تحميل رواية «ضحية جاسر» PDF
بقلم نور
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
دلف إلى القصر بخطوات واثقة. تذكر عندما جاءه اتصال من جده سليم الدمنهوري، تلك الشخصية ذات النفوذ والصلابة الشديدة، ولكنه في نفس الوقت حنون القلب على عائلته ومن هم قريبين منه. قابلته الخادمة انعام، تلك السيدة ذات القلب الحنون والطيب. تولت رعايته وهو صغير وعاملته كابن لها. عندما رأته، تهللت أساريرها فقالت: "جاسر حبيبي، انت جيت؟" "داده انعام، اذيك؟ وحشتيني اوي." "لو كنت وحشاك مكنتش تغيب كل الفترة دي من غير ما تسأل عليا. هونت عليك يا جاسر؟" ابتسم بحزن وضمها إلى صدره. فتلك السيدة الحنون بمثابة والدته،...
رواية ضحية جاسر الفصل الأول 1 - بقلم نور
دلف إلى القصر بخطوات واثقة. تذكر عندما جاءه اتصال من جده سليم الدمنهوري، تلك الشخصية ذات النفوذ والصلابة الشديدة، ولكنه في نفس الوقت حنون القلب على عائلته ومن هم قريبين منه.
قابلته الخادمة انعام، تلك السيدة ذات القلب الحنون والطيب. تولت رعايته وهو صغير وعاملته كابن لها. عندما رأته، تهللت أساريرها فقالت:
"جاسر حبيبي، انت جيت؟"
"داده انعام، اذيك؟ وحشتيني اوي."
"لو كنت وحشاك مكنتش تغيب كل الفترة دي من غير ما تسأل عليا. هونت عليك يا جاسر؟"
ابتسم بحزن وضمها إلى صدره. فتلك السيدة الحنون بمثابة والدته، فقد قامت بتربيته والاعتناء به من صغره ولها شأن كبير في حياته.
"والله ابدا يا ست الكل، بس انتي عارفة شغل الشركة واخد كل وقتي. حقك عليا."
أقبل يدها، فربتت على كتفه بحنان بالغ وقالت:
"انا مش زعلانة منك. روح شوف جدك عايز ايه وتعالى عشان تتغدى. انا النهاردة عامله كل الأكل اللي بتحبه."
"الله عليكي يا موزتي! اوعي تكوني نسيتي ورق العنب بتاعي دا؟ أنا اروح فيكي في داهية. وبعدين الواد حازم مصدق انك عازماه على الغدا، كان هيجيله سكتة قلبية من الفرحة."
لكزته في كتفه وقالت:
"اختشي يا واد. وبعدين فين الواد حازم ده؟ بس لما اشوفه مش بيجي يسأل ليه. مش هياخد صباع واحد من المحشي النهاردة."
"دا يروح فيها لو ما أكلش النهاردة."
"روح انت بس شوف جدك عايز ايه وتعالى."
"ماشي يا قمر."
وقف أمام غرفة المكتب الخاصة بجده وزفر بقوة قبل أن يطرق الباب.
"ادخل."
دلف جاسر وجلس على إحدى الكراسي وقال:
"قالولي إن حضرتك عايزني في حاجة."
"ايوا، كان في موضوع مهم كنت مخبيه عنك وجه الوقت اللي تعرفه فيه."
عقد حاجبيه بتعجب وقال باهتمام:
"موضوع إيه ده؟"
"شوف يا جاسر، أنا زمان بعد ما اتجوزت جدتك فريدة الله يرحمها، الحياة كانت صعبة بيني وبينها لدرجة اني مكنتش طايق اني اقعد في البيت معاها. وخصوصا ان ابويا هو اللي كان غصبني ان اتجوزها بحكم انها بنت عيلة محترمة وكبيرة تناسب مستوانا. بس انا مكنتش مرتاح في حياتي معاها. بعد ما خلفت ابوك الله يرحمه، كنت فاكر ان ده السبب اللي ممكن يخليني أكمل معاها، بس برضو مفيش فايدة. الحكاية انها كانت دايما بتهتم بالمظاهر والمال وبس، عشان كده معرفتش أكمل معاها. بس ابويا مسمحليش اني اطلقها وكان عايز حفيده يتربى بين امه وابوه. المهم مرة كان ابويا جايب طقم خدم جديد للقصر، كان ما بينهم بنت صغيرة وجميلة جدا. حبيتها من اول مرة شفتها فيها. بس المشكلة اني كنت متجوز، وحتى لو مكنتش متجوز مكنش ابويا هيوافق اني اتجوزها ابدا لانها كانت خدامة. المهم ابتديت اقرب منها شوية شوية واعترف بحبي ليها. واتفاجأت انها هي كمان بتحبني. بس هي كانت خايفة من ابويا وفريدة لحسن يعرفوه، خصوصا ان هي ملهاش حد ابدا. المهم اتجوزنا من غير حد ما يعرف، وهي سابت شغلها في القصر واخدتلها شقة عشت معاها اجمل سنة في حياتي لاني عرفت الحب الحقيقي معاها. وفرحت جدا لما عرفت انها حامل ومرت شهور الحمل على خير وجابت عبد الحميد. بعدها بسنتين ابويا عرف بالموضوع كله لان كان مراقبني لان كنت متغير وبسافر كتير. حاولت احل الموضوع واخلى ابويا يتقبله بس مفيش فايدة. روحت مرة عندها البيت ملقتش حد، لا هي ولا ابني. بس لقيت ورقة مكتوب عليها: 'مدورّش عليا يا سليم لأنك مش هتلاقيني. أنا هختفي من حياتك لأن مش المفروض أبقى فيها.' بعدها كنت زي المجنون بدور عليها ومش لاقيها. ابويا قبل ما يموت قلي انه هو هددها انه هيقتل ابني لو ما اختفتش من حياتي. سألته على مكانها بس للأسف مات قبل ما يقول. قعدت عشرين سنة أدور عليها. من شهر بس جاتلي واحدة كانت تعرفها، ست كبيرة في السن، قالت لي انها كانت صحبتها وهي كانت عايشة معاها في نفس المنطقة. سألتها عليها بس للأسف قالت إنها ماتت. قولتلها طب وابني؟ قالت إن هو كمان مات في حادثة هو ومراته. حزنت أوي والدنيا اسودت في وشي. بس قالت لي حاجة ردت فيا الروح تاني، اني عندي حفيدة عايشة، بنت عمك يا جاسر."
صدمة شلت جميع حواسه. لم يستطع التحدث، فصمت. بعدها بدقائق، لملم شتات نفسه وقال بعصبية مفرطة:
"انت عايز تفهمني ان بعد كل السنين طلع عندي عم؟ فجأة! لا وايه كمان عندي بنت عم؟ وده كله من سرمحة حضرتك ونزواتك؟"
صفعة دوى صداها في أنحاء الغرفة هوت على وجنته.
"انت اتجننت يا جاسر؟ اظاهر معرفتش اربيك كويس. بس لأ، دا أنا اربيك من أول وجديد لو حكمت. ودلوقتي اسمعني كويس، انت هتروح تجيب بنت عمك تعيش معانا هنا، ولو رفضت، لا انت حفيدي ولا اعرفك. انت فاهم؟"
"ماشي يا سليم بيه، زي ما انت عايز. بس يكون في علمك، أنا مستحيل اعتبر ان عندي بنت عم. وهي أكيد مصدقت تبقى حفيدة سليم الدمنهوري عشان تكوش على كل حاجة."
"حور ما تعرفش ان ليها جد ولا أهل من ناحية أبوها لحد دلوقتي. ويكون في علمك، أنا عرفت عنها كل حاجة. والاهم من ده كله، ان خالها محمود مصمم انه ياخدها عنده عشان ياخد الميراث بتاعها. ولازم انت تحميها منه، مفهوم يا جاسر؟"
"حد قالك عليا بادي جارد عشان أحرس الهانم؟"
"جاااااسر!"
"الملف اللي ده فيه كل المعلومات عنها وعنوانها كمان. عايز يومين بالكتير وحور تبقى في القصر هنا."
"تمام يا سليم بيه."
"طب يلا وبلاش تضييع وقت."
خرج جاسر وشياطينه تتراقص أمامه. ذهب إلى غرفته وأخذ حمامًا باردًا لكي يهدأ النيران التي بداخله. خرج وهو يلف منشفة على جسده، ولكنه تفاجأ بوجود ذلك الأحمق كما يسميه، حازم.
"انت ايه اللي دخلك هنا يا حيوان؟"
"ايه يا جسورة؟ واحشني يا عم، فقلت اجي اسلم عليك. وبعدين استر نفسك وبعدين نتكلم، لحسن بتكسف."
قالها بخجل مصطنع مثل الفتيات. رمقه جاسر بنظرة حادة وقذفه بإحدى الوسائد وقال:
"أقسم بالله يا حازم لو ما خرجت دلوقتي، لكون مخرجلك جاسر الغول اللي جوايا. وانت حظك بقى لو لقيت دكتور لأ ساحر عرف يخيطك."
ما هي إلا ثوان حتى فر هارباً من أمامه. فابتسم بخبث وهو يرى ذلك الملف الذي يخص تلك المدعوة ببنت عمه. رفعه وألقى نظرة عليه وقال:
"لما نشوف هتستحملي جاسر الغول إزاي."
هرول حازم إلى الأسفل لسرعة رهيبة قبل أن يفتك به جاسر، حتى اصطدم بـ انعام. نظرت له بقلق وقالت:
"مالك يا بني مسروع كده ليه؟ هو في عفريت بيجري وراك؟"
"أكتر يا موزتي، والله دا جاسر كان عايز ياكلني. كل ده عشان دخلت عليه وهو عريان. غلط أنا في حاجة."
"لا طبعاً، هو اللي غلطان. كان لازم يبوس راسك."
"شفتي بقى."
قامت بضربه على مؤخرة رأسه وقالت بغيظ:
"انت أهبل يلا؟ احمد ربنا إن معملكش حاجة، وإلا كان غيرلك ديكور وشك والحلو ده."
"لا، كله إلا وشي دا. البنات بتموت فيه."
"عارف يا حازم أحلى حاجة فيك إيه؟"
"عنيّ الرمادي اللي بيدوخ صح؟"
"لا، خفة دمك."
"طبعاً، أصل أمي كانت بتتوحم على عسل."
"على بصل! وحياة خالتك!"
كان ذلك صوت جاسر وهو ينزل الدرج بطلته الخاطفة للأنفاس. حيث كان يرتدي قميصًا من اللون الأبيض يبرز عضلات صدره القوية، وبنطال جينز أزرق يعكس جمال فيروزتاه.
"اتفضل يا كبير عشان نطفح."
التفت إليه بنظرة حارقة وقال:
"شكلك عايزني أحجزلك أوضة في المستشفى يا زوما."
"أبوس إيدك يا جاسر، أنا لسه مدخلتش دنيا. بنات مصر هتنتحر لو جرالي حاجة. يرضيك؟"
"اه يرضيني. ويلا بقى اطفح بسرعة عشان نلحق نروح الشركة."
"يلا يا حازم عشان تجهز معايا السفرة."
"مهو أنا الخدامة الفلبينية اللي اشترتوها."
"بتقول حاجة يا زوما؟"
"حبيبة قلبي يلا، لحسن هفطس من الجوع."
طالع جاسر باشمئزاز وذهب.
التقى الجميع على طاولة الطعام. فدلف سليم وترأس الطاولة. عندما رآه حازم قال:
"سلومة، واحشني يا راجل! كنت فين كل ده؟"
"ما انت لو كنت بتسأل، كنت عرفت."
"والله مشغول والظالم ده،" وأشار إلى جاسر، "مش بيديني اجازة أبداً. يرضيك كده؟"
"لا طبعاً. من بكرة تاخد اجازة."
"ده عند أم حسن. عارفها يا حازم؟"
"لا، أنا مش عايز اجازات. دا أنا بموت في الشغل."
"هتعمل إيه في موضوع بنت عمك؟"
"بنت عم مين؟"
"حور بنت عم جاسر."
"جاسر مين؟"
"ما تركز يا حازم، هو هيبقى يفهمك بعدين."
انتهى الجميع من الطعام وقال جاسر:
"احنا هنروح الشركة دلوقتي، عندنا اجتماع مهم. بكرة هبقى أشوف الموضوع ده. يلا يا حازم."
"يلا."
"ما بدري يا بني، اقعد معايا شوية."
"معلش يا ست الكل، عندنا شغل."
"سلام يا موزتي. تلفونات ها؟"
"امشي يلا."
خرجا الاثنان إلى مقر شركات الدمنهوري، وجاسر يفكر بتلك حور التي غزت تفكيره وهو يتوعد لها بالكثير.
رواية ضحية جاسر الفصل الثاني 2 - بقلم نور
بشموخ وكبرياء دلف جاسر إلى مجموعة شركات الدمنهوري. حبس الموظفون أنفاسهم عند مروره، فمنهم الخائف، والمدعي الثبات، والذي يرتجف ويتصبب عرقًا. فهذا الجاسر، بهيبته القوية وحضوره الرهيب، قادر أن يدب الرعب إلى قلب أقوى الأشخاص وأكثرهم قوة.
دخل إلى مكتبه الذي يغلب عليه الطابع العصري، والذي يناسب شخصيته الصلبة، حيث يطغى عليه اللون الأسود، بداية من مكتبه وحتى غرفة الاجتماعات. جلس على كرسيه يفكر بعمق بتلك الحور التي غزت حياته فجأة. فاشتعلت عيناه وهو يتخيل كيف تعيش، وما هي طريقة حياتها، وهل ما قاله جده صحيح.
حتى قطع سيل أفكاره ذلك الحازم بابتسامته المرحة، كما اعتاد عليه.
"بص بقى إن مش هتعتع من هنا غير ما أعرف إيه موضوع الموزة دي."
"موزة مين ده؟"
"بنت عمك حور، إيه مش عارفها؟"
وقد بدت عروقه واضحة من شدة الغضب، واظلمت فيروزتاه دلالة على غضبه الشديد.
"موزة، صح؟ تمام."
"طبعًا يا بني، دي صاروخ أرض جو. دي دادا أنعام ورتني صورتها من هنا، وأنا كان هيجي لي سكته قلبية من جمالها. بنت الـ... هيييييييح بقى."
وهو يرفع سماعة هاتفه.
"ايه، ولعي اللمبة الحمرا، ومتخليش أي حد يدخل، ساعة كده وهنبتدي الاجتماع."
"حاضر يا جاسر، أنت تؤمر."
أغلق الهاتف، والتفت لحازم بنظرات متوعدة لا تبشر بالخير أبدًا. ابتسم بشر وهو يشمر ساعديه بخفة.
"إيه ده؟ جاسر، أنا عملت حاجة؟"
اقترب جاسر بهدوء مخيف من مقعده، وقال بصوت هامس.
"انت شايف نفسك ما عملتش حاجة؟"
"وحياة عم عبده البواب ما عملت حاجة."
"لا، ما دام حلفت بغلاوة عم عبده، يبقى عندك حق."
وابتعد عنه بخطوة، وهو ينظر له بابتسامة خبيثة. زفر حازم بارتياح، وتجرع كأس الماء الذي كان على طاولة المكتب. وضع الكأس، وكاد يتحدث مرة أخرى، إلا أنه فوجئ بلكمة قوية ترنح من أثرها وسقط من مقعده بقوة. رفع رأسه حتى يتحدث، ولم يلبث حتى أمطره جاسر بسيل من اللكمات القوية حتى تلطخ وجهه بالدماء. تركه جاسر بعد فترة وهو يلهث، وصوت أنفاسهم العالية تصدع في غرفة المكتب.
"أقسم بالله لأشتكيك لـ أنعام وسلومة، انت فاكرها سايبة؟ دا أنا لسه مدخلتش دنيا، كنت هضيع مستقبلي. روح منك لله يا شيخ."
رمقه بنظرة ساخرة، وقال.
"ماشي يا حيلتها، بس مش لما تخرج على رجلك الأول عشان تعرف تشتكيني."
"طب بص، سبني أطلع، و أوعدك مش هقول لحد. أنا وشي اتشلفط خالص، وعضمي اتفشفش."
"اتفشفش؟ أنا نفسي أعرف بتجيب الألفاظ دي منين، محسسني إنك متربي في العشوائيات."
"و مالها طريقة كلامي؟ لو مش عاجبك، طلقني. آه، طلقني."
"وأنا أقدر استغنى عنك يا جميل."
"أصيل يا بو رحاب."
"قوم عشان أطهر لك الجرح."
"تقتل القتيل وتمشي في جنازته."
وهو يمسك بعلبة الإسعافات الأولية.
"بتقول لي حاجة يا بطة؟"
"هه، لا أبداً، بجرب صوتي بس."
قام جاسر بتطهير الجروح التي كان سببًا رئيسيًا فيها. كان حازم يتألم ويهمههم بكلمات غير واضحة دلالة على ألمه.
"عملت إيه في صفقة أرض المنصورة اللي هنبني فيها المصنع؟"
"كله تمام، بس رعد الشرقاوي داخل معانا في الصفقة دي، وعرضه مناسب جدًا."
"يبقى جه لقضاه. هو ناسي آخر مرة عملنا فيه إيه؟"
"مهو دي المشكلة، إنه مش ناسي. وشكله حالف لك، لأنك مش سايبه في حاله."
"ولا يقدر يعمل حاجة. امشي انت دلوقتي وتابع الموضوع أول بأول."
"ماشي، أطير أنا بقى."
قام حازم من مقعده، وبدأ بالمشي بطريقة مضحكة دلالة على ألمه الشديد.
"مالك بتمشي كده ليه؟ متسترجل يا ابني."
"مالي؟ انت بتسأل معلش، أصل وقعت في إيد مدب ما يرحمش."
"طب امشي بدل ما الإيد دي تخليك مكسح."
وقد اعتدل في مشيته سريعًا، ووصل إلى باب المكتب، وقال قبل أن يخرج.
"برضه حلوة ومزة."
وقد قام ليلحق به، ولكنه سبقه وهرب سريعًا.
جلس جاسر يفكر في كيفية ترتيب لقائه بتلك الحور. قطع تفكيره صوت طرقات باب المكتب.
"ادخل."
دلف سهى بخطوات متمايلة تدل على الدلال الزائد. فسهى تمتلك قدرًا عاليًا من الجمال، بدءًا من شعرها الأشقر المموج الذي ورثته من جدتها الروسية، والذي يصل إلى منتصف خصرها، وعيونها الزرقاء اللامعة التي تدل على الخبث والجرأة غير المعتادة.
"جاسر، هو أنا بطلت أجي عندي ليه؟"
"ملكش فيه، أنا حر، ولا انت نسيتي نفسك؟"
وقد بدأت بتحريك أناملها على أزرار قميصه بدلال.
"لأ يا حبيبي، بس انت وحشتني أوي."
"سهى، فكك مني الأيام دي، أنا مش فاضي، واتفضلي شوفي شغلك."
"ماشي، بس هستناك بليل، توعدني."
زفر بقوة، وقال.
"ماشي."
طبعت قبلة سريعة على شفتيه، وقالت بهمس مغري.
"هستناك، باي."
أسند جاسر رأسه على الأريكة، وأخرج صورة حور التي كانت مرافقة للملف الذي يخصها، وشرد بها وبجمالها الأخاذ، وبوجهها الطفولي البريء الذي خطف عقله. بدأ يتخيل منظرها وهي بأحضان، ولكنه سريعًا ما نفض تلك الأفكار بعيدًا عن رأسه، ويحدث عقله قائلًا: إنها لابد وأن تكون فتاة لعوبة ومستهترة ومحبة للمال. اعتدل في جلسته، وأخذ ينظر للصورة بنظرة متوعدة، وأخذ جاكيت بدلته، متجهًا لتلك الحورية التي شغلت تفكيره، وهو يفكر كيف سيكون اللقاء.
رواية ضحية جاسر الفصل الثالث 3 - بقلم نور
في أحد المنازل البسيطة بمدينة القاهرة تستيقظ تلك الفاتنة التي سحرت الجاسر وغزت تفكيره، تتململ ببطء شديد دلالة على انزعاجها من صوت المنبه العالي.
أفرجت عن تلك الغابات الزيتونية التي تغزو عينيها ذات الأهداب الكثيفة التي تسحر كل من يراها.
قامت من فراشها متجهة إلى الحمام لتأخذ حمامًا دافئًا يريح جسدها ويعيد إليه النشاط ليكمل يومها.
انتهت ولفت نفسها بمنشفة قطنية. من رأى منظرها بتلك الهالة المثيرة يقسم سوف يموت من جمالها الخلاب.
أخذت تمشط خصلاتها السوداء وجمعتها على هيئة كعكة غير منظمة.
ارتدت ملابسها المكونة من بنطال جينز واسع وقميص أزرق فاتح اللون مع حجاب أبيض يحجب خصلاتها الساحرة.
تناولت فطورها على عجل حتى لا تتأخر.
وقبل أن تذهب، أخرجت تلك الصورة التي لا تفارق حقيبتها وقد بدأت شلالات عينيها تنهمر.
حور: وحشتوني أوي أوي أوي، مش عارفة هعمل إيه من غيركم يا ماما وبابا. أنا تعبانة أوي، لولا نغم ومازن كنت هموت. الله يرحمكم ويجمعني بيكم في جنته.
أرجعت الصور إلى حقيبتها عندما سمعت رنين هاتفها. فهمت بالرد.
نغم: إنت يا زفتة فينك كل ده؟ الامتحان هيبدأ كمان نص ساعة وحضرتك نايمة.
حور بضحكة: يا بنتي افصلي شوية، أنا جاية أهو مستنية مازن يطلع أهو.
نغم: بلا مازن بلا بتاع، اخلصي بسرعة. الامتحان يا فاشلة.
حور: حاضر جاية أهو.
خرجت حور مسرعة إلى شقة مازن لتستعجله بالذهاب. طرقت الباب ففتحت لها تلك الحورية بسمة التي تخطف قلب كل من يراها.
بسمة بنعاس: حد يجي على الصبح كده؟ خشي، أهو مرزوع جوا في الأوضة.
حور: هاااار اروح. هو لسه مصحاش؟ أوعي كده أشوفه. أدعي عليك بأيه يا زيزو وانت فيك كل العبر.
دلفت حور إلى غرفة مازن ومعها كأس من الماء البارد سكبته عليه بقوة فاستيقظ بهلع.
مازن: بغرق بغرق الحقوني.
حور: يخربيتك انت لسه نايم يا حيوان؟ الامتحان هيبدأ وانت مأنتخ في السرير.
مازن: أنا مش هرد عليكي عشان أنا واحد محترم مش تربية شوارع.
حور وهي تمسك بتلابيب قميصه المبتل: هي من دي اللي تربية الشوارع يا مازن؟
مازن: أنا آسف، قصدي تربية عشوائيات.
حور: كنت بحسب. يلا قوم اجهز عشان نتهبب نروح.
دلف مازن إلى الحمام وارتدى ملابسه على عجلة وأخذ مفاتيح سيارته وجلس لكي يتناول فطوره. إلا أن حور جذبته من قميصه بسرعة وقالت:
حور: إنت لسه هتتطفح؟ يلا مفيش وقت.
خرجا بسرعة مهرولين إلى أسفل البناية لدرجة أن حور تعثرت على أحد السلالم وتأذت إحدى أرجلها فلم تستطع المشي. قالت ببكاء:
حور: هروح أنا إزاي دلوقتي؟ مش قادرة حتى أحرك رجلي.
مازن وهو يحملها: ولا يهمك يا أميرتي. يلا عشان منتأخرش.
حمل مازن حور إلى أسفل البناية وفتح السيارة وأدخلها بلطف شديد. من يراهم يظن أنهم عشاق للنخاع وليس إخوة في الرضاعة. نعم، لأن حور عندما ولدت كانت والدتها مريضة وضعيفة البنية وكان حين ذاك مازن يبلغ من العمر سنة واحدة وكانت أم مازن جارة والدة حور وصديقتها، لذلك اقترحت أن ترضع هي حور حتى تسترد صحتها.
حور: شكر يا زيزو، تتردلك في الأفراح.
مازن: ماشي يا لمضة.
وأسْرَعَ مهرولاً إلى الجامعة بأقصى سرعة، غافلين عن كتلة الغضب والبركان الثائر الذي على وشك الانفجار. تلك الأعين الفيروزية التي اظلمت وأصبحت قاتمة دلالة على غضبها الشديد.
وصل مازن وحور إلى الجامعة وكان في استقبالهم تلك الشقية نغم وكالعادة بدأت في توبيخهم.
مازن: قولي بسرعة وصلة الردح بتاعة كل يوم عشان نخلص ونتزفت ونمتحن.
نغم: لا النهاردة سماح عشان بس تعزموني إنت وهي على الغدا من عند أبو طارق وبعدها نحلى بكباية عصير قصب من عندي حبيب قلبي فرغلي.
مازن وهو يمسك بطرف قميصها: إنت هبلة يا بت؟ مش أنا لسه عازمك إمبارح؟ هو أنا كنت خلفتك ونسيتك؟ دا أنا بعزمك أكتر ما بعزم حور وبسمة.
نغم: أوعى يا سلامة، بريستيجي ضاع وسط الجامعة.
مازن: سلامة مين؟
حور بضحكة: سيبك منها يا مازن، خلينا نخش الامتحان. هنسقط بسببه.
مازن لنغم: امتحن بس وافولك يا عملي الأسود.
ذهبوا جميعهم إلى قاعة الاختبارات وكل منهم يتمنى حظًا موفقًا للآخر.
على الجانب الآخر نجد جاسر وقد أعماه الغضب عندما رأى حور بذلك الوضع مع ذلك الغريب كما أسماه. وقد بدأ بتكسير غرفته وجعل منها حطامًا. كل من يراها يظن أن هناك زلزالًا حل بها. ارتجف جميع الخدم في المنزل بما فيهم داده انعام التي كانت تدري أن هناك سببًا قويًا يجعله كالوحش الكاسر. ولحسن الحظ لم يكن جده بالقصر. لم تجد حلاً سوى الاتصال بخازم الذي لديه القدرة على تهدئته والصبر على أذيته.
جاء حازم بعد فترة زمنية قصيرة مهرولاً بسرعة شديدة يسأل عما جرى.
حازم: في إيه يا داده؟ جاسر ماله؟
انعام بدموع: والله ما أنا عارفة يا بني. هو جه من بره، عينيه كلها غضب وطلع على أوضته من غير ما يتكلم، وزي ما انت سامع بيكسر في كل حاجة.
حازم: طب اهدى، هو أكيد في حاجة عصبته ووصلته للحالة دي. أنا هروح وأشوف فيه إيه.
انعام: لا يا بني بلاش دلوقتي. على الأقل دم ممكن يفش غضبه فيك ويملك عاهة مستديمة. انت ناسي آخر مرة لما كسر لك دراعك؟
حازم وهو يبتلع ريقه بصعوبة: عارف يا داده، بس ده في النهاية أخويا وصحبي. ما قدرش أسيبه كده. ادعي لي انت بس.
انعام: ربنا معاك يا حبيبي.
حازم بمرح حتى يخفف عنها: أمانة عليكي يا مزتي ما تجوزي من بعدي لحسن بغير.
انعام وقد قذفته بنعالها: امشي يلا من هنا. تستاهل اللي هيعمله فيك.
دخل حازم بسرعة إلى غرفة جاسر وما إن رأى تلك الحالة التي هو عليها حتى ابتلع غصة في حلقه بصعوبة بالغة، حيث كانت عيناه حمراء كالجمر وجبينه يتصبب عرقًا. فهذا جاسر في حالة من الغضب الشديد. حاول حازم الاقتراب منه ببطء حتى لا يتأذى بكمية الزجاج الموجودة على أرضية الغرفة. فنادى عليه بصوت هادئ.
حازم: جاسر اهدى. إيه اللي حصل؟
جاسر وقد التفت إليه وسدد له لكمة قوية على فكه.
حازم: يووووه. هو كل ضرب ضرب؟ مفيش شتيمة؟
تتهاوى جسد جاسر وسقط أرضاً يلهث بشدة من فرط تعبه. قام حازم بسحبه ووصل به إلى الحمام الملحق بالغرفة وأنزل رأسه تحت المياه الباردة حتى تخمد نيران غضبه.
هدأ جاسر قليلاً وخرج من الحمام وجلس على إحدى الأرائك وتحدث بصوت يشوبه الغضب والتحدي.
جاسر: كنت عارف إنها تربية شوارع وإنها من المستحيل تكون قادرة على اسم علية الدمنهوري، بس أقسم بالله لربيها وأعلمها الأدب وإلا ما أكونش الغول.
أدرك حازم أنه عندما تفوه بتلك الكلمات أنه يقصد بها حور. ولكن ما كان يقلقه حقاً النظرات المتوعدة لها وهو يتحدث. وما أخافه أكثر أنه أطلق اسم الغول، فهو يدري ما الذي يحدث إذا توعد لأحدهم بلقب الغول.
حازم: إنت قصدك على حور مش كده؟
جاسر: أيوا، هو في غيرها اللي قرفاني في حياتي من ساعة جدي كلمني عنها.
حازم: هو انت قابلتها؟
جاسر بغضب: لا، بس كنت رايح أقابلها. بس إيه؟ لقيتها مع حبيب القلب وهو شايلها وراكبين العربية مع بعض.
حازم: مش يمكن فاهم غلط ومش هي دي وتكون واحدة شبهها مثلاً؟
جاسر: لا هي بعينها. بس ورحمة أبويا وأبوها، لأكون موريها إزاي تحترم اسم العيلة اللي هي شايلاه.
حازم: أنا بقول تسمعها الأول وتواجهها بالموضوع وهي تشرح لك.
جاسر وقد كور قبضته وضرب بها الحائط: لا، أنا هعرف أتعامل مع أشكالها إزاي.
في جامعة القاهرة، جلس كلا من حور ونغم ومازن في كافتيريا الجامعة. ذلك الثلاثي المرح المسمى من قبل شباب الكلية.
نغم: أنا جعانة يا خلق ودوني عند أبو طارق أضرب طبق كشري ولا هفضحكم.
حور: يا بنتي إنت على طول جعانة. قوليلي عملتي إيه في الامتحان.
نغم: الحمد لله على كل حال. كل اللي يجيبه ربنا كويس.
حور بضحكة: هو أنا بسالك عن نوع الجنين؟ أنا بقول الامتحان. قول إنت يا مازن.
مازن: الحمد لله كله تمام. لدرجة إني هسقط إن شاء الله.
حور: يا فاشلين، أنا مش عارفة مصحباكم ليه.
نغم ومازن بصوت واحد: عشان بتحبينا.
حور بمرح: صح طبعاً.
نغم: طب يلا بسرعة لحسن أبو طارق يقفل.
خرجوا جميعهم متوجهين إلى مطعمهم المفضل ليأخذوا وجبتهم الشهية، طبعاً مع عصير القصب من العم فرغلي.
قام مازن بإيصال نغم إلى منزلها وعاد هو وحور إلى منزلهم بعد يوم طويل ومرهق.
دَلفت حور إلى شقتها وأخذت حمامًا منعشًا وارتدت شورت قصير أبيض وقميص بدي حمالات باللون الأحمر، فكانت حقًا رائعة جداً. أعدت كوبًا من النسكافيه الساخن وجلست تتابع فيلمها المفضل حتى غفت على الأريكة.
استيقظت على صوت طرقات على باب منزلها فقامت وارتدت إسدالها. فتحت الباب لتتفاجأ بزوج من الأعين الفيروزية القاتمة. فقالت باستغراب شديد.
حور: مين حضرتك؟
جاسر وقد اقترب منها حتى أصبح جسده ملاصقاً لها وقال بصوت هامس مخيف:
جاسر: أنا قدرك الأسود، جاسر الدمنهوري ابن عمك.
رواية ضحية جاسر الفصل الرابع 4 - بقلم نور
توقفت عن التنفس للحظات من أثر الصدمة التي حلت عليها وشل لسانها عن الحركة، خاصة مع القرب الشديد الذي بينه وبينها. استجمعت شجاعتها وقالت بقوة زائفة:
"حور. انت اتجننت؟ ايه اللي بتقوله ده؟"
جاسر، بعد أن ابتعد قليلاً:
"أنا بقول الحقيقة وهثبت لك صحة كلامي، بس خلينا نقعد ونتفاهم."
حور بغضب:
"نتفاهم على إيه؟ أنت جاي تقولي إن عندي أهل بعد كل السنين دي وعايزني أصدقك؟ أنا أهبل ولا مجنون؟"
قبض جاسر على ذراعها بقوة مما جعلها تتألم من قبضته.
"جاسر. أنا بقول نتفاهم بدل ما أفهمك بطريقتي اللي ما أحبش إنك تجربيها أبداً، مفهوم؟"
قال كلمته الأخيرة بغضب وصوت مرعب جعل الخوف يدب في قلبها، وقالت بضعف:
"حور. سيب إيدي، أنت ملكش حق تمسكني كده، أوعى كده."
نفضت ذراعها بقوة منه وجلست على الأريكة وقالت بهدوء مصطنع:
"حور. اتفضل قول اللي عندك بسرعة."
جلس جاسر بكل هدوء وحذر على المقعد المقابل لها وبدأ بالحديث.
"جاسر. أنت اسمك حور عبدالحميد سليم الدمنهوري."
حور بسخرية:
"لا تصدق، أول مرة أعرف معلومة جديدة، جبتها إزاي؟"
جاسر بحدة:
"أنا مش جاي أهزر يا آنسة."
وأكمل حديثه قائلاً:
"جدتك الله يرحمها كانت متجوزة جدي سليم الدمنهوري وخلفت منه ولد اللي هو والدك. وبعد فترة من جوازهم حصلت مشاكل خلتها تسيبه وتهرب بعد ما خدت والدك معاها. طبعاً جدي فضل يدور عليها سنين عشان يرجعها وتبقى مراته قدام الناس. طبعاً بعد ما العقبة الوحيدة اللي في طريق جوازهم انزاحت، واللي هي أبو جدي وجدك."
نظرت له حور بنظرة لم يحدد معناها، ولكنها جذبت كل حواسه المشتعلة منذ أن رآها. سحر وبريق عينيها جعله شارداً لا يتحدث حتى أفاق على صوت حور.
"حور. كمل."
"جاسر. زي ما قولتلك، دور عليهم كتير أوي بس مكنش ليهم أثر، وخاصة إن والدك كان متعلق بيه جداً. قبل كام شهر بس، في ست كبيرة في السن جات لجدي وقالتله عن مراته وابنه اللي اختفوا زمان، وقالت إن هي تعرف عنهم كل حاجة. بس للأسف جدي عرف إن مراته ماتت وكمان ابنه اللي ملحقش حتى يشبع بيه. المهم عرف بعدها إن عنده بنت، والبنت دي أنت. فبالتالي أنت هتلمي هدومك وتيجي معايا عشان جدي مستنيكي."
"حور. ياه، بسهولة دي؟ أجي معاك؟ أنت فاكرني إيه؟ أنا إيه اللي يخليني أصدق الكلام ده؟ وإيه الدليل على إن كلامك صح؟ وحتى لو كان صح، ليه ماما وبابا محدش فيهم حكالي عن حاجة زي دي؟ حضرتك أكيد فاهم غلط، وأنا مش البنت اللي بيدوروا عليها. اتفضل حضرتك من غير مطرود، ميصحش تقعد أكتر من كده."
جاسر بغضب:
"أنا مش جاي أمثل عليك، ومافيش أي مصلحة تخليني أعمل كده. وأنت لو مش مصدقة، حقك. بس أكيد من حقك تتأكدي من كلامي صح ولا غلط. إحنا هنعمل تحليل DNA، وبكرة هاجي آخدك عشان كده جهزي نفسك."
أخرج ظرف صغير به صورة قديمة ولكنها واضحة.
"جاسر. دي صورة جدي ووالدك وهو صغير لما كان عنده سنتين. شوفيها كويس وهتلاقي الشبه الكبير اللي بينهم، وأظن أنت عندك صور لوالدك صح؟ قارني بينهم كويس، وبكرة هعدي عليك."
كانت حور تحت صدمة لا تقوى على الحديث. خرج جاسر بكل هدوء وتركها تحت تأثير عاصفة قوية من الأفكار. تهاوى جسدها على الأريكة وبدأت شلالات عينيها بالهطول. جلست فترة طويلة وهي تفكر بكلام ذلك الجاسر الذي اقتحم حياتها فجأة، وأخذت تسأل نفسها: هل حقاً لديها عائلة ولم تعد وحيدة؟ وهل ما قاله ذلك المتعجرف صحيح؟ قامت بكل عزم لكي تتوصل إلى حقيقة الأمر. اتجهت إلى غرفة والديها المغلقة منذ وفاتهم، وأخذت تبحث عن أي دليل يؤكد صحة قول ابن عمها كما يدعي. وصلت إلى خزانة الملابس الخاصة بوالديها وأخذت تقلب حتى تجد أي شيء يوضح لها الحقيقة. توقفت عندما وجدت صندوقاً صغيراً، من الواضح أنه كان لجدتها، لأنها تتذكر جيداً عندما كانت تزورها تجدها تتلمس بعض أغراض الصندوق والدموع تجري على وجنتيها المجعدة.
Flash back
كانت حور في ذلك الوقت في الصف الثاني ثانوي. خرجت من المدرسة إلى بيت جدتها فوراً بعد أن استأذنت من والدها بأن تقضي باقي يومها مع جدتها، فهي دائماً تحب قضاء معظم أوقاتها معها. طرقت حور الباب فوجدته مفتوحاً كالعادة. أخذت تبحث عن جدتها في أرجاء المنزل بكل مرح وهي تنادي:
"حور. زوزو، أنت فين يا موزتي؟ وحشتيني."
إلى أن وصلت إلى غرفة جدتها. قبل أن تدخل، سمعت صوتها وهي تبكي بقهر وتمسك بصورة وكان ذلك الصندوق على حجرها.
"زينب. وحشتيني أوي يا سليم، أوي. نفسي تكون معايا. ابننا كبر وبقى عندنا حفيدة زي القمر شبهك أوي. منه لله اللي كان السبب في فراقنا."
ضمت الصورة إلى صدرها بحنان ومطر عينيها لا يقوى على التوقف.
وقفت حور وهي تتطلع إلى جدتها بألم، فقد علمت أنها كانت تتحدث عن جدها المتوفى، حسب ما ذكرته جدتها في ذلك الوقت.
دخلت حور لجدتها بمرح مصطنع.
"حور. إيه يا زوزو؟ كل ما أجي ألاقيكي بتعيطي ليه كده بس؟"
"زينب بابتسامة. أنتِ اللي عوضتيني عن كل حاجة وحشة يا حور. أنا بحبك أوي يا قلب زوزو."
ارتتمت حور في أحضان جدتها بقوة، وأخذت زينب تمسح على شعرها بحنان.
"زينب. تعالي يلا عشان تتغدى، أنا عملالك المحشي اللي بتحبيه."
"حور. أيوه بقى، دا أنا هموت من جوع، كلاب بطني بتهوهو."
ضحكت زينب على تلك الصغيرة التي قادرة على إخراجها من حزنها، وخرجت معها نحو المطبخ لتناول وجبة الغداء.
End flash back
"حور بصدمة. مش معقول! كانت بتتكلم عن سليم الدمنهوري."
فتحت حور الصندوق وأخذت تقلب محتوياته إلى أن وجدت الصورة التي كانت طبق الأصل للصورة التي أعطاها لها جاسر. صدمة ألجمت لسانها وقالت:
"حور. يعني طلع عنده حق؟ أنا ليا أهل وعيلة كبيرة؟ بس كمان ليه بابا عمره ما قالي حاجة؟ أنا لازم أدور تاني، أكيد في حاجة تأكد الكلام ده."
بحثت حور كثيراً حتى داهمها النعاس ونامت على سرير والديها.
في قصر الدمنهوري
جلس جاسر مع جده بعد أن أخبره بالحوار الذي دار بينه وبين تلك الحورية.
"سليم بلهفة. طب هي مجتش معاك ليه؟"
"جاسر. المشكلة إن هي مش مصدقة. أنا قولتلها كل اللي أنت قلتهولي، بس مش عارف هيكون موقفها إيه لما تطلع نتيجة التحاليل."
"سليم. أنا خايف ما تقدرش تتأقلم معانا وتطلب تعيش لوحدها."
"جاسر بحدة. مش على كيفها، هي مش حرة. هي دلوقتي شايلة اسم عيلة ولازم تحترم ده، ولا هي عايزة تمشي على حل شعرها."
"سليم. احترم نفسك يا جاسر واعرف إنك بتتكلم على بنت عمك وحفيدتي."
"جاسر. ماشي، بس يكون في علمك أنا هربيها من أول وجديد عشان تعرف إزاي تتعامل مع المستوى الجديد اللي هتعيش فيه."
قام سليم من كرسيه بغضب.
"سليم. تربي مين؟ هي متربية ويمكن أحسن منك كمان، وآخر مرة اسمحلك تشك في أخلاقها يا جاسر. أنا ماشي وبكرة هاجي معاك عشان أشوفها، ومن غير تصبح على خير."
أزاح جاسر أدوات المكتب بغضب.
"جاسر بتوعد. هنشوف يا سليم بيه."
استيقظت حور على أذان الفجر. قامت وتوضأت، صلت فرضها، وأخذت تدعي بدموع حارقة.
"حور. يارب ساعدني عشان أعرف الحقيقة، أنا خايفة من الجاي أوي، خليك معايا على طول."
انتهت حور من صلاتها ودلفت إلى غرفة والديها وأخذت تبحث مرة أخرى على أمل إيجاد أي دليل يثبت كلام ذلك الجاسر. صادفت الكثير من الملفات والأوراق التي تخص عمل والدها، ولكن ما لفت نظرها ظرف كبير به أوراق كثيرة. فتحته بتلهف ووجدت عقد تمليك لشقتهم باسمها، وأوراق تخص أراضي زراعية كتبت أيضاً باسمها. كل ذلك لا يهمها بقدر إيجاد الدليل. أخذت تبحث حتى عثرت على ظرف به رسالة مكتوب عليها: "إلى ابنتي حور". فتحت الرسالة بلهفة تقرأ ما بها.
"حور. حبيبتي الغالية التي نورت حياتي المظلمة بعد أن فقدنا الأمل في الإنجاب. عندما تقرأين هذه الرسالة قد أكون في مكان أجمل بكثير من هذه الدنيا. أتمنى أن تسامحيني أنا ووالدتك. لقد أخفينا عنك حقيقة وجود عائلة لنا. أنا نفسي لم أكن أعرف عنها شيئاً لولا جدتك التي أخبرتني بها وهي على فراش الموت، لأنني كنت أظن أن والدي قد توفي وأنا على المهد كما قالت لي أمي، ولكني تفاجأت بأنه على قيد الحياة. وعدت أمي أن أبحث عنه ولكنني لم أجد له أثراً حتى جاءت تلك المرأة التي كانت صديقة لجدتك وأخبرتني أنها تعرف والدي وأنه من أكبر رجال الأعمال في البلد. الغريب أنني كنت أعرفه، فهو مشهور في عالم الأعمال، ولكنني لم أظن يوماً أنه هو. كل ما أريد طلبه منك هو أن تبحثي عن جدك حتى تستقري معه، لأنه من سيحميك من غدر الدنيا. لقد تركت لك مبلغاً مالياً متواضعاً في البنك وسجلت الشقة باسمك، وأيضاً لدي أرض زراعية كتبتها لك حتى تؤمني مستقبلك. سامحينا يا حورية قلبي. والدك الغالي."
بكت حور كثيراً بعد تلك الكلمات التي قرأتها وأيقنت أن جاسر على حق، وتمنت أن ترى جدها وترتمي بأحضانه. قررت أن تلملم أشياءها وتستعد للذهاب إلى قصر الدمنهوري غداً عندما يأتي صاحب الأعين الفيروزية.
أشرقت قرص السماء في سماء القاهرة لتبعث النشاط والأمل لقلب تلك الحورية. استيقظت مبكراً بكل نشاط، أخذت حمامها المنعش وارتدت ملابسها المكونة من بنطال أبيض اللون وقميص أسود بأكمام طويلة مع حجاب باللون الأحمر يبرز جمال بشرتها البيضاء الجميلة. سمعت صوت طرقات على باب المنزل. فتحت ووجدت تلك المشاكسة بسمة.
"حور. صباح الخير على عيونك يا عسل."
"بسمة. اهو صباح زي كل يوم."
"حور. مالك يا بنتي في إيه؟ مادة بوزك شبرين على الصبح؟"
"بسمة. بقولك إيه، إن تشوفلي صرفة مع الأهبل اللي تحت ده. أنا مش عارفة أعمل، مش عايز يخليني أسافر الرحلة مع أصحابي، قال إيه أنت لسه صغيرة. بزمتك أنت صغيرة؟"
"حور. بصراحة لا، دا أنا بحس إنك أمي."
نظرت لها بسمة بشرح.
"حور. مش قصدي، أنا قصدي في العقل يعني."
"بسمة. إذا كان كده ماشي، بس والنبي تعالي معايا أقنعي. أنا عايزة أطلع. والنبي دي آخر سنة ليا مع أصحابي وبعدين كل واحد هيروح كلية شكل. والنبي خلي يوافق."
"حور. ماشي، أمري لله، ما هو أنا اللي دايماً بتتحط في وش المدفع."
خرجوا من الشقة متوجهين لإقناع ذلك الماذن.
"حور بدلع. زيزو حبيبي."
"مازن باستغراب. زيزو حبيبك؟ أنت سخنة يا حور؟"
وضع كف يده على جبهتها ليتأكد.
"مازن. لا مش سخنة، اومال في إيه؟"
"حور. لا يا روحي مفيش حاجة، بس كنت عايزة أطلب منك طلب صغنن قد كده اهو."
"مازن. أه، حسيت كده بقى مش موافق. وأعلى في خيرك اركبيه، مش بسمة هي اللي بعتاك."
"حور بدلال وهي تتلاعب بخصلات شعره المتمرة على جبينه. ليه بس يا زيزو؟ أنا كنت محضرالك مفاجأة تحفة، بس خلاص بقى مدام مش موافق."
"مازن. مش عايز من وشك حاجة. وبعدين أنت عارفة كويس مش بسمح لكم تروحوا رحلات، لا أنت ولا هي ولا حتى نغم، إلا لما أكون معاكم."
"حور. ماشي، بس أنا كنت عايزة أقولك إن دينا هتجي كمان كام يوم، وأنت مش هتبقى فاضي عشان تيجي معايا نجيبها من المطار، عشان لازم تفضل مع بسمة."
"مازن. ها؟ هي دينا جاية؟"
أومأت برأسها.
"حور. أه يا روحي."
"مازن. عايزة تروحي إمتى يا بسمة عشان أجي أوصلك؟"
"بسمة بعدم تصديق لحور. يا واد يا جامد! عملتيها إزاي دي؟"
"حور بغرور مصطنع. قدرات يا بنتي."
وافق مازن على رحلة بسمة في سبيل رؤية تلك الجنية صاحبة الأعين الزرقاء وتحدث بهيام.
"مازن. وحشتني بنت الـ... إمتى آخدها في حضني؟ هيييييح بقى."
"حور. نحن هنا يا عم العاشق الولهان. فوق ليه بقى عشان عايزك في موضوع مهم."
"مازن بجدية. موضوع إيه؟"
حور بتنهيدة عميقة وقصت له كل ما حدث بالتفصيل.
"مازن بحدة. يعني إيه؟ أنت ناوية تسيب البيت وتقعدي مع ناس ما تعرفهمش؟"
"حور. الحكاية مش كده يا مازن، أنا متلخبطة ومش عارفة أفكر خالص، خصوصاً إن دي وصية بابا الله يرحمه."
"مازن. ودي حاجة محتاجة تفكير. لازم تخليكي هنا، ولو عايزة تشوفي جدك، تروحيلهم كل فترة."
"حور. ما أنا مش عارفة جدي هيوافق ولا لا، وأنا خايفة من اللي اسمه جاسر ده. نـظرته ليا بترعبني، ما بالك أعيش معاه تحت سقف واحد."
"مازن. ما هو ده اللي أنا بقوله. أنا كمان مش مستريحله خالص بعد اللي حكيتيه ده."
"حور. ربنا يقدم اللي فيه الخير. أنا هروح شقتي دلوقتي، زمانه جاي."
"مازن. تحبي أجي معاكي؟"
"حور. لا خليك أنت، أنا هتصرف معاه. وصل بسمة وبعدين نشوف الموضوع ده."
قبل مازن جبينها بحب وأردف قائلاً:
"مازن. خلي بالك من نفسك يا حورية قلبي."
"حور. أنت عارف إن أنت الوحيد اللي بتقولها لي بعد بابا."
"مازن. طبعاً يا بنتي، مش أنا أبوكي برضه."
"حور. ماشي يا بابا، عن إذنك بقى."
خرجت حور ودلفت لشقتها وحضرت أغراضها استعداداً للرحيل. سمعت صوت طرقات الباب فعرفت أنه صاحب الأعين الفيروزية.
رواية ضحية جاسر الفصل الخامس 5 - بقلم نور
الفصل الخامس
طوال الطريق وهي ساكنة لا تتحدث ابدا لا تنظر له ابدا ما زالت متوترة وهي تفكر كيف سيكون اللقاء الاول مع جدها اما عنه هو فقد كانت نظراته جامدة لا تعبر عن شيء مسلطة على الطريق ولكنه كان يختلس بعض النظرات السريعة إليها قبل ان يعود نظرة على طريقه
وصلوا الى باب القصر نزلت حور من السيارة بخطوات مترددة تنظر لذلك المبنى الفخم الذي يبدو على سكانه الثراء الفاحش كانت تفرك اصابع يديها بتوتر شديد غير قادرة على الحراك افاقت على صوت جاسر يردف قائلا
جاسر. مالك شكلك مصدومة متخفيش ما بناكلش بنى ادمين قال جملته الأخيرة بسخرية واضحة ردت عليه بحدة
حور . مظنش حد طلب رأي حضرتك وبعدين مهو من الطبيعي اكون متوترة ولا انا مش بني ادمة وخصوصا اني هعيش مع ناس معرفهمش وتجيب شلل
فهم جاسر أنها كانت تقصده بقولها ولكنه فضل تجاهلها ولكنه يقسم بداخله انه سيريها من هو جاسر الدمنهوري
طرق الباب بعد ان انزل حقائبها فتحت الخادمة و دلفوا الى الداخل تحت نظرات الخدم المستفهمة
وصل جاسر الى غرفة المعيشة و حور تتبعه بخطوات بطيئة وهي تقلب نظرها في هذا الصرح الكبير مبهورة بتصميمه الفاخر الذي لم ترى له مثيل جلست على إحدى المقاعد بتوتر وقالت
حور. جدي فين
نظر لها جاسر بسخرية وقال. من امتى بقى جدك مش من يومين وكنتى هتطلبي البوليس عشان بس جبتلك سيرته
حور . ملكش فيه وانا اقول الي عايزاه انا حرة وانت معندكش حق تعترض
جز جاسر على اسنانه بقوة وهو يريد ان يفتك بها خرج بدون اي رد تحت نظراتها المتوترة
دلف جاسر الى غرفة المكتب ليبلغ جده بوصول حور وقف سليم بلهفة و شوق وقال
سليم . جبتها يا جاسرجاسر بابتسامة. ايوة يا جدي وصلت ومستنياك
لم ينتظر سليم حتى يكمل كلامه و هرول الى الخارج بسرعة ليرى حفيدته وجزء من ابنه الراحل
لم يصدق عينيه عندما رأها و تجمعت الدموع في مقلتيه اما هي فالتفت بلهفة كأنها احست به ولم تدري بنفسها الا وهي في احضانه الدافئة التي ذكرتها بأبيها الغالي بكت بحرقة شديدة وهي ترى الحنان المنبعث من عينيه كم يشبه والدها احست بانها تقف امامه قالت بدموع
حور. جدو انا انا
سليم. متقوليش حاجة يا قلب جدك انتي هنا معايا محدش يقدر يأذيكي يا بنت الغالي انا اتحرمت من ابوكي بس مش هسمح لحد ياخدك مني ابدا
حور. انا مش عارفه اقولك ايه بس انا حبيتك اوي زي بابا نفسي تفضل معايا على طول قالت وهي تمسح دموعها بطفولية بالغة
ضحك عليها بخفة وقال . بس ايه الحلاوة دي يا بت دا انت طلعتي موزة
حور بمرح. دا انت بتعاكس بقى يا سلومتيسليم بضحكة . سلومتى دا انت ختي عليا اوي+
حور. يا عم خلى البساط احمدي
غافلين عن ذلك الذي يشتعل غضبا عند الباب يراقبهم بصمت قاتل
جاسر. مش كفاية بوس واحضان بقى
التفت اليه سليم بنظرة ساخرة. واحد وحفيدته انت مالك متدخلش انت
ظل يرمقهم بنظرات متوعدة لا تبشر بالخير ابدا حتى اتت انعام وقالت
انعام. انت حور صح
حور بطيبة وقد دخلت تلك المرأة الحنونة الى قلبها بسرعة بسبب نبرتها الطيبة
ايوا انا حور حضرتك مين
انعام . انا دادة انعام انا الي مربية جاسر من هو في لفة
حور بهمس. لا ما هو واضح أنك ربيته
انعام . بتقولي حاجة يا بنتي
حور . بقول تربية زبالة حور وقد ادركت ما تفوهت به اقصد يعني ونعم التربية2
مال عليها جاسر وقال بهمس. سمعتك على فكرة و مش هعديها
حور بتحدي. ولا تقدر تعمل حاجة انت بوق بس
جاسر بغضب مكتوم. هتشوفي يا قطة
نظرت له بتحدي وقالت . ماشي
قال سليم لانعام . جهزتي اوضة حور يا انعام ذي ما قولتلك
انعام. جاهزة يا سليم بيه من بدري
سليم. طب يلا يا حور عشان ترتاحي ولما يجهز الغدا تنزلي يلا يا حبيبتي
حور وهي تنظر لجاسر . حاضر يا روحي باي يا سلومتى
حبيبتي و سلومتي ايه جو العشق الممنوع ده
كان ذلك صوت حازم الذي دخل فجأة بمرحه المعتاد
قال بهيام . انت حور صح
حور بضحكة. صح جداحازم . هييييح بقى انا حازم صاحب الكائن الي هناك وهو يشيرإلى جاسر و تقدري تقولي زوما وياريت حزومتى عشان يبقى زيتنا في دقيقنا ونعمل بيتزا+
حور بضحكة عالية افلتت منها . دا انت مصيبة يا زوما2
حازم. ليلتنا فل ان شاء الله
حاززززززم التفت اليه جاسر بغضب حارق علم خازم انه في تعداد الموتى قال لحور بخوف. طب سلام بقى لان هيتعمل منى بطاطس محمرة ابقى اقري لي الفاتحة
جذبه جاسر بعنف ودخل به غرفة المكتب والقاه بقوة
حازم بخوف. والله لو قربت منى لصوت و الم عليك الناس انت ناسي انك في القصر وسلومة قاعد ممكن ينفخك6
قهقهة جاسر بقوة وقال . انت فاكر انك كده بتخوفني تبقى بتحلم يا زوما
حازم . يا جاسر انا عضم جسمي كله اتفشفش تقدر تقولي هتجوز ازاي انا بعد كده مش انت نفسك في عيل رخم يقولك يا عموجاسر. لو عيل من فصيلتك مش عايزه ولو عملت ايه هتضرب برضو
لكمه جاسر بعنف حتى صرخ بقوه
حازم بألم. ااااه يا مفتري ربنا ينتقم منك يا شيخ
تحركت حور باتجاه غرفة المكتب لترى ما فعله جاسر بحازم ولكن توقفت وشهقت بقوة وهي ترى حازم ملقى على الأرضية وجاسر يسدد له اللكمات بقوة وهي يصرخ من الألم جرت الى جدها لتستغيث به
حور وهي تلهث . الحقني يا جدو جاسر مسك حازم و نازل فيه ضرب
انتفض سليم بقوة وذهب مسرعا ليرى ما يحدث وخلفه حور
فصله سليم بصعوبة بالغة من حازم
سليم بغضب. انت ايه مجنون ماشي تخبط في خلق الله عملك ايه المسكين ده عشان تضربه كده
حازم . اه والله غلبان ومسكين
سليم . اخرس انت يا حيوان
حازم بخوف. حاضر
سليم . انا مش هسمحلك تمد ايدك عليه تاني مش كفاية مستحمل قرفك ده وكل مرة بيقول صاحبي انت ايه معندكش دم ولا بتحس
احس جاسر انه على حق لانه دائما ما يشفي غليله في حازم وهو لم يعترض ابدا بل كان يستحمله بكل رحابة صدر فقرر ان يعتذر له بطريقته الخاصة
سليم وقد التفت لحازم. وانت يا حيوان سايبه كده يضربك كده عادي
حازم . الله يكرم اصلك
قام جاسر بكل هدوء كأنه لم يعفل شي وجلب علبة الاسعافات الأولية و جلس ليطهر جرح حازم وهو يرمقه بنظرات معتذرة تصدم حازم
حازم . انت حاططلي سم في المطهر صح قول متكسفش
جاسر. ارحمني بقى واثبت خليني الف الجرح كويسكل ذلك تحت نظرات حور المتعجبة التى لم تسطيع تحديد ما هي شخصية جاسر كل ما فهمته انه متناقض الشخصية و تصرفاتهغريبة لا تتوقع
انتهى من تضميد جرح حازم وقال له . انا اسف
الصدمة الجمت لسان حازم و توقع انه يحلم هل جاسر الغول بنفسه يعتذر أم انه يتخيل
حازم ببلاهة . انت بتكلمنى انا
جاسر. وهو في حد عضمه اتكسر غيرك
حازم بغباء . لا بس انت اكيد متقصدنيش انا
جاسر . قوم يا حازم انا مش ناقصك روح أرتاح
حور . لا مش هينفع يروح كده انت هتبات معانا النهاردة
جاسر بحدة. يبات فين
حور بتحدي. هنا في القصر
جاسر. باين عليك مخك ضرب
حور. تو تو انا ليه في البيت ده زي ما ليك و حازم هيبات هنا اظن حقه بعد الي عملته فيه وهو اكيد مش هيقدر يسوق وهو كدهجاسر بغضب. جه كسر حقه احترمي نفسك وخليكي في حالك+
حازم. اه يا دماغي هموت انا عايز انام مش قادر اتحرك
جاسر. وماله بس هنيمك في المستشفى
حور. ان بتهدده قدامي قوم يا حازم انا هخلي حد يجهزلك اوضة تنام فيها
قالتها وهي تساعده على النهوض من الأرض
حازم . اه و ياريد صنية غدا عشان انا على لحم بطني من الصبح
حور . ومين سمعك وانا كمان
حازم. كلاب بطنك بتهوهو صح
حور باندماج. دي بقت سعرانة خلاص
حازم. يلا مفيش غير انعام موزتي هي الي تظبطنا
جاسر . جوز مفاجيع
وافق جاسر على مضض على مكوث حازم معهم هذه الليلة وتجمع الكل على سفرة الغداء في جو أسري رائع
سليم . تسلم ايدك يا انعام الاكل اكتر من جميل
انعام بخجل . ربنا يخليك يا سليم بيه بالهنا والشفا
سليم بهيام واضح . لا والله بجد مش بجامل انت كل حاجة بتعمليها جميلة زيك
حازم بهمس لجاسر. الحق انعام بتتشقط واحنا قاعدين
انعام بوجه احمر من شدة الخجل. ان شاء الله تسلم من كل شر
حازم لحور . تفتكري ضاربين ورقة عرفي من ورانا
حور بهمس. لا ما ظنش سلومتي مؤدب ما يعملش كده
جاسر وقد لاحظ حديثهم الجانبي. في ايه ما تتطفحو من سكات
حازم . ناولني طبق المحشي يا جاسر
جاسر و هو يعطيه الطبق. مفجوع من يومك براحة لتفطس
حور. لا مش معقوله جاسر بيقول تفطس مش اخلاقك ابدا
نظر لها بشر بينما نظرت له بتحدي شديد
انتهى الجميع من الطعام و ذهب كل منهم لغرفته لاخذ استراحة قصيرة
وصلت حور لغرفتها بعد ان اخذت الخادمة حقيبتها و وضعتها في الغرفة شكرتها حور واخذت تتجول في الغرفة بكل شغف فقد كانت جميلة لدرجة لا توصف فراش واسع بالون الابيض مع شراشف بيضاء كان طلائها بالون الابيض الناصع الذي يخطف القلب حتى الاريكةالصوفية رائعة جدا خزانة ملابس واسعة بها العديد من الملابس ذات الماركات العالمية واضح انها باهضة الثمن طرقت انعام الباب فقالت برقة
حور . ادخلانعام وهي تمسك بطبق من الفاكهة. بصي بقى يا ست البنات دوقي سلطة الفواكه دي و قول لي رايك+
حور . اكيد يا كل حاجة حلوة من ايدك يا دادة وانهت كلامها بغمزة عابثة
انعام بتوتر . شكرا يا بنتي الله يجبر بخاطرك
حور. الا قولي لي يا دادة من الي جاب الحاجات دي كلها
انعام. ده جاسر كلم احسن المحلات في البلد عشان يجبوها
حور بصدمة. انت متاكدة انه جاسر
انعام. اه يا بنتي اومال ايه ده باين بيعزك اوي انا هسيبك بقى عشان ترتاحي
خرجت الدادة انعام من الغرفة وتركت حور تسأل نفسها عن ذلك الجاسر وكيف انه غريب الطباع واقنعت نفسها انه فعل ذلك بأمر من جدها
دلفت الى المرحاض و ملئت حوض الاستحمام بالماء الدافئ مع سائل الاستحمام برائحة اللافندر الرائع ونزعت ملابسها وجلست تستمتع بملمس الماء على جسدها
انهت حمامها و ارتدت روب الحمام ولم تبدل حتى ملابسها واستلقت على الفراش تغط في نوم عميق .
جلس جاسر يفكر كيف يمكنه ترويض تلك الشرسة الصغيرة التي غزت حياته غلبه التفكير حتى جاءه سلطان النوم واستسلم له بسرعة شديدة .
في المساء اجتمع الكل في حديقة المنزل يتبادلون اطراف الحديث ولكنه كان في شارد في تلك الحورية يسترق بعض النظرات السريعة إليها خاصة مع ذلك الفستان الازرق الرقيق وحجابه الابيض الذي اكمل صورتها الفاتنة حتى افاق على صوت سليم ينادي عليهسليم. ايه يا جاسر انت مش معانا ليه+
جاسر. ابدا مفيش بس بفكر في حاجة حصلت في الشغل كنت بتقول حاجة
سليم. كنت عايز تجهز نفسك عشان الحفلة الي هتتعمل
جاسر. حفلة ايه يا جدي
سليم. حفلة عشان نعرف الناس بحفيدتي
حور . ملوش لزمة يا جدو كفاية اني معاكم
سليم . ده لازم يا حبيبتى عشان كل الناس تتعرف عليكي
جاسر . تمام ان شاء الله انا هظبط كل حاجة
سليم بابتسامة. هو ده الي مستنيه منك
في اليوم التالي كان الجميع في القصر يعمل على قدم وساق لاقامة حفل يليق بعائلة الدمنهوري فكان القصر يضئ بالزينة الرائعة التي تخطف القلوب وكان الكل مستعد لاستقبال حفيدة الدمنهوري الجديدة .
رواية ضحية جاسر الفصل السادس 6 - بقلم نور
في المساء كان الجميع في وضع الاستعداد لذلك الاحتفال الذي سوف يقام على شرف الحورية الفاتنة التي سرقت قلب كل من رآها.
الزينة المضيئة كانت في أبهى صورها، والورود المنثورة في أنحاء مختلفة من القصر جعلت الكل متأهب للحفلة ومتحمس لها بشكل كبير.
في غرفة بطلتنا، كانت قد أخذت حمامها الدافئ واستعدت للبحث عن فستان يليق بها كحورية أقيمت الحفلة على شرفها.
أخذت تقلب خزانة ملابسها بكل حيرة، حيث الفساتين الرائعة المناسبة لجميع الاحتفالات، لدرجة أنها لم تستطع اختيار ثوب واحد إلى الآن.
حور: وبعدين في اللخبطة دي، أنا مش عارفة اختار حاجة والحفلة شوية وهتبدأ.
قطع صوت تفكيرها طرقات خفيفة على باب غرفتها.
دخلت مجموعة من الفتيات يرتدين نفس الزي تقريبًا باختلاف الألوان.
فقالت إحداهن في هدوء واحترام:
الفتاة: آنسة حور، أنا نورهان بعتني جاسر بيه مع الفريق بتاعي عشان نساعد حضرتك تجهزي للحفلة.
حور: بس أنا ما طلبتش حد يساعدني.
نورهان: حضرتك دي أوامر جاسر بيه ولازم تتنفذ.
فكرت قليلاً وقالت إنها حقًا لا تمتلك الوقت للاعتراض، وخاصة في هذا الوضع، وقررت أن تتعاون معهم وتنهي الموضوع.
أطاعت حور الفتاة وجلست بكل هدوء، وباشرت الفتاة عملها بكل تفنن وإتقان.
نورهان: ما شاء الله يا آنسة حور، حضرتك مش محتاجة حاجة خالص، جميلة جدًا ربنا يحميكي.
حور بابتسامة: متشكرة جدًا، بس مش قد كده يعني.
نورهان: لا إزاي، حضرتك ما شاء الله، ما فيش كلام أبدًا.
أمرت نورهان الفتيات بالعمل بصورة سريعة لضيق الوقت.
وضعت لها القليل من مساحيق التجميل التي جعلتها كتلة من الجمال المفرط، بدءًا من عينيها الزرقاء الواسعة التي زينتها بكحل أسود جميل أبرز جمالها، وبعض من أحمر الخدود الذي أضاف لمعة ساحرة لوجهها، وأخيرًا مرطب شفاه وردي اللون تبعه أحمر الشفاه باللون الأحمر القاني الذي يناسب بياض بشرتها الثلجية.
وفي أقل من نصف ساعة كانت الحورية جاهزة، ولم يتبق غير الفستان.
ما هي إلا ثواني حتى وصلت الخادمة بصندوق كبير الحجم باللون الذهبي اللامع.
نظرت لها حور باستفهام وقالت:
حور: إيه ده يا منى؟
منى: معرفش يا ست حور، بس هو وصل من شوية وجاسر بيه استلمه وقالي أطلعه لحضرتك.
حور باستغراب: ماشي يا منى، روحي انصرفي.
بعد أن انتهت نورهان من عملها انصرفت، بعد أن ودعت حور التي شكرتها بدورها على طريقتها الخاصة في إيصالها لتلك الصورة المبهرة.
بقيت حور تتطلع للصندوق، وبخطوات مترددة فتحته لتشهق بصوت مسموع من هول الصدمة الممتزجة بالفرحة.
ثوب سهرة أشبه بأثواب الأميرات باللون الذهبي اللامع يخطف نظر كل يراه، له ذيل طويل ويناسب منطقة الخصر بحزامه الرائع المصنوع من فصوص ماسية ذهبية اللون.
فستان خاطف للأنفاس بجميع مستلزماته، بدأ من حذائه ذي الكعب العالي وحقيبته الذهبية المذهلة.
حقًا لا يصدق دقة رائعة في التصميم.
لفت نظرها ذلك الحجاب الخاص به، صُمم خصيصًا له على ما تظن لأنه يناسبها بشكل جميل لا مثيل له.
ارتدت الثوب بحماس كبير.
وقفت تتطلع لهيئتها في المرآة، ترسم على وجهها ابتسامة ملاك ساحر.
عرفت الآن من الجاسر أنه شخص نادر الوجود، يفعل الكثير ليسعد من حوله.
تعلم أنه يغضب بسرعة، لكنه ذو قلب حنون حتى وإن لم يظهر ذلك، فهي متأكدة أنه كذلك ويخفيه وراء قناع البرود والغرور.
والآن هي مستعدة لمواجهة ذلك المغرور كما لقبته.
فكرت قليلاً ووجدت أنه يجب عليها أن تشكره على ما صنعه لأجلها، واتخذت قرارها في الهبوط للأسفل.
أضواء وموسيقى هادئة تناسب أجواء قصر الدمنهوري، ومشروبات تقدم، ووجوه باسمة، ورجال أعمال من مختلف المستويات يتفقون على صفقات لتوسيع تجارتهم.
لا أحد يستطيع تفويت فرصة كهذه، فالكل مجتمع وسعيد، خاصة بأنهم سوف يقابلون غول الاقتصاد جاسر الدمنهوري وجده سليم الدمنهوري، تلك الشخصية التي بنت تلك الإمبراطورية الضخمة وواصل بعدها حفيده الجاسر.
هبطت الأضواء وأصبحت خافتة بعض الشيء لتلفت نظر المدعوين لتلك الفاتنة التي تنزل من أعلى درجات السلم الذي مغطى بسجاد أزرق أضفى عليه طابعًا ملكيًا رائعًا.
كان الجميع مسحورًا بطلتها، والكل يسأل نفسه من تلك الحورية التي طلت.
مذهول هو بشكل لا يصدق، بحق الجحيم من أعطاها الحق بأن تكون جميلة لذلك الحد؟
سلبت النوم من فيروزتاه.
لم يتخيل أن الثوب الذي انتقاه بحرص شديد أن يكون جميلًا إلى حد سافر، جعل الكل ينظر إليها بهذا الشكل.
ولكن ما أيقنه أنه جلب لنفسه الهلاك.
أراد أن يخفها من أعين الجميع ويهرب بعيدًا ليبقيها في أحضانه.
ترى كيف سيكون منظر جسدها وهي بين يديه يفعل بها ما يتمنى ويشعر من أول يوم رآها به؟
أفق جاسر، تلك الأفكار المنحرفة لا تناسبك، هيا أفق.
وأخيرًا أفاق على صوت جده.
سليم: أولًا أنا برحب بيكم كلكم النهاردة وسعيد جدًا بقبولكم دعوتي للحفلة اللي عملتها على شرف حفيتي حور عبد الحميد الدمنهوري.
قالها وهو يمسك يديها بفخر شديد وأكمل بحبور:
سليم: أنا مبسوط جدًا إنها معايا بعد كل السنين.
طبعًا الكل كان بيسأل كانت فين، إجابتي على السؤال ده إن الجوهرة لازم نخبيها عشان نحافظ عليها، ودلوقتي جه الوقت اللي تتعرفوا عليها.
صفق الجميع بحرارة، وأخذ الجميع يسرح في جمالها الخلاب.
فمنهم من يريدها لابنه، ومنهم من يريدها لنفسه، ومنهم من يقسم أنها له ولن يستطيع أحد مشاركته فيها.
رحبت حور بكل الحاضرين بحفاوة، وتحدثت معهم باحترام لا يليق إلا بها كحورية عائلة الدمنهوري العريقة.
أخذت تبحث عنه، ولكنها لم تجد له أي أثر، حتى أنها وصلت إلى آخر ممر في القصر لا تستكشف عنه شيئًا.
بعد أن شهقت عاليًا عندما سحبها أحدهم إلى زاوية ضيقة في أحد الأركان.
أغمضت عينيها بخوف شديد.
"ششش، مش عايز صوت."
كان ذلك صوت كاتم صوته.
تعرفت عليه، نعم لقد تعرفت على هوية كاتم أنفاسها.
من أين؟ من رائحة عطره الفاخرة التي ليس لها مثيل.
حاولت التخلص من قبضته، لكنه كان ملتصقًا بجسدها.
جعلت سيل من الكهرباء يتدفق إلى جسدها.
جاسر: أنا هشيل إيدي، مش عايز صوت، فاهمة؟
هزت رأسها موافقة.
جاسر: تمام، قولي لي بقى كنتِ بتدوري عليّ ليه؟
قالها وابتسامة خبيثة تعلو محياه بعد أن أرخى قبضته من عليها، ولكن خصرها ما زال تحت احتلال كفه الكبيرة.
حور بتلعثم: أنا، أنا مكنتش بدور عليك.
جاسر بمقاطعة: كدابة.
اقترب منها حتى لفحت أنفاسه الساخنة وجهها بصورة مغرية وقال بهمس:
جاسر: هتقولي كنتِ بتدوري عليّ ليه، ولا أعرف بطريقتي؟
حور بتوتر: بصراحة أنا... أنا كنت عايزة أشكرك على... على فستانك.
جاسر باستمتاع من توترها وخجلها: ششش، مش فاهم حاجة، اهدي وفهميني إنتِ عايزة إيه؟
جمعت شتات نفسها وتحكمت بها من جديد.
حور: كنت عايزة أشكرك على الفستان والبنات بتوع البيوتي سنتر.
جاسر: على فكرة بقى، أنا عملت كده عشان جدي وشكلنا قدام الناس، ولا إنتِ إيه رأيك؟
حور: اممم، فعلًا.
هز رأسه باستفزاز شديد جعلها تتمنى أن تخنقه بكل قوتها.
حور: والله أنا أعرف ألبس كويس يعني مش محتاجة شفقة حضرتك.
جاسر: آه ما أنا عارف، بس أعمل إيه في قلبي الطيب ده.
حور: وجع في قلبك إن شاء الله.
جاسر: تو تو، مش عيب كده، ده حتى ابن عمك ولا إيه؟
حور: إنت مصدق نفسك إنت ولا حاجة بالنسبالي، لولا جدو مكنتش هصبح بوشك ده، بس كل يهون عشان خاطر جدو، لازم أعصر على نفسي لمونة عشان أعرف أشوفك بلا قرف.
جاسر بغضب مكتوم: تمام، بس ورحمة أمي لأخليكِ تندمي على كلامك ده.
ارتعدت من كلامه، ولكنها تشجعت وهمت بالابتعاد، ولكنها لم تجد طريقة.
حور بغضب: سبني.
جاسر: نعم؟
حور: بقولك سبني، وإلا والله لصوت وأفضحك.
أحكم قبضته على خصرها وقربها منه أكثر وقال:
جاسر: مش جاي لي مزاج إني أسيبك.
حور: كده؟
جاسر: آه كده.
حور وقد اظلمت عينيها ببريق خافت استغربه، وما هي إلا ثواني حتى سقط أرضًا من الألم وهو يصرخ.
جاسر بألم: آآآآه يا بنت!
حور بابتسامة خبيثة: خاف على مستقبلك، المرة الجاية لأنها هتكلفك غالي أوي يا يا ابن عمي.
جرت ناحية الدرج بسرعة وهي تبتسم بمرح شديد حتى اصطدمت بحازم في طريقها.
حازم بمرح: مالك يا موزة بتجري كده ليه؟
حور: لا مفيش، معلش مأخدتش بالي.
حازم: لا ولا يهمك، مشفتش جاسر؟
حور: هه، لا مشفتوش.
حازم: مش عارف راح فين، ناس كتير بتسأل عليه بس ملوش أثر.
حور: سيبك منه، تلاقيه هنا ولا هنا، تعالى نشرب حاجة.
حازم: أنا بقول ناكل أحسن، ولا إيه يا موزتي؟ بزمتك مش جوعتي؟
حور: يا لهوي، ده أنا بفرفر، يلا يا حزومي.
ذهبت حور معه لتناول الطعام في جو المرح السائد بينهم، وهي فرحة بالصداقة الجديدة التي تكونت بينها وبين حازم.
فهو حقًا يشبهها في كثير من التفاصيل، مثل مازن تمامًا.
حتى هو فقد اعتبرها أخته الصغيرة التي تشاركه مرحه وشغفه الذي لا ينتهي.
لملم شتات نفسه وقال بعصبية مفرطة:
جاسر: أنا تعمل فيا كده؟ أما أوريكِ يا حور، مبقاش أنا جاسر.
هرول سريعًا للبحث عنها بين الموجودين، حتى سمع نداء جده ليعرفه على أحد أكبر رجال الأعمال في البلد، تميم نصار.
ذهب وألقى السلام عليهم بأدب حسب ما يستوجب عليه كرجل أعمال، خاصة أن تميم نصار ليس كأي أحد من الرجال، إنه أيقونة نادرة الوجود، حيث أنه أثبت أنه الأفضل من بين الكل رغم سنوات عمره الأربعة والثلاثين.
سليم: إنت عارف يا تميم أنا بعزك قد إيه وبعتبرك زيي زي جاسر.
تميم: عارف يا سليم بيه، إنت فضلك لا يمكن أنساه.
سليم: بزعل منك كده، أنت والدك كان ابني وأنت كمان ابني.
جاسر: أنا كده أغار منك.
ضحك الرجلان بمرح وقال تميم:
تميم: إنت مش ناوي تتجوز بقى؟ إنت اتسرحت كتير على فكرة وأنا ساكت.
جاسر بهمس في أذن تميم: إنت ناوي تسيح ولا إيه؟ خد بالك سليم ما بيهزرش.
تميم بهمس مماثل: آه ما أنا برضو بقول كده، خف شوية، سها مسايبة حد غير وهي قايلة له على علاقتكم.
جاسر: بنت... أنا هعرف شغلي معاه.
تميم: يا ريت بسرعة عشان الموضوع ما يوصلش لسليم، وإلا ما عرفت هيعمل فيك إيه.
جاسر: متقلقش.
تميم: طب أنا ماشي بقى، عندي شغل مهم لازم بكرة أكون في إيطاليا.
جاسر بحدة: إنت لسه مخلصتش منهم؟
تميم: لازم أصفّي كل حاجة قبل ما أخلص منهم، يلا أسيبك بقى.
ودع تميم سليم وجاسر وذهب ليجد حلاً يجعله يفوز بقلب حبيبته ويتخلص من ماضي لا بد من التخلص منه.
توعد سرًا لتلك الجنية التي تحدته.
مهلاً، هل تخف تمازح ذلك الأبله حازم وتضحك له وتبتسم له كيف تشاء؟
لا والف لا، ابتسامتها من حقه هو فقط، لن يتنازل عن ذلك مهما يكن.
أسرع إليهم بأعين غامضة لا تبشر بالخير أبدًا.
رواية ضحية جاسر الفصل السابع 7 - بقلم نور
انطلق نحوهم بخطوات كالسهم، غاضب بشدة. لا يدري لماذا لا يستطيع تقبل أحد بجانبها غيره. لا يقوى على السيطرة على نفسه عندما يراها مع أحدهم. وصل إليهم وقال بعصبية مفرطة:
جاسر. أظن مفيش داعي للمسخرة دي قدام الناس كلها.
تفاجأ حازم برد فعل جاسر، مع أنها كانت متوقعة.
حور. إنت إيه دخلك أساسًا؟ قولتلك مية مرة ملكش دعوة بيا يا بن الدمنهوري.
حازم بهمس. خفي شوية يا حاجة، لا ياكلك.
حور بهمس. أسد، يلا في إيه؟ ما تجمد كده، إنت خايف منه ولا إيه؟
جاسر بحدة. أقسم بالله لكون أوريك مين هو ابن الدمنهوري.
وذهب بدون إضافة أي كلمة. استغرب كل من حور وحازم من طريقته الحادة.
فأدعت حور عدم المبالاة وأكملت مزاحها مع حازم.
أما بالنسبة لحازم، فكان يفكر في طريقة جاسر الغريبة، الذي بدأ يتصرف بها منذ قدوم حور للقص.
ووصل إلى استنتاج ربما يكون صحيح، وهو أن الغول يغار على فريسته.
انتبهت حور إلى شرود حازم المفاجئ، وقالت:
حور. إيه يا بني؟ رحت فين؟ أنا بقالي ساعة بكلمك.
حازم. هاا، لا أبدًا، كنت بفكر في حاجة كده.
حور بغمزة. يا راجل! عليا أنا.
حازم بمرح. أومال إنت فاكرة إيه؟
حور. بتحب مثلاً.
قهقه حازم بصوت مسموع وقال. أنا أحب؟ لا، فلّتت منك المرة دي.
حور. وماله، فيها إيه يعني لما تحب؟ مش إنت بني آدم زينا؟
حازم. أنا معنديش مشكلة مع الحب طبعًا، بس مش لما ألاقي اللي أحبها الأول، بعدين أحب.
حور. يا عم شاور بس، وإنت تلاقي.
حازم بمرح. وده بأمارة إيه إن شاء الله؟
حور. المصيبة إنك مش عارف قيمة نفسك.
حازم. نعم يا ختي؟
حور. أه والله، يعني شاب مزّ وزي القمر، طول بعرض وعضلات، ولا عينيك الرمادي دي؟ يا لهوي! بدوخ أنا، نفسي بخاف على نفسي من الفتنة منك. لولا إنك زي أخويا وصاحبي، مكنتش فلتت من إيدك.
حازم بصدمة. هارسوح! إنت بتعاكسيني؟
حور بفخر. أه، عندك مانع؟
حازم بمرح. لا طبعًا، على كده بقى لازم أتجوزك بسرعة.
حور. وده ليه بقى إن شاء الله؟
حازم. أومال أستنى لما تغتصبي، وتضيعي شرفي اللي قعدت طول الفترة أحافظ عليه عشان مراتى.
حور بضحكة عالية. إنت مش ممكن والله! أنا مستغربة بجد إنك صاحب دراكولا المرعب ده إزاي.
حازم بحزن مصطنع. أمر ربنا بقى، أقول إيه.
حور. ولازم نرضى بيه، ربنا يكون في عونك يا بني والله.
في غرفة جاسر، وقد نالت جزء كبير من غضبه.
جاسر. استعدي للجحيم اللي هتعيشي فيه يا بنت الدمنهوري، لأنك هتشوفي الوش اللي عمري ما أتمنى إن حد يشوفه.
وابتسم بخبث ثعلب ماكر يستعد للقضاء على فريسته.
دلفت إلى غرفتها بخطوات متعبة بعد انتهاء الحفلة، وهي تفكر في كلام جاسر وكيف أنه غريب الطباع، ويبدو أنه يعلن الحرب عليها. أما هي، فكانت تنظر للمرآة بتحدي، وقالت:
حور. يبقى يوريني هيعمل إيه؟ شكله ميعرفش كنت بطرد من المدرسة ليه؟
مع ضحكة شيطانية صدرت منها.
بدلت ملابسها ببجامة حريرية سوداء تعكس لون بشرتها الثلجية، واستعدت لنوم عميق.
في الصباح الباكر، قبل أن يستيقظ من في القصر، أخذت تمشي على أطراف أصابعها بحذر شديد خوفًا من إصدار أي صوت حتى تصل إلى هدفها.
بخطوات مترددة وبطيئة، وصلت أخيرًا إلى وكر الغول. حاولت فتح باب الغرفة بالتدريج حتى لا تصدر أي صوت ولو صغير. نجحت في فتحها، ودلفت بخطوات سلحفاء تتعلم المشي إلى الغرفة. وجدته نائم بعمق شديد. حمدت ربها بصوت هامس، وواصلت طريقها إلى غرفة الملابس الخاصة به. دخلت وأخذت تنظر بذهول لبذلاته ذات الماركات العالمية باهظة الثمن، وما أثار دهشتها طريقة الترتيب، والتي كانت حسب غمق الألوان، ناهيك عن الأدراج الخاصة بالجرافت وأزرار البدل الفضية المميزة. وهناك ما لفت نظرها أكثر، ذلك الدرج المليء بالعطور الفاخرة. أخذت عطرًا واستنشقت عبيره الجذاب. انتبهت لنفسها أخيرًا، وقالت:
حور. إيه ده كله؟ شكلي غلطت ودخلت المحل بتاعه بالغلط؟ محل إيه ده؟ مول كامل!
ضربت رأسها بخفة، وأردفت:
إيه اللي أنا بقوله ده، خليني أركز في الجاية عشانها.
خرجت عبوة صغيرة بها مسحوق أبيض رقيق، ورشته على بذلة كانت معلقة بطرف الخزانة، يبدو أنه جهزها لكي يخرج بها غدًا. وضعت المسحوق على معظم أطراف البدلة من الداخل، وقالت بابتسامة منتصرة:
حور. والله صعبان عليا، بس يلا، ربنا يقدرنا على فعل الخير.
تسحبت خارج الغرفة، وقبل أن تخرج، أرسلت له قبلة هوائية مرحة دلالة على الانتصار.
في صباح اليوم التالي، كانت الدادة انعام تجهز سفرة الإفطار مع الخدم. نزلت حور أولًا بابتسامة خبيثة لم تنتبه لها انعام، فقالت حور مرحبة بالجميع، ملقية عليهم تحية الصباح ببشاشة مطلقة.
حور. صباحكم فل وياسمين.
انعام. صباح الورد والياسمين يا ست البنات، تعالي اقعدي، خلاص الفطار جهز على ما سليم بيه ينزل هو وجاسر وحازم.
حور بفرح. هو حازم هنا؟
انعام. أه يا حبة عيني، كان معايا لحد ما اطمن إن كل حاجة تمام بعد الحفلة، والوقت اتأخر، فحلفت عليه أنا وسليم بيه عشان يبات هنا.
حور بهمس. حلو أوي كده، على الأقل مش هضحك لوحدي.
انعام. بتقولي حاجة يا بنتي؟
حور. لا يا داده، مفيش حاجة، أنا هقعد أستناهم عشان نفطر سوا.
انعام. حاضر يا حبيبتي، أنا هروح أصلي الضحى على ما ينزلوا.
حور بابتسامة. ماشي يا دادة، ربنا يتقبل.
انعام. آمين يا رب العالمين.
بعد قليل، نزل الجميع واجتمعوا على سفرة الإفطار. اقترب سليم من حور وقبلها على وجنتها بحب، وأردف قائلاً:
سليم. صباح الورد على عيون أحلى حفيدة في الدنيا.
حور. صباح العسل يا عسل إنت، أنا مش عارفة طلعت جدي ليه، مش لو كنت حد تاني كان زمانا متجوزين.
سليم بمرح. والله عندك، دا إحنا هنكون حلوين أوي مع بعض.
نزل حازم وهو يستمع لحديثهم المرح.
قفز حازم. أنا قولت عشق ممنوع، محدش صدقني، أنا كل مرة أظبطكم كده.
حور. ملكش دعوة بسلومتي، أنا هو كابلز مفيش زيه.
حازم. كابلز مرة واحدة؟ وبعدين ضيق عينه وقال: تعالي هنا، ده سلومتي أنا من قبل ما تيجي أصلًا، فاكر يا سلومة أيام الساحل الشمالي؟
سليم. هش، يخربيتك، إنت هتودينا في داهية. انعام ممكن تيجي في أي لحظة.
شهق حازم بصوت عالٍ وقال. يا مصيبتي! وانت مالك ومال انعام؟
سليم بارتباك. لا أبدًا، أنا بقول بلاش تعرف بس.
حازم بمكر. أه، قولتلي.
حور بغمزة لحازم. إيه ده؟ إنت كنتوا بتعكوا من ورا جاسر ولا إيه؟
حازم. إنت بتقولي فيها؟ دا إحنا كنا خاربينها.
وكنتوا خاربينها إزاي بقى يا زومة؟
التفت الجميع إلى مصدر الصوت، فوجدوه بكامل هيئته الطاغية ووسامته المهلكة التي تسرق قلوب العذروات.
حازم بتوتر. هااا، أنا كنت أقصد أيام الجامعة، يعني ما إنت عارفني.
جاسر بتهكم. إنت هتقولي؟
حازم. شوفت بقى، يلا اقعد، القعدة كانت ناقصاك والله.
جلس جاسر بهدوء مخيف، وهو يرفع عينيه يتأمل حركات حور المتوترة، ويتسائل عما يدور في عقلها جعلها تتوتر إلى هذا الحد.
تحدثت مع نفسها. هو ليه ما حصلش حاجة لغاية دلوقتي؟ أنا متأكدة إني حطيت الكمية الصح. يووه بقى، يعني مش هعرف أنتقم.
لاحظت حركات جاسر وضيق وجهه الذي احتقن باللون الأحمر. سرعان ما انفرجت أساريرها وابتسمت بمكر وهي تراقبه.
بدأ يحس بحكة رهيبة في ظهره وصدره، وبدأت عضلات جسمه بالتشنج، وتحول جسده إلى اللون الأحمر من شدة ضيقه. فلّتت من حور ضحكة صغيرة. عرف المغزى منها على الفور. نهض بصعوبة بالغة، واستأذن بصوت مبحوح مؤلم.
جاسر. عن إذنكم، طالع أعمل حاجة.
صعد بعدها سريعا إلى غرفته دون انتظار أي رد منهم. استغرب الكل من تصرفه وحالته تلك، ولكنهم يعرفون أن جاسر بطبعه غريب وتصرفاته غير مفهومة.
إلا تلك الفاتنة التي كانت تدري ما به وسبب قيامه المفاجئ من الطاولة وسط ذهول الآخرين.
دخل غرفته مسرعًا وأغلق الباب خلفه بعنف. خلع سترته ورماها أرضًا، تبعها قميصه الذي قُطعت معظم أزراره. هرول إلى المرحاض وأنزل جسده تحت المياه حتى يخفف حكة جسده المفرطة. ظل فترة طويلة تحت رحمة المياه الباردة. أحس بتحسن طفيف في أجزاء جسده. لف منشفته حول خصره الرياضي. خرج من المرحاض وتوجه إلى مرآة غرفته الضخمة. نظر إلى عضلات صدره التي تحولت إلى اللون الأحمر الملتهب من كثرة الحكة. برزت عروق رقبته وأصبحت واضحة من شدة الغضب، وأظلمت فيروزتاه، تحول لونها إلى الأزرق القاتم المختلط بالسواد الفحمي المخيف. وتوعد لها بكلمات قاتلة قائلاً:
جاسر. حفرتي قبرك بيدك.
كور قبضته وضرب بها مرآته حتى تهشمت وسقط زجاجها على الأرضية. جرح كف يده بفعل ضربته القوية. اتجه إلى أحد الأدراج لجلب علبة الإسعافات الأولية لتعقيم جرحه.
لفت انتباهه وهو يعيد العلبة مكانها، قرط ذهبي اللون ملقى على الأرضية.
التقطه بخفة وقبض على كفه عليه، وأصبحت نظراته لا تمد للخير بصلة.
في الأسفل، كانت حور تسأل نفسها كيف له أن يتحمل كل هذا المقدار من الألم؟ هي متأكدة أن الكمية التي وضعتها على ملابسه لن تجعله يصمد لوقت طويل. فقررت أن تفكر في خطة بديلة تساعدها على الانتقام.
ذهب كلا من جاسر وحازم إلى الشركة لمتابعة أعمالهم، أما سليم، فقرر اصطحاب انعام إلى النادي تحت رفضها التام، ولكنه أصر بحجة مساعدته إذا احتاج شيئًا أو حدث له مكروه يستطيع أن يكون أحدًا بجانبه، فاضطرت للموافقة.
أما عن بطلتنا، فاستأذنت من جدها لزيارة صديقتها وجيرانها بعد الجامعة، لذا سوف تتأخر قليلاً. فوافق الجد بكل سرور، فلا يريد حرمانها من أي شيء يسعدها.
ذهبت حور إلى الكلية، وفي قلبها مشاعر شوق شديد إلى أصدقائها وأضلاع مثلثها الناقص، فهي وحيدة من دونهم. بحثت عنهم حتى وجدتهم في كافتيريا الجامعة يتبادلون أطراف الحديث.
حور. أنا جيت.
مازن ونغم. أهلًا.
حور. بقى كده يعني؟ زعلانين؟
مازن. والله إنت أدرى.
حور برجاء. والنبي يا مازن، إنت عارف كويس إيه اللي حصل، والنبي يا ميزو، ما تزعل.
التفتت إلى نغم. أما إنت بقى، ف أنا عارفة هصالحك إزاي.
نغم بغرور. ولا تقدري، وما تحاوليش أبدًا.
حور بمكر. كده؟ وأنا اللي كنت فاكرة إني هتبسط معاكي وإحنا رايحين ناكل في ماك، أصل جايبين وجبة بيج بوكس جديدة، إيه ده؟ عسل! وسمعت إن الصوص بتاعها جاي مخصوص من إيطاليا، يلا، ملكيش في الطيب نصيب.
نغم بصوت حالم. والبطاطس كتيرة سايحة على طرف الطبق، صح؟
حور. أه، تخيلي، وكمان معاها بيبسي حجم كبير.
نغم بهيام. وأخبار المايونيز إيه؟ كتير برضه؟
حور. طبعًا، ده بالهبل، وأنا بقى هعزمك على اتنين مش واحدة، إيه رأيك؟
نغم. وحشتيني أوي يا حور.
وقفزت لاحضانها.
حور وهي تضمها. وإنت والله يا نغم، ما تزعليش، والنبي. أنا آسفة، لما أحكيلك هتعذريني والله.
نغم بمرح. لا، عندك أنا صالحتك، بس عشان هتعزميني، بس هرجع أزعل تاني عادي.
مازن وهو يقلب كفيه. عليه العوض ومنه العوض بقى، تبعيني عشان وجبة ماك؟ والله يتخاف منك. أنا مش هقولك على حاجة تاني، روحي يا شيخة، منك لله.
حور. ما خلاص بقى يا ميزو، قلبك أبيض.
مازن. لا، أنا بقى قلبي أسود، وما أسيبش حقي، وإجري قدامي إنت وهي على البيت، هنتفاهم هناك.
التفت إلى نغم المنكمشة في أحضان حور من نظرات مازن.
وانت حسابك معايا بعدين، أقسم بالله لنفخك.
صرخ بقوة. يلاااا!
انتفضت الفتاتان من الخوف وذهبتا معه للمنزل لتلقي العقاب.
وصل مازن إلى البيت ومعه حور ونغم، وكل واحدة خائفة.
ضحك بصوت عالٍ وقال باستفزاز. مليش فيه، اللي قولتو يتعمل، ويلا، وقتكم بدأ. وصرخ فيهم: يلاااا!
بدأت الفتيات بالعمل بين المطبخ وتنظيف جميع أركان الشقة، بما فيهم غرفة مازن التي كانت مقلب من الزبالة كما أطلقوا عليها. انتهت حور من عمل نصف الطعام، ونغم من النصف الآخر، وقاموا بترتيب سفرة الغداء وتحضيرها بعد الانتهاء من عملهم في التنظيف. بعد فترة، جلسوا على الأريكة أنفاسهم لاهثة، لا يقوون على الحراك، منهكين بشدة. قالت حور بانفاس متقطعة.
حور. منك لله يا مازن الكلب، أشوف فيك يوم.
نغم بصوت أشبه بالبكاء. الهي يدخل، يدخل الحمام ياخد دش يلاقي المية قاطعة، والصابون يلزق في عينه، ما يطلع، يجي يمشي يتزحلق على الأرض، يتكسر ظهره، ويجيله شلل خماسي.
وقف أمامهم واضعًا يديه في جيب بنطاله وقال ببرود. عايز أتغدى.
حور بتعب. ما تتطفح، هو في حيطك؟ الأكل قدامك.
مازن. تو تو، عايز حد يأكلني.
نغم بشراسة. لا كده كتير، إحنا سكتنا بس عشان غلطنا، إنما تسوق فيها، والله لأقتلك وأتاويك ولا حد يعرف لك طريق.
مازن برعب. إنتوا قلبتوا ريا وسكينة ولا إيه؟ خلاص، قلبكم أبيض، تعالوا في حضن بابي يلا.
انطلقتا نحوه كالأطفال وأحضنهما برفق.
مازن. ما خلاص بقى، أنا آسف، أنا كنت بعلمكم الأدب بس.
حور بدموع. أنا جسمي اتكسر يا مازن، حرام عليك.
نغم باكية. أنا مش قادرة أقف على رجلي يا مازن.
مازن. وأنا هموت من الجوع، أقسم بالله.
لكزته كل واحدة منهم على جانب من صدره بقوة، وقالوا بصوت واحد. إنت بتهزر.
مازن. والله ما بهزر، يلا وروني طبختوا إيه، وعلى فكرة في شوكولاتة في دولابي ليكم.
قفزت كل من حور ونغم ناحية غرفة مازن ليحظوا ببعض المرح والتسلية أخيرًا، بعد يوم شاق، بعد أن سمعوا صوت مازن وهو يقول. أنا عارف إني مربي هبل.
رواية ضحية جاسر الفصل الثامن 8 - بقلم نور
عادت حور إلى القصر بعد يوم شاق طويل. تدعو على مازن بالهلاك فقد كانت حقا متعبة لا تقوى على الحركة. تنهدت بتعب وهي تلقي بنفسها على فراشها الوثير. ما هي إلا ثوانٍ حتى أخذها سلطان النوم.
***
في شركة الدمنهوري.
يبدأ جاسر بالعمل بكل جهد على الصفقة الجديدة الذي يشاركه فيها صديقه السابق وعدوه في السوق رعد الشرقاوي. أرجع رأسه إلى الخلف وزفر بقوة دلالة على إنهاكه الشديد في العمل. سمع صوت طرقات ناعمة على باب مكتبه فعرف صاحبها.
دخلت سهى تتغنج في مشيها بدلال مغري، تمسك بيدها أحد الملفات التي طلبها جاسر. وضعت الأوراق بخفة وبدأت تحوم حول كرسيه الأسود الفخم. تلف يديها حول كتفيه برقة لتبدأ بعدها بعمل مساج خفيف لتحد من تعبه وإرهاقه. بات مستسلمًا لها ليغمض عينيه براحة دلالة على استمتاعه بما تفعل.
ابتسمت بعشق بالغ فهي تعشق جاسر بالرغم من جفائه معها في معظم الأوقات، ولكنها تعرف كيف تصل به إلى أقصى درجات النشوة والاستمتاع.
أدار كرسيه فجأة ليسحبها، فتقع على قدميه. شهقة قوية خرجت منها سرعان ما كتمها بفمه حين التقط شفتيها يقبلها بقوة. بادلته إياها على الفور، قبلة لا تمد للحب بصلة. شدد على خصرها يكاد يكسر عظامها. هي تعلم أن فترة وجودها بحياته مؤقتة وتنتظر اليوم الذي يخرجها منها، لكنها أرادت أن تستمتع بقربه ودفء أحضانه.
لا يدري من أين قفزت صورة حور إلى خياله. ابتعد عنها لاهثًا، يرجع رأسه إلى الوراء يلتقط أنفاسه المبعثرة. سرعان ما أبعدها عن حجره بنعومة خشنة قائلًا:
جاسر بحدة: اطلعي بره.
سهى بحزن: ليه بس أنا عملت إيه؟
جاسر: انت ما عملتيش حاجة، أنا اللي مضغوط شوية وعايز أبعد عن كل حاجة.
سهى وهي تقترب منه لتحضنه من الخلف: أنا هريحك من كل تعب، أنا بحبك يا جاسر.
جاسر بغضب: قولتلك ميت مرة، ده مش حب اللي بينا، عمره ما كان حب. انت أكتر واحدة عارفة إني أنا مش بتاع الكلام الفاضي ده، لأني مبصدقش إن في حاجة اسمها حب. إحنا مع بعض عشان مزاجنا وبس، وكل واحد عايز حاجة معينة من التاني وبيخدها، عشان كده بلاش الكلام الفارغ اللي شاغلة نفسك بيه ده. وأمسك ذراعها بقوة، وأنا بحذرك يا سهى، أوعي تفكري تلعبي معايا، عشان وقتها حتشوفي وش عمرك ما شفتيه.
بدأت الدموع تتساقط من زرقويتيها بشدة. ترك ذراعها بعنف. لملمت شتات نفسها وخرجت تندب حظها الذي أوقعها في عشق من لا يرحم.
زفر جاسر بضيق وجلس يفكر بما سيفعله بتلك الجنية صاحبة الأعْيُن الزيتونية. فما زالت لتلك الحكة آثارها على جسده. لولا أنه مر على إحدى الصيدليات لشراء الدواء المناسب لما استطاع مباشرة عمله. ظل يفكر ويفكر حتى أخرج من جيبه ذلك القرط الذهبي الخاص بها وأخذ يتأمله، والابتسامة عرفت طريقها إلى شفتيه، متعجبًا من نفسه ويتساءل: ترى ما سر تعلقه وتفكيره الدائم بها؟ تنهد بعمق والتقط جواله يهاتف أحداً.
***
في المساء.
عاد جاسر إلى القصر يتلفت يميناً ويساراً يبحث عن مشاغبته فلم يجدها. قابل أنعام في طريقه ليبتسم لها فتبادله البسمة بحنان أم لابنها.
جاسر: مساء الجمال على أحلى أنعام في الدنيا.
أنعام بضحك: يا بكاش، مجتش للغدا ليه النهاردة، مع إنّي منبهة عليك الصبح.
جاسر: معلش يا ست الكل، والله كنت شغال على الصفقة الجديدة والوقت سرقني فما قدرتش أجي. سماح المرة دي.
أنعام بحنان: ربنا يوفقك يا بني ويبعد عنك كل شر.
أمسك جاسر يديها وقام بتقبيلهما.
جاسر: أيوه بقى، عايز كل يوم دعوة زي دي.
أنعام وهي تمسد على شعره بحنان أم: بدعيلك يا بني على طول، يلا اطلع غير هدومك عشان نتعشى مع بعض.
جاسر: ماشي يا قمري، ربنا يخليكي ليا يا رب.
أنعام: ويخليك ليا يا حبيبي، وأفرح بيك قريب يا رب.
جاسر: ما بلاش السيرة دي، انت عايزة تخلصي مني وخلاص.
أنعام: يا حبيبي أنا عايزة أفرح بيك وأشوف ولادك بينطوا حوليّ ويقولوا لي يا تيته.
جاسر بمرح: انت عايزة تكبري وخلاص.
أنعام: أنا عايزة أكبر، ملكش دعوة، اتجوز أنت بس وهات الولاد.
جاسر بوقاحة: إن كان على الولاد، أقدر أجيبهم ومن غير جواز كمان، انت تؤمر يا جميل.
وأنهى حديثه بغمزة ماكرة وخبيثة.
لكزته أنعام بقوة في كتفه وقالت بحدة: امشي من قدامي يا قليل الرباية، أنا أصلاً معرفتش أربي.
تعالت ضحكات جاسر المرحة وصعد إلى غرفته حتى يبدل ملابسه.
***
أما في غرفة حور فكان الوضع مختلف. كانت تتوسط فراشها وتضع سماعات الأذن الخاصة بها وتستمع إلى أغانيها المفضلة، التي كانت أغاني للمهرجانات الشعبية. انتفضت من الفراش بحماس عندما أتى مقطعها المفضل، تتراقص على أنغامه بمرح وخفة جعلت خصلات شعرها الطويلة تتهاوى على ظهرها بإغراء شديد. ظلت فترة ترقص وتتمايل ببراعة مغرية، غافلة عن ذلك الذي كان يراقبها بهدوء شديد، عكس النيران التي كانت تشتعل في جسده. أحس بارتفاع درجة حرارة جسده عندما رآها بتلك الهالة المثيرة. فقد كانت ترتدي منامة بيتية قصيرة باللون الوردي تصل إلى قبل ركبتها، تظهر ساقيها الناعمتين، عليها رسومات كرتونية لأميرات ديزني. أدرك في تلك اللحظة أنها لابد أن تكون له ولن تكون لأحد غيره. هي قادرة أن تجعل كل النساء أموات أمامها، لأنه لا يرى غيرها. وقرر في نفسه قرارًا عزم على تنفيذه قريبًا.
أفاقت حور من دوامة مرحها وأدركت أن باب غرفتها كان مفتوحًا بشكل ملحوظ. قفزت تغلقه بسرعة ووضعت يدها على قلبها مردفة: يا نهار أسود، ليكون حد شافني كده! أنا الغباء ده، كان المفروض أتأكد إن الباب مقفول.
وقفت أمام المرآة تتطلع إلى مفاتنها بفخر، وتحرك يدها على جسدها ترسم معالمها لتتأكد من جمالها، فهي ممشوقة الجسد، نحيلة الخصر، ممتلئة في الأماكن المناسبة لأي أنثى. قالت بغرور أنثوي: طب والله أنا مزة.
لا تدري كيف خطر على بالها جاسر وبدأت خيالاتها بالانحراف تدريجياً عندما قفزت صورتها وهي بين أحضانه. انتبهت لنفسها أخيرًا وضربت جبينها قائلة:
حور: إيه اللي أنا بفكر فيه ده؟ انحرفت بدري يا حور.
سمعت طرقات على باب غرفتها فقالت: ادخلي يا منى.
دخلت منى ببشاشة وجه: بسم الله ما شاء الله، إيه الجمال ده يا حور.
حور: انتي اللي عيونك حلوة.
منى: دا انتي لو اتجوزتي مش بعيد تموتيه بجمالك ويفلسع منك بدري بدري.
قهقهت بصوت عالي مسموع وأردفت بمرح: والله انت عسل.
ضربت منى جبهتها وقالت: نسيت، كنت جاية ليه؟ ست أنعام بتقولك انزلي عشان العشا جاهز.
حور: حاضر، هلبس بسرعة وأجي.
منى: حاضر.
خرجت منى تتبعها أعين حور المبتسمة بفرح على تلك الصديقة المرحة التي عوضتها عن غياب نغم طول فترة جلستها في القصر. فمنى أكبر، فهي في الثانية والعشرين من عمرها، فتاة على قدر عالٍ من الجمال، تمتلك أعين عسلية وأهداب كثيفة وشفاه كرزية مع بشرة قمحية تناسب شعرها العسلي الطويل. فهي تعمل بدلاً من والدتها المريضة وهي طالبة بكلية الهندسة. تنهدت بقوة وهي تدعو حتى لا ترى ذلك المتعجرف على طاولة العشاء.
أبدلت ملابسها إلى فستان بنفسجي بسيط مع حجاب أبيض اللون وخرجت لتناول وجبة العشاء مع جدها. ترأس سليم مائدة الطعام وبجانبه حور وأنعام. أحست براحة كبيرة عند عدم وجود جاسر وابتسامة واسعة شقت ثغرها الوردي لتغيبه عن الطاولة. ما لبثت حتى اختفت ابتسامتها عندما وجدتـه ينزل من أعلى درجات السلم الرخامي، يرتدي بنطالاً من اللون الأسود مع قميص أبيض يبرز عضلات جسده القوية. إطلالة باهرة حقاً، هذا ما حدثت به عقلها السارح لرؤيته بتلك الهيئة. أفاقت سريعًا مدركة نفسها لتنظر إلى طعامها تدعي عدم الاهتمام.
لاحظ جاسر نظراتها الهائمة به وابتسم ابتسامة جانبية لم تلحظها. جلس جوار أنغام وألقى التحية على الجميع. بدأ الكل بتناول الطعام بهدوء وصمت مع نظرات جاسر التي لم تفارق حور أبدًا، والذي أدركها أنعام وسليم، الذي ابتسم بخبث وهو يفكر بأمر ما.
***
بعد فترة لا بأس بها صعد الكل إلى غرفته لينعم بنوم هادئ بعد يوم طويل.
دلفت حور إلى غرفتها وهي تتذكر نظرات جاسر لها التي أصابتها بالتوتر طوال جلستهم على العشاء. فكت حجابها وانسدل شعرها بانسابية على طول ظهرها. أرجعت بعض الخصلات المتمردة إلى خلف أذنها لتكتشف عدم وجود قرطها الذهبي. أخذت تبحث عنه بجنون لأنه ليس كأي قرط، بل إنه أغلى عندها من أي شيء آخر، فهو ملك لوالدتها الراحلة. توقفت فجأة وهي تتذكر يوم ذهابها لغرفة جاسر، كانت ترتديه وقتها، فلا بد أن يكون هناك. ولكن كيف تستطيع الدخول لغرفته والبحث عنه؟ وفي أي وقت في النهار تكون هي بكليتها، وعندما تعود يعود هو على الغداء، فلن تستطيع البحث وقتها لأنه موجود بالمنزل. أخذت تفكر حتى وجدتها، سوف تنتظر حتى ينام وتذهب إلى غرفته في منتصف الليل وتبحث. فما اكتشفته أن نومه عميق ولا يستيقظ بسهولة. عزمت على ذلك القرار منتظرة الوقت المناسب.
حور: أيوه، أكيد هناك، أنا متأكده. هروح أدور بسرعة وأرجع قبل ما يصحى.
***
في منتصف الليل تحديدا في تمام الساعة الثانية صباحًا.
تسللت حور بهدوء شديد من غرفتها متوجهة إلى غرفة جاسر، غير مبالية بما ترتديه من منامة قصيرة باللون الأسود اللامع ذات أكمام قصيرة تصل إلى قبل ركبتها. أخذت تلتفت يميناً ويساراً إلى الممر المؤدي لغرفته. فتحت الباب ببطء شديد حتى لا تصدر صوتًا ودخلت الغرفة. وجدتها مظلمة بعد الشيء، لا يضيئها سوى ضوء القمر الصادر عن الشرفة. اتجهت إلى غرفة الملابس لتبحث عن قرطها الذهبي. لم تجد أي أثر له بعد بحث طويل. تنهدت بتعب وقالت بهمس: يارب، أعمل إيه دلوقتي؟ مش موجود. ده بتاع ماما اللي بحبه. ساعدني ألاقيه. فالتمعت الدموع بعينيها. مسحت دموعها وعادت للبحث عن جديد.
فتح مصباح الغرفة فجأة مصاحبًا لصوته: بدوري على ده.
التفتت بذعر إلى مصدر الصوت. لم يكن غيره، معذبها جاسر. تجمدت مكانها لا تقوى على الحركة أبدًا، وشل لسانها فجأة. تتطلع إليها بسخرية مردفًا:
جاسر: مالك؟ القطة كلت لسانك؟
حور وما زالت على وضعها غير قادرة على فعل شيء. تتمنى لو كان ما تمر به حلمًا تفيق منه بعد قليل.
اقترب منها ببطء مخيف، وهي تلقائيًا ترجع إلى الخلف حتى اصطدم ظهرها بالحائط. وقف أمامها وحاوطها بكلتا يديه فلا مفر منه. أخذت تنظر إليه بخوف، ولكن تمالكت نفسها وحاولت أن تنطق، فقالت بارتباك شديد:
حور: أنا... أنا اااا...
جاسر: انت إيه؟ كملي، إيه اللي جابك أوضة واحد في الوقت ده؟ عارفة دي معناه إيه؟
حور بهمس: أنا آسفففة. ممكن تسبني أروح؟
جاسر بخبث: تو تو، أنا مش هسيبك غير ما تقولي كنت جاية عشان إيه.
حور بتوتر: ما... انت عارف.
جاسر وهو ممسك بالقرط: قصدك ده؟
حور: آه.
تطلع جاسر إلى هيئتها المتوترة والمثيرة، وجهها الذي اندفع به حمرة قانية محببة من فرط خجلها، أنفها المحمر وشفتيها الكرزية المنتفخة. يرى كيف سيكون مذاقها، توت بري أم فراولة شهية؟ لم يدري بنفسه إلا وهو يطبق بشفتيه على شفتيها، يقبلها برقة، يمتص من شهد كرزيتها الرائع. شدد على خصرها يضمها إليه حتى تأوهت بشدة. شعر بملوحة دموعها على شفتيه. ضربت صدره ضربات قوية حتى تبعده عنها، لكنه لم يبتعد ولم يبالي باعتراضها، بل نزل يطبع قبلات قوية على طول عنقها الأبيض المرمري الذي تلون بصك ملكيته عليها. نجحت في دفعه أخيرًا بعد دقائق لا تعلم عددها. لم تشعر بنفسها إلا وهي تهوي بيدها على وجهه بصفعة قوية، سُمع صداها في أرجاء الغرفة. لم تنتظر منه أي رد فعل وركضت إلى الخارج مسرعة.
أما عنه، فاصبحت فيروزتاه قاتمة شديدة السواد من كثرة الغضب، ليس من صفعتها، وإنما من نفسه، كيف سمح لنفسه أن يلوثها وهي بريئة تمامًا؟ ولكنـه اقتنع بأنها أحد ممتلكات الجاسر الثمينة، لا تحق لغيره. ابتسم وهو يمرر إبهامه على شفتيه ويتذكر طعم قبلتها الشهية. أخرج لسانه يبلل به شفتيه حتى يشعر بها مرة أخرى. تمدد على فراشه يتخيلها بجانبه حتى غفا سريعًا.
دلفت إلى غرفتها بدموع منهمرة كالشلال، تلعن نفسها على فعلتها. ندمت كثيرًا لذهابها إلى غرفته، لا بد أنه أصبحت رخيصة في نظره. تحسست شفتيها وتذكرت قبلته وأخذت تبكي كثيرًا. لقد سرق عذرية شفتيها التي كانت تحتفظ بها لزوجها في الحلال. إنه حقًا ماكر، كيف يسمح لنفسه بفعل ذلك معها؟ ارتمت على فراشها تبكي بعنف، تغسل ذنبها. استغفرت كثيرًا وصـلت ركعتين لله حتى يسامحها على خطئها، مع أنها تعلم أنه هو من أخطأ وليست هي. أخذت تدعو كثيرًا حتى نامت على سجادة الصلاة.
رواية ضحية جاسر الفصل التاسع 9 - بقلم نور
مر أسبوع بأكمله وحور تتجنب اللقاء بجاسر طوال الوقت، حتى أنها تأكل في غرفتها. أصبحت منطوية، لا تتحدث مع أحد إلا منى وإنعام، اللتين يحاولان بقدر الإمكان معرفة ما حدث لها يجعلها بتلك الحالة المزرية. ناهيك عن جدها القلق عليها معظم الوقت. تقضي معظم وقتها مع نغم ومازن، اللذين لاحظوا تغيرها الشديد، ودائماً ما تفسره لهم على أنه ضغط لقرب موعد امتحانات نهاية العام.
أما عن جاسر، فقد كان قلقاً عليها بشدة، يطوق لرؤيتها، اشتاق لها بشدة. حاول قدر الإمكان إبعاد تفكيره عنها وصب غضبه في العمل على الصفقة الجديدة.
يجلس جاسر مع حازم يراجعان ملفات عرضهم القائم على الصفقة.
حازم بارهاق: آه هموت، مش قادر، بقالي يومين ما نمتش.
جاسر: متنشف في إيه؟
حازم: والنبي اتلهي، انت نفسك مش قادر تقف على رجلك. مش عارف فيك إيه وانت مش راضي تقول. أكيد ده كله مش من الصفقة اللي أنا متأكد إننا هنكسبها.
جاسر بتهرب: كده كل حاجة جاهزة، مش فاضل غير الاجتماع مع العملاء.
حازم: اتهرب اتهرب، بس مصيري أعرف إيه اللي فيك.
جاسر بحدة: اخرس خالص واطلع عاين الموقع وابعتلي مدير الحسابات.
حازم: ماشي.
خرج حازم من المكتب، وكل ما يشغل تفكيره هو وضع جاسر. ما الذي قلب كيانه طوال هذا الأسبوع؟ تصرفاته أصبحت غريبة، سيئ المزاج دائماً، ليس كسابق عهده. وعزم على فعل شيء يعرف به ما حدث.
تجلس في غرفتها شاردة. منذ أسبوع مضى كانت تمرح وتلعب هنا وهناك وترقص على أنغام أغانيها المفضلة، لكنه دمر مرحها الدائم بفعله الشنيع كما أسمته. نزلت دموعها على خدها الناعم كالمطر. تريد أن تنسى ما حدث، لكنها لا تستطيع أبداً. تستغفر الله وتدعو أن يسامحها.
أفاقت من شرودها على صوت طرقات باب الغرفة. مسحت دموعها بسرعة وتصنعت البسمة عندما وجدت جدها يطل عليها بابتسامته الحنونة. جلس سليم بجانبها على الفراش وقال:
سليم: مالك يا قلب جدو؟ بقالك كم يوم مش عاجباني.
حور بابتسامة مصطنعة: مالي بس يا سلومتي؟ ما أنا بخير أهو، أنا بس تعبانة شوية من المذاكرة.
سليم: واللي تعبان من المذاكرة يفضل طول الوقت معزول عن الكل كده؟ شوفي أنا مش عارف فيكي إيه، بس أكيد من حقي أن احتفل بعيد ميلادك على طريقتي.
سرحت قليلاً. نعم، فإنها ستتم الواحد والعشرون بعد ثلاثة أيام من الآن، ولم تتذكر حتى عيد ميلادها بسبب ما حدث. حرك كفه على وجهها لتفيق من شرودها مردفاً:
سليم: ها، رحتي فين يا حبيبة جدو؟
حور: ها؟ لا أبداً، تصدق نسيت خالص. بس قولي انت عرفت منين يا نمس إن عيد ميلادي قرب؟
سليم: عيب عليكي، أنا سليم الدمنهوري، مش واخدة بالك ولا إيه؟
تستمر القصة أدناه.
حور بمرح: لا في دي عندك حق، وأنا أقدر أقول حاجة. بس إيه الخطة بقى؟
سليم: لا دي بقى مفاجأة.
حور بعبوس: يعني مش هتقول لي؟
سليم: لا مش هقول، وما تحاوليش تأثري عليا عشان أنا قلبي ضعيف.
حور: زمّت شفتيها بطفولية: يعني ما فيش فايدة خالص.
سليم: حرك رأسه موافقاً: خااالص. ويلا بقى عشان نتغدى مع بعض.
حاولت التحدث ولكنه قاطعها.
سليم: لا مش هقبل أي عذر، يلا أنا مستني تحت، متتأخريش.
تنهدت بقوة بعد خروجه، وعزمت على نسيان الأمر والعودة لحياتها المرحة مرة أخرى، متجنبة جاسر للأبد.
بدلت ملابسها ببنطال أسود واسع مع قميص أحمر ذو أكمام طويلة عليه رسمة قلب سوداء، وحجاب أسود اللون. رشّت عطرها المميز برائحة الياسمين وخرجت عازمة على تجاهل ذلك المغرور.
نزلت بشموخ عائدة إلى طريقتها المعتادة في التحية على الجميع بروح بشوشة ومرحة.
حور: مساء الورد.
إنعام بفرح: مساء الجمال على ست البنات كلهم، وأخيراً نزلتي.
حور بغرور مصطنع: أنا بس قولت أحرمكم من طلتي شوية، بس لما لقيتكم مش قادرين على بعدي قولت أعفو عنكم وأجي أتغدى معاكم، ما انت عارفة قلبي طيب.
قهقه جميع الخدم على مزحتها وروحها الجميلة كجمال وجهها المشرق.
سليم: طيب يا ستي اتكرمي واقعدي.
حور: حاضر يا سلومتي، انت تؤمر.
ضحكت أنغام على تلك المشاغبة التي اعتبرتها بمثابة ابنتها التي لم تنجبها.
دوى صوت خشن تعرفه جيداً وهو يلقي تحية المساء عليهما.
جاسر: مساء الخير.
إنعام: مساء النور يا حبيبي، تعال اتغدى معانا.
جاسر: لا معلش يا دادة، مش قادر، أنا هاخد شوية أوراق تخص الصفقة وراجع الشركة.
سليم بجدية: اقعد يا جاسر، انت بقالك كم يوم مش بتتغدى معانا وكل يوم ترجع متأخر. اتفضل اقعد من غير نقاش.
زفر بضيق وهو يجلس بجانب جده يتناول طعامه بصمت.
سليم: عايزك بالليل بعد ما ترجع، في موضوع مهم عايز أكلمك فيه.
جاسر: حاضر، هحاول أرجع بدري.
سليم: مفيش حاجة اسمها هحاول، أنا هستناك.
جاسر بضيق: حاضر.
كانت حور تتابع الحديث بصمت وهدوء، لم تنطق بكلمة واحدة. لم يحاول النظر إليها أبداً، وكما توقعت، لا يعتبرها شيئاً أبداً، مجرد فتاة رخيصة بنظره.
صعد جاسر لغرفته لجلب أوراق العمل، بينما حور ذهبت لتحادث نغم على الهاتف. كانت في الطريق لغرفتها عندما اصطدمت بجسد صلب، شارفت على الوقوع لولا تلك اليد القوية التي أحاطت خصرها تمنعها من السقوط. أغمضت عينيها بخوف شديد حتى تسللت رائحة عطره الفاخرة إلى أنفها تخبرها بهوية محاصرها. سمعت صوته الهامس قائلاً:
جاسر: افتحي.
بدأت بفتح عينيها ببطء ليضيع بغابات الزيتون خاصتها. يقسم أنه يستطيع أن يمضي حياته كلها في النظر إليها والغوص بها دون ملل. أدركت وضعهما، فابتعدت عنه بعنف وعيناها تشتعل غضباً.
حور بغضب: اوعى تفكر تلمسني، تيجي انت فاهم.
وضع يديه في جيب بنطاله وأردف ببرود: مش فاهم. وقولي لي بقى هتعملي إيه؟
حور: من ناحية هعمل، فـ أنا هعمل كتير. أبسط حاجة ممكن أقول لجدي على اللي انت عملته.
اقترب منها وقال بخبث: وأنا عملت إيه؟
قالت بارتباك: انت... انت قليل الأدب.
جاسر: ما أنا عارف، وضيفي عندك سافل ومش متربي. وقال بهمس بجانب أذنها: تحبي أثبتلك؟
قهقه بشدة وبمكر وأردف: وعلى إيه، ما انت مجربة.
حور: حقير.
وذهبت مسرعة إلى غرفتها تحت نظرات جاسر الخبيثة.
في المساء، عاد جاسر إلى القصر بعد إنهاء الصفقة التي كسبها بكل براعة بعد عدة مناوشات مع صديقه الأسبق وعدوه في عالم الأعمال. هو يعلم جيداً أهمية تلك الصفقة لرعد الشرقاوي. اظلمت فيروزتاه عندما تذكر ذلك الماضي الذي فرق بينه وبين رعد. فقد كان هو ورعد أكثر من إخوة مع ضلع مثلثهم الثالث حازم الشافعي. كان يستطيع وبكل بساطة جعل رعد يكسب الصفقة، ولكنه أصر على تعليمه درساً على عدم ثقته به في الماضي. فاق من ذكرياته على صوت الخادمة تخبره بضرورة ذهابه لسليم في المكتب.
جلس جاسر على مكتب جده يستمع لحديثه الذي أتى من أجله.
سليم: أنا كنت عايزك تنظم لي حفلة عيد ميلاد حور.
جاسر كان يعلم جيداً أن جنيته الصغيرة عيد مولدها اقترب، وكان ينتظر الوقت المناسب ليفجر مفاجأته التي حضرها في حفلة عيد ميلادها.
جاسر: آه طبعاً، أنا تحت أمرك. بس أنا كنت عايزك في موضوع.
سليم بحزم: لا، أجل موضوعك لبعدين، أنا عايزك في موضوع أهم.
جاسر باهتمام: اتفضل.
سليم: اسمعني يا جاسر...
نهض صباحاً بكل نشاط والبسمة لا تفارق شفتيه لقرب موعد تحقق هدفه المنتظر بشدة. ذهب إلى المرحاض لينعم بحمام يعيد حيوية جسده. بعد ربع ساعة خرج يلف منشفته حول جزئه السفلى، وبالأخرى ينشف خصلات شعره المبللة. ارتدى ملابسه المكونة من بدلة رمادية اللون تحتها قميص باللون الأبيض الناصع مع حذاء أسود أنيق لتكتمل طلته بعد أن نثر عطره المفضل ذو الرائحة النفاذة واتجه إلى شركته والبسمة تعلو شفتيه.
انتهت من ارتداء ملابسها المكونة من بنطال جينز واسع وقميص أزرق فاتح اللون مع حجاب أبيض اللون، وخرجت مسرعة إلى جامعتها، فاليوم الأول لامتحانات نهاية الفصل.
في الدمنهوري جروب.
وصل جاسر بهيئته الخاطفة للأنفاس، حيث كان جميع الفتيات بالشركة هائمات بمنظره المهلك شديد الوسامة. توجه إلى مكتبه، بعدها أمر سهى بالاتصال بحازم ليحضر سريعاً.
بعد قليل، فتح حازم الباب وقال بمرح:
حازم: قالولي إنك طلبتني، أكيد وحشتك.
جاسر: وحش لما يلهفك، اترزع عايزك.
حازم: احم، أنا شكلي بتتهزأ، مش كده؟
جاسر: وإيه الجديد؟ اتفضل.
حازم: أوبا، ده الموضوع كبير بقى، قول يا معلم سامعك.
جاسر: فاكر اللي حصل من تلات سنين معانا؟
حازم بحزن: وده موضوع يتنسى؟ بس إيه اللي فكرك بيه دلوقتي؟
جاسر بغموض: ناوي أكشف الورق كله قدام رعد.
حازم بخوف: لا يا جاسر، بلاش أرجوك، انت كده مش هتخلص من شره، هو لازم يعرف الحقيقة.
جاسر بصراخ: اوعى يا حازم، هو كده هيدمر.
حازم بغضب: وصداقتنا اللي اتدمرت دي ملهاش معنى؟ سنين عمرنا اللي كنا فيها مع بعض ضهرنا في ضهر بعض ملهاش قيمة عندك؟
جاسر بغضب مكتوم: كنت عايزني أعمل إيه يعني وأنا بشوفه بيدمر قدامي؟ كان لازم أعمل كده عشان أبعدها عنه.
حازم: تقوم تأذي نفسك؟ لا وياريته صدقك، دا كذبك وفضل يحاربك لغاية دلوقتي ومصر يخسرك كل حاجة. إحنا كنا أصحاب أه، بس مش هسمحلك تتأذى أكتر من كده. سامحني يا صاحبي، مش هقدر اسكت أكتر من كده.
جاسر بحدة: اوعى تعملها يا حازم، ساعتها هتخسرني للأبد.
حازم بحزن: اخسرك أحسن ما أخسر نفسي وأسكت عن الحقيقة. أنا ماشي، سلام.
قبل أن يذهب، أردف بمرح قائلاً: أنا متأكد مش هتقدر تستغنى عني.
فرّغ شحنة غضبه كاملة على مكتبه الفاخر بعد أن أزاح كل ما فيه بغضب وعيون مشتعلة.
ركب حازم سيارته مسرعاً متوجهاً إلى مجموعات شركات الشرقاوي للحديد الصلب، يفكر كيف كانت حياتهم منذ ثلاث سنوات مرحين، مشغابين، دائماً ما كان يطلق عليهم أيام الجامعة "مثلث برمودا" لغرابة ارتباطهم، لم يستطع أحد التفريق بينهم، ولا يسمحون لأي دخيل يمر بينهم، حتى أتت تلك اللعينة وحطمت مثلثهم. كان غارقاً في أفكاره لدرجة أنه لم ينتبه لتلك الشاحنة التي ظهرت أمامه. حاول تفاديها لكنه لم يستطع، فاصطدم بها وأحس بدوامة من الظلام تسحبه إليها.
رواية ضحية جاسر الفصل العاشر 10 - بقلم نور
كان يقود سيارته مسرعًا عندما أتاه اتصال هاتفي يخبره بتعرض صديقه لحادث خطير وهو الآن بين الحياة والموت.
أصبح لا يرى أمامه سوى صورة صديقه وأخيه المقرب، ولحظاتهم السعيدة ومرحه الدائم، ومشاجراتهم على أتفه الأسباب.
لا يدري كيف وصل إلى المشفى بتلك السرعة، يركض بين الممرات بدموع مغشية للوصول إلى غرفة العمليات التي يقطن بها صديقه.
خرج الطبيب أخيرًا بعد ساعتين من الانتظار، يتنهد بتعب. ركض إليه بلهفة يسأله:
جاسر: طمني يا دكتور، حازم حصله إيه؟
الطبيب: صاحبك اتكتب له عمر جديد يا جاسر بيه.
جاسر بتعب: الحمد لله، الحمد لله.
الطبيب: عملية. بس طبعًا الحادثة أثرت عليه جامد لأن فيه كسور كثيرة في جسمه، بس الحمد لله العمود الفقري ما اتضرش، وإلا كنا هنواجه مشكلة كبيرة. هو حاليًا في العناية المركزة، أول ما تعدي أربع وعشرين ساعة هقدر أطمن عليه أكتر وننقله لأوضة عادية. ربنا معاه.
جاسر بحزن: متشكر أوي يا دكتور.
الطبيب: على إيه، ده واجبي. اتفضل أنت ارتاح شوية لأن وقفتك هنا ملهاش لازمة.
وربت على كتفه قائلاً: ربنا يطمنك عليه.
جاسر: إن شاء الله.
أغمض عينيه براحة بعد أن اطمأن على صديقه، يشكر الله على نجاته ويدعو له بالشفاء العاجل. جلس بتعب على أحد المقاعد، أرجع رأسه إلى الوراء.
ما لبث حتى سمع رنين هاتفه يضيء باسم جده، ضغط زر الإجابة.
سليم: في إيه يا جاسر؟ جيت الشركة قالوا لي إنك طلعت بسرعة بتجري، إيه اللي حصل؟
جاسر: حازم عمل حادثة وأنا في المستشفى دلوقتي.
سليم بصدمة: إيه؟ طب هو في مستشفى؟
جاسر: مستشفى...
سليم: طب أنا جاي حالًا.
أغلق الهاتف وظل على حاله ينتظر جده حتى يأتي، يقف بجانبه في ذلك الموقف الذي لا يحسد عليه، فصديقه يصارع الموت.
وقف سليم من غرفة المكتب مسرعًا ينادي على السائق لكي يقله إلى المشفى.
سليم بصراخ: يا عاصم يا عاصم، إنت فين؟
كانت حور تنزل درجات السلم حين سمعت صراخ جدها، ففزعت تجري ترى ما يحدث.
حور: في إيه يا جدو؟ مالك؟
سليم بدموع: حازم يا بنتي عمل حادثة وهو بين الحياة والموت في المستشفى.
حور بفزع: إيه؟ طب هو كويس؟
سليم: مش عارف، أنا رايح دلوقتي أطمن عليه.
حور بدموع: طب خدني معاك والنبي.
سليم: طب يلا بسرعة.
خرجوا مسرعين بعد أن أتى السائق متجهين للمشفى، وطوال الطريق لا تكف عن البكاء وهي تحتضن جدها، تدعو الله أن لا يصيبه مكروه، فحازم مثل أخيها مازن تمامًا، يشاركها المرح بروحه الطيبة.
وصلوا أخيرًا وسألوا الاستقبال عن مكان وجوده ليطمئنوا عليه. تحركوا بسرعة بين الممرات حتى رأوا جاسر أمام غرفة العناية المركزة. سأله سليم بلهفة:
سليم: إيه اللي حصل يا جاسر؟ الدكتور قالك إيه؟
جاسر: خرج من أوضة العمليات والدكتور قال هيحدد حالته بعد ما يمر أربع وعشرين ساعة. ادعي له، الحادثة كانت جامدة أوي يا جدو.
احتضن سليم جاسر بقوة، يربت على ظهره بحنان ليخفف عنه.
سليم: إن شاء الله هيقوم بالسلامة. حازم قوي، أنا متأكد من كده.
جاسر: يا رب.
سليم: أنا هروح أطمن أنعام لأنها خرجت وزمنها رجعت وهتقلق لو ما لقتش حد في البيت.
أومأ برأسه موافقًا، بينما ذهب سليم لمهافتة أنعام.
سلط جاسر نظره على تلك الحورية التي تبكي وتشهق بنعومة بوجهها الأحمر الشهي، كم يتمنى أخذها بأحضانه ليخبئها عن أعين الجميع. غار كثيرًا عندما رأى مدى قلقها على حازم، لكنه كان يعلم أنه مثل أخيها، لأنه سمعها مرة وهي تخبره أنها تعتبره شقيقها، ربما هذا ما شفع لها عنده.
أما عنها، فقد كانت مستغربة من انهياره أمام جده. علمت الآن كم يحب حازم ومدى خوفه عليه.
عاد سليم بعد قليل، فوجدهم يتبادلون النظرات الغريبة، فتنحنح حتى يلفت نظرهم.
سليم: روح أنت يا جاسر وخد حور معاك خليها ترتاح شوية، وارجعها بعدين. لأن زي ما فهمت من الدكتور مفيش لازمة للقعدة هنا. أنا بس اللي هفضل عشان لو حصل حاجة لا قدر الله. وبالمرة هات أنعام معاك لأنها قلقانة جدًا.
جاسر: حاضر يا جدي.
التفت إلى حور قائلًا: يلا عشان نمشي.
حور بدموع: لا، أنا عايزة أفضل هنا. لازم أطمن على حازم.
عض على أسنانه بقوة دلالة على انزعاجه الشديد منها، فلما كل هذا الاهتمام؟
سليم: لا يا حبيبتي، روحي أنت دلوقتي. مفيش داعي لقعدتك هنا. هو شوية وهيفوق وبعدين تيجي تتطمني عليه. يلا روحي مع جاسر، الله يرضى عليك.
حور وهي تضم جدها: ماشي يا جدو، خلي بالك من نفسك.
سليم: ماشي يا حبيبتي.
ركبت سيارته وهي تشعر بالنفور تجاهه، فلم تكن تريد أي احتكاك به، ولكن ما باليد حيلة فالظروف وضعتها في هذا الموقف. طوال الطريق وهي ساكنة شاردة، لا تتحدث أبدًا، لا تنظر له أبدًا. أما عنه، فكان يسترق بعض النظرات السريعة إليها، لا ينكر تعلقه بها، فقد اعترف بينه وبين نفسه أنها تهمه وأنها ملك الجاسر، وانتهى الأمر.
وصلوا إلى القصر فنزلت مسرعة تجري إلى غرفتها، لا تبغي أي كلمة معه. أخذت حمامها الدافئ وارتدت بيجامتها الحريرية، ومن ثم ذهبت إلى فراشها لترتاح قليلًا، داعية الله ليشفى حازم في أسرع وقت ممكن.
ذهب إلى غرفته، توضأ وصلى فرضه، وأخذ يدعو لصديقه بالشفاء. يعلم أنه مقصر في حق ربه، ولكن على يقين أيضًا أن ربه غفور رحيم. أخذ مصحفه وقرأ آيات من الذكر الحكيم، بعدها أحس براحة تجتاح صدره، فتوجه إلى فراشه ليرتاح قليلًا قبل أن يذهب ويطمئن على صديقه.