تحميل رواية «بين يديك» PDF
بقلم قوت القلوب
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تجمعت بعض الفتيات في النادي بهذا الوقت من النهار كما قضت الحاجة، فتلك عاداتهن يومياً أن يلتقين ببعضهن البعض يتسامرن ويتضاحكن، فمن مثلهن لا يحملن للهم بالاً، فلا تعمل إحداهن بعمل ما أو تتحملن مسؤولية أو عبئاً خاصة بعد أن أنهين دراستهن الجامعية. (مي) و (رضوى) و (سارة) … لكل منهن شخصية مختلفة عن الأخرى، بل ولكل منهن ملامح تختلف تماماً عن الأخرى، كما لو أن تجمعهن هو لقاء لمتحدي العنصرية. فكانت (مي) تتمتع بوجه طفولي ناعم وعيون واسعة وابتسامة عريضة دقت بلطافة بوجهها النحيل لتكسبها طلة مبهجة شقية بذات...
رواية بين يديك الفصل الحادي عشر 11 - بقلم قوت القلوب
گثور هائج أخذ “عادل” يدور حول نفسه وهو يضرب المقعد بكفه تارة ويدفع بالآخر تارة أخرى بينما جلس “بدوى” يراقب إبن أخيه المنفعل بقوة لهرب “مى” من بين يديه.
عادل: أنا حتجنن. خرجت إزاى دى؟ أنا متأكد أنى قفلت عليها الباب بالمفتاح. إزاى… إزاى؟
أخرج “بدوى” أحد المناديل يجفف عرقه المتصبب بأيدى مرتعشه من خوفه الشديد.
بدوى: إنت تفتكر هى ممكن تعمل حاجه؟
أجابه “عادل” وهو يطالع الفراغ من أمامه.
عادل: مش عارف. أنا لازم ألاقيها وبسرعه.
بدوى: إزاى؟ حتعمل إيه؟
عادل: لازم أدور عليها. حتروح فين يعنى؟ أنا لازم ألاقيها قبل ما تبلغ عننا الشرطه.
بتخوف مما قد تسببه لهم “مى” ظل “بدوى” يكرر أسئلته لـ”عادل” يتمنى لو يطمئن بأي كلمة.
بدوى: حتدور عليها فين؟
كان تفكير “عادل” تلقائي تماماً يخرج ما يفكر به على الفور دون التمعن به.
عادل: حروح الفيلا. عند أصحابها. أي مكان. هي ملهاش حد حتروح فين يعني. البت دي لازم تختفي من الوجود قبل ما نروح في داهية إحنا.
بموافقه تامه لما قاله “عادل” فهو لن يزج إلى السجن وعليه أن يظل مع “عادل” ويدعمه بذلك فهما متورطان سوياً.
بدوى: يلا بينا على الفيلا ندور عليها هناك.
خرج الإثنان من شقه “بدوى” للبحث عنها بفيلا السيدة “فاديه” أولاً حتى أنهما صعدا لغرفه “مى” يبحثون بها عن أي شئ يدلهم على مكانها لكنهم عادوا بأيدي خاويه.
لم يقتصر بحثهم بفيلا السيدة “فاديه” فقط بل مروا بجميع صديقاتها لكن دون جدوى أيضاً.
حاول “عادل” بطلبه من أحد معارفه تعقب شريحه هاتفها لكنه لم يستطيع الوصول لشئ، أثار ذلك جنون “عادل”.
***
بيت الحاج خالد.
بعد أن خرج “مصطفى” إصطحبت “أم مصطفى” ضيفتها العزيزة “مى” لغرفه “مصطفى” للبقاء بها حتى يحين موعد رحيلها بعد عدة أيام.
أم مصطفى: البيت بيتك بقى يا بنتي ومعلش هو أوضتين على قد الحال بس يساعوا من الحبايب ألف. وبما إن “مصطفى” حيقعد مع “سيف”، فخلاص بقى حتباتي إنتي في الأوضة بتاعته عشان تاخدي راحتك فيها. تعالي أوريهالك.
لم يكن من الصعب على “مى” معرفه أين الغرفه فالشقه واضحه وصغيره.
تحركت “مى” مع “أم مصطفى” بإتجاه الغرفه التى رغم بساطتها إلا أنها تدل على جو ذكورى طاغى لكنها مرتبه بصورة ملفته.
لفت نظر “مى” أوراق بيضاء للرسم وبعض الأدوات البسيطه، تطلعت بها بشغف فالطالما عشقت الرسم ولهذا درست بكلية الفنون الجميلة.
أم مصطفى: دي الأوراق بتاعه “مصطفى”. هو مهندس أه. بس بيحب الرسم أوى. هو رسمه على قده. بس طول عمره بيحب الرسم والحاجات اللي زي دي.
مى: بجد؟ أنا كمان بحب الرسم أوى.
أم مصطفى: لو حبيتي تتسلي فيهم براحتك. “مصطفى” بيجيب ورق من ده كتير أوى.
مى: أكيد.
مدت “أم مصطفى” يدها بحقيبه بلاستيكيه صغيرة بإتجاه “مى” قائله بلطف بالغ.
أم مصطفى: بصي بقى أنا جبت لك شويه الأدوية والمراهم دي عشان الورم ده يخف. الله يسامحه اللي كان السبب.
زمت “مى” شفاهها قائله بغير توضيح.
مى: يسامحه! يسامحه إزاي بس؟
أم مصطفى: بصي يا بنتي إللي عرفته في الدنيا دي إن ربنا يمهل ولا يهمل. وطالما مظلومه حقك جاى جاى.
مى: إن شاء الله.
أم مصطفى: أروح بقى أحضر لكم الغدا.
مى: اتفضلي.
جلست “مى” بطرف الفراش وهي تتجول بعينيها بداخل أرجاء الغرفه تتفحصها، أخرجت الأدوية لتبدأ في مداواه جراحها لكن هناك جروح بداخلها لا يمكن مداواتها بالأدوية.
***
في المساء.
شقه سيف.
بعد أن تناولا الطعام جلس “سيف” يحدث “مصطفى” بشك فقد إرتاب بتلك الفتاه منا أخبره به “مصطفى” فـ”سيف” دائم الشكوك أولاً وعليه الإطمئنان من كل شئ تماماً قبل الإقدام عليه.
سيف: يعني إنت متأكد من إن البنت دي كويسه؟
طريقه “سيف” المرتابه جعلته يشك هو أيضاً بالأمر ليتسائل بقلق.
مصطفى: قصدك إيه؟
سيف: أصل إنتوا متعرفوهاش وحتخلوها في بيتكم. ده غير إن إنت بتقول شكلها مضروبه. لتكون حراميه ولا عامله عامله وجايه تستخبى عندكم؟
تهدج صدر “مصطفى” قلقاً من وجود تلك الفتاه مع أبويه بمفردهما.
مصطفى: إنت حتقلقني ليه بس؟
سيف: ما هو الإحتياط واجب برضه. ووالدك ووالدتك طيبين زيادة عن اللزوم.
لم يطل “مصطفى” التفكير بالأمر لينهض فجأة قائلاً.
مصطفى: أنا ماشى.
إتسعت عينا “سيف” بإندهاش لحركته المفاجئه.
سيف: رايح فين دلوقتي؟
مصطفى: حروح أطمن عليهم. وأتأكد بنفسي يمكن تكون محتاجه مساعده بجد. ويمكن زي ما إنت بتقول. وأنا مش حسيب حاجه للظروف.
توجه “مصطفى” إلى بيته ليطمئن على والديه أولاً وليرى ماهية هذه الفتاه حتى يطمئن قلبه.
***
بيت الحاج خالد.
توجس “مصطفى” من “مى” للغايه حتى أن خطواته لبيت والديه كانت متعجله بشكل ملحوظ فحين يلعب الشيطان بأفكارنا يجعلنا ننساق بخوف على أحبتنا ويهيئ لنا أفكاراً خاطئه قاسيه للغايه على قلوبنا.
وصل “مصطفى” مسرعاً قلقاً للغايه مما يمكنها أن تفعله بوالديه الطيبان، لكنه حين فتح باب الشقه وجد والده جالسان يشاهدان التلفاز بموعد حلقه أحد المسلسلات اليوميه التي يتابعانها.
أشرق وجه الحاج “خالد” لرؤيه ولده يدعوه لمشاركتهم.
الحاج خالد: تعالي يا “مصطفى”.
بنزعة أمومة حنونه سألته “أم مصطفى” على الفور.
أم مصطفى: اتعشيت يا حبيبي ولا أحضرلك حاجه تاكلها؟
بنظرات زائغه يبحث عن تلك الفتاه عجيبه المظهر.
مصطفى: لا يا ماما مش جعان.
ثم أردف بتساؤل عنها فربما تكون رحلت.
مصطفى: أمال هي فين؟
أم مصطفى: قصدك “مى”؟ بعد الغدا دخلت الأوضة ومن ساعتها نايمه. شكلها تعبان أوى. يا عيني عليها.
أشفقت للغايه على حالها بينما إنتهزها “مصطفى” فرصه للتقصي عن أي معلومه تخصها من والدته.
مصطفى: هي مقالتش أي تفاصيل عن اللي عمل فيها كده؟
أم مصطفى: لا يا ابني والله. بس متنساش إنها برضو متعرفناش كويس عشان تحكي لنا كده.
حاول “مصطفى” نقل تخوفه بطريقه مازحه حتى ينتبها لما قد تسئ به إليهم.
مصطفى: أنا قلقان لتكون عملت حاجه عشان كده مضروبه بالشكل ده!
ضحك الحاج “خالد” من تخوف “مصطفى” القلق عليهما ليردف ساخراً من سوء ظنه بها.
الحاج خالد: وإنت خايف بقى إنها تسرق مننا إيه؟ فكر شويه يا باشمهندس. متخليش الدنيا اللي إنتوا عايشينها تخليكوا تمنعوا الخير. أيامكم صعبه أوى. بس برضه الخير لسه موجود. تخيل كده لو طردناها إحنا كمان. حتروح فين؟ في الشارع؟
سخرية والده جعلته يفيق نوعاً ما من هواجس الشيطان التي احتلت عقله ليفكر بمنطقية وطبعه الخير الذي اكتسبه منهما.
مصطفى: معاك حق يا حاج. أنا بس خفت عليكوا.
أم مصطفى: دي شكلها غلبانه أوى.
تذكر “مصطفى” هيئتها العجيبه وغبائها المفرط ليعقب ضاحكاً.
مصطفى: هي شكلها صعب أوى بصراحة.
مصمصت “أم مصطفى” شفاهها وهي تدافع عن “مى”.
أم مصطفى: دي… دي كلامها كله ذوق ورقة.
رفع حاجباه بإستراب معيداً كلمات والدته بمزاح.
مصطفى: ذوق ورقة! إنتي لحقتي تعرفيها لما تقعدي تدافعي عنها يا ماما.
أم مصطفى: بكرة تشوف.
الحاج خالد: لا وشكلها متعلمه كمان. باين عليها من طريقه كلامها.
أم مصطفى: والله البنت دي صعبانه عليا أوى. واضح الدنيا لطشت معاها جامد.
هو ليس من هواه الحكم على الشخص مسبقاً كصديقه لهذا ترك الأمر للأيام لتظهرها قائلاً.
مصطفى: يمكن! طيب. أنا كنت جاي أطمن عليكم. أروح أنا لـ”سيف” بقى.
***
مرت عدة أيام لم يكف بها “عادل” عن البحث عن “مى” لكن غيابها بهذا الشكل زاد من شعوره بالقلق فهي تشكل خطراً حقيقياً عليه.
توهجت فكرة خبيثه بعقله وهو أن يقوم بعمل إعلان بوسائل الإعلام والإتصالات يعلن به عن جائزة ماديه كبيرة للغاية لمن يدلي عن مكانها أو أي معلومه عنها فهي مفقودة منذ عدة أيام.
بينما اعتادت “مى” وجودها برفقة “أم مصطفى” والحاج “خالد” ولا يخلو الأمر من زيارات طفيفة للغاية من إبنهما “مصطفى” الذي بقى تلك الأيام بشقه صديقه “سيف” مراعاة لراحتها.
***
بيت الحاج خالد.
حتى مع اطمئنانها بوجودها مع تلك العائله لكن تخوفها من أن يستطيع “عادل” الوصول إليها ظلت “مى” بنفس هيئتها.
دلت إلى المطبخ تساعد “أم مصطفى” بتحضير الطعام ملقيه تحيه الصباح.
مى: صباح الخير.
أم مصطفى: يا صباح النور. إيه النوم ده كله؟
مى: كنت تعبانه أوى وبقالى فترة مش عارفه أنام وأرتاح. أنا اسفه والله.
أم مصطفى: على إيه بس ده أنا بهزر معاكي. يلا يلا ساعديني بقى في تحضير الفطار.
ساعدت “مى” لمضيفتها يداً بيد حتى وضعتا الطعام فوق الطاوله الصغيرة بغرفه المعيشه إستعداداً لتناول الطعام.
تفاجئ الجميع بحركه المفتاح بباب الشقه لتتسع إبتسامه الحاج “خالد” وزوجته فرحاً بمرور “مصطفى” بهم.
أم مصطفى مهلله: تعالي حبيبي. حماتك بتحبك.
بإبتسامته الرائعه أجاب “مصطفى” بعدم قدرته على تناول الطعام.
مصطفى: مش حقدر والله. أكلت مع “سيف” يا ماما والله. صباح الخير الأول.
صباح الخير.
“أم مصطفى” وهي تمسك بذراع إبنها تلح عليه بمشاركتهم الطعام.
أم مصطفى: وهو الأكل مع “سيف” ده أكل؟ أقعد يا ابني.
هو يعلم جيداً إصرار والدته الذي لن يستطيع التملص منه خاصه وقد اشتاق لطعامها بالفعل خاصة وسط مشاركتهم.
جلس “مصطفى” يتناول بعض اللقيمات بينما ظلت “مى” صامته تنظر إلى طعامها وهي تستمع إلى حديثهم الودود مع ولدهم، فكم يظهر عليهم حبهم الشديد لإبنهم الوحيد.
إنتبه الحاج “خالد” أن “مى” لا تتناول طعامها.
الحاج خالد: إنتي مش بتاكلي ليه يا بنتي؟
نكست “مى” رأسها تنظر للأطباق أمامها وهي تجيب بتأدب شديد.
مى: باكل أهو حضرتك.
كان حديثها معهم قليل للغاية لكن ذو أسلوب مميز جداً لفتت به انتباه “مصطفى” فعلى الرغم من هيئتها الغير متناسقه إلا أن حديثها ينم على ذكائها ولباقتها أيضاً وكما يقول والديه أيضاً ينم عن أدب وتربيه وذوق بالفعل.
أم مصطفى: فين ده! ولا أكلتي أي حاجه. إنتي مكسوفه ولا إيه؟
إبتسمت مى بخجل: لأ. لا مكسوفه ولا حاجه.
أستكملا طعامهم وسط إنتباه تام من “مصطفى” لتلك الغامضه بينما كانت هي أيضاً رغماً عنها وبدون أن تشعر تسترق النظر إليه من خلف نظارتها السميكه التي لا تظهر عيناها بوضوح.
رواية بين يديك الفصل الثاني عشر 12 - بقلم قوت القلوب
أيام مرت ببيت الحاج خالد.
شعرت مي بمودة لهذه العائلة الكريمة. زاد فوقهم يومان. كانت تتلهف مي لتلك الأوقات البسيطة التي يقضيها مصطفى معهم دون سبب محدد لذلك، لكنها كانت تستمتع بأحاديثه الشيقة مع أبويه.
شقة سيف.
بعد أن استعاد سيف عافيته وحان موعد الرحيل، بعدما أبلغه القبطان بموعد إقلاع المركب، رتب سيف حقيبته وهو يخبر مصطفى بموعد رحيله.
سيف: بقولك إيه يا مصطفى. بلغوني النهاردة إن السفر بكرة. وأنا عارف الظروف اللي عندكوا. أنا هسيب لك المفتاح، خليك هنا. ده بيتك.
لم تكن دعوة لرفع الحرج عنه، بل كان سيقوم بذلك بالفعل. فمصطفى أخيه الذي أشعره بالعائلة ودفئها حين وفد إلى الإسكندرية منذ سنوات عدة. تعرف بها إلى صديقه الوحيد وبنيت بينهم أواصر المحبة التي جعلتهم أخوين مختلفي الأب والأم.
باعتذار من مصطفى على ما يسببه له من إزعاج.
مصطفى: معلش يا سيف. أنا عارف متقل عليك والله.
سيف: مصطفى. بس. هو إحنا بينا كده ولا إيه. ده إنت أخويا. ده كلام برضه. إلا قول لي صحيح. أخبار لواحظ إيه.
عقص مصطفى أنفه باستغراب متسائلاً.
مصطفى: لواحظ مين.
سيف: لواحظ اللي قاعدة عندكوا في البيت.
بقهقهة عالية أجابه مصطفى.
مصطفى: إنت خلاص سميتها لواحظ.
سيف: ما هو من كلامك يا أخويا.
شرد مصطفى بذهنه لوهلة متذكراً هيئة مي، ثم ابتسم بخفة قبل أن يخفيها حين تذكر حديثها وطريقتها الرقيقة في التعبير.
مصطفى: تصدق. رغم شكلها الغريب ده. إلا إن طبعها هادي جداً وباين عليها بنت ناس كده.
جلس سيف بمقابل مصطفى وقد ارتاب بأمره.
سيف: لا يا شيخ. هي إيه الحكاية بالضبط.
فهم مصطفى مقصد صديقه لينبهه عن ذلك.
مصطفى: حكاية إيه. بقولك إيه. لم نفسك.
سيف: خلاص يا سيدي متزعلش. أنا مقلتش حاجة.
***
بيت الحاج خالد.
استيقظت مي في الصباح تسبق الجميع لتحضر وجبة الفطور بمفردها هذه المرة. فهي وإن كانت ضيفة في هذا البيت، فأقل ما يمكن تقديمه هو مساعدة أهله فيما تستطيع فعله.
عندما استيقظت أم مصطفى تفاجأت بما قامت به مي قائلة.
أم مصطفى: ليه كده بس يا بنتي. تعبتي نفسك. مش كنتي تستني ونحضر الأكل سوا.
مي: مفيش تعب ولا حاجة. دي حاجة صغيرة أوي قدام كل اللي بتعمليه معايا.
بتساؤل متأخر للغاية لاح هذا السؤال الذي يراودها منذ عدة أيام لتنطق به أم مصطفى أخيراً.
أم مصطفى: إلا قول لي يا بنتي. إنتي فين أهلك. إنتي حتى مكلمتيهمش من ساعة ما جيتي.
شعرت مي بالحرج منها لتنكس رأسها قائلة.
مي: أصل أنا بصراحة مش معايا خط تليفون عشان أكلمهم.
أم مصطفى: يعني إنتي معاكي تليفون ومش معاكي خط.
مي: أيوه.
تهللت أم مصطفى كمن وجدت حلاً لمشكلة مستعصية للغاية.
أم مصطفى: يا سلام. سهلة أوي. عمك أبو مصطفى عنده خط زيادة. خديه وطمني أهلك عليكي. ده حتى فيه رصيد.
تأثرت مي للغاية من طيبة قلبها.
مي: ده كده كتير أوي عليا. حتى التليفون.
اقتربت منها أم مصطفى واحتضنتها بحنان.
أم مصطفى: إوعي أسمعك تقولي كده تاني. ربنا اللي يعلم أنا حبيتك قد إيه.
بعد دقائق قليلة أحضرت أم مصطفى شريحة الهاتف من داخل غرفتهم لتعطيها لمي حتى تستطيع طمئنة أهلها عنها.
أم مصطفى: خدي بقى ركبيه وكلميهم. عشان يطمنوا عليكي. أنا كمان عايزة أكلم إحسان أطمن عليها.
أومأت مي بخفة لتقلب الشريحة بين أصابعها بتفكر قبل أن تدلف إلى داخل غرفة مصطفى والتي استقرت بها منذ مجيئها إلى هنا. ثم أغلقت الباب من خلفها جيداً لتقوم بتلك المكالمة المتأخرة للغاية.
وضعت شريحة الهاتف ثم اتصلت بصديقتها رضوى. فهي الوحيدة التي تستطيع التحدث إليها لما تعلمه من كل التفاصيل التي حدثت معها.
مي: ألو. رضوى. إزيك.
رضوى: مي. إنتى فين. قلقتيني عليكي. ده إحنا هنموت ونطمن عليكي. إنتى فين وعملتي إيه.
مي: متقلقيش يا رضوى. أنا كويسة. بس مش لازم أقولك أنا فين أحسن عادل يضغط عليكي ولا حاجة. وأنا خايفة عليكي منه. بقولك إيه. متجبيش سيرة لحد إني كلمتك عشان ميعملكش مشكلة.
صمتت رضوى لوهلة ثم اضطرت لإخبار مي بما يحدث حتى تأخذ حذرها.
رضوى: الدنيا هنا مقلوبة عليكي. وطنط فادية تعبانة أوي.
مي: حبيبتي يا ماما. خدي بالك منها يا رضوى.
رضوى: متقلقيش والله. من حق صحيح. كنت هنسى. عادل عمل إعلان بيدور عليكي. وكمان عامل مكافأة كبيرة للي يدل عنك. خدي بالك بقى.
زفرت مي بقوة فقد تعبت من عادل وما يفعله بها.
مي: هو البني آدم ده مش هيسيبني في حالي بقى.
رضوى: ما هو أكيد قلقان منك.
مي: ادعي لي يا رضوى. أنا هقفل التليفون ده عشان محدش يقدر يوصل لي برضه.
رضوى: خدي بالك من نفسك. وابقي كلميني طمنيني عليكي.
مي: حاضر. سلام.
أنهت مي المكالمة لتتوجس خيفة مما قد يفعله عادل. أسندت أصابعها فوق شفتيها متفكرة.
مي: معنى كده إني أفضل بنفس الشكل الغريب ده عشان متلفش النظر. بس زهقت أوي وأنا عاملة كده. الأمر لله بقى.
أخذت مي نفساً عميقاً ثم رفعت عينيها صوب الحائط المقابل لها لتجد صورة كبيرة لمصطفى معلقة به. وكأنه رسالة ما يبث بداخلها بعض الطمأنينة لا تدري سببها.
اقتربت مي من تلك الصورة لتتسع ابتسامتها دون أن تدرى.
مي: مش عارفة ليه فيك حاجة غريبة بتفرحني لما بشوفك.
هوت ببصرها تجاه المكتب والأوراق الموضوعة فوقه، ممسكة بأحد الأقلام وبدأت برسم صورة تجمع بين مصطفى ووالديه.
***
شقة سيف.
تجهز سيف للسفر حاملاً حقيبته ليبدأ مناوبة عمل لشهر كامل.
مصطفى: خلاص نويت.
أومأ سيف بالإيجاب ثم أشهر مفتاح الشقة بوجه مصطفى قائلاً.
سيف: أه خلاص. أنا نازل أهو. خد بقى المفتاح وعيش حياتك في الشقة. البيت بيتك.
مصطفى: مش عارف أشكرك إزاي. بس هو عموماً هم كام يوم بس.
عقب سيف ممازحاً.
سيف: بس يا أخى زهقتني من دور المؤدب ده. متقولش كده بقى. يلا أشوف وشك بخير الإجازة الجاية بقى إن شاء الله. سلام.
توجه سيف إلى الميناء، بينما اتجه مصطفى نحو بيت والديه ليقضي معهم اليوم ثم يعود بالمساء، فهو لا يحب البقاء وحيداً.
***
شقة الحاج خالد.
جلسوا متأهبون لمجيء مصطفى بميعاده اليومي الذي يمر به عليهم. حتى أن مي كانت تترقب الساعة هي أيضاً تحسب كم تبقى من الوقت على مجيئه.
بمجرد سماع صوت حركة مفتاح الشقة يفتح الباب، شعرت مي بإحساس غريب مزيج من الفرحة والاضطراب بنفس الوقت. حتى أن قلبها أخذت دقاته تتسارع وهي تتطلع بشوق نحو الباب لتنظر إليه حين يدلف إلى غرفة المعيشة.
هو أيضاً بدوره حين تقدم بخطواته نحو الداخل ألقى نظرة سريعة عليهم جميعاً وهي خاصة، ثم ألقى السلام وهو يناظر والديه.
مصطفى: السلام عليكم.
وعليكم السلام.
جلس مصطفى على أحد المقاعد إلى جوار والده حين بدأ الحاج خالد الحوار مع مصطفى في ود ومحبة.
كانت مي منتبهة لهم للغاية، حريصة ألا يفوتها كلمة من حديثهم هذا. اندمجت معهم بصورة قوية حتى أنها شعرت أن صوته وضحكته مثل السيمفونية الموسيقية التي لا تمل من سماعها وتكرارها.
الحاج خالد: فاكر يا مصطفى لما كنت بتحكي لي على الحادثة اللي حصلت من فترة في المركب. شفت فيلم قصته قريبة أوي منها.
مصطفى: فعلاً.
نظر الحاج خالد إلى مي يشركها معهم بالحديث موضحاً.
الحاج خالد: كانت حادثة ولا الأفلام والله يا بنتي. مش كده يا مصطفى.
مصطفى: أه والله يا حاج.
بأعين معاتبة سألتهم أم مصطفى وهي تدور بعينيها بين ولدها وزوجها.
أم مصطفى: حادثة إيه دي. إنت مقلتليش حاجة زي دي. ولا كنت خايف لا أقولك متسافرش تاني.
اتسعت ابتسامة مصطفى التي أظهرت بياض أسنانه محاولاً المزاح مع والدته خوفاً من أن تتضايق من عدم إخبارها بما حدث.
مصطفى: فاهماني إنتي يا ست الكل. بس متخافيش عمر الشقى بقى.
لم تدر مي لماذا ابتسمت عندما رأته يضحك. وكأنها غير مسيطرة ومتحكمة في تصرفاتها. فقط ردود أفعال لما يقوله أو يفعله.
أكمل مصطفى سرد الحادث على المركب بأسلوب مشوق جعلها تتصور كل ما حدث بتفاصيله. والأكثر من ذلك كيف أحست أنها أمام بطل خارق يساعد من حوله في شدتهم.
تذكرت مي الحدث الذي تعرضت له صديقتها سارة منذ سنتين لتشاركهم حديثهم قائلة.
مي: تصدقوا أنا برضه من سنتين كنت أنا وسارة صاحبتي راجعين من عند رضوى. وسارة ساعتها كانت مستعجلة أوي وكنا تقريباً بنجري في الشارع عشان نلحق نوصل. ساعتها واحد جه خطف منها الشنطة وطلع يجري. وقعدنا كلنا نجري وراه عشان نرجع الشنطة. فمسك سارة من إيدها ساعة ما قربت منه ورماها في نص الطريق. وخبطتها عربية ومكنتش عارفة أتصرف خالص. لحد ما وقفنا عربية وجرينا على المستشفى. كان يوم صعب أوي.
خلال حديث مي لم يلفت انتباه مصطفى قوة هذا الحادث أو ضعفه. لكنه أحب سردها للقصة بهذه الصورة الرقيقة والذي أحبه أكثر نبرة صوتها الهادئة جعلته لا شعورياً يشعر بالراحة مما جعله يرسم ابتسامة هادئة على ملامحه.
مصطفى في نفسه: أنا مالي مشدود ليها أوي كده. ليكون كلام سيف صح.
نفض مصطفى هذه الأفكار عن رأسه بحركة لا إرادية جعلته يحرك رأسه يميناً ويساراً رافضاً للفكرة.
أم مصطفى: سيبكم بقى من سيرة الحوادث والحاجات دي. شفتوا مي رسمت إيه. شفتها لما دخلت الأوضة النهارده.
بفضول شديد تشدق الجميع لما أحضرته أم مصطفى بين يديها من أوراق لتقلبها باتجاههم. ينظرون لتلك اللوحة الرائعة التي رسمتها مي. فقد توسط مصطفى والديه يحاوطهم بذراعيه. لوحة إبداعية جميلة للغاية أبهرتهم جميعاً ليشيدوا بدقة مي المبدعة في الرسم.
مصطفى: دي حلوة أوي. أنا بحب الرسم آه بس اللي بعمله ده يعتبر جنب دي شخابيط. مبدعة بصراحة.
تورّد وجنتيها بقوة من شدة الخجل بكلماته المجاملة ليدق قلبها بعنف وتوتر بشعور مربك. لكنها أحبت هذا الشعور. فهي لأول مرة تشعر بذلك الشعور القوي.
مرت الساعات وانتهى اليوم واستأذن منهم مصطفى عائداً لشقة سيف ودخل الجميع إلى غرفهم للنوم.
ظلت مي تعيد اليوم مرة أخرى داخل عقلها. فكم أحبت وجودها معهم اليوم. كانت كلما تذكرت كلمة من كلمات مصطفى تبتسم في فرحة لا تعلم سببها. لكنها سعيدة. سعيدة للغاية.
***
شقة سيف.
لم يختلف حال مصطفى عن حال مي. فتلك الفتاة غريبة الشكل استطاعت أن تستحوذ على انتباهه والتفكير بها بصورة لا يتخيلها هو نفسه.
مصطفى: البنت دي في حاجة غريبة. حاجة مريحة أوي. شكلها غير البنات اللي بشوفهم وأعرفهم. مختلفة أوي. بس مش عارف واحدة فنانة كده. شكلها ملخبط أوي كده ليه.
***
مرت الأيام سريعاً. اعتادت مي وجودها برفقة هذه العائلة. منتظرة يومياً مجيء مصطفى بنفس الميعاد يبقى معهم حتى المساء. حتى أصبحت رؤيته بالنسبة لها روتين يومي تنتظره.
لم يخلف يوم مصطفى ميعاده بالذهاب للاطمئنان على والديه. لكنه كان شغوفاً أيضاً بالذهاب ليكتسب بعضاً من شعوره بالراحة والسعادة التي يشعر بها بالقرب من هذه الغريبة. ومع تفكيره فيما يحدث له بقربها فإنه أرجع ذلك لشفقته على حالها لا أكثر.
في الصباح.
استيقظ مصطفى متفاجئاً برنين هاتفه.
مصطفى: السلام عليكم.
ماجد: وعليكم السلام يا باشمهندس. كنت عايز أطلب بس من حضرتك طلب.
مصطفى: اتفضل.
ماجد: كان فيه قطعتين غيار كنا طالبينهم واتأخروا علينا. وإحنا اتحركنا خلاص. فلو ممكن تستلمهم إنت وتدخلهم المخزن.
مصطفى: أه طبعاً. ساعة بالضبط وأكون هناك.
أنهى مصطفى المكالمة بتملل ليبدل ملابسه في عجالة متجهاً لمقر الشركة لمعاينة قطع الغيار قبل استلامها.
***
مي.
انتظرت الموعد الصباحي الذي يأتي به مصطفى. لكنه اليوم لم يأتِ مما سبب لها شعور بالاختناق والحزن لا تعلم سببهم.
بعد قليل سمعت صوت المفتاح بباب الشقة لتسرع بتلهف نحو الباب. لكنها شعرت بإحباط بالغ حين رأت الحاج خالد آت من صلاة الظهر.
غصة علقت بحلقها لتجرجر أقدامها إلى داخل الغرفة مبتعدة عن أم مصطفى والحاج خالد.
مي بإحباط: هو مجاش ليه النهارده. مش عادته يعني.
***
مصطفى.
كان يشعر بضيق وعصبية. ظل ينظر في ساعته كلما مرت خمس دقائق وكأن الوقت لا يمر. ليتساءل مصطفى بتملل وهو يزفر بقوة.
مصطفى: هو لسه كتير لو سمحت.
الموظف: دي إجراءات. ودي قطع غيار مهمة لازم الاستلام يكون مظبوط فنياً وإدارياً.
مصطفى بقله صبر: تمام. تمام.
بتوتر شديد انتظر مصطفى انتهاء إجراءات تسلم هذه القطع. شاعراً بضيق رهيب. لا يدرك سببه حقيقة. لكن ما يدركه فعلاً أنه يريد الذهاب لبيته ورؤيتهم والاطمئنان عليهم جميعاً.
شرد مصطفى بذهنه.
مصطفى: أيوه أنا عايز أطمن عليهم كلهم. ما هم مسؤولين مني. وعايز أشوفها وأتكلم معاها. اااا. أيوه أكيد. ما هي بقت واحدة منا.
هكذا حدث نفسه ليقنع نفسه أن ذلك الضيق الذي يعتريه ما هو إلا رد فعل طبيعي لغيابه عنهم.
أنهى مصطفى الإجراءات وتوجه مسرعاً للبيت.
وصل إلى البيت متلهفاً. أخرج مفتاحه ليفتح باب الشقة. حاول ضبط أنفاسه عند الدخول فهو بالفعل شعر بالاضطراب.
كانوا جميعاً يجلسون بانتظار عودته ليتناولوا الطعام سوياً. بمجرد سماع مي لصوت المفتاح ظل قلبها يرقص طرباً.
دلف ملقياً التحية وقد تعلقت عيناه بمي عند جلوسه مما زاد من اضطرابها فقالت بخجل.
مي: هروح بقى أحضر لكم الغدا.
وضعت مي وأم مصطفى الطعام على الطاولة وبدأ الجميع بتناول طعامه وتجاذب أطراف الحديث سوياً حين قالت أم مصطفى.
أم مصطفى: مش أنا كلمت إحسان النهارده.
نظرت إليها مي بصدمة حين تذكرت أن اليوم هو اليوم العاشر لها هنا وأنه آن الأوان لتتركهم وتذهب لإحسان وخيري كما اتفقت معهم.
ابتلعت مي ما في جوفها بغصة وهي تحاول كبح تلك الدموع التي تجمعت بعينيها وجاهدت كثيراً حتى لا تظهر من خلف النظارة السميكة التي ترتديها. تمالكت حزنها وابتسمت ابتسامة باهتة وتكلمت وهي تختنق بكلماتها.
مي: صحيح. ده كده خلاص هم راجعين بكرة وأنا حروح عندهم بقى.
أنهت جملتها مما جعل مصطفى ينظر إليها بصدمة.
مصطفى بدون وعي: بكرة.
رواية بين يديك الفصل الثالث عشر 13 - بقلم قوت القلوب
لا لن تكون تلك النهايه ، لن ترحلى بتلك السهولة ، لا لن تتركى قلبى …
جلس “مصطفى” بصدمه من قرار رحيل “مى” الذى لم يحسب حسابه ، نعم يعلم جيداً أنها مجرد ضيفه لعدة أيام لكنه ظن أن تلك الأيام لن تنتهى …
شعور مزعج ضاق صدورهم له حينما نطقتها “مى” وإلتزم بعدها الجميع الصمت ، لتقطع “أم مصطفى” صمتهم …
أم مصطفى: لا يا بنتى ..”إحسان” قالتلى إنهم مطولين شويه أصل “خيرى” تعب شويه ومش حيعرفوا يسافروا وهو تعبان كده … إنتى خلاص زهقتى مننا يا “مى” ولا إيه …؟؟؟
فرصه أتت إليها لتعيد إليها الروح مرة أخرى ، سعادة أطلقت جناحيها فوق قلوبهم المختنقه لتردف “مى” براحه …
مى: طبعا لأ … أنا كنت زعلانه أوى أنى حمشى من هنا …
أم مصطفى: وأنا والله يا بنتى أخدت على وجودك معانا مش كده يا حاج “خالد” ولا إيه …؟؟
الحاج خالد: فعلا يا بنتى .. وجودك خلى للبيت روح …
تنحنح “مصطفى” مازحاً بعدما ردت إليه روحه ببقائها …
مصطفى: إحم إحم .. وأنا ايه هنا هوا ولا إيه ..؟؟
ضحك الجميع من سخريه “مصطفى” من نفسه بأنه لا لزوم له بالبيت طالما توجد “مى” ، لكنه فى داخله يشعر بأن الهواء عاد مجددا ليتنفس بعدما ظن أنه قطع الأنفاس من حديث والدته …
الحاج خالد: إنت الخير والبركه هو إحنا لينا غيرك ….
شعرت “مى” بالحرج لتفريقهم فبالتأكيد هو يود العودة للبقاء ببيته ووسط عائلته ، هذا المكان الذى إحتلته هى بالتأكيد …
مى: أنا أسفه فعلاً على البهدله دى يا باشمهندس .. أنا عارفه إنكم نفسكم تتجمعوا وأنا إللى ….
قاطعها مصطفى سريعاً: إنتى بتقولى إيه …؟؟ ما أنا موجود معاكم طول اليوم أهو جت على النوم يعنى .. ؟؟ ولا إنتى فعلاً زهقتى مننا وعايزة تمشى …؟
قالها “مصطفى” ناظراً نحوها بتمعن ليكتشف ما تفكر به بالفعل ، هل هى مجبره على البقاء معهم تود الذهاب حين تحين لها الفرصه أم انها أحبت وجودها معهم ….
زاغت نظرات “مى” بعيون “مصطفى” لوهله من ثم إستجمعت نفسها منكسه رأسها هاربه من نظراته الكاشفه..
مى: لا خالص … أنا بجد حبيت وجودى معاكم هنا أوى … ولو مشيت حتوحشونى أوى أوى …
ابتسم “مصطفى” إبتسامه خفيفه دق بها قلبه بقوه لحديثها ، رجفه قويه لاحت به من رقه وعذوبه كلماتها لكنه أكمل حديثه بمزاح …
مصطفى: ما تخلونا نخلص الغدا إللى مش راضى يخلص ده …
ضحك الجميع بينما سرق “مصطفى” نظره خفيفه نحو “مى” التى بدورها نظرت نحوه من خلف النظارة التى بالكاد ترى منها ….
****
اليوم التالى ….
مع بدايه يوم جديد إستيقظت “مى” لتبدأ يومها بمساعدة “أم مصطفى” بتحضير طعام الإفطار كعادتها ، تناست تماماً ما قد جائت من أجله وبدأت تعتاد وجودها بهذا البيت وبرفقة تلك العائله كفرد أساسى منهم …
إتجهت نحو المطبخ الذى قد سبقتها إليه “أم مصطفى” ….
مى: صباح الخير …
أم مصطفى: صباح الخير يا حبيبتى …
مى: إيه ده إنتى خلصتى من غيرى …؟؟
أم مصطفى: أصلى عايزة أنزل أروح للست “عيشه” جارتنا أبارك لها على فرح بنتها و أقعد معاها شويه من زمان مروحتش عندها … وجت الفرصه أخيراً …
كل يوم يزداد إندهاشها من تلك السيدة الودودة الخدومه ، فهى تنتهز كل فرصه لمساعدة وزيارة من حولها …لكنها لم تفهم معنى كلمتها (جت الفرصه أخيراً ..) لتتسائل …
مى: إزاى يعنى …؟؟
أم مصطفى: “مصطفى” طلبوه فى شغل الصبح يعنى مش جاى إلا أخر النهار … وعمك “أبو مصطفى” رايح يجيب بضاعه للمحل … فقلت فرصه أروح أقعد معاهم شويه …
ثم إنتبهت “أم مصطفى” لأنها ستترك “مى” وحيدة …
أم مصطفى: ولا حتزهقى يا بنتى أخدك معايا …؟!!!
مى: لالا خالص .. خلينى أنا هنا .. أنا معرفش الناس هنا وكفايه متطفله عليكوا إنتوا بس ..
أم مصطفى: ما قلنا بلاش الكلام ده بقى … خدى … أنا جبت لك ده ..
مدت “أم مصطفى” يدها بحقيبه بلاستيكيه بسيطه لـ”مى” التى ردت بإقتضاب …..
مى: إيه ده …؟؟
ام مصطفى: دى حاجات بسيطه جبتها لك … إنتى من يوم ما جيتى يا لابسه الجلبيه الكبيرة بتاعتى يا إما الفستان بتاعك ده .. فقلت لك أجيب لك حاجه جديده كده تفرحك ..
دمعت عينى “مى” من التأثر من طيبه هذه السيده الحنونه …
مى: حقيقى لو دورت فى كل الدنيا مش حلاقى كلمه توفيكى حقك بجد والله … أنا حبيتك بجد يا “أم مصطفى” .. يمكن كل إللى حصل فى حياتى ده كان لمجرد أنى آجى هنا و أقابلكم و أعيش معاكم ….
أم مصطفى: والله يا بنتى مش عارفه أقولك إيه .. بس ربنا رمى حبك فى قلبى كده وبعتبرك زى بنتى إللى مخلفتهاش والله ومش عايزاكى تسيبينى أبداا … وإن شاء الله ربنا حيعوضك خير عن أى حاجه ضايقتك أو زعلتك …
تركت “مى” الحقيبه من يدها و إحتضنت “أم مصطفى” بقوة فقد شعرت بصدقها حقيقه ، وأنها ذكرتها بحنان والدتها الذى تفتقده …
بعد قليل …
تركتها “أم مصطفى” لزياره جارتهم لتبقى بمفردها بالشقه فإنتهزت تلك الفرصه لتتنفس قليلاً براحه دون تكلف أو تخفى …
نزعت وشاحها عن رأسها وخلعت نظارتها السميكه ثم رفعت الفستان الجديد الذى إبتاعته لها “أم مصطفى” …
كان فستاناً جميلاً ذو ألوان رقيقه رائعه …
ابتسمت مى: ذوقها حلو أوى … رغم حالتهم الماديه البسيطه دى إلا إنها فكرت إزاى تفرحنى …
وبالفعل كانت فرحه “مى” بالفستان كفرحه طفله صغيرة بملابسها الجديدة ، قررت “مى” الإستحمام وإرتداء فستانها الجديد لحين عوده “أم مصطفى” ….
توجهت “مى” الى المرحاض لتستحم وتزيل عن نفسها إرهاق الأيام الماضيه بدون قلق فهى هذه المرة بمفرها بالمنزل …
****
فيلا السيدة فاديه …
جلست السيده “فاديه” بمقعدها المميز بالبهو فيما كان “عادل” يناظرها بغضب يحدثها بنبره حادة للغايه …
عادل: يعنى حتكون راحت فين … إنشقت الأرض وبلعتها …؟؟؟
لم تعد تتحمل هذا الكاذب الذى يدعى خوفه عليها …
السيده فاديه: بقولك إيه .. إطلع برة بيتى ومتجيش هنا تانى ولا تسأل عليها تانى …
هو يعلم أن “مى” قد أخبرتها بمخططهم لكنه كان يدعى عدم معرفه ذلك ، لكنه لم يعد يتحملها أيضاً خاصه وهى لا تملك الإعتراض فـ”مى” خطيبته …
عادل: إنتى نسيتى ولا إيه.. ؟؟ “مى” دى خطيبتى وقريب أوى حتبقى مراتى ..
السيده فاديه: لا …ده كان زمان .. قبل ما تعمل إللى إنت عملته …!!
قالتها بعصبيه لتوضح له أنها تعلم كل شئ ليكون رده بأنه لا يبالي بما تقوله …
عادل: ولا فى إيدك أى حاجه تقدرى تثبتيها عليا …. أنا قدام الناس والقانون معملتش حاجه … حتى لما “مى” إختفت الكل شايف أنى متأثر أوى بغيابها وعملت كمان إعلان فى كل مكان بدور عليها …. وكمان عامل مكافأه محترمه للى يقولى أى معلومه عنها ….
بضحكه ساخرة أردفت السيدة “فاديه” …
السيده فاديه: الكلام ده تضحك بيه على أى حد غيرى … كلامك إنت و”بدوى” كان واضح ….
بإستفزاز واضح إستكمل “عادل” بحدة …
عادل: ولا إنتى ولا “مى” تقدروا تثبتوا حاجه …
تهدج صدرها إنفعالاً من هذا الوقح المستفز …
السيده فاديه: لا نقدر … إنت ناسى إن “مى” مصوراكم فيديو و إنتوا بتتفقوا عليا أنا و إبنى …؟!!
قنبله مدويه ألقتها السيدة “فاديه” بتسرعها على مسامع “عادل” الذى ذهل تماماً مما قالته فلم يكن يتخيل قط أن “مى” تملك دليلاً بهذه القوة لإدانته ليهتف بعدم تصديق …
عادل: فيديو ….!!!!! فيديو إيه ده ….؟؟؟
أحست السيده “فاديه” بأنها أخطات خطأ فادح حين أخبرته عن الفيديو فمن الواضح أنه لم تكن لديه أى خلفيه عن ذلك بالمرة ….
أخذ “عادل” يدور حول نفسه منفعلاً مثل الثور الهائج وقد إتسعت حدقتاه عن آخرهما ، غاضب للغايه يتوعدها بكل شئ يقدر عليه ، سيأتى بها ويتخلص منها مهما كان الثمن ….
إلتف نحو السيدة “فاديه” بأعين تتقد شرراً بشكل مخيف للغايه …
عادل: حلاقيها … والمرة دى حموتها بإيدى …فاهمه بإيدى … و إنتى كمان حتحصليها …
ثم أخذ يغمغم بداخل نفسه بصورة غير مفهومه …
عادل: مفيش قدامى غير صاحبتها إللى اسمها “رضوى” دى … هى مبتعملش أى حاجه فى الدنيا من غيرها …
خرج “عادل” من الفيلا متوجهاً لبيت “رضوى” عازم على معرفة مكانها بأى صورة مهما كلفه الأمر فهى لديها دليل قوى لابد أن يختفى من الوجود مثلها تماماً …
ظل يتوعدها طوال الطريق فما فعلته تلك الضئيله لم يجرؤ غيرها عليه مطلقاً من قبل …
عادل: فيديو … مصورانى فيديو … إما وريتك يا “مى” … يا أنا يا إنتى …
****
بيت الحاج خالد….
أنهت “مى” إستحمامها بإنتعاش فتلك أول مرة تشعر بأنها على سجيتها ولو لبعض الوقت …
جففت شعرها العسلى وتركته منسدل على ظهرها لأول مرة منذ أن هربت من “عادل” فمن يومها وهى ترتدى ذلك الوشاح والنظارة الخاصه بجد “رضوى” …
وضعت النظاره بجانبها و هى تتطلع بإنعكاس صورتها فى المرآة قائله لنفسها ..
مى: ياااه … أنا كنت قربت أنسى شكلى والله …
كان الفستان رقيق بألوانه الرائعه يليق بشده مع لون بشرتها البيضاء وشعرها العسلى الطويل ولون عينيها الواسعتين يشرقان بتوهج خاصه بعد زوال كل أثر تلك الكدمات والتورمات من وجهها …
مى: أنا جعت أوى … حروح أفطر بسرعه لسه قدامى وقت لحد ما “أم مصطفى” ترجع من عند جارتها أكون ظبطت نفسى وأرجع ألبس الإيشارب والنظارة .. خنقونى أوى وأنا لابساهم طول الوقت …
تركت “مى” وشاحها ونظارتها بغرفتها لتحضر شطيرة بالمطبخ تسد بها جوعها …
رفعت شطيرتها لفمها إستعداداً لإلتهام أول قضمه حين سمعت صوتاً يحدثها من خلفها أفزعها للغايه حتى أنها دفعت بالشطيرة رغماً عنها من يدها لتسقطها أرضاً …
استدارت فجأة بنهج شديد وأنفاس متسارعه ، شحب وجهها للغايه وقد إتسعت حدقتاها عن آخرهما وهى تشهق بقوة فهى لم تتوقع أن يأتي أحد إلى البيت كما أخبرتها “أم مصطفى” …
تطلع نحوها “مصطفى” بتعجب من تلك الفتاه التى تتوسط مطبخهم وتلتهم طعامهم …
مصطفى: إنتى مين ….!!!!؟؟
بإرتباك شديد أجابته بتلعثم …
مى: أأأأ…أأ… أنا “مى” …
بغير تصديق لما يراه من إختلاف بمظهرها وملامحها كأنها تبدلت تماماً …
مصطفى: “مى” !!!!…مش معقول … إنتى إزاى كده …!!!!
كم كانت مختلفه تماماً عن تلك البشعه التى يعرفها ، كم هى جميله وبريئه وساحرة … كم تبدو مثل الأميرات …. لكن لماذا تتخبئ خلف وشاح غريب و نظارة قبيحه …
هام للحظات بجمالها الرقيق وتعالت ضربات قلبه بقوة لتعلن شيئاً طالما تهرب من الإعتراف به …
تمالك نفسه وحاول إبطاء تنفسه السريع منحياً نظراته عنها نحو إلى الارض ليثنى جزعه ملتقطاً الشطيرة التى ألقتها منذ قليل ليعطها إياها ..
مصطفى بتوتر: إتفضلى
مدت “مى” يدها المرتجفه من تفاجئها بوجوده وقربه بذات الوقت ، كم هو مربك للغايه ، شعور غريب لم تعتاده من قبل تشعر به فقط فى حضوره …
مى: شكراً …
مصطفى: هو إنتى نظرك ضعيف أوى كده ….؟؟
فاهت “مى” بعدم فهم …
مى: هه !!!
بصوته الحانى الذى شتتها بسؤاله ونظرات عيناه الهائمه …
مصطفى: إنتى لابسه النظارة الكبيرة دى ليه ..؟؟؟ دى فظيعه أوى .. مخبيه جمال عينيكى دى كلها … عامله فى نفسك كده ليه ..؟؟
تشتت نفسها للغايه لا تدرى هل هذا إطراء ومجامله ، أم أنه يتغزل بها ، لكن لا يهم فهى كطائر محلق بين يديه ، شعورها برفقته لا يماثل شعورها بأى شخص آخر على الإطلاق ، فهى خجله مرتبكه سعيدة للغايه …
صمتت “مى” تماماً لشتاتها المغيب وهى تتطلع إليه ولإبتسامته العذبه التى تحبها …
إستطرد “مصطفى” مستكملاً تساؤلاته التى بدون إجابه مطلقاً من “مى” …
مصطفى: إنتى شايفانى كويس أهو … أمال لابسه النظارة دى ليه ….؟؟؟
هنا إنتبه “مصطفى” بأنها تخفى شئ ما ، وبالتأكيد تخفى سراً عظيماً خلفها ليتدارك نفسه قائلاً بنبرة جادة …
مصطفى: أنا من ساعه ما شفتك وقلت إنك وراكى مصيبه … بالراحه كده وواحده واحده قوليلى حكايتك إيه بالتفصيل ….
للحظه تفكر جال بعقلها كيف وثقوا بها ولم ترى منهم إلا كل خير ، معرفتها القليله به أدركت من خلالها أن “مصطفى” مختلف عن أى شخص آخر تعرفه فهو ليس مثل “عادل” و”بدوى” ، ولم لا تثق به فربما يستطيع مساعدتها فى هذه الورطه …..
مى: أنا حاحكى لك كل كل حاجه … بس الأول إوعدنى إنك مش حتقول لحد أى حاجه من إللى ححكيها لك ….
لم يكن ليخذلها أبداً ليكمل بنفس الجديه ووعد بأن يكون حافظً لسرها مهما حدث …
مصطفى: وعد منى حتى أبويا و أمى مش حقولهم متخافيش …
رواية بين يديك الفصل الرابع عشر 14 - بقلم قوت القلوب
كالبئر العميق سأكون حافظًا للسر، كالأسد المغوار سأكون الحامي، كالطائر المحلق سيكون قلبي العاشق الذي أحبك دون الاهتمام بالشكل الخارجي، فما بداخلك هو أنتِ وهو ما يهمني.
رافقت "مى" "مصطفى" إلى غرفة المعيشة، تستجمع كلماتها التائهة لتوترها الملحوظ، فحضوُره يلغي العقلانية عن ذهنها ليجعل كلامها مرتبكًا وغير مرتب.
لكنها بالفعل من داخلها أرادت التخلص من عبء هذا السر بداخلها، أرادت أن تكون صريحة معه للغاية ولا تخفي عنه أمرًا.
مى: أنا بنت يتيمه، ماليش حد، ومن كام سنة أخدتني واحدة طيبة أوي زي مامتك كده، مشفتش منها غير كل خير.
مصطفى: كملي.
مى: وكنت مخطوبة لواحـ…
قاطعها "مصطفى" بانتفاضة حين علم إنها مرتبطة بشخص آخر ليهتف بضيق:
مصطفى: مخطوبة!
نسيت تمامًا نقاطها الأساسية وسرد قصتها مع "عادل"، وتركز اهتمامها بأن توضح له أن أمر خطبتها هو شيء من الماضي وأنها الآن لا يربطها به أي صلة مطلقًا.
مى: لا خلاص، ده كان زمان.
علت ابتسامة خفيفة فوق ثغره ليزفر براحة.
مصطفى: آه، كملي.
سردت كل ما حدث بأدق التفاصيل حتى لا تنسى شيئًا مما حدث، وتتضح الصورة كاملة لـ"مصطفى".
مصطفى: يااه، كل ده ولوحدك؟ طب وآخرتها إيه؟ افرضي كان لقاكي كنتي حتعملي إيه؟
مى: مش عارفة.
منذ وفاة والدتها كان دائمًا تحث نفسها على أنها قوية لا تُهزم، ستواجه الدنيا بضحكتها ومزاحها، لم تكن من النوع المستسلم الخنوع، لكنها الآن وفي هذه اللحظة وبرفقة "مصطفى" شعرت برغبتها بإخراج ما تشعر به بقلبها حقيقة.
أرادت أن تكون على سجيتها، تظهر ضعفها وخوفها، يكفيها ادعاء بالقوة، تركت العنان لما يثار بداخلها من خوف من الظهور، حتى أن دموعها توالت بضعف لم تشعر به إلا وهي إلى جواره، كأنه نفسها التي لا تخفي عليها شيئًا.
مى: أنا خايفة، خايفة منه، ده إنسان حقير ومتوحش، ممكن يموتني، ده حتى عمل إعلان بيدور عليا فيه.
شعوره بضعفها وأنها تخشى من هذا الحقير جعله ينتفض بقوة، فلن تشعر بالضعف وهو إلى جوارها ليهتف بقوة:
مصطفى: لأ طبعًا، هي سايبة؟ وأنا رحت فين؟
برغم إحساسها بالسعادة لانفعاله وحمايته لها، إلا أنها خشيت أن "عادل" يمكن أن يؤذيه وهي لن تتحمل هذا مطلقًا.
مى: لأ، أنا مش عايزة أتدخل خالص، ده إنسان ماعندوش ضمير، ممكن يأذيك، وأنا مسمحش إن حاجة زي كده تحصل لك أبدًا بسببي.
لم يكن يومًا جبانًا خائفًا، هو يستطيع حمايتها ولن يتركها أبدًا تواجه هذا الحقير بمفردها.
مصطفى: بني آدم زي ده جبان، لازم يقف عند حده، مينفعش نسيبه كده.
مى: مقدرش، أخاف يأذيك بجد! إنت متعرفوش، أنا نفسي بس ألاقي ابن ماما "فادية"، بس مش عارفة إزاي!
مصطفى: وهى دي حاجة سهلة؟
مى: مش عارفة، صعبة طبعًا، بس نفسي ألاقيه، بدل ما كل الناس طمعانة فيها كده.
رق قلبه لهذه الرقيقة، كيف للدنيا أن تتعبها إلى هذا الحد، لكنه الآن إلى جانبها ولن يتركها تواجه كل هذا بمفردها.
مصطفى: قومي دلوقتي اغسلي وشك، وبعدين نفكر المفروض نعمل إيه.
حركت رأسها بالإيجاب ثم نهضت لتغسل وجهها وتهدأ من نفسها قليلًا قبل عودتها له مرة أخرى قائلة:
مى: فكرت في حاجة؟
مصطفى: إنتي لحد ما نشوف حنعمل إيه تفضلي بالتخفي الرائع بتاعك ده.
رفعت "مى" حاجبها بتعالٍ وهي تتوسط خصرها بكفها قائلة:
مى: اااه، واضح كده إني شكلي مش عاجبك؟
أردف "مصطفى" دون انتباه لما يتفوه به:
مصطفى: أنا قلت كده، إنتي… أجمل بنت شفتها بعيني.
أسرع "مصطفى" بتدارك نفسه من هذه المشاعر التي تجتاحه بسرعة.
مصطفى: الصراحة أول مرة شفتك مش عارف أقولك كنت فاكرك إيه.
مى: يا سلام.
مصطفى: تنكري؟ شكلك مدي على "لواحظ" خالص، على رأي "سيف".
ضحكت "مى" على ظن "مصطفى" فهي بالفعل كانت ترى نفسها بشعة خصوصًا مع وجهها المتورم، لكنها أردفت بتعجب:
مى: "لواحظ"؟
مصطفى: المهم دلوقتي، أنا حاخد شوية هدوم من أوضتي وأرجع شقة "سيف"، وإنتي زي ما إنتي هنا، بس طول ما إنتي بينا بلاش النظارة دي، متقلقيش، وخلي شكلك الغريب ده بره لحد ما ألاقي حل.
مى: حاضر.
تعمق بنظرته مطولًا نحوها ثم أردف:
مصطفى: متقلقيش طول ما أنا معاكي.
شعرت "مى" لأول مرة أن هناك قوة تحتمي بها، وأن هناك شخصًا ما يخاف عليها ويبعد عنها الأذى، وخاصة عندما تكون تلك القوة منه هو.
مر الوقت سريعًا وعادت "أم مصطفى" من زيارتها لجارتها، فوجئت للغايه بمظهر "مى" المختلف كليًا، فلولا إنها هي من ابتاعت الفستان بنفسها لظنت أن تلك فتاة أخرى ببيتهم.
أم مصطفى: بسم الله ما شاء الله لا قوة إلا بالله، "مى"! إنتي زي القمر، أمال بس مخبية عننا الجمال ده ليه؟
ضحكت مى بخجل:
مى: شكرًا ليكي يا "أم مصطفى".
أم مصطفى: ربنا يحفظك يا بنتي من كل سوء. إيه ده؟ هو الحاج "خالد" لسه ما جاش لحد دلوقتى؟
مى: لا، "مصطفى" بس اللي جه، أخد شوية هدوم وقال حيبقى يرجع تاني.
أم مصطفى: كويس. أما أروح أحضر لهم الغدا بقى عقبال ما يرجعوا.
مى: خديني معاكي أساعدك.
وتوجهت كلتاهما إلى المطبخ لتنقضي الساعات حتى يحين موعد تجمعهم جميعًا.
***
بيت رضوى.
توقف "عادل" بسيارته الصغيرة أمام بيت "رضوى"، يكز على أسنانه بغضب، فيجب أن يصل لـ"مى" بأي شكل، فالخطر من "مى" الآن أكثر مما قبل، ولن يتوانى هذه المرة من معرفة إلى أين ذهبت، فحياته أصبحت على المحك.
داخل غرفة رضوى.
كانت "رضوى" ترتب غرفتها كالعادة وتلقي بما تراه يسبب لها الفوضى، حين هتفت بها والدتها التي أخذت تنادي باسمها لعدة مرات دون أن تنتبه لها بسبب سماعات الأذن خاصتها.
أم رضوى: يا بنتي تعبتيني، عمالة أنادي عليكي من بدري.
رضوى: خير يا ماما.
أم رضوى: كلمي الراجل عايزك بره.
اندهشت للغايه، فمن هذا الرجل الذي يريدها؟
رضوى: راجل مين؟
أم رضوى: إنتي جرى لك إيه النهارده؟ بقولك من الصبح، "عادل" خطيب "مى" واقف بره مستنيكي عايزك في موضوع مهم.
ارتاعبت "رضوى" من فكرة وجود "عادل" ببيتهم وعلى مقربة منها، خاصة وهي تعلم بالتفصيل ماذا حدث لصديقتها على يديه.
ارتجفت بقوة وهي تحدث نفسها:
رضوى: ربنا يستر، أنا مقدرش أعمل زي "مى"، "مى" أجرأ مني بكتير، يا رب ابعده عني يا رب.
ابتلعت ريقها باضطراب قائلة:
رضوى: قوليله إن أنا مش هنا، ولاااا… قوليله نايمة، أي حاجة يعني.
أم رضوى: وبعدين معاكي بقى، ما تقومي تشوفيه عايز إيه، يمكن فيه حاجة مهمة عشان صاحبتك اللي مش عارفين راحت فين دي.
تمنت لو استطاعت إخبار والدتها ما حدث، لكن "مى" طلبت منها أن تبقى الأمر سرًا بينهما.
اضطرت مجبرة على لقائه لتزفر بقوة محاولة تهيئة نفسها لمقابلته، لكن حين تحركت نحو باب الغرفة استوقفتها جملة والدتها حين قالت:
أم رضوى: أنا مش فاهمة مالك، الراجل بس عايز رقمها الجديد؟
توهجت عيناها بفزع وهي تعيد كلمة والدتها بصدمة:
رضوى: رقمها الجديد؟ إنتي قلتي له إنها كلمتني؟
بسلامة نية أجابتها والدتها:
أم رضوى: أيوه، هو سألني "مى" كلمتكم أو جت لكم اليومين اللي فاتوا أو عرفنا حاجة عنها توصلنا ليها. افتكرت لما رنت عليكي من كام يوم وإحنا قاعدين.
هوت "رضوى" جالسة فوق الأريكة تضرب وجنتيها من هول المصيبة التي وقعت بها، فقد تورطت الآن مع "عادل".
رضوى: يادي المصيبة!
أم رضوى: هو فيه إيه بالضبط؟ متفهميني!
ولأنها تعلم جيدًا أن والديها يرفضان تمامًا التدخل في أي مشكلة بشكل قاطع، حاولت إخفاء الحقيقة عنها لتوضح كاذبة:
رضوى: أبدًا، أصل "مى" و"عادل" متخانقين سوا ومكانتش بس عايزة تديله الرقم.
أم رضوى: بقولك إيه، إحنا لا بتوع مشاكل ولا عايزين مشاكل، اديله رقمها وهما حرين مع بعض، يحلوا مشاكلهم سوا، متتحشريش إنتي في النص.
رغم عدم رضاها عن ذلك، إلا أنها مضطرة لإعطائه رقمها تحت أعين والدتها المترقبة.
خرجت لمقابلته "عادل" حين سألها مباشرة:
عادل: فين "مى"؟
رضوى: معرفش.
لمعت عيناه بقوة يوحيان بشر كبير بداخل نفسه قائلاً مهددًا إياها:
عادل: بلاش بقى تعملي الشويتين دول زي صاحبتك، وإنتي عارفة أنا ممكن أعمل إيه! وكده كده هعرف، فـ اتقي شرّي أحسن، خصوصًا أني عرفت إنك كلمتيها في التليفون. فـ زي الشاطرة كده تقوليلي هي فين بالضبط.
ارتعدت ساقيها خوفًا من "عادل" لتجيبه بارتعاش:
رضوى: والله أنا معرفش هي فين.
أطبق "عادل" على أسنانه بصورة عصبية ملوحًا بإبهامه مهددًا إياها:
عادل: ما هو يا تتكلمي بالذوق، يا إما مش هرحمك ولا إنتي ولا أهلك دول، وحتبقى إنتي السبب في اللي حيجرى لكم.
زاغت عيناها تود الأرض أن تنشق وتبتلعها، فقد وقعت في حيرة إما توشي بصديقتها ويلحق هذا الحقير بها الأذى، أو يؤذيها هي وأهلها.
رضخت بعد فترة من تهديده لها، فقد تملكها الخوف من هذا الدنيء للغاية.
رضوى: أنا بجد والله معرفش غير رقم التليفون، هي مقالتش هي فين، كلمتني بس تطمني إنها كويسة.
عادل: اديني رقم التليفون ده، بس عارفة لو الرقم ده طلع غلط حعمل فيكي وفي أهلك دول إيه.
رضوى: الرقم أهو.
سجل "عادل" رقمها مزهوًا بانتصاره، فأخيرًا سيستطيع الوصول لـ"مى" وهذه المرة لن يتركها تفلت من يده.
غضبت "رضوى" من نفسها لإعطائه رقم "مى"، لكنها كانت مجبرة على ذلك، فلا هي ولا أهلها يستطيعون تحمل ما قد يحدث لهم من شر "عادل".
رضوى لنفسها: هو حيعمل إيه بالرقم يعني؟ أخره حيحاول يتصل يعرف هي فين وهي أكيد مش حتقوله.
قررت "رضوى" الاتصال بـ"مى" وتحذيرها من "عادل" وإبلاغها بما حدث حتى تأخذ حذرها منه.
مع محاولات عدة للاتصال بـ"مى" كانت دوماً تجد الهاتف مغلقًا، اضطرت للانتظار قليلًا ومعاودة محاولة الاتصال، فربما تستطيع التحدث إليها.
***
شقة سيف.
استلقى "مصطفى" فوق الفراش مسندًا جزعه للأعلى متفكرًا بأحداث اليوم، فكم أسرته هذه البريئة بسحرها وجمالها، لكنه تجهم حين تذكر مشكلتها والتي يجب عليه أن يجد لها حلاً حتى لا تتأذى من بطش المدعو "عادل" هذا.
مصطفى: عملتي فيا إيه يا "مى" بس؟ ده أنا معرفكيش إلا من كام يوم بس، لخبطتي حالي ونستينى الدنيا كلها ومش بفكر غير فيكي وفى مشاكلك. بس لازم أساعدك وأحميكي، كفاية عليكي اللي شفتيه في حياتك، بس أحله إزاي دي! وهي كمان عايزة تدور على ابن الست "فادية". بقى طول السنين دي كلها والشرطة مش عارفة توصله، حقدر أنا أوصله بالسهولة دي؟ ما يمكن الطفل ده مات ولا جرى له حاجة. أنا حعرف منين بس؟ لازم يكون فيه حل تاني.
***
شركة السيدة فادية.
لم يهنأ "عادل" للحظة في البحث عن "مى" ليقوم بعدة اتصالات على مرأى "بدوي" الذي ينتظر التعليمات منه، فقد نحي عقله تمامًا ولم يجد سوى أن يتبع "عادل" بكل خطوة ليخلصه من تلك الورطة.
استكمل "عادل" مكالمته مع أحدهم.
عادل: أيوه يعني إمتى؟ كده كتير. حاول تشد حيلك معايا. ومتقلقش حظبطك. تمام. بس متتأخرش عليا. سلام.
أنهى "عادل" المكالمة ناظرًا نحو "بدوي" الذي لم يكن قادرًا على الجلوس من شدة توتره.
بدوي: ها، قالك إيه؟
عادل: قالي إن المهم إن شريحة التليفون تكون جوه الجهاز ساعتها إنه يوصل لمكانها سهل، لكن لو كانت الشريحة مش في الجهاز بقت صعبة أوي، ساعتها حنستنى منين ما تحطها نقدر نتعقب الشريحة ونعرف هي فين بالضبط. وأول ما يعرف حاجة حيبلغني على طول.
بدوي: والعمل إيه دلوقتي؟
عادل: للأسف مفيش قدامنا غير إننا نستنى شوية لحد ما نعرف مكانها فين بالضبط، ده حتى موضوع الإعلان والمكافأة ده معملش أي نتيجة لحد دلوقتي.
بفكرة طارئة ولأول مرة نطق "بدوي" بفكرة يعرضها على "عادل" صاحب العقل المدبر.
بدوي: طب ما تجرب إعلان في التليفزيون ولا حاجة، يعني إعلان كده على كذا قناة معروفين وكمان توضح الجايزة يمكن حد يقول على مكانها؟
تمعن "عادل" في كلمات عمه التي أصابت هذه المرة.
عادل: تصدق صح، ممكن أعمل كده فعلاً.
***
مساء اليوم التالي.
شقة الحاج خالد.
أم مصطفى: يا "مى"، هاتي الأطباق اللي عندك جوه.
مى: حاضر، أنا جيت أهو.
الحاج خالد: أنا جعان جداً، إنت فين يا "مصطفى"؟ مش حقدر أستنى أكتر من كده.
حاولت "أم مصطفى" أن تحث زوجها على الصبر قليلًا.
أم مصطفى: استنى يا حاج، "مصطفى" جه خلاص أهو.
رفع "مصطفى" أنفه يشتم روائح الطعام الذكية.
مصطفى: إيه الروايح الجميلة دي؟
الحاج خالد: إنت كده بتجوعني أكتر، يلا بقى اتأخرنا أوي في الأكل النهارده.
تناولوا العشاء معًا وسط محادثاتهم وضحكاتهم، أحست "مى" في وسطهم بمعنى الأسرة، كم كانت سعيدة بهذه الأسرة وهذا التجمع.
بعد تناولهم الطعام جلس الجميع يشاهدون فيلمًا مشوقًا.
أم مصطفى: شفتوا اللمة حلوة إزاي؟ ما تسيبك بقى يا "مصطفى"، مش شقة "سيف" وتيجي تقعد معانا يا ابني؟
بإحراج بالغ لما تسببت به من تفرقة عقبت "مى":
مى: أنا عارفة أني بجد تقلت عليكم، بس أنا كلمت "إحسان" وقالتلي إنهم راجعين كمان يومين، فخلاص بقى كفاية إني تقلت عليكم طول الفترة دي، و…
قطع "مصطفى" حديثها بحزم:
مصطفى: تروحي فين! إنتي مش حتمشي من هنا.
كان قرارًا نافذ الوجوب، فلن يتركها بعدما علم ما يحدث معها، لن يتركها تلقي بنفسها لهلاكها بعيدًا عنه، بل يجب أن تبقى معه وإلى جواره لحمايتها.
أم مصطفى: تروحي فين بس، إحنا خلاص أخدنا عليكي معانا، وأهو كمان "مصطفى" يرجع هنا، ومش كل شوية تقول لي تقلت عليكم، ربنا يعلم والله إني…
قاطعهم هذه المرة صوت شخير عالٍ لفت انتباههم جميعًا ليضحكوا بصمت.
فها هو الحاج "خالد" لم يستطع الصمود بعد تعب هذا اليوم الطويل ليغرق في نوم عميق وهو جالس على المقعد الكبير مسندًا رأسه إلى جانب المتكئ الخاص بالمقعد.
بتربيت خفيف نبهته "أم مصطفى":
أم مصطفى: يا حاج "خالد"، يلا يا حاج "خالد" ادخل نام في سريرك أحسن.
انتبه الحاج "خالد" لغفوته وسطهم ليستند مترنحًا.
الحاج خالد: ها، اا صح صح. تصبحوا على خير.
أم مصطفى: وإنت من أهل الخير.
وأثناء استكمالهم مشاهدة أحداث الفيلم قطع الفيلم فاصل إعلاني، لكن هذا الفاصل كان سببًا في ذهولهم جميعًا.
لقد كان إعلانًا بالبحث عن "مى" المفقودة، إعلان يحمل اسمها وصورتها وزاد على ذلك مقولة: "من لديه أي معلومات تفيد في البحث عنها مكافأة مالية خمسون ألف جنيه".
رواية بين يديك الفصل الخامس عشر 15 - بقلم قوت القلوب
ساد صمت قاتل وانتباه شديد وأعين مندهشة فوق وجوه ثلاثتهم وهم يطالعون التلفاز بهذه الفقرة الإعلانيه.
مفاجأة غير متوقعه جعلتهم بحالة من الذهول.
هي علمت من "رضوى" أن "عادل" أعلن بوسائل التواصل عن غيابها، لكنها فوجئت بإعلان على الشاشة أمامهم. فور رؤيتها له أصابها برجفة قوية.
تحولت نظراتها بعد ذلك نحو "مصطفى" ووالدته التي ظهرت الصدمة على وجهها جلياً.
ما اندهش له حقاً هذا المبلغ المالي الضخم للإدلاء فقط بمعلومة عنها، أ لهذه الدرجة يريد الوصول لـ "مى".
بينما كان تعجب "أم مصطفى" من جانب آخر.
لماذا هناك من يبحث عن "مى"، ألا يعلم أهلها إلى أين ذهبت ولماذا.
ترى ما مدى أهمية "مى" لهذا الشخص، أو بمعنى أدق ماذا فعلت "مى".
بعد فترة من الصمت وكل منهم جال في خاطره تساؤلات حول هذا الإعلان الصادم لهم جميعاً، ثم قطعت الصمت "أم مصطفى".
أم مصطفى: هم مين اللي بيدوروا عليكي يا "مى"؟ وإيه المكافأة الكبيرة أوي دي.
ثم أكملت بشك.
أم مصطفى: إنتي هربتي من أهلك ولا إيه.
حركت "مى" رأسها نافية بقوة تبرر ما حدث.
مى: لأ طبعاً يا "أم مصطفى"، أنا ماليش حد فعلاً زي ما قلتلك، أنا أصلاً يتيمة. بس الشخص اللي ضربني ده أكيد هو اللي بيدور عليا عشان ينتقم مني.
لم تكن تنتظر "أم مصطفى" أكثر من ذلك لتصديقها، لتتبدل نبرتها من الشك إلى القلق.
أم مصطفى: يا بنتي بس المكافأة دي كبيرة أوي، وممكن أي حد يشوفك يطمع فيها، وأنا خايفة عليكي بجد.
انتبه "مصطفى" لما قالته والدته للتو لينظر نحو "مى" باهتمام متسائلاً.
مصطفى: إنتي أكيد محدش شافك من الجيران صح.
لمرة أخرى حركت رأسها نفياً ثم أجابته.
مى: لأ، أنا مخرجتش خالص من يوم ما جيت هنا.
توترت "مى" وشعرت بالخوف من رد فعل هذا الإعلان الغير متوقع، فالواقع الذي تعيشه الآن مختلف تماماً عما كانت تظنه بمخيلتها من قبل، بل ولربما تناست "عادل" وما فعله معها وما ينوي فعله.
أحست بالضعف واقتراب الأذى منها مرة أخرى، لم تعد تقدر على الصمود والتظاهر بقدرتها على التعامل مع ذلك، فالوضع أصعب بكثير مما كانت تتخيل.
تسابقت دموعها رغماً عنها متساقطة بحزن تعلن يأسها.
استأذنت منهم "مى" مسرعة قبل ملاحظتهم لها بالبكاء، فيكفي ما تحملته هذه الأسرة بوجودها معهم، ربما تحملوها لكن ليس عليهم تحمل مشكلاتها أيضاً.
تيقن "مصطفى" من داخله أنها ليست على ما يرام، فلحقها بخطواته الطويلة وقد اهتز قلبه لصوت بكائها الضعيف.
أوقفها "مصطفى" ثم وقف مقابلها متسائلاً.
مصطفى: إيه اللي حصل؟ بتعيطي ليه دلوقتي؟ إنتي للدرجة دي خايفة منه.
هزت رأسها نفياً ثم نكست عيناها أرضاً بصمت دون رد.
مصطفى: ارفعي وشك وبصي لي يا "مى".
رفع وجهها بإصبعيه من أسفل ذقنها ليتطلع لعيناها الغارقتان بالدموع وقد اكتسيا باللون الأحمر.
توقفت الدنيا من حوله لتبقى فقط عيناها الحزينة تتحدث.
مى: مش عارفة ليه وأنا معاكم هنا نسيت "عادل" ومشاكله. ودلوقتي بس حسيت إني خايفة. خايفة أكتر ليكون حد شافني وأنا مش واخدة بالي ويبلغه، ساعتها حييجي هنا ويعمل مشكلة. لو عليا أنا مش مهم، بس أنا خايفة عليكم منه أوي. أنا كمان خايفة ياخدوني من هنا.
برفض قاطع لأفكارها وتخبطها، فلا يمكن ولا يجرؤ أحد على التعرض لها وهو معها.
مصطفى: إيه؟ يعني إيه ياخدوكي، مش حيحصل أبداً.
مى: وأنا مش حستنى لما المشكلة تحصل. أنا لازم أمشي من هنا حالاً.
تأهبت "مى" للدخول للغرفة حتى تحضر حقيبتها وتغادر البيت، لكن "مصطفى" أمسكها من ذراعها يلفها نحوه، فهو لن يدعها تتركه وتعرض نفسها لأي أذى بتفكير انفعالي.
تهدج صدره بقوة وقد تحلت نبرته بجدية وجسارة لطالما لمستها فيه خلال الفترة القصيرة التي عرفته بها.
مصطفى: تمشي تروحي فين؟ استحالة تمشي من هنا. اللي يهوب ناحيتك بس ولا يمس شعرة منك حتبقى نهايته على إيدي. ومحدش حيقدر ياخدك من هنا، يا خدوا روحي قبلها الأول.
حمايته لها وقوته سلبت عقلها بلحظة وهامت بإيمائاته المنفعلة وازدادت ضربات قلبها قوة مع عبارته الأخيرة، تلك الضربات التي تعلن ما لم تدركه من قبل، إنها حقاً تحبه. كلماته تقول ذلك أيضاً لكنها تريد سماعها منه صراحة.
أخفضت "مى" من صوتها تحثه على الإيضاح.
مى: حتعمل ده ليه.
في هذا الوقت فقط أدرك "مصطفى" ما هو هذا الشعور الذي يشعر به تجاه "مى"، فهو يحب دائماً الوجود معها، هي الوحيدة التي استقرت في تفكيره دون غيرها، هي التي تربعت فوق عرش قلبه دون استئذان. لم يكن لذلك سوى معنى واحد فقط، إنه يحبها.
فور إعلان عقله لهذا تعالت ضربات قلبه داخل أضلاعه لينطق بالكلمة التي لم يتخيل أنه سوف ينطقها يوماً.
غرق ببحر عيناها بهيام وهو يجيبها بصوته الأجش.
مصطفى: ليه؟ عشان بحبك يا "مى".
تراقص قلبها فرحاً وهي التي كادت تنفطر من البكاء منذ لحظات. هل هي تحلم بحلم جميل؟ هل هي تحب حقاً؟ هل هكذا يكون مذاق الحب؟ إن قلبها لم يدق ولم يحب من قبل، هذا ما تيقنت منه الآن فقط.
فحتى ما ظنت أنه حب لـ "عادل" لم يكن حباً على الإطلاق، فشعورها وتفكيرها بـ "مصطفى" شيء آخر، شعور لا مثيل له ولا يقارن بغيره، له حلاوة لم تشعر بها من قبل وله رهبة ترجف بقلبها داخل ضلوعها.
تناست بكائها لتبتسم بخفة وهي تهمس.
مى: بتحبني.
تهدلت ملامحه المنفعلة ليهيم عشقاً بتلك الصغيرة التي خطفت قلبه قبل عيناه.
مصطفى: أيوه بحبك، مش عارف إمتى وإزاي بس بحبك. ومش حاسمح لأي مخلوق في الدنيا دي يمسك. خليكي واثقة في ده. دموعك دي غالية على قلبي أوي، مش عايز أشوف الدموع دي في عنيكي تاني.
توردت وجنتاها بخجل لتنكس رأسها قليلاً، فهي غير معتادة على تلك اللحظات التي تلهب بمشاعرها.
مصطفى: مالك سكتي كده ليه؟ أنا كلامي ضايقك في حاجة.
مى: ضايقني! استحالة طبعاً، أنا كمان ااا.
مصطفى: إنتي كمان إيه.
قالها "مصطفى" يتمنى سماعها منها، يتوق بشدة للحظة تبادله بها نفس الشعور.
مى بخجل: أنا ااا بحبك، بس خايفة. لتحصل حاجة وتبعدني عنك.
إشرأب عنقه ولاحت علامات السعادة على وجهه لتشرق عيناه ببريق حالم.
مصطفى: مش عايزك تخافي وأنا معاكي أبداً. إدخلي إنتي ارتاحي دلوقتي وأنا حطمن أمي وأروح شقة "سيف" أجيب حاجتي من هناك وأرجع لكم الصبح.
أومات له بالتفهم ليتحرك مبتعداً متجهاً نحو والدته القلقة التي مازالت تنتظر بغرفة المعيشة. وبعد أن أوضح لها "مصطفى" أن كل شيء على ما يرام عاد لشقة صديقه "سيف" لقضاء آخر ليلة بها ويلملم بقية ملابسه ويعود إليهم بالصباح ليبقى إلى جوارها حتى تطمئن.
كادت "مى" تحلق عالياً من فرحتها التي كانت جديدة عليها. إحساس رائع يجتاح قلبها لتبقى مستيقظة طوال الليل تعيد بعقلها كلمات "مصطفى" الرقيقة واعترافه بحبه لها.
لم تستطع إخفاء تلك السعادة عن نفسها وقلبها وأرادت مشاركتها مع أحد، لم تفكر سوى بـ "رضوى" صديقتها المقربة.
أسرعت نحو الخزانة مخرجة منها حقيبتها ممسكة بهاتفها المغلق لتتصل على الفور بـ "رضوى" لتشاركها فرحتها.
مى: "رضوى" وحشتيني.
رضوى: "مى"! إنتي فين يا "مى"؟ حاولت أكلمك كتير تليفونك مقفول.
ضحكت "مى" من جدية "رضوى" الغير معتادة.
مى: بالراحة شوية عليا، فيه إيه مالك.
رضوى: كنت عايزة أوصلك بأي شكل معرفتش.
إعتدلت "مى" متسائلة بقلق.
مى: فيه إيه قلقتيني. ماما "فادية" كويسة.
بتردد شديد أجابتها "رضوى".
رضوى: آه كويسة. بس.
مى: بس إيه متقلقينيش بقى واتكلمي على طول.
إهتز صوت "رضوى" برجفة قوية كما لو أنها تبكي لتجيبها باحتقان معتذرة منها بشدة.
رضوى: أنا آسفة يا "مى"، والله غصب عني.
لم تعد "مى" تحتمل كل هذا الغموض والتوتر بكلماتها لتهتف بقله صبر.
مى: مش معقول بجد حتموتيني. اتكلمي.
رضوى: "عادل" جه هنا وضغط عليا جامد وهددني إنه ممكن يؤذيني أنا وبابا وماما واضطريت أديله رقمك. سامحيني يا "مى" والله معرفتش أعمل إيه وخفت منه أوي.
إبتلعت "مى" ريقها بغصة علقت بحلقها قائلة بخفوت.
مى: كنت عارفة إن فرحتي دي ليها ثمن وثمن غالي أوي كمان. فرحتي بوجودي هنا نستني "عادل" واللي ممكن يعمله. أهو دلوقتي "عادل" ممكن يعرف مكاني بسهولة.
رضوى: إزاي يعني، قصدك إيه.
يكفيها ما تشعر به من ذنب لما أجبرت عليه لتجيبها "مى" باقتضاب، فلا تريد أن تشعرها أن ما فعلته سيؤذيها بالتأكيد.
مى: لا ميهمكيش، سيبيني بقى دلوقتي أفكر وأشوف حعرف أتصرف إزاي.
رضوى: ملهاش غير حل واحد يا "مى"، اكسري الشريحة دي وسيبى البيت اللي إنتي فيه ده فوراً قبل ما يلاقيكي.
مى بصدمة: أسيب البيت ده.
رضوى: وهي ليها حل تاني.
مى باختناق: خلاص يا "رضوى"، سيبيني دلوقتي، سلام.
أنهت مكالمتها بشعور على النقيض تماماً مما بدأتها به. تفكرت كثيراً ولم تجد سوى حل واحد وشخص واحد فقط كلما وقعت بمشكلة يحل طيفه بعقلها على الفور، إنه "مصطفى".
تسللت بخفة لغرفة المعيشة لتخرج رقم "مصطفى" من هاتف والدته ثم عادت الغرفة مرة أخرى لتحدثه وتخبره بما حدث.
***
بيت عادل.
بخلاف تلك العيون الساهرة كان "عادل" يغط بنوم عميق حين دق هاتفه يكسر صوت صمت الليل ليستيقظ بتثاقل ينظر نحو شاشة هاتفه بنصف عين مفتوحة.
ضغط بزر بدأ المكالمة قائلاً بصوت يغلبه النعاس.
عادل: هااا.
إعتدل "عادل" على الفور وهو يحرك رأسه بقوة ليستفيق وينتبه لما يقال له.
عادل: قول تاني كده معلش.
الرقم اللي إنت طلبت مني أتعقبه. اتفتح النهارده وهو في اسكندرية. خد بقى العنوان بالتفصيل.
كاد يقفز فرحاً وهو يهتف بقوة.
عادل: حبيبي، المبلغ اللي اتفقنا عليه حيكون عندك الصبح. سلام.
أنهى المكالمة لتشع عيناه ببريق خبيث للغاية.
عادل: حنشوف مين اللي حيضحك في الآخر يا "مى". بس يا ترى مين اللي راحت لهم في اسكندرية دول؟ دي مالهاش حد هناك خالص. بس مش مهم. أخيراً، بكرة حتبقى هنا تحت رجليا.
ثم أكمل ساخراً.
عادل: يا "مى" هانم.
اتصل "عادل" بـ "بدوي" ليخبره بالأخبار السعيدة وأنه قد توصل إلى "مى" وأن عليهم السفر بالصباح الباكر إلى الإسكندرية.
***
مى.
بعد أن استمعت لصوت الاتصال لبعض الوقت استمعت لصوته بالطرف الآخر.
مصطفى: ألو.
مى: أسفة صحيتك من النوم.
مصطفى: مين معايا.
مى: أنا "مى".
مصطفى: إنتي معاكي تليفون. أول مرة أعرف.
مى: الشريحة دي والدتك اديتهالي. بس. ااا. مش دي المشكلة دلوقتي.
مصطفى: إيه اللي حصل.
مى: الرقم ده كنت كلمت منه "رضوى" صاحبتي و. "عادل" عرف ياخده منها. وأكيد زمانه عرف مكاني. مش عارفة أعمل إيه يا "مصطفى".
مصطفى: قلت لك متخافيش. أنا جاي دلوقتي. حالاً. سلام.
أنهت المكالمة وهي غير مصدقة لما يحدث بحياتها وإلى متى ستكون حياتها متعبة إلى هذا الحد، ألم يحن الأوان لراحتها وسعادتها. لكنها شعرت بأمل بوجود "مصطفى" إلى جوارها.
بعد قليل من الوقت. وصل "مصطفى" لبيت والديه ليجد "مى" جالسة بغرفة المعيشة فجلس إلى المقعد المجاور لها متفكراً باهتمام.
مصطفى: الحل الوحيد دلوقتي إننا نروح نبلغ الشرطة بالفيديو اللي معاكي ده. ده يعتبر دليل واضح على مؤامراتهم.
مى: بس.
مصطفى: مفيش بس. ده اللي كان لازم يتعمل من الأول.
ابتسم "مصطفى" ابتسامة جانبية وأكمل.
مصطفى: بس تعرفي. إنتي لو كنتي سلمتي الفيديو ده للشرطة أول ما هربتي منه، ولا كنتي جيتي هنا ولا شفتك. ده كأن الحكاية دي كلها عشان بس نتقابل.
مى: تصدق صح. بس أنا أخاف أعمل كده لوحدي.
مصطفى: متقلقيش. أنا جاي معاكي طبعاً نقدم البلاغ.
مى: مش عارفة من غيرك كنت عملت إيه.
مصطفى: ادخلي دلوقتي ارتاحي وأنا حاقعد هنا.
مى: مش حتنام إنت كمان.
مصطفى: باقي على الفجر وقت قليل أوي حصلي الفجر وبعدين أنام.
مى: تصبح على خير.
مصطفى: وإنتي من أهل الخير.
جلس "مصطفى" على المقعد مسنداً رأسه للخلف وأغمض عيناه منتظر سماع الأذان وفجأة شعر بأحدهم يضع كفه فوق كتفه.
إنتفض "مصطفى" بقوة قائلاً.
مصطفى: ماما.
أم مصطفى: بسم الله عليك يا حبيبي. إنت نايم هنا كده ليه مش إنت كنت رحت تبات في شقة "سيف". إيه اللي رجعك تاني كده. حصل حاجة ولا إيه.
مصطفى: لأ أبداً. رحت جبت حاجتي وهدومي ورجعت عشان أبقى جنبكم. وقلت أصلي الفجر الأول وبعدين أنام.
أم مصطفى: ربنا يبارك فيك ويحفظك يا ابني.
إعتدل "مصطفى" بجلسته ليتحلى بجدية وتوتر بذات الوقت.
مصطفى: ماما. كنت عايز أكلمك في موضوع ضروري. كويس إنك صحيتي دلوقتي.
أم مصطفى: خير يا حبيبي.
مصطفى: خير إن شاء الله. أنا عايز أطلب طلب.
أم مصطفى: اطلب يا نور عيني.
مصطفى: الصراحة. أنا عاوز أتجوز "مى". وكنت مستني اليومين دول يعدوا وأخد رأيك إنتي وبابا. وبما إننا قاعدين لوحدنا فقلت أستنهز الفرصة وأكلمك. إيه رأيك.
تهلل وجه "أم مصطفى" بسعادة، فقد أحبت هذه الفتاة وودت بالفعل هذا من صميم قلبها.
أم مصطفى: والله يا ابني أنا حبيت "مى" كأنها بنتي بالظبط. وكنت عايزة أفاتحك في الموضوع ده. بس قلت أستنى شوية أشوفك لو كنت ميال ليها ولا لا. لكن.
أنهت "أم مصطفى" عبارتها بتوجس.
مصطفى: لكن إيه.
أم مصطفى: مش تستنى شوية يا ابني لحد ما نشوف المشكلة اللي هي واقع فيها دي إيه بالظبط. هي متكلمتش خالص. وإحنا مش عارفين عنها حاجة. أنا خايفة تكون مشكلة كبيرة وتورطك معاها.
مصطفى: متقلقيش يا ماما. "مى" حكت لي كل حاجة بالتفصيل. وعرفت إيه المشكلة بالضبط. وإن شاء الله حساعدها في حلها وميحصلش مشاكل ولا حاجة.
إقتضبت حاجبيها قائلة.
أم مصطفى: حكت لك إمتى؟ وليه مقولتليش إيه اللي حصل.
مصطفى: والله يا ماما هي ائتمنتني على السر وأنا مقدرش أتكلم. دي أمانة.
أم مصطفى: أيوه يا ابني عارفة. بس إنت اطمنت من ناحيتها يعني.
مصطفى: أيوه يا ماما. متقلقيش.
أم مصطفى: لو كده يا ابني. فـ "مى" نِعم الأخلاق والتربية. بنت ما شاء الله عليها أدب وأخلاق وجمال. ده غير نفسها الطيبة. ربنا يكتبهالك من نصيبك يا ابني. عموماً أنا حكلم لك أبوك في الموضوع ده وأخد رأيه.
مصطفى: ربنا يخليكي لي يا ماما.
إنتبهت "أم مصطفى" لأذان الفجر لتنبه ولدها أيضاً للصلاة.
أم مصطفى: هاااه. الفجر أذن أهو. يلا نتوضى ونصلي وترتاح لك شوية.
بعد أن صلى "مصطفى" غفا قليلاً فوق الأريكة بغرفة المعيشة حتى استيقظ على صوت نغمة المنبه الذي وضعه على الساعة الثامنة.
إستفاق متجهاً لغرفة "مى" ليوقظها هي أيضاً لكنها بقيت متيقظة طوال الليل جالسة بانتظار الصباح لمرافقة "مصطفى" لقسم الشرطة كما اتفقا.
مصطفى: "مى". إنتي صاحية.
فتحت "مى" الباب لمقابلته.
مى: أنا صاحية.
مصطفى: تمام. يلا جهزي نفسك عشان ننزل.
مى: حاضر.
بعد أن بدلت ملابسها اتجها لقسم الشرطة بدون تأخير للإبلاغ عن "عادل".
***
في الطريق.
بسرعة جنونية قاد "عادل" سيارته برفقة "بدوي" للذهاب للعنوان الذي توجد به "مى".
تشبث "بدوي" بكفيه بجانبي المقعد قائلاً.
بدوي: خفف سرعتك يا "عادل" حتقتلنا.
عادل: مش قادر أصبر يا عمي. خلاص أهو. دخلنا من مدخل اسكندرية. عايز أوصل لها بأقصى سرعة.
بدوي: براحة شوية يا "عادل". أنا مقدرش أتحمل السرعة العالية دي.
عادل: لا. استحمل شوية. مش حهدي السرعة.
لن يتوقف أو يبطئ من سرعته، فبينه وبين إنقاذ نفسه ما هي إلا دقائق تفصله عن الإمساك بـ "مى".
رواية بين يديك الفصل السادس عشر 16 - بقلم قوت القلوب
تقدمت "مى" و"مصطفى" ببلاغ للنائب العام، والذى ساعدهما به ضابط الشرطة المتواجد بالقسم ليستفسر عن تفاصيل البلاغ.
الضابط: الموضوع ده حصل من إمتى بالظبط؟
مى: تقريباً حوالى أربعة عشر يوم.
تطلع نحوها الضابط بإستغراب لتأخرها كل ذلك الوقت حتى تتقدم بإبلاغهم.
الضابط: أربع عشر يوم!!! ومجيتيش ليه من يومها تقدمى البلاغ؟
لحقها "مصطفى" موضحاً حتى لا يظن الضابط أنها تدعى ما حدث كذباً.
مصطفى: حضرتك هى كانت خايفة تتكلم، خايفة من "عادل" ده، بس أول ما عرفنا بالقصه دى كلها نصحناها إنها تيجى تقدم البلاغ.
الضابط: وفين الكاميرا إللى إنتى صورتى بيها؟
مى: معايا أهى، إتفضل.
مدت "مى" يدها بداخل الحقيبة مخرجة الكاميرا الخاصة بها لتمدها نحو الضابط.
شاهد الضابط الفيديو ووضع الكاميرا ضمن الأدلة المثبتة فى البلاغ، وقرر إصدار مذكرة بالقبض على كل من "عادل" و"بدوى" لتآمرهما على الاستيلاء على أموال السيدة "فادية"، كذلك وجه لهما تهمة اختطاف "مى" وضربها، ثم أرسل نسخة من هذه المذكرة بالفاكس للقاهرة.
الضابط: دلوقتى إحنا بعتنا الفاكس وإن شاء الله فى أقرب وقت حيتقبض عليهم.
أراد "مصطفى" حماية "مى" الكاملة حتى لا يعترض لها "عادل" بسوء.
مصطفى: بس إحنا متوقعين إن إللى إسمه "عادل" ده يكون عرف مكان "مى"، وممكن يقدر يوصلها هنا فى أى وقت.
الضابط: طيب، حبعت معاكم حد من أفراد الأمن يحرس البيت النهارده لحين القبض على "عادل" و"بدوى".
مصطفى: شكراً يا فندم.
الضابط: العفو على إيه، ده واجبنا.
بعد أن سجل "مصطفى" عنوانهم كاملاً لإرسال أحد أفراد الشرطة لحراسة "مى" اليوم لحين القبض على "عادل"، خرج اثناهما من القسم ليتخذا طريق العودة سيراً على الأقدام.
توقف "مصطفى" لتتبعه "مى" دون فهم لم توقف الآن لينظر إليها قائلاً.
مصطفى: تعالى معايا نشترى حاجة ضرورية أوى.
مى: حاجة إيه؟
أردف "مصطفى" مفاجئاً إياها وهو يطالع رد فعلها بترقب.
مصطفى: الدبل.
مفاجأة سارة للغاية لم تكن بالحسبان لتندهش "مى" تماماً متسائلة بدهشة.
مى: نعم!!!
هام "مصطفى" بعيناها الواسعتان بإندهاش قائلاً بدون تفكير.
مصطفى: بدون مقدمات، "مى"… تتجوزينى؟
لم يكن لينتظر أكثر من ذلك لتومئ له "مى" بسعادة وعدم تصديق لمفاجأته لها.
مصطفى: أفهم من كده إنك موافقة؟
مى بخجل: أيوة.
اشتعل وجه مى احمراراً بخجل لتتعالى ضربات قلبها بسعادة شاركها بها "مصطفى" فيبدو أن الحياة تدير له وجهها السعيد أخيراً.
مى لنفسها: عمري ما حسيت فى حياتي إني مبسوطة كده، يا رب تم فرحتي على خير يا رب.
توجها لأحد محلات الصاغة وقاما بشراء محبسين لإتمام خطبتهما حين عودتهم إلى البيت.
وفى طريق عودتهم إلى البيت نظر "مصطفى" مطولاً بنهاية الطريق لتقع عيناه على فرد الشرطة قادماً نحوهم.
استأذن "مصطفى" من "مى" ليرشد الشرطي لبيتهم.
مصطفى: خليكى هنا ثوانى يا "مى"، حروح للعسكري أجيبه شكله مش عارف البيت.
مى: تمام، مستنياك.
تحرك "مصطفى" نحو الشرطي موضحاً له أين تقع البناية التي يقطنون بها ليلتفت خلفه بفزع حين سمع صوت صرخة "مى" المدوية.
اتسعت عيناه بتخوف وهو يرى رجلان يمسكان بـ"مى" يدفعانها بقوة تجاه إحدى السيارات في حين أنها تتلوى بين أيديهم تحاول التملص منهم وسط صرخاتها واستنجادها بالمارة من حولها.
وضع أحدهما كفه بقوة فوق فمها محاولاً كتم صوتها الرنان بمحاولة فاشلة منهم لإنهاء هذا الأمر.
أسرع "مصطفى" راكضاً نحوها بأقصى قوة يلحقه الشرطي أيضاً لإنقاذها من بين أيديهم.
حاول "مصطفى" تخليص "مى" من يد "عادل" المتمسكة بها بقوة ثم دفعه أرضاً بعيداً عنها.
تركها من خلفه لينقض عليه وهو يدير ذراعه خلف ظهره بقوة جعله غير قادر على الحركة، بينما استدعى الشرطي بعض زملائه الذين حضروا على الفور لإلقاء القبض على "عادل" و"بدوى" والتحرك بهم إلى قسم الشرطة.
عاد "مصطفى" نحو "مى" المصدومة من "عادل" وإمساكه بها ليدنو منها قليلاً يطمئنها بأن كل شيء مر وهي الآن على ما يرام.
مصطفى: "مى"، إنتى كويسة؟ اهدى.
شعرت بأن جسدها كله كلوح من الثلج مرتجفة من الفزع والصدمة.
مصطفى: متخافيش يا "مى"، خلاص الشرطة قبضت عليهم، اطمنى، متقلقيش طول ما أنا جمبك، عمري ما حسيبك أبداً.
مى: أنا… خفت… أوووووى… يا… "مصطفى".
مصطفى: الحمد لله، خلاص اتقبض عليهم وانتهينا منهم، الحمد لله إننا بلغنا عنهم النهارده.
مى: وحنعمل إيه دلوقتى؟
مصطفى: إحنا لازم نرجع القسم، عشان نشوف حيعملوا معاهم إيه.
عاد "مصطفى" و"مى" إلى قسم الشرطة مرة أخرى لاستكمال التحقيق مع "عادل" و"بدوى" والاطمئنان أنه سوف يتم حبسهما وألا يتعرضا لـ"مى" مرة أخرى فيكفيها ما حدث منهم حتى الآن.
***
فى قسم الشرطة.
بتفاجئ تام لما حدث وقف "عادل" مندهشاً غير مصدقاً لأنه قد تم القبض عليه حين وجه إليه الضابط أسئلته.
الضابط: إيه رأيك فى الاتهامات الموجهة إليك يا "عادل"؟
رد متمرساً لتلك المواقف كما لو أنه تم القبض عليه من قبل.
عادل: مش حتكلم إلا فى وجود المحامي بتاعي، "مى" دي كدابة وبتتبلى عليا، ومعنديش تاني كلام أقوله.
الضابط: حقك، وأنصحك إنك تلحق تجيبه بسرعة لأنك مش خارج من هنا.
ثم وجه الضابط حديثه للشرطي من جانبه يمليه أمره.
الضابط: يتم حجز المتهم أربعة أيام على ذمة التحقيق.
اصطحبه الشرطي لغرفة الاحتجاز فيما أدخل "بدوى" بدوره لبدأ التحقيق معه وكان ذلك يسيراً للغاية بخلاف ابن أخيه فـ"بدوى" من ذوي الشخصية المهتزة والذي ما أن تم القبض عليه وكان بتوتر تام وأعصاب متلفة.
الضابط: إيه رأيك فى البلاغ المنسوب إليك والذي بتتهمك فيه الآنسة "مى صلاح" بالتآمر للاستيلاء على أموال السيدة "فادية متولي" وخداعها بالإضافة إلى تهمة الخطف والضرب.
ارتبك "بدوى" وتصبب عرقاً وضاعت منه الكلمات وشعر بالورطة التي أقحمه بها "عادل".
أكمل الضابط: ولعلمك إنكارك ده مش حيفيد، واعترافك حيخفف عنك الحكم.
لم يدرك بم يجيب، أهو مورط إلى هذا الحد.
بدوى: طب هو "عادل" قالكم إيه؟
الضابط بحدة: نعم، جاوب يا متهم.
ازداد اضطرابه وتخوفه بعد صراخ الضابط بحدة لينهار معترفاً دون أي ضغط.
بدوى: لالالالالا، لا يا باشا، أنا ماليش دعوة، ده كل ده من تفكير "عادل"، هو اللي خطط ونفذ، أنا معملتش حاجة خالص، هو اللي كان عايز ياخد فلوس المدام ويجيب حد يمثل إنه ابنها، وهو كمان اللي جاب "مى" عندي في الشقة وحبسها، أنا لا قلت له يعمل حاجة ولا عملت أي حاجة خالص، احبسوه هو يا باشا.
ابتسم الضابط برضا فاعتراف "بدوى" ثبت عليهم الادعاء ونال هو ما يريده بهذا التحقيق.
الضابط بارتياح: تمام أوي، بالراحة كده وواحدة واحدة، عايزك تحكي لي كل حاجة بالتفصيل.
وبحنكة ضابط ماهر للغاية استطاع أن يستخلص من "بدوى" كل ما حدث بالتفصيل وبناء عليه تقرر حبسهم احتياطياً لعرضهم على وكيل النائب العام.
***
مى ومصطفى.
مع رؤيتها لـ"عادل" في البداية وقد تعلق ذراعه بكف الشرطي يصطحبه لغرفة الاحتجاز بعد القبض عليه شعرت "مى" بالقوة والانتصار لترفع بصرها تجاه بطلها المغوار بانبهار تام.
مى: عمري ما كنت أتخيل إني ممكن أوصل للي أنا فيه هنا وإن حقي يجيلي بالصورة دي من غيرك يا "مصطفى".
مصطفى: "مى"، أنا مش بعمل كده عشان مستني منك كلمة شكر، أنا فعلاً خايف عليكي حاسس إنك مسئولة مني، الحمد لله إنها جت على قد كده.
مى: فعلاً، الحمد لله.
مصطفى بابتسامة: عشان تفكري بعد كده وتبطلي تعملي مقالب تاني.
رفعت كفيها بطريقة مازحة للغاية.
مى: توبة والله أعيدها تاني، خلاص حرمت.
مصطفى: بس واضح إن الجو هنا عاجبك أوي، إيه حنفضل واقفين هنا كتير ولا إيه، مش ناوي تروحي بقى؟
ضحكت "مى" مشاركة "مصطفى" بروحه الخفيفة ليخرجا بعد ذلك من قسم الشرطة عائدين إلى بيتهم.
***
بيت الحاج خالد.
خروج "مى" و"مصطفى" بتلك الصورة وتأخرهم لهذا الوقت جعل القلق يتوغل بقلب والدي "مصطفى" بصورة بالغة وشعرا بأن هناك أمر ما عليهم الحذر منه.
فور وصولهم إلى البيت هبت "أم مصطفى" تجاههم متسائلة بقلق.
أم مصطفى: إنتم كنتم فين قلقتوني عليكم من الصبح؟
مى: متقلقيش خالص يا "أم مصطفى".
ثم نظرت إلى مصطفى بفخر مستطردة.
مى: "مصطفى" ساعدني إننا نبلغ على الشخص اللي ضربني ده والشرطة خلاص قبضت عليه.
مصطفى: مش وقته خالص الكلام ده، عندنا حاجة أهم من كده بكتير.
التفت نحوه "مى" و"أم مصطفى" يتساءلان بنفس الوقت.
_إيه هو؟
مصطفى: إنتوا بتبصوا لي كده ليه، إنتوا نسيتوا ولا إيه؟ مش أنا كلمتك يا ماما في موضوع الصبح؟
أنهى عبارته غامزاً بعينيه اليمنى لتنتبه له "أم مصطفى" لتومئ بتفهم لقصده لتنتقل بعينيها تجاه "مى" التي توهج وجهها بحمرة خجلها منكسة وجهها قليلاً.
أم مصطفى: إيه هي العروسة موافقة، والسكوت علامة الرضا ولا إيه؟
مى بابتسامة خجلة: متكسفينيش بقى يا "أم مصطفى".
أم مصطفى: ربنا يسعدكم يا ولادي يا رب، بيتهيأ لي مفيش حد فرحان أكتر مني النهارده.
سمعهم الحاج "خالد" الذي قد أخبرته زوجته عن رغبة "مصطفى" بالزواج من "مى" ليردف حين اقترب منهم آتياً من الداخل.
الحاج خالد: لا فيه، أنا.
مصطفى: ربنا يخليكوا ليا وميحرمنيش منكم أبدا.
الحاج خالد: والله يا بني وعرفت تختار، مبروك يا بنتي، ربنا يسعدكم يا رب.
بحماس وتلهف قالها "مصطفى".
مصطفى: طب إحنا مستنيين إيه بقى.
تهلل الجميع من الفرحة من قرار خطبتهما زاد ذلك حين أخرج "مصطفى" علبة من القطيفة من جيبه ماداً أصابعه يفتحها ليشع بريقها المفرح بأعينهم حين وقعت أعينهم على المحبسين.
التقط "مصطفى" إحداهما وهو يمد يده تجاه كف "مى" المرتبكة للغاية.
مصطفى: مبروك، أنا عارف كان لازم نعمل حفلة ونفرح فيها بس الظروف هي اللي حكمت وإن شاء الله نروح عند مدام "فادية" ونتمم الخطوبة رسمي وأعوضها لك باللي يفرح قلبك.
ثم مال على أذنها بهمس.
مصطفى: مبروك يا روح قلبي، مبروك عليا وجودك منورة في حياتي.
ابتسمت بحياء ومدت يدها داخل العلبة القطيفة لتخرج منها محبسه الفضي بطرف إصبعها وتحاول إمساك يده بطرف أصبعيها لتلبسه إياه.
مى بخجل: مبروك.
مصطفى بمكر: بس كده.
مى: أمال عايز إيه يعني.
قالت جملتها وأسرعت نحو غرفة "مصطفى" فلم تعد تتحمل خجلها بوجوده.
***
ظروف معيشتهم الضيقة للغاية جعلت والده يسأله بقلة حيلة.
الحاج خالد: إنت نويت على إيه يا ابني؟
مصطفى: والله يا حاج، أنا لسه هرتب أفكاري الأول عشان أشوف مكان مناسب نتجوز فيه، لأن مينفعش نقعد هنا، وربنا يقدرني أقدر ألاقي حاجة مناسبة لامكانياتي، بس المهم الأول لازم نروح للست اللي ربتها نستأذنها ونتمم الخطوبة.
كم أراد الحاج "خالد" أن يكون من الآباء باسطي اليد والرزق ليساعد ولده بزواجه لكن اليد قصيرة للغاية بل كان دوماً "مصطفى" يسدد ديونهم ويساعد بمعيشتهم أيضاً، وهو يدرك تماماً أن "مصطفى" سيعاني بشدة لتجهيز شقة صغيرة للزواج بها.
الحاج خالد: أنا عارف إن الدنيا غالية أوي برة وعموماً لو حبيت تقعد معانا هنا نجهز الشقة ونقعد سوا.
مصطفى: لسه مش عارف، بس مش حابب أضايق "مى"، كل بنت محتاجة بيتها لوحدها، هي دي فرحتها وكفاية اللي هي اتحرمت منه، مش عايز أحرمها من حاجة تاني، ربنا يدبرها، متشلش هم يا حاج.
أم مصطفى: ربنا يتم لك على خير يا ابني. إلا صحيح، هو النهارده كام في الشهر؟
الحاج خالد: خمسة وعشرين، بتسألي ليه؟
أم مصطفى: يووه، نسيت فرح بنت "شاديه" النهارده، أنا لازم أروح أبارك لبنتها.
وتحركت "أم مصطفى" بعجالة للذهاب إلى جارتهم لتبارك لها على زفاف ابنتها.
ضحكة لاحت بثغرهما لما تفعله "أم مصطفى" دوماً.
الحاج خالد: عمرك ما حتتغيري يا "أم مصطفى".
انتبه "مصطفى" لتاريخ اليوم، فاليوم هو يوم ميلاد "مى" فقد انتبه له اليوم عند رؤيته لبطاقتها الشخصية عندما كانوا بقسم الشرطة.
مصطفى لنفسه: أعمل إيه دلوقتي، نفسي أفرحها بأي حاجة، بس ده أنا كل اللي كان باقي معايا جبت بيه الدبل.
ثم خطرت فكرة برأس "مصطفى" ليدلف سريعاً إلى غرفة والديه قبل أن يغادر البيت كلياً.
بعد حوالي ساعة.
عاد مصطفى إلى البيت ليجدهم جميعاً متجمعين بغرفة المعيشة بعد عودة "أم مصطفى" من مباركتها لجارتهم وجلست تحكي لهم ما رأته في تجهيزات الزفاف متمنية لـ"مصطفى" و"مى" الفرحة بزفاف مثله.
انتبهوا لـ"مصطفى" جميعاً حين سألته والدته.
أم مصطفى: إنت كنت فين جيت ملقتكش، شوف جبتلك معايا إيه من الفرح، شيكولاتة، دي الست "شاديه" بعتهالك مخصوص.
ثم نظرت نحو "مى" موضحة لها.
أم مصطفى: من كتر حب "مصطفى" للشيكولاتة من صغره بقى كل الناس حبايبنا اللي هنا عارفين قد إيه هو بيحبها، ومتجيش مناسبة إلا ولازم يبعتوا له الشيكولاتة مخصوص.
انتبهت "أم مصطفى" أنه يخفي شيئاً ما خلف ظهره لتسأله عنه مما يجعلهم جميعاً ينتبهون له بفضول.
أم مصطفى: إيه اللي إنت مخبيه ورا ضهرك ده؟
مصطفى: دي هدية بسيطة كده لـ"مى"، أنا عرفت إن عيد ميلادك النهارده، كل سنة وإنتى طيبة.
اندهشت "مى" فرحة باهتمام "مصطفى" فهي لم تتذكر إطلاقاً أن اليوم هو يوم ميلادها.
تقدم "مصطفى" نحوها بحب ومد لها يده بهدية ملفوفة بشكل جميلة وشريط أحمر كبير.
مصطفى: معرفتش أجيب لك إيه، فدي حاجة بسيطة بس عزيزة على قلبي أوي.
مى: شكراً، شكراً ليكم كلكم بجد على كل اللحظات الحلوة اللي قضيتها هنا معاكم.
مصطفى: إيه بقى مش حتفتحي الهدية وتقوليلي رأيك؟
تطلعت "مى" للهدية بسعادة بالغة ومدت يدها وبدأت في فتحها.
لكن ملامح وجهها تبدلت تماماً للعبوس بشكل ملحوظ لاحظه الجميع متسائلين بداخلهم لم تضايقت "مى" لهذا الحد.
مى بصدمة: إيه ده؟
رواية بين يديك الفصل السابع عشر 17 - بقلم قوت القلوب
هديه صادمه …
هديه غير متوقعه إطلاقاً بل وصادمه لها، كيف يمكن ذلك، كيف يعقل… هكذا قالت لنفسها وهي تنظر بداخل العلبة.
عبوس وجهها الشديد جعلهم يناظرون بعضهم البعض، حين تطلع الحاج خالد بولده وأم مصطفى أيضاً ببعض نظرات الاتهام، فلابد أنه قد أحضر لها شيئًا سيئًا للغاية.
حين هتفت بتجهم بالغ قائلة:
مى: إيه ده…؟؟؟
ضم الحاج خالد شفتيه بحرج من هدية مصطفى لها دون حتى معرفة محتواها. علت عيني مصطفى نظرة عدم فهم، فهو حقيقة لا يدري ماذا بها هديته.
نظرت مى إلى محتوى العلبة أكثر من مرة في ذهول وصدمة مما تراه عيناها. دارت بعينيها بينهم دون أن تنطق بكلمة، لكن نظراتها كانت تحمل العديد من الأسئلة والدهشة معًا.
بتوجس من عدم قبول مى لهديته الغالية.
مصطفى: إيه يا مى… للدرجة دي مش عاجباكي الهدية…؟؟
مى: إنت… إنت…!!!!!
مصطفى: فيه إيه… أنا إيه…؟؟
مى: إنت جبت دي منين…؟؟
مصطفى: جبتها منين يعني إيه…؟؟ ده بتاعتي من وأنا صغير… وملقتش أغلى منها على قلبي علشان أقدمها لك هدية.
مدت مى يدها إلى داخل علبة الهدايا مخرجة منها سلسال فضي مميز للغاية به نقوش يدوية رائعة لتقع عيونهم جميعاً على تلك الهدية التي سببت لها كل هذا الإزعاج.
ضيقت حاجبيها بعدم تصديق.
مى: بتاعتك…؟؟!!!!
بدلت نظراتها إلى أم مصطفى كما لو تطلب منها تأكيد ذلك.
أم مصطفى: أيوه يا بنتي بتاعته… مالك إيه اللي حصل…؟؟
اقتربت منه مى تدور بوجهها تتفحص ملامحه كأنها تراه لأول مرة ثم قالت:
مى: طب إزاي ده…؟؟ دي نفس السلسلة بتاعة أسامة ابن ماما فادية.
عقص مصطفى أنفه بعدم فهم ليشك بالأمر.
مصطفى: إزاي يعني…؟؟
وبتلك اللحظة ضغطت مى على الزر الخفي بالسلسال الفضي ليفتح بشكل مفاجئ ليُظهر إتقان تصميمه الفني بوجود حفر بارز داخل السلسال منقوش به اسم أسامة بهذا التجويف الذي يراه مصطفى لأول مرة.
اقترب مصطفى بعد حركة مى المفاجئة ممسكاً بالسلسال بيده وهو يتفحصه بدقة ليجد بالفعل نقش باسم (أسامة) بداخل السلسال. اضطراب يجتاح نفسه ليحرك رأسه نافياً ذلك، فهو ابن أبويه هؤلاء وليس لغيرهم.
مصطفى: يعني إيه… أنا مش فاهم حاجة…؟؟
صمتت مى قليلاً تتابع اندهاشه ومفاجئته ورفضه أيضاً ثم قالت:
مى: يعني لو دي السلسلة بتاعتك من وإنت صغير زي ما بتقول… يبقى إنت أسامة ابن ماما فادية… بس إزاي ده؟!… وباباك ومامتك أهم….؟؟
بضحكة قصيرة ساخرًا مما تقول محاولاً رفض ذلك بالمرة، فهو ليس ابنهما بل ولدهما ولا يوجد شيء على الإطلاق يقنعه بعكس ذلك.
مصطفى: استحالة طبعاً.
ثم أكمل بتوتر: ما تردي عليها يا ماما… إيه التخاريف دي!!!!!!… أنا ابني انتي… قوليلي… مش بتردي عليا ليه؟؟؟؟!!!!!
وبأنفاس متهدجة ونبرة خائفة مهتزة من أن يكون ذلك صحيحاً.
مصطفى: أنا ابنك صح؟؟!!!!… مش ابن الست اللي هي بتقول عليها دي… ولا تكون السلسلة دي مش بتاعتي…؟؟
صمت أم مصطفى التام دب بقلبه الشك ليردف باحتقان.
مصطفى: ما تردي علي يا ماما… قولي أي حاجة….؟؟
قطع صمت أم مصطفى صوت الحاج خالد قائلاً:
الحاج خالد: أنا اللي هقولك يا ابني.
التفت إليه مصطفى ومى بترقب، في حين ضمت أم مصطفى شفتيها بقوة وعيون رافضة احتوت بها بعض العبرات محاولة حث زوجها على ألا يتفوه بشيء بإيماء رأسها الضعيف. لكنه استكمل رغم ذلك قائلاً:
أبو مصطفى: اقعد يا ابني أنا هقولك كل حاجة.
رغماً عنه شعر مصطفى بالارتجاف وكأنه لا يقوى على سماع ما سوف يقال الآن، أهذا مقلب أيضاً، أهي مزحة ما؟
جلس ببطء فوق المقعد ناظراً بآلية نحو والده الذي بدأ بالحديث.
أبو مصطفى: من خمسة وعشرين سنة… كنت قاعد مهموم على شط البحر بشكوى همي وضيقتي. حسيت بحد جنبي… بصيت له سألني…
"مالك زعلان ليه كده؟"
أبو مصطفى: الدكتور قالنا إن خلاص مفيش أي أمل إننا نجيب ولاد ونخلف… المسألة دي بقت خلاص مستحيلة… كان نفسي في ولد ياخد بحسي ويونسني… بس أمر الله… أنا مش معترض على حكمه والله بس حسيت إني مخنوق ومعرفتش أعمل إيه… فجيت أقعد يمكن أفك شوية.
"شكلك راجل طيب… ممكن أقص لك في خدمة…؟"
أبو مصطفى: طبعاً… اتفضل.
"ممكن تقابلني بكرة هنا في نفس المكان… عندي حاجة مهمة أوي زي ما تقول كده مسألة حياة أو موت… وانت ممكن تساعدني فيها."
أبو مصطفى: لو أقدر أساعدك بإذن الله حتلاقيني هنا.
وفي اليوم التالي أتى الرجل لنفس المكان يصطحب معه طفل صغير في الثانية من عمره مرتدياً برقبته ذلك السلسال الفضي المميز.
"خد الطفل ده ربيه… انت عقيم ومش ممكن تخلف خلي الولد ده عندك… أمانة."
أبو مصطفى بذهول: إنت مين….؟؟ وجبت الولد ده منين…..؟؟ أنا مش فاهم حاجة….؟؟
"متقلقش… الولد ده ملوش أهل وأنا كنت بدور على أهله لو لقيتهم حكلمك وأخد منك الولد… ملقيتهمش… خلاص ربيه إنت وخد الثواب."
وقبل أن يرحل ترك الحاج خالد رقمه للغريب حتى يتصل عليه عند عثوره على أهل الطفل كما يقول.
وبعد ذلك بثلاثة أيام… تعلق بهم كل من أم مصطفى وأبو مصطفى بالطفل بدرجة كبيرة للغاية. لكنهم فوجئوا بمكالمة من الغريب تطلب من الحاج خالد مقابلته بنفس المكان حتى يأخذ منه مصطفى لأنه قد وجد أهله وسوف يعيده إليهم.
تحامل الحاج خالد على قلبه المتعلق بهذا الصغير وأخذه معه لنفس المكان منتظرًا الغريب لكنه لم يأت ولم يسمع عنه شيء بعد ذلك.
أردف الحاج خالد بتأثر بالغ.
أبو مصطفى: حاولت كتير أتصل على رقم التليفون اللي كان بيكلمني منه… طلع رقم غريب في سنترال… ومعرفتش فين أهلك الحقيقيين… حتى اسمك مكنتش أعرفه… فسميناك (مصطفى)… وربناك وحبناك زي ابننا وأكتر وربنا اللي يعلم.
مصطفى بضعف: إزاي ده واسمي هو اسمك في شهادة الميلاد….؟؟
أبو مصطفى: مكنش فيه شهادة ميلاد ليك واضطرينا نعمل كده عشان تتسجل وتدخل المدرسة.
استمعت مى لقصة الحاج خالد كاملة لتعقب بشرود وهي تطالع الفراغ كما لو كانت تكمل بقية الحكاية.
مى: أنا بقى كده فهمت.
انتبهوا لها جميعاً حين استطردت دون انتظار.
مى: عمك بعد وفاة والدك خطفك من ماما فادية عشان يساومها على الورث… وجابك هنا عند الحاج خالد… ولما اتفق مع ماما فادية إنه يتجوزها وياخد الفلوس… حاول ييجي يرجعك… ساعتها عمل الحادثة على الطريق ومات… ومحدش عرف هو كان سايبك فين ومع مين… فمعرفوش يوصلوا لك.
رفعت مى بصرها نحو مصطفى قائلة بتأكد.
مى: إنت فعلاً أسامة.
لم تكن بالصدمة الهينة على مصطفى. تهدج صدره بقوة غير مصدق لما تسمعه أذناه كما لو أنه يتابع فيلماً ما وليس ما يقصونه يقصده هو بذلك. أخذ يفكر كيف قلبت كل حياته بلحظة. كم هو مدين لهذا الرجل وهذه المرأة لتربيته ورعايته كل هذه السنوات. تحملوا عبئه وأخطائه. فعلوا المستحيل بالنسبة لهم وتخطوا كل الصعاب حتى يصل إلى ما هو عليه الآن. لم يبخلوا عليه بحب وعطف وحنان ورعاية ومال وسط حالتهم المادية المتعثرة. إنهم هم أهله وأحبائه.
لكن…
من هي أمه الحقيقية…؟؟ وكيف تبدو….؟؟
كم انتظرت عودته وهو لا يعلم.
نظر نحو مى كما لو كان يطالع الفراغ.
مصطفى: فين أمي يا مى… عايشة فين….؟؟
مى: في القاهرة.
مصطفى: أنا عايز أشوفها.
لا يدري هل ذلك بدافع الفضول، أم أنه يريد معرفة أمه الحقيقية التي تكبدت عناء حرمانها منه لسنوات.
مى: يلا نسافر لها كلنا… بس قبل ما نسافر عايزاك تشوف حاجة.
دلفت مى إلى غرفة مصطفى وأحضرت حقيبتها الكبيرة لتخرج منها نفس السلسال وبعض الأوراق والصور.
مى: دي نفس السلسلة اللي معاك عشان كده أنا عرفتها على طول… ودي صورك وانت صغير قبل ما تتخطف من ماما فادية.
نظر مصطفى إلى الصور بتمعن.
مصطفى: فعلاً دي صوري… ده أنا…!!
كانت مشاعر مصطفى مضطربة لما يحدث من حوله، فقد أصبح فجأة ابن سيدة أخرى لا يعلم عنها شيء. سيدة تحملت قسوة بعده عنها مرغمة. لا يستطيع حتى التخمين كيف سيكون شعوره نحوها عندما يراها. فطوال سنوات حياته لا يعرف أب وأم سوى أبيه وأمه.
وسط كل هذه الأحداث كانت أم مصطفى جالسة في صمت وحزن. دموعها الصامتة هي من تتحدث. فبعد كل هذا العمر ها هو ابنها الوحيد الذي تعلق به قلبها يتلاشى من بين يديها. سيعود إلى أمه. هكذا فكرت وحزنت. سيفارقها. نعم ابنها. لم تشعر في يوم من الأيام بغير ذلك.
انتبه لها مصطفى. وفهم معنى نظراتها إليه ودموعها المنهمرة في صمت.
اقترب منها وأمسك كفيها بيديه وقبلهما ثم نظر إليها.
مصطفى: أنا ابنك… مهما حصل… انتي أمي اللي عمري ما عرفت غيرها… ولا حبيت غيرها… مهما حصل… يمكن من حظي الحلو إني بدل أم واحدة بقالي اتنين… انتي أمي وفي قلبي ومفيش أي حاجة في الدنيا حتغير ده.
علت شهقات أم مصطفى وهي تحتضن ابنها بقوة.
إلى أن التفت مصطفى إلى والده الحاج خالد. وأكمل.
مصطفى: ربنا يخليكم ليا… أنا من غيركم كنت ضعت… ده من رحمة ربنا بيا إنه بعتكم ليا… تاخدوا بالكم مني وتربوني وتراعوني بعد ما رماني عمي… أنا لا يمكن أنكر جميلكم وفضلكم ده عليا.
الحاج خالد: جميل إيه… وفضل إيه…؟؟ إنت ابننا يا مصطفى… ولا عمرنا حسينا ولا فكرنا في غير كده.
لم يكن من مى إلا البكاء تأثراً على ما تراه. فلولا أنها تعلم القصة كاملة لاعتقدت أنه عمل درامي أو مسرحي هائل.
مى: يلا نجهز للسفر.
تحركوا جميعاً لتحضير أنفسهم للسفر إلى القاهرة لمقابلة السيدة فادية.