تحميل رواية «بين يديك» PDF
بقلم قوت القلوب
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تجمعت بعض الفتيات في النادي بهذا الوقت من النهار كما قضت الحاجة، فتلك عاداتهن يومياً أن يلتقين ببعضهن البعض يتسامرن ويتضاحكن، فمن مثلهن لا يحملن للهم بالاً، فلا تعمل إحداهن بعمل ما أو تتحملن مسؤولية أو عبئاً خاصة بعد أن أنهين دراستهن الجامعية. (مي) و (رضوى) و (سارة) … لكل منهن شخصية مختلفة عن الأخرى، بل ولكل منهن ملامح تختلف تماماً عن الأخرى، كما لو أن تجمعهن هو لقاء لمتحدي العنصرية. فكانت (مي) تتمتع بوجه طفولي ناعم وعيون واسعة وابتسامة عريضة دقت بلطافة بوجهها النحيل لتكسبها طلة مبهجة شقية بذات...
رواية بين يديك الفصل الأول 1 - بقلم قوت القلوب
تجمعت بعض الفتيات في النادي بهذا الوقت من النهار كما قضت الحاجة، فتلك عاداتهن يومياً أن يلتقين ببعضهن البعض يتسامرن ويتضاحكن، فمن مثلهن لا يحملن للهم بالاً، فلا تعمل إحداهن بعمل ما أو تتحملن مسؤولية أو عبئاً خاصة بعد أن أنهين دراستهن الجامعية.
(مي) و (رضوى) و (سارة) … لكل منهن شخصية مختلفة عن الأخرى، بل ولكل منهن ملامح تختلف تماماً عن الأخرى، كما لو أن تجمعهن هو لقاء لمتحدي العنصرية.
فكانت (مي) تتمتع بوجه طفولي ناعم وعيون واسعة وابتسامة عريضة دقت بلطافة بوجهها النحيل لتكسبها طلة مبهجة شقية بذات الوقت.
بينما (سارة) كانت مثال للفتاة السمراء ذات الأعين الواسعة وأهداب كحيلة وجسد متناسق ورزانة ورجاحة عقل.
أما (رضوى) تمثلت بفتاة قمحية جذابة ذات ملامح مصرية أصيلة بعينيها البنية وشعرها المموج وأنفهالمستقيم، تتمتع بطول قامة عن صديقتيها لتصبح دوماً ملفته للنظر عنهما، لكن ذلك لم يكسبها ثقتها بنفسها فكانت دوماً خائفة مهزوزة الشخصية تتبع أفكار صديقتيها كأمر مسلم به.
تعالت ضحكاتهن لتعلن مزاحاً من نوع فريد بالتأكيد أثارته تلك الشقية (مي) لتهتف (سارة) ومازالت ضحكاتها تقطع كلماتها:
"يا خبر أبيض… إنتى فظيعة… يا بنتي… خطيرة جداً في موضوع المقالب ده مش حتبطلي بقى يا (مي)؟"
مالت (مي) برأسها بصورة منحنية للغاية لجهة اليمين فيميل معها شعرها الطويل مستكملة:
"ولو عرفتم بقى مين إللي حعمل فيه المقلب إللي جاي حتقولوا إيه؟"
بقلة إدراك شاركتهم (رضوى) الحديث بإندهاش، تتمنى بداخلها لو تستطيع أن تكون مثلهن.
"مين هه… مين؟ لأ استنى استنى… أنا أخمن… امممم… (شيرين)؟"
قفزت (مي) غير عابئة بالعيون التي تتابعهم من حولهم لتهتف بالنفي:
"لأ لأ… (شيرين) مين… مش حتصدقوا!!!!! أنا حعمل المقلب في (عادل)… ها.. إيه رأيكم بقى؟"
تلاشت ضحكاتهم وتجهمت وجوههم وهم يتابعون صديقتهم المجنونة التي وقفت تتابع بإستمتاع لدهشة عيونهم الغير مصدقة لما هي ستقدم عليه.
إبتلعت (رضوى) ريقها بتخوف لتعلو عيناها تلك الإندهاشة التي زادت من ضحكات (مي) لتردف (رضوى) بتخوف من تهور صديقتها وإقدامها على تلك المقالب التي ستنقلب على رأسها يوماً ما:
" (مي)!!! إنتى إتجننتي ولا إيه؟ إنتى حتعملي مقلب في خطيبك؟ بلاش تهور يا بنتي إحنا مش ناقصين مشاكل…!!!!"
عادت (مي) لتجلس مرة أخرى فوق مقعدها وهي تمتعض شفتيها من صديقتها ضعيفة الشخصية أو كما تصفها دوماً "جبانة".
"مشاكل إيه بس إسمعي حعمل معاه إيه وبعدين أحكمي…!!"
إعتدلت (سارة) بجلستها بحماس لتحث (مي) على إكمال حديثها ولا تكترث لتخوف (رضوى).
"شوقتينا بقى يا (مي) ما تقولي حتعملي معاه إيه…؟"
رمقت (رضوى) صديقتها سارة على حثها لـ "مي" على الإستمرار لتهتف بها بضيق:
"أصبري يا (سارة)… (مي) أبوس إيدك خليه مقلب خفيف كده وبلاش حركاتك دي…"
تخوف (رضوى) المستمر جعل (مي) تتصاعد ضحكتها وهي تحرك حاجبيها بصورة مستفزة تجاه (رضوى).
"بصوا بقى… بكرة عيد ميلاد (عادل) أنا بكرة نويت أعمله مقلب إنما إيه… هو إشترى دولاب مكتب جديد… دولاب كده حيحط فيه ورق وملفات كده يعني… المهم… هو قالي إنه جاب الدولاب دة كبير كده تقريباً قد دولاب الهدوم… فأنا قررت بقى أني أروح المكتب وهو مش واخد باله وأستخبى في الدولاب ده وحصور لكم المقلب كله…."
عقصت (رضوى) أنفها بإستهزاء مما تفكر به (مي).
"وإيه المقلب في إنك تستخبي في الدولاب حتخضيه مثلاً؟"
أنهت عبارتها بضحكة أثارت ضحكة (سارة) أيضاً قبل أن تستطرد (مي) موضحة بسخرية من صديقتيها وإستهزائهم بها:
"لا يا ذكية إنتي وهي… أنا جبت له علبة هدايا كبيرة جداً… حجمها فظيع كده… عارفين جواها إيه…؟"
"امممم… الصراحة مش عارفة بس إنتي عليكي شوية أفكار والله تودي في داهية…"
"أكيد فاضية… صح…؟"
"لالا… عارفين "رويدا" صاحبتي إللي معايا في الجامعة عملتلي علبة مخصوص… العلبه دي أول ما يفتحها حتفرقع فيه ألوان بودرة تنتشر عليه تغرقه ومعاها كمان ورق صغير ملون كده… وأنا بقى حصور كل ده فيديو… ها إيه رأيكم…؟"
إتسعت عينا (رضوى) تخوفاً من مقالب (مي) لتردف رافضة تماماً تلك الفكرة المجنونة:
"إنتي مجنونة رسمي والله… إنتي مش متخيلة ممكن يعمل إيه…؟ وكمان في الشغل…؟"
لم يكن رفض (رضوى) أقل من رفض (سارة) التي هتفت بالرفض بقوة لتمنع (مي) من تنفيذ مخططها.
"لالالالا يا (مي)… بالله عليكي بلاش… حيتعصب جامد أكيد… أنا خطيبك ده بخاف منه أوي… أنا مش عارفة أنتي قابلاه إزاي!!!! … ده مش نازل لي من زور خالص…"
أهدلت (مي) كتفها بتملل من ذلك التعليق الذي دوماً ما يقولونه لها عندما تذكر (عادل) لديهم.
"تاااني!!!! … إنتوا مش حتبطلوا بقى!!!! … هو كل ما تيجي سيرته تقعدوا تقولولي كده..؟؟ على فكرة إنتوا متعرفوهوش كويس والله ده إنسان طيب جداً … إنتوا بس مقربتوش منه عشان تعرفوه كويس…."
"بلاش يا (مي)… بلاش المقلب ده أنا خايفة من رد فعله بصراحة…"
بإصرار شديد وعناد بالغ عقبت (مي) على تحذيرهما.
"لا خلاص… أنا مصممة على كده بقى… متقلقوش…"
نظرت كلاً من (سارة) و (رضوى) إلى بعضهما البعض قائلتين بنفس الوقت:
"ربنا يستر…."
***
اليوم التالي…
إرتدت (مي) ملابسها وأخذت حقيبة ظهرها الكبيرة والتي تعلقها على ضهرها دائماً.
ثم توجهت إلى مقر الشركة التي يعمل بها (عادل) حيث يعمل في هذه الشركة مديراً للعلاقات العامة.
تسلت (مي) إلى المكتب فهي معروفة بالشركة جيداً وخشيت أن يراها أحد ويبلغ (عادل) بوجودها.
قبل أن تدلف إلى المكتب إستمعت للسكرتيرة تتحدث عبر الهاتف لتبلغ المتحدث بالطرف الآخر أن (عادل) في إجتماع مع السيد (بدوي) وأعضاء مجلس الإدارة.
قالت مي في نفسها:
"ممتاز جداً…. دة أنا لو كنت مرتبة مش حلاقي أحسن من كده…"
إبتسمت إبتسامة إنتصار ودلفت نحو مكتب (عادل) بسرعة دون أن يلاحظها أحد ثم أغلقت الباب من خلفها بهدوء.
فتحت تلك الخزانة الجديدة وأخرجت منها الرفوف ووضعتها بسرعة خلف الخزانة.
فتحت شنطتها وأخرجت منها كاميرا التصوير الجديدة وجهزتها لتبدأ التصوير فور وصول (عادل) للمكتب.
بعد دقائق…
دخل الساعي ومعه علبة الهدايا التي أرسلتها له (مي) مع مندوب وقام الساعي بوضعها على يمين المكتب ثم خرج.
إبتسمت مي قائلة لنفسها:
"وبدأ المقلب بنجاح… نفسي أشوف وشك يا (عادل) أول ما تفتح العلبه…."
سمعت صوتاً يقترب من الباب فشغلت الكاميرا.
وفُتح الباب…
رواية بين يديك الفصل الثاني 2 - بقلم قوت القلوب
دلف الساعي للمكتب حاملاً علبة الهدايا التي أرسلتها له (مي) مع مندوب.
وقام الساعي بوضعها على يمين المكتب ثم خرج.
ابتسمت (مي) قائلة لنفسها:
"وبدأ المقلب بنجاح… نفسي أشوف وشك يا (عادل) أول ما تفتح العلبة."
اقتربت بعض الأصوات من المكتب، فأسرعت (مي) تختبئ بداخل تلك الخزانة وهي تحاول السيطرة على حماسها المفرط وكتم أنفاسها وضحكتها الشقية.
ثم أمسكت بالكاميرا الخاصة بها لتسجيل تلك اللحظة التي لن تتكرر مرتين.
أخذت تراقب بصمت نتيجة مقلبها بـ(عادل)، مستمتعة بشكل كبير بما خططت له.
تركت جزء بسيط للغاية من باب الخزانة تستطيع منه تصوير مقلبها بـ(عادل)، وصمتت بانتظار بدء المقلب.
فُتح الباب ليدلف شاب متوسط الطول، قمحي البشرة، ذو أنف حاد وعينين سوداوين، يبدو على ملامحه الغضب.
يرافقه رجل ممتلئ القوام، ذو رأس أصلع، قمحي البشرة، يشبه الشاب إلى حد ما.
اتسعت ابتسامة (مي) وقد تملكها الحماس بقوة وهي تضغط زر بدء التصوير.
ثار الشاب بغضب وهو يلتفت لهذا الرجل الممتلئ متسائلاً بحدة:
"عمي أنا مش فاهم أي حاجة وضح كلامك يا عمي."
"اسمع يا (عادل)."
تحرك (بدوي) نحو الباب ليتأكد من إغلاقه جيداً، متأكداً أنه ليس هناك من يستمع إليهم.
ليخرج رأسه الأصلع من الباب حتى يطمئن أنه ليس هناك أحد بالقرب من المكتب، قبل أن يغلق الباب بالمفتاح، مستديراً نحو (عادل) قائلاً:
"زي ما بقولك كده يا (عادل) صحصح بقى وافهمني كويس."
ابتلع (بدوي) ريقه كمتلازمة يفعلها من وقت لآخر، خاصة إذا شعر ببعض الارتباك أو التوتر، ثم أكمل موضحاً:
"الست الخرفانة دي كتبت امبارح كل أملاكها لابنها الوحيد، وجزء صغير أوي بس هو اللي كتبته لـ(مي)."
هب (عادل) واقفاً بانفعال مستنكراً بقوة ما فعلته تلك المرأة من تصرف غير موزون بالمرة:
"إيه…؟؟ يعني إيه مش فاهم..؟?"
ثم رفع (عادل) كفيه للأعلى متعجباً بدون فهم:
"وطلعلنا منين ابنها ده….؟؟ ما هي طول عمرها عايشة لوحدها هي و(مي)… مين ده وطلع لنا من أنهي داهية….؟?"
نكس "بدوي" رأسه وقد لاحت على تقاسيمه أمارات عدم الفهم والذكاء المحدود مردفاً:
"صدقني والله ما أعرف…. أنا كل ده عرفته بالصدفة من المحامي الخاص بتاعها النهارده وهو رايح يسجل الكلام ده في الشهر العقاري."
حاول "عادل" كبح غضبه وثورته وهو يطالع السقف بعينين يعتليها بريق غاضب للغاية، ثم هتف مستنكراً:
"من امتى كان عندها عيال دي….؟ أنا حتجنن..؟ وإنت معرفتش حاجة عنه ده..؟?"
"اللي عرفته من المحامي إن ده ابنها الوحيد وبقالها كتير أوي بتدور عليه ومش لاقياه…. بس معرفش أكتر من كده."
ضرب "عادل" كفيه ببعضهما البعض بعدم تصديق، ثم نظر بحدة تجاه "بدوي" متحسراً على حاله بنبرة غاضبة للغاية:
"لأ… متقوليش إني صبرت سنة ونص مع المجنونة اللي اسمها "مى" دي وجاي في الآخر تقول لي إني حطلع من المولد بلا حمص…. يعني كل اللي عملته ده راح في الأرض… وييجي واحد ميساويش ولا حتى نعرفه ييجي يقش وياخد الجمل بما حمل… لأااااااا… ده أنا أصور قتيل فيها دي…!!!"
استكمل "عادل" متحدثاً إلى نفسه فقد كاد يجن من تصرف السيدة "فادية" الأخير:
"يعني في الآخر أطلع أنا المغفل والست دي متكتبش حاجة للي اسمها "مى" دي…. يعني في الآخر مش حستفيد أي حاجة منها."
كان يتحرك بعشوائية من شدة الغيظ، ثم ضرب المكتب بقبضته بقوة يشعر بالقهر صارخاً:
"مغفل مغفل."
وقف "بدوي" يلحق بابن أخيه المنفعل ليمسكه من كتفيه محاولاً تهدئته:
"اهدا بس كده خلينا نفكر إحنا المفروض نعمل إيه بالظبط دلوقتي… ولا إيه…؟?"
تشتت ذهن "عادل" سارحاً في الفراغ يحاول إيجاد حل ما، حين هتف به "بدوي" وقد بدأ يتصبب عرقاً:
"عادل… يا عادل… ما ترد عليا يا ابن أخويا.. حنعمل إيه…؟?"
عاد "عادل" ببصره تجاه عمه وقد اتسعت عيناه عن آخرهما وهو يرفع حاجبه الأيمن فقد لاحت فكرة بذهنه قائلاً:
"هي ملهاش غير حل واحد بس."
تلك المعضلة ستسبب له ضغطاً كبيراً، ليجد بحديث "عادل" حلاً يخلصهما من تلك المشكلة، ليهلل "بدوي" على الفور حين سمع كلمات "عادل" فهو لا يفطن لإيجاد حل مطلقاً، وربما يستطيع "عادل" حلها:
"إيه هو…؟ إنجدني بيه."
بمكر شديد رفع "عادل" هامته ليقرر بجمود تام ما اندهش له عمه:
"إننا نجيب لها ابنها ده."
بذكائه المحدود أجابه "بدوي" مندهشاً من حديث "عادل" غير العقلاني:
"يا بني بقولك محدش يعرفه وبقالها سنين بتدور عليه وأنت تقول بالسهولة دي نجيبهولها!!!!!…. وحتى لو جبناه حنستفاد إيه إحنا ساعتها…؟?"
بتملل من غباء عمه ذو التفكير المحدود حاول "عادل" إيضاح مقصده لعمه:
"هو أنا قلتلك حلاقيهولها…؟؟ بقولك نجيبهولها ما تفتح مخك معايا أمال."
ضغط "بدوي" على عينيه محاولاً فهم مقصد "عادل" بصعوبة:
"إزاي يعني…. قصدك إيه…؟?"
عاد "عادل" لمقعده خلف المكتب ليجلس بأريحية شديدة وقد لانت ملامحه الغاضبة لأخرى مزهوة بأفكاره الخارقة:
"بسيطة نجمع شوية معلومات عنه ونجيب حد شبهه يعمل نفسه إنه هو ابنها…. وناخد إحنا منه الفلوس ونرميله قرشين في الآخر."
بإعجاب شديد بذكاء ابن أخيه ارتسمت ابتسامة تحمل الكثير من البلاهة على وجه "بدوي" قائلاً:
"طب إزاي وحنجيب المعلومات اللي إنت بتقول عليها دي منين…؟?"
"حلاقى لها حل… أصبر بس."
صمت الاثنان لبرهة محاولين التفكر في كيفية معرفة تلك المعلومات عن ابن السيدة "فادية"، ليهتف "بدوي" كمن وجد كنزاً فأخيراً سيطرح فكرة على ابن أخيه:
"بس…. لقيتها…."
"إيه…؟?"
"فاكر مرة لما كنت بمضي الست "فادية" على الورق وقلت لك كان فيه صندوق قديم كده شكله مليان حاجات مهمة."
اعتدل "عادل" متذكراً ذلك ليكمل بنفس الاهتمام:
"أيوه فاكر… ماله الصندوق ده…؟?"
"يوميها كانت زعلانة أوي وبتكلم نفسها بتقول إمتى عيني تشوفك تاني وهي بتقفل الصندوق وأنا سمعتها… بس كنت فاكر قصدها على جوزها… يبقى صح كده… الصندوق ده فيه حاجة عن ابنها ده."
صمت "بدوي" متفاخراً بما تذكره للتو، لترتسم ابتسامة رضا على ثغره، بينما أومأ "عادل" رأسه بالإيجاب فيبدو أن الأمور ستسير لصالحهم مرة أخرى:
"يا سلام… ما هي متسهلة أهي… إحنا نفكر في صرفة نجيب بيها الصندوق ده… وساعتها نعرف إحنا حنجيب مين يعمل ابنها ده… ياخد منها الفلوس ونخلص منها نهائي."
بإبتسامة خبيثة للغاية أردف "بدوي" منبهراً بأفكار ابن أخيه:
"ده أنت داهية… عمري ما كنت فاكرك إن مخك صعب كده طالع لعمك يا واد."
ابتسم "عادل" ساخراً من عمه قليل الذكاء بتشبيهه به، فهو لا يماثله بالدهاء مطلقاً.
"طيب… فكر بقى… نجيب الصندوق ده إزاي وهو في أوضة الست "فادية" دي…؟?"
رفع "عادل" كتفه بثقة:
"وهو فيه غيرها… المغفلة اللي اسمها "مى"… دي ممكن تعمل أي حاجة أنا بقولها عليها من غير تفكير… أنا حلاقى صرفة أقنعها بيها إنها تجيب لي الصندوق ده من أوضة الست "فادية"… ها… إيه رأيك…؟?"
قهقه "بدوي" ضاحكاً بزهو من أفكاره الذكية:
"مش بقول لك داهية."
شاركه "عادل" الضحك فيبدو أن الأمور ميسرة تماماً لما يخططون له ولن يخسروا تلك المرة أبداً.
وقف "بدوي" يعدل من قميصه المبتل من إثر عرقه الغزير ليتحرك بخطواته الثقيلة لوزنه الزائد قائلاً:
"طيب أنا حروح لأستاذ "منصور" المحامي أعرف منه هو عمل إيه بالظبط."
لحقه "عادل" على الفور فهو لن يترك عمه يعرف كل شيء بمفرده، فهو لا يثق سوى بنفسه فقط:
"خدني معاك."
خرج الاثنان من المكتب وتاركين خلفهم خيبة أمل وصدمة عمر في الإنسان الذي طالما كانت تحلم أنها ستعيش أحلامها معه بصدق وسعادة، لكن كان للقدر كلمة أخرى.
رواية بين يديك الفصل الثالث 3 - بقلم قوت القلوب
خرج الاثنان من المكتب وتركا خلفهما خيبة أمل وصدمة. عمر في الإنسان الذي طالما حلمت أن تعيش أحلامها معه بصدق وسعادة، لكن كان للقدر كلمة أخرى.
لم ينتبها لوجودها داخل الخزانة ليخرجا من المكتب كما دخلا دون ملاحظتها.
ظلت "مى" متيبسة تماماً عن الحركة، واتسعت عيناها اندهاشاً بقوة وفغر فاها عن آخره. لا تستطيع تصديق ما سمعته بأذنيها ورأته بعينيها للتو. أحقاً ما حدث؟
انتبهت لنفسها وأغلقت الكاميرا التي ما زالت تصور الفراغ الذي خلفاه ورائهما. أطفأت الكاميرا تماماً وهي تضع كفها فوق فمها بصدمة مما سمعته منهم. وقفت مذهولة لبعض الوقت بتشتت شديد.
تحركت بآلية نحو الخارج كما لو أن الذي يتحرك ويرى شخص آخر غيرها.
أخذت تحدث نفسها بذهول تام متسائلة بصدمة:
"هو اللي حصل ده بجد؟"
"هو ده الإنسان اللي أنا اخترته وحبيته؟"
"للدرجة دي الفلوس بتغير الناس.. ولا هو كده من الأول وأنا اللي مش واخده بالي؟"
"أنا حقيقي مش مصدقة كل اللي سمعته وشفته."
انتبهت "مى" أنها لا تزال داخل المكتب. وضعت الكاميرا بعجالة داخل حقيبتها الكبيرة قبل أن تحمل علاقتها فوق كتفها. ثم خرجت متسللة كما دخلت تماماً دون أن يراها أحد.
لم تدرك لخطواتها أين تخطوها، بل ساقتها أقدامها دون تركيز مطلقاً إلى شوارع القاهرة المزدحمة. تتوه وسط المارة من هنا وهناك، مغيبة تماماً عن الواقع، لا تدري إلى أين تذهب، فقط تتحرك بلا وعي ولا هدف.
مر أمامها ذكريات الماضي منذ سنوات طويلة للغاية، حينما كانت ما زالت فتاة صغيرة ذات السابعة عشر عاماً.
الإسكندرية..
بتلك الليلة العاصفة التي ازدادت بها الأمطار للهطول بقوة، وتضاربت الرياح بأعاصيرها بليلة شتاء قاسية البرودة. تلاطمت أمواج البحر الهائجة بشاطئ الإسكندرية لتزيد من برودة الأجواء أيضاً، كما لو أنها تصرخ بصمت لتغطي بوجودها على أي صوت آخر.
اشتدت حلكة السماء لتتساقط أمطارها بغزارة فوق رأسها وهي تحرك ساقيها المرتجفتين بصعوبة. تحاول التمسك بملابسها الهزيلة تلملمها فوق عنقها، فربما تكسبها بعض الدفء وتحميها من قسوة تلك الرياح الباردة.
اختلطت دموعها الساخنة بقطرات المطر الباردة لتشاطرها السماء ببكائها وتعاستها. شعرت بأوصالها تكاد تتجمد من البرد لتتقوقع أرضاً تحتمي بسور الكورنيش لتقلل إحساسها بهذا البرد الذي كاد يوقف قلبها الصغير. فأقدامها لم تعد تقوى على حملها وهي ترتجف بتلك الصورة.
زاد شعورها بالبرد هذا الإعياء والدوار الذي حل برأسها، فهي لم تتناول الطعام منذ يومين. فأمعاؤها تتصارخ هي الأخرى جوعاً.
فوجئت "مى" برجل متوسط الطول سمين إلى حد ما يقف قبالها يحدثها بصوت عالٍ للغاية ليغطي على صوت أمواج البحر القوية قائلاً:
"تعالي يا بنتي معايا الست عاوزاكي."
حاولت التمعن بهيئة هذا الرجل لبعض الوقت، لكن عيناها زائغتان متعبتان للغاية، فلم تستطع أن تستوضح ملامحه جيداً. لكنها تساءلت باندهاش عن تلك السيدة التي تطلبها، لترفع رأسها بصعوبة تجاهه ثم أردفت:
"ست؟ ست مين؟"
"الست "فادية" صاحبة العمارة اللي هناك دي."
أشار الرجل باتجاه إحدى البنايات، لكنها لم تستطع معرفة ماذا يقصد حقاً. لكنها تساندت لتنهض ببطء تتبعه حيث أشار إليها، فهي لا تعرف ما الذي يجب عليها فعله. لكنها على الأقل ستحتمي لبعض الوقت من هذا البرد القارس في مكان مغلق لبعض الوقت، فلربما تشعر ببعض الدفء.
تبعته بصمت شديد وهي ترتجف بقوة من البرد، خاصة وأن كل ملابسها مبللة من ماء المطر. توقف الرجل أمام باب إحدى الشقق السكنية بتلك البناية طارقاً الباب بخفة، لتفتح له سيدة بيضاء هادئة تقارب الأربعين لتهتف به بصوت حنون للغاية:
"الحمد لله إنك جبتها يا "خيري"."
ثم أشارت نحوها مشفقة للغاية على حالها قائلة:
"تعالي يا بنتي ادخلي متخافيش.. الست "فادية" جوة."
توقفت "مى" قليلاً تحاول فهم مقصدهم وهي تبدل نظراتها بينهما، لتتسائل بارتجاف وهي تحاوط جسدها بذراعيها تلتمس بعض الدفء:
"انتوا مين؟ ومين الست اللي عاوزاني دي وعاوزاني في إيه؟"
أمالت السيدة وجهها قليلاً ولاحت ابتسامة على ثغرها قائلة متهكمة من فعلتهما:
"عندك حق والله يا بنتي ما إحنا برضه مقلنالكش إحنا مين!"
أمسكت بكفها الدافئ بحنو كف "مى" تدعوها للدخول وهي تستطرد موضحة:
"أنا "إحسان" وده "خيري".. جوزي. إحنا بنشتغل هنا عند الست "فادية" الله يكرمها.. وهي شافتك من الشباك وإنتي بترتعشي من البرد، فقالت لـ "خيري" جوزي على طول إنه ينزل يناديكي عشان متقفيش في البرد والمطر ده."
إحساس كانت تتلمسه منذ أيام باحثة عن طيف حانٍ تلجأ إليه، لتبتسم رغم ألمها قائلة بامتنان:
"شكراً ليكم وليها."
"طيب تعالي معايا."
تحركت إحسان للداخل نحو غرفة المعيشة الدافئة، لتتبعها "مى" بآلية، فكل ما كانت تتمناه الآن هو بعض الدفء فقط.
ما أن دلفت إلى داخل غرفة المعيشة، وجدت سيدة في أواخر الخمسينات يبدو عليها الرقي والهيبة، بسيطة في ملبسها غير متكلفة على الإطلاق. رحبت بها بابتسامة لطيفة صادقة للغاية وهي تدعوها للدخول للتدفئة قليلاً.
"تعالي يا بنتي ادخلي.. "إحسان".. بسرعة هاتي لها هدوم ناشفة وأكل بسرعة وإعملي لها حاجة سخنة تشربها."
شعور بالراحة لمجرد قربها من تلك السيدة وغمرها طيبة قلبها من مجرد دقائق قليلة مكثتها معها. بدلت ملابسها بأخرى جافة حين أدخلتها "إحسان" لإحدى الغرف بالشقة. ومع تناولها لتلك الوجبة الساخنة وهذا المشروب الدافئ، شعرت أخيراً بالدفء الذي تتمناه منذ ليال طويلة.
شعرت بآدميتها مرة أخرى، لتهمس تشكر السيدة "فادية" بامتنان، حين بادرتها الأخيرة بسؤالها:
"انتي مين يا حبيبتى؟ وإيه اللي خلاكي تطلعي في الجو الصعب ده كده على البحر؟"
بتلقائية شديدة أخذت "مى" تسرد ما حدث معها للسيدة "فادية" لما لاقته منها من راحة وشعرت بأنها محل للثقة:
"أنا اسمي "مى".. أنا وماما كنا عايشين سوا في أوضة صغيرة بعد ما بابا الله يرحمه اتوفى بس.. بس.."
تذكرت "مى" أحداث تلك الأيام الماضية القاسية عليها للغاية، لتنهال دموعها وتأثرها البالغ، مستكملة بنبرة حزينة للغاية:
"ماما كمان اتوفت من يومين."
دنت منها السيدة "فادية" لتربت بحنو على ظهرها وقد تأثرت للغاية بوضع تلك اليتيمة:
"إنا لله وإنا إليه راجعون.. بالراحة حبيبتي متعيطيش.. كملي."
"إمبارح جه صاحب البيت وطردني عشان أنا مش معايا فلوس وماما بقالها تلات شهور مدفعتش الإيجار.. عشان هي كانت تعبانة أوي ومكنتش عارفة تشتغل خالص."
أخذت "مى" تتحدث وقد زاد تأثرها لفقدانها لوالدتها وبيتها معاً. لتحاول السيدة "فادية" تهدئتها وطمأنتها حتى هدأت قليلاً:
"ملكمش حد من قرايبكم قريب من هنا؟"
"لأ.. إحنا أصلاً من المنصورة مش من هنا ولا أعرف أي حد من أهل بابا ولا أهل ماما خالص.. أنا عمري ما رحت هناك ولا هما حد جه يزورنا أبداً."
أكملت مى:
"ماما كانت دايماً تقولي إن كان فيه مشاكل كبيرة بينا وبينهم.. عشان ورث وحاجات زي كده عشان كده إحنا سبنا بلدنا هناك وجينا عيشنا هنا ومبقناش ولا نشوفهم ولا نعرف عنهم حاجة."
تفكرت السيدة "فادية" لبعض الوقت بحديث "مى" ثم قالت:
"بصي يا "مى" إنتي صغيرة أوي ومش هينفع تعيشي لوحدك ومحتاجة حد ياخد باله منك ويهتم بيكي.. وأنا كمان زي ما إنتي شايفة عايشة لوحدي.. إيه رأيك تيجي تعيشي معايا وتاخدي بالك مني وآخد بالي منك."
أنهت حديثها بابتسامة هادئة طيبة للغاية. وكيف ترفض "مى" عرض كريم كهذا؟ لتومئ بالموافقة، فلن تجد بيتاً أفضل من بيت تلك السيدة ولا رفقة كرفقتها الطيبة الهادئة.
كغريق تعلق بقشة وافقت "مى" على الفور، لتوضح لها السيدة "فادية" أمراً ما أولاً:
"بس يا "مى" أنا مش عايشة هنا.. أنا عايشة في القاهرة.. أنا كنت جيت هنا بس عشان كنت عايزة أبيع العمارة دي وأرجع القاهرة تاني.. عندك مانع تيجي تعيشي معايا هناك؟"
"لأ.. خالص.. أنا كده كده ماليش خلاص حد هنا بعد وفاة ماما الله يرحمها."
وانتقلت بالفعل "مى" للعيش مع السيدة فادية التي كانت تعاملها بحب وحنان ورعاية لم تراهم مى في حياتها. كذلك لم تبخل عليها في الاهتمام بها وبتعليمها إطلاقاً واعتبرتها مثل ابنتها التي لم تنجبها يوماً.
في خلال هذه السنوات التي مرت، درست "مى" بكلية الفنون الجميلة وتخرجت منها لتعمل في شركة المقاولات التي تمتلكها السيدة "فادية" بقسم الديكور. وهناك تعرفت على "عادل" منذ عام ونصف، حيث أعجبت به وبشخصيته خلال هذه الفترة.
ولكنها أفاقت على واقع مر من إنسان انتهازي مستغل، خدعها من أجل الوصول لمال هذه السيدة الطيبة.
رواية بين يديك الفصل الرابع 4 - بقلم قوت القلوب
بعد مرور تلك السنوات التي عاشتها "مي" برعاية السيدة "فادية"، أنهت دراستها الجامعية للفنون الجميلة. ثم عملت بشركة المقاولات التي تمتلكها أيضاً السيدة "فادية"، فهي ثرية للغاية.
خلال عملها بالشركة، تعرفت على "عادل" منذ حوالي عام ونصف. انبهرت به وبشخصيته المتفردة، لتوافق فور طلبه لها بالزواج وتتم خطبتهما بالفعل.
لكن مع مرور تلك الأيام الطويلة بينهما، تدرك أنها لم تعرفه حق المعرفة، بل إنها لم تعرفه إطلاقاً. لقد أفاقت على واقع مر من إنسان انتهازي مستغل خدعها من أجل الوصول لمال هذه السيدة الطيبة.
رفضت "مي" تمامًا أن تصمت وتترك "عادل" يلتف بتلك الصورة على السيدة التي أغدقتها برعايتها وحنانها، قائلة لنفسها:
"أنا مقدرش أسيب ماما فادية لوحدها قصادهم. أنا لازم أرد لها الجميل اللي في رقبتي ده. ده كفاية إنها أخدتني من رميتى في الشارع وأكرمتني. مينفعش... مينفعش... بس أعمل إيه بس. أنا بجد مذهولة من عادل. أعمل إيه بس يا رب دبرني."
ظلت "مي" تتجول بالطرقات هائمة تفكر بتشتت، حتى بدأت نفسها تهدأ قليلاً. قررت في النهاية العودة لمنزل السيدة "فادية" لتخبرها بما حدث وتنبهها من مكر "عادل" وعمه "بدوي" وما يكنون لها من شر، حتى تأخذ حذرها منهم.
على الفور، استقلت "مي" إحدى سيارات الأجرة وتوجهت مباشرة إلى الفيلا التي تسكن بها مع السيدة "فادية" دون تأخير.
بخطوات متعجلة، دلفت "مي" إلى الداخل صاعدة لغرفة السيدة "فادية" لمقابلتها. وقفت أمام باب غرفتها تطرق الباب بخفة، حتى أتاها صوتها الهادئ يسمح لها بالدخول.
السيدة فادية: ادخلي.
مي: ماما فادية، إزيك؟
انتبهت لها السيدة "فادية" لتجيبها بابتسامتها القلقة:
السيدة فادية: مي، حبيبتي عاملة إيه؟ اتأخرتي ليه كده النهارده؟ قلقتيني عليكي!
جلست "مي" بمقابل السيدة "فادية" بهذا المقعد الوثير، لتتجهم ملامحها قليلاً قائلة:
مي: هقولك.
شعرت "مي" ببعض الحيرة وهي تتخير كلماتها التي تبدأ بها شرح ما حدث اليوم لها. لينتاب السيدة "فادية" القلق من جدية "مي" غير المعتادة عليها، فهي دوماً مرحة تحب الضحك والهزل وبعيدة كل البعد عن الجدية والصرامة.
السيدة فادية: مالك يا مي؟ مال وشك مخطوف كده؟ انتي تعبانة ولا إيه؟
مي: لا يا ماما، أنا مش تعبانة ولا حاجة. بس كنت عايزة أتكلم معاكي في موضوع مهم أوي. إنتي طبعاً بتثقي فيا، وإني عمري ما هكدب عليكي، صح؟
جديتها وطريقتها غير المعتادة بالحديث جعلت السيدة "فادية" تزداد قلقاً.
السيدة فادية: فيه إيه يا مي؟ قلقتيني يا بنتي. اتكلمي على طول.
مي: أنا هقولك كل حاجة.
بدأت "مي" بسرد ما حدث بالتفصيل على السيدة "فادية" التي اندهشت تماماً مما تقوله "مي"، لصدمتها بكلاً من "عادل" و"بدوي" وتفكيرهم في استغلالها وخداعها بهذه الصورة البشعة، وهي لطالما عاملتهم بالحسنى وأحسنت إليهم في الكثير من العقبات التي كانت تواجههم.
كيف انخدعت بهم بعد كل هذا العمر وكل ما عاشت به ومرت به في حياتها. وبعد فترة من الصمت اتخذتها السيدة "فادية" للتمعن في الأمر، ثم أردفت بعد تفكر بهدوء وحكمة:
السيدة فادية: مي، أنا مفيش قدامي دلوقتي إلا حل واحد، والحل ده في إيدك انتي. هحملك انتي مسؤوليته من النهارده.
مي: مسؤولية إيه يا ماما؟
لمعت عينا السيدة "فادية" ببريق دمعة خفية وهي توضح حديثها أكثر:
السيدة فادية: مسؤولية ابني يا مي. أنا معنديش استعداد إن ابني يضيع مني مرتين. وأديكي شايفة أنا حتى مبقتش قادرة أتحرك. ولو هم عملوا فعلاً اللي بيفكروا فيه، مش هقدر أستحمل يوم واحد وأنا حاسة إن حتى حق ابني مقدرتش أحافظ عليه. والله أعلم ممكن يعملوا إيه تاني.
تنهدت بحسرة، ثم أشارت باتجاه خزانتها الكبيرة وهي تخرج أحد المفاتيح من جيبها.
السيدة فادية: قومي يا مي، خدي المفتاح ده وافتحي الدولاب. هتلاقي صندوق أسود، هاتيه.
أمسكت المفتاح بين أصابعها متجهة نحو الخزانة لتفتحها، لترى بعينيها الصندوق الذي كان "عادل" و"بدوي" يتحدثان عنه. ها هو بين يديها. حملته بين كفيها لتعود به للسيدة "فادية" تضعه أمامها، لتنتبه لمحتواه باهتمام وفضول شديدين، حين بدأت السيدة "فادية" بفتح الصندوق أمام مرآها.
السيدة فادية: دي يا مي شهادة ميلاد أسامة ابني، ودي الصور الوحيدة ليه. وشايفة دي كانت اللعبة اللي بيحبها.
أخذت السيدة "فادية" تتحدث وتصف الأشياء الخاصة بابنها بمنتهى الحزن والحسرة والدموع تتجمع في عينيها. أمسكت ببعض الأوراق وهي تنظر نحوها بتحسر شديد مستكملة حديثها.
السيدة فادية: دي بقى آخر تحاليل عملتها له. أصل أنا كنت متعودة أعمل له تحاليل كل ست شهور عشان أنا كنت بخاف عليه أوي. كنت بخاف يتعب أو يجري له أي حاجة.
أشفقت "مي" على تلك السيدة الطيبة، فلم تكن تدرك أنها تخبئ كل تلك الآلام بداخلها.
مي: إنتي عمرك يا ماما ما اتكلمتي عنه ولا جبتي لي سيرة خالص إن عندك ابن؟ ولا أعرف إيه اللي حصل له؟
السيدة فادية: عارفة يا مي، ابني أسامة ده هو الحاجة الوحيدة اللي مخلياني عايشة لحد دلوقتي، إني بس عندي أمل إنه ممكن يرجع لي في يوم وأشوفه قبل ما أموت.
مسحت دمعتها التي هربت منها وهي تتذكر ما حدث، حين بدأت سرد ذلك لـ "مي" مخرجة ما بداخلها من تحسر لفقدانها لولدها الوحيد.
السيدة فادية: أنا دلوقتي سني عدى الستين، بس قلبي عجز من زماااان أوي. من كتر حزني وحسرتي على ابني اللي ضاع من أكتر من خمسة وعشرين سنة. مكنتش بتكلم مع حد عنه لأني كل ما أجيب سيرته قلبي بيتقطع من جوايا. وللأسف معنديش أي حاجة بإيدي أعملها. فقررت أسكت. حاولت كتير أوي أدور عليه، بس من غير فايدة.
مي: أنا مش فاهمة؟ هو ضاع منك إزاي يعني؟
تنهدت السيدة "فادية" بقوة قبل أن تهيم بخيالها للماضي قائلة:
السيدة فادية: هحكيلك يا مي. أنا اتجوزت كان عندي وقتها اتنين وعشرين سنة. قعدنا أنا وجوزي أكتر من ستة عشر سنة ربنا ما رزقناش بالخلفة وقلنا الحمد لله على كل حال وده نصيب ورزق. بس ربنا كان كريم أوي يا مي لما كان عندي ثمانية وثلاثين سنة ربنا رزقني بـ أسامة. بس محدش بياخد كل حاجة. قبل ولادة أسامة بشهر جوزي اتوفى. ولما نور أسامة الدنيا حسيت ده هو ده عوضي اللي ربنا بيعوضني بيه. عشان كده كنت بخاف عليه أوي من أي حاجة. بس أخو جوزي كان طمعان في الفلوس اللي سابهالنا أبو أسامة لما مات. لأن بعد ولادة أسامة، فالميراث الشرعي إن الفلوس والشركة تبقى لينا أنا وأسامة وأنا الوصية عليه. حاول عم أسامة إنه يتقدم لي عشان يتجوزني بس أنا رفضته، فخطف مني ابني أسامة.
انهارت السيدة "فادية" باكية حين وصلت لهذه النقطة المؤلمة. حاولت "مي" تهدئتها قليلاً، لكنها بحديثها فجرت بركان من الشاعر الحبيس داخل قلب هذه السيدة.
مي: ومعرفتيش خطفه وداه فين؟
السيدة فادية: حاولت كتير، بس هو كان طمعة غلب على كل شيء. فضل يساومني إنه يا إما أكتب له كل حاجة أو نتجوز عشان يرجع لي أسامة. وأنا أسامة عندي أهم من أي حاجة في الدنيا، فوافقت. وكان فعلاً خلاص رايح يجيب لي ابني ويرجعه لحضني تاني. بس عمل حادثة في الطريق ومات. ومن ساعتها معرفش هو كان خاطف ابني وداه فين ولا مع مين.
قصة كالأفلام والقصص الخيالية لم تكن لتصدقها مطلقاً، لتهدل وجهها بحزن متأثرة للغاية بحديث السيدة "فادية".
مي: ربنا كريم بإذن الله، مسيرة هيرجع ويعرفك وتعرفيه.
السيدة فادية: المهم دلوقتي، ده كل حاجة لـ أسامة ابني وأنا لسه عندي أمل إني ألاقيه في يوم من الأيام. خدي يا مي الورق ده ومش عايزة أي مخلوق في الدنيا يعرف إن الورق ده معاكي.
نهضت "مي" لتحمل الأوراق والمستندات الخاصة بابنها، حين وجدت علبة مميزة للغاية من الفضة لتحملها بين أصابعها وقامت بفتحها لتنبهر برؤيتها لسلسال رائع من الفضة، فرفعت وجهها تسأل عنها السيدة "فادية" بفضول تام.
مي: إيه السلسلة دي؟
السيدة فادية: السلسلة دي كنت عملتها مخصوص عشان أسامة. كانت واحدة صاحبتي بتعملهم وكان فيه الزرار السحري ده بيتفتح كده.
ضغطت السيدة "فادية" فوق زر خفي للغاية ليفتح السلسال فجأة، أدهشت لها "مي" كثيراً. تطلعت بداخلها لنقش جميل باسم "أسامة"، حين أوضحت السيدة "فادية":
السيدة فادية: أسامة كان لابس واحدة زيها بالظبط، وبعد الحادثة طلبت من صاحبتي دي تعمل لي واحدة زيها بالظبط عشان أديها للشرطة. بس برضه معرفوش يوصلوا له.
أغلقت "مي" السلسال مرة أخرى لتضعه مع بقية الأغراض، واضعة إياهم بحقيبة ظهرها، وهي تعد السيدة "فادية" بالمحافظة عليهم. ثم خرجت إلى خارج الفيلا تبحث عن مكان آمن لتخبئ هذا الأشياء بعيداً عن "عادل" و"بدوي".
رواية بين يديك الفصل الخامس 5 - بقلم قوت القلوب
بقوة على أن أتحرك، لن أُهزم بسهولة. لن أترك قلبي يقيدني، فالسيطرة بعقلي وإرادتي.
حملت "مى" حقيبتها الكبيرة بعد أن وضعت بها الأوراق والأغراض الخاصة بابن السيدة "فادية"، وانطلقت في طريقها بحثاً عن مكان آمن تخبئ به هذه الأمانة الثقيلة بعيداً عن أيدي "عادل" و"بدوي".
احتارت كثيراً ولم يتفتق ذهنها لمكان آمن تضعهم به. اتجهت نحو بيت "رضوى" صديقتها لتتفكر معاً لإيجاد مكان مناسب لذلك، وربما تستطيع تخبئتها عندها حتى تتوصل لمكان أكثر أماناً.
***
بأحد المناطق الشعبية البسيطة، وقفت "مى" أمام بيت صديقتها "رضوى"، ذلك البيت المملوك لعائلتها بأكمله. تطلعت لهذا البيت المكون من طابقين قبل أن تنادي صديقتها "رضوى" كما اعتادت ندائها حين مرورها بها.
"رضوى"….. "رضووووى"…..
لحظات بسيطة فصلت بين نداء "مى" وخروج "رضوى" من الشرفة لرؤية من ينادي باسمها.
"مى"…!!! ثواني نازلة لك.
أسرعت "رضوى" لمقابلة صديقتها التي وقفت بتشتت أمام باب البيت الخشبي.
مى: "رضوى" أنا كنت عايزاكي في موضوع مهم.
تعجبت "رضوى" لتلك الجدية التي تعتلي نبرة "مى" لأول مرة.
رضوى: وواقفه على الباب كده ليه… تعالى تعالى.
صعدت "مى" برفقة رضوى للدور العلوي، ثم دلفتا غرفة "رضوى" الخاصة حين سردت "مى" ما حدث مباشرة على صديقتها بدون مقدمات.
بذهول تام لما ألقته "مى" على مسامعها، لتردف باندهاش عظيم.
رضوى: معقولة دي!!!! أنا من الأول مش مرتاحة لـ"عادل" ده، صدقتيني!!!
لم تنكر "مى" إحساس "رضوى" الدائم بعدم الراحة والاطمئنان لـ"عادل" مطلقاً منذ الوهلة الأولى، لكنها شعرت بغبائها وسذاجتها لتصديقها الأعمى له.
مى: أنا مش عارفة إزاي يا "رضوى" كنت مصدقاه للدرجة دي؟؟
رضوى: والله أنا حاسة زي ما أكون بسمع حدوته ولا بتفرج على فيلم، دي حاجة متتصدقش.
زفرت "مى" بضيق، فشعورها أعظم من ذلك بكثير.
مى: إنتي حاسة كده وأنا بس بحكي لك، أمال أنا بقى اللي شفت كل ده بعيني.
رفعت "رضوى" ساقيها بأريحية شديدة لتعقدهما متربعة فوق أريكتها الصغيرة.
رضوى: بس بجد ولا الأفلام، خصوصاً موضوع "أسامة" ابن طنط "فادية" ده.
تأثرت "مى" للغاية وهي تردف.
مى: أه فعلاً والله يا "رضوى"، ماما "فادية" صعبانة عليا أوي….. عشان كده أنا عايزة أرد لها الجميل ومخليش "عادل" و"بدوي" يسرقوها كده.
رضوى: وناوية تعملي إيه؟؟
مطت "مى" شفتيها وهي ترفع من كتفيها للأعلى ثم أهدلتهما مرة أخرى بمعنى لا أدري، مستأنفة.
مى: مش عارفة لسه…. بس مؤقتاً كده…. أنا عايزة أشيل الورق والحاجات اللي معايا دي في مكان أمان.
رفعت "رضوى" إبهامها متفكرة بطفولية وهي تضرب به وجنتها.
رضوى: تشيلهم فين… فين…؟؟
مى: فكري معايا.
تحركت "مى" داخل الغرفة تفكر بتمعن بمكان آمن، لتقطع تحركاتها الغرفة يميناً ويساراً حتى وقفت أمام مكتب "رضوى" الخشبي، تضيق من عينيها وهي تمسك بتلك النظارة الطبية التي لفتت نظرها للغاية، لتتساءل باندهاش.
مى: إيه النظارة العجيبة دي…؟؟ أنا أول مرة أشوفها عندك، دي شكلها صعب خالص.
قلبتها "مى" بين كفيها متعجبة من شكلها الغليظ وعدساتها السميكة للغاية، حتى كادت ترسم دوائر متداخلة بتلك العدسة القديمة للغاية، حين أجابتها "رضوى".
رضوى: دي بتاعة جدي الله يرحمه، كنت مطلعة شوية حاجات كده وعايزة أشيل الكركبة اللي عندي، لو عاجباكي خديها.
أرجعت "مى" جزعها للخلف قليلاً معاتبة "رضوى" بنبرة مازحة على طبعها الغريب بالتخلص من كل شيء حولها.
مى: إنتي مش حتتخلصي بقى من العادة الغريبة اللي عندك دي، وتبطلي ترمي كل حاجة حواليكي مهما كانت مهمة لمجرد إنك تنظفي.
بابتسامتها المميزة أجابتها "رضوى".
رضوى: أديكي قلتي… عادتي بقى ولا حشتريها.
كان طبع "مى" مختلفاً تماماً عن "رضوى"، فهي تحب الاحتفاظ بالأشياء القديمة والنادرة، وهي بالفعل تملك مقتنيات عتيقة قيمة للغاية لما تراه فيها من قيمة فنية عالية.
أردفت "مى" وهي تفتح حقيبتها وتضع بها تلك النظارة قائلة بمزاح.
مى: هاتيها… هاتيها… يمكن تنفع في مقلب ولا حاجة.
أغلقت سحاب حقيبتها وهي مازالت متحيرة، وقد توقف ذهنها عن الوصول لحل لتخبئة تلك الحقيبة، حين هتفت بها "رضوى" بحماس شديد.
رضوى: لقيتها…!!!
انتبهت لها "مى" متعجبة من هذا الحماس الذي لا تدرك سببه.
مى: لقيتي إيه…؟؟
رفعت "رضوى" حاجبيها وارتسم على وجهها غبطة كطفلة وجدت حلاً بفكرة لا مثيل لها.
رضوى: عارفة الأوضة الصغيرة اللي تحت اللي محطوط فيها العدادات دي… ممكن نخبيها هناك… دي على طول مقفولة بالبوابة الحديد وعليها قفل كمان… محدش بيدخل هناك إلا بابا…. وإنتي واثقة في بابا وعارفاه كويس.
هي بالفعل فكرة رائعة، فهذا البيت لهم وحدهم ولن يقتحم أحدهم هذا المكان أو يخطر على بال "عادل" أو "بدوي" مطلقاً، لتومئ بالموافقة بحماس يماثل صديقتها.
مى: حلوة أوي الفكرة دي… وأهو مكان كويس لحد ما أفكر حعمل إيه.
رضوى: حضري إنتي الأوراق والحاجات كلها اللي في شنطتك وأنا حروح أجيب المفتاح وننزل نخبيهم على طول.
مى: تمام.
أخرجت "مى" الأوراق والصور والسلسال الخاص بابن السيدة "فادية"، لتضعهم بأحد الحقائب البلاستيكية استعداداً لتخبئتهم، لتبقى حقيبتها فارغة حتى لا يشك أحدهم بالحقيبة ويفتحها بدافع الفضول.
ألقت نظرة على تلك الصور لهذا الطفل الصغير بتأثر شديد قائلة بتمني.
مى: يا رب ترجع لوالدتها، دي ست طيبة وتستاهل كل خير.
ثم أكملت بتعجب هزلي كطريقتها بالحديث المازح دوماً.
مى: بس سبحان الله الطفل ده شكله حلو أوي وملامحه مختلفة عن ماما "فادية"… لازم طالع شبه باباه.
أحكمت "مى" غلق الحقيبة البلاستيكية حين دنت منها "رضوى" حاملة صندوق خشبي متوسط الحجم.
رضوى: هاتيهم هنا بقى ونقفل عليهم بالقفل ده وحيبقوا كده في أمان.
وضعت "مى" تلك الأغراض بهذا الصندوق وأغلقوه بإحكام بوضع قفل كبير يغلقه تماماً، قبل أن تحمله "رضوى" لتضعه بالغرفة السفلية كما اتفقت مع "مى".
بعد أن انتهتا من تخبئته جيداً، نظرت "مى" نحو صديقتها متسائلة.
مى: أكيد يا "رضوى" المكان هنا أمان صح…؟؟
رضوى: متقلقيش… بابا بس اللي بيدخل هنا يطمن إن كل حاجة تمام وخلاص.
مى: طيب أسيبك أنا بقى وأرجع الفيلا عشان أشوف حنعمل إيه تاني.
رفعت "مى" سبابتها تنبه "رضوى" باتخاذ حذرها التام.
مى: "رضوى"… متجيبيش سيرة لأي حد بموضوع الورق والكلام اللي قلتهولك ده.
لقد حملتها تلك الأمانة ولن تخون ثقتها مطلقاً، لترفع "رضوى" كفها بثقة تامة.
رضوى: متخافيش يا "مى" مش محتاجة توصية.
بعد مرور ساعات هذا اليوم الطويل، عادت "مى" لبيت السيدة "فادية" لتتحصل على بعض الراحة والنوم، فقد شغل تفكيرها كثيراً بأحداث يومها الأخيرة.
***
في صباح اليوم التالي، كروتين يومي اعتادت عليه "مى"، فبعد استيقاظها وتبديل ملابسها الخاصة بالنوم، وقد ارتدت تلك الملابس التي تشعر بالراحة لارتدائها، فمن طبعها أن ترتدي بنطالها الجينز وكنزة قطنية تسهل لها الحركة بتلقائية. حملت حقيبتها فوق كتفها ومرت بالسيدة "فادية" بذات التوقيت الذي تمر بها كل صباح.
وقفت "مى" بباب غرفة السيدة "فادية" طارقة إياه بشقاوتها وابتسامتها العريضة قائلة.
مى: صباح الخير.
السيده فاديه: صباح الخير يا حبيبتي… تعالي عاوزاكي.
دلفت "مى" إلى الداخل وأغلقت الباب من خلفها ملبية طلب تلك السيدة الطيبة.
مى: …عاملة إيه النهارده…؟؟
السيده فاديه: الحمد لله… ها قوليلى خبيتي الورق والصور زي ما قلتلك…؟؟
جلست "مى" بطرف الفراش بمقابلة السيدة "فادية" لتجيبها باطمئنان.
مى: أيوه يا ماما متقلقيش خالص من الموضوع ده… إنتي نويتي تعملي إيه مع "عادل" و"بدوي"؟؟
السيده فاديه: أنا كلمت أستاذ "منصور" المحامي عشان يعرف هو يتصرف معاهم.
وضعت حقيبتها مرة أخرى فوق كتفها لتنهض من جلستها قائلة.
مى: كويس أوي… أنا حروح الشركة… مش حأتأخر يا ماما.
السيده فاديه: طيب يا حبيبتي… خدي بالك من نفسك.
مى: سلام.
السيده فاديه: مع السلامة.
خرجت "مى" من غرفة السيدة "فادية" وأغلقت الباب من خلفها واتجهت نحو السلم المؤدي للدور السفلي بخطواتها المتعجلة، حين فوجئت بتلك العينان القاسيتان يرمقانها بغضب، لتتسع عيناها بصدمة قائلة.
مى: إنت…؟؟!!!
رواية بين يديك الفصل السادس 6 - بقلم قوت القلوب
خرجت “مى” من غرفه السيده “فاديه” وأغلقت الباب من خلفها.
إتجهت نحو السلم المؤدى للدور السفلى بخطواتها المتعجله، حين فوجئت بتلك العينان القاسيتان يرمقانها بغضب.
لتتسع عيناها بصدمه قائله:
مى : إنت ….؟؟؟
****
قبل ذلك بقليل …
عادل… إتجه عاقد العزم إلى “مى” بحُجه توصيلها معه إلى الشركه ليبدأ فى مخططه بإقناع “مى” بإحضار له الصندوق الذى تحدث عنه “بدوى”.
فهو لم يطيق الصبر لمعرفه على ماذا يحتوى حتى يستطيع معرفه كل المعلومات عن إبنها الضائع.
لكنه سيخدع “مى” بأنه سيساعد السيده “فاديه” فى البحث عنه ولهذا يريد الصندوق.
وصل إلى الفيلا بسهوله للغايه ولم يعترض أحدهم طريقه، فهم يعرفونه جيداً.
ولم يواجه أى عقبه فى الصعود إلى غرفه السيده “فاديه” بحجه إلقاء عليها التحيه قبل ذهابهم الى العمل.
إتجه “عادل” نحو غرفه السيده “فاديه” وقبل أن يطرق الباب إستعداداً للدخول، إسمتع للحوار بين “مى” والسيده “فاديه” كاملاً.
أدرك أن “مى” قد علمت كل شئ مما خطط إليه مع عمه “بدوى” وقد أخبرت السيده “فاديه” بذلك.
تملكه الغضب منها و أصر فى داخل نفسه أن يدفعها ثمن تطفلها وإفساد مخططاته التى يسعى إليها.
هبط درجات السلم ووقف بإنتظار مجيئها لتفاجئ بوجوده أمامها.
بفراسه شديدة إستطاعت “مى” قراءة تلك النظرات الغادره بعينيه، لتستدير نحو الأعلى لتعود أدراجها إلى غرفه السيدة “فاديه” على الفور.
لكنه لم يمهلها “عادل” الفرصه ليتعجل بخطواته لاحقاً بها ليمسك بذراعها بقوة ساحباً إياها خلفه هابطاً درجات السلم متجهاً بسرعه نحو سيارته المتوقفه أمام بوابه الفيلا.
حاولت “مى” التملص من قبضته وهى تصرخ بتألم:
مى : ااه … سيب إيدى … إنت عاوز منى إيه …؟؟
دفعه بغضب نحو سيارته وهو يضغط على أسنانه بقوة:
عادل : إششششش … ولا كلمه ولا أسمع صوتك ولا تنطقى .. فاهمه …
شعرت بأنه شخص مختلف تماماً عما تعرفه وهو يزج بها نحو الداخل موصداً الباب حتى لا تستطيع الهرب منه.
وإلتف نحو مقعده بسرعه ليتحرك بالسيارة منطلقاً بها بعيداً عن الفيلا تماماً.
حاولت “مى” فتح هذا الباب الموصد لكنه أغلقه تماماً من جانبه وأصبحت تضرب بالباب عبثاً.
وصل “عادل” إلى البنايه التى يسكن بها عمه “بدوى” لعلمه إنه يسكن بمفرده فى الدور الأرضى و أن البنايه فى هذا الوقت تعتبر خاليه من السكان لسفرهم فى عطله الصيف خارج القاهرة.
صف السياره أمام البنايه وهو يأمر “مى” بالترجل:
عادل : إنزلى !!
تطلعت “مى” حولها وقد إتسعت عيناها بتخوف حين وجدت نفسها بمنطقه نائيه للغايه والشوارع خاليه تماماً من المارة لتسأله مستنكره طلبه:
مى: أنزل فين …. ؟؟؟. لأ طبعاً مش نازله معاك …
“عادل” بحده وهو يمسك ذراع “مى” مرة أخرى يجبرها على الترجل والسير معه بالقوة:
عادل : بقولك إنزلى .. يعنى تنزلى من سكات أنتى فاهمه …؟؟
دفعت “مى” قبضته التى تشبثت بذراعها تحاول التملص منه حين لكزته بقوة:
مى : إوعى كده بقولك ….؟؟
لم يعط بالاً لمحاولتها للهرب فهو أقوى منها بدنياً للغايه ليحكم قبضته وهو يسحبها نحو الداخل رغماً عنها متجهين نحو شقه “بدوى”.
طرق “عادل” الباب بقوة ليجيبه “بدوى” مفزوعاً وزاد تخوفه رؤيته لـ”عادل” ممسكاً بـ”مى” بتلك الطريقة.
بدى : “عادل” …!!! فيه إيه ….؟؟؟ حصل إيه ….؟؟؟
عقص “عادل” بوجهه متمللاً من عمه الذى يعترض طريقه:
عادل : إستنى لما ندخل جوه …
كمحاوله أخرى منها للهروب لكزته مرة أخرى بمرفقها قائله:
مى : بقولك سيبنى …. مش داخله إلا لما تقولى عايز منى إيه …؟؟؟
عادل : حتعرفى دلوقتى … بلاش رغى كتير …
أدخلها عنوة مغلقاً الباب من خلفه ثم دفعها نحو إحدى الغرف وهو يزيد من دفعته بها نحو الداخل لتترنح لعدة خطوات.
وقبل أن تعود لتخرج من الغرفه كان “عادل” أسرع منها وأغلق الباب بالمفتاح من خارجه ليتحدث أولاً مع عمه يخبره بما حدث.
وقف “بدوى” مدهوشاً للغايه من “عادل” وإتيانه بـ”مى” بتلك الطريقه القاسيه، لكنه إنتظره حتى أغلق الباب وإلتف نحوه ليسأله “بدوى” بتوتر:
بدوى : إيه إللى حصل يا “عادل” … أنا مش فاهم حاجه … وجايب “مى” معاك هنا ليه …؟؟
أمسكه “عادل” من ساعده يسحبه نحو غرفه المعيشه وهو يفسر له ما حدث:
عادل : لما رحت الفيلا زى ما إتفقنا … سمعتها بتقول للست العجوزة دى إنها عارفه إحنا إتفقنا على إيه فى المكتب وإنها أخدت الأوراق وخبتها عشان منلاقيهاش ….
إبتلع “بدوى” ريقه بتخوف وبدأ جسده الممتلئ يتعرق بكثرة ليردف بلعثمه قويه.
بدوى وقد بانت على ملامحه الخوف:
بدوى : وو … إحنا حنعمل … إيه دلوقتى …؟
عادل : أنا لازم أعرف هى خبت الأوراق دى فين بأى طريقه … وأأدبها على إللى هى عملته ده …
بنبره مهتزه أراد “بدوى” التراجع عما إتفقا عليه فقد إضطرب بشدة لكشف مخططهما ولابد أن السيدة “فاديه” ستضعهم بمشكله كبيرة لذلك.
بدوى : طيب ما هو خلاص .. الست “فاديه” عرفت إللى كنا حنعمله … خطتنا كده باظت خلاص …!!
هتف “عادل” بحده وهو يضرب الطاوله بكفه منفساً عن غضبه:
عادل : مفيش حاجه إسمها باظت خلاص … المحامى ده عارف كل حاجه عن إبنها عشان كده أنا لازم الآقى الورق ده عشان لما أجيب حد مكان إبنها يبقى الورق مظبوط … و”فاديه” دى خلاص كفايه عليها تعيش لحد كده نخلص منها وناخد الفلوس من غير ما عفريت ينط لنا فيها .. ويطلع المحامى ده بأى ورق يبوظ لنا كل إللى إحنا بنعمله …
إرتجفت شفتا “بدوى” بقوة فهو لا يريد التورط بمشاكل وخطف وقتل لكنه طامع أيضاً وضعيف للغايه ولا يقوى على قول ذلك لـ”عادل” ورفض ما يود فعله للحصول على المال.
بدوى : إنت شايف كده ….؟؟ أنا بقول كفايه يا “عادل” ومش مهم … أنا خايف يا إبنى …
عادل : جمد قلبك أمال … مش حنرجع دلوقتى خلاص … إحنا كده بقينا فى الشارع … لازم نكمل الموضوع ده للآخر … إنت ناسى دى ملايين يا عمى … ملاييين …
تناسى بلحظه تخوفه لتضئ عيناه ببريق طامع قائلاً:
بدوى: ملايين … صح … أنا معاك …
خلع “عادل” سترته ثم وضعها فوق أحد المقاعد وهو يثنى طرفى أكمام قميصه الوردى متجهاً نحو الغرفه التى حبس بها “مى” منذ قليل.
دلف إلى داخل الغرفه وأغلق الباب مرة أخرى بالمفتاح من خلفه ليستدير نحو “مى” المترقبه له بأعين غاضبه للغايه.
عادل : بهدوء بقى ومن غير ما تعصبينى كده … قوليلى … خبيتى الورق فين …؟؟
بمشاكسه وتهرب من سؤاله أجابته:
مى : ورق … ورق إيه …؟؟
زفر “عادل” بقله صبر ثم عقب بنبره تهديديه لإخافه “مى” وحثها على التحدث:
عادل : ما أنا بقولك من غير ما تعصبينى … ولا عايزانى أتعصب .. وإنتى متعرفينيش فى عصبيتى ممكن أطلع روحك فى إيدى …
تشدقت بعنقها بلا مبالاة من تهديداته وإستجمعت شجعاتها مقرره ألا تستسلم لهذا البغيض.
مى : مش حقولك …؟؟؟
عادل: لا يا “مى” حتقولى .. فأحسن لك تقولى برضاكى بدل ما أخليكى تتكلمى غصب عنك …
تمتعها بشخصيه قويه متحديه لصعابها وقهرها لخوفها نظرت بعينيه تماماً قائله بتحدي:
مى: إنسى إنك تعرف منى حاجه … لأنك أساساً متقدرش تعمل لى حاجه … وطلعنى من هنا دلوقتى ……
لم يستطع كبح غضبه مقابل تحديها له ليرفع يده فى الهواء وصفعها بكل قوته مما جعل “مى” تهوى أرضاً ليصطدم رأسها بقوة بالمقعد الخشبى.
رفعت رأسها المتألم بتثاقل وتوهجت وجنتها بحمرة شديدة إثر صفعة “عادل” الواضحه على وجهها وسال خيط من الدماء من شفاهها.
هذا الألم الذى أغرورقت له عيناها بالدموع لتردف بغضب من هذا الحقير:
مى : أنا مش عارفه إزاى إتخدعت فيك كده إنت إنسان حقير … عمرى ما شفت زيك فى حياتى ابدااا…
عادل بضحكه ساخره:
إنتى فاكره إنك بالكلمتين دول حتهزينى ولا حتخلينى أتراجع عن إللى عايز أعمله !!!! … ده إنتى تبقى غلبانه أوى … فوقى يا ماما … مش حيحصل ابداااا .. وإنتى حتقولى يعنى حتقولى …
رغم ألمها إلا أنها لن تخشاه ولن تتراجع مطلقاً لتستكمل بنفس القوة والتحدي:
مى : قلت لك مش حيحصل … عمرى ما أخون الست إللى فتحت لى بيتها وإعتبرتنى زى بنتها بالضبط ….
رمقها “عادل” بتقزز وهو يردف بنفور شديد:
عادل : عارفه …. على قد ما إنتى جميله كده إلا أنى عمرى ما حبيتك ابداا .. بالعكس شايف فيكى واحده غبيه تصرفاتك كلها سخافه … بس أعمل إيه … مكنش فيه أى وسيله تانيه إنى أوصل للى أنا عايزة إلا عن طريق بنت تافهه زيك …
مى : وأنا على قد ما حبيتك .. على قد ما كرهتك دلوقتى ولما عرفت حقيقتك إللى كنت مخدوعه فيها … وإن إنت متستحقش الحب ده ابداااا … بكرهك يا “عادل” …
رواية بين يديك الفصل السابع 7 - بقلم قوت القلوب
وقفه قويه مع النفس، بل صفعه قويه من الزمن أفاقت بها "مى" بعد غفلة طويله حين ظنت أن "عادل" إنسان يستحق تلك المشاعر التى خصتها به. كيف استطاع أن يبدل تلك الأحاسيس الرقيقه لكل ذلك البغض بقلبها. تحول تماماً حبها له لكراهيه خاصه بعدما نزع ذاك القناع المسالم عن وجهه.
تقلصت ملامح "مى" المتعمقه بـ"عادل" لتراه شخص بغيض للغايه. كيف لم تراه بتلك الصورة من قبل. أردفت بنفور شديد:
"مى": بكرهك يا "عادل".
ضحك "عادل" مستهزءاً منها ثم أردف بلا اكتراث لمشاعرها تجاهه، فهو لا يهتم بذلك مطلقاً:
"عادل": تكرهينى متكرهينيش. قلت لك إنتى فى الأساس متهمينيش. انطقي أحسن لك. وآخر مرة حسألك.. خبيتى الأوراق فين؟
"مى": مش حقولك حتى لو موتنى هنا مش حقولك.
وبسرعه فائقه انتفضت "مى" من جلستها راكضه باندفاع نحو باب الغرفه كمحاوله منها للخروج من قبضه "عادل"، لكنها وجدت الباب موصداً بالمفتاح. لم يكن ذلك سبباً لاستسلامها، فأخذت تحاول فتح الباب بالمفتاح الذي تعلق به. لكن "عادل" كان أسرع منها فدفعها بقوة ممسكاً إياها بكلتا يديه ليزيحها إلى الداخل مما جعلها تتهاوى لتسقط أرضاً مرة أخرى. شعرت لها بأن عظامها سوف تتكسر من قوة ارتطامها بالأرض.
تهدج صدر "عادل" بانفعال ليصرخ بها بحدة:
"عادل": كل إللى بتعمليه ده مش حيفيدك بحاجه. ارجعي لعقلك كده يا بنت الناس. أنا حديكى فرصه حروح مشوار وراجعلك. لو متكلمتيش بالذوق ماتلوميش إلا نفسك على إللى حيجرى لك المرة دي بقى.
أنهى "عادل" تهديده لـ"مى" وتوجه نحو باب الغرفه ليفتحه بالمفتاح ويصفقه بقوة قبل أن يوصده مرة أخرى حتى لا تستطيع "مى" الهرب منه.
بتلك الأثناء بدل "بدوي" ملابسه بأخرى استعداداً لمرافقة ابن أخيه الذي هتف به ومازالت ملامحه متجهمه بعد لقائه بـ"مى":
"عادل": يلا بينا يا عمي.
مسح "بدوي" قطرات العرق الغزيزة من فوق جبهته بتوتر وهو يشير بعيناه تجاه الغرفه متسائلاً بقلق:
"بدوي": إحنا حنسيبها هنا؟
رمق "عادل" باب الغرفه قبل أن يجيبه باشمئزاز منها:
"عادل": أيوه. خليها مرميه كده من غير ولا أكل ولا شرب لحد ما تعرف هي بتتعامل مع مين. وتبطل تنشف دماغها وتقولنا الورق فين. يا إما حتشوف مني إللي عمرها في حياتها ما شافته. يلا بينا.
خرج الاثنان تاركين "مى" بمفردها داخل تلك الشقه التي لم تأت إليها من قبل.
لم تكن تشعر بآلامها إلا فور خروج "عادل"، لتنتبه أن رأسها يؤلمها للغايه. رفعت كفها لتضعه فوق موضع الألم إثر ارتطام رأسها بالأرضيه الصلبه منذ قليل، تشعر ببعض الدوار لتتأوه بألم:
"مى": ااه يا راسي. مش قادرة. أنا حعمل إيه دلوقتى؟ ده إيه الورطه إللي أنا فيها دي؟
تحاملت "مى" على نفسها لتتوجه نحو الباب تحاول فتحه لكنها وجدته موصداً مرة أخرى. أخذت تضرب بيديها على الباب فربما تستطيع كسر الباب لكنها لم تستطع فعل ذلك فهي أضعف من أن تكسر الباب.
ليس من طبعها الاستسلام قط ولن تقبل أن تظل منتظره تعطف "عادل" وتركها لسبيلها. فاستدارت على الفور نحو النافذه تحاول الهرب منها فربما تستطيع القفز من هذه النافذه فالشقه بالدور الأرضي. لكنها صدمت بوجود شبكه حديديه قويه بالنافذه لتعيق خروجها منها.
عادت مرة أخرى بمثابرة نحو الباب تضغط بكفها مقبضه بقوة. حاولت... وحاولت... وحاولت... لكن دون جدوى.
بتلك اللحظه تيقنت بمحبسها وأنها غير قادرة على الهرب لتهوي بيأس شديد لتدرك أنها وقعت بقبضته بالفعل. جلست أرضاً منهاره القوى فمن الواضح أن القدر يلعب ضدها اليوم، وستظل حبيسة هذا المكان حتى يعود "عادل" و"بدوي" ولا تدرى بعد ماذا سيفعلان بها. مجرد إدراكها لفكرة وقوعها تحت سطوتهم أرعبها ذلك كثيراً لتومئ برفض ذلك رفضاً باتاً:
"مى": لأ. أنا مش لازم أستسلم بالسهولة دي.
أخذت "مى" تصرخ تستنجد بأي شخص يسمعها ويحاول مساعدتها، لكن لا صوت ولا رد. أدركت أنه ليس هناك أحد قريب يستطيع مساعدتها وإنقاذها قبل وصول "عادل" و"بدوي".
مر الوقت لتجد نفسها مرغمة على البقاء ولا سبيل للخروج من هذه الشقه فجلست باستسلام على أحد المقاعد لتغفو دون أن تدرى بما تشعر به من إرهاق شديد.
***
الإسكندرية.
بخطوات رشيقه للغاية لا تناسب سن تلك السيدة الخمسينيه ولا وزنها، فعلى الرغم من جسدها الممتلئ إلا أنها سريعه التحرك دؤوبه النشاط والحيوية. رفعت وجهها المستدير لتقضب حاجبيها بضيق وهي تمط شفتيها بعتاب محب لولدها الوحيد:
"الأم": بس إنت قلت لي إنك حتاخد أجازة شهر يا "مصطفى".
اتسعت ابتسامة "مصطفى" لتظهر أسنانه البيضاء، فله ابتسامة مميزة للغاية تظهر ملامح وجهه الوسيم، فـ"مصطفى" شاب بأواخر العشرينات طويل القامة بعكس والديه ذو جبهة عريضة وعينان عسليتان يتمتع بشعر فحمى كسواد الليل.
"مصطفى": يا أمي يا حبيبتي. ما انتي عارفه إن "سيف" تعبان وميقدرش يسافر. ولازم حد يسافر بداله وإلا حتحصله مشكلة. القبطان معندوش أعذار. واحد غايب. غيره لازم يحل محله.
بعاطفة شديدة نظرت له "هناء" بتأثر مردفة:
"هناء": بس يا "مصطفى" أنا ملحقتش أشبع منك يا ابني. ده انت مكملتش أسبوع أجازة. وبقالك غايب عني أكتر من شهر ونص.
ثم استكملت بترجى فهي تشتاق له للغاية:
"هناء": متشوف لك شغلانه تانيه قريبه وتخليك جنبي يا ابني.
على الرغم من أنه وحيد والديه لم يكن شاب مدلل إطلاقاً بل كان مثال للرجولة وتحمل المسؤولية. استطاع أن يكمل تعليمه وسط معيشتهم البسيطه للغاية ليحصل على بكالوريوس الهندسه الميكانيكيه. ولاحت له فرصه لا تعوض بالعمل كمهندس ميكانيكي بشركة ملاحه تجاريه وعليه التواجد بمتن السفينة لمدة شهر كامل ثم يتبادل مع أحد زملائه. تلك الوظيفه بالبحر هي فرصه التي لا تعوض فراتبها مغرى للغاية لا يستطيع تعويضه بأي وظيفه أخرى على البر.
"مصطفى": ما انتي عارفه يا ماما أني مش حلاقي شغلانه زي دي. ده غير إن مرتبها ممتاز زي ما انتي شايفه. وإحنا محتاجين كل قرش فيها.
تنهدت "هناء" بتفهم لذلك لكنها مازالت تشتاق إليه.
"الأم": بس انت بتغيب عني كتير أوي وأنا مبقدرش أستحمل غيابك ده عني. أنا وأبوك تعبنا وكبرنا ومحتاجينك جنبنا. ده غير بقى إني بخاف عليك أوي من شغل البحر ده.
بصفاء نفس كسماء صيف هادئه حاول "مصطفى" طمئنة والدته القلقة:
"مصطفى": يا ماما متقلقيش. عمر الشقى بقى.
ثم أردف ببسمة لإنهاء حديثهما القلق:
"مصطفى": خلاص بقى يا ست الكل. متخلينيش أسافر وإنتي زعلانه كده. مش عايز أبقى قلقان عليكي.
"هناء": خلاص الأمر لله. هو أنا حغلبك؟ على طول حتضحك عليا بكلمتين. ربنا يحفظك ويصونك يا ابني تروح وترجع لنا بألف سلامه.
"مصطفى": أشوف وشك بخير.
"هناء": مع السلامه يا ابني. في حفظ الله ورعايته.
خرج "مصطفى" من البيت ماراً بصديقه "سيف" أولاً قبل سفره.
***
وقف "مصطفى" أمام البناية التي يقطن بها صديقه "سيف" قبل أن يصعد درجاتها للاطمئنان عليه قبل سفره، فهو يعيش وحيداً بهذا المنزل. لم يفكر "مصطفى" للكثير من الوقت قبل قبوله بالسفر عوضاً عن صديقه المريض رغم إرهاقه لمدة شهر كامل بالعمل بالبحر كمهندس ميكانيكي فوق متن إحدى السفن البحريه وكطبيعة عمله يبقى بالبحر لمدة شهر كامل ثم يعود لتبديل مكانه بزميل آخر ويحصل هو على شهر إجازة. طبيعه قاسية لكن عليه تحملها فالعائد المادي مجزي للغاية وهو وأسرته بأمس الحاجة لهذا المال للخروج من أزمتهم الماديه والديون التي تراكمت فوق كاهلهم فعمل والده "خالد" بمحل البقاله خاصته لا يكفي احتياجاتهم قط.
طرق "مصطفى" الباب لعدة مرات قبل أن يستقبله "سيف" هذا الشاب القمحي ذو الوجه المستدير والأعين السوداء بملامح طفوليه قليلاً ليعطي مظهراً أصغر من عمره ببعض السنوات. فتح "سيف" الباب وهو يسعل بقوة ممسكاً بأحد المحارم الورقيه يغطي بها أنفه المتوهج بلون شديد الحمرة. فور رؤيته لصديقه "مصطفى" ترك الباب دالفاً إلى الداخل ليتبعه "مصطفى" فهو ليس بغريب ثم أردف بكلمات محتقنه بسبب تلك الانفلونزا:
"سيف": تعالى يا غالي.
أغلق "مصطفى" الباب وهو يمزح مباشرة:
"مصطفى": لا يا حبيبي. انت حتقضيها يا غالي بقى وحركاتك دي! بقولك إيه أنا أخدت مناوبتك المرة دي بس انت كمان حتاخد مناوبتي المرة الجايه على المركب. فاهم.
تمدد "سيف" وهو يعقب بضحك على طريقة صديقه الطريفة:
"سيف": خلاص يا سيدي. قلتهالي خمسمية ألف مره. حاضر. أقوم بس من رقدتي دي.
رفع "مصطفى" حاجبيه مصنعاً الإندهاش ثم أكمل مزاحه باستهزاء:
"مصطفى": اااه. لاااا بقى. أنا شايف السكر بيزيد. مش عاجبك ولا إيه. هاه؟
"سيف": ما انت إللى كل شويه تقولى كده من ساعه ما اتفقنا إنك حتسافر مكانى. ما قلنا حسافر مكانك من غير رغى كتير.
رفع "مصطفى" ساقيه ليعقدهما أسفله مدعياً الضيق:
"مصطفى": لا والله. وعلى إيه. أدي قاعدة وسافر انت يا أخويا مش خلاص كلامي مش عاجبك.
أجابه "سيف" بجميع العبارات المناسبة للاعتذار منه قائلاً:
"سيف": حبيب قلبي. انت صدقت. هو أنا ليا غيرك. آسفين والله. حقك عليا. وااا.
قاطعه "مصطفى" ضاحكاً:
"مصطفى": خلاص خلاص. انت حتشحت. بس بالله عليك خلى بالك من والدي ووالدتي انت عارف ملهمش غيري.
أنهى عبارته بجديه ليقابله رد "سيف" بجديه مماثلة أيضاً:
"سيف": متقلقش. في عيني والله.
كان لقاءً قصيراً قبل وداعه لصديقه لاستئناف عمله.
"مصطفى": يلا. سلام بقى.
"سيف": مع السلامه.
تركه "مصطفى" متجهاً للميناء تاركاً هذا الوحيد يعاني من مرضه بمفرده فهو شاب وحيد يتيم الأبوين.
***
مر يومان اختفت بهما "مى" تماماً عن السيدة "فادية" دون معرفه إلى أين ذهبت دون اخبارها فليس من عادتها تركها بتلك الصورة. أثار غياب "مى" فزع السيدة "فادية" تماماً ليزداد تأثرها النفسي بغيابها حيث جلست برفقه المحامي الخاص بأعمالها وهي فزعه للغاية من شدة قلقها على "مى" فقد اعتبرتها كابنتها التي لم ترزق بها.
بتحسر شديد أردفت السيدة "فادية":
"السيدة فاديه": يعني إيه؟ بنتي راحت فين؟ آه يا حسرة قلبي عليكي يا بنتي.
"منصور": اهدى بس يا مدام "فادية". إحنا بلغنا الشرطه وبندور عليها. وأكيد إن شاء الله حنلاقيها. بس هي مقالتلكيش أي حاجة؟ راحت فين أو عند مين؟ أي معلومه يعني تدلنا راحت فين؟
"السيدة فاديه": لأ. كانت رايحه الشركه عادي زي كل يوم وقالت لي مش حتأخر. ومن ساعه ما طلعت الصبح مرجعتش. ااااه يا بنتي انتي كمان ضعتي زي ابني ما ضاع.
حاول "منصور" تهدئة السيدة "فادية" قليلاً فهو لم يرها بهذا الانهيار منذ زمن بعيد.
"السيد منصور": مدام "فادية". كل ده مش حيفيدنا بحاجه. انتي لازم تهدى عشان نعرف نفكر.
بمحاولات عابثه لم تجد نفعاً لتهدئتها لم يجد بُد من الإرسال بطلب الطبيب لإعطائها مهدئ ما يساعدها قليلاً فحالتها اليوم أعادت له ذكريات بمثل حالتها حين فقدت ابنها منذ خمس وعشرون عاماً.
رواية بين يديك الفصل الثامن 8 - بقلم قوت القلوب
مر اليومان ثقيلان على السيدة فادية، وكان مراً مربكاً لعادل وبدوي.
في شقة بدوي، وبإضطراب ملحوظ، مسح بدوي قطرات العرق من جبهته وقال بنبرة متخوفة:
"أنا قلقان أوي يا عادل، الست بدأت تقلق وبلغت الشرطة. واحتمال كبير تشك فينا بعد اللي قالتهولها مي عننا. كل يوم مي بتغيب عنها بتقلق أكتر."
لم يتأثر عادل بقلق عمه المعتاد، وأجابه بلا مبالاة شديدة:
"إحنا مفيش علينا حاجة، ولا هي في إيديها أي حاجة ضدنا. ده غير إن محدش يعرف عنوانك الجديد ده. وحتى لو شكوا فينا وراحوا عنوانك القديم، محدش حيعرف يوصل لحاجة. بطل قلق بقى وخليني أركز مع اللي جوه دي. مش فاهم هي ليه لحد دلوقتي مش راضية تنطق؟"
قال بدوي:
"والعمل إيه دلوقتي طيب؟"
كاد صبر عادل أن ينفذ من تلك الإنسانة المستفزة، فقال:
"أهي بقالها يومين محبوسة جوه وأنا ماسك نفسي عنها بالعافية عشان أعرف أخليها تتكلم وتقول خبت الورق فين. عموماً، أنا داخل لها دلوقتي يمكن تكون عقلت كده وتتكلم وتخلصنا."
في ذات الوقت، كانت مي ملقاة بإعياء فوق أحد المقاعد. عادل تركها في تلك الغرفة ليومين كاملين دون طعام، فقط قارورة صغيرة من الماء. تحملت ذلك كثيراً، لكنها كانت تشعر ببعض الراحة أنه لم يمسها أحد بسوء. أغمضت عينيها منذ بعض الوقت تغفو قليلاً، حين دخل عادل ليجدها بتلك الهيئة. لكنه لم يشفق عليها قط، بل امتعض وجهه وهو يطالع سكونها المستفز، قبل أن يلكزها بقوة بذراعه المرفوع فوق رأسها.
"هيه، إنتِ قومي يلا. إنتِ جاية تقضيها نوم ولا إيه؟"
رفعت مي رأسها متنفضة بفزع من صوته الصارخ، قبل أن تستجمع نفسها قليلاً لتدرك أنه عادل وقد عاد مرة أخرى.
"هه، عاوز إيه؟ ابعد عني بقى."
دفع عادل ذراعها عن رأسها بقوة، غير محتملاً لكل ما تتفوه به تلك المعتوهة، ليستكمل بتحذير شديد:
"قومي كده أنا بكلمك. فوقي أحسن لك. أنا لحد دلوقتي مش عايز أمد إيدي عليكي. وبقول إنتِ دلوقتي خلاص فهمتي إن محدش حينجدك مني هنا. ولو حصل لك حاجة مفيش مخلوق حيعرف أصلاً."
لم تكن مي يوماً فتاة ضعيفة، ولم يكن أيضاً من طبعها الاستسلام أو الجبن، فرفعت رأسها الثقيل دون أن تشعره بوهنها البالغ، مردفة بتحدٍ:
"ما هو مهما قلت وعملت، انسى أني أقولك الورق فين."
احتمل منها ما لا يطيقه حقاً حتى بلغت ذروته، وانفلتت أعصابه الثائرة بكلمات مي التي تعانده بها. فاليوم، بل والآن، عليه معرفة أين خبأت تلك الأوراق بأي شكل وبأي صورة. فلن يتحمل تلك السخيفة لأكثر من ذلك.
قال عادل بعصبية:
"بقولك إيه، أنا صبري خلص خلاص. حتنطقي ولااااا..."
شردت مي تحدث نفسها متفكرة بحل تستطيع به التخلص من عادل.
(وبعدين في الوضع ده... أنا لازم أطلع من هنا. بس إزاي وهم حابسيني هنا ومبقتش قادرة أستحمل. حاسة أني خلاص حيغمى عليا. ومهما صرخت وخبطت محدش حاسس بيا. أنا لازم أشوف لي حل... لازم أخرج من الباب ده... لازم...)
علقت بصرها وهي تطالع هذا الباب المغلق من خلف عادل بعينين مرهقتين للغاية، غير منتبهة لما يتفوه به عادل، كما لو كان يحدث نفسه، أو أنها غائبة عن الإدراك تماماً.
صرخ عادل قاطعاً شرودها الصامت:
"إنتِ إطرشتي ولا إيه؟ مبترديش عليا ليه؟"
بإمتعاض تام، أجابته بنفور، فهي أصبحت لا تطيق حتى سماع صوته:
"بقولك إيه، وفر على نفسك الكلام ده. أنا مش حقولك حاجة. ولا يمكن أخون ثقة ماما فادية فيا. فأحـ..."
لم تستطع أن تكمل جملتها، فقد تملك الغضب من عادل ليعميه تماماً، ولم يعد يتحكم بأعصابه المنفلتة إثر استفزاز مي الشديد له، حين تحرك بإنفعال تجاه علاقة خشبية للملابس ملقاه جانباً، ليحملها بين قبضته، ثم إنهال على مي بها بكل ما يحمله قلبه من غيظ وغضب.
تلك الحركة المفاجئة لم تكن تتوقعها مي منه إطلاقاً، لكن إحساسها بالألم جعلها تصرخ بقوة تطلب النجدة من أي شخص يستطيع سماعها. إعياؤها بسبب قلة الطعام واضطراب النوم بالأيام الماضية سبب لها دوار شديد، زادت حدته بصراخها المتألم، فهي لم تعد تحتمل هذا الألم، لتنهار قواها وتسقط فاقدة للوعي أسفل قدمي عادل، الذي تفاجأ بسكونها التام دون مقدمات.
دب الذعر بقلبه عند رؤيتها ساكنة تماماً عن الحراك، ليلقي بالعلاقة الخشبية من بين يديه، ثم خرج مسرعاً وقد تهدجت أنفاسه بقوة، مغلقاً باب الغرفة من خلفه بالمفتاح بإرتباك شديد.
استوقفه بدوي بسؤاله فور خروجه من الغرفة:
"ها... اتكلمت؟"
هز عادل رأسه بالنفي، بينما شحب وجهه بقوة مجيباً بإرتباك:
"لأ... أهي مرمية جوه. كده مش حينفع يا عمي. بكرة الخميس. لو متكلمتش لحد بكرة، وجودها هنا حيبقى خطر علينا. الناس اللي مسافرة في العمارة قربت ترجع. ولو حسوا بحاجة حيبلغوا عننا ونروح في داهية."
لم يكن بدوي أحسن حالاً من ابن أخيه، فقد تصبب عرقاً إثر كلمات عادل المقلقة.
قال بدوي:
"والعمل؟"
أجاب عادل:
"لو معرفناش منها الورق فين بكرة، يبقى هي اللي جنت على نفسها. نخلص منها ونرتاح."
اتسعت عينا بدوي بفزع وهو يكرر عبارة عادل بذهول:
"نخلص منها؟"
أجاب عادل:
"أيوه. ما إحنا لو سبناها حتروح تبلغ عننا. يبقى لازم نخلص منها."
قال بدوي:
"أنا خايف. أنا مش جرئ زيك كده."
لم يكن عادل سيعتمد بمثل هذه الأمور على عمه، فهو يعلم جيداً أنه جبان لدرجة كبيرة، ليردف بتملل منه:
"أنا حتصرف. متقلقش. يلا بينا دلوقتي نروح الشركة عشان محدش يشك فينا في حاجة."
اتجه إلى الشركة حتى لا يلفتا النظر، بينما تركا مي وحيدة مرة أخرى في بيت بدوي، وهي فاقدة للوعي تماماً.
بعد مرور بعض الوقت، بدأت مي تستعيد وعيها وهي تحاول فتح جفنيها المتثاقلين بصعوبة. تأوهت بألم وهي تحاول الاستناد بكفيها لترفع جسدها المتألم عن الأرض القاسية أسفلها. ألم قوي انتشر بسائر جسدها، خاصة وجهها. رفعت كفها تتحسس بأصابعها موضع الألم، لتشعر بتورم شديد حول فمها وعينيها، وجرح ظاهر بشفتيها يسيل منه خيط من الدماء. لن تستسلم أبداً لبطشه القوي، فهي فتاة قوية وتستطيع التحمل وإنقاذ نفسها. تحركت بصعوبة تجاه باب الغرفة تحاول فتحه، فربما تستطيع الهرب تلك المرة.
كانت تئن بصوت يذيب القلب من الألم والتوجع. حاولت فتح الباب، لكنه كالعادة مقفول. جلست على الأرض وسندت ظهرها للباب، وظلت تطرق على الباب بيدها، ولكن ضرباتها كانت ضعيفة جداً، فقد أنهاكها إعياؤها تماماً. ظنت أنها النهاية، ولم يعد بيدها شيء تفعله. لكن سماعها هذا الصوت جعلها تنتبه تماماً، حين سمعت صوت المفتاح يتحرك بمقبض الباب من خلفها، ثم فتح الباب تماماً، وهي مازالت تحدق بالباب لرؤية من منهم الذي عاد مرة أخرى.
تمعنت مي بالنظر لتجد رجلاً بسيطاً ذو هيئة رثة بعض الشيء، يرتدي جلباباً بنياً اللون وبه خطوط طويلة، يبدو عليه القدم. يرتدي فوق رأسه طاقية بيضاء، حاملاً بيديه بعض الحقائب البلاستيكية. يطالعها بصدمة وذهول قائلاً:
"إيه ده؟ إنتِ مين؟ ومين اللي عمل فيكي كده؟"
تخوفت مي من أن يكون هذا الرجل قد أتى بطلب من عادل، وربما يؤذيها أيضاً، لتتسائل بنبرة متخوفة واهنة للغاية:
"إنت إللي مين؟"
قال الرجل:
"أنا عبد الرحمن. باجي هنا كل أربعاء أنظف الشقة للأستاذ بدوي وأجيب له شوية حاجات. هو دايمًا بيسيب لي المفتاح عشان باجي وهو في الشغل. بس إنتِ مين يا بنتي ومين اللي عمل فيكي كده؟"
شعرت بالإطمئنان لهذا الرجل، لتجيبه بضعف كانت قد أخفته بداخلها حتى لا يشعر به عادل، ليظهر جلياً عليها وقد كادت تسقط من شدة إعياؤها.
"عادل... وبدوي... حيموتوني... ساعدني أخرج من هنا."
قال عبد الرحمن:
"بس...!!!"
تلك هي فرصتها التي لن تتنازل عنها، لتستكمل بتوسل تستعطف قلبه اللين لمساعدتها.
"أرجوك... بقولك حيموتوني."
قال عبد الرحمن:
"ليه بس؟ إنتِ عملتي لهم إيه؟ عشان يضربوكي بالشكل ده؟"
لم تجد مي بُداً من أن تقص ما حدث لهذا الرجل، وهي تتحدث بوهن وضعف حقيقي حتى يصدقها ويخرجها من هذا المكان، فهي لم تعد تستطيع الحركة من شدة الإعياء والألم.
قال عبد الرحمن:
"لا حول ولا قوة إلا بالله... لا يا بنتي أنا ميرضينيش الظلم. تعالي أخرجك من هنا ورزقي على الله. يلا تعالي قبل ما حد منهم يرجع تاني."
بإمتنان شديد لمعروف هذا الرجل الطيب.
"شكراً... أنا عمري ما حنسى اللي عملته معايا ده أبداًاا."
أخذت مي حقيبتها الملقاة على الأرض خارج الغرفة، ووضعتها فوق ظهرها المنحني، ثم خرجت برفقة عبد الرحمن من الشقة، بعدما أغلق عبد الرحمن الباب، فهو لن يعود ليعمل مع هذا الرجل مرة أخرى.
ابتعدت مي عن البناية تماماً، لكنها لم تقو على استكمال سيرها، فجلست على الأرض تلتقط أنفاسها، فقد بدأت تشعر بالدوار مرة ثانية. طلبت من أحد المارة أن يبتاع إليها بعض الطعام لتتناوله أولاً، قبل أن تستكمل سيرها مرة أخرى، محاولة الاختباء عن الأنظار حتى لا يمسك بها عادل وعمه مرة أخرى.
مرت بأحد الأسواق الشعبية، وابتاعت فستاناً بسيطاً وغطاء للرأس، ثم أبدلت ملابسها بهم على الفور، محاولة تغيير هيئتها حتى لا يتعرف عليها عادل أو بدوي. أصابها الذهول عندما رأت وجهها بالمرآة، فهي لم تستطع أن تعرف نفسها من شدة تورم وجهها، فعينها تكاد أن تكون مفتوحة تحيط بها كدمات زرقاء قوية غيرت من ملامحها تماماً. أنهت لبسها بعد معاناة من ألم جسدها إثر ضرب عادل لها، لتتجه لبيت رضوى أولاً بعد ذلك.
رواية بين يديك الفصل التاسع 9 - بقلم قوت القلوب
لأول مرة تشعر "مى" بأن الطريق لبيت "رضوى" منهك للغاية، فسارت متحملة آلام جسدها المتورم لتصل أخيراً الحي الذي تقطن به صديقتها.
وصلت لبيتها بأول الحي، لكنها لم تقدر على ندائها كما اعتادت، فطرقّت الباب بآخر قوة تمتلكها، لتهوي بعد ذلك مباشرة جالسة أرضاً أمام بوابتهم العتيقة، تنتظر أن يستجيب أحد لطرقاتها، متمنية أن تكون "رضوى" من تقابلها، فلا طاقة لها لشرح ما حدث لأهلها.
لعبت الصدفة قدراً من حسن الحظ، لأن والدي "رضوى" لم يكونا بالبيت من الأساس، لتلبي "رضوى" الطارق وتفتح هي البوابة السفلية للبيت. لتتسع عيناها السوداوان بصدمة من هيئة "مى" وتورمها بهذا الشكل المخيف.
هتفت بها بفزع:
"مى"….!!! يا خبر أبيض.. إيه اللي حصل… وإيه اللي عمل فيكي كده….؟؟!!
اكتفت "مى" بكلمة واحدة فقط، فهمت منها "رضوى" كل شيء:
"عادل"…
زفرت "رضوى" بإشفاق على حال تلك المسكينة، لتدنو منها مسندة ذراعها فوق كتفها قائلة:
تعالى.. أدخلي.. أدخلي الأول…
برفق شديد صعدتا السلم لشقة "رضوى" ثم إلى غرفتها مباشرة، لتجلس "مى" فوق الأريكة بتأوه، حين أسرعت "رضوى" تغلق الباب عليهما، تحسباً لعودة أي من والديها ورؤية "مى" بتلك الصورة.
"مى": اااه… جسمي كله متدغدغ يا "رضوى"….
"رضوى": ربنا ينتقم منه… إيه اللي حصل احكي لي…
بدأت "مى" بسرد ما حدث لـ "رضوى" بالتفصيل بعدما خرجت من بيتها ورؤيتها لـ "عادل". تخوفت "رضوى" للغاية من قسوة "عادل" التي سببت كل هذا الأذى لـ "مى"، لكنها تطلعت نحو "مى" باشمئزاز من ملبسها الغريب والرخيص للغاية، فهي لم تعتد عليها بمثل هذه الملابس الرثة.
"رضوى": وإيه اللي انتي لابسااه ده ؟!!! … شكله غريب ولونه غريب أوي…
"مى": خفت "عادل" و"بدوي" يكونوا راجعين تاني ويشوفوني يعرفوني… بس بالهدوم دي مكنش حيجي على بالهم إن دي أنا، خصوصاً الإيشارب اللي على راسي ده… مداريني خالص…
توجست "رضوى" خوفاً على ما سوف يحدث من "عادل" حين يمسك بها مرة أخرى.
"رضوى": أنا خايفة عليكي أوي يا "مى"… أكيد حيقلبوا الدنيا عليكي…
لم يكن التوجس حق "رضوى" فقط، بل فكرت "مى" بذلك أيضاً ووصلت بتفكيرها لشيء واحد عليها فعله.
"مى": أنا لازم أختفي شوية…
ربما هي محقة بذلك خوفاً مما يمكنه فعله بها، لكن أين ستذهب وكيف؟
"رضوى": حتروحي فين بس…؟؟؟
لم تدرك "مى" ذلك بعد، لكن عليها التحرك بأسرع وقت ممكن، مبتعدة تماماً عن أي مكان يمكن أن يصل إليها "عادل" به.
"مى": مش عارفة لسه… هاتلي بس الأوراق اللي إحنا مخبينهم أحطهم في الشنطة بتاعتي وحبي أطمنك عليا… بس خدي بالك من ماما "فادية"…
"رضوى": حاضر… ربنا يستر…
أسرعت "رضوى" بالذهاب للمكان المخبي به الأوراق وبقية الأغراض لتخرجها وتعيدها مرة أخرى لـ "مى" التي وضعتهم بحقيبتها بعجالة، حين لاحظت هاتفها ملقى بإهمال بداخل الحقيبة.
أمسكت به لتلاحظ أنه مغلق تماماً، فيبدو أن "عادل" أغلقه حتى لا يستطيع أحد الوصول إليها. أخرجت الشريحة وكسرتها حتى لا يستطيع "عادل" الوصول إليها عن طريقها، ثم وضعت الهاتف مرة أخرى بداخل الحقيبة، لتصطدم أصابعها بجسم غريب لم تدركه "مى" بالبداية، لتمسك به مخرجة إياه خارج الحقيبة، لتجدها تلك النظارة الغليظة التي تخص جد "رضوى"، لتكمل بها هيئتها العجيبة تتخفى بها عن "عادل"، فقد تغير شكلها تماماً ومن يراها الآن لن يظن أنها "مى" نفسها بالمرة.
التفتت "رضوى" فجأة لتعيد جزعها للخلف قليلاً وهي تنظر بفجعة تجاه "مى"، لتعقص أنفها باشمئزاز لتردف بفم مقلوب:
إيه يا بنتي اللي انتي ملخبطاه في شكلك ده… وشك اللي وارم والنظارة اللي مش مبينة عينيكي والإيشارب الغريب ده مخليكي وحشة أوي بجد…
"مى": كده أحسن عشان محدش يعرفني…
نهضت "مى" من جلستها ممسكة بحقيبتها، حين استوقفتها "رضوى" متسائلة:
"رضوى": مش حتقوللي نويتي تروحي فين طيب…؟؟
"مى": أنا لسه مش عارفة… بس حااول أبقى أكلمك أطمنك…
أسرعت "مى" تتحامل آلام جسدها، لكن عليها الرحيل بأسرع وقت. استقلت سيارة أجرة وطلبت من السائق التوجه بها إلى الإسكندرية… تلك المدينة التي طالما تعلق قلبها بها وشهدت طفولتها وأجمل أيام حياتها مع والديها، كم كانت تشعر بالحنين والاشتياق إليهم.
بعد عدة ساعات…
وصلت "مى" إلى الإسكندرية بعد بضعة ساعات قضتها بالطريق، وبمجرد وصولها تذكرت آخر لقاء لها بهذه المدينة العريقة. كم كان مؤلم هذا اللقاء، كم كانت حزينة ويائسة، وها هي تعود إليها بألم وحزن مرة أخرى.
ترجلت "مى" من السيارة تتلفت حولها، فلم يتغير أي شيء هنا، فالمكان نفسه بكل تفاصيله… وياللقدر هو نفس المكان الذي كانت ترتجف فيه من البرد ليلة لقائها بالسيدة "فادية".
عبرت الطريق بحرص متجهة إلى البناية المواجهة لها، فعقلها أهداها إلى أن تأتي هنا لتتخبئ عند "إحسان" وزوجها "خيري" اللذان طلبا من السيدة "فادية" عند بيعها لهذه العمارة برغبتهما في الاستقرار بالإسكندرية، فساعدتهم السيدة "فادية" بالسكن في هذه البناية كمكافأة لهم على خدمتها بإخلاص طوال سنوات عديدة.
كانت تعلم تماماً أنهم أحرص الناس على السيدة "فادية" وسيساعدونها في حفظ الجميل، فلها أيضاً في رقبتهم جميل يستحق أن يرد.
"مى" في نفسها: أنتم الناس الوحيدة اللي أعرفهم هنا… أو بمعنى أصح اللي أعرفهم بحياتي بعد ماما "فادية"… ربنا إن شاء الله مش حيخيب ظني فيكم وحتساعدوني….
صعدت نحو الشقة الخاصة بهم وحاولت طرق الباب عدة مرات لكن لا مجيب إطلاقاً. لكنهم هم السبيل الوحيد لها هنا، وإلا… إلى أين ستذهب، فظلت تطرق الباب دون توقف، فربما يسمعونها.
انتبهت إحدى الجارات لطرقات "مى" المتتالية لتقابلها بتساؤل:
إنتي عايزة مين…؟؟؟
التفتت "مى" نحوها تجيبها وتسألها بذات الوقت:
عايزة عم "خيري" والست "إحسان" مراته…؟؟ مش هم ساكنين هنا برضه….؟؟
أه يا بنتي ساكنين هنا… بس دول مسافرين بقالهم يومين.. راحوا البلد عندهم فرح ناس قرايبهم.. حيقعوا تقريبا يجى عشر أيام….
صدمتان متتاليتان… صدمة بسفرهم وصدمة أخرى بغيابهم لعشرة أيام، لتقف "مى" مدهوشة لفترة ثم رددت بآلية:
ياااه… عشر أيام… شكراً لحضرتك…
بحسرة وخيبة شديدة نكست "مى" رأسها هابطة درجات السلم وقد توقف عقلها تماماً عن التفكير، فماذا ستفعل الآن.
أخذت تحدث نفسها بشرود:
أعمل إيه دلوقتي… ؟؟ أنا لا أعرف حد أروح له ولا أعرف أي حد يساعدني… ؟؟؟ وأخر فلوس معايا دفعتها للتاكسي…؟؟
أحست فجأة بالضعف وامتلت عيناها بالدموع لتخونها وتتساقط رغماً عنها، فما عادت تتحلى بتلك القوة للتماسك، فقد آن أوان الإنهيار.
***
بيت عائلة خالد……
وقفت "أم مصطفى" تعدل من خمارها الطويل متحدثة إلى زوجها بصوت عالٍ حتى يستطيع سماعها من الداخل:
يا حاج "خالد"…. إنت رحت فين بس…. بقولك إيه أنا نازلة… مش محتاج حاجة…؟؟؟
خرج "خالد" من داخل الغرفة ليقابلها بتلك الصالة الصغيرة مندهشاً من تجهيز حالها للخروج بهذا الصباح.
الحاج خالد: رايحة فين على الصبح كده يا "أم مصطفى" بس….؟؟
بضحكتها المميزة أعادت على مسامعه سبب خروجها بهذا الوقت مرة أخرى، فيبدو أنه قد نسي ذلك.
أم مصطفى: ما أنا قلتلك… إنت بقيت تنسى ولا إيه يا حاج… "أم سحر" موصياني قبل ما تسافر أروح شقتها كل يومين أسقي الزرع بتاعها أحسن يموت… حرام!!! … حروح ومش حأتأخر حرجع على طول…
الحاج خالد: ربنا يجازيكى خير… طيب بالسلامة… متتأخريش….
أم مصطفى: إن شاء الله مش حأتأخر…
خرجت "أم مصطفى" بخطواتها الخفيفة الرشيقة مسرعة بخطواتها كالمعتاد واتجهت صوب بيت صديقتها لتسقي الزرع الخاص بها، فهي سيدة طيبة للغاية ومتعاونة إلى أقصى حد، لا ترد طلباً ولا تبخل بمساعدة قط.
عندما وصلت "أم مصطفى" إلى البناية التي تعرفها جيداً، لفت انتباهها تلك الفتاة جالسة بمدخل البناية وهي تبكي بصمت، كما يبدو من تورم وجهها ويديها أنها تعرضت لحادث أو ضربت ضرباً عنيفاً.
دنت منها "أم مصطفى" وقد رق قلبها لتلك الضعيفة الباكية.
أم مصطفى: لا حول ولا قوة إلا بالله…. مين اللي عمل فيكي كده يا بنتي….؟
رفعت إليها "مى" وجهها باندهاش لظهور هذه السيدة أمامها من العدم، تتحدث معها بود كما لو كانت تعرفها من قبل.
أجابتها "مى" بغموض دون توضيح:
بني آدم.. حقير…
أم مصطفى: يا حبيبتي يا بنتي…
رفعت طرف عباءتها لتجلس إلى جوارها تتجاذب أطراف الحديث معها معرفة نفسها إليها.
أم مصطفى: أنا "أم مصطفى".. متخافيش مني… بس احكيلي إيه اللي عمل فيكي كده… وإيه اللي مقعدك كده في المدخل..؟؟
"مى": كنت جاية لناس قرايبي.. بس لقيتهم مسافرين.. ومش عارفة أروح فين دلوقتي… أنا ماليش حد خالص..؟؟؟
بفراسة تساءلت "أم مصطفى" عن هؤلاء الذين جاءت إليهم.
أم مصطفى: مين…؟؟؟ لتكوني جاية لـ"أم سحر"…؟؟
توقفت "مى" عن البكاء واستعادت رباط جأشها وهي تسأل "أم مصطفى" بفضول.
"مى": إنتي تعرفيها…؟؟
أم مصطفى: يوووه… دي عشرة عمر يا بنتي… أنا و"إحسان" حبايب وجيران من واحنا صغيرين.. حتى بعد ما اتجوزت وسافرت مصر كنت برضه بكلمها وأطمن عليها… لحد ما جم من كام سنة ورجعوا اسكندريه تاني ومن ساعتها مقطعناش الود خالص…
توسمت "مى" الطيبة بتلك السيدة قائلة:
"مى": بجد !! … شكلك طيبة أوي.. زي "أم سحر" بالظبط…
أم مصطفى: إنتي قريبتهم يا بنتي…؟؟!!
"مى": أيوه… وأنا جايه لهم مخصوص من بعيد أوي… ومش عارفة أعمل إيه…؟؟
أم مصطفى: بس دول سافروا أول امبارح ولسه قدامهم عشر أيام… حتروحي فين وانتي بتقولي جايه لهم مخصوص…؟؟
أجابتها "مى" بحيرة وقلة حيلة فقد أنهكت تماماً حقاً ولا تقوى على مجرد التفكير بحل آخر.
"مى": مش عارفه…؟؟!!!!
أم مصطفى: إنتي اسمك إيه…؟؟؟
"مى": "مى"..
لن تتركها "أم مصطفى"، فهي تساعد الغريب قبل القريب لتردف بعجالة وهي تنهض بخفة.
أم مصطفى: أنا حروح بسرعة أسقي الزرع اللي فوق وجاية على طول… استنيني هنا يا "مى".. أنا راجعة لك…
جلست "مى" تنتظر "أم مصطفى"، فهي على كل حال لا تعرف إلى أين ستذهب. لكنها واثقة أن الله سيخرجها من ضيقتها.
عادت "أم مصطفى" بعد وقت قليل لتقترب من "مى" ممسكة بخفة يدها المتورمة وهي تردف.
أم مصطفى: يلا بينا…
نظرت نحوها "مى" بدهشة دون فهم مقصدها.
"مى": يلا بينا فين…؟؟؟
أم مصطفى: بيت "أم مصطفى" مفتوح دايماً للحبايب… ما أنا قلتلك متخافيش مني…
نظرت نحوها "مى" بتردد.
"مى": بس…!!!
أم مصطفى: مفيش بس… !!! ده حتى مفيش غير أنا وعمك "أبو مصطفى" في البيت أهو تونسينا لحد ما "إحسان" و"خيري" يرجعوا من السفر….
"مى": بس إنتي متعرفينيش كويس… إزاي حتقبليني كده في بيتك…؟؟؟
أم مصطفى: يمكن معرفكيش.. بس ده إنتي من طرف الحبايب.. ينفع يعني أسيبك تباتي في الشارع كده..؟؟؟ وبعدين مفيش حاجة حتضايقك خالص ده حتى ابني "مصطفى" سافر النهارده ومش راجع إلا بعد شهر أهو تنوسينا اليومين دول…
"مى": بس أخاف أضايقكم..
أم مصطفى: تضايقينا إيه بس…؟؟ ده إنتي حتنورينا… ومتقلقيش "أبو مصطفى" زيي بالظبط وبيحب الخير لكل الناس.. وحينبسط أوي لما تيجي معايا…
اندهشت "مى" كيف يمكن أن يكون هناك بالدنيا أناس بمثل هذه الطيبة والخير… وهناك أناس مثل "عادل" و"بدوي" بكل هذا الحقد والشر.
لم تجد "مى" بد من الذهاب برفقة "أم مصطفى" لحين عودة "إحسان" و"خيري" من السفر.
رواية بين يديك الفصل العاشر 10 - بقلم قوت القلوب
الميناء …
بعد ترقب لوقت طويل جداً بالإنتظار اتجه “مصطفى” لمسئول قطع الغيار بالمركب بعد أن تعجب من هذا التعطل المبالغ فيه.
مصطفى: معنى كده ان المركب مش حيبحر؟؟؟!!!
أجابه “ماجد” نافياً لتأخر مسئول التوريد لقطع الغيار.
عزيز: على الأغلب .. لأ …. الصيانه المره دي مطوله ومحتاجين قطع غيار مش لاقينها … قدامنا كام يوم كده المركب يجهز ونبلغكم …
أراد “مصطفى” أن يتأكد أنه لن يضر إذا ترك المركب الآن كما يُطلب منه.
مصطفى: يعنى الكابتن ما أكدش على معاد …؟؟
ماجد: من ساعه كده لما سألته قالى قدامين حوالى ثلاث أو أربع أيام كده .. وبعدها حنخطر الطاقم كله عشان نبحر … إرجع إنت كمل أجازتك بقى .. الجزء إللى فيه صيانه ده مش من إختصاصك …
إرسمت إبتسامه راحه على محياه قبل أن يردف مودعاً.
مصطفى: تمام… مع السلامه ..
ماجد: سلام …
فور خروجه من الميناء اتجه مباشرة لبيت صديقه “سيف” ليخبره بما حدث أولاً قبل عودته لبيته وقضاء بقيه إجازته.
إندهش “سيف” بصدمه لرؤيته لـ”مصطفى” يقف قباله فمن المفترض أنه قد سافر مع بقيه طاقم المركب بدلاً منه منذ الأمس.
تشدقت عيناه بقوة وفزع لظنه بأن “مصطفى” لم يسافر عوضاً عنه وسيقع هو بمشكله لا حل لها.
صمت “سيف” متطلعاً بـ”مصطفى” لبعض الوقت ثم نطق أخيراً بصدمه.
سيف: إيه ده ….؟؟؟ إنت عملتها ومسافرتش ولا إيه …؟؟ أنا كده أروح فى داهيه …!!!
دفعه “مصطفى” بخفه ممازحاً يبعده عن طريقه ليدلف إلى داخل الشقه أولاً.
مصطفى: فى إيه يا عم … إبلع ريقك كده …
تبعه “سيف” للداخل بخطوات متعثرة وهو يلحق بـ”مصطفى” ليفهم منه ما سبب عودته بهذا الوقت.
سيف: طب ما تفهمنى طيب … بقولك إيه يا “مصطفى” .. المواضيع دى مفيهاش هزار …!!!!
إلتفت “مصطفى” تجاه “سيف” القلق للغايه وهو يسند كفه فوق كتفه مطمئناً إياه.
مصطفى: متقلقش … السفر إتاجل صيانه بس …
سيف: بجد … !! والسفر حيبقى إمتى .. ؟؟
مصطفى: ممكن كمان ثلاث أيام كده ..
زفر “سيف” براحه لوهله ثم تشدقت عيناه مرة أخرى حين إنتبه لأنه بهذا التأخير سوف يسافر هو وليس “مصطفى” فوقتها سوف يكون بصحه أفضل ولن يتهرب من سفرته تلك.
سيف: أوبااا … ضاعت الأجازة ..
ضحك “مصطفى” بشدة وهو يردف.
مصطفى: شفت نيتك بقى …
سيف: أنا بحقد عليك .. حتأخذ أجازة …
مصطفى: حقى بقى …
سيف: ماشى ياعم …
برجاء أخوي من شاب قتلته الوحدة طلب “سيف” من “مصطفى” رؤيته قبل سفره.
سيف: طيب عايز أشوفك تانى بقى قبل ما أسافر …
مصطفى: أكيد بكرة إن شاء الله أعدى عليك .. بس دلوقتى خلينى أروح أفرح أمى أنى خلاص رجعت وحاخد أجازتى ….
زيارة واجبه لصديقه وأخيه لن يتوانى عنها لكن لم تغب عن عقله رجاء أمه بالبقاء معهما لهذا اتخذ “مصطفى” طريق عودته لبيتهما القريب سيراً على الأقدام فهو يبعد عدة شوارع فقط.
****
بيت الحاج خالد ….
دلفت “أم مصطفى” بخطوات وهى تدعو “مى” للدخول بترحاب وحفاوه شديدين.
أم مصطفى: إتفضلى يا بنتى … تعالى … إدخلى متخافيش …
طريقتها الودوده للغايه ولطفها الشديد جعلاها تشعر بالراحه لوجودها إلى قربها كما كانت ممتنه للغايه لصنيعها معها.
مى: الصراحه أنا مش عارفه أشكرك إزاى يا “أم مصطفى” …
أم مصطفى: ده كلام برضه يا بنتى … ده أنا قلبى إرتاح لك من ساعه ما شوفتك والله …
رفعت “أم مصطفى” صوتها لتنادي زوجها لتعرفه بوجود “مى” معها.
أم مصطفى: يا “أبو مصطفى” … يا حاج “خالد” …
إنتبه “خالد” لصوت زوجته التى عادت للتو من الخارج ليخرج من غرفته لملاقاتها.
الحاج خالد: إنتى جيتى …كويس إنك متأخرتيش …
لم يندهش الحاج “خالد” بوجود ضيفه ببيتهم بل إندهش لتورمها وإصابتها التى تبدو بالغه للغايه. أردف الحاج “خالد” بطيبه قلب تماثل زوجته تماماً.
الحاج خالد: لا حول ولا قوة إلا بالله … إيه إللى عمل فيكى كده يا بنتى …
مى: حد .. لا عايزة أفتكره ولا ممكن أسامحه فى يوم من الأيام على إللى عمله فيا ..
لم يظن الحاج “خالد” السوء بـ”مى” مطلقاً فهو لا يسئ الظن أبداً لكن لاح تساؤل بداخله عن سبب كل هذا العنف لتلك المسكينه الضعيفه.
الحاج خالد: و إيه إللى عملتيه يا بنتى عشان يعمل فيكى كده بس؟؟
مى: مش عارفه أقول لحضرتك إيه بس !!! … بس هو كان عايزنى أخون ثقه حد عزيز عليا اوووى … وأنا رفضت … ولما رفضت ضربنى زى ما إنت شايف …
قالتها بغموض شديد لم يشأ له الحاج “خالد” بالتطفل على التفاصيل لشئ لم تود البوح به.
الحاج خالد: ربنا هو المنتقم الجبار يا بنتى … إلا الغدر والخيانه … إدخلى يا بنتى إرتاحى ….
دهشه “مى” بالحاج “خالد” لم تختلف كثيراً بدهشتها بـ”أم مصطفى” … كيف لهؤلاء الناس أن يدخلوها بيتهم ويرحبون بها كل هذا الترحاب بدون أن يعرفوا أي شئ عنها ، أيعقل بوجود مثل هذه الطيبه في هذه الدنيا.
ولماذا تندهش فالسيده “فاديه” لا تختلف عنهم كثيراً.
قطعت شرودها أم مصطفى قائله.
أم مصطفى: عارف يا حاج “خالد” … “مى” تبقى قريبه “إحسان” و”خيري” … قابلتها هناك فى العمارة كانت جيالهم تقعد معاهم ومتعرفش إنهم مسافرين … وأنا جبتها معايا تقعد عندنا وتنورنا الكام يوم دول لحد ما يرجعوا ….
الحاج خالد: يلا سلام …. ده لو مشالتهاش الأرض نشيلها فى عنينا …
مى: شكرا ليكم بجد … مش عارفه أقول لكم إيه ….
تلفتت “مى” بداخل حجرة المعيشه تتطلع حولها بهذا الأثاث البسيط المرتب بعنايه ذو ألوان هادئه للعين والنفس.
كان واضح للغايه أن هذا الأثاث رخيص جداً وحتى ملابسهم ومعيشتهم تنم عن بساطه إلى حد كبير مما أثار تساؤلات بداخل نفسها.
مى: إزاى ناس بسيطه كده يحَمّلوا نفسهم حمل زياده عليهم وهم فاكرين أنى فقيرة ومعنديش فلوس … ربنا يجازيهم خير باللى بيعملوه ده … بس هو أنا حفضل عندهم لحد إمتى … أنا مينفعش خالص أرجع تانى .. مش عارفه “عادل” ممكن يعمل فيا إيه تانى … ممكن يموتنى المرة دى …!!!!
جلست بمفردها بغرفه المعيشه ترتشف كوب العصير الذى أحضرته لها “أم مصطفى” قبل أن تتركها هي وزوجها لتغيب بشرود بأفكارها المتضاربه تفاجئت بباب الشقه يفتح فجأة ويطل منها شاب ذو إبتسامه رائعه ووجه وسيم الطلعه يتمتع بحضور طاغى.
تفاجئها جعلها تشهق بقوة وإزداد سعالها إثر إرتجاع العصير بحلقها. رد فعلها الغريب جعله ينتفض لخطوتين إلى الوراء وهو يقضب حاجبيه بقوة لهيئه تلك الفتاه العجيبه تماماً فكانت مثالاً حياً لفتاه قبيحه متورمه العينين ترتدى فستان ذو ذوق بشع تغطى رأسها بوشاح قديم الطراز ، يغطى عيناها نظارة سميكه تظهر عيناها صغيرتان للغايه ، زادتها ببصقها للعصير بوجهه وسعالها الشديد حين رأته.
وجود هذا الكائن العجيب أمامه وإختفاء أبويه جعله يتسائل بإستراب.
مصطفى: إنتى مين ….؟؟!!
إبتلعت “مى” ما تبقى بحلقها وهى تردف ببلاهه متناهيه.
مى: أنا “مى” …
رفع “مصطفى” حاجباه متعجباً محدثاً نفسه.
مصطفى: “مى” مين دى؟!! … أستغفر الله العظيم يعنى وحشه وهبله !!! … بتتكلم كأنى أعرفها قبل كده و أنا إللى مش واخد بالى …!!!
هو يعلم جيداً أن بيتهم مفتوحاً دائماً للغرباء ففضل السؤال عن والدته أولاً فربما يكون هناك غيرها بالداخل.
مصطفى: طيب .. أمى فين …؟؟
صمتت “مى” تماماً دون رد فهى لا تعرف من هو. ومن أمه؟؟؟ ليعود بسؤاله مرة أخرى فربما لم تسمعه جيداً.
مصطفى: إنتى يا …. بقولك أمى فين …؟؟؟
بتملل من غباء هذا الشخص الذى لا تعرفه ويسألها عن أمه التى لا تعرفها أيضاً.
مى: مين أمك طيب …؟؟؟
إتسعت حدقتاه بدهشه من فرط غبائها مردفاً بسخريه.
مصطفى: يعنى داخل البيت بالمفتاح وفاتح باب الشقه و إنتى إللى قاعده معرفش إنتى مين … حتكون مين أمى يعنى …؟؟
تنبهت “مى” إلى أنها فعلا لا تعرف من يسكن بهذا البيت وهى الغريبه هنا. وربما هذا إبن “أم مصطفى” فهى لا تعرفه بعد. شعرت بالحرج الشديد من تصرفها الغبي دون أن تعرف ما سبب هذه البلاهه التى سيطرت عليها فجأه فى وجوده.
مى: أه صح … أسفه .. جوه فى المطبخ …
أشار “مصطفى” بإبهميه على نفسه تارة وعلى المطبخ تارة أخرى موضحاً إليها ليشعرها بمدى غبائها أيضاً.
مصطفى: أنا داخل لها ….. أنا … داخل … لهااااا ….
تطلعت به بغيظ شديد ثم لامت نفسها بشدة على بلاهتها التى أظهرتها جلياً له.
مى لنفسها: هو أنا مالى عامله كده ليه … زمانه بيقول مين المعتوهه إللى عندنا دى … وبعدين عادى يعنى .. يقول إللى يقوله … وأنا إيه يهمنى دلوقتى ….
تركها “مصطفى” دالفاً لوالدته بالمطبخ تستكمل يومها بالطهي بنشاط كبير فاليوم لديهم ضيفه ستتناول معهم الطعام.
وقف “مصطفى” مصدراً صوتاً بطرقه بأصابعه بالحائط الجانبي حتى لا يفزع والدته التى كانت منشغله تماماً بتقطيع الخضروات.
مصطفى: إزيك يا ماما ..؟؟
إستدارت “أم مصطفى” بتلهف لسماعها صوت ولدها لكنها سرعان ما إنتابها القلق لعودته.
أم مصطفى: مصطفى …!!… إنت مسافرتش ولا إيه …؟؟؟ إوعى تكون تعبت إنت كمان …؟؟
مصطفى: لا ماما الحمد لله مش تعبان ولا حاجه … المركب كان محتاج صيانه وخلصت إللى المفروض أعمله والجزء إللى باقى مش من تخصصى فرجعت لحد ما يحددوا معاد سفر تانى … يكون “سيف” بقى كويس و يسافر هو … ها إيه رأيك بقى….؟؟
أم مصطفى: طمنت قلبى يا حبيبى الحمد لله ….
بفضول شديد أشار “مصطفى” بعيناه تجاه خارج المطبخ متسائلاً.
مصطفى: إلا قوليلى يا ماما … مين إللى قاعده برة دى … ومالها وارمه كده …؟؟
بغريزة أنثويه محبه للثرثرة أمسكت “أم مصطفى” بذراع ولدها تجذبه أكثر نحو الداخل تخبره بكل شي بالتفصيل.
أم مصطفى: تعالى لما أقولك …
أخذت تسرد كل كل ما حدث بيومها وكيف قابلت “مى” حتى إنتهى المطاف بها هنا ببيتهم.
هنا إنتبه “مصطفى” أنه لا يستطيع البقاء هنا معهم فهى غريبه ويجب أن تشعر بالراحه حتى مغادرتها.
مصطفى: اااه … على كده بقى أنا مينفعش أقعد هنا وهى موجوده ميصحش …
بهت وجهها وهى تومئ بالرفض.
أم مصطفى: أمال حتروح فين يا إبنى بس …؟؟
مصطفى: حروح أقعد مع “سيف” شويه .. ما هو وحدانى وساكن لوحده أهو أونسه .. حتى هى كمان تاخد راحتها .. وهم كام يوم يعنى لحد ما عم “خيرى” ومراته يرجعوا من السفر …
أم مصطفى: أنا ملحقتش أقعد معاك وأملى عينى منك ..!!!
مصطفى: معلش بقى الظروف .. بس لحد ما تروح عندهم وأرجع .. لسه الاجازة طويله ….
بإستسلام لرأى ولدها فهى من داخلها تعلم أن هذا هو التصرف الصحيح خاصه وأن شقتهم صغيرة للغايه.
أم مصطفى: خلاص يا إبنى … زى ما تحب .. أنا عارفه طبعك ومش حضغط عليك …
حمل “مصطفى” حقيبته مرة أخرى وتوجه لصديقه “سيف” للبقاء معه حتى رحيل ضيفتهم العزيزة.