الفصل 1 | من 48 فصل

رواية في حي الزمالك الفصل الأول 1 - بقلم ايمان عادل

المشاهدات
68
كلمة
1,523
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 2%
حجم الخط: 18

في شارع من شوارع إحدى أرقى الأحياء في مصر والأكثرهم هدوءاً، حي الزمالك، تسير هي وحيدة ليلاً. تتدندن بلحن أغنية ما للست أم كلثوم، وهي تضيف بضع كلمات من رأسها تماشياً مع اللحن، كونها لا تستطيع حفظ كلمات الأغاني. تمر من جانب شارع جانبي مظلم، فتسمع صوت آنين شخص يتألم قادماً من مكان ما، فتلفت حولها بحثاً عن مصدر الصوت.

في أحد الأزقة المظلمة، يقف شاب كما يُطلق على أمثاله "شمام"، وقد قام بدفع شاب آخر نحو الحائط بقوة وهو يضغط على قفصه الصدري. على الأغلب هو يحاول سرقته، فلا تبدو الأمر كشجار قط. وقفت تراقب المشهد لثوانٍ، لتجد أن الشاب الآخر (المُتثبت) يخلع ساعته وعلى وشك إخراج حافظة نقوده ومنح كل ما تحويه لذلك الشاب السارق. قلبت عيناها بتملل. ذلك الأحمق الجبان!

يمكنه بحركة واحدة أن يطرح السارق أرضاً، لكن يبدو عليه الخوف بالرغم من أن فرصته لا بأس بها. حسناً، لنكن واقعيين. السارق يحمل سكيناً، لكنه بنصف وعي، فهو يترنح أثناء وقوفه. وكذلك هو قصير القامة هزيل البنية. أما الآخر فذو بنية قوية، فبضربة رأس واحدة يمكن أن يُفقد الوعي.

قلبت عيناها بتملل وهي تنظر إلى المشهد، ثم اتخذت قرارها. لطالما نصحتها والدتها مراراً بعدم التهور وعدم الانخراط فيما لا يخصها، لكن الأمر يختلف هنا، فهذه حالة إنسانية في نهاية الأمر! اقتربت بخطى بطيئة تحاول ألا تُصدر أي صوت، حتى وقفت خلف الفتى تماماً.

"بست.. كابتن." أصدرت صوتاً بفمها لتلفت انتباهه. وبمجرد أن أدار وجهه لينظر إليها، شكلت يدها اليسرى على شكل قبضة وقامت بلكمة بأقصى قوتها مستهدفة منطقة "الصدغ". لم تمنحه وقتاً كافياً لإصدار أي ردة فعل، فبسبب لكمتها تلك سقط أرضاً فاقداً الوعي على الأغلب. وقف الشاب الآخر يحدق بها في فزع وذهول، لتُعلق بسخرية: "أنت لسه هتنح؟ يلا نجري بسرعة قبل ما يفوق."

لم يُحرك ساكناً، بل وقف يحاول رؤية ملامح وجهها على إضاءة مصباح ضعيف بالكاد يعمل، مسبباً صوت شرار كهربائي بين الحين والآخر. "براحتك، لو فاق هيعمل منك كفتة.. آه متنساش ساعتك." علقت بسخرية وهي تتحرك مبتعدة عنه. يفيق من شروده ويأخذ ساعته ويلحق بها. "يا آنسة.. ثواني بس.. يا اسمك إيه؟ " صدح صوته في المكان، بينما تجاهلت هي ندائه حتى وصلوا إلى منطقة مضيئة وشارع به بعض المارة. "أفندم؟ حد ثبتك تاني؟ "إيه ثبتني ديه؟

اسمها حاول يسرقني يا آنسة." "آه، أنت موقفني ومعطلني عشان تراجع قاموسي اللغوي." "أوف ثواني ثواني أديني فرصة أتكلم! أنا كنت عايز أشكرك على موقف الرجولة اللي عملتيه من شوية.." "كويس إنك عارف أنه موقف رجولة، على العموم عفواً." أردفت ثم استدارت لتكمل طريقها دون انتظار رد منه. "هي قالتلي كده بجد؟ " سأل نفسه باستنكار وحنق. هل حقاً شككت في رجولته لأنه كان في موقف ضعف؟

استرد وعيه من نوبة الغيظ وتذكر أنه ترك السيارة في أمام المقهى حيث كان يجلس، لذا سيتوجب عليه السير لمسافة عشرة دقائق تقريباً. وسيضطر إلى المرور بتلك المنطقة المظلمة حيث تمت محاولة سرقته، وهو لا يريد أن يمر بذات التجربة. بالإضافة إلا أنه إذا صادف ذلك السارق بعد أن استرد وعيه، فسوف يسرقه ويبرحه ضرباً جزاءً لما فعلته تلك الفتاة.

"هطلب أوبر وخلاص." تحدث إلى نفسه وهو يفتح هاتفه ويطلب سيارة لتقوم بإيصاله حتى سيارته. ياله من تبذير! وصل إلى سيارته بالفعل ليقودها إلى منزله، وهو يدعو الله طوال الطريق أن تنسى تلك الفتاة ما حدث اليوم وأن يُمحى ذلك اليوم من ذاكرة كليهما. أما عنها، فأخذت تسير لمسافة خمسة عشر دقيقة حتى استطاعت الوصول إلى مكان يمر منه سيارات أجرى (ميكروباصات) كي يوصلها أحدهم إلى منزلها الذي ليس ببعيد.

توقف الميكروباص أمام منطقة تُعد من المناطق المتوسطة أو الشعبية على مقربة من حي الزمالك. تُغادر العربة لتسير مسافة صغيرة إلى منزلها. تنظر في ساعة هاتفها فتجدها التاسعة، ودون تفكير للحظة واحدة، تركض بأقصى سرعة نحو المنزل. تصعد على السلم بهرولة حتى تصل إلى الطابق خاصتهم. تتصل على شقيقتها لتجيب الأخرى: "أنتي فين يا ست أفنان الساعة بقت تسعة وخمسة." "بابا هنا؟ "لا مش هنا، ولو جيه وملاقكيش هيطين عيشتك."

"طب بصي، افتحي الباب براحة عشان ماما متصحاش، أنا عالسلم." قامت شقيقتها بفتح الباب بهدوء وهي تشير إليها بالدخول دون أن تتحدث. توجهت أفنان مباشرة إلى غرفتها برفقة شقيقتها ميرال، تُلقي بحقيبتها وأغراضها بإهمال على السرير وتقوم بنزع حجابها الذي قد فسد بالفعل من أثر الركض. "إيه التأخير ده كله يا هانم؟ أنتي مش قايلة لبابا أنك هترجعي عالساعة ٨ أو بالكتير أوي ٨ ونص." "آه ياختي بس حصل حاجة في النص كده عطلتني."

"خير إن شاء الله؟ أرغي." جلست أفنان بحماس على السرير لتبدأ في سرد ما حدث. بإستمتاع شديد، فهي كانت لا تطيق الانتظار حتى تعود إلى المنزل وتسرد لشقيقتها عملها البطولي. "يلاهوي! أنتي مجنونة بجد!! افردي كان ثبتك انتي كمان ولا ضربك كنا هنعمل ساعتها؟! "يا ستي الحمدلله جت سليمة ومحصلش حاجة." "عمرك ما هتعقلي! إلا قوليلي صحيح كان شكله إيه؟ "الواد اللي ضربته؟ متشرد كده ومبهدل." "اللي واد اللي ضربتيه إيه؟! الولد اللي انقذتيه!!

" اردفت شقيقتها بنفاذ صبر وبنبرة صوت عالية. "ششش وطي صوتك لماما تصحى! وبعدين مركزتش بصراحة." "يعني ركزتي مع شكل الشمام ومركزتيش مع التاني!!! "أيوا، لأني مش المفروض أبص لولد وأفضل أُحلق فيه يعني." "ماشي ياختي، مش هتاكلي؟ "كلت سندوتش بعد الجامعة مش جعانة." قالت وهي ترتدي منامتها ثم أضافت: "أنا هنام بقى، عندي سكشن ٨ ونص الصبح."

في صباح اليوم التالي، استيقظت متأخرة نصف ساعة كاملة على موعدها. وبالرغم من أن المسافة للجامعة ليست ببعيدة، إلا إنها قد تأخرت بالفعل! ارتدت ثيابها دون تكبد عناء تنسيقها. فقد ارتدت وشاحاً على رأسها بلون بني يماشي لون عينيها وارتدت أول ثوب قد قابلها. لا وقت لاختيار الملابس هنا. لم تحظَ بالفطور أو بكوب قهوة يُنشط خلايا عقلها النائمة. ركضت إلى خارج الشقة ثم شهقت وهي تقول: "يلاهوي نسيت البالطو!!!

" تركض مجدداً نحو الطابق خاصتهم وتطرق الباب بعنف، فتفتح شقيقتها بفزع! "في إيه؟ "انتي لسه هتندهشي! عديني اتأخرت عالسكشن." دفعت شقيقتها بعيداً وأحضرت المعطف الطبي الأبيض خاصتها وهرولت نحو الخارج. بعد مرور بعض الوقت خلال الركض والقفز داخل أحشاء أتوبيس نقل عام ممتلئ على آخره، لكن لا وقت لإيجاد واحداً آخر. وأخيراً تصل إلى وجهتها. "كلية الصيدلة."

هرول نحو المبنى بينما تقفز متخطية درجات السلم، وأخيراً تصل إلى معمل الكيمياء الحيوية. تطرق الباب بخفة وقد تمكن منها التوتر. ستُطرد بلا شك أو ربما ستسمع ما لا يسرها. على الأغلب كليهما.

ترتدي المعطف الطبي خاصتها على عجلة وتُلقي نظرة على هاتفها لتجد أنها تأخرت خمسة عشرة دقيقة بالفعل. تطرق الباب مرتين قبل أن تفتحه، سامحة لنفسها بالدخول لتُقابل عيناه البنية المُغلفة بنظرات طبية، خصلات شعر بنية ملفوفة قليلاً، وبشرة بيضاء شاحبة قليلاً. لقد كانت صفاته الشكلية قريبة من خاصتها. "أنا بعتذر جداً يا دكتور عالتأخير... "الساعة كام معاكي يا دكتورة؟ "تسعة إلا ربع." اردفت بتوتر وهي تعبث في المعطف خاصتها.

"يعني حضرتك متأخرة خمسطاشر دقيقة كاملة، أدخلك إزاي أنا دلوقتي؟ "أنا بعتذر جداً يا دكتور.. الطريق كان زحمة." "الطريق كان زحمة تعملي حسابك وتنزلي من بدري! " وبخها بقسوة لتشعر بوجهه يشتعل من الحمرة. لقد قام بإحراجها أمام ما يقرب من مئة وخمسين طالباً داخل المعمل. "مش هتتكرر تاني يا دكتور."

"لما نشوف.. اتفضلي يا دكتورة ومتتكررش تاني." لم تُعلق على حديثه وذهبت لتجلس وحيدة في نهاية المعمل، متجاهلة نظرات الشفقة والشماتة والسخرية. مرت ساعة ونصف تقريباً أثناء الشرح النظري للجزء العملي. معادلات وشرح خطوات التجارب وما إلى ذلك. "دلوقتي يا دكاترة هنبدأ الشغل العملي، كلكوا عارفين أرقامكوا فياريت كل واحد يقف في مكانه بكل هدوء."

ألقى تعليماته ليُنفذ الجميع الأمر، ولكن ليس بهدوء كما طلب منهم بالطبع. إنه لا يكره أي شيئاً في حياته أكثر من العشوائية والإزعاج، ولقد تسببوا في كلاهما الآن. "فيه إيه يا دكاترة هو أنا بدرس لكي چي؟ ما تكبروا شوية! وأنتي يا دكتورة سايبة البالطو مفتوح ليه؟ هو أنتي أول مرة تشرفي في معمل؟ جفلت لثوانٍ من نبرة صوته العالية التي تسببت في إلقائه للأنبوبة التي في يدها، فتنكسر.

تُغلق المعطف خاصتها وتُشيح بنظرها بعيدًا عنه وهي تعمل على تجميع بقايا الأنبوبة وتُلقيها في سلة المهملات. حاولت تجاهله تمامًا طوال الوقت المقرر لهم داخل المعمل، كما أنها حاولت الالتزام بكل تعاليمه حتى لا تسمع المزيد من التوبيخ. "دكتور دي الأرقام اللي طلعت معايا في المعايرة." قالت وهي تناوله الدفتر وقد كَتب فيه نتائج التجارب. "تمام التجارب كلها مضبوطة." أردف ثم وضع لها العلامات في الدفتر.

"اللي خلص التجارب وخد درجاتها وكتب اسمه في الغياب يقدر يمشي." إلهي كم كانت تنتظر هذه اللحظة على أحر من جمر. توجهت نحو الخارج وخلعت معطفها على الفور ثم أخذت تسير بأقصى سرعة مبتعدة عن أعين أصدقائها. وقفت في الجهة الأخرى من المبنى حيث يوجد المكان المخصص للسيارات والذي يكون خاليًا من البشر عادةً. هي تعلم أنه سيأتي إلى هنا ليقوم بوضع بعض الأوراق داخل سيارته، لذا وقفت تنتظره.

وبمجرد أن رأته قادمًا، اختبأت إلى جانب إحدى الأسوار حتى كان على بُعد بضع مترات منها. "بقى أنا تهزقني التهزيق ده كله قدامهم فوق يالا!! صاحت بغضب وهي تضربه في صدره بواسطة حقيبة الظهر خاصتها!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...