تحميل رواية «جبل النار» PDF
بقلم رانيا الخولي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ل 1 - بقلم راينا الخوليترجل الدرج حافي القدمين يتحسسه قبل نزول كل درجة منه ويحسب مسافاته بدقة ويعد كل درجة حتى انتهت المعاناة عند الأخيرة وحينها أخذ بصعوبة يتحسس الطريق بقدمه لكن تلك المرة بمساعدة عصاه حتى يعتاد عليهلم يتذكر المكان جيدًا فقد مرت أعوام لم يأتي فيها إليه.الظلام دامس من حوله لكنه اعتاد عليه أو هكذا يتظاهر كي لا يؤلم عمهظل يتخبط في الأشياء الموجودة في المنزل ومنه يستكشفها كي لا ينصدم بها مرة أخرى حتى استطاع الوصول إلى الشرفة.قام بفتحها فتلفح وجهه نسمات الليل الآتية من البحر الهادئ ع...
رواية جبل النار الفصل الحادي عشر 11 - بقلم رانيا الخولي
تصلب سليم في وقفته عندما وجدها أمامه تقف أمام المقود غير منتبه لوجودها.
زدرد لعابه بصعوبة وهم بالعودة لكن قدماه أبت ذلك وكأنها ترفق بقلبه الذي أرهقه الشوق.
بدا أنها كانت شاردة مثله حتى لم تنتبه لفوران اللبن وانسكب أغلبه على المقود.
انتبهت له أخيرًا وقامت برفعه عن النار دون حاجز بينه وبين يدها فتصدر منها صرخة جعلتها هزت ذلك الجبل الصامت.
استدارت ناحية المبرد كي تخرج ثلجًا تضعه على يدها كي يلطف الحرق قليلًا.
وما إن استدارت حتى صدرت منها صرخة عندما وجدته أمامها.
فتمتمت باعتذار:
_ أنا آسفة بس اتفاجئت بحضرتك مش أكتر.
همت بالتحرك لكنه أوقفها بحزم:
_ خليكي مكانك.
اهتزت نظراتها عندما وجدته يقترب منها ناظرًا إلى يدها التي أصيبت بحرق طفيف لكنه شعر به يكوي قلبه.
أخفت يدها خلف ظهرها عندما مد يده ليدها فبوغت بفعلتها ورفع عينيه إليها قائلًا:
_ وريني إيدك.
ازدردت جفاف حلقها وتمتمت باهتزاز:
_ مفيش حاجة، دا حرق بسيط.
تطلع إليها لحظات قبل أن يقول بلهجته الحازمة:
_ قلت وريني.
لن تستطيع الوقوف أمامه بنفس صموده لذا حسها عقلها على أن تلوذ بالفرار من أمامه لكن قلبها الأهوج أراد أن ينعم بلحظة مسروقة من الزمن معه.
رفعت يدها المصابة وتمتمت برهبة:
_ بسيط.
نظر إلى أناملها المصابة ثم تحدث بأمر:
_ تعالي ورايا.
بأقدام كالهلام سارت وعد خلفه فوجدته يتجه إلى غرفته.
فكرت في التراجع لكنها تعرفه جيدًا لن يتركها تهرب منه كما فعل من قبل.
دلفت الغرفة وتركت الباب مفتوحًا لكنه تحدث بأمر:
_ اقفلي الباب.
أغلقت الباب منصاعة إليه ثم أشار لها بالتقدم بعد أن خرج من المرحاض يحمل قنينة صغيرة.
تقدمت منه بأرجل مهتزة وتطلعت إليه فتجد أنه يجاهد كي يبعد نظراته عنها.
جبل الجليد كما أطلقت عليه ولا تدري شيئًا عن النيران التي تشتعل بداخله.
بحنو بالغ فقد السيطرة عليه قام بوضع الدهان عليه فتتلامس أناملهما وكلاهما يتظاهر بالصمود أمام الآخر.
كلاهما يشعر بنفس الشوق وبنفس الألم لكن ليس بوسعهما فعل شيء.
هذا قدرهم وعليهم أن يرضخوا له.
دق ناقوس الخطر عندما استسلموا لنظراتهم فتتقابل العيون بعتاب أقسى من الكلام.
طافت عيناه بملامحها التي أرهقته وجعلته لا يرى غيرها.
وكأنها ساحرة ألقت تعويذتها على قلب لم يعرف الحب إلى قلبه سبيلًا.
وبدون إرادة منه احتوى يدها الواهنة بين يده وأصبحت لغة المشاعر هي السائدة بينهما.
نزلت نظراته إلى عينيها بسوادها القاتم كما حال خصلاتها وترجلت بتباطؤ حتى وصلت لثغرها بطلاءه الطبيعي.
وهنا عاد الناقوس يدق بشدة منبهًا إياهم لخطر مدمر لذا عاد يرسم الجمود على ملامحه وغمغم بأنفاس مضطربة:
_ اطلعي برة.
بوغتت بأمره وهمت بالتحدث لكنه منعها بحزم:
_ اطلعي واقفلي باب أوضتك كويس وإلا مش هكون مسؤول عن اللي ممكن يحصل.
لم تفهم مقصده لمدى براءتها.
وأخفضت عينيها بقهر ثم انسحبت من أمامه وخرجت من الغرفة.
فلم يجد أمامه سوى الطاولة الرخامية كي يخرج بها غضبه فأطاح بها لتتهشم على الأرض وحينها عاد لوجومه.
هكذا أنشأ وهكذا شبأ لا يظهر مشاعره ولا يبديها لأحد حتى لو ملك روحه.
المشاعر ضعف وهو لا يريد أن يظهر ضعيفًا، عليه أن يكون دائمًا موضع قوة.
***
ظلت أسيل مستلقية على الفراش لا تدري شيئًا من حولها وداغر جالسًا بجوارها يمسك يدها بقلق.
يعاتب نفسه على تهوره وأنه السبب في مرضها.
وضع يده على جبينها فلاحظ أنها هدأت قليلًا.
ملس بأنامله على وجنتها غزاها احمرار خفيف من شدة الحرارة.
لا يعرف ماذا فعلت به حتى أسقطته صريعًا لها.
لقد وصل عشقه لها حد الجنون وكأنها أصبحت قطعة من روحه إن فارقته قد تفارق روحه معها.
قرب يدها من فمه يطبع عليها قبلة بث فيها مدى عشقه لها.
لن يتركها تبعد عنه وسيفعل المستحيل كي تكون له.
ترك يدها عندما دلف چاك وهو يحمل الحساء وقال لداغر:
_ اجعلها تستيقظ كي تتناول الحساء فالأدوية التي تناولتها تحتاج لغذاء جيد.
شكره داغر وتناوله منه ثم وضعه جانبًا كي يوقظها أولًا.
فقد قاربت الشمس على المغيب وهم ما زالوا على متن الجزيرة.
قد هدأت الحرارة لكن ما زال جسدها لا يقوى على الحراك.
_ أسيل قومي يا حبيبتي عشان تاكلي.
غمغمت أسيل بوهن:
_ يا دادة سيبيني عايزة أنام.
وضع يده أسفل ظهرها يجبرها على النهوض وقال بغيظ:
_ لا أنا عم عثمان مش دادة يلا اشربي الشربة دي عشان تفوقي شوية.
حاولت الرفض لكنه أصر ووضع الوسادة خلف ظهرها فتمتمت بوهن:
_ مش قادرة يا داغر أرجوك سيبني أنام.
_ معلش لازم تاكلي عشان العلاج اللي أخدتيه.
وافقت مجبرة ثم أصر داغر على أن يطعمها بيده رغم تمنعها وجعلها تتناوله بأكمله.
وضع الطبق جانبًا ثم سألها:
_ ها أحسن دلوقتي؟
أسندت رأسها على الوسادة خلفها وقد بدأت تسترد وعيها قليلًا وقالت بوهن:
_ حاسة بألم شديد قوي في جسمي.
_ ده من أثر السخونة بس الحمد لله هدت شوية.
وضعت يدها على رأسها تشكو من ألمه ثم سألته:
_ هي الساعة كام دلوقتي؟
نظر بساعة يده وتفاجئ بأنها تعدت الخامسة:
_ الساعة خمسة ونص.
شهقت بصدمة وسألته:
_ معقول أنا نايمة كل ده، أنا لازم أرجع دلوقتي.
همت بالنهوض لكن الدوار أشتد بها ولم تقوى على الحركة.
_ اهدي يا أسيل للأسف مينفعش نرجع دلوقتي.
ردت بإصرار رغم وهنها:
_ لأ لازم أرجع دادة هتقلق عليا وممكن تتصل على سليم تقوله.
لم يفكر في ذلك الأمر حقًا لكن أيضًا لن يستطيعوا العودة الآن وهي بتلك الحالة ستزداد حالتها سوء.
_ أنا هتصرف وأتواصل مع حد يروح لها البيت ويعرفها.
وافقت أسيل مجبرة بسبب الألم الذي اجتاح كامل جسدها.
عدل داغر من وضع الوسادة خلفها عندما لاحظ رغبتها في النوم وقال بحنو لم ترى مثله من قبل:
_ نامي ومتقلقيش من أي حاجة.
أومأت أسيل وهي تحاول فتح عينيها بصعوبة، فقد أغدقها باهتمام افتقدته حقًا.
جذب داغر عليها الغطاء عندما استسلمت للنوم وخرج هو ليطلب من چاك الاتصال له بأحد معارفه.
***
ظلت أمينة تزرع الردهة ذهابًا وإيابًا بقلق بالغ فقد تأخر الوقت ولم تعود حتى هاتفها قيد الإغلاق.
لم يكن أمامها سوى الاتصال بحازم كي يتصرف هو.
اسرعت بفتح الباب عندما سمعت صوت السيارة بالخارج فظنت أنها عادت لكن خاب أملها عندما وجدته حازم الذي ترجل من السيارة وتقدم منها يسألها بقلق:
_ خير يا أمي في إيه؟
أخطأت حينما بعثت له لكن ليس أمامها غيره فقالت بريبة:
_ أصل بصراحة أسيل خرجت من الصبح ومرجعتش لحد دلوقتي.
تطلع حازم في ساعته ليجدها تعدت الثامنة.
سألها بقلق:
_ مقالتش هي رايحة فين؟
ازدردت جفاف حلقها بوجل لكن ليس بوسعها فعل شيء سوى مصارحته:
_ أصل.. أصل.. يعني.
تحدث حازم بنفاذ صبر:
_ أصل إيه وفصل إيه ما تقولي يا أمي؟
_ بصراحة أسيل اتعرفت على كابتن بحار وهي راجعة، ومن وقت ما جات هنا وهما بيتقابلوا، بس النهاردة من وقت ما خرجت الصبح مرجعتش.
كان حازم يستمع لها وشياطين الدنيا تتراقص أمامه من شدة غيرته وقال باحتدام:
_ وإنتي إزاي يا أمي تسمحي بالمهزلة دي؟
تحدثت أمينة بقلة حيلة:
_ اعمل إيه بس، البنت لأول مرة بشوف السعادة في عينيها ومن كلامها عنه حسيت إنه إنسان كويس وفعلاً بيحبها.
أهاجت أعصابه أكثر من حديثها عنه وسألها بانفعال:
_ اسمه إيه؟
_ معرفش كل اللي أعرفه عنه اسمه داغر وكابتن سفينة مش أكتر.
خرج حازم من المنزل وهو لا يرى أمامه من شدة غضبه وتوجه إلى الميناء كي يعرف معلومات عنه.
وجد أحد الأمن واقفًا على البوابة الرئيسية فتقدم منه يسأله:
_ لو سمحت السفينة اللي هتطلع مين الكابتن اللي هيبحر بيها، لأني عندي فوبيا من البحر وعايز أسافر وأنا مطمئن.
رد الرجل برحابة:
_ من حظك الكويس بقا إن كابتن داغر هو اللي هيطلع على السفينة الجاية دي وده بقا أفضل قبطان في الميناء كلها.
استدرجه حازم أكثر:
_ بس أنا سمعت عنه إنه يعني أخلاقه مش كويسة…
قاطعه الرجل بنفي:
_ لا كابتن داغر ده حاجة تانية شخصية محترمة جدًا وابن ناس أكابر وعيلة كبيرة في إسكندرية.
_ هو ساكن فين؟
هز الرجل رأسه:
_ مش عارف بصراحة.
(أشار على أحد العمال) بس عم حسن هو اللي عارف العنوان.
نظر إلى حيث يشير فوجده رجل كبير السن ويغلق أحد الأبواب فتقدم منه يسأله بتهذيب:
_ إنت تعرف عنوان الكابتن داغر أصلي عايزه في موضوع مهم جدًا.
رد الرجل بقلق:
_ خير يا ابني في حاجة.
حمحم حازم باحراج وقال:
_ حاجة خاصة مش هينفع أتكلم فيها بس حقيقي الموضوع مهم.
وافق الرجل وأملاه العنوان بحسن نية وانسحب حازم متوجهًا إليه.
ذهب إلى المنزل الكبير وسأل حارس الأمن:
_ السلام عليكم.
رد الحارس السلام ثم سأله:
_ كابتن داغر موجود؟
_ لأ مش موجود من وقت ما خرج الصبح باليخت وهو مرجعش.
زم حازم فمه يحاول السيطرة على غضبه ثم سأله:
_ هو متعود يغيب كده في البحر.
_ ده العادي بتاعه، تحب تسيبله رسالة لما يرجع؟
_ لأ أنا هجيله مرة تانية.
عاد حازم إلى المنزل وهو لا يرى أمامه من شدة الغضب.
سألته أمينة ما إن دخل المنزل:
_ عملت إيه يا حازم؟
أجاب حازم وهو يجلس على المقعد مستندًا على مرفقيه:
_ ملوش أثر، وإنتي إزاي يا أمي توافقي على المهزلة دي.
_ اعمل إيه بس، أنا لما شفت السعادة اللي باينة عليها مقدرتش أمنعها، أول مرة أشوفها مبسوطة كده.
اشتعلت نيران الغيرة بقلب حازم ونهض يوليها ظهره قائلًا بانفعال:
_ بس ده برضه ميديكييش الحق إنك تسيبيها تعمل كده.
استدار لوالدته وسألها بانفعال أشد ناتج عن غيرته:
_ نعرفه منين عشان تثقي فيه بالشكل ده وتسيبيها تخرج معاه كل يوم.
رمقته أمينة بضيق:
_ إحنا هنفضل نتكلم كتير وسايبين البنت كده.
انتبه كلاهما لصوت الباب فذهب حازم لفتحه فإذا به شاب يقول:
_ مش ده منزل الآنسة أسيل؟
رمقه حازم بشك وسأله:
_ إنت مين؟
رد الشاب بتهذيب:
_ أنا جاي من طرف كابتن داغر طلب مني أطمنكم عليها لأن المركب عطلت بيهم والصبح إن شاء الله هيوصلوا بالسلامة.
زم حازم فمه يحاول ضبط أعصابه فأومأ للشاب الذي انصرف مستقلاً سيارته وانطلق بها.
***
عاد داغر إليها فيجدها ما زالت غارقة في سباتها.
وضع يده على جبينها فوجد الحرارة انخفضت أكثر.
شعرت به أسيل وفتحت عيونها بتثاقل وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة.
أمسك داغر يدها وأسرها بين يديه ينظر إليها بحب لم يشعر بمثله من قبل.
نعم عرف الكثير والكثير لكن هذه وجد بها كل ما أراده.
ظل على حاله حتى أشرقت شمس الصباح تحاول التسلل خلسة من بين الستائر التي حجبتها عنه.
تململت أسيل في نومتها وفتحت عينيها لتجد عينين كغيوم السحاب آسرة تنظر إليها بعشق جارف.
انشق ثغرها بابتسامة مشرقة أشرقت معها شمسه.
فتمتم داغر بحنو وهو يقبل يدها:
_ صباح الورد.
أسدلت جفنيها تومئ له ثم سألها:
_ بقيتي أحسن دلوقتي؟
خرج صوتها متحشرجًا من أثر التعب:
_ أحسن بكتير.
(أخفضت عينيها بإحراج) تعبتك معايا.
_ متقوليش كده وبعدين أنا السبب في التعب ده لو مكنتش نزلتك المايه مكنش حصل اللي حصل.
تطلعت أسيل لساعة يدها فوجدتها قد تعدت الثامنة صباحًا.
نهضت رغم تعبها وهي تغمغم:
_ أنا لازم أرجع دلوقتي عشان دادة زمانها قلقانة عليا.
***
ساعدها داغر للصعود على متن اليخت ثم أعد لها مشروبًا ساخنًا كي يدفئها.
طرق الباب فسمحت له بالدخول.
دلف داغر بابتسامة مشرقة أشرقت روحها.
_ عاملة إيه دلوقتي؟
اعتدلت أسيل في رقدتها فسحب هو مقعدًا ليجلس عليه بجوارها فتمتمت بامتنان:
_ متشكرة قوي على اهتمامك ده.
رفع حاجبيه متسائلًا بمكر:
_ إنتِ شايفه ده اهتمام؟ أصل أنا شايفه حاجة تانية.
ناولها الكوب وهي سألته بحيرة:
_ حاجة تانية إزاي؟
ابتسم وقال بخبث:
_ حب مثلًا.
تطلعت للكوب بين يديها وقالت بحزن:
_ بالنسبة ليا أنا معرفش أفرق بين الاتنين….
رفعت عينيها إليه…..
_ لأني مجربتش حاجة منهم.
كل شيء وكل حديثها يؤكد أنها مرت بحياة صعبة للغاية وكعادته بها لن تبوح بشيء لذا غير مجرى الحديث قائلًا:
_ بقولك خلصي الكباية دي ونامي وأنا هطلع فوق لأن الشيطان شاطر وبدأ يلعب في دماغي.
أومأت له بابتسامة فخرج من الغرفة وانهت هي مشروبها وعادت للنوم.
أوقف سيارته أمام المنزل وتطلع إليها بأسف قائلًا:
_ للأسف الرحلة خلصت ومعرفناش نستمتع بيها.
ابتسمت أسيل وتمتمت بوهن:
_ يبقى نعوضها مرة تانية.
تمتم باستياء:
_ تتعوض فين بقا، أنا مسافر بكرة الصبح ومش هاجي إلا بعد ١٥ يوم، ومؤكد هلاقيكي رجعتي القاهرة وهناك مش هنعرف نتقابل.
تناست أسيل ذلك الأمر فقد تلاشى كل شيء من تفكيرها تلك الفترة التي قضتها معه فقالت بأمل:
_ هحاول أقنع بابا وأجي تاني قبل ما ترجع.
افتر ثغره عن ابتسامة:
_ بجد؟
أومأت له وهمت بالترجل لكنه تحدث برجاء:
_ هستناكي بكرة في المينا أشوفك قبل ما أسافر.
اهتزت نظراتها وتمتمت برفض:
_ مش هينفع أنا مش بحب لحظات الوداع دي، وبعدين دادة مش هتوافق بعد اللي حصل.
نظر إليها برجاء:
_ نفسي تكوني آخر شيء جميل أشوفه وأنا مسافر.
اتسعت ابتسامتها ولم تستطع الرفض حينها فقالت بتسويف:
_ هحاول.
همت مرة أخرى بالترجل لكنه امسك يدها ليطبع قبلة حانية على باطنها وتمتم باشتياق:
_ هتوحشيني.
أومأت له بعينيها ثم ترجلت من السيارة فتتفاجئ بحازم يخرج من بوابة المنزل وحينها شعرت بأن دلو من الماء البارد سقط عليها.
ازدردت لعابها وانتبهت لتوقف سيارة داغر فعلمت حينها بأن لم تتصرف بحكمة ستقوم مشادة بين الاثنين.
همت بالتحرك لكنها شعرت بأن قدمها كالهلام لا تقوى على السير.
لكن تحاملت وناشدت قوتها الواهنة أن تساعدها على الهرب من مشادة العيون تلك.
سارت بضع خطوات لكنها كانت تقربها من حازم الذي وجه نظراته إلى داغر والذي بدوره ترجل من السيارة كي ينادي عليها:
_ أسيل.
التفتت إليه بأعين مهتزة وتطلع هو إلى حازم متحدثًا بلهجة واضحة التحدي:
_ ابقى طمنيني عليكي، وإن احتاجتي أي حاجة كلميني أنا.
هزت رأسها بإيماءة بسيطة ثم واصلت سيرها حتى مرت من جوار حازم الذي أمسك ذراعها يمنعها من الدخول مما أشعل نيران الغضب في قلب داغر وخاصة عندما قال لها:
_ كنتي فين؟
أجفلت أسيل عندما سمعت صوت صفق باب السيارة تلاها يد جذبتها بكل قوة لتخفيها خلف ذلك الظهر العريض وصوته الهادر يدوي:
_ إن إيدك اتمدت عليها تاني أقسم لك إني هخليك تتحسر عليها.
لم يصمت حازم أيضًا وصاح به:
_ إنت واقف قدامي وبتهددني بصفتك إيه؟
بوغت داغر بسؤاله وأراد في تلك اللحظة أن يخبره بأنه مالك قلبها لكنه تراجع عندما سمع ذلك الصوت الحازم:
_ أسيل.
التفتت أسيل لأمينة التي وقفت تنظر إلى الموقف باستياء فجذبت يدها من يد داغر وأسرعت بالولوج للداخل.
تقدمت منهم وتطلعت إلى حازم قائلة بحزم:
_ اتفضل يا حازم لأنك اتأخرت على المستشفى.
هم بالاعتراض لكنها أصرت بحزم:
_ قلت يلا.
استقل سيارته وهو ينظر لداغر بتوعد ثم انطلق بها.
نظرت أمينة إلى داغر وتحدثت بتروٍ:
_ متشكرة قوي إنك تعبت نفسك ووصلتها لحد البيت، لحد هنا واتفضل إنت كمان.
استطاع داغر التحكم بأعصابه وعدم خوض جدال معها كي لا يخسرها فانسحب بهدوء وعاد إلى سيارته.
دلفت أمينة غرفة أسيل فوجدتها جالسة على المقعد ويبدو عليها التوتر.
وعندما رأتها أسيل أسرعت إليها:
_ عملتي إيه يا دادة؟
رمقتها بعتاب:
_ إيه اللي إنتي عملتيه ده يا أسيل؟ دي آخرت ثقتي فيكي؟
رمشت بعينيها وقد أخجلها عتاب أمينة ثم تمتمت:
_ كان غصب عني يا دادة، أنا تعبت قوي ومقدرش يرجع بيا إلا لما خفيت.
_ وبيتي معاه فين؟
نفت أسيل سريعًا وبررت قائلة:
_ الموضوع مش كده خالص، كل الحكاية إني تعبت….
قاطعتها أمينة باحتدام:
_ تعبتي يبقى يرجعك ويجيبك هنا أو يوديكي المستشفى إنما إنه يبيتِك معاه ده غلط وغلط كبير قوي كمان، إزاي جاتلك الجرأة وتسمحي لنفسك بده.
بررت أسيل لنفسها قبل أن تبرر لها:
_ أنا مكنتش في وعيي لأني كنت سخنة قوي.
تلاعب الشك في قلب أمينة حتى تداركته أسيل وصححت قائلة:
_ بس مكنش لوحدنا، الحارس بتاع المنارة كان موجود، وبعدين أنا مش صغيرة وأقدر أحافظ على نفسي كويس قوي.
ردت أمينة بتهكم:
_ وكنتي هتحافظي على نفسك إزاي بقا وإنتي بتقولي مكنتيش في وعيك.
أخفضت أسيل عينيها مما جعل أمينة تهدئ من انفعالها عليها وتقدمت منها لتقول بروية:
_ يا أسيل أنا خايفة عليكي، واللي بتعمليه ده غلط، حياة الجامعة اللي عيشتيها في إيطاليا غير الحياة هنا، هنا كل خطوة محسوبة عليكي وغلطة زي دي كانت ممكن تضيعك، إيه اللي كان يضمنلك إنه ميغدرش بيكي وأديكي بتقولي مكنتيش في وعيك.
نفت أسيل بثقة:
_ داغر مستحيل يأذيني.
_ وعرفتِ إزاي، من التلات أيام اللي قضيتيهم معاه في البحر وإنتي راجعة ولا الأربع أيام اللي خرجتيهم معاه هنا؟
تنهدت بتعب وتابعت بنصح:
_ يابنتي أنا خايفة عليكي الدنيا مبقاش فيها أمان وده شاب حتى لو بيحبك وخايف عليكي ممكن يكون من النوع اللي بيضعف قدام رغباته ووقتها محدش هيجيب لوم عليه، اللوم كله هيكون عليكي.
تعلم جيدًا أنها لن تقتنع بنصحها لذا قالت بلهجة لا تقبل نقاش:
_ إحنا هنرجع القاهرة النهارده.
حاولت أسيل الاعتراض لكن أمينة عارضت بحزم:
_ مش عايزة أسمع حرف تاني أنا قلت هنرجع يبقى نرجع.
استسلمت أسيل لها وغادروا المكان بعد أن بعثت إليه رسالة تخبره بضرورة سفرهم للقاهرة.
استمر غيابه عشرون يومًا ذاقت فيهم عذاب الاشتياق ولم يكن حاله أفضل من حالها وهو يعد الدقائق حتى يعود لها.
عاد والدها من سفره مع زوجته مما جعل أسيل تستاء من وجودها.
فقد تزوج ابنة عمه بعد أن طلق والدتها.
دلفت مع والدها وهي تتأبط ذراعه بذلك الكبرياء والشموخ المعروف عنها والتي تبالغ به في وجودها كأنها تخبرها بأنها هي الأحق به وأن والدتها لم تكن سوى غلطة دفع ثمنها.
لذلك تبالغ في ملابسها الباهظة الثمن والعمليات التجميلية التي ذهبت إلى الخارج كي تعود ابنة العشرين عامًا وقد كان لها حقًا ما أرادت.
تقدمت منها وهي تطرق بحذائها ذي الكعب العالي فيصدر صوت اشمئزت منه أسيل ثم خلعت نظارتها فتظهر تلك الرموش الكثيفة حول عينيها التي تنظر إليها ببغض لم تستطيع ابتسامتها إخفاءه:
_ إزيك يا أسيل كان نفسي أكون موجودة لما رجعتي بس كنت في أمريكا بعمل شوبنج وكنت مستنية بابي ييجي ياخدني.
أومأت أسيل بعينيها ثم تركتها وتقدمت من والدها لتقبله وبادلها هو بفتور كعادته:
_ حمد الله على السلامة يا بابا.
وقفت شاهي تتطلع إليها وهي تقبل والدها والذي لم يهدئ فتوره معها تلك النيران التي تشتعل كلما وجدتها تقترب من والده.
تلك النسخة المصغرة من ليندا عليها أن تختفي من الوجود.
استأذن حسين وهو يقول باقتضاب:
_ أنا داخل المكتب.
تركهم دون أن يضيف كلمة أخرى وانتظرت شاهي حتى دلف وأغلق الباب خلفه فتتقدم من أسيل قائلة بتهكم:
_ أنا قلت هترفض ترجع تاني بعد ما نفدتي بجلدك من هنا.
تحلت أسيل بالهدوء والذي تعلم جيدًا كم يستفزها وقالت ببرود:
_ عادي يا طنط ده بيتي ومصيري هرجعله.
أشعلت غضبها بتلك الكلمة وقالت باحتدام:
_ أنا مش نبهتك كتير متقوليش الكلمة دي؟
واصلت أسيل برودها:
_ أومال هقولك إيه، فرق السن بينا مش قليل فلازم أندهلك يا طنط.
تقدمت منها تمسك ذراعها تهزها بغضب:
_ إنتي قليلة الأدب وإن كانت ليندا معرفتش تربيكي أنا اللي هعملها.
رفعت أسيل حاجبيها بدهشة مصطنعة:
_ كل ده عشان قولتلك يا طنط؟ مش بدل ما أقولك يا ماما إنتي ناسيه إنك أكبر منها بسنة؟ يعني لو كنت اتجوزتي في سنها كان زمانك مخلفة أكبر من سليم.
لم تتحمل شاهي حديثها وهمت برفع يدها لتصفعها لكن يد أسيل أوقفتها وهي تضغط على معصمها بقوة وتقول بتحذير:
_ أياكي تكرريها تاني لإني مبقتش أسيل بتاعة زمان.
تركت يدها وصعدت الدرج متجهة لغرفتها ونظرات شاهي الحانقة تكاد تقتلها بحدتها.
حقًا لم تعد تلك الفتاة الضعيفة التي كانت تتحكم بها وبمصيرها.
عليها أن تكسر شوكتها كي تعود كما كانت وتتخلص منها بأقرب وقت كما تخطط لأخيها.
ألقت نظارتها وتلتها الحقيبة ثم نثرت خصلاتها ودلفت غرفة المكتب وهي تدعي البكاء.
رواية جبل النار الفصل الثاني عشر 12 - بقلم رانيا الخولي
اتفضل يا حسين بيه شوف بنتك واللي عملته فيا؟
رفع حسين نظره من الأوراق أمامه وتقدم منها يسألها بدهشة.
في إيه؟ وإيه اللي عمل فيكي كده؟
تظاهرت بالبكاء وهي تجيبه.
بنتك غلطت فيا وبهدلتني عشان بقولها تكلمني باحترام وبتقول إنها مبقتش أسيل بتاعة زمان وكمان عايرتني إني مخلفتش منك.
انزعجت ملامح حسين ولم ينتظر ليسمع المزيد وخرج من مكتبه وهو ينادي عليها.
أسيل.
لم تكد تصل لغرفتها عندما سمعت صوت والدها الجهوري فعادت لتنظر إليه من أعلى الدرج.
نعم يا بابا.
أشار لها بالنزول.
انزلي.
وجدت شاهي تخرج من غرفة المكتب وهي تنظر إليها بتشفي فعلمت أن الأمر سينتهي مثل كل مرة بالاعتذار لها.
نزلت الدرج وتقدمت من والدها وقبل أن تتفوه بكلمة تهاوت صفعة حادة على وجنتها جعلت خصلاتها تتطاير حولها من شدتها.
رفعت أسيل عينيها إليه فوجدته يرمقها بغضب وقال بهدر.
لو حياتك في إيطاليا نستك الاحترام يبقى الألم ده يفكر بيه واتفضلي اعتذري لشاهي على إهانتك ليها.
كانت شاهي واقفة ترمقها بسخرية وتشفي.
يحق لها ذلك إذا كانت تملك مثل ذلك الزوج الذي يراضيها على حساب أولاده.
تطلعت إليه تناشد روح الأبوه بداخله وتمتمت بألم لم تستطع إخفاءه.
بس يا بابا أنا مغلطتش فيها هي اللي…
قاطعها بغضب آمر.
قولتلك اعتذري من سكات.
ادعت شاهي التأثر وقالت بخبث.
خلاص يا حسين أنا مسامحاها مفيش داعي للاعتذار.
أشعل حديثها وصوتها المنكسر نار الغضب بقلب حسين حتى أنه تناسى تمامًا أن من تقف أمامه ابنته ومن صلبه وقال بحزم لأسيل.
مش هعيد اللي قولته تاني.
أخفضت أسيل عينيها بألم وتعلم جيدًا بأن الأمر لن ينتهي إلا باعتذارها.
واهمة إن ظنت لوهلة أن بإمكانها الوقوف أمام تلك المرأة التي تعلم جيدًا كيف تتلاعب على أوتاره.
ولم يقدر والدها بأنها لم تعد تلك الفتاة الصغيرة التي ترضخ للذل مقابل أن يتم العفو عنها.
شيء بداخلها يدفعها الاعتراض لكن تذكرت حينما فعلتها يومًا وكان عقوبتها ألم تعاني من كسرتها حتى الآن.
بأقدام واهنة تقدمت منها أسيل وهي ترمقها بانكسار وتعترف لها بأنها دائمًا الفائزة وتشيد لها بذلك، أغمضت عينيها وتمتمت بصوت واهن.
أنا آسفة.
تظاهرت شاهي بعدم الاستماع لذا سألتها بخبث.
بتقولي حاجة يا سيلا؟
ازدردت جفاف حلقها ربما تزدرد معه ذلك الهوان لكن يبدو أنها ولدت بملعقة الذل بفمها لذا عادت ترددها.
بقولك آسفة.
رغم التشفي الذي ظهر واضحًا بعينيها إلا إنها قالت بلؤم.
هو أنا يا أسيل بعمل كده عشان أخليكي تعتذري! لأ خالص، أنا يا حبيبتي عايزة نكون حلوين مع بعض ومنزعجش بابا كل شوية بمشاكلنا، انتِ خلاص كبرتي ومش كل شوية بابي هيعلمك إزاي تكوني ذوق ومهذبة في كلامك مع الناس، أنا وبتحملك إنما غيري مينفعش يتحملك يا قلبي.
أظهرت أسيل أمام والدها بأنها المخطئة الوحيدة هنا لذلك جعلت حسين يتابع سخطه.
اتفضلي اطلعي أوضتك ومتنزليش منها إلا لما اسمحلك.
تطلع إلى شاهي وتابع.
تفضل في أوضتها والأكل يدخلها هناك متخرجش لأي سبب، فاهمة.
تظاهرت بالاستسلام وهي تقول برضى مزيف.
حاضر يا حبيبي بس بلاش تزعل نفسك عشان صحتك، يا حبيبي إحنا ملناش غيرك.
كان سليم واقفًا أمام باب المنزل يستمع لما يحدث لكنه لم يملك الجرأة للدفاع عنها.
لذلك ظل واقفًا مكانه يشاهد في صمت حتى وجد أسيل تصعد الدرج بانكسار آلمه.
لا يملك الجرأة بوجود تلك المرأة، ليس الآن على الأقل.
***
ظلت أسيل في غرفتها تأبى تناول طعامها رغم محاولات أمينة معها.
فقد لاقت من الذل والانكسار ما جعلها تزهد كل ما حولها.
حتى محاولات داغر لها بسماع صوتها والاطمئنان عليها.
لكنها لا تريد أن تجيب وهي بتلك الحالة.
لا يجب أن يعرف شيئًا مما تمر به.
لن تقبل أن ترى نظرة عطف أو رأفة بعينيه.
لا تريد سوى رؤية الحب بهما وكفى.
ازدادت محاولات داغر بالاتصال عليها كأنه يعلم بما تمر به حتى يأس من ردها.
ألقى الهاتف على الفراش بجواره ثم نهض وهو يشعر بالضيق لعدم الوصول إليها.
فلم يجد أمامه سوى الهروب إلى أعماق البحر كعادته.
توجه إلى الخزانة الصغيرة وارتدى ملابس خاصة بالغطس لكنها ليست مكتملة ثم خرج إلى سطح السفينة.
كان الموج عاليًا والسفينة راسية تتراقص على لحن الأمواج العاتية.
سقط في المياه مما جذب انتباه زملائه في الكابينة فقال أحدهم.
داغر ده مجنون إزاي ينزل في مكان زي ده، وكمان مش واخد الأدوات الكاملة معاه.
هز الآخر رأسه بيأس منه.
مفيش فايدة فيه كنت عارف إنه هيعمل كده.
أمسك الهاتف وقام بالاتصال على كابينة المراقبة.
نزل كاميرا تتبع للكابتن داغر تحسبًا لأي خطر، ولو في أي حاجة كلمني فورًا.
شعر داغر بالضيق عندما لمح كاميرا تتبع تسقط في المياه خلفه لكنه لم يعيرها أي اهتمام.
يعلم جيدًا بأن يحيى زميله من فعلها كي يكون مطمئنًا عليه.
أخذ يغوص ويتعمق أكثر يريد أن يشغل تفكيره عنها قليلًا لكن يبدو أنه لا فائدة.
لقد استعمرت كل كيانه ولن يستطيع شيء إبعاد تفكيره عنها.
ظل يتعمق أكثر دون أن يشعر حتى ابتعد أمتارًا عديدة.
وحينها وجد أمامه هوة سحيقة في القاع.
تطلع لسطح المياه فوجد أنه تعمق كثيرًا.
رسى على مشارف تلك الهوة وأخرج الكاشف المضيء ليستكشفها فيجدها تشبه حفرة واسعة.
فكر في النزول إليها واستكشافها لكن تلك تعد مخاطرة قصوى.
فكر في التراجع لكن روح المغامرة جعلته يفكر في المجازفة تلك.
تطلع إلى مؤشر الأكسجين فوجد أنه من الممكن ألا يتحمل كما أن الكاميرا المراقبة له لن تستطيع التصوير جيدًا داخل تلك الهوة.
لكنه قرر استكشاف المكان ولن يتراجع.
نزل للأسفل وقد كان الظلام هو سيد الموقف والكاشف الضوئي يساعد بالقليل.
أخذ يتعمق أكثر حتى لاحظ أعمدة تبدو أنها لسفينة.
تعمق أكثر فبدأت تظهر أمامه سفينة قديمة غارقة في تلك الهوة.
كانت إضاءة الكاشف محددة فلم يستطع تبينها جيدًا.
لذا توقف وأخذ يمرر الكاشف على المكان فيرى أنها كبيرة وقد مر عليها عقود وقد كستها الطحالب البحرية فلم تظهر أمامه سوى هيكل لسفينة.
تقدم منها أكثر وولج داخلها فيجد بها أسلحة قديمة وصناديق لا عدد لها.
كانت بها غرف قليلة وكأنها مخازن لتلك الصناديق.
فتح أحد الصناديق الموضوعة جانبًا فوجد أنها مغلقة بإحكام.
تلف حوله يبحث عن شيء يساعده في فتحها.
حتى سقطت عينه على شيء يشبه الرمح مخصص للصيد.
أخذه وقام بفتح الصندوق به، وبعد محاولات كثيرة فتح معه.
رفع الغطاء وأسنده على الحائط خلفه.
فوجد به أسلحة قديمة قد عفى عليها الزمن، يبدو أنها لأحد القراصنة القدامى.
تركه وفتح الآخر وجد بداخله عملات ذهبية تعود لدولة إسبانيا قديمًا.
أغلق الصندوق وتطلع حوله فيجد حقيبة صغيرة معلقة على أحد الجدران.
تقدم منها وقام بفتحها فيجد بها صندوق صغير يحتوي على بوصلة ذهبية مرصعة بأحجار كريمة.
ابتسم عندما تخيل حبيبته أمامه ويهديها إياها.
انتبه فجأة لحركة قوية خلفه جعلته يستدير مسرعًا كي يعرف ماهيتها.
***
في غرفة أسيل.
طرق بابها فظنت أنها أمينة فسمحت لها بالدخول.
ادخلي يا دادة.
انفتح الباب ودلف سليم بملامح جامدة عكس ما بداخله من تعاطف تجاهها.
فقد تعود أن يكون حادًا في تعامله كوالده.
سليم؟
اندهشت أسيل فور رؤيته وخاصة عندما تحدث.
مشفتكيش من امبارح مع إننا في بيت واحد، قلت تكوني تعبتي تاني.
تعجبت أسيل فهذه تعد المرة الأولى التي يظهر اهتمام بها فقالت بنفي.
لا أنا كويسة بس انت بترجع متأخر بكون نمت.
أومأ لها على نفس فتوره ثم خرج من الغرفة.
توقف عندما نادته.
سليم.
التفت إليها يسألها بعينيه فقالت بعد تردد.
عايزة أسافر إسكندرية.
قطب جبينه مندهشًا من تعلقها بذلك المكان.
انتي مش لسه راجعة من قريب؟
ازدردت لعابها بصعوبة وقالت بتلعثم.
آه… بس…
سألها بحيرة عندما توقفت.
بس إيه؟
رفعت بصرها إليه وتمتمت برجاء.
أرجوك يا سليم أنا مش متحملة أقعد في مكان واحد مع الست دي خليني أسافر يومين لحد ما أتاقلم على الحياة معاهم.
تفاهم سليم مع حالتها لكنه تحدث برتابة.
بس ده أمر واقع ولازم هتعيشيه، لو اصريتي على الهرب منه هتتعبي أكتر.
فركت يديها ببعضها وتمتمت برهبة.
معلش ريحني واقنع بابا إني أسافر يومين مع دادة.
أومأ لها بصمت ثم خرج من الغرفة.
***
انقبض قلبه عندما استمع لصوت خلفه فالتفت مسرعًا ليجد أحد الأسماك التي سقط عليها باب الصندوق والذي نسي أن يغلقه.
فتقدم منه ليحررها ثم أعاد غلقه حتى يبلغ السفارة الإسبانية بذلك.
تطلع للمؤشر الذي انخفض كثيرًا وأوشك على النفاذ.
فاكتفى حتى الآن وقرر العودة للباخرة قبل أن ينفذ تمامًا.
وأثناء خروجه من تلك الهوة سقطت الحقيبة من يده.
حاول الوصول إليها قبل أن تسقط لكنها كانت ثقيلة بالقدر الذي جعلها تسبقه لتسقط داخل السفينة.
أخذ المؤشر يصدر صوت تنبيه للنفاذ لكنه لم يبالي وعاد إلى الباخرة ليصل للحقيبة لن يترك شيئًا وهبه لها.
فقام بالمجازفة بحياته وعاد إلى السفينة.
حتى انتهى الأكسجين تمامًا.
تحامل على نفسه ووصل للحقيبة ثم قام بوضعها حول عنقه وخرج مسرعًا منها.
لكن أعاقه تعلق الجهاز في أحد الأسياخ الجانبية في السفينة فحاول تخليصها لكن حاجته للهواء جعلت قوته واهنة.
تطلع إلى أول الحفرة فوقه فشعر بها بعيدة بالقدر الذي لن يجعله يصل إليها دون أكسجين.
لم يجد حل سوى نزع الجهاز عنه والصعود للأعلى بأسرع وقت.
لكن بدأت عضلات قدمه بالتشنج فأصبحت حركته ضعيفة لاعتماده على قدم واحدة ولن يستطيع الوصول.
ظل يعافر كي يخرج من الحفرة ويصل للكاميرا فينجده أصحابه لكن تشنجت قدمه الأخرى مما جعله يحمل على ذراعيه أكثر.
عليه أن ينجو ليس لأجله بل لأجلها.
لن يكون سببًا في إحزانها بعد أن أقسم ألا تعرف الدموع إلى عينيها سبيلًا.
ظل يعافر وقد شعر بذراعيه تكاد تقتلع من شدة ضغط المياه عليها لكن لأجلها سيفعل المستحيل.
بدأ الهواء ينفذ من رئتيه حتى أصبح على وشك الإغماء لكن لن يستسلم بتلك السهولة.
هو وعدها بالعودة إليها وعليه أن يعود بهدية أخرى، وقد كانت تستحق أن يجازف لأجلها.
فهي بوصلته التي مهما تاه وفرقهم الزمان عليها أن تعرف أن لا ملجأ لها سوى عشقهما.
هي روحه التي حررتها من أسرها وجعلتها تهفو بنسائم عشق أذابته.
لكن يبدو أنه أسرع دون أن يدري وبدأ يشعر بتنمل في ذراعه وكتفه الأيسر ونغزة حادة في صدره.
بدأ عذاب وألم وعندها تشنج كامل جسده من شدة الضغط عليه وأعلن عن حاجته للتنفس وحينها توقف عن الحركة مستسلمًا لمصيره.
وكانت صورتها آخر ما رآه، وتساءل قبل أن يفقد وعيه.
كيف سيكون وقع ذلك الخبر عليها؟
***
دلف سليم المكتب مع والده كي ينهوا أعمالهم بشأن الفرع الجديد الذي يريدون تأسيسه في الخارج.
وبدأوا الانشغال به.
طرق الباب ودلفت العاملة وهي تحمل القهوة.
وسليم يحاول بشتى الطرق عدم النظر إليها رغم صعوبة الأمر.
وهي أيضًا تظاهرت بالثبات وهي تضع القهوة أمامه لكن عذابها هي أشد وأقوى.
هو يستطيع السيطرة على مشاعره وثباته كما عوده والده بألا يكون عبدًا لعواطفه وأن يكون هو المتحكم وليس هي.
عكس تلك الرقيقة التي تخرجت من الملجأ وعملت عنده مجرد خادمة.
تهادت القلوب وتآلفت لكن دون وعود ولا أحلام واهية.
بل كان صريحًا معها من البداية.
"أحبك لكن لا أمل لمستقبل يجمعنا".
وعندما سألته لما قولتها إذًا.
أجابها بذلك الهدوء القاسي.
كي لا أكون حرمت قلبي من قولها.
ومن وقتها وكل واحدٍ منهم يتظاهر بالثبات.
ونيران الشوق تشتعل بداخلهم.
خرجت وخرجت روحه معها فروحه الخائنة لا تجتمع به إلا بوجودها.
يتعذب ويشعر بالألم كلما تنفس الهواء التي تتنفسه في مكان واحد لذا يفضل دائمًا الهرب بعيدًا عن دائرته.
بذهن مشتت واصل عمله مع والده وتحتم عليه أن يكون منتبهًا معه.
عليه أن يبعدها عنه كي يحميها من بطش والده.
بعد الانتهاء تطلع سليم إليه قائلاً.
أنا عايز أبعت أسيل بكرة إسكندرية تقعد يومين هناك مع دادة أمينة.
رد حسين باقتضاب دون أن يرفع وجهه عن الأوراق.
لأ.
أنا مش شايف سبب للرفض الفيلا هناك متأمنة كويس وهخلي عادل يكون معاهم.
خلع حسين نظارته الطبية وتطلع لسليم قائلاً بجمود.
أسيل لازم تكون تحت عينينا لأن من صغرها وطبعها عاطفي، مقدرتش أزرع جواها اللي زرعته فيك بإن المشاعر ملهاش وجود في حياتنا يعني سهل أوي يضحك عليها.
أوعى تفتكر إن حياتها في إيطاليا كانت بعيدة عن عيني، أنا كنت متابع كل حركة وكل نفس بتتنفسه وهي كانت ملاحظة حاجة زي دي وعشان كده هي كانت ماشية جنب الحيط بس لو حست إنها بحريتها هتنطلق فيها ووقتها الغلط هيكون مباح.
يعلم سليم جيدًا بأنها نظرية خاطئة وإن ترك جزء بسيط من الحرية سيحاول الإنسان بكل الطرق الحفاظ عليه.
لكن ذلك السجن سيجعل الإنسان يحارب بكل الطرق لينال قسطًا منها.
بس دادة أمينة هي اللي مربياها واكيد هتخاف عليها زينا وكمان هخلي عادل عينه عليهم مش شايف أي سبب للرفض.
وافق حسين على مضض ليس لأنه وافق على الفكرة لكنه وافق فقط كي لا يرفض قرار سليم.
فقد عوده من صغره أن يكون ذا كلمة تسمع وقرار يتبع كي يجعله بذلك الجمود.
ولا يعرف شيئًا عن ذلك القلب المتخفي بنبضاته العاشقة.
ظلت أسيل حبيسة غرفتها لا تخرج منها حتى الطعام يأتي إليها.
طرق الباب ودلف سليم بملامحه الواجمة وتمتم بجمود.
جاهزة بكرة الصبح للسفر ولا خليها آخر النهار.
لم تصدق أسيل ما أخبرها به سليم لذا سألته.
تقصد إسكندرية.
أومأ لها فنهضت مسرعة وهو ترد بفرحة.
من دلوقتي لو عايز.
انفلتت ابتسامة خافتة من أسيرها على فمه ورد باقتضاب.
خليها بالنهار أفضل عشان مقلقش عليكي، إن احتاجتي حاجة كلميني على طول.
أومأت له فخرج هو دون أن يضيف كلمة أخرى.
***
عاد إلى غرفته وخلع سترته ملقيًا إياها على المقعد أمامه ثم تلاها ربطة العنق والزرار الأعلى كأنه يشعر بالاختناق.
ولما لا وكل شيء حوله يشعره بذلك وتلك القيود التي كلما كبر كلما اشتد وثاقها عليه.
حتى عندما دق قلبه اختار المستحيل ليركض خلفه.
فتح باب شرفته ليأخذ نفسًا عميقًا ربما يخفف من حدة الاختناق لكن مرت من أمامه سارقة الأنفس.
تلك الفتاة التي صدمت به عندما كانت تهرب من ذلك الرجل الذي كان يطاردها لأنها لم تستطع دفع أجرة السيارة التي نقلتها إلى فيلاتهم للعمل بها.
تذكر كيف تحامت به ووقفت خلفه عندما دلف خلفها الرجل.
فلاش باك.
سليم في حديقة المنزل في يوم عطلته يستمتع بالسير بها وفي ذلك الوقت المبكر.
حتى أنه سمح للأمن بأخذ إجازاتهم أيضًا كي يغلق البوابة الحديدية ويستمتع بذلك الهدوء وخاصة بعد انصراف أبيه وزوجته.
تفاجأ بفتاة تدلف مسرعة من البوابة وتختبئ خلف أحد الأعمدة.
قطب جبينه بحيرة وهم بسؤالها لكنه تفاجأ برجل يدلف خلفها يبحث عنها.
فقال سليم بحدة.
في إيه؟
انتبهت الفتاة لوجوده وظنته عاملًا به فأسرعت تتحامى به وهي تقول برجاء.
الحقني يا أخويا بسرعة الراجل ده عايز يسرقني.
أخويا.
ردد اللقب بتعجب وقد ازداد الأمر عندما تقدم الرجل منهم وهو يقول بانفعال.
تعالي يا حرامية انتي فاكرة إن في حد هيخلصك مني.
تدارت الفتاة خلفه وهم الرجل بجذبها لكن سليم منع يده للوصول إليها وقال بلهجة حازمة.
أبعد إيدك.
كانت لهجته هادئة لكنها حازمة جعلت الرجل يتراجع وغمغم بامتعاض.
دي بنت حرامية ركبت معايا من حدايق القبة لحد هنا بعشرين جنيه.
تطلع سليم للفتاة خلفه وسألها.
صحيح الكلام ده؟
هزت كتفيها باستسلام فعاد بنظره للرجل وهو يخرج بعض الأموال من جيبه ومده لهم تحت نظرات الفتاة المنبهرة بالمبلغ الذي أخذه الرجل.
من إيد ما نعدمهاش يا باشا، تؤمر بحاجة؟
لم يرد عليه سليم فانسحب الرجل وهو يعد المبلغ بيده حتى خرج من المكان.
استدار سليم لينظر إليها فوجد فتاة بسيطة تدل ملابسها أنها تعيش حياة بائسة حقًا.
لكنها جميلة، بل أكثر من ذلك.
فسألها.
وانتي مش هتمشي؟
ارتبكت الفتاة وردت بتلعثم.
مـ…ـش لما… أعرف الأول انت اديت كام للسواق؟
قطب جبينه بحيرة وسألها.
ليه؟
ردت مسرعة.
عشان أردلك الفلوس انت أكيد بتشقى بيها في البيت الكبير ده.
رفع حاجبه بدهشة من وقاحتها وهم بالرد عليها لولا صوت شهد.
وعد..
التفت كلاهما لشهد التي تقدمت منهم بإحراج وقد بدا عليها أنها سمعت جملتها الأخيرة فقالت بأسف لسليم.
أنا آسفة أوي يا سليم بيه أصلها متعرفش حضرتك.
جذبتها من ذراعها تدفعها أمامها وهي تقول بغيظ.
هتودينا في داهية منك لله.
ابتسم سليم لتلك الذكرى لكن ابتسامته لم تدم ولو قليلاً واختفت.
ظلت عينه تراقبها وهي تجلس وحيدة في حديقة المنزل وتمسح بيدها دموعها بين الحين والآخر.
***
في مكان آخر.
ظل الرجل يزرع الغرفة ذهابًا وإيابًا بقلق بالغ حتى طرق الباب ودلف المحامي الخاص به.
إيه يا توفيق بقالي ساعة مستنيك.
وضع الرجل حقيبته على الطاولة أمامه وقال بانفعال وهو يجلس على المقعد.
بحاول أدور على أي ثغرة تخرج ابنك من المصيبة دي.
جلس حامد قبالته وسأله بقلق.
يعني إيه؟
يعني الولد رافض يعترف على نفسه رغم المبلغ الكبير اللي اتعرض عليه.
والمصيبة الكبرى إن المستشار اللي ماسك القضية نزيه مش بيقبل أي رشاوى يعني سكتنا مقفولة.
ظهر الخوف واضحًا عليه.
والعمل؟ لازم تشوف أي سكة للراجل ده.
رد المحامي بخبث.
ما هو ده بقا اللي جاي عشانه.
قطب الرجل جبينه بحيرة فيضيف المحامي.
خطة هتخلي المستشار ده ييجي يبوس على أيدينا مش بس يلبس الولد ده القضية.
………….
اغلق خليل الملف أمامه ثم عاد بظهره للوراء وهو يتنهد بتعب.
فتلك القضية معقدة حقًا.
فذلك الشاب ينفي التهمة وهو بخبرته يستطيع معرفة إذا كان صادقًا أم لا.
الجلسة القادمة ستكون الأخيرة وسيعمل بكل الطرق على إظهار الحقيقة.
ضغط على الزر فيدخل السكرتير الخاص به.
أؤمر يا فندم.
قدم الملف له وهو يقول.
اعملي نسخة من الملف ده وهاته فورًا.
أخذ السكرتير الملف وذهب ليطبعه أم شعر بالتعب وقرر الانصراف والعودة للمنزل.
عاد خليل إلى المنزل فوجد فتاة في العشرين من عمرها تنتظر أمام البوابة الداخلية.
تقدم منها ليسألها عن سبب وقفتها لكنها بدأت هي.
حضرتك خليل بيه.
رد خليل متعجبًا.
أيوه يا بنتي خير؟
فركت الفتاة يدها بتوتر وقالت.
أصل أنا جاية تبع مكتب "مديرة منزل" كنت جنابك كلمتهم عشان عايز شغالة.
تذكر خليل ذلك الأمر.
آه آه افتكرت ادخلي جوه عند أم وجيه وهي اللي هتعرفك شغلك هيكون إزاي.
أومأت الفتاة ودلفت خلفه ثم أشار لها باتجاه المطبخ.
رواية جبل النار الفصل الثالث عشر 13 - بقلم رانيا الخولي
أغمض عينيه مستسلماً، وآخر ما رأته عيناه فريق الإنقاذ الذي قفز مسرعاً يتقدم منه، قبل أن يستسلم لذلك الألم الذي ذبح صدره.
أصوات صاخبة من حوله تنادي باسمه، ودقات قلب غير رتيبة، وتنفس يمزع رئتيه.
ثم انتهى كل شيء من حوله.
مر وقت لم يعرف كم ولا أين هو، فقط يرمش بعينيه قبل أن يفتحها وهو يشعر بألم شديد في صدره.
حاول تحريك يديه، لكن يد أخرى منعته.
"متحركش ايدك."
تطلع بوهن لصاحب الصوت، والذي لم يكن سوى يحيى.
أغمض عينيه بألم شديد، ووضع يده موضع الألم وهو يتمتم بوهن:
"حاسس بألم شديد أوي في صدري."
ربت يحيى على يده:
"الحمد لله عدت على خير، المهم إنك كويس دلوقتي. أنا مرضتش أتصل على عمك عشان ميقلقش."
حاول داغر النهوض، لكن يحيى منعه.
"يا ابني بلاش تتحرك، الحركة غلط عليك."
عاد لوضعه وقد لاحظ أنه ليس بالسفينة.
"أنا فين؟"
رد يحيى بصبور:
"إنت في المستشفى، حالتك كانت صعبة أوي ونقلناك على مستشفى في مدريد، بس الحمد لله الدكتور طمنا وبقيت أحسن."
ردد الاسم قائلاً:
"مدريد! ليه هو إيه اللي وصلني لكده؟"
رفع يحيى حاجبيه مندهشاً:
"انت بتسأل؟ يا ابني انت كنت نازل البحر زي اللي نازل ترعة، ولولا الكاميرا اللي كانت مراقباك كان زمانك خلصت فيها من غير ما نحس."
تذكر داغر ما حدث معه، وأولهم الحقيبة، فقال مسرعاً وهو يتحسس موضعها:
"كان في شنطة…."
قاطعه يحيى:
"موجودة متقلقش، لما خرجناك من المياه كنت داخل على ذبحة صدرية، ولولا الدكتور كان معانا واسعفك كان زمانا بنصلي عليك. والشنطة جبتها معايا في الشنط بتاعتنا لأن كان لازم ننقلك مستشفى."
أومأ له داغر وتمتم بضعف:
"متشكر أوي."
ربت يحيى على كتفه وقال بصدق:
"متقولش كده، إحنا أخوات. ارتاح شوية، ولما تفوق كلم عمك…."
غمز بعينيه.
"وأسيل عشان ميقلقوش عليك."
ابتسم داغر على مزاحه وسأله:
"أنا بقالي هنا قد إيه؟"
"يومين بس، بصراحة عايزك تطول على قد ما تقدر. البنات هنا إيه…."
عض على شفته وهو يقول بمزاح:
"مزز يا داغر يا أخويا."
تألم داغر من الضحك وقال:
"شكلي في مرة هسجلك وأبعته لدينا، خليها تنفخك."
"لا دينا دي بؤ على الفاضي. المهم نام شوية، وأنا كمان أرتاح لأني منمتش من وقت اللي حصل."
أشار للفون بجانبه:
"الفون جانبك لو احتاجت أي حاجة كلمني."
أومأ داغر وخرج يحيى مغلقاً الباب خلفه.
تطلع إلى الهاتف وفكر بالاتصال بها، لكنه اكتفى بإرسال رسالة يطمئنها فيها كي لا تسمع صوته المتعب وتقلق عليه.
***
في اليوم التالي.
محاولات كثيرة منها كي تصل إليه، لكن لا فائدة. فقط رسالة مقتصرة.
هل غضب منها لأنها لم ترد عليه ولهذا يعاقبها؟
فقد مر يومين ولم يحاول الاتصال بها، وترك هاتفه قيد الإغلاق.
أجلت سفرها لحين عودته، وتحملت تلك الغرفة التي حكم عليها بالحبس داخل جدرانها.
لا تريد أن تذهب إلى هناك دونه.
دلفت أمينة الغرفة فتجدها منزوية في فراشها بصمت.
تقدمت منها تسألها:
"هتفضلي كده كتير؟"
ردت دون النظر إليها:
"عايزاني أعمل إيه؟"
"مش كنتي بتقولي عايزة أسافر اسكندرية وسليم وافق؟ إيه اللي خلاكي غيرتي رأيك؟"
ردت أسيل بقلق:
"مش عارفة داغر ليه فونه مقفول، وقلبي شاغلني عليه."
تنهدت أمينة بيأس منها وقالت:
"أنا مش عارفة جبتي التهور ده منين، ده أنا كنت بحاول أقنعك يكون لكِ أصحاب وأنتِ اللي تقولي لأ وتخافي، ليه قلبك جمد مرة واحدة كده."
اعتدلت في رقدتها وقالت بحزن:
"مجمدش ولا حاجة، بس أنا فعلاً مبقتش قادرة أتحمل الحياة دي، تعبت من الوحدة والخوف اللي عايشة فيهم."
"عايزة تفهميني إن ده السبب الوحيد؟"
تنهدت بتعب وهي تقول:
"لأ مش ده السبب، السبب الأساسي هو إني حبيته يا دادة. كل يوم بيعدي بيخليني أتعلق بيه أكتر من اللي قبله، مستعدة أرمي نفسي في النار عشانه. هو الوحيد اللي حسسني بحبه واهتمامه، حتى لما بيبعد عني بحس باهتمامه برضه…."
تطلعت إلى أمينة وتابعت:
"داغر يستحق فعلاً إني أجازف عشانه."
"طيب أنا معاكي في كل ده، بس ليه مفكرش يتقدملك؟"
قطبت جبينها بدهشة:
"بالسرعة دي؟ إحنا حتى لسه بنتعرف."
ردت أمينة بعقل:
"طالما في حب وفيه قبول إيه اللي يمنع؟"
"مش عارفة، بس أنا مينفعش أكلمه في حاجة زي دي."
"أنا مش بقولك كلميه، بس برضه لازم يكون في حدود للعلاقة دي ومتستمرش أكتر من كده."
أومأت أسيل بتفاهم:
"عندك حق."
"هروح أجيب الغدا ونتغدى أنا وأنتِ."
أومأت لها وخرجت أمينة لتعود أسيل لانزوائها الذي لم يدوم طويلاً عندما فتح الباب ودخلت شاهي ناظرة إليها بتشفي:
"إزيك يا سيلا."
قلبت أسيل عينيها بضجر واعتدلت في فراشها قائلة:
"الله يسلمك، خير."
رفعت شاهي حاجبيها وهي تتقدم منها وصوت حذاءها العالي يكاد يصيب أسيل بالصم:
"كل خير يا حبيبتي اطمني، أنا بس جاية أطمن عليكِ، وبالمرة أعرف منك عملتي إيه مع حبيب القلب."
قطبت جبينها بدهشة وسألتها بتوجس:
"حبيب قلب مين اللي بتتكلمي عنه ده؟"
رمقتها بسخرية وهي تميل عليها لتقرب وجهها من وجه أسيل وقالت بشر:
"أوعى تكوني فاكرة إني نايمة على وداني ومش مراقبة كل تحركاتك، ولا اليومين اللي عيشتيهم معاه على السفينة أو…."
التزمت الصمت قليلاً كي تتلاعب بها ثم قالت بمراوغة:
"أو مجيه هنا قدام البيت يستناكي تحني عليه وتطلعيله."
انقبض قلب أسيل وظهر الخوف واضحاً عليها، لكن شاهي طمئنتها قائلة:
"أنا كل ده ميهمنيش، ولا هستفاد حاجة لو قلت لأبوكِ، كل اللي عاوزاه تبعدي عن البيت ده لأنه من حقي أنا لوحدي."
"البيت ده كان ملك لأبويا، حتى الشركة، بس جدك ضحك عليه وخسره كل حاجة، ويادوب سابله أسهم بسيطة في شركته بعد ما أخد كل حاجة."
تابعت من بين أسنانها:
"بس أنا رفضت أستسلم زي أخويا ما عمل، ووقفت وحاربت لحد ما خليته يطلق أمك ويتجوزني…."
رفعت حاجبيها وهي تسألها بخبث:
"عارفة عملت إيه؟"
كانت أسيل تستمع إليها بصدمة، وخاصة عندما تابعت:
"مضيته من غير ما يحس على تنازل عن الشركة وسجلتها باسمي، مظنش ينفع آخد أكتر من كده لأنه وقتها هيحس إنه خسر كل حاجة وممكن وقتها يقتـ.ـلني، فكان لازم أسيب حاجة يخاف عليها، وكله هيرجع بالتراضي، وأولهم إني أضغط عليه بالشركة وإنه يكون تحت أمري."
ازدردت أسيل لعابها بخوف من تلك المرأة وسألتها:
"ليه جاية تقولي ليا الكلام ده؟"
عادت شاهي لهدوئها وهي تعتدل قائلة:
"لأنك عمرك ما كنتي تهديد ليا غير بالشبه اللي بينك وبين أمك، وصراحة مش عايزة غير أنكم تخرجوا من حياته عشان ميكنش له ضهر يتسند عليه، افهمي اللي بين السطور ووقتها هتلاقيني أول واحدة بدعمك."
خرجت من الغرفة صافقة الباب خلفها بعنف، تاركة أسيل في صدمة كبيرة.
***
دلف داغر الغرفة بمساعدة يحيى، وقد أصر على ترك المشفى بعد أن طمئنه الطبيب.
استلقى على الفراش بتعب وقال يحيى:
"يا ابني، كنت استنيت يومين كمان اتأكدنا أكتر."
رد داغر بملل:
"مش بحب جو المستشفيات ده، لو فضلت كنت هتعب أكتر، وبعدين لازم أتصل على عمي وأطمنه، زمانه قلقان عليا."
"عمك برضه؟ ماشي يا سيدي، أنا هسيبك شوية لحد ما تطمن عمك وأرجع لك."
سأله داغر:
"المهم، عملت اللي قولتلك عليه؟"
"اه بلغتهم زي ما قولتلي، وحددت لهم المكان، حتى عرفتهم إنك انت اللي اكتشفتها."
أومأ له.
ثم خرج يحيى واتصل على عمه يطمئنه:
"إزيك يا عمي."
رد خليل باستنكار:
"يادوبك افتكرت إن لك عم تسأل عليه، قافل الفون ليه؟"
حاول داغر أن يبدو صوته ثابتاً:
"مكنش مقفول ولا حاجة، بس كنت مشغول، وبعدين مالك داخل عليا بالحامي كدة يا سيادة المستشار."
"أصلك كنت بتقرفني كل يوم باتصالك (تابع متهكماً) عامل إيه؟ وصحتك أخبارها إيه؟ والوش ده كله، فلما تغيب كدة يبقى البنت أخدتك مني."
"لاا بقولك إيه يا كبير، مش من أولها هنبدأها شغل حموات، أهدي كدة لأني بفكر الإجازة الجاية هخليك تخطبهالي."
"أخطبها إزاي وأنا معرفش شكلها لحد دلوقتي، وبعدين ليه حاسس من كلامك إنكم هتعيشوا معايا؟"
"أومال إيه يا كبير، هسافر وأسيبها لوحدها؟ متخافش أنا على قلبك ومش هتعرف تخلص مني."
"معنى كده إنك برضه هتمشّورني وراك من القاهرة لاسكندرية."
انتبه داغر لقول عمه، والذي لم ينتبه له من قبل.
فعمه بحكم عمله يبقى بالقاهرة ولا يذهب للإسكندرية إلا وقت إجازته، والتي تماثل إجازة داغر.
ماذا سيفعل بعد زواجه؟ وهو لا يحب حياة القاهرة ويفضل العيشة بجوار البحر، ولن يستطيع تركها وحيدة أثناء غيابه هو وعمه.
"داغر انت رحت فين؟"
انتبه لصوت عمه:
"معاك يا عمي، بس بصراحة مفكرتش في حاجة زي دي."
تحدث خليل بحكمة:
"لا يا داغر، لازم تفكر في كل كبيرة وصغيرة في موضوع الجواز بالذات، وخصوصاً إنك بتغيب فترة طويلة ومش هتفضل مطلع عينها زيي من هنا لهنا."
تنهد داغر ورد بتيهة:
"هتكلم معاها في الموضوع ده وهنشوف حل."
أغلق داغر الهاتف وظل ينظر للأفق البعيد أمامه يفكر في ظروف عمله، فهو يتطلب منه السفر دائمًا، وربما مع الوقت لن تقبل بتلك الحياة، وهو أيضاً لن يوافق على غيره بديلاً.
لابد أن يتناقش معها في هذا الأمر، لكن ليس الآن.
عليه أن يتأكد من مشاعرها تجاهه أولاً.
أغلق مع عمه ثم اتصل عليها.
لم تصدق أسيل عينيها وهي ترى اتصاله.
دلفت المرحاض كي تغسل وجهها كي لا يلاحظ عليها شيء.
ثم عادت إلى الهاتف لتجيب عليه، تريد أن تشعر بالحب والأمان الذي تفتقده، ويستطيع هو ببراعة أن يعوضها عن فقدانه.
ظهر على الشاشة أمامها، فتبدلت ملامحه المندهشة حينما رأى عيونها الذابلة وسألها بقلق:
"حبيبتي، انتي كويسة؟"
حاولت أسيل التظاهر بالابتسام كي لا يشك بشيء:
"امم كويسة، بس كنت نايمة."
لم يصدق داغر، لكنه لا يريد الضغط عليها، هي دائمًا شديدة الحرص من أن يعرف شيئاً عن حياتها داخل منزلها، لذلك تركها كما تريد.
فقال بشغف:
"وحشتيني أوي."
حاولت التجاوب معه فردت بابتسامة لم تخفي مدى حزنها:
"وانت كمان يا داغر وحشتني أوي."
"هانت يا عمري، بكرة هكون في اسكندرية."
اندهشت أسيل وسألته بشك:
"بس انت قولتلي إن السفرية دي ١٥ يوم."
"داغر انت كويس؟"
ابتسم يطمئنها:
"اه كويس متقلقيش، دور برد مش أكتر."
لم يرتاح قلبها، لكنها طمأنت نفسها بأنها ستراه غداً.
فقال داغر:
"استنيني بكرة في المينا، عايز أشوفك أول ما أوصل."
"هحاول."
"المهم نزلت البحر؟"
استلقى داغر على فراشه ورد بحبور:
"أكيد."
"وطلعت بإيه؟"
"لا وأه داغر."
"مش هتكون ببلاش، لأنها المرة دي تقيلة أوي."
زمت فمها بغيظ:
"يعني هتاخد مني مقابل."
أكد داغر بثقة:
"اه طبعاً، الأولى كانت ربط اتفاقية، بس بعد كده هيكون بمقابل."
"وأيه هيكون المقابل؟"
غمز لها داغر وهو يقول بمكر:
"أنا مش هطمع، يعني حضن ماشي، بوسة…."
قاطعته أسيل بغلق الهاتف في وجهه، مما جعله يضحك على فعلتها.
أعاد الاتصال بها لكنها لم تجيبه.
فقام بإرسال رسالة لها: "ايه يا قلبي قفلتي ليه؟"
فتحت الرسالة لتقرأ محتواها ثم ردت: "هتقول كلام من ده هقفل ومش هكلمك تاني."
"ايه اللي قولته يزعلك يا قمري؟"
"شوف انت قولت إيه."
"مش فاكر الصراحة، بس ممكن تفكريني عادي، أصل أنا من وقت ما عرفتك وبقيت بنسى أنا مين، يلا بقا عرفيني أنا قلت إيه."
أغلقت أسيل الهاتف وألقته على الفراش.
فلن تستطيع مجابهة ذلك الملاوع.
تنهدت أسيل براحة ثم نظرت للهاتف بغيظ وقامت بغلقه مرة أخرى.
لم يكف عن ذلك وظل يتصل حتى أجابته:
"وبعدين معاك، لما أكنسل أفهم إن في حد معايا."
"وانتي متعلقنيش بيكي والآخر تقفلي."
"أقفل إيه؟ داغر إحنا يعتبر بنشوف بعض طول الوقت، وصلت إنك بتكلمني وانت في قلب المايه."
"مش انتي اللي طلبتي تشوفي البحر وقت العاصفة؟"
تذكرت أسيل ذلك الوقت وكم شعرت بالخوف عليه وهو يحدثها من بين تلك الأمواج العاتية، وقالت برجاء:
"أرجوك يا داغر بلاش تعمل كده تاني، أنا كنت هموت من القلق عليك."
تذكر ما حدث له وكيف كان على وشك الموت وتمتم بوله:
"متخافيش يا عمري، وبعدين بيقولوا لك عمر الشقي بقى ولا بيقولوها إزاي."
انقبض قلبها خوفاً وقالت باندفاع:
"بعد الشر عليك، انت لو جرالك حاجة ممكن أموت فيها."
ابتسم داغر بحب:
"اطمني متخافيش عليا، وبعدين متحسسنيش إني عيل صغير."
"محسسني إن عندك خمسين سنة."
"أنا فعلاً مش صغير، تقدري تقولي كده ٣٣ سنة."
استندت بمرفقها على الوسادة وقالت بحيرة:
"تصدق مكنتش أعرف عمرك إيه ولا فكرت أسألك…."
ابتسمت بحزن وتابعت:
"يمكن لأن العمر بالنسبة لي بيتعد باللحظات السعيدة."
لم يحتاج داغر لفطنة كي يعرف مدى المعاناة التي عاشتها حبيبته في حياتها، وأقسم لنفسه في تلك اللحظة أن يعوضها عن كل ذلك.
فقال بولع:
"يبقى كده نحسب عمرنا من الساعة اللي اتقابلنا فيها، لأن السعادة معرفتش طريقها لقلبي إلا وقت ما شوفتك واقفة على سور السفينة، متعرفيش انتي لفتي نظري قد إيه."
رمشت بأهدابها من لوعة كلماته التي خطفت قلبها، وخاصة عندما تابع بكل ما يحمله من عشق:
"أسيل أنا بحبك، من وقت ما دخلتي حياتي وأنا حاسس إن بقى ليها معنى، الإجازة بالنسبة ليا مكنش ليها دافع، والشخص الوحيد اللي كان بيجبرني أرجع عشانه هو عمي، إنما دلوقت مبقتش عايز أسافر ولا أبعد عنك لحظة واحدة."
دق قلبها بعنف أثر تلك النسائم التي هبت من هاتفها، حتى شعرت بأنها داخل حلم جميل لا تريد الاستيقاظ منه.
"أسيل انتي معايا؟"
لم تريد أسيل سماع المزيد، يكفي أثر تلك الكلمات على قلبها البض، فلن يتحمل سماع المزيد من شهد ذلك العشق.
أغلقت الهاتف ووضعته تحت الوسادة واستلقت على الفراش.
***
سافرت أسيل إلى الإسكندرية كما طلب منها.
وقد تركها حسين بعد تعليمات صارمة أجبرها عليه.
لم تجعل فرحتها تبالي به، كل ما يهمها أنها ستذهب إليه ليعوضها عن تلك القسوة التي تعيشها في هذا المنزل.
ترجل داغر من السفينة وقد ظهر الوجوم واضحاً عليه، فمنذ الأمس ولم تجب اتصاله.
بعث إليها رسالة يخبرها بموعد عودته، لكنها شاهدتها دون أن تجيب.
ماذا حدث جعلها ترفض محادثته؟
توقفت قدماه على بوابة الميناء عندما وقع نظره عليها وهي مستندة بظهرها على سيارته بملابسها التي لا تتغير.
بنطال وبلوزة صوفية، لكنها هذه المرة أضافت القلنسوة الخاصة به والتي أهداها لها على اليخت.
وأخفت عينيها الآسرة خلف نظارة شمسية لم تستطع حجبها عنه.
تقدم منها وهو يخطو إليها بتروٍ، مؤخوذاً بسرحها الذي أسقطه صريعاً لهواها.
خلع نظارته الشمسية ودنى منها، ومع كل خطوة تقربه منها تجعل قلبه يهدر بقوة.
تقابلت نظراتهم على نهج الاشتياق، ولما لا وقد التاعت القلوب بذلك الفراق المتكرر.
توقفت قدماه أمامها ورمقها بعينيه التي تلتهم محياها وهو يرفع يده ليخلع عنها نظارتها قائلاً:
"حد قالك قبل كده إنك زي القمر؟"
رمشت أسيل بأهدابها وقد أخذ قلبها بسحر عينيه، فهزت رأسها بنفي وهي تتمتم بخجل:
"لأ."
تمتم بحب:
"طيب من النهاردة هتسمعيها كل دقيقة وكل ثانية."
أغمضت عينيها بخجل وابتسامة مشرقة أشرقت روحه، وتمتمت بخجل:
"حمد لله على السلامة."
رفع حاجبيه بمكر:
"بس كده؟ مفيش حضن، مفيش وحشتني موت والكلام اللي بنشوفه في الأفلام ده."
هزت كتفيها بلؤم:
"اديك قلت كلام أفلام."
ازدادت كلماته مكر وهو يتمتم:
"طيب ماتيجي نمثل اتنين متجوزين بيستقبلوا بعض بعد غياب."
شهقت أسيل بعدم استيعاب لما قاله:
"تصدق أنا غلطانة إني وافقتك."
همت بالانصراف لكنه جذب ذراعها وهو يقول برفق:
"أهدي يا قلبي، أنا قصدي شريف، انتي اللي دايماً بتحدفي شمال."
رفعت إصبعها بتهديد أمام وجهه:
"مفيش كلام من ده تاني، فاهم ولا لأ؟"
نظر إلى إصبعها وتظاهر بالغضب قائلاً:
"ده تهديد ولا تحذير."
أشارت بأصبعيها:
"الاتنين."
تحول تظاهره بالغضب إلى استسلام:
"إن كان كده ماشي."
ضحك الاثنين وسألها داغر بعتاب:
"ليه مقولتيش إنك جاية؟"
ازداد خجلها وهي تقول:
"حبيت أعملها مفاجأة."
رمقتها عيناه بعشق جارف وتمتم بوله:
"وحشتيني أوي."
اهتزت نظراتها من تلك الكلمات التي تلامس صدقها قلبها وردت بتلقائية خرجت من حبها له:
"وانت كمان وحشتني."
رفع حاجبيه متسائلاً:
"بس كده؟"
أومأت له ثم تحدثت بتحذير مرح:
"أوعى تنتظر أكتر من كده."
"لأ أنا راضي بالكلمة دي، يلا بقى اركبي عشان أوصلك."
ارتبكت أسيل وقالت بوجل:
"مش هينفع."
قطب جبينه بحيرة:
"ليه؟"
اهتزت نظراتها وغمغمت باحراج:
"في حراسة موجودة حوالين الفيلا ولو حد شافني نازلة من عربيتك هيقول لبابا."
استاء داغر من الأمر لكن لا يريد أن يكون سبباً في أي مشكلة لها، فقال مقترحاً:
"طيب خلينا ندخل نتكلم في العربية، في حاجات عايز آخد رأيك فيها."
"معلش خليها وقت تاني لأن بابا ممكن يرن في أي وقت."
وقف ينظر إليها بحيرة وهي تشير إلى سيارة أجرة بعد أن أعادت النظارة إلى عينيها وكأنها تتخفى.
لا يعرف طبيعة حياتها داخل منزل والدها، لكن كل ما يراه يؤكد بأن ما تمر به تلك الفتاة سلسلة من العذاب.
استقل سيارته وعاد إلى منزله على أمل بلقاء آخر معها.
***
عادت أسيل مسرعة من الباب الخلفي حيث تنتظرها أمينة بقلق وقالت بتعنيف:
"أتاخرتي كده ليه، حسين بيه اتصل دلوقتي وقولتله إنك في الحمام."
دلفت أسيل مسرعة وهي تقول بوجل:
"أنا مكملتش نص ساعة، ومتخيلتش إنه هيتصل بدري كده."
اتصلت أسيل عليه كي تؤكد وجودها على الهاتف الأرضي، فقد وافق بصعوبة على مجيئها، ولأنها مازالت معاقبة حذرها من الخروج.
أغلق حسين الهاتف ووضعه على مكتبه إثر دخول شاهي وهي تحمل ملف بيدها.
تقدمت منه لتضع الملف أمامه وقالت بعملية:
"امضي على العقود بتاعت الصفقة الجديدة عشان نبعتها على الفاكس."
أخذ الملف من يدها وقام بالتأكد منه قبل امضاءه، وذلك ما يجعل شاهي تشعر بالحنق منه.
فكل خططها حالياً تبوء بالفشل بسبب عدم ثقته بها بعد ما حدث.
أنهى امضاءه وقدمه لها قائلاً:
"اتفضلي ابعتيه دلوقتي لأن المفروض كان اتباع بدري عن كده."
ضغطت شاهي على الزر فتدلف مديرة مكتبه وهي تقول باحترام:
"تحت أمرك يا فندم."
أشارت لها شاهي بأخذ الملف وهي تقول بأمر:
"خدي الملف ووصليه بنفسك لمصطفى عشان يبعته فاكس بسرعة."
أومأت الفتاة وخرجت من المكتب.
وهنا التفتت إليه شاهي وهي تقول بمكر:
"ايه رأيك يا حبيبي نسافر اسكندرية بكرة؟"
عاد حسين بظهره للوراء وهو ينظر إليها بنفس فتوره المعتاد:
"مش كفاية سفر ولا إيه؟ إحنا لسه راجعين من أمريكا."
جلست على حافة المكتب أمامه وقالت بدهاء:
"يا حبيبي دي كانت رحلة عمل، أنا بتكلم عن يومين نقضيهم بعيد عن الشغل، يومين بس مش أكتر."
تلاعبت برابطة عنقه في محاولة منها لإقناعه وتمتمت بخبث:
"وبعدين أنا حاسة بالذنب إني كنت السبب في زعل أسيل، وبصراحة عايزة أروح أراضيها. نروح بكرة الخميس ونرجع الجمعة آخر النهار مع أسيل، ها قلت إيه؟"
تنهد حسين ووافق مجبراً كي يعرف ما تود الوصول إليه.
خرجت شاهي من المكتب وابتسامة خبيثة مرتسمة على فمها.
دلفت مكتبها وتناولت هاتفها لتعيد الاتصال بذلك الرقم وقالت عندما أجابها:
"عملت إيه؟"
"لسه راجعة من شوية، بس لسه معرفتش طبيعة علاقتهم."
"تمام، خلي عيونك عليها، ووقت ما تعرف إنها خرجت ترن عليا فوراً."
أغلقت الهاتف وألقته على المكتب أمامها وهي تتمتم بغل:
"نهايتك قربت يا بنت ليندا، إن ما خليته يرميكي في الشارع زي ما رمى أمك مبقاش أنا شاهي."
رواية جبل النار الفصل الرابع عشر 14 - بقلم رانيا الخولي
في المساء، لم يهدئ هاتفه من اتصاله، وتعلم جيدًا بأنه لن يهدئ حتى توافق على الخروج معه.
لكن تأخر الوقت ولن تجازف بالخروج في الليل.
ردت عليه عندما يأست منه وقالت بغيظ:
_وبعدين معاك؟ قولتلك مش هينفع، وبعدين انت لسة راجع من السفر لازم ترتاح.
اعتدل داغر في فراشه:
_ايه.. ايه براحة عليا، بتخديني في دوكة كدة ليه.
جلست على الفراش وهي تتمتم بيأس:
_اعمل ايه؟ بحاول افهمك إنه مينفعش وانت مصر.
ازاح داغر الغطاء عنه ونهض من فراشه متجهًا للمرحاض:
_أنا بصراحة جعان أوي ولوحدي في البيت ومحتاج حد يحضرلي العشا.
زمت فمها بغيظ منه:
_وعايزني بقا أنا اللي اجي أحضره!
رد داغر ببساطة قبل أن يضع الفرشاة في فمه:
_وايه المشكلة؟ ما هو ده الطبيعي.
_لااا السفرية دي شكلها جننتك خالص، وبعدين انت عارف صعب اخرج في وقت زي ده.
أعاد الفرشاة إلى مكانها وخرج من المرحاض ليخرج ملابس له وهو يقول:
_أنا هدخل اخد شاور، تكوني جهزتي. هعدي عليكي بالعربية من الباب التاني، يلا باي.
أغلق الهاتف دون أن يستمع لردها، ودلف المرحاض.
ابتسمت أسيل على جنونه وفكرت في الخروج معه، لكنها تخشى من ذلك.
فهي تعد مغامرة كبيرة ولن تجازف بها.
تنهدت بحيرة.
قلبها يطلب منها الذهاب والنعيم بذلك الحب الذي يغدقها به، لكن عقلها يأبى ذلك، وفي ذلك الوقت خاصة.
لكن لما لا؟ وقد نامت أمينة وستذهب وتعود دون أن يعرف أحد.
ظلت حايرة لا تعرف ماذا تفعل.
ظل داغر منتظرها في سيارته، لكنها لم تخرج له حتى الآن.
أخرج هاتفه ليبعث لها برسالة، كان محتواها: "تحبي تخرجي من نفسك ولا أجى آخدك بالغصب؟"
تلقت أسيل تلك الرسالة، فيزداد حنقها منه.
هي تعلم جيدًا بأنه قادر على فعل ذلك التهور.
فقررت الذهاب إليه وإقناعه بالذهاب.
أبدلت ملابسها وتسللت من الباب الخلفي، فتجده منتظرها بعيدًا نسبيًا عن المنزل.
هزت رأسها بيأس منه، ثم توجهت إليه وهي تتمتم بحنق:
_حد قالك إنك مجنون.
هز رأسه بنفي وتحدث بهدوء:
_لأ ولا مرة، أول مرة أسمعها منك.
اغتاظت أكثر من بروده، وخاصة عندما تابع ببساطة:
_يلا بسرعة لإني فعلاً جعان أوي.
_قولتلك مينفعش، لازم تمشي دلوقتي عشان محدش ياخد باله.
تحدث بإصرار:
_اركبِ انتِ وخلّينا نمشي قبل ما الحد ده ياخد باله.
زمت فمها بغيظ منه واستدارت لترحل كي لا تقوم بقتلـ ـه، وهي تقول:
_براحتك بقات.
رجل ليجذبها من ذراعها يمنعها:
_سيلا متتعبنيش، أنا لسة مفقتش من النوم ومحتاج أفضل معاكي شوية.
وقفت أسيل حائرة أمامه، فلهجته ترجوها أن توافق، وهي خائفة من الذهاب معه في ذلك الوقت.
وعندما لاحظ خوفها تحدث بلهجة بثت الاطمئنان بداخلها:
_طول ما انتي معايا متخافيش من حاجة، لو خفتي من الدنيا كلها أنا لأ.
تطلعت إليه بعينيها لتنفي حديثه قائلة:
_بس أنا مش خايفة منك انت، أنا بثق فيك أكتر من أي حد.
قطب جبينه بحيرة وسألها:
_اومال خايفة من مين؟
اهتزت نظراتها عندما تحشر في الزاوية وتمتمت بخفوت:
_مفيش حد.
_يبقى خلاص تيجي معايا، واوعدك مش هنتأخر.
وافقت أسيل وذهبت معه، ولم تنتبه لتلك العيون التي تراقبها.
أخرج هاتفه ليخبرها:
_أيوه يا هانم، هي خرجت دلوقتي معاه، كان مستنيها قدام الباب الوراني.
انفعلت شاهي وقالت بغضب:
_ومقولتش من بدري ليه؟
_يا هانم مكنتش اعرف غير دلوقتي، لولا إني كنت بمشط الفيلا مكنتش هاخد بالي.
فكرت شاهي قليلاً ثم قالت:
_طيب اسمعني كويس ونفذ اللي هقولك عليه.
❈-❈-❈
أوقف داغر السيارة أمام منزله، مما جعلها تنظر إليه باحتدام، لكنه طمأنها قائلاً:
_متخافيش، أنا وعدتك إننا مش هندخل جوه. أنا هستناكي هنا وأدخلي انتي اعملي الأكل، كل حاجة موجودة في المطبخ، وإن احتاجتي حاجة رنّي عليا.
تمتمت أسيل بتردد:
_بس…
_بس ايه تاني؟ أنا قولتلك نتعشى في اليخت قولتي لأ، طلبت نتعشى في مطعم قولتي حد يشوفنا. اعمل ايه تاني.
التزمت الصمت قليلًا ثم تحدثت بجدية:
_توعدني إنك مش هتدخل لأي سبب من الأسباب.
أيد قولها:
_أوعدك إني مش هدخل لأي سبب من الأسباب. ها حاجة تاني؟
أخرج المفتاح من سترته واعطاه لها:
_ده المفتاح، وأنا هجهز المكان على البحر هنا لحد ما تخلصي.
وافقت أسيل وأخذ المفتاح ودلفت من البوابة الرئيسية، حيث فتح لها الحارس قبل أن يترك المكان ويرحل.
دلفت أسيل المطبخ وشرعت في إعداد الأطعمة التي طلبها داغر.
لم تستطع العمل وحدها وأرادت مساعدة منه.
لكنها لن تفعلها.
ظلت تضغط على نفسها حتى يأست وأمسكت هاتفها كي تحدثه:
_ممكن تيجي دقيقتين وتخرج تاني.
لم يجيبها وأغلق الهاتف، وفي ثوانٍ معدودة كان يدلف المطبخ وهو يغمغم بتعند مصطنع:
_هما الستات كدة يغرقوا في شبر ميه، مش بيعرفوا يعملوا حاجة لوحدهم.
خلع سترته ورفع أكمامه وهو يسألها:
_خير، اعمل السلطة ولا أغسل المواعين.
ضحكت أسيل وأشارت على الطاولة:
_اه السلطة وتشوح اللحمة.
تطلع إليها بغيظ:
_يعني لغيتي السمك. ماشي يا ستي، اعمل السلطة الأول وبعدين نشوح اللحمة عشان متبردش.
جلس على المقعد وأخذ يعدها وهو ينظر إليها بنظرات عاشقة.
لم يعترف بالحب يومًا، ولم يتخيل بأن يعيش تلك اللحظات ومع ذلك الجمال المرتسم أمامه.
كم تمنى أن تكون زوجته الآن وهو يقف بجوارها يساعدها.
نفى ذلك وشرد بأشياء أخرى.
بأن يقترب منها ليغلق المقود ويحملها بين يديه ويصعد بها غرفتهما.
تمنى ذلك بكل الحب الذي يحمله بداخله لها.
لكنه أحجم تلك الرغبة وتطلع إلى السلطة يشغل نفسه بها.
انشغلوا بإعداد الطعام حتى انتهوا في فترة وجيزة، فسألها داغر:
_ايه رأيك نتعشى هنا، بدل ما نطلع الأكل وندخله.
محى الخوف من داخلها وحل مكانه الأمان.
فقد استطاع داغر تعويضها بكل ما حرمت منه، كأنه عوضها عن ذلك العذاب الذي عاشته.
_خلينا هنا أحسن.
رمقها داغر بابتسامة تؤكد لها بأنه سيظل على ثقتها به ولن يخذلها يومًا.
شرعوا في تناول طعامهم وهم يتحدثون في أمور عديدة حتى انتهوا.
كان الوقت يمر دون أن يدرون بذلك، ولا أحد منهم يعلم شيئًا عن أحقاد تترصد لهم.
ساعدها داغر في غسل الأطباق، وأعاد باقي الأطعمة للمبرد، فقد أخبرها بأنه لن يترك شيئًا منه.
وقد استطاعت حلاوة كلماته تلك المرور إلى قلبها البض، فتزداد سعادتها.
أعدوا أخيرًا مشروبهم وناولته إياه قائلة برجاء:
_خلينا نشربه في العربية لإني أخرت أوي.
أومأ لها داغر بتفاهم وقال:
_طيب ثواني هطلع أجيب حاجة من اوضتي وأجيلك، نمشي على طول.
توقف بعد أن سار خطوتين والتفت إليها قائلاً ببراءة مزيفة:
_بقولك ماتيجي معايا أفرجك على الأوضة.
هزت رأسها بيأس منه ولم تجيبه.
فقال بملاوعة:
_انتِ الخسرانة، أنا بقول لو محتاجة تعديل تعرفيني ولا حاجة.
ابتسمت أسيل على ملاوعته ولم تجيبه، أخذت تتجول في صالة المنزل الكبير، تنظر إلى طرازه الهادئ.
وهو بنفس حجم منزلها، لكن منزلها يفقد الدفء الذي شعرت به عندما دخلت إلى ذلك المنزل.
راحة وطمأنينة لم تشعر بها من قبل، حتى في منزل جدها في إيطاليا.
انتفضت أسيل من اليد التي امتدت إليها، فانسكب المشروب على الأرض.
_بسم الله، ايه يا سيلا مالك خفتي كدة ليه؟
أخذ الكوب منها وشعرت هي بالإحراج من نفسها:
_لا أنا بس اتخضيت مش أكتر.
_خلاص هعملك غيره.
دلف داغر ليعد مشروب آخر، ولفت نظر أسيل غرفة على يمينها مغلقة بلوحة تحكم.
تقدمت منها وهي تنظر إليها بحيرة، رفعت إصبعها لتضعها على اللوحة، فيوقفها صوت داغر:
_لو ضغطتي عليه هتسمعي صوت مش هيعجبك أبدًا.
تراجعت أسيل وهي تنظر إليه بحيرة.
ناولها داغر الكوب وقال بتوضيح:
_أي إيد بتلمسه غيري بيشتغل جهاز الإنذار على الفون بتاعي أو عميل.
طلعت إلى داغر بحيرة وسألته:
_ليه؟
_تحبي تدخلي تشوفي بنفسك؟
جعلها الفضول تومئ له، فقام داغر بالضغط على الأزرار، فتنفتح الغرفة، ويسبقها للداخل كي يشعل الأضواء، ثم أشار لها بالدخول.
دلفت أسيل لتنبهر عينيها برؤية تلك الأشياء المرصوصة بعناية على جانبي الغرفة.
سارت قدماها رغم الذهول الذي يعتريها، وأخذت تشاهد تلك التحف العجيبة.
ما بين ساعة رملية تعد من العصور الوسطى، وخنجر صغير مُطعم بأحجار كريمة، ومحار بكل أحجامه وأنواعه ويحتوي على لؤلؤ يكلف ثروة، وأخرى لوحة لطفلة تنفخ في الرماد فيتحول لفراشات جميلة، والكثير والكثير.
تطلعت إلى داغر وهي تقول بانبهار:
_كل ده لقيته في البحر؟
كان مستمتعًا بانبهارها ورد بإيماءة صغيرة:
_امم.
تقدم منها وهو يرفع أمامها صندوقًا صغيرًا وفتحه أمام عينيها وهو يقول:
_ودي كانت آخر حاجة لقيتها.
اتسعت عينيها وهي تشاهد بوصلة ذهبية داخل ذلك الصندوق، فترفع يدها تخرجها منه منبهرة بجمالها، وتمتمت برهبة:
_دي جميلة أوي يا داغر.
تقدم منها داغر خطوة وتمتم بوله:
_الجميل للجميل، دي هديتي ليكي، مش قولتلك كل سفرية أجيبها عنك بهدية؟
انفرج ثغرها بذهول ونقلت بصرها بينهما وهي تقول:
_بس دي غالية أوي يا داغر.
تقدم منها خطوة أخرى ليرفع خصلة أخفت وجهها عنه ويضعها خلف أذنها وهو يتمتم بولع:
_ولو قولتلك تقبلي كل التحف دي مهر ليكي تقبلي؟
اهتزت نظراتها وشعرت بأن قدميها أصبحت كالهلام لا تقوى على حملها.
هل يطلب منها الزواج؟
هل ستنتهي معاناتها وتبتسم لها الحياة أخيرًا؟
تطلعت إلى عينيه التي ترمقها بحب، وللوهلة شعرت بالخوف.
هل حان الأوان لانتهاء معاناتها أم أن هذه اللحظات تعد السكون قبل العاصفة.
أقلقه صمتها وخشية بداخله من أن تكون رافضة لطلبه، لذا رفع كفه ليحتوي به جانب خدها وتمتمت بحب جارف:
_وافقي يا سيلا، وأوعدك إن عمرك ما هتندمي.
تجمعت العبرات بعينيها مما جعله يشعر بالخوف عليها وسألها بحيرة:
_ليه الدموع دي؟
سقطت دمعة أحرقته قلبه وهي تتمت بحزن:
_خايفة؟
_من ايه؟
اهتزت نظراتها عندما انتبهت لقولها، لا تريد أن يعرف شيئًا عن جحيمه، لا تريده أن يعرف بأنها شيء منبوذ لا يحق لها أن تفرح.
تخشى إن علمت زوجة والدها تقنعه بالرفض وتلتف حول عنقها حبال الغدر.
لن تتحمل بعدها عنه بعد ما أذاقها حلاوة عشقه.
هل تؤجل ذلك القرار حتى تنعم بعشقه قبل أن يُحكم عليهم بالفراق؟
صمتها جعل الخوف يتملك منه، لذا سألها:
_أسيل انتي مخبية ايه عني؟
رمشت بأهدابها وحاولت التهرب منه، لكنه احتوى وجهها بين كفيه يجبرها على مواجهته وسألها:
_أسيل أنا كنت صريح معاكي من البداية وحكيتلك كل حاجة من غير ما أخبي، ليه انتي محاوطة نفسك بجدار وخايفة تتكلمي عن حياتك، سيلا أنا بحبك…
بوغت داغر عندما وجدها ترفع ذراعيها لتحيطه وتنخرط في البكاء وهي تشدد من احتضانه.
تمزق قلبه من حالتها وازداد قلقه عليها.
ظل يمسد على خصلاتها حتى هدئ نحيبها وهو يقسم بأنه سيعوضها عن كل تلك الدموع التي تذرفها.
لا يريد أن يعرف شيئًا عن حياتها قبل معرفتها.
هو يعشقها ويشعر بعشقها له، لذا لا يريد شيئًا آخر.
أبعدها عنه قليلًا وهو يقول بمزاح أراد به التخفيف عنها:
_لا بقولك ايه ابعدي أحسن، إحنا لوحدنا والشيطان شاطر.
ضحكت أسيل وارتدت خطوة أخرى وقد تداركت الموقف، حتى أنها لا تعرف كيف أتتها الجرأة لفعلها، فقالت وهي تمسح دموعها:
_داغر أنا لازم أروح دلوقتي، أخرت ومقولتش لدادة.
وافق داغر وخرجوا من الغرفة، وأخذ مفاتيحه وخرج معه.
توقف السيارة أمام المنزل وتطلعت إليه أسيل متمتمة برهبة:
_داغر مينفعش تأجل موضوع الارتباط دلوقتي.
تعجب داغر من قولها وسألها:
_ليه يا سيلا؟ إحنا نعرف بعض من تلات شهور ودول كفاية أوي.
التزمت الصمت قليلًا ثم تحدثت برجاء:
_خلاص خليها الأجازة الجاية.
تنهد داغر بتعب:
_اللي تشوفيه، أصلاً عمي عايز يشوفك الأول.
ابتسمت أسيل لذكره وقالت:
_أنا كمان نفسي أتعرف عليه.
_خلاص هحدد معاه ميعاد الأجازة دي وتشوفيه، والأجازة الجاية هخليه يطلبك.
ترجلت أسيل وانتظر داغر حتى تدلف، لكنها تفاجأت بما حدث.
وقفت تحاول فتح الباب، لكن يبدو أن أحدًا أوصدَه من الداخل.
أخرجت هاتفها كي تتصل بأمينة لتفتحه، لكن هاتفها قيد الإغلاق.
رن هاتفها وقد كان داغر، لابد أنه قلق لعدم دخولها.
_أيوه يا داغر، الباب اتقفل من جوه.
_طيب اتصلي على دادة أمينة تفتحه.
ردت بقلق وهي تحاول فتحه مرة أخرى:
_فونها غير متاح، مش عارفة أعمل ايه.
_طيب أنا هجيلك وأحاو…
قاطعته أسيل بخوف:
_لا اوعى تيجي، أنا جيالك.
عادت إلى السيارة وقالت بقلق:
_وبعدين أعمل ايه؟
تنهد داغر وشعر بالذنب تجاهها وقال:
_طيب حاولي تاني يمكن تكون فتحته.
_حاولت كتير ومفيش فايدة.
هم بالترجل وهو يقول:
_طيب هحاول أنا.
منعته بخوف:
_لأ خلاص خلينا هنا لحد ما تقوم وتفتح فونها.
ازداد الخوف بداخلها عندما تذكرت اتصالات والدها:
_بس خايفة بابا يتصل.
_لو اتصل كانت دادة أمينة كلمتك، متقلقيش.
ضغط على الزر كي يرجع ظهر المسند للخلف وهو يقول:
_نامي براحتك وأنا هتابعها بالفون لحد ما تفتحه.
كانت تشعر بالنعاس حقًا، وقام داغر بتشغيل المدفئة وقال بحنو:
_متقلقيش يا حبيبتي ونامي.
رغم رغبتها الشديدة في النوم، إلا أن القلق حال دون ذلك.
❈-❈-❈
عاد سليم من الخارج في وقت متأخر كعادته.
جلس في حديقة المنزل وأسند رأسه على ظهر المقعد خلفه، ربما يخفف ألم رأسه ولو قليلاً.
كانت تراقبه من بعيد كي تملي عينيها منه.
لم تلتزم بوعدها له بأن لا يرى أحدهم الآخر.
فعندما طلبت منه الذهاب للبحث عن عمل آخر رفض ذلك وأصر على بقائها شرط ألا تظهر أمامه.
التزم هو بوعده، لكنها لم تستطع الالتزام مثله.
واكتفت بالنظر إليه من بعيد دون أن يدري.
هكذا خيل لها، ولا تعرف بأن ذلك القلب الجليدي كما تلقبه يشعر بأنفاسها الثائرة وهي تراقبه.
من قال أنه لا يراها.
إن كانت عينيه لا تراها، فإن قلبه يراها وبكل جوارحه.
أغمض عينيه بشدة، لا يعرف لما تكابلت عليه مصاعب الدنيا.
والدته التي طردت من منزلها بتهمة لم ترتكبها وهو ظل صامتًا لحكم صغر سنه.
وأخته التي تقهر أمامه ولا يستطيع فعل شيء لها.
والفتاة الوحيدة التي أحبها يقف صامتًا أمامها ولا يستطيع حتى التقرب منها.
يتذكر حينما ترجته أن يترك كل شيء ويبدأوا معًا حياة جديدة بعيدًا عن قسوة ذلك المكان.
لكنه أبى الرضوخ.
لم يكن الأمر كما ظنت بأنه اختار حياة الرغد عنها، لكن هو فعل ذلك كي يحميها من بطش والده.
لن يرحمها، وربما يترك الأمر لزوجته لتدمرها كما دمرت والدته من قبل.
نهض كي يرحمها ويرحم نفسه من عذاب قربه.
لكن ما إن نهض وهم بالدخول إلا إنه وجدها تتقدم منه وهي تحاول شتى الطرق أن تبعد عينيها عنه، حتى وقفت أمامه وقالت دون النظر إليه:
_لو سمحت يا سليم بيه، عايزة حضرتك في موضوع.
لم يتحرك جبل الجليد، بل ثبت نظراته عليها وهو ينتظر ما تود التحدث بشأنه، فقالت هي:
_أنا لقيت شغل مناسب واتقبلت فيه وهبدأ من بكرة.
لم تتبدل نظراته، بل ظلت باردة كما حالها دائمًا، ثم قال باقتضاب بعد صمت دام للحظات:
_لأ.
رفعت عينيها إليه وسألته:
_ليه؟
_عشان أنا قلت لأ.
هم بالانصراف، لكنها وقفت أمامه تمنعه:
_مش هسمحلك تمشي إلا لما تقولي ليه.
طافت عينيه على ملامحها التي دائمًا بالنسبة له كتاب مفتوح وسألها:
_انتي عايزة تشتغلي ليه؟
رمشت بعينيها مرات متتالية عندما بوغتت بسؤاله وتمتمت بتهرب:
_لأنه مشغل كويس و… وهكون مرتاحة فيه.
_وانتي ايه اللي تعبك هنا؟
تعلم جيدًا أنها لن تستطيع مجاراته، لذا قالت بجمود:
_أنا اخدت قراري ومن بكرة أنا هسيب الفيلا وأروح الشغل الجديد.
نيران تشتعل بداخله، لكنه لن يخرجها، لإن فعل ستحرقها بلهيبه، لذلك ظل فاترًا وهو يقول:
_ولما انتي اخده قرارك جاية تقولي ليه؟
أشاحت بوجهها بعيدًا عنه وقالت بفتور مماثل:
_عشان ميحصلش زي المرة اللي فاتت.
_وايه اللي حصل المرة اللي فاتت؟
احتقن وجهها عندما تذكرت كيف تهجم على صاحب المطعم عندما حاول التقرب منها، وشاهد هو الموقف.
لذا أنهال عليه بالضرب حتى أخذت ترجوه حتى لا يقتلـ ـه بيده.
وجذبها حينها من ذراعها حتى كاد أن يخلعه من موضعه وأعادها إلى المنزل.
ازدردت لعابها بصعوبة وتمتمت برهبة:
_رجعتني تاني.
_بما إنك عارفة قراري يبقى اتفضلي على مكانك.
تخطاها ورحل، ولم يفلح نداءها بلفت نظره حتى.
وكعادته يفرغ غضبه في غرفة الرياضة، وكلما ازداد غضبه؛ كلما اشتد تعنفًا على الآلات حتى ينهكه التعب ويأخذ حمامًا باردًا ويستلقي على فراشه لينام من شدة إرهاقه.
❈-❈-❈
نظرت أسيل إلى داغر الذي يتظاهر بالنوم وقالت بخفوت:
_داغر.
غمغم داغر بنومه:
_امم.
_انت نمت؟
_بحاول.
فتح عينيه وتطلع إليها ليقول بمكر:
_بصراحة وجودك معايا في مكان مقفول صعب أوي، بحاول أنام عشان أترحم شوية.
ضحك داغر عندما زمت فمها بغيظ، ثم اعتدل ليشغل محرك السيارة، فسألته وهي تعتدل:
_بتشغل العربية ليه؟
قال بمكر وهو يغمز بعينيه:
_ما قولتلك وجودنا كدة غلط، خلينا نقعد على البحر شوية.
لم تعترض لأنها شعرت بالضيق من تواجدهم بالسيارة.
عاد بها إلى المنزل وهو يقول:
_خلينا نقعد على البحر شوية.
شعرت بنسمة باردة عندما فتح باب السيارة، فقالت:
_بس الجو برد أوي.
_هدفيقي متخافيش.
ترجلت أسيل وانتظرت داغر الذي دلف لمنزله وعاد بعد قليل حاملًا أغطية خفيفة، فيضع أحدها على كتفيها وهو يقول بثقة:
_دي هتدفيكي.
وفرش الأخرى على الرمال ليجلسوا عليها.
سألته أسيل:
_انت مش هتجيب واحدة ليك.
_لا يا ستي أنا متعود على الجو ده، متخافيش عليا، وبعدين أنا كتير أوي باجي بعد الفجر عشان أشاهد الشروق، بيبقى ليها متعة رهيبة.
_أنا بقى عكسك في النقطة دي، بحب الغروب أكتر.
_طيب ايه رأيك نشوفه مع بعض وتحكمي الشروق أفضل ولا الغروب.
ضيقت أسيل عينيها بشك:
_بترسم على ايه سيادتك.
ضحك داغر ورد بتصحيح:
_ايه رأيك بقا إني أول مرة يكون غروري شريف.
زمت فمها بغيظ:
_أول مرة؟
هز كتفيه باستسلام:
_للأسف وقعت بلساني.
هزت رأسها بيأس منه، ثم نظرت للبحر أمامها، وقد كان هادئًا على غير عادته.
اقترب داغر منها وهو يتظاهر بالبرد:
_ما تخديني تحت الكوڤيرتا لأن الجو برد أوي.
تشبثت أسيل بها وهي تضمها إليها وتمتم بغيظ:
_لأ ادخل هاتلك واحدة غيرها.
ضغط على شفته ثم قال بمكر:
_أصل الكوڤيرتا دي كبيرة وتسيع من الحبايب ألف، وإحنا يادوب اتنين وقريب هنكون واحد.
هزت رأسها بالنفي دون قول شيء، مما جعل داغر يتسطح على ظهره وهو يغمغم:
_خلاص، إن جاني برد يبقى ذنبي في رقبتك، وخصوصًا إني هسافر بعد تلات أيام.
قطبت جبينها بدهشة وسألته:
_انت هتنام هنا؟
وضع ذراعه أسفل رأسه ورد ببساطة:
_اه، ايه الغريب فيها؟
_هتبرد.
_ولما انتي عارفة كدة رافضة تدفيني ليه؟
تعبت من الجدال معه كحالها دائمًا.
لذا ظلت على رفضها ولم تبالي.
بعد لحظات لاحظت أسيل أن انفاسه بدأت تنتظم، مما يدل أنه نام حقًا.
أخذتها فرصة لتتأمل ملامحه.
عينيه الرمادية التي تشبه الغيوم، وأنفه المستقيم الذي يزيده شموخًا.
أما فمه فهو قصة أخرى وسط لحيته النامية.
دون إدراك منها وجدت نفسها تستلقي على جانبها بجواره، وما زالت شاردة في محياه الأخذ.
لقد وجدت به كل شيء.
حب وحنان واهتمام وأمان.
كل ما فقدته وجدته معه.
فهل سيبخل عليهم الزمن أم يتركهم هانئين بعشقهم.
لا تعرف متى تسللت ذراعه أسفل رأسها ولا كيف تشاركا الغطاء.
كل ما تعرفه أنها استيقظت على صوت هاتفها قبيل الشروق، فتجد نفسها في هذا الوضع.
انتفضت أسيل في رقدتها واخذت تبحث عن هاتفها الذي يصدح في المكان.
استيقظ داغر ليجدها تمسك هاتفها وتجيب عليه:
_أيوه يا دادة.
صدح صوت أمينة خارج الهاتف وهي تعنفها:
_انتي فين يا أسيل؟
وقفت أسيل وهي تتمتم بوجل:
_أ..أ..أنا ..
_انتي ايه انطقي.
لم تستطع الرد وهي تنظر لداغر بعتاب آلمه.
نهض ليأخذ منها الهاتف وأجاب هو:
_متقلقيش يا دادة، أسيل معايا دقيقة بالظبط وتكون عندك.
_معاك في وقت زي ده بتعمل ايه؟
نظر إلى أسيل التي شحب وجهها، ثم رد برتابة:
_إحنا خرجنا امبارح وجيت ارجعها لقينا الباب مقفول، حتى حاولنا نكلمك لقينا فونك برضه مقفول، مكنش ينفع أسيبها كدة، ومتخافيش أنا أكتر واحد بيخاف عليها ومستحيل أعمل حاجة تضرها.
لم تتقبل حديثه وقالت بحدة:
_ازاي بتقول إنك مستحيل تعمل حاجة تضرها وانت تصرفاتك كلها ضرر. لو حد من اهلها شم خبر أسيل مش هتعيش ثانية واحدة بعدها.
كانت أسيل تستمع لصوت أمينة والخوف ظهر واضحًا عليها، حتى إنها حاوطت نفسها بذراعيها.
فقال بتفاهم:
_خلاص أوعدك إن دي هتكون آخر مرة، والأجازة الجاية هدخل البيت من بابه.
هدئت نبرة أمينة عندما لاحظت صدق كلماته:
_خلاص رجعها بسرعة قبل ما باباها يتصل.
أغلق الهاتف وأعاده إليها، ثم استقلوا السيارة وذهبوا إلى المنزل.
ترجلت أسيل من السيارة وهي تشعر بانقباضة في قلبها، لا تعرف سببًا لها.
لم تنظر إلى داغر ولم تحدثه، وأسرعت بفتح الباب والدخول، وقد تناست أمر هديته التي تركتها في السيارة.
دلفت لداخل المنزل فتتفاجأ بمن يجلس على المقعد يضع قدم فوق الأخرى، والجميع حوله واقفين في سكون تام.
رواية جبل النار الفصل الخامس عشر 15 - بقلم رانيا الخولي
استيقظت وعد في الصباح على صوت شهد.
"وعد قومي."
فتحت وعد عينيها بتكاسل وهي تسألها بنعاس.
"ايه يا شهد سيبيني انام."
جذبت عنها الغطاء وقالت بغيظ.
"تنامي ايه قومي عشان تحضري الفطار."
جذبت وعد الغطاء منها وقالت بضجر.
"يا بنتي حسين بيه ومراته سافروا اسكندرية هعمله لمين."
"تعمليه لسليم بيه يا فالحة."
اندهشت وعد لاسمه واعتدلت في الفراش لتسألها بتعجب.
"هو قالك انه هيفطر هنا؟"
"ما انا استغربت زيك كدة بس هو طلب مني اقولك تحضري له الفطار وتطلعيه اوضته."
تنهدت ونهضت مجبرة لعلمها جيدًا سبب استدعائه لها.
أعدت وعد الإفطار وصعدت به لغرفته ودلفت حينما سمح لها بالدخول.
كان جبل الجليد كما تلقبه واقفًا أمام المرآة يرتدي ساعته بهدوء.
وضعت الطعام على الطاولة وهمت بالانصراف لكن صوته الحاد منعها.
"أنا مسمحتش ليكى انك تخرجي."
ضغطت وعد على شفتها السفلية تحاول التحلي بالثبات مثله فاستدارت إليه لتسأله.
"عايز حاجة تاني حضرتك؟"
استدار يتطلع للطعام أمامه ثم عاد بنظره إليها وسألها.
"انتي عارفة إني بفطر بدري كدة؟"
حافظت على إبعاد عينيها عنه وردت بجمود.
"لأ."
"اومال جيباه ليه؟"
اندهشت من طريقته معها وذلك جعلها ترفع بصرها إليه لتسأله.
"ممكن أفهم حضرتك عايز توصل لإيه؟"
التزم الصمت قليلًا وهو يرمقها بنظراته الفاترة قبل أن يباغتها بكلماته.
"انا مش قولتلك متظهريش قدامي لأي سبب من الأسباب؟"
اهتزت نظراتها وقد شعرت بأن الهواء انسحب من الغرفة عندما تذكرت حديثه معها.
"إياك تظهري قدامي لأي سبب من الأسباب لأنك لو عملتيها مش هبقى مسؤول عن اللي هيحصل."
ازدردت جفاف حلقها ليس خوفاً منه بل خوفاً عليه.
هي تعلم جيدًا بأنه لن يؤذيها مهما تطلبت مشاعره لكن هي تخشى عليه من لوعة قلبه الذي لا يرحمه.
مهما أخفى عليها لكنها تعلم مدى حرقة النيران المشتعلة بداخلها.
مجرد تهديد كي يجعلها تخاف من الظهور أمامه لكن هو لن يؤذيها ولن يفعلها يومًا.
أغرقت عيناها بالدموع ودون ارادتها رفعت عينيها إليه لتسأله بحيرة.
"لأمتى؟"
تظاهر بعدم فهم وأجاب سؤالها بسؤال.
"لأمتى أيه؟"
قطبت جبينها بحيرة.
"لأمتى هتفضل حابسني كدة."
لم يتبدل حاله بل ظل على وجومه وتابعت هي ببراءة.
"ليه رابطني جانبك؟ سيبني اعيش حياتي بعيد عن سجنك ده يمكن ألاقي اللي يعوضني."
توهجت النيران داخل عينيه قبل أن يحكمها سريعًا وسألها بتهديد مبطن.
"عايزة تبعدي عشان تتجوزي وتعيشي حياتك؟"
تداركت وعد حديثها وما فهمه منه وصححت قائلة.
"انا مقصدش اللي فهمته العوض عمره ما كان في شريك الحياة. أحياناً بيكون حاجات تانية بعيد عن اللي فهمته."
لم يفلح تبريرها في اخماد النيران التي اشعلتها بعفوية حديثها.
يعلم جيدًا مدى براءتها لذا اصر ان تبقى تحت عينيه كي لا تذوق مرارة الحياة ووحدتها.
تحدث بغموض.
"قريب أوي هسمحلك، بس لحد ما ييجي اليوم ده مش عايزك تظهري قدامي وتهديدي المرة دي مش مجرد تهديد ياريت تلتزمي بيه."
لأول مرة تشعر بالخوف منه لذا انسحبت بهدوء تحمل الطعام لتخرج به لكنه منعها بحزم.
"سيبي الفطار وأخرجي."
أومأت له وخرجت مسرعة وقلبها ينبض بقوة.
أسرعت بالذهاب إلى غرفتها وألقت بنفسها على الفراش وتترك العنان لى دموعها.
لقد وافق على بعدها.
سيجعلها ترحل دون عودة غير عابيء بمرارة فراقه عنها.
كيف بإمكانها التحمل.
لقد ظنت أن تلك الطريقة ستجعلها تنساه لكن عندما وافقها شعرت بمرارتها قبل ان تذوقها.
ألجمتها الصدمة وقد تصنمت مكانها عندما تفاجئت به جالسًا على المقعد وملامحه لا تبشر بخير مطلقًا.
شعرت بأن الدنيا تلتف بها وخاصة عندما وجدته يتقدم منها بعد أن أشار للجميع بالانصراف ووقف أمامها لينسحب الهواء من المكان.
همت بالتحدث لكن صفعة حادة تلقتها منه جعلتها تسقط على الأرض بقوة.
فتصاب بالزعر عندما مال عليها ليجذبها من خصلاتها ويهدر بها بسخط.
"بقا جايه هنا عشان تدوري على حل شعرك وتجبيلي العار زي أمك ما عملت."
صرخت بألم عندما جذبها من شعرها ليجبرها على الوقوف وقال بهدر.
"كنتي فين ومع مين؟"
صرخت بألم أشد عندما شدد من قبضته عليها وصاح بها.
"قولي كنتي فين؟"
نهضت شاهي من مقعدها وابتسامة متشفية مرتسمة على وجهها وانسحبت من المكان.
بكت أسيل وتمتمت بتوسل.
"أقسملك إني كنت على البحر."
هدر بها.
"مع مين؟"
بكت أسيل بحرقة وقالت بألم.
"لوحدي."
ضرب رأسها في الطاولة أمامها وصاح بسخط.
"وإزاي تخرجي وانا منعك من الخروج وكمان بالليل."
ازداد بكاءها من شدة الألم الذي كاد يقسم رأسها نصفين وتمتمت بنحيب.
"انا مخرجتش غير الفجر لما قلقت ومجليش نوم."
كان كذبها لأجل أن تحميه فإن علم بأنها تواعده فلن يرحمه لذا كان عليها ان تواصل كذبها لأجله.
"صدقني دي الحقيقة ومش هتتكرر تاني."
ضربة أخرى وفي نفس المكان وهو يهدر بعنف شديد.
"كنت عارف إن لو سيبتلك وغمضت عيني عنك هتعملي زي أمك بس اعملي حسابك هترجعي القاهرة وتتحبسي زي الكلاب في الأوضة حتى الشمس مش هتشوفيها."
اومأت له كي ترحم نفسها من ذلك العذاب ثم ازاحها من أمامه فتلتقفها أمينة قبل ان تسقط على الأرض مرة أخرى وقال بغضب.
"خمس دقايق تكون غيرت هدومها وتجبيها العربية."
أومأت أمينة وأسندتها لتصعد بها للغرفة.
بعد مرور عشرة أيام.
التاع فيهم داغر وهو يحاول الاتصال بها بشتى الطرق.
لم ينسى هيئتها وهي مستندة على أمينة وتساعدها على الصعود للسيارة.
فعلم حينها بأنها وقعت ببراثن والدها.
شعر بالذنب تجاهها لكن قضي الأمر وعليه أن يخطو الخطوة التي أجلتها بنفسه.
لن ينتظر أكثر من ذلك.
كان مصر على طلبه في اليوم التالي لكن عمه نصحه بالتروي.
فإن تقدم الآن سيزرع الشك في قلب والدها وطلب منه الانتظار حتى الأجازة القادمة.
ومنذ ذهابه وهو يحاول الوصول إليها لكن هاتفها قيد الاغلاق.
القلق ينهش قلبه دون رحمة ولا يعرف ماذا يفعل.
وقف على سياج الباخرة فشعر بيد يحيى على كتفه وهو يقول بمزاح.
"تصدق شمتان فيك."
رمقه داغر باستياء.
"ليه إن شاء الله."
"اصلك كنت عملي فيها سبع كدة ومفيش واحدة عجباك، وحب ايه وكلام فارغ ايه وكلام كتير كدة وانت من أول نظرة وقعت زي الجردل."
تنهد داغر وهو ينظر للمياه أمامه.
"تصدق عندك حق، البنت دي زي ما تكون سحرتلي، بقيت بنام واقوم موريش غير التفكير فيها. هشوفها أمتى، هقابلها إزاي، بقيت هي الشغل الشاغل بصحيح، بقول يمكن بعد الجواز الأمور معايا تهدى شوية واشتياقي ده يهدى شوية."
ابتسم يحيى وهو يتأمل البحر قائلاً.
"ومين قالك انها بتهدى بالعكس دي بتزيد أكتر. يعني انت دلوقت مهما كان قادر تتحمل فترة السفر، لكن بعد الجواز مش هتقدر تتحمله. مش هقولك عشان اللي بيجرب الحاجة مش بيقدر يستغنى عنها والكلام ده، تؤكفاية أوي إنك راجع وعارف إن في حد مستنيك وبيعد الساعات عشان ترجعله. ولما ترجع بتلاقي حضن ضافي بيضمك ويعوضك عن الغياب والبعد. اه الاحلام مبتبقاش وردية أوي لكن في حاجات بتخليك تعدي عشان اللحظات الجميلة دي. تلف وتدور وتكلم دي وتضحك مع دي بس في الآخر مفيش ادفى من حضنها."
كل ذلك وداغر يتخيل المشهد أمامه ويتخيلها تنتظر عودته وهي في غرفته وبأبهى طلة لها.
فيغلق الباب بقدمه ويسير بغير هواده إلى تلك الابتسامة التي تشق ثغرها فتلهب انفاسه ويشاركها معها ليحترق كلاهما بذلك اللهيب.
نفض رأسه من تلك الأفكار فربت يحيى على كتفه وهو يقول.
"روحت فين ياوحش؟"
تطلع إليه داغر باستياء.
"هو انا كنت ناقصك، شوف رايح فين."
ضحك يحيى وقال بهوادة.
"متضيعش وقت اكتر من كدة وروح لها من الباب لأنها متستحقش غير كدة."
تنهد داغر وقال.
"إن كان عليا عايز اتقدم من أول أجازة بس هي اللي مأجلة ارتباطنا بس الأجازة الجاية هحسم كل حاجة وهتقدم لو غصب عنها."
ربت يحيى على كتفه قبل ان يتركه.
"ماشي يا سيدي يبقى بس متنسناش من الدعوة."
في غرفة أسيل.
دلفت أمينة لتجدها مازالت مستلقية على جانبها في صمت مطبق.
فتحت أمينة النافذة لتضيء الغرفة فتحتج أسيل على ذلك قائلة بامتعاض.
"في ايه يا دادة عايزة أنام."
تقدمت منها وهي تقول بتعاطف.
"يا بنتي احنا بقينا الضهر واللي انتي بتعمليه ده غلط عليكي."
جذبت الغطاء عليها تخفي به وجهها وهي تغمغم باستياء.
"يعني هقوم اعمل ايه؟ سيبيني يا دادة الله يخليكي."
جلست على الفراش بجوارها.
"دا انتي بقالك عشر ايام على الحالة دي ايه مزهقتيش."
ابعدت أسيل الغطاء عنها واعتدلت في الفراش لتسأل أمينة.
"وبعد ما اقوم هعمل ايه؟ هفضل محبوسة في الأوضة لحد ما انام تاني."
ازداد تعاطفها معها فمنذ ما حدث وهي ممنوعة من الخروج حتى هاتفها سحب منها.
"قومي اتفرجي على الشاشة او حتى نتكلم مع بعض شوية."
ظلت أسيل تنظر إليها في سكون تام ثم قاطعته قائلة.
"نتكلم عن ايه؟ ايه اللي شوفته في حياتي حلو اتكلم عنه؟ ماما اللي اتحرمت منها وانا عندي سبع سنين؟ ولما احتاجتني روحتلها وهي بتموت ملحقتش اشبع منها؟ ولا الجحيم اللي عشته على ايد بابا وانا بتعامل بذنب أمي واللي أصلاً كان من تأليف مراته التانية وهو صدقه. اتكلم عن اهانته ليا ولا ضربه إن فكرت أخرج برة ولا ايه ولا أيه. الحاجة الحلوة الوحيدة في حياتي خلاص ضاعت مني."
تنهدت بتعب وتمتمت.
"سيبيني نايمة أحسن خليني أهرب من الجحيم ده."
عادت إلى وضعها مما جعل أمينة تقف عاجزة أمامها.
فقد ظهر الشحوب عليها وأصبحت تعاني من دوار مستمر حتى أوقات كثيرة تكاد تسقط أرضًا.
تنهدت بضيق شديد ثم خرجت من الغرفة فتجد سليم يتجه إلى غرفته بعجالة.
اوقفته قائلة.
"سليم."
توقف سليم ليستدير إليها ويقول بضجر.
"دادة لو هتفتحي موضوع أسيل تاني فأنا مشغول ومش فاضي لازم ارجع الشركة دلوقت، هي غلطت ولازم تتحمل نتيجة غلطها."
"بس انا مش بكلمك عن كدة، البنت دايخة طول الوقت من اثر الضربة اللي اتعرضت ليها على راسها."
صحح لها.
"تقصدي من النوم المستمر مش أكتر، بعد اذنك."
تركها ودلف غرفته ولم تجد أمامها سوى أن تظل هي بجوارها كي لا تتركها تستسلم لحالتها.
أما شاهي فقد كانت سعيدة بما حدث وشعرت بأنها على وشك الخلاص منه.
لكن بقاءها في غرفتها دون التواصل مع حبيبها لن يجدي نفعًا.
عليها أن توارب لها الباب كي تعاند وتذهب إليه عندما تتيح لها الفرصة وحينها ستقوم هي بدورها وتكون ضربة قاضية كي تتخلص منها إلى الأبد.
أخذت هاتف أسيل الذي وضعه حسين في خزانته وخرجت من الغرفة لتنادي.
"أمينة."
خرجت أمينة من غرفة أسيل.
"نعم يا شاهي هانم."
"أسيل صاحية ولا نايمة؟"
اندهشت امينة من سؤالها عنها وردت بحيرة.
"نايمة، ليه في حاجة؟"
"لأ مفيش، خلي حد من البنات يعملي فنجان قهوة."
أومأت لها أمينة وانتظرت حتى نزلت للاسفل ثم توجهت لغرفة أسيل.
دلفت فور ان سمحت لها أسيل والتي تفاجئت بها في غرفتها فقالت شاهي بثبوت.
"عاملة ايه دلوقت يا أسيل يارب تكوني أحسن."
لم تهتم اسيل لوجودها وعادت إلى وضعها وهي تجيب بنفور.
"اه بقيت أحسن بس مصدعة وعايزة أنام."
اغتاظت شاهي من ردها لكنها اخفت ذلك وألقت الهاتف على الفراش بجوارها وهي تقول بنفس ثباتها.
"انا قلت أجي ارجعلك الفون بعد ما طلبت من باباكي يسيبه."
تابعت بمكر ودهاء.
"وكمان خليته يسمحلك إنك تخرجي من الأوضة بشرط أنه ميصدفش خروجك وجوده ياريت تكوني فهمتي."
خرجت شاهي من الغرفة وأسيل تنظر في إثرها بوجوم.
هل ما قالته حقيقة أم هي لعبة من ألاعبيها.
غلبها الاشتياق وتطلعت إلى هاتفها بتردد دام للحظات ثم قامت بفتحه فتجده قد نفذ شحنه.
نهضت لتضعه في الشاحن اثر دخول أمينة التي تفاجئت به معها وسألتها بحيرة.
"إية اللي جاب التليفون معاكي."
ردت أسيل بوجوم ومازال الدوار يكتنفها.
"شاهي هانم."
قطبت جبينها بدهشة وسألتها بحيرة.
"وايه اللي خلاها تدهولك؟"
"بتقول إن بابا اللي سمحلها وكمان وافق إني أخرج من الاوضة بس وهو برة البيت."
لم تقتنع أمينة بحديثها وعلمت ان في الأمر مكر.
مرت أيام أخرى وأسيل تخرج من الغرفة أثناء غيابه عن المنزل.
لم يصادف خروجها سليم وكم كانت تود رؤيته لكنها معاقبة ايضًا منه.
هي تعلم جيدًا مدى طيبته وحنانه الذي أخفاه والدهم بداخله وحرج عليه اظهارهم.
لم تريد أن تجيب على اتصالات داغر المتكررة.
فقط اكتفت بارسال رسالة له تخبره بأنها بخير.
نعم اطمئن قلبه قليلًا لكن هو سيعود غدًا وعليه ان يقابلها كي يقنعها بالزواج منه.
ها قد عاد ولم يمر حتى على منزله بالإسكندرية بل توجه مباشرةً إلى القاهرة.
لن يضيع وقت أكثر من ذلك.
في منزل خليل بالقاهرة.
دلف داغر المنزل فيجد عمه جالسًا في مكتبه يراجع بعض القضايا.
دلف داغر وهو يقول.
"السلام عليكم."
رد خليل السلام وهو يصافحه ويقبل داغر رأسه.
"وعليكم السلام، حمد لله على السلامة أول مرة تعملها وتيجي على القاهرة مباشر كدة."
جلس داغر على المقعد وهو يجيبه.
"مش هلف وادور عليك انا عايزك تيجي معايا نخطب أسيل النهاردة."
تطلع خليل في ساعته وقال بهدوء.
"هتروح تطلبها من ابوها دلوقت ومن غير ما تاخد ميعاد."
تنهد داغر بضجر.
"عمي انت ليه بتعقد الأمور معايا."
ترك خليل الملف من يده وخلع نظارته ليضعها على المكتب امامه وتحدث بحكمة.
"انا مش بعقد الأمور ولا حاجة بس انا بتكلم بالعقل انك تتكلم معها الأول في طبيعة شغلك لأنها لازم تتفهم حاجة زي دي. ومتنساش إنها هتكون مشتتة بين هنا واسكندرية، أنا مش هقدر اتواجد في اسكندرية كتير لحكم شغلي وفي نفس الوقت مش هكون مطمن عليها وهي هناك لوحدها، وانت مصر إنك تعيش معها في اسكندرية. يبقى لازم توصل معها لحل الاول قبل ما تتقدم رسمي."
مسح داغر بيده على وجهه ولم يرتاح لرأي عمه، لكنه صائب وعليه حقًا ان يتحدث معها في هذا الأمر فقال بثبوت.
"تمام هحاول اوصلها واتكلم معها."
"طيب يلا اطلع اوضتك خدلك شاور وانزل عشان نتعشى مع بعض."
في اليوم التالي مساءً.
وقفت أسيل تنتظر عودة سليم.
عليها التحدث معه.
دلف بسيارته داخل المنزل وانتظرت حتى ترجل منها.
خرجت من غرفتها ووقفت تنتظر لكن ذلك الدوار عاد إليها تلك المرة وبقوة.
أخذت تبحث عن شيء تتمسك به لكن لم تسعفها قدامها على التحرك خطوة واحدة.
حاولت الوصول لمقبض الباب كي تتمسك به لكن يد سليم حالت دون سقوطها على الأرض.
وسألها بقلق.
"أسيل انتي كويسة؟"
لم تستطيع أسيل الرد عليه من شدة الدوار فحملها سليم بقلق ودلف بها غرفتها ليضعها على الفراش بقلق بالغ.
"نروح لدكتور؟"
هزت راسها برفض وتمتمت بوهن.
"لا شوية وهكون كويسة."
دلفت أمينة لتجدهم بتلك الحالة فسألتهم بقلق.
"في ايه؟"
رد سليم بثبوت.
"تعبانة ورافضة تروح للدكتور."
جلست على الفراش بجوارها وسألتها.
"نفس الدوخة؟"
أومأت بصمت وهي لا تقوى على فتح عينيها.
فتطلعت أمينة إلى سليم بقلق فقال بحزم.
"ساعديها تغير هدومها وخلينا نخدها المستشفى."
تمتمت أسيل برفض.
"قلت مش عايزة."
قالت أمينة باقتراح.
"هو حازم ابني جاي دلوقت نخليه يشوفها ويقول إن كانت محتاجة لدكتور ولا لأ."
أومأ سليم وخرج من الغرفة وكأنه يهرب من مشاعره التي اصبح في الآونة الأخيرة فاقد السيطرة عليها.
جاء حازم وعندما سمع لوالدته أصر على الذهاب بها إلى المشفى.
حاولت أسيل الاعتراض لكن حازم أصر قائلاً.
"لازم نروح المستشفى ونعمل اشعة عشان نعرف سبب الدوخة والصداع ده."
وافقت أسيل مرغمة وقامت أمينة بمساندتها.
خرجت السيارة من المنزل تحت انظار داغر الذي لم يرى أحد سوى حازم وأسيل فقط داخلها.
أعمته غيرته لتواجدها معه في السيارة مما جعله يضغط على المقود بقوة حتى ابيضت مفاصله.
في المشفى.
بعد عمل الأشعة عاينها الطبيب ثم طمئنهم.
"انا شايف كل حاجة تمام قدامي والصداع ده نتيجة الضربة اللي اتعرضت ليها. انا هكتبلها على أدوية تهدي الدوخة والصداع وان شاء الله يومين بالظبط وتبقى كويسة."
عادوا إلى المنزل وكان والدها وزوجته جالسين في بهو المنزل.
تطلع إليهم بسخط لخروجها دون علمه ولم يلاحظ حالتها.
فقال لسليم بحدة.
"في ايه ودي كانت معاك برة بتعمل ايه؟"
اخفضت أسيل عينيها بانكسار لاحظه سليم فقال بفتور.
"أسيل تعبت شوية وكنا عند الدكتور."
رد حسين بانفعال.
"تعبت يبقى الدكتور ييجي هنا هي متخرجش لأي سبب من الأسباب والكلام ده انا قايله يبقى مينفعش يتكسر تحت أي ظرف."
نظر سليم لأمينة وقال بثبوت.
"طلعيها يا دادة اوضتها ترتاح."
اخذتها أمينة وصعدت بها وانتظر سليم حتى دلفت الغرفة وأغلقتها ثم تطلع إلى والده وتحدث بجمود.
"مع احترامي لحضرتك بس مينفعش كلمتي انا كمان تتكسر في البيت ده، كلامك يتنفذ لو أنا مش موجود معها."
ازداد شعوره بالحنق لدفاعه عنها والذي كان بدافع مشاعره تجاهه.
لا وجود للمشاعر في قلب ابنه.
لن يفعل ويسمح له بالوقوع في خطيئة المشاعر كما فعل هو من قبل عندما أحب فتاة واعطاها كل شيء وفي نهاية المطاف قامت بخيانته.
اخذ ينظر إليه وهو يصعد للأعلى بعد أن القى تحذيره المبطن بأنه لم يعد ذلك الطفل المتحكم به.
وقد لاحظت زوجته ذلك لذا كان عليها أن تسكب المزيد من الوقود على النار وقالت بخبث.
"كل حاجة بدأت تخرج من بين ايديك يا حسين."
جملة قصيرة لكنها تعلم صداها جيدًا بداخله ونهضت لتتركه يحترق بناره.
عليه أن يحكم قبضته كي لا تنفلت الأمور من بين يديه.
ظل داغر يزرع الغرفة ذهابًا وإيابًا وهو يقبض على الهاتف بقبضته.
مازالت صورتها وهي معه بالسيارة مطبعه بعقله.
يعلم جيدًا بأنها لم تكن وحدها معه لكن تواجده معها يجعل غيرته الشديدة تشتعل حتى أصبحت كفوهة بركان.
حاول الاتصال مرة أخرى ليخرج تلك النيران بها ولم يكن يدري بأنها أجابت تلك المرة كي يعوضها عن ذلك الجفاء الذي عاشت به بعيدًا عنه.
لكنها تفاجئت به يصيح بها.
"كنت فين يا هانم مع الزفت ده؟"
لم تسرها غيرته عليها تلك المرة بل تفاجئت به يهاجمها باتهام مبطن.
فتمتمت بعتاب.
"هو ده كل اللي يهمك؟"
انفعل أكثر وهدر بحنق.
"أسيل متغيريش الموضوع انتي عارفة كويس إني منعك من الكلام معاه يبقى لما اشوفه خارج معاكي طبيعي إني انفعل بالشكل ده."
كانت لهجته حادة غاضبة وكأنها تتحدث مع شخص آخر.
جربتها من قبل عندما رآها أول مرة مع حازم لكن لم تكن بتلك الشدة.
فقالت بعتاب.
"بس انا مكنتش لوحدي معاه كان معايا سليم ودادة."
"ولو؛ ياريت اللي حصل ميتكررش تاني."
"حاجة تاني؟"
تنهد داغر بغضب لكن تلك المرة من نفسه فمسح على وجهه يهدئ من روعه وتمتم بهدوء.
"أنا آسف إن كنت انفعلت عليكي بس غصب عني بغير حتى من الهوا اللي بتتنفسيه."
"وانا قولتلك حازم زي أخويا مش أكتر من كدة."
أغمض عينيه وفتحها ثم قرر التطرق في حديث آخر كى لا يزيد من غضبه فقال بعتاب.
"ممكن بقا أعرف مكنتيش بتردي عليا ليه؟"
اندهشت أسيل لتحوله لم تشاء أن يعرف شيئاً مما حدث لذا قالت بكذب.
"الفون وقع مني واتكسر لسة مغيراه من يومين."
يعلم جيدًا بأنها تخفي الحقيقة لكنه يتركها كما تريد.
"فكرتي في اللي قولتلك عليه؟"
التزمت الصمت لا تعرف بماذا تجيب.
تخشى من تحطم الأمل الوحيد المتبقى لها وتريد ان تنعم به ولو قليلاً.
ماذا إن رفض والدها؟
هل تستسلم كعادتها؟
ام تحارب لأول مرة في حياتها لأجل شيء ترغبه وليس اي شيء بل كل حياته.
تعشقه حد الجنون وتخشى عليه من نفسها.
انتبهت لصوته.
"أسيل انتي معايا."
عاندت مصيرها لأول مرة حينما أجابته.
"موافقة."
افترى فمه عن ابتسامة عريضة لكنها محت عندما تذكر حديث عمه فغمغم قائلاً.
"خلينا نتقابل عشان احكيلك ظروفي وبالمرة اعرفك على عمي لأنه مصر يشوفك."
ما حدث معها يجعلها ترفض وبشدة لكنها تلك المرة ستعاند وتسير خلف قلبها لن تخاف لتسلم بعد الآن فسألته باقتضاب.
"أمتى؟"
فكر قليلًا ثم أجاب.
"ايه رأيك بكرة الساعة ستة، ده الوقت اللي عمي بيكون فاضي فيه."
وافقت أسيل قائلة.
"تمام بس بلاش نتقابل برة عشان ممكن حد يشوفني."
"اوك هستناكي بكرة."
سمعت أسيل طرق على بابها فستئذنت منه.
"هكلمك بعدين عشان حد بيخبط."
"تمام."
اغلقت الهاتف وسمحت للطارق بالدخول.
دلفت وعد والتي لم تتعرف عليها بعد بسبب تواجدها طوال الوقت داخل المطبخ.
"تعالي يا وعد."
تقدمت وعد وهي تحمل كوب عصير وقالت بتهذيب.
"عاملة ايه دلوقت؟"
ابتسمت أسيل وردت بامتنان.
"الحمد لله أحسن."
وضعت الكوب على المنضدة.
"اتفضلي العصير وان احتاجتي أي حاجة ابعتيلي."
أومأت أسيل لتلك الفتاة التي حدثتها امينة عنها وأخبرتها بعلاقتها الصامتة بسليم.
خرجت وعد واستسلمت أسيل للنوم بفعل المهدئ الذي أشاد به الطبيب.
عاد خليل من الخارج وفور دخوله وجد الفتاة التي تعمل لديه تعبث في أحد اللوح المعلقة على الجدار.
اندهش من فعلها فسألها.
"بتعملي ايه عندك؟"
انتفضت الفتاة وأخفت شيء ما بجيبها ثم أشارت باليد الأخرى قطعة القماش وهي تقول بارتباك.
"ها.. لا ده انا بنضف الطابلوه عشان لقيت عليه تراب."
قطب جبينه بشك.
"في وقت زي ده؟"
ازدردت لعابها بوجل.
"مهو.. أصل النضافة مفيهاش مواعيد يا باشا واسفة إن كنت ازعجت حضرتك."
انهت حديثها وهي تنصرفت مسرعة إلى المطبخ.
رواية جبل النار الفصل السادس عشر 16 - بقلم رانيا الخولي
جبل النار
رانيا الخولي
السادس عشر
……………..
دلفت شاهي غرفتها وأغلقت الباب بإحكام عندما آتتها تلك المكالمة المنتظرة
فقد شارفت على الوصول لهدفها وأصبح الجميع في قبضتها
_ايوة يا شريف عملت ايه.
أجابها الرجل من الطرف الآخر
_زي ما حضرتك طلبتي سجلت كل المكالمات وهبعتهالك حالًا.
_تمام، حالاً تجيب خط جديد تتصرف فيه من اي مكان حتى لو تسرقه وتبعت كل الصور والمكالمات اللي وصلتلها، وبالنسبة للمبلغ هيكون أضعاف لو كملت اللي طلبته منك
_تمام يا هانم كل حاجة هتمشي زي ما طلبتي.
أغلقت الهاتف وانتظرت وصول تسجيل المكالمات
ووصلت تباعًا آخر مكالمتين بين داغر وأسيل والتي اتفقوا فيها على الذهاب لمنزله.
وآخرى مكالمة يخبرها بأنه ينتظرها بالقرب من منزلهم.
ابتسمت بخبث وهي تتمتم
_أخيرًا وقعتي في ايدي يا بنت ليندا
❈-❈-❈
وقف داغر بسيارته بالقرب من منزلها
ينتظر مجيئها على أحر من الجمر
فقد مر نصف ساعة ولم تأتي حتى الآن
أما أسيل فقد ظلت تراجع نفسها مرات عديدة وتفكر في عواقب فعلتها إن علم والدها بخروجها.
هي تعلم جيدًا بأن لا داعي لخروجها لأن لا شيء سيجعلها تتراجع عن حبها له أو الارتباط به
لكن شيء بداخلها يجذبها للتمرد وفعل ما تود هي فعله لأول مرة بحياتها
لا تريد أن تكون دمية في ايديهم بعد الآن
دلفت وعد وهي تسألها
_خير يا أسيل هانم
جذبتها اسيل من يدها وقالت بلهفة
_هطلب منك حاجة وياريت تنفذيها.
وافقت وعد بتردد
_أكيد طبعاً لو في مقدرتي.
جذبتها ناحية الفراش وجعلتها تستلقي عليه وقالت برجاء
_مش هتعملي غير انك ترقدي على السرير وتغطي وشك لمدة ساعة واحدة.
قطبت وعد جبينها بدهشة وسألتها
_ليه كل ده؟
_عندي ميعاد ضروري ولازم أروحه ساعة بالكتير مش أكتر.
شعرت وعد بالقلق وتمتمت بوجل
_بس لو حد عرف هيودوني في داهية غير كمان اللي ممكن يحصل معاكي لو حسين بيه عرف.
جعلتها أسيل تستلقي وجذبت عليها الغطاء وهي تقول
_محدش هيعرف متقلقيش خليكي انتي كدة وانا هرجع على طول.
وافقت وعد مضطرة واخذت أسيل حقيبتها وخرجت مسرعة من الباب الخلفي فوجدت داغر ينتظرها على بعد.
تلفتت حولها يمينًا ويسارًا ثم أسرعت بالذهاب إليه
استقلت مقعدها بجواره وقد أشرقت عينيها لرؤيته وخاصة عندما حدثها بصوته الرخيم وهو يتأملها
_وحشتيني.
ابتسمت بخجل وهي تتمتم
_وانت كمان.
رفع حاجبه بمكر
_وانتي كمان ايه؟
أغمضت عينيها بيأس منه فهي لن تستطيع الافلات منه حتى تنطقها
_مشيها وانا كمان.
_تؤ متنفعش، يا اسمعها يا أما مش متحكرك من مكاني.
تمتمت يتحذيى
_داغر.
رد بملاوعة
_قلب داغر، بس انا راجل مش بيرجع في كلمته عشان نكون على نور من أولها.
لا مجال للرفض وهي تعلم ذلك جيدًا فتمتمت بصوت خافت
_وحشتني.
تظاهر بعدم سمعها
_بتقولي ايه؟
ضغطت على حروفها
_بقولك وحـشـتـنـي
وضع داغر يده على قلبه ويعود برأسه للوراء
_يا قلب داغر اللي هيقف بسببك.
ضحكت اسيل فقام هو بتشغيل المحرك وهو يقول بمكر
_انا بقول كفاية كدة لحسن انا عارفه في الحته دي شاطر أوي.
ضحكت اسيل لفهمها مقصده
وانطلق داغر بالسيارة وقد تناست أسيل كل شيء سوى تلك الفرحة التي ترفرف داخل قلبها.
تحبه ويستحق ان تجازف بحياتها لأجله، وتعلم جيدًا بأنها أحسنت الاختيار ولا شك في ذلك..
❈-❈-❈
في منزل خليل
تسللت العاملة إلى المرحاض بعد أن تأكدت من ذهاب الجميع وأخرجت هي هاتفها بعد أن اغلقت الباب بإحكام وقامت بالاتصال على احد الأرقام وانتظرت حتى أجابها
_ايوة يا سهى عملتي ايه؟
_كل حاجة ماشية تمام مفيش حد في الفيلا نهائي وهو قاعد برة في الصالة
_شغلتي الكاميرا ولا لسة؟
_اه شغلتها في المكان اللي قولتلي عليه.
ارتبك صوتها بخوف
_بس انا خايفة.
احتد صوت الرجل وهو يقول
_خايفة من ايه يا…… هي اول مرة ولا أيه.
_لأ مش قصة اول مرة، بس خايفة ليموت فيها.
_لا متخافيش احنا عاملين حساب كل حاجة اقفلي ويلا نفذي اللي قولتلك عليه.
أغلقت الفتاة وخرجت من المرحاض دالفة إلى المطبخ كي تنفذ ما أمرها به
أعدت القهوة كما طُلب منها وخرجت متجهة إلى حيث يجلس خليل يتصفح هاتفه
وضعت القهوة على الطاولة أمامه وقال لها بروية
_متشكر يا سهى روحي انتي بقا.
نظرت الفتاة إلى الكاميرا وأومأت له دون قول شيء.
وقبل أن تتحرك من مكانها رن هاتفه وعندما اجاب عليه تفاجئت به ينهض قائلاً
_أمتى ده؟
_…….
تطلع في ساعته وقال
_تمام خمس دقايق وهكون عنده.
تطلع إلى سهى وقال
_داغر جاي دلوقت عرفيه إني روحت مشوار صغير وراجع على طول.
أومأت له وخرج هو مسرعًا إلى وجهته
انعطفت سيارة داغر فور خروج سيارة عمه مما جعله يتمتم بحيرة
_هو عمي رايح فين؟
سألته أسيل
_انت مش قلت انه مستنينا؟
اوقف السيارة امام الباب الداخلي وامسك هاتفه يتصل به وعندما اجابه فتح سماعة الهاتف كي تطمئن
_ايوة يا عمي انت رايح فين؟
اجاب خليل
_معلش يا داغر مشوار مهم مش هياخد مني ربع ساعة بالظبط اعتذر لأسيل وقولها مش هيأخر.
_تمام بس حاول متأخرش.
تطلع إلى أسيل وقال
_تعالي نستناه جوه
ترجلت اسيل معه ودلفت للداخل فوجد سهى تحمل القهوة كي تعود بها فأوقفها داغر
_القهوة دي بتاعة عمي.
ارتبكت سهى وتمتمت برهبة
_اه ملحقش يشربها.
تقدم منها ليأخذها وقال لأسيل
_احسن برضه شكلها من نصيبي.
اتسعت عين سهى بخوف وقالت
_طيب خليني اعملك واحدة غيرها
اندهش داغر من ارتباكها وقال بأمر
_سيبيها وروحي اعملي كوباية عصير.
اومأت مجبرة وعادت إلى المطبخ لتخرج هاتفها لتعيد الاتصال بالرقم
_ألحقني يا توفيق بيه، خرج وساب القهوة وابن اخوه بيشربها
_انتي بتقولي ايه يا متخلفة انتي انا قولتلك هو.
_اعمل ايه، بعد ما عملتها جاله فون وسابني ومشي ودخل ابن اخوه مع واحدة واخد مني القهوة.
فكر توفيق قليلاً ثم قال
_قاعدين في نفس المكان؟
_أيوة.
_خلاص سيبي البيت وامشي دلوقت
_بس…
_مبسش اعملي اللي بقولك عليه، ابن اخوه هيقوم بالواجب، وانا هخلي حد يعطله عشان ميلحقش اللي هيحصل ويمنعه.
في بهو المنزل حيث يجلس داغر وأسيل
_داغر انا خايفة عمك يأخر.
طمئنها داغر قائلاً
_متخافيش عمي في المواعيد بريفكت، خلينا نتلكم شوية لحد ما يرجع.
وضع فنجان القهوة الفارغ على الطاولة ثم استدار إليها ليتابع بجدية
_شوفي يا ستي طبعاً انتي عارفة ظروف شغلي كويس وعارفة إن ممكن سفري يستمر لأسبوعين وأحياناً أكتر
فطول فترة غيابي هتكوني هنا مع عمي ولما أرجع هنقضي الأجازة في اسكندرية.
عارف انك هتكوني مشتتة بس أنا مش هآمن عليكي تقعدي لوحدك في الفيلا وعمي أجازته بتكون يومين بس في الاسبوع فـ…
قاطعته أسيل بلهجة يشوبها الرجاء
_كل ده مش هيفرق معايا كل اللي عايزة منك إنك متخلنيش اندم اني عرفتك في يوم من الايام.
أمسك داغر يدها ليقبلها بحب ثم تمتم بكل العشق الذي يحمله بداخله
_انتي اللي متخلنيش اندم ان حبي ليكي بيزيد يوم بعد يوم انما اكون سبب في ندمك"هز رأسه بنفي" ده شيء مستحيل.
ابتسمت أسيل بحب وتطلعت إليه بعينيها التي تسحره بصفاءها وتمتمت بوله
_متشكرة اوي على وجودك في حياتي دي حاجة هفضل أحمد ربنا عليها العمر كله.
لم يجد الكلمات التي يصف بها ما يحمله لها لذا أكتفى بأن جذبها إليه ليضع رأسها على كتفه وتمتم باحتواء
_وانتِ أجمل حاجة دخلت حياتي ومفيش قوة في الدنيا تقدر تخرجك منها.
ابعدها عنه قليلًا ثم قال بمكر
_بقولك ايه متيجي افرجك على أوضتنا.
اغمضت عينيها بيأس منه
_تاني يا داغر.
_طول ما انتِ بتقولي داغر بالطريقة دي هقولها تاني وتالت ومليون لحد ما تدخليها إجباري.
ضيقت عينيها بتحذير
_أوعى تكون بتفكر تتشاقى كدة ولا كدة.
رفع حاجبيه بتمني
_مكدبش عليكي هموت واعملها بس بصبر نفسي لحد ما نتجوز بس ورحمة أمي وقتها "ضيق عينيه بخبث وتابع بجرئة" ما هـ…
وضعت يدها على فمه تمنعه مسرعة
_بس بس متكملش انت مصيبة.
رفع يدها عن فمه ليقبلها وقال
_انتِ لسة شوفتي حاجة اصبري بس.
لم تجد خلاص منه سوى ان تتطرق في أحاديث أخرى كي يكف عن تلك التلميحات
بعد وقت قصير بدأ داغر يشعر بأشياء غريبة تحدث له
جفاف حلقه
ضربات قلبه المتسارعة
ونظراته لأسيل التي لاول مرة تكون شهوانية بتلك الدرجة
أغمض عينيه وهو يزدرد ذلك الجفاف بصعوبة
لا يعرف ماهية تلك المشاعر التي اقتحمته فجأة
كان ينظر لأسيل وهي تتحدث لا يعي شيء من قولها
لأول مرة يشعر بأنه غير متحكم في مشاعره التي تطالبه بالتقرب منها
أغمض عينيه بشدة يحاول السيطرة عليها لكنها تزداد وتزداد
أصبح تنفسه ثقيلًا وعينيه تتابع تفاصيلها برغبة موحشة
ماذا يحدث له.
متى كان بتلك الهمجية
كان يرد عليها بكلمات مقتضبة وأحياناً تكون غير مفهومة بسبب ثقل نطقها
كانت نظراته مهزوزة كأنه يعارف معها كي تتزن
حتى إذا نظر إليها تكون مشتتة
لاحظت أسيل ذلك لذا سألته بحيرة
_داغر انت كويس؟
وضع رأسه بين يديه يحاول تنظيم انفاسه وأسئلة أسيل لا ترحمه
رفع رأسه إليها ورغبته بها تزداد شدة
عليه أن يبعدها.
عليه أن يحميها من نفسه.
حاول التفوه لكن لا يستطيع إخراج صوته ويجد صعوبة بالغة في ذلك.
حاول تنظيم أنفاسه ووضع كفيه على وجهه يحاول التخفيف تلك الرغبة لكن يشعر بها تزداد
عليه أن يبعدها أخذ نفس عميق كي يستطيع النطق
فتمتم بصوت بالكاد استطاع اخراجه
_امـ..شـ..ـي.
قطبت جبينها بحيرة وسألته
_داغر بتقول حاجة.
كم كان صعب عليه نطق الكلمة مرة أخرى
حاول أبعاد عينيه عن منحنياتها التي لم تفلح ملابسها المحتشمة بحمايتها منه وازدرد تلك المرة لعابه بأكثر صعوبة وهو ينظر لثغرها الذي انفرج قليلًا وهي حائرة من حالته
لم يستطيع خفض عينيه عن شفتيها المصطبغة بلونها الوردي الطبيعي بعدما وقعت عليها
وكلما تحركت بالحديث كلما اشتعلت رغبته أكثر
رغبة موحشة لم يشعر بها من قبل
يريدها بشدة وعينيه تجوب جسدها بشهوة قاتلة حتى أصبح غير مسيطرًا عليها
الدماء تندفع داخل اوردته بقوة وقلبه تزداد وتيرته بعنف لم يسبق له مثيل
حاول التحكم بتلك الرغبة ودفعها للذهاب لكن كلما حاول التحدث كلما اشتعلت مشاعره أكثر فأكثر
أغمض عينيه بشدة يريد أن يتحكم برغبته لكنه وصل إلى الحد الذي جعله لا يريد غير اشباع تلك الرغبة
حاول تنظيم أنفاسه الثائرة وهو يتمتم بصعوبة بالغة
_ا..هـ..ر..
لم يقوى على تكملتها وانتفض جسده عندما وضعت أناملها على كتفه لتزيد صعوبة الأمر عليه
واشتعلت رغبته حتى وصلت لأشدها وهي تنهض لتجلس قبالته وتناجيه أن يرد عليها
آه خافتة خرجت منه وهو يتطلع لشفتيها بعينيه
يريد بشدة ان يتذوق شهدها
بيد مرتعشة رفعها ليمررها على وجنتها ماراً بها على شفتيها الممتلئة فتجفل أسيل من فعلته وترفع يدها لتبعد أنامله عنها.
كان صوتها بعيد تمام البعد ورغم ذلك ألهب حواسه حتى وصلت حد الذروة
وفقد التحكم في شهوته فيجد يديه تمسك رأسها تقرب فمها من فمه فتتلاقى الشفاه في قبلة متطلبة بث فيها مدى رغبته بها
بوغتت أسيل بفعلته وحاولت الابتعاد عنه لكنه أحكم قبضته خلف رأسها كي لا تبتعد عنه.
اشتدت قبلته قوة آلمتها وهي جاثية على ركبتيها أمامه فتنفلت احدى يداه ليضعها حول خصرها يقرب جسدها إليه
ولم ينتبه ليدها الواهنة أمام جبروته وهي تدفعه عنها
لم يتزحزح جبل النار قيد انملة، فقط ترك شفتيها لتنتقل إلى عنقها الناصع فتشهق بقوة وهي تصرخ به
_داغر انت بتعمل ايه.
لم يستمع إليها كل ما يشعر به هي مشاعره التي تطالبه بها وأخذ يقبل عنقها بقوة آلمتها حد الصراخ
_داغر أرجوك متعملش فيا كدة.
لم يفلح شيء في ابعاده عنها وأخذت تصرخ لعل أحد يسمعها وينقذها من براثين ذلك الغادر
أخذت ترجوه لكنه قطع رجاءها بأن عاد إلى شفتيه يقبلها بعنف وشراسة جعلتها تصرخ من بين قبلاته
ابتعد عنها قليلًا لكنه مازال محكم قبضته حولها فتتفاجئ بعينيه حادة شديدة الإحمرار
وكأنه شخص آخر فتمتمت بتوسل لم يؤثر بذلك الجبل
_أرجوك سيبني.
هز رأسه دون وعي وكأنه بذلك يشرح لها مدى صعوبة الأمر عليه، وعاد إلى شفتيها
رفضت الاستسلام لذلك المصير وأخذت تدفعه عنها بكل قوتها لكن كأنها تتزحزح جبل شاهق كلما دفعته كلما غُرزت بداخله
وكلما قاومته كلما ازداد عنفه عليها
هم بالنهوض بها لكنها بمهارة استطاعت الإفلات منه والهرب، سقط هاتفها فلم تبالي به، الأهم أن تلوذ بالفرار
كانت المسافة بينها وبين الباب قريبة لكنها شعرت بها بعيدة وهي تسرع الخطى كي تهرب منه حتى كادت أن تصل لولا أن تعثرت في ركضها ليستطيع شيطانه الوصول إليها بكل سهولة عافرت معه رافضة الاستسلام
فتسقط ويسقط هو معها فيعتليها بجسده كي يحكم حركتها
كانت تتلوى اسفله تصرخ وتستنجد به تستنجد بذلك الحبيب الذي عاهدها ان يحافظ عليها وألا يخذلها يومًا لكنه مغيب لا يعي بشيء مما يفعله
فقط شبح الشهوة من يسيطر عليه
عالى صوتها بالصراخ عندما مزق بلوزتها ومال عليها ينهش بها بكل قسوة
وعندما حاولت ابعاده عنها قيد يديها بيد واحدة وتابع نهشه بها، فتمتمت بتوسل ونحيب
_داغر أرجوك أوعى تعمل فيا كدة.
لكن بدا كمن أصابه الصم لا يستمع لها
رغم أن صرخاتها تمزق القلوب من آلامها
نهض وهو يجذبها معه فظنت لوهلة انه اكتفى منها لكن عندما وجدته يجذبها ويصعد بها الدرج فترفض هي ذلك المصير وتحاول التملص منه
لكن صفعة قوية نزلت على وجهها جعلتها تشعر بالدوار وتفقد قوتها
كانت عينيه شديدة الإحمرار ويديه القاسية تجذبها من خصلاتها
ولم تشعر بشيء بعدها إلا وهو يلقيها على الفراش يعتليها مكملاً ما بدأه
وانتهى كل شيء عند صرخة خرجت من جوفها شقت سكون الليل وتلاها صرخات متتالية جعلتها تفقد الوعي
❈-❈-❈
في منزل حسين
عاد سليم مع والده في المساء
كان سليم طوال الوقت منشغل بأسيل يريد الاطمئنان عليها
فقد أخبره الطبيب بأن الضربة التي تلقتها قد تترك أثر قوي عليها.
توجه مباشرةً إلى غرفتها فيطرقها مرة واحدة قبل دخوله
وجدها مستلقية على الفراش تخفي وجهها فعلم أنها مازالت متأثرة بما حدث، فالوقت مبكر على ميعاد نومها ويعلم جيدًا بأنها تتظاهر بالنوم عندما تكون حزينة
لأول مرة قرر ان يتعامل معها بعاطفته لذا اقترب منها ونادها
_أسيل.
لم تجيبه وشعر برعشة جسدها اسفل الغطاء
فعلم انها تتظاهر بالنوم ولم يقبل هو بتركها فقام برفع الغطاء فيتفاجئ بوعد من تسلتقي أمامه
قطب جبينه مندهشًا وسألها بانفعال
_بتعملي ايه هنا؟ وفين أسيل.
نهضت وعد من الفراش ولم تستطيع الرد عليه.
امسكها من ذراعها يهزها
_بقولك فين أسيل؟
ارتعشت اوصالها وهي تتمتم بخوف
_معرفش.
عقد حاجبيه بغضب وهو يصيح بها
_بقولك راحت فين؟
_والله العظيم ما اعرف هي طلبت مني انام مكانها لأنها مخنوقة وعايزة تتمشى شوية.
دفعها سليم لتسقط على الفراش وخرج من الغرفة وغضب الدنيا قد تمكن منه
اخرجت وعد هاتفها من اسفل الوسادة وقامت بالاتصال بأسيل لكنها لا تجيب.
أما في غرفة حسين
وقفت شاهي تشاهد الصور التي بعثها الرجل إليها وهي تبتسم بخبث، فاليوم ستكون نهاية مؤكدة لها
خرج حسين من المرحاض فتظاهرت بالارتباك والذهول
قطب جبينه بحيرة وتقدم منها يسألها
_في ايه؟
تظاهرت شاهي بالخوف وقامت باخفاء الهاتف وهي تمتم بارتباك مزيف
_ها.. لأ لأ مفيش حاجة
تلاعب الشك بداخل حسين ودنى منها ليسألها
الفون في ايه وخبتيه ليه اول ما شوفتيني
هزت راسها بخوف مصطنع
_قولتلك مفيش حاجة
همت بالهرب لكنه
جذب ذراعها بقوة وأخذ الهاتف عنوة وقام بفتحه فيتفاجئ بصور لأسيل وهي مستلقية على الرمال في أحضان رجل لا يظهر وجهه جيدًا
وأخرى وهي معه بالسيارة مستلقية بداخلها وهو معها
وآخرها وهي معه بالسيارة وتدلف من بوابة منزل.
تلاعبت شياطين الدنيا أمام وجهه ونظر إليها بسخط
_مين اللي بعتلك الصور دي؟
هزت رأسها بخوف حقيقي من هيئته وغمغمت
_معرفش هما لسة واصلين ليا حالاً.
كشر حسين عن انيابه وهو يجذبها من خصلاتها ويقول بهدر
_انتي بتستغفليني، لسة شايفها ازاي والصور مبعتوه من ساعة يعني كنتي عارفة وبتخبي عليا
ارتعشت بخوف منه وقالت برجاء
_صدقني يا حسين معرفش حاجة كل اللي عرفته وسمعته النهاردة أنها كانت بايته عنده في الليلة اللي شوفناها راجعة فيها من برة ولما نصحتها تتراجع مسمعتش كلامي وخرجت من شوية
صفعة حادة سقطت على وجهها جعلتها تسقط على الأرض وهدر بها
_حسابك معايا بعدين.
تركها وخرج من الغرفة وتوجه مباشرةً إلى غرفة أسيل فيتفاجئ بها فارغة
❈-❈-❈
فتحت عينيها على ذلك الألم الذي يجتاح كامل جسدها فتجد أن ما مرت به لم يكن كابوس كما ظنت بل حقيقة مرة
لم تملك الجرئة للتأكد ونهضت بوهن وكل عضلة بها تئن من شدة الألم
تحاملت على نفسها ومدت يدها المرتعشة تجذب ملابسها الممزقة لترتديها
كانت الغرفة خالية من وجوده، رحل بعد أن دمرها وقضى عليها
خدعها وأوهمها بحب واهم وكان يفعل ذلك كي يوقعها في براثينه
انتهى كل شيء الآن وقضى ذلك الخائن على ما تبقى بداخلها من حياة
لم تفلح بلوزتها بسبب تمزقها لذا لم تجد سوى قميصه الملقى على الأرض لترتديه.
كانت رائحته تعبء كل شيء حولها حتى جعلتها تشعر بالنفور
لأول مرة تكره رائحته حتى كرهت جسدها الذي دُنس بيديه
خرجت من ذلك المنزل الذي لن تنساه وسيظل ذكراه بداخلها ما تبقى لها من حياة
لن تظل في تلك البلد بعد الآن ستلجئ إلى جدها ولن تعود إلى تلك البلدة الظالمة.
خرجت من المنزل وقد كان خالياً حتى من حارس الأمن على البوابة الرئيسية
فمن المؤكد أنه كان مستعد لفعل ذلك وجعل جميعهم ينصرفوا حتى لا يكون أحدًا منهم شاهدًا على فعلته….
توقفت سيارة الأجرة أمام منزلهم، أو بالأدق جحيمها فتترجل منها وتدلف المنزل كي تأتي بجواز سفرها وترحل في الصباح
انقبض قلبها عندما وجدت عين والدها الجحيمية تنتظرها في بهو المنزل
❈-❈-❈
صدح صوت مكابح سيارة سليم عندما اخبرته وعد بعودة أسيل
ألقى الهاتف على المقعد باهمال واستدار مسرعًا بسيارته كي يلحقها
فأبيه لن يرحمها تلك المرة
كان يقود بسرعة جنونية كي يصل مسرعًا وعندما انعطفت السيارة لداخل المنزل سمع صوت صراخها
فاوقف السيارة في المنتصف وأسرع إلى الداخل فيجد والده يكيل لها العذاب هم بانقاذها منه لكنه توقف مكانه عندما سمع والده يهدر بها، يصفعها وتعود هي للوراء تصرخ بألم
_جبتيلي العار يا ……، كنت عارف انك هتعملي كدة وتفضحيني.
هزت رأسها بنفي وهي تحمي وجهها بيدها
_محصلش والله كان غصب عني.
صفعة أشد أسقطتها أرضاً فتنصدم رأسها بالطاولة وقام بجذب خصلاتها قائلاً بهدر
_مش هو اللي كنتي بايته معاه يا….
كانت جاثية أمامه وهو يجذبها من خصلاتها
تارة يصفعها بكل كلمة، وتارة أخرى يضرب رأسها في الطاولة الرخامية أمامها
_مين اللي غلطتي معاه يا…….
لم تجيب أسيل من شدة الألم واخذ الجميع يشاهد ما يحدث لها مكتفيين بالبكاء حصرة عليها إلا سليم الذي وقف مصدومًا من قول والده
وكأنه داخل كابوس مزعج
لم يتخيل لوهلة أن يعاد ذلك المشهد أمامه ولكن تلك المرة حقيقة مرة
كانت صفعات والدها تدوي مع صرخاتها التي رجت سكون الليل وهي مستسلمة لمصير محتم آخره الموت
مشاعر متضاربة وحرب مشتتة بداخله
ما بين إنقاذها من يد والده وبين رغبة موحشة بقتلها على ما اقترفته في حق نفسها وحقهم
لأول مرة يشعر بأنه يود الهرب
الهرب من كل شيء يعيشه
فقط يختفي عن تلك الدنيا حتى لو كان بالموت
وبالأخير انصاع لرغبة والده عندما ألقاها أسفل قدمه وقال بأمر
_البنت دي متعيش يوم واحد تاخدها وتتخلص منها في أي مصيبة.
تطلع سليم إليها بوجوم وقد قذفها حسين أسفل قدمه بعد ما أصبحت كجثة هامدة
ظل لحظات ينظر إليها بتلك النظرة الباردة
والتي أكدت أنه أيد والده
مال عليها وجذبها بدوره من شعرها ليجبرها على الوقوف أمامه ثم جذبها إلى الخارج
لم تستطيع وعد الوقوف مكتوفة الأيدي وأسرعت بالذهاب خلفه
_سليم بيه.
لم ينظر خلفه ووصل بأسيل المستسلمة إلى سيارته وألقاه في المقعد الخلفي بعنف ثم اغلق الباب
اسرعت وعد تقف امامه وقالت برجاء
_سليم اوعى تعمل كدة.
نحاها سليم من امامه وفتح باب السيارة ليدلف بها وحلم ترجوه
_أرجوك يا سليم افتكر انها اختك، واكيد اللي حصل ده كان غصب عنها
شغل محرك السيارة وكأنه لا يستمع لها فصاحت به
_ارجوك يا سليم لو عملت كدة هتندم عمرك كله.
انطلق بسيارته وسقطت وعد على الارض تبكي على حال الفتاة وحال حبيبها
لن يرحمه ضميره إن فعل ذلك، فالاخوه نعمة لا يعرف قيمتها الا من حرم منها.
رواية جبل النار الفصل السابع عشر 17 - بقلم رانيا الخولي
فتح داغر عينيه على ألم شديد في معدته ورغبة شديدة في التقيؤ.
كانت الدنيا تلتف به وضربات قلبه متسرعة بطريقة تدعو للقلق.
انتبه لما حوله فيجد نفسه مستلقي على الأريكة في حديقة منزلها.
ازدادت رغبته في التقيؤ فاعتدل مسرعًا ليتقيأ ما بجوفه وقد زاد الأمر بألم حاد في رأسه.
انتهى أخيرًا وقد شعر بروحه تنسحب منه.
ماذا حدث، وأين أسيل؟
وما الذي جاء به إلى هنا؟
نظر لملابسه وازار قميصه المفتوحة.
بحث عن هاتفه فلم يجده.
دلف للداخل فيجد هاتفه ومفتاح سيارته على الطاولة لكن لا أثر أيضًا لأسيل.
اتصل عليها فيجد هاتفها قيد الإغلاق.
أخذ مفاتيح سيارته وخرج من المنزل.
عليه أن يتواصل معها كي يعرف لماذا رحلت.
قاد سيارته وهو بتلك الحالة وألم رأسه لا يرحمه حتى أن الرؤية أمامه أصبحت مشوشة.
قلبه يتألم لا يعرف لماذا لكنه يتألم يشعر به يعاتبه.
على ماذا؟
قاد سيارته بسرعة ليصل إليها عليه أن يعرف ماذا حدث ولما ذهبت قبل أن يصل عمه.
كان الطريق لمنزل والدها يشعر به بعيدًا وكلما اقترب كلما شعر ببعده أكثر حتى رأها تمر بسيارة أخيها على الجانب الآخر مستندة برأسها على الزجاج.
استدار بسيارته مسرعًا كي يصل إليها فتصطدم بشاحنة قادمة خلفه وتنقلب به وكان اسمها آخر ما نطقه قبل أن يفقد وعيه.
❈-❈-❈
توقف سليم بسيارته على جانب الطريق ثم ترجل ليخرجها من السيارة وهي مستسلمة تمامًا.
ليس فقط استسلام لمصيرها ولكنها أيضاً قد أنهكت فلم يعد باستطاعتها شيء سوى الرضوخ.
جذبها من ذراعها ووقف بها على حافة المياه وجعلها تجثو أمامه ينظر إليها بسخط.
لم تردعه دموعها التي كانت من قبل تحرقه.
ولا شيء سوى العار الذي جلبته لهم.
فقام بوضع قدمه على ظهرها كي يدفعها عندما رددت اسمها.
"ماما."
شعر بنصل حاد يخترق قلبه عندما نطقت اسمها وتذكرها وهي ترحل من المنزل بعيون باكية وتوصيه على أخته.
صك على أسنانه بغضب وهو يحاول طرد تلك الذكرى من رأسه وهم بقذفها لكن قدمه ظلت ثابتة ولم تطاوعه.
حاول وحاول لكن لا فائدة فقام بكل غضب بركل الرمال فيتطاير حولهما ويسمح لمشاعره لأول مرة بالانطلاق وأخذ يصرخ بعلو صوته.
يصرخ ويعلو صوته حد البكاء.
هنا انتهى كل شيء وانتهى ثباته وانتهى ذلك الشخص حاد المشاعر ولم يعد باستطاعته التظاهر بالجمود أكثر من ذلك.
ترك لنفسه العنان كي يخرج مكنوناته التي تراكمت بداخله عبر تلك الأعوام.
سقط جاثياً على ركبتيه رافعاً رأسه للسماء وصرخاته تدوي في كل مكان.
يريد أن يقتلع من داخله ذلك الألم الذي ظل يتضاعف ويتضاعف حتى وصل لزروته.
❈-❈-❈
استيقظ حازم على صوت هاتفه.
وكذلك هايدي التي فتحت عينيها بتثاقل وهي تسأله.
"مين اللي بيتصل في وقت زي ده."
تناول هاتفه من على المنضدة وقال بحيرة.
"تلقاه حد من المستشفى."
اندهش عندما وجده رقم سليم فأعتدل في فراشه وأجابه.
"السلام عليكم."
رد سليم بهدوء.
"أنا مستنيك في… تعالى بسرعة ومن غير ما تعرف حد."
أغلق الهاتف دون أن يستمع رده فسألته هايدي.
"مين يا حازم؟"
رد وهو ينهض ليبدل ملابسه.
"دي حالة متابعها وتعبت شوية."
أبدل ملابسه وخرج متوجهاً إلى حيث ينتظره سليم والقلق ينهشه.
توقف عندما وجده واقفًا ينظر إلى البحر بشرود.
ترجل من سيارته وتقدم منه يسأله.
"خير يا سليم إيه اللي حصل؟"
استدار سليم لينظر إليه بوجوم وقال بثبوت.
"هتلاقيها في العربية خدها وشوف لها أي مكان تعيش فيه وبكرة الصبح هتكون دادة أمينة معها، مش عايزها تظهر قدامي لأي سبب من الأسباب لأني لو صادفتها هقتلها."
لم يحتاج حازم لفطنة كي يعرف مغزى حديثه.
تطلع إلى السيارة فيجدها مستندة برأسها على النافذة في سكون تام.
عاد سليم لينظر إلى تلاطم المياه أمامه، لا يريد أن يراها وهي ترحل دون عودة.
لن يغفر لها خطيئتها حتى لو كانت دون إرادته.
تقدم حازم من السيارة بمشاعر متضاربة.
عتاب تارة وحنق تارة أخرى.
يعلم جيدًا كم هي بريئة ونقية لكن وضعت في غابة من الذئاب وعندما سقطت في جحرهم نهشوها بكل قسوة.
فتح الباب ومد يده والعجيب في الأمر أنها لم ترفض وترجلت معه باستسلام تام.
لم يستطع رؤية ملامح وجهها من تلك الكدمات التي أخذت جزء كبير من وجهها.
وتلك الدماء التي بجانب رأسها قد جفت مكانها.
أخذها بداخل سيارته وانطلق بها إلى منزلهم القديم.
أوقف سيارته واستدار لينظر إليها فوجدها مغمضة عينيها فظن أنها غفت مكانها.
ترجل هو وتوجه إليها ليحملها لكنه تفاجأ بها تصرخ وتدفعه بعيدًا عنها.
أمسك يدها يحكمها كي لا تؤذي نفسها لكن فعلتها تلك جعلت جسدها يشتد بشدة ثم تشنج وأخذ جسدها يهتز بقوة جعلته غير متحكم بها.
جعلها تستلقي على المقعد الخلفي كي يستطيع التحكم بها أكثر.
لكن شعر بالقلق عندما زادت حالتها سوء وأصبح جسدها ينتفض أكثر.
لذا كان عليه الذهاب بها إلى المشفى.
❈-❈-❈
عاد سليم إلى المنزل بنفس الوجوم.
توجه إلى غرفتها يطرقها فتفتح هي مندهشة من مجيئه إليها وسألته.
"فين أسيل؟ أوعى تكون عملت فيها حاجة."
لم يتركها تندهش كثيرًا واندفع داخل الغرفة يقلب في أغراضها.
سألته بحيرة وهي تقف أمامه تمنعه.
"انت بتعمل ايه؟ ماينفعش كدة ياريت ترد عليا وتقولي فين…"
قاطعها بأن نحاها من أمامه وأخذ يقلب حتى وجد ما يبحث عنه هم بالخروج لكنها وقفت أمامه تمنعه.
"انت اخدت البطاقة بتاعتي ورايح فين؟"
دفعها مرة أخرى من أمامه وخرج من الغرفة مغلقًا الباب خلفه كي لا تخرج وراءه.
توجه إلى مكتب والده حيث ينتظره.
نهض حسين فور دخول سليم وسأله.
"عملت إيه؟"
رد بكل فتور.
"خلصتك منها، زي ما هخلصك مني أنا كمان."
قطب جبينه مندهشًا وسأله.
"يعني إيه مش فاهم؟"
"يعني من بكرة هسافر أمريكا أمسك الفرع اللي هناك ومش هرجع تاني."
وقف حسين أمامه بكل هدوء وكأن من أبلغه بقتلها الآن لم تكن ابنته.
"ليه؟ انت كنت رافض تمسكه."
رد سليم بهدوء رغم النار المشتعلة بداخله.
"مبقاش في سبب يخليني أفضل يوم واحد في البيت ده، أنا مش طالب منك غير إني أمسك الفرع ده وأستقل به."
تركه وخرج من غرفة المكتب متجهاً لغرفة أمينة التي جلست تبكي على حال ابنتها.
دلف سليم بعد أن طرق الباب فسألته أمينة بخوف.
"أوعى تكون طاوعت ابوك وعملت فيها حاجة؟"
رد بثبات.
"جهزي شنطتك عشان هتسافري الصبح اسكندرية عند حازم."
لم يكمل باقي حديثه وخرج من الغرفة ومن المنزل بأكمله.
لن يظل به ساعة واحدة بعد رحيلها.
❈-❈-❈
في المشفى.
أسرع الجميع إلى حازم عقب دخوله بأسيل والتي لم يهدأ تشنجها منذ عشر دقائق.
دلفت غرفة الطوارئ وتركها حازم معهم.
ولم يعد يتحمل قلبه رؤيتها بتلك الحالة.
ظل واقفًا أمام الطوارئ ولم يبالي باتصالات هايدي ولا أمينة التي لا تعرف ماذا حدث.
لأن يعلم جيدًا بأن سليم لن يستطيع فعلها لكن أيضًا لم يخبرها أين مكانها.
خرج الطبيب بعد وقت طويل فأسرع إليه حازم يسأله.
"خير يا دكتور مراد."
تطلع إليه الطبيب بامتعاض وقال باتهام.
"أنا مضطر يا دكتور حازم إني أقدم بلاغ بالحالة. البنت متعرضة لضرب مبرح وخاصة في الرأس وده هيكون سبب في مشاكل كتير بعد كده."
حاول حازم تهدئة الطبيب وقال بكذب.
"دي أختي وللأسف كانت راجعة من شغلها وجماعة حرامية طلعوا عليها وضربوها لما رفضت تديهم الفلوس اللي معاها، وانت عارف لو بلغنا الشرطة هتبقى شوشرة على الفاضي."
لم يقتنع الطبيب بحديثه لكنه وافق بحق زمالتهم وقال.
"بس انت كده بتدي الناس دي الفرصة عشان يكرروها. على العموم هي مش هتفوق دلوقتي لأنها أخدت مهدئ قوي وربنا معاها."
مسح حازم بيده على وجهه وقد حمد ربه بأنهم لم يكتشفوا أمر الاغتصاب.
❈-❈-❈
في مشفى أخرى.
انقلبت المشفى رأسًا على عقب فور دخول داغر والذي انتهى به المطاف بعد عملية جراحية استمرت أربع ساعات إلى غرفة العناية المشددة.
وقف خليل بقلب ملتاع أمام النافذة الزجاجية يتطلع إليه بقهر.
لم يخرج من الدنيا سوى به بعد أن رفض السفر مع والده واختاره هو.
ذلك العوض الذي ملأ فراغه يضيع منه الآن.
بكى كما لم يبكي من قبل.
أسند رأسه على الزجاج وهو يدعي ويتضرع إلى الله أن ينقذ ابنه الوحيد.
وفي مشفى أخرى.
كانت مستلقية على السرير دون حراك فقط أنفاس تدخل وتخرج ما عدا تلك الرؤى التي تتقاذف عليها بكل قسوة.
تكرار وتكرار وصرخات تناجي من يسمعها.
ولكن لا من مجيب.
فينتهي ذلك السكون بعد فترة ويتشنج جسدها تلك المرة بأشد وأعنف.
تجمع الأطباء في غرفتها يحاولون السيطرة عليها لكن تلك المرة لم تهدأ إلا بعد محاولات عديدة.
❈-❈-❈
واشرقت شمس الصباح.
سلامًا على عزيز قلبٍ أشرقت الشمس بروحه.
فتفيض الروح ترفرف في جنبات الشوق لعل ذلك الحبيب يسمع نداه.
ينادي ويستغيث بروحها ولكن لا من مجيب.
مرت أيام وكل واحدٍ منهم في عالمه الخاص.
كلاهما بعتاب حارق ألهب مشاعرهم.
حركات واهنة ضعيفة لكنها طمأنت الجميع لعودته.
أما هي فترفض بشدة العودة لواقعه.
لا تريد.
عليها أن تظل كما هي ترفض العودة لتلك الحياة القاسية.
وقلوب أخرى أبت الرضوخ لقسوة الحياة ومجابهة بشجاعة.
قامت وعد بوضع ملابسها داخل الحقيبة تحت نظرات شهد الباكية.
"هتمشي تروحي فين بس هو إحنا لينا مكان يتاوينا."
ردت وعد وهي تغلق الحقيبة.
"بلاد الله واسعة وبعدين الناس اللي هشتغل عندهم ناس كويسين متقلقيش عليا."
"بس أنا مش فاهمة إيه اللي خلاكي فجأة كده تصري إنك تسيب الشغل هنا، الأول أسيل هانم اللي سافرت من غير حتى ما تودعنا وبعدها دادة أمينة ودلوقتي إنتي."
"معلش هي دي سنة الحياة."
"بس أكيد هاجي أزورك، وأول ما الظروف تتعدل معانا ناخد شقة ونستقر فيها."
رن هاتفها فقامت بإخراجه من حقيبتها فتفاجئت برقم سليم.
لم تجبه وقامت بغلقه لقد انتهى كل شيء بينهم.
ودعت صديقتها وخرجت من المنزل فيوقفها صوت رسالة لابد أنها منه.
قامت بفتحها وكان محتواها.
"أنا مستنيكي بره اطلعي."
أغمضت عينيها بيأس وقررت أن تسير في طريقها دون الالتفات له.
خرجت من البوابة الحديدية فوجدته يقف بسيارته بالقرب من المنزل.
سارت في طريقها ولم تلتفت له.
عليها الهرب من ذلك الجحيم.
لن تعود له بعد ما حدث.
أجفلت عندما وجدته يقود السيارة تجاهها مما جعلها تسرع الخطى هربًا منه.
وكلما تقدم منها كلما زاد ركضها حتى أسرع ليقطع عليها الطريق فحاولت تجاوزه لكنها لم تستطع عندما ترجل من سيارته وتوجه إليها فصرخت به قبل أن يقترب منها.
"انت عايز مني إيه؟"
دنا منها يجذبها من يدها ليتوجه بها إلى السيارة وهو يغمغم.
"امشي من سكات."
رفضت التحرك قيد أنملة وقالت بانفعال.
"مستحيل آمن على نفسي مع واحد قاتل زيك."
تحول ذلك الوجه الفاتر إلى فوهة بركان على وشك الانفجار تراه لأول مرة مما جعل الخوف يزحف لقلبها عندما غمغم من بين أسنانه.
"مش هقولها تاني امشي معايا من سكات."
جذبها بقوة وهي تحاول الفرار من قبضته ثم أدخلها السيارة بالقوة وأغلقها خلفها ثم توجه لمقعده وانطلق بها.
"انت موديني على فين؟"
لم يجيبها وظل ينظر إلى الطريق أمامه فعادت تسأله بانفعال.
"رد عليا."
رمقها سليم بنظرة غاضبة وغمغم بسخط.
"صوتك ما يعلاش."
لم تخف بل تصدت إليه وهي تتابع بقوة.
"لأ هيعلى، أنا خلاص سبت الشغل عندكم ومبقاش ليك أي صلة بيا وخاصة بعد ما قتلت أختك بإيدك."
صاح بها هادرًا.
"متجيبيش سيرة الموضوع ده تاني انتي فاهمة."
ردت بتحدي أشد وهي تراه يظهر أمامها على حقيقته.
"لأ مش فاهمة والموضوع ده أصلاً مش هيخرج من جواك وصورة أختك وانت بتقتلها هتفضل قدام عينيك لحد آخر لحظة في عمرك."
لم يستطع إنكار حديثها، عليه أن يبقي الموضوع قيد الكتمان لأجل سلامتها.
انعطف سليم حتى توقف أمام بناية شاهقة ثم غمغم دون النظر إليها.
"انزلي."
تطلعت للأمام وقالت بعناد.
"مش هنزل إلا لما أعرف أنا جاية هنا ليه؟"
ترجل هو ثم توجه ناحيتها ليفتح الباب وينزلها بالإجبار.
حاولت التملص منه لكنه أحكم قبضته عليها وجذبها لداخل البناية.
دلف المصعد وهنا جذبت ذراعها من قبضته وصاحت به.
"انت جايبني هنا ليه وعايز مني إيه، اخرج بقى من حياتي."
ظهر وميض عشق بعينيه ولمحة من الرجاء ثم تمتم بغصة.
"انتي اللي اقتحمتي حياتي وأنا متعودتش إني أمشي على هوى حد، دخلتيها يبقى تتحملي النتيجة."
لم تفهم معنى حديثه وقبل أن تسأله توقف المصعد وعاد يجذبها ثم توقف بها أمام أحد الأبواب وقام بوضع بطاقته فينفتح الباب حينها.
هم بالدخول بها لكنها هزت رأسها بخوف وتمتمت بوجل.
"انت جايبني شقتك ليه؟"
تطلع إليها لحظات وقد أخمد ذلك البركان الثائر بعينيه وتمتم بشجن.
"متخافيش."
رفضت أن تستسلم لذلك الشغف الذي رأته بعينيه وتمتمت برفض.
"إزاي مخافش وكل حاجة بتعملها بتخليني أخاف منك أكتر."
ازدادت قضبة جبينه وتمتم بحنو.
"لو خفتي من الدنيا كلها مينفعش تخافي مني."
جذبها لتدخل معه بكل سهولة رغم رفضها وأغلق الباب خلفهم ثم جعلها تقف قبالته وتمتم بثبوت عندما أشاحت بوجهها بعيدًا عنه وقال بأمر.
"بصيلي."
ظلت على عنادها مما جعله يمسك ذقنها يجبرها على النظر إليه وقال بحزم.
"المأذون جوه ومعاه الشهود هنكتب الكتاب وبكرة الصبح هنسافر."
اتسعت عينيها بذهول من حديثه حتى ظنت لوهلة أنها أخطأت السمع لكنها تأكدت عندما تابع.
"هنسافر من غير رجعة متفكريش في يوم من الأيام ترجعي هنا تاني."
قطبت جبينها بحيرة وسألته باحتدام.
"وأنا إيه اللي يجبرني أوافق وأنا مفتقدة الأمان معاك؟!"
عادت فوهة البركان تشتعل من جديد وتمتم بحزم مبطن بالتهديد.
"الموضوع هيتم سواء برضاكي أو من غيره، بلاش تخليني أعملها بالإجبار. ادخلي الأوضة دي غيري هدومك عشر دقايق وتكوني جاهزة."
تركها ودلف الغرفة حيث يجلس المأذون والشهود.
تم عقد القران وطلب المأذون حضورها كي تمضي على العقد أمامها.
استأذن منهم وذهب إليها كي يستعجلها وما إن طرق الباب حتى فتحته وظهرت أمامه بتلك الثوب الذي اختاره خصيصًا له.
ولكن لم يتخيل أن تكون بكل ذلك الجمال أمامه.
وقد أضفى اللون الأبيض سحرًا خاصًا عاكس لون خصلاتها السوداء.
أشاحت بعينيها بعيدًا عنه، لم تتقبل تلك الزيجة لكنها تعلم جيدًا بأنها لن تتحمل بعده ولن تتحمل أن تعيش وحيدة بدونه.
نعم تبغض أفعاله وخاصة ما فعله مع أخته وقتله لها، لكن ماذا تفعل تلك الضعيفة التي لا مأوى لها في تلك الغابة السوداء.
"متخافش أنا موجودة مهربتش."
التزم الصمت لبرهة وهو يخترق عينيها بعينيه يبحث عن نظراتها الواهنة التي كانت ترمقه بها فلم يجد لها أثر.
وجد عينين حادة وكأنها لم تعرف الحب يومًا.
فرد بصوت ثابت.
"مين قالك إنك ممكن تهربي مني، لو في بطن الأرض هوصلك."
أشار لها باتباعه فوجدت المأذون يطلب منها الإمضاء.
كم أرادت أن تمزق تلك الوثيقة وتلقيها في وجهه لكن ماذا بعد.
سيرحل ويتركها وحيدة تنهش بها ذئاب البشر.
بيد مرغمة مدت يدها تأخذ القلم وبدأت بكتابة اسمها بجوار اسمه.
بارك لهما المأذون وانصرفوا جميعًا وتركها وحيدة معه.
ماذا ينتظر منها؟
هل ينتظر أن تكون زوجته قولاً وفعلاً.
وهام إن ظن ذلك.
لن تسلم نفسها لذلك القاتل مهما ترجاها.
همت بالذهاب لغرفتها لكنه أوقفها قائلاً.
"استني عندك."
توقفت وعد وهي تدير وجهها بعيدًا عن مرمى عيناه التي تكاد تلتهمها.
"هتباتي هنا النهاردة والساعة تسعة الصبح تكوني جاهزة كل حاجة محتاجاها هتلاقيها في الشنط."
استدار ليخرج من المنزل لكنها تلك المرة من أوقفته.
"انت رايح فين؟"
أجاب دون أن ينظر إليها.
"هرجع الفيلا عشان محدش ياخد باله من حاجة."
"وهي دي بقى الحياة اللي عايزني أعيشها معاك؟"
استدار ليجيبها وقد عاد فتوره.
"حاليًا معنديش غيرها لكن كل حاجة هتتغير لما ييجي الوقت المناسب."
قطبت جبينها وهي تسأله.
"على أساس إني هقبل بالحياة دي؟"
"للأسف مفيش غيرها قدامك."
تركها وخرج من المنزل غير عابئ بندائه.
لقد فعل كل ما بوسعه لأجلها لذا عليه الآن أن يفعل كل ما بوسعه لأجل نفسه.
عاد إلى منزله متجهاً لمكتب والده فيجده جالسًا بجبروت لم يراه بأحد من قبل.
وكأنه لم تقتل ابنته الوحيدة بل ظهر أمامه بأنها عار وحلت عن كاهله.
لذا تقدم منه بنفس جبروته وتحدث بجمود.
"أنا مسافر الصبح وعايز توكيل عام قبل ما أسافر."
عاد حسين بظهره للخلف وسأله باقتضاب.
"ليه؟"
"لأني مش ناوي أرجع هنا تاني وهستقر هناك."
نهض حسين من مقعده وتوجه إليه ليقف أمامه.
"وايه اللي خلاك مرة واحدة كده تتخذ قرار زي ده؟"
"دي حاجة أحب أحتفظ بها لنفسي، التوكيل يكون جاهز بكرة الصبح قبل ما أمشي."
أسرعت شاهي بالتخفي خلف أحد الأعمدة قبل أن يخرج سليم متجهاً إلى غرفته.
فقد آتتها فرصة أخرى للخلاص من سليم أيضاً.
دلفت المكتب فتجد حسين حائرًا يفكر في حديث ابنه.
أغلقت الباب خلفها وتقدمت منه كي تبخ سمها بداخل أذنه.
"سوري يا حبيبي بس سمعتكم بالصدفة وبصراحة أنا مع سليم في اللي طالبه منك."
تطلع إليها بحيرة وتابعت هي بدهاء.
"الفرع ده محتاج لمجهود جبار عشان يقدر يقف على رجليه وده اللي عايزه سليم، عايز حاجة تشغله عن إحساس الذنب اللي جواه من جهة أخته. وأنا بفضل إنه يفضل هناك وكمان تكتم طمعه بأنك تكتبله الفرع ده باسمه بحيث لما تنفذ وعدك ليا بإنك تكتبلي البيت باسمي يبقى ملوش حق يعترض ولا إيه؟"
علم ما تود الوصول إليه وأنها تحاول بشتى الطرق أن تجعله يتنازل عن باقي أملاكه لها وهنا سيضع ابنه تحت رحمتها وهذا لن يسمح به لذا تعامل بنفس دهاءها.
"أنا وعدتك لما ييجي الوقت المناسب هنفذ طلبك."
شعرت باللوع في حديثه وقالت باندفاع.
"بس انت وعدتني لما أخدت فلوسي عشان تعمل بيها الفرع إنك هتكتبه باسمي ودلوقتي انت هتسيبه لابنك."
جلس حسين على مقعده وتمتم بعدم اهتمام.
"طول ما أنا عايش هتبقى النسبة العليا باسمي بس متقلقيش لما أموت هكون مأمنلك كل حاجة."
كتمت شاهي سخطها مجبرة فإن عاندت أمامه ستكون الخاسرة الوحيدة الآن.
رواية جبل النار الفصل الثامن عشر 18 - بقلم رانيا الخولي
جبل النار
رانيا الخولي
الثامن عشر
…………….
في مكان اخر كان توفيق يحتفل بذلك النصر بعد ان تنازل خليل عن القضية، وانتهت تلك العقبة التي وقفت أمامه
فلم يحضر خليل الجلسة بسبب حالة ابن أخيه وترك تلك الشياطين تتلاعب بالقضاء
سألته سهى
_طيب والكاميرا اللي سيبنها دي.
اخرج توفيق بعض الأموال من خزينته وقدمها لها قائلاً
_خلاص معدش ليها لازمة، القضية بقيت في جيبنا وخلاص دورك انتهى لحد كدة.
❈-❈-❈
دلف سليم شقته بالخارج التي قام بشراءها لأجل ان يسكن بها مع من أحب
تنحى قليلاً كي يسمح لها بالدخول ثم قام بحمل الحقائب واغلق خلفه الباب
تطلعت إليه وعد بوجوم ومازالت على نفس موقفها منه فقالت بتبرم
_انا…..
قاطعها سليم كي يرفع عنها الحرج
_من غير ما تقولي حاجة أنا مش جايبك هنا لنفسي، أنا جايبك عشان تبني لنفسك شخصية تانية، شخصية ملهاش أي شوائب ولا نقطة ضعف تهزها
من الصبح هقدملك في جامعة خاصة تكملي تعليمك، ولو عايزة تستقلي بأوضة لوحدك مش هعارض ولا امنعك، هنا ليكي مطلق الحرية بس مش معنى كدة إنك تعملي حاجة تقل مني ومن كوني جوزك
خدي الوقت اللي انتِ عايزاه مش هجبرك على حاجة.
حمل حقيبته وهم بالتحرك لكنها أوقفته قائلة
_أوعى تفتكر إن كلامك ده هيغير حاجة، انا خلاص بعد اللي عملته قلبي اتقفل من نحيتك ومش بسهولة هيرجع يأمنلك تاني.
اومأ لها بصمت ودلف لأحدى الغرف على أمل أن تأتي خلفه
لكن خاب ظنه عندما سمع صوت إغلاق الغرفة المجاورة فعلم حينها بأنها وافقت على أن تمحي شخصيتها وتسعى لبناء أخرى.
❈-❈-❈
فقد خليل اعصابه عندما استمرت غيبوبة ابن أخيه ولم يستيقظ منها
فقال الطبيب يهدئه
_اهدى بس سياتك قولتلك الموضوع مسألة وقت.
انفعل خليل اكثر وقال بانفعال
_ازاي وانت بنفسك قولتلي ان حركت ايديه دليل على انه فاق منها.
اكد الطبيب حديثه
_دي حقيقة بس لما كشفنا على بؤبؤ العين ملقناش استجابة منها وده حاجة من الاتنين
يا إما حركة ايده واستجابته للوغز ده مجرد ردود وهمية يا إما…..
ضيق عينيه مستفهمًا فيتابع الطبيب
_يا إما يكون فقد بصره.
انقبض قلب خليل بخوف وتمتم بعدم استيعاب
_انت بتقول ايه؟
_انا مش متأكد بس كلمت دكتور الاشعة….
قاطعه خليل بحزم
_انا هجيب طيارة مجهزة وأسافر بيه على أمريكا.
حاول الطبيب اثناءه عن رأيه
_صدقني….
قاطعه خليل بلهجة لا تقبل نقاش
_مش عايز اي اعتراض.
وافق الطبيب على مضض وقاموا بالفعل بتجهيز طائرة خاصة بحيث تكون مهيئة لحالته وقام خليل بطلب اجازة مفتوحة كي يظل بجوار ابن أخيه.
❈-❈-❈
في المشفى وبعد مرور اسبوعين
عادت أسيل لوعيها بعد أيام طويلة حاولت فيها بكل الطرق التهرب من واقعها لكن يبدو أن الدنيا لن ترحمها واعادتها إلى جحيمها.
وما إن فتحت عينيها حتى تكابلت عليها الذكريات بأشدها فتعود الرجفة تنتابها
لكن تلك اليد التي أمسكت يدها جعلتها تهدئ قليلًا وصوتها الحاني يقول
_أنا جانبك متخافيش
تطلعت أسيل إلى أمينة التي ظلت جوارها ولم تتخلى عنها لحظة واحدة
حاولت التحدث فإذا بصوتها مختنق لا تقوى على التحدث، شعرت بها أمينة وتمتمت بحنو
_الأيام الصعبة دي خلاص عدت ودلوقت بقيتي حرة وبعدتي عن أذاهم.
اغمضت عينيها بألم وتمتمت بصوت مختنق بالدموع
_بس التمن كان غالي أوي.
لم تقصد سلبه لها اعز ما تملك بقدر ما تقصد صدمتها به، قلبها يؤلمها بشدة وروحها معذبة وقد كانت القشة التي قصمت ظهر البعير.
انتبهت لفتح الباب ودخول أحدهم وعندما أقترب منها سمعته يحدثها
_حمد لله على السلامة.
تطلعت بوهن إليه فتجده ينظر لها مبتسمًا
اومأت بضعف ثم قام بمعاينتها
_لااا بقينا أحسن بكتير.
أومأت له بوهن وقالت أمينة
_أنا بقول كفاية كدة وخلينا نروح، أنا خايفة حد يعرف بوجودها.
طمئنها حازم بروية
_متقلقيش يا أمي أنا عامل حساب كل حاجة من النهاردة هتكون حور صالح وهتبدأ حياة جديدة بالاسم ده أسيل مش هيكون لها وجود من بعد النهاردة.
تطلعت أمينة لأسيل تنتظر ردها لكنها كانت بعالم آخر لا تبالي بما يقوله ولن تبالي بشيء بعد الآن.
تابع عندما لم يجد منها رد
_انا هكلم الدكتور مصطفى واخليه يكتبلك على خروج.
خرج حازم وبدأت العبرات تتجمع بعينها
فتضغط أمينة على يدها اكثر وتقول بثقة
_خلاص يا أسيل كله عدى ومر، احنا دلوقت ولاد النهاردة واللي فات صفحة وانطوت مش هنقلب فيها.
هزت رأسها بضياع وهي تتمتم بصوت واهن
_مش بالسهولة دي، يارتني كنت سمعت كلامك.
تأثرت أمينة بحالتها
_محدش بيتعلم ببلاش.
أخذت أسيل تنتحب وتمتمت بألم
_بس التمن كان غالي أوي.
_وعوض ربنا أغلى بكتير، احمدي ربنا انه فوق سليم في الوقت المناسب و….
قاطعتها أسيل بشجن
_ياريته كان موتني وارتحت من العذاب ده.
_متقوليش كدة بكرة تنسي كل حاجة وتعيشي حياة هادية بعيد عن الرعب اللي كنتي عايشة فيه.
قاطع حديثهم دخول حازم ومعه الطبيب المعالج لها وفور رؤيته سألها مبتسمًا
_عاملة ايه دلوقت يا أنسة حور.
لم تفهم أسيل شيء لكن إيماء حازم لها بأن تجارية جعلها تجيبه باقتضاب
_كويسة.
قام بمعاينتها
_بقينا احسن بكتير
تطلع إلى حازم وتابع
_تقدر تخرج عادي بس لازم تتابع معانا كل فترة عشان نطمن أكتر، وبفضل انك تعرضها على دكتور نفسي عشاني الصدمة اللي اتعرضت لها متأثرش عليها.
أومأ له حازم وخرج الطبيب ثم دنى منها ليقول بتروي
_الحمد لله الدكتور طمنا هخلص اجراءات المستشفى تكونوا جهزتوا واروحكم
سألته بحيرة
_بيت مين؟ ومين حور دي؟
_أولا يا ستي البيت ده يبقى بيتنا القديم اللي هتعيشي فيه انتي وأمي من النهاردة، وبالنسبة لحور فمن النهاردة هتكوني مكان حور أختي اللي غرقت في البحر وهي صغيرة.
❈-❈-❈
_أ..سـ..ـيل.
عاد داغر إلى عالمه وهو يردد اسمها بتثاقل
كان يشعر بأنه داخل دوامة شديدة وكلما حاول الخروج منها تسحبه أكثر داخلها
لكن عليه ان يعافر لأجلها، عليه أن يعود لها ليس له حياة بدونها.
هي روحه التي لا يستطيع العيش بدونها فإذا فارقته فارقته الروح معه
بصعوبة أشد ردد اسمها
_أ…سـ..يل.
يناديها يريد أن يصرخ بعلو صوته كي تسمعه وتعود إليه
أري بك الطمأنينة والسكون ..
أري بك الحب والأمان ...
وأري فيك جمال الدنيا وعشقها ...
وأري فيك لذة الحياه وشغفها ..
أراك بعين قلبي العالم وما فيه ..
وكلما نظرت إلي طريق..
أري كل طرقي وجميعها تقودوني إليك ..
لأنعم فيهم بالهدوء والأمان الذي لا أجده إلا معك....
فأنا دائما أراك كلماتي وهمساتي...
وأراك دائما أول سطر في أحرفي..
لأغزل بك أجمل سطور روايتي..
التي لاتكتب نهايتها أبدا إلا لك ....
خاطرة بقلمي...
Rasha Saber
اسرع إليه خليل الذي غفى على الأريكة وسأله بلهفة
_داغر انت سامعني.
ضغط على الزر بجوار الفراش فوجد الطبيب وخلفه الممرضة دالفين الغرفة فيسأله الطبيب
_ماذا حدث؟
رد خليل وهو يسمح للطبيب بمعاينته
_لقد تحدث الآن وقام بتحريك جفنيه لوهلة.
سأل الطبيب داغر
_سيد داغر هل تسمعني؟
أومأ داغر بحركة واهنة منه فعاد الطبيب يسأله
_هل تستطيع فتح عينيك، إن كان بإمكانك فعلها فلتفعل الآن.
فتح داغر عينيه ثم أغلقها واعاد الكرة لكنه لم يستطيع الرؤية
هو لا يعرف أين هو، ولا مع من يتحدث فأعاد الطبيب قوله مما جعل داغر يتحامل على نفسه وتمتم بخفوت
_لا أعرف… لا …أستطيع… فعلها.
قام الطبيب بأخراج جهاز اضاءة صغير واضاءه امام عينيه
_هل بإمكانك رؤية ذلك الضوء.
لا يعرف إذا كانت عينيه الآن مفتوحة أم مغلقة لكن في تلك الحالتين هو لا يري أي شيء
حقيقة مرة لكنها أصبحت واقعه
في لمح البصر فقد كل شيء ولم تفلح العمليات التي تكررت في إعادة بصره المفقود
وآخر ما أخبره الطبيب بأن العامل هنا يعد نفسي والموضوع مسألة وقت
لم يفكر في اعاقته كما يفكر بها
أين هي؟
لم تسأل عنه؟
ألم تسمع عن الخبر؟
أم سمعت وفضلت الإنسحاب؟
كان في غرفته عندما سمع صوت والده في الخارج يتشاجر مع عمه
_ايه يا خليل اللي انت عملته ده، بقا توصل انك تلغيني من حياة ابني وهو في الحالة دي؟
حاول خليل التحدث بروية معه
_أهدى يا وجدي مش كدة.
علا صوت وجدي
_اهدى ازاي وانا باعرف اللي حصل لابني بالصدفة مكنتش هتعرفني.
حاول خليل التحدث بتروي كي لا يزيد من انفعاله
_صدقني في الوقت ده مكنتش في وعيي، داغر كان بيموت بجد ومن خوفي عليه مفكرتش أعرفك.
_عمي.
انتبه كلاهما لصوت داغر فتقدم وجدي أولاً يدلف الغرفة وكان داغر جالساً على حافة الفراش فقال بلهفة
_داغر ابني الف سلامة عليك.
رفع داغر يده يوقف والده عندما شعر بخطواته تتقدم منه وقال بحزم
_أنا قلت عمي.
بوغت وجدي برده وتمتم بإحراج
_بس انا موجود يا داغر.
علا صوت داغر نسبياً
_وانا مطلبتش غير عمي.
حاول وجدي البحث عن تبرير لموقفه
_أقسملك يا داغر ما كنت أعرف حاجة عن الحادثة دي ولو كنت اعرف عمري ما كنت هتأخر.
_انا مش بعاتب حد كل اللي طالبه خصوصية مع عمي.
شعر وجدي بالحرج أكثر وخرج من الغرفة
تقدم خليل منه وهو يقول بعتاب
_عيب أوي الأسلوب اللي اتكلمت بيه ده، دا مهما كان أبوك.
نهض داغر ليتحسس الارض بقدمه العارية كي يصل للمقعد بعد أن رفض حمل العصاه وتمتم بهدوء يخفي بداخله إعصار غاضب
_عمي لو سمحت انا مش عايز جدال ملوش لازمة
جلس على المقعد وتابع
_أنا عايز اطمن على أسيل، أكيد عرفت الخبر وقلقانه عليا.
تعب خليل من التحدث معه في هذا الأمر وقال بضجر
_لو قلقانة عليك كانت اتصلت يا داغر.
رفض الاعتراف بذلك وقال بتسويف
_لأ أكيد في حاجة منعتها عايز أكلمها واطمن عليها.
وافقه خليل وقام بتناول هاتفه من الطاولة بجواره وقام بالاتصال بها لكن مثل كل مرة هاتفها قيد الإغلاق.
_الفون مقفول زي كل مرة.
لم يتقبل الأمر وقال برجاء
_معلش حاول تاني.
قرر المحاولة لكن لا فائدة
استاء خليل عندما لاحظ الحزن عليه لذا ربت على ساقه وقال بثبوت
_أنا هحاول اوصلها واطمنك عليها.
لم يتقبل الانتظار وقال برجاء
_طيب دور في الرسايل أكيد بعتت رسالة تسأل عليا..
بحث خليل لكن لا رسائل بينهم منذ يوم الحادث.
_مفيش يا داغر أي رسايل من وقت الحادثه، ياريت نهدى كدة ونفكر في نفسنا، الدكتور أكد إن حالتك دي نفسية فياريت متجهدش نفسك بالتفكير.
وضع رأسه بين يده يسب ذلك العجز الذي جعله مقيد لا يستطيع الوصول إليها فتحدث خليل بتعاطف
_متقلقش انا النهاردة هطمنك عليها.
رفع رأسه بضياع وقال بانفعال
_قلت الكلام ده قبل كدة ومفيش حاجة اتنفذت منه، عمي متخلنيش أحس بالعجز أكتر من كدة انا بقالي تلات شهور محبوس في الضلمة دي ومحجوب عن العالم كله
حاول خليل تهدئته قائلاً بروية
_طيب أهدي وأنا حالاً هعرفلك كل أخبارها.
قام خليل بالاتصال بأحد معارفه وطلب منه محاولة التواصل معها.
لم يجد وجدي داعي لبقاءه في المشفى وابنه لا يسمح له بالتقرب منه
لا يعرف لما ذلك الجفاء
طلب منه السفر معه لكنه هو من رفض واصر على البقاء مع عمه وزوجته.
إذا كان بعده ما يريد فليفعل ما يشاء.
ظل داغر ينتظر ذلك الرد على أحر من الجمر
يسأل عمه كل دقيقة حتى تعب منه وقال بثبوت
_أهدى يا داغر الرجل اول ما يقدر يوصل لحد من الشغالين ويعرف حاجة هيقولنا.
قاطع حديثه صوت هاتفه وقال بحبور
_اهو يا سيدي الراجل متأخرش.
رد عليه وأخذ داغر يستمع إلى حديثه معه بترقب حتى انهى المكالمة
التزم خليل الصمت لا يعرف كيف يخبره بما سمعه وعندما طال صمته سأله داغر بتوجس
_خير يا عمي؟ ساكت ليه؟
_أصل….
سأله داغر بقلق
_في ايه يا عمي ما تتكلم على طول، أسيل جرالها حاجة؟
لم يعرف خليل كيف يصيغ كلماته لذا قرر ان يتحدث بصراحة فغمغم قائلاً
_البنت سافرت ايطاليا، وبيقولوا انها استقرت هناك ومش هترجع تاني.
قطب جبينه بحيرة وسأله
_إيطاليا. ليه؟
_معرفش الشاب اللي كلفته يتحرى عنها سأل واحد من الأمن وقاله أنها سافرت إيطاليا تاني عند جدها.
ازدادت قضبة جبينه بحيرة وهو يتساءل عن سبب ذلك
ولما لم تخبره؟
هل أغضبها منه عندما كانت معه لذا قررت السفر؟
لكنه لم يتذكر.
لم يتذكر اي شيء سوى استيقاظه في المشفى بالخارج
إن كان قد ضايقها لما لا تعاتبه.
لما فضلت الهرب على أن تقتص منه.
أم أن هناك سبب أخر وهو الفرار من عجزه
لابد ان الخبر قد وصل لها
هو على يقين من ذلك لذا كان عليها الهرب
وضع رأسه بين يديه لا يعرف كيف خدع بها
من ظنها ملاكًا قامت بطعنه بكل غدر ولم تبالي لحاجته إليها
نعم يحتاجها وبكل جوارحه
اراد ان تكون دافعًا له للشفاء
الآن اسودت الدنيا بعينه ولم تعد للدنيا أي أهمية..
❈-❈-❈
كانت أسيل ملتزمة الفراش بسبب ذلك الدوار الذي لا يتركها فقد ازداد في الآونة الأخيرة وأصبح ملازمًا لها.
رمشت بعينيها عندما أقتحم الضوء الغرفة مرة واحدة عندما فتحت أمينة النافذة
فقالت أسيل باعتراض وهي تخفي عينيها
_ايه يا دادة في ايه؟
دنت منها لتجلس على الفراش بجوارها وتقول بتعنيف
_وبعدين معاكي هتفضلي كدة لحد أمتى؟
اعتدلت أسيل لتستند بظهرها على الوسادة وغمغمت بتعب
_عايزاني اعمل ايه بس؟
_تقومي تخرجي تقعدي في الهوا شوية، بلاش كاتمة الاوضة اللي هتتعبك أكتر دي.
جذبت ذراعها كي تجبرها على النهوض
_قومي نقعد على البحر شوية.
تمتمت أسيل برجاء
_بس انا فعلاً تعبانة النهاردة أوي، حاسة إن الدوخة دي بتزيد.
لم تتقبل أمينة اعتراضها وقالت بإصرار
_متهيئلك قومي بس معايا نحضر الفطار مع بعض ونفطر برة على البحر.
طاوعتها أسيل لكن ما ان وضعت قدمها على الأرض حتى شعرت بالغثيان وأسرعت بالذهاب للمرحاض تحت نظرات أمينة التي وضعت يدها على قلبها تخشى من شكها
عادت أسيل وهي تضع يدها على بطنها وقالت بألم
_تقريباً يا دادة أخدت برد في معدتي.
هزت أمينة رأسها وهي تتمتم بشك
_وممكن ميكنش برد.
قطبت جبينها وسألتها بحيرة
_تقصدي إيه؟
ظهر الخوف على ملامح أمينة وهي تسألها
_انتي مش ملاحظة غياب حاجة؟
ازدادت قطبة جبينها للحظات قبل ان تفهم مقصدها
انقبض قلب أسيل عندما فهمت مغزى أمينة ثم تحولت انقباضته لضربات سريعة جعل الدوار يعود إليها
هزت راسها بنفي لا ليس حقيقة لن تتحمل المزيد من المصائب فوق رأسها
تطلعت إلى أمينة وسألتها
_تقصدي ايه؟
هزت راسها بحيرة
_اقصد اللي فهمتيه بس خلينا نتأكد الأول.
قطبت جبينها بدهشة وعادت تسأل
_أتأكد إزاي؟
_مفيش غير إننا نروح للدكتور عشان نتأكد.
اهتزت نظراتها وقد شعرت بأن الدنيا تنهار من حولها.
تعالت ضربات قلبها من شدة الخوف وسالتها بتوجس
_وإن طلع حمل؟
هزت أمينة كتفها بحيرة
_مش عارفة يا بنتي بس حاجة زي دي ترجعلك انتي عايزة تحتفظي به هكون معاكي عايزة تنزليه انتي حره بس ده هيكون قتل روح بريئة.
تطلعت إليها بغرابة وتمتمت بضياع
_وروحي انا اللي اتقتلت.
ازاي هقدر اشيل جوايا حته منه بعد اللي عمله فيا
_والطفل ده ذنبه ايه
صاحت بعذاب
_وانا ذنبي ايه؟ ليه هو يعيش حياته وأنا أعيش بغلطته باقي حياتي وكمان اتحمل مسؤولية طفل منه
تفتكري لما يتولد أسجله ازاي؟
لو سألني فين ابوه أقوله ايه؟
نظرة المجتمع ليا وله هتكون ازاي؟
مستحيل أخليه في بطني لحظة واحدة.
ذهبت أسيل مع أمينة إلى المشفى وقد طلبت منها عدم أخبار حازم بذهابهم
لن تستطيع مواجهته إن تأكد شكهم
إن أكدت لهم الطبيبة ستطلب منها إجهاضه وتتخلص منه دون ان يدري بى اى شيء
دلفت غرفة الكشف فسألتها الطبيبة
_انتي متجوزة بقالك قد ايه يا مدام حور؟
اهتزت نظرات أسيل لكنها تحلت بالثبات قائلة
_من تلات شهور.
أشارت لها بالتسطح على السرير لعمل السونار
فتبدأ الطبيبة عملها ويظهر أمامها صورة الطفل الذي بدأ تكوينه، رفضت أسيل النظر إليه كي لا تضعف
كانت الطبيبة تشرح لها وهي بعالم آخر لا تريد أن تسمع شيء.
لا تريد أن تراه
ضربات قلبها تنبض بقوة آلمتها لكن عليها أن تكون أقوى من ذلك.
بعد الانتهاء قالت الطبيبة
_هكتبلك على مثبتات عشان….
قاطعتها أسيل وهي تنهض من السرير
_بس أنا جاية عشان أنزله.
اندهشت الطبيبة وبدا الشك يظهر عليها فقالت أمينة تصحح لها
_أصل في مشاكل بينها وبين جوزها وهما دلوقت على وشك الطلاق.
لم تقتنع الطبيية بقولها لكنها قالت
_على العموم معنديش مانع بس عايزة موافقة الزوج الأول.
سألتها أسيل
_ولو موافقش.
ردت الطبيية
_والله حاجة زي دي مرفوضة تمامًا إلا لو كان عن تعدي بنفضل اننا نساعد البنت ونخلصها من الفضيحة فـ….
قاطعتها أسيل بجمود
_بالظبط كدة لو سمحتي خلصيني منه.
اومأت الطبيبة لها ثم قالت
_عندنا طريقتين إنك تاخدي ادوية والجنين بينزل في خلال اسبوع بالكتير أوي أو عملية…
قاطعتها أسيل بثقة
_عملية ودلوقت.
كانت تريد أن تنهي الأمر قبل أن تتراجع فقد بدأ قلبها يحن إليه
وافقتها الطبيبة وطلبت منها الذهاب معها إلى أحد الغرف في الطابق الأخير
استلقت أسيل على السرير ودموعها تنزل بغزاره وقلبها يطلب منها التراجع
لكن عقلها يأبى ذلك عليها ان تتخلص منه لأجله وليس لأجلها
اغمضت عينيها عندما وجدت الممرضة تقترب منها وبيدها امبول الحقن
ودون إرادة منها وجدت دموعها تزداد حتى عالى صوت نحيبها
تقدمت الطبيبة منها كي تهدءها لكن لفت انتباهها صوت عالي بالخارج.
أشارت للممرضة بأخفاء الحقن وجذب الستار على أسيل
لكن دخول ذلك الطبيب حال دون ذلك وهو يهدر بها
_انتِ يا دكتورة فاكرة نفسك فين؟ وازاي تعملي جريمة زي دي في مستشفى بالمكانة دي.
ارتعبت الطبيبة
_يا فندم انا……
انفعل الطبيب أكثر
_بلا فندم بلا زفت انتِ متحولة لمسائلة قانونية وهما يشوفوا شغلهم معاكي، اتفضلي برة.
تطلع الطبيب إلى أسيل التي تبكي بصمت فتقدم منها لتنصدم ملامحه عندما عرفها
_أسيل؟!!
❈-❈-❈
وقف في شرفة منزله شاردًا كعادته بها
لا تترك مخيلته لحظة واحدة هل حقاً كما أخبروه أنها رحلت دون عودة؟
لما؟
هل لأنها علمت باعاقته؟
إن كان ذلك لن يلومها
ما الذي يجبرها على البقاء مع ذلك العاجز الذي فقد كل شيء بلحظة.
نظره، وعمله، وبيئته.
فقط يعيش بظلام دامس لا يعرف نهاره من ليله
فقد أصبحت حياته ليلاً ويبدو أن لا نهاية له
قلبه يسامحها ولا يعرف كيف
يشعر بغصة حادة توجعه كأنها تناديه
لكن أين هي؟
يريد الوصول إليها أن يعرف منها سبب ذلك البعد وما حدث بتلك الليلة.
اسئلة كثيرة يريد الإجابة عليها
لا يتذكر سوى دخولهم للمنزل وحديثهم القليل ثم غاب كل شيء وكأن احدهم ضربه بمطرقة على رأسه أفقدته الوعي ولم يستيقظ إلا هنا في بلد أخرى.
سقطت دمعة حارقة على خده وحنين جارف يطالب بها
يريدها، يشتاقها يصرخ بصمت ينادي عليها عليها لعها يومًا تجيبه
لكن لم يجد سوى صدى صوته يعود إليه يواسيه.
سقط على ركبتيه حينما بلغ الألم مبلغه وأخذ يبكي.
يبكي على كل شيء ضاع منه وأولهم حبيبته
مازال قلبه الخائن يعشقها حد الجنون يطالب بها
لا حياة له بدونها وهي حقيقة لن يستطيع أحد ردعها.
اسند جبهته على السور الرخامي وأخذ ينتحب بشدة
لم يعد يستطيع تحمل ذلك الألم
لم يعد باستطاعته الصمود وهو في البداية
لو كانت معه لو كانت بجواره لهونت عليه كل شيء.
❈-❈-❈
وضعت العاملة كوب العصير أمام أسيل التي انتهت من سرد كل شيء لذلك الطبيب والذي آلمه حقاً ما مرت به.
انصرفت العاملة وقال عاصم
_اشربي العصير هيهديكي شوية
مسحت أسيل دموعها وتمتمت بألم
_مفيش حاجة هتقدر تهدي النار اللي جوايا يا عمي.
نهض ليجلس على المقعد المقابل لها وقال بتعاطف
_انا حاسس بكل اللي بتمري به، بس دي حاجة خارجة عن إرادتك محدش يقدر يدينك فيها.
تطلعت إليه بابتسامة مغمزة بالمرارة
_دا اقرب الناس ليا ماقلش كدة فمبالك الغريب، مكنش قدامي حل غير إني أجهض الطفل ده.
_بس مش يمكن ده يكون عوض ليكِ.
ردت بألم
_يمكن بس تفتكر بعد ما يتولد هسجله إزاي
لما يسأل عن أبوه هقوله ايه.
رد عاصم بحكمة
_شوفي يا بنتي ربنا قال في كتابه العزيز( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) يعني ربنا مش بيخلق حاجة عبث وخلاص أكيد له حكمة في ده وعشان كدة بقولك احتفظي بيه وبكرة أما تشيليه بين اديكي هتنسي كل حاجة مش هتفتكري غير حبك له وخلاص.
نهض من مقعده وقال
_تعالي يا ستي نطمن عليه بعد الحالة اللي كنتي فيها.
وافقت أسيل وقام عاصم بعمل السونار لها وأشار لها على صورته
وعند تلك اللحظة تنتهي أي ضغينة تحملها بداخلها بل تحولت لفرحة عندما بدأ يريها تفاصيله
ويشرح لها ما عليها فعله كي يكون بصحة جيدة
وعلمت حينها بأنه ربما يكون عوضها عن ذلك العذاب الذي عاشته ومازالت تعيشه.
أما هو فقد ظل حابسًا نفسه داخل غرفته لا يسمح لأحد بالولوج ولا يريد أن يخرج منها
انتهى كل شيء بعد رحيلها
أصبحت حياته قاحلة فلم يعد يرغب بها
وفقط سؤال واحد أصبح محور حياته
لما تخلت عنه؟
لقد كان في أشد الحاجة إليها
فلتعود ولن تكون إعاقته عبء عليها
فقط تعود.
رواية جبل النار الفصل التاسع عشر 19 - بقلم رانيا الخولي
مرت الأيام وكل منهم في وادي سحيق لا يستطيعون الخروج منه.
يتظاهرون بالقوة وأن ما حدث ولى وانتهى، لكن ذلك أبعد بكثير.
فقلوبهم تلتهب شوقاً إلى بعضهم البعض رغم قسوتهم.
عاتب كل منهم الآخر من القلب للقلب، حتى تعبت القلوب وسيطر العقل على كل مشاعرهم ليحل محلها الانتقام.
وكلما ازداد الشوق كلما ازداد الكره بداخلهم حتى وصل ذروته، ثم تحول إلى رغبة في الثأر.
بدأ الحمل يظهر عليها فبدأت تتدرى أكثر كي لا يلاحظ أحد حملها.
"حور" تلك التي أخذت اسمها فلا تريد أن تدنسه، لذا كان عليها أن يظل الحمل طي الكتمان.
فقط تكتفي بالجلوس قليلًا في الشرفة ثم تعود مسرعًا حينما تهاجمها الذكريات، وتتنفس بعمق وتخرجه متمهلًا.
هكذا أخبرتها الطبيبة النفسية التي وصى بها عاصم عليها.
أما هو فقد زهد كل شيء وتصالح مع ظلامه، لكن لم تترك صورته مخيلته لحظة واحدة.
حاول بشتى الطرق أن يخرجها، لكن قلبه العاصي تشبث بها يأبى الرضوخ له وأعلنها مستسلمًا أن لا ملجأ له سواها.
ما زال عاشقًا ولن يرضخ لسطوة عقله.
جاء موعد تدريبه والذي أصر عليه عمه كي يشغله قليلًا.
حاول الرفض، لكن هو يريد الاعتماد على نفسه فقد أصبح واقعًا وعليه الرضا به.
دلفت الفتاة وهي تضع حقيبتها على الأريكة التي يجلس عليها، وقد كان خافضًا رأسه يستند بمرفقيه على ساقه.
"صباح الخير مستر داغر."
رد داغر باقتضاب ومازال على وضعه.
"صباح الخير."
علمت من هيئته بأنه لا يريد التحدث وأن تبدأ عملها مباشرة.
بدأت الفتاة عملها.
"أين وضعت حقيبتي؟"
رد داغر بثبوت.
"على يميني بمقدار خطوة واحدة."
عادت هي خطوة للوراء دون أن تصدر أي صوت.
"وأنا؟"
"ابتعدتِ عنها خطوة واحدة بعد أن كنتِ بجوارها."
ابتسمت لفطنته وتعلمه السريع.
"لقد تعديت المرحلة الأولى في وقت وجيز. هل أنت مستعد للمرحلة الثانية؟"
أومأ لها مستسلمًا فقالت بروية.
"إذا علينا الخروج من الغرفة."
رفض داغر قائلًا.
"لن أخرج خارج هذه الغرفة."
"لكن لابد من ذلك، لن تظل داخل تلك الغرفة للأبد، عليك الخروج من تلك الدائرة التي وضعت نفسك داخلها. لقد أخبرك الطبيب أن حالتك الآن نفسية وليست طبية، فعليك أن تساعد نفسك كي تخرج من ذلك الظلام الذي أحاطك."
تمتم داغر وهو على وضعه.
"لم تعد للحياة أهميتها."
جلست الفتاة على المقعد قبالته وقالت برتابة.
"من قال ذلك، هل معنى فقدانك لشخص عزيز أن يجعلك بذلك اليأس! الحياة لا تقف عند أحد، إذا اختارت هي البعد فكن مثلها واختار الصمود، ومع الوقت ستكون ماضيًا عابرًا مر يومًا بحياتك. قم معي وابدأ أولى خطواتك خارج هذه الغرفة ولا تسمح لشيء أن يهدم ذلك الجبل الشامخ، كن كجبل النار لا يستطيع أحد إطفاءه."
وافقها مجبرًا ليس لطوي صفحات الماضي ولكن كي لا يشكل عبئًا على أحد بعد الآن.
خرج من الغرفة ثم واصلت الفتاة عملها.
"عليك أن تخلع حذاءك، بما أنها المرة الأولى سيساعدك ذلك باكتشاف المكان أفضل."
فعل ذلك، وبدأت ترشده كيف ينزل الدرج بعصاه وكيف يقيس الدرجات مع كل درجة، وكذلك الصعود.
تدرب على كل شيء حتى الأنفاس التي تخرج ممن بجواره، هل رتيبة تكون عادية أم لاهثة أم مرتبكة.
حتى الخطوات وكل شيء متعلق بالحياة من حوله.
انتهى تدريبه مع انتهاء مدة حملها وجاء موعد ولادتها.
كانت ولادة عسيرة أرهقتها واستغرقت وقتًا كبيرًا.
شعرت بوحدة قاتلة ولم يخفف من حولها من حدتها.
فمن تحتاج لوجودهم لم تجد أحدًا منهم، بل تخلى عنها الجميع.
لم تستطع أمينة ولا هايدي تعويضها في تلك اللحظة.
لم تحتاج لغيره، تريده في ذلك الوقت معها، لا أحد غيره يستطيع التخفيف عنها.
ستغفر وتسامح فقط يعود، فليعود من حاربت الكون لأجله، من تحملت ويلات العذاب لعشقه.
صدحت صرخة قوية باسمه، وبعدها أعلن الصغير خروجه للحياة.
وفي ذلك الوقت كان داغر يشعر بغصة مؤلمة حادة بقلبه لا يعرف سببها.
يشعر بها تناديه، تستغيث به، لكن أين؟
وضع يديه على أذنيه ربما يخفف من ذلك الصوت الذي اقتحمه فجأة وكأنها بجواره.
يشعر بقلبه الملتاع يئن ألمًا ولا يعرف سببًا لذلك.
يصرخ بدوره باسمها يناشدها أن تعود، هي وحدها من لا يخجل من إظهار ضعفه أمامها.
وهو الآن في أكثر أوقاته ضعفًا.
جثى بركبتيه على الأرض وسمح لنفسه بالانهيار.
يصرخ ويصرخ ويناجيها أن تعود.
سيغفر بدوره ويسامح فقط تعود.
ولم يدري شيئًا عن حالة عمه وهو يسمع صرخاته ولا يستطيع الاقتراب منه.
يرفض أن يواسيه أحد حتى لو كان عمه.
وانزوى ذلك اليوم داخل غرفته ولم يستطع أحد إخراجه من تلك الحالة.
دلف عاصم الغرفة فيجد أسيل تحمل طفلها بين ذراعيها تتطلع إليه بشرود.
"عاملة إيه يا حور دلوقت؟"
رفعت عينيها إليه وابتسمت له بامتنان.
"الحمد لله أحسن، متشكرة أوي يا عمي مش عارفة لولا وجودك كنت عملت إيه."
جلس على المقعد بجوارها وقال.
"بصراحة لو حد يستاهل الشكر ده فهو حازم، أنا معملتش أي حاجة تذكر جنب اللي عمله."
التزمت الصمت ولم تجيبه، فقال عاصم.
"ها مقولتيش هتسميه إيه؟"
عادت تنظر لطفلها الذي تمسك بقبضته الصغيرة إصبعها وتمتمت بحزن.
"على قد ما وجوده خفف عني كتير على قد ما تعبني وهزني وأنا حتى مش عارفة أسجله زي أي طفل، بفكر أسجله باسم بابا بس خايفة يعرف بأي طريقة ويكتشف إني لسة عايشة، وفي نفس الوقت مش هينفع أسيبه كده."
تحدث عاصم بعقلانية.
"يبقى تعملي اللي العقل بيقول عليه وتروحي لأبوه تعرفيه، على الأقل يسجله باسمه ولو بعقد عرفي وبعدها كل واحد يروح لحاله."
تطلعت إليه بوجل وقد اهتزت نظراتها وعادت إليها ذكريات حاربت كي تنساها.
ارتعش جسدها وبدأت الدموع تتجمع بعينيها وهي تهز رأسها برفض.
"لأ... مستحيل."
"بس انتِ مجبرة يا أسيل مش عشانك عشان خاطر ابنك، من حقه يكون له اسم وعيلة. مش بقولك ارجعيله، كل اللي بقوله إنك تروحي لأبوه وتعرفيه إنه له ابن ولازم يحمل اسمه."
"ممكن يرفض."
قالتها بقلب ملتاع، لكن عاصم نفى بثقة.
"مستحيل أب يشوف ابنه ويرفضه. على العموم فكري كويس وخلي ابنك مصلحته فوق الجميع."
تركها وخرج من الغرفة فيصادف خروجه دخول أمينة وهايدي التي تحمل الطعام بيدها.
"معلش يا حور آخرنا عليكي."
مسحت دموعها سريعًا وتظاهرت بالابتسامة.
لهايدي التي لم تتركها لحظة واحدة وظلت بجوارها.
قالت بامتنان.
"مأخرتيش ولا حاجة أنا اللي تعبتك أوي."
أخذت أمينة الطعام من يدها وقالت.
"تعبك راحة يا بنتي متقوليش كده."
أخذت هايدي الطفل من يدها وقالت.
"سيبيلي أنا القمر ده واتغدي أنتِ."
تطلعت أسيل للطعام وقالت برجاء.
"أرجوكِ يا دادة مليش نفس بلاش تغصبي عليا."
ردت أمينة بإصرار.
"مش هينفع لازم تاكلي أنتِ ما أكلتيش حاجة من امبارح."
تحدثت هايدي بحزم.
"لازم تاكلي يا حور عشان خاطر ابنك."
وافقت أسيل على مضض وتناولت القليل ثم أصرت على عدم إكمالها.
أخذت هايدي تشرح لها كيفية التعامل معه وهي شاردة في حديث عاصم.
لا تعرف ماذا تفعل، هل توافقه وتذهب إليه لأجل طفلها؟
لكن ماذا إن رفض الاعتراف به؟
سيزيد ذلك من بغضها له وربما وقتها يهدأ ذلك القلب الملتاع لمعذبه وتنطوي تلك الصفحة للأبد.
أعادها لشرودها حازم الذي دلف مرحبًا بالجميع.
"السلام عليكم."
رد الجميع.
"وعليكم السلام."
تابعت هايدي.
"ممكن أعرف حضرتك كنت فين كل ده؟"
رد وعينيه تتطلع إلى أسيل.
"معلش كانت في حالة صعبة ومكنش ينفع أسيبها. عاملة إيه يا حور دلوقت."
ابتسمت له بامتنان.
"الحمد لله أحسن."
تطلع لهايدي وتحدث بجدية.
"هايدي خدي الولد اكشفي عليه واتأكدي إن كل أموره تمام."
شعرت هايدي بأنه يود التحدث مع أخته لذا قررت تركهم وخرجت به من الغرفة.
"حاضر يا حبيبي بعد إذنكم."
خرجت هايدي وتطلع إلى أسيل يسألها.
"ها يا أسيل فكرتي فاللي قولتلك عليه؟"
قررت أمينة تركهم كي لا تخجل أسيل من وجودها رغم رفضها لذلك القرار الذي اتخذه ابنها.
ليس لأنها ترفض أسيل لكن لأجل زوجته التي لم يرى منها سوى كل خير.
خرجت أمينة وتطلعت أسيل إليه بعرفان.
"شوف يا حازم أنا فتحت عينيه على الدنيا دي لقيتك قصادي. كنت بتعوضني عن جفاء سليم معايا حتى قسوة بابا كنت بتعوضني عنها. لما كنت بعيط محدش كان بيواسيني غيرك عشان كده كبرت وأنا شيفاك أخ، كنت بتمني إن الإنسان اللي هأرتبط به يكون زيك، بطيبتك بحنيتك بقلبك الكبير بس بصراحة صدمتني لما جيت صرحتني بمشاعرك. كان لازم أرفض لأن مينفعش البنت تتجوز أخوها، ولا حتى النهاردة ينفع."
"بس أنا لسه بحبك."
"وأنا لسه شيفاك حازم أخويا، وبعدين أنا حبيت هايدي واتعلقت بها قوي ومستحيل أكون سبب في دمار حياتها. أنا لسه محتاجالك ويمكن النهاردة أكتر من أي وقت، أنا وابني محتاجين لوجود أخ نعتمد عليه مش أكتر من كده. ابني مش هيتسجل غير باسم أبوه، أنا قررت أروح وأعرفه بوجوده عشان يسجله وبعدها هاخده وأسافر إيطاليا ومش هرجع هنا تاني."
حاول الاعتراض.
"بس..."
قاطعته أسيل.
"ده قراري الأخير ومش هغيره، ارجوك يا حازم ساعدني وبلاش تقف قصادي لأن مبقاش ليا غيرك."
طرق الباب ودلفت هايدي وهي تطمئنهم بابتسامة حاولت بها إخفاء مشاعرها وهي تعيد الطفل لأسيل.
"اطمني يا حور ابنك زي الفل ربنا يخليه."
تطلعت لحازم الذي لم يلاحظ نظرات العتاب بعينيها وقالت.
"ها يا حبيبي هنروح دلوقت ولا إيه، الدكتور طمنا وقال إننا نقدر نروح."
أومأ لها وقال.
"ساعديها تغير هدومها وأنا هشوف الدكتور قبل ما نمشي."
بعد مرور شهر.
وقفت سيارة الأجرة أمام المنزل الذي شهد على لحظات لم تمحيها السنين.
هنا قضت أسعد أيامها وتغنت كثيرًا بعشقهم.
لم تتخيل يومًا أن تأتي إلى ذلك المكان بتلك الطريقة، بل كانت تحلم بأن تأتيه بثوب زفافها وهي تحمل كعروس وليس طفلًا بيدها آتية كي تتضرع له بالاعتراف به.
انتبهت على صوت السائق يسألها.
"هستنى حضرتك ولا أمشي."
فكرت قليلًا ثم قالت.
"استنى متمشيش."
أومأ لها السائق وهمت بالترجل لكن لم تقوى على ذلك.
لا تملك القوة لمواجهته، لن تستطيع الدخول ورؤيته.
عليها الهرب الآن قبل أن تراه أمامه.
تطلعت لطفلها الذي أخذ يبكي كأنه يعترض على ذهابها.
مما جعلها تزدرد جفاف حلقها بصعوبة ثم تمسكت بطفلها وترجلت من السيارة وقد ازدادت وتيرة دقاتها.
تقدمت من المنزل بأقدام واهنة حتى وصلت للبوابة الكبيرة.
تفاجئت بالحارس يخرج منها وسألها.
"في حاجة يا هانم."
حاولت أسيل البحث عن صوتها فخرج مهزوزًا وهي تسأله.
"كنت جاية أسأل عن كابتن داغر."
تعجب الحارس من سؤالها.
"بس داغر بيه مسافر من فترة طويلة أوي."
ظنت أسيل أنها رحلة عمل لذا سألته بتوجس.
"متعرفش هيرجع امتى؟"
هز رأسه بنفي.
"حقيقي معرفش بس مظنش إنهم هيرجعوا دلوقت."
اندهشت لصيغة الجمع التي يتحدث بها ثم سألته مستفهمة.
"هما مين؟"
"هو وخليل بيه الاتنين سافروا من سنة تقريبًا ده كل اللي أعرفه لأني مستلم الشغل جديد."
تركها الرجل وعاد للداخل فتجمعت الدموع بعينيها وأخذت تنظر إلى المنزل بضياع.
فقد فعل فعلته ولاذ بالفرار.
استدارت لتمضي وقد أقسمت أن تنتقم منه يومًا أشد انتقام.
فقط يعود وستعمل بكل الطرق على إسقاطه.
عودة للحاضر.
انتبه داغر لصوت الباب ليعيده لواقعه.
وحاول أن يظهر صامدًا بعد تلك الذكريات التي داهمته.
قام بوضع البوصلة في موضعها داخل الخزانة لكن لم ينتبه جيدًا فتسقط علبة أخرى بالخطأ كانت بجوارها.
انتبه لسقوط شيء ما فقام بتحسس مكان الأخرى لكن لم يجدها.
يبدو أنها من سقطت على الأرض.
مال على الأرضية وأخذ يتحسس بيده يبحث عنها، عليه أن يجدها، لا يجب أن تراها.
أخذ يتحسس الأرضية يبحث عنها بيده حتى استطاع إيجادها.
أغمض عينيه براحة لم تدوم طويلًا عندما وجدها فارغة.
إذا لقد سقط ما بها.
ضغط أكثر على أسنانه وكره عجزه الذي أوصله لتلك المرحلة من العذاب.
واصل تحسسه لكن لا أثر له.
لكنه لم ييأس، عليه أن يجده بأي شكل.
لكنه انتبه لنفسه عندما لامست يداه قدمها حينها أجفل وشعر بكم ضآلة لم يشعر بمثلها من قبل.
هاجت أعصابه وبدأت عينيه الرمادية تتحول لسحب محملة بالغيوم وفمه الحازم يتشنج من شدة غضبه.
ثم غمغم بلهجة حازمة أخفى منها مدى سخطه.
"اطلعي برة."
رمقته أسيل بنظراتها المتشفية وقد أصبح أمامها ذليلًا لعمائه.
انفعل أكثر عندما لم يسمع خطواتها وهدر بها ساخطًا.
"قلتلك برة."
كان صوته تلك المرة يحمل غضب الدنيا بأكمله مما جعلها ترمقه باستخفاف وخرجت من الغرفة.
شعور بالرضى تظاهرت به لكنها تعلم جيدًا بأن ذلك القلب الخائن يئن ألمًا عليه وعلى ما وصل إليه.
انسحبت بهدوء كي لا يشعر بها، يكفي ما رأته حتى الآن.
عليها أن تنتقل لخطتها الثانية وبعدها سيكتمل انتقامها وترحل من تلك البلد دون عودة.
عادت أسيل إلى المنزل في وجوم تام.
لا تعرف ما سبب تلك الغصة التي تشعر بها.
مؤكد بأنها ليست لأجله.
اندهشت أمينة من عودتها مبكرًا فتقدمت منها لتجلس بجوارها تسألها.
"إيه يا أسيل اللي رجعك تاني."
أسندت رأسها على ظهر الأريكة وقالت بإرهاق.
"حسيت نفسي تعبانة شوية قلت أروح أرتاح."
طلعت إلى وجهها الشاحب وسألتها بقلق.
"انتِ أخدتي العلاج الصبح؟"
وضعت يدها على رأسها وتمتمت بألم.
"مبقاش بيجيب نتيجة، عايزة أروح للدكتور تاني وأطلب منه يغير العلاج."
اعتدلت لتلتفت حولها تبحث عنه.
"اومال فين إياد؟"
"لقيت جسمه دافي اديته دوا للسخونة ونام."
انقبض قلبها بقلق وقالت بلهفة.
"طيب اتصل على هايدي تيجي تشوفه."
"كلمتها وهي اللي قالت اديله دوا للسخونة متقلقيش."
نهضت أسيل بقلب لهيف.
"مقلّقش إزاي أنا هدخل أشوفه."
دلفت الغرفة مسرعة فتجده نائمًا في فراشه قامت بحمله والتأكد من حرارته فوجدتها ليست طبيعية.
دلت أمينة خلفها وهي تقول.
"يا بنتي قولتلك كويس بتقلقيه ليه بس."
شدت أسيل من احتضانه وصورة والده وهو منكب على الأرض لا تترك مخيلتها فتمتمت بحزن وهي تتطلع إليها بقلق.
"بس جسمه لسه سخن."
"لسه أخد الدوا دلوقتي ملحق يعمل مفعول اطمني."
حاوط ابنها عنقها بيديه الصغيرة ووضع رأسه على كتفيها بإعياء.
"انتِ متأكدة إنها سخونة بس، أنا بقول أكلم هايدي تيجي تشوفه أحسن."
"اطمني هي قالت لما تخلص الشيفت بتاعها هتعدي تطمن بنفسها."
جلست على الفراش وهي مازالت تحتضنه وهو غافي على كتفها وشعور بالذنب يكتنفها.
مهما وصل تعبه لا تستطيع الخروج به من المنزل وتنتظر مجيء هايدي التي حقيقة لا تتأخر عنه وتعامله كطفلها.
تنهدت بتعب وقالت.
"حاسة بذنب كبير أوي من ناحيته."
"وبعدين معاكي يا أسيل هتفضلي محملة نفسك الذنب لحد امتى، أنا اتخدعت فيه زيك بالظبط مش لوحدك وبعدين هو نصيبه من الدنيا كده."
"مش عارفة هيفضل لحد امتى كده مش عارفة أسجله."
"ما حازم..."
قاطعتها أسيل بإصرار.
"قلت لأ هو ملوش ذنب يتحمل غلطة غيره ارجوكي بلاش كلام في الموضوع ده تاني."
"خلاص تروحي لأبوه وتعرفيه."
تنهدت أسيل وسألتها.
"وإن أخده مني هعمل إيه وقتها."
"ميقدرش يعملها."
"مين قالك كده، اللي زي ده ممكن يعمل أي حاجة لأن الخيانة في دمه. كنت فاكرة إني هعرف انتقم منه بس اكتشفت إني أضعف من كده بكتير، وأضعف من إني أقف قصاده، والآخر طردني."
لحت صوره أمامها.
"أو يمكن عشان لقيته عاجز قدامي فقلت عدل ربنا مفيش أفضل منه، بس مقدرش أجازف وأعرفه إنه له ابن."
سألتها أمينة.
"يعني خلاص هتسيبي الشغل عنده."
أومأت أسيل وهي تنظر لصورته المصغرة.
"خلاص معدش له لزوم."
ربتت أمينة على ساقها وقالت بسرور.
"كده أفضل سيبي الملك للمالك هو اللي هياخدلك حقك وانتي في مكانك. يلا نيمي ابنك ونامي جنبه شوية."
أومأت أسيل ووضعت ابنها في فراشه ونامت بجواره.
أخذت تحسس على وجنته الناعمة وتدقق في تفاصيله التي لم تترك شيئًا من أبيه.
هل هذا عقاب آخر أن يظل بحياتها حتى بعد خروجه منها؟
لكن من قال أنها استطاعت إخراجه من داخلها.
واهمة إن ظنت ذلك.
فمنذ أن وقعت عينيها عليه وعاد القلب ينبض من جديد.
فكلهما حاولت إخراجه نظرة واحدة لطفلها تعيد إليها ذكريات لا تنسى.
في منزل.
دلت فايزة غرفة ابنتها فتجد أنها مازالت نائمة.
"هايدي هتفضلي نايمة كده؟ مش هتروحي المستشفى؟"
نهضت هايدي بتكاسل وتمتمت.
"لأ أخدت إجازة النهارده كمان، حاسة بتعب شديد أوي."
"ده أكيد من الحمل، قومي افطري معايا وخلينا نتكلم شوية."
كانت هايدي تتلاعب بطعامها تمثل فقط بأنها تأكل ولم يخفى ذلك على والدتها فسألتها.
"انتي ناوية على إيه يا هايدي."
رفعت عينيها عن طبقها.
"اعمل إيه في إيه؟"
"في جوزك اللي مصر على رأيه."
ابتسمت بحزن عميق وقالت بعدم اهتمام.
"مش فارقة."
"يعني إيه مش فاهمة؟"
تركت الملعقة من يدها وأجابت.
"يعني وجودي في حياته زي عدمه، كنت مجرد زوجة بتلبي احتياجاته وخلاص بس الزوجة دي جابت آخرها ومبقتش بحس معاه بالأمان فالأفضل لها إنها تنسحب بهدوء وتخرج من حياته بكرامتها."
لم تقتنع برأيها.
"بس يا هايدي انتي بقالك خمس سنين متجوزين عمرك ما شكيتي منه وكنت بشوفكم مبسوطين أوي مع بعض."
لاح الحزن بنظراتها.
"ده اللي كنت بضحك على نفسي بيه وأقول كفاية إنه بييجي آخر الليل ينام في حضني أنا مش واحدة غيره. بس طلعت غلطانة لأن غيري هي اللي مالكة كل جوارحه مش بس قلبه. وصل إنه ينطق اسمها وهو في حضني يعني وهو معايا فاكرني. هي تدحرجت دمعة على عينيها وتابعت. وفوق كل ده رافض يخلف مني، أكيد من جواه بيفكر لو قدر يوصل لحبيبته هيبقى الخلاص من طفلين أفضل من ثلاثة."
مسحت دمعتها وتابعت.
"عشان كده أنا مش هنزل الحمل ده ومش هرجعله."
"بس أنا شايفة إنك بتظلمي حازم لأنه مش بـ..."
قاطعتها هايدي بفتور.
"لو سمحتي يا ماما الموضوع ده منتهي مش عايزة كلام فيه، أنا بقالي خمس سنين بقول بكرة يرجع ومينفعش أهد بيتي بإيدي، بس هو اللي هده بإيديه. الحل الوحيد قدامي هو الطلاق غير كده لأ."
ضربت فايزة على صدرها.
"طلاق؟! انتي اتجننتي؟"
هزت رأسها بتأكيد فقالت فايزة باستنكار.
"لأ انتي شكلك اتجننتي فعلاً."
"لأ يا ماما متجننتش كل الحكاية إني عايزة أحافظ على اللي باقي من كرامتي."
انفتح الباب ودلف منه فريد وهو يقول.
"اتفضل يا حازم ادخل."
نهضت هايدي لتتوجه إلى غرفتها لكن والدتها أمسكت رسغها تمنعها.
"عيب مينفعش تسيبيه وتمشي."
شدت يدها ودلفت لغرفتها تحت نظرات حازم المبغضة.
تحدث فريد بتعاطف.
"معلش يا ابني اعذرها هي بس واخدة على خاطرها منك، ادخل وراها وحاول تراضيها."
أومأ حازم وتوجه إلى غرفته.
نظرت فايزة لفريد وقالت باستياء.
"ليه متكلمتش معاه الأول."
جلس فريد على المقعد وتحدث بحكمة.
"لما نشوف الأول هيعملوا إيه، بنتك بتحبه وهو بيعرف يأثر عليها، هيرجعوا لبعض وكلمتنا إحنا اللي هتقف يبقى نهدى كده ونشوف هيعملوا إيه."
في الداخل.
دلف حازم الغرفة فوجدها جالسة على الفراش في سكون تام.
ألمه قلبه لحالتها لكنه مجبر لأجل مصلحته.
تقدم ليجلس بجوارها ثم تطلع إليها يسألها بروية.
"ممكن أعرف سبب للي بتعمليه ده؟"
لم تنظر إليه وظلت على وضعها فمد يده إلى يدها وقربها لفمه يطبع عليه قبلة اشتياق وتمتم بحشرجة.
"وحشتيني، بقالك يومين بعيدة عني."
سحبت يدها بهدوء لكنه لم ييأس وتسللت يده لخصرها يقربها منه وتابع حميته.
"إيه موحشتكيش."
طبع قبلة صغيرة على وجنتها قبل أن يتسلل لثغرها وهو يتمتم من بين شفتيها.
"الليلتين دول كانوا أصعب ليلتين مروا عليا وحشتيني أوي."
أبعدت ثغرها عن مرمى فمه مما جعله يزفر بنمق وسألها.
"إيه يا هايدي كل ده عشان أوهام في دماغك؟"
التفتت إليه بحدة وقالت باستنكار.
"أوهام؟ بعد كل اللي قلته ده وتقولي أوهام؟"
وضع يده على وجنتها وتمتم بثبات.
"هايدي أنا بحبك ومفيش في حياتي واحدة غيرك."
"بس قلبك فيه غيري."
تنهد بيأس منها وقال بتسويف.
"محصلش أنا..."
نبهته بتحذير.
"أوعى تكدب عشان مش بحب الكدب."
"بس أنا عمري ما كدبت عليكي، أنا بحبك أنتِ."
"وحور؟"
بغت بسؤالها وضيق عينيه بشك.
"حور أختي."
ابتسمت بسخرية ونهضت قائلة.
"حور مش أختك، لأن حور ماتت من سنين اللي معاكم دي أسيل حسين النعماني حلم حياتك."
جذبها حازم من ذراعها يسألها بحدة.
"انتي بتقولي إيه؟"
جذبت ذراعها من يده وقالت بثقة.
"بقول الحقيقة وأوعى تنكرها لأني اتأكدت بنفسي."
غمغم برفض.
"مش حقيقي."
"لأ حقيقي وأكبر دليل على كده إقناعك لها إنك تسجل إياد باسمك ومتخافش أوي كده عليها، انت عارف كويس معزتها عندي لأني شفت بنفسي قد إيه بتحاول تتجنب وجودك عشاني يعني أنا مقدرش أقول فيها حاجة. أنا بتكلم عنك أنت."
مسح بكفه على وجهه ثم سألها.
"انتي عايزة إيه دلوقت؟"
أشاحت بوجهها وقالت بتحدي.
"نتطلق."
"نعم؟"
قالها حازم بعدم استيعاب ثم تابع بحدة.
"يظهر إنك اتجننتي وعايزة اللي يرجعك لعقلك."
أمسك ذقنها كي يواجه عينيها وقال باحتدام.
"طلاق مش هطلق ولو السما اتطبقت على الأرض، وبالنسبة للحمل..."
تحولت نظرات التحدي لرجاء فتابع هو.
رواية جبل النار الفصل العشرون 20 - بقلم رانيا الخولي
ظلت فايزة تسلط عينيها على باب الغرفة تنتظر خروجهم.
فقال فريد:
_ في إيه يا فايزة، هتفضل عينك على الأوضة كده؟
ردت بضجر:
_ أعمل إيه، قلقانة أوي.
طمأنها فريد بثقة:
_ إن شاء الله خير، هايدي عاقلة وهتعرف تصلح أمورها. غير إن حازم عرف قيمتها بجد. ياريتها كانت عملت كده من الأول، بس أنا اللي ضغطت عليها بحجة إنها تحافظ على بيتها.
نفت فايزة حديثه:
_ هايدي حافظت على بيتها لأنها بتحبه، مش عشان ضغطك عليها. وصدقني هي حاليًا بتكابر، بس من جواها نفسها ترجع معاه دلوقتي.
تفاجأ كلاهما بأصواتهم العالية. فلم ينتظر أحد منهم ودخلوا الغرفة.
_ في إيه يا ولاد؟
رد حازم بامتعاض:
_ الهانم طالبة الطلاق.
تطلع إليها فريد بحنق:
_ صحيح الكلام ده؟
ردت بعناد:
_ آه يا بابا، صحيح.
تطلع فريد إلى زوجته وقال بحدة:
_ عقلي بنتك يا فايزة.
تطلع إلى حازم:
_ وأنت يا حازم، تعالى معايا.
في المكتب.
جلس فريد بجوار حازم وتحدث بعقل:
_ اللي أعرفه يا حازم إن أي راجل في الدنيا كلها بيتمنى عزوة وأولاد يملوا عليه البيت. فلما تيجي أنت تقول مش عايز الحمل ده ولازم ينزل، يبقى أكيد في سبب قوي له. فإذا أمكن يعني، تحكيلي إيه السبب.
لم يعد هناك داعي للكتمان. فقال بثبوت:
_ يا عمي، الموضوع ده صعب عليا أكتر منها، بس في سبب قوي يخلينا نعمل كده.
قطب فريد جبينه بحيرة وسأله:
_ يحق لي أعرف السبب ده؟
أومأ له، ثم تحدث بصعوبة:
_ بصراحة، هايدي مينفعش تخلف تاني.
قطب جبينه مندهشًا وسأله:
_ يعني إيه؟ ياريت توضح أكتر.
تنهد حازم بتعب وقال:
_ للأسف، هايدي في التوأم أصرت إنها تولد طبيعي، مع إن حالتها كانت صعبة زي ما الدكتورة قالت قدامك. وده سبب لها مشاكل في الرحم، يعني مش هيتحمل ولادة تانية ولا هيتحمل حجم جنين أصلاً.
تألم فريد لحالة ابنته وتمتم:
_ لا حول ولا قوة إلا بالله. طيب يا ابني، ليه مصرحتش هايدي بالحقيقة دي؟
اخفض عينيه بحزن عميق وقال:
_ لأن الخبر ده هيبقى صدمة كبيرة أوي عليها. وعشان كده كتمته جوايا ومقولتش لحد عشان أضمن إنه ميوصلش ليها.
تأكد الآن من حقيقة مشاعر حازم تجاه ابنته.
_ بس يا ابني، أنت لازم تقولها.
هز رأسه بنفي:
_ لأ، مش لازم تعرف.
_ يعني هتسيبها كده على عماها؟ طيب والحمل هتعمل فيه إيه؟
تنهد حازم بتعب وتمتم رغم صعوبة نطقها:
_ لازم أخلص منه.
_ إزاي؟
نهض حازم وهو يقول بثبوت رغم شعور الألم بداخله:
_ لما ييجي وقته، هعرفك.
خرج حازم دون أن يضيف كلمة أخرى وهو يشعر بغصة مؤلمة في قلبه. لا يعرف إذا كان منها أو عليها.
استقل سيارته وانطلق إلى المشفى كي ينهي ذلك الأمر.
***
في القاهرة.
جلس حسين في بهو المنزل يتطلع إلى ابنه الذي يترجل من الدرج حاملاً حقيبته في وجوم تام.
وشاهي جالسة بجواره تضع قدم فوق الأخرى تهزها بكل أريحية. ونظرات التشفي التي ترمق بها سليم هي السائدة الآن. فالأمس علم أن والده سجل الفيلا باسمها، ولم يتبقى سوى بعض الممتلكات التي لازالت باسمه.
توقف سليم أمامه وهو يسأله بفتور:
_ أنا ماشي.
لوهلة، ظهرت نظرة رجاء بعين حسين، لكن لم تلبث كثيرًا وحل محلها الجمود.
_ برضه مش ناوي ترجع؟
رد باقتضاب وهو يتطلع إلى شاهي التي ترمقه بتشفي:
_ لأ.
حافظ حسين على جموده وضغط على يديه يمنع تلك الرجفة التي أصابته في الآونة الأخيرة.
_ اللي تشوفه. بس ياريت الزيارة الجاية تكون أطول من كده.
أومأ له سليم وحمل حقيبته خارجاً بها من ذلك المنزل. لكن تلك المرة بلا عودة.
في منزل سليم بأمريكا.
عاد سليم وهو يشعر باشتياق شديد لها. فرغم رفضها التام له، إلا أنه حقاً يشتاق إليها إن غابت عنه ولو ليوم واحد.
قريبًا سيأتي الوقت المناسب ويخبرها بالحقيقة، لكنه ينتظر منها أن تقبله كما هو.
لم يخبرها بعودته لأنها لم تسأله مرة واحدة في كل المكالمات التي دارت بينهم، والتي كانت أغلبها مقتطبة.
جلس على الأريكة بارهاق وتطلع بعينيه إلى غرفتها. شعر برغبة ملحة أن يدلف إليها وينهي ذلك الخلاف معترفًا بكل شيء، لكن لم يحن الوقت بعد.
تطلع في ساعته فوجدها الواحدة ليلاً، فقرر الدخول إلى غرفتها للاطمئنان عليها ثم يعود إلى غرفته.
فتح باب الغرفة لكنه أجفل حينما لم يجدها. انقبض قلبه بخوف ودنى من المرحاض يطرقه، لكن ما من مجيب.
خرج مسرعًا وقلبه ينبض بقوة، ثم توجه إلى باقي الغرف، لكن لا أثر لها.
أخذ هاتفه من على الطاولة وقام بالاتصال بها، لكنه تفاجأ به بغرفتها.
خرج مسرعًا من شقته وتوجه إلى الشقة المقابلة لهم يطرقها.
خرجت له فتاة لم يتعدى سنها العشرون عامًا.
_ أهلاً سليم، حمد لله على السلامة.
حاول سليم الابتسام:
_ الله يسلمك. هي وعد عندكم؟
_ لأ، دي لسه راجعة شقتكم من شوية. خير، في حاجة؟
ازداد الخوف بداخله.
_ لأ، مفيش. آسف على الإزعاج.
عاد إلى شقته. ولا يعرف لما ساقته قدماه إلى غرفته. وبالفعل وجدها مستلقية على فراشه تحتضن منامته التي تركها على الفراش وقت ذهابه.
بأقدام واهنة تقدم منها وهو مأخوذ بسحر تلك اللحظة. مستلقية على جانبها بمنامة قطنية قصيرة، وخصلاتها المتماوجة مستلقية على الوسادة بجوارها وأخرى على جانب وجهها، والباقي يرسو بأريحية على منامته هو.
شعر برغبة ملحة بأن ينضم إليها ويشاركها ذلك الفراش كما تمنى طوال تلك الأعوام. ولم يتردد لحظة واحدة في ذلك.
فجلس بكل حذر على الجانب الآخر بعد أن خلع سترته وحذاءه. ثم استلقى واضعًا رأسه على الوسادة ويرمقها بمشاعر لم يعد باستطاعته التحكم بها.
أخذ يتطلع إلى محياها، يتنقل بعينيه بين ملامحها ببطء حتى وصلت لثغرها. وقد كانت نظرة خاطئة منه، إذ شعر بتدفق الدماء بأوردته حتى هدرت بقوة. وتساءل: هل إذا دنا منها أكثر وذاق مذاقها بقبلة خاطفة، ستشعر به؟
تفكيره بشأن تلك البادرة جعلت الدماء تندفع أكثر حتى أنفاسه أصبحت ثقيلة.
رفع أنامله ليبعد بها تلك الخصلة المتمردة عن وجهها، فيتصلب جسده عندما يجدها تفتح عينيها وتنظر إليه بهيام. تعجب منه، ردد اسمه بخفوت، ثم عادت لسباتها.
لكن صوتها الرخو محى على تعقله ووجد نفسه يدنو منها يتنفس أنفاسها، مكتفياً بذلك كي لا يهدم تلك اللحظة.
فأغمض عينيه يناشد النوم بجوارها.
***
ظل داغر يتقلب على جمر ملتهب كلما تذكر رؤيتها له وهو قابعًا أسفل قدميها يبحث عن ضالته. كيف لم ينتبه لدخولها؟ ما كان عليها أن تراه بذلك الضعف.
اعتدل في فراشه وأخذ يتحسس المنضدة حتى عثر على سجائره وأشعل أحدها بغضب شديد.
لعن عجزه ولعن قلبه الذي أساء الاختيار من البداية.
أسئلة كثيرة يود إجابتها، وأولها: يريد أن يعرف لماذا تعمل كممرضة، ولما أخفت هويتها؟ هل هربت من أهلها؟ هل جعلته يعشقها كي ينتشلها من براثين والدها؟ وعندما علمت بعجزه لجأت لذلك الطبيب؟
يكاد يجن ولا أحد يستطيع الوصول للحقيقة. إلى متى سيظل على ذلك الحال؟
ضغط على ساعة يده فعلم أنها الخامسة صباحًا.
نهض من فراشه وأخذ يتحسس طريقه دون عصاه. لن يلجأ لها بعد الآن. لا يجب أن تراه عاجزًا مستندًا على عصا.
خرج من الغرفة وتوجه للخارج فتلفحه نسمات باردة أشعرته برعشة تكتنفه.
ظل يسير على الرمال حتى وصل للمياه ورائحة اليود تخترقه.
أخذ نفسًا عميقًا وجاءته رغبة بالذهاب برحلة على متن يخته الذي يقف على بعد عدة أمتار منه. عامان لم يبحر به ولم يعد بإمكانه فعله. لكنه قرر أن يكون دافعًا له كي يشفى من ذلك الداء.
عليه الذهاب لتحديد العملية الأخيرة. رغم أن الطبيب أخبره بأن الأمر يعد نفسي ولا يحتاج إليها، لكنه لن ينتظر.
أما هي، فقد جفاها النوم وظلت تفكر فيه تارة، وتارة أخرى تتأمل طفلهم. تفكر في مصيره عندما يكبر ويسألها عن والده. لقد رفضت عرض حازم لها بأن يتبناه، لن تنسبه إلا لوالده.
لم تكد تغمض عينيها حتى سمعت طرقًا على باب المنزل. نظرت في ساعتها فتجدها السابعة صباحًا.
فتحت الباب فإذا به سائقه يقول باحراج:
_ أنا آسف إني جاي في وقت زي ده، بس كابتن داغر بعتني عشان أجيبك دلوقتي.
لم تفهم أسيل شيء، فقد طردها أمس ويأتي اليوم ليعيدها.
_ بس أنا سبت الشغل...
قاطعها برجاء:
_ أرجوكي تعالي معايا، تقولي الكلام ده بنفسك لأنه مش هيقتنع بأي أعذار.
وافقت أسيل مسرعة عندما سمعت بكاء طفلها وقد لفت نظر السائق، فقالت بوجل:
_ طيب، استناني في العربية وأنا جاية دلوقتي.
وافق صالح وأغلقت هي الباب ودلفت مسرعة لغرفتها. حملت صغيرها والذي أخذ يبكي باعياء. دخلت على أثره أمينة تسألها بقلق:
_ ماله؟ في إيه؟
قالت أسيل بقلق:
_ مش عارفة، بس جسمه سخن أوي.
جثّت أمينة جبينه فتجد أنه حقًا محموم.
_ لا، ده سخن أوي. خلينا نتصل على هايدي تيجي تشوفه.
طرق الباب مرة أخرى فارتبكت أسيل حينما سألتها أمينة:
_ مين اللي بيخبط ده؟
ردت أسيل بتلعثم:
_ ده... ده... السواق.
قطبت جبينها بدهشة وسألتها:
_ سيباه مستني ليه؟ اعتذري النهاردة.
ارتبكت أسيل أكثر وردت باحراج:
_ مش هينفع.
_ هو إيه اللي مش هينفع؟ وبعدين أنتِ مش قولتي إنك سبتيها؟
زدردت لعابها بصعوبة وتمتمت بتشتت:
_ مش عارفة، بس هو مصمم.
هتفت أمينة باستنكار وهي تأخذ منها الطفل:
_ أسيل، اطلعي اعتذري وعرفيه إنك مش هتروحي وتعالي اقعدي جنب ابنك، هو محتاجلك أكتر من أي حد.
أخذت أسيل تفكر في حل. هي لن تستطيع ترك ابنها بتلك الحالة، وأيضًا تريد أن تكمل خطتها.
حسمت أمرها عندما سمعت الطرق مرة أخرى فقامت بفتح الباب وقالت باعتذار:
_ زي ما قولتلك، مش هقدر أتوجد النهاردة وبكرة الصبح هكون موجودة.
وافق مجبرًا وذهب.
أما أسيل فعادت مسرعة إلى طفلها وقد ازداد قلقها عليه.
_ دادة، اتصلي على هايدي بسرعة خليها تيجي تشوفه.
قامت أمينة بمهاتفة هايدي وأخذت أسيل ابنها لتضع رأسه أسفل المياه كي تهدأ حرارته حتى مجيء هايدي.
جاءت هايدي وهي تسألهم بقلق:
_ ماله إياد؟ قلقتوني.
قالت أسيل بوجل:
_ سخن أوي ومش مبطل عياط.
قامت هايدي بمعاينته ثم قالت بقلق:
_ الحرارة مرتفعة أوي، لازم نعمله كمادات عشان تهديها مع العلاج.
أخرجت بعض الأدوية من حقيبتها وتابعت:
_ والعلاج ده هيساعد معانا، خلينا ندهوله.
بعد وقت، هدأ بكاؤه واستسلم الصغير للنوم بفعل الأدوية. فتطلعت أسيل إليها بقلق:
_ نومه ده عادي؟
ابتسمت هايدي وقالت بتعاطف:
_ آه عادي، متقلقيش. إن شاء الله لما يصحى هيكون أحسن بكتير.
تمتمت أسيل بامتنان:
_ متشكرة أوي يا هايدي، تعبتك معايا.
ربتت على يدها قائلة:
_ متقوليش كده، إحنا أخوات.
نظرت لإياد وتابعت:
_ وإياد زي علي وعمر بالظبط.
ظلت هايدي معها حتى هدئت حرارته.
_ الحمد لله، الحرارة نزلت وبقى أحسن بكتير. مضطرة أمشي عشان عندي شيفت في المستشفى. لو حصل أي حاجة، كلميني.
وافقت أسيل قائلة:
_ متشكرة أوي، مش عارفة لولا وجودك كنت هعمل إيه.
ردت هايدي بمغزى:
_ كنتي هتعملي اللي العقل يقولك عليه، إن أبوه يعرف بوجوده.
رمشت أسيل بارتباك وتمتمت برهبة:
_ باباه مسافر زي ما قولتلك و...
قاطعتها هايدي:
_ مفيش داعي إنك تخبي عليا، أنا عارفة كل حاجة. وعشان متظلميش حد، أنا سمعت حازم وهو بيتكلم في الفون مع طنط.
أمسكت ذراع أسيل لتجلسها على الأريكة وتجلس بجوارها:
_ أسيل، وخليني أندهلك باسمك الحقيقي. ابنك لو قدرتي تخبيه عن الدنيا دلوقتي، بكرة مش هتعرفي. وكمان حرام عليكي إنك تسيبيه من غير هوية. قوليلي لما يكبر ويحتاج يروح مدرسة، هتعملي إيه؟ هتسجليه باسم والدك؟ ولو عملتي كده الناس هتبصله على إنه ابن حرام، طالما اتسجل باسم جده يبقى مجهول النسب. ولما يكبر ويفهم، نظرته ليكي هتكون إزاي؟ صحيح ده كان غصب عنك، بس هو ملوش ذنب.
رمقتها أسيل بحيرة:
_ عايزاني أعمل إيه؟
ردت هايدي بعقل:
_ تروحي لأبوه وتعرفيه إنه له ابن ولازم يحمل اسمه.
انقبض قلب أسيل بخوف وتمتمت باستنكار:
_ وإن أخده مني؟
ردت بثقة:
_ ميقدرش، لأنه في حضنك وسهل أوي إنك ترجعيه لحضنك بعد ما يسجله باسمه.
قطبت أسيل جبينها ببخوف وغمغمت باعتراض:
_ أنتي بتتكلمي كده عشان متعرفيش حاجة، متعرفيش الإنسان ده غدار قد إيه؟ أنا اللي شفت غدره وانكويت بيه لحد النهارده. وصلني لسابع سما وكنت مستعدة أقف قدام الدنيا كلها عشانه، بس اتفاجئت بيه بيغدر بيا من غير رحمة. صدقيني لو كان ينفع كنت عملتها، بس ده إنسان حقير وسهل أوي ياخده مني ويسافر زي ما دبحـ.ـني وسافر من غير حتى ما يعرف إيه اللي حصلي.
_ مهما كان يا أسيل، أنتِ مجبرة تروحيله طالما وافقتي تحتفظي بحملك. فكري في كلامي كويس، لأن مفيش حل غيره.
ربتت على يدها ثم تركتها وغادرت إلى المشفى.
حل عليها الليل وهي تفكر في حديث هايدي معها. هي محقة، عليها أن تتنازل لأجل طفله. لكن كيف؟ كيف باستطاعتها الوقوف أمامه وإخباره بأنها حملت منه واحتفظت به؟ ماذا إن رفض تصديقها واتهمها بالكذب؟ وهي لن تقبل أن يرفض نسبه أو أن يطالب بعمل تحليل له كي يتأكد. ماذا أيضًا إن أجبرها على الزواج منه؟
انتبهت أسيل لتلك الكلمة. الزواج. ماذا إن أوقعتـ.ـه في شباك حور وجعلته يتزوج بها؟ سيكون باستطاعتها إثبات نسب طفلها دون إخباره. لكن أيضًا كيف ذلك؟ وحينها سيسجل باسم حور، وهي لا تملك هوية بذلك الاسم.
أغمضت عينيها تحاول التفكير في حل لتلك المعضلة. ولم تجد سوى تلك الطريقة كي تحتفظ بطفلها.
أما هو، فقد ظل طوال النهار على جمر ملتهب منذ أن رفضت المجيء اليوم. خرج من الغرفة عندما ازداد شعوره بالاختناق جراء غيابها. هل تعمدت ذلك ردًا على طرده لها؟ أم أنها حقًا متعبة ولم تستطع العمل اليوم.
عاد ذلك الاشتياق يقتحمه من جديد، ولكن تلك المرة أشد وأقوى. لقد ظن لوهلة أنه استطاع إخراجها من قلبه، لكنه اكتشف بأنه كان مخطئًا.
خرج من المنزل وهو ينادي سائقه:
_ عم صالح.
أسرع إليه صالح:
_ نعم يا داغر بيه.
_ جهز العربية وتعالى.
***
أخرج خليل الكارت من سترته وقام بوضعه بهاتفه، فوجد مقطع فيديو يصور ردهة منزله.
أخذ يمرر الوقت حتى وصل لوقت انتظاره لداغر وحبيبته. هم بتسريعه، لكنه انتبه لمجيء العاملة.
_ خليل بيه، في واحدة ست بره عايزة حضرتك ضروري.
تعجب خليل ثم قال لها:
_ خليها تتفضل.
ذهبت العاملة وعادت بعد قليل تتقدم سيدة في عقدها الأربعين. فقال بترحيب وهو ينهض ليستقبلها:
_ أهلًا وسهلًا.
قالت السيدة بإحراج:
_ أنا آسفة إن كنت جيت في وقت غير مناسب، بس الموضوع مهم جدًا.
أشار لها بالجلوس:
_ طيب، اتفضلي اقعدي.
جلست المرأة على المقعد قبالته وقالت:
_ أنا أبقى مرات محمد السيوفي اللي البنك حجز على مصنعه. وسمعت إنهم عرضوا عليك تمسكه.
حمحم خليل بإحراج:
_ أنا...
قاطعته بثبوت:
_ شكري حكالي إنك رافض، بس أنا جاية لحضرتك أطلب منك إنك أنت اللي تمسكه.
سألها بحيرة:
_ اشمعنى أنا؟ في غيري كتير وهيكونوا أنسب مني.
أومأت له وهي تخفض عينيها بحزن:
_ يمكن يكون كلامك صحيح، بس أنا عايزة حد يكون نزيه. أنت عارف طبعًا البنك لما بيحجز على حاجة بيموتها عشان بعد كده يشتريها بالبخس. وعشان كده أنا عايزة حضرتك اللي تمسكه عشان توقفه على رجله من تاني، يمكن أقدر أرفع عنه الحجز وأرجعه.
رد خليل بتردد:
_ بس أنا ليا ظروف خاصة بأني مقدرش أستمر في الإقامة هنا في القاهرة.
_ وأنا مش هضغط عليك، بس عايزة أقولك كلمتين وأمشي بعدهم. أنا لما اتجوزت محمد السيوفي كان أكبر مني بعشرين سنة، والظروف وقتها اللي أجبرتني عليه. خلفت منه اتنين، زين عمره ١٧ سنة ونور عمرها عشر سنين. بعد موت باباهم مبقاش ليهم حد غيري. وإخواتهم من أبوهم مسافرين وعمرهم ما فكروا في يوم يكلموهم ويطمنوا عليهم، وخاصة لما عرفوا إن أبوهم كتب لي المصنع باسمي. ويمكن هما اللي ورا اللي حصل للمصنع. أنا حياتي وحياة ولادي دلوقتي متوقفة على المصنع. لو عايز تساعدني، توافق وتمسكه أنت، وهيكون جميل عمري ما هنساه.
نهضت وهي تتابع:
_ فكر كويس ورد عليا.
أخرجت بطاقة من حقيبتها وناولتها له:
_ ده الكارت بتاعي فيه كل أرقامي. اتصل عليا في أي وقت. بعد إذنك.
خرجت المرأة وتركت خليل يفكر في طلبها. هو يود حقًا مساعدتها، لكن أيضًا لن يستطيع ترك ابن أخيه في ظروفه تلك. وخاصة بأن عليهم السفر لإجراء عملية أخرى.
فقرر بالأخير أن يعرض الأمر على داغر ويطلب منه البقاء معه في القاهرة.
***
عادت السخونة لطفلها مما جعل خوفها عليه يزداد أكثر. قامت بالاتصال على هايدي وقالت بلهفة:
_ هايدي، إياد جسمه سخن تاني.
_ عادي يا قلبي إنها ترجع، خليكي ماشية على الكمادات والعلاج اللي عندك وهيكون كويس. ولو عايزة تطمني أكتر، هبعتلك اسم نوع على الواتساب هيساعد أكتر.
قامت هايدي بإرسال اسم الدواء وتذكرت أسيل أنها وحيدة بالمنزل، فقد خرجت أمينة لشراء لوازم المنزل.
نظرت لطفلها الذي مازال غافيًا، فقررت الذهاب والعودة قبل استيقاظه.
خرجت مسرعة وأغلقت الباب خلفها وهي تسرع الخطى كي تعود بأسرع وقت.
توقفت السيارة أمام منزلها وقال السائق:
_ وصلنا يا فندم.
أومأ له داغر وترجل من السيارة وهو يسأله:
_ على بعد قد إيه؟
رد السائق:
_ عشر خطوات لحد الباب.
أغلق باب السيارة وبدأت خطواته بالعد حتى وصل للباب. هم بطرقه، لكنه توقف عندما سمع بكاء صغير مما جعله يندهش.
سأل سائقه:
_ أنت متأكد إن ده البيت؟
أومأ السائق:
_ أيوه هو، أنا كنت هنا الصبح وشوفتها بنفسي.
طرق الباب وانتظر حتى يجيبه أحد، لكن لا يوجد سوى البكاء.
تدخل السائق:
_ في جرس للباب.
ضغط عليه، لكن لا من مجيب وبكاء الطفل يشتد أكثر.
لا يعرف لما لامس بكاء ذلك الطفل المجهول قلبه، فقال لصالح:
_ مفيش باب تاني؟
التف صالح حول المنزل فلم يجد. عاد إليه يخبره:
_ مفيش غير الباب ده.
ازداد بكاء الطفل الذي يمزق قلب داغر مما جعله يقول بأمر:
_ اكسر الباب.
تطلع إليه بذهول:
_ بس يا فندم.
هتف بلهجة حازمة:
_ قولتلك اكسر الباب.
وافق صالح على مضض وعاد داغر للوراء قليلاً كي يوسع له المجال. وعند أول محاولة انفتح الباب وقال صالح:
_ الباب اتفتح.
دلف داغر بعصاه وأخذ يتحسس الطريق وهو يصغي إلى صوت ذلك الطفل. لا يعرف المكان، لذلك أخذ يتخبط مرات متتالية حتى بالأخير اصطدم بطاولة صغيرة فسقطت على الأرض.
أسرع إليه صالح:
_ أنت كويس يا ابني؟
رد داغر بثبوت:
_ آه كويس، متقلقش. هو الصوت جاي من فوق صح؟
أيد صالح:
_ آه جاي من فوق. تحب أطلع أنا؟
قلبه رفض قبل عقله وتمتم بثبات:
_ لأ، أنا اللي هطلع. السلم على شمالي؟
أومأ صالح:
_ أيوه على شمالك، خطوة واحدة.
تتبع الصوت حتى ساقته قدماه إلى أولى درجات السلم. فتردد كثيرًا، لكن قلبه أجبره على المسير. فأخذ يصعد الدرجات وهو يجد صعوبة شديدة به. لذا نادى صالح الذي أسرع إليه:
_ لو سمحت، هات الـ Stick اللي في العربية بسرعة.
أومأ صالح وأسرع بإحضارها واعطاها له وسأله:
_ تحب أجي معاك؟
رفض داغر:
_ لأ، خليك أنت.
أخذ داغر يقيس المسافات حتى وصل للأعلى وأخذ يتابع مكان الصوت وهو يشعر بألم عجيب في قلبه. شعور لم يختبره من قبل. وكأن صوت البكاء يسحب روحه منه.
أخذ يتحسس الجدران كي يصل للباب، لكنه تعثر وكاد أن يسقط. استند على عصاه التي كرهها في تلك اللحظة وكره عماه الذي جعله لا يستطيع القيام بأبسط الأشياء.
فجأة شعر بألم حاد في عينيه مما جعله يغمضها بحدة كي يهدئ ذلك الألم. ليس الآن، وصوت ذلك الطفل يمزق نياط قلبه.
فتح عينيه بصعوبة فيتفاجأ بوميض أبيض ظهر أمامه، لكنه اختفى في لحظة.
ازدرد جفاف حلقه بوجل. ثم أغمض عينيه يحاول معرفة ذلك الضوء الذي ظهر أمامه، لكن لم يجد سوى الظلام. ظن أنها مجرد عرض للحظة، ثم عاد يتحسس الجدران حتى استطاع بعد عناء الوصول للباب.
أخذ نفسًا عميقًا يهدئ به مشاعره الثائرة، ثم طرق مرتين ربما يجد إجابة، لكن لا شيء سوى البكاء.
فتح الباب ودخل وهو يتحسس بعصاه الغرفة وقد عاد إليه ذلك الوميض مرة أخرى، لكن تلك المرة بوضوح أكثر جعل ضربات قلبه تتسارع بقوة.
أعاد الكرة وأغمض عينيه وفتحها، لكن لم يجد سوى الظلام. ما هذا الذي يحدث له؟
واصل تحسسه حتى صدم بالفراش الذي يبكي عليه الطفل. ثم بيد مرتعشة لا يعرف سببها، تحسس الفراش حتى وصل له. فينتفض قلبه عندما قام الطفل بالتشبث به وقد علت وتيرة أنفاسه.
ازدرد لعابه بصعوبة وقام بحمله. فيلامس وجنة الطفل الناعمة وجنته الملتحية قليلاً، فتهتز بؤبؤ عينيه بشعور عجيب يكتنفه لأول مرة.