تحميل رواية «فتنت بانتقامي» PDF
بقلم رغدة
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في أحد المناطق الراقية يظهر لنا هذا القصر الفخم، عريق البنيان كأنه صرح عظيم يطل على باقي القصور والمباني بعجرفة تليق به وبساكنيه. تفتح بوابة القصر على مصراعيها لتدلف تلك السيارة حديثة الصنع وفخمة الطراز، ليترجل منها شاب بعمر الخامس والعشرين بملامح جدية وقاسية، ليتوجه لداخل القصر بقوة ويقف بمنتصف الردهة وينادي بعلو صوته. مراد: بابا يا بابا. يظهر رجل بالخمسين من عمره يبدو عليه الهدوء والطيبة. محمد: في إيه يا مراد مالك؟ مراد: حصلت مصيبة يا بابا، وكله بسببك، لكن أنا مش هسكت وهدفعهم التمن غالي. محمد:...
رواية فتنت بانتقامي الفصل الأول 1 - بقلم رغدة
في أحد المناطق الراقية يظهر لنا هذا القصر الفخم، عريق البنيان كأنه صرح عظيم يطل على باقي القصور والمباني بعجرفة تليق به وبساكنيه.
تفتح بوابة القصر على مصراعيها لتدلف تلك السيارة حديثة الصنع وفخمة الطراز، ليترجل منها شاب بعمر الخامس والعشرين بملامح جدية وقاسية، ليتوجه لداخل القصر بقوة ويقف بمنتصف الردهة وينادي بعلو صوته.
مراد: بابا يا بابا.
يظهر رجل بالخمسين من عمره يبدو عليه الهدوء والطيبة.
محمد: في إيه يا مراد مالك؟
مراد: حصلت مصيبة يا بابا، وكله بسببك، لكن أنا مش هسكت وهدفعهم التمن غالي.
محمد: مراد أنا قلت لك مش عاوزين نتواجه معاهم، لكن إنت أصرت، واعتبر الخسارة دي درس ليك، وابعد عن حسن لأنه مش سهل ومعندوش كبير، يعني بيعمل اللي هو عاوزه ومش بيخاف من حد.
مراد: ده كبير على نفسه، أنا هربيه وأديه درس بعمره ما ينساه، أنا هخسره فلوسه وشركاته وهسجنه، وأبقى وريني مين هيوقفني.
ليصرخ محمد به قائلاً: مراد إنت اتجننت، أنا قلت لك ملكش دعوة بيه.
لتصدح صوت يبدو عليه القوة والصرامة من خلفه، وتظهر تلك السيدة المسنة ولكنها بصحة جيدة جداً بالنسبة لعمرها.
لتقول: كلام مراد هو اللي صح، أنا سبتك كتير وأقول يمكن الزمن يعلمك وتقدر ترد ولو حاجة بسيطة من كرامتك، لكن إنت الحب عماك وكسرك وبقيت إنسان سلبي ومستهتر.
حولت نظرها لحفيدها لتردف قائلة: مراد احجز على أول طيارة لينا على مصر.
ونظرت لابنها: هتيجي معانا؟
ليخفض نظره أرضاً ويقول: لا، روحوا إنتوا.
وليستدير صاعداً الدرج متوجهاً إلى غرفته، ليغلق بابها وهو يطلق زفيراً وينظر إلى أحد الأدراج بجانب سريره، ليتوجه له بخطى ثقيلة ويفتحه بيد مرتعشة، ويخرج صندوقاً مزخرفاً ويلمع وكأنه مصنوع من الذهب الخالص، ليضعه أمامه على السرير، يتلمسه ببطء وحنان وكأنه طفل صغير.
ليفتحه بهدوء وهو يقاوم دموع عينيه لكي لا تنزل.
ليخرج منه بعض الرسائل البالية المهترئة نوعاً ما.
ليغوص بذكرياته مع كل رسالة وكل كلمة من كلمات معشوقته الخائنة.
بالطرف الآخر نرى رجل يجلس على مكتبه بعنجهية ينفث دخان سجائره في الهواء، وتظهر على شفتيه ابتسامة مقيتة.
ليتوجه بالكلام إلى شريكه مسعود وهو يقول: مش قلت لك متخافش، أهو كسبنا صفقة بالملايين، وأكيد محمد وأولاده هيتجننوا.
وليتبع كلامه بقهقهة عالية وهو يقول: طول عمره بيخسر قصادي ومبيتعلمش إن الوقوف قدامي خسارة كبيرة.
ليقول مسعود وهو يرجع ظهره للخلف ليريح جسده على الأريكة ويبتسم ابتسامة صفراء سمجة.
ويهتف قائلاً: طول عمرك يا حسن بتلعبها صح، أنا مش مصدق إننا كسبناها، إزاي عملتها، رسيني على الدور كله ده كان عرضهم أحسن عرض بالمناقصة، مين اللي سرب لك العرض بتاعهم؟
ليأخذ نفس من سيجاره وينفثه ببطء، لينظر له بغموض ويقول: مش مهم مين، المهم الصفقة لينا وعيلة الزناتي مخدتهاش.
في قصر الزناتي يتحدث مراد مع أخيه علاء وصديقه حسام.
مراد: أنا عاوزك يا حسام تغطس وتقب تعرف لي إزاي عرضهم كان أقل، اللي هيجننني إنه بيتريق علينا، ده الفرق بالعرضين عشرة دولار، يعني كان عارف عرضنا قد إيه وشروطنا كلها.
حسام: والله يا مراد أنا مش عارف أقول لك إيه، أنا فحصت كل ملفات الموظفين وشوفت واحد صاحبي بيشتغل بالمباحث هيشوف لي وضع الموظفين اللي كانوا بيعرفوا عن العرض، بس معتقدش إن في حد منهم ممكن يخونك، دول عارفين اللي بيغلط معاك بيجرى له إيه.
ليقاطعه مراد بنبرة غاضبة: لأ، في حد اتجرأ وخاني، أعرف هو مين وهخليه يتمنى الموت ما يطولوش.
ويلتفت لأخيه ويقول: علاء إنت نازل معانا مش كده، وأهو حسام هيتابع هنا لحد ما أشوف وضع الفرع بتاعنا بمصر ونحول الصفقات هناك ويبقى يلحقنا.
ليبتلع ريقه ويتنحنح ويقول بتوتر: آه آه طبعاً، أنا أقدر أسيبك لوحدك.
في حديقة فيلا الشناوي تجلس فتاة جميلة الملامح تحمل بيدها كتاب ويبدو عليها الاندماج به، لترفع عيونها عنه فجأة لتظهر عيون زرقاء بلون السماء.
لتقول: ماما حبيبتي جيتي امتى؟
لتقول رانيا مع ابتسامة حانية: من بدري بس إنتي ولا إنتي هنا، شكل الرواية جميلة عشان كده مسمعتنيش وأنا بنادى عليكي.
لتبتسم فاتن ابتسامة جذابة وهي تضع رأسها على كتف والدتها وهي تقول: ياااااه يا ماما الحب حاجة جميلة أوي، أنا بحس قلبي بيتنطط وأنا بقرا الروايات دي.
لتربت والدتها على يدها وهي تقول: طبعاً يا قلبي، الحب إحساس ميتوصفش، قد ما الشعراء تتكلم والروائيين يحاولوا يوصفوا بيفضل الوصف ناقص.
الحب إنك تطول نجوم السما بإيدك، وتغمرك سعادة ملهاش حدود، تكوني سعيدة بس لأن شريكك سعيد، بتفرحي لفرحه، وتزعلي لزعله، أبسط الحاجات منه بتخليكي تحسي إنك ملكه، إحساس إنه فضلك واختارك من بين كتير بيحسسك إنك ملكه.
لتلتفت لها فاتن متسائلة: ماما هو إنتي وبابا كنتوا بتحبوا بعض؟
أصل بحس إن اللي بينكم احترام وبس من غير حب.
لتتنهد رانيا وتبتسم ابتسامة باهتة وتقول: هو إنتي فاكرة إني عشان قلت كلمتين عن الحب أبقى حبيت.
وتكمل وهي تداعب وجنتي ابنتها: أنا بعيش الحب كل يوم ومش ضروري يكون الحب مقتصر على راجل وست، أنا بحبك وده أعظم أنواع الحب، وإني أشوف الفرحة بعيونك ده لوحده بينسيني همومي وتعبي وبيحسسني إني مش مقصرة معاكي.
لتحضنها فاتن مقبلة إياها وتبادلها والدتها العناق متمسكة بها بشدة وهي تمنع دموعها من الانهمار وتدعو لابنتها بصلاح الحال وأن يرزقها الله بزوج يحبها ويصونه.
ليكـسر هذا العناق صوت حسن وهو يقول: أيوه ادعيلها كمان ومتنسيش يكون راجل غني ومتريش.
لتنظر له رانيا وعيونها تطلق شراراً وتقول بغضب مبطن: الفلوس مش كل حاجة يا حسن.
واقتربت منه وهمست بأذنه: بنتي مش للبيع، واللي حصل ليا زمان مستحيل أسيبك تعمله ببنتي.
لتمسك يد فاتن تسحبها خلفها وهي تستشيط غضباً من ذلك المدعو زوجها.
في شركة الزناتي يتوجه علاء لأحد المكاتب وهو يتلفت حوله ليدخل إليه ويغلق الباب خلفه.
ويقول بتوتر ظاهر: شوفت يا مارك بيحصل إيه، مراد حالف ليقتل اللي عملها، أنا كده هموت ومش عارف أتصرف إزاي، هو أكيد هيوصلنا، أنا عارفه.
ليجيبه مارك بلغة عربية فصحى فهو أمريكي الأصل تعلم اللغة من أجل عمله: لا تقلق عزيزي علاء، أخوك لن يعرف شيء، فأنا الخيط الوحيد للعبة ليكشفك وهذا مستحيل لأنني بعيد كل البعد عن الصفقات والعروض.
المهم أن تتمالك نفسك لكي لا تنكشف، واعلم جيداً أنك إذا كشفت لن تجدني معك، فأنت تعلم مكانتي بالمافيا وما عملي هنا سوى غطاء لي.
ليكمل وهو يسلط نظراته على علاء: ومن أجلك طبعاً، فأنت تعلم كم تهمني.
ليبتلع علاء ريقه بصعوبة ويقول: هو اللي بينا ده هيفضل بينا صح؟ مراد مش هيعرف، مش كده؟
ليقهقه مارك وهو يقوم من خلف مكتبه ويتوجه ناحية علاء ويقف أمامه ويمد يده يتحسس كتف علاء ويقول: لا عزيزي، لن يعلم أحد، فأنت صديقي العزيز وأيضاً أنا ليس لدي استعداد أن تكشف حقيقتي.
ليقول علاء: أنا هنزل مصر ومش ناوي أرجع، انساني يا مارك، ده أفضل لينا.
ليقترب مارك أكثر ويهمس بالقرب من وجهه: لأجل ذلك لا تستطيع أن تذهب هكذا دون حفلة وداع، لأنني سأشتاق لك.
لا تنسى موعدنا الليلة سنقيم احتفالاً على شرفك لنودعك، وأنا قد دعوت كل أصدقائنا.
لينظر له بغموض ويذهب.
في مطار القاهرة تهبط الطائرة القادمة من الولايات المتحدة، ويظهر بهيئته الجذابة مرتدياً بدلة سوداء وقميص أسود، يمسك بيده نظارته الشمسية ويضعها على عيونه.
يهبط من الطائرة ممسكاً بيد جدته، وخلفه علاء بلباس كاجوال، فكان يرتدي بنطال جينز أزرق وبلوزة بيضاء تبرز عضلاته.
في السيارة.
يقول مراد لجدته: تيتا هوصلك القصر وأروح الشركة عشان ألحق الاجتماع.
لتقاطعه قائلة: لا يا حبيبي، أنا رايحة معاكم.
مراد: أنا مش عارف لازمتها إيه إنك تيجي معايا.
جدته: هتعرف لما نوصل.
وبعد ما يقارب الأربع ساعات بغرفة الاجتماع نرى رجال أعمال متعددين تغمرهم الفرحة وهم يوقعون عقود مع شركة الزناتي، ويخرجون تباعاً بعد التهاني والتبريكات.
علاء: يااااااا يا تيتة ده إنتي طلعتي بيزنيس وومان نمبر وان.
لتضحك الجدة مردفة: عارفين يا أولاد كل رجال الأعمال اللي إنتو شايفينهم حيتان بالسوق هنا، جدكم مغرقهم بفضله، مفيش حد منهم جدك ساعده بالفلوس أو المعارف أو حتى بتأمين البضاعة من غير ما يكونوا دافعين قرش واحد.
علاء: بس كده يا تيتة بالعقود اللي مضيناها إحنا طالعين بخسارة.
مراد: متتعدش خسارة يا حبيبي، إيه يعني كام مليون قصاد خسارة 100 مليون وأكتر هيخسرهم حسن الشناوي، ده أنا ميكونش اسمي مراد إن ما خليته يعلن إفلاسه وييجي يركع عند رجليا عشان أرحمه.
في نفس التوقيت تجلس فاتن على سريرها مرجعة ظهرها للخلف وبيدها كتاب، لتتفاجأ بالباب يفتح على مصراعيه وتنطلق للداخل تلك الملاك الصغيرة وهي تقول من بين قهقهاتها الرنانة: بصي يا فاتن على فستاني الجديد تحفة مش كده؟
لتشاركها رانيا الضحك بسعادة وهي ترى أختها وصغيرتها تدور حول نفسها ممسكة بأطراف فستانها.
لتجيبها: الله ده يجنن، إنتي بقيتي شبه الأميرات، ده فستان سندريلا مش كده؟
لتومئ الصغيرة برأسها إيجاباً وتقول: أبيه أحمد جابهولي.
لتلمع عيون فاتن فرحاً وتباشر بإخراج أختها من الغرفة وهي تقول: يلا اخرجي وأنا هغير هدومي وجاية حالا.
وتغلق الباب وتتوجه لخزانتها وتنتقي فستاناً أزرق اللون يبرز لون عيونها وتسرح شعرها بسعادة.
في الصالة تجلس رانيا وبجانبها شاب بغاية الوسامة محتضن كتفها بيده وتبدو عليهم السعادة.
رانيا: يا واد يا بكاش، لو كنت وحشتك كنت جيت تزورني من بدري، مش مقضيها سفر وفسح وتقولي وحشتيني.
ليقهقه أحمد على كلام هذه السيدة التي يعتبرها خالته، فهي تعامله كأنه ابنها، ولم لا، وهو شقيق ابنتها، فبعد أن ولدت فاتن لم تستطع إرضاعها فأرضعتها مدبرة المنزل رغم اعتراض حسن، إلا أن رانيا أصرت على ذلك فأرضعته مع صغيرها أحمد، ومنذ ذلك الحين رانيا تعتبر الدادة عاليا شقيقتها وهذا الشقي ابنها الذي لم تنجبه.
حرصت على إتمام تعليمه فدفعت رسوم الجامعة وأمنت له مسكناً هو ووالدته حتى لا ينفصلا عن بعضهما، وها هو قد افتتح شركة صغيرة بمساعدتها، ولكنه أصر أن تدخل معه شريكة برأس المال فرضخت لمطلبه لأنها أحست أنه لن يأخذ منها المال لو رفضت، والآن بعد سنتين ها هو يعد من رجال الأعمال الشبان.
ليقول متصنعاً الحزن: طب أعمل إيه، مهو مش بإيدي، أنا كل ما أقول إنك وحشتيني وعاوز أنزل مصر أزورك ألاقي أمي عاوزة تتفسح وتعمل شوبينج، طب بذمتك أنا ذنبي إيه.
لتضحك على مداعبته وتمسكه من وجنته لتقرصه قليلاً: بقا يا كداب، الحاجة فاطمة تعرف الشوبينج.
ليقهقه كلاهما.
تـدخل مندفعة بقوة لترتمي بين أحضانه وتتشبث به بقوة وكأنه سيهرب منها لتقول من بين عبراتها: وحشتني أوي أوي.
شدد من احتضانها وهو يقول بنبرة حانية: وإنتي وحشتيني يا حبيبتي، ويقبل جبهتها وجنتيها ويعيد احتضانها من جديد.
رواية فتنت بانتقامي الفصل الثاني 2 - بقلم رغدة
في منزل الشناوي، وتحديدًا داخل مكتبه، يقوم بتكسير وإلقاء كل ما تطاله يداه وهو يصرخ بأفظع السباب والشتائم لعائلة الزناتي وكل رجال الأعمال الذين اتفقوا وتكاتفوا مع مراد ضده.
ها هو خلال شهر واحد خسر الملايين. رجال الأعمال ألغوا صفقاتهم معه، وليس ذلك وحسب، بل وقفوا ضده في السوق ونافسوه وأخذوا صفقات بأقل العروض فقط ليخسرها هو. وها هي شركاته تتعرض للبيع بالمزاد العلني.
عشرة أيام يدور حول نفسه كالتائه. طرق كل الأبواب وحاول مع كل معارفه، حتى البنوك أقفلت أبوابها بوجهه.
في قصر الزناتي، جميع الخدم يعملون على قدم وساق تجهيزًا لحفلة الليلة. فمراد قد دعا جميع رجال الأعمال احتفالًا بسقوط حسن الشناوي.
ها هو حسام يشرف على كل صغيرة وكبيرة، فهو كان له فضل كبير في سقوط إمبراطورية الشناوي. فقد كان الرابط بين الشركات المصرية والعملاء من خارج مصر، وهو من كان يسهل أمور الجمارك لمعارفه الكبيرة بالشخصيات الحكومية وسلك الشرطة. وما سهل أموره هو إدراج اسم حسن الشناوي بين المشتبه بهم بتجارة الأسلحة والمخدرات.
مع دقات الساعة التاسعة، بدأ وفود رجال الأعمال مختلفي الجنسية إلى حديقة القصر التي كانت مجهزة على أكمل وجه لاستقبالهم.
ظهر مراد بأبهى حلة، كان يرتدي بدلة سوداء وقميص أبيض مع ربطة عنق حمراء جعلته محط أنظار الجميع. من أعلى الدرج، ممسكًا المايك، يقول مراد:
"أهلاً بجميع الحضور من رجال أعمال وصحافة. أتمنى لكم سهرة سعيدة، وانتظروا مفاجأة الحفلة بس لما يوصل ضيف الشرف."
صفق له الحضور، والتفت كل إلى ما يشغله من أحاديث وصفقات.
في الناحية الأخرى، أخبر حسن زوجته أن تتجهزوا لحضور حفل عمل دون أن يخبرهم وجهتهم. ولكن رانيا رفضت ذهاب ابنتيه لشعور سيء بداخلها. فانصاع لها بعد جدال عقيم. فهي برغم كل قسوته وكل ما قاسته معه، إلا أنها تصبح كاللبؤة حين يتعلق الأمر بابنتيها.
وبعد ما يقارب الساعة، وصل حسن وزوجته إلى قصر الزناتي. وما أن توقفت أمام البوابة حتى خارت قواها وأصبح قلبها يدق بعنف كالطبول. وهمست بوهن وضعف:
"محمد..."
في نفس الوقت، وصل مسعود مع زوجته. فسلم على حسن وعلى وجهه ابتسامة لم يستطع حسن فهمها، ولكنه لم يبالي. وأمسك يد زوجته وهمس بالقرب من أذنها:
"اسمعي هقولك إيه وافهمي كويس، وإلا هتكون آخر مرة تشوفي بناتك فيها. وانتي عارفاني وعارفة قد إيه كلامي جد."
لتقف مصدومة وهي فاغرة فمها. فيكمل:
"أكيد حبيب القلب موجود بالحفلة. مش هنخرج من هنا إلا وهو مرجع لي كل حاجة وزيادة كمان. فاهماني؟"
لتقول بتلعثم:
"إنت بتقول إيه؟ أكيد اتجننت. وبعدين هو هيرد على كلامي إزاي؟ ده أكيد مش طايق يبص بوشي بعد اللي حصل زمان."
ليبتسم بسماجة ويقول:
"أول حاجة محمد لحد دلوقتي بيحبك. وتاني حاجة، مين قال إنك هتكلميه. بس إنتي لازم تعملي المستحيل عشان ينفذ طلباتك، يعني استغلي حبه ليكي وجمالك."
"ماذا يقول؟ هل جن؟ نخوة به لهذا الحد وصلت به قذارته؟ ألا يكفي ما افتعلته يداه بالماضي؟ ألا يكفي كونها كانت سلعة للبيع فيما مضى؟"
ليفصلها عن أفكارها وهو يسحبها من يدها بعنف، وينظر لعينيها نظرة مرعبة ويقول:
"افتكري بناتك."
دلفوا داخل القصر ليشاهدوا الحشد الكبير. وما أن وصلوا وسط الحديقة حتى تسلطت الأضواء عليهما. ليرحب بهما مراد بحفاوة مصطنعة:
"أهلاً بضيوف الشرف، نورت قصر الزناتي يا شناوي."
صفق الجميع، خصوصًا مراد الذي اقترب من حسن وبيده بعض الأوراق ويلوح بهم أمام عينيه.
***
يجلس على إحدى مقاعد المشفى ينتظر خروج الطبيب. وبعد بعض الوقت، خرج الطبيب وتحدث بعملية بحتة:
"الحالة جات لها صدمة عصبية أثرت على حاسة النطق وأصابتها بشلل مؤقت بجسمها. الفترة دي محتاجة راحة تامة وتمشي على العلاج، وهتحتاج طبعًا علاج طبيعي عشان ترجع تتحرك. أما النطق، دي حالة نفسية، يعني مقدرش أقولك ممكن ترجع طبيعي ولا لأ."
أنهى كلامه وأداره ظهره مغادرًا. وما هي إلا دقائق حتى أتى له موظف الحسابات يطالبه بدفع مبلغ تحت الحساب. ليشير له برأسه بالإيجاب. فانصرف الموظف.
أخذ الردهة ذهابًا وإيابًا يفكر بخيانة صديقه مسعود له وانضمامه لصفوف مراد واتباعه.
فلاش باك.
حسن: "إيه الورق ده يا مراد؟"
ليقربه له أكثر وهو يقول:
"ده نهايتك يا شناوي."
أخذ الأوراق وقرأها، فوجد أن مراد قد اشترى عقد رهن فيلته التي كان وقع لمسعود عليها. هذا يعني أنه أصبح بلا مأوى. فمراد بذكائه قد فاق التوقعات كلها. فهو لم يتوقع أبدًا أن يخونه شريكه مسعود، ولكنه كان مخطئًا.
فاق من شروده على أكثر الأصوات التي يكرهها.
مراد بابتسامة انتصار:
"إيه يا شناوي، معاك فلوس تدفع للمستشفى ولا محتاج مساعدة؟"
وقبل أن يجيب، رأى ملاك تجري عبر الردهة لتتخطاه وترتمي بحضن والدها، وهي تبكي بحرقة. وصوت شهقاتها يتردد صداه عبر الممر كله. كأنه يواسيها ويبكي معها ألمها وحسرتها على والدتها. كأنه يقول لها: "ابكي وانتحبي وأنا معك. سأبكي على قلب حنون على لوعة فراق أم. ابكي ولا تخافي أن تكوني وحيدة. فأنا معك بكل دمعة وكل آه وكل صرخة. ابكي واخرجي ما بداخلك من ألم. سأكون سندًا في وقت لا سند فيه. سأكون صديقًا وشريكًا لما تشعرين."
فاق من شروده على صوت همس يخرج من بين شهقاتها:
"ماما... فين... هي كويسة؟"
شعر بقلبه يهوى إلى قاع الأرض. فجمالها ليس جمال بشر، وصوتها الرقيق كزقزقة العصافير يرفرف بالأجواء. عاصفة عصفت بقلبه، شعر أنه سيقفز من بين أضلعه. يتمنى أن تستدير ليراها ثانية. انتظر لحظات مرت عليه كالساعات، ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يناله. فهي محتضنة والدها بقوة، دافنة رأسها بصدره وموليته ظهرها. وكل ما يراه ارتجافة جسدها ويسمع صوت بكائها.
لم يتحمل أكثر من ذلك، فاستدار عائدًا من حيث أتى. يمشي بخطى ثقيلة لا يعرف ما به أو ما هي هذه الأحاسيس والمشاعر التي تتضارب بداخله. فهذه أول مرة يحاكي هذه المشاعر. هو شخص عملي خالٍ من المشاعر. كان يرافق فتيات قليلات لم تتعد علاقتهم الصداقة، برغم معرفته بمشاعرهن باتجاهه. إلا أن علاقاته لم تتعد السهرات والخروج، ولكنه لم يتعامل مع مشاعر كهذه أبدًا.
مشى كثيرًا حتى وصل إلى ضفاف النيل، فوقف يشبع صدره هواءً نقيًا، لعله يرتاح قليلًا وتهدأ موجة مشاعره الهائجة.
***
في صباح يوم جديد، تطل الشمس بخيوطها الذهبية ليرى كل شخص مصيرًا جديدًا وحاسمًا بحياته. فمنهم من سيتنعم، ومنهم من سيبتلى ويعاني قسوة أيام وحياة وقدر.
استيقظ متأخرًا على غير عادته. فهو لم يستطع النوم كباقي لياليه، فبقي طوال الليل يتقلب بفراشه. كلما أغمض عينيه، تتراءى له وهي تركض وعبراتها سيل على وجنتيها. كلما حاول أن يتناساها، تردد بأذنه صدى شهقاتها وهمساتها.
نزل إلى بهو القصر، وجد جدته تترأس سفرة الطعام كالعادة. جلس على مقعده بهدوء ليبدأ بتناول طعامه دون شهية.
فقالت الجدة:
"ها، عملت إيه مع حسن؟"
مراد:
"معملتش حاجة. وضع الست رانيا ميطمش، وكان الوضع ميتحملش الكلام اللي هقوله، خصوصًا بحضور بنته."
لتنظر له بغموض دون أن تعلق على كلامه.
دخل عليهم من الخارج علاء:
"صباح الخير."
مراد:
"إنت منمتش بالقصر؟"
علاء بتلعثم:
"لا، أصل رحت أنا وأصحابي سهرنا وخدنا الوقت. إنت عارف إني من لما رجعت مصر مشوفتهمش، وامبارح جم الحفلة وبعد انتصارك العظيم كان لازم نحتفل."
قالها مبتسمًا ببلاهة حمقاء.
قامت الجدة عن كرسيها ومشت برزانتها المعتادة وقالت:
"علاء، خلص والحقني على المكتب، وإنت يا مراد، خليهم يجهزوا العربية."
لتذهب من أمامهم دون إضافة أي كلمة.
مراد:
"قوم بسرعة، شوف تيتا عاوزة إيه، بلاش نتأخر."
ليومئ برأسه وينطلق بسرعة خلف جدته.
دلف للمكتب بعد أن سمحت له بالدخول ليقول:
"بابتسامة واسعة، أؤمري يا تيتا، عاوزة إيه؟"
لتخرج مغلفًا من درج المكتب وتقذفه بقسوة وعنف باتجاهه.
"افتح الزفت ده وشوف مصايبك."
ليمْسِكه بأصابع مرتعشة ويفتحه تحت نظراتها النارية. لتخور قواه ويتمنى لو يختفي من أمامها بسرعة البرق، أو لو يعود الزمن ولو دقائق ليستعد لمواجهة ساحقة ومحسومة لصالحها.
أوقع ما بيده وهو يتصبب عرقًا ونظره مثبت بالأرض. لتردف بصوت مرتفع ملؤه الغضب:
"إمتى هنخلص من مصايبك وقرفك ده؟ إنت مصّر توطي راس العيلة اللي عاش جدك عمره كله يبني فيها وسمعتها متل الجنيه الدهب؟ إنت مش عارف إن ده حرام؟ إنت إزاي كده؟ لا بتخاف على سمعتنا ولا خايف من ربنا؟"
لتسقط دموعه لا إراديًا خوفًا منها وليس خوفًا من رب العباد. فأمثاله من ارتكب معاصٍ كتلك ماتت قلوبهم ولم يعد بها وجل من الله.
لتكمل بوعيد وأمر:
"إنت هتتجوز وتبعد عن مارك وشلته، وأنا ليا تصرف تاني معاهم."
ليتصنم من كلمة زواج، فهو يرفض هذا قطعًا. ولكن جدته قد أصدرت فرمانًا غير قابل للنقد أو المناقشة.
دار برأسه كمٌ من الأسئلة، ولكن من سيجيبه؟ من التي ستتزوجه؟ كيف سيتعامل معها كزوج؟ من بعث الصور لجدته؟ من صوره بهذا الوضع؟ هل هو مارك؟ ماذا تعني بكلامها أنها ستتصرف معهم؟
لم يعِ لنفسه إلا بصفعة أعادته لأرض الواقع، ولم تكن إلا من جدته لتقل بأمر:
"اطلع نضف نفسك من القرف وانزل بسرعة، لازم كل حاجة تنتهي النهارده."
ليهرول من أمامها بسرعة البرق متوجهًا لغرفته. استحم وأبدل ثيابه بسرعة ونزل ليجدهم ينتظرونه.
توجه ثلاثتهم بالسيارة للمشفى، وكل منهم برأسه أفكار مختلفة عن الآخر. مراد يفكر بمن أرقت ليله، هل سيتسنى له رؤيتها. علاء يفكر بماذا تنتوي جدته وكيف سيهرب من الزواج. الجدة تفكر بخطة محكمة لتضيق الخناق على حسن ليرضخ لمطالبها.
وصلوا وكل منهم ببدن منفصل عن الآخر.
رواية فتنت بانتقامي الفصل الثالث 3 - بقلم رغدة
تجس على كرسي بجانب سرير والدتها ممسكة بيدها ودموعها تهبط دون إرادتها على وجنتيها الورديه من كثرة البكاء سمعت طرق على الباب مسحت دموعها واتجهت للباب ظنا منها انه والدها أو الطبيب المعالج لوالدتها ولكنها تفاجأت بسيدة يظهر عليها الوقار كبيرة بالسن ولكنها تتحلى بجمال وأناقة يظهرها بعمر أقل
الجدة عفاف: ايه هتسيبينا واقفين كده كتير؟ لتفسح لها الطريق فتدخل ومن خلفها شابين وما ان رفعت نظرها لهم حتى شعر وكأن قلبه سحق بيدها لا بل بنظرة عينيها فها هو يغرق ببحر زرقة عينيها هل هنالك عيون كتلك سبحان الخالق ما أبدع خلقه فهي كسماء صافية وبحر مليء بالأمواج من يراها هو غارق لا محال ولا منقذ له
رحبت بهم فجلسوا على اريكة موجودة بالغرفة
الجدة: اقعدي يا بنتي عشان نتكلم.. فين حسن ؟تساءلت الجدة ونظرها يتحول بين هذه الفتاة ووالدتها وعادت بذاكرتها لأيام مضت
..............
فلاش باك
يدخل محمد للقصر متشبثا بيد فتاة تشبه هذه الفتاة (شابة بيضاء شعرها اشقر وعيونها زرقاء )يتجه نحو والدته والسعاده تغمره وابتسامته مرسومة على وجهه كما لم تراها من قبل يقبل يدها بطاعة وحب
ويقول : ماما أعرفك برانيا... لتحمر وجنتيها وهي تسمع اسمها من بين شفتيه لتحتضنها والدته بحنان وتقبلها بسعاده
لتقول : وأخيرا عرفت سبب السعاده اللي بقيت اشوفها بعيونك يا حبيبي.... ربتت على كتفه بحنان بالغ وهي تدعو له بالسعادة الابدية
..............
لتعود من ذكرياتها على صوت حسن : انتوا ايه اللي جابكم هنا ؟
لتقول الجدة : جايين نقوم بالواجب يا حسن ولا انتا نسيت الأصول ؟
لينتبه لوجود ابنته فيتنحنح ويقول :لا طبعا انتو تشرفوا
الجده :اقعد يا حسن انا جايه بكلمتين وهنمشي ليجلس على احدى الكراسي منتبها لها
لتردف قائلة :انتا عارف وضعك المالي ايه.. وعارف اننا اشترينا كل ديونك.. يعني ديلوقت انت مديون ليا و لأحفادي .....وانا بمكالمه واحده ممكن اسجنك
ليجز على اسنانه بغيظ وينظر لابنته نظرة فهمتها جيدا لتقف وتتنحنح محاولة ان تجلي صوتها قائلة: انا هروح اجيب حاجة نشربها....لتوقفها الجدة باشارة من يدها بمعنى لا
الجدة: اقعدي لأن الكلام اللي هقوله لازم تسمعيه كويس لانه بيخصك........ لتتبادل فاتن النظرات مع والدها وتجلس مرة أخرى لتكمل الجدة : ابوكي يا بينتي مديون بالملايين ليا حتى الفيلا اللي انتوا فيها دي بقت ملكي يعني انتوا صفيتوا عالحديده..... ومديونين كمان..... ووالدك ممكن يتسجن..... ووالدتك زي ما انتي شايفه بين ايدين ربنا ويا عالم تقوم منها ولا لأ بعد اللي حصلها..... أصل اللي حصلها مش سهل ابدا...... وتنظر لحسن ليهز رأسه يمين ويسارا لكي لا تتكلم ......فتكمل :المهم ديلوقت ان كل ده ممكن يتحل بكلمة منك او نتصل بالمحامي يبدأ الإجراءات.... ولم تكمل لتقاطعها فاتن وهي تجثو على ركبتيها أمامها وتمسك بيدها متوسلة اياها: لأ أرجوكي انا مستعده اعمل أي حاجة تطلبيها بس تنقذي عيلتي وماما تتعالج
شعر بخناجر تغرس بقلبه من منظرها نظر بعمق لعينيها اللتي اكتست باللون الأحمر جعلتها وكأن الشمس تغرب وهي تحتضن السماء
لتهتف الجدة يبقى تتجوزي حفيدي....... فغر فاه كل الموجودين
مراد لا يصدق مسمعه..... هل يعقل .....هل سمعت جدته دقات قلبه لترأف به بسرعه ...؟
علاء هل جنت جدتي؟ هل ستزوجني حقا؟
حسن يا لها من غبية.... انها تمد لي بثروة تضاعف اضعاف ما كنت املك و مراد بيتحكم بامبراطورية الزناتي كلهاا وده له معنى واحد انه سينعم بالمليارات وليس فثط الملايين
اما هي فكل ما تفكر به عائلتها أبيها أمها واختها الصغيرة حور تريد لها حياة أفضل مهما كان الثمن
لتقل دون تردد: انا موافقه حتى لو هعيش عمري كله خدامه تحت رجليكي..... لتبتسم الجدة بخبث فها هي قد وصلت لغايتها بكل سهوله فيبدو ان هذه الفتاة ساذجة جدا أو انها بخبث والديها ولكن بالحالتين هي ستنفذ ما برأسها
وقفت ووقف حفيداها معها توجهت نحو الباب والتفتت لحسن : جهز العروسة وتعال الساعة تمانية القصر هتلاقيني بانتظارك
ليبتسم بسماجه ويقول : طبعا طبعا تمانية بالدقيقه هنكون عندك.........
اتجه ثلاثتهم للشركه فأمرتهم الجده بالتوجه لمكتبها فتبعها حفيديها ودخلوا المكتب واغلقوا الباب خلفهم
مراد وهو يحاول اخفاء سعادته
مراد : تيتة هو انتي عملتي كده ليه...... الاتفاق مكانش كده خالص
لتجبه وهي تنظر للفراغ :لسببين الاول ان علاء طلب مني يتجوز .......لينظرا لبعضهما بصدمة ...والسبب التاني اني عاوزة انتقم من اللي كسروا ابني ببنتهم هخليهم يشربوا من نفس الكاس اللي شربت منه وانا بشوف ابني بعد ما كان كله نشاط وحيوية وسعاده بقا مطفي بقا ورده دبلانه هدوقهم الحسرة عليها عشان يعرفوا ان الله حق عاوزة اطفي نار قايدة بقلبي يجيلها تلاتين سنه
لتنهار أحلامه وطموحاته ومشاعره مع كل حرف تنطق به هل من أطاحت بحصون قلبه ستصبح زوجة أخيه؟؟ هل ستكون أداة انتقام ؟؟ماذا انتي فاعلة بقلبي يا جدتي؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟😪😪😪
ليقول علاء ونظره لأسفل: بس يا تيتة ازاي هنحضر لكل حاجة النهاردة مش هنلحق....
لتهتف بغضب به : مش هتلحق ايه هو انتا فاكر اننا هنعمل فرح لبنت الشناوي ولا ممكن أخليها تحمل اسم عيلتنا .......فوق لنفسك واسمع هقول ايه..........
ليرتجف قلب مراد ويشعر بضيقة تخنقه .....لتتابع من النهارده هيبتدي انتقامي وأول درس ليهم هو كسرتها بحلم عمرها زي باقي البنات بفرح وفستان ابيض........... وتاني حاجة الجواز هيكون ورقة عند محامي بس فاهمين يعني ورقة عرفي اقطعها وقت ما احب واشوف وقتها هتعيش هي وأهلها ازاي ....انا هخلي سمعتهم بالأرض....
صدمات وصدمات .....
أبوها أكيد مش هيوافق قالها مراد بتسرع.... لتضحك وتقول ببرود عكس ما يلتهب صدرها :هيوافق وهتشوف بعينك...........
**************************
تجلس أرضا وتحني رأسها على كف يد والدتها تبكي بنحيب كما لم تبك من قبل وهي تفكر هل كان قرارها صحيحا .....ما الغاية من هذا العرض الغريب .....فوالدها مديون لهم كيف ستزوجها لحفيدها..... هذا لغز لم تجد له تفسيرا ولكن لا يهم المهم الآن صحة والدتها وضمان بقاء والدها خارج السجن ليعتني بوالدتها وأختها حور لتتكلم مع نفسها بهستيريا : أيوة أيوة حور ... حور لساا صغيرة ومش حمل بهدلة وفقر لازم تتعلم كويس ويكون مستقبلها مضمون لتتلفت حولها حتى وقع نظرها على هاتفها لتمسكه وتجري اتصالا لا بد منه
أحمد: الو فاتن ازيك يا حبيبتي وخالتي عامله ايه
لتجب بصوت يرتجف: أحمد انا محتجاك.... وحور محتاجاك اكتر.... ارجوك تعالى
ليجيب بصوت مهموم: آجي إزاي بس؟ ده انا بقالي تقريبا شهر بحاول انزل مصر مش عارف اسمي مدرج بالممنوعين من السفر وكل يوم والتاني الاقي لجنه جاية الشركه تحقق بكل حاجة بالصفقات وتفتيش المخازن ومديقين عليا بالجمارك مش عارف في ايه؟
من وقت مشاكل حسن بيه مع شركات الزناتي وانا بحاول اساعده الدنيا كلها اتقلبت ومش عارف اخد نفسي من المشاكل اللي بتحصلي....
لتقول بخيبة امل ظاهرة في صوتها :خلاص متدايقش نفسك خليك بشغلك.... ليتنبه لنبرة صوتها ويعيد كلماتها الاولى بذهنه (انا محتاجاك وحور محتاجاك) ليهتف متداركا كلماتها فاتن فيكي ايه وحور مالها ؟ لتختنق كلماتها بسبب عبراتها وتغلق الهاتف دون ان تجيبه ...........
فتحت عيناها ببطء لتنظر لابنتها بانكسار ظاهر فتمسح الاخرى دموعها بسرعة وتحاول رسم ابتسامة على شفتيها وهي تحتضن والدتها بلهفه :ماما حمدلله ع السلامه يا حبيبتي كده تقلقيني عليكي ...
لتتحجر دموع والدتها بعينيها وهي تتذكر
فلاش باك.........
حسن يصرخ بشدة امام الجميع :انت متقدرش تعمل كده انا هدفعك التمن غالي يا ابن الزناتي هدفعكم التمن كلكم فاهمين ؟مش انا اللي يتعمل معايا كده مش انا هخلص عليك يا مراد هموتك... .. ليشير مراد للحرس بان يلقوهم بالخارج ولكن بلحظة كان ممسكا بياقة مراد يحاول خنقه فامسكه فريق الحراسه وابعدوه بالقوة عن مراد كل هذا أمام ناظرها ........ترى عيون كثيرة شامته انها نفس العيون التي كانت تاتي لزوجها راجية ليشاركوه او يطلبوا منه ان يترك لهم احدى الصفقات الآن ظهروا على حقيقتهم انهم كالذئاب وجدوا فريسة لينهشوا بها ويظهروا انيابهم الحادة ........
ليظهر مسعود من بين الحشد الكبير يقترب من حسن المقيد من قبل الحراسه ويقول له بصوت لا يسمعه الاخرين: انا ممكن اساعدك واسيبلك الفيلا بحالها وارجع عن اتفاقي مع مراد لو انتا عاوز........ ليهتف حسن : ايوة ايوة انا عاوز كده يلا قوله يسلمني ورق الفيلا
ليردف الثاني من بين اسنانه: لكل حاجة تمن يا اخويا ...انتا عارف مفيش حاجه ببلاش... ليهز حسن رأسه مرارا وتكرارا موافقا اياه على كلامه واخيرا نطق: عاوز ايه
ليقول مسعود بكل دناءة: انا مش هقولك حد من بناتك لانهم صغيرين ههههههه انا عاوز الحته دي.... مشيرا بنظراته لرانيا ليفلت حسن نفسه من أيدي الحرس ويمسكها من ذراعها بقوة ويرميها ليتلقفها مسعود ويقول :خدها بداهيه المهم عندي الفيلا **يال حقارته اهذا يحتسب رجل بين الرجال** ليقهقه كل من بالحفل على ما يحدث
اما هي فكانت بملكوت آخر أعاد لها ذكريات قاسيه حاولت تناسيها لتعيش وتكون ام لبناتها فكما بيعت منذ ثلاثين سنة ها هي تباع ثانية كسلعة رخيصة وعلى الملأ ايضا......... فلم تتحمل كم الإهانات وقلة شرف زوجها فسقطت مغشيا عليها ارضا تهرب من واقع الذل والمهانه تتمنى الا تستيقظ ابدا وتنتهي من هذا العذاب
رواية فتنت بانتقامي الفصل الرابع 4 - بقلم رغدة
استيقظت من شرودها على أنامل ابنتها وهي تمسح عبراتها.
ابتسمت ابتسامة حانية، قبلت يد والدتها ووجنتيها وجبهتها مرارًا وتكرارًا، كأنها تودعها.
دخل عليها والدها والفرحة تسيطر عليه، فها هو يخطط كيف يستغل ابنته بصفقاته المشبوهة.
حسن: ها يا عروسة، مش يلا بينا؟
وقف ينظر لزوجته بلا مبالاة، وهي تبادله بنظرات كلها ألم وكسرة وحقد ورغبة بالانتقام.
كانت مشاعرها مختلطة، فهي تشعر الآن بمهانة لا توصف، وترغب بالانتقام من شبيه الرجال لما فعل بها.
فاتن: تبتسم ابتسامة باهتة وهي تقول بصوت منخفض، تحاول ألا تظهر ألمها: عروسة؟ تصدق نسيت أبشر ماما.
تحولت نظرات رانيا للذعر، فعن ماذا يتحدثون؟ ماذا يخطط هذا لابنتها، لضنى قلبها ومهجة فؤادها وفلذة كبدها؟ هل باعها؟ هذا كل ما تبادر لذهنها، فبعد هذه السنين وهذه المواقف، فهي أصبحت تعرفه حق المعرفة. هل أصبحت ابنته سلعة له؟ ولم يتبادر لذهنها إلا مسعود بضحكاته السمجة وأسنانه الصفراء. فتذعر بشكل أكبر.
انطلق الجهاز بجانبها بطنين، دب الرعب بقلب ابنتها، لتهرول خارجًا لتصطدم بالطبيب وهو يدلف بسرعة للغرفة وخلفه ممرضتان. ليخرجوهما ويقوم بفحصها.
وبعد بعض الوقت يخرج الطبيب.
الطبيب: المدام حالتها بتتأخر كل لحظة، لازم تبعدوا عنها أي حاجة تزعلها أو تسبب لها انفعال. وفي أدوية لازم تتصرف لها، لكن انتو مدفعتوش الحساب.
نظرت لوالدها تستنجد به.
حسن: خلاص، أنا هتصرف.
أمسك هاتفه يتصل على مراد. ليجيب الطرف الآخر بصوت يغلفه الألم، فهو ما زال في طور الصدمة.
مراد: الو.
حسن: أيوا يا مراد يابني.
عصر مراد عينيه بألم عليها، بوجود والد لها يتلون كالأفعى.
حسن: يابني رانيا تعبت جدًا، والدكتور مش عاوز يعالجها من غير دفع الحساب، وانت عارف يابني.
أصبح ابنك، يا لك من ثعبان.
مراد: اديني الدكتور.
مد له الهاتف، فيلتقطه الطبيب.
مراد: دكتور، مدام رانيا تتقدم ليها أفضل رعاية وتتنقل للقسم بتاع العيلة، ويشرف على علاجها كبار أطباء بتاعنا، كلامي واضح؟
أومأ الطبيب وكأنه يراه ويقول: تحت أمر حضرتك يا مراد باشا.
وأعاد الهاتف لحسن.
كان مراد قد أغلق هاتفه وألقاه على سطح المكتب، ليريح ظهره على كرسيه ويغمض عينيه وهو يزفر بألم. وصورتها أمام عينيه وهي تبكي وتتوسل.
أعاد الطبيب الهاتف ووجه كلامه لإحدى الممرضات.
الطبيب: تروحي تجهزي الجناح العائلي، وتقولي للدكاترة تستعد لاستقبال المريضة فورًا.
لتختفي من أمامه مسرعة.
وخلال أقل من عشر دقائق، أصبح الممر يعج بالأطباء والممرضين، يخرجون على عجالة يجرون سريرها ويصعدون به لأعلى. كل هذا أمام ناظرها، فها هي ترى الكم الهائل من العناية لوالدتها.
مسحت دموعها بكف يدها، وهي تقنع نفسها أنها تصرفت التصرف الصحيح بالموافقة على الزواج، فبعد الآن حقًا لا يهم ما هو مصيرها، ما دامت والدتها بخير حال.
رن هاتف حسن، فأجاب مسرعًا.
حسن: أهلاً يا ست هانم. أيوا طبعًا. حاضر، ادينا رايحين. لا مش هنتأخر.
ليغلق الهاتف ويتجه نحو ابنته، يمسك يدها بحنان زائف، يسحبها خلفه، وعيناها مسلطة على والدتها.
حسن: يلا بينا يا بنتي، مش عاوزين نتأخر على جوزك، واهو كتر خيره، شفتي عمل إيه بتليفون صغير. بلاش يزعل منك ويرجع مامتك مكانها وصحتها تتدهور.
لتمشي معه مسرعة، بل أصبحت هي من تسحبه.
فاتن: إزاي يا بابا؟ طبعًا لا، يلا بينا عشان متتأخرش، و نبقى نرجع نطمن عليها بعد كتب الكتاب.
في قصر الزيناتي، تحديدًا في مكتب الجدة، تتحدث على الهاتف.
الجدة: تمام أوي يا حسام، ومتنساش كل حاجة تتم بهدوء ومن غير شوشرة، ومتنساش أهم حاجة اسم العيلة، انت فاهمني صح؟
حسام: متقلقيش يا هانم، كل حاجة تحت السيطرة، وأنا رتبت الباقي مع إدارة السجن. اطمني، الخبر زمانه اتذاع على كل القنوات.
لتغلق الهاتف وتقف أمام صورة زوجها المرحوم.
الجدة: متقلقش أبدًا يا حبيبي، أنا مستحيل أقبل إن اسمك يتوسخ، حتى لو بعد 100 سنة، هيفضل اسمك بالعالي والكل بيحترمه ويعمله ألف حساب.
لتمد يدها للصورة تتلمس موضع وجنته.
الجدة: وحشتني أوي يا أبو محمد، أنا مبقتش أحب أسمع اسمي من غيرك. وحشني اسمي من بين شفايفك وأنت بتناديني وتقولي بحبك يا عفاف قلبي.
تمسح عبراتها وترسم الجمود على وجهها، وكأن مشاعرها تتحول بكبسة زر.
الجدة: اطمن يا حج، أنا هانتقم من كل واحد كان السبب بكسرتك وحزنك على ابننا. هانتقم من اللي موتك بحسرتك على ضناك وأنت شايفه بيموت بالحياة قدامك. وعد مني أدوقهم من نفس الكاس وزيادة حبه كمان، عشان يبقوا عبرة لغيرهم.
دلف بخطى واثقة لداخل قصر الزيناتي، عكس ابنته التي ترتجف خوفًا وقلقًا مما يحدث وما هي مقبلة عليه.
ليستقبلهم أحد الخدم يرحب بهم ويشير لهم ليسيروا خلفه باتجاه مكتب الجدة.
طرق على الباب، فأذنت بالدخول للطارق.
ليتقدم ابنته ويمد يده للسلام، ولكنها نظرت له نظرة مشمئزة.
تجاهلته وجلست خلف مكتبها بارتياحية.
الجدة: المحامي جهز العقود، الصفقة دي آخر فرصة ليكم، وأظن إنك فاهم ده كويس.
هز رأسه موافقًا.
حسن: آه، طبعًا.
ليسمعوا طرقًا على الباب. فتأذن بالدخول.
ليدلف المحامي وبيده حقيبة، يلقي التحية ويجلس ويباشر عمله سريعًا. فيجلس ويفتح حقيبته ويخرج مجموعة من الأوراق.
المحامي: العقود حضرتك، زي ما أمرتي.
لتتصفح الأوراق بين يديها وتعيدهم للمحامي وتشير برأسها له باتجاه حسن ليعطيهم لحسن.
أمسكهم وأخذ يقلب بهم، لينظر لها متصنعًا الغضب. فتشير له ليكمل.
أكمل تقليب، فلمعت عيونه وقال: تمام، اتفقنا.
الجدة: ادي بنتك تقرأ، عشان متقولش ظلمناها وهي مكانتش تعرف.
فاتن: مفيش داعي، أكيد بابا عارف مصلحتي، وأنا أصلًا موافقة على أي حاجة، المهم ماما تتعالج واختي متتشردش.
أصرت الجدة على موقفها.
ليأخذ المحامي الأوراق من حسن ويناولها إياها.
أمسكتهم بتردد ونظرت بلا مبالاة، ولكن ما إن وقعت عينيها على أول ورقة حتى امتلأت عيناها بالعبرات بصمت.
لتشير الجدة لها وهي تقول: اقري كل الورق وسمعيني قرارك.
قاطعها حسن: إحنا موافقين يا هانم، وأكيد فاتن مش هتخرج عن طوعي.
لتنظر له بلا مبالاة وتعيد نظرها لفاتن وهي تقلب بالصفحات، ودموعها تتساقط بصمت.
لتضعهم أمامها وتمسح عيونها وتنظر لوالدها بألم.
فاتن: اللي يشوفه بابا مناسب، أنا موافقة عليه.
حسن: أنا موافق.
قالها دون أن ينظر حتى لابنته التي تقاوم بشدة أن تبكي، وتصرخ بهم للظلم الذي تتعرض له، وعلى يد من؟ والدها.
استأذنت الجدة منهم بعد أن حصلت على الموافقة، لتتجه للطابق العلوي.
توجهت أولًا لغرفة علاء وأغلقت الباب خلفها، لتجده يتصفح هاتفه، وتظهر على ملامحه الصدمة.
اقتربت منه وجلست بجانبه لتنظر لهاتفه.
الجدة: كان لازم يحصل كده.
لينتفض وكأنه لدغته أفعى، وينظر لها بقلب توجس خيفة من كلماتها.
علاء: قصدك إيه؟ أنتِ كنتِ عارفة؟
لينظر لها نظرة أخرى وكأنه استوعب كلماتها.
علاء: تيتا، أنتِ اللي عملتي كده؟
لتزيح نظرها عنه.
الجدة: لا، أعمالهم هي اللي وصلتهم لكده. أنا بس بلغت عنهم، دول بيشتغلوا بالأسلحة والمخدرات، وكانوا واقفين على غلطة، وأهم خدوا جزاءهم.
علاء: أنتِ عرفتي إزاي؟
لتبتسم وتقول: عيب لما تسأل السؤال ده. هو أنت فاكر إني نايمة على وداني؟ أنا بس كنت مستنية أبعدك عنهم عشان متضيعش مني. ونزولنا لمصر كانت فرصتي.
علاء: بس دول يا تيتا ماتوا بالسجن. إزاي؟
لتردف قائلة: هو أنت فاكر إن الناس اللي وراهم كانوا هيجازفوا إنهم ينكشفوا بسببهم؟ أكيد هما اللي صفوهم عشان يموتوا ويموت سرهم معاهم.
الجدة: خمس دقايق وتكون تحت حسن وبنته تحت عشان نوقع على العقود.
علاء: عقود إيه؟
الجدة: أنت فاكر إن اللي بيحصل ده جواز بحق وحقيقة؟ لا، فوق كده وركز معايا.
بغرفته يحاول أن يتمالك نفسه. ينظر لانعكاسه بالمرآة، يشد خصلات شعره، لعله يهدئ نفسه ويخرج غضبه.
دلف إلى الحمام، غسل وجهه عدة مرات، لعل ناره تبرد.
وأخيرًا استجمع شتاته وأقنع نفسه أنها خلال أقل من ساعة ستصبح زوجة أخيه، وعليه أن يدفن أي مشاعر بداخله نحوها.
ليتناول هاتفه بعد أن استمع لرنينه وأجاب.
مراد: أيوا يا حسام، إزيك؟ الحمد لله بخير، أنت عامل إيه؟
ليتصنم بعد استماعه لما قال صديقه.
انتبه لطرق الباب، فأذن بالدخول. لتدخل جدته.
الجدة: بلا يا مراد، الجماعة تحت.
ليهتف بها متسائلاً.
مراد: هو صحيح اللي سمعته؟
الجدة: سمعت إيه؟
مراد: موضوع العقود واللي فيها.
الجدة: أنا مش هسألك من مين عرفت، لأنه أكيد عرفت من حسام. وأيوة صحيح، أنا قولتلك إن الجوازة انتقام وبس، أنا مستحيل اربط اسم عيلتنا بعيلة الشناوي.
مراد: بس أكيد يا تيتا مش هيوافقوا.
الجدة وهي تضحك: ومالك متأكد كده؟ طب أحب أفاجئك وأقولك إنهم وافقوا من أول خمس دقايق، والتنين وافقوا مش واحد فيهم بس. أنا قولتلك إنهم عيلة نجسة، همهم الفلوس وبس. وأنت بعينك شفت إزاي عرض مراته للبيع قدام الناس كلها.
ليؤطئ رأسه موافقًا على كلامها.
وها هي ترمي بكل ما في قلبه من ناحيتها، وتضرب بتوقعاته عرض الحائط. كيف توافق على هذا العرض؟ تبيع نفسها من أجل المال؟ لا بد أن جمالها هو ما جذبني، أما هي فلا تستحق أن أشغل فكري به.
ارتسم الجمود والقسوة على وجهه، واتجه مع جدته وأخيه للأسفل، ليجلسوا جميعًا وتم توقيع العقود خلال دقائق معدودة.
ليحمل حسن نسخته من العقود ويخرج دون أن يودع ابنته حتى.
يا لقساوة قلبه، لقد عماه الطمع عن ابنته.
رواية فتنت بانتقامي الفصل الخامس 5 - بقلم رغدة
تقف تحارب دموع عيناها، تتمنى ألا تخونها وتسقط أمامهم. كل ما يشغل تفكيرها والدها، كيف هانت عليه، كيف باعها ولم يدافع عنها ولو بكلمة. تناسى حقوق وكرامة ابنته. أيقبل أن تتزوج ابنته بعقد عند محامي وليس مأذون شرعي، وعدم تسجيله؟ أهذه قيمتها، ورقة عرفي؟ أهذا حلمها بزواجها؟
أي زواج هذا؟ هذا ليس زواجًا، بل صفقة. الخاسر الوحيد بها هي نفسها. حتى عائلتها التي فعلت ذلك من أجلها، أقر والدها أنها لن تراهم بعد الآن وستقطع أي صلة بهم. هل شركاته وأملاكه أهم عنده من ابنته؟ إلى هذه الدرجة هو عبد للمال؟
تتخبط ببالها كلمات الجدة عندما قالت إن ما حدث مع والدتها ليس هين. حقًا، كيف لم أسأل نفسي ما الذي أوصل والدتي لهذه الحالة؟ هل هو السبب؟ هل كنت مخدوعة بوالدي؟
تبدو كالتائهة، لا تفهم ما يدور حولها، فهي تحيا في دوامة، بل عاصفة هوجاء تتلاعب بأفكارها كما تشاء.
فاقت من شرودها على يد أمسكتها بعنف، والتي لم تكن سوى يد علاء، وجرها خلفه بعنف أكبر أمام عيون جدته ومراد. دخل غرفته وألقاها بعنف على الأرض، ووقف أمامها والشرر يتطاير من عينيه. فها هي مهزلة زواجه قد انتهت منها فصل، ليبدأ فصل آخر.
ها هو أمام معضلة كبيرة بأمر من جدته، فيجب عليه أن يتمم زواجه منها لسببين. الأول: لانتقام جدته منها، والآخر: ليثبت لجدته أنه رجل طبيعي. ولكنه ليس كذلك. هو يعلم أنه ليس طبيعي، ولكن كان في بيئة كل شيء بها مباح، ولم يجد من ينصحه ويسعى لتعديل سلوكياته. كيف تطلب منه ذلك وهو بهذه النفسية بعد مقتل صديقه المقرب، وبعد إقراره بنفسه أن جدته هي السبب الأساسي بمقتله؟ هل تظن أنه سيسامحها على ما اقترفت يداها؟
كانت الأفكار تتخبط بداخله، لا يعلم ماذا يفعل، إلى أن خطرت على باله فكرة لا ثاني لها، وعليه فعلها لتنتهي هذه الليلة بكل ما بها من أحداث، ويبزغ فجر جديد يطوي ما بها من آلام.
اقترب منها ببطء مخيف، وهو يجز على أسنانه بعنف، وبلحظة كان انتشلها من شعرها لتتأوه من الألم وتبكي بمرارة، وهو يشدد من قبضته ليهمس همسًا شبيهًا بفحيح الأفعى: "أنتي هتشوفي الجحيم على إيدي، هتندمي على اليوم اللي القدر رماكي بطريقي". ليكمل وعيونه معلقة بعينيها: "أنتي أكيد زي مامتك رخيصة".
انتزعت يده عن شعرها بقوة، مردفة: "مفيش حد رخيص إلا أنت، أنا مامتي غالية أوي".
"مامتك غالية؟ قولتيلي ها؟ ههههههههههه. طب انتي مسألتش نفسك إيه اللي وصلها للي هي فيه؟".
أشارت برأسها بالاتجاهين وهي تتراجع للخلف حتى تعثرت ووقعت أرضًا. انحنى بجانبها ورفع وجهها: "اصل اللي متعرفوش إن باباكي باعها هنا قدام كل رجال الأعمال والصحافة، ومن غير ورقة عرفي كمان". ليكمل قهقهاته بألم يحرق قلبه، فهو رغم كل سيئاته لم يهن امرأة أو يضربها، ولكنه يسعى لتحقيق ما بباله لانتهاء هذه المهزلة.
لتقف وهي تترنح، واضعة يديها على أذنيها، لا تريد أن تسمع المزيد. شعرت بالدوار ينهشها من كم الأحداث والصدمات التي عاشتها الليلة. اقتربت منه لتحاول ضربه، ولكن قواها خارت ووقعت مغشي عليها.
ليتنفس الصعداء ويجلس على طرف السرير مهمومًا، ليمسك رأسه بعنف يحاول نفض الأفكار منه. وبلحظة قام باتجاه الحمام، خلع ملابسه ووقف تحت الماء البارد، لعلها تطفئ النار المشتعلة بداخله. فهو ناقم على جدته وحزين على صديقه، والآن وما فعله بفتاة لا حول لها. فهو رغم كل مساوئه، فلم يظن يومًا أنه قادر إهانة فتاة والخوض بشرفها وشرف والدتها، ولكن ذنبها ليس برقبته، بل برقبة جدته ووالدها. فهو بريء منها، فكلاهما ضحايا لعبة كبيرة دائرة منذ زمن. كل ذنبهما أنهما كانا دميتين يحركهما ليصل كل طرف لمبتغاه.
ليعود بتفكيره لكلام جدته، أنها تريد دليلًا على ليلتهم لتطمئن. فتحرك خارج الحمام مسرعًا بعد أن جفف شعره ولبس روب الاستحمام، ليقترب منها وهو يطلب بسره أن ينتهي كل شيء بسرعة، وكان يتمتم باعتذاره منها وهو يمزق ثوبها عنها ويلفها بملاءة السرير. وبعدها عاد للحمام يفتش بخزانته، وهو يدعو أن تصدق جدته لعبته.
كان بغرفته كالثور الهائج، لا يفهم ما به. كلما حاول أن ينام يراها ويرى كسرتها ودموعها، يرى ألمًا حاولت إخفاءه. أهذه نهاية حكايته معها؟ هل من الأساس بينهم حكاية، أم أنها مجرد أوهام بداخل رأسه؟ فهو لم يقابلها إلا مرات قليلة ولم يتحدث معها أبدًا. وهي الآن زوجة أخيه. فكيف له أن يفكر بها؟ هذه خيانة حتى لو كانت بأفكاره، وهو ليس خائنًا، فالخيانة بعيدة جدًا عن طباعه وتربيته وقيمه.
نزع قميصه عنه بعنف، وقف تحت الماء البارد وهو ينهج كمن كان يركض بسباق طويل. شعر بدفء على وجنته ليفاجأ بأنه يبكي ودموعه تتسابق مع مياه الباردة. ليلعن نفسه كثيرًا ويلعن مشاعره وما يحدث معه من تشتت. بقي على حاله هذا مدة ليست بقليلة. خرج وارتدى ثيابًا مريحة وحاول النوم، ولكن... مجددًا النوم يجافي عيونه.
ليخرج من الفيلا بأكملها ويبدأ الركض، لعل الخنقة التي يشعر بها تتلاشى ويستريح. بقي يركض إلى أن أشرقت شمس الصباح، فعاد لغرفته وأبدل ثيابه، وارتدى بدلة زرقاء مع قميص أبيض، وضع نظارته شديدة السواد على عينيه، لعله يداري عينيه وما بها من دموع وألم. نزل لأسفل وهو يحمد الله أن لا أحد قد استيقظ بعد، ليكمل طريقه متوجهًا للشركة، لعله ينشغل بالعمل بدلًا منها، هذه التي شغلت تفكيره دون سابق إنذار.
استيقظت وهي تشعر بآلام بكل جسدها الضئيل. وعندما رأت نفسها عارية لا يستر جسدها سوى ملاءة ملوثة بدماء شرفها، أجهشت بالبكاء بشكل هستيري. فهي رغم كل ما مرت به، لم تتوقع أن يحدث هذا، وبهذا الشكل المهين. لعنت الظروف والأسباب كلها التي رمتها بلا رحمة بيد ذئاب لا تعرف الرحمة.
كانت تمر من أمام غرف أحفادها لتستمع إلى صوت شهقاتها. فابتسمت برضا، طرقت الباب عدة طرقات، استيقظ على أثرها علاء، ليجذبه صوت بكائها، لينفض رأسه ويبدل نظراته بين فاتن والباب. ليدب الرعب بأوصالها وهو يصرخ بها أن تخرس، وإلا يسمع لها صوت. لتضع يدها على فمها تكتم صوت بكائها بألم وقهر، فها هي تتعرض للتعنيف منذ الصباح، ولا تدري ماذا سيكون باقي نهارها، بل باقي حياتها بهذا المنزل.
علاء: "يلا، اللي بتخبط شوية بس".
كان على يقين أنها جدته، فمن غيرها سيطرق باب غرفته بهذا الوقت وبهذا اليوم؟ نزل عن سريره واقترب منها وهمس لها ببعض الكلمات جعلت عينيها جاحظة باتساع.
وبعد دقائق قليلة، دخلت الجدة الغرفة وهي تنظر لها بتعالٍ وانتصار، بعد أن فتح لها علاء وهو يرتدي بنطالًا فقط. اقتربت أكثر منها لتنكمش فاتن على نفسها وتحاول أن تغطي سائر جسدها بالملاءة التي عليها. لتنظر الجدة حولها، فترى فستان فاتن الممزق أرضًا، ووجهها تظهر عليه آثار صفعة وشفتها مجروحة. لتتنفس بارتياح خصوصًا بعد أن رأت دماء على الملاءة. ربتت على صدر حفيدها قائلة: "أنت كده بجد حفيدي، وأثبتلي إن طريقنا واحد، وهناخد بتارنا منه". ليغمض عينيه بمرارة، فهو الآن يشعر أن جدته أكبر عدو له.
خرجت من الغرفة وعادت لغرفتها لتستلقي وتنظر لسقف الغرفة، تتذكر مأساة ما حدث مع ابنها. فبعد شهور من السعادة، ورغم مخاوف والده لأنه يعرف والد رانيا وماهيته، فهو ليس إلا رجل استغلالي. الجميع يعلم أن زوجته ماتت قهرًا منه، إلا أن ابنه طمأنه أن رانيا تعيش مع جدتها، والدة والدتها، وليس لها علاقة بوالدها. ولكن المطالب ليست بالتمني، فظهر شخص لا يقل دناءة عن والدها، فتركت محمد لأجل المال، فأظهرت أن دم والدها يجري بدمها، فهي نسخة عنه، أفعى صغيرة استطاعت تدمير محمد بتصرفاتها المخزية. فهو رآها بعينيه بالفراش مع حسن قبل الزواج أيضًا، كاد أن يقتلهم ويودي بنفسه للهلكة لولا وصول والده بالوقت المناسب. عاش بعدها على المهدئات، حتى أنه أدخل مصحة نفسية ليتجاوز صدمته. وما إن خرج منها حتى دوت الأخبار عن الزفاف الأسطوري لحسن من معشوقته رانيا.
فاقت على صوت هاتفها ليعلن عن اتصال من المشفى، ليخبرها الطبيب المعالج لرانيا عن تدهور حالتها الصحية بعد زيارة زوجها لها. أغلقت الهاتف وهي تتمنى أن ينالوا أضعاف ما شعر به ابنها من ألم.
في المشفى، بعد مغادرة من يدعى زوجها، تبكي بصمت على حال ابنتها، فلذة كبدها. فهي على يقين من نوايا عائلة الزيناتي تجاه ابنتها، فهي تعلم ما عانى حبيبها بسبب فراقهم، ولا بد أن هذه خطة للانتقام منها ومن زوجها عبر ابنتها.
عادت بذاكرتها لذلك اليوم المشؤوم.
***
دخلت القصر وهي تفكر كيف ستفاتح والدها بأمر ارتباطها من محمد. هي لا تتعامل مع والدها كثيرًا، فهي مقيمة عند جدتها منذ الصغر وتقابل والدها بالمناسبات والأعياد فقط. فهو دائم الانشغال، عنده العمل والمال بالمرتبة الأولى. أما هي فكانت مستثناة من حياته واهتماماته.
كان يجلس ببهو القصر مع رجلين، أحدهما بعمره والآخر شاب. كانت نظراته لها شهوانية أخافتها. ترددت بالتقدم، ولكن كلمات والدها لها بأن تلقي التحية على الضيوف جعلها مجبرة على التقدم.
ألقت التحية وسلمت عليهما، وما إن أمسك الشاب يدها... حتى جفلت أوصالها... وارتعش جسدها. سحبت يدها بسرعة وهي تتهرب بنظرها حتى لا تلتقي عيناهما. ولكنها تسمرت مكانها حين أردف والدها بسعادة أن حسن يدرس معها بالجامعة ويعمل بشركات والده ويريد الزواج منها.
شعرت أن أقدامها لم تعد تحملها، تمنت لو أنها لم تأت وما خطت خطوة واحدة ناحية القصر. تتمنى لو تمتلك الشجاعة لكانت هرولت سريعًا لأحضان معشوقها.
فاقت على ضحكاتهم ووالدها يعبر عن سعادته بخجل ابنتها. أي خجل هذا؟ هل يمزحون؟ فقالت دون أدنى تردد لتنهي هذه المهزلة:
رانيا: "بس أنا مش موافقة، أنا بحب واحد زميلي وعايز ييجي يتقدم لحضرتك".
صفعة قوية نزلت على وجهها الرقيق، سقطت على أثرها أرضًا ونزفت شفتيها بسببه. ليصرخ بها بصوت هز أرجاء القصر: "أنا شكلي اتساهلت معاكي أوي، وإني سيبتك لجدتك تربيكي كانت أكبر غلطة بحياتي".
لينادي على الحرس بصوت جهوري:
"أؤمر يا باشا".
والدها: "البنت دي تترمي بالبدروم ويتقفل عليها، مش عاوز أي حد يدخل عندها أو يديها حتى لو بق ميه. كلامي واضح؟"
الحارس: "تحت أمر سعادتك يا فندم".
حملها الحرس وهي تقاومهم وتصرخ باسم محمد إلى أن خارت قواها واختفى صوتها.
عانت وحدتها وسوء معاملة والدها السيئة لأسبوعين متتاليين، لم تر فيهما إلا والدها يدخل يعنفها ويضربها بلا رحمة. وأخيرًا وصل لأسلوب التهديد بحياة جدتها... التي تعبت ومرضت على فراق حفيدتها واختفائها. فهي لم تترك بابًا إلا طرقته ببحثها عنها، والأقسى من ذلك أنه حملها مسؤولية اختفاء ابنته وهددها أنه سيقضي عليها إن لم تظهر ابنته.
يالا جبروته! ولم يكتف بذلك، بل كان على اتفاق مع ذلك النذل الفاسق حسن لتدمير عائلة الزيناتي، حتى أنه لم يبالِ لابنته بالخطة الوضيعة التي وضعها حسن لرضوخ رانيا وتدمير محمد.
وبعد أسبوعين آخرين من المعاناة... دخل والدها يخب رها بما ينوي فعله. فهو سيقتل محمد وسيرفع قضية على جدتها لإهمالها واختفاء ابنته. بل سيوجه لها اتهامًا بقتل ابنته الوحيدة، وستقضي ما تبقى من عمرها بعذاب ضمير وعذاب السجن وهي بعمر لن يحتمل كل ذلك.
ضاعت أحلامها وتكحلت حياتها بالسواد.
رضخت لوالدها وقبلت الزواج مرغمة. وبقلبها خناجر تطعنها بلا رحمة، تشعر بداخلها بنار لو خرجت لأحرقت الأرض كاملة. تشعر بقهر وضعف عاد بها لكونها يتيمة. فبكت نفسها وبكت أمها التي تركتها طفلة صغيرة لأب ظالم، يا ليتها أخذتها معها.
رواية فتنت بانتقامي الفصل السادس 6 - بقلم رغدة
مرت أيام كانت أسوأ ما تكون على فاتن، فهي خادمة بالقصر خلال النهار، وبالليل يعود علاء متعاطياً سمومه، فينهال عليها بالشتائم، وبعد إنهكه يجلس يعتذر منها كطفل صغير. أصبح إنساناً مختلفاً، لا يهمه شيء بالحياة، فبعد تأكده ويقينه وحصوله على أدلة دامغة أن حسام بأمر من جدته رتب لقتل صديقه، أصبح يتفنن بتعذيب نفسه كأنه ينتقم من جدته من خلال نفسه. كان يتصرف بلا وعي ويتحدث بكل ما يعتمل بصدره، فأصبحت على علم ودراية بكل أسراره وأسرار أسرته.
قررت الهرب من هذا الجحيم، ولكن أولاً عليها الاطمئنان على أسرتها، بل على والدتها وأختها، فوالدها لم يعد له في قلبها إلا الكراهية.
***
في هذه الأحداث، دفن مراد نفسه بالعمل، فلا يعود إلا بعد منتصف الليل أو أكثر، ويخرج قبل أن يستيقظ أحد. أصبح يتجلد بالقسوة واللامبالاة، كل همه أن يصعد بإمبراطوريته إلى القمم، وأن يشغل قلبه عمن شغلته. أما همه الآخر فهو حسن وما يظن نفسه فاعل بالخفاء.
ذلك الغبي يظن أن باستطاعته مواجهة مراد، فلجأ لمن لا دين ولا ضمير لهم، تجار الأسلحة والممنوعات.
ولكن مراد له بالمرصاد، فهو على دراية كاملة بكل خطوة يخطوها وكل خطوة يفكر بها، فبالمال استطاع أن يشتري ولاء جماعة حسن.
***
كل شهرين على الزواج، كانت علاقة علاء وفاتن تحسنت كثيراً. حاولت معه كثيراً أن يتعالج ويتوقف عن التعاطي، ولكنه مع كل محاولة كان يفشل فشلاً ذريعاً. فهو قد رفض أن يدخل مصحة ليتعالج، وهي لا حول لها ولا قوة ولا معين لها، فجدته كل همها كيف تتفنن بتعذيبها وتذلها، تعاملها معاملة الخدم وأقل من ذلك أيضاً، وأخوه مراد غير متواجد بالقصر أبداً، حتى أنها لا تراه أبداً. يخرج للعمل قبل استيقاظ الجميع ويعود متأخراً.
***
وفي ليلة، انتظرت الجدة علاء لتتحدث معه، فهو قد ترك أعمال العائلة ويقضي كل أوقاته خارج المنزل بالسهر والمحرمات، يصرف أموالاً طائلة على نزواته. يجب أن توبخه وتعيده للمسار الصحيح، يجب أن يتحمل مسؤولية أعمال العائلة مع أخيه مراد.
وكل ما تفكر به أن هذه الفتاة المدعوة فاتن كانت لعنة وشؤم على العائلة، فمنذ خطت قدمها القصر تبدلت الأحوال وتفككت الأسرة.
"يال هذا التفكير العقيم!"
دخل يترنح، فوجدها أمامه، لتبدأ بتوبيخه، ولم تكن تعلم أنها تصب الوقود على نار مستعرة.
الجده بحده:
"إنت مش هتبطل القرف اللي عايش فيه؟ أنا قولت اهو اتجوز واتعدل، وإنتا ولا إنتا هنا؟ أنا كنت فاكرة إن مارك هو اللي مبوظك ومبوظ أخلاقك، لكن كنت غلطانة، إنتا طبعك زبالة ومقرف."
ليقاطعها بصوت غاضب مليء بالكره والحقد لها:
"تئي ليكي عين تتكلمي! إنتي دمرتيني... قضيتي عليا... بدل ما تاخديني بحضنك وتعقليني... بدل ما تعالجيني رميتيني بوسط لعبة قذرة... مليش فيها.... قتلتي صاحبي ورفيقي... إنتي فاكرة إني مش عارف...."
ليصرح بصوت أعلى:
"لاااااااء! فوقي لنفسك... أنا عارف كل حاجة... وصدقيني هندمك على اللي عملتيه فيا، وبمارك، وبالبنت المسكينة اللي مرمية فوق... فضلت تبخي سمك جوايا... من غير ما تحسي باللي جوايا... محستيش بالنار القايدة هنا..."
ليضرب بعنف على صدره ناحية قلبه، وبدأت دموعه بالهبوط على وجهه وهو يكمل:
"إنتي إيه؟ مفيش عندك قلب؟ شايفاني بتقطع قدامك ومفيش أي إحساس."
ليكمل بصوت متحشرج بالبكاء:
"ذنبها إيه البنت دي عشان تدوق العذاب اللي هيا فيه ده؟"
لتقاطعه بغل:
"ذنبها إن أهلها كانوا سبب دمار أبوك."
علاء:
"وأنا ذنبي إيه؟ مين ياخدلي حقي منك؟"
الجدة:
"أنا بحميك من المعصية."
علاء:
"والقتل والتعذيب مش معصية؟"
الجدة:
"أنا مقتلتش حد."
ليضحك ويبكي معاً:
"مقتلتش؟ هههههههه! والتحريض على القتل إيه؟ مش إنتي سبب سجنه؟ مش إنتي اللي بلغتي عنه البوليس؟ وبلغتي المافيا؟ يبقى ده إييييييييييه؟ انطقي؟ إنك تاخدي بنت وتعذبيها وتذليها إيه؟ قسماً بالله لدفعك التمن غالي، هخليكي تعيشي حياتك كلها بندم وقهر تكوني إنتي سببه، هخليكي تبكي بدل الدموع دم."
ليجري من أمامها بسرعة ويصعد لغرفته، فيجدها منكمشة في إحدى الزوايا بخوف من شكله. نظر لها مطولاً وهو يتذكر كيف كان يعاملها ويعنفها عندما تحاول منعه من التعاطي. وبدون وعي أخرج كيساً صغيراً من جيبه وأخذ يتنشق منه بشكل مخيف.
ركضت باتجاهه ترجوه أن يتوقف وتحاول منعه. ولكن لا حياة لمن تنادي. استنشق الكثير إلى أن سقط أرضاً، يصارع جسده ما استنشقه.
وهي تجلس عند رأسه تبكي بنحيب على حالته المرعبة.
أمسك يدها متشبثاً بها بقوة وجسده يرتجف ودموعه تهبط:
"سامحيني أرجوكي. عاوز أموت وإنتي مسامحاني. أنا ذنوبي كتيرة أوي، متزوديهاش علي."
لتهبط دموعها ألماً على كليهما وتقول:
"أنا مسامحاك يا علاء، صدقني مسامحاك، بس إنت لازم تعيش. سيبني أنزل أنادي مراد ياخدك المستشفى قبل ما يجرالك حاجة."
ليتشبث بها بقوة أكبر:
"لا متسيبينيش... مش عاوز أموت لوحدي... أنا بردان أوي، دفيني."
لتحتضنه وهي تقرأ بعض آيات القرآن القليلة التي تحفظها، ليقول بشفاه مرتعشة وبصوت متقطع:
"فاتن اسمعيني كويس، في حاجتين مهمين لازم أقولهم قبل ما أموت."
لتستمع له فيكمل:
"أنا ملمستكيش، أنا بس عملت كده عشان هي كانت عاوزة دليل، أنا عارف إنك مصدقتنيش أما قولتلك، بس أنا والله."
لتقاطعه وهي تحتضنه بشدة:
"عارفة يا علاء، عارفة."
ليرفع نظراته الزائغة يحاول أن يستشف صدق كلامها، لتكمل:
"أنا مصدقاك ومسامحاك، بس إحنا لازم نروح المستشفى."
حاولت أن تقف فاحتضن كفها يرجوها أن تبقى، يحاول إخراج كلماته:
"أخويا يا فاتن، مش عاوز أعرف إن إني..."
لتسكته:
"مش هيعرف، متخافش، أوعدك اللي بينا وأي حاجة قولتها مش هقولها لأي حد مهما كانت غلاوته."
زادت رعشة جسده لتبدأ أنفاسه بالخفوت. ركضت باتجاه الباب، فتحته بسرعة متجهة للبهو، لتجد الجدة جالسة تنظر للأمام بتوهان.
أمسكتها من كتفها تهزها بعنف إلى أن أبدت ردة فعل، لتستغرب وجود فاتن خارج غرفتها بمثل هذا الوقت، فصرخت بها:
"إنتي بتعملي هنا إيه؟"
لتقاطعها وهي تصرخ:
"الحقوا علاء."
ليندفع مراد بسرعة لأعلى، فهو كان يدخل القصر حين رآها تركض باتجاه جدته وشاهد ما حدث. وصل الغرفة ليتسمر من هول ما رأى.
أخاه الصغير جثة هامدة، يخرج من فمه زبد أبيض أغرق وجهه، ليصرخ بأعلى صوته وهو يجثو بجانبه:
"علاااااااااااااااااااء! قوم اتكلم، فوق يابني فوق."
احتضنه بقوة:
"متموتش، فيك إيه؟ قوم يا علاء."
صفعه على وجهه عدة صفعات خفيفة يحاول إفاقته ولكن لا حياة لمن تنادي. أمسك هاتفه بيد مرتعشة وهو يحتضن رأس أخيه واتصل بالإسعاف.
خرج الطبيب منكس الرأس:
"البقاء لله، علاء وصل قاطع النفس، مقدرناش."
ليمسكه من ياقته وهو يصرخ:
"متكملش، أخويا لازم يعيش، فاهمني؟ وإلا هتكون حياتك وحياة كل اللي جوا التمن."
ليحاول فك نفسه ويشرح له ولكنه أحكم إمساكه، إلا أن وصل حسام وخلصه من قبضته.
***
مات الأخ، مات السند، مات صغيره، مات وحيداً كما عاش وحيداً. فوالده يعيش بملكوت خاص به، يحيى على أطلال امرأة خائنة، حتى أنه لا يفكر بمن كانت زوجته وأم أولاده. لم يهتم إلا بنفسه، وترك صغيرايه دون اهتمام. حتى هو كان العمل أولى اهتماماته، وترك أخيه دون رعاية ولا اهتمام. كان الأجدر به أن يكون صديقاً وأخاً وسنداً، ولكنه فضل العمل وجعله أهم أولوياته.
***
عدت أيام العزاء بحزن شديد على الجميع. رحل جميع المعزين، وبقي مراد وأبيه الذي حضر ليدفن ابنه الصغير. كل منهما بعالم بعيد عن الواقع، كل منهم يحمل نفسه مسؤولية ما حدث لعلاء.
خرجت من غرفتها بهدوئها المعتاد لتدلف للمطبخ وتحضر صينية الطعام لتصعد بها لغرفة الجدة لتحاول أن تطعمها ولو القليل. وبعد بعض الوقت وفشل محاولتها المتكرر، عادت للمطبخ لتعيد الطعام، ولكن ما سمعته جمَّها وأخافها من القادم.
مراد:
"أنا متأكد إن البنت دي هي السبب."
محمد:
"يابني إنت بتفترض كده ليه؟"
مراد:
"أنا مش بفترض، من يوم ما اتجوزها وهو اتقلب حاله، ساب الشغل ومقضيها سهر وبيسحب فلوس بالهبل، أنا كنت هكلمه لكن ملحقتش، أكيد هي السبب."
محمد:
"يا ابني اللي أعرفه إنها مكانتش بتخرج من هنا، وبعدين عاوز تفهمني إن ماما كانت هتسمح بالكلام ده؟ أكيد فيه حاجة إحنا منعرفهاش."
مراد بحده:
"أنا بقولك هي، وأنا هتأكد بنفسي، وصدقني حياتها وحياة عيلتها كلهم مش هتكفيني بأخويا."
شعرت بالدم يتجمد بعروقها، هل يلقي باللوم عليها؟ ما ذنبها؟ هل إذا أخبرتهم بما سمعت من نقاش بين علاء والجدة سيصدقوه؟
لم تعرف ماذا تفعل، أسرعت للمطبخ وضعت الصينية بيد مرتعشة وهي كالتائهه، لتنتفض على يد وضعت على كتفها وإذا بها إحدى الخدم.
الخادمة:
"مالك يا بنتي فيكي إيه؟"
رانيا:
"أبوس إيدك تساعديني أهرب."
الخادمة:
"سامحيني يا بنتي مقدرش، لو حد شم خبر هيقطعوا رزقي ده إن مأذونيش."
بعد توسلات عديدة من رانيا، يأست وعادت أدراجها لتحبس نفسها بغرفتها. وبعد بعض الوقت سمعت طرقات خفيفة على باب غرفتها، فوجدت الخادمة تقول لها:
"أنا ممكن أديكي تليفون تعملي منه مكالمة مع أهلك وهما يخلصوكي، ده اللي أقدر عليه."
لتظهر ابتسامة شاحبة على وجهها.
أخذت الهاتف وهي تفكر بمن ستتصل؟ والدها؟ لا، هو أول من باعها. بل ستتصل على أخيها.
طلبت رقمه بحبور فريد من نوعه، فهي منذ أشهر لا تعلم أخبار عائلتها وخصوصاً أخيها بعد آخر مكالمة بينهما ووالدتها على سرير المشفى.
استمعت لرنين هاتفه على الجانب الآخر وكأنها تستمع لسمفونية راقصة في قلبها. وبعد ثلاث رنات جاءها صوته الدافئ الناعس على الطرف الآخر.
أحمد:
"الـ..."
شعرت وكأن لسانها عاجز عن النطق، فحثتها الخادمة على التحدث.
فاتن:
"احـ..."
أحمد:
"مين بيتكلم؟"
فاتن:
"أنا فاتن، يا أحمد، معقول نسيتني؟"
أحمد بلهفة:
"فاتن، إزيك عاملة إيه؟ فينِك؟ أنا بدور عليكم بقالي أكتر من شهر، تلفوناتكم مقفولة، وروحت الفيلا مفيش إلا حسن بيه، حتى رفض يقابلني."
فاتن:
"إنت رجعت مصر؟"
أحمد:
"أيوه، قوليلي إنتي فين وأنا هاجي."
فاتن:
"استنى، طمني، شفت ماما؟"
أحمد:
"خالتي؟ لا، هي مش مسافرة؟"
هبطت دموعها الحارقة وهي تتحسر على أب غرته الدنيا وملذاتها، لتقول بصوت يرجف:
"أحمد، ماما بمستشفى الزناتي."
أحمد:
"مستشفى؟ ويردد باستنكار: مستشفى الزناتي إزاي؟ إنتي واعية بتقولي إيه؟ مالها؟"
فاتن:
"اسمع بقولك إيه، مفيش وقت، إنت لازم تاخد ماما من المستشفى، وحور، حور يا أحمد شوفها فين وخدها، هربهم برا البلد، أنا مش هكون مطمئنة إلا وهما معاك."
أحمد:
"طب إنتي فين وحصل إيه؟"
فاتن:
"أنا كويسة، المهم خرجهم واحيهم، وأنا هرجع أكلمك."
أحمد:
"طب فهميني اللي بيحصل، أنا روحت الفيلا، قالولي إنكم مسافرين."
فاتن:
"أحمد اسمع بقولك إيه ونفذه حالا، متستناش النهار يطلع، إنت بسباق مع الوقت، وأنا هكلمك تاني."
أحمد:
"ماشي، هستنى منك تليفون، خدي بالك من نفسك يا حبيبتي."
فاتن:
"وإنت كمان يا حبيبي."
أغلقت الهاتف، ولم تنتبه لتلك العيون التي تراقبها منذ مدة والشرار يتطاير منها. أصبح الآن على يقين أنها سبب موت أخيه، فامرأة مثلها تسعى للمال وخائنة أيضاً.
دلف لغرفة جدته التي انفصلت عن الواقع بسبب ما حصل. فهي السبب بموت حفيدها بهذا الشكل الفظيع. نعم، لقد كان محقاً، فها هي نادمة تتجرع أطنان من الحزن، يا ليتها لم تفعل ما فعلت، ولكن هل يفيد التمني؟ تبكي بداخلها بقهر كبير، قلبها يتأكلها من فراقه. عادت بذاكرتها حياة بأكملها، ووقفت عند ذلك اليوم وذلك الاتصال الذي قلب حياة ابنها رأساً على عقب.
***
كانوا يجلسون يتناولون الإفطار كالعادة ويتحدثون بأمور روتينية، إلى أن قال محمد:
"بابا، أنا عاوز منك خدمة كبيرة."
لينظر له والده:
"عايز إيه يا حبيبي؟"
محمد:
"عاوزك تكلم حد من معارفك بالداخلية يدوروا علو رانيا دي، مختفية بقالها تقريباً شهر، ومسيبتش حد إلا سألت عنها ودورت بكل مكان، دي حتى جدتها مش عارفة هي فين، وأبوها قالب الدنيا عليها، ارجوك يا بابا تساعدني."
تنهد أباه بلا حيلة وقال:
"ماشي يا حبيبي، هشوف النهارده. حد يقدر يفيدنا، وإن شاء الله نلاقيها."
ليقطع حديثهم رنين الهاتف.
محمد:
"الو."
مجهول:
"محمد معاي."
محمد:
"أيوه، مين حضرتك؟"
المجهول:
"فاعل خير."
محمد:
"وعاوز إيه يا فاعل خير؟"
المجهول:
"عاوز أقولك فين حبيبة القلب."
محمد:
"فين؟ رانيا فين؟"
المجهول:
"بحضن حبيبها، عايشة بشهر العسل بتاعه."
محمد:
"اخرس."
المجهول:
"مش مصدقني؟ روح العنوان ده..."
ليغلق الهاتف بعنف وتتغير ملامحه، ويمسك خصلات شعره بعنف:
"كذاب، كذاب، مستحيل رانيا تعمل كده."
ليتجه له والداه:
"حصل إيه؟"
محمد:
"ده واحد بيقول إن رانيا."
وقص عليه ما قاله الرجل.
ليركض للخارج ويركب سيارته ويقودها بهستيريا وبسرعة مفرطة، حتى أنها أصدرت صوت صرير عالٍ.
لِيلحَق به والده وسيارة الحراسة من خلفهم.
وصل للعنوان ودق الباب بعنف إلى أن فتحت الخادمة الباب.
دفعها ودخل وهو يصيح باسمها ويفتح الأبواب المغلقة، وخلفه الخادمة تحاول إيقافه، ولكن ها قد جاءت اللحظة الحاسمة، ليفتح باب الغرفة ويرى محبوبته بأحضان غيره، تلك الخائنة.
قلبه يشتعل خوفاً عليها، وهي هنا تخونه، تلك الخائنة، سيقتلها حتماً.
رانيا بتوتر وخوف:
"محمد."
محمد:
"أيوه محمد، يا خاينة! إيه؟ مكنتيش متوقعة."
حسن:
"إنت مين وازاي تدخل كده؟"
محمد:
"أنا مين؟ هقولك أنا مين..."
ليندفع نحوه ويمسكه من تلابيبه ويكيل له اللكمات. حاول حسن تسديد بعض الضربات. ولكن العاشق الغاضب كان متحكماً به حتى أوقعه أرضاً. وأمسك رانيا من شعرها وهي متشبثة بالغطاء تستر جسدها العاري وتتلقى صفعاته دون مقاومة، فقط دموع غزيرة تتساقط من عينيها.
دخل والده يركض باتجاه الضجيج والصراخ، ليجد ابنه ممسكاً برقبتها يخنقها حتى أوشكت على قطع أنفاسها. أمسكه أبيه بعنف وهو يحاول فك يديه عن رقبتها، حتى نجح. حاول محمد الهجوم ثانية، ولكن أباه تشبث به بإحكام وأخرجه من المنزل.
***
رواية فتنت بانتقامي الفصل السابع 7 - بقلم رغدة
تمدد بجانبها على السرير ووضع رأسه على قدمها يبكي بصمت على ما يعيشوه من ألم ومرار.
وهو يفكر بعشيق تلك الخائنه سيجده ويقتله ولن يرحمهما، فمن المؤكد أنهما السبب في موت أخيه بهذه الصورة البشعه.
غفى لا يعلم لكم من الوقت، فهو منذ فترة طويلة لم ينم.
***
على الطرف الآخر، وصل أحمد المشفى يبحث عن خالته. سأل عنها وعلم بأي غرفة هي وصعد إليها.
طرق عدة طرقات ودلف للغرفة ليجد خالته ممدة على الفراش بوجه شاحب.
ركض نحوها وأخذها بأحضانه باشتياق وشفقة على حالها.
أجهشت ببكاء مرير دمر ثوابته.
حاول إسكاتها ولكن كلما تكلم أو حاول إبعادها تشبثت به أكثر ويزداد نحيبها.
نطقت بأحرف متقطعة.
فizontally قبل رأسها وقال: "هي كويسه، متخافيش."
رفعت رأسها لتنظر بعيونه تستشف صدق كلامه.
فأومأ برأسه إيجابا: "هي كلمتني وقالتلي انتي فين. قولولي حصل إيه؟ أنا روحتلكم الفيلا قالولي إنكم مسافرين."
لتعود للبكاء مجددا.
وبعد مدة من الوقت جلس يساعدها بارتداء ملابسها لإخراجها. وما أن انتهى حتى توجه لإنهاء أوراق خروجها واصطحبها لمنزلها.
***
استيقظ مراد على يد جدته تداعب خصلات شعره. ابتسم لها بحب وقبل يدها قائلا: "عامله إيه يا حبيبتي."
لتردف بمرار: "يا ريتني أنا اللي مت وفضل هو عايش."
مراد بلهفه: "بعد الشر عنك يا تيتا متقوليش كده."
الجده: "أخوك مات بسببي يا مراد."
مراد: "لا يا تيتا، هو مات بسبب الخاينه مراتك."
لتقول بصدمه: "خاينه؟ إزاي؟ إنت بتتكلم عن إيه؟"
مراد: "متشغليش بالك إنتي، أنا هتصرف معاها. أهم حاجه تاخدي بالك من نفسك ومن صحتك. لازم تاكلي، مينفعش اللي بتعمليه بنفسك. أنا هقول لسنيه تحضرلك الأكل، ماشي يا حبيبتي."
الجده: "هاكل بس بشرط تاكل معايا."
ابتسم لها وكأنها طفل صغير يحاول مسايرته: "ماشي يا حبيبتي. تحبي اجيبلك الأكل هنا ولا تنزلي تحت؟"
الجده: "عاوزة أنزل آكل معاك إنت وأبوك. أنا متكلمتش معاه من وقت ما جه وأكيد مادقش الأكل بسبب اللي حصل."
لتكمل ببكاء: "طول عمره ملوش حظ لا بحب ولا جواز. ودلوقتي خسر ضناه. لتجهش بالبكاء. الضنا غالي أوي يا مراد. يا رب يقدر يسامحني."
يربت على ظهرها بحنان وهو يحتضنها: "هش هش، كفايه عياط بقا. إنتي مبطلتيش عياط بقالك أربع أيام. كفايه عشان صحتك. إحنا محتاجينك. طول عمرك إنتي اللي بتاخدي بالك مننا. وبعدين إنتي ملكيش ذنب باللي حصل. متحمليش نفسك فوق طاقتك."
تهدأ من نوبة البكاء وتستند على يده ويأخذها لأسفل.
جلست بمكانها المعتاد على السفرة وعلى جانبيها ابنها وحفيدها. تفكر بردة فعلهم إن عرفوا بما اقترفت يداها. تتألم بداخلها تريد الاعتراف ولكن شجاعتها خانتها.
فإن اعترفت سينفضوا عنها. ويتركوها وحيدة. سيكرهونها. هي لن تتحمل ذلك أبدا ليس بعد هذا العمر الذي أفنته برعايتهم. ستبقى وحيدة تموت على فراشها دون يد تمسكها وحضن يحتويه.
لقد قررت وانتهى الأمر. ستترك الأمر للقدر، وهو كفيل بتدابير الأمور.
***
كان يتلاعب بطعامه وهو يفكر بما يفعله رجاله الآن. هل نجحوا؟ كل بضع دقائق ينظر بساعته ويتفقد هاتفه.
حمد: "إنت مستني تلفون يا ابني."
مراد: "ها لأ. قصدي أيوه تلفون مهم تبع الشغل."
رن هاتفه فالتقطه بسرعه وابتعد عن والده وجدته.
مراد: "عملتوا إيه."
الطرف الآخر: "البنت معانا، لكن الست رانيا خرجت من المستشفى."
مراد باستنكار: "نعاااام خرجت؟ إزاي ده حصل؟ وازاي أنا معرفش؟ مين خرجها دي رجليها مش شايلاها؟"
الطرف الآخر: "يا باشا التوقيع اللي على ورق الخروج باسم أحمد."
اشتعلت عيونه بغضب. ألقى هاتفه بعنف على الأرض صارخا باسمها: "فااااااااتن."
صعد الدرج ركضا فتح غرفتها دون إذن.
وقفت فزعة من شكله المخيف وعيونه التي اصطبغت بلون أحمر قاتم كالدماء.
اقترب منها بخطوات شديدة البطء كالأسد يتصيد بفريسته. وهي تتراجع بخطوات ترتجف حتى تعثرت وسقطت أرضا.
اقترب منها أكثر. وهبط لمستواها وتحدث من بين أسنانه ويقبض يده بشدة حتى ابيضت.
ليهمس بهدوء معاكس لما يعصف بداخله من نيران وبراكين: "أنا متعودتش امد إيدي على ست ومش وحدة زيك ممكن تغيرني أو تخليني أعمل حاجة عكس مبادئي. لكن هنتقم منك بطريقتي. هتتمني الموت ومش هتطوليه. هتركعي تحت رجلي عشان أموتك."
وقف ليقول والده من خلفه: "مراد إيه اللي."
ليبتسم ويقول: "ولا حاجة يا بابا. تعال ننزل لتيتا."
أغلق خلفه الباب واقفله بالمفتاح ووضع المفتاح بجيبه.
حمد: "إنت قفلت الباب ليه؟ افتح الباب يا مراد."
مراد: "لأ مش هفتحه ومحدش ليه دعوة بيها."
حمد بصوت مرتفع قليلا: "أنا بقولك افتح الباب وملكاش دعوة بالبنت."
ليصرخ مراد: "ليه ها ليه؟ لأنها بنت حبيبة القلب؟ ولا عشان بتشبهها؟ هو إنت فاكر إني مش ملاحظ الشبه الكبير بينهم؟ بس خد بالك أمها خاينه. وهي متتخيرش عنها. خاينه وكلبة فلوس زي مامتها."
صفعه على وجهه.
جمحته: "اخرس ومتتكلمش عنها ولا تجيب سيرتها لأنها أشرف من الشرف."
ليندهش مراد من فعل والده وكلامه. هل يدافع عن من كانت سبب تعاسة عائلة بحالها؟
ليتركه ويخرج من القصر بغضب متوجها للشركه.
دخل الشركة بغضب اتجه لمكتبه واخذ يدمر كل ما تطاله يداه.
اتصلت السكرتيرة بحسام: "حسام بيه مراد بيه جه الشركه متعصب وسامعة صوت تكسير من مكتبه."
حسام: "أنا جاي حالا."
أغلق الهاتف واتجه لمكتب صديقه ليعرف ما به.
كان بحالة لا يحسد عليها. فها هو يصدم بمن سرقة قلبه. وها هو يرسم لانتقامه منها بيده. عليها أن تدفع الثمن غاليا. فأخيه قد رحل ولن يعد أبدا.
خسارته كبيرة نعم، ولكن هل سيجد الصبح لما ستصنع يداه.
دخل حسام مسرعا وصوت التكسير يصدح من خارج المكتب.
وقف بذهول من وضع مراد والمكتب وكل ما فيه قد تحول لدمار. فلا شيء على ما يرام.
حسام: "مراد إيه مالك؟"
مراد بصراخ: "اخرج برااااا."
تقدم بتأني وهو يحاول أن يهدئ مراد.
حسام: "مراد أهدى شوية وقولي مالك."
جلس أرضا يلتقط أنفاسه بصعوبة: "أنا بموت يا صاحبي بموت."
جحظت عينا حسام بشده وشعر كأن قلبه قد توقف من كلام صديقه. فكل ما جال بخاطره أن صديقه مريض.
ركض نحوه وانحنى بجانبه ضم رأسه على صدره: "سلامتك من الموت يا صاحبي. ألف بعد الشر عنك. قولي فيك إيه؟ بيوجعك إيه؟"
مراد ببكاء مرير يبكي كطفل فقد أمه: "قلبي بيوجعني يا صاحبي ومش عارف أعمل إيه."
حسام وهو يحرك صديقه ليقفا معا: "تعال نروح المستشفى نطمن عليك. متخافش. إحنا عندنا أحسن كادر طبي. ولو في حاجة نبعت نجيب أكبر دكاترة ببلاد بره. اطمن أنا مش هسيبك."
مراد بضحك ممزوج بدموعه وهو يزيح كف صديقه الممسكة به: "اللي فيا مش عاوز دكاترة ولا مستشفى."
نظر له ليفهم.
فأردف يكمل: "صاحبك عاشق والعشق ده ممنوع ومحكوم عليه بالموت."
تجهم وجه حسام: "يا بني وقفت قلبي افتكرتك مريض. ده إنت سيبت ركب."
ينظر له مراد وكأنه يطلب منه حلا لما حل بقلبه: "عاوز أشيل الوجع ده من قلبي يا صاحبي. أنا حاسس قلبي بيموت. بتوجع يا صاحبي. حاسس بسكاكين بتقطعني من هنا." وأشار بإصبعه نحو قلبه.
رق قلب حسام لحال صديقه. فهو يعرف ما هو ألم الحب والفراق. فقد عايشه من قبل. ولكن رحم الله قلبه. وجمع بين من عشقها حد الموت وكان مستعدا أن يموت لأجلها.
اقترب واحتضن صديقه بمودة صادقة وربت على ظهره ثم أردف: "طب تعال اعزمني على حاجة ساقعة وابقى احكيلي مين اللي قدرت تلين قلبك وتوقعك بحبها. وأنا هخليهم ينضفوا المكتب."
في طريق خروجهم من الشركه أوقفهم الحارس: "مراد باشا في واحد بقاله يومين بييجي يسأل عنك ومصر يقابلك."
أشار له حسام بيده: "بعدين يا ابني."
الحارس: "بس ده واقف من الصبح ومش راضي يروح."
مراد بحده: "إنت مبتفهمش؟ مش عاوز أقابل حد."
تراجع الحارس لمكانه.
اقترب منه الرجل.
الرجل: "ها فين مراد باشا."
الحارس: "إنت أعمى مهو مشي أهو ومش عاوز يقابل حد. يلا يا خويا من هنا متوجعش دماغنا."
***
في مطعم على النيل جلس الصديقان.
تقدم النادل: "أهلا وسهلا بالبشوات. تحبوا تشربوا إيه ولا نوصي عالغدا بتاعكم."
حسام: "هاتلنا يا نادر اتنين عصير ليمون وبعدها انزل بالأكل حاكم عصافير بطني بتصوصو."
ابتسم نادر باحترام: "تحت أمر سعادتك يا حسام باشا."
نظر حسام لمراد الذي ينظر لماء النيل بعمق كأنه يحاوره.
فرقع بأصابعه أمام مراد: "إيه يا بني وصلت فين."
أطلق تنهيدة من أعماق قلبه.
حسام: "ياااااااه للدرجة دي."
مراد: "إنت متعرفش اللي بيا يا حسام. أنا النار جوايا لو طلعت هتحرقني أول واحد."
حسام: "مين دي اللي قلبت حالك؟ ولما بتحب اتجوزها إيه المانع؟ ده إنت مراد الزناتي بحاله. مليون من تتمناك."
ضحك بسخرية: "مهو عشان مراد الزناتي مينفعش."
نظر له حسام يحثه لكي يكمل.
"أنا بحب فاتن من أول مرة لمحتها فيها. شفت ألمها ودموعها. كانت وقتها منهارة من العياط على مرض مامتها. حسيت قلبي بيتوجع على وجعها. منمتش ليلتها وأنا بفكر فيها. وتاني يوم قابلت عيونها. يا الله على عيونها. غرقت فيهم من نظرة وحدة. حسيتها ملكتني. بقيت زي التايه زي الواد الصغير اللي عاوز يفضل بجنب مامته. قلبي كان بيرقص لقربها."
كان يستمع لصديقه بذهول. فهو قد أدرك المعضلة التي وقع بها صديقه.
مراد: "وبنفس اليوم طرت للسما فوق. فووووق. لما افتكرت إني هتجوزها. وبعدها وقعت لسابع أرض لما بقت مرات أخويا."
فرت دمعة من عينه مسحها بسرعة.
نظر للخواء مده وقال: "أنا خطفت أختها."
فغر فاه حسام مما سمع: "إنت اتجننت؟ عملت كده ليه؟"
مراد: "لسببين. الأول عاوز انتقم منها. هي السبب بموت علاء. قتلته الخاينه."
ليقاطعه حسام بتروي: "مراد إنت بنفسك قريت التقرير. علاء كان مدمن."
جز على أسنانه: "ومين السبب بإدمانه؟ ها هي الخاينه بنت."
حسام: "خاينه إزاي يعني؟"
مراد: "مش مهم."
قام وامسك مفاتيحه: "أنا ماشي. كمل أكلك."
حسام: "طب استنى أنا ماشي معاك."
مراد: "عاوز أفضل لوحدي شوية. اعذرني."
***
يتجول بسيارته لمده لا يعرف مدتها وهو شارد التفكير. فاق على صوت هاتفه ليهتف بقسوة: "عاوز إيه يا زفت."
"وديهم عالشقه اللي بالبرج وأنا جاي حالا."
استدار بسيارته متجها إلى شقته التي يخفيها عن الجميع. وصل الشقه بهدوء مريب. وما أن رأته حتى انتفضت ذعرا.
حول نظره بين السيدة وتلك الفتاة الجميلة المرتعبة. ومن ثم التفت إلى الحارس وهو يمد يده له ليسلمه الحارس الهاتف قائلا: "أنا كلمت جماعتنا وساعة بالكتير كل المعلومات عن صاحب الرقم تكون عندي."
رواية فتنت بانتقامي الفصل الثامن 8 - بقلم رغدة
ذهب أحمد للفيلا ليحضر حور.
فوجد الجو مشحون، فكل الحراس على أهبة الاستعداد وهنالك سيارات للشرطة.
ترجل من سيارته مسرعًا، فقلبه ينبئه بأن هنالك مصيبة كبيرة.
وما هي إلا لحظات وكان ممسكًا به:
"أكيد أنت اللي خطفتها... ودتها فين يا كلب... أنا من زمان مش عاوزك تدخل هنا، لكن الست هانم تقولي ابني خليه ييجي... لكن إنك تتجرأ وتخطف حور ده اللي أنا مش هسمح بيه."
أنزل أحمد يديه عنه بعنف قائلاً:
"أنا مخطفتهاش، وأخطفها ليه؟ أنا أصلًا جاي آخدها منك لأنك مش أمين عليها."
حاول حسن أن يضرب أحمد، لولا صوت المحقق الذي صاح بهم:
"كفاية بقى، خلينا نعرف نشوف شغلنا. ولو أنت شاكك فيه قدم فيه بلاغ واحنا نتصرف، مش تضربوا بعض كده قدامنا."
وبعد وقت اقتادت الشرطة أحمد للقسم للتحقيق معه عن البلاغ المقدم بحقه من حسن باختطاف ابنته.
***
يجلس على الكنبة، ينظر لمن تجلس مقابله دون أن ينبس ببنت شفة.
وهي ترتجف أمامه، فهي لا تعلم بما أخطأت.
لقد فعلت ما أمر به، ولكن لما هو صامت هكذا؟
على ماذا ينتوي؟ وماذا يخبئ بجعبته؟
كل هذا يجول بخاطرها ويجعلها تتوقع الأسوأ بسبب صمته.
رن هاتفه للمرة التي لا يعرف عددها، وهو جالس بلا حراك.
أقبل الحارس باحترام وسلم لمراد مغلفًا:
"المعلومات يا باشا."
تناول المغلف بيده ليقلبه بين يديه وهو شارد.
مزق الغلاف بعنف ليصل لما بداخله.
نظر للورق وهو يمرر يده على جبينه وينقر بقدمه على الأرض.
وبعد مدة قليلة وقف وارتدى جاكيت بدلته الملقي بإهمال على الكنبة بجانبه.
رمق حور بنظرات مبهمة واقترب منها قليلًا وبيده الأوراق أشار لها على صورة بين الورق.
مراد: "مين ده يا أمورة؟"
حور بخوف: "ده أونكل أحمد. أنت عاوز منه إيه؟"
ابتسم بخبث وقال: "تعالي معايا وأنا أقولك."
مد يده لها، نظرت ليده وبتردد وضعت يدها بيده ليبتسم لها ويسير للخارج.
وقبل أن يغادر أمر الحرس بإبقاء الخادمة سنية بالداخل لحين عودته.
***
ضرب المكتب بيده بقوة، وهو يحاول الاتصال به مرارًا وتكرارًا دون فائدة.
كل ما يجول بباله ما أخبره به قبل رحيله.
أنه قد خطف أختها.
هو على علم أن أختها طفلة لا تتعدى الثالثة عشر من عمرها.
فما غايته منها؟ وما سبب اتهامه لها بالخيانة؟
فهي منذ تزوجت علاء لم تخرج خارج القصر وليس لديها أي وسيلة اتصال مع أي شخص خارج القصر وحتى داخله.
تقف أمام صورة زوجها ودموعها تنساب:
"سامحني يا حج... وقول له يسامحني... أنا مقصدتش... يا ريتني مت أنا ولا عشت العذاب ده كله."
زادت حدة بكائها.
"يا ريت الزمن يرجع، كنت خبّيته عن العالم كله. كنت حميته من شر الدنيا واللي فيها."
رفعت يدها للسماء تستنجد خالقها:
"يا رب سامحني يا رب وسامحه يا رب. أنا مش قادرة أعترف باللي عملته. هونها عليا يا رب."
لتنهار أرضًا وهي تبكي.
وصل حسام للقصر وسأل عن الجدة.
أخبروه أنها بالمكتب.
طرق الباب عدة طرقات لتصل لمسامعه شهقات بكائها.
فتح الباب بسرعة ليجدها أرضًا.
تقدم منها:
"يا هانم أنتِ كويسة؟"
نظرت له بعيون تغرقها الدمع:
"علاء أنت جيت يا ضنايا. سامحني يا حبيبي أنا مش هعمل كده تاني ومش هغصبك على حاجة بس سامحني."
لتقع مغشيًا عليها بين يدي حسام.
بعد وقت خرج الطبيب من عندها ليسأله محمد عن حالتها.
قال الطبيب:
"الهانم جالها انهيار عصبي ولازمها راحة تامة ويا ريت تبعدوا عنها أي زعل."
أومأ له محمد وولج لغرفة والدته.
خرج الطبيب برفقة حسام الذي شكره وعاد من فوره ليطمئن على الجدة وينتظر مراد.
***
في منزل أحمد.
كانت رانيا تجوب الغرفة بوهن وضعف، فهي لم تتعافى بشكل كامل.
قلبها يتآكلها على طفلتيها وأحمد قد تأخر بالعودة.
تحركت للخارج فقابلتها فاطمة (والدة أحمد):
"رايحة فين يا هانم أنتِ تعبانة."
لتشير بيدها لها على قلبها:
"قلبي واكلني على البنات. أنا مش هقعد أستنى."
وأكملت مسيرها ببطء نحو الباب.
حاولت فاطمة منعها ولكنها كانت مصرة فقالت فاطمة:
"طب استني أنا جاية معاكي. أنتِ مش قادرة تصلبي طولك. اديني خمس دقايق ألبس استنيني."
***
تجلس فاتن بغرفتها بإحدى الزوايا، تبكي على حالها ومصيرها وقدرها.
فها هي كالدمية يتلاعبون بها ويتهمونها بأفظع الاتهامات.
لا تدري ما تهمتها وما ذنبها.
قامت من مكانها ودلفت للحمام لتنعم بحمام لعلها تريح جسدها قليلًا.
وقفت تحت الماء لوقت طويل كان منعشًا لجسدها وذاكرتها التي هاجمتها.
بها كل ما مرت به منذ دخولها للقصر من عذاب وإهانة.
ترآى لها علاء بآخر لحظاته وطريقه موته وهو عاصيًا لربه وكأنه كان حلاً لما تمر به.
أنهت حمامها وتوضأت.
ارتدت ثيابًا محتشمة وبحثت عن أي شيء لتغطي رأسها به، فهي غير محجبة ولم تركع لربها من قبل، فليس لديها سدال صلاة ولا حجاب.
وبعد بحث طويل اختارت إحدى قطع الملابس ومزقتها لتصبح مناسبة.
وقفت بين يدي خالقها.
صلت صلاتها الأولى برهبة طاغية.
وما إن سجدت حتى شعرت بأن كل همومها تنزاح عن أكتافها.
بكت كثيرًا وهي ساجدة تناجي ربها بالرحمة بها وبمحبيها وطلبت المغفرة مرارًا وتكرارًا.
لا تعلم عددها لها ولذلك الذي مات بين يديها.
وبعد وقت طويل أنهت صلاتها شعرت براحة تجتاح صدرها.
تمددت على فراشها وغطت بنوم عميق لم تنعم به قط.
***
في مكتب فخم ومعتم قليلًا، مخيف الشكل، معلق على كل جوانبه جماجم بشرية.
كان يجلس على البار رجل كبير مخيف المظهر، يظهر بجانب عينه جرح كبير يبدو أنه قد مر عليه زمن طويل.
كان يرتدي عددًا من الخواتم بأشكال مرعبة وبيده سيجار فاخر ينفث منه الدخان بشكل كبير.
دلف رجل مهرولًا حتى وقف أمامه ونكس رأسه قائلًا:
"الرجالة بعد ما خرجت البنت من الفيلا في عربيات اعترضتهم وخدوا البنت منهم ورجالتنا كلها متصابين وبالمستشفى ومنعرفش مين اللي خد البنت."
بلحظة كان كل زجاجات المحرمات التي أمامه قد أطاحها أرضًا وبصوت خشن وعال صرخ به:
"البنت دي تتعرف فين ومين خدها وميجيش الليل إلا وهي معايا، وإلا أنت ورجالتك هتكونوا تمن الغلطة دي."
ركض الرجل للخارج راكضًا يتصبب عرقًا.
أما هو فأجرى اتصال.
***
كان يتجول بسيارته وبجانبه تلك الصغيرة البريئة.
رن هاتفه:
"أيوه."
الطرف الآخر:
"البوليس قبض على أحمد بتهمة خطف حور."
مراد:
"حصل امتى؟"
"من ساعة حسن بيه قدم ضده بلاغ."
مراد:
"عال أوي. ابقى اتوصى عليه."
"تحت أمرك يا باشا اعتبره حصل."
أغلق هاتفه بابتسامة.
مراد: "أنتِ عمرك كام يا حور؟"
حور: أجابته بابتسامة "تلاتاشر."
ابتسم على نعومتها: "وتعرفي أنكل أحمد؟"
حور: "أيوه. أنت هتاخدني عندهم؟"
مراد: "آه طبعًا بس مش دلوقتي لأنه مسافر وهيرجع قريب بس قلي آخد بالي منك."
سعدت بكلماته، فردفت ببراءة:
"أنكل أحمد أكيد أما ييجي هيجيب فاتن من الناس اللي خدتها. أكيد مش هيسيبه."
مراد: "ومين الناس دول؟"
أشاحت بيدها: "معرفش بس أنا سمعت بابا بيتكلم بالفون وبيقول إنها مش هترجع وإنها عند ناس مش كويسين."
استمع لها باهتمام فيبدو أنها ستكون مصدر لمعلوماته، فقال:
"طب أنكل أحمد بيحب فاتن وفاتن بتحبه؟"
حور: "يوووه، أوي أوي. ده لما ييجي يزورنا بيفضلوا لازقين ببعض ومش بتسيبوا إلا أما تنام بحضنه."
كلمات بريئة أطاحت بكل حصونه وأشعلت نارًا بداخله.
جز على أسنانه واستدار بالسيارة بسرعة أخافتها فانكمشت بمقعدها متشبثة به بقوة.
أعادها للشقة، تقدم للداخل، حدث سنية بأن تهتم بحور وأمر الحرس بأن لا يغادروا مكانهم نهائيًا.
وعاد للقصر ليلقن تلك الخائنة درسًا ويذيقها العذاب.
***
وصلت السيارة أمام القصر وما زالت فاطمة ترجو رانيا بالعودة، فوجودها هنا خطر عليها، ولكنها لم تعبأ بكلماتها.
وقفت أمام تلك البوابة اللعينة المغلقة وأخذت بالضرب عليها:
"افتحوا الباب عاوزة أشوف بنتي."
خرج لها الحارس:
"عاوزة إيه يا ست انتِ؟"
رانيا:
"عاوزة بنتي."
الحارس:
"بنتك مين؟"
رانيا:
"بنتي فاتن. ادخل ناديها."
الحارس:
"بنتك فاتن؟ طب استني."
دلفت للداخل وجد حسام ومحمد يجلسون بالبهو فقال:
"يا باشا في ست برا بتقول عاوزة تشوف بنتها فاتن."
وقف حسام متوجهًا للخارج دون أي كلمة، فهو على علم بكل أمور العائلة ويعرف من هذه المرأة وما فعلته بمحمد.
أما هو فتصلبت قدماه وشعر بقلبه بوخزة مؤلمة ودموعه تهدده بالنزول.
حسام: "نعم حضرتك عاوزة إيه؟"
رانيا: "عاوزة أشوف بنتي."
حسام: "مفيش ليكي بنات هنا. يلا من هنا من غير شوشرة."
رانيا: "ارجوك يا ابني بس عاوزة أشوفها. ده أنا أم مامتك. ارجوك بس هشوفها."
رق قلبه لحالها ولكن كل شيء واضح وضوح الشمس.
والدها قد باعها وكان أحد الشروط أن لا تلتقي بأي أحد من أهلها.
فقال بحدة:
"أنا بقولك امشي من هنا ولمصلحتكم أنتم الاثنين مترجعيش هنا مرة تانية."
لم تعد تتحمل أكثر، فهي لم تتعافى بعد.
جلست أرضًا تبكي.
تدخلت فاطمة:
"يا ابني إحنا بس هنشوفها نطمن عليها. مامتها وأنا هاخدها وأمشي ومش هتيجي هنا تاني أوعدك."
كان يتقدم بخطوات ثقيلة باتجاه البوابة التي شعر أنها تبتعد عنه كلما تقدم منها.
حتى وصل وجد فاطمة أمامه تتوسل حسام.
بحث عنها بعينيه وقلبه، حتى وجدها تجلس منهارة أرضًا وبلحظة كان بجوارها.
مد يده المرتجفة يساعدها على النهوض.
وما إن نهضت ورفعت عيونها حتى التقت بعينيه.
وهنا توقف الزمن بالنسبة لهم وكأنهم عادوا لشبابهم وعاد العشق والهوى يطرق بعنف أبواب قلوبهم.
عادوا لأيام تمنوا لو لا تنتهي.
اختفى كل ما حولهم وكل من حولهم.
تاهوا في بحور العشق الدفين.
رفع يده يتلمس وجنتها وكأنه يحصي سنين العمر بين طياتها.
مسح دموعها، نظر لداخل عينيها اللامعة.
يا الله كم من السنين مرت يشتهي نظرة من عيونها.
ودون سابق إنذار احتضنها بشدة وكأنه يريد أن يخفيها عن الجميع يحميها من قسوة الحياة.
انتحبت بأحضانه كما لم تفعل من قبل كأنه أعطاها الضوء الأخضر لتخرج مكنونات صدرها.
جحظت عيناه وهو يرى والده محتضن تلك السيدة.
ضغط على الدواسة بسرعة وقوة ليوقف السيارة فصدر صوت مخيف وتأرجحت السيارة قبل وقوفها لتقطع لقاء مضى عليه عشرات السنين.
خرج منها كمجنون:
"الست دي بتعمل هنا إيه... وأنت يا سي بابا بسرعة حنيت مش هي دي الست اللي خانتك بتحضن فيها كده ولا كأنها مراتك."
ليصرح به محمد:
"اخرس يا مراد ومتتعداش حدودك ومتنساش إن أنا والدك. وكمان أنت متعرفش الحقيقة."
مراد:
"ههههه حقيقة؟ حقيقة إيه يا بابا. استنى استنى متقولش أنا اللي هقول. اممممممم أيوه عرفت. هي أكيد كانت مغصوبة مش كده."
هزت رأسها توافقه على كلامه.
ليضحك مراد بسخرية.
محمد:
"أيوه كانت مغصوبة وأنا عارف الحقيقة دي من أكتر من عشرين سنة."
انفجر مراد من الضحك من يراه يقول إنه قد جن.
محمد: "مراد تعال معايا لازم كل حاجة تتوضح. أنا سكت كتير لكن جه الوقت اللي كل حاجة تتكشف وتتوضح. أنا خسرت ابني ومش مستعد أخسر التاني بانتقام أعمى بيأذي مش بيفيد."
حاول التملص من الموضوع ولكن إصرار والده وحسام جعله يرضخ لطلبه.
رواية فتنت بانتقامي الفصل التاسع 9 - بقلم رغدة
استيقظت من نومها براحة كبيرة لم تتذوقها من قبل.
عاشت حلمًا جميلًا تظنه بعيد المنال وممكن أن يكون مستحيلًا.
جلست أمام المرآة تنظر للهالات السوداء حول عينيها وشحوب وجهها.
أمسكت الفرشاة ومشطت شعرها وهي تتلمسه بحبور.
وما أن انتهت حتى ذهبت وتوضأت وبدأت تصلي.
هي لا تعلم أن كانت صلاتها صحيحة تمامًا، فهي تمارس ما تعلمته خلال دراستها بطفولتها، ولكن لا أحد علمها كيف تصلي.
برغم أنها كانت ترى أحمد أثناء الزيارات يصلي، ولكنها لم تبالي.
والآن كل ما يهمها هو شعورها بالراحة بين يدي الله، فهي تشعر أن الله يسمعها وسيلبي طلبها.
صلت وسجدت وألقت بحمل قلبها بين يدي خالقها.
ناجت واستغفرت واعتذرت عن تقصيرها.
دعت بالهداية لها ولجميع أحبابها.
***
بالأسفل جلس الجميع وهم يستمعون لمحمد باصغاء شديد.
محمد: بعد اللي حصلي وخروجي من المصحة، عرفت بخبر جواز رانيا من حسن وانهرت تمامًا.
بابا خدنا وسافرنا.
وبعد سنتين بابا تعب جدًا، كانت صحته تعبانة.
وكان تعبان نفسيًا ومقهور عشاني.
كنت منعزل ومش عاوز أتعامل مع حد.
كان بيحاول يخرجني من عزلتي، وأنا للأسف كنت مصر على موقفي.
وكنت بزعله وأصرخ فيه من وجعي.
مكانش قصدي أكون عاق أو أكون سبب موته.
***
فلاش باك.
اسمعني يا ابني، البنت اللي بقولك عليها بنت صاحبي مؤدبة ومحترمة وفيها كل صفات الزوجة الصالحة.
محمد: بابا أنا مليون مرة قولتلك مش عاوز أتجوز.
الأب: مش بمزاجك، أنت هتتجوز فاهم؟ ولو مش برضاك غصب عنك.
محمد بتهور دفع والده: بقولك مش هتجوز، ابعد من طريقي وإلا أنا هقتل نفسي.
وقع أبيه على الدرج حتى وصل آخره، فانتبه محمد لما بدر منه، فجرى مسرعًا يطمئن عليه بلهفة وعيون دامعة راجية منه السماح.
ولكنه أصيب إصابة بالغة دخل على إثرها العناية المركزة.
وبعد ما يقارب الأسبوع، كان والده على فراش الموت.
كان جالسًا على طرف الفراش ممسكًا بيد والده ويبكي بنحيب.
الأب: لو عاوزني أموت وأنا راضي عنك، أوعدني.
محمد: أوعدك.
الأب: يا ابني اصبر، أعرف عاوز إيه.
هبطت دمعات محمد وقال: عاوزني أتجوز وأخلف عشان اسم العيلة مش كده؟
ابتسم والده وشدد قليلاً على يد محمد.
الأب بصوت يجاهد على إخراجه: هو انت فاكر إني عاوزك تتجوز عشان اسم العيلة؟ تبقى غلطان، أنا عاوزك تتجوز لحاجات كتير غير اسم العيلة يا ابني.
الجواز ربنا حلله لينا عشان نغض البصر ونحمي نفسنا من المعصية.
الزواج بيت ومسكن للروح قبل الجسد.
قال تعالى بكتابه العزيز: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ".
وبعدين إنك تكون متجوز وعندك عيال بتبقى مسؤولية بتدفعك للحياة، وإنك تأمنلهم حياة كريمة.
ده غير لما تشوف ابنك بين إيديك بتحس إنك مالك الكون.
أشار له ليقترب، فدنى برأسه من أبيه فقال بهمس: أنا خايف على مامتك من الوحدة، ولو متجوزتش ممكن تتقهر من وحدتها وتحصلني.
رفع رأسه يهزه يمينًا ويسارًا يعبر عن رفضه لما يسمعه.
فقال أبيه مكملاً: ها قلت إيه؟
محمد: أوعدك إني هتجوز لو تحب هات المأذون حالاً.
ابتسم والده، فها هو قد استغل لحظاته الأخيرة خير استغلال.
وبالفعل تم الزواج قبل وفاة والده بأيام معدودة.
كان زواج مبني على الاحترام فقط، فأي منهم لم يحب الآخر ولم يحاولوا أن ينجحوا زواجهم.
وبعد عدة سنوات رزقه الله بمراد، وكانت ولادته صعبة للغاية، فزوجته تعاني من مرض بقلبها.
وأجمع الأطباء أن نسبة نجاتها من ولادة أخرى بها خطورة على حياتها.
مرت ثلاث سنوات وحملت زوجته مرة أخرى.
ورغم محاولات محمد ووالدته إقناعها بالإجهاض، إلا أنها رفضت رفضًا قاطعًا.
وأنجبت علاء بعملية، وكانت حياتها ثمن نجاة طفلها.
حاول كثيرًا أن يكون أبًا لأطفاله.
ولكنه فشل فشلاً ذريعًا.
فهو لم يعد يستطيع أن يقدم أي عاطفة لأحد.
شعر أن اقترابه لأحد سيكون سبب خسارته.
فهو خسر محبوبته ووالده الذي كان يسعى جاهداً لعلاج ابنه وإخراجه من عزلته.
والآن زوجته، حتى لو لم يحبها، ولكنها زوجته.
عاشوا معاً لما يقارب الست سنوات.
فضل العزلة والهروب من الواقع.
في هذا الوقت قامت والدته بدوره في كل الأمور.
فـعملت بشركات زوجها وحاولت قدر المستطاع الاهتمام بأطفاله.
فأحضرت لهم أمهر المربيات وبعدها أدخلتهم لأكبر المدارس الداخلية.
وبعد سنة جاءه زائر مجهول ولم يكن سوى زوج الحاجة فاطمة.
محمد: مين أنت وعاوز إيه؟
أبو أحمد: محسوبك أبو أحمد يا باشا، الجنايني عند الست رانيا.
محمد: أخرج برا، أنت إزاي تتجرأ وتيجي هنا؟
أبو أحمد بتوسل: ارجوك يا باشا اسمعني وبعدها اعمل اللي انت عاوزه.
محمد: مش عاوز أسمع حاجة.
أبو أحمد: ارجوك يا باشا لازم تسمعني، أبوس إيدك، أنا بقالي أسبوع بحاول أقابلك.
محمد بضيق: طب قول بسرعة، أنا مشغول ومش فاضيلك.
أبو أحمد أخذ نفس طويل وقال: أنا جاي أقولك الحقيقة اللي أنت متعرفهاش، الست رانيا مظلومة وضحية زيك وأكتر كمان.
أنصت محمد باهتمام، فهو كالغريق الذي يتعلق بقشة.
أكمل قائلاً: يا باشا، الست رانيا مخانتكش، بس هي عملت كده عشان تحميك وتجيب جدتها المريضة من طغيان باباها وحسن.
وأخبره ما حدث معها منذ دخولها للفيلا وحبسها وتهديدها وخطة محمد التي وافقه والدها عليها بهدف دمج شركاتهما.
وظلت رانيا محبوسة ليوم الفرح، واللي خلاها تقبل بالفرح ده إنك كنت عارف إنك بالمصحة ودفع فلوس لناس هناك عشان يدولك أدوية تزيد من حالتك مش تعالجك.
جلس محمد على الكرسي وقال: وإيه دليلك على الكلام ده، مش يمكن ده ملعوب؟
أبو أحمد: لا والله يا بيه، سيبني أكمل كلامي للآخر ولو مقتنعتش اعمل بيا اللي انت عاوزه.
أشار له ليكمل.
أبو أحمد: بعد جوازها، كانت كل يوم والتاني تيجي الفيلا متبهدلة ومضروبة.
وأبوها ربنا يسامحه كان بيغلطها وينصر جوزها عليها، مهو سعادتك كان أبوها كل همه الفلوس وحسن أنقذه من الإفلاس، يعني رقبته كانت بإيد حسن لحد ما الشركات كبرت أوي.
ومن مدة بسيطة الست رانيا قامت بالسلامة وجابت بنت، ما شاء الله.
بس حسن راجل سوء وميخافش ربنا، هددها يحرمها من بنتها لو محجرتش على أبوها وأدته كل الأملاك، وبالفعل حصل كده وأبوها من الصدمة اتشل.
ودلوقتي الباشا الكبير بدار مسنين، وتقدر تسأله يا بيه عن كل ده.
محمد: دار مسنين؟
أبو أحمد: أيوه يا بيه، الراجل معدوش مأوى وحسن الله يحرقه استولى على كل أملاكه ورماه بالشارع.
أنا يا بيه معايا أمانة ليك.
ركز محمد انتباهه وقال: أمانة إيه؟
أخرج أبو أحمد صندوق مزخرف وناوله لمحمد.
فالتقطه بسرعة، فها هو صندوق ذكرياتهما الذي أهداه لمحبوبته ليجمعوا به كل ذكرياتهم على أمل يطلعوا أبنائهم عليه بالمستقبل.
تحسسه كثيراً بأعين زائغة ومن ثم فتحه على مهل.
نظر بداخله بدموع وأخذ يتفحص ما بداخله بألم.
كان به صور كثيرة تجمعهما بالجامعة وخارجها ورسائل كتبها لها وبعض الخواطر التي كتبوها معاً.
أخذ يتذكر كيف كانوا يخطون حروف حبهم على أوراق وصوت ضحكاتهم تتعالى، وكل منهم يخط سطر والآخر يرد عليه بالسطر الآخر.
وأخيراً وجد مغلف مكتوب اسمه عليه بخط يدها.
نعم، هذا خطها، يحفظه من بين ملايين الخطوط.
ها هي ترسم اسمه كما كانت تفعل دائماً وهي تخبره أنه هكذا قد نقش بداخل قلبه.
رفعه بيد مرتجفة وتحسسه كثيراً وهو يتفحصه، قربه من أنفه يستنشق رائحة عطرها الأخاذ لحد السكر.
خرج أبو أحمد بهدوء ليترك له الخصوصية وانتظره بالخارج.
أما هو، ففتح المغلف بلهفة ليجد به رسالتين.
فتح الأولى لتغزو قلبه سهام أصابته بمقتل.
قرأها مراراً وتكراراً حتى اختلطت دموعه بدموعها الظاهرة بين أحرف كلماتها.
أيا خليل الروح
أيا مهجة الفؤاد
أيا ضياء العين
لو تعلم كم أشتاق
أنت القلب الجريح
وأنت الداء والدواء
أرأف بقلب عاشق
ذاق ألوان العذاب
أكتب لك وأبوح
بأسرار تشق الفؤاد
فأنا الأعلم بروح
عذبت وعانت الشقاء
آتية إليك طالبة العفو
على ما أجبرت من أخطاء
أخط آلامي بحروف
وأوراق سطرتها دمع الفراق
فأعذرني على سنين
مضت دون أخبار
فأنا بقلب غريق وروح
أطفئت بالعذاب.
قرأها مراراً وتكراراً حتى اختلطت دموعهما مع أحرف كلماته.
مضت أكثر من ساعة وهو على هذا الحال.
وأخيراً استدرك نفسه وتناول الرسالة الثانية والتي لم تكن سوى توسلات كثيرة منها أن يسامحه وأن يأخذ حذره من الشيطان المسمى زوجها.
فبالرغم من القصر الفاحش الذي يعيشه، إلا أنه ما زال ناقماً على من ملك قلب زوجته.
توسلته أن يحاول إنقاذها وابنتها.
فبعد ما عانت كثيراً بات كل همها ابنتها وحمايتها من براثن شيطان رجيم لا يخاف الله ولا يتقيه، يرتكب المعاصي والذنوب.
باتت تخاف على فلذة كبدها.
***
نهاية الفلاش باك.
***
كان الجميع بحالة من الذهول والصدمة والانكار.
وزادت التساؤلات عما حدث بعدها، ولكن محمد أجهش ببكاء مرير جعل الجميع يصمت.
جاء صوت مهزوز ضعيف من خلفهم وما كان سوى صوت الجدة وهي تتقدم نحوهم ببطء شديد.
تقول: بالوقت ده وصلني خبر عن الضيف اللي جه لمحمد ورجعت الفيلا وقابلت أبو أحمد.
وبعد ما عرفت هو جاي ليه، طردته وهددته بالسجن لحد ما رجع مصر.
أما محمد، نظرت له نظرة ندم، فأنا أخذت أوراق علاجه وحالته المرضية مع شهادة من المستشفى اللي كان فيها إنه فاقد الأهلية.
وبعدها بكل سهولة قدرت أمنعه من السفر من غير موافقة.
نظرت لابنها الباكي نظرة انكسار وألم وندم.
اقتربت منه ومسحت على كتفه: سامحني يا ابني، والله ما كنت عاوزة غير مصلحتك.
الوقت ده كان حسن أقوى ما يكون وكان زي الثور الهائج، ووجودك قدامه كانت نتيجته محسومة، كانت روحك هتكون التمن.
ومن ثم التفتت لرانيا وقالت: أنا كنت فاكرة المرسال ملعوب من حسن عشان يستدرج ابني.
كنت خايفة على ضنايا الوحيد اللي مليش غيره بعد ما الحج اتوفى وسابلي حمل تقيل على أكتافي.
فقالت رانيا: أنا مقدرة شعورك، ودلوقتي جه الوقت اللي تقدري فيه شعوري.
تقدمت منها ونظرت لعيونها مردفة: إحنا كلنا ضحايا حسن وأنا أول ضحية وبنتي آخر ضحية.
بنتي ملهاش ذنب يا عفاف هانم.
أنصتت لاسمها الذي لم تسمعه منذ مدة.
ولم تسمعه قط من رانيا، فهي كانت دائماً تناديها ماما.
تذكر كيف كانت تخبرها أنها لو عرفت أمها ما كانت ستكون بحنيتها ومحبته.
نزلت دموعها والتفتت لمراد: مراد هات مفتاح أوضة فاتن.
لحظة حاسمة لمجرى حياته، هل يتركها أم يتمسك بها؟
هل يخلي سبيلها أم يبقيها أسيرة عشقه؟
كررت الجدة كلمتها.
وقف على مضض وأدخل يده بجيب بنطاله، أخرج منه المفتاح وسلمه ليد جدته وهو ينظر لها نظرة مبهمة.
ومن ثم التفت حوله إلى كل الوجوه يتساءل بينه وبين نفسه: هل هذه الحقيقة؟ هل هذه النهاية؟
لم يصدق حرفًا مما قاله والده وجدته.
أو أنه هو من أراد ألا يصدق ليهون على نفسه ويبرر ما يفعله.
خرج هائماً على وجهه لا يدري ما هو فاعله.
قاد سيارته يجد نفسه أمام الشركة وهموم الدنيا تتكدس على قلبه.
لحق به حسام، فهو على علم بمشاعر صديقه وما يعتمل داخل قلبه من صراع.
وأيضاً يريد أن يطمئن على تلك الصغيرة، فبعد انكشاف الحقائق كلها من المؤكد أنه يستصغر نفسه ويؤنبها على ما فعله بالصغيرة.
أومأ أن وصل مراد حتى.
أوقفه رجل قبل أن يدخل الشركة.
الرجل وهو يوقف مراد: مراد باشا.
التفت له مراد بتوهان: مين حضرتك؟
الرجل: ممكن ندخل المكتب ونتكلم، ووقتها هعرفك على نفسي.
***
فتحت رانيا غرفة ابنتها وبجوارها الحاجة فاطمة.
بأصابع مرتجفة، وما أن رأتها حتى أجهشت بالبكاء.
فصغيرتها ملقاة على الأرض.
ساعدت فاطمة رانيا للوصول لابنتها ظناً منهما أن سوء قد أصابها.
ولكن أصابتهم الصدمة حين رفعت رأسها تتمتم ببضع أدعية رافعة كفيها للسماء تناجي ربها بصلح الحال والنظر إليها برحمة ورأفة.
جلست بجوارها واختطفت رأس ابنتها بين أضلعها تقبلها بعاطفة كبيرة.
كان البكاء سيد الموقف من ثلاثتهم.
كان لقاء مليء بالمشاعر، فالحب والشوق والحزن والألم والتعب.
فاتن، دمعاتها تتسابق مع ابتسامتها التي ظهرت بكل رضى على محياها.
أغمضت عيونها وشكرت الله مراراً وتكراراً على أنها عادت لحضن والدتها وأنها بخير بفضل الله ورحمته.
رواية فتنت بانتقامي الفصل العاشر 10 - بقلم رغدة
جلست على فراشها تبكي كثيرا، ضميرها يؤنبها وقلبها يؤلمها. لم تعد تقوى على الكتمان، صدرها مثقل بالذنوب والهموم، خاصة بعد كشف الحقائق وبراءة رانيا من ذنوب واتهامات بحقها وحق شرفها الذي دنسه عديم الشرف والوجدان، حسن، بمساعدة والدها.
فها هي قد دمرت فتاة بريعان شبابها وقضت على عشق حفيدها، بعد خسارتها لحفيدها الآخر. فهي تعلم ما بقلبه من ألم، ترى عيونه وتقرأها بكل سهولة، ترى عشقه وتخبط مشاعره.
أسندت الحاجة فاطمة رانيا برفق. وتقدمت فاتن مع والدتها وهي متشبثة بها، تخاف من فقدانها.
ساروا بخطى بطيئة مرتجفة، فتهواجس كثيرة بداخل قلوبهم.
رانيا عادت كل ذكرياتها الجميلة مع محمد في هذا القصر. رائحة عطره تخللت إلى أعماقها، فأصبحت تنهر نفسها على ما تفكر به، فهي هنا ليس من أجل الذكريات، إنما لاستعادة ابنتها.
فاتن تتلفت حولها كالجاني، تخاف أن يراها أحد ويوقفها، يمنعها من الخروج ومن الفرار.
أصبح الأسر وابتعادها عن والدتها أكبر هاجس أمامها. تفكر، هل انتهى من حياتها فصل العذاب والفراق والألم؟ هل يمكن أن يكون لها نصيب من الأفراح والسعادة؟
تلفتت ثانية، تريد أن ترى ذلك الفهد الذي توعد لها. أين هو الآن؟ هل يعلم بخروجها؟ هل باتت بمأمن، أم أنه لا يعلم وسيسعى خلفها مجددًا؟
وصلوا البهو ليجدوا محمد يقف أمامهم، كطالب المدرسة الذي أخطأ. نظر لعيني محبوبته وابنتها نظرات اعتذار وندم وألم.
ساروا من جانبه دون أن ينطق أي أحد منهم بكلمة واحدة.
وما أن خطت قدمها خارج القصر، حتى استنشقت الهواء بلهفة واستمتاع، ملأت رئتيها بهواء الحرية.
***
امسك مراد الطبيب بعنف وأطاح به عدة لكمات وهو يصرخ به:
كذاب، كذاب! أنا أخويا مش كده.
حاول حسام الفكاك بينهما، ولكن وجه مراد له لكمة مفاجئة، فوقع على إثرها أرضًا.
تابع مراد ضرب الطبيب حتى كاد أن يقتله، لولا تدخل حسام مرة ثانية بصلابة أكبر ليثبت مراد إلى الحائط:
كفاية، هتموته بإيدك بس بقى.
ترنح مراد قليلاً، فهو منذ مدة لا ينام ولا يأكل. فجسده قد تحمل الكثير، وعقله مشوش، وقلبه جريح. والآن صدمة كبرى أطاحت به وبقلبه وبثقته بأخيه. لم يعد يحتمل.
وقف الطبيب وكل وجهه مغطى بالدماء من ضرب مراد له.
نظر له حسام بأسف وقال:
استنى يا دكتور، أنا هوصلك، بس الأول لازم نروح المستشفى نعالج جروحك.
نظر له مراد والشرار يتطاير من عينيه:
انت اتجننت يا حسام؟ تاخده فين؟ انت مش سامع الكلب ده بيقول إيه على علاء؟
حسام بضيق:
بس بقى يا مراد. كفاية كده يا راجل. إيه مالك؟ عامل زي القطر دايس على الكل ومش شايف قدامك. فوق بقى. انت شايف نفسك صح والكل غلطان؟ شايف إنك على حق والكل مذنب؟ بس لا، المرة دي أنا هقف قدامك واللي انت مش شايفه هشاور لك عليه.
آه، أنا خبيت عنك كتير، بس لأني خفت عليك تنهار. خفت صاحبي يوقع وميقومش تاني. خفت ثقتك وإيمانك بالعيلة تتهز وتتدمر. لكن الظاهر إني كنت غلطان. كان لازم أسمع كلام جوليا وأقولك على كل حاجة.
مراد بتوجس:
إيه الحاجات اللي تعرفها انت وجوليا ومخبينها عليا؟
أخذ حسام نفس طويل وقال:
بص، الحوار طويل. إحنا بالاول ناخد الدكتور المستشفى، مش شايفه متبهدل...
وقبل أن يكمل، كان مراد قد أمسك بحسام وهزه بعنف:
مفيش حد هيتحرك قبل ما أعرف إيه اللي مخبيه عني.
***
بداخل ذلك المكتب المقيت، يجلس ذلك الرجل ذو الجرح المخيف، وما هو إلا أحد تجار السلاح يدعى مصطفى.
مصطفى: ها، عملتوا إيه؟
قائد الفرقة: يا باشا، البنت اختفت وملهاش أي أثر. وحسن قدم بلاغ بواحد اسمه أحمد، لكن التحريات بتاعتنا أثبتت إنه ملوش دعوة.
أخرج مصطفى سلاحه وبدون أدنى تردد أطلق النار على رأسه. ومن ثم ضغط إحدى الأزرار، فدخل مجموعة من الرجال مفتولي العضلات.
مصطفى: عملتوا إيه؟
أحدهم: صفينا كل الرجالة اللي اشتركت بالعملية يا باشا.
مصطفى: تمام. خدوا الكلب ده وارموه مع رجالتهم.
خرج الجميع. فتناول هاتفه واتصل على حسن.
حسن كان يجلس يحاول معرفة كيف حجزت بضاعته في الجمارك. ها هو سيجن. فبعد ما أخذ كل أملاكه من مراد، اشترك بصفقة مشبوهة مع زعماء المافيا. وقد وضع كل أمواله بهذه الصفقة الكبرى. فهو قد سماها صفقة العمر، وها هي تضيع أدراج الرياح. والأمر من ذلك أنه الآن بمواجهة أخطر رجال العالم.
رن هاتفه، فنظر له وما إن رأى المتصل، حتى بدأ يتصبب عرقًا وارتبك بما يجيب وماذا يقول وما هو مبرره.
ضغط على الهاتف ووضعه على أذنه.
حسن: الوم...
مصطفى: ها يا حسن، البضاعة فين؟
حسن: ها، اصل، اصل...
يصيح مصطفى بصوت خشن:
اصل إيه؟ بضاعة بالملايين فين يا حسن؟ تكونش فاكر إننا نايمين على وداننا ولا منعرفش اللي بيحصل عندك؟ البضاعة لو متسلمتش...
وقبل أن يكمل تهديده، قال حسن بلهفة:
هتتسلم يا باشا، هتتسلم.
مصطفى: بنتك الجميلة هتفضل مشرفانا شوية لحد ما تتسلم البضاعة.
حسن بدهشة: بنتي؟ بنتي مين؟
مصطفى: حور، حسن الشناوي. مش بنتك برضه؟
حسن وهو يبتلع ريقه: أيوه بنتي... يعني انت ال...
مصطفى بضحكة شريرة مخيفة: ههههههااااااي. طبعًا عندي. وانت عارف الطلب على البنات الصغيرة إزاي بالسوق بتاعنا.
حسن: لا يا باشا، بنتي...
مصطفى: معاك لبكرة بالليل.
وأغلق الهاتف، ورجع ظهره على الكرسي وهو ينفث دخان السيجار، وكل ما يدور بعقله من وراء ما يحدث.
***
وصلت فاتن مع والدتها والحاجة فاطمة لبيت أحمد، وهي متشبتة بحضن والدتها. وما إن دلفوا، حتى أخذت تبحث بعيونها عن أخيها.
فاتن: ماما، فاطمة، أومال أحمد فين؟
فاطمة: راح يجيب حور، بس ده اتأخر أوي.
فاتن: حور؟ هو مجابش حور لسه؟ ده أنا وصيته ومأكدة عليه.
فاطمة وهي تتجول بالمنزل: أحمد يا أحمد... دلفت إلى غرفته وخرجت.
أحمد مش هنا. استنوا، هتصل بيه.
التقطت هاتفها واتصلت به عدة مرات، ولكن بكل مرة كان يعطيها أن الهاتف مغلق.
تسرب القلق لقلوب الجميع.
وقفت رانيا وهي تقول:
أنا هروح الفيلا أجيب بنتي وأشوف إيه سبب تأخير أحمد.
أمسكتها فاتن من يدها:
ماما، استني. انتي تعبانة. أنا هروح.
فاطمة مقاطعة كلتيهما:
محدش فيكم هيروح بأي حتة. حسن لو شاف حد فيكم ممكن يعمل أي حاجة.
رانيا ببوادر بكاء:
بنتي يا فاطمة، بنتي! وأحمد! أنا خايفة حسن يكون عمل له حاجة.
فاطمة بهدوء عكس ما بداخلها:
اطمني يا حبيبتي. ابني راجل، ميتخافش عليه. والغايب حجته معاه. أهدي انتي، وشوية وهنلاقيه داخل علينا ومعاه حور. انتي تعبانة ورانيا كمان. وأكيد انتوا واحشين بعض. خدي بنتك بحضنك وسيبي أمرك لربنا.
رانيا وفاتن معًا: لا إله إلا الله.
سارت لغرفتها وهي ممسكة بيد ابنتها، وقلبها تتآكله النيران على صغيرتها.
***
حسام: اهدى يا مراد، وأنا هفهمك كل حاجة.
جلس مراد وحسام والطبيب بعد أن غسل وجهه وأعطاه حسام بعض الكحول والقطن لينظف به وجهه من الدماء والجروح.
سرد حسام لمراد كل ما يعرفه عن علاء ومارك وما فعله بأمر من جدته.
وما أن انتهى، حتى شارك الطبيب الحديث.
الطبيب: مراد بيه، أخوك جالي وحاول يتعالج، لكن أكيد انت عارف إن من غير إصرار ودعم من أهل المريض بيكون العلاج زي قلته، خصوصًا إنه رفض يدخل المصحة. وكان كل همه إنك متعرفش. كان كل خوفه إزاي انت هتكون نظرتك ليه. بس بعد ما عرفت إنه اتوفى، جيت ليك لسبب كبير، وده اللي خلاني أكلمك.
أنصت له مراد باهتمام، فردف الطبيب قائلًا:
علاء كان مدمن وكان شاذ، واتجوز بالإجبار.
قاطعه مراد:
محصلش. علاء هو اللي طلب يتجوز. ولو هو زي ما بتقول، هيتحوز ليه؟
الطبيب بهدوء مراعيًا ما يمر به مراد من حالة إنكار:
اهدأ حضرتك. لو مش مصدقني، ممكن تسأل مراته. هي أدرى بوضعه، خصوصًا إنه كان موجوع من وضعها والحال اللي هي فيه.
مسح مراد وجهه بعنف. فها هو كأنه عاش حياته كلها مغيب عن أمور عائلته، وهو من كان يظن أنه ممسك بزمام الأمور. فماذا بعد؟ ماذا ينتظره أكثر من هذا؟
قال الطبيب:
مراد بيه، لو عاوز تساعد أخوك وتريحه ولو شوية بعد وفاته، اعمل اللي كان نفسه يعمله.
نظر له مراد كالتائه، فأكمل الطبيب:
مراته، أو أخته زي ما كان بيعتبرها، كان عاوز يتعالج عشانها. كان عاوز يهربها من سجنها. كان مناه وأمنيته إنه يقدم لها حاجة ولو بسيطة، لأنها الوحيدة اللي حاولت تساعده.
ها هي تدق أجراس. برأسه وبدأ يجمع خيوطًا مفككة. هل ما فهمه حقيقة؟
هب واقفًا وأسرع باتجاه الطبيب، الذي وضع يداه أمام وجهه بحماية، خوفًا من لكمة جديدة. ولكنه تفاجأ به يحضنه وهو يضحك ويبكي بهستيريا، أفزعت قلب الطبيب. وبعدها أشار مراد لحسام:
انت سمعت قال إيه؟ هههه. سمعته صح؟ انت فاهم معنى ده إيه؟
ابتسم حسام وهز رأسه موافقًا.
أمسك مراد وجه الطبيب:
أنا بشكرك أوي على زيارتك، واسف. أيوه، أنا آسف على اللي حصل لك.
أشار له باتجاه حسام:
أهو حسام هياخدك المستشفى بتاعتنا. ابتسم وهو يكمل: أهو، تعالج الهباب ده. هههههه.
وأسرع بالخروج من المكتب، تاركًا الطبيب بحيرته وحسام يضحك على صديقه.