أمامها.
تستنجده، تستجديه، ترجوه لكن لم يراف ولم يلين، ازدادت انتفاضتها وهي تتذكر عيونه وقتها وكيف كانت بنفس الصلابة التي تراها الآن.
وقفت أمام الحوض لتغسل وجهها مرات عديدة كي تنتهي تلك الرجفة لكن لا فائدة.
أسندت رأسها على الجدار وأخذت تبكي وتنتحب، لما عادت إليه.
من أخبرها أن باستطاعتها مجابهة ذلك الرجل بعد ما حدث.
عن أي انتقام تتحدث وقد انتهت كل قوتها الزائفة التي أتت بها لذلك المكان.
ذلك المكان الذي شهد يومًا لحظات سعيدة قضتها معه، على ماذا سيشهد الآن.
بكت وانتحبت بشدة وذكريات الماضي التي علقت بذهنها لا تراف بها.
لا ترحمها.
حتى شعرت ببوادر نوبتها لكنها قاومت.
عليها أن تقوى كي لا تظهر بذلك الضعف أمامهم.
مسحت دموعها بظهر يدها وعادت تغسل وجهها جيدًا كي يختفي ذلك الاحمرار بعينيها.
عليها أن تثبت كي لا يشك أحد بأمرها.
أخذت نفس عميق ثم جففت وجهها وخرجت كي تعد طعام الإفطار كما طلب منها.
دلفت المطبخ فوجدت سيدة في عقدها الثلاثين تجلس على المقعد وتقوم بتجهيز الطعام على الطاولة أمامها.
وعندما رأت حور ابتسمت بترحيب وقالت:
_ إنتي الممرضة مش كده؟
أومأت لها بصمت ثم تقدمت منها قائلة:
_ أنا كنت عايزة أعمل الفطار.
اندهشت سلوى وسألتها باستفهام:
_ مين اللي طلب منك تدخلي المطبخ؟
اهتزت نظرات حور وهي لا تستطيع نطق اسمه:
_ ال.. الكابتن.
تركت سلوى الطعام من يدها وهي مندهشة ونهضت قائلة:
_ ده الأكل بتاعه بما إنه طلب منك يبقى كمليه.
أشارت لها على المبرد:
_ هتلاقي كل حاجة موجودة في التلاجة ولما تخلصي الأكل ابعتيلي أفهمك التقديم هيبقى إزاي.
شرعت حور في تحضير الطعام حتى أنهته سريعًا ثم وضعته على الحامل وتطلعت إلى سلوى لتسألها:
_ أنا خلصت في حاجة تاني؟
ردت سلوى بتأكيد:
_ آه طبعًا، تعالي أفهمك.
أخذتها عند طاولة المطبخ وتابعت:
_ الأكل مش هيتقدم عادي كده، الطبق قدامه بيكون نظام الساعة.
بمعنى اللحوم بتكون على الساعة 12، الأرز بيكون على 6.
السلطات بيكون على 3.
لو خضار بيكون على 9.
إن كان شوربة بتكون في طبق عميق عادي، تمام؟
أومأت حور بتفاهم ثم تابعت سلوى:
_ بس كل ده بيتعمل على السفرة.
_ هو فين؟
تعجبت من سؤالها:
_ هو مين؟
شعرت بصعوبة في نطق اسمه ولكنها أجبرت نفسها على نطقه:
_ داغر بيه.
_ آه، أكيد طلع أوضته أو على البحر.
دلفت فتاة أخرى فسألتها:
_ داغر بيه فين يا لبنى؟
_ طلع أوضته من شوية.
تنفست الصعداء عندما عرضت الفتاة أن تصعد هي بالطعام إليه.
جلست هي بجوار سلوى التي سألتها:
_ تحبي تشربي حاجة؟
هزت رأسها برفض فعادت تسألها:
_ إنتي منين يا حور؟
رمشت بأهدابها وأجابت بعد برهة:
_ من إسكندرية.
_ عارفة إنك من إسكندرية بس بسألك من أي مدينة فيها؟
_ من******.
_ بس دي بعيدة أوي وصعب إنك تروحي وتيجي كل يوم.
_ عادي أنا متعودة على كده لأن المستشفى اللي شغالة فيها برضه بعيد عن البيت.
سألتها سلوى بفضول:
_ متجوزة؟
هزت رأسها سريعًا:
_ لأ.
اندهشت سلوى من طريقة ردها.
وقاطعهم دخول لبنى وهي تحمل الطعام ويبدو عليها الخوف سألتها:
_ رجعتي ليه بالأكل.
ردت الفتاة وهي تنظر لحور:
_ أنا معرفش إيه اللي حوله كده، أول ما دخلت وبقوله الفطار جاهز اتعصب عليا وقالي أنا مطلبتش منك فطار أنا طلبت منها هي.
تلاعب الخوف بداخلها وشعرت بأن ما مضى سيتكرر مرة أخرى لكنها حجبت ذلك الخوف وأخذت منها الطعام وصعدت به.
تطلعت إلى الطعام الذي وضعت به تلك المادة التي ستقضي عليه بتروي.
ثم دلفت الغرفة بعد أن سمح لها بالدخول.
كان واقفًا أمام النافذة والتي تطل على الشاطئ ويخته يتراقص مع الأمواج أمامه.
شعرت بالتشفي به وهو واقفًا أمامها بذلك العجز لكن ذلك لن يشفي غليلها.
ستقف تراقبه وهو يضعف أمامها بفعل تلك المواد التي شرعت في وضعها داخل طعامه.
تلك الطريقة التي ستشفي صدرها من الغصة التي تؤرق لياليها وهو يعيش حياته وكأنه لم يظلم أحد.
_ هتفضلي واقفة كده كتير؟
أخرجها من شرودها بلهجته الحادة والتي ذكرتها بذلك الحادث فحاولت التحكم بتلك الرجفة التي عادتها وردت بفتور:
_ الفطار جاهز.
غمغم وهو على نفس وضعه:
_ مليش نفس دلوقتي، خليه كمان ساعة.
زمت فمها تحاول السيطرة على ثباتها وقالت:
_ تمام اللي تشوفه.
سارت إلى الباب كي تهم بالخروج من الغرفة لكنه أوقفها:
_ استني عندك، أنا مسمحتش إنك تخرجي.
استدار إليها فوقع نظرها على عينيه الرمادية التي كانت تنهش بجسدها في ذلك اليوم هي الآن ثابتة لا تتحرك وكم أرادت في تلك اللحظة أن ترمي بتعقلها عرض الحائط وتقوم بقتله لكنها أحجمت تلك الرغبة.
لن تجعله يموت بتلك السهولة تنهدت باستياء وقالت بنفور:
_ نعم.
جلس بثقة على المقعد المجاور للنافذة وأخرج سجائره متناولًا واحدة يشعلها ثم ينفخ دخانها بقوة وقال بفتور:
_ سيبي الفطار واعملي فنجان قهوة.
تطلعت إليه بازدراء لبرهة وهي لا تصدق حقيقة ذلك الرجل الذي استطاع خداعها بهذه السهولة.
……
عادت هايدي للمنزل بعد أن تركت الأولاد عند والدتها فاليوم قررت أن تخبره بحملها.
تعلم جيدًا بأنه سينفعل من ذلك لكن هي على ثقة بأن غريزة الأبوة ستغلب عناده.
قامت بترتيب شقتها بعناية فائقة كما اعتاد.
وأخرجت منامته ووضعتها على الفراش.
كل شيء مرتب كما تحب أن يكون، نظيف ومرتب.
أنهت الطعام.
ودلفت غرفتها لتخرج منامة حريرية من الخزانة ودلفت المرحاض كي تأخذ حمامًا دافئ قبل عودته.
عليها دائمًا أن تظهر أمامه بأبهى صورها كي لا يشعر بأي تقصير ومع مرور الوقت سيعلم أن راحته معها هي.
تلك الفتاة لم تقدم له شيء أما هي فقد قدمت إليه الكثير والأهم من كل ذلك قلبها.
عاد حازم من الخارج فينتبه لتلك الرائحة العطرة فأخذ يبحث عنها بعينيه.
ألقى المفاتيح على الطاولة ونادى عليها:
_ هايدي.
تطلعت برأسها من المطبخ وهي تجيب:
_ أنا هنا ياحبيبي ادخل خد شاور ويلا عشان الغدا جاهز.
ألقى هاتفه على الأريكة وخلع سترته وهو يسألها:
_ الولاد برضه عند مامتك؟
أجابت وهي تحمل الأطباق للطاولة:
_ آه بس بصراحة ماما اللي طلبتهم النهاردة لأنها كانت موعداهم توديهم الملاهي.
أومأ لها مبتسمًا وتقدم منها يحاوطها بذراعيه وسألها بمكر:
_ بس كده؟
هزت كتفيها بدلال:
_ لأ في أسباب تانية.
داعب وجنتها بأنامله وهو يسألها:
_ إيه هي؟
_ تؤ مش دلوقتي، خليها بعد الغدا.
انسلت من بين يديه كي تكمل الطعام ودلف هو للغرفة كي يأخذ حمامه.
استلقى حازم على الفراش ووضعت هي رأسها على صدره تستمع لنبضاته المتسارعة.
ملس على خصلاتها وهو يسألها:
_ مقولتيش إيه المفاجأة.
رفعت وجهها من فوق صدره وقالت بمكر:
_ هي ممكن تضايقك شوية بس أنا واثقة أنها هتسعدك.
ضيق عينيه بحيرة:
_ مش فاهم.
أخرجت النتيجة من درج المنضدة بجوار الفراش ثم قدمتها له:
_ اتفضل شوف بنفسك.
اعتدل حازم واخذ منها الورقة ليرى ما بها فتتصلب ملامحه لحظات قبل أن ينظر إليها وغضب الدنيا تجمع حممًا نارية في عينيه.
رواية جبل النار الفصل السادس 6 - بقلم رانيا الخولي
أشار بالورقة أمامها.
_إيه ده؟
شعرت هايدي بالخوف وأخذت مئزارها ترتديه وردت بتلعثم.
_أ…أنا.. اتفاجئت زيك….
قاطعها بصوت هادر وهو يعتدل في فراشه.
_اتفاجئتي ازاي وانتي بقالك سنة بتقنعيني إنك تحملي، إيه بتستغفليني؟!
ذهلت هايدي من مدى غضبه وكأنها فعلت ذلك بالحرام.
_انت بتقول إيه؟
أزاح الغطاء بغضب وارتدى ملابسه وهو يقول باتهام.
_بقول الحقيقة ياهانم، هي كلمة واحدة مفيش غيرها الحمل ده ينزل.
اتسعت عينيها بصدمة كبيرة من حديثه وكأن من يقف أمامها الآن شخص آخر غير الذي أحبته.
_انت مستوعب كلامك؟
أشاح بوجهه بعيدًا عنها وقال بإصرار.
_اللي قولته لازم يتنفذ وده آخر كلام عندي.
شعرت هايدي بخنجر حاد يخترق قلبها بقوة وصدمة أخرى تضاف لقائمة صدماتها به، لكن تلك المرة هي الأشد والأقوى.
لهذه الدرجة لا يريد شيء يربطه بها؟ هل حبه لأسيل وصل إلى مرحلة تجعله يقتل طفله؟
هزت رأسها برفض وقالت بحدة.
_لأ.
ضيق عينيه مستفهمًا.
_لأ إيه؟
أجابت بتحدي وهي تشيح بوجهها بعيدًا عنه.
_مش هقتل ابني حتى لو وصلت للطلاق.
ردد حازم كلمتها بذهول.
_طلاق؟!
لن تبكي على شيء ولن تبالي، هو يعشق أخرى لذا لن تحفل به بعد الآن.
_أيوة طلاق، أنا خلاص اللي قولته ده دمر الخيط الوحيط اللي كان رابطنا ببعض.
ازداد غضبه من عنادها وتقدم منها يمسك ذراعها بقبضته ويهزها بعنف.
_انتي قصدك تلوي دراعي…
قاطعته بأن سحبت ذراعها من يده وقالت بألم لم يعد باستطاعتها اخفاءه.
_أنا مش في حياتك أصلًا عشان ألوي دراعك ببعدي زي ما بتقول.
تجمعت العبرات بعينيها وهي تردف.
_أنا بالنسبالك مجرد واحدة عجبتك وحسيت بتوافق اجتماعي بينك وبينها، إنما ده…
أشارت بسبابتها على قلبه وتابعت بضياع.
_عمره ما حس بيا.
تهرب بعينيه منها وتابعت هي.
_لأنه مش بيحس غير لغيري.
اهتزت نظراته عندما حشرته في الزاوية وغمغم بنفي.
_محصلش أنا….
قاطعته وهي تتمتم بعذاب.
_شــش بلاش تكدب، لأنك لو كدبت هصدقك، هكذب عينيه وأصدق.
(صرخت بألم) هكدب وداني اللي بتسمعك بتردد اسمها وانت في حضني وأصدقك.
رمش بعينيه وغمغم بنفي.
_محصلش.
_لأ حصله.
هزت رأسها بضياع وتابعت.
_أنا عارفة كل حاجة مهما حاولتوا كلكم تخبوا عليا. بس أنا رفضت أسمح لحاجة تفرق بيني وبين جوزي وحاولت بكل الطرق أعوضك عنها بس انت رافض تشوف أي حاجة بعملها عشانك مش شايف غيرها هي وبس.
استدار كي لا ترى اهتزاز نظراته وتمتم بانفعال.
_الكلام ده مش حقيقي، دي أكيد أوهام.
اومأت له بألم.
_صح، ده اللي كنت بضحك على نفسي بيه لحد ما سمعتك وانت بتعترفلها إنك لسة بتحبها. قلت بلاش تخربي بيتك بإيدك وأكيد ده مجرد وهم وهيرجع لحضنك تاني.
تطلعت للغرفة حولها وتابعت.
_عملتلك بيتنا ده جنة ومخلتكش تحس للحظة واحدة إن ناقصك حاجة تخليك تبص لغيري، ومع ذلك كنت بلتمسلك اعذار وبقول حب طفولة وأكيد مع الوقت هينساها، لحد ما ظهرت في حياتنا وضحكت عليا وفهمتني أنها أختك والاخر طلعت أسيل اللي بتنام جانبي وتحلم بيها.
اتسعت عينيه ذهولًا من حديثها وتحدث بانفعال.
_إيه الكلام اللي بتقوليه ده، ده مش حقيقي.
تطلعت إليه بابتسامة مغمرة بالمرارة وقالت.
_ما قولتلك بلاش تكدب لأني هصدقك، عارف ليه؟ لأن رغم اللي بتعمله فيا ده ولسة بحبك، عارف لو قولتلي إنك عمرك محبيت غيري وأنا بس اللي في حياتك برضه هصدقك، عارف برضه ليه؟
قالتها بكل المرارة التي تحملها بداخلها.
_عشان بحبك ياحازم بحبك.
خرجت من الغرفة وهي تجري وتدلف غرفة الأطفال كي تسمح لنفسها بالأنهيار أكثر.
انتهت الآن القوة الزائفة التي كانت تتحلى بها.
لقد انتهى؛ ضاق بها ذرعًا لم تعد تستطيع التحمل.
انتبهت لصوت أغلاق الباب مما جعلها تنخرط أكثر في البكاء.
انتهى كل شيء بعد ما حدث.
لن توافقه وستحتفظ بطفلها وتتركه هو لسرابه.
بيد مرتعشة سحبت حقائبها وخرجت بها من الشقة وقلبها يعتصر بغصة مؤلمة.
ألقت نظرة أخيرة على المكان قبل ان تغلق الباب وترحل منتوية وضع حجر صلب على قلبها والذهاب دون عودة، ليس لها مكان في حياته ولن تفرض مشاعرها عليه أكثر من ذلك.
وقفت حور تعد القهوة ومازالت تلك الرعشة تنتابها.
نعم تشعر بالخوف كلما رأته لكن الأدهى من ذلك الآن انه يظهر أمامها بوجهه الحقيقي دون زيف او خداع.
وكل ذلك الهيام كان لغرض الوصول إليها.
وجالت بخاطرها ذكريات من الماضي لم تترك مخيلتها لحظة واحدة.
عودة للماضي.
سارت على الممر وهي تسحب حقائبها تبحث بعينيها عنه.
أخبرها بأنه سينتظرها بالسيارة وهي وافقته رغم أنها مجازفة قصوى إن علم بها والدها فلن يمرر الأمر مرور الكرام وستكون عاقبتها جسيمة.
لكن هي قررت أن تعيش تلك اللحظات عندما بدأت تشعر ببوادر عشق تسلل إلى قلبها.
لأول مرة تجد من يبحث عن سعادتها ويشاركها بها.
لذا ستسرق هذه السعادة من الدنيا وتعيشها حتى لو تحولت بعد ذلك لندوب.
لكن أحلامها تبخرت عندما وجدت سليم أخيها واقفًا أمام سيارته ينتظرها.
وقفت مكانها تنظر إلى أخيها تارة ولداغر الذي مازال ينتظرها في سيارته تارة أخرى.
هل تتدارى وتذهب إلى داغر متعللة بأنها لم تجد أحد؟
أم تنجو من خطر مؤكد وتذهب مع أخيها؟
وقد كان للقدر رأي آخر إذ لمحها أخيها وتقدم إليها كي يحسم قرارات ذلك القلب الحائر.
حاولت رسم ابتسامة على محياها عندما دنى منها يقبل وجنتها بفتور كعادته وقال بثبوت.
_حمد لله على السلامة.
حاولت البحث عن صوتها حتى وجدته فخرج متقطعًا.
_الله…يسلمك.
_طيب يلا بسرعة عشان الوقت اتأخر.
سارت معه وحمل الحقائب ليضعها في السيارة.
فألقت هي نظرة على داغر فوجدته يرمقها بنظرات مبهمة لا تعرف إذا كان إحباط أو زعل أم ضيق.
استقلت السيارة مع أخيها وانطلقوا بها.
وحينها تأكدت إن قصتها قد انتهت قبل بدايتها.
كان أخيها ملتزم الصمت كعادته وهي ظلت طوال الطريق بشرود حتى وصلوا إلى منزلهم عند شروق الشمس.
شعور بالإحباط يكتنفها.
لكنها حاولت الثبات كي لا يشعر بها أحد.
دلفت السيارة ساحات المنزل الكبير الذي برغم مساحته إلا إنها تشعر بضيق كأنه قبو.
حتى تنفسها أصبح ثقيلًا.
توقفت أمام البوابة الكبيرة وأخذت أسيل تنظر إليها من النافذة كأنها سجينة يقودها لحبسها.
فتح السائق لها الباب وشعرت بأن قدميها أصبحت كالهلام لا تقوى على تحريكها.
تحاملت على نفسها وترجلت من السيارة وسارت بصحبة أخيها حتى دلفت للداخل.
مازال كما هو لم يتغير شيء منذ أن رحلت منذ خمس سنوات.
تقدمت منها مديرة المنزل ومربيتها ترحب بها بحفاوة.
_حمد لله على السلامة يا أسيل وحشتيني أوي.
رحبت أسيل بتلك الأذرع التي احتضنتها بود وردت بصدق.
_وانتي كمان يادادة وحشتيني أوي.
ابتعدت عنها أمينة لتنظر إليها.
_البيت كان وحش أوي من غيرك، باباكي في المكتب ادخلي سلمي عليه لحد ما أحضر الفطار.
تطلعت إلى المكتب برهبة ورغبة ملحة بالهرب.
عادت إلى جحيمها بنفسها لكن ماذا تفعل أمام أوامر لا يمكن عصيانها.
بأقدام ثقيلة تقدمت بخطوات بطيئة إلى باب المكتب.
وسليم صعد إلى غرفته وتركها كحاله دائمًا معها.
طرقت الباب وهي تزدرد لعابها بوجل ودلفت المكتب فتجد والدها جالسًا خلف مكتبه يتحدث بالهاتف.
ظلت واقفة تنظر إلى جبروته وتحكمه بمن يهاتفه.
ذلك الرجل الذي لا يعرف شيء عن الرحمة ولا يعرف شيء سوى أن يكون ساخط على من يقف أمامه.
انتهى شرودها عندما انتهى هو من مكالمته.
نهض من مكتبه وتقدم منها وبدون إرادتها وجدت نفسها ترتد خطوة للوراء خوفاً.
_حمد لله على السلامة.
رمشت بعينيها وصوته الحاد يشوبه بعض الترحيب منه.
حاولت أسيل الابتسام لكنها ظهرت باهتة.
_الله يسلمك آسفة إن كنت قلقت حضرتك.
كانت عينيه الحادة ثابتة لا تظهر أي عاطفة وتحدث بامتعاض.
_مكنش في داعي أبدًا إنك تيجي مصر بالباخرة، الطيارة كانت هتوصلك في ساعات قليلة، لكن إصرارك على الباخرة أكيد كان له دوافع.
انقبض قلبها خوفًا من ان يكون علم ما فعلته عليها فتمتمت بارتباك.
_لا…لا..كل الحكاية إني بخاف من الطيران وعشان كدة فضلت الباخرة مش أكتر.
_على العموم حصل خير، اطلعي اوضتك غيري هدومك وانزلي نفطر مع بعض.
وافقت دون اي اعتراض وخرجت من المكتب لتأخذ نفس عميق وكأن رئتيها لم تستنشقه منذ أن شاهدته.
وضعت يدها على قلبها تهدئ من ضرباته وصعدت غرفتها فتجد أحد العاملات تفرغ الحقائب وتضعها في الخزانة.
قالت لها بتهذيب.
_سيبي وانا هفضيها.
همت الفتاة بالاعتراض لكنها أصرت.
_قولتلك أنا هرتبهم بحب اعمل كل حاجة بنفسي.
اومأت الفتاة وخرجت من الغرفة.
ثم اخذت أسيل ملابس لها ودلفت المرحاض.
على مائدة الافطار.
لم تنام أسيل في السيارة كما كانت تتظاهر أمام سليم بل ظلت تفكر في رد فعله.
هل باستطاعتها رؤيته مرة أخرى؟
لكن كيف ذلك وهو لا يعرف عنها شيء سوى اسمها.
حتى انهم لم يتبادلوا أرقام هواتفهم.
هل انتهت قصتهم قبل بدايتها؟
أم انها قصة ليس لها بداية أو نهاية؟
نزلت الدرج فتجد والدها وسليم جالسين على المائدة كلاً في واديه.
ألقت عليهم السلام وجلست على مقعدها.
لم تملك الشهية للطعام لكن لن تستطيع الرفض.
هكذا حياتها لا اعتراض او نقاش.
ظلت تتلاعب بطعامها وأبيها يتحدث مع سليم في امور العمل.
عادت لوحدتها ولسجنها.
ليت والدتها لم تمت وتتركها لذلك العذاب.
لكنها رحلت وتركتها تنكوي بنيرانه.
نهضوا جميعاً وتركوها دون ان يلتفتوا إليها مما جعلها تشعر بالنفور من تلك الحياة.
عودة للحاضر.
انتبهت لفوران القهوة فقامت بغلق الموقد سريعًا وقامت بعمل غيرها.
عليها ان تكون منتبهة اكثر من ذلك.
في غرفة داغر.
دلفت حور وهي تحمل القهوة فتجده مازال جالسًا على مقعده وعينيه الرمادية ثابتة لا ترمش إلا قليلاً.
تقدمت منه تضع القهوة على الطاولة الصغيرة بجواره وتمتمت بخفوت.
_اتفضل القهوة.
عاد بظهره للوراء وهو يغمغم بتعند.
_أشرب القهوة ازاي من غير فطار.
بوغتت بحديثه وعلمت أنه فقط يتلاعب بها فقالت بثبات.
_عملت الفطار وقولتلي عايز قهوة.
من مصدر صوتها علم أنها تقف قبالته.
تحسس الطاولة بجواره ليأخذ سيجارة أخرى وبدأ في اشعالها.
وقال بعدم اكتراث.
_طيب هاتي الفطار وشيلي القهوة.
كم أرادت في تلك اللحظة أن تلقيها في وجهه وتحرق ذلك الوجه الذي استطاع خداعها بقناعه البريء لكنها أحجمت تلك الرغبة.
وبيد مترددة قامت بوضع الطاولة أمامه والتي يحتوي طعامها على تلك المادة.
وكي لا تجبر نفسها على التراجع اخذت فنجان القهوة وقالت.
_هعملك قهوة غيرها.
خرجت مسرعة من الغرفة وقلبها يهدر بعنف.
رغم بغضها الشديد له ورغبتها في الانتقام إلا إنها لا تعرف كيف استطاعت فعل ذلك الشيء المشين.
كانت هناك طرق كثيرة غير القتـ.ـل، لما اختارت تلك الطريقة.
دلفت المرحاض تحاول تنظيم أنفاسها كي توقف تلك الرجفة.
يحسها قلبها على الذهاب إليه ومنعه من تناول ذلك الطعام.
ذلك القلب الخائن يأبى رضوخها لنار الانتقام لعلمه بأنه أول من يكتوي بنارها.
تدحرجت دموعها تنزل بغزارة وهي في صراع داخلي ما بين تركه ومواصلة انتقامها وبين مشاعرها التي مازالت مستمرة في عشقه، حقيقة ظهرت امامها فور رؤيته.
وخاسرة هي إن فكرت في الوقوف أمام قلبها.
أما هو فلم يستطيع تناول طعامه.
عندما اكتشف أن قلبه مازال عاشقًا له.
لا يعرف ماذا يفعل.
وقد أصبحت متواجدة معه تحت سقف واحد.
هي؛ نعم هي.
لن يخطأ بذلك الصوت الذي ظل يتردد بأذنه طوال تلك الأعوام.
ورائحتها التي لم تتغير وقلبه الخائن الذي أخذ يدق بعنف فور إن سمع صوتها.
ضغط على عينيه بقوة وهو يتساءل.
ماذا عادت؟
لقد بعث الكثير ليبحثوا عنها أثناء وجوده في الخارج وكلهم أكدوا بأنها سافرت ولن تعود.
والأدهى من ذلك لما قامت بتغيير اسمها؟
ولما أيضًا تعمل كممرضة؟
هل هي حيلة أخرى كي توقعه بشباكها وترحل كما فعلت من قبل؟
أسئلة كثيرة تدور برأسه يريد لها إجابة وعليه أن يعرفها.
وأولها لما تخلت عنه بعد أن وضع حياته بين يديها.
صراع حاد بين عقل يرفض ذلك اللين وأن ينتقم منها أشد انتقام على تخليها عنه.
وآخر قلبه الذي لا يزال يشتاقها.
❈-❈-❈
ظل داغر حبيس غرفته كما حال ظلامه.
كل شيء حوله تبدل بعودته.
بظهورها بعد أن فقد الأمل بالعثور عليه.
ماذا سيفعل الآن؟
هل يتركها تضغط على جروح لم تلتئم بعد؟
أم يبعدها حتى تشفى جروحه وحينها سيكون انتقامه أشد وأقوى.
أخرجه من شروده طرق الباب ودلوف سلوى.
_مساء الخير يا كابتن.
تنهد داغر ورد بثبوت.
_مساء النور يا سلوى خير؟
ردت سلوى باستياء.
_حضرتك ما أكلتش حاجة من الصبح وكمان مأخدتش العلاج وخليل بيه لو عرف كل ده هيسبب مشكلة معايا.
مسح داغر على وجهه وقال بفتور.
_تمام خليها تجهز الغدا.
على الغداء.
جلس داغر على السفرة وهي واقفة بجواره تنتظر تعليمات منه.
سألها.
_ايه نوع الأكل؟
أخذت أسيل تشرح له كما علمتها مديرة المنزل وبعد انتهاءها قال بجمود.
_شيلي الأكل ده.
حرقة اعصاب اخرى لكنها تلك المرة سألته.
_ممكن اعرف ليه؟ الأكل انت طلبته بنفسك.
رد بانفعال.
_انتي هتناقشيني، قلت شيلي يبقى تشيلي من سكات.
ازداد بغضها له وقامت بحمل الاطباق وأعادتها للمطبخ.
سألتها مديرة المنزل.
_ايه يا حور رجعتيه ليه؟
وضعته حور على الطاولة الرخامية وقالت باقتضاب.
_مش عجبه.
_يبقى اكيد متعصب من حاجة، أنا هروح له.
خرجت سلوى وجلست حور تنظر إلى الطعام بقلق.
عليها ان تتخلص منه كي لا يأكله احد آخر.
قامت بالبحث عن اكياس بلاستيكية وألقت بها الطعام ووضعته جانبًا.
تقدمت سلوى منه وسألته.
_كابتن داغر لو الأكل مش عاجبك نعمل غيره، تحب حاجة معينة؟
سألها بحزم.
_هي فين؟
سألته بحيرة.
_هي مين؟
رد بانفعال.
_اللي أخدت الأكل وبعتتك.
_اه تقصد حور، هي قالت الأكل مش عجبك قلت اسألك.
تحدث بانفعال أشد.
_بس انا طلبت منها هي يبقى كل حاجة تتنفذ زي ما أنا عايز.
لم تزعل منه لأنها تعرف تلك الحالة جيدًا فقالت بروية.
_اللي تشوفه ثواني هبعتهالك.
ازاح كوب الماء من أمامه فيسقط على الأرض متحطمًا ولم يهدئ ذلك من غضبه.
ولما لا وقد عاد الحنين لرائحتها بعد غياب عامين.
تقدمت حور بحذر عندما رأت الزجاج المهشم وقالت بثبوت.
_نعم.
توهجت عيناه بغيومها عندما اقتحمت رائحتها كيانه فحاول الثبات امامها وقال بحزم.
_فين الأكل؟
_أكل إيه؟ انت مقولتش…..
قاطعها بحدة.
_الأكل اللي شلتيه دلوقت.
تطلعت إليه بدهشة لم تلبث كثيرًا وردت.
_للأسف رمناه.
قطب جبينه مندهشًا وسألها باحتدام.
_انا اذنت بكده؟
ردت بنفاذ صبر.
_لأ بس حضرتك قلت الأكل مش عاجبني فركناه ومستنيين تؤمر بأيه تاني.
_عايز نفس الأكل اللي رمتيه ويكون جاهز في خلال ربع ساعة.
لو كانت النظرات تقـ.ـتل لكان الآن غارقًا بدماءه لكنها احجمت رغبتها وقالت بسخط.
_تمام.
همت بالذهاب لكنه منعها.
_رايحة فين انا مسمحتش بانك تمشي.
اغمضت عينيها بضجر.
_نعم.
نهض وهو يقول بأمر.
_متعمليش اكل انا أصلا مليش نفس.
نهض من مقعده وقال بأمر.
_هتيلي القهوة على المكتب.
نهض ليدلف المكتب وهو يحاول جاهدًا ألا يتعثر في سيره بدون عصاه أمامها.
أما هي فقد ظلت تنظر إليه بوجوم حتى اختفى داخل المكتب.
لن تسأم بتلك السهولة عليها ان تتحمل قليلاً كي تصل لمرادها.
دلت المطبخ وقامت بإخراج الزجاجة من جيبها فلاحظت انها على وشك الانتهاء ولم تفلح محاولة منهم.
أفرغت محتواها بالقهوة وهي تعدها ثم وضعتها على النار رغم اعتراض قلبها على ذلك.
دلفت مكتبه وهي تحمل القهوة بيد مرتعشة ووضعتها أمامه قائلة بارتباك.
_القهوة..
قال بأمر.
_هاتيها على الجانب التاني هي سلوى مفهمتكيش ازاي تقدمي حاجة لواحد أعمى؟
اندهشت حور كيف له ان يميز مكانها.
_لا فهمتني.
حملت الكوب ووضعته على يمينه وقالت.
_حاجة تاني؟
عاد بظهره للوراء.
_اه هتيلي علبة السجاير من اوضتي.
اومأت بصمت وذهبت لتأتي بها فلم تجدها.
أخذت تبحث في كل مكان حتى وجدتها أسفل الوسادة.
عادت إليه تضعها على يمينه فقال.
_السجاير بتبقى على الشمال.
رمشت بضجر وقامت بوضعها على يساره.
_اتفضل.
أخذ واحدة وقام باشعالها وهو ينفخ دخانها بقوة، تطلعت إلى عينيه الغائمة من بين الدخان وعاتبت نفسها كيف خُيل لها أن تلك العيون تعرف شيئاً عن الحب.
أزعجتها رائحة الدخان فأخذت تسعل بقوة فسألته.
_عايز حاجة تاني؟
لم يجيبها وانتظر حتى انهى سجائره واطفأها في المطفأة أمامه.
_غيري القهوة لأنها بردت.
بصمت مطبق أخذت القهوة وخرجت بها من المطبخ كي تعد غيرها دون جدال.
هي تعلم بأنه يفعل ذلك كي تمل منه وتتركه.
وللمرة الرابعة يفشل مخططها لذا عليها ان تكون أكثر حرص المرة القادمة.
قامت باعداد غيرها وقد انتهت الزجاجة ولم يعد بها نقطة واحدة.
لذا اعدتها بضيق ثم عادت إليه و وضعته على يمينه.
_القهوة.
مد يده ليأخذ الفنجان ثم تحدث بجمود.
_مظبوط؟
ردت بثبوت.
_ايوة زي ما بتشربها.
أعادها لوضعها وتحدث باستنكار.
_ومين قالك إني بشربها مظبوط؟
حاولت أسيل التحلي بالصبر وقالت بتروي.
_آنسة سلوى اللي قالت.
زم فمه بصعوبة شديدة بتحكم غضبه وازاح الفنجان من أمامه وهو يصيح بها بعنفوان جعلها تنتفض في وقفتها.
_انا اللي اقولك وانا اللي أحدد ايه اللي اشربه فاهمة ولا لأ.
الكلمة هنا في البيت ده كلمتي ومفيش حاجة تتعمل إلا باذني.
كان يزمجر كليث مذبوح وتابع بهدر.
_اتفضلي امشي من قدامي وبعد كدة تسأليني قبل ما تخطي اي خطوة في البيت ده.
لم يزيدها حديثه إلا مرارة وازدراء علقم قلبه.
لذا انسحبت بهدوء وهي تراه يقوم بإذلالها بكل ذلك الجبروت.
مسحت دموعها باناملها وهي تدلف المطبخ وتضع الفنجان في الحوض.
كرهت كل شيء.
وعلمت أنها لن تستطيع الاستمرار اذا استمر هو على ذلك.
مر الوقت بطيء حتى جاء موعد انصرافها.
أخذت حقيبتها وخرجت من المطبخ.
لكنها توقفت عندما شاهدته وهو يصعد الدرج يقيس مسافة كل درجة بعصاه ولم يكن يعلم بأنها تشاهده.
شعرت بالتشفي وهي تراه أمامها بذلك العجز.
تغير كثيرًا ولم يعد ذلك الشاب المفعم بالحياة.
بل أصبح ذليل لتلك العصاه والتي تعد طوقه الوحيد لكن لم يشفي ذلك جراح قلبه.
تريد أن تراه مذلول أكثر وأكثر وستعمل بكل الطرق كي تنقم منه.
الأهم الآن ان تضغط على ذلك القلب كي لا يكون عقبة أمام انتقامها.
دلف غرفته يزيح بقدمه كل ما تراه عيناه وقد تحولت رماديتاه إلى غيوم تنذر بهبوب عاصفة هوجاء حتى وصل لمقعده.
ألقى بثقله عليه وقد ازداد غضبه من ذلك القلب الذي يعترض على معاملته معه.
دائما ذلك الخائن يلتمس لها آلاف الأعذار.
منذ أن استيقظ من غفوته وعلم بأنها تخلت عنه.
لما عليه أن يكون بذلك الضعف أمامه؟
لما ذلك وقد قامت بنحره بكل قوتها ولم ترأف به او حتى تشفق عليه كما يفعل معه الجميع؟
لما هانت عليه رغم أنها لم تهون ومازال حتى الآن يعشقها.
وضع وجهه بين كفيه ثم مررهم على خصلاته الفحمية يريد أن يقتلعهم من شدة غضبه.
تنفس بقوة يحاول العودة من ذلك الشتات التي تسببت به بعد ان بدأ يتقبل حياته كما هي.
دير هاتفه بالرقم المنشود فأسرع بإخراجه من جيبه وقام بالرد عليه مسرعاً يسأله بلهفة.
_عملت ايه؟ وصلت لحاجة؟
رواية جبل النار الفصل السابع 7 - بقلم رانيا الخولي
رد الرجل من الجانب الآخر:
"المعلومات اللي وصلتلها ضعيفة جداً لأنهم مش مختلطين بحد في المنطقة وكل اللي وصلت له إنها عايشة مع أمها في بيت على البحر ولها أخ دكتور اسمه حازم."
ضغط على أسنانه بغضب جحيمي، خاصة عندما تابع الرجل:
"هما عاشوا في المكان ده من سنتين والبنت مكنتش بتظهر نهائي لمدة سنة بعدها بدأت تشتغل ممرضة."
حاول جعل صوته ثابتًا وهو يسأله:
"وحازم ده سايبهم لوحدهم؟"
"لا بيعدي كل يوم عليهم وهو راجع من الشغل وأحياناً بترجع معاه في العربية."
"انت متأكد من المعلومات دي؟"
سأله داغر فأجابه بتأكيد:
"زي ما قولتلك بالظبط."
أغلق داغر الهاتف وأمسك عصاه وأخذ يضغط عليها كأنه ينفث بها غضبه.
إذًا هي اختارت ذلك الطبيب العاشق وهربت معه بعد أن أصيب هو بالعمى.
حسنًا، سيجعلها تندم على ذلك اليوم وهو كذلك.
***
في منزل والد هايدي، لم يحتاج فريد لفطنة كي يعلم حالة ابنته عندما دلفت بحقائبها ودلفت غرفتها القديمة طالبة عدم استجوابها الآن.
ولبى رجاءها تاركًا إياها حتى تهدأ.
لكن الآن عليه أن يتحدث معها ويعرف ما حدث.
دلف غرفتها فيجدها جالسة في شرفتها شاردة في الفراغ أمامها.
جلس بجوارها وهو يتمتم بمزاح:
"طيب انتي زعلانة مع جوزك؟ احنا بقا ذنبنا إيه؟"
تطلعت إليه بابتسامة مغمزة بالمرارة وقالت:
"ومين قالك إني زعلانة معاه؟"
عادت بنظرها للفراغ أمامها وأردفت:
"أنا زعلانة على نفسي عشان قليت منها كتييير أوي."
تنهد فريد وقال بحكمة:
"الزوجة بالنسبة للزوج هي نصه التاني يا هايدي، يعني جزء لا يتجزأ منه، فـ منجيش نعاقب جزء مننا ونتهمه بأنه السبب في شوية مصاعب بنمر بيها."
قطبت جبينها بدهشة وقالت بحيرة:
"خفيفة؟ انت بتسمي اللي انا فيه ده مصاعب خفيفة! أومال لو مكنتش عارف كل حاجة."
أيد حديثها:
"وانا عشان عارف كل حاجة بقولك أنها مصاعب لو صبرنا عليها وعالجناها هتعدي، ستات كتير أوي عايشة مع اجوازهم وعارفين أن قلبهم مش معاهم ومع ذلك مكملين لأن بينهم أطفال من حقهم يعيشوا بهدوء عشان يكونوا سويين."
قطبت جبينها بعذاب:
"بس انا بشر ولما توصل إنه عايز يسقطني طبيعي إني انسحب بكرامتي وأشيل من قدامه العقبة اللي منعاه عنها."
لم يتقبل فريد ذلك القرار والذي أغضبه بشدة، لكنه لم يبدي لها وقال بمحايدة:
"أنا معاكي في دي بس انتي برضه غلطتي لما حملتي غصب عنه وانتي عارفة كويس إنه رافض."
"والله يابابا كان غصب عني."
"وليه موضحتيش حاجة زي دي؟"
"وضحت وقلت بس أصر على قراره وعشان كده سبت البيت ومشيت وأصرت على الطلاق."
لم يريد الضغط عليها أكثر من ذلك فربت على يدها قائلاً بتروي:
"على العموم، أنا هسيبك تنامي دلوقت والصباح رباح."
خرج فريد من غرفة ابنته فيجد والدتها تطعم الأطفال.
فور خروجه تركت الأولاد وتقدمت منه تسأله:
"ها يافريد عرفت حاجة؟"
تنهد بتعب ورد بخيبة أمل:
"للأسف المرة دي ليها كل الحق، وإن هو أصر مفيش حاجة قدامي غير الطلاق."
اتسعت عينيها بصدمة وكررت كلمته:
"طلاق؟!"
أومأ لها وهو ينظر لأحفاده:
"أيوة طلاق."
انسحب بهدوء ودلف مكتبه ثم قام بالاتصال عليه، لكن هاتفه قيد الإغلاق.
ترك هاتفه على المكتب وأخذ يفكر في حل لتلك المعضلة التي وقعت بها ابنته.
***
في القاهرة، دلف خليل مكتب المحامي الذي كلفه بمتابعة القضية أثناء غيابه مع ابن أخيه.
رحب به الرجل بحفاوة وسأله:
"تشرب إيه الأول؟"
رد خليل باستياء:
"أنا مش جايلك عشان أتشرف."
"إزاي ياشكري أسلمك انت بالذات قضية مهمة زي دي وانت تسلمها لمحامي مبتدأ بالبساطة دي؟ هو ده حفاظك على الأمانة اللي أمنتيهالك؟"
"طيب اهدى وخلينا نتكلم بهدوء."
انفعل خليل أكثر ورد بحدة:
"هدوء إيه، انت خليت فيها هدوء بعد ما سلمت شاب بريء للموت بإيديك."
مسح الرجل على وجهه يحاول تهدئة نيران ضميره التي لازالت مشتعلة حتى الآن وقال بثبوت:
"صدقني يا خليل الموضوع أكبر مني ومنك، دي وصلت لخطف بنتي وتهديدي بقتـ.ـلها."
رد خليل باستنكار:
"مكنوش هيقدروا يعملوا حاجة لأن آخرهم يهددوا بس، وأنا قبلك اتهددت ومع ذلك رفضت أستسلم."
قال شكري بمغزى:
"عايز تقولي إن حادثة ابن أخوك كانت قضاء وقدر."
أكد خليل بثقة:
"أيوه كانت قضاء وقدر وتأكدت بنفسي مع الشرطة من حاجة زي دي."
نهض خليل وتابع:
"الإنسان ده هيفضل ذنبه في رقبتك ليوم الدين."
خرج من المكتب رغم نداء شكري عليه، ثم استقل سيارته وعاد إلى منزله الذي كان يقطن به قبل سفرهم.
***
أخذت حقيبتها وخرجت من المنزل بعد أن باءت كل محاولاتها بالفشل.
تأخر الوقت وكأنه تعمد ذلك، غير عابئ بعودتها إلى منزلها في وقت متأخر وفي ذلك الشتاء القارس.
همت بالخروج من البوابة الرئيسية لكنها توقفت على صوت أحد العمال الموجودين في المنزل وهو يناديها:
"آنسة حور."
التفتت حور إليه فوجدته يتقدم منها ويقول باحترام:
"كابتن داغر طلب مني أوصل حضرتك بالعربية."
ابتسمت بمجاملة وتمتمت بلباقة:
"لأ متشكرة، أنا هروح لوحدي."
"معلش مش هينفع، لو سيبتك تمشي هتسببيلي مشكلة معاه."
وافقت حور تلك المرة لأنها حقًا متعبة، لكن لن تقبلها مرة أخرى.
هي تشعر بالنفور من تواجدها معه تحت سقف واحد ولن تزيد الأمر باستخدام أشياءه.
تطلعت إلى السيارة من الداخل وتذكرت أنها ذلك اليوم الذي خرجت معه بها.
**عودة للماضي**
كانت تحتسي قهوتها في شرفة غرفتها وصورته لا تترك مخيلتها لحظة واحدة.
وتساءلت ما كان ظنه بها عندما رآها مع سليم وهو يقبلها بعد أن أخبرته بأن لا أحد سيكون بانتظارها؟
وضعت الكوب على الطاولة ونهضت لتقف وتشاهد حديقة المنزل وكأنها تشغل نفسها بأشياء أخرى.
انتبهت لدخول أحد العاملات بالمنزل وقد ظهر عليها الارتباك عندما وقفت أمامها وكأنها تتردد في اخبارها.
فسألتها بحيرة:
"في حاجة ياشهد؟"
فركت الفتاة يديها بارتباك قبل أن تقول بتلعثم:
"أصل… أصل يعني…"
قطبت جبينها بدهشة وسألتها:
"مالك في إيه؟"
تشجعت الفتاة عندما تذكرت عرضه السخي وتمتمت بخفوت:
"أصل في واحد برة اسمه كابتن داغر وعايز يشوفك ضروري."
اتسعت عين أسيل بصدمة ولم تتخيل لحظة واحدة أن يكون بتلك الجرأة ويأتي إلى منزلها وبهذا الوقت.
ضغطت على شفتيها تفكر هل تذهب إليه وتخبره ألا يفعل ذلك مرة أخرى لأجل سلامته أم ترفض مقابلته وتكون بذلك حرصت على سلامتها أيضًا.
"هو فين؟"
سألتها شهد بتوجس:
"ليه؟"
انفعلت أسيل من ردها وقالت بانفعال:
"هو إيه اللي ليه! بقولك هو واقف فين؟"
ازداد خوف الفتاة وقالت بوجل:
"عند الباب الوراني، وأنا راجعة من بره لقيته واقفني بعربيته وسألني أن كنت بشتغل عند حسين بيه افتكرته عايز يقابله بس لقيته بيطلع فلوس كتير من جيبه وبيطلب مني أوصله ليكي وهيديني قد المبلغ ده مرتين، بس أنا والله رفضت أخدهم وقولتله إن حضرتك مش بتاعت الكلام ده فقالي إني أوصلك الرسالة دي وخلاص."
وقفت حائرة لا تعرف ماذا تفعل.
لا تنكر أنها تريد رؤيته أيضًا، لكن ستكون مخاطرة كبيرة ولن تجازف.
"طيب اسمعيني كويس."
ظل جالسًا بسيارته ينظر بساعته بين الحين والآخر.
وقد أخذ القلق يتسرب إلى قلبه.
هل رفضت مقابلته؟ أم أن الموضوع انتهى بالنسبة إليها منذ أن حطت قدمها خارج السفينة.
ترجل من السيارة واستند بظهره عليها ينظر إلى المنزل بشرود.
"حسين النعماني" رجل أعمال لا يعرف في هذه الدنيا سوى المال.
تزوج بالفعل من فتاة إيطالية تعرف عليها في مطعم أبيها وتزوجها وجاءت معه مصر ولم يمضي الكثير وعادت لبلدها.
هذا ما استطاع بعد عناء الوصول إليه من معلومات عنه.
لكن هي لم يعرف عنها سوى ما أخبرته به بالسفينة وقد تطابق بالفعل ما عرفه عنها.
مرت ساعة أخرى ولم تخرج له مما جعله يفقد الأمل في رؤيتها وينصرف.
ستبحر سفينته بعد غد ويريد أن يراها قبل ذهابه.
انطلق بسيارته بعد أن يأس من مجيئها ولم يعلم بأنها واقفة بالقرب منه تراقبه فقط حتى ابتعد.
عادت إلى غرفتها وقد بدأت مشاعرها توضح قليلًا بعد أن رأت بعينيها كيف ظل واقفًا كل ذلك الوقت كي يلمح طيفها.
مشاعر متضاربة تتلاعب بذلك القلب الذي لم يختبر العشق يومًا.
لقد مر أربعة أيام على وجودها وكل شيء يذكرها بتلك الأيام التي قضتها معه.
هي بطبيعتها انطوائية ولم يكن لها أصدقاء يومًا سواء بإيطاليا أو بمصر.
لذلك لا تستطيع معرفة حقيقة مشاعرها.
هل العشق كما تقرأ عنه بالروايات التي تقرأها سواء إيطالية أو عربية؟
يتصادف الإثنين وتنشأ بعدها قصة حب يضحوا من أجلها بالكثير.
وحاله ليس أفضل من حالها وهو واقفًا في حديقة منزله ينظر إلى الفراغ أمامه.
لما رفضت رؤيته؟
لقد ظل أربعة أيام يحوم حول المنزل كي يستطيع الوصول إليها.
هل خافت؟ أم أن العاملة خشيت إخبارها؟
ظل كلاهما التفكير والانتظار لا يرفق بهما حتى حينما أبحرت سفينته.
ظل طوال رحلته يتنقل بين الأماكن التي تقابلوا بها.
وعند كل مكان يؤكد قلبه حقيقة تلك المشاعر الوليدة.
رياح أخرى وأمطار وتهيج البحار، لكن تلك المرة في وضح النهار.
تراست المراسي في المياه كي تحكم السفينة وينطلق هو بمغامرة أخرى من مغامراته.
قفز ذلك السندباد في المياه يجابه الأمواج وتجابهه يتحدى قوتها وتعاند.
فأخذ يغوص في الأعماق متخذًا سلسلة المراسي طريقًا له حتى وصل للأعماق.
مغامرة قصوى لكن يعلم جيدًا بأنه قادر عليها.
وقد كان له ما أراد.
إذ وجد تلك المرة صندوق صغير ساقطًا على صخرة كبيرة.
ففي كل مرة يخوض تلك المغامرة يخرج بشيء ثمين مثل محار يحتوي على لؤلؤة بالمياه العذبة أو بعض آثار التي سقطت نتيجة عن تحطم سفينة أو أشياء من حروب القراصنة القديمة.
اكتفى هذه المرة بذلك الصندوق وعاد للسفينة.
قرر ألا يفتح إلا وهي معه كي يفتح معه قلبه لها ويعترف بأنه عاشق.
نعم عاشق حتى النخاع مهما أنكر ذلك.
**عودة للماضي**
هكذا أكد لنفسه مرة أخرى وهو واقفًا يتحسس ذلك الصندوق الصغير.
ظن لوهلة أنها خرجت من حياته دون رجعة وأكتشف فور سماع صوتها أنه مازال تحت سطوة ذلك العشق.
...
تطلعت أمينة لأبنها بصدمة وقالت بعدم استيعاب:
"تسقطها؟ انت اتجننت؟"
رد حازم وهو يسقط عينيه أرضًا:
"مفيش حل تاني بعد اللي قلته ليكي، الحمل ده في خطر مؤكد على حياتها وأنا مقدرش أشوفها بتموت قدام عينيه واقف أتفرج."
"طيب ما تقولها."
"مش هتقدر تتحمل صدمة زي دي، هايدي بتحب الأطفال أوي كانت ديمًا تقولي إن نفسها تخلف طفل كل سنة وشوفتي بنفسك كانت بتحاول تقنعني قد إيه إنها تخلف بعد سنة من ولادتها لعلي وعمر صدقيني مش هتتحمل صدمة زي دي."
"بس أفضل من صدمتها فيك بعد ما تجبرها إنها تسقطه."
زم فمه بضيق وغمغم بتعند:
"عادي هتزعل شوية وترجع تاني."
"طيب ولو رفضت؟"
شعر حازم بنغصة حادة في قلبه ورد بقلة حيلة:
"مش هيكون فيه حل تاني غير إني أجبرها."
تأثرت أمينة بحالة ابنها وهو بين نارين، في كلا الحالتين سيفقدها.
هي تعلم جيدًا أنه يحبها لكن عشق أسيل الذي احتل قلبه منذ الصغر جعله لا يرى حبه الحقيقي لزوجته.
نهض حازم قائلاً:
"أنا هعدي على الولاد أجيبهم من عند حماتي وأروح البيت أحاول أقنعها من تاني."
"بلاش تجيب الولاد دلوقتي عشان ميحسوش بحاجة ولما تصفوا الأمور بينكم يبقى رجعهم."
أومأ لها واستأذن منها خرجًا من المنزل.
تفاجأ بحور تنزل من سيارة فارهة وفي وقت كهذا.
تسمرت حور في مكانها عندما رأته.
فلن يدع الأمر يمر مرور الكرام ومن الممكن أن يعلم بعملها معه.
ازدردت جفاف حلقها بصعوبة وانتظرت ابتعاد السيارة ثم مرت من أمامه كي تدلف في صمت مطبق.
سمح لها بالدخول ثم دلف خلفها ليسألها:
"كنتي فين؟"
رمشت بعينيها تحاول البحث عن إجابة لكن الكلمات كأنها توقفت في حلقها فعاد يسألها بحدة:
"بقولك كنتي فين؟ وعربية مين اللي جاية فيها دي؟"
خرجت أمينة على صوته الحاد وهي تسأله:
"في إيه ياحازم."
صاح بها بغضب:
"اسألي الهانم اللي راجعة في وقت زي ده ومع راجل غريب بسألها مش بترد."
قطبت أمينة حاجبيها بدهشة وسألتها:
"مين الراجل ده ياحور؟"
اهتزت نظراتها وقد شعرت بأنها حشرت في الزاوية ولم تفكر في حازم وما سيفعله عندما يعلم بحقيقة فعلتها فقالت بتلعثم:
"دا السواق."
رفع حازم حاجبيه بدهشة مصطنعة:
"السواق؟! وسواق مين بقا إن شاء الله؟"
تطلعت إلى أمينة تناشدها أن تتصرف هي لكنها لن تستطيع الوقوف أمام ابنها وفي مثل ذلك الموقف بالأخص.
"أصل دكتور عاصم طلب مني إني أشتغل ممرضة لواحد كفيف والنهاردة كان أول يوم."
زم حازم فمه دلالة على صعوبة تحكمه في غضبه وسألها:
"وازاي تعملي حاجة زي دي من غير ما تعرفيني؟ ولا انتي فاكرة عشان سمحتلك بالشغل إنك تتصرفي على كيفك."
ازدردت لعابها بوجل وتمتمت:
"لأ مش كدة بس لقيتها فرصة عشان أبعد الفترة دي لأني صادفت بابا وسليم في المستشفى من يومين……"
"أنا سؤالي واضح ليه وافقتي من غير ما تاخدي أذني الأول؟"
عليها أن تكون حذرة في الرد كي لا يتحرى عن الأمر ويعرف الحقيقة لذا تحدثت بثبات:
"غلطت ومكنتش أعرف إنك هتضايق كده بس صدقني شغل المستشفى بقى متعب أوي وأنا قلت إنه شغل خفيف وأجر كبير."
كور قبضته بغضب وتمتم باستياء:
"ولما انتي شايفة شغل المستشفى متعب أوي كده ليه أصررتي عليه؟ ولا انتي شايفة إني مقصر معاكم في حاجة؟"
تطلعت إليه أسيل بجمود وتمتمت باستنكار:
"انت عارف كويس رأيي في الموضوع ده مش هقبل أكون عالة على حد واتكلمنا في الموضوع ده كتير. أنا بجد محتاجة الشغل ده وبعدين هو شهر واحد المدة اللي قاعدينها هنالم."
يريد الانفعال عليها لذا حاول بصعوبة التحدث بروية وهو يسألها:
"واسمه إيه الشخص ده؟"
أغمضت عينيها تحاول السيطرة على دقات قلبها المتسارعة.
فإن علم من يكون لن يمر الأمر لكنها تذكرت أنه لا يعرف شيء عن عمه لذا قالت بدون تفكير:
"اسمه خليل الحسيني."
أومأ لها وقال بحزم:
"من هنا لحد ما أسأل عليه وأعرف كل حاجة عنه مفيش خروج من البيت."
عقدت حاجبيها متسائلة:
"يعني إيه؟"
"زي ما سمعتي، عايز أعرف مين هو وإيه قصته اللي تخليكي تغيري رأيك وتشتغلي ممرضة في البيوت."
انفعلت حور وقالت باندفاع:
"حازم، كلامك واضح إنه فيه اتهام."
أكد حديثها وقد خرج نابع من غيرته عليها:
"أيوة فيه اتهام لما توافقي بسهولة إنك تفضلي مع راجل طول النهار وكمان تخبي عليا لازم يكون فيه اتهام."
"زي ما قلت مفيش خروج من البيت نهائي لحد ما أتأكد منه."
خرج من المنزل صافقًا الباب خلفه بعنف مما جعلها تجفل من إصراره.
إذا علم من يكون فلن يسمح لها بالخروج خارج المنزل وسيقيدها بتهديده.
تطلعت لأمينة وقالت برجاء:
"دادة انتي ساكتة ليه؟"
تنهدت أمينة بتعب منها:
"لأن كلامه المرة دي صح ومقدرش أعارضه فيه، أنا كمان شكيت من وقت ما قولتي إنه في منطقة… بس سيبتك لما أعرف دماغك فيها إيه."
اهتزت نظراتها وقد وضعها الجميع حقًا في الزاوية وخاصة عندما أردفت أمينة:
"إيه اللي خلاكي تدخلي بيته بعد اللي عمله فيكي؟"
اقتربت منها أكثر كي تواجهها:
"إيه نسيتي بالسهولة دي! ولا الحب رجع يدق في قلبك من جديد."
رمشت بعينيها تريد أن تنشق الأرض وتبتلعها وخاصة عندما تابعت أمينة:
"من أمتى وانتي بتخبي عليا يا أسيل؟"
تطلعت إليها أسيل وقالت بصدق:
"بس أنا عمري ما خبيت عليكي وكنت هقولك بس خفت تمنعيني، وعشان تكوني عارفة أنا منستش اللي عمله فيا ولا هنساه لكن كل الحكاية إني حبيت أشوفه وهو مذلول قدامي."
لاح الحزن بعينيها وهي تتذكر تفاصيل يومها ومعاملته السيئة لها.
واردفت:
"بس للأسف متغيرش، هو بس مبقاش قادر يواصل التمثيل وبيتعامل بطبيعته اللي كان مخبيها عليا."
تجمعت العبرات داخل عينيها وتمتمت برهبة وهي تحيط جسدها بذراعيها:
"مش عارفة أنا إزاي كنت مغفلة أوي كده وصدقته. كنت مستعدة أحارب الدنيا كلها عشانه وثقت فيه وحبيته بجنون والآخر دبحني."
تطلعت بدموع إلى أمينة وتابعت بقهر:
"معقول بعد اللي شفتيه ممكن أسامح ولا أغفر؟"
هزت رأسها بنفي:
"مستحيل حتى لو ركع قدامي."
تأثرت أمينة بدموعها وسألتها بحيرة:
"طيب إيه اللي خلاكي توافقي بس."
ردت أسيل وقد تبدلت ملامحها للقهر:
"عشان انتقم منه وأدمر حياته زي ما دمر حياتي، أنا مهما أحكيلك مش هقدر أوصلك اللي عمله فيا ولا في ابنه اللي لحد النهاردة لسه متسجلش، ولو قدرنا نخبيه النهاردة عن الناس مش هنقدر نخبيه بكرة."
"بعد كل ده تقولي لسه بتحبيه؟"
تنهدت بألم وهي تردف:
"اطمني واطمني أوي كمان."
قالت جملتها الأخيرة لتقنع بها نفسها قبل أن تقنع أمينة، وهو أبعد ما يكون عن الحقيقة.
ما زالت تحبه وما زال ذلك الشيء بداخلها يلتمس له الأعذار.
لكن أي يعذر ذلك الذي يغفر له تعديه عليها بتلك الوحشية.
لن تغفر ولن تسامح وستواصل انتقامها منه حتى تراه ذليل أمامها…
ظلت أسيل تملس على وجه طفلها وهو نائم مثل الملائكة على الفراش بجوارها.
وحده من استطاع أن يهون عليها مرارة الحياة.
لكنها أيضًا تشعر بمدى ظلمها له.
ولما لا وقد أنجبته طفلاً مجهول الهوية.
لا قيد له.
أحيانًا تشعر بأنها أخطأت عندما رفضت عرض حازم بأن يسجل باسمها.
وحتى تسجله على اسم والدها؟
لكن كان عليها الرفض لأجل زوجته، وما كان عليها المغامرة بتسجيله باسم والدها.
لذا كان عليها الالتزام بالصمت والصبر ربما تجد حلاً آخر.
تتساءل ماذا ستفعل حينما يكبر ولدها ويسألها عن هويته.
من هو ومن والده؟
فكان الحل الوحيد أمامها هو قتـ.ـله وحينها ستواجه عمه بالحقيقة وستطلب منه إثبات نسب طفلها وحينها ستخبر طفلها بأن والده توفي…
رواية جبل النار الفصل الثامن 8 - بقلم رانيا الخولي
خرج خليل من المبنى بعد أن أصر على تقديم استقالته بسبب تضليل العدالة.
عاد إلى منزله في القاهرة والذي غاب عنه لمدة عامين منذ حادث ابن أخيه.
دلف المنزل ليجد فريق من العمال يقوم بتنظيفه، لذا صعد للأعلى.
أبدل ملابسه وخرج ليجلس في حديقة منزله.
أخذ ينظر لأشجار الورود التي زرعها يومًا مع زوجته الراحلة.
توفت منذ ثلاث أعوام وتركت ندبة بداخل قلبه لن تشفيها السنين.
فبعد وفاتها اكتشف بأنها أخفت عليه حقيقة عدم انجابه كي لا تجرحه، وتحملت هي ذلك العبء بدلًا منه.
تذكر حديث الطبيب عندما ذهبت إليه وطلبت منه ألا يخبره بالحقيقة وأن يخبره بأن المشكلة لديها.
أخرجه من شروده أحد العمال التي جاءت إليه.
ناولته شيء صغير وقالت:
_ أنا لقيت الجهاز ده واقع في الأرض يافندم.
تطلع خليل للجهاز بين يديه ثم أشار لها بالانصراف.
نظر إليه بدقة ليكتشف بأنه عبارة عن كاميرا صغيرة توضع لمراقبة دقيقة.
اندهش حقاً من تواجده في منزله، من الذي وضعها ولما في بهو المنزل؟
عقد حاجبيه باندهاش ثم أخرج الميموري منها وهم بوضعه بالهاتف لولا أن جاءه اتصال من المحامي.
أعاد الكارت إلى الجهاز ثم أجابه:
_ السلام عليكم.
_ وعليكم السلام، أنا واقف بالعربية قدام الفيلا.
وضع خليل الجهاز بسترته ورد بترحيب:
_ ادخل انا قاعد في الجنينة.
أغلق الهاتف ونهض ليستقبله.
تقدمت العاملة لتضع أمامهم القهوة ثم سأله خليل:
_ خير ايه الموضوع المهم اللي عايزني فيه؟ ولو هتكلمني في موضوع الشغل ياريت تقفل أحسن.
عاد شكري بظهره للوراء وقال:
_ لا ياسيدي أنا جيلك في حاجة تانية خالص.
_ بنك……كلمني النهاردة وعايز حد يمسك مصنع محمد السيوفي اللي حجز عليها.
ردد خليل الاسم ثم سأله:
_ بس المصنع ده كان كبير اوي ازاي يقع بالسرعة دي؟
رد شكري بعدم اكتراث:
_ ما انت عارف المنافسات بقا، وخصوصاً بعد ما مات مراته وبنته مقدروش يقفوا قصاد حيتان السوق وعشان كدة سقط منهم. المهم هتوافق ولا لأ، أنا شايف انها فرصة بعد ما سيبت شغلك.
تنهد خليل:
_ أنا أصلاً كنت بفكر افتح شركة صغيرة كدة بس كنت استنى لما داغر يعمل العملية.
_ أهي يا سيدي جاتلك لحد عندك وهتبقى انت المسؤول الرئيسي في المصنع ومنه تزداد خبرة بحيث لما تسيبه يكون عندك دراية بكل حاجة.
فكر خليل قليلًا ثم تحدث بجدية:
_ سيبني يومين أفكر وبعدين ارد عليك.
_ أنا مستغرب هتفكر في إيه العرض مش محتاج تفكير.
رد خليل باستنكار:
_ يا شكري أنا ليا ظروف خاصة مقدرش اسيب داغر لوحده فترات طويلة وبعدين ميعاد العملية بتاعته قرب يعني كلها عشرين يوم وهنسافر تاني، احنا رجعنا بس لما الدكتور قال أن الموضوع نفسي فكان عندي أمل انه لما يرجع اسكندرية حالته النفسية تتحسن ويرجع نظره.
تنهد بحزن وتابع:
_ بس للأسف حاسس إن حالته بتسوء أكتر.
تحدث شكري بتعاطف:
_ ان شاء الله نظره هيرجع وهيبقى احسن من الأول، على العموم انا هكلم مدير البنك وهقوله إنك موافق مبدأيًا لحد ما ترجع من السفر.
❈-❈-❈
عاد حازم إلى شقته فيجد الظلام يعمها.
قام بفتح الأنوار فيجدها فارغة.
دلف غرفتهم وقد ساوره الشك في تركها للمنزل.
وقد تأكد شكه عندما فتح الخزانة فوجدها فارغة.
اخرج هاتفه من سترته واتصل عليها وبعد محاولات كثيرة ارضخت في الأخير وأجابته:
_ نعم.
هدر بها منفعلًا من نفسه قبلها:
_ انتي فين ياهانم؟
أجابت هايدي بفتور:
_ أنا عند ماما.
_ وازاي تخرجي من غير ما تعرفيني؟
ردت بنفس هدوءها:
_ مبقتش ملزمة بعد النهاردة استئذنك في اللي هعمله، أنا خلاص اكتفيت لحد كدة وخلي كل واحد فينا يروح من طريق.
ازداد غضبه أكثر وقال بانفعال:
_ يعني ايه بتلوي دراعي؟
_ افهمها زي ما تفهمها مش هتفرق معايا.
انهت جملتها وأغلقت الهاتف مما جعله يضغط عليه حتى ابيضت مفاصله.
عليه أن يتصرف هو في أقرب وقت قبل أن يخرج الأمر عن السيطرة.
ظل حازم يتقلب على جمر ملتهب وهو مستلقيًا على الفراش وحيدًا لأول مرة.
ليلة واحدة وشعر بذلك الفراغ.
فماذا سيفعل عندما ينفذ ما ينوي فعله.
يعلم جيدًا بأنها لن تغفر له مطلقًا حتى لو عادت إليه لأجل الطفلين.
نظر في ساعته فوجدها الثانية عشر، ليلة بطيئة حتى شعر بأن عقارب الساعة توقفت عن العمل.
مسح بكفه على وجهه ونهض ليدلف المطبخ يعد فنجان قهوة.
لكنه أخذ يتخبط به لا يعرف اين تضع القهوة.
فكر بالاتصال عليها ليسألها لكنه تراجع، لا يريد اقلاقها في ذلك الوقت.
شعر بأن منزله الدافئ أصبح شديد البرودة ويفتقر للدفئ الذي كان يكتنفه.
جاءته رغبة في أن يذهب إليها الآن ويعيدها بالإجبار، لكن ليس الآن.
عليه أن يتخلص من حملها أولاً وبعدها سيفكر كيف يعيدها.
❈-❈-❈
وقف داغر أمام شرفته وهو يشعر بالضجر.
لا يعرف لما.
أو هكذا يتساءل ليهرب من الحقيقة، وهي أن قلبه عاد ينبض من جديد.
حقيقة مهما حاول انكارها.
ما زال عاشقًا لها حتى النخاع.
كره ذلك الظلام الذي احجبها عنه وجعلها تستضعفه بذلك الشكل.
لما عادت؟
ولما أيضًا أخفت هويتها عنه؟
أسئلة كثيرة يريد إجابتها ولا يوجد أحد يريحه ويخبره بحقيقة أمرها.
ضغط على ساعة يده ليعرف الوقت، فقد تعدت التاسعة صباحًا ولم تأت.
تذكر حينما ظل منتظرها أمام منزلها ومحاولاته الكثيرة التي باءت دائمًا بالفشل حتى سافر.
عودة للماضي.
خرج من الميناء وتوجه إلى سيارته وهو يشعر لأول مرة بلهفة وشوق إلى القاهرة.
كان يبغض الذهاب إليها قبل معرفتها.
لكن الآن اختلف الوضع تمامًا.
مر اسبوعين تذوق فيهم مرارة الفقد وكأنها ألفت روحه وألفتها.
انطلق بسيارته إلى القاهرة وهو يسرع بها كي يصل إليها بأسرع وقت.
وصل أمام منزلها من الباب الخلفي ثم تطلع إلى العلبة الموضوعة على المقعد المجاور له.
لقد قرر أن في كل رحلة له أن يأتي إليها بإحداهن.
اخرج هاتفه من سترته ثم قام بالاتصال على العاملة التي استطاع بعد عناء الوصول إليها وعندما أجابته تحدث بثبوت:
_ أيوة ياشهد أنا الكابتن داغر.
ارتبكت الفتاة وأخذت تتلفت حولها كي تتأكد من عدم وجود احد معها في المطبخ ثم تمتمت بخوف:
_ حضرتك كدة هتوديني في داهية.
_ مفيش داهية ولا حاجة وزي ما قولتلك كله بحسابه، طلعي الفون لأسيل.
اتسعت عينيها بصدمة وغمغمت باعتراض:
_ لأ طبعاً انت عارف لو حد شم خبر هيعملوا فيا ايه؟ دي ناس مبترحمش.
_ متخافيش انتي بس هتوصلي الفون ليها وخلاص، يا إما ابعتيلي رقمها واخرجي برة الموضوع.
رفضت شهد اقتراحه:
_ لأ خلاص هطلع الفون وربنا يستر.
صعدت الفتاة وهي تتلفت حولها بقلق حتى وصلت لغرفة أسيل.
طرقت الباب فسمحت لها بالدخول وقد كانت تقرأ أحد القصص الإيطالية التي أخذتها معها.
أغلقت الكتاب وهي مندهشة من الارتباك الواضح عليها وسألتها:
_ في حاجة ياشهد؟
تقدمت منها بوجل وهي تشير للهاتف:
_ أصل… أصل يعني…..
تعجبت أسيل وسألتها بحيرة:
_ متتكلمي في ايه؟
تركت الهاتف على الفراش واسرعت بالهرب قائلة:
_ في حد عايز يكلمك.
نظرت أسيل للهاتف ثم اخذته من فوق الفراش ونظرت به فإذا به رقم غير مسجل.
ترددت كثيرًا قبل أن تجيبه لكنها بالأخير وافقت ورفعت الهاتف لأذنها متمتمة بصوتها الرخو:
_ مين؟
تنفس داغر بأريحية وهو يعود بظهره للوراء وتمتم براحة:
_ أخيرًا قدرت أوصلك.
اعتدلت في رقدتها وقد شعرت بضربات قلبها تنبض بشدة عندما علمت صوته وقالت بوجل:
_ ايه اللي عملته ده؟ انت مجنون؟
رد داغر بدهاء:
_ هبقى مجنون لو معملتش كدة.
ردت من بين اسنانها:
_ انت عارف لو حد عرف ايه اللي ممكن يحصل؟
رد داغر ببساطة:
_ هيحصل ايه اكتر من العذاب اللي عشته الفترة اللي فاتت دي.
نهضت أسيل لتوصد الباب جيدًا ثم تحدثت برجاء:
_ كابتن داغر أرجوك…..
قاطعها هو برجاء أشد:
_ ارجوكي انتي تسمعيني، انا خلاص مش قادر أصبر أكتر من كدة. خلينا نتقابل لأن في كلام كتير عايز أقوله.
رغم رغبتها الشديدة بذلك إلا إنها قالت برفض:
_ لو سمحت ياكابتن اللي بتطلبه ده مستحيل وياريت…..
قاطعها بإصرار:
_ ياريت انتي تبطلي مكابرة وتوافقي لأني مش هتراجع.
_ انت متعرفش حاجة.
_ لأ عارف كل حاجة، أسيل أنا أجازتي المرة دي خمس أيام بس وهغيب فيها اسبوعين مش هقدر اسافر من غير ما اشوفك ارجوكي توافقي.
لامس رجاءه قلبها لكن ليس بيدها شيء.
هي ترفض ذلك خوفًا على كلاهما فإن علم والدها فلن يرحمهم.
لذلك التزمت الصمت ربما يفهم من ذلك أنها ترفض وبشدة.
لكنه أبى الرضوخ لذلك وتحدث بلهجة مرحة قليلاً كي يخفف عنها خوفها:
_ أسيل لو رفضتي ممكن تقومي من النوم تلاقيني جانبك على السرير.
شهقت أسيل بصدمة من جرئته وخاصة عندما سمعت ضحكته تدوي في الهاتف وتابع تهديده:
_ والله انا حذرتك وانتي حرة، ها موافقة؟
ترفض وبشدة لكن تحت إصراره وافقت مجبرة فتابع قبل أن تتراجع:
_ هستناكي بكرة الساعة خامسة على أول التقاطع.
اغلق الهاتف قبل ان يسمع ردها.
أما هي فقد شعرت بخوف شديد وعاتبت نفسها على الركض خلف ملذاته.
مضى الوقت بطيئًا على كلاهما حتى جاء موعدهم.
وقفت أسيل أمام المرآة تمشط خصلاتها في شرود.
ماذا إن اكتشف والدها خروجها؟
هل يستحق المجازفة بحياتها؟
أم هو مجرد شاب يلهو.
جلست على الفراش بكمدلأول مرة تصادفها تلك الحيرة.
طوال عمرها تمشي بخطوات ثابتة وتعرف جيدًا إلى أين وجهتها.
لكن الآن لا تعرف اتتبع قلبها الذي يحسها على الذهاب إليه.
أم تتبع عقلها الذي ينهاها عن المجازفة بحياتها.
لا، لن تذهب.
تطلعت إلى هاتفها الذي دونت عليه رقمه وقررت الاتصال به والاعتذار.
وقبل ان تتراجع اسرعت بإرسال رسالة له وكان محتواها"أسفة مش هقدر"
ثم قامت بإغلاق هاتفها.
اغلق هاتفه وألقاه بغضب على المقعد المجار له.
لما عليه أن يتحمل كل ذلك العناء.
إن كان قلبه سيجعله بتلك الحماقة فعليه أن يمحيه من قرارته.
قام بتشغيل محرك السيارة ثم انطلق بها.
حاول كثيرًا اخراجها من قلبه لكن مع كل محاولة يزداد حبها بداخله.
وقف مستندًا بمرفقيه على سياج يخته ينظر لتلاطم المياه على جانبيه.
ماذا يفعل كي يخرجها من حياته؟
هل يستخدم فتاة غيرها؟
لكن لن تفلح تلك الطريقة فقد أصبح يراها في كل فتاة تمر من أمامها.
غمض عينيه بشدة يريد محو صورتها من عينيه لكن بعدًا فقد استوطنت جوارحه ولن تخرج بتلك السهولة.
قام بخلع قميصه ثم قفز في المياه وأخذ يغوص بداخلها ويتعمق أكثر، ذلك المكان الوحيد الذي يستطيع أن يخطفه من شتاته لكن لم يفلح تلك المرة.
أخذ يغوص ويتعمق أكثر لكن لا فائدة.
صعد لسطح المياه عندما شعر بحاجته للتنفس فيخيل إليه صورتها خلف السياج تنظر إليه بابتسامتها الناعمة لكن سرعان ما اختفت وأصبح مكانها فارغًا تمامًا مثل ذلك الفراغ الذي تركته بداخله.
ظل يسبح ويسبح حتى مغيب الشمس وقد توصل إلى أنه أصبح عاشقًا وعليه أن يحارب للفوز بها.
صعد إلى يخته ثم عاد به إلى موضعه امام منزله بالإسكندرية.
ثم قام بتبديل ملابسه وأخذ سيارته وانطلق بها إلى القاهرة.
رن هاتفها مرة أخرى وتلك المرة كانت أمينة بجوارها فنادتها:
_ شهد تليفونك بيرن.
أغلقت شهد الموقد وأخذت هاتفها من أمينة فيظهر الخوف جاليًا على وجهها مما جعل أمينة تسألها:
_ في حاجة ياشهد؟
_ ها… لأ دي واحدة صاحبتي.
خرجت من المطبخ إلى الحديقة ثم أجابت:
_ يابيه انت كدة هتوديني في داهية.
رد داغر بثبوت:
_ متخافيش لو عملتي اللي هقولك عليه.
تلفتت حولها ثم قالت باستسلام:
_ خير يابيه...
صعدت شهد وهي تحمل كوب العصير الذي طلبته أسيل ودلفت غرفتها وهي تقول بثبات رغم خوفها:
_ متشكرة ياشهد حطيه على الكميدون.
ازدردت لعابها بصعوبة ثم وضعته على المنضدة وخرجت مسرعة من الغرفة.
صعدت شهد وهي تحمل كوب العصير الذي طلبته أسيل ودلفت غرفتها وهي تقول بثبات رغم خوفها:
_ متشكرة ياشهد حطيه على الكميدون.
ازدردت لعابها بصعوبة ثم وضعته على المنضدة وخرجت مسرعة من الغرفة.
انهت أسيل قراءتها ثم أغلقت الكتاب ووضعته أسفل الوسادة ثم تناولت العصير.
جالت بخاطرها صوره وذكرياتهم على الباخرة.
تفتقده بشدة لكن عليها الثبات على موقفها حتى لا تعرضه وتعرض حياتها للشقاء.
هي من اخطأت من البداية عندما خففت اللجام على مشاعرها واندفعت دون تفكير.
لذا عليها تحمل عواقب فعلتها.
شعرت أسيل بألم في معدتها ظنت انه ناتج عن رطوبة تعرضت لها.
لكن عندما ازداد أصبح لا يحتمل.
نهضت تبحث في الادراج عن مسكن لها لكنها توقفت عن الحركة إثر ازدياد الألم.
حتى أن صرخة صدرت منها دوت في المنزل بأكمله.
أسرعت إليها أمينة وكذلك سليم الذي يجاور غرفتها على صوتها:
_ مالك ياأسيل في ايه؟
كانت مستلقية على جانبها تنبش في الفراش وغمغمت بألم:
_ بطني بتتقطع.
تقدم منها سليم وتغلبت مشاعر الأخوة على جموده لكنه احجمها وغمغم بفتور مصطنع:
_ لو تقدري تمشي قومي نروح للدكتور.
هزت راسها برفض وتمتمت بألم:
_ مش قادرة اااااه.
انقبض قلبه بخوف ومال عليها يحملها ثم خرج بها من الغرفة وقلبه يتمزق ألمًا عليها لكنه لا يبدي ذلك فقد اعتاد أن يكون حادًا وحازمًا كوالده لذا احتفظ بوجومه وهو يحملها وذهب بها إلى المشفى.
قام الطبيب بالكشف عليها ثم قال لسليم:
_ هي اخدت أي أدوية؟
تطلع سليم إليها ينتظر منها إجابة فنفت أسيل قائلة بألم:
_ لأ.
زم الطبيب فمه بحيرة ثم تحدث:
_ انا هكتبلها على أدوية تهدي الألم وتنيمها شوية والصبح ان شاء الله هتكون كويسة.
بعد ان طمئنهم الطبيب استئذن سليم ليتناول قهوته في كافتيريا المشفى.
ونامت هي بفعل الأدوية.
فتحت عينيها بتثاقل اثر تلك اللمسات الدافئة على وجنتها.
حركت عينيها بوهن لتنظر إليه فوجدته هو ينظر إليها بعينين قلقتين متمتمًا بأسف:
_ انا أسف.
أسبلت عينيها لفهمها مغزى كلماته ومدى تهوره ثم فتحتها بعتاب جعلته يشعر بمدى حماقته وتابع بأسف:
_ مكنتش أعرف إن جسمك ضعيف أوي كدة ومش هتقدري تتحمليها.
ازدردت جفاف حلقها وتمتمت بوهن:
_ جربتها.
أومأ لها مبتسمًا:
_ مرة وانا في الكلية عشان آخد أجازة.
افتري ثغرها عن ابتسامة واهنة:
_ وأخدت؟
هز رأسه بنفي:
_ اخدت جزة بدل الأجازة.
ضحك الاثنين ثم تطلع اليها بحب وندم وقد عاتبه قلبه على فعلته تابع باعتذار حقيقي:
_ أنا آسف ملقتش طريقة غير دي أشوفك بيها، متعرفيش الأيام دي مرت عليا ازاي وحشتيني أوي.
رغم بغضها لفعلته إلا إن قلبها سامحه عندما لاحظت العشق الذي ظهر واضحًا بعينيه.
رفع أناملها الرقيقة لفمه وقبلها بحب قائلاً:
_ متقلقيش الصبح هتكوني كويسة، انا اطمنت من الدكتور.
سألها بمكر:
_ امم هتوافقي نتقابل ولا أشوف طريقة تانية.
تطلعت إلى عينيه التي ترمقها بحب لم ترى مثله من قبل وتمتمت بخفوت:
_ انت طلعتلي منين؟
تنهد بتعب وتمتم بوله:
_ انتي اللي طلعتيلي منين؟ انا كنت راضي بحياتي زي ما هي ومكنتش بفكر في الحب ده خالص جيتي انتي ولخبطتي كل حاجة.
شعرت أسيل بصدق كلماته لذا سقطت حصونها أمام غزو مشاعره ورحبت بعشقه وتلك المشاعر التي اقتحمتها.
ملس بابهامه على وجنتها وتحدث بوله:
_ أنا مسافر كمان يومين ايه رأيك تتحججي بأي حاجة وتيجي الصبح اسكندرية هعيشك يومين مش هتنسيهم العمر كله.
هزت راسها بأسف:
_ صعب.
ابتسم بحب:
_ مش صعب ولا حاجة انا عارف ان والدك عنده فيلا في اسكندرية ودي فرصتك انك تطلبي تسافري عشان تغيري جو.
_ وان معرفتش؟
رفع حاجبيه بخبث:
_ لسة معايا حبوب كتير.
اغمضت عينيها بتعب:
_ تاني؟
حك رأسه بمزاح وقال:
_ متهونيش عليا، بس ياريت انا كمان مهونش عليكِ.
أومأت له:
_ هحاول.
تذكرت أمر أخيها فتطلعت إليه بقلق:
_ داغر لازم تمشي دلوقت قبل سليم ما يرجع.
أومأ لها ثم قبل يدها مرة أخرى وخرج من الغرفة.
رواية جبل النار الفصل التاسع 9 - بقلم رانيا الخولي
في الصباح، دلفت أسيل الغرفة بمساعدة أخيها. ساعدها على الاستلقاء وسألها:
_ بقيتِ أحسن؟
أومأت له بامتنان. فهم بالخروج لكنها أوقفته:
_ سليم؟
تطلع إليها متسائلاً، فقالت:
_ عايزة أسافر اسكندرية مع دادة أمينة، يومين بس.
ظهر الرفض واضحًا عليه. وقبل أن يفرضه عليها، قالت له برجاء:
_ أرجوك، هما يومين بس، محتاجة أغير جو.
فكر قليلًا ولم يستطع الرفض أمام رجائها، ثم تحدث بروية:
_ تمام، هبقى أخلي عادل يوصلكم ويفضل معاكم لحد ما ترجعوا.
خرج من الغرفة. ودلفت أمينة وهي تحمل كوبًا من الأعشاب الساخنة:
_ قومي يا أسيل اشربي الأعشاب دي هتريحك.
اعتدلت في الفراش وقالت بلهفة:
_ يلا يا دادة بسرعة جهزي الشنط عشان هنسافر اسكندرية.
قطبت أمينة جبينها بدهشة وسألتها:
_ اسكندرية؟ وإنتي تعبانة كده؟ وفي البرد ده؟
_ لأ، أنا بقيت كويسة خلاص. يلا بسرعة قبل سليم ما يغير رأيه.
ضيقت أمينة عينيها بشك وسألتها:
_ في إيه بالظبط يا أسيل؟ فرحتك دي مش مطمناني.
امسكت أسيل يدها وقالت بسعادة:
_ فاكرة الشاب اللي قابلته على الباخرة وأنا راجعة من إيطاليا؟
_ آه فاكرة. وفاكرة كمان إني قولتلك متحاوليش تقابليه، ليكون بيلعب بيكي.
هزت رأسها بنفي وقالت بسعادة:
_ لأ، أنا اتأكدت من حبه ليا. جاني المستشفى وطلب مني أقابله في اسكندرية قبل ما يسافر.
قطبت جبينها بدهشة وسألتها:
_ وسليم كان فين؟
_ إنتي عارفة سليم مش بيحب جو المستشفيات، فأكيد كان قاعد في الكافتيريا. ها، قولتي إيه؟
ردت أمينة بامتعاض:
_ لأ يا أسيل، مش موافقة.
الحت عليها برجاء:
_ أرجوكي يا دادة، أنا كمان حبيته واتأكدت إنه مش بيلعب بيا. وبعدين أنا عايزة أعيش سني اللي دفنته ما بين بيت بابا وبيت جدي، عايزة أشوف الدنيا شوية، مش هفضل طول عمري محبوسة بين أربع حيطان. وأهو بالمرة تشوفي حازم.
وافقت أمينة بعد رجاء، واستعدوا بالفعل قبيل الصباح. ثم انطلقت السيارة بهم، وقد حالفها الحظ بغياب والدها مع زوجته.
استقلت السيارة مع أمينة والسعادة تغمرها لأول مرة بحياتها. لأول مرة تشعر بأنها طليقة تفعل ما تشاء بعد أن لامس الحب قلبها.
بعثت إليه رسالة تخبره بأنها آتية إليه. ولم تعرف بأنه وراءها يقود سيارته خلف سيارتها.
وصلته رسالتها فتبسم بسعادة غامرة وهو يقرأها. ورد عليها بأخرى: "عارف".
وصلتها رسالته فتسأله بدورها: "عرفت إزاي؟"
"عشان بيني وبينك مسافة لا تتعدى اتنين متر. ولو عايزاني أكون جانبك ثواني وهتلاقيني بشاورلك من العربية."
"إنت مجنون."
"هو إنتِ لسه شفتي جنان. سيبي نفسك إنتِ بس وأنا هعيشك يومين عمرك ما هتنسيهم."
"مضطرة أقفل عشان الطريق. هروح البيت أغير لبسي وأجيلك. خلينا على اتصال."
في الإسكندرية، وقفت أسيل في الشرفة تنظر إلى البحر بشرود وسعادة عامرة لم تشعر بمثلها من قبل. تشعر لأول مرة أن حياتها أصبح لها معنى. لكن شيء بداخلها يسألها: هل ما تفعله خطأ أم صواب؟ هل الاهتمام الذي تراه والنظرات التي تؤكد لها مدى عشقه تستحق تلك المجازفة؟ ماذا إن كان يخدعها؟ ماذا إن كان يفعل ذلك مع كل فتاة يصادفها؟ لا تعرف ماذا تفعل. هل تواصل تهورها، أم تعود قبل أن تفيق على صدمة لن تستطيع ردعها عنها؟
انتبهت على صوت أمينة تسألها:
_ هتفضلي واقفة في البلكونة كتير؟ كده هتبردي وتتعبي تاني.
التفتت إليها أسيل وقالت بابتسامة حائرة:
_ لأ، متخافيش. وبعدين داغر هيعدي عليا دلوقتي عشان نخرج مع بعض.
لم تستطع أمينة الوقوف أمام تلك السعادة التي ظهرت واضحة عليها. لذا تركتها تخوض تجربة ربما تكون ناجحة.
سمع كلاهما صوت بوق سيارة. فعلمت أسيل أنه جاء. فقامت بأخذ حقيبتها وخرجت بعد أن قبلت أمينة.
وقف داغر مستندًا بظهره على السيارة ينتظر مجيئها. ابتسم حتى بدت نواجذه عندما وجدها تتقدم منه على استحياء. وقد ارتدت ملابس محتشمة لا تتوافق تمامًا مع فتاة تربت في كنف الغرب. كانت ترتدي بنطال وتيشيرت بنفس اللون مع سترة سوداء.
ظل ينظر إليها حتى وقفت أمامه وقالت بخجل:
_ هنروح فين؟
تأمل بعينيه عينيها التي احتار في لونهما:
_ تحبي إنتِ نروح فين؟
هزت كتفيها وقد شعرت بالإحراج من نظراته وقالت:
_ مش عارفة، أنا معرفش أماكن هنا.
اعتدل في وقفته ثم فتح لها باب السيارة وقال بهدوء:
_ طيب اركبي.
استقلت مقعدها وجلس هو خلف المقود وانطلق بالسيارة. كانت تنظر من النافذة وعينيها تجوب الأماكن باستمتاع. فسألها داغر:
_ عجبتك اسكندرية؟
ردت بحماس:
_ أوي أوي. تعرف إني أول مرة أشوفها.
رفع حاجبيه مندهشًا، فأكدت هي:
_ جيت هنا مرتين، بس مكنتش بخرج فيهم. أخري أقعد على البحر ومبعدش عنه.
غزى الحزن صوتها وتابعت بخفوت كأنها تحدث نفسها:
_ حتى في إيطاليا كنت ممنوعة من الخروج. كان بيبقى عارف كل تحركاتي وعشان كده كنت برجع من الجامعة أفضل في البيت لحد تاني يوم.
لاحظ أنها تحدثت بتلقائية. وخاصة عندما تابعت:
_ في الآخر لقيت إن مفيش فرق بين بعدي عنه وإني أعيش معاه. وعشان كده لما ماما ماتت رجعت على طول.
توقفت السيارة أمام منزل كبير قريب من الشاطئ لا يفصله عنه سوى أمتار قليلة، وقال لها:
_ وصلنا.
تطلعت إليه بشك وقالت:
_ وصلنا فين؟
رد ببساطة:
_ بيتي.
فتحت أسيل باب السيارة وترجلت منها قائلة:
_ يبقى فهمتني غلط. بعد إذنك.
ترجل داغر مسرعًا كي يبرر لها:
_ أسيل استني، إنتي فهمتيني غلط.
وقف أمامها يمنعها من الذهاب وتحدث برتابة:
_ أنا مش جايبك البيت.
أشار بيده ناحية البحر على اليخت وتابع:
_ أنا جايبك هنا عشان تشوفي اليخت مش أكتر.
نظرت إليه بشك، فأكد هو:
_ وحياتك ما بكذب عليكي، أنا هدخل أجيب المفاتيح وإنتي استنيني هنا.
وافقت أسيل ودلف المنزل كي يأخذ المفاتيح. ثم عاد إليها وهو يشير بها:
_ عرفتي بقى إني مش بكذب.
أومأت له بابتسامة ثم سارت معه وساعدها على الصعود لليخت. ثم سألها:
_ اتفرجي وقولي رأيك؟
سارت أسيل وهي تستكشف اليخت حتى وصلت للسياج وقالت:
_ جميل أوي.
تقدم منها يقف بجوارها وينظر للمياه:
_ طيب بما إنه عجبك، إيه رأيك في مغامرة صغيرة كده.
لاح التردد عليها، فطمأنها بثقة:
_ متقلقيش، إنتي في أمان معايا. ده وعدي ليكي.
وافقت أسيل وشرع داغر بتشغيل المحرك وأبحر بها.
تولى داغر القيادة وأخذ ينظر إليها وقد تطايرت خصلاتها بفعل الرياح، فجعلت قلبه ينبض بقوة ومشاعر وليدة أخذت طريقها إليه. لا يعرف حتى الآن كيف وقع في براثن عشقها بتلك السهولة. كل ما يعرفه أنه عشقها حد الجنون. ترك عجلة القيادة وتقدم منها ومازال مأخوذًا بسحرها. وقف بجوارها مستندًا بمرفقيه مثلها. فنظرت إليه بابتسامتها التي جعلت قلبه يهدر بعنف وقالت ببراءة:
_ جميل أوي إنك تعيش الأجواء دي مع حد قريب منك.
هز داغر رأسه بنفي وقد تلاعبت به مشاعره أكثر من براءتها. وتمتم بتخابث:
_ بالعكس، أنا لو أعرف كده مكنتش عملتها.
قطبت جبينها بحيرة وسألته:
_ ليه بتقول كده؟ إنت مش مبسوط إني معاك؟
نظر للمياه أمامه كي يسيطر على تلك المشاعر وقال بثبوت يتنافى تمامًا عما بداخله:
_ بالعكس، مبسوط جدًا. وده السبب اللي خلاني أقول كده.
ضيقت عينيها بحيرة:
_ مش فاهمة.
تطلع إليها بابتسامة ماكرة:
_ بكرة لما تكبري هتعرفي. تحبي تنزلي الماية؟
هزت رأسها بنفي وقالت:
_ الجو برد أوي. وبعدين أنا مش بعرف أعوم.
قال بمكر:
_ أعلمك.
_ برضه مش هينفع، لأني مش جايبة هدوم معايا.
ابتسم بخبث قائلاً:
_ تقصدي مايوه.
صلبت ملامحها وقالت بتحذير:
_ داغر.
رد بدهاء:
_ إنتي ليه دماغك حدفت شمال؟ أنا أقصد مايوه إسلامي يا قمر.
ردت باستنكار:
_ لأ، لا إسلامي ولا غيره.
داغر باستسلام:
_ ماشي يا ستي. أنا هنزل بس اطلع ألاقيكم محضرة الفطار لأني واقع من الجوع.
وافقت أسيل ونزل هو للأسفل كي يبدل ملابسه. أما هي فقد دلفت المطبخ الصغير وقامت بتحضير الفطار.
خرجت بعد قليل واقتربت من السياج كي تبحث عنه، لكن لا أثر له في المياه. ذهبت للجانب الآخر لكن لم تجده أيضًا. زحف الخوف لقلبها وتلاعب الخوف بها. فنادت عليه:
_ داغر.
انتظرت لتسمع صوته، لكن لا من مجيب. ازدردت لعابها بوجل ونادت مرة أخرى وأخرى. حتى توقف قلبها لحظات وقد ساورها الشك بأن يكون تعرض للغرق. وضعت يدها على قلبها واستدارت كي تبلغ. لكنها اصطدمت بصدره العريض مما جعلها تبتعد وتصرخ بفزع:
_ بسم الله.
إيه يا أسيل مالك اتخضيتي كده ليه؟
تطلعت إليه بغضب وقالت بصوت مهزوز:
_ كنت فين وسايبني أنادي عليك.
اندهش من ارتعاشتها:
_ كنت تحت المايه ومسمعتش صوتك إلا مرة وخرجت على طول.
ابتسم قائلاً بمزاح يخفف به وطأة خوفها:
_ إيه افتكرتيني غرقت؟ ده حتى عيبة في حقي.
تطلعت إليه باحتدام:
_ إنت بتهزر؟ إنت عارف أنا خفت عليك قد إيه؟
رفع يده ليمسح على وجنتها وسألها بمكر:
_ لأ معرفش.
أزاحت يده بعيدًا وجلست على الأريكة بامتعاض منه:
_ لا كده إنتي محتاجة جلسة صلح. ثواني هاخد شاور وأجيلك.
نزل داغر للأسفل وتركها بغضبها منه لوقت طويل حتى تغلب النعاس عليها ونامت رغمًا عنها. وحينها خرج داغر ليجدها جالسة على الأريكة تغط في نوم عميق. تقدم منها وعينيه تلتهم ملامحها بعشق جارح. تلك الحورية التي خطفت أنفاسه من النظرة الأولى وجعلته يسقط صريعًا لها. ابتسم بحب وتقدم منها يحملها بروية كي لا يزعجها. ثم نزل بها لغرفة النوم ووضعها بتروٍ على الفراش. أخرج الغطاء من الخزانة ثم وضعه عليها وأغلق الضوء ثم صعد للأعلى.
دلف المطبخ وهو يشعر حقًا بالجوع والنعاس مثلها. شعر برغبة ملحة بأن يشاركها الفراش ويغمض عينيه على وجهها الذي بات يعشقه. لكنه أحجم تلك الرغبة كي لا يزعجها. دلف المطبخ فوجدها قامت بعمل سندوتشات خفيفة كما يفضلها. هم بأخذ واحدٍ منها كي يتناوله، لكنه رفض وقرر أن ينام مثلها. وعند استيقاظهم يتناوله معها. دلف الغرفة المجاورة وقد كانت أصغر بكثير، كأنها مخصصة للأطفال. ثم استلقى على الفراش ومازالت تلك الرغبة تراوده. ظل يتقلب في الفراش ورغم النعاس إلا إنه لم يستطع النوم بسبب أفكاره. يبدو أنه أخطأ حقًا في مجيئهم وحدهم. وبعد فترة طويلة استطاع التغلب على تلك الرغبة وراح في سباته.
فتحت أسيل عينيها. فتمر لحظة حتى استوعبت وضعه. نهضت مسرعة وعينيها تستكشف المكان. من الذي جاء بها إلى هنا؟ ساورها الشك وأخذت تتأكد من ملابسها. أزاحت الغطاء ونهضت من الفراش ثم خرجت من الغرفة. فتتفاجأ بتأخر الوقت وقد شارفت الشمس على المغيب. أسرعت بالنزول وطرقت على الباب الآخر وهي تناديه:
_ داغر.
فتح داغر عينيه فزعًا على طرق الباب. فنهض مسرعًا يفتحه فإذا بها أمامه:
_ إيه يا أسيل، في إيه؟ حد يصحّي حد بالشكل ده؟
رفعت الهاتف أمام وجهه وقالت بغيظ:
_ إنت عارف الساعة كام؟
دقق النظر فينصدم عندما وجدها الخامسة:
_ معقول نمنا كل ده؟ طيب هغير هدومي ونرجع.
وقف خلف طارة القيادة ينظر إليها بين الحين والآخر بغيظ:
_ كان هيجرى إيه لو صبرنا شوية لحد ما فطرنا حتى.
تطلعت أسيل في ساعتها وقالت بغيظ:
_ المغرب أذنت وحضرتك عايز تفطر؟
_ يا ستي نعتبر نفسنا في رمضان، ولا شكلك مكنتيش بتصومي في إيطاليا.
ردت بغيظ منه:
_ لأ طبعًا كنت بصوم. جدو وماما مسلمين على فكرة.
تطلع إليها بمكر وقال:
_ طيب ما تيجي نمثل إننا في رمضان ونروح عندي البيت تحضريلي الفطار بإيديك الحلوة دي ونفطر في أوضتي.
زمت فمها بغيظ وتمتمت:
_ على فكرة إنت سافل.
هز داغر رأسه يدعي براءة مزيفة وقال بحيرة:
_ أنا مش عارف ليه دماغك بتحدف شمال. أنا والله قصدي شريف، عندي تراس في الأوضة بتاعتي هواها بحري وإيه! من الآخر.
زمت فمها بيأس منه. ثم نهضت عندما رسى اليخت على الممر. وهمت أسيل بالنزول منه، لكنه منعها:
_ اهدي يابنتي كده ممكن تقعي.
تقدمها داغر ثم ساعدها على النزول وسار بجوارها حتى وصلوا للسيارة. وقف أمامها وقال بشغف:
_ ما تيجي نتعشى مع بعض في مطعم قريب من هنا.
تطلعت إليه وهي تقول بأسف:
_ مش هينفع أتأخر عن كده، زمان دادة قلقانة أوي.
_ طيب إيه رأيك نقضي بكرة مع بعض؟ أنا شايف إن اليوم ده ميتحسبش، وبعدين في حاجة غالية عندي أوي عايز أهديهالك.
لمعت عينيها بسعادة وسألته:
_ إيه هي؟
_ بكرة إن شاء الله هتشوفيها. بس لو مصرة تعالي معايا أوضتي تشوفيها هناك.
ضحك داغر عندما وجدها تفتح باب السيارة وتدلف بها قائلة:
_ لأ، مش مستعجلة.
انطلق بالسيارة وعاد بها إلى المنزل. وقبل أن تترجل منها قال برجاء:
_ هستناكي بكرة في نفس الميعاد.
فكرت قليلاً ثم تحدثت باقتضاب:
_ هحاول.
عادت أسيل إلى المنزل فوجدت أمينة تنتظرها على أحر من الجمر. وعند دخولها سألتها بحدة:
_ ممكن أعرف إيه اللي آخرك لحد دلوقتي؟ وكمان قافلة تليفونك؟
تمتمت أسيل بأسف:
_ معلش يا دادة بس الوقت أخدنا ومحستش بيه، والمكان مكنش فيه شبكة.
عقدت أمينة حاجبيها بشك:
_ ليه كنتوا فين؟
ازدردت لعابها بوجل وتمتمت برهبة:
_ كـ..كنت معاه على اليخت.
اتسعت عينيها بصدمة:
_ لوحدكم؟
أومأت أسيل بصمت دون التفوه بكلمة. فتحدثت أمينة بعتاب:
_ هي دي تربيتي ليكي يا أسيل! ولا السنين اللي عيشتيها برة خلتك تنسي اللي زرعته جواكي.
رمشت بعينيها مرات متتالية وتمتمت بنفي:
_ دادة أنا معملتش حاجة غلط وبعرف أوقف أي حد عند حده. لو تمادى معايا هوقفه، متقلقيش عليا.
_ وتفتكري لما تبقوا لوحدكم وفكر يعمل حاجة إنتي هتقدري تدافعي عن نفسك؟
أكدت بثقة:
_ أيوه يا دادة أعرف. وبعدين داغر إنسان كويس جدًا. ولو في دماغه حاجة كان عملها لما كنا مع بعض في الجزيرة.
لاح الرجاء بعينيها وهي تتابع:
_ أرجوكي يا دادة، أنا عايزة أعيش لنفسي مرة واحدة بس. أنا أول مرة أحب. مختبرتش الإحساس ده قبل كده وعايزة أعيشه مع الإنسان اللي اخترته واختارني.
تأثرت أمينة بحديثها ثم قالت بمحايدة:
_ يابنتي هو أنا مش عايز اكي تفرحي، بس أنا بقول نحكم عقلنا ومننجرفش ورا مشاعرنا. متعمليش زي الحصان اللي عاش عمره كله محبوس وأول ما فتحوا القفص له جري ومعرفش هو رايح فين ولا طريقه ده آخره إيه.
دنت منها أسيل لتحتضنها وقالت بحب:
_ متخافيش عليا، كل حاجة علمتهالي محتفظة بيها ومش هغيرها.
ربتت أمينة على ظهرها:
_ ولو مخفتش عليكي إنتي هخاف على مين؟ ربنا يبعد عنك شر النفوس ويحميكي يا بنتي.
رواية جبل النار الفصل العاشر 10 - بقلم رانيا الخولي
اليوم التالي.
استعدت أسيل للذهاب معه ونزلت الدرج وهي في قمة سعادتها.
لم تقبل أمينة تصرفها، لكن رؤية السعادة في وجهها جعلتها ترضخ لها.
خرجت أسيل من المنزل فتتفاجأ بحازم أمامها.
"أزيك يا أسيل."
ارتبكت أسيل وردت وهي تنظر إلى سيارة داغر التي توقفت على بعد أمتار منهم.
"الحمد لله بخير."
كانت نظرات حازم تلتهمها، وهذا ما لاحظه داغر.
لا يعرف من يكون ولا صلة قرابتهم.
لا يعرف سوى تلك الغيرة التي جعلته يضغط على موقد السيارة بغضب وهو يراها تبتسم وهو يحدثه.
لم يستطع التحكم في غيرته عليها ونظرات ذلك الشاب لها واضحة وضوح الشمس.
هم بالترجل من السيارة كي يذهب إليهم ويجذبها ليخفيها عن نظراته، لكنه تراجع ما إن رأه يدلف للداخل وتأتي هي إليه.
فتحت باب السيارة وجلست بجواره وهي تقول بابتسامة.
"معلش اتأخرت عليك."
اندهشت أسيل عندما وجدته ينطلق بالسيارة دون قول شيء، مما جعلها تتعجب من صمته.
فطوال الطريق يضغط بقبضته على المقود وعلامات الغضب واضحة عليه، حتى وصلوا للشاطئ.
لم تفهم سبب لذلك الصمت الذي يؤكد مدى تعصبه.
أوقف السيارة جانباً، وحينها وجدته يلتفت إليها والغضب مرتسم في عينيه، وغمغم بتحكم.
"مين اللي كنتي واقفة معاه ده؟"
اهتزت نظراتها وشعرت بالخوف من حدته، فتمتمت بتوجس.
"دا حازم ابن دادة أمينة."
ضرب على مقود السيارة بقبضته وغمغم بسخط.
"ولما هو ابن دادة أمينة بتقفي تتكلمي معاه ليه؟"
أجفلت من صوته وظهر أمامها بجانب آخر، مما جعل الخوف يتسرب إلى قلبها.
وردت بحذر.
"عادي حازم زي أخويا…"
صرخت أسيل بفزع عندما قاطعها بصوته الهادر.
"لأ مش زي أخو…."
توقف داغر وتحول غضبه للقلق عندما لاحظ ارتعابها، وأمسك يدها التي وضعتها أمام وجهها بحماية وتحدث بقلق.
"في إيه يا أسيل…."
سحبت يدها وهي تتأوه بفزع، مما جعل قلبه يهدر بقوة خوفاً عليها.
وتمتم بلهفة.
"أنا آسف، أنا بس اتعصبت من غيرتي عليكي."
هم برفع يده إليها كي يملس على رأسها بهدئها، لكنها صرخت بفزع ورفعت يدها تحمي وجهها، مما أدهش داغر.
حاول أبعاد يدها عن وجهها، لكنها أجفلت وفتحت باب السيارة هاربةً منه ومن الجميع.
خرجت مسرعة تريد الهرب، لكن إلى أين؟
كانت كلماتهم تتردد في أذنها.
"لا تفعلي، لا تذهبي، لا تنظري، لا… لا… لا."
وضعت يدها على أذنها تكتم تلك الأصوات التي زادت بصوت داغر.
كانت تستمع لصوته يناديها، مما جعلها تسرع في ركضها كي تهرب منه كما لم تهرب من أهلها.
تعثرت في ركضها وسقطت على ركبتها، فهمت بالنهوض والهرب، لكن داغر أمسك بها يمنعها.
"إهدي يا أسيل، اهدي متخافيش."
حاولت الإفلات منه، لكنه أحكم قبضته عليها وقرب رأسها من صدره متمتمًا بخفوت.
"أنا آسف إن كنت اتعصبت عليكي."
استكانت أسيل ببكاء بين يديه، وهم جالسين على الرمال وذكريات من الماضي تقتحم مخيلتها وبقوة.
أصوات هادرة يعقبها صفعة قوية، وعقاب قاسٍ يعقبه حبس انفرادي.
هل اكتمل الأمر لديها بوجوده؟
خرج داغر من المطبخ وهو يحمل كوبين من القهوة وقدم واحدًا لأسيل التي جلست على الأريكة بشرود.
انتبهت للكوب الذي يحمله بيده، فأخذته منه بابتسامة مجاملة وعادت لصمتها.
جلس داغر على المقعد المقابل لها وسألها بحنان مفرط.
"بقيتي أحسن؟"
أومأت على نهج صمتها، فعلم داغر بأنها تعذبت كثيرًا بحياتها.
فقال بتروي.
"أنا عارف إني اتعصبت عليكي واتماديت، بس صدقيني ده كان نابع من غيرتي مش أكتر."
تنهدت وهي تنظر للكوب بين يديها وردت بحيطة.
"الموضوع مكنش مستاهل كل ده، حازم أنا وهو متربيين مع بعض يعني اللي بينا مش أكتر من أخوه."
زم داغر فمه يحاول السيطرة على أعصابه عندما تذكر نظراته لها والتي تجزم بأن الأمر أكثر بكثير من مجرد أخوة، فكان عليه أن يلتزم الصمت كي لا يفتح عينيها عليه.
فقرر أن يغلق الحديث ويتطرق إلى حديث آخر.
"ايه هنضيع اليوم زي امبارح ولا إيه؟"
لاحت ابتسامة على محياها، لكن يغلفها الحزن، فتابع مزاحه.
"ايه رأيك لو نروح عند چاك."
تجاوبت أسيل معه وقالت بعدم استيعاب.
"بس المسافة بعيدة أوي."
"على أساس إن أنا سواق ميكروباص، أنا قبطان ياماما."
"وافقي انتِ بس وخلال ساعتين نكون هناك."
هزت رأسها برفض.
"لأ خلينا هنا أحسن."
لم يريد الضغط عليها وقرر أن يستمتع بتلك الأجواء معها.
وقفا معًا على حافة اليخت يتسامران في أمور عديدة، ثم سألها.
"جعانة؟"
ضحكت أسيل بيأس منه وسألته.
"انت ديمًا جعان كده؟"
نفى داغر وقال بغيظ.
"لأ بس حضرتك رفضتي تأكليني امبارح ولما روحت كسلت أعمل أكل لأن مفيش حد غيري في البيت، اكتفيت بساندوتش واحد وتقدري تقولي كده شوب نسكافيه."
"ماشي ياسيدي، في أكل في التلاجة ولا نرجع نشتري."
نهض داغر وهو يجذبها من يدها.
"لا كل حاجة موجودة في التلاجة."
دلفا معًا وبدأ داغر يخرج اللحوم من المبرد ويشرح لها كيفية طهيهم.
"اللحوم الشرايح دي نص تسوية يعني هتتحمر على نار هادية وخلاص."
أشار على أحد الأدراج.
"الدرج ده هتلاقي فيه كل حاجة محتاجاها."
"وانا بقا هعمل دور سي السيد انزل البحر شوية واستناكي تخلصي."
"يا سلام، والسلطة مين هيعملها؟"
حك ذقنه بمكر.
"مفيش غير السلطة يعني، ما تخليني أحمر معاكي اللحمة."
هزت رأسها برفض.
"لأ متشكرة، اعمل السلطة بس."
جلس داغر على المقعد وقد وضعت أسيل الخضروات أمامه وشرع في تحضيرها.
أخذ يرمقها بنظراته وهي تتحرك مثل الفراشة أمامه وتعد الطعام.
تمنى في ذلك الوقت أن تكون زوجته ويقف خلفها يشاركها في كل شيء.
أراد أن يقف خلفها ويمسك بيدها ويعدا الطعام معاً كشخص واحد.
لا يعرف كيف تسللت إلى قلبه وهدمت جداره الصلب بتلك السهولة.
كانت تضع خصلاتها بين الحين والآخر خلف أذنها، مما جعل وتيرة تنفسه تعلو ورغبة ملحة في منعها ليقوم هو بذلك الدور، لكنه أحجم تلك الرغبة ومنعها من ذلك التهور.
حاول الانشغال بإعداد السلطة كي يمحو تلك الأفكار من رأسه، فقال بمزاح.
"بس شكلك ست بيت شاطرة، اومال ايه بقا فيلا في القاهرة بخدم وايطاليا والكلام ده."
وضعت أسيل الشرائح في الأطباق وقالت.
"جدو من محبين المطبخ وفي بداية حياته فتح مطعم واشتهر بيه جدًا، وواحدة واحدة المطعم كبر أوي وبقى من اشهر المطاعم في روما، ولأنه مسلم فكل العرب اللي عايشين هناك والمسلمين الإيطاليين كمان كانوا بيروحوا مطعمه، وأنا بقا طلعت زيه."
وضعت باقي الطعام على الطاولة وسألته.
"تحب تاكل هنا ولا برة."
حك ذقنه بمكر قائلاً.
"أنا بقول بره أحسن عشان المكان هنا مغري جداً."
لم تفهم أسيل مغزى حديثه، لذا قالت ببراءة.
"خلاص خلينا هنا."
حمحم داغر وقال بتبرم.
"لأ خلينا برة أحسن."
حملوا الأطباق معًا وخرجوا للسطح، ثم وضعوها على الطاولة وشرعوا في تناوله.
سألته أسيل.
"الأكل حلو؟"
ابتسم قائلاً.
"جميل جدًا تسلم ايدك."
سعدت أسيل بذلك الإطراء وردتها إليه وهي تتذوق السلطة.
"والسلطة روعة بجد."
لاح المكر بعينيه وهو يقول.
"تعرفي إن اليوم ده بحسه مميز أوي، يعني."
"حاسس كأننا اتنين متجوزين وفي شهر العسل."
(غمز بعينيه وهو يضيف بخبث)
"ما تيجي ندخل على فقرة التمثيل ونمثل عريس وعروسة."
تركت أسيل الملعقة من يدها وقالت بتحذير.
"داغر."
رد داغر ببراءة مصطنعة.
"ايه ياقلب داغر، انا قلت ايه؟ ده مجرد تمثيل مش أكتر."
"برضه بلاش كلامك ده عشان بيحرجني."
أنهى داغر طعامه ومسح يده في المنشفة.
"ماشي ياقلبي مادام فيها احراج، تشربي شاي معايا."
نهضت أسيل وهي تحمل الأطباق.
"خليك وانا هعمله أنا خلاص شبعت."
قال برفض.
"لأ خليكي انا بحب أعمل المشروبات بنفسي."
"وانا شبعت خلاص خلينا نعمله مع بعض."
دلفا معًا المطبخ وقامت أسيل بغسل الأطباق، وأصر داغر على مساعدتها وطلبت منه أن يجففها بالمنشفة.
كانت تقف بجواره تتلامس أكتافهم دون قصد، لكن كانت تعذبه بعفويتها ولا تدري شيء عن ذلك الصراع.
الذي يجبره على أن يطيح بتعقله عرض الحائط ويأخذها بقبلة تاق لها منذ أن دخلا اليخت.
كان يرى معاناتها وهي تحاول إبعاد خصلتها عن وجهها ولم تستطيع بسبب يدها التي انشغلت بالجلي.
ودون إرادة منه ترك الطبق والمنشفة من يده، ثم تقدم خطوة منها ومد يده ليبعد تلك الخصلة خلف أذنها.
بوغتت بفعلته وتراجعت خطوة للوراء عندما لاحظت نظراته الراغبة لها.
"افترى فمه بابتسامة مطمئنة عندما لاحظ خوفها."
"نعم يرغبها ويريدها بكل جوارحه، لكنه لن يفعل ما يؤذيها أبدًا، هي أكبر من ذلك بكثير، وعندما يفكر في فعلها ستكون بفرحة عامرة ورضى بينهما."
فتحدث بروية.
"متخافيش عمري ما هعمل حاجة تأذيكي."
تطلعت إليه بعينيها التي ملؤها الخوف، فتابع هو بلهجة حانية بثت الأمان بداخلها.
"لأن محدش بيأذي روحه وانتِ روحي يا أسيل."
تلاشى الخوف من عينيها وحلت محلها ابتسامة تحمل امتنان كبير لذلك الرجل الذي علمها معنى الحب.
فتابع هو بمزاح.
"بس لو فضلت تبصيلي كده أنا مضمنش نفسي وممكن أرجع في كلمتي عادي."
ضحك كلاهما وأنهى عملهما جانبًا إلى جنب، وقد ازدادت ثقتها به بعد أن لامست الصدق بحديثه، كما ازداد حبها بداخله.
ثم صعدا للأعلى.
وقفا معًا على سياج اليخت يتناولا مشروبهما، وطيور النورس تحلق أمامهما تبحث عن صيدها.
فتحدث داغر عن ذلك الجمال.
"كل حاجة هنا مكتملة بالنسبالي."
"البحر والهدوء (تطلع إليها) وانتِ يا أسيل."
تهربت بعينيها منه بحياء خاصة عندما تابع.
"ديمًا كنت بحس إن حياتي ناقصها ومعرفتش ايه اللي ناقصني غير بعد ما عرفتك."
استدار ليتطلع إليها وتقدم منها خطوة ليقول بوله.
"من اول ما عيني جات عليكِ وانا حاسس بالاكتمال."
رفع يده لتتلاعب أنامله بخصلاتها وتطلع بعينيها قائلاً.
"دلوقت بس أقدر أقول إن حياتي بقى لها معنى."
لم تتخيل أسيل أن تسمع مثل تلك الكلمات التي رسمها صوته الحاني على جدار قلبها.
فقالت بشك.
"وياترى قلت الكلام ده لكام بنت قبلي؟"
رفع حاجبيه بمكر.
"بوادر غيره ولا إيه؟"
ردت وهي تتهرب بعينيها.
"تؤ مش غيرة بس بسأل."
ابتسم يطمئنها.
"وحياتك انتِ معرفت في حياتي غيرك."
ظل يتحدثا لوقت طويل حتى شعر داغر بارتعاشها.
كان الجو شديد البرودة حقًا.
لذا انسحب بهدوء ونزل للأسفل ليأتي بغطاء خفيف، ثم عاد إليها ليضعه حولها.
ابتسمت له بامتنان لشعور الدفئ الذي خلفها به، ثم وضع قلنسوة صوفية على رأسها وقال.
"كده دفيتي؟"
أومأت له بابتسامة ثم سألته.
"عرفت ازاي اني بردانه؟"
استند بظهره على السياج وقال بوله.
"مش لازم تقولي عشان أعرف."
خجلت من نظراته فابعدت عينيها عنه وقالت تغير مجرى الحديث.
"أنا مش عارفة انت ازاي بتقدر تنزل المايه في البرد ده."
نظرت إلى ملابسه الخفيفة وتابعت.
"حتى لبسك ديمًا خفيف."
رد داغر ببساطة.
"عادي انا اتعودت على كده من أيام الكلية، كنا بننزل المايه الساعة ستة الصبح كنوع من أنواع التدريب وخلاص اتعودت على المايه الباردة، حتى بعد ما تخرجي منها تحسي بالدفى، تحبي تجربي؟"
تمسكت بالغطاء أكثر قائلة.
"لأ متشكرة."
بدأ داغر يحكي لها عن حياته وهي تستمع إليه باهتمام، ثم سألها.
"وانتي؟"
سألته بحيرة.
"أنا إيه؟"
أراد أن يسمع منها ما يحسه ويلاحظه عليها.
"محكتيش أي حاجة عن حياتك في بيت باباكي."
عاد الحزن يعرف طريقه إلى محياها، لكنها رفضت اقتحام تلك الذكريات التي هي قادرة على تعكر صفوهم الآن.
لذا تهربت وهي تسأله.
"انتي وعدتني بمفاجأة أيه هي؟"
احترم داغر رغبتها بعدم التحدث في تلك الأمور ورد يجاريها.
"بصراحة هما تلاتة."
اتسعت ابتسامتها.
"بجد؟ ايه هي؟"
"ثواني."
غاب داغر وعاد بعد قليل حاملًا صندوق صغير ثم قدمه لها قائلاً.
"افتحيه بنفسك لأني لقيته ورفضت افتحه إلا وانتِ جانبي."
أخذته أسيل وقامت بفتحه بحماس فتجد بداخله محار متوسط الحجم.
أخرجته من الصندوق وهي تنظر إليه بانبهار وقالت بدهشة.
"ده محار."
أومأ لها لعلمه ما يحتويه المحار، ثم أخبرها أن تفتحه.
فتحته أسيل فتجد بداخله لؤلؤة لامعة، فتتسع عيناها بذهول وقالت بعدم استيعاب.
"دي لؤلؤة؟"
كان داغر يتطلع إليها بعشق وتمتم بوله.
"لؤلؤة لأحلى لؤلؤة شوفتها في حياتي."
تطلعت إليه بحب وأرادت في تلك اللحظة أن تحتضنه، لكنها ابت فعلها وقالت بحب.
"متشكرة أوي، أول مرة حد يهاديني."
ملس بأنامله على وجنتها وتمتم بعشق.
"كل سفرية هرجع فيها بواحدة زيها."
لاح القلق على وجهها وقالت بخوف.
"بس كده خطر عليك."
رفع حاجبه باستعلاء.
"ما قولنا عيب الكلام ده في حقي."
أعادت المحار إلى الصندوق وسألته.
"طيب دي المفاجأة الأولى، ايه التانية؟"
استند بظهره على السياج وقال.
"التانية إن السفرية اتأجلت يومين، يعني هنفضل أسبوع كامل مع بعض."
ازدادت سعادتها بذلك الخبر.
"بجد ياداغر؟"
"بجد يا قلب داغر."
خجلت من كلمته وسألته عن الاخرى.
"طيب والتالتة."
عاد المكر بعينيه وسألها.
"لازم تعرفيها؟"
أومأت برأسها وهي تقول بإصرار.
"اه عشان خاطري."
حرك كتفيه باستسلام ومراوغة.
"بما انك انتِ اللي اصريتي يبقى اتحملي بقا."
اندheشت من قوله وخاصة عندما قام بأخذ الصندوق من يدها ووضعه على الطاولة، ثم جذب الغطاء من عليها تحت اندهاشها، تلاها القلنسوة.
"تعالي معايا."
سألته بدهشة.
"هنروح فين؟"
واصل سيره.
"تعالي بس."
وقف بها على حافة اليخت، وقبل أن تستوعب مقصده حاوطها بذراعيه وسقط بها في المياه.
شهقت أسيل عندما طفى بها داغر على سطح المياه وتعلقت بعنقه وهي تقول بهلع.
"داغر ليه عملت كده؟ المايه متلجة أوي."
ضحك داغر وقال مهدئًا إياها.
"لما تسيبي جسمك للمايه هتحسي بالدفى."
تشبثت بعنقه أكثر، لكنها تركت مسافة بينهم وغمغمت بخوف.
"قولتلك مش بعرف أعوم أرجوك خرجني."
حاوط داغر خصرها بيد واليد الأخرى حاول أبعاد ذراعيها عنه وقال بتريث.
"انتي كده هتخنقيني، أهدي وسيبي نفسك للمايه وهي هترفعك."
رفضت أسيل بخوف وتشبثت به أكثر، فقال بتمهل.
"كده هتخنق منك وهنغرق احنا الاتنين."
ارتعبت أسيل وخففت من ذراعيها حوله وطمئنها هو قائلاً.
"متخافيش أنا معاكي مش هسيبك، ارخي اعصابك وسيبي نفسك للمايه، غمز بعينيه بخبث."
"وليا."
ضحك عندما وجدها تزم فمها بغيظ.
ثم تراخت اعصابها وبدأت تتبع ارشاداته، لكنها لم تتمكن بسبب خوفها.
كان ينقلها من يده اليمنى لليسرى عندما يغوص بها للأسفل ويستمتع بتشبثها به.
ثم يطوف بها على سطح المياه.
محاولات كثيرة باءت بالفشل، فقالت برجاء.
"داغر أرجوك أنا…."
قاطع صوتها وهو يسحبها لأسفل المياه كي لا تطلب منه الخروج.
كم يصعب عليه تركها، يريد أن يبقيها معه ولا يتركها لحظة واحدة، وبعد وقت طويل قالت بخوف.
"داغر كفاية خلينا نطلع من المايه."
وافقها داغر عندما لاحظ تعبها وساعدها على الوصول للدرج، وما إن صعدت حتى شعرت برجفة شديدة.
فقال لها وهو يخرج من الماء برشاقة.
"هتلاقي في الاوضة تحت شنطة فيها لبس ليكي تقدري تغيري الهدوم دي، ومتخافيش أنا واثق انها هتيجي مقاسك."
لم تستطع التفوه بكلمة وكتمت غيظها منه حتى تبدل ملابسها وتشعر بالدفئ.
نزلت للغرفة واخرجت الملابس من الحقيبة، وقد كانت عبارة عن بنطال سماوي وبلوزة صوفية بيضاء.
أوصدت باب الغرفة جيدًا ثم دلفت المرحاض كي تأخذ حمامًا دافئًا كي تزيل مياه البحر المالحة، ثم ارتدت الملابس وخرجت إليه.
وجدته قد بدل ملابسه بدوره ووقف منتظرها وهو يحمل كوبين من القهوة وسألها بابتسامة.
"بقيتي أحسن؟"
ضحك عليها عندما اخذت منه الكوب بحدة وذهبت للأريكة لتجلس عليها.
جلس بجوارها وهو يقول.
"هتفضلي مبوزة كده؟"
نظرت إليه بغيظ.
"عشان فاجأتني حضرتك."
رفع حاجبيه بمكر قائلاً.
"وهو انا يعني كدبت عليكي، أنا قولتلك مفاجأة."
ابتسمت أسيل رغمًا عنها وهي تشيح بوجهها.
نهض من مقعده ليجلس بجوارها وقال بولع وهو يداعب خصلاتها المبتلة.
"بس تصدقي شعرك بيبقى أجمل وهو عايم في المايه كده."
حمحمت باحراج ولمت خصلاتها على الجانب الآخر وقالت بتحذير.
"قولنا بلاش الكلام ده."
تلكأت نظراته على الملابس التي ابتاعها لها وقال بخبث.
"هو انا يعني قلت ايه، وبعدين اللبس ده طلع يجنن عليكي مكنتش اعرف انهم بالجمال ده."
اغتاظت أسيل أكثر وهمت بالنهوض.
"أنا غلطانة اني سمعت كلامك وجيت معاك."
جذبها داغر من ذراعها وأعادها إلى مكانها وهو يغمغم.
"متبقاش حمقيه كده انا قصدي شريف واللهايه رأيك لو نروح الجزيرة بكرة، المكان هناك في النهار بيبقى حكاية، هتنسي نفسك."
تحمست لفكرته لكنها قالت بتردد.
"بس المكان بعيد أوي."
"مش بعيد ولا حاجة هما ساعتين رايح وساعتين جاي واقل بكتير كمان."
تطلعت في ساعتها وقالت بقلق.
"داغر…."
أكمل عنها.
"أخرنا ولازم أروح."
نظر داخل عينيها وتمتم بوله.
"حاضر هروحك، بس الأول في حاجة عايز اعترفلك بيها."
علمت من عينيه ما يود اللسان البوح به، لذا كان عليها الهرب.
ليس الآن، هي لن تستطيع إعطاء وعود ولا أخذها.
فقالت بكمد.
"بلاش دلوقتي ياداغر، بلاش نتسرع وخلينا نفكر الأول."
اندهش من ردعها له.
"بس الموضوع ده احساس مش قرار بنتخذه بعد تفكير، أسيل أنا الأحساس ده بشعر بيه لأول مرة ولو مش واثق إنك بتبادليني نفس الشعور مكنتش اتواجدت معاكي في المكان ده."
تهربت بعينيها منه وقالت بأسى.
"انت متعرفش حاجة."
"عرفت اللي عايزه وخلاص مش عايز اعرف حاجة تاني."
رفع انامله ليمحو دمعة سقطت على وجنتها، شعر بها نار تكوي قلبه وتمتم بثقة.
"من بعد النهاردة مش هسمح للدموع دي تعرف طريق عينيكي إلا بالسعادة."
تبسمت عينيها من ذلك الحنان الذي يغدقها به، وقررت ترك قلبها ينعم في بحور عشقه دون أن تفكر فيما يخبئه لها القدر.
تريد أن تخطف لحظات سعيدة من الزمن ولا تفكر لحظة واحدة في عواقبه.
عادوا إلى الشاطئ وعادت إلى منزلها بمشاعر مختلطة.
سعادة يشوبها خوف وخوف يشوبه راحة.
أما هو فتفاجئ بعمه في المنزل جالساً على المقعد يتصفح أحد الجرائد، فقال بابتسامة وهو يملأ عليه يعانقه.
"عمي حمدلله على السلامة جيت أمتى؟"
جلس داغر بجواره وقال عمه بعتاب وهو يطوي الجريدة ويضعها على الطاولة أمامه.
"عرفت إن اجازتك اتأجلت قلت آخد أنا كمان اجازة يومين واقضيهم معاك هنا مادام رافض تقعدهم معايا في القاهرة."
"معلش بقا انت عارف اني مش بحب ابعد عن اسكندرية."
تطلع إليه خليل بشك.
"مش عارف ليه بقالك اجازتين مش على بعضك، مرة تقضيها في القاهرة وطول الوقت سرحان ومرة في إسكندرية بس المرة دي مبسوط كده زي اللي بتحب."
أيد داغر شكه.
"حاجة زي كده."
رفع خليل حاجبيه مندهشًا وسأله.
"ودي طلعت لك منين وشقلبت كيانك كده."
"من الباخرة وحياتك في الرحلة اللي قبل الأخيرة."
"امم باين الموضوع جد."
"جدًا، بصراحة هي دي اللي كنت بدور عليها من زمان."
"من اسكندرية ولا منين؟"
"من القاهرة بس عندهم بيت هنا في اسكندرية هي بنت رجل اعمال اسمه حسين النعماني."
ردد خليل الاسم ثم تحدث بتذكر.
"اه افتكرته بس الراجل ده سمعت أنه شديد قوي وصعب التعامل معاه."
رد داغر بثقة.
"ميهمنيش المهم هي، وبعدين لو حصل نصيب واتجوزنا هنعيش هنا يعني هنكون بعيد عنه."
"على خيرة الله المهم خليني اتعرف عليها قبل ما نروح نخطبها، بس ياريت ميكنش الفترة دي لأن معايا قضية معقدة أوي."
اعتدل داغر في جلسته وقال بانتباه له.
"قولي ايه هي يمكن اساعدك."
"جريمة قتل والمتهم اللي قدامي بينكر الحادث وأنه مقتلش، والتحريات اللي قدامي بتقول أنه انسان كويس جدًا وملتزم وعمر ما اتشاكل مع حد، والولد فعلا حاسس ببراءته بس كل الأدلة بتأكد أنه هو القاتل."
اندهش داغر وسأله.
"وايه هو دافع الجريمة؟"
"الولد ده شغال أمن في شركة كبيرة وبيقول أنه كان هو والمجني عليه كانوا بيشرفوا على المكان وحسوا إن في حد في المكان اللي فيه خزنة الشركة ولما دخلوا لقوا واحد فاتح الخزنة فعلاً وبيسرقها ولما حاول يمسكوه هاجمهم ووقعه في الأرض ولما زميله حاول يدافع عنه ضربه بمسدسه وبعدين هرب."
"والبصمات اللي على المسدس."
"أكيد كان لابس جوندي."
فكر داغر قليلًا ثم تحدث بثقة.
"مش عارف ليه حاسس إن في لغز في الموضوع."
"يعني اللي عمل كده مكسرش باب ولا حتى الخزنة، يعني معاه نسخة من المفتاح ده لو مكنش المفتاح نفسه، ممكن يكون أمين الخزنة أو…."
التزم داغر الصمت، ففهم خليل مغزى صمته وأكده قائلاً.
"وده برضه نفس احساسي وده اللي مخلي صاحب الشركة بيصر على اتهامه. أنا هسلم القضية لشكري وهخليه هو اللي يدافع عنه."
"فعلاً القضية دي عايزة محامي متمكن وهتتحل بسهولة."
أيد رأيه.
"إن شاء الله تظهر الحقيقة."
في اليوم التالي.
نزل داغر الدرج فوجد عمه يتناول افطاره.
جلس على المقعد وهو يقول.
"صباح الخير يا عمي صاحي بدري ليه؟"
أخذ خليل فنجان القهوة يرتشف منه.
"لأني راجع القاهرة دلوقت، في حاجات جدت في القضية وكمان عشان أسلم الورق لشكري."
رفع بصره إليه وقال بمغزى.
"مش ناوي تقضي اليومين دول معايا ولا جات اللي اخدتك مني؟"
ضحك داغر ورد بتأكيد.
"متبقاش طماع بقا ياسيادة المستشار وسيب حاجة لغيرك."
نهض من مقعده وهو ينظر في ساعته.
"ماشي ياسيدي تشبع بيك، يادوب بقا الحق أوصل القاهرة بدري."
خرج خليل وتطلع داغر إلى هاتفه وقام بالاتصال عليها.
"صباح الخير."
ردت أسيل بنعاس.
"صباح النور، صاحي بدري ولا أنا اللي أخرت في النوم؟"
داغر بابتسامة عريضة.
"أنا منمتش أصلاً وحضرتك تقلانه عليا ومردتيش تردي."
شددت أسيل من وضع الغطاء عليها لشعورها بالبرودة وقالت.
"كنت عاملة الفون صامت مسمعتوش."
تطلع في ساعته.
"ماشي يا ستي هصدقك المهم يلا بسرعة عشان نلحق نوصل بدري."
تمتمت أسيل بامتعاض.
"مبلاش النهاردة لأني بردانة أوي."
يرد داغر بلهجة لا تقبل نقاش.
"لا ارجوكي مش عايز أضيع يوم واحد من أجازتي، تقلي كويس ومش هتحسي بالبرد."
انتهت أسيل من تبديل ملابسها وقد ارتدت كنزة ثقيلة لشعورها بالبرد منذ استيقاظها وارتدت القلنسوة (إيس كاب) التي أهداها إليها داغر، ثم أخذت حقيبتها وخرجت من الغرفة.
ترجلت مسرعة فوجدت أمينة تخرج من المطبخ وهي تحمل طبق به (سندوتشات) خفيفة وقالت بيأس.
"برضه مصرة على اللي في دماغك؟"
أخذت أسيل واحدًا منهم وقبلت أمينة.
"هو النهاردة آخر يوم عشان هيسافر بعد بكرة."
همت بالخروج لكنها عادت تنظر إليها.
"لو اخرت شوية متقلقيش، يلا باي."
رغم اعتراض أمينة لما تفعله إلا إن رؤية السعادة التي تراها بها لأول مرة جعلتها ترضخ لها.
أما أسيل فقد ازداد شعورها بالبرد ما أن خرجت من المنزل.
وجدت داغر يقف جانباً منتظر خروجها.
فأسرعت تستقل مقعدها وهي تقول برعشة.
"اقفل الازاز بسرعة لأن الجو برد أوي."
أغلق الزجاج وهو ينظر إليها بدهشة قائلاً.
"ايه يابنتي الهدوم دي كلها انا شايف الجو دافي النهاردة."
أخذت تفرك يديها ببعضها تستمد الدفئ.
"ده بالنسبة لك انت أما أنا لأ."
"طيب أظهري وشك شوية انا مش شايفه حتى."
رفعت أسيل القلنسوة قليلاً وتطلعت إليه بغيظ.
"ارتحت كده."
غمز بعينيه قائلاً.
"أيوة كده مش عم شرابي اللي قاعد جانبي."
انطلق بالسيارة حتى وصل لليخت ولم ينتهي شعورها بالبرد رغم دفئ السيارة.
فسألها بقلق.
"أسيل انتي كويسة؟ تحبي نلغي الرحلة دي ونروح لدكتور؟"
هزت رأسها برفض.
"لأ انا كويسة متقلقش يلا بسرعة عشان منأخرش."
نزلت من السيارة وقد شددت من وضع الكاب على رأسها ثم صعدت معه اليخت.
كان داغر يبحر بسرعة شديدة مما جعلها تشعر بالخوف وقالت بوجل.
"داغر بالراحة شوية انا بدأت أخاف."
جذبها من يدها كي تقف بجواره فانتبه لسخونة يدها.
رفعها إلى خده وقال بقلق.
"ايدك سخنة أوي."
بدأت أسيل حقًا تشعر بالاعياء لكنها حاولت أن تبدو جيدة كي لا يقلق عليها ونفت قائلة.
"لأ ده من الهدوم اللي لبساها بس."
لاحظ أيضاً ارتعاشتها التي تحاول السيطرة عليها وغمغم بامتعاض.
"لا انتي فعلا سخنة."
هدئ المحرك حتى اوقفه ثم استدار إليها بقلق.
"انزلي ارتاحي على السرير لحد ما نوصل."
رفضت أسيل بإصرار.
"قولتلك انا كويسة وبعدين انا عايزة أفضل جانبك."
انتهى ثباتها عندما لفحتها نسمة هواء باردة واعترفت باستسلام.
"انا فعلاً تعبانة أوي."
أسندها داغر وهو يقول برفق.
"طيب تعالي."
ساعدها على الاستلقاء فوق الأريكة ثم جاء إليها ببعض الأغطية ووضعهم عليها، رغم خطورة ذلك لكنه يريد تدفئتها حتى يصلوا للجزيرة والتي اوشكو على الوصول إليها.
تمتم داغر بحنو.
"هنزل أعملك حاجة سخنة تشربيها لحد ما نوصل الجزيرة."
سألته باعياء.
"قدمنا كتير؟"
طمئنها.
"ربع ساعة بالظبط وهنكون وصلنا."
عاد داغر إليها بالكوب ليجدها تغط في سبات عميق.
وضع الكوب على الطاولة وجلس بجوارها كي يوقظها لكنها لا تجيبه.
وضع يده على وجنتها التي تخضبت بحمرة تدعوا للقلق ووجد حرارتها قد ارتفعت أكثر.
شعر بالاستياء من نفسه فقد أصابها الاعياء نتيجة ما فعله أمس.
عاد لتشغيل المحرك وابحر بسرعة أقوى حتى وصل في غضون دقائق.
وجد چاك يقف على الشاطئ يشير إليه حتى اوقفه.
قام داغر بحمل أسيل واسرع بالخروج من اليخت.
فسأله چاك.
"ماذا حدث؟"
اجابه وهو يسرع بالدخول للمنزل.
"تعانى من الحمى."
قام بوضعها على الفراش وقال له.
"هل لديك ادوية لها؟"
أومأ له.
"نعم لدي."
خرج من الغرفة وعاد بعد قليل ببعض الأدوية وقال بهدوء.
"خذ، اجعلها تتناولهم معًا حتى اعد لها حساء الدجاج، ويفضل ان تخفف عنها هذه الملابس كي لا تكتم الرطوبة بداخلها."
أخذ الأدوية منه ثم جذب المقعد ليقربه من الفراش بجوارها وأمسك يدها يحسها على الاستيقاظ.
"أسيل قومي ياحبيبتي خدي الأدوية دي."
همهمت أسيل بكلمات غير مفهومة وقد ازدادت حالتها سوء.
ازداد قلقه عليها وقام بنزع القلنسوة وكذلك تلك الكنزة الثقيلة رغم اعتراضها.
"معلش اتحملي شوية عشان البرد يخرج من جسمك."
جذبت عليها الغطاء بوهن ومازالت الرعشة تنتابها فقال برجاء.
"أسيل قومي خدي الحباية دي عشان خاطري."
همهمت بصوت غير واضح.
"مش.. بحب.. الأدوية."
جلس بجوارها على الفراش واضعًا يده خلف ظهرها يرفعها.
"معلش المرة دي بس."
وضع الدواء في فمها وساعدها في ارتشافه بالمياه.
عادها لوضعها وهم بالنهوض لكنها امسكت يده برجاء وتمتمت بوهن.
"متسبنيش انا خايفة."
ربت على يدها التي تتشبث به وتمتم بوله.
"عمري ما هسيبك هفضل جانبك العمر كله."
وكأن هذه الكلمة اشعرتها بالأمان إذ أغمضت عينيها وغطت في نوم عميق.
عاد سليم من الخارج في وقت متأخر وقد شعر بألم حاد في رأسه.
قام بتبديل ملابسه وذهب لغرفة الرياضة كي يمارس تدريبه حتى يتعب ويذهب إلى النوم.
لكنه لم يستطيع المواصلة وشعر برغبة ملحة بتناول قهوته.
خرج من الغرفة وهو يجفف عرقه ودلف المطبخ فيتفاجئ بها داخله.