تحميل رواية «ضحية جاسر» PDF
بقلم نور
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
دلف إلى القصر بخطوات واثقة. تذكر عندما جاءه اتصال من جده سليم الدمنهوري، تلك الشخصية ذات النفوذ والصلابة الشديدة، ولكنه في نفس الوقت حنون القلب على عائلته ومن هم قريبين منه. قابلته الخادمة انعام، تلك السيدة ذات القلب الحنون والطيب. تولت رعايته وهو صغير وعاملته كابن لها. عندما رأته، تهللت أساريرها فقالت: "جاسر حبيبي، انت جيت؟" "داده انعام، اذيك؟ وحشتيني اوي." "لو كنت وحشاك مكنتش تغيب كل الفترة دي من غير ما تسأل عليا. هونت عليك يا جاسر؟" ابتسم بحزن وضمها إلى صدره. فتلك السيدة الحنون بمثابة والدته،...
رواية ضحية جاسر الفصل الحادي عشر 11 - بقلم نور
بعد عدة ساعات في المشفى، نقل حازم إلى غرفة عادية بعد أن اطمأن عليه الطبيب بأن جميع وظائف أعضائه الحيوية على ما يرام، غير بعض الكسور. علم جاسر أن حازم أفاق، فأسـرع إلى المستشفى مصطحبًا معه حور وانغام، التي كانت تبكي قلقًا على ولدها الآخر حازم.
في غرفة حازم بالمشفى
جاسر: حمدلله على السلامة يا حازم، قلقتني عليك يا صاحبي.
حازم: اااه يا جاسر، أنا وشي باظ، هقابل الموزز إزاي أنا.
نظر له بدهشة كبيرة، فصديقه حقًا أحمق، ما الذي يتفوه به.
جاسر: أنت مجنون؟ يلا أنت في إيه ولا في إيه.
اقتربت منه حور قائلة: متقلقش يا زوما، وشك قمر زي ما هو، الحمد لله محصلوش حاجة.
حازم بألم: اه يا حور، أنت بتقولي كده عشان تواسيني، عشان أنتِ أختي وصحبتي، قولي قولي متتكسفيش، أكيد عنيا الرمادي اللي بدوخ اتحولت أسود ومش هقدر ألاقي أي موزة بعد كده.
وأغمز لها.
كتمت ضحكتها بصعوبة لتحاول التخفيف عنه، فحقا هو ما زال وسيمًا ووجهه لم يتضرر غير بعض الجروح السطحية الخفيفة التي تذهب مع الوقت.
حور: والله ما بضحك عليك، عينيك لسه حلوة زي ما هي.
تحب تشوفه؟
هز رأسه موافقًا، فاخرجت مرآة من حقيبتها لتريه وجهه.
شفت بقى؟ أنت لسه زي ما أنت موز.
حازم: روحي يا شيخة، الله يرزقك بواحد مز زي، ولا أنا متأكد منها.
انفجر سليم ضاحكًا على هذا الثنائي المرح، أما عن جاسر فكان يشتعل غضبًا.
لاحظه سليم المبتسم بخبث شديد.
سليم: حمد الله على السلامة يا زوما.
حازم: الله يسلمك يا سلومتي، إنما مجبتش معاك أي زيارة ليه؟ أنت حتى جاي تزور عيني.
سليم بمرح: خلاص يا عم، المرة الجاية.
حازم: تمام، وأنا مستني، لحسن أخوك هفتاااان.
ثم التفت إلى انغام التي كانت تبكي بصمت وهي تراقب ما يحدث، قائلاً: قربي يا موزتي، أنا كويس والله.
انغام ببكاء وهي تقترب منه وتضع رأسه على صدرها بحنان أموي: يا حبيبي يا ابني، حمد لله على سلامتك، كده تقلقني عليك، الله يسامحك.
حازم وهو يزيح دموعها: يا قلبي، أنا كويس الحمد لله، ده كل بفضل ربنا ودعواتك ليا، فرفشي بقى يا موزتي.
و حرك نظره اتجاه جاسر وقال: جاسر، طلعهم برة وهات الدكتور وتعالى.
جاسر بلهفة: أنت تعبان؟ حاسس بإيه؟
ابتسم حازم وهو يرى خوف وهلع صديقه عليه: لا مفيش حاجة، أنا بس عايز أسأله على حاجة.
خرج الجميع وأحضر جاسر الطبيب إلى غرفة حازم.
الطبيب: حمد الله على السلامة يا بطل.
حازم: الله يسلمك يا دكتور، كنت عايز أسألك على حاجة.
الطبيب: اتفضل.
حازم: أنا كنت عايز أطمن على مستقبلي، وهل الحادثة أثرت عليا ولا.
انصدم جاسر من حديثه وتوسعت عيناه بدهشة بسبب صديقه هذا الأحمق، عن ماذا يتحدث هذا الأبله.
الطبيب بعدم فهم: تقصد إيه؟ مش فاهم.
لولا كف جاسر التي وضعت على فمه، قفال له بصوت منخفض: اسكت، الله يخرب بيتك، هتفضحنا.
أزاح كفه بخفة وتابع قائلا: قصدي يعني، أقدر أتجوز ولا هظلم بنات الناس معايا.
نظر له الطبيب بدهشة، لم يصدق ما يتفوه به.
قفال: نعم.
حازم: إيه؟ مش من حقي؟
جاسر للطبيب: معلش يا دكتور، هو أساسًا مجنون، وأكيد الضربة أثرت عليه أكتر، فمتاخدش كلامه جد.
حازم: إيه ياعم، سيبه يجاوبني.
الطبيب وهو يكتم ضحكته: لا حضرتك، أنت كويس، مفيش أي حاجة، وزي الحصان كمان، تقدر تجوز إن شاء الله، بدل الوحدة أربعة.
حازم بفرح: روح يا شيخ، الله يعمر بيتك.
خرج الطبيب، وما إن وصل إلى مكتبه حتى انفجر ضاحكًا على هذا المرح، ودعا له بصلاح الحال.
عند جاسر وحازم
جاسر: أنت إيه اللي أنت قولته ده؟
حازم ببرود: بلاش أطمن يعني، والنبي بدل ما أنت واقف كده، روح اطلبلي أكل بدل أكل العيانين ده.
قذفه جاسر بالوسادة وقال بحنق: تافه.
حازم: أنا مش هرد عشان أنا واحد محترم مش زيك.
جاسر وهو يتجه ناحيته بغضب: أنت قصدك إيه يا عم؟
حازم بخوف: أنا لسه خارج من عملية، وعضم جسمي مش مستحمل، وغير كده، خد بالك إن أنا يتيم.
جاسر بسخرية: طب احترم نفسك يا يتيم، وخرج حتى لا يصاب بأزمة قلبية من تصرفاته الحمقاء.
في مجموعة شركات الشرقاوي، يجلس شاب في الثلاثين من عمره، مفتول العضلات، عينيه سوداء حادة كالصقر، شعره مصفف بطريقة عصرية رائعة، فهو حقًا آية من الوسامة المفرطة، يرتدي بدلة سوداء تبرز عضلاته الجذابة. دخل عليه أحدهم فالتفت إليه قائلاً:
رعد: إيه الأخبار؟
رد عليه ذلك المكلف بمراقبة جاسر: حضرتك، جاسر بيه دلوقتِ في المستشفى.
انتفض فزعًا: أنت بتقول إيه؟ إيه اللي حصل له؟
قاسم: لا يا فندم، مش هو، ده صاحبه، حازم الشافعي عمل حادثة، وهو معاه هنا.
شعر بنغزة كبيرة في قلبه، فمهما حدث بينهما، لا يستطيع أن لا يقلق عليه، فحازم صديق الماضي والأخ الذي كان له، ولكن اختار جاسر عندما حدث ذلك الخلاف لإيمانه بصدق جاسر.
كور قبضته وقال:
رعد: طب هو عامل إيه دلوقتي؟
قاسم: اللي عرفته إنه كان في العناية المركزة لأن حالته خطيرة، بس دلوقتي عدى مرحلة الخطر.
رعد بارتياح: الحمد لله.
استغرب قاسم من رئيسه، فكيف يريد الانتقام منهم، ومن جهة أخرى يفزع ويقلق إذا أصابهم مكروه.
رعد: طب روح أنت، وعايز الأخبار أول بأول، وعدي على الحسابات حقك.
قاسم: يدوم العز يا باشا، بعد إذنك.
جلس يفكر في الماضي الأليم الذي فرقهم وشتت صداقتهم، فاحمرت عيناه وقال بغضب أعمى: كل منك يا جاسر، لولاك مكنتش انحرمت منها، هفضل وراك لحد ما آخد حقها وأنتقم منك.
وأخرج صورة لفتاة جميلة لدرجة الهلاك، ضم الصورة إلى صدره وأنزل دمعة حارة من جفونه.
بعد مرور أسبوعين، تحسنت حالة حازم كثيرًا، وسمح له الطبيب بالخروج من المشفى. أصر سليم على مكوثه معهم في القصر حتى يتم الاعتناء به جيدًا وتشفى جروحه بالكامل، فوافق حازم لعدم قدرته على رفض طلبه الملّح.
بعدها بأيام، فك حازم جبس رجله وبقيت يده فقط التي تعاني من بعض التمزق. اتفق سليم مع جاسر على إقامة حفل عيد ميلاد حور بعد يومين، فقد تم تأجيله بسبب حادثة حازم.
كان حازم يساعد جاسر في التحضيرات للحفل، وتبقى تزيين القصر فقط، ولكن كان لابد من خروج حور من القصر لتتم المفاجأة، فلم يجدوا حلًا سوى إخبار منى لاصطحابها للتسوق. فاتفقوا مع منى على أن تخبر حور بضرورة ذهابهم للتسوق لشراء بعض الأغراض للمنزل، فوافقت حور على الفور لأنها تريد تغيير روتين يومها، وارتدت فستانًا من اللون الأصفر الفاتح مع حجاب أسود يبرز بياض بشرتها الثلجي.
بعد ذهاب حور، ابتدأ العمل في القصر على قدم وساق من جميع الخدم، وبعد ثلاث ساعات متواصلة من العمل الشاق، أصبح القصر جاهزًا لاحتضان حفل عيد ميلاد الحورية الفاتنة، فكانت الزينة تخطف القلوب من جمالها الخلاب وروعة ترتيبها. اتفق جاسر مع أكبر محل لصناعة الكعك والحلويات لإحضار كعكة عيد الميلاد الخاصة بجنيته الصغيرة، ولم ينسَ فريق التجميل الذي كان من أكبر صالات التجميل في مصر، وأخيرًا انتهى الجميع وبات كل شيء جاهزًا لاستقبال الأميرة حور.
دَلفت حور مع منى من باب القصر مبهورة من الزينة الخاطفة للنظر، حتى أنها حدثت منى قائلة: هو إحنا غلطنا في البيت ولا إيه؟
منى: مش عارفة، خلينا نخش نشوف إيه اللي بيحصل.
دلفوا إلى القصر بخطوات بطيئة، تقلب نظرها في أرجاء المنزل، لا تقوى على الكلام من فرط دهشتها. قابلت جدها الذي يبتسم بحنان بالغ.
حور: هو في إيه يا جدو؟ أنت ناوي تتجوز عليا ولا إيه؟
ضحك بشدة: أتجوز عليكي إيه يا لمظة؟ النهاردة عيد ميلادك يا حورية قلبي.
تلمعت الدموع بعينيها الزيتونية، فهو يلقبها مثل والدها الراحل.
حورية قلبه، قفزت في أحضانه تبكي بشدة.
حور: أنا بحبك أوي يا جدو، ربنا يخليك ليا.
سليم وهو يمسح دموعها: أميرتي، متعيطيش أبدًا، يلا اطلعِ فوق عشان تجهزي للحفلة.
حور بحماس: هوا يا جميل.
وهرولت إلى الأعلى تمسك بيد منى المبتسمة بشدة فرحة بشأن صديقتها.
في غرفة حور كانت تقف أمام مرآتها، بجانبها فريق التجميل الخاص بنورهان.
نورهان: كل مرة مبالغيش، كلام يوصف جمالك يا حور.
حور: أنتِ عيونك قمر يا نور، ربنا يخليكِ.
نورهان بعد أن انتهت من تجميل حور، نظرت لها بتقييم: بداية من وجهها ناصع البياض الذي خلطته بحمرة خفيفة بفضل أدواتها التجميلية، مع أهدابها الكثيفة التي زادت طولًا بالمسكارا، مع أحمر الشفاه باللون الكشميري الرائع الذي أبرز جمال كرزيتها المنتفخة، قالت بانبهار: كده خلصنا، بسم الله ما شاء الله، قمر.
حور بخجل: شكرًا، ده من ذوقك.
أشاحت بنظرها ناحية منى التي تتابعها بابتسامة صافية، وقالت:
نورهان: أنا عايزكِ تخلي صحبتي كمان قمر النهاردة.
نظرت لها منى بدهشة من طيبتها وروحها الجميلة، وقالت:
منى: لا يا حور، مفيش داعي والله.
حور بحزم: أنا خلاص قررت، يلا يا نور ابدأي شغلك.
بدأت نورهان بالعمل على تجميل منى باحترافية، بينما ذهبت حور لانتقاء فستان لها من بين ثيابها الفاخرة، فأخرجت ثوبًا باللون البيج الفاتح يضيق من ناحية الخصر وينزل باتساع من الأسفل مع حجابه الخاص به. نظرت لها منى بدموع، فتلك الحور تعتبرها كأختها التي لم تلدها أمها.
ارتدت منى الفستان فأصبحت آية من الجمال الفاتن، بينما ارتدت حور ثوبًا من اللون الكشميري اللامع مشغولًا بماسات فضية في منطقة الخصر ويتسع من الأسفل بروعة خلابة مع حجاب بنفس اللون. وأخيرًا أصبحت الفتاتان جاهزتين، فكانوا كتلة من الفتنة حقًا.
انتظر جاسر قدوم حوريته بفارغ الصبر، يريد أن يرى هيئتها التي سوف تهلكه لا محالة. ما لبث حتى رآها تنزل برفقة صديقتها منى، فكانت روعة من الجمال بثوبها الذي يناسب جسدها المرسوم باحترافية شديدة. لم يستطع أن يشيح نظره عنها حتى لكزه حازم الذي ابتسم بخبث، الذي علم أن الغول لابد وأن وقع في العشق.
حازم بمكر: في إيه مالك؟ مش قادر تشيل عينك منها ليه؟
جاسر بارتباك حاول إخفائه: هي مين؟
حازم بغمزة: أنت أدرى.
جاسر بحدة: شكل المستشفى وحشك يا حازم، تحب أحجزلك أوضة؟
حازم: لا وعلى إيه، الطيب أحسن.
اجتمع الكل حول حور المبتسمة بفرح، يهنئها الجميع بعيد ميلادها. نظرت لتلك الكعكة بانبهار شديد، فكانت بثلاثة أدوار بنكهة الشوكولاتة المفضلة لديها. اقترب منها جدها وقال:
سليم: ما ينفعش تقطعي الكيك من غيرهم، ولا إيه؟
نظرت له باستفهام، حتى رأت مازن ونغم يقفان من بعيد يلوحان لها بأيديهم، فانطلقت مسرعة تقفز في أحضان مازن.
حور: وحشتني أوي يا مازن.
مازن بحب: وأنتِ أكتر يا حورية قلبي.
نغم: وأنا ماليش حضن ولا إيه؟
فمد لها مازن يده ليحتضنهم معًا، فكان منظرهم حقًا رائع، غافلين عن ذلك الذي اشتعلت النيران بعينيه عندما رأى هذا الوضع، فغيره يضمها إليه وهي لا تمانع. نعم، أنه نفس الشخص الذي حملها وأدخلها سيارته عندما رآها أول مرة أمام بناية منزلها.
اقترب منه سليم وقال:
سليم: أخوها في الرضاعة.
التفت إليه بسرعة قائلاً: ما يهمنيش.
سليم بخبث: لا واضح.
لا يدري مقدار السعادة التي اجتاحت صدره، قلبه يرقص فرحًا بعد أن علم بهوية مازن، ولكن ما زال يغار عليها حتى من جده.
أخرجها مازن من أحضانه بحب أخوي وقال: كل سنة وأنتِ طيبة وعقبال مليون سنة يا قلبي.
وأخرج هدية مغلفة بأناقة وقدمها لها.
فرحت حور كثيرًا وقبلت خده وقالت: حبيبي، ربنا يخليك ليا يا رب.
والتفتت إلى نغم وضيق عينيها قائلة: وأنتِ يا سوسة، فين هديتي؟
نغم: لا، مهو أنا مشتركة مع مازن في الهدية.
حور: طول عمرك جلده.
نغم: والله خسارة فيكي الهدية.
وأخرجت علبة كبيرة من خلفها وأعطتها إياها.
حور وهي تضمها: قلبي، طول عمرك كريمة.
نظرت لها باشمئزاز قائلة: مصلحجية حقيرة.
وانفجرتا في الضحك.
قالت حور: تعالي بقى أما أعرفك على منى.
نادت على منى التي أتت سريعًا.
حور: منى دي نغم صحبتي، ونغم دي منى صحبتي وأختي برضو.
تعرفت الفتاتان على بعضهما، وكل واحدة أحست براحة ناحية الأخرى، وجلسوا للتحدث عن حياتهم.
بعد فترة، أحست نغم بالعطش، فذهبت لكي تجلب شيئًا لشربه. وفي طريقها، اصطدمت بأحدهم. رفعت رأسها بغضب قائلة: ما تفتح يا أعمى.
ما لبث حتى أصابها صدمة، ما إن تعرفت على هويته.
نغم: هو إيه ده؟
حازم: أنتِ؟
نغم: أنتِ جيتي لقضيتي؟
نظرت له بخوف، ولكن سرعان ما أخفته: اتكلم على قدك يا عم.
حازم: عمنا؟ إيه؟ بتكلمي سمكري؟
نغم: وماله السمكري؟ على الأقل أحسن من خلقتك.
حازم بغضب: ده أنت ليلتك سودة معايا، أوعى تكوني فاكرة اللي عملتيه فيا.
نغم: وأنا عملت إيه يعني؟ أنا خدت حقي منك.
حازم: جه كسر حقك؟ أنا هوريك.
هم بالاقتراب منها، لكنها داست على قدمه وهرولت مسرعة، تركض من أمامه.
حازم بألم: يا بنت... أنا هوريكي.
هربت نغم سريعًا تجري حتى لا يلحقها، وضعت يدها على قلبها وقالت: طلع منين ده؟
وتذكرت ما حدث لها منذ ثلاثة أسابيع.
Flash back
كانت تسير في الطريق بعد أن خرجت من المتجر لشراء مستلزمات المنزل، بعد أن استأذنت من جدتها للخروج. حملت أغراضها في يد، وفي اليد الأخرى حلوى بنكهتها المفضلة، حتى كادت أن تصدمها سيارة لولا وقوف صاحبها في آخر لحظة. سقطت على الأرض وتشتت أغراضها، فقامت بعنف وغضب لترى من ذلك الذي تجرأ وفعل بها هذا.
نغم: إيه؟ مش شايف قدامك؟ كلبة ماشية!
خرج من السيارة مندفعًا بغضب: فوق ما أنتِ غلطانة كمان بتبجحي.
نغم: بقولك إيه، أنا مش ناقصالك، كفاية ضيعت لي الدماغ اللي كنت عاملها.
حازم بصدمة: نهارك أسود، أنتِ بتحشش؟
نغم: بحشش إيه يا عم، أنا بتكلم عن المصاصة بتاعتي.
وقف يطالعها بذهول، في هذه الطفلة بجسد أنثى، تصيبه بالجنون.
حازم: طب اخفي من قدامي حالا، بدل ما أوريكِ وشي التاني.
نغم: نعععم؟ لا وريني، هو أنا هخاف منك؟ مش كفاية كنت هضيع شبابي من شوية لولا ربنا ستر.
حازم: أقسم بالله لو ما مشيتِ، لأكون قاتلك، يلا.
قالها بصراخ، فانتفضت رعبًا، لكن سرعان ما أخفته، وقد لاحظت تجمع بعض المارة عليهم. قفزت بعقلها فكرة خبيثة فقالت ببكاء مصطنع:
نغم: الحقوووووني.
أحد الشباب: إيه يا أنسة؟
نغم: الراجل ده كان بيتحرش بيا وطلب مني أروح معاه شقته.
تابعها بعيون منصدمة، لا يقوى على الحديث من فرط دهشته، فتلك الطفلة سوف توقعه بمصيبة بعد قولها هذا.
التفت له الشباب بغضب حارق يمسكون به: أنت إزاي تعمل كده في بنات الناس؟
حازم: أنت فاهم غلط، دي كدابة.
نغم ببكاء: وكمان بتكدبني؟ الله يسامحك، أنت معندكش إخوات بنات؟
لكمه أحد الشباب بقوة آلمت فكه، فدافع عن نفسه وحدث بينهم مشاجرة قوية، ولكن بحكم قوة بنية حازم، تفاداهم بمهارة وركب سيارته مسرعًا يتوعد لها بشر إذا رآها مرة أخرى.
ابتسمت بخبث ورجعت إلى بيتها فرحة بانتقامها منه.
End flach back
فاقت من ذكرياتها على صوت حور وهي تناديها، فذهبت إليها مسرعة.
تابعه بأعين متوعدة لا تبشر بالخير أبدًا، وابتسم بخبث وهو يفكر بأمر ما.
خفتت الأضواء فجأة، وانتبه الجميع لسليم الدمنهوري وهو يصعد على المنصة استعدادًا لإلقاء كلمة.
سليم: طبعًا، أحب أقول كل سنة وأنتِ طيبة وعقبال مليون سنة يا أجمل حفيدة في الدنيا، وبشكركم لحضور المناسبة السعيدة دي، بس طبعًا فيه مناسبة تانية مهمة غير عيد الميلاد، وهي خطوبة وكتب كتاب حفيدتي حور عبد الحميد الدمنهوري لابن عمها جاسر الدمنهوري.
صمت رهيب عم على الجميع، وكأن على رؤوسهم الطير، ولكن الصدمة الكبرى كانت من نصيبها. هل قال إن جاسر سيصبح زوجها؟ لا لا، بتأكيد إنها مزحة أو حلم ستفيق منه قريبًا. هيا أفيقي بسرعة.
كان يبتسم بخبث وهو يرى انصدامها ودهشتها من فكرة زواجهم. فرجع بذاكرته إلى الوراء عندما استدعاه جده في المكتب للاتفاق على تفاصيل حفلة عيد ميلادها.
Flash back
جاسر باهتمام: إيه الموضوع يا جدي؟ قلقتني.
سليم: اسمعني كويس يا جاسر، أنت عارف إني أنا مهما عشت مش هعيش لكم العمر كله.
جاسر: بعد الشر عنك يا جدي، ما تقلش كده.
سليم: الموت علينا حق يا بني، وعشان كده أنا عايز أطلب منك طلب، ويا ريت تنفذه، ودي هتكون وصيتي ليك.
جاسر بحزن: ليه بتقول كده؟ أنا مقدرش أعيش من غيرك.
سليم: بص يا جاسر، أنت راجل تقدر تحمي نفسك كويس من بعدي، بس حور مفيش حد يحميها ويقف جنبها، فأنا عايز أطمن عليها قبل ما أموت، ولقيت أنسب حل عشان ده إنك تتجوزها.
نظر له في صدمة، هل ما يتمناه يحدث؟ هل سوف يمتلكها وتكتب على اسمه أخيرًا؟ هل يستطيع أخذها بأحضانه دون خوف؟ ولكن سرعان ما أخمدت فرحته لعلمه بأنها تكرهه ولا تطيقه.
جاسر: أنت بتقول إيه؟ أنا وهي مش بنطيق بعض، وهي أكيد مش هتوافق.
سليم: سيب موافقتها عليا، أنا دلوقتي عايز قرارك أنت، هتحمي بنت عمك من غدر الدنيا وتنفيذ وصيتي ولا لا؟
جاسر بعد أن حسم أمره: أنا موافق.
سليم: ده اللي كنت متوقعه منك، على العموم، أنا عايزك تقف جنبها لأنها أكيد مش هتقدر تتعامل مع ورثها، على الأقل في الفترة دي، ووقت ما تحس إنها بقت قوية، تقدر تطلقها وتعيش حياتك، وتسبها تعيش حياتها مع الإنسان اللي بتتمناه.
قال جملته الأخيرة بمكر شديد لأنه يعلم تأثيرها عليها.
اشتعلت عيناه غضبًا وصعدت حرارة جسده من شدة الغضب، ونظر إلى جده نظرة مرعبة.
جاسر: لو اتكتبت على اسمي، يبقى تنسى إن ليها راجل غيري لآخر عمرها.
سليم بخبث: يبقى اتفقنا، كتب كتابك عليها يوم عيد ميلادها.
خرج من غرفة جده وقلبه ينبض بعنف رهيب، ما كان يريده سوف يكون، وحوريته ستكون ملكه قريبًا.
End flach back
اتجه سليم إلى حور الواقفة دون حراك، كأنها شلت من شدة الصدمة، فاخذها من يدها ودخل بها غرفه مكتبه، ليترك الجميع في حالة ذهول تام.
رواية ضحية جاسر الفصل الثاني عشر 12 - بقلم نور
دخل سليم بصحبة حور إلى مكتبه الخاص وسط دهشة الجميع. كانت تتطالعه بأعين ضائعة لا تفهم ما يحدث. أجلسها بهدوء وقال:
"أنا عارف إنك مصدومة من اللي قولته بره، بس كل اللي أقدر أقوله لك إنك هتبقي بأمان مع جاسر، وهو اللي يقدر يحميكي."
"بعد الشر عنك يا جدو." قالت حور بتلقائية.
ابتسم برضا وضمها إليه قائلاً:
"اسمعيني يا حبيبتي، أنتِ بنت لوحدك ومش هتقدري تحمي نفسك كويس. والموت علينا حق، يعني أنا مش هعيش لك العمر كله. أنا عايز أطمن عليكي قبل ما أموت، وأنا واثق إن جاسر هو الشخص المناسب لكِ. وافقي عشان أبقى مرتاح."
"يا جدو ربنا يخليك ليا يارب وميحرمنيش منك، بس أنا وجاسر منفعتش لبعض. لهو طايقني ولا أنا هتقبله، يبقى إزاي عايزنا نتجوز؟ أبوس إيدك بلاش." قالت حور ببكاء.
"حور، أنا خلاص أخدت قراري وماقدرش بعد ما قولت كده قدام الناس أطلع صغير قدامهم. وأنا واثق إنك هتجي تشكريني بعد كده على اللي عملته."
"مظنش." قالت حور بسخرية مريرة.
"بس أنا متأكد من كده."
"انت كده بتحكم عليا بالموت."
"يااااه، لدرجادي جاسر وحش؟"
"أنا مقولتش كده، بس أنا مش بحبه ومش عايزاه."
"ايه اللي حصل منه خلاكي تكرهيه كده؟" سأل سليم بجدية.
شردت حور بما فعله عندما ذهبت لغرفته في تلك الليلة.
"هه، ما عملش حاجة، بس هو كده. أنا مش عايزة أتزوجه وخلاص." قالت حور بارتباك.
"أنا خلاص قررت، يلا عشان نطلع للناس." قال سليم بحزم.
نظرت له بحزن ولم تقو على الحديث، وسارت معه لمصيرها المجهول.
فتح باب المكتب والجميع في وضع متأهب لمعرفة ما يحدث. رفعت رأسها تواجه وجهه المبتسم بخبث، تتطالعه بأعين دامعة حزينة. أمسك سليم بكفها وأجلسها على أحد المقاعد، وجلس بعدها هو بطرف وجاسر بالطرف الآخر يتوسطهم المأذون. شاردة الذهن لم تفق إلا على الجملة الشهيرة: "بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير." فايقنت أنها أصبحت مدام جاسر عاصم الدمنهوري وانتهى الأمر.
فاقت على صوت التهاني والتبريكات الخاصة بهذه المناسبة. احتضنها كل من أنغام وسليم بفرح شديد، أما عن الباقي فكانوا تحت تأثير الصدمة، ابتداءً من حازم ومنى وانتهاءً بمازن ونغم. فكيف حدث هذا؟ كل شيء بات كأنه حلم صعب التصديق. وأخيراً اتجه حازم ناحية جاسر الذي يتلقى المباركات بفم مبتسم، واقترب منه جاذباً إياه.
"هو انت كتبت كتابك على حور ولا أنا بتهيألي؟"
نظر له بسخرية وأردف قائلاً:
"كل ده وبيتهيألك؟ لا يا خويا، حور بقت مدام حور جاسر الدمنهوري."
نظر له بدهشة وقال:
"طب إزاي؟ انت حتى مقولتليش."
"كنت عايز أعملها مفاجأة، وبعدين الموضوع مش زي ما انت فاهم." قال جاسر ببرود.
"طب فهمني."
"بعدين يا حازم، مش دلوقتي."
"على العموم ألف مبروك يا صاحبي، وأخيراً وقعت." واحتضنه بقوة.
بادله جاسر إياه بحب.
"الله يبارك يا صاحبي."
أما مازن فكان يعلم من حالة حور أنها لم تكن تعلم وليست موافقة على هذه الزيجة، فاتجه ناحيتها ليفهم ما يحدث. اقترب منها قائلاً:
"حور، أنا عارف إنك مجبورة على الجوازة دي. أنا هخلصك منه في أقرب وقت، يلا لمي هدومك عشان ترجعي معايا، يلا خلينا نمشي من هنا."
"عايز تاخد مراتي فين يا كابتن؟"
التفت الاثنان إلى مصدر الصوت، وما كان إلا ذلك جاسر الذي اقتحم حياتها من دون وجه حق.
"هاخد أختي يا با جاسر بيه، اللي من الواضح جداً إنها مش عيزاك." قال مازن ببرود.
اقترب جاسر من حور الواقفة بدون حراك، ووضع يده حول خصرها يقربها إليه.
"هو محدش قلك إنها بقت مراتي؟" قال جاسر بتحدي. "كان يشدد على كلمته، ومكان مكون موجود لازم تكون معايا." والتفت لها قائلاً: "مش كده يا حبيبتي؟"
نظرت له بحقد وتوعد كبير، ولم تدري بنفسها إلا وهي تقول:
"كده يا حبيبي."
نظر لمازن بانتصار وقال:
"شوفت؟ أهي قالتلك."
صدم مازن من رد حور، ولكن من حكم معرفته بها فهم ما يدور برأسه على الفور، فترجم تفكيرها وابتسم بخبث قائلاً:
"وأنا ميهمنيش غير ساعتك يا حبيبتي." ومد يده يصافح جاسر قائلاً: "مبروك يا جاسر بيه."
"الله يبارك فيك، عقبالك."
"إن شاء الله." ونظر إلى حور قائلاً: "مع السلامة يا حبيبتي، أنا هروح عشان الوقت اتأخر."
"سلم لي على بسمة." ضمتها بحب وهي تبكي. "مع السلامة، هتوحشني أوي."
قبل رأسها بدوره وذهب مسرعاً قبل أن يفتك بذلك الجاسر الذي تسبب في دموعها.
جز على أسنانه بقوة وجذب ذراعها بقبضة آلمتها.
"أياك أشوفك بتحضني حد تاني، انت فاهمة؟"
"أوعى تلمسني وملكش دعوة بيا، واللي بتتكلم عنه ده يبقى أخويا وأنا عملت اللي أنا عايزه، انت ملكش حكم عليا." قالت حور بغضب وهي تنفض يدها منه بقوة.
"ده كان زمان، إنما دلوقتي انت مراتي ومن حقي عليكي إنك تسمعي الكلام، وإلا قسماً بالله هتشوفي اللي عمرك ما شفتيه، انت فاهمة؟"
"لا مش فاهمة، وأعلى ما في خيرك اركبه."
"يبقى انت اللي جبتيه لنفسك، والحساب يجمع يا قطة."
فرت من أمامه هاربة لا تريد أي حديث آخر معه، فقد عكر صفو حياتها بارتباطه بها، ولكنها عازمة على جعله يندم على كل خطأ اقترفه في حقها.
"لا يا نغم مش طيقاه، بكره أه يا وطية، والأقيكي بتجوزيه." أوقفتها نغم بصوت ماكر قائلة.
"أنا لسه بكره وعمري ما هحبه، أنا لولا جدي ما كنتش وافقت أبداً، أنا بكره." وبكت بانهيار.
أسرع إليها كلا من نغم ومنى يضمانها بقوة لتهدأ من نوبة بكائها القوية.
"خلاص يا حور، اللي حصل حصل، اتقبلي الموضوع. صدقيني جاسر كويس."
"انت متعرفيش حاجة، وهو عمره ما هيبقى كويس، ده وحش همجي."
"يا بنتي حاولي تقربي منه، مش يمكن يطلع كويس."
"بقولكم إيه، اتت واقفين معاه ليه؟ هو انت صحابي ولا صحابه؟"
"لا يا أختي، إحنا صحابك بس برضه عايزين مصلحتك، مش كده يا منى؟"
"أه طبعاً، انت بس حاولي وإن شاء الله هتجي وتقولي لنا أنا بحبه يا ناس."
"ده لما يشوف أفاه الأول، قال أحبه قال، دا هخليه يقول حقي برقبتي مبقاش أنا حور." وابتسمت بشر شديد.
نظرت الفتاتان لبعضهما بقلق واضح على صديقتهم، ودعوا لها بالصلاح والحياة الهادئة.
بعد فترة لا بأس بها انتهى الحفل وانطلق الجميع إلى بيته، وبعدها ذهب كل من سليم وأنعام إلى عزبة المنصورة لوجود بعض المشاكل في المزارع الخاصة بعائلة الدمنهوري، لذلك كان لابد من الذهاب، ولكن حور لم تكن تعلم لأنها طلعت إلى غرفتها مباشرة، واعتقد الجميع أنها نائمة ولا فائدة من إزعاجها.
في الطريق إلى بيت منى كانت تمشي لإيجاد سيارة تقلها للبيت، ولكنها اكتشفت أن الوقت تأخر، فقررت الرجوع إلى القصر ومهاتفة والدتها لتخبرها أنها سوف تمكث الليلة في القصر لتأخر الوقت. وفي طريقها اعترض سيرها مجموعة من الشباب الذي بدا عليهم السكر ومناظرهم كانت لا تبشر بالخير أبداً. خافت كثيراً وهمت بالركض، ولكنهم حاصروها من كل الجوانب.
"إيه يا قمر، هو دخول الحمام زي خروجه؟"
"سيبي نفسك وانت هتتبسطي معانا على الآخر." وأقترب منها يمسك يدها بقوة.
صرخت بقوة وقاومته بشدة تحاول الابتعاد، ولكن كان أقوى منها.
كان عائداً من الاجتماعات الخاصة برجال الأعمال يمشي بسيارته في أحد الطرق المختصرة المهجورة، حين لمح بعض الشباب يحاولون الاعتداء على فتاة وهي تصرخ وتقاوم بشدة. نزل من سيارته بغضب نحوهم.
"سيبوني حرااام عليكم." قالت منى بصراخ، وأغمضت عينيها بشدة لتواجه مصيرها المجهول. حتى أحست أنهم ابتعدوا عنها، ففتحت عينيها ببطء لتراهم تحت قبضة رجل ضخم البنية، شاب وسيم في غاية الجمال. فاقت على صوته وهو يقول:
"انت كويسة يا آنسة؟" ومد يده ليرفع جسدها عن الأرض.
"الحمد لله، أنا كويسة، شكراً لأنك أنقذتني."
"دا واجبي يا آنسة، أي حد مكاني كان هيعمل كده. إنما انت اللي خلاكي تمشي في طريق مهجور زي ده، وخصوصاً في الوقت ده؟"
قصت له ما حدث عنها ببكاء شديد وشهقاتها تعلو بشدة. شفق على حالها كثيراً وانتبه إلى جمالها ورقتها بوجهها الطفولي الأحمر، وخصلات شعرها العسلية المتمردة من تحت حجابها بفعل أولئك الحمقى، وشفتيها المكتنزة. تأملها برفق وهو يتخيل ما كان سيحدث لها لو لم يأتي لانقاذها. تنهد بعمق قائلاً:
"طب يلا اركبي عشان أوصلك، مش هينفع أسيبك هنا."
نظرت له برعب، وبدوره فهم خوفها فقال ضاحكاً:
"متخافيش، مش هدخلك العربية وأعمل فيك حاجات قليلة الأدب." وغمز لها بمرح.
احمر وجهها واشتعل خجلاً بسبب كلماته. فالتقط جاكيت بدلته الملقى على الأرض ولفه حول أكتافها حتى يداري تمزق أكمام فستانها. نظرت له بامتنان واتجهت معه نحو سيارته الفخمة بعد أن قامت بوصف مكان منزله.
بعد فترة أوصلها أمام بناية يبدو عليها البساطة. نزلت واتجهت نحوه قائلة:
"أنا مش عارفة أشكرك إزاي يا أستاذ."
"رعد، اسمي رعد. وبعدين قولتلك مفيش داعي للشكر، ويلا اطلعي بسرعة لأن زمان أهلك قلقانين عليكي."
"مع السلامة، تصبح على خير." بابتسامة.
أومأ برأسه وتابعها وهي تدلف إلى منزلها. تنهد بقوة قائلاً:
"وانت من أهلي." وابتسم راكباً سيارته متجهاً إلى قصره.
في قصر الدمنهوري.
كانت حور مستلقية في حوض الاستحمام المليء بالماء الدافئ ورغوة الصابون التي تغطي جسدها، باعثة رائحة اللافندر الممزوجة بعطر الياسمين التي تبعث الراحة إلى صدرها عند استنشاقها. تفكر بعمق في ذلك الجاسر وتتوعد له بالكثير.
أنهت حمامها ولفت جسدها بمنشفة وردية تداري مفاتنها. وخرجت إلى غرفة ملابسها لترتدي منامة منزلية قصيرة تصل إلى فخذها باللون الفيروزي الرائع. وذهبت متجهة إلى الفراش لتنعم بنوم دافئ حتى سمعت صوت باب غرفتها يفتح. التفتت لترى هوية الداخل، فتفاجأت بذلك الذي ينغص عليها حياتها يقف متكئاً على الباب يبتسم بخبث وهو يطالع صدمتها بوجوده.
"انت إيه اللي جابك هنا؟ انت إزاي أصلاً تخش أوضتي كده؟" قالت حور وهي تضع الغطاء على جسدها.
"لو انت متعرفيش، فانت دلوقتي مراتي، فاهمة يعني إيه؟"
"لا مش فاهمة، ولو سمحت اطلع بره."
"لا مش طالع، وريني هتعملي إيه." واقترب منها بمكر وأعين خبيثة.
"أقسم بالله لو قربت مني لصوت وألم عليك الناس وأقول لجدي."
ضحك بقوة.
"هو انت متعرفيش إن جدي ودادة أنعام سافروا المنصورة ومش هيرجعوا غير بعد يومين."
"هارررسوح؟ انت قصدك إن أنا وأنت لوحدنا في البيت؟" قالت حور بصدمة.
هز رأسه باستفزاز شديد جعلها تتمنى قتله وفصل رأسه عند جسده.
"وإيه يعني؟ أنا أعرف أحمي نفسي منك كويس." قالت حور بخوف حاولت مداراته.
"أه طبعاً، مهو واضح. بس انت مسألتش نفسك أنا جاي هنا ليه؟"
نظرت له باستفهام قائلة:
"لا."
اقترب منها ببطء وقال بهمس مخيف بجانب أذنها:
"جاي آخد حقي."
نظرت له برعب حقيقي، هل يتحدث عن حقوقه كزوج أم ماذا؟
"انت قصدك إيه؟ أنا لا يمكن اسمحلك تلمسني، نجوم السما أقربلك." قالت حور بتلعثم.
"ومين قالك إن جاي عشان كده؟ انت اللي دماغك شمال، أه وأنا اللي كنت فاكرك مؤدبة."
"أنااا... أنا مكنش قصدي حاجة، طب انت جاي؟"
"مقولتلك جاي آخد حقي بعد اللي عملتيه معايا."
"هو أنا عملتلك حاجة؟" قالت حور باندفاع.
"يعني انت متأكدة إنك معملتيش حاجة؟" رفع حاجبه بتسلية قائلاً بمكر.
"أه متأكدة."
"طب فكري تاني كده."
تذكرت ما فعلته تلك المرة عندما وضعت مسحوق الحكة بملابسه، فبدا عليها التوتر والارتباك.
"أيوه، أنا قصدي ده. فقولي بقى تحبي تتعاقبي إزاي؟"
زمّت شفتيها بطفولية بالغة، وبدأت الدموع تتجمع في مقلتيها قائلة:
"أنا آسفة، ما كنتش أقصد."
رق قلبه كثيراً عند رؤيتها بتلك الحالة وقال وهو يمسح دموعها:
"خلاص، متعيطيش، أنا مش هعملك حاجة."
"بجد يعني مش هتعاقبني؟" قالت حور بطفولية وهي تمسح خدها المحمر.
"أه بجد، بس بشرط."
"إيه هو؟"
"تخليني أنام جنبك النهاردة، أصل أنا بخاف أنام لوحدي وسليم مش موجود."
"لا والله."
"أه والله."
"طب لو ما وافقتش؟"
"تبقى انت اللي جبتيه لنفسك، وهعاقبك زي أي راجل بيعاقب مراته."
"ده اللي هو إزاي يعني؟"
"هحولك من آنسة لمدام، ومش بعيد متخرجيش من الأوضة غير وانت حامل في ابني، وأنا بصراحة أرجح إنك متوافقيش." وغمز لها بوقاحة.
شهقت بخجل واندفعت الدماء إلى وجهها وتحول للون الأحمر القاني وقالت:
"انت، انت قليل الأدب."
"طب ما أنا عارف، قولي حاجة جديدة، ها قولتي إيه؟"
تلعثمت قائلة:
"طب، طب نام على الكنبة."
"أنا قولت جنبك يعني على السرير."
"خلاص ماشي، بس أوعى تيجي جنبي."
"موعتكيش."
"افندم."
"خلاص، خلاص، أوعي كده خليني أنام."
أزاحت نفسها وفسحت له الجانب الآخر لينام عليه، وسحبت الغطاء عليها ولفت نفسها به جيداً. أما عنه فخلع قميصه وأصبح عاري الصدر. نظرت له بخوف وغضب قائلة:
"انت بتعمل إيه؟"
أجابها بعدم مبالاة:
"أنا بحب أنام كده، عندك مانع؟"
"أه طبعاً عندي، انت مش نايم في أوضتك؟"
"بس نايم في أوضة مراتي، ولا إيه؟"
تأففت بضيق وتمددت على الفراش تغمض عينيها بشدة. أضحكه منظرها الطفولي المحبب إلى قلبه، وصعد بجانبها يمدد جسده على الجهة المجاورة.
بعد وقت قصير سمع صوت انتظام أنفاسها وعلم أنها في نوم عميق. اقترب منها يمعن النظر في وجهها الملائكي، طالها بحب وهو يحفر ملامحها في قلبه. انتقل بصره إلى شفتيها الكرزيتين الحمراوين. أمال جسده يطبع قبلة رقيقة عليها، ولكن هذا لم يكن كافياً بالنسبة له، فاخذ شفتيها بين شفتيه يقبلها بعمق يشبع نفسه من قربها. أرغم نفسه على الابتعاد عنها أخيراً، يلتقط أنفاسه بعنف، ساحباً إياها ليضعها في صدره العاري، يحتضنها بقوة ليذهب بعدها في نوم عميق.
في منزل منى كانت ترمي في أحضان والدتها تقص لها ما حدث معها، تبكي بشدة وهي تربت على شعرها بحنان.
"خلاص يا بنتي، الحمد لله إن الشاب ده أنقذك، ربنا يباركله يارب."
"أنا كنت هضيع يا ماما لولا ستر ربنا."
"معلش، قومي انت ارتاحي شوية وأنا هروح أحضرلك العشا."
"لا، مليش نفس، أنا هدخل أنام."
"طيب يا حبيبتي."
ذهبت منى إلى غرفتها تحت نظرات والدتها الحزينة على حالها، تشكر الله على عدم إصابة ابنتها أي مكروه.
دخلت منى إلى غرفتها وارتمت على سريرها تبكي بشدة حتى هدأت. تحاملت على نفسها وذهبت إلى الحمام تأخذ راحتها من الماء الدافئ. خرجت بعدها وهي ترتدي بجامة باللون الأبيض وتطلق لشعرها العنان، تشكر الله على إنقاذها من براثن أولئك الذئاب. تنهدت براحة وهي تشيح بنظرها لترى الجاكت الخاص برعد، ذلك الشاب الوسيم التي لم تستطع صورته أن تفارقها خيالها منذ أن تركها. احتضنت الجاكت وابتسمت بحب قائلة:
"يا ترى هشوفك تاني؟" وأغمضت عينيها تنعم بنوم هادئ.
أشرقت قرص السماء في سماء القاهرة ليصل مع شروقها أنعام وسليم إلى القصر بعد أن تم حل المشكلة الخاصة بالمزرعة. فتحت الخادمة الباب لترحب بهما.
"حمد الله على السلامة يا سليم بيه."
"الله يسلمك يا عفاف. حور فين؟"
"لسه نايمة في أوضتها، لو تحب هروح أصحيها."
"لا خليكي انت، أنا هروح أصحيها بنفسي. روحي انت قولي لعاصم ياخد الحاجات اللي في العربية."
"حاضر."
التفت إلى أنعام ونظر لها بحب وقال:
"اطلعي انت يا أنعام ارتاحي، أكيد تعبانة من السفر، الطريق كان طويل."
أومأت برأسها بابتسامة وصعدت للأعلى، وتوجه هو إلى غرفة حور.
طرق الباب عدة مرات فلم يجد أي رد، ففتحه ببطء حتى وقعت عيناه على حور وجاسر النائمون في أحضان بعضهم البعض، فتوسعت عيناه بصدمة واتجه نحوهم بغضب.
رواية ضحية جاسر الفصل الثالث عشر 13 - بقلم نور
انتفض كلا من حور وجاسر إثر سماع صراخ سليم الغاضب.
فتح جاسر عينيه ليقابل وجه سليم المحتقن من شدة الغضب. أما حور فكانت في وضع الصدمة لأنها اكتشفت وجودها بأحضان جاسر تتوسد صدره العاري.
نظر جاسر إلى سليم قائلاً:
"انت مش كنت جاي بكرة؟"
سليم بغضب:
"هو ده اللي همك يا أستاذ إني أجي إمتى؟ طبعاً ما أنا قطعت عليك خلوتك بقى. دي الأمانة اللي أمنتُك عليها يا جاسر."
جاسر بغضب مكتوم:
"أنا معملتش حاجة. حفديتك زي ما هي، حتى اسألها."
سليم بحدة:
"يعني هي هتقول كده بكل بساطة؟ يا بجاحتك ياخويا."
جاسر باستفزاز:
"دي مراتي، يعني طبيعي يكون مكانها في حضني."
التفت سليم إلى حور المنكمشة تمسك بذراع جاسر بخوف وخجل شديد.
سليم بغضب:
"وانت يا هانم، إزاي تسمحي له يجي أوضتك؟ مش ده اللي كنت مش طايقة تتجوزيه؟"
حور بارتباك غير قادرة على تجميع كلماتها:
"والله يا جدو انت فاهم غلط، محصلش حاجة من دي. هو اللي جه أوضتي وقال إنه خايف ينام لوحده، وأنا خليته ينام معايا."
كتم سليم ضحكته وقال بحدة مصطنعة:
"وانت صدقتيه يا هبلة؟ بقى شحط زيه هيخاف ينام لوحده؟ ده يخوف بلد بحالها."
جاسر:
"اديك اطمنت، ممكن تتطلع عشان أغير هدومي."
سليم:
"انت تسكت خالص واستتر بسرعة وانزل المكتب عايزك. يلا."
قالها بصراخ وحدة وخرج صافعاً الباب ورائه بقوة.
أشاح بنظره ناحيتها يطالعها بخبث واضح مردفاً:
"مالك مكلبشة فيه زي اللي ماسك حرامي غسيل؟ على فكرة، جدي راح."
انتبهت إلى يدها التي تلتف حول ذراعه القوية وجذبتها على الفور تنظر له بغضب حارق قائلة:
"عاجبك كده؟ اهو افتكر إن حصل حاجة بيني وبينك. روح يا شيخ منك لله."
جاسر بمكر:
"حاجة زي إيه؟ أنا كل اللي فاكر إني نمتي في حضني."
حور بخجل وقد علا وجهها حمرة طفيفة:
"انت واحد سافل ومش متربي و..."
ما هي إلا ثواني حتى باتت أسفله يحيطها بذراعيه من كل جانب، يغطي جسدها الطري بجسده، ينظر لها بعمق قائلاً:
"وبعدين بقى في طولة اللسان دي."
حور بخجل من وضعهم وهي تتحرك تحته حتى تفلت من براثنه:
"سبني."
لم تكن تعلم أن حركتها أسفله أثارته بشدة، جعلته لا يستطيع التحكم في نفسه. يمرر فيروزتاه على ملامح وجهها المغري المختلط بحمرة الخجل القانية، عينيها الزيتونية اللامعة، شفتيها الحمراء المنتفخة التي تتحداه لتذوقها، ليلبي طلبها بكل سرور، هابطاً عليها يقبلها برقة ممزوجة بالقوة، يمتص رحيق شفتيها ليدخلها معه لعالم آخر. لم تستطع إلا مبادلته برقة وخجل شديدين، رافعة ذراعيها لتحاوط عنقه. أحست به يبتسم من بين قبلاته لها كأنه يقول: "أعلم بتأثيري عليكِ."
رفع نفسه من عليها عندما شعر بحاجتها للتنفس، ليستند برأسه على جبينها قائلاً بشغف هامس من بين أنفاسه الثائرة:
"إنتِ بتعملي فيا إيه؟ مش قادر أبعد عنك."
كانت مغمضة العينين لا تقوى على مواجهته بعد استسلامها لهجومه الضاري عليها. أحست بأنفاسه الساخنة تلفح صفحة وجهها ليقول ببحة رجولية مهلكة:
"فتحي يا حورية قلبي."
فرجت عن غاباتها الزيتونية اللامعة ببطء مثير لتضيع أمام عينيه الفيروزية الرائعة، تسحرها بلمعانها القاتم. قرأت رغبته بها في نظراته العاشقة. هل ما تراه في عينيه من حب وعشق جارف حقيقي، أم أنه مجرد وهم يذهب مع نسمات الرياح؟ فافت من شرودها لتحاول التملص من بين أحضانه حتى لا تضعف مرة أخرى وتضرب كل شيء بعرض الحائط وتستسلم لوسامته المهلكة. نعم، لقد أمعنت النظر به بسبب قربه، عينيه الزمردية، خصلات شعره المنثورة فوق جبينه من أثر النوم، شفتيه المرسومة بدقة رائعة، فكه العريض الذي تزينه تلك الذقن المنمقة بشكل ساحر... عضلات صدره العريضة، هل يقضي معظم وقته بالصالات الرياضية؟ بقيت تنظر له بهيام واضح جعله يبتسم برضا لأنه قادر على التأثير عليها.
قطع خلوتهم صوت طرقات الباب ليزفر بضيق مبتعداً عنها بمضض، تاركاً إياها تشتعل من الخجل. تحرك ليفتح باب الغرفة ليعلم هوية قاطع لحظاتهم السعيدة، ليجد منى تخفض نظرها بخجل من هيئته تلك، فقد كان عاري الصدر لا يرتدي سوى بنطال أسود قطني.
جاسر:
"في حاجة يا منى؟"
منى بخجل:
"اصل كنت جاية عايزة حور في حاجة."
جاسر بخبث:
"آه طبعاً، خشي. هي صاحية بس تعبانة شوية لأنها ما نامتش امبارح."
نظرت له بصدمة، إنه وقح وماكر بالفعل. ما الذي يقصده بقوله هذا؟ أفسحت له المجال ليذهب لغرفته، لتلتفت إلى حور الذي تخفض رأسها بخجل واضح. اقتربت منها منى لتردف بحدة:
"وحياة أمك..."
حور:
"والله فاهمة غلط، مش اللي في دماغك خالص."
منى:
"لأ يا شيخة، اومال اللي كان خارج من أوضتك عريان ده كان مين؟ خيال؟"
حور:
"بصي، أنا هحكيلك كل حاجة."
بدأت بقص ما حدث ولم تذكر قبلاتهم التي سلبت عقله.
منى:
"امممم، طب وهو بيقولي تعبانة وما نامتش من امبارح ليه؟ تعبانة من إيه يا حور؟"
حور:
"ها، ده كداب والله، بيقول كده عشان يغيظني مش أكتر."
منى:
"تمام، طب يلا غيري هدومك عشان خارجين مع نغم."
حور:
"هنروح فين؟"
منى:
"جدك قال نروح نشتري الحاجات الناقصة عشان الفرح."
حور بغضب:
"إزاي يعني يحددوا الفرح من غير ما حد يقولي؟ هو سلق بيض؟ مش كفاية حطوني قدام الأمر الواقع وجوزوني من غير ما أعرف؟"
منى:
"اتهدي بقى، هو في حد قالك إن الفرح بكرة؟ وبعدين أكيد طبعاً هيقولولك، أمال يعني هتروحي من ضمن المعازيم؟"
"تستمر القصة أدناه."
حور:
"مش بعيد جاسر يعمله."
منى:
"أنا مش شايفة مبرر لغضبك، يعني هو كده كده كان الفرح هيتعمل."
حور:
"معرفش، بس أنا مش عايزة الفرح ده يتم."
منى:
"ليه؟"
حور:
"كنت عايزة نطول في الفترة دي عشان أكره فيه ويطلقني، بس لو عملنا فرح، أكيد هبقى خلاص في بيته واحتمال كبير ميطلقنيش."
منى باندفاع:
"إنت مجنونة! انت خلاص بقيتي مراته مش خطبته عشان تخلعي وقت ما عايزة."
حور:
"ماشي يا جاسر، أما أوريك."
نظرت لها منى بحيرة مردفة:
"لا حول ولا قوة إلا بالله. اشحال ما كان نايم في أوضتك بالشورت."
نظرت لها بشر قائلة بحدة:
"منى..."
أشاحت الأخرى بيدها قائلة بعدم مبالاة:
"بلا منى بلا بتاع، وإنجزي يلا عشان نمشي."
حور بتأفف:
"حاضر، اسبقيني انت وأنا هاخد شور وأحصلكم."
منى:
"حاضر، بس متتأخريش عشان نعدي على نغم."
حور:
"ماشي."
خرجت منى وتركت حور سابحة في أفكارها شاردة بلحظاتها مع جاسر، فوضعت يدها على شفتيها تتحسسها برقة متذكرة قبلته لها. ابتسمت تلقائياً، إلا أنها عنفت نفسها وانتفضت من الفراش متجهة ناحية المرحاض.
في غرفة جاسر، انتهى من حمامه ولف خصره بمنشفة واتجه إلى غرفة ملابسه ليختار طقم مكون من بدلة رسمية سوداء أنيقة مع كرافت باللون الأحمر. صفف شعره بعناية، ناشراً عطره النفاذ لتكتمل إطلالته الساحرة. هم للخروج ولكن قاطعه رنين هاتفه، ومن الرقم علم أنها مكالمة عمل، فرفع الهاتف ليجيب ويرى ما حدث.
في الأسفل، نزلت حور مرتدية فستان من اللون الأسود اللامع يزينه حجاب أحمر اللون يحجب خصلاتها الفحمية، لتلقي التحية على أنعام الواقفة تنظم سفرة الإفطار.
حور:
"صباح الخير يا داده."
أنعام:
"يسعد صباحك يا ست البنات. تعالي افطري."
حور:
"مش هقدر والله يا داده، كده هنتأخر ورانا مشاوير كتير."
أنعام:
"طب حاجة خفيفة تسندي بيها نفسك."
حور:
"هنفطر في الطريق يا قمر."
والتفتت إلى منى قائلة:
"يلا يا منى."
أنعام:
"قولتي لجاسر إنك خارجة؟"
حور بغضب:
"وأنا أقوله ليه؟"
أنعام:
"يا بنتي، هو دلوقتي جوزك، يعني حقه إنك تعرفيه رايحة فين."
منى متدخلة:
"أيوه يا حور، داده أنعام معاها حق، روحي قوليله."
حور بعناد شديد:
"لأ مش هقوله، ويلا نمشي، ولا أروح لوحدي؟"
استسلمت منى لها وتدعو داخلها أن لا تواجه غضب جاسر إذا علم بخروجها دون أن تحدثه وتستأذن منه.
ركبت السيارة بجوارها منى القلقة وأمرت السائق بالانطلاق إلى بيت نغم أولاً، وعلى شفتيها ابتسامة واسعة تتخيل منظره الغاضب عندما يعلم بخروجها من دون علمه.
نزل إلى الأسفل ليجلس على طاولة الطعام ينتظرها حتى تأتي. حتى جاءت أنعام بصحبة سليم يجلسون بهدوء. قاطعهم بصوته بعد أن طال فترة انتظارها:
"حور فين؟"
أنعام بارتباك:
"هي خرجت."
بهت واقفا بغضب وقال بصراخ:
"نعم! خرجت إزاي من غير ما تقول؟"
أنعام:
"يا ابني اهدى بس، هي بس تلاقيها نسيت إنها تقولك."
جاسر:
"انت عارفة كويس أوي إنها ما نسيتش وعملت كده عشان قاصدة تدايقني."
والتفت لسليم الذي يتناول طعامه بهدوء كأن شيئاً لم يحدث:
"عاجبك اللي عملته حفيدتك ده؟"
سليم ببرود:
"والله أنا مليش دعوة، هي دلوقتي مراتك وانت احرار مع بعض، مش ده كان كلامك الصبح؟"
جاسر بغضب مكتوم:
"ماشي، بس متزعلش مني بعد كده، لأني هربيها لك من أول وجديد."
وانطلق بغضب نحو شركته تحت نظرات سليم الماكرة.
في مجموعة شركات الدمنهوري، كان يقف أمام نافذة مكتبه ينفث دخان سيجارته التي لا يلجأ إليها إلا عند التوتر والغضب، يتوعد لها بداخله بالكثير. قطع سيل أفكاره دخول حازم بهيئته المرحة كالعادة.
حازم:
"صباحو يا عريس."
جاسر:
"والنبي يا حازم أنا مش فايقلك، حل عني."
حازم:
"أوبا، ده الموضوع كبير بقى يا معلم، في إيه؟"
جاسر:
"معاك رقم حور."
نظر له بدهشة وقال:
"نعم؟"
جاسر بحدة:
"انت بتنح؟ بقولك معاك رقمها."
حازم:
"انت عايز تفهمني إنك... إنك مش معاك رقمها؟ هو أنت جوزها ولا أنا متهيألي؟"
جاسر:
"اخرس خالص واتصل بيها حالا، شوفها فين ومن غير ما تسأل ليه، وافتح الاسبيكر يلا."
أخذ هاتفه ليطلب رقمها وينتظر الرد تحت نظرات جاسر الغاضبة، حتى ردت بمرح واضح في صوتها.
حور:
"زوما حبيبي..."
اشتد غضبه وبرزت عروقه بقوة بعد أن سمع تنادي غيره بحبيبي.
حازم بخوف من هيئته:
"إزيك يا حور؟ عاملة إيه؟"
حور:
"كويسة الحمد لله، وحشتيني جداً، بقالك..."
قطع كلامها عندما جذب الهاتف من يد حازم بقوة مردفاً بغضب حارق:
"إنت فين يا هانم؟ ده انت ليلتك سودة معايا."
ارتاعبت من صوته الغاضب فلملمت شتات نفسها وقالت بشجاعة مزيفة:
"وانت مالك؟ ملكش دعوة بيا."
جاسر:
"هما ربع ساعة وألاقيكي في الفيلا، ولو اتأخرت دقيقة واحدة همحيكي من على وش الأرض."
وأغلق في وجهها وألقى الهاتف بعنف على الأرضية ليتهشم لقطع صغيرة.
طالع حازم بحسرة على هاتفه قائلاً بندب ضاحك:
"يا خراب بيتك يا حازم، ده لسه جايبه امبارح، ده رابع تلفون تكسره. ليه منك لله يا شيخ، أشوف فيك يوم، حسبي الله ونعم الوكيل. كشفت راسي ودعيت عليك يا جاسر يا بن فريدة."
جاسر:
"انت هتعد تولول زي النسوان كده كتير؟ كل ده عشان تلفون؟"
حازم:
"تلفون يا ظالم؟ ده بسبع آلاف جنيه يا مفتري."
جاسر ببرود:
"وإيه يعني؟ فداني."
حازم:
"أنا مش عايز أعرفك تاني."
جاسر وهو يمسك أحد خديه:
"مش هتقدري تستغني عني يا بيضة."
حازم:
"عيبك إنك عارفني، حس كده بقى، اعزمني على الغدا عشان عايزك في موضوع مهم."
جاسر:
"ماشي، بس خليها بكرة إن شاء الله، لأني هروح دلوقتي وآخد جاكت بدلته."
وخرج يتوعد لتلك الجنية بأشد العقاب.
حازم:
"الله يرحمك يا حور، كنت طيبة يا أختي."
واتجه لمكتبه ليباشر أعماله العالقة.
رواية ضحية جاسر الفصل الرابع عشر 14 - بقلم نور
وقفت تتطالع الهاتف بصدمة، لقد أغلق في وجهها دون سماع ردها.
قالت منى التي استمعت إلى حديثهم:
"نهار أسود، قولتلك روحي كلميه بس انت اللي مسمعتيش الكلام، اشربي بقى، أهو هيتعمل منك بطاطس محمرة."
قالت حور بشجاعة عكس ما بداخلها:
"أنا مش خايفة منه."
قالت نغم:
"اه ما هو واضح، صغيرة على الموت يا لوزة."
قالت منى:
"اه والله، انت متعرفيش جاسر لما يغضب، ده مرة كسر دراع حازم عشان بس خسروا صفقة، كان جاي يهديه بعد ما بهدل الأوضة وكسرها، قام ضربه لما كسرله دراعه، شوف انت بقى هيعمل فيك إيه."
قالت نغم:
"دا أنا اللي مليش دعوة، خوفت من صوته، ما بالك انت اللي عصيته ومعملتيش حسابه."
قالت حور بغضب:
"انتوا بتخوفوني ليه، على فكرة مش هيقدر يعمل حاجة."
قالت منى:
"بقولك إيه، انتي النهاردة تباتي مع دادة أنعام أو تقفلي على نفسك الأوضة وتغفلي الشبابيك، وأنا هبقى أكلمك أطمن عليكي كل شوية."
قالت نغم:
"طب يلا نروح بسرعة، انتي مش قولتي إنه قال ربع ساعة وتكوني في البيت."
نظرت منى إلى ساعة يدها قائلة بفزع:
"يا لهوي، ده عدى عشر دقايق، يلا بسرعة."
انطلقوا مسرعين خائفين على صديقتهم من بطش جاسر.
وصلت إلى القصر بعد أن أوصلت منى ونغم، تتلفت حولها برعب لتركض إلى غرفتها حاملة أكياس تسوقها بسرعة البرق. دلفت وأغلقت الباب خلفها بالقفل لتتنهد براحة وتقفز بسعادة لهروبها قبل أن يراها. شرعت في فك حجابها لتنسدل خصلاتها الساحرة أسفل ظهرها، وجلست تنظر على مرآة تسريحتها لتتوسع عينيها بصدمة لرؤيته متكئاً على ذراعه يتوسط فراشها ينظر لها بابتسامة خبيثة ماكرة، لتلتفت مسرعة تشهق برعب.
قال جاسر:
"تو تو، أجلي خوفك ده لبعدين، اجمدي كده، ده إحنا ورانا شغل للصبح."
انتصبت واقفة تنظر له بخوف واضح على هيئتها الطفولية.
قالت حور:
"أنا... أنا..."
اقترب منها مستمتعاً بخوفها.
قال جاسر:
"إيه؟ واخذ يعد على أصابعه، خرجتي من أذني وتأخرتي ولا كأني حذرتك، وغير ده كله جاية تتسحبي على أوضتك عشان مشفكيش، تحبي أعمل فيكي إيه؟"
قالت حور بتلعثم:
"بص... أنا هفهمك والله."
قال جاسر بهدوء مخيف:
"وأنا سامعك."
قالت حور:
"أنا كنت عايزة أقولك بس أنا نسيت، وكمان مش معايا رقمك."
قال جاسر بصوت عالي مرعب:
"وانت مستنتيش ليه لحد ما أنزل وأكلميني؟"
قالت حور بخوف:
"أنا آسفة."
قال جاسر:
"أسفك مش مقبول، ودلوقتي جه وقت العقاب."
نظرت له برعب وهي تراه يخلع جاكت بدلته يلقيه أرضاً ويشمر ساعديه بغضب، حتى توسعت عينيها بخوف شديد عندما رأته يخلع حزام بنطاله ويلفه بشكل دائري على كفه العريض. باغتها بحركته عندما جذبها باليد الأخرى ليرفعها على كتفه، ليتجه ناحية الفراش يلقيها بعنف عليه، وبلمح البصر كانت على قدميه ترقد على بطنها. استوعبت ما يحدث عندما نزلت صفعة قوية على مؤخرتها من أثر حزامه الجلدي. أطلقت صرخة متألمة وهمت بالحديث لتنزل عدة صفعات أخرى جعلتها تشهق بقوة وتبكي ألماً، فقالت بين شهقاتها المتعالية:
قالت حور:
"أنا آسفة يا جاسر، سيبني، حرام عليك."
هدأ أخيراً بعد ما أفرغ غضبه بها، فأنزلها برفق من قدميه وضمها إلى صدره يمسح على شعرها بحنان قائلاً:
قال جاسر:
"ششش، خلاص، أنا آسف، بس انتي اللي استفزيتيني."
قالت حور ببكاء:
"بس انت ضربتني جامد ووجعتني."
قال جاسر:
"أنا آسف، خليني أشوف كده، وجعتك فينا؟"
ابتعدت عنه بخجل وقد تلون وجهها باحمرار نتيجة بكائها وخجلها، فقالت:
"اطلع بره."
قال جاسر وهو يزيل دموعها:
"طيب، بس مش هتسمحيني؟"
قالت حور:
"لا مش هسامحك، واتفضل اطلع بره."
قال جاسر ببرود:
"تمام، بس افتكري إنك انتي اللي غلطتي وده كان عقابي ليكي."
نهض خارجاً تاركاً إياها تبكي بقوة.
في المساء، نزل الجميع واجتمعوا على طاولة العشاء. كان يقلب نظره باتجاهها بين كل حين وآخر بتلك الهالة المثيرة التي أصبحت عليها، فلم يتوقع أبداً أنها تجلس أمامه من غير حجاب. تفحص جسدها المغطى بتلك المنامة المنزلية التي تصل إلى ركبتها، مطلقة لشعرها العنان ينسدل على ظهرها بحرية تسحره.
جز على أسنانه بقوة، كيف تسمح لنفسها أن تنزل بهذه الطلة، وإن لم يكن هناك أحد غير جدها، فهو يغار عليها حتى من نسمات الهواء التي تلفح جسدها. أنهى طعامه ونهض وقسمات وجهه لا تدعو للخير بصلة. نظرت أنعام لحور التي تتابع جاسر بعينين متحدية، فأردفت قائلة:
قالت أنعام:
"كويس إنك ماخدة راحتك يا بنتي، مفيش حد غريب."
قالت حور:
"اه يا دادة، ما أنا سمعت كلامك ولقيته صح."
قالت أنعام:
"كده أحسن عشان تتعودي تقعدي براحتك قدام جاسر."
حمرت وجنتا حور ولعنت نفسها لسماعها لحديثها، فهي تعلم أن ذلك سوف يغضبه، فدعت ربها أن لا يفعل بها شيئاً، واتجهت إلى غرفتها بعد أن أنهت طعامها.
في الممر المؤدي لغرفتها، شعرت بيد تسحبها إلى أحد الزوايا، كاتمة أنفاسها بكفه الكبير.
قال جاسر بأعين غاضبة:
"إنتي إيه اللي نزلك كده؟"
قالت حور:
"اممممممم."
رفع جاسر كفه من فمها، وما زال ملمس شفتيها الناعمتين أسير يده، لتتحدث مردفة:
قالت حور:
"وفيها إيه يعني، مفيش حد غريب، مش انت جوزي؟"
رفع حاجبه يحاول استيعاب ما تقول، هل نعتته بزوجها أم أنه يتوهم.
قال جاسر:
"نعم، انتي قولتي إيه؟"
اقتربت منه لتهمس بجانب أذنه:
"قولت إنك جوزي."
امتدت يده لتحاوط خصرها النحيل ليجذبها ترتضم بصدره قائلاً:
"يا سلام."
قالت حور ببراءة:
"اه والله."
قال جاسر بتلاعب:
"يعني انتي بتعترفي إني جوزك؟"
لتهز رأسها موافقة، تردف بعدها بدلال مغرٍ:
"وأنا مراتك."
قال بنبرة مشكوك فيها:
"مش عارف ليه حاسس إن وراكي حاجة."
قالت حور بدلع:
"اخص عليك، تشك فيا يا جسورة؟"
قال جاسر:
"جسورة؟ انتي متأكدة إنك حور؟"
قالت حور:
"اه انا يا حبيبي."
قال جاسر:
"امممم، طب بصي بقى، لو طلع إن ده مقلب وانت مخططة لحاجة، أقسم بالله لخليك تشوفي النجوم في عز الظهر."
شدد على بقبضة آلمتها لتأن برقة ناعمة أثارت حواسه المشتعلة من جراء قربها.
أمسكت بتلابيب قميصه فجأة لتقربه إليها أكثر، ليعلو صوتها صارخاً بكلمة واحدة:
"الحقووووني!"
ليندهش من تصرفها ولم يقوى على الحراك، وما هي إلا ثوانٍ حتى جاء جدها وأنعام أثر سماع صراخها العالي، فجذب جاسر من عليها الذي موضعه يدل على تهجمه على حور ومحاولته الاعتداء عليها. فانتفض أثر صفعة جده القوية التي نزلت على صفحة وجهه، لينظر له بصدمة، لتشهق حور عالياً، فهي لم تتوقع أن يحدث ذلك.
فقال سليم بغضب عارم:
"انت بتعمل إيه يا حيوان؟ بقى عايز تعتدي عليها يا سافل؟"
جاسر، وما زال على وضعه، لم ينطق بأي حرف، ونظره مسلط على تلك الكاذبة التي تختبئ في أحضان أنعام تبكي بدموع مزيفة لتكتمل تمثيلتها الحمقاء.
قالت أنعام:
"بس يا حبيبي خلاص، بطلي عياط، محصلش حاجة."
قال سليم:
"بقى انت تعمل كده يا جاسر؟ ده اللي ربيتك عليه؟ يا خسارة."
قال جاسر بهدوء عكس ما بداخله من نيران:
"أنا آسف يا جدي، أوعدك مش هتتكرر تاني."
نظرت له بعدم تصديق، هل يعترف بجرم لم يقم به.
قال سليم:
"الاعتذار مش ليا،" والتفت إلى حور قائلاً: "معلش يا بنتي، أنا اللي معرفتش أربيكي."
قال جاسر:
"أنا آسف يا حور، يا ريت تسامحيني، مكنتش أقصد."
نظرت إليه تحاول أن تستشف معنى تلك النظرات التي تنطلق من عينيه كالسهام القاتلة.
قالت حور بتلعثم:
"محصلش حاجة." والتفتت إلى أنعام التي ترمقه بنظرات عتاب واضحة وقد تجمعت الدموع بعينيها.
قال جاسر:
"أنا آسف يا دادة، ياريت حضرتك تسامحيني، مكنتش في وعي، أنا آسف."
قالت أنعام:
"أنا مربيتكش على كده يا جاسر، بقى انت ابني اللي كنت بفتخر بيه دايماً وبقول مفيش حد زيه، ليه يا بني تعمل كده؟ حرام عليك، حتى لو كانت مراتك، فالكلام ده مش دلوقتي."
قال جاسر:
"أنا آسف." واختفى من أمامهم بلمح البصر.
استقل سيارته مسرعاً متجهاً إلى أحد الشقق السكنية في أحد البنايات الفاخرة. دلف ليقف يدق الجرس ليفتح الباب يظهر ورائه فاتنة بأعين زرقاء وشعر أشقر طويل تشق البسمة شفتيها الكرزية اللامعة، قالت بصوت ناعم:
قالت سهى:
"وحشتني."
ليدلف بعدها بخطوات غاضبة، يمسك بأحد الفازات المليئة بالزهور العطرة يلقيها بغضب فتتحول لقطع صغيرة مصدرة صوت مصاحب لصرختها، فاقتربت منه بحذر.
قالت سهى:
"في إيه يا جاسر؟ مالك؟"
التفت إليها بأعين فيروزية قاتمة من شدة الغضب، فارتعدت من منظره، فاخدت ترجع إلى الخلف، أما هو فاقترب منها جاذباً إياها بعنف لترتضم بصدره، هابطاً على شفتيها يقبلها بشراسة وعنف، ويديه تتجول على جسدها بقسوة، ليرفعها بين يديه يتجه بها إلى غرفة نومها ليصب غضبه عليها بأبشع الطرق.
أما هي، فكان وضعها مختلفاً، تجلس في غرفتها تضم ركبتيها على صدرها تبكي وتشهق بقوة، فحقا الذنب يأكلها وضميرها يؤنبها بشدة على ما اقترفته في حقه، لم تكن تقصد ذلك، أرادت فقط أن تعلمه درساً على ما فعله بها. أخذت قرارها بحسم وجلست على شرفتها تنتظره حتى تعتذر منه، لا تنكر أنها أصبحت تعشق وجوده بجانبها وقربه الذي يشعرها بالدفء، لا تعلم حقيقة ما تشعر به، ولكنها على يقين أنها باتت تتقبل وجوده في حياتها.
بعد عدة ساعات، استيقظت سهى وهي تشعر بآلام قوية تجتاح جسدها الصغير، تحاملت على نفسها وذهبت إلى المرحاض لتخفف المياه الدافئة ألمها. نظرت إلى المرآة بدموع متحجرة تتطالع تلك الكدمات الزرقاء والبقع الحمراء التي لونت جسدها، وهي تتذكر طريقته معها وعنفه البالغ، كأنها أخطأت في حقه. تحملته كثيراً لعشقها الجارف له، ولكن إلى هنا ويكفي، لن تحتمل أكثر. لفت جسدها بروب الاستحمام لتخرج عازمة على إنهاء الأمر.
أفرج عن فيروزتيه مستيقظاً ليجوب بنظره في أنحاء الغرفة ليكتشف أنها ليست حجرته، لتقفز في عقله أحداث الأمس، ليقوم يلف خصره بالشرشف الخاص بالفراش، ليسمع صوت باب المرحاض يفتح لتطل سهى منه بأعين دامعة منتفخة من كثرة البكاء، ففهم على الفور سبب بكائها، فاقترب منها قائلاً بأسف حقيقي:
قال جاسر:
"سهى، أنا أس..."
لتقاطعه قائلة بصوت خالي من الحياة:
"طلقني."
قال جاسر:
"أنا عارف إن أنا غلطان وانت استحملتي كتير، بس والله أنا آسف، ما كنتش أقصد."
صرخت قائلة:
"بقولك طلقني، كفاية أوي لحد كده، انت إيه لوح تلج ما بتحسش؟ أنا اديتك كل حاجة وما كنتش طالبة غير شوية احترام من غير حتى حب، بس لحد هنا؟ ولا إنك تفرغ غضبك فيا وتعاملني كأني حيوانة؟ لا لا يا جاسر بيه، انت هتطلقني و دلوقتي، لاني تعبت والله تعبت."
وأجهشت بالبكاء لتعلو شهقاتها.
أشفق عليها بشدة، نعم، أنه يعلم أنه ظلمها كثيراً وقابل حبها له بالجفاء ولم يبادلها مرة، فقرر تنفيذ طلبها.
قال جاسر:
"انت طالق."
قالت سهى بجمود:
"متشكرة جداً، وأوعدك إنك مش هتشوف وشي تاني أبداً."
قال جاسر:
"بس ده ما يمنعش إنك لسه مسؤولة مني، وأنا هكون معاكي لحد ما تشوفي عايزة تعملي إيه."
قالت سهى:
"أنا هسافر لأختي في لندن."
قال جاسر بجدية:
"خلاص، يبقى أنا اللي هخلص كل حاجة لحد ما أطمن إنك سافرتي."
قالت سهى:
"لا، متشكرة جداً لاهتمامك."
اشتقت لهجة السخرية التي كانت تتحدث بها، ولكنها تجاهلها ودلف إلى الحمام ليخرج بعد قليل مرتدياً حلته السوداء، ملتقطاً مفاتيح سيارته خارجاً من المنزل تاركاً إياها تبكي بقوة على فراقه.
أشرقت الشمس لتخترق أشعتها وجهها، لتفتح عينيها بكسل لتكتشف أنها قضت ليلتها في انتظاره داخل شرفة غرفتها. تجاهلت شعورها بألم جسدها نتيجة مكوثها على الكرسي الحديدي طوال الليل، وذهبت مسرعة عندما لمحت سيارته تدلف من مدخل القصر. كانت تركض حتى تستطيع اللحاق به قبل أن يدلف غرفته.
كان في الطريق لغرفته عندما سمع صوتها الناعم ينادي من خلفه.
قالت حور:
"جاسر."
التفت إليها ليرى هيئتها المغرية بذلك الرداء المنزلي القصير أسود اللون يظهر بياض بشرتها الثلجية، ولكن ما لفت نظره تلك الدموع التي تتساقط من خضروتيها اللامعة، ليراها تركض إليه لترتمي في أحضانه تشهق بنعومة، لينصدم من فعلتها، هل ما يراه صحيح؟ هي قابعة بين ذراعيه بملء إرادتها؟ لم يدري بنفسه إلا وهو يحاوطها بذراعيه يمسح على خصلاتها بحنان.
قالت حور بين شهقاتها:
"أنا آسفة والله يا جاسر، ما كانش قصدي، أنا بس كنت عايزة أردلك اللي عملته معايا الصبح، أنا آسفة والله، سامحني والنبي."
أخرجها من أحضانه برفق ناعم ومسح دموعها الثائرة بغزارة بطرف إبهامه.
قال جاسر:
"خلاص، أنا مش زعلان، كفاية إنك عرفتي غلطك."
قالت حور بتلعثم:
"ط... طب هي وجعتك؟"
عقد حاجبيه باستغراب:
"هي إيه؟"
قالت حور:
"الضربة اللي جدو ضربهالك."
ابتسم بمكر وتلاعب وأردف بحزن مصطنع:
"بصراحة، آآآه."
لتتعالى شهقاتها وتزداد قوة، ليردف:
"طب انت بتبكي ليه دلوقتي؟"
قالت حور ببكاء:
"عشان انت اتضربت بسببي وانت مالكش ذنب، وأنا مش عارفة أعمل إيه."
قال جاسر:
"أقولك تعملي إيه عشان متحسيش بالذنب؟"
قالت حور:
"آه."
فأشار إلى خده مكان الضربة لتقبله عليه. احمر خدها بشدة وأخذت تفرك على يدها دلالة على توترها.
قالت حور:
"طب مفيش حل تاني؟"
قال جاسر:
"للأسف لا."
قالت حور:
"طب غمض عينيك."
قال جاسر:
"ماشي، اهو." فأغمض عينيه لتقترب بشفتيها لتقبله عليه، ما إن لامست شفتياه وجنته حتى أحس بنار تشتعل بداخله، فادار وجهه لتتقابل الشفاه في قبلة شغوفة، كان هو المسيطر عليها، يضم خصرها عليه ليتعمق في قبلته يلتهم شفتيها بنهم شديد، لترتفع ذراعيها تحاوط عنقه تلقائياً تبادله بجهل وخجل. انحدرت قبلاته إلى طول عنقها الأبيض المرمري يطبع صك ملكيته عليه ليزينه ببقع حمراء قانية، وأخذت يديه مجراها تتحرك على جسدها بحرية.
أفاقوا أخيراً على صوت رنين هاتفه، فابتعد عنها لاهثاً، يمرر فيروزتيه على وجهها الذي أصبح أحمر اللون، شفتيها المتورمة من أثر قبلاته، عنقها الذي بات لوحة فنية بتلك البقع الداكنة، خصلاتها المبعثرة بسبب يده التي لم ترحمها.
كانت مغمضة العينين في عالم آخر أوصله إليها بقوة مشاعره وشغفه العارم، حتى همس بجانب أذنها مردفاً:
قال جاسر:
"انتي ملكي، ملك الجاسر يا حورية قلبي."
مهلاً، هل يعتبرها ملكية خاصة؟ نعم، لقد قال إنها ملكه. فتحت عينيها لتقابل فيروزتيه العاشقة، لتدفعه بعيداً تركض اتجاه غرفتها تحت نظراته الهائمة بها. كاد أن يذهب ورائها لولا رنين هاتفه الدائم، فهم ليجيب.
قال جاسر بحدة:
"أيوا يا زفت، عايز إيه؟"
قال حازم بضحكة مجلجلة:
"شكلك كنت بتعشي يا كبير، وأنا قطعت عليك."
قال جاسر:
"اخرس وقول عايز إيه بسرعة، أنا مش فاضيلك."
قال حازم:
"طب والله بتعشي، ومش بعيد تتمسك آداب."
قال جاسر:
"أقسم بالله يا حازم لو ما قلت عايز إيه، لكون مكسر عضمك."
قال حازم:
"لا وعلى إيه، الطيب أحسن، المهم تعالى الشركة حالاً، في مشكلة لازم نشوف حلها."
ضيق حاجبيه مردفاً:
"مشكلة إيه؟"
قال حازم:
"مش هينفع في التليفون، تعالى بسرعة."
قال جاسر:
"ماشي، جاي، سلام."
بدل ملابسه لحلة أنيقة كحلية اللون والتقط هاتفه ومفاتيح سيارته منطلقاً إلى شركته.
دخلت إلى غرفتها تضع يدها على قلبها، تلك العضلة التي لم تكف عن النبض، تتنفس لاهثة، تسأل نفسها ما الذي يحدث معها؟ تحسست شفتيها المتورمة التي تحمل أثر هجومه الضاري عليها، ابتسمت تلقائياً تهدئ نفسها، وسؤال واحد يتكرر في ذهنها، هل أصبحت أسيرة لعشق الجاسر؟
رواية ضحية جاسر الفصل الخامس عشر 15 - بقلم نور
في مجموعة شركات الدمنهوري، غرفة الاجتماعات.
كان موظفو الشركة ورؤساء الأقسام يقفون ينظرون إليه برعب شديد من هيئته الغاضبة، والعرق يتصبب على وجوههم. هب صارخاً فانتفض الجميع أثر صوته العالي.
"جاسر: يعني ورق مهم زي ده يختفي من مكتبي؟ دا أنا هوديكم في داهية!"
"جاسر: يا جاسر بيه، إحنا منعرفش الورق اختفى إزاي، لأن ما حدش بيدخل مكتبك وأنت بره."
كانت تلك كلمات فوزي، مدير الحسابات المالية في الشركة.
"جاسر بغضب: يعني الورق اختفى لوحده؟ أنت بتستهبل؟"
"تحدث ياسر، رئيس أحد الأقسام الإدارية: يا فندم، ما فيش غير حازم بيه هو اللي دخل مكتبك وأنت بره."
التفت حازم إليه وقال بحدة: "قصدك إيه يا ياسر؟ أنا اللي سرقت الورق؟"
لم يتحدث ياسر بكلمة. فنظر جاسر اتجاه حازم، نظرة اتهام واضحة، قائلاً: "كلامك معايا أنا يا حازم؟"
نظر له بدهشة: "يعني أنت مصدق إني أنا اللي سرقت ورق الصفقة؟"
"جاسر بجدية: بس ما فيش حد بيدخل مكتبي غيرك."
"حازم بغضب: أنت أكيد اتجننت، أنت إزاي تفكر إنّي ممكن أعمل كده؟"
"جاسر: أنا مفكرتش، أنا متأكد إنك أنت اللي عملت كده."
وباغته بلكمة قوية على فكه جعلت الدماء تنفر من فمه، فأمر الجميع بالخروج من الغرفة، تاركين وراءهم حازم ليتلقى عقاب الغول على خيانته.
بعد أن خرج الجميع، مد جاسر يده إلى حازم القابع على الأرض ليرفعه، ليبتسم بخبث قائلاً: "قوم، ولا عايز تضرب تاني؟"
انتفض حازم: "يخربيتك، إيدك بقت تقيلة أوي، أنا فكي باظ."
"جاسر: ابن الكلب فاكر إنه هيقدر يلعب معايا."
"حازم: أنا لما غمزتلي عرفت قصدك على طول، بس إيه رأيك في أدائي؟ بعرف أمثل صح؟"
"جاسر: أنا مش عارف أنا مصاحبك ليه."
"حازم بغمزة: عشان بتحبني يا جسورتي."
"جاسر باشمئزاز: جسورتي؟ عليك ألفاظ بنت..."
"حازم: يا عم سيبك مني، بس قولي أنت عرفت إزاي إن ياسر هو سرق الملف؟"
"جاسر بجدية: أنا من الأول ما كنتش مستريح له، وكنت باعت ناس تراقبوه، دا غير إني اكتشفت إنه اختلس 250 ألف جنيه من الشركة اللي كان شغال فيها قبل كده، وكان عليه قضايا غسيل أموال توديه ورا الشمس."
"حازم: يا بن التي... بقى كل ده يطلع منه، وعامل لي فيها راجل مستقيم وبتاع ربنا، وكل ما يشوفني يكلمني عن الصلاة والدين، لدرجة إني كل ما أقف قدامه أحس إني كافر."
"جاسر: أنا هعرف شغلي معاه، بس المهم دلوقتي أنت اختفي يومين كده عشان يطمئن إنه خلاص خططه ماشية، وأنا هتصرف."
"حازم: طب ما يمكن وراه حد؟"
"جاسر: فعلاً أنا فكرت كده، بس كل حاجة هعرفها في وقتها، وساعتها هخليه يتمنى الموت."
"حازم: طيب، أنا هكن يومين كده وهبقى أكلمك بليل."
"جاسر: تكن؟ أنا ليه حاسس إني بتكلم مع رد سجون؟"
"حازم: قلت لك مية مرة لو مش عاجبك طريقة كلامي، طلقني."
"جاسر بغمزة: وأنا قلت لك مية مرة مقدرش أستغنى عنك يا جميل يا طعم أنت."
"حازم بخجل مصطنع: بس بقى بتكسف."
"جاسر: ينعل أبو شكلك، غور من قدامي يلا."
"حازم: ماشي، سلام."
هم للذهاب إلى أن أوقفه صوت جاسر مردفاً: "حازم."
"حازم: نعم."
"جاسر: أنا آسف على البوكس."
تحسس فكه المتورم قائلاً: "يا راجل، قول كلام غير كده. جاسر بيعتذر؟ حس كده بقى، أسفك مش مقبول."
ليقترب جاسر منه بسرعة يحاول الإمساك به، إلا أنه هرب مسرعاً إلى الخارج، ليبتسم على صديقه المرح.
بعد مرور يومين من مراقبة جاسر لياسر، استدعاه إلى مكتبه لكشف الحقائق الخفية أخيراً. وصل ياسر، يطرق الباب، ليسمح له جاسر بالدخول.
"ياسر: دي الملفات اللي حضرتك طلبتها يا جاسر بيه."
"جاسر: حطها عندك وتعالى اقعد."
"ياسر بارتباك: فيه حاجة يا جاسر بيه؟"
"جاسر، وهو يدور بكرسي مكتبه الفخم: أه، قولي يا ياسر، إيه السبب اللي خلاك تسيب شغلك القديم؟"
ابتلع الآخر ريقه بتوتر قائلاً: "اختلفت مع صاحب الشركة، فقدمت استقالتي."
"جاسر: قصدك اتطردت؟"
نظر له بخوف ودهشة واضحة على ملامحه، فقال جاسر: "إيه؟ فاكرني مش هعرف حاجة عن موظفيني؟ أنا أعرف كل حاجة عن أي حد يشتغل معايا من ساعة ما اتولد."
"ياسر: يا جاسر بيه، أنا..."
"جاسر مقاطعاً له: أنت حرامي ونصّاب، ومطلوب على ذمة قضايا، الواحدة منهم تخليك تخلل في السجن. دا غير سرقتك لأوراق الصفقة من خزنة مكتبي، وقضية اغتصاب السكرتيرة اللي كانت بتشتغل في مكتبي."
انتفض واقفاً برعب: "أبوس إيدك يا جاسر بيه، أنا مليش دعوة..."
"أومال من ليه دعوة يا يسوري؟"
التفت لمصدر الصوت ليجد حازم واقفاً يطالعه بنظرة خبيثة، يرفع رأسه بشموخ.
"جاسر: أوعى تكون فاكر إن ممكن أشك في صاحب عمري دا، أنا أشك في نفسي، ولا أشك في حازم. قولي بقى هتقول بمزاجك ولا بمزاجي؟"
ابتسم حازم برضا من كلمات صديقه وتأكيد ثقته به.
"ياسر: أنا معرفش حاجة، وأنت معندكش دليل عشان تتهمني بيه."
"جاسر: تو تو كده يا يسوري، تزعلني منك على فكرة. أنا زعلي وحش أوي."
"حازم: أوي أوي أوي."
لهجم عليه جاسر، أمسكه بقوة ليسدد له العديد من اللكمات القوية التي جعلت معالم وجهه تختفي من كثرة الدماء التي تتساقط منه، فقال بصوت متقطع لاهث: "خلاص هقول، والله."
تركه ساقطاً على الأرضية متألماً من شدة الضرب.
"جاسر: كده تعجبني، قول أنا سامع."
"ياسر: رعد، رعد الشرقاوي هو اللي قالي أعمل كده، أنا مكنتش عايز أعمل كده، بس هو هددني بمستندات هتوديني السجن، فغصب عني وافقت، ارحمني يا جاسر بيه، أبوس إيدك."
تكىء على مقعده بصدمة: "رعد هو اللي قالك كده؟ إزاي؟ إذا كان الصفقة دي أساساً مش في مجال شغله."
"ياسر: هو، هو كان عايز يضرك وبس، ومش بس كده، دا طلب مني أورطك في قضايا عن طريق صفقات مشبوهة عشان تدخل السجن."
"جاسر: لدرجتي يا رعد؟ معقول؟"
"حازم بصراخ: ابن.... أنا قلت لك قوله الحقيقة، بس أنت اللي مش راضي. قلت لك مش هيرتاح غير ما ياخد حقه منك وينتقم."
"ياسر: جاسر بيه، فيه حاجة تانية؟"
"حازم: اخلص."
"ياسر: مش رعد بيه ورا ده كله، فيه حد تاني؟"
"جاسر بغضب: حد تاني مين؟ ما تنطق، إحنا هنسحب منك الكلام."
"ياسر مسرعاً: كـ... كريم الشاذلي هو اللي زقني في طريق رعد بيه، وقال إنه هو هيصفي حساب قديم، وأنه كمان هيفرق بينك وبين حازم بيه، زي ما عمل زمان مع رعد بيه وفرقوا عنكم."
نظروا لبعضهم بذهول تام، لا يقوى أحد على الحديث من فرط الصدمة، فقالوا بصوت واحد: "كريم؟"
"ياسر: أيوا، كريم هو اللي عمل كل ده."
"حازم: روح أنت يا ياسر، وحسّك عينك رعد يعرف حاجة من اللي حصلت هنا، وإحنا هنتصرف. ولو فكرت بس تلعب بديلك، هقطعهولك، أنت فاهم؟"
"ياسر: حـ... حاضر يا حازم."
وفر هارباً من بطشهم.
"جاسر: يعني كريم طلع ورا كل ده؟ أنا مش مصدق."
"حازم بتهكم: لا صدق، ده إنسان حقود وأنانى، من ساعة ما كنا في الجامعة وهو حاقد علينا، وخصوصاً بعد ما خطيبته سابته عشان بتحبك، وكان نفسه يدمر العلاقة اللي بينا."
"جاسر: اهو نجح ودمرها، هنعمل إيه دلوقتي؟"
"حازم بصراخ: أنت بتسألني؟ قلت لك لازم رعد يعرف الحقيقة، وأنك مش السبب في اللي حصل له."
"جاسر: لا، على الأقل مش دلوقتي."
"حازم بغضب: أومال امتى؟ لما يأذيك في أقرب الناس ليك؟ ده كان عايز يسجنك، افهم يا بني آدم."
"جاسر بإصرار: أنا لازم أقابل كريم وأعرف منه هو عمل كده ليه وإزاي ده كله حصل."
"حازم بسخرية: وأنت فكرك هيقول لك كده؟ عادي؟"
"جاسر: أنا ماشي."
وأخذ مفاتيح سيارته وهم بالذهاب.
"حازم: استنى، أنا جاي معاك."
"جاسر: يلا."
وانطلقوا مسرعين إلى فيلا الشاذلي.
كان يجلس باستمتاع يحتضن تلك الفتاة العارية بين ذراعيه، لا يسترهم سوى لحاف الفراش، وبيده الأخرى كأس من الخمر يتجرعه بتلذذ، حتى سمع طرقات الباب، فسمح للطارق بالدخول.
دخلت الخادمة لتحفض نظرها من حالهم المخجل، ولكنها للأسف تعودت على ذلك المنظر، فسيدها دائماً ما يجلب عشيقاته إلى المنزل بكل فخر ودون استحياء.
"كريم: فيه حاجة يا حنان؟"
"حنان: فيه اتنين تحت عايزين حضرتك."
"كريم: ما قالوش هما مين؟"
"حنان: واحد اسمه جاسر الدمنهوري، والتاني حازم الشافعي."
ابتسم بخبث شديد وتعالت ضحكاته الشيطانية، ليشيح بيده يأمرها بالانصراف، فانصاعت لأمره وخرجت بهدوء، ليلتفت لتلك العاهرة القابعة بين ذراعيه قائلاً: "وشك حلو عليا."
"شوشوشيري بدلع: طبعاً يا بيبي، دا أنا شيري."
واقتربت تطبع قبلة مقززة على فمه.
"كريم: للأسف، وقتك خلص. أشوفك بكرة، لأن عندي لعبة لازم أخلصها وأطلع الكسبان."
"شيري: طبعاً يا قلبي، مش أنت اللي بتخسر أبداً."
تركها دالفا إلى المرحاض، ليخرج بعد قليل مرتدياً بدلته، ليقابل أعداءه بابتسامة ماكرة قذرة، متحمساً لرؤية وجوههم المكتظة بالغضب.
نزل درجات سلّمه بكل شموخ وخبث قائلاً: "معقولة الغول بنفسه عندي؟ أنا مش مصدق."
"حازم: إحنا مش جايين عشان استظرافك."
"جاسر: استنى أنت يا حازم."
والتفت إليه وقد اظلمت فيروزتاه بظلام داكن مخيف، جعل كريم يرتعد خوفاً من هيئته المرعبة، ولكنّه حاول عدم إظهاره، حتى تلقى لكمة عنيفة على وجهه، ليسقط أرضاً على الفور.
"كريم: أنت جاي تضربني في بيتي؟ أنت مش عارف أنا مين؟"
"جاسر بغضب: أنت واحد خسيس وجبان، ما تقدرش تعمل حاجة. هي كلمة واحدة، عملت كده ليه؟"
"كريم: عشان أنت دايمًا واقف في طريقي، دايمًا بتاخد كل حاجة ليا، أناني طول عمرك، حتى خطبتي خدتها مني."
"جاسر بصراخ: أنت إنسان مريض، خطيبتك اللي أنت بتتكلم عليها دي هي اللي كانت بتجري ورايا، وأنا كنت بصدها عشان أنت زميلي، ومرضتش أقول لك عشان هي وعدتني تنسى الموضوع، بس بنت الـ... كانت مخططة لحاجة أكبر."
"كريم بغضب: لا، أنت اللي أغريتها بفلوسك عشان تسيبني، عشان كنت مش قادر ألبي طلباتها، بس أنا كنت بحبها وحاولت أسعدها لدرجة إني كنت بشتغل كل حاجة عشان أجيب لها اللي عايزاه، بس هي سابتني وراحت لك عشان أنت عشمتها بحبك، وبعدين خليت بيها بعد ما سلمتك نفسها."
صاح جاسر باندفاع قائلاً: "كذابة! والله العظيم ما حصل. أنا عمري ما أفكر أخون حد قريب مني، لا من بعيد ولا من قريب. دي واحدة خاينة، وأنت صدقتها لما كذبت عليك."
"حازم: كلام جاسر صح يا كريم، أنا كنت شاهد على كل حاجة. ريم كانت دايمًا بتحاول تتقرب من جاسر، بس هو كان بيصدها عشانك."
"كريم: كذابين! أنتوا كذابين. هي انتحرت بعد ما جاسر رفض يتجوزها، وسابتني لوحدي. بس أنا فقت خلاص، وكان لازم أنتقم منك على اللي عملته معايا، وما لقيتش غير إني أدمر صداقتكم، ونجحت في كده."
وأخذ يتعالى ضحكاته الشريرة، فتابع: "عارف إزاي؟ أنا أقول لك. أنا اللي دخلت تمارا لحياة رعد عشان تخربها وتوقعكم في بعض، وأنا اللي كنت السبب إن رعد يخش مصحة الإدمان، بعد ما كنت بخلي تمارا تحط له المخدرات في كل حاجة يشربها، وخلّيته يشك إنك أنت اللي بتحط له المخدرات عشان يدمن ويخلالك الجو مع تمارا. عارف هو صدقها ليه؟ لما قالت له إنك بتحبها وعايز تاخدها منه. أقول لك أنا؟ لأني بكل بساطة يوم حفلة عيد ميلادك، حطيت لك دواء في العصير يخليك تقول كل اللي عايزينه، وتمارا سجلت لك كل حاجة، وسمعت التسجيل لرعد، وبعدها بقى زي المجنون، لحد ما تاني يوم رحت لتمارا الشقة، كنت مخنوق وعايز حد أكون معاه، بس عنّدت معايا، فاغتصبتها. ولما لقيتها بتنزف، خرجت بسرعة من غير ما حد يشوفني. بس عشان كل حاجة كانت في صالحي، تمارا قبل ما تموت كانت عايزة تعترف بكل حاجة لرعد، بس للأسف، لما هي اتصلت عليه عشان يجي يلحقها، كانت بتطلع في الروح، وقبل ما تقول أي حاجة توضح بيها اللي حصل، نطقت اسمك قبل ما تموت، فببساطة رعد افتكر إنك أنت اللي قتلتها، واللي ولّع الموضوع أكتر لما عرف إنك اغتصبتها، أو بالاصح أنا. فهمت بقى أنا عملت إيه؟ ولا أعيد؟"
دوّى صوت ضحكاته المريضة مرة أخرى.
نظروا له بدهشة كبيرة. هل يمكن لأحد أن يحمل كل هذا المقدار من الشر؟ نعم، لقد كانوا ضحية مؤامرة حقيرة قضت على صداقتهم على مدار ثلاث سنوات. تجرع كل منهم طعم مرارة الفراق، ولكن ليس بعد اليوم، ذلك ما قرره حازم في قرارة نفسه، فانطلقوا بعد حظي كريم على قدر كافٍ من الضرب يجعله غير قادر على الحركة لمدة لا تقل عن سنوات.
ذهب جاسر إلى منزله، لا يرى أمامه من شدة الغضب، بينما توجه حازم إلى فيلا الشرقاوي لينهي حساباً قديماً تسبب في عذابهم لسنوات.
توقفت سيارته أمام فيلا رعد، ليتنهد بعمق، ويلقي نظرة إلى ذلك التسجيل الصوتي الذي به اعترافات كريم بكل شيء. فطرق الباب، لتفتح الخادمة تحثه على الدخول، حتى تخبر سيدها بقدومه. جلس يقلب نظره في أنحاء هذا القصر الكبير ذي الديكور العصري، فابتسم على ما وصل إليه صديقه وأخيه من منصب ونفوذ في وقت قصير. قاطع شروده صوت رعد الخشن.
"رعد: إزيك يا حازم؟"
"حازم: كويس يا رعد، أنت عامل إيه؟"
"رعد: ما أنت عارف اللي فيها، هكون عامل إيه يعني."
"حازم: آخرة اللي أنت بتعمله ده إيه يا صاحبي؟"
"رعد بغضب: آخرته إني هنتقم لحبيبتي اللي ماتت غدر، وأبويه اللي مات بحسرته لما عرف إن ابنه مدمن مخدرات. عرفت بقى آخرتها إيه؟"
"حازم صارخاً: أنت مجنون! مش قادر تشوف قدامك الحقيقة؟ هي حاولنا نفهمهالك قبل كده، بس أنت كنت أعمى."
"رعد بصراخ: أنا اللي أعمى؟ ولا أنت اللي مش عايز تصدق إن صاحب عمرنا خانّي واغتصب حبيبتي وموتها، وخلاني مدمن؟"
"حازم: والله ما حصل، كل ده كدب. تمارا عمرها ما حبّتك، هي دخلت حياتنا عشان تدمرها بأمر من كريم الشاذلي."
"رعد بسخرية: الكلام ده تقوله لعيل إيه؟ عايز تلبسها في كريم عشان تبرر لجاسر اللي عمله؟"
"حازم: تمام."
وأخرج هاتفه يعبث به، حتى صدح تسجيلاً يحمل صوت كريم الساخر وضحكاته الشيطانية وهو يعترف بكل شيء قام به في سبيل القضاء على صداقتهم.
كان يستمع بأعين متسعة من الصدمة. هل كان لعبة بين يدي فتاة كانت مجرد وسيلة لتحطيم علاقته مع أصدقاء عمره؟ هل أذى صديقه وأخيه بكل الطرق حتى ينتقم من جرم لم يرتكبه؟ فصرخ عالياً.
"رعد: لااااااااااا!"
"لااااااااااا!"
وبدأ يحطم كل شيء أمامه، ويصرخ بشدة ويبكي بقهر شديد، حتى اقترب منه حازم يحتضنه، والدموع متحجرة في عينيه، حزيناً على ما وصل إليه حالهم.
"رعد ببكاء: أنا دمرته يا حازم. أنا كنت دايمًا بخرب حياته، كنت عايز أدخله السجن، كنت لسه بخطط إني أخطف مراته وأحرق قلبه عليه. ليه يا حازم؟ أنا عمري ما آذيت حد، ليه كريم يعمل فينا كده؟ ااااااااه."
"حازم: خلاص يا رعد، إحنا كنا ضحية مؤامرة حقيرة، بس خلاص. ما فيش حد هيفرق بينا."
"رعد: مش هيسامحني يا حازم. جاسر عمره ما يسامحني على اللي عملته فيه، بس أنا لازم أصفّي حسابي مع كريم."
"حازم: لا، جاسر هو هيتصرف معاه."
"رعد بصراخ: أنا هقتله، والله لأقتله. دمر حياتي كلها، ابن..."
آه، وسقط أرضاً فاقداً للوعي. انتفض حازم يحاول إفاقته، ولكن لا فائدة، فأمر الخدم أن يساعدوه ليقله للمشفى، فاستقل سيارته مسرعاً وهو يحاول الاتصال بجاسر.
استيقظ جاسر على صوت رنين هاتفه، ليكتشف أنه ينام على صدرها، يدفن رأسه في عنقها وهي تحتضنه، تلف ذراعيها حوله، فابتسم وهو يتذكر كيف وصل إلى غرفتها.
**Flash back**
كان غاضباً بشدة بعد ما علم حقيقة ما حدث معهم في الماضي، فدخل إلى غرفته يحطم كل ما فيها، يصرخ ويبكي بألم شديد. أحس بباب غرفته يفتح، لتطل عليه بهيئتها المهلكة، مرتدية شورت قصير أبيض وقميص بدي بحمالات باللون الأسود، يعكس جمال نقاء بشرتها الثلجية، تاركة لخصلاتها الفحمية العنان، لتقترب منه ببطء حذر، تسأله بصوت ناعم مرتجف.
"حور: مالك يا جاسر، فيك حاجة..."
ليقطع كلماتها عندما جذبها إليه، يلتهم شفتيها بشراسة وقوة، يفرغ غضبه ويبثها حبه الذي لا يدري عنه شيئاً. يقبلها بقوة وعنف حتى أحس بطعم الدماء في شفتيه، ليبتعد عنها، ينظر لآثار قبلته العنيفة على كرزيتها المتورمة والمشقوقة، ليدفن رأسه في عنقها، يضمها إليه بقوة.
المتورمة والمشقوقة، ليدفن رأسه في عنقها، يضمها إليه بقوة، حتى تأوهت بنعومة. يبكي بعنف وتتساقط الدموع من فيروزتاه، لتحاوط خصره، تبادله الاحتضان، تربت على ظهره بحنان وتمسح على خصلاته الناعمة، تتعجب من تصرفها لأنه توقع أن تعنفه وتدفعه بعيداً عنها، ولكنها رحبت به واحتوت غضبه، ليسمعها تهمس بصوت رقيق.
"حور: متزعلش، أنا جنبك ومش هسيبك."
ليرفع وجهه يطالعها بمشاعر ممزوجة بالدهشة والحيرة، لتبتسم ابتسامة ساح
رواية ضحية جاسر الفصل السادس عشر 16 - بقلم نور
في المشفى، خرج الطبيب بعد فحصه لرعد ليقابله حازم بلهفة قائلا:
"رعد ماله يا دكتور؟"
"متقلقش هو بخير دلوقتي. هو جاله انهيار عصبي شديد. الظاهر حصلتله صدمة أو سمع خبر وحش، بس إن شاء الله هيبقى كويس."
"طب أنا ممكن أشوفه؟"
"هو نايم دلوقتي بسبب حقنة المهدئ. هيفوق كمان ساعة كده."
"متشكر أوي يا دكتور."
"على إيه يا بني، ده واجبي. ربنا يطمنكم عليه. بعد إذنكم."
أمام المستشفى، ترجل من سيارته يدلف مسرعًا إلى غرفة صديقه. وجد حازم يجلس بجانبه على الأريكة نائمًا بعمق. سحب أحد الكراسي وجلس، يمسك بيديه. تتساقط الدموع من عينيه حزنًا على الحالة التي وصل لها رفيقه، حتى بدأ رعد باستعادة وعيه فقال بدموع:
"سامحني يا صاحبي، ولو إني عارف إنك صعب تسامحني."
"أنا فعلًا صعب أسامحك يا رعد."
"أنا عارف، عشان كده أوعدك مش هتشوفني تاني في طريقك."
"انت مجنون! عايز تسبنا تاني؟ أنا ممكن أقتلك فيها يا رعد لو عملتها."
انتفض حازم أثر صراخ جاسر ليقول بفزع:
"الله يخربيتكم، مش عارف أنام ساعتين!"
"وانت ليك عين تنام يا حيوان؟"
"الله يكرم أصلك، برضو مش هرد عليك لأني محترم وانت الكبير."
"لا محترم يا لا!"
"شوف."
"انت لسه زي ما انت، حيوان."
"طب وليه الغلط بس؟ دا أنا لسه بقول إنك انت الحتة اللي في الشمال."
"اخرس يا زفت."
"اديني اتكتمت، ما هو أنا ملطشتكم."
"أنا آسف بجد يا جاسر، مش عارف أقولك إيه."
"انت مش بس صاحبي، انت أخويا يا ضنا."
ليحتضنه رعد بقوة يبكي ألمًا لفراق دام سنوات كان هو السبب فيه لغبائه وعدم ثقته بأصدقائه.
"لا أنا هعيط، مش قادر."
ليلتفت له الاثنان معًا بصوت واحد:
"اخرس يا حيوان."
"أنا مش عايز أعرفكم تاني يا ظلمة."
تعالت ضحكات الأصدقاء بعد فراق مدته سنوات، ليقفز حازم في أحضانهم يتعانقون بفرحة، وكل واحد بداخله آمال وخطط للمستقبل.
***
"يا ترى إيه اللي حصلك خلاك بالحالة دي؟"
اتجاهت إلى المرحاض لتحظى بحمام دافئ يعيد الحيوية لجسدها الفاتن، لتخرج بعد قليل تلف جسدها بمنشفة سوداء تبرز جمال بشرتها البيضاء. تصل إلى فخذيها، لتنزل خصلاتها اللامعة بفضل الماء على طول ظهرها. هبت لتتوجه إلى حجرة الملابس، ليوقفها صوت فتح باب غرفتها، ليظهر معذب قلبها ومحتل تفكيرها. يطالعها بنظرات عاشقة محبة، لتندفع الدماء إلى وجنتيها نتيجة اقتحامه لحجرتها ورؤيتها بتلك الهالة المثيرة. ابتلع ريقه بصعوبة بالغة ليشعر بنار تشتعل داخل جسده، فمجرد وقوفها أمامه بهذه الطلة المغرية يجعل الطبول تدق معلنة عن حالة جسده. اقترب منها كالـمغيب، لا يشعر إلا بها، رغبة عارمة تحثه على امتلاكها. إنها له، زوجته وحبيبته، ملكت قلبه وشغلت عقله، لا يتوقف عن التفكير بها، برائتها وجمالها الذي يجعل القديس يقع في المحظور. نعم، هي له وستظل للأبد.
امتدت يده لتحاوط خصرها النحيل، لتصطدم بصدره. تضع يديها الصغيرتين على صدره العريض.
"آه، ماذا تفعلين بي يا حوريتي؟"
لمستها جعلته في عالم آخر بتخيلات منحرفة، لو علمت عنها شيئًا لقتلته حتمًا. تأملها بعشق بالغ، يمرر فيروزتاه على كل انش منها، خصلاتها اللامعة، عينيها الزيتونية الرائعة، وجنتيها الجميلتين كحبات التفاح الطازج، شفتيها الكرزية المرتعشة جراء اقترابه. ماذا ينتظر الآن ليلتهم شفتيها بجوع، يمتص رحيق الجنة منهما. يقربها إليه، يضمها بشدة، لتأن بنعومة أثارته. ليتعمق في قبلته أكثر، لتمتد يده تعبث بعقدة منشفتها، لتفيق عندما لامست يديه جسدها الناعم. لتشهق بقوة تحاول الابتعاد، إلا أنه كبل جسدها منحدراً بشفتيه إلى طول عنقها، يطبع قبلات متفرقة ناعمة جعلتها تطفو فوق غيمات وردية صنعها لها من لمساته الخبيرة. ليهمس في أذنها بصوت ثقيل من كثرة الرغبة:
"بحبك يا حور."
لتصدم من كلماته، هل اعترف بحبه لها؟ هل يبادلها مشاعر أحست بها؟ لا تعلم ما هيتها، لا تصدق أنها بين يديه، تائهة في أرض الأحلام، عاشقة له حتى النخاع، هذا ما يحدثها به قلبها النابض باسمه. ليبتعد عنها، يطالها بنظرات عاشقة، ليردف قائلاً:
"أنا مش عارف إيه اللي بيحصلي، مجرد ما بشوفك وتكوني في حضني. أنا عمري ما اعترفت بحاجة اسمها حب. كنت دايما بتريق على أي حد بيحب، بس لما شوفتك مش عارف إيه اللي صلي. بحس إني عايزك معايا على طول، عايز أخبيكي من كل الناس، بغير عليكي من أي حد، حتى جدي ومازن مع إني عارف إنه أخوكي. حتى لما اتجوزتك كنت عارف إنك مش هتوافقي، بس كنت واعد نفسي إنك مش هتكوني لغيري. لو كل اللي بحس به يبقى حب، يبقى أنا مش بحبك بس، لا أنا بعشقك يا حورية قلبي."
مذهولة هي، هل الذي أمامها الآن هو جاسر المتعجرف المغرور؟ مصدومة من حديثه. هي تحبه، نعم، لقد أدركت ذلك بقربه واحتوائه لها، تريد قربه الحاني ليشعرها بأنها ملكة متوجة على عرش قلبه. ليتابع مردفًا:
"تقبلي تكوني حبيبتي وشريكة حياتي كلها؟ تقبلي تكوني عشق الجاسر؟"
لتلمع الدموع في عينيها الزيتونية وتومئ برأسها موافقة، ليحتضنها بقوة وحب عاشق حصل على إكسير الحياة من معشوقته الفاتنة.
"أنا لازم أروح دلوقتي، وإلا الفوطة دي لو وقعت مش هيحصل كويس."
لتخفض بصرها بخجل شديد وتضربه بقبضتها الصغيرة قائلة:
"اطلع بره يا جاسر."
"هو أنا اسمي حلو أوي كده؟"
"والنبي اطلع بره."
"كلها كام يوم وأشوف كل حاجة يا جميل."
ليغمز بوقاحة.
"سافل."
"على فكرة انت مشوفتش حاجة من سفالتي."
لتتقاطعهم طرقات باب الغرفة، لتردف بفزع:
"يا نهار أسود، أخبيك فين دلوقتي؟"
"أنا جوزك يا هبلة."
"اخرس خالص وادخل الحمام استخبى بسرعة."
لتدفعه ناحية المرحاض وتغلق الباب، لتقول:
"تعالي يا منى."
لتدلف منى قائلة:
"ساعة على ما تفتحي."
"ها، أصل أنا كنت باخد شاور ولسه طالعة من الحمام."
"طب وانت مالك مش على بعضك كده ليه؟"
"يوه يا منى، مفيش حاجة."
"طب خلاص، أنا بس كنت جاية أقولك نغم عازمانا على الغدا بكرة عشان جدتها رجعت من العمرة."
"خلاص تمام يا قلبي، أنا هقول لجاسر وبعدين نروح."
رفعت منى حاجبيها بمكر مردفة:
"أقول لجاسر؟ وده من إمتى إن شاء الله؟"
"الله، مش هو جوزي ولازم يعرف رايحة فين وجاية منين؟ وبعدين مش ده كلامكم؟"
"لا يا راجل، قول كلام غير كده."
"انت عايزة إيه دلوقتي؟"
"عايزة أعرف سر تغيرك فجأة كده."
"مفيش حاجة، أنا بس كنت بقول أسمع الكلام وبلاش مشاكل."
"حور مش عليا أنا، ها؟ انت حبيتيه؟"
"لا طبعًا، اللي انت بتقوليه ده."
"هتقولي وإلا أعرف بطريقتي."
و قد تناست تمامًا ذلك القابع بالداخل ينتظر إجابتها بفارغ الصبر.
"مش عارفة أقولك إيه، كلمة بحبه قليلة على اللي أنا حاساه. مش فاهمة إمتى وإزاي، بس أنا خلاص بقيت أسيره لعشق الجاسر، لأني بعترف بالرغم من كل حاجة أنا بحبه، لا بعشقه. هو الوحيد اللي قدر يملك قلبي. لو قولتلك إني مبقتش عايزة من الدنيا غير إني أكون في حضنه، مش هتصدقيني يا منى."
"هيييييح بقي، مش ممكن! فينك يا سي جاسر تسمع الشعر ده. أوعدنا يارب."
لتنتصب واقفة بدهشة لتخيلها أنه قد سمع حديثها عنه، لتلعن نفسها على فعلتها و خجلت كثيرًا لتوقعها ردة فعله.
تعالت دقات قلبه ترقص فرحًا بإجابتها، هائمًا بها، تأخذه إلى أعلى درجات العشق، تصل به إلى قمة النشوة والانتصار. نعم، لقد تغلب قلبه على عقله وفاز بحبها أخيرًا.
***
خرجت منى بعد أن أيقنت بحب صديقتها لجاسر، تدعو لها بالسعادة الدائمة. لتلتفت حور لذلك الواقف متكئًا على باب المرحاض، يطالعها بنظرات ثعلب ماكر، لتختفي من أمامه مسرعة إلى حجرة الملابس تحت ضحكاته المرحة، لتسمعه يقول بمرح:
"مسيرك يا ملوخية تجيلي على المخرطة."
تضع يدها على صدرها تهدأ من ضربات قلبها النابض بحبه.
***
في صباح يوم جديد مليء بالأحداث، يجتمع الكل على سفرة الإفطار يتناولون الطعام وسط جو عائلي مرح. قاطعهم دخول حازم بمرحه المعتاد.
"أنا حماتي بتحبني صح؟"
"آه يا خويا، اتفضل."
"كل ده أكل يا كفرة وما تعزمونيش؟"
"يا بني انت على طول جعان."
"انت هتبصلي في اللقمة يا موزتي."
"اتفضل يا حازم، والله واحشني."
"نعم، بتقولي إيه؟"
"ما بقولش."
"كنت بحسب."
لينظر إلى حازم الواقف مردفًا:
"وانت يا زفت، اترزع، اطفح، هنعزم عليك."
"خد بالك، انت كده بتهزأني وده مش كويس عشانك."
"وهتعمل إيه؟"
"ولا حاجة طبعًا، أنا بس خايف على صحتك من العصبية، وانت عريس ومحتاج صحتك."
لينغمز له بوقاحة.
"في دي عندك حق، أنا محتاج صحتي."
"ما تحترم نفسك انت وهو، مفيش احترام ليا."
"انت بذات يا سلومة ما تتعصبش عشان انت كمان محتاج صحتك."
"ليه يعني؟ ناوي تجوزني أنا كمان؟"
"اه، ما أنا كنت ناوي أطمن عليك انت الأول بعدين."
"هو مين المفروض يطمن على التاني؟"
"يا عم الحق عليا، بحاول أشوفلك مزة تدلعك بعد ما جاسر يخلع."
"نقي ألفاظك يا حيوان، إيه يخلع دي؟"
"ما هو انت هتكون مشغول في فرح وشهر عسل ودخلة."
لينغمز بمرح ماكر.
"بس عايزك إيه تشد حيلك كده وتجبلي عيل رخم كده يقولي يا عمو وأجوزه سيلين بنتي."
انتفض جاسر كأنه ليمسكه من تلابيب قميصه مردفًا بغضب:
"يا نهارك أسود، انت اتجوزت من ورايا؟ لا وكمان خلفت؟ دا انت ليلتك مش فايتة."
"يا عم اتجوزت إيه بس، أنا فيا حيل أتـجوز بعد اللي بتعمله فيا ده. قطعت الخلف أصلاً."
"اومال مين سيلين دي؟"
"يا عم ده باعتبار ما سيكون."
"طب يا حيلتها، لازم نروح الشركة عشان رعد جاي النهاردة."
"انت بتتكلم بجد يا جاسر؟ رعد جاي الشركة؟ انتوا اتصالحـتوا؟"
"أيوة يا جدي، احنا اتصالحنا ورعد عرف الحقيقة خلاص."
"الحمد لله، الحمد لله. طب أنا جاي معاكم."
"ماشي يا جدي، يلا."
ليلتفت إلى حور يطبع قبلة رقيقة على وجنتيها الحمراء مردفًا بحب:
"مع السلامة يا حبيبتي، لو خلصتي من عند نغم اتصلي بيا عشان أوصلك."
"الله، هو في إيه يا سلومة؟"
"علمي علمك يا بني."
"يلا عشان منطرش."
ليخرج الجميع مندهشين من تصرفه الغريب، تاركين ورائهم حور تموت من خجلها تحت نظرات انعام الماكرة.
رواية ضحية جاسر الفصل السابع عشر 17 - بقلم نور
كانوا يجلسون في مكتب جاسر يتبادلون أطراف الحديث، حتى دلفت عليهم السكرتيرة الجديدة سالي، تتهادى بمشيتها المغرية، ترتدي زي يكشف أكثر مما يستر، شبه عارية، تصبغ وجهها بمستحضرات التجميل الثقيلة التي تجعل منها دمية مقززة، بشعرها الأحمر الناري المصبوغ، لتقول بمياعة قذرة:
سالي: رعد بيه بره عايز يقابل حضرتك.
جاسر باشمئزاز: خليه يدخل. ده أولًا لما يجي في أي وقت. وثانيًا، وده الأهم، يا آنسة، دا مش كباريه عشان تجيلي بملابس الرقصات، ده مفهومك.
تمتم حازم ضحكته على حديث جاسر القاسي معها.
سالي بإحراج: تمام يا فندم، أنا آسفة.
جاسر: اتفضلي.
لتخرج سالي غاضبة من تصرفه المتعجرف معها، ليلتفت إلى حازم مردفًا بغضب:
جاسر: دي اللي جايبها تشتغل عندي يا حيوان.
حازم: دي صاروخ يا بني، أنت اللي مالكش في الطيب نصيب.
جاسر: حسابك معايا بعدين.
ليدخل رعد بطلته الساحرة، يحمل مقدارًا عاليًا من الوسامة بحلته السوداء الرائعة، ليقول بمرح:
رعد: من الصاروخ اللي بره دي.
حازم: والله لسه كنت بقوله، مش مصدقني الجاحد.
جاسر: حتى أنت يا زفت.
رعد: يا عم، أنت اللي مالكش في الحلويات.
جاسر: اخرس أنت وهو، ويلا نتكلم في الشغل.
رعد بحقد: مش قبل ما آخد حقي من كريم الشاذلي.
جاسر: متقلقش، أنا وراه لحد ما أخليه يشرف في أبو زعبل.
حازم: أنا سمعت إن ثروته كلها من تجارة الأعضاء والمخدرات، دا غير شغله مع المافيا.
رعد: ابن... وأنا أقول كل العز دا منين.
جاسر بجدية: المهم دلوقتي، خلينا في موضوع دمج الشركتين. أنا كلمت المحامي عشان يجهز أوراق الشراكة، وأنت يا رعد هتمسك معايا مجلس الإدارة، وحازم هيبقى المدير التنفيذي للشركة.
حازم: تمام، بس كريم كده مش هيسيبنا في حالنا، خصوصًا لما يعرف بموضوع الشراكة، واللي هيأكد له إننا رجعنا زي الأول.
رعد: لا، سيب الموضوع دا عليا، وأنا هتصرف. المهم دلوقتي نخلص من موضوع الشراكة دا.
جاسر: خلاص، وأنا هنظم حفلة عشان نمضي فيها العقود ونبلغ الصحافة بيها.
حازم: أنا موافق، على بركة الله. وأخيرًا هنرجع لأيام الشقاوة تاني.
رعد: أيوا بقى.
جاسر بحدة: احترموا نفسكم وبلاش صياعة.
حازم بمرح: دا أنا مش هصيع، بس دا أنا هنحرف، ولا إيه يا رعد.
رعد: دوس يا معلم، أنا معاك.
جاسر: كده يبقى أنتوا اللي جبتوه لنفسكم.
وهب حتى يمسك بهم، لتتعالى ضحكاتهم المرحة هاربين من بطش جاسر، ليقاطعهم دخول سليم ودموع الفرحة تشق طريقها لعينيه لرؤيتهم هكذا بعد فراق سنوات.
رعد: سلومة، واحشني يا راجل.
ليقفز في أحضانه الدافئة التي تشعره بوجود والده بجانبه.
سليم بعتاب: لو كنت وحشتك كنت اطمنت عليا، ولو بتليفون.
رعد: معلش، أنت الكبير برضو، أنا آسف.
سليم: لو عايزني أسامحك، تحب تتغدى معايا بكرة؟ أنعام بتسأل عليك على طول، وأهو بالمرة تتعرف على عروسة جاسر.
رعد بغمزة: حلوة.
حازم: صاروخ أرض جو.
شهر جاسر مسدسه المرخص في وجوههم بغضب:
جاسر: اطلع بره أنت وهو، وإلا قسمًا بالله لكون مفرغ المسدس فيكم.
وما هي إلا لحظات حتى فروا من أمامه تحت ضحكات سليم السعيدة برجوعهم إلى بعضهم البعض.
في بيت نغم، كان الفتيات يجلسن في المطبخ يعدن الغداء وسط مرحهن المعتاد، فرحين بتجمعهم سويًا، لتدلف جدة نغم خديجة قائلة:
خديجة: إيه يا بنات، لسه كتير على الغداء.
منى: اقعد أنت يا جميل، وخمس دقايق والأكل يكون جاهز.
خديجة: ما أنتوا اللي مرضتوش تساعدوني.
نغم: يا تيتة، أنت لسه جاية من السفر، لازم ترتاحي.
حور: صح يا تيته، يلا استنينا بره، وإحنا خمس دقايق ونحصلك.
خديجة: طب أساعدكم في أي حاجة طيب.
الفتيات بصوت واحد: لأ.
ضحكت عليهم وخرجت، لتقول منى:
منى: في حاجة نسيت أحكي لكم عليها.
نغم بحماس: قولي بسرعة.
منى: من يومين كده وبدأت بقص كل ما حدث معها عندما اعترض أولئك الشباب طريقها وحاولوا الاعتداء عليها، وكيف ظهر ذلك الشاب مفتول العضلات لإنقاذها من أيديهم.
شهقوا بقوة، لتردف حور:
حور: الحمد لله إن ما حصلكيش حاجة.
نغم: طب بالنسبة للواد المز اللي أنقذك، أخباره إيه.
منى بهيام: هو مز بجد، هيييح، بقى ده حاجة كده انقرضت من زمان.
حور: وحياة خالتك، طب ما كنتي طلبتي رقمه أحسن.
منى: تصدق صح، إزاي فاتتني دي.
نغم: اتلهي، مش كنتي طلبتي رقمه عشان نوقعه.
منى: بس أنا أشوفه تاني ومش هسيبه أبدًا، مش بعيد أغتصبه.
حور: يخربيتك، إيه اللي بتقولي ده.
نغم: سيبك من البت دي، ركزي معايا، وأنا هخليكي تجوزيه.
منى: مش لما ألاقي الأول.
نغم: مش أنت قولتي إن قال لك إن اسمه رعد.
منى: يا سلام يختي، يعني مصر كلها فيها رعد واحد بس.
نغم: لا يا حيلتها، بس هندور على الفيس بوك، وأكيد واحد مشهور زيه وغني زيه هيكون حاطط صورته.
منى: يا بنت اللعيبة، إزاي راحت عن بالي الفكرة دي.
نغم: قدرات يا بنتي، أنتِ إيه فهمك في الذكاء.
ليسمعوا صوت جرس الشقة، لتقوم نغم بفتح الباب، لتشهق بصدمة عند رؤية ذلك الرجل ضخم الجثة والذي يرتدي جلباب صعيدي ويعلو رأسه عمامة بيضاء، أسمر اللون، يزين وجهه شارب كثيف أسود به بضع شعيرات بيضاء، لتردف بدهشة:
نغم: عمي عامر.
عامر: أيوا عمك يا فاجرة.
نغم: الحقوني.
ليخرج الجميع أثر سماع صراخها المستغيث.
عامر بغضب: محدش هينجدك مني يا بت أخوي، فاكرة نفسك هتهربي لحد ميت.
نغم: ابعد عني، حرام عليك، أنت عايز مننا إيه.
خديجة: سيبها يا عامر، حرام عليك.
عامر: لأ، هي لازم ترجع معايا البلد دلوقت عشان تكتب كتابها على ولدي خالد.
لتصرخ نغم بفزع من فكرة زواجها من ابن عمها ذلك القاسي الذي لا يعرف الرحمة.
نغم بصراخ: نجوم السما أقرب لك أنت وابنك، أنا مستحيل أتجوز ابنك الحيوان ده.
لتخرسها صفعة على وجهها من كفه الكبير، لتبكي بقوة في أحضان جدتها.
خديجة: يا راجل، أنت إيه، معندكش دم، دي مهما كانت بنت أخوك اليتيمة، كل ده عشان الورث والفلوس، ملعون أبو الفلوس اللي تخليك قاسي على لحمك كده.
عامر: بت أخوي لابن عمها، وده آخر كلام عندي، يلا لمي خلجاتك عشان نرجعوا البلد.
تقف حور مصدومة من ذلك العم القاسي القلب على ابنة أخيه، لتلمع في رأسها فكرة حتى تستطيع إنفاذ صديقتها، لتأخذ هاتفها مسرعة تتصل بجاسر حتى يساعدها.
كانوا يجلسون في المكتب منهمكين في العمل لدمج شركة الشرقاوي على مجموعة شركات الدمنهوري، ليسمع رنين هاتفه يضيء باسمها، ليلتقطه بلهفة يرد عليها.
جاسر بحب: حورية قلبي، عاملة إيه.
حور بفزع: الحقني يا جاسر.
انتصب واقفًا ليردف بقلق:
جاسر: في إيه يا حور، مالك.
حور: تعالى بسرعة بيت نغم، عمها اتهجم علينا وعايز ياخدها بالعافية.
جاسر: طب طب، اهدي، أنا جاي حالًا.
لينظروا له بقلق من هيئته، فقال رعد:
رعد: في إيه يا جاسر، إيه اللي حصل.
جاسر: حور بتقول إن عم نغم اتهجم عليهم وعايز ياخدها بالعافية.
لا يدري لما شعر بنغزة كبيرة في قلبه عند ذكر اسمها وأنها في ورطة تطلب المساعدة.
حازم: طب يلا، إحنا جايين معاك.
جاسر: يلا.
لينطلقوا مسرعين حتى يستطيعوا إنقاذ ما يحدث.
في منزل نغم، عامر:
عامر: بسرعة عشان نمشي، يلا هملي...
"عايز تاخد مراتي لفين؟"
التفت الجميع إلى مصدر الصوت بصدمة، ليجدوا حازم يقف واضعًا يديه في جيب بنطاله ببرود وغضب.
عامر: أنت مين يا جدع أنت، ومرتك كيف يعني.
رعد: اللي سمعته، مش قال لك مراته.
جاسر: أيوا مراته، وفرحهم كمان شهر.
عامر بشك: وأنا إيه اللي يثبت لي كلامكم ده.
حازم ببرود: مفيش إثبات غير القسيمة اللي هتطلع كمان يومين.
ليلفت إلى تلك المصدومة من الحديث قائلاً:
حازم: مش كده يا روحي.
خديجة مسرعة: أيوا كده يا عامر، أنا جوزتها، واللي قدامك ده يبقى جوزها.
عامر بغضب: من غير ما ترجعي لي يا خديجة، هي دي الأصول يا بت الأكابر.
خديجة بغضب: أنت طول عمرك ظالم يا عامر، أكلت حق أخوك زمان لما عصيت أبوه عليه، ودلوقتي عايز تاخد حق بنته لما تجوزها لابنك عشان يعذبها وياخد ورثها، أنت إيه يا خي، متعرفش ربنا، حفيدة أخويا دلوقتي على ذمة راجل يحميها منك ومن ابنك ومن شركم.
جاسر بجدية: دلوقتي تقدر تروح بعد ما اطمنت، ولما القسيمة تتطلع هنقول لك.
عامر: أنا ماشي دلوقت، بس أنا هرجع عشان أتأكد.
وخرج غاضبًا يتوعد لهم بالكثير.
رعد: إيه الحل دلوقتي، الراجل ده مش هيسكت غير لما يتأكد إن كلامنا صح.
جاسر بجدية: مفيش حل غير إن حازم يتجوز نغم.
حازم: تيتة خديجة، أنا بطلب منك إيد نغم عشان أقدر أحميها وأكون راجلكم.
خديجة بجدية: وأنا واثقة من إنك تقدر تحميها يا بني، ابعت هات المأذون.
نغم بصراخ: إيه اللي بتقولي ده يا تيته، أنا مش موافقة.
خديجة بلهجة لا تقبل النقاش: أنا اللي أقوله يمشي، وأنا خلاص قررت إنك تتجوزي حازم.
نغم بدموع: بس يا تيته.
خديجة بحزم: مفيش بس، اللي أقوله يتنفذ، يلا يا حازم شوف مأذون عشان نتمم الموضوع.
بعد قليل، كان المأذون قد أتم إجراءات، لتصبح بعدها نغم مدام حازم الشافعي.
ترقرقت الدموع في عينيها العسليتين اللامعتين، ليتمنى أخذها بين أحضانه يخفف من ألمها، يقسم بداخلها أنه سوف يأخذ حقها من عمها وابنه، ليعيد البسمة لشفتيها المغريتين كحبات الكرز الشهية، كم يتمنى تذوقها ومعرفة طعمها، ليفيق من تخيلاته المنحرفة على صوت جاسر مردفًا:
جاسر: ألف مبروك يا صاحبي.
حازم بابتسامة: الله يبارك فيك.
رعد: ألف مبروك يا دنجوان، أخيرًا دخلت القفص.
حازم: الله يبارك فيك، عقبالك.
رعد وهو ينظر إلى تلك الفاتنة التي تجلس بجانب حور تطالعه بنظرات هائمة، ليبتسم بخبث:
رعد: قريب إن شاء الله.
حازم بغمزة: إيه، شكل الصنارة غمزت لك.
لزمه في كتفه بغيظ:
رعد: ما تخليك في حالك.
حازم بمرح: ماشي يا عم، الله يسهلها.
استأذن الجميع للمغادرة، ليطلب حازم من خديجة ضرورة المكوث عندهم الليلة حتى يضمن عدم عودة ذلك المدعو عامر، ليبتسم يطالعها بنظرات ماكرة ثعلبية عند موافقة جدتها، لتهب بعصبية مفرطة قائلة:
نغم: تبات فين، أنت اتجننت.
حازم ببرود: أنا بايت في بيت تيته خديجة، وهي موافقة، مش كده يا تيته.
خديجة بابتسامة: كده يا حبيبي، البيت بيتك، أنت مبقتش غريب.
لتلتفت إلى نغم قائلة:
خديجة: يلا يا نغم، وظبي أوضة الضيوف عشان حازم.
نغم وهي تتصنع الألم: إيدي واجعاني، مش قادرة.
حازم بابتسامة ماكرة: مفيش مشكلة يا تيته، أنا ممكن أنام معاها في الأوضة إذا معندكيش مانع.
خديجة: مفيش مشكلة يا حبيبي، ما أنت جوزها برضو.
نغم: ينام فين دا، على جثتي.
خديجة بهمس: لمي نفسك بدل ما أرزعك علقة زي زمان.
نغم: أُف بقى.
حازم ممثلاً النعاس: طب ممكن أعرف الأوضة فين عشان تعبان، هموت وأنام.
خديجة: اتفضل يا بني، وري له الأوضة يا نغم.
في غرفة نغم، وقف يتأمل تلك الحجرة الطفولية إلى حد ما، حيث يغلب عليها اللون الوردي بخزانة ملابس بيضاء كبيرة وطاولة للمذاكرة وفراش وثير بأغطية وردية، يعلو الحائط بجانبه صورة كبيرة لها تشع بالبراءة، ليبتسم وقد أدرك أنه تزوج طفلة بجسد أنثى فاتنة، ليقاطع شروده صوتها الحانق:
نغم: أنت هتفضل سرحان كده كتير.
حازم: بس يا بت.
وقد قفز على فراشها يمدد جسده بأريحية، لتهتف غاضبة:
نغم: أنت مجنون، أنت هتنام على سريري كمان.
ليرفع حاجبه باستنكار:
حازم: أومال أنام على الأرض.
بعثت يديها على صدره لتقول:
نغم: وليه لأ، بس أنا عشان كفاءة هخليك تنام على الكنبة.
حازم بسخرية: لا والله، فيكي الخير.
نغم: والله هو دا اللي عندي، واتفضل نام على الكنبة.
حازم: بصي بقى، أنا هنام على السرير برضاكي أو غصبن عنك، ويلا اطفى النور عشان بحب أنام في الضلمة.
ليوليها ظهره ويغمض عينيه مصطنعًا النوم.
بعد قليل، اقتربت منه لتتأكد من نومه، لتقول بهمس:
نغم: حازم، أنت يا بني آدم.
ولكنها لن تجد ردًا، فتمددت بجانبه وذهبت في نوم عميق.
التفت عندما أحس بانتظام أنفاسها، ليأخذها لتتوسد صدره العريض، ليضمها إليه مستلذًا بقربها، ليغمض جفونه مستسلمًا لسلطان النوم.
في أسفل بناية منزل نغم، كان يقف كلا من جاسر وحور ورعد ومنى، ليطلب جاسر من رعد إيصال منى لبيته، ليدق قلبه فرحًا، ليردف قائلاً:
رعد: اتفضلي يا آنسة منى.
ركبت بجانبه و نبضات قلبها تتعالى، تقسم أنها باتت مسموعة له، لتقول بوجه محمر:
منى: شكرًا.
طوال الطريق ظلت صامتة لا تقوى على الحديث، ليقطع صمتهم مردفًا:
رعد: بتدرسي إيه يا آنسة منى.
منى بخجل: هندسة معمارية.
رعد بحماس: حلو جدًا، يبقى شغلك عندي في الشركة بعد ما تتخرجي.
منى: متشكرة جدًا، أنا كنت لسه بفكر في موضوع الشغل ده.
رعد: أنتِ بتفكري تشتغلي من دلوقتي.
منى بتردد: آه، يعني لو مفيش مانع.
رعد بسرعة: لا عادي، إيه رأيك تشتغلي السكرتيرة بتاعتي.
منى: بس أنا مهندسة، مش هفهم في شغل السكرتارية.
رعد: لا متقلقيش، ده حاجة سهلة جدًا، اديني أنت بس رقمك، وأنا هتصل بيكي أقول لك على معاد المقابلة.
منى: ماشى.
رعد: وصلنامنى وهي تنزل من السيارة.
منى: شكرًا يا أستاذ رعد.
رعد: بلاش الألقاب، أنا مبحبهاش، قولي رعد بس.
منى بخجل: ماشي.
ليقاطعها قائلاً:
رعد: ها.
منى بابتسامة خجولة: رعد.
لتدلف شقتها مسرعة تهدأ من ضربات قلبها النابض، بينما وقف يطالع أثرها بابتسامة حالمة، واعدًا بأنها سوف تكون ملك الرعد قريبًا.
رواية ضحية جاسر الفصل الثامن عشر 18 - بقلم نور
بعد مرور أسبوعين لم يحدث الكثير سوى تحديد موعد زفاف جاسر وحور الذي سوف يعقد بعد خمسة أيام.
استقرت الأوضاع في الشركة التي تم نقل اسمها إلى S&D للهندسة المعمارية وصناعة المركبات.
المشاكسات المستمرة بين حازم ونغم باتت تشعر بمشاعر فوضوية غريبة تغزو عضلة قلبها الصغير.
في مجموعة شركات S&D، دلفت إلى مكتبه الخاص لتسليمه أوراق المناقصة الجديدة بعد أن تمت مراجعتها.
رسمت البسمة تلقائيًا على قسمات وجهه الوسيم عند دخولها مكتبه.
فمنذ أن عينها سكرتيرته الخاصة، بدأ عمله أكثر متعة لقربها الدائم.
استطاع رؤيتها يوميًا بلا استثناء، لأنه حتى في أيام إجازاتها يتحجج بألف حجة واهية ليراها.
فاق من شروده على صوتها الناعم.
"مستر رعد، مستر رعد."
"نعم يا منى، في حاجة؟"
"أصل أنا بقالي ساعة بكلمك وأنت مش بترد علي."
"معلش، كنت سرحان شوية، أصل عندي معاد مهم النهارده."
"لو قصدك على عشا العمل عشان المناقصة الجديدة، فهو اتلغى وهيبقى الأسبوع الجاي إن شاء الله."
"لا، مش هو."
"اومال معاد إيه حضرتك؟"
"أصل حددت معاد مع أهل العروسة عشان نقرا الفاتحة النهارده إن شاء الله."
صدمة ألجمت لسانها وشلت أطرافها عن الحركة.
جاهدت لإخراج صوتها لتقول: "ألف مبروك."
قسم إنه رأى دموعها المتحجرة التي تحارب لعدم إنزالها.
ليقول بخبث أكبر: "الله يبارك فيكي، عقبالكم."
"إن شاء الله."
لتخرج فورًا حتى لا تنهار أمامه.
وصلت لمنزلها والدموع تغشى عينيها.
دلفت إلى غرفتها لترتمي على فراشها تبكي بشدة.
تركت لدموعها العنان، فقد خذلها فارس أحلامها وحبيب قلبها الذي عشقته بكل جوارحها.
ليغرز نصلًا حادًا في قلبها عند ارتباطه بغيرها.
كانت ترى نظرات الحب في عينيه وفي تصرفاته، حتى ظنت أنه يبادلها الشعور.
لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.
لتعلن أنها كانت مخطئة في إحساسها.
ليقطع شرودها دخول والدتها.
مسحت دموعها وابتسمت باصطناع حتى لا يكشف أمرها.
"إيه يا حبيبتي؟ جيتي من غير ما تعدي عليا في الأوضة يعني."
"معلش يا ماما، أصل تعبانة شوية."
"فيكي إيه يا منى؟"
"لا يا ماما، ده شوية إرهاق بس عشان الشغل، ما تشغليش بالك أنتِ."
"طب يا حبيبتي، أصل كنت جاية أكلمك في موضوع مهم."
"خير يا ماما؟"
"أصل فيه عريس متقدملك وجاي النهارده عشان نقرا الفاتحة. خالك هو اللي كلمني وقالي."
"إيه اللي أنتِ بتقوليه ده يا ماما؟ أنا مش موافقة."
"ومش موافقة ليه يا بنت بطني؟ العريس كويس وأنا وخالك موافقين عليه."
"هو كده، أنا مش عايزة أتجوزه."
"مفيش بنت مش عايزة تتجوز، وأنا قلت كلمتي خلاص. أنتِ هتقابليه وبعدين تقرري. جهزي نفسك، هما جايين بعد المغرب."
لتخرج غاضبة من رفض ابنتها لذلك العريس.
فهي مثل أي أم تريد أن ترى ابنتها بثوب الزفاف لشخص يناسبها.
جلست منى على فراشها تضم ركبتيها إلى صدرها تبكي وتشهق بشدة.
فكيف تتزوج وقلبها مع آخر؟
لتأخذ قرارها حتى تتخلص من ذلك العريس.
في المساء، ارتدت منى ثوبًا أبيض طويلًا به لمعة وردية اللون مع حجاب وردي يحجب خصلاتها البنية بلون العسل.
مع مكياج خفيف يبرز جمالها بصورة مغرية.
لتدخل حاملة الضيافة لذلك العريس.
لتصدم وتشهق بقوة ناعمة.
توسعت عسليتها اللامعة من الدهشة من ذلك الرعد الجالس يبتسم بخبث وهو يطالع صدمتها بوجوده.
وأنه العريس المنتظر.
لتجلس بجوار والدتها وما زالت تحت تأثير الصدمة.
"أنا يسعدني جدًا يا مدام هالة إني أطلب منكِ إيد الآنسة منى على سنة الله ورسوله."
"والله يا بني، أنا معنديش مانع، بس الرأي رأي خالها، هو اللي مربيها بعد أبوها الله يرحمه."
لتلتفت إلى كامل أخيها، ذلك الرجل ذو الهيبة والوقار.
تبدو الطيبة على ملامح وجهه الذي يغزوه الشيب.
"أنا مش هلاقي لبنت أختي راجل أحسن منك يا رعد يا بني. أنا أعرف والدك الله يرحمه من زمان، وأنا متأكد إنه رباك أحسن تربية."
"الله يرحمه. أفهم من حضرتك إنك موافق؟"
"أيوة يا بني، على خيرة الله. بس لازم نسأل العروسة الأول."
ليوّجه نظره لمنى التي تخفض نظرها بخجل.
"أنتِ إيه رأيك يا منى؟"
"اللي تشوفه يا خالي."
لتهمس والدتها بجانب أذنها بصوت منخفض: "يا سلام! مش ده اللي مش عايزة تتجوزيه؟"
"بس يا ماما."
"خلاص يا بني، إحنا موافقين. على بركة الله."
"يبقى نقرا الفاتحة ونكتب الكتاب الخميس الجاي، والفرح بعدها بشهر."
"أنت مستعجل كده ليه يا بني؟"
"خير البر عاجله. وأنا أعرف الآنسة منى بحكم شغلي عندي، عشان كده بقول نخليها جواز على طول. إيه رأيك؟"
"والله يا بني، الرأي رأي أمها، وهي مقدرش أفرض رأي عليه."
"مفيش مانع يا بني، إحنا موافقين. على بركة الله. نقرا الفاتحة."
لتتم قراءة الفاتحة تحت نظراتهم العاشقة وقلبها الذي يرقص فرحًا لقرب تحقق حلمها.
ونبضات قلبه العالية التي تعبر عن سعادتها لقرب امتلاك محبوبته.
ليخرج من بيتها على أمل اللقاء، لتكون مدام رعد الشرقاوي.
في فيلا الدمنهوري، تحديدًا في غرفة حور، كانت ترقص وتتمايل ببراعة مغرية.
بردائها الأزرق القصير الذي يصل إلى فخذها، يظهر ساقيها الناعمتين.
تحد من توترها، فكلما اقترب موعد زفافها على معذبها، تتعالى دقات قلبها.
ولا تدري ما تفعل.
لتفرغ طاقتها في الرقص.
لتنتفض عندما شعرت بيد تحيط خصرها النحيل.
لتتسرب رائحة عطره الفاخرة إلى أنفها.
لتتعرف فورًا على هوية محاصرها.
يهمس في أذنها بصوت مغري ثقيل.
"مش من مصلحتك اللي أنتِ بتعمليه ده."
لتلتفت تنظر له باستفهام.
فهمه، ليجيب قائلًا: "رقصك وحركاتك بتخليني عايز أعمل حاجات مش كويسة خالص."
ابتعدت عنه بخجل، ليتحول وجهها إلى الاحمرار القاني.
ليعود محاوطًا خصرها مرة أخرى، يلصقها به أكثر.
شاعرا بمفاتن جسدها على جسدها.
ليغمض عينيه مستلذًا بقربها، يتمالك نفسه بصعوبة يحسد عليها.
ليقول بصوت أثقلته الرغبة: "أنا مش عارف هستحمل اليومين دول إزاي. أنا عايزك أوي."
تدفن رأسها في عنقه بخجل شديد من مغزى كلماته المنحرفة.
لتضرب صدره بقبضتها الصغيرة معترضة على حديثه.
ليشدد على جسده، يضمها إليه بقوة.
ليصدر عنها تأوهات ناعمة أهلكته، تدمر حصونه.
لتصبح غير قادرة على التحكم بنفسه.
ليهبط على شفتيها يقبلها برقة خشنة وقوية.
يعض على شفتيها السفلى بإغراء.
لتتجاوب معه، تبادله شغفه العارم بخجل.
لتتسلل يديه إلى خصلات شعرها الناعمة يعبث بها كما يشاء.
جاذبًا إياها، معمقًا قبلته أكثر فأكثر.
حتى تجرأت يديه على كامل جسدها يستبيحه بحرية.
وتتجول يداه عليه برقة ولمسات خبيرة تفقدها السيطرة على نفسها.
تتجاوب معه بكل حواسها العاشقة له.
لتشعر به يعبث بأزرار قميصها الحريري يحلها ببطء.
شاعرة بكفه يلامس جسدها بحميمية بالغة.
وينحدر بقبلاته إلى عنقها.
وكل ما تطوله شفيته الخبيرة من جسدها الذي ظهر أمامه بوضوح.
حملها بين ذراعيه يتجه نحو فراشها بشغف.
بشغف أكبر، يقبل كل إنش منها.
لتشهق وتطلق صرخة ناعمة.
ليحتضنها جاسر بقوة وتملك عند إتمام امتلاكه لها.
دافنًا رأسها بين خصلاتها.
ليحل مكان الألم شعور جميل ممتع يصل بها لأعلى درجات النشوة والاستمتاع.
ليقبل شفتيها قبلة رقيقة يعتذر عما تسببه لها من ألم.
ليزيل خصلات شعرها المبتلة من أثر الانفعالات التي مرت بها.
مبتعدًا عنها، واضعًا وسادة تحت ظهره العاري.
جاذبًا إياها على صدره العاري.
يقبل رأسها هامسًا بحب شديد: "مبروك يا مدام جاسر الدمنهوري."
لتدفن رأسها بخجل في صدره ساقطة في نوم عميق.
وما هي إلا لحظات حتى تبعها حين ضمها إليه بعشق وسعادة بامتلاك حوريته الصغيرة.
في الصباح، اخترقت أشعة الشمس نوافذ غرفتها.
لتتململ بنعومة داخل أحضانه الدافئة.
لترفع رأسها من صدره الصلب لتتوسع عيناها بشدة وتشهق عاليًا.
لتستوعب أنها عارية بين أحضانه لا يسترها سوى ذلك الشرشف الذي يغطي جسدهما.
ليتسلل إلى ذهنها أحداث البارحة بكل تفاصيلها.
ليغزو الاحمرار وجنتيها.
تبتسم بخجل، نعم لقد سلمته نفسها بكامل إرادتها.
أصبحت له بكل معنى الكلمة.
لقد وشّم جسدها بوشمه للأبد.
سعيدة بهذا الشعور، ولكن هناك شعور طفيف محزن ينمو بداخلها.
لأنها تدري أنه ما كان يجب أن يحدث ذلك إلا بعد الزفاف.
لكنها نفضت تلك الأفكار من رأسها.
لتقول: إنه زوجها أمام الله، فلما لا تصبح ملكه إذا أرادوا ذلك.
فليذهب الجميع إلى الجحيم ما دام لم يرتكبوا خطأ يغضب ربهم.
لتقترب منه ببطء، تمرر كفها على طول وجهه الوسيم المهلك.
تمعن النظر في سارق قلبها وحاضن جسدها وروحها.
طبعت قبلة رقيقة على شفتيه الجذابة وهمت بالابتعاد.
إلا أنه فاجأها وهو يميل عليها، يعتليها ملتهما كرزيتها بنهم شديد.
لترفع ذراعيها تحيط عنقه، تدفن يدها الصغيرة في خصلات شعره الناعمة تقربه لها أكثر.
لتفقد عقله بحركتها تلك.
ليعمق قبلته أكثر، يكتسح شفتيها بقوة.
فابتعد عنها عندما شعر بحاجتها للتنفس.
يمرر فيروزتاه على وجهها المحتقن بالحمرة القانية.
شفتيها المتورمة التي تحولت للون الوردي المغري.
علامات حبه التي زينت عنقها الأبيض المرمري.
كتفها العاري الذي يغطيه الشرشف فيظهر بداية صدرها.
لتصبح كتلة من الإثارة المهلكة التي لا ترأف بحاله أبدًا.
ليردف قائلًا بحنان: "حاسة بألم؟"
وهي تكاد تموت من فرط خجلها: "لا، أنا كويسة."
"أنا آسف يا حبيبتي، أنا عارف إن ده ما كانش لازم يحصل دلوقتي، بس غصب عني. سامحيني، يا ريتني كنت موت قبل..."
لتبتر كلماته واضعة كفها الناعم على شفتيه تمنعه من الإكمال.
لتردف بنعومة تشوبها الخجل: "بعد الشر عنك يا حبيبي، أوعى تقول كده يا جاسر تاني. أنا مقدرش أعيش من غيرك، أنت كل حياتي. قلبي ما يقدرش يبعد عنك أبدًا. وإن كان على اللي حصل، فأنت جوزي، يعني أنت معملتش حاجة غلط."
رمش جفونه مصدومًا من حديثها الذي أشعل بداخله نيران العشق الدائم الذي لا ينتهي إلا بموته.
ليقول بلهفة شديدة: "حور، أنتِ بتتكلمي بجد؟ يعني أنا حبيبك؟"
لتقاطعه مردفة بابتسامة: "أيوا يا جاسر، أنا بحبك، بحبك أوي."
فرح كثيرًا بهذا الاعتراف ودقت أجراس قلبه بعنف من شدة السعادة.
ليردف بشوق: "متعرفيش أنا فرحان قد إيه، حاسس إني بطير من الفرحة. عايزك معايا على طول، أنا بعشقك يا حورية قلبي."
قابله ببسمة عاشقة له بكل ذرة في جسدها.
لتغيم فيروزتاه بلون قاتم، حفظته عن ظهر قلب، قائلة بحذر رافعة سبابتها: "أوعى تفكر..."
رفع حاجبه بخبث مردفًا: "هو أنا بفكر في إيه؟"
خفضت عينيها بخجل واندفعت الدماء لوجنتيها.
لتتعالى صوت ضحكاته الخبيثة قبل أن يميل عليها لاثمًا شفتيها بحب ورقة بالغة.
ليبتعد عنها بعد دقائق لا تعلم عددها.
قالت وهي تشتعل خجلًا: "اخرج بره عشان أقوم."
"طب ما تقومي، إيه اللي مانعك؟"
"ارجوك قوم، أنا مش هينفع أقوم كده."
"طب ما أنا كمان زيك مش هينفع أقوم كده."
"أيوا بس أنا مش هبص عليك، بس أنت مش مضمون."
قهقه بشدة عليها، ليجذب بنطاله يرتديه بخفة ويبقى عاري الصدر.
نظر لها بمكر قائلًا: "خلاص، تقدري تقومي."
لفت الشرشف حول جسدها بإحكام حتى لا يظهر أي جزء منها سوى كتفيها.
لتهم بالوقوف إلا أنها تراجعت جالسة مرة أخرى تشعر بألم شديد لا تقوى على المشي بسببه.
ليطالها وجهها المنكمش ألمًا.
ليردف بقلق: "مالك يا حبيبتي؟ أنتِ تعبانة؟"
"أصل مش قادرة أمشي."
وقد تفهم ما يحدث معها، فقال بنبرة نادمة: "معلش، أنا آسف."
وباغتها فجأة عندما حملها بين ذراعيه يتجه بها إلى المرحاض.
لتشهق بخجل: "جاسر، نزلني، أنا هروح لوحدي."
"لا."
ودلف بها إلى الحمام ليجلسها على طرف المغطس الرخامي.
وبدأ بملء البانيو بالماء الدافئ.
وقام بإضافة سائل الاستحمام المنعش برائحة الخوخ الممزوجة بالافندر الرائع.
حملها برفق بعد أن نزع الشرشف تحت اعتراضها الشديد.
وضعها داخل المغطس الدافئ لتشعر براحة تسير في جسدها مع ألم طفيف يبدأ بالزوال.
مغمضة العينين، لا تسطيع مواجهته من فرط خجلها.
لتشعر به يطبع قبلة حانية على خصلاتها مردفًا بحنان: "افردي رجليك عشان ترتاحي، وأنا هروح أجيب لك الفطار."
ومأت برأسها، ليتركها متجهًا إلى غرفته يأخذ حمامًا دافئًا يريح جسده.
ليخرج مرتديًا ترينغ أسود مع قميص أبيض يبرز عضلات صدره القوية.
نزل إلى الأسفل يأمر الخادمة بتحضير سفرة إفطار صغيرة.
ليأخذها متجهًا إلى غرفتها.
خرجت تجاهد تعبها، ترتدي فستانًا طويلًا أبيض بدون أكمام.
لتجلس على طرف الفراش تنتظره.
وجهها يكاد يحترق من شدة الخجل كلما تذكرت ما حدث بينهم.
لترفع رأسها عند فتح باب حجرتها تتطالعه بنظرات خجلة وهائمة.
ليبتسم على فعلتها، فتلك الحورية أصبحت ملكه بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
اقترب منها واضعًا الصينية على الطاولة.
يتجه نحوها ليجذبها، تجلس على قدميه لتشهق بخجل.
تحاول الابتعاد إلا أنه أحكم قبضته على خصرها لتستسلم له بيأس.
يقرب الطعام من فمها يطعمها بحنان كأنها ابنته المدللة.
تبتسم له بحب وخجل، ليبادلها بأخرى عاشقة ومتيمة.
انتهت أخيرًا من طعامها بعد فترة من المشاكسات والغزل المستمر.
لينزلوا سويا، كفه يلامس كفها بحب شديد.
تحت نظرات سليم المندهشة والسعيدة في نفس الوقت.
لا يستطيع تصديق ما تراه عيناه، يبدو عليهم العشق من نظراتهم لبعضهم.
ليحمد الله على قراره بشأن زواجهم.
"جدو، أنا هاخد حور بعد الكلية نتغدى سوى."
"ماشي يا حبيبي."
"تمام، يلا يا حبيبتي."
"مع السلامة يا سلومتي."
"مع السلامة يا قلب سلومتك."
"ما تجيب اتنين لمون بالمرة."
"أنت مالك؟ واحد وحفيدته."
"أيوا صح، أنت مالك؟"
"ماشي، حسابك بعدين."
ليمسك بكفها ساحبًا إياها ورائه نحو السيارة.
لتركب بجواره قائلة بدلع: "حبيبي زعلان ليه؟"
"اخرسي، خالص."
"كده يا جسورة؟ طب أنا آسفة، ده جدو يا جاسر."
"وأنا قلت ميت مرة أنا بغير عليكي من أي حد، حتى جدي."
تحاول تهدئة الموقف لتردف بحنان: "طب أنا آسفة، قولي إيه اللي يرضيك وأنا أعمله."
"بوسيني."
خرجت منها شهقة عالية دلالة على خجلها: "أنت بتقول إيه؟ لا طبعًا."
هز كتفه بعدم مبالاة: "خلاص، أنت حرة، بس متزعليش مني بعد كده."
"هتعمل إيه يعني؟"
"أبدا، هنرجع الفيلا دلوقتي وأكمل اللي كنت بعمله امبارح."
"طب بص، غمض عينيك."
ركن السيارة بجانب الطريق ونظر لها بمكر ثعلب مردفًا: "لا مش مغمض. هتبوسى ولا نرجع؟ وأنا الصراحة أرجح ما تبوسيش ونرجع."
"لا لا، خلاص."
لتقترب منه ببطء، تضع شفتيها الناعمة على وجنته تقبله برقة وخجل لتبتعد عنه مسرعًا تخفض بصرها.
ليقول بهدوء مخيف: "أنتِ اللي جبتيه لنفسك يا قطة."
ترفع رأسها تنظر له باستفهام، وما لبثت حتى أرجع كرسيها إلى الوراء بحركة مفاجئة.
لتشهق بقوة، تضع يديها على صدره قائلة: "أنت بتعمل إيه؟ إحنا في الشارع يا مجنون."
ليميل عليها برأسه أكثر مبتلعًا باقي حروفها بشفتيه.
يقبلها برقة مختلطة بالقوة، ظلوا كذلك لدقائق لا يعلم عددها.
سالبًا أنفاسها، لتمتد يده تعبث بجسدها.
لتشعر به يتمادى أكثر وبجرأة.
لتفيق فورًا عندما أدركت وضعهما، تضرب صدره بقوة.
ليبتعد عنها لاهثًا، ليسمع صوت طرقات على باب نافذة السيارة.
لتعدل حور من حجابها وملابسها بخجل.
فتح النافذة ونظر لطارق ببرود قائلًا: "نعم، في حاجة؟"
"نعم الله عليك يا حبيبي، فاكر نفسك في أوضة النوم؟ انزل أنت وهي."
نزل جاسر بغضب: "أنت مجنون؟ أنت مش عارف بتتكلم مين؟"
"مش عايز أعرف، ويلا هات السنيورة على البوكس."
"صدقني، هتندم على اللي بتعمله ده."
"وقت الندم فات، مش كنت واخدها شقة مفروشة بدل المرمطة دي."
"دي مراتي يا حيوان."
"هو أنا كل ما أقبض على حد يقولي مراتي، يلا يا بابا عندنا شغل."
ليرتفت للشرطي قائلًا: "هاتوهُم."
أمسك جاسر يدها ليقول مطمئنًا إياها: "معلش، مش هيحصل حاجة، أوعدك."
"يا لهوي، إحنا اتفضحنا! منك لله يا جاسر، أشوف فيك يوم."
"يلا، أنتوا لسه هتحكوا، يلا يا بني."
في أحد أقسام الشرطة، كان يقف بشموخ وغروره المعتاد، غير مبالٍ بما يحدث.
جالسًا ينتظر أحد الضباط في مكتبه للتحقيق في الحادثة.
ليدخل شاب ثلاثيني ذو جسد رياضي بحكم عمله كضابط شرطة، وسيم للغاية بأعين زرقاء وشعر أسود.
ليرفع وجهه يطالع المتهمين، لتتوسع عيناه من الصدمة قائلًا: "مش معقول! جاسر الدمنهوري."
"مروان الزينى."
اقترب منه يحتضنه بشوق حارق مردفًا: "وحشتني يا صاحبي، عامل إيه؟"
"وأنت أكتر، اختفيت فين كل ده؟"
"هحكيلك كل حاجة بعدين، المهم أنت إيه اللي جابك هنا؟"
"احم احم."
"بس بس، ما دام فيها احم يبقى كنت بتعاشر يا نمس."
"لا طبعًا، أنت فهمت غلط. الموضوع إنه كنا أنا والمدام في العربية والظابط جه وفهمنا غلط وجابنا على هنا، ومصر إن أنا كداب وإنها مش مراتي."
"يا راجل! فهمك غلط برضه ولا أنت اللي مش راحم نفسك؟"
"متلم نفسك يا مروان، بدل ما ألمك أنا. بقولك مراتي."
"طب يا سيدي اهدى، أنا هشوف الموضوع ده."
ليدلف الضابط الذي قبض عليهم.
"عابد باشا."
"إزيك يا مروان؟ خلاص حققت معاهم؟"
"لا يا عابد، الموضوع عندي، أنت فاهم غلط، ده جاسر الدمنهوري صاحبي، طبعًا غني عن التعريف، ودي المدام."
وأشار إلى حور التي تجلس بخجل من الموقف.
"والله يا مروان بيه، أنت عارف دي إجراءات، أنا بس عايز القسيمة عشان أتأكد."
بالحديث إلا أن جاسر قاطعه قائلًا بصرامة: "خلاص يا مروان، أنا هبعت حد يجيب القسيمة عشان عابد بيه يتأكد."
"وهو كذلك، أنا مستني في مكتبي."
وخرج متجهًا إلى مكتبه.
"قولي بقى أخبارك إيه، وأخبار حازم ورعد وسليم بيه؟"
"كلهم كويسين الحمد لله، أنت اللي رحت وقلت عدوليم."
"مكنش سهل عليا أقعد هنا بعد اللي حصل."
"طب عملت إيه لما سافرت؟"
"اسمع يا سيدي..."
في منزل نغم:
تململت ببطء فوق جسده لتنتفض بسرعة فور شعورها أنها لا تستند على وسادتها بل على صدره.
لتهب صارخة: "أنت يا بني آدم اصحى!"
"إيه؟ في إيه؟ البيت بيولع؟"
"أنت إيه اللي خلاك تحضني وأنا نايمة؟"
"والله ده مش أنا، أنتِ اللي كل ما أبعد عنك تلزقي فيا، حاجة تقرف."
"أنت مجنون؟ أنا مستحيل أعمل كده."
"والله ده اللي حصل، مش مصدقة، أنت حرة."
انتبه إلى رنين هاتفه يضيء باسم جاسر ليجيب: "الو يا جاسر..... إيه؟ طب أنا جاي..... تمام، مع السلامة."
"في إيه؟"
"صاحبتك اتفشت آداب."
"ناااااااعم."
"عقبالنا أما نتلف في ملاية."
احتقن وجهها من الغضب والخجل: "أنت قليل الأدب."
"أه، ما أنا عارف، وسافل كمان. سلام بقى."
ليخطف قبلة سريعة من شفتيها الكرزية وخرج مسرعًا إلى قسم الشرطة.
وضعت يدها على شفتيها بصدمة: "لا، هو ما بصنيش، أكيد ده حلم، أيوا حلم."
في قسم الشرطة، دلف حازم ومعه قسيمة زواج جاسر وحور.
ليقابل مروان الذي رحب به واحتضنه بحب أخوي.
"عشمن شافك يا برنس."
"وحشتني يا زوما والله."
"وأنت أكتر، المهم خلاص هنرجع زي زمان."
"أيام الشقاوة، أيوا بقى."
"بس أنت وهو، أنا عايز أخرج هنا."
"بس يا رد السجون، اشحال ما كنت مقفوش آداب ده، سليم لو عرف هيعلقك."
"أه، ومين بقى هيقوله؟"
"إحنا طبعًا."
"تمام، بس محدش يزعل مني بعد كده. يلا يا حور."
ليمشك يدها تاركًا إياهم يفكرون.
"تفتكر قصده إيه؟"
"أكيد هنتشلوح."
"أنا واثق من كده."
لتتعالى ضحكاتهم بمرح مواصلين الحديث عن حياتهم ومغامراتهم.
أوصل جاسر حور إلى الجامعة واتجه إلى شركته يباشر مهام عمله.
في إحدى الشقق الفاخرة، تجلس سالي تتحدث على الهاتف مع أحدهم.
"يعني أعمل إيه يعني أكتر؟ كل ما أقرب منه يصدني ويزعق لي، ولولا إني شاطرة في شغلي كان طردني من زمان."
"تصرفي يا سالي، كل اللي يهمني إنه حياته مع مراته تدمر."
"أنا بحاول."
"مفيش حاجة اسمها هحاول، ولا أنتِ عارفة أنا ممكن أعمل إيه."
"ماشي، إن شاء الله. مع السلامة."
"وبعدين بقى؟ أنا لازم ألاقي طريقة بسرعة وإلا هضيع. اوف."
لدخل غرفتها ترتدي ملابسها الفاضحة متجهة إلى الشركة.
رواية ضحية جاسر الفصل التاسع عشر 19 - بقلم نور
اتفق رعد مع عائلة منى على عقد قرانه في يوم حفلة حناء حور التي سوف تقام بعد يومين.
لتجتمع الفتيات عند حور في القصر لمساعدتها في تحضيرات الحفل، فقاموا بشراء الفساتين القصيرة الرائعة والتي لا يعلم عنها الشباب شيئًا.
قبل الحفل بيوم، أصرت حور على مكوث منى ونغم معها، ليوافق الجميع ويجتمعوا في غرفة واحدة يتحدثون بمرح.
حور بابتسامة حالمة:
أنا مش مصدقة إني هتجوز جاسر خلاص. هيييح بقى.
منى:
قوليلي بقى، دا انتي واقعة بقى.
حور ببلاهة:
أوي أوي.
نغم:
طب وايه اللي حصل خلاكي تغيري رأيك كده؟
حور:
معرفش، بس لقيت نفسي بحبه، لأ بعشقه.
نغم:
آه واي كمان يا آنسة؟
حور:
مدام، لو سمحتي.
منى باستنكار:
وده من امتى إن شاء الله؟
حور بغباء:
من امبارح.
منى:
لما؟
حور وقد تداركت ما تقول من حماقة:
ها، أنا قصدي يعني لما كان بيقولي بحبكم.
منى:
إيه ده بجد؟
نغم:
طب أنا مش مصدقاكي.
منى بمكر:
ولا أنا، مش عارفة ليه حاسة إنكم…
حور بخجل:
لأ طبعًا، الي انتي بتقولي ده.
منى:
الله الله، إيه ده، دا إحنا احمرنا. وبعدين أنا مكنش قصدي حاجة، انتي اللي دماغك سافلة.
حور:
وبعدين بقى، اخرصوا بقى وكل واحدة تتخمد.
نغم وهي تسحب غطائها:
تصبحي على خير يا بتاعة جاسر.
حور:
وانتي من أهله يا بتاعة حازم.
تذمرت نغم نفسها بغيظ وأغمضت عينيها تستقبل النوم، ومثلها فعلت منى. أما هي فلم تستطع النوم، فقررت بعد عدة مشاورات بين عقلها وقلبها، فانتصر قلبها لتقرر الذهاب لغرفته، فهي أصبحت لا تستطيع النوم بدونه.
خرجت تتسحب بهدوء حتى لا توقظ أحد. وقفت عند باب غرفته لتأخذ شهيقًا عميقًا قبل أن تطرق بابه، ليطل عليها بشورت أسود قصير وجذعه العلوي عارٍ، ليبتسم لها ابتسامة عاشقة.
جاسر:
كنت عارف إنك جاية.
حور:
ها.
جاسر:
اتعوتي على حضني صح؟
هزت رأسها موافقة بخجل بالغ.
جاسر:
طب تعالي، بس على فكرة انتي اللي جبتيه لنفسك.
وأنهى حديثه بغمزة وقحة.
حور:
طب سلام عليكم.
أمسك يدها يجذبها إليه، مغلقًا الباب خلفه، محاوطًا إياها على أحد الزوايا، وقال بهمس مغرٍ:
أنا مش مسؤول على اللي هيحصل، على فكرة.
حور بتلعثم:
عـ عـ فكرة أنا كـ كنت جاية عـ عشان أنام بس.
جاسر بمكر:
طب ما أنا عارف. يلا ننام.
حور بعدم تصديق:
بجد، يعني مش هتعمل حاجة؟
جاسر بخبث:
وانتي عايزاني أعمل؟
حور بخجل وتلعثم:
لأ، مش كده.
جاسر:
خلاص، يلا عشان ننام.
همت بالذهاب ناحية الفراش، إلا أنها وجدت من يجذبها ملتهما شفتيها بشغف، عابثًا بحمالة قميصها ليسقط أرضًا على الفور، لتشهق بخجل تحاول إخفاء جسدها من نظراته الوقحة، ليرفعها على ذراعيه متجهًا بها إلى فراشه الذي سوف يشهد على التحام أرواحهم قبل أجسادهم، يذيقها حلاوة عشقه ويضيعا في عالم لا يوجد به سواهم.
في صباح يوم جديد مليء بالأحداث، استيقظ جاسر يطالع تلك الحورية القابعة بين ذراعيه بشعرها المنثور على وجهها يخفي ملامحها الفاتنة، ليزيح خصلاتها ناظرًا إلى وجهها وعنقها اللذان يحملان آثار جنونه بها وشغفه الواضح منذ الأمس، ليهبط مقبلًا شفتيها المتورمة برقة بالغة جعلتها تئن بخفوت، لتفتح غابتها الزيتونية تنظر إليه بحب شديد، مبتعدًا عنها حتى تستطيع أخذ أنفاسها المسلوبة.
جاسر ببحة رجولية:
صباح الخير يا قمر.
حور بخجل:
صباح النور.
جاسر:
بحبك.
حور:
وأنا بموت فيك على فكرة.
جاسر:
شكلنا مش هنقوم من هنا أبدًا.
حور:
لأ طبعًا هنقوم، مش كفاية ضيعت علينا صلاة الفجر.
جاسر بخبث:
أنا برضه، ولا انتي؟
عندما وضعت يدها على فمه تمنعه من الإكمال، لتردف بخجل:
أبوس إيدك ما تكمل.
أزاح كفها الناعم ليقول:
على فكرة انت السبب.
حور:
طب أوعى عشان عايزة آخد شاور.
جاسر:
تمام.
يلاحور باستغراب:
على فين؟
جاسر ببرائة:
هناخد شور.
حور بحدة:
أنا قولت هاخد، مش ناخد.
جاسر بخبث:
طب وهتفرق إيه؟
لينحني عليها حاملاً إياها متجهًا بها إلى المرحاض تحت صراخها واعتراضها الشديد.
استيقظ كلا من منى ونغم يبحثون عن حور، فظنوا أنها قد استيقظت قبلهم ونزلت لأسفل، لترتدي كل واحدة ملابسها وينزلوا للاستعداد للحفل من بداية اليوم.
ذهب جاسر إلى الشركة بعد عدة مشاكسات بينه وبين زوجته الصغيرة، الذي عشقها بكل تفاصيلها الصغيرة منها والكبيرة، بينما انشغلت الفتيات بتزيين القصر استعدادًا للاحتفال مع حضور نورهان لتتولى مهمة إطلالتهم الساحرة.
في المساء، أصبح الجميع متأهبًا لحضور حفل الحناء الخاص بحفيدة الدمنهوري، لتظهر حور بفستانها الأحمر الناري الذي يلائم ويبرز منحنيات جسدها الممشوق، عاري الظهر بدون أكمام يصل لركبتيها، مع مكياج سهرة ساحر ذو أحمر شفاه أحمر قاني يزين كرزيتها، تاركة لخصلاتها السوداء العنان.
لتطل بعدها نغم بثوب بنفسجي لامع بفصوص فضية لامعة، ضيق عند الصدر بحمالات رفيعة يصل إلى فخذها، مع أحمر شفاه بنفسجي بسيط.
تتبعها منى بفستان أسود قصير بدون أكمام يعكس جمال ونقاء بشرتها البيضاء، مع مكياج خفيف وأحمر شفاه باللون الأحمر يناسب إطلالتها الساحرة.
بدأت أجواء الاحتفال وبدأ صوت الأغاني الحماسية يصدع بأرجاء القصر، لتتمايل الفتيات وأصدقائهم عليها بخفة وإثارة، لتدلف المرأة المتخصصة برسم الحناء، لتختار الفتيات تصاميم ساحرة ومثيرة، وتبدأ المرأة بالرسم تحت حماسهم ومرحهم المعتاد.
عند الشباب، تم كتب كتاب رعد ومنى، حيث كان وكيلها خالها كامل، وتعالت الزغاريد من قبل والدتها، وتلقى رعد التهاني من أصدقائه، وكان ذلك بحضور مروان الذي أصر رعد على قدومه، ليطلب رعد بتلهف رؤية منى، لتوافق والدتها وطلبت منه الانتظار حتى تناديه، فجلس ينتظر على أحر من الجمر حتى يرى فاتنته ومعذبة قلبه.
عند الفتيات، دلفت والدة منى لتخبر الجميع بانتهاء مراسم الزواج، لتعالى أصوات التهاني والتبريكات، واحتضنت الفتيات بعضهم البعض مباركين لها زواجها من رعد.
حور:
ألف مبروك يا مينو.
منى:
الله يبارك فيك، أنا مش مصدقة، حاسة إني بحلم.
نغم:
أنا مش عارفة، مسروعين على إيه، لأ ومدلوقين كمان.
منى:
عقبال ما تتدلقي زين.
نغم بغرور:
أنا لأ طبعًا.
حور:
بكرة نعد على الحيطة.
منى:
ونسمع الظيطة.
لتتعالى ضحكاتهم المرحة.
هالة:
تعالي يا منى، رعد عايز يشوفك.
منى بتوتر:
ها، طب استني هروح أغير الفستان وألبس حجاب وأجي.
هالة:
انت عبيطة يا بنتي، ده جوزك، وبعدين ما انت قمر أهو، يلا الله يرضى عليك، الراجل مستني.
تنهدت باستسلام وذهبت خلف أمها إلى إحدى الغرف الخاصة بالضيوف تنتظره بتوتر بالغ ونبضات قلب متعالية.
دلفت هالة على الشباب لتخبر رعد أن منى جاهزة، ليسألها جاسر بلهفة.
جاسر:
هي حور فين يا طنط هالة؟
هالة بخبث:
وانت عايز تعرف ليه؟
جاسر باحراج:
لأ أبدًا، بس كنت عايزها في حاجة.
هالة:
هي مع البنات تحت، تحب أندهلك عليها؟
جاسر بحماس ولهفة:
ياريت، أقصد يعني لو ينفع.
هالة:
خلاص روح انت استنى في الأوضة اللي هناك وأنا هبعتهالك.
جاسر بفرح:
شكرًا يا طنط، بس يعنى ممكن ما تقوليش إني عايزها، انت بس ابعتها.
هالة بابتسامة:
حاضر يا بني.
خرج رعد مسرعًا ليلتقي بحبيبة قلبه، ليدلف إلى الغرفة متسمرًا مكانه من هول ما يرى أمامه، حورية من حوريات الجنة نزلت من السماء لتتجسد في صورة زوجته، التفتت إليه بنظرات متوترة، عاشقة، محبة، حائرة، مزيج من المشاعر التي لا تدري ما هي، لتلاحظ اقترابه لتهب واقفة تتراجع للخلف حتى حاصرها على أحد الأركان، لتتعالى دقات قلبها النابض بعشقه ولا تقوى على تهدئته جراء قربه المهلك، كان يطالعها بنظرات عاشقة محبة، يمرر عينيه الحادة كالصقر على كل إنش بوجهها الذي احمر خجلاً من فرط توترها، ليهمس بجانب أذنها قائلاً:
مبروك يا منايا.
جاهدت لإخراج صوتها لكنها لم تستطع، ليتابع بنفس الهمس:
بحبك يا مراتي.
نظرت له بعينين متسعتين من الصدمة، هل يحبها؟ هل يبادلها المشاعر؟ هل ما تراه في عينيه من نظرات عاشقة حقيقة؟ يا الله، هل أنا أحلم أم على أرض الواقع؟ هل أصبح لي وأصبحت له أم أتوهم؟ لتفيق على صدمة أخرى عندما أحست بشفتيه تتطبق على شفتيها يقبلها برقة ويسرق عذرية شفتيها وقبلتها الأولى، ليبتعد عنها ناظرًا إليها بحب وعشق دفين تترجمه نظرات أعينهم فقط، ليردف بخبث:
انت هتفضلي مغمضة كده كتير؟ عشان بشكلك ده مش هسيبك وهاخدك معايا فيلتنا حالًا.
تتيقظ حواسها وتفتح بندقيتيها وتدفعه بعيدًا، لتخرج مسرعة تصلها ضحكاته الماكرة.
عند نغم، كانت تتراقص على أغانيها المفضلة تحت تشجيع الفتيات، لتسمع صوت رنين هاتفها لتبتعد قليلًا حتى تجيب.
نغم:
الوحازم.
حازم:
خمس دقائق والأقيكي جنب باب المطبخ الخلفي.
نغم:
نعم، انت مين أساسًا؟
حازم:
مش عيب يا قطة، متعرفيش صوت جوزك؟
نغم بدهشة:
حازم؟
حازم:
عليكي نور، انجزي يلا، وإلا قسمًا بالله ما هيحصل طيب.
وأغلق الهاتف في وجهها، لتطالع الشاشة بصدمة.
إيه ده، هو فاكر نفسه مين؟ طب أنا مش رايحة بالعند فيه بقى.
أما عند حور، فقد طلبت منها والدة منى الذهاب لأحد الغرف لجلب بعض الأغراض التي تخص الاحتفال.
دلفت إلى الغرفة تبحث عن الأشياء المطلوبة، ولكنها لم تجد شيئًا، فظنت أنها دخلت الغرفة الغلط، فقررت الخروج، إلا أنها شعرت بيد تحيط خصرها النحيل وشفاه دافئة تطبع قبلات متفرقة على عنقها، لتعرف فورًا هوية محاصرها، أنه هو حبيبها ومعذب فؤادها، ومن غيره؟ الجاسر.
لتلتفت إليه تقابل تلك الأعين الفيروزية التي لطالما أسرتها بسحرها الخاص، لتبتسم بحب وترتفع ترتكز على أصابع قدميها لتصل إلى طوله، تحاوط عنقه بيديها تضمه إليها بحنان وحب بالغ، ليبادلها الاحتضان بعشق وسعادة، فتلك الحورية تبث فرحة من نوع آخر داخل قلبه ولا يستطيع مقاومتها، لتهمس بجانب أذنه بعشق:
أنا بحبك أوي يا جاسر.
ليقابلها بهمس آخر:
وأنا بموت فيكي يا قلب جاسر.
ليطبع قبلة دافئة على خصلاتها ليقول بمرح:
اطلعي بسرعة لحسن أنا الشيطان بيقولي على حاجات هموت وأعملها.
لتضحك برقة خارجة من الغرفة تحت نظراته العاشقة.
بعد انتهاء الحفل، ذهبت نغم إلى بيتها بابتسامة مرحة لعدم سماعها لحديثه وذهابها لمقابلته.
دلفت إلى غرفتها متجهة إلى المرحاض لتنعم بحمام دافئ يزيل إرهاق جسدها. أنهت حمامها وارتدت روب الاستحمام، لتخرج تجفف خصلاتها البنية اللامعة بمنشفة أخرى، لتصدم بذلك الذي يطالعها بأعين حادة مشتعلة من الغضب.
لتحاول الهرب إلا أنه فاجأها عندما لف يديه حول خصرها يجذبها إليه، لتصطدم بصدره ناظرًا بها مردفًا بغضب:
أنا قولتك إيه لما اتصلت بيكي؟
حاولت مداراة خوفها فقالت بتحدي:
مش فاكرة.
حازم بابتسامة مريبة:
بس كده، أنا هفكرك.
لينقض على شفتيها يقبلها بشراسة عنيفة، ويعض على شفتها السفلى يقضمها بأسنانه حتى شعر بطعم الدماء، ليبتعد عنها دافعًا إياها بقوة لتترنح وتترك لدموعها العنان تطالعه بنظرات غاضبة ومعاتبة.
فنظرت له قائلًا:
ده كان عقابك عشان مشيتي ورا دماغك ومسمعتيش الكلام.
وأمسك ذراعها بقوة حتى تأوهت بألم:
دي آخر مرة أقولك على حاجة وتعصيني فيها، الظاهر إن سكتلك كتير وأنا هربيكي من أول وجديد.
وتركها تسبح في بحر دموعها تتلمس شفتيها بألم، تتذكر قبلته العنيفة، لا تعرف لما حدث هذا، ولكنها توعدت له بالكثير.
رواية ضحية جاسر الفصل العشرون 20 - بقلم نور
في إحدى قاعات الأفراح المتميزة بالطابع العصري والمخصصة لحفلات الزفاف الأسطورية، يقف بحلته السوداء الأنيقة ينتظر عروسه وحورية قلبه التي سحرته بجمالها الخلاب، فرحة وسعادة تسري في كل ذرة من جسده.
لتنخفض الأنوار وتسلط الأضواء على أعلى المنصة، لتطل بثوبها الأبيض اللامع المنقوش من أحد أكبر بيوت الأزياء الفرنسية ليلائم جسدها، وذلك الحجاب الذي يضيف سحراً رائع الجمال.
تتأبط ذراع جدها والبسمة تعلو ثغرها الوردي المزين بأحمر شفاه رائع اللون.
"حسناً، سوف أعاقبها على هذا الجمال لاحقاً، ولكن الآن سوف أتمتع بلحظتي الفريدة معها."
سلمها جده له مع توصيات عديدة، يقابلها برحابة صدر وفرح شديد، لأنه قادر على حماية حوريته وزرع السعادة على أوتار قلبها.
ضمها إليه بعشق وشوق أثناء الرقصة الخاصة بالعروسين، حاضناً خصرها يهمس لها بكلمات تجعلها تذوب خجلاً.
جاسر
أنا مش مصدق اللي أنا فيه، أنتِ أخيراً بقيتي ليا ومحدش هياخدك مني أبداً.
حور
إن شاء الله، هنفضل مع بعض على طول.
احتضنها بقوة قائلاً:
إن شاء الله يا عشق جاسر.
في ناحية أخرى، تقف نغم بثوبها الأزرق القاتم تتابع ما يحدث بأعين دامعة حزينة، تتمنى أن تجد حباً مثل حب جاسر وحور، كم تتمنى رجلاً يحبها، يعشقها مثلما تقرأ في الروايات والقصص الرومانسية.
لتفيق على يد تحاوط خصرها، لتشهق بقوة، ليقول:
هش، دا أنا. تعالي نرقص.
نغم
مش عايزة أرقص.
حازم
أنا قولت إيه.
لتتذكر ما حدث منذ آخر لقاء بينهم، لتسير معه إلى منصة الرقص، ليبدأ بالرقص معها ببطء، سارحاً في عينيها الحزينة. كم أحس بالشفقة عليها، وأيضاً بالندم الشديد، فهو السبب بتلك الدموع العالقة ببندقيتيها الساحرتين.
ليهمس بجانب أذنها قائلاً:
أنا آسف يا نغمي، والله ما كنت أقصد، بس أنتِ اللي استفزتيني. أنا آسف بجد.
طالعته بدموع متحجرة لتقول بهمس مختنق:
بس أنت جرحتني أوي يا حازم.
"يا الله، هل اسمه بتلك الحلاوة أم أنه أصبح كذلك بعد ما نطقته بصوتها الناعم؟"
ليسحب شهيقاً عميق مردفاً بحنان:
معلش، أوعدك مش هتعصب عليكي تاني. سامحيني.
نغم
لا.
حازم بمرح:
طب عشان خاطر تيتة.
نغم
برضه لا.
حازم
طب إيه رأيك أعزمك على الغدا بكرة وأفسحك ونروح الملاهي.
لمعت عينيها بفرحة قائلة بحماس طفولي:
وتجبلي غزل البنات؟
حازم
طبعاً يا نغم.
نغم بحماس أكبر:
وشيبسي برضو.
حازم
وشيبسي يا ستي، بس المهم ما تزعليش.
نغم بفرحة طفلة:
خلاص مش زعلانه.
حازم
إيه ده بجد؟
نغم
أيوه، يلا بقى عشان نبارك لحور.
وتعلقت بذراعه بسعادة، ليردف بهمس:
متجوز طفلة.
على الجانب الآخر، على أحد الطاولات، يجلس ثنائي العشق الثالث، يهمس لها بكلمات الغزل الهائمة بجمالها، لتبتسم بخجل وتحمد ربها على زواجها منه، فقد أخذت من تحب ولا تريد شيئاً آخر.
رعد
ما تيجي أفرجك على الفيلم.
منى
لا، متشكرة، أنت مش مضمون.
رعد
ليه بس، دا حتى مؤدب.
رفعت حاجبها المنمق مردفة:
ماهو على يدي.
رعد
على فكرة أنتِ ظالماني، دا كنت هحكيلك حدوتة.
منى
حدوتة إيه؟
رعد بغمزة وقحة:
حدوتة بتجيب عيال.
منى بخجل:
أنت إنسان وقح وسافل.
رعد
مقبولة منك، بس الحساب يجمع يا قطة.
منى
طب يلا نرقص.
رعد بحماس:
يلا يا قلب رعد.
في المكان المخصص لجلوس العروسين، جاء سليم ليبارك لهما بفرحة جد يرى سعادة أحفاده، ليردف بابتسامة:
ألف مبروك يا ولاد، ربنا يسعدكم.
حور
الله يبارك فيك يا جدو.
جاسر بغمزة مرحة:
عقبالك يا سلومة.
سليم بحدة مصطنعة:
اتلم يلا.
وتابع بجدية:
بنت عمتك لسه موصلتش ليه؟
جاسر
أنا بعت السواق يجبها من المطار، وزمنها جاية.
حور بغيرة:
من دي يا جاسر؟
جاسر بخبث:
دي بنت عمتي، وحشاني جداً جداً.
حور بغيظ:
كده، طب كويس.
جاسر
يا عبيطة، بهزر معاكي، دي دنيا بنت عمتي داليا، كانت مسافرة تكمل دراستها ولسه راجعة.
حور
ماشي، بس مش غريبة إنك عمرك ما كلمتني عنها.
جاسر
عادي، بس أول ما تشوفيها هتحبيها أوي، أنا اللي مربيها على فكرة.
حور
طيب يا بابا، تعيش وتربي.
جاسر
بقيتي بيئة أوي يا حبيبتي، وأكمل بخبث: وبعدين مش عيب أبقى بابا بعد اللي حصل بينا؟
حور بخجل:
سافل.
جاسر باستفزاز:
عارف.
... جسورة قلبي.
التفتوا إلى مصدر الصوت، فإذا بفتاة شابة ممشوقة القوام ذات جمال مهلك، بأعين خضراء وشعر أسود قصير يصل إلى أكتافها، بفستان أسود لامع كأنها خارجة من أسطورة خيالية رائعة.
دنيا
كده تتجوز غيري وتخلّي بيا؟
لتشهق عالياً قائلة بصدمة:
حور!
بادلتها الصدمة هي الأخرى بأعين متسعة:
دنيا!
لتقفز دنيا في أحضانها بفرح ودموع، تحت نظرات جاسر المندهشة، ليردف:
انتوا تعرفوا بعض؟
حور بدموع:
دي دنيا صحبتي، كنا مع بعض في المدرسة، بس هي سافرت.
دنيا:
بس غريبة إنك تطلعي بنت عمي وأنا معرفتش.
حور بمرح:
ومرات ابن عمك.
جاسر:
وعشق ابن عمك.
دنيا بعبوس:
أنا سنجل على فكرة.
مالت حور على أذنها تهمس بعبث:
أومال مازن ده إيه؟ كسباه في كيس شيبسي؟
دنيا:
بس يا بتاعة جاسر.
حور بفرح:
مازن!
لتلتفت الأخرى بلهفة شديدة لترى معذب قلبها، ذلك المازن التي لم تستطع التخلص من عشقه حتى وهي تبعده لمسافات.
مازن:
حورية قلبي، ألف مبروك.
جاسر بغضب مكتوم:
أنا بس اللي أقول حورية قلبي، أنتِ انسيها خالص، فاهم؟
مازن ببرود:
لا، مش فاهم.
وأخذ حور بين أحضانه وقبّل جبهتها مع ابتسامة خبيثة تشق شفتيه، وحرب نظرات حارقة بينه وبين جاسر. لو كانت تقتل لسقط قتيلاً بفعلها، ليجذب حور عنوة منه، يحتل خصرها بتملك ويبعدها عنه.
أما مازن، فقد كان في عالم آخر عندما سقطت عيناه على تلك الواقفة بجانب حور، تنظر له بهيام وشوق واضح، نعم إنها هي، معذبته وسارقة النوم من جفنه، هي ومن غيرها دنياه الفاتنة.
فاق على صوتها الرقيق.
دنيا:
إزيك يا مازن؟
مازن بهيام:
بقيت كويس لما شفتك.
دنيا:
وحشتني.
مازن وما زال تحت تأثيرها:
ها؟
بسمة:
بتقولك وحشتني يا عم الأمور.
فاق أخيراً على صوت بسمة الساخر، لينظر لها بغضب.
بسمة:
مالك يا حبيبي، أنت كويس؟
دنيا:
إزيك يا بسمة، وحشاني والله.
لتضمها إليها بشوق.
بسمة:
وأنتِ أكتر يا دندن. رحتي وقُلتِ عدول؟
دنيا:
وأديني جيت أهو عشان نعيد أمجاد زمان.
بسمة بمرح:
أشطا يا معلم.
لتتابع ناظرة لمازن:
وأنت يا زيزو، مش هتيجي معانا نعيد أمجاد زمان؟
مازن بحماس:
طبعاً معاكم، أنتِ متعرفيش انتوا وحشني قد إيه، كنت هموت وأشوفكم.
لتخجل دنيا من نظراته المسلطة عليها بقوة.
بسمة:
طب يلا نرقص.
ليرافقها دنيا ومازن بفرحة وسعادة تحتل قلوبهم بلقاء انتظروه كثيراً.
بعد انتهاء الزفاف، ركب الجميع سياراتهم متجهين إلى منازلهم، إلا جاسر، الذي أخذ سيارته وأخذ حوريته إلى مكان تجهله، لأنه لا يريد الإفصاح عنه، وتركها مفاجأة لتستعد بحماس لها. كان يقود وهي بجانبه تحتضن ذراعه وترسم بسمة واسعة على شفتيها، يتبادلون النظرات العاشقة، لتظهر فجأة شاحنة تعترض طريقهم. حاول جاسر تفاديها، لكنه لم يستطع، فانحرفت السيارة عن المسار وانقلبت، حتى طار جسده خارجاً من شدة الانصطدام، أما هي فكانت لا تزال عالقة بالداخل، لتنحدر السيارة وتسقط من فوق الجبل، تحت نظرات جاسر المصدومة، ودوي صوت انفجار هائل، هذا ما سمعه قبل أن تأخذه دوامة من الظلام استقبلها برحابة.
الجميع في حالة هرج ومرج عالية، يقفون أمام غرفة العمليات، لا أحد يصدق ما حدث، ومعظمهم يحسبه كابوساً مرعباً سيفيقون منه بعد قليل، ولكن الواقع كان أصدم، خاصة سليم، الذي يقف لا يقوى على الحركة، فحفيده بالداخل يصارع الموت، وحفيدته لا يعلم إن كانت على قيد الحياة أم لا.
اقترب منه كلا من حازم ورعد، والدموع في أعينهم.
حازم:
متقلقش يا جدي، إن شاء الله جاسر هيقوم بالسلامة.
سليم بانهيار:
حور يا حازم، حفيدتي وحفيدي بيضيعوا مني.
رعد:
متقولش كده يا جدي، جاسر هيقوم وحور كمان. هنلاقيها، فريق البحث قال إنها ما كانتش في العربية لما انفجرت.
سليم برجاء:
يارب يا بني، يارب.
كانت دنيا تجلس بعيداً تبكي في أحضان أنعام بشدة على تلك الأحداث التي فطرت قلبها، لا تقوى على الحديث، تريد الاتصال بمازن لإخباره ليقف بجانبها، ولكنه سافر لمتابعة مشروعه الجديد، فلم ترد أن تقلقه.
أنعام ببكاء:
هيرجع يا بنتي، جاسر ابني قوي، أنا عارفة.
دنيا:
يارب يا دادة، يارب.
خرج الطبيب أخيراً، يتنهد بتعب، ركض إليه حازم يسأله بخوف ولهفة.
حازم:
جاسر كويس يا دكتور؟
الطبيب:
والله ما هخبيش عليك، جاسر بيه إصابته كانت قوية جداً، وإحنا عملنا اللي علينا، بس للأسف هو دخل في غيبوبة.
انصدم الجميع من حديث الطبيب، فلم يستطع أحد التفوه بكلمة من أثر الصدمة.
رعد وهو يحاول التماسك:
طب هو هيفوق إمتى؟
الطبيب:
للأسف ما أقدرش أحدد، يمكن يوم، يومين، شهر، سنة، الله أعلم. ادعوله.
لينصرف متأسفاً على حالاتهم.
سمعت كلا من منى ونغم عن الحادثة، فأتوا مسرعين، لتقف كل واحدة بجانب زوجها تواسيه.
تقف نغم تنظر له بحزن شديد والدموع في عينيها، لا تدري لماذا تشعر بقلبها يتمزق لرؤيته بتلك الحالة، اقتربت منه تضع يدها على كتفه، لينظر لها بعيون دامعة مؤلمة، ليرتمي فجأة بين أحضانها يبكي بقهر على حالة صديقه، ضمته إليها بحنان وربتت على ظهره تواسيه بكلمات مطمئنة.
نغم:
متقلقش يا حازم، إن شاء الله حور هترجع، أنا عارفة صاحبتي كويس وحاسة إنها بخير، وجاسر كمان هيقوم بالسلامة، أنا متأكدة. ادعيلهم أنت بس.
حازم بحزن وما زال يضمها:
أنا هموت لو جرى له حاجة، أنت متعرفيش جاسر ده بالنسبالي إيه.
نغم:
إن شاء الله هيبقى كويس ويرجع يضربك زي الأول كمان.
لتشعر به يبتسم على كتفها، يقربها إليه أكثر.
تستند برأسه على صدرها، وهي تربت على كتفيه برقة تواسيه.
منى:
إن شاء الله هيبقى كويس، صدقني، أنا قلبي حاسس بكده، وحور كمان هنلاقيها، خليك قوي، هو أكيد محتاجلك.
رعد:
يارب يا منى، أنا مش عارف جاسر لو فاق وملاقاش حور هيعمل إيه.
منى بدموع:
هنلاقيها إن شاء الله قبل ما هو يفوق، يارب بس تبقى بخير.
رعد:
يارب.
بعد مرور أسبوعان، أفاق جاسر من غيبوبته، والجميع من حوله، كل واحد ينظر للآخر بتوتر شديد، فلم يتمكنوا من العثور عليها بعد، خاصة بعد تصريحات فريق البحث، حيث أكد استحالة نجاتها بعد الوقوع من هذا الارتفاع، وجاري البحث عن جثتها إن وجدت، مع ذلك لم يفقدوا الأمل، فكان رعد وحازم يبحثون في كل مكان حتى يجدوها بمساعدة مروان، الذي أمر فريقه بالبحث أكثر من مرة، وفي كل الأماكن القريبة والبعيدة من موقع الحادث.
نظر إليهم بتعب يسأل عنها.
جاسر:
حور فين يا جدي؟
لم يجد أي إجابة سوى دموع تنزل على خده، ليعاود السؤال مرة أخرى.
جاسر بغضب:
ما تردوا عليا، حور فين؟
حازم:
يا جاسر، أنت تعبان.
جاسر بحدة:
بلا تعبان بلا زفت، حور فين يا حازم.
سليم:
يا بني، أنت عارف إن الأعمار بيد الله وحده.
جاسر بصدمة:
يعني إيه؟
ليصرخ بشدة:
ما تفهموني.
رعد:
جدو ما يقصدش حاجة، هو بس كان عايز يقول إن حور لغاية دلوقتي مش لاقينها.
جاسر بغضب:
يعني إيه مش لاقينها؟
سليم بدموع:
جاسر يا بني، حور أكيد في مكان أحسن من هنا، ياريت تتقبل ده.
جاسر بصرامة:
لو أنت اقتنعت بموتها، أنا مستحيل أعمل كده، عشان كده إني هثبتلك إنها عايشة، أنا هدّور عليها لحد ما ألاقيها لو كان آخر يوم في عمري.
لينهض متجاهلاً الآلام جسده واعتراض الجميع، حتى الطبيب لم يستطع إيقافه، ليخرج باحثاً عن زوجته وحوريته الضائعة.
ثلاثة أشهر، نعم، لقد مرت ثلاثة أشهر منذ غيابها، بحث عنها في كل مكان، لم يترك طريقاً يدلّه عليها إلا وسلكه ليجدها، لقد سبلت قلبه وتركته بلا روح، عندما ذهبت، أصبح أكثر ضخامة بسبب كثرة ممارسته للرياضة، نمت ذقنه لتعطيه جاذبية أكثر، حياته باتت مملة بدونها، فقد طعم الحياة وتجرع مرارة فراقها، فأصبح لا ينام إلا بغرفتها، يحتضن منامتها الطفولية التي تحمل عبيرها الذي يشعره بقربها. لم يفقد الأمل يوماً في لقائها، بل كانت تشعل شرارتها يوم بعد يوم في قلبه، ليتأكد من أنها ستأتي إليه قريباً.
كان حازم يجلس في مكتبه مع رعد يناقشون أحوال الصفقة الجديدة، ليتنهد رعد بضيق مردفاً.
رعد:
جاسر هيفضل كده لغاية إمتى؟
حازم بحيرة:
والله مش عارف، ده لحد دلوقتي مش مصدق إنها ماتت.
رعد:
أنت مصدق إنها ماتت؟
حازم:
والله كل حاجة جايزة، المشكلة إننا مخلينش مكان مدورناش فيه.
رعد:
عندك حق، بس هو حاسس إنها عايشة وهترجع.
حازم:
ربنا يقدم اللي فيه الخير.
ل يعودوا لإكمال أعمالهم، داعين المولى أن يريح قلب صديقهم المجروح.
في بيت منى، كانت تجلس مع نغم والحزن بادٍ على وجههم لفقدان صديقتهم، دخلت عليهم دنيا والدموع في عينيها تلمع بحزن.
دنيا:
أنا حاسة إنها كويسة وهترجع، صدقوني.
منى:
وأنا كمان والله.
نغم:
تعالوا نصلي وندعي إنها ترجع بالسلامة.
ليخرج الجميع للصلاة متضرعين لله، متوسلين أن ترجع رفيقتهم الضائعة.
في أحد المستشفيات، كان جالساً في مكتبه، يرتدي نظاراته الطبية، يراجع بعض الأوراق الخاصة بالمرضى، لتدخل عليه إحدى الممرضات تقول بلهفة فرحة.
الممرضة:
دكتور يوسف، الحق المريضة اللي في غرفة ٤٠٨ فاقت.
انتصب واقفاً بصدمة، لا يصدق عودتها للحياة بعد أن فقد الأمل لرجوعها مرة أخرى.
يوسف:
أنت متأكدة يا سلوى؟
سلوى:
أه والله يا دكتور، تعالى معايا بنفسك.
ذهبوا مسرعين إلى غرفتها، يقف أمامها ليبدأ عمله كطبيب يفحصها ليتاكد من سلامتها، فقال بابتسامة لتلك التي بدا عليها الذهول.
يوسف:
حمد الله على سلامتك يا آنسة حور.
حور:
حور مين؟ أنا مش فاكرة حاجة.
نظر إليها، ولكن لم يصدم، لأنه توقعه، فبعد الحادثة التي تعرضت عليها، كان ولابد من حدوث مضاعفات محتملة، وضعها هو من ضمنها، فقدان الذاكرة.
يوسف:
أنا آسف، بس حضرتك جيتي هنا بعد حادثة شكلها كانت فظيعة، وبسبب ده أنت حصلك فقدان ذاكرة.
حور بدموع:
يعني أنا مش هفتكر أبداً؟
يوسف:
لا طبعاً، هترجعي تفتكري تاني، بس مش دلوقتي، لأنك لو حاولتي تجهدي نفسك في التفكير، هيحصل مضاعفات ممكن بسببها مش هترجعلك الذاكرة أبداً.
حور:
طب أنت إزاي عرفت إن اسمي حور؟
يوسف بابتسامة جذابة:
إحنا لقينا إسورة على إيدك عليها اسم حور، فقولت أكيد ده اسمك.
حور بتوهان:
أه، ماشي.
يوسف لعملية لسلوى:
سلوى، عايزك تعملي لها فحوصات شاملة، ولما تطلع النتيجة، تجيبيها على المكتب.
سلوى:
حاضر يا دكتور.
يوسف:
أنتِ لازم ترتاحي دلوقتي، وأنا هرجع تاني عشان أطمن عليكي.
حور بخجل:
تمام، أنا متشكرة جداً ليك.
يوسف:
على إيه، ده واجبي، عن إذنك.
خرج يوسف، وبدأت تهطل دموعها بغزارة، فهي لا تدري عن نفسها شيئاً، ذهنها لا يعمل، وعقلها صفحة بيضاء لا يخطو عليه شيء، أخذت تدعو الله حتى يساعدها لتتذكر أي شيء عن ماضيها، وظلت تفكر حتى غلبها النعاس وأخذتها دوامة النوم.
دخلت سلوى على مكتبه بيدها نتائج الفحوصات الخاصة بحور، لتعطيه إياها وتخرج بهدوء، بدأ ينظر إليها ويراجعها، حتى توسعت عيناه بصدمة، الجمته، ليقول بدهشة بالغة.
يوسف:
حامل.