رواية في عصمت صعيدي — الفصل 17 — بقلم إسراء محمد أمين
استيقظت من النوم و هي تشعر بصداع و الآلام تكاد تفتك براسها.
تضع يدها على رأسها و هي تتاؤه.
لتجده يخرج من المرحاض و هو يجفف خصلات شعره المبلولة و لا يعطي لها أي أهمية، يتجاهلها تمامًا.
حتى أنه لم ينظر لها.
تحمحم هي للفت انتباهه، و لكن استمر على تجاهله لها.
فنظرت له بغيظ ثم وقفت و أحضرت ثيابها من خزانة الملابس و دلفت المرحاض و صفع الباب بعنف.
بينما هو ارتدى جلباب باللون الأسود الجذاب و صفف شعره بطريقة رائعة و وضع عطره و نزل لأسفل.
لتقابله والدته و هي تخرج من المطبخ لتشهق باستنكار و هي تقول:
"ايه يا ولدي اللي نزلك يوم صباحيتك؟"
ليجيبها بلامبالاة:
"عندي شغل يا امي و لازم اروح، و كمان دلوقتي انا مسؤول عن أرض عمي و المشروع الجديد."
جليلة باستنكار:
"و كل ده ميستناش كام يوم... لا يا ولدي ميصحش، مينفعش تخرج انهاردة، الناس تقول ايه... و يقولوا ايه على البنية."
شعر بالغضب، بالرغم من أنه غاضب منها بشدة إلا أنها لا يقبل أن يتحدث عنها أحد.
فقال على مضض:
"طب خلاص هروح بكرا."
ثم توجه للجلوس في الخارج.
خرجت دانه من المرحاض و بحثت عنه لم تجده بالغرفة فقالت بغضب:
"ماشي يا بدر، بتطنشني أنا... ده بدل ما تعتذر مني على كدبك عليا."
توجهت للمرآة تصفف شعرها و وضعت كحل يحدد عيناها و يظهر لونها و أحمر شفاه وردي.
و كانت ترتدي بنطال جينز أزرق و بلوزة وردية تصل لركبتيها و حجاب أبيض.
و نزلت ألقت عليهم تحية الصباح و استقبلتها جليلة بزغاريد و كانت تبتسم لهم بمجامله و تبحث عنه بعينيها فلم تجده.
لتسأل جليلة بتوتر:
"طنط هو فين بدر؟"
جليلة بابتسامة:
"برا يا حبيبتي، روحي اقعدي معاه لغاية ما أحضر الفطار."
تدخل جليلة إلى المطبخ و هي تحدث نفسها:
"أول مرة أشوف عروسة و عريس ينزلوا يوم الصباحية... أكيد في إيه."
تخرج دانه و تجد بدر يجلس بالحديقة و يتطلع إلى الأوراق أمامه.
فتذهب له و تجلس و هي تحمحم.
فينظر لها ببرود ثم يشيح ببصره و يعود للأوراق.
تكتم غيظها منه و تجلس أمامه و تدعي الانشغال بهاتفها.
يقول بدر ببرود و هو لم يحيد بصره عن الأوراق:
"والدك اتصل من شوية و بيقول العملية بعد يومين إن شاء الله."
دانه بلهفة:
"ايه... بجد... طب هو كويس... طب كلمك امتى... طب ميكلمنيش أنا ليه... اشمعنا انت؟"
بدر ببرود:
"عادي... هو حر."
تنظر له بغضب ثم تقول:
"طب لو سمحت أنا عاوزة أكلمه."
ليتحدث بدر بصوت عالي غاضب:
"احترمي نفسك و وطي صوتك و انتي بتتكلمي، اظهار إنك محتاجة تربية و أنا هكون أكتر من سعيد و أنا بعمل كده."
فتنظر له بخوف شديد و هي تقول بحزن مكتوم خوفًا من رد فعله:
"أنا محترمة... و مسمحلكش."
بدر و هو يرمي أمامها هاتفه قائلاً بحزم:
"بس مش عايز أسمع صوت... التليفون عندك أهو، كلمي والدك. أنا كده كده و من نفسي جبت الخط ده عشان نكلمه."
و يرحل للداخل تاركًا إياها تتطلع في أثره بحزن و دموع لكلامه الجارحة و معاملته لها.
أما هو فأخذ يتمتم في نفسه:
"ماشي يا دانه، انتي متدلعة و أنا هربيكي."
مسحت دموعها و أخذت الهاتف و اتصلت بوالدها.
فيجيب والدها بتعب:
"الو يا بدر."
دانه بلهفة و دموع:
"أنا دانه يا بابا... عامل ايه."
عبدالحميد باشتياق:
"وحشتيني يا حبيبتي، انتي عاملة ايه... و عاملة ايه مع بدر، أخباركوا ايه، هو بدر طمني عليكوا بس أنا عاوز أطمن منكم."
دانه و هي تنظر من دخول بدر بحزن و لكن تتحدث بابتسامة و فرحة مصطنعة:
"الحمد لله يا بابا كويسين أوي... ثم تكمل ببكاء: كده يا بابا متكلمنيش أنا تطمني عليك و تكلم بدر."
عبدالحميد بابتسامة و ضحك:
"يا غيورة يا حبيبتي، أنا عشان متعيطيش زي دلوقتي كده."
دانه و هي تمسح دموعها بابتسامة:
"أنا مش بعيط أهو... خلي بالك من نفسك."
عبدالحميد بحنان:
"متقلقيش عليا يا حبيبتي، أنا كويس و كمان معايا نعيمة، خلي بالك انتي من نفسك و من جوزك."
ثم يلقوا التحية و يغلقوا الهاتف.
لتدخل دانه للداخل بعد أن مسحت دموعها فتجد حنين و هي تقول بإبتسامة:
"كنت لسه جايه أندهلك عشان الفطار."
تبتسم لها دانه و يدخلوا فتعطي الهاتف لبدر قائلة بابتسامة مصطنعة:
"شكرا."
أخذ منها الهاتف دون رد عليها، فقط أومأ لها برأسه.
فجلست بحرج و بدأوا تناول الإفطار.
دخلت القسم مع صباح و هي تبكي بشدة و قالت و هي تتجه ناحية العسكري الموجود قائلة بتوتر:
"لو سمحت جـ...ـوزي جابوه من شوية هنا."
العسكري بغلظة:
"اسمه ايه يعني و جاي في ايه؟"
رغد بخوف:
"اسمه أحمد و جـ...ـاي في سرقة... بس هو والله مظلوم."
العسكري بسخرية:
"مظلوم آه... عمومًا هو في أوضة حسن باشا دي."
تتغاضى رغد عن إهانته و سخريته و تدخل للداخل بلهفة و تطلب من العسكري الواقف أن يدخلها.
فتدخل للضابط.
الضابط بعملية:
"أيوا عايزة ايه؟"
رغد ببكاء و توسل:
"لو سمحت أنا عاوزة أشوف جوزي، ارجوك."
الضابط بصرامة:
"خمس دقائق بس عشان بكرة هيتعرض على النيابة."
تومئ له بلهفة فيبعث العسكري ليحضر أحمد.
فور دخوله تجري عليه رغد و تحتضنه بشدة و تبكي و تشاركها أيضًا صباح.
أحمد و هو يبعدهم بحزم:
"ايه اللي جابكوا، أنا مش قولت متجوش؟"
رغد بحب:
"مقدرتش، كنت قلقانة عليك."
أحمد بصرامة:
"طب يلا روحوا دلوقتي."
رغد موقفه إياه:
"أحمد انت محتاج محامي كبير... عشان يخرجك."
أحمد بتفكير:
"بس إحنا معناش فلوس للمحامي الكبير ده يا رغد."
رغد باقتراح و خوف من رفضه و غضبه:
"أنا... بقول... أروح... أطلب من... با...با."
أحمد بصوت مرتفع و غضب شديد:
"لا يا رغد انسي، و لو فتحتي الموضوع ده تاني صدقيني هتندمي... و يلا اتفضلي روحي انتي. أمي و ملكيش دعوة بحاجة."
رغد برفض و غضب:
"انت بتقول ايه؟ ها عاوز ايه من غير محامي كبير؟ مش هتقدر تطلع من هنا. بلاش عناد يا أحمد و اسمع الكلام. أما هروح لبابا و هو أكيد هيساعدنا."
أحمد و هو يجذب يدها بعنف و يتحدث بحدة:
"آه دلوقتي بقا الصايع أحمد مضطر يخضع و يتذل لابوكي عشان أطلع صح... لا يا رغد انسي، أنا لو هفضل هنا عمري كله استحالة أوافق أطلع بمساعدة أبوكي."
رغد ببكاء و حزن:
"يا أحمد اسمع بس..."
يقاطعها أحمد:
"يلا يا رغد روحي عشان مفقدش أعصابي."
ثم ينادي على العسكري بعد أن تركهم الضابط و يعيده الزنزانة.
رغد ظلت تبكي في أثره ورحلت و هي تفكر كيف تخرج زوجها من هذا المأزق.
في مصنع الألبان التابع لعائلة محمدين الغنّام كانت تعمل و هي شاردة به.
لم تراه منذ عدة أيام و علمت بعد ذلك أن أخيه تزوج.
ففهمت أنه كان مشغول و لكنها اشتاقت له كثيرًا.
فهي اعتادت أن يحاول محادثاتها و مشاكساتها لكي تسامحه.
فهي سامحته منذ زمن و لكنها تريد أن تدفعه ثمن كذبه عليها.
يقطع شرودها صوته و هو يقول بمرحه المعتاد:
"متتقوليش، أنا عارف سرحانة فيا عشان وحشتك صح؟"
انتفضت من الخضة ثم نظرت له بغضب مصطنع و اشتياق حاولت إخفاءه:
"لا طبعًا، أنا بفكر فيك ليه إن شاء الله."
مصطفى و هو يغمز لها:
"عشان أنا اللي في القلب يا بت."
فرحة بسخرية:
"انت و لا في القلب و لا في الكبد."
مصطفى بجدية و هو يقترب منها بطريقة وترتها و هي تعود للخلف قائلة بتعلثم:
"فـ...ـفي إايه... بتقرب... ليه."
مصطفى و هو ينظر إلى عينيها:
"موحشتكش؟"
فرحة و هي تنظر له هائمة:
"ها؟"
يكتم مصطفى ضحكاته و هو يعيد بهمس:
"موحشتكش؟"
فرحة بهمس مماثلة و ولهة:
"وحشتني."
مصطفى بضحك و هو يغمزها بخبث:
"مانا عارف."
فرحة بغضب:
"انت عارف لو ممشيتش دلوقتي... أنا أنا أنا هقول للحاج محمدين انك بتعاكسني."
مصطفى بضحك و هو يرحل بمكر:
"و ماله، اتقل براحتك يا جميل....."
ثم يكمل بمرح:
"بس مش براحتك أوي يعني."
تكتم ابتسامتها حتى رحل و انفجرت ضاحكة عليه و على حديثه قائلة:
"والله مجنون، مش عارفه بحبه ليه... بس عسل ابن الذين."
أرسل لها رسالة بأن تأتي لتقابله بالأرض القريبة من منزلهم في الصباح الباكر.
و هي كانت مترددة و لكنها خافت من أن يغضب منها.
فذهبت و تخفت من والدتها حتى لا تعلم و خرجت له.
وجدته يقف منتظرها و عندما رآها ابتسم لها و قال برقة:
"وحشتيني."
نور و هي تنظر للاسفل بخجل:
"وانت كمان."
فارس و هو يرفع وجهها بيدها من ذقنها قائلا:
"انتي بتثقي فيا يا نور؟"
نور ببراءة:
"آه طبعًا بثق فيك."
فارس بابتسامة:
"يبقى اسمعي كلامي صح."
أومأت له ببراءة و تلقائية.
فقرب وجهه منها و كاد أن يقبلها.
و لكنها رفعت يدها تدفع صدره تمنعه.
و لكن تاتي الرياح بما لا تشتهي السفن.
و قد رآها ثلاث رجال ذاهبين لعملهم.
ليصبحوا بصوت عالي:
"شوف البجاحة يا ولاد عيني عينك كده من غير لا خشية و لا حيا."
انتفضوا.
عادت نور للخلف خطوة و تجمعت الدموع بعينيها.
ليقول الآخر:
"ايه ده دي بنت الحاج إسماعيل أخت عبد الرحمن."
و اتت النساء على صياحهم و سبهم لفارس و نور التي كانت تبكي بقوة و لا تستطيع التحدث.
ليخرج عبد الرحمن و والدة نور من المنزل بعد سماع الضوضاء الموجودة بالخارج.
فيصدم بوقوف أخته تبكي و بجانبها فارس الذي تلون وجهه بمئة لون.
ليهرول ناحية أخته و هو يحتضن وجنتها قائلا بحنان:
"مالك يا حبيبتي بتعيطي ليه؟"
ليرد أحد الرجال:
"يا خوي، بتطمن عليها ده بدل ما تقتلها و تغسل عارك."
عبد الرحمن بغضب جحيمي و هو يقترب منه و يسحبه من تلابيب جلبابه:
"انت بتقول ايه يا راجل انت؟"
ليرد:
"بيقول اللي إحنا شوفناه، اختك ماشية على حل شعرها مع فارس."
ليذهب له بخطوات غاضبة و هو يلكمه بشدة على فكه ليسقط أرضًا.
أحد الرجال:
"ده بدل منربي اختك بتضرب الناس."
إحدى السيدات:
"أيوا الكلام ده صح، إني شوفتها امبارح في فرح بدر، وقفت مع فارس ورا الدوار بوضع لا مؤاخذة وحش أوي، و لا خايفين حد يشوفهم و لا حاجة."
عبد الرحمن بصدمة و هو ينظر لأخته التي تنظر له برعب و بكاء و يقترب منها و نحيب و عويل والدتها يزداد:
"الكلام ده صح يا نور؟"
لم ترد عليه فقط تبكي بشدة.
ليسحبها من يدها و يقول بحدة:
"انطقي."
نور ببكاء و خوف:
"والله ما عملنا حاجة... احح نا ببس... كنا بنتكلم."
عبد الرحمن بصوت جهوري و غاضب و هو ينظر للناس:
"كل واحد يحترم نفسه و يحط لسانه حوا بوءه، أنا اختي أشرف منكم و من بلدكم كلها..... نور و فارس مقري فاتحتهم و مخطوبين و فرحهم كمان كام يوم، و يمكن غلطوا لما وقفوا لوحدهم بس هي خطيبته و قيالي كل حاجة دي نور بنت الحاج إسماعيل الله يرحمه و اخت عبد الرحمن إسماعيل، و اللي يفكر بس يجيب سريتها على لسانه هقتله بعد ما أخليه عبرة للبلد كلها."
أحد الرجال بسخرية:
"مسمعناش يعني إنهم مخطوبين."
عبدالرحمن بغضب:
"إحنا أحرار، محبناش نقول دلوقتي، و لو مقولناش خالص بردو إحنا أحرار، و كل واحد يخليه في حاله بدل ما يسمع و يشوف حاجة مش هتعجبه أبدًا، فاهمين."
قال آخر كلمة بصوت جهوري و هو يشير بسبابته في وجههم جميعًا.
ثم يلتفت يسحب اخته من يدها بقوة بعض الشئ و يقول لفارس بغضب مكتوم:
"و انت يا فارس روح يلا دلوقتي و إحنا على معادنا زي ما هو."
فارس و هو يومئ له بخوف قليلا من نظرته و يرحل و هو يعلم أن قضى الأمر.
أما عبد الرحمن سحب نور و دخل للمنزل و خلفه والدته.
الناس ظلوا يتحدثون ثم ذهب كل منهم لعمله.
فور دخولهم للمنزل و غلقه للباب التفت لنور و صفعها بشدة على وجنتها.
نظرت له بصدمة و خوف و دموعها تنزل بغزارة على وجنتها و تبتعد عنه و هي تقول بخوف:
"والله.... معملتش كده... أنا.... هو... قالي إنه بيحبني.... و كان هيتقدملي."
عبد الرحمن بحزن و غضب:
"انتي كسرتيني يا فرحة، كسرتيني في البلد... الحمد لله أن أبوكي مات لأنه لو كان عايش... كان مات دلوقتي من الحسرة و الحزن."
ظلت تبكي بشهقات عالية و لا تجيب.
عبد الرحمن بحزم:
"اعملي حسابك فرحك على فارس بعد بكرا زي ما قولت للناس، و هتشوفي نتيجة عملتك، كفاية إنك هتتجوزي واحد زي فارس."
قالها بسخرية ثم رحل بغضب و تركها تبكي بشدة و والدتها انهالت عليها بالضرب و السباب.