تحميل رواية «اسرار عائلتي» PDF
بقلم اروى مراد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ه؟ أنا هعيش بين كل دول؟ انت عايزني اعيش بين تسعة رجاله في بيت واحد؟؟ - دول أهلك ونص الرجاله الي بتتكلمي عنهم هما أخواتك!قالها والدها وهو ينظر إليها بتعب فصرخت به ثانية ودموعها بدأت تنهمر على وجنتيها: - وانت كنت فين كل السنين دول؟ ليه اخدتني دلوقتي بعد العذا*ب الي كنت بعيشه في بيت خالي؟إقترب منها ومسح دموعها بحنان: - صدقيني يا بنتي أنا مكدبتش عليك في حاجه، أنا مكنتش عارف انك عايشه اصلا! لما سبت مامتك وكنت هاخدك معايا هي وهمتني انك متي وانا صدقتها ومفكرتش في انها كدبت عليا عشان تخليكي معاها.إبتعدت...
رواية اسرار عائلتي الفصل الأول 1 - بقلم اروى مراد
يعني ايه؟ أنا هعيش بين كل دول؟ انت عايزني اعيش بين تسعة رجاله في بيت واحد؟؟
- دول أهلك ونص الرجاله الي بتتكلمي عنهم هما أخواتك!
قالها والدها وهو ينظر إليها بتعب فصرخت به ثانية ودموعها بدأت تنهمر على وجنتيها:
- وانت كنت فين كل السنين دول؟ ليه اخدتني دلوقتي بعد العذا*ب الي كنت بعيشه في بيت خالي؟
إقترب منها ومسح دموعها بحنان:
- صدقيني يا بنتي أنا مكدبتش عليك في حاجه، أنا مكنتش عارف انك عايشه اصلا! لما سبت مامتك وكنت هاخدك معايا هي وهمتني انك متي وانا صدقتها ومفكرتش في انها كدبت عليا عشان تخليكي معاها.
إبتعدت عنه وعيناها تنظران إلى الفراغ بحيرة:
- انا مش فاهمه حاجه! ماما كانت بتقولي ديما انك مت وانا صغيرة .. انت اتجوزتها ليه وسبتها ليه وازاي مكنتش عارف انا ميته والا حية؟!
تنهد بضيق ثم قال:
- هحكيلك كل حاجه بس مش دلوقتي، المطلوب منك دلوقتي انك تثقي فيا وتثقي في اني لو كنت عارف انك عايشه مكنتش هسيبك ابدا بس خالتك الله يكرمها جاتلي وقالتلي انك لسه عايشه وحكتلي عن كل الظلم والعذا*ب الي كنتي بتعيشيه بعد وفاة مامتك، وخالك ده هحاسبه عن كل الي عمله فيكي بس في الوقت المناسب.
تطلعت إليه بنظرات ضائعة فإبتسم لها بحنان ليطمئنها، وكأن تلك الإبتسامة كانت إذنا منه لترتمي بين أحضانه وتبكي بشدة كل الظلم الذي عانت منه في سنواتها الأخيرة .. ربت على ظهرها بحنان أبوي شعرت به لأول مرة في حياتها، أغمضت عينيها براحة وظلت في أحضانه لفترة قصيرة قبل أن تبتعد فجأة وتعقد ذراعيها أمام صدرها بتذمر:
- بس برضه مش عايزه اعيش في بيت كله رجاله!
أخرج زفيرا طويلا دليلا على نفاذ صبره وقال:
- انتي خايفه من ايه يا بنتي؟ انا موجود واخواتك برضه موجودين وجدك واعمامك واولادهم كلهم، محدش منهم هيفكر يأذيكي بالعكس هما هيحموكي، المفروض تنبسطي لان عيلتك كلها رجاله مش تعترضي!
لوت شفتيها بإعتراض واضح وعدم إقتناع فقال بحذر:
- والا عايزه ترجعي لخالك؟
أجابت بسرعة وفي عينيها خوف ورجاء:
- لااا خلاص! أنا هفضل معاك في أي مكان بس متودينيش ليه تاني!
إحتضنها ثانية وقبل رأسها بحنان قائلا:
- مستحيل اسمح انك ترجعيله حتى لو انتي الي طلبتي مني، مش هسمح لحد يأذيكي وانا موجود بعد كده، وزي ما وعدتك خالك هحاسبه عن كل الي عمله والمرادي مش هسكتله زي زمان!
قال جملته الأخيرة بنبرة غامضة فأبعدت رأسها عن حضنه وتساءلت بإستغراب:
- حصل ايه زمان؟
قرص خدها بمرح قائلا:
- مش قلنا هتعرفي كل حاجه بس في الوقت المناسب.
ثم أمسك بيدها وأضاف:
- يلا نروح للبيت دلوقتي.
- ليه احنا دلوقتي فين؟
- في شقة تانيه طلبت من خالتك تجيبك هنا عشان اتكلم معاكي.
...
دخلت القصر بأعين تكاد تنطق من الإعحاب بجماله وكبر مساحته، وقفت في منتصف قاعة الجلوس وإلتفتت إلى والدها قائلة بعدم تصديق:
- هو ده البيت الي بتتكلم عنه؟! ده كلمة قصر قليله اوي عليه!
إبتسم لها وسألها بحب:
- عجبك؟
أجابت وهي ترفع يديها بسعادة كطفلة صغيرة:
- جدا!
ثم سألت بحماس:
- اوضتي فين؟
- استني أعرفك على العيلة وبعدها هوديكي ليها.
قال ذلك ثم سحبها معه بإتجاه غرفة ما، دخلها وهو مازال يسحبها إلى أن إتضح لها أنها غرفة مكتب ..
كان يجلس خلف المكتب رجل يبدو في الثمانين من عمره، قدمه إليها والدها وإتضح لها أنه جدها عبد الرحمان العمري، كبير العائلة، والذي رغم كبر سنه، إلا أنه لايزال محافظا على لياقة جسمه ورجاحة عقله، لا تنكر أنها إرتاحت له حين رحب بها بحب وحنان.
وبمقابلته يجلس رجلان، أحدهما كان يبدو في أواخر الخمسينات والذي علمت من والدها بأنه عمها الأكبر محمد العمري، إبتسمت له ببعض التوتر لكنه قابل إبتسامتها بنظرة باردة ولم يكلف نفسه عناء الترحيب بها.
شعرت ببعض الخوف منه لكنها تجاهلت ذلك عندما قدم لها والدها الرجل الثاني والذي كان يبدو في بداية الخمسينات وهو عمها الصغير أحمد العمري، رحب بها بشدة وإبتسم لها بمرح جعلها ترتاح من ناحيته أيضا ..
جلست إلى جوارهم عندما طلب منها والدها أن تنتظره هناك إلى أن يجمع الشباب .. والدها هو أكرم العمري والأوسط بين أخويه، يبدو رجلا حنونا ولا تنكر أنها أحبته وأحبت حنانه منذ أول لقاء بينهما .. إبتسمت حين تذكرت كيف كانت تجلس بالشقة بإنتظار خالتها وتفاجأت به يدخل بسرعة ويتقدم إليها ويسحبها إلى أحضانه قبل أن تستوعب أي شيء مما يحدث .. أفاقت من أفكارها على صوت جدها يقول:
- تعالي يا بدور.
إقتربت منه بإستغراب وبعض من الخوف فملس على شعرها بحنان متسائلا:
- انتي لسه خايفه مننا؟
نفت برأسها بصمت لكن نظرة من عينيها هربت إلى عمها محمد بدون قصد ففهم أنها مازالت تشعر بالخوف من ناحيته، إبتسم لها ثم إقترب من أذنها وهمس:
- متخافيش منه، هو طبعه كده وهتتعودي عليه.
أومأت برأسها بإبتسامة ولكنها لم تنطق بحرف، ربما لأنها تشعر ببعض الحرج من وجودها مع عائلة لا تعرفها رغم أنها تنتمي إليها .. شعر عبد الرحمان بذلك فقال:
- تعالي نطلع نستناهم برا لو عايزه.
أومأت برأسها مرة أخرى ثم خرجت وخلفها جدها وعماها، جلست على إحدى الأرائك في قاعة الجلوس إلى أن رأت أربعة من الشباب يدخلون القاعة وخلفهم والدها أكرم يقول:
- دول اخواتك والباقي هينزلوا دلوقتي.
وقفت وإقتربت منهم بتوتر، وقف أكرم بجانبها وبدأ بتقديهم إليها .. أكبرهم هو رسلان العمري، مهندس معماري وهو أكبر شباب العائلة وعمره ثلاث وثلاثون، طالعها بنظرة غريبة دون أن ينطق بحرف ثم جلس ووضع قدما فوق الأخرى وهو لا يزال يطالعها بذات النظرة ..
ثاني إخوتها هو أمجد العمري، أستاذ جامعي في الحادية والثلاثين من عمره، إبتسم لها بحب ورحب بها بشدة مما جعلها تشعر بالراحة بعد أن رأت تقبله لها ..
أما ثالثهم فهو أدهم العمري، مهندس برمجيات في الثلاثين من عمره، كان يبدو لها طيب القلب من الوهلة الأولى لكنه طالعها بجفاء وأظهر لها عدم الاهتمام ثم جلس بجوار أخيه رسلان ..
وأخيرا الأصغر بين إخوتها، آدم العمري، محاسب في التاسعة والعشرين، رحب بها بضيق فقط لأجل والده ثم إبتعد ليصعد إلى غرفته دون أن يهتم بشعور الواقفة هناك ..
دخل بعد ذلك أبناء أعمامها ..
الإبن البكر لمحمد، خالد العمري، محام في الثانية والثلاثين من عمره، نسخة مطابقة لوالده شكلا وطبعا..
أما إبنه الثاني فهو عدي العمري، مترجم في الحادية والثلاثين من عمره، بدا لها عصبيا بعض الشيء وقد كان يرمقها بنظرات مشمئزة لم تعلم سببها ..
ثم يأتي الإبن البكر لأحمد، ياسين العمري، طبيب عظام في سنه الثاني والثلاثين، كان يراقبها بنظرات متفحصة لكنه لم يظهر أي تعبير يشرح ترحيبه بقدومها أو رفضه لذلك ..
ثاني أبناء أحمد هو ياسر العمري، مصمم أزياء في الثلاثين من عمره، لم تلق ترحيبا منه هو الآخر، لكنها تلقت فقط نظرات ساخرة، أيضا لا تعرف سببها ..
أما الإبن الأصغر فهو يامن العمري، مهندس ديكور في التاسعة والعشرين من عمره، رحب بها بلا مبالاة ثم عاد إلى غرفته هو الآخر ..
...
جلست بين والدها وأخيها الذي تقبل وجودها برحابة صدر على خلاف البقية، الآن كسبت محبة أربعة فقط وهم والدها وجدها وعمها أحمد وشقيقها أمجد، أما البقية فلا تعلم كيف ستتعامل معهم، العيش في هذا القصر بين هؤلاء الرجال سيكون صعبا بما أنها الأنثى الوحيدة هنا.
سؤال مر على عقلها فجأة، إذا كانت لا توجد أنثى في هذا القصر فمن يطبخ وينظف ويعتني بأمورهم، فهي تعلم أن معظم الرجال وخاصة الأغنياء لا يستغنون عن الإناث فقط لتقوم بكل تلك الخدمات، وهنا جاءت إحدى الخادمات لتصلها الإجابة على سؤالها فورا، حمدت الله كثيرا فور رؤيتها، فحتى لو كانت خادمة، سيطمئنها وجودها معها.
تقدمت منها تلك الأخيرة لتحدثها بأدب:
- اتفضلي معايا يا بدور هانم عشان اخدك لاوضتك.
تبعتها إلى حيث تأخذها وهي تحاول حفظ تصميم ذلك القصر العملاق، والذي كان مكونا من ثلاثة أدوار، الدور الأرضي يحوي قاعة الجلوس الكبيرة وقاعة الاستقبال المغلقة، والتي من الواضح أنها مخصصة لاستقبال الأشخاص المهمين، ويحوي أيضا على المطبخ الكبير وغرفة الخدم الملحقة به وقاعة الطعام التي تتوسطها طاولة دائرية كبيرة يقف حولها ثلاثة عشر كرسيا لكنهم أصبحوا أربعة عشر بعد وصول بدور، وغرفة مكتب ودورة مياه ملحقة به، أما الدور الأول والثاني ففيهما مجموعة غرف كبيرة متعددة تكاسلت عن عدها لكن من المؤكد أنها فاقت عدد الساكنين بالقصر.
وقفت الخادمة أخيرا أمام غرفة في الدور الأخير وفتحتها ثم أفسحت المجال لبدور للدخول، دخلت لتتفاجئ بغرفة كبيرة تزيد مساحتها عن مساحة شقتها القديمة تقريبا يطبع عليها اللون الأبيض والزهري، رغم أنها كانت تكره هذا اللون إلا أنها أصبحت من عشاقه في هذه اللحظة، ومن ذلك الأحمق الذي سيشغل تفكيره باللون ويغض البصر عن كل ما بالغرفة من حاجات، سرير كبير مريح، مصابيح بأضواء متعددة الألوان، مكتب أبيض ظريف يحمل دباديب كثيرة، مكتبة صغيرة احتوت العديد من الكتب والروايات بمختلف التصنيفات، مكتب ثان عليه حاسوب محمول زهري اللون ومودم للانترنت خاص بها، خزانة كبيرة فتحتها لتتفاجئ بالعديد من الملابس التي كانت تتمنى الحصول عليها حتى لو كانت في الأحلام، خرجت إلى الشرفة التي كانت على شكل نصف دائرة، فوجدت بها مقعدين مريحين وطاولة صغيرة مستديرة بينهما، لفت نظرها منظر الفناء الخلفي لحديقة القصر التي تطل عليها شرفتها وخاصة ذلك المسبح النصف دائري الكبير والذي تكاد تجزم أن مساحته أكبر من مساحة غرفتها هذه.
شعرت بالبرد فعادت للداخل لتجد تلك الخادمة مازالت تقف على الباب تنتظرها إلى أن تكمل إستكشافها، إقتربت منها بدور فقدمت لها الأخرى مفتاح غرفتها ثم قالت:
- خدي شاور دلوقتي في الحمام الملحق باوضتك وبعدها تعالي عشان تتغدي مع باقي العيله.
أومأت لها بدور بإبتسامة:
- اوك شكرا.
بادلتها الخادمة الابتسامة ثم همت بالذهاب لكن بدور إستوقفتها قائلة:
- استني!
إلتفتت إليها في إنتظار ما ستقوله لكنها تفاجأت بها تقترب منها وتقول بمرح:
- اسمك يا جميل!
إبتسمت على مرحها وأجابت:
- كريمة يا هانم.
لوت بدور شفتيها بإعتراض:
- ايه هانم دي؟ قوليلي بدور وبس.
- بس مينفع ...
قاطعتها بحزم مصطنع:
- مفيش عندي حاجه اسمها مينفعش! انتي هتقوليلي بدور وأنا هقولك طنط كريمة، تمام؟
أومأت لها كريمة بضحكة:
- حاضر!
وقبل أن تهم بالذهاب سمعت صوتا من خلفها يقول بحدة:
- بتعملي ايه هنا يا كريمة؟
إلتفتت لصاحب الصوت لتجده الإبن الأوسط لأحمد، أخفضت رأسها باحترام وقالت:
- كنت بعرف الهانم اوضتها يا ياسر بيه.
- طيب لو خلصتي روحي فورا.
- حاضر!
نزلت وتركت بدور وحدها وهي تغلي من الغضب على هذا المتعجرف، رمقته بنظرات حادة:
- بتتكلم معاها كده ليه؟
رفع حاجبه الأيمن باستغراب وبعض السخرية:
- دي مجرد خدامه.
صاحت فيه بغضب:
- ولو! المفروض تحترمها مهما كان شغلها، دي في عمر مامتك على فكرة!
رمقها بسخرية ثم ربت على رأسها بابتسامة ساخرة:
- أعتقد أنه المفروض تتعلمي ازاي تتعاملي كوحده من الطبقه الغنيه، وانا هحرص على تعليمك متخافيش.
أبعدت يده عنها بغضب ودخلت غرفتها وأغلقت الباب أمامه بقوة، حرك يده على شعره الغزير بانزعاج ثم نزل إلى الأسفل حيث يجلس الجميع على تلك الطاولة المستديرة لتناول الغداء.
أخذت حماما منعشا وأطالت فيه على غير عادتها، خرجت أخيرا وهي تلف المنشفة حول جسدها فسمعت طرقات قوية على الباب.
اقتربت منه وقالت بصوت عال:
- مين؟
لم يجبها أحد وتواصلت الطرقات فشعرت بالغضب وتجاهلته متجهة لخزانة أحلامها لتبحث عما سترتديه لكنها تفاجأت بصوت الباب يفتح وصوت رجولي خلفه يقول ببرود:
- يعني هنستنى جلالتك كتير عشان تجي تتغدي ونستنى كتير برضه عشان تفتحي الباب
رواية اسرار عائلتي الفصل الثاني 2 - بقلم اروى مراد
أخذت حمامًا منعشًا وأطالت فيه على غير عادتها. خرجت أخيرًا وهي تلف المنشفة حول جسدها، فسمعت طرقات قوية على الباب.
اقتربت منه وقالت بصوت عالٍ:
- مين؟
لم يجبها أحد وتواصلت الطرقات، فشعرت بالغضب وتجاهلته متجهة لخزانة ملابسها لتبحث عما سترتديه، لكنها تفاجأت بصوت الباب يفتح وصوت رجولي خلفه يقول ببرود:
- يعني هنستنى جلالتك كتير عشان تيجي تتغدي، ونستنى كتير برضه عشان تفتحي الباب؟
التفتت إليه بسرعة فوجدته رسلان، أكبر إخوتها. شعرت بالخجل لرؤيته لها هكذا، فدخلت الخزانة واختبأت وسط ملابسها وقالت بإحراج:
- كان المفروض تقولي إنك إنت عشان أرد عليك.
وضع يديه في جيب سرواله وقال بسخرية:
- وإيه الفرق بيني وبين أي حد تاني؟
لم تجبه، فأضاف ببرود وهو يخرج ويغلق الباب خلفه:
- على العموم، أتمنى تخلصي بسرعة وتنزلي لأني جعان والكل مستنيكي من ساعة عشان نتغدى مع بعض.
أغلق الباب بقوة، فخرجت من مخبئها وهي تشعر بالضيق من معاملة إخوتها الباردة لها، وخاصة رسلان. تأكدت من إقفال الباب ثم عادت لخزانتها واختارت بنطال جينز ممزق قليلًا عند الركبتين وبلوزة بيضاء اللون. جمعت شعرها الأسود الطويل بتسريحة ذيل الحصان، ثم وقفت أمام المرآة تأخذ نفسًا عميقًا وتحاول تشجيع نفسها بعد أن قررت العودة لشخصيتها المرحة التي تضعها قناعًا لإخفاء آلامها، والتي أحبها عليها جميع أصدقائها.
نزلت إلى الأسفل بخطوات متوترة. دخلت قاعة الطعام فوجدت الجميع متجمعًا حول الطاولة ويرمقونها بنظرات مريبة زادت من ارتباكها.
جاهدت لرسم ابتسامة مرحة على وجهها، ثم جلست على كرسي شاغر بين والدها وشقيقها أمجد وهي تقول بمرح:
- سوري على التأخير، بس أنا ضيفة هنا دلوقتي ومن حقي أتأخر، صح؟
ابتسم لها والدها وهو يمسح شعرها:
- طبعًا يا بنتي، بس خليكي عارفة إنك مش ضيفة هنا، إنتي في بيتك.
ابتسمت له بحب، ثم جالت بنظرها على البقية. كانوا ينظرون لها ببرود وسخرية. بدأ شعور الخوف يتملكها من نظراتهم، فأخفضت رأسها وشرعت في الأكل بهدوء.
قرب أمجد رأسه منها وهمس لها:
- إنتي كويسة؟
نظرت إليه بتساؤل، فعلل:
- جسمك بيرتعش.
أحست بارتجاف جسدها، فنظرت إليه بخوف:
- خايفة!
- من إيه؟
- من العيشة بين كل الرجالة دول.
ابتسم بمرح ليطمئنها:
- متخافيش، مفيش حد بياكل لحم البشر هنا!
ثم أضاف بجدية:
- إحنا في عيلتنا مفيش حد بيثق في أي حد بسهولة، بس لما يتعودوا عليكي هتلاحظي إنهم هيبقوا ناس تانية معاك.
كان يحدثها بلطف ظنًا منه أنه سيطمئنها، لكنه بعث في قلبها الرعب أكثر. واصلت تناول غدائها بهدوء، لكن فضولها لمعرفة الكثير من الأمور عن هذه العائلة الغامضة تغلب على خوفها، فسألت جدها بصوت مسموع:
- هي تيته فين يا جدو؟
أجابها بلا مبالاة:
- ماتت.
حزنت قليلًا عليها، رغم أنها لم ترها من قبل إلا أنها جدتها. أعادت نظرها لجدها الذي كان يواصل تناول طعامه بلا مبالاة:
- إنت مش زعلان عليها؟
- وإزعل ليه؟ ده قضاء الله وقدره!
- عارفة، بس برضه أي حد لما يموتله حد بيحبه يزعل.
نظر إليها باستنكار:
- مين قالك إني بحبها؟
- امال اتجوزتها ليه؟
أجابها بابتسامة تحمل بعض البرود:
- عشان تخلفلي ولاد!
نظرت إلى عينيه بخوف لتتأكد من أنها لم تسمع خطأ. أ هذا هو جدها الذي بدا لها طيبًا ومسالمًا للوهلة الأولى؟ بلعت ريقها ثم نظرت إلى عمها أحمد وهدأت قليلًا لتسأله:
- وإنت يا عمي؟
تطلع إليها باستغراب:
- إيه؟
- مراتك فين؟
أجاب ببرود:
- انتحرت!
توسعت عيناها بصدمة، لكنها سرعان ما استوعبت ما قاله، فسألت بفضول أكثر وخوف:
- ليه؟
- لأنها زهقت من العيشة بين عيلة كلها رجالة.
فتحت فمها بصدمة أكبر، فواصل بمرح:
- فكك منها، دي مريضة نفسيًا، أوعي تعملي زيها.
بلعت ريقها بخوف من أن يكون تفكيره كتفكير جدها:
- إنت برضه محبتهاش؟
أجاب بسخرية:
- حب إيه اللي بتتكلمي عنه يا بنتي؟ الكلمة دي مش موجودة في قاموس عيلة العمري، الستات بالنسبالنا مجرد وسيلة للخلفة وشغل البيت بس.
وقفت من مكانها وصرخت بغضب:
- إنت إزاي تسمح لنفسك إنك تهيننا بالطريقة دي! إنتو لسه عايشين في عصر الجاهلية ولا إيه؟ إحنا بشر زينا زيكم ولينا حقوق زي ما ليكم حقوقكم والمفروض تحترموا ده!
انطلقت الضحكات من أفواه الجميع، فشعرت بارتجاف جسدها ثانية من الخوف. داهمت الأفكار عقلها إلى أن وصلت لفكرة جعلتها تجن وتصيح بدون تفكير:
- إنتو بتقتلوا بناتكم؟! عشان كده مفيش بنات غيري في العيلة؟
ابتسم لها أحمد ابتسامة مرعبة:
- بالظبط!
نظرت إليه برعب حقيقي. أغمضت عينيها وتخيلت للحظة أنهم يتحولون إلى مصاصي دماء. اقترب منها عمها وأمسك بذراعها وقرب فمه من رقبتها، وبدون سابق إنذار، غرس أسنانه بها ليمتص دمها، فصرخت صرخة هزت أركان القصر وفتحت عينيها وهي تجاهد لتلتقط أنفاسها.
ارتاحت قليلًا عندما وجدت الجميع يجلس بمكانه وينظر إليها بتعجب، وأمجد يقف أمامها يمسك ذراعها بيد ويضع كفه الأخرى على كتفها قائلًا:
- مالك يا حبيبتي؟ اهدي، عمي بيهزر معاكي.
وضعت يدها على موضع قلبها محاولة تهدئته وهي تزفر بارتياح:
- كنت هموت من الخوف! إنتو بجد مرعبين!
أضافت بعد أن عادت للجلوس في مكانها وهي تنظر إلى أحمد:
- مش هلوم مراتك لأنها انتحرت بسببكم.
سكتت قليلًا تسترد شجاعتها لتواصل التحقيق موجهة كلامها لعمها محمد:
- وإنت يا عمي؟ مراتك ماتت برضه؟
أجاب ببرود:
- معرفش.
عقدت حاجبيها باستغراب وصبرها يكاد ينفذ من هذه العائلة الغريبة الأطوار، لكنها واصلت التحقيق:
- يعني إيه متعرفش؟ حصل إيه في آخر مرة شفتها فيها؟
- طلقتها.
- ليه؟
أجاب بملل:
- زهقت منها.
توسعت عيناها بصدمة ثم أخفضت رأسها بخوف من مستقبلها المجهول في هذه العائلة. تمنت لو أن كل هذه الأحداث هي مجرد كابوس ستستيقظ منه قريبًا، لكن متى؟
أفاقها من شرودها صوت عمها أحمد:
- بس إنتي بتجيبي التفاهات دي منين؟
نظرت إليه باستفسار:
- إنهي تفاهات؟
- قصدي كلامك عن الحب، متقوليليش إنك من النوع التافه اللي بيتفرج على المسلسلات والأفلام الرومانسية؟
حركت رأسها يمينًا وشمالًا دليلًا على النفي:
- لا، أنا مبحبش تصنيف الرومانسية، بحب الرعب والخيال بس.
وقف شقيقها آدم فجأة:
- بتحبي الرعب؟
هزت رأسها إيجابًا باستغراب، فقفز من مكانه واتجه إليها ليعانقها من الخلف قائلًا بسعادة:
- ومقولتيش من الأول ليه؟ ده إحنا هنبقى صحاب أوي.
ابتسمت بفرحة:
- لو كنت عارفة إنك بتحبه برضه كنت قلتلك.
اقترب ليهمس في أذنها:
- طيب إيه رأيك تيجي الليلة أوضتي عشان نتفرج على فيلم سوا؟
ابتسمت بخجل شديد لعدم اعتيادها عليهم:
- إتفقنا.
بينما ابتسم أمجد بقلة حيلة متمتمًا:
- مش هيتغير!
بعد انتهاء الغداء، صعدت إلى غرفتها لتنال قسطًا من الراحة، لكن نغمة الهاتف التي نبأتها بوصول اتصال لها من صديقتها المقربة حال بينها وبين النوم. فتحت الخط فأنفجرت فيها الأخرى بالأسئلة بنبرة قلقة:
- إنتي فين؟ مكلمتنيش ليه؟ مش اتفقنا نتقابل النهاردة؟ خالك عملك حاجة؟ إنتي كويسة؟ مش بتردي على الفون لييي...
قاطعتها بدور بضحكة:
- اهدي يا إيلين، أنا كويسة والله ومش هتصدقي اللي حصل!
هدأت إيلين عند سماعها نبرة بدور ثم تساءلت بفضول:
- حصل إيه؟
أخبرتها بكل ما حدث من الألف إلى الياء وبكل التفاصيل الصغيرة، ففتحت إيلين فمها بصدمة:
- احلفي يا بت! كل ده حصل النهاردة؟
- أقسم لك إني بكلمك دلوقتي وأنا في الأوضة دي، عايزاني أصورهالك عشان تتأكدي؟
- لا لا، استني أنا جايلك دلوقتي عشان أتأكد بنفسي، ابعتيلي العنوان.
صرخت فيها بخوف:
- إنتي اتجننتي؟ قلتلك إنهم بيكرهوا الستات، وأنا من أول يوم ليا هنا أجيب بنت للقصر؟
- القصر ده من حقك برضه، مش إنتي منهم؟
- أيوه بس...
قاطعتها بحزم:
- يبقى ابعتي العنوان فورًا.
أقفلت الخط فأرسلت لها بدور عنوان القصر، ثم نزلت لتنتظرها في قاعة الجلوس، والتي كان يجلس بها والدها وأعمامها.
فركت يديها بتوتر:
- بـ... بابا...
ابتسم لها بحنان ليطمئنها:
- نعم يا حبيبتي؟
أغمضت عينيها بخوف من ردة فعلهم:
- صاحبتي عايزة تيجي عشان تطمن عليا.
فتحت عينيها وواصلت بارتباك:
- ينفع تيجي هنا لو مفيش مانع؟
- مفيش مانع طبعًا.
تطلعت إلى عينيه لتتأكد من موافقته، فواصل بتحذير:
- بس حاولي متخليهاش تحتك بأي حد من إخواتك أو أولاد عمك.
هزت رأسها إيجابًا بفرحة:
- أوك، متقلقش!
وصلتها رسالة من إيلين بعد وقت قصير تخبرها فيها أنها واقفة أمام البوابة الخارجية للقصر. خرجت إليها لتجدها تنظر إلى القصر بذهول.
وضعت بدور يدها على كتفها، فعادت إيلين إلى أرض الواقع وتطلعت إلى صديقتها ثم عانقتها بخوف أمومي ولهفة:
- إنتي كويسة؟ حد فيهم عملك حاجة؟ إنتي قوللي مين وأنا هكسر راسه.
أبعدتها عنها وهي تكتم ضحكاتها:
- أنا كويسة يا إيلين والله، ما تقلقيش.
ابتسمت براحة ثم قالت بمرح:
- طيب هندخل ولا أروح بكرامتي أحسنلي؟
- لا طبعًا، اتفضلي.
دخلت خلفها وهي تجول ببصرها حول الحديقة الكبيرة بإعجاب. وقفت بدور أمام المدخل ونظرت إليها بتحذير:
- بصي هحذرك من دلوقتي، حاولي متظهريش قدام حد من الشباب لأن راسك هيتفصل عن جسمك فورًا!
ابتلعت ريقها بخوف:
- هما مرعبين للدرجادي؟
هزت رأسها بتأكيد، فابتلعت الأخرى ريقها ثانية وواصلت التقدم معها بخوف إلى أن وصلا إلى الغرفة بسلام.
دخلت وأغلقت الباب خلفها ثم تنفست الصعداء. أسرعت إيلين باستكشاف المكان ولم تقل دهشتها عن دهشة بدور حين رأته لأول مرة. فتحت الخزانة الكبيرة وتفاجأت مما رأت.
التفتت إلى صديقتها بعينين واسعتين:
- بدور!
قاطعتها بعد أن علمت ما تود قوله:
- ممكن تلبسي أي لبس منهم طبعًا من غير ما تقولي، زي ما كنتي بتديني هدومك زمان.
جرت إليها بفرحة وعانقتها في نفس اللحظة التي دلف فيها آدم قائلًا بسرعة:
- بدور، إنتي في...
قطع جملته عند رؤيته لإيلين التي ارتبكت ووقفت خلف صديقتها بخوف. دخل بغضب واقترب منهما قائلًا بزمجرة:
- مين دي وبتعمل إيه هنا؟
رواية اسرار عائلتي الفصل الثالث 3 - بقلم اروى مراد
دخلت وأغلقت الباب خلفها ثم تنفست الصعداء.
أسرعت إيلين باستكشاف المكان ولم تقل دهشتها عن دهشة بدور حين رأته لأول مرة.
فتحت الخزانة الكبيرة وتفاجأت مما رأت.
التفتت إلى صديقتها بعينين واسعتين:
- بدور!
قاطعتها بعد أن علمت ما تود قوله:
- ممكن تلبسي أي لبس منهم طبعًا من غير ما تقولي، زي ما كنتي بتديني هدومك زمان.
جرت إليها بفرحة وعانقتها في نفس اللحظة التي دلف فيها آدم قائلاً بسرعة:
- بدور، انتي في...
قطع جملته عند رؤيته لإيلين التي ارتبكت ووقفت خلف صديقتها بخوف.
دخل بغضب واقترب منهما قائلاً بزمجرة:
- مين دي وبتعمل إيه هنا؟
توترت وأجابته بخوف:
- دي.. صاحبتي.
عقد حاجبيه بغضب أكبر فواصلت بسرعة:
- هي برضه بتحب أفلام الرعب! وأنا جبتها عشان تتفرج معانا على الفيلم الليلة.
ابتعد عنهما قليلاً بعد أن زالت علامات الغضب عن وجهه ووكز كتف بدور بمرح:
- بقيتي عارفة نقطة ضعفي يا بت!
اقترب من تلك الفتاة الخائفة ومد يده لها قائلاً بابتسامة جميلة:
- أهلاً بيكي، أنا آدم.
مدت يدها بتردد لتصافحه:
- وأنا إيلين.
شعر بخوفها فقرر الخروج حتى تطمئن قليلاً.
اتجه ناحية الباب قائلاً:
- هستناكم في أوضتي بعد العشاء، متتأخروش.
ثم خرج وأغلق الباب خلفه.
فدفعت إيلين بدور بغضب:
- من إمتى وأنا بحب أفلام الرعب يا كدابة؟!
وضعت يدها على فمها حتى لا يسمعها أحد:
- وطي صوتك يا بنتي! آسفة بس ملقتش حل تاني غير كده عشان نتجنب غضبه.
جلست على الفراش براحة:
- انتي أنقذتيني فعلاً، شكله كان بيخوف أوي.
ظلت تتطلع إلى الفراغ ثم وقفت متجهة للخروج:
- أنا هروح ومش هرجع هنا تاني.
جذبتها بسرعة قبل أن تفتح الباب وصرخت:
- انتي اتجننتي؟ هيقتلني أنا لو عرف إني كدبت عليه!
- طب أعمل إيه بقى؟
أجابتها بهدوء:
- هتتفرجي على الفيلم معانا زي ما اتفقنا.
توسعت عيناها بصدمة ثم صرخت بغضب جاهدت لكبته:
- نعم؟ انتي عارفة إني بخاف من خيالي في الليل وانتِ عايزاني أتفرج على فيلم رعب؟
- متخافيش، مش هتبقي لوحدك، أنا هبقى معاكي.
ترددت قليلاً لكنها حسمت أمرها بالموافقة لأجل صديقتها:
- أوك، هكلم ماما وأقولها إني هفضل معاكي لليل.
خرجت إلى الشرفة لتعلم أمها ببقائها عبر الهاتف.
أنهت الاتصال لكنها لم تعد للداخل بعد.
استغربت بدور منها فخرجت لترى مالذي أشغلها.
نظرت إلى حيث تطل إيلين فتفاجأت بوجود الشباب مجتمعين حول المسبح بصدورهم العارية وبعضلاتهم البارزة بشدة.
أغمضت عينيها بخجل ودخلت ساحبة معها إيلين التي كانت تبتسم بهيام:
- ده إيه المنظر القمر ده! هو فيه مزز زي كده في مصر؟
ضربت بدور رأسها بقلة حيلة عندما أضافت إيلين بمزاح:
- ما تجوزيني لحد فيهم الله يخليكي.
- انتي اتجننتي؟ مش قلتلك الستات إيه بالنسبالهم قبل كده؟
لوت شفتها السفلى بضيق:
- مليش دعوة، أنا عايزة أتوزاج واحد من دول.
تنهدت بدور بنفاذ صبر ثم غيرت الموضوع:
- فكك منهم وقوليلي هنعمل إيه قبل العشاء وقبل ما نتفرج على الفيلم مع آدم.
ظهرت ملامح الضيق على وجه إيلين:
- متفكرينيش بالله عليك، هتبقى معجزة لو عرفت أنام بعد ما أتفرج عليه.
- متحكميش عليه من دلوقتي، ممكن ميكونش بيخوف أوي.
لوت شفتها بضيق ثم استلقت على الفراش برهة قبل أن تقفز فجأة بصراخ:
- لقيتها!
نظرت إليها بدور باستغراب لتحثها على مواصلة كلامها فواصلت:
- بما إن الشباب عند البيسين، فدي فرصتنا عشان نفتش أوضهم!
تأملتها بدور قليلاً ثم ابتسمت بخبث:
- بحب أفكارك أوي يا إيلين، يلا بينا!
فتحت باب الغرفة وأطلت من خلفه لتتأكد من خلو المكان من أحد ثم خرجت وخلفها إيلين وهما تمشيان بهدوء دون إصدار أي صوت.
دخلتا الغرفة الأولى الخاصة بأمجد، والتي كان يطبع عليها اللون الكحلي، لم تكن مختلفة عن غرفتها كثيراً، بها سرير كبير بالمنتصف، مكتبان أحدهما للقراءة والآخر للكمبيوتر، شرفة مشابهة لشرفتها وحمام.
خرجتا منها بملل لعدم إيجادهما شيئاً مسلياً بها، ولجتا الغرفة الثانية، الخاصة بآدم، والتي كانت باللون الكحلي كذلك، صدمت الفتاتان لرؤية الفوضى العارمة بالغرفة وانتشار شرائط أفلام الرعب والقصص المصورة المرعبة بكل مكان.
غادرتا فوراً بدون تكليف نفسيهما عناء استكشافها فمحتواها كله جلي تماماً لهما.
وصلتا إلى غرفة أدهم والتي كان يغلب عليها اللون الأسود.
دخلت بدور بفضول كبير لمعرفة ما يخفيه، فهي لم تستطع فهمه كثيراً كحالها مع رسلان وابني عمها خالد وياسين.
تجولت بالغرفة وهي تتفحص كل شبر فيها، فتحت حاسوبه المحمول وفتشت فيه إلى أن وجدت شريط فيديو مصوراً له ولفتاة صغيرة تبدو في الخامسة من عمرها تناديه بـ "بابا" وتشكرها على تحضيره لها لحفلة عيد ميلادها.
توسعت عيناها بصدمة، من هذه؟ هل هو متزوج من وراء عائلته؟ هل فعل ذلك لأنهم ينظرون إلى النساء بطريقة خاطئة؟ تلك كانت الفرضية الوحيدة التي خطرت ببال بدور بعد انتهاء عرض الفيديو.
التفتت إلى إيلين التي كانت مصدومة هي الأخرى وهي تشاهده معها:
- تتوقعي أنه متجوز من ورا العيلة؟
هزت كتفيها دليلاً على جهلها ثم خرجت وبدور خلفها ليكتشفوا الغرفة التالية والخاصة برسلان.
أدارت بدور مقبض الباب لكنه لم ينفتح، كررت المحاولة بدون فائدة فضربت الباب بقدمها بغضب:
- غامض وحريص على إنه يفضل غامض يعني؟!
شدت إيلين يدها قائلة:
- فكك منه دلوقتي، خلينا نشوف باقي الأوض قبل ما يرجعوا.
- طيب.
همت بالنزول إلى الدور الأول حيث غرف أبناء أعمامها، لكنها استمعت لأصوات الشباب القادمة فأمسكت بذراع إيلين وسحبتها إلى غرفتها بسرعة.
أقفلت الباب وجلست على الأرض قائلة بخيبة أمل:
- أووفف، مش هنقدر نشوف الباقي!
- خلينا نركز دلوقتي على حكاية أخوكي أدهم مع البنت الصغيرة اللي شفناها..
تطلعت إلى رفيقتها التي كانت تتحدث بجدية:
- تتوقعي أنه متجوز بجد؟
- حاولي تتكلمي معاه وتعرفي الحقيقة منه.
- هحاول.
جلست إيلين إلى جانب بدور على الأرض بملل:
- هنعمل إيه دلوقتي؟
- معرفش.
ثم وقفت مواصلة كلامها:
- هنزل أقول لطنط كريمة تجيب لنا العشاء هنا.
- أوك.
استلقت إيلين على الأرض بعد خروج بدور وتأملت الغرفة بتفكير في الأيام التي ستواجهها صديقتها هنا، هل ستكون سعيدة بحياتها الجديدة أم لا؟
أفاقها من شرودها صوت آدم الذي دلف بدون استئذان وجلس بجوارها منادياً إياها:
- إيلين؟
تنبهت لوجوده فجلست مخاطبة إياه بضيق:
- ممكن تستأذن قبل ما تدخل بعد كده؟
تجاهل كلامها وهو يتفحص الغرفة باحثاً عن شيء ما:
- بدور فين؟
- راحت تقول للخدامة تجيب العشاء هنا.
هز رأسه بتفهم ثم جلس يتأمل ملامحها الجميلة بتركيز.
لاحظت نظراته فتوردت وجنتاها خجلاً وقالت بتذمر:
- ممكن متبصليش كده؟
أجابها ونظراته مازالت تتأملها:
- لا.
التفتت إلى الجهة الأخرى محاولة تغيير الموضوع:
- ممكن سؤال؟
- اتفضلي.
عادت لتنظر إليه ثانية بفضول:
- هو انتوا كلكم عزاب؟ يعني مفيش حد فيكم متجوز أو اتجوز قبل كده؟
- لا.
أضافت بدون شعور:
- وأدهم؟
رفع حاجبه باستغراب:
- أدهم؟
أدركت ما تفوهت به فاستدركت قائلة بارتباك:
- أنا بس بسأل لأنه شبه جوز صاحبتي أوي.
عقد حاجبيه ورمقها بنظرات شك:
- وانتي شفتي أدهم فين أصلاً؟
بلعت ريقها بصعوبة ولعنت لسانها ألف مرة لإيقاعها بموقف كهذا ولم تجد غير قول جزء من الحقيقة:
- شفته لما كنتوا في البيسين.
رفع حاجبه بتسلية:
- وانتي كنتي تتفرجي علينا لما كنا بالبيسين؟
تصاعدت الحمرة إلى وجنتيها وصرخت دفاعاً:
- أنا.. مكنش قصدي..
ارتسمت ابتسامة خبيثة على وجهه:
- بس واضح إن الوضع عجبك عشان تركزي في وجوهنا وتتعرفي على أدهم.
أغمضت عينيها بشدة وحركت رأسها يميناً وشمالاً بسرعة وهي تدعو الله أن تأتي بدور لتخلصها من تحقيقات أخيه المربكة.
اقترب منها لتختلط أنفاسه بأنفاسها ففتحت عينيها وذعرت فور رؤيتها لنظراته الحادة:
- لو حاولتي تتقربي من أدهم أو أي حد من عيلة العمري أنصحك تتراجعي فوراً لأنه مش هيكون من صالحك، وإحنا مش فريسة سهلة للستات.
تطلعت إليه بخوف وصدمة من طريقة كلامه معها، وما زاد من جنونها تغير ملامحه للمرح وكأنه لم يقل شيئاً ثم مغادرته بابتسامة كبيرة بعد إلقاء السلام.
وضعت يدها على قلبها الذي كان يطرق صدرها بشدة من الخوف والتوتر.
هدأت بعد قليل وهي تتمتم بصوت منخفض:
- مجنون!
دخلت بدور المطبخ تبحث عن إحدى الخادمات، وجدت ثلاثاً منهن يتعاون في إعداد العشاء، اخترقت حاسة شمها رائحة الطعام فصرخت بحماس:
- ياااه، الريحة حلوة أوي، بتعملوا إيه للعشاء؟
أجابتها إحداهن بابتسامة عريضة:
- مفاجأة.
- متحمسة عشان أدوق أكلكم.
سألتها الثانية فجأة:
- انتي كنتي شاطرة في الطبيخ لما كنتي في بيت خالك ولا لأ؟
حكت رأسها بإحراج:
- بصراحة لأ! كنت بحرق أي حاجة بعملها تقريباً عشان كده مرات خالي كانت بتخليني أعمل كل حاجة إلا الطبيخ.
ثم أردفت بحماس:
- بس هتشرف أتعلم منكم أكيد.
قالت الثالثة:
- بس مش مسموح ليكي تعملي حاجة في القصر يبقى مفيش فايدة تتعلمي خلاص.
أجابت بمرح:
- ومين اللي هيطبخ لجوزي المستقبلي؟
- ماهو لو اتجوزتي حد من أبناء عمك مش..
قاطعتها بسرعة:
- مستحيل!
أضافت بضيق:
- أنا مش مستعدة أتوزاج واحد من المرضى النفسيين دول، أنا عايزة حد عاقل عشان يخليني أعقل مش يجنني أكتر.
ضحكت الخادمات بشدة لكنهن كتمن ضحكاتهن وألجمتهن الصدمة عند سماع الصوت القادم من خلف بدور:
- معتقدش إنه هيقدر مهما كان عاقل.
استدارت لصاحب الصوت لتجد ياسر يقف خلفها وينظر إليها بسخرية، والخادمات مازلن مصدومات لدخول ذلك المتكبر إلى المطبخ، لكن فضوله لرؤيتها قاده إلى هناك.
تضايق من نظراتهن له فصرخ بوجوههن بغضب:
- بتبصولي كده ليه؟ ارجعوا لشغلكم فوراً!
عادت كل واحدة إلى عملها بخوف، أما بدور فقد كانت تنوي تجاهله ولكنها لم تستطع فصاحت به:
- انت اتعديت حدودك معاهم أوي، انت شايف نفسك مين عشان تكلمهم بالطريقة دي؟
ارتسمت على وجهه ابتسامة ساخرة:
- لو مكنتش غلطان، أنا واحد من أصحاب القصر وهما مجرد خدامات.
- الخدامات اللي بتتكلم عنهم مش هتقدر تستغني عنهم، فخليك ساكت أحسنلك.
- ومين قالك إني مش هقدر؟
تطلعت إليه بسخرية:
- أمّال مين اللي هيعملك الأكل؟ ومين اللي هيروق لك أوضتك واللي هيغسلك هدومك والحاجات دي؟ عايز تقنعني إنك هتعمل كل ده بنفسك؟
نظر إلى عينيها مباشرة:
- لا، انتي اللي هتعمليه.
احمر وجهها من شدة الغضب واستدارت بوجهها يميناً وشمالاً بحركات سريعة إلى أن وجدت كوباً من الماء فأمسكت به وسكبته عليه ثم هربت من أمامه قبل ثوانٍ من استيعابه لما حدث.
خرج من المطبخ بعينين يتطاير الشرر منهما وهو يتوعد لها وينتظر الفرصة لينتقم منها.
أما بدور، فقد صعدت إلى غرفتها وجلست مع إيلين تنتظران قدوم موعد العشاء.
خرجت الخادمة بأطباق العشاء الفارغة بعد إخبارها لهما بأن آدم ينتظرهما في غرفته.
خرجت بدور بحماس وسحبت معها إيلين الخائفة وراءها.
دلفا بدون استئذان فوجدت المكان مظلماً ولا يظهر سوى نور الشاشة الكبيرة التي سيعرض عليها الفيلم وآدم يفترش الأرض أمامها.
تنبه لوجودهم فأشار لهم بالقدوم، جلست إيلين على يمينه وبدور على يساره ثم بدأ العرض.
أغمضت إيلين عينيها حتى لا ترى شيئاً لكن الأصوات الصادرة من الفيلم كانت كفيلة بإرعابها.
فجأة، صرخت بصوت عالٍ عندما طرق الباب وتشبثت بذراع آدم الذي كان ينظر إليها باستغراب، ثم ما لبث أن ابتسم بسخرية قبل أن يقول بصوت عالٍ:
- اتفضلي.
فتح الباب لتدلف من خلاله الخادمة حاملة معها بعض الفشار، وضعته بين يدي آدم ثم خرجت بهدوء.
تابع المشاهدة وهو يتناوله مع بدور وعيناه مصوبتان على الشاشة بتركيز، أما إيلين فقد كانت تنظر إلى حجرها بإحراج شديد، ليس لتشبثها بذراعه وإنما لشيء أشد إحراجاً.
انتهى الفيلم فاستلقت بدور على الأرض بملل:
- مش مرعب خالص.
وقف من مكانه قائلاً:
- معاكي حق.
ثم استدار لإيلين بسخرية:
- وانتي؟ إيه رأيك فيه؟
أخفضت رأسها ولم تجبه فابتسم وتوجه للخروج:
- استنوني هنا هدور على واحد تاني وأرجع.
تطلعت إيلين لبدور بصدمة فوقفت الأخرى محاولة سحبها:
- يلا نطلع، دي فرصتك عشان تروحي.
حركت رأسها يميناً وشمالاً برفض وهي متشبثة بمكانها:
- مقدرش.
عقدت حاجبيها باستغراب:
- ليه؟
عضت إبهامها بتوتر ثم أجابت بإحراج:
- لإني عملتها!
- عملتي إيه؟
رفعت طرف البلوزة إلى الأعلى ليظهر جزء مبلل من سروالها فشهقت بدور وقالت بصدمة:
- يا فضيحتك يا إيلين!
رواية اسرار عائلتي الفصل الرابع 4 - بقلم اروى مراد
تطلعت إيلين لبدور بصدمة فوقفت الأخرى محاولة سحبها:
- يلا نطلع، دي فرصتك عشان تروحي.
حركت رأسها يمينا وشمالا برفض وهي متشبثة بمكانها:
- مقدرش.
عقدت حاجبيها باستغراب:
- ليه؟
عضت إبهامها بتوتر ثم أجابت بإحراج:
- لاني عملتها!
- عملتي ايه؟
رفعت طرف البلوزة إلى الأعلى ليظهر جزء مبلل من سروالها فشهقت بدور وقالت بصدمة:
- يا فضيحتك يا إيلين! انتي لسه صغيره عشان تعملي كده؟
لوت إيلين شفتيها وملامحها أصبحت تنذر بالبكاء وقالت:
- مانتي عارفه اني بخاف واجبرتيني اتفرج على الفيلم. غصب عني والله!
عضت بدور إبهامها بتفكير ثم قالت بسرعة:
- طيب قومي روحي لاوضتي بسرعه وخدي اي حاجه من هدومي وادخلي الحمام وانا هطلب من طنط كريمة او ايوحده تنضف بقعتك.
أومأت لها إيلين وقد شرعت بالبكاء بالفعل ثم ذهبت إلي غرفة بدور بينما نزلت الأخرى ودخلت المطبخ لتطلب من إحدى الخادمات تنظيف مكانها بسرعة، ثم خرجت للبحث عن آدم. بحثت عنه متفادية الدخول إلى قاعة الجلوس بسبب تجمع العائلة هناك إلى أن وجدته في غرفة المكتب يبحث فيه عن شيء ما فسألته بإستغراب:
- بتعمل ايه هنا؟
أجاب دون أن يرفع نظره إليها:
- كان فيه فيلم جامد جدي خده مني وخباه وانا مش لاقيه.
- طيب سيبك منه دلوقتي وشوفه بكره، إيلين مامتها اتصلت عليها وقالتلها تروح دلوقتي فممكن تروحها؟
رفع وجهه إليها بتساءل:
- ومتروحش لوحدها ليه؟
- الوقت اتأخر ومينفعش تروح لوحدها لأنها بنت وكده ..
أومأ برأسه بضيق بعد أن توقف عن البحث ثم توجه للخروج فإستوقفته بدور بسرعة:
- رايح فين؟
إلتفتت إليها ورفع حاجبه بإستغراب:
- هجيب مفاتيح العربيه، في حاجه؟
توترت قليلا ثم قالت:
- وتتعب نفسك ليه؟ انا هبعتهم مع إيلين.
أومأ بملل ثم توجه للخروج قائلا:
- طيب هستناها في الجراج، قوليلها متتأخرش.
- اوك.
...
ركبت في المقعد الأمامي بعد إصرار من آدم وظلت تنظر إلى الشوارع عبر نافذة السيارة ولم تنطق بحرف طوال الطريق، فقد كانت لا تزال محرجة من فعلتها رغم أنه لا يعلم عنها شيئا. توقف أخيرا أمام بيتها الذي أملته عنوانه مسبقا .. همت بفتح الباب لكنه أقفله بسرعة من عنده. إلتفتت إليه بإستغراب تحول إلى غضب عندما رأت إبتسامة مستفزة ترتسم على شفتيه وقالت بنبرة حاولت أن تكتم فيها غضبها:
- ممكن تفتح الباب؟
حرك رأسه يمينا وشمالا بنفي:
- مش هفتح قبل ما تعتذري عن الي عملتيه.
لوت شفتيها في تذمر:
- اعتذرلك عن ايه؟ انا معملتش حاجه!
- انتي فعلا معملتيش حاجه، انتي عملتي حاجتين.
عقدت حاجبيها بغضب:
- طب ممكن تقولي انا عملت ايه؟
أجاب ببرود:
- اعتذري الاول وانا هقولك.
أشاحت بوجهها بعناد:
- وانا مش هعتذر عن حاجه انا معملتهاش.
رفع حاجبه ببسمة ساخرة:
- يعني مش هتعترفي انا كدبتي عليا وقلتي انك بتحبي افلام الرعب وانتي بتخافي منهم؟
بلعت ريقها بتوتر ثم قالت:
- انا مقولتش، بدور هي الي قالت كده.
- وانتي مقولتيش لا، يبقى كدبتي برضه.
أخفضت رأسها وقالت بصوت سمعه آدم بصعوبة:
- آسفه.
إبتسم بإنتصار قبل أن يضيف:
- والحاجه التانيه؟
رفعت رأسها إليها ولم تنطق فنظر إليها بخبث:
- مش فاكره برضه الي عملتيه وكنتي متوقعه اني مش هعرف؟
تطلعت إليه بصدمة ووجه محمر كالطماطم من شدة الإحراج وهي تفكر، هل علم بذلك؟ أومأ برأسه وكأنه فهم السؤال الذي يدور بعقلها:
- ايوه عرفت طبعا. عرفت من اول ما راحت الخدامه وانتي كنتي بتبصي لحجرك.
إزداد إحمرار وجه إيلين وحاولت فتح الباب مرات عديدة رغم علمها بأنه مقفل، كان آدم يبتسم لمحاولاتها الفاشلة إلى أن رحمها وفتح قفل الباب لتندفع إيلين خارج السيارة وتتجه إلى باب منزلها وتقف أمامه ثم تمسك بحقيبة يدها وتبحث بها عن المفاتيح، توترت كثيرا عندما لم تجدهم وهي تشعر به يقف بالقرب منها. أخذت نفسا عميقا لتهدئ نفسها ثم بحثت ثانية لكنها توقفت فجأة حين شعرت بأنفاسه خلفها ويده تمتد أمامها حاملة المفاتيح. لعنته في سرها كثيرا قبل أن تسحبهم من يده ثم تفتح الباب وتدخل سريعا وتغلقه في وجهه. إبتسم بشدة لمنظرها المحرج ثم إبتعد ليركب سيارته ويعود إلى القصر.
كانت لا تزال تقف مستندة إلى الباب الخارجي وهي تسترجع أنفاسها وتعض شفتيها من شدة الإحراج. دخلت البيت وصعدت إلى غرفتها قبل أن يراها والديها ويسألاها عن الملابس التي ترتديها، وجدت أختها التوأم تجلس بإنتظارها وفور رؤيتها إقتربت منها بسرعة وقالت بإندفاع:
- اتأخرتي ليه؟
أشارت لها بيدها للسكوت ثم توجهت نحو سريرها وجلست عليه وغرست وجهها في الوسادة وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة، إقتربت منها توأمها وتساءلت بقلق وهي تضع كفها على كتف إيلين:
- مالك يا إيلين؟ حصل ايه؟
خرج صوتها بصعوبة بسبب غرس وجهها بالوسادة وقالت بنبرة شبه باكية:
- سيبيني دلوقتي يا سرين.
نظرت إليها الأخرى بعناد وأصرت على معرفة ما حدث فسحبت وجهها وجعلتها تنظر إليها لتتفاجئ ببعض الدموع تزحف على وجنتيها، لكنها قالت بحزم مصطنع:
- قوليلي في ايه، والا هخلي ماما وبابا يعرفوا منك.
لوت إيلين شفتيها بتذمر:
- انتي كل مره بتهدديني بماما وبابا، انتي اخت انتي؟
أومأت ببرود فتنهدت إيلين ثم بدأت تحكي لها كل ما حدث منذ إتصالها ببدور إلى عودتها للبيت، وفور إنتهاءها من سرد ما حدث، إنفجرت سرين في الضحك تحت نظرات الغيظ من إيلين. هدأت قليلا ثم قالت بغمزة:
- بس قوليلي هو مز وقمر والا ..؟
رمتها بالوسادة وصرخت بغيظ:
- بقولك مش هقدر ابص في وشه تاني وانتي تقوليلي مز وقمر؟!!
ثم جلست بشرود قبل أن تتمتم بصوت مسموع:
- بس هو خطف قلبي بصراحه.
توسعت عينا سرين بصدمة قبل أن تنفجر في الضحك ثانية، أمسكت إيلين بوسادة أخرى وهمت برميها لكن سرين كانت أسرع في الهروب فركضت الأخرى خلفها وضحكاتهما تملأ البيت لتمنع سكانه من النوم بسبب هاتين المزعجتين ..
...
أطفأت نور غرفتها إستعدادا للنوم ليبقى فقط نور القمر الذي يخترق زجاج شرفتها. وقفت أمام الزجاج لبعض الوقت وهي تنظر إلى القمر بشرود قطعه فجأة صوت طرقات متتالية على الباب. إتجهت إليه وفتحته لتجد والدها يقف خلفه بإبتسامته الحنونة، بادلته الإبتسامة وإبتعدت قليلا لتسمح له بالدخول، وفور إغلاقها للباب غرست بدور وجهها بين أحضانه بصمت فوضع كفه على رأسها وتساءل بقلق:
- في ايه يا بنتي؟ انتي كويسه؟
أومأت برأسها قبل أن تبتعد وتقول بإبتسامة:
- انا بس كنت عايزه احس بالأمان، وده الي بحس بيه وانا في حضنك.
إبتسم بفرحة ثم سحبها إلى حضنه ثانية بيد واحدة فإنتبهت بدور ليده الثانية التي يخفيها خلف ظهره، حاولت النظر إلى ما يخفيه لكنه إبتعد عنها بسرعة وقال ببسمة مرحة:
- اقعدي الاول عشان اوريكي المفاجأة.
- مفاجأة؟
تساءلت بإستغراب فأومأ برأسه وإتجه ليجلس على السرير ثم أشار لبدور أن تجلس بجانبه، أخرج ما كان يخفيه خلف ظهره وقدمه لها .. حاول ألا ينفجر ضاحكا على ملامح بدور التي ظهرت عليها الصدمة عندما رأت تلك العلبة .. أخذتها منه وفتحتها ببطئ قبل أن تهمس بعدم تصديق عند رؤيتها لمحتواها:
- اييه ده؟ ده آيفون 13؟
أمسكت به وقلبته بين يديها لتتأكد من أنه حقيقي ثم إلتفتت إلى والدها وتساءلت بصدمة:
- ده ليا؟
أومأ لها بتأكيد فصرخت بفرحة وعانقته بإمتنان:
- شكرا شكرا اوي يا بابا، كنت بتمنى يبقى عندي سمارت فون من زمان.
بادلها العناق قائلا:
- المره الجايه لما تبقي عايزه حاجه قوليلي ومتتكسفيش.
أومأت برأسها ثم أمسكت بالايفون ونظرت إليه قليلا قبل أن تحول أنظارها إلى أكرم قائلة بتذكر:
- اه افتكرت، المفروض اروح الجامعه بكره لاني اخر سنة في كلية الهندسة لو مش عارف بس مين هيوديني؟
- عارف بس ممكن مقدرش اوصلك لاني بروح الشغل بدري بس هخلي واحد من اخواتك يوصلك.
- اوك.
قالتها بصوت منخفض قبل أن تشرد قليلا .. لاحظ شرودها فأفاقها منه متساءلا:
- سرحتي في ايه؟
قالت ببعض القلق:
- انتو بجد بتكرهوا الستات؟
حدق بها قليلا قبل أن يضحك بشدة تحت نظرات الاستغراب من بدور .. توقف عن الضحك ثم قال:
- اعمامك كانو بيهزروا معاك على فكره.
- طيب مرات عمي أحمد انتحرت ليه؟ وعمي محمد طلق مراته ليه؟
أجاب بجدية:
- دي حاجات شخصيه مكنش لازم تسألي عليها خاصة انك لسه جايه انهارده.
أخفضت رأسها بإعتذار:
- اسفه، بس كان فضول مش اكتر.
عم الصمت لثوان قبل أن ترفع رأسها ثانية وتتساءل:
- طب ليه حاسه ان الشباب مش مرحبين بيا؟
- لانهم مبيثقوش في الستات بسرعه.
لوت شفتيها ببعض الحزن:
- أمجد برضه قالي كده بس ده مش مبرر للطريقه الي استقبلوني بيها.
سكت لبعض الوقت ينظر إليها بنظرة غريبة قبل أن يتنهد ويقول:
- انا كنت متجوز وحده تانيه قبل ماتجوز مامتك وخلفت منها رسلان.
تطلعت إليه بصدمة بينما واصل هو بهدوء:
- بس طلقتها بعد سنه من ولادته.
- ليه؟
- لاني اكتشفت انها كانت بتخوني مع اقرب صاحب ليا.
توسعت عيناها بصدمة أكبر، لاحظت ملامح والدها التي تخلو من الألم أو الحزن فتساءلت:
- كنت بتحبها؟
هز كتفيه بجهل:
- مش عارف، بس انا دلوقتي مش بطيقها اصلا.
- طب ورسلان؟
- ماله؟
- رد فعله كان ايه؟
- مكنش عارف الحكايه اصلا، لما طلقتها كان عنده ست شهور بس وبعدها اتجوزت مامتك وهي عاملته على أساس انه ابنها وهو كبر على انها امه، وعرف الحقيقه لما كبر ومراتي الاولى جت بحجة انها تشوف ابنها رغم انها مسألتش عنه طول السنين الي فاتت.
ضحك بسخرية وهو يتابع:
- كانت محتاجه فلوس فجت عشان تطلب منه فلوس بعد ما عرفت انه بقى مهندس قد الدنيا، وساعتها اضطريت اقوله الحقيقه.
نظرت بدور أمامها بشرود ثم تحدثت:
- يعني تصرفاته بارده عشان كده؟
- الكل عرف الحكايه ومن ساعتها كل الشباب بقوا شكاكين اوي ناحية الستات، وعشان كده مفيش حد منهم اتجوز لحد دلوقتي.
نظرت إلى ملامحه التي يظهر عليها تأنيب الضمير بينما قال:
- مكنتش عايز اقولهم عشان متسببش في عقده ليهم بس الي حصل حصل.
لوت شفتيها بحزن ثم بدأت ملامحها تنكمش شيئا فشيئا قبل أن تنفجر فجأة في البكاء. نظر إليها أكرم بصدمة ثم احتضنها قائلا بقلق:
- بتعيطي ليه يا بنتي؟
أجابت من بين شهقاتها:
- مكنتش عارفه ان كل ده حصلك وانا مش معاك.
إبتعدت عنه وهي تمسح دموعها بكف يدها بطفولة وتضيف:
- انا اسفه.
رفع حاجبيه بإستغراب:
- على ايه؟
سكتت قليلا ثم قالت بغباء:
- معرفش.
إبتسم لها ثم مد يده ليمسح دموعها قائلا بشرود:
- بريئة اوي .. شبه ليليا!
إنتبهت بدور لذكره لإسم والدتها فقالت بتلقائية:
- شبه ماما؟
أومأ برأسه بهدوء فإبتسمت قائلة:
- كلهم بيقولولي كده، وانا فخوره لاني شبهها.
إبتسم ولم يجب، سكتت قليلا قبل أن تفاجئه بسؤالها:
- كنت بتحبها؟
أومأ بهدوء وبسمة تحمل الحزن في طياتها، مطت شفتيها بحيرة وقالت متسائلة:
- امال انفصلتوا ليه؟
حدق بها قليلا بصمت ثم قلب الموضوع فجأة قائلا:
- انتي مرتبطه او .. في حد بتحبيه؟
تضايقت من تهربه عن الإجابة لكن سؤاله فاجأها فتوترت قليلا وكادت تجيبه لكنه قاطعها بنظرة جادة:
- متكدبيش!
أخفضت رأسها وقالت بصراحة:
- ايوه ..
رواية اسرار عائلتي الفصل الخامس 5 - بقلم اروى مراد
حدق بها قليلا بصمت ثم قلب الموضوع فجأة قائلا:
- انتي مرتبطه او .. في حد بتحبيه؟
تضايقت من تهربه عن الإجابة لكن سؤاله فاجأها فتوترت قليلا وكادت تجيبه لكنه قاطعها بنظرة جادة:
- متكدبيش!
أخفضت رأسها وقالت بصراحة:
- ايوه ..
رفع حاجبه ونظرة حادة ظهرت في عينيه فسارعت بالحديث:
- انا مش مرتبطه والله بس معجبه بحد ..
سكتت قليلا تلاحظ نظراته التي إحتدت أكثر لكنها واصلت بتردد:
- وو .. هو طلب اننا نرتبط .. بس انا لسه موافقتش.
- وانتي ناويه توافقي؟
- معرفش .. انا لسه متردده ..
زفر بهدوء قائلا:
- أنا عارف انك متربيتيش على الدين بما ان ليليا ماتت وانتي لسه صغيره بس لازم تعرفي ان ارتباطك بأي حد كده من غير خطوبة ولا جواز محرم في ديننا.
لاحظ عدم إقتناعها فواصل:
- بس خلينا نتكلم بالعقل، اولا هو عايز يرتبط بيك ليه؟
أجابت بإستغراب من سؤاله:
- عشان .. بيحبني وعايز يتجوزني!
- وانتي عرفتي ازاي انه بيحبك؟
- هو قالي ...
قاطعها بنظرة ذات مغزى:
- وانتي صدقتي كلامه؟ مش ممكن يكون بيكدب عشان ياخد منك الي هو عايزه؟
عقدت حاجبيها بضيق وقالت:
- ده تفكير قديم يا بابا مفيش حد ...
قاطعها مرة أخرى:
- بس لسه موجود للأسف وفي كتير بيفكروا كده وانتي مش هتقدري تقرئي نواياهم طبعا، بس انا راجل وعارف تفكيرهم كويس وعشان كده بحذرك منهم.
أخفضت رأسها مردفة بحيرة:
- اعمل ايه يعني دلوقتي؟
- قوليله يجي يقرا معايا الفاتحه لو عايز يتجوزك بجد، ولو قالك انه عايز يكون نفسه قوليله اني موافق تتخطبوا لحد ما يبقى جاهز، وإجابته بعدها هتحدد نيته.
أومأت برأسها بطاعة:
- حاضر....
إستيقظت صباح الغد على صوت إحدى الخادمات يناديها، قامت بكسل بسبب نومها بالأمس في وقت متأخر، أخذت حماما سريعا وإرتدت ملابسها قبل أن تنتبه إلى حقيبة كبيرة لا تعلم متى ومن جلبها لكنها تحتوي على كل حاجياتها التي كانت في بيت خالها. إبتسمت براحة لتخلصها منه ثم نزلت إلى قاعة الطعام ظنا منها أنها ستجد الجميع مجتمعا هناك لكنها وجدت فقط أدهم وأمجد يجلسان سويا ويتناولان فطور الصباح .. لاحظ أمجد وجودها فقال بإبتسامة:
- صباح الخير يا قمر!
ردت له الإبتسامة قائلة وهي تجلس بجواره:
- صباح النور.
وضعت الخادمة أمامها الفطار لتبدأ في تناوله بهدوء قبل أن تسأل:
- هو بابا والباقي فين؟
أجابها أمجد:
- كل واحد راح لشغله.
رفعت حاجبيها وتساءلت بإستغراب:
- مش لسه بدري اوي كده؟
- في الي شغلهم بعيد عن البيت عشان كده بيطلعوا بدري.
أومأت بفهم ثم تساءلت ثانية:
- امال مين الي هيوصلني للجامعه؟
- هو المفروض اوصلك انا بما اني دكتور في نفس جامعتك بس انا النهارده اجازه عشان كده هيوصلك أدهم.
إلتفتت لتنظر إلى أدهم الذي رمقها بضيق ولم يعلق، حاولت تجاهل ذلك وواصلت تناول فطورها ثم عادت إلى غرفتها لتجهز نفسها ثم تنتظر موعد ذهابها إلى الجامعة....
- بنت الكلب هربت ازاي وراحت فين؟! انا هتجنن!!
كان يصرخ بتلك الكلمات وهو يكسر كل ما يجده أمامه وزوجته تقف بعيدا بضيق وتقول:
- ومالك متعصب كده ليه يا فادي؟ ما تروح في داهيه احنا مالنا؟
إقترب منها بغضب وصرخ:
- انتي عارفه يعني ايه هربت يا سوسن؟ يعني ممكن تكون راحت لأبوها وده الي مستحيل اسمح انه يحصل!
لوت سوسن شفتيها بإستنكار:
- ما كل واحد فيهم مفكر ان التاني ميت ومفيش حد بيعرف الحقيقه غيرنا احنا وليليا الي ماتت خلاص هيعرفوا بعض منين؟
- ما ده الي مجنني، هتكون راحت فين واخدت معاها حاجاتها لو مكنتش راحت لعند ابوها.
- ممكن تكون راحت عند وحده من صاحباتها؟
هدأ قليلا حين إقتنع قليلا بتلك الفكرة ثم جلس على أحد المقاعد ووضع يده على رأسه قائلا:
- انا لازم اتأكد انها موصلتش لابوها، هروح النهارده الجامعه وادور عليها هي اكيد هتروح لانها متعلقه بجامعتها اوي.
زفرت سوسن بضيق قبل أن تسمع صوت جرس الباب، إتجهت نحوه وفتحته لتجد أخت زوجها الكبرى تقف خلفه ببرود، لوت جانب شفتها بقرف فور رؤيتها لكنها إستطاعت رسم إبتسامة مزيفة وقالت بترحيب مصطنع وهي تتنحى جانبا لتسمح لها بالدخول:
- اهلا بيكي يا ست فريده، اتفضلي!
دخلت فريدة وهي تبتسم بتهكم لمعرفتها بزيف تلك الابتسامة، لاحظت الفوضى التي حلت بالشقة وجلوس أخيها الأصغر بملامح يبدو عليها الضيق والغضب، جلست أمامه وقالت بإبتسامة باردة:
- بتدور على بدور؟
رفع رأسه إليها بسرعة وقال:
- انتي عارفه هي فين؟
أومأت برأسها وأردفت بنفس الابتسامة:
- عند باباها.
وقف فادي فجأة وصرخ بغضب:
- نعممم؟؟! ازاي وهي عرفت منين انه لسه عايش؟!
وقفت هي الأخرى بتعجب مصطنع:
- هو انت كنت عارف انه لسه عايش؟
تراجع قليلا وقال بتلعثم:
- ل .. لا و .. وانا هعرف م .. منين يعني انه ع .. عايش؟ انا بس ...
قاطعته بإبتسامة مزيفة:
- اه طبعا هتعرف منين؟ عموما انا قابلته صدفه وعرفت انه ممتش زي مانتو فاكرين وانا طبعا مصبرتش وخليت بدور تلم هدومها واخذتهاله فورا واسفه لاني مقلتلكش.
ضغط فادي على قبضة يده بقوة وهو يحاول أن لا ينفجر في أخته الكبرى بينما هي تواصل إغضابه بكلماتها العفوية قائلة:
- كنت بحسب انك بتكرها لانك بتضربها بس واضح من حالتك دلوقتي انك متعلق بيها اوي، انا اسفه لاني ظلمتك بس لما توحشك ممكن تزورها في بيت ابوها معتقدش انه هيمانع!
قالت ذلك ثم نظرت إلى ساعتها وقالت:
- ودلوقتي عن اذنك لاني رايحه مشوار مهم، انا بس جيت عشان اطمنك على بنت اختك!
إنتهت من حديثها ثم أسرعت بالخروج من الشقة تاركة به كتلة من الغضب تكاد تنفجر، خرجت من العمارة ثم نظرت إلى الأعلى حيث شقة أخيها بحزن وهي تسترجع ذكرياتها في ذلك اليوم ...
{ كانت تحمل كيسا صغيرا بيدها وعلى وجهها إبتسامة عريضة وتمشي في الشارع بشرود دون أن تنتبه إلى تلك الدراجة النارية التي تسرع نحوها، شعرت فجأة بيدين تجذبانها إلى الرصيف بسرعة لتنقذها منها ثم صوتا رجوليا يقول:
- انتي كويسه؟
لم تجبه وظلت تنظر إلى نقطة ما في الشارع بصدمة.
نظر إلى ما تنظر إليه فوجد الكيس الذي كانت تحمله والذي كان يحتوي على بعض الشكولاتة ملقى على الطريق وبعض الأطفال يأخذونها بسرعة ويهربون. نظر إليها مجددا وأعاد سؤاله عليها:
- متقلقينيش عليكي، انتي كويسه؟
إنتبهت إليه أخيرا وتحولت ملامحها إلى الشراسة وصرخت بنبرة تبدو طفولية على الرغم من كبر سنها:
- انت شايف ايه؟ بعد ما اتسرقت الشوكولاته بسببك بتسألني انتي كويسه والا لا؟!
تضايق من نبرتها وقال:
- انتي كنتي هتموتي لولا اني سحبتك على فكره، المفروض تشكريني!
وضعت يديها على خصرها قائلة:
- طيب، هشكرك بس بشرط ..
صرخ بإستنكار:
- نعمم؟!! هو الشكر بقى بشروط وانا اخر من يعلم؟!
واصلت وكأنها لم تسمعه:
- تشتريلي شوكولاته بدل الي اخدوها الاولاد.
لوى شفتيه بسخرية وهم بالرحيل لكنها إستوقفته بنبرة حزينة راجية:
- لو سمحت!
إلتفت إليها بإستغراب من تغير نبرتها فواصلت:
- كنت عايزه اخدها لبنت اختي بدور النهارده ودفعت عليها نص الفلوس الي كانت عندي ..
- إسمها بدور؟!
قالها بشرود فأومأت هي ببعض الاستغراب:
- ايوه، في حاجه؟
إبتسم قائلا بهدوء:
- بنتي كان اسمها بدور.
- بجد؟ طب هي فين؟ وعندها كام سنه؟
أجاب بحزن:
- اتوفت لما كانت صغيرة.
أخفضت عينيها بأسف:
- ربنا يرحمها.
- مش هتجي عشان اشتريلك الشوكولاته؟
قالها بنبرة حاول أن يجعلها مرحة لقلب الموضوع فأومأت له ببسمة وذهبت خلفه إلى السوبر ماركت الذي كان قريبا من مكان وقوفهم.
قدم لها الكيس فإبتسمت له بإمتنان:
- شكرا اوي يا استاذ ...
- أكرم.
تطلعت إليه بنظرة غريبة أثارت القلق في قلبه فتساءل:
- في حاجه؟
أجابت بهدوء:
- إسمك الكامل ايه؟
عقد حاجبيه بإستغراب من طلبها وسأل بشك:
- عايزاه في ايه؟
تجاهلت سؤاله وفاجأته هي بسؤالها:
- مراتك كان إسمها ليليا هشام؟
توسعت عيناه بصدمة:
- عرفتي ازاي؟
- انت أكرم عبد الرحمان العمري؟
إزدادت صدمته من معرفتها لهويته بينما تأكدت من أنه هو فواصلت:
- انت متأكد ان بنتك ماتت؟ يعني .. شفت جثتها؟
نفى برأسه قائلا وعلامات الذهول لا تزال تعلو وجهه:
- لا .. انا مكنتش موجود معاها ساعتها، مامتها هي الي قالتلي انها ...
قطع كلامه فجأة وهو يفكر في شيء ما قبل أن يصرخ لا إراديا:
- يعني ممكن تكون بدور عايشه وليليا كدبت عليا؟!
ثم نظر إليها وقال بحدة:
- انتي مين؟
- اخت ليليا.
همس بصدمة:
- يعني بنت اختك هي .. بنتي؟ بس ازاي؟
- أنا مكنتش عارفه حاجه عن الي حصل، كنت مسافره برا عشان افضل مع بنتي وجوزها ونزلت مصر قبل تلات سنين بس، وعرفت ان ليليا اتجوزت وخلفت بنت وبعدها جوزها اتوفى وهي وبنتها قعدوا مع اخويا لحد ما ليليا ماتت لما بدور بقى عندها اتناشر سنه ..
- ومين قالك الكلام ده؟
- فادي اخويا.
أغمض عينيه بشدة وهو يتنفس بغضب، فتحها مجددا وقال بهدوء يشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة:
- كدبوا عليا وقالولي انها ميته، وكدبوا عليكم وقالولكم اني ميت .. هه ذكيه اللعبه.
رفع نظره إليها وأضاف برجاء:
- ممكن تخليها تقابلني من غير ما تحكيلها حاجه؟
أومأت موافقة:
- تمام. }
أفاقت من ذكرياتها على صوت أخيها الذي نزل من شقته ووقف بجانبها يقول:
- واقفه كده ليه يا فريده؟
- ولا حاجه.
قالت ذلك ثم إبتعدت لتعود إلى منزلها وهي لا تتوقف عن التفكير في السبب الذي جعل أخويها يكذبان على أكرم وبدور ويريدان قطع الصلة بينهما .....
وقفت سيارة مرسيدس فاخرة أمام باب الجامعة لتلفت إنتباه جميع الواقفين. شعرت بدور ببعض الغرور فإلتفتت إلى أدهم الذي كان يجلس بمقعد السائق وينتظر نزولها بملل وقالت برجاء:
- لو سمحت يا ادهم، ممكن تنزل وتجي تفتحلي الباب وتديني بوسه وتعمل نفسك حبيبي قدام الناس الي واقفه برا دول؟
نظر إليها بإستنكار فسارعت بالقول:
- هعملك الي انت عايزه والله بس اعمل الي قلتلك عليه!
تجاهل طلبها قائلا:
- انزلي وخلصيني يا بدور، انا مش ناقصك!
أردفت برجاء أكبر:
- بقولك هعملك اي حاجه حتى لو طلبت مني اطلع من القصر ومن حياتك ومرجعش تاني!
حدق بها قليلا بتفكير ثم قال:
- اتفقنا.
وقبل أن يهم بالنزول أوقفته بسرعة قائلة:
- استنى انا بهزر معاك! اي حاجه الا اني اسيب بابا!
قال بهدوء غامض:
- مش ده الي انا عايزه منك اصلا، هقولك على طلبي بعدين بس عايزك تنفذيه من غير نقاش ولا أسئلة!
أومأت بدون تردد:
- موافقه!
نزل وإتجه نحو بابها ثم فتحه ببسمة متكلفة لتنزل هي بغرور مصطنع ثم تقترب منه ليقبله خدها ويبتعد بسرعة محاولا ألا يظهر غيظه من ذلك الموقف التافه. غمزت له ببسمة عريضة ثم إتجهت لتدخل الجامعة وهي تكتم ضحكاتها بصعوبة على منظر أولئك الذين ينظرون إليها بصدمة وتعجب، وبعض الفتيات اللواتي تنظرن إليها بغيرة وحسد. رحل أدهم وهو يشتمها في سره بينما وقفت هي فجأة حين اعترضها التوأم الأقرب إلى قلبها لتقول سرين بضيق:
- مين ده يا بدور؟
أجابتها بغرور مزيف:
- حبيبي.
- يعني برضه مسمعتيش كلامي وارتبطتي؟
ضحكت بدور بشدة بينما قالت إيلين:
- بدور بتهزر معاكي على فكره، ده واحد من اخوتها الي حكتلك عنهم امبارح.
أومأت بدور مؤكدة على كلامها:
- ده اخويا زي ما قالتلك، وبعدين انا لو هرتبط فهرتبط بنادر.
لوت سرين شفتيها بضيق:
- يعني هتوافقي ترتبطي بيه برضه؟
نفت برأسها قائلة ببسمة:
- بعد تفكير وشوية نصايح من بابا الغالي الي عرفته امبارح، قررت اني مش هرتبط بيه من غير خطوبه او جواز.
إبتسمت سرين بفرحة وصاحت:
- كويس ان حد قدر يقنعك بعد ما فشلت انا!
كادت بدور تتحدث لكن إيلين سبقتها قائلة:
- طب يلا نلحق المحاضره بسرعه.
أومأت الإثنتان ودخلن الجامعة متجهين إلى المدرج والذي فور دخولهم إليه تفاجؤوا بذلك المنظر المقرف حيث صدمت بدور وهي ترى نادر يسحب إحدى الفتيات من خصرها ويقبلها أمام عينيها وأمام الجميع دون خجل. إنصدم الجميع من فعله خاصة وأنهم يعلمون بحبه لبدور وحبها له، إقتربت سرين من بدور التي تحدق به بنظرة خالية من المشاعر وهمست لها بشفقة:
- ده ميستاهلكش يا بدور، اوعي تزعلي عشانه.
في ذلك الوقت كان كل تفكير بدور يعود بها إلى نصائح والدها بألا تثق بأحد ثقة عمياء، أشارت لسرين وإيلين بالجلوس وجلست بجوارهما ببرود مما أثار تعجب الجميع، لكن أحدا لم ينطق بسبب دخول الأستاذ وبداية المحاضرة....
مر اليوم ببطئ شديد وبدور تعامل الجميع ببرود، فهمت في تلك اللحظة سبب برود إخوتها وأبناء عمها الدائم، فبعض المواقف الصادمة تجعلك غير راغب في الشعور بأي شيء. إنتهى الدوام وإتجهت للخروج ومعها صديقتاها المقربتان لولا ذلك الصوت البغيض الذي أوقفها قائلا:
- استني.
إلتفتت إليه وعقدت ذراعيها أمام صدرها بهدوء:
- خير يا نادر؟
- انتي عارفه انا عملت كده ليه؟
أجابت بلامبالاة:
- مش مهتمه اعرف.
همت بالذهاب لكنه إستوقفها ثانية:
- لانك سمحتي لحد تاني يبوسك الصبح قدام الكل ومعملتليش اي اعتبار.
إبتسمت بسخرية:
- وانت ما صدقت اعمل كده عشان تعمل انت برضه الي عملته في المدرج؟ مفكرتش انه ممكن يكون اخويا مثلا؟
ردد بصدمة:
- اخوكي؟
زادت إبتسامتها الساخرة إتساعا وقالت:
- ايه؟ اتصدمت؟
تغيرت ملامحها فجأة إلى الجدية وأردفت:
- ومتنساش اننا لسه مرتبطناش عشان اعملك اعتبار وانا اصلا كنت هبلغك برفضي.
قالت كلماتها تلك وإبتعدت عنه بينما نظرت إليه سرين بقرف وإيلين بشماتة ثم لحقا ببدور وخرجن معا لتجد بدور سيارة أدهم تقف قريبة منها وأدهم يستند عليها وينظر إلى ساعة يده بملل. إنتبه إلى خروجها أخيرا فتقدم منها وقبل أن ينطق بحرف سارعت هي بالحديث مشيرة إلى التوأم:
- هنوصل إيلين وسرين في طريقنا، ممكن؟
أومأ بلامبالاة:
- ممكن بس اطلعوا بسرعه مش عايز نتأخر.
ركبت بدور من الأمام والتوأم في الخلف ثم ركب أدهم وقاد سيارته بعد أخذه لعنوان بيت التوأم.
بعد قليل من الصمت بادر بالحديث قائلا بهدوء:
- مش ناسيه اتفاقنا الصبح صح؟
بلعت بدور ريقها وقالت:
- ايوه، هعملك الي انت عايزه.
- في بنت صغيره عايزك تاخديها للقصر بأي حجه وتخليها تعيش معانا بس من غير ما تجيبي سيرتي.
تساءلت بدون وعي:
- بتقصد بنتك الي كانت في الفيديو الي شفته في اللاب توب بتا ...
قطعت كلامها حين توقف بالسيارة فجأة ونظر إليها بحدة، وضعت كفها على فمها حين إنتبهت لما تفوهت به بينما كانت إيلين وسرين تكتمان ضحكاتهما في الخلف. إبتسمت له بدور بغباء قائلة:
- آسفه والله مكنش قصدي افتحه، بس الفضول غلبني.
أخذ نفسا عميقا ليهدئ نفسه قبل أن يسأل:
- قلتي حاجه لبابا؟
نفت برأسها فقال:
- لو عايزاني انسى الي عملتيه، متقوليلوش حاجه.
هزت رأسها موافقة فتابع القيادة بصمت، لكن بدور لم تستطع منع نفسها من سؤاله:
- هو انت متجوز من ورا العيله؟
نفى برأسه فقالت:
- امال دي بنت مين؟
- بنتي.
- بنتك ازاي وانت مش متجوز؟
- غلطت مع وحده ..
رواية اسرار عائلتي الفصل السادس 6 - بقلم اروى مراد
بعد قليل من الصمت بادر بالحديث قائلاً بهدوء:
- مش ناسيه اتفاقنا الصبح صح؟
بلعت بدور ريقها وقالت:
- أيوه، هعملك اللي انت عايزه.
- في بنت صغيرة عايزك تاخديها للقصر بأي حجة وتخليها تعيش معانا بس من غير ما تجيبي سيرتي.
تساءلت بدون وعي:
- هتجيبي بنتك اللي كانت في الفيديو اللي شفته في اللاب توب بتاع...
قطعت كلامها حين توقف بالسيارة فجأة ونظر إليها بغضب، وضعت كفها على فمها حين انتبهت لما تفوهت به بينما كانت إيلين وسرين تكتمان ضحكاتهما في الخلف.
ابتسمت له بدور بغباء قائلة:
- آسفة والله بس الفضول غلبني وخلاني أفتح اللاب بتاعك.
أخذ نفساً عميقاً ليهدئ نفسه قبل أن يسأل:
- قلتي حاجة لبابا؟
نفت برأسها فقال:
- لو عايزاني أسامحك، متقوليلوش حاجة.
هزت رأسها موافقة فتابع القيادة بصمت، لكن بدور لم تستطع منع نفسها من سؤاله:
- هو انت متجوز من ورا العيلة؟
نفى برأسه فقالت:
- امال دي بنت مين؟
- بنتي.
- بنتك إزاي وانت مش متجوز؟
- غلطت مع واحدة..
صدمة ألجمت ألسنتهن وهن يسمعنه يقول ذلك بكل برود، لم تستطع بدور التعليق عن ذلك لكنها سمعت سرين تصرخ في الخلف بدلاً عنها:
- انت ازاي تعمل كده؟
رفع حاجبه قائلاً دون أن يلتفت إليها:
- وانتي مالك؟
قالت بصوت ضعيف بسبب بكائها المفاجئ:
- طب انت مش بتخاف ربنا وعصيته ده بينك وبينه إحنا ملناش دعوة، بس الطفلة ذنبها إيه؟
قطعت كلامها شهقة صدرت منها جعلته ينظر إليها من مرآة السيارة باستغراب من سبب بكائها، بينما واصلت هي دون أن تعي بما حركت كلماتها داخل قلبه:
- ذنبها إيه إنها تبقى بنت حرا.م؟!
- إخرسيي!!!
صرخ بها وهو يقف على جانب الطريق ويتنفس بعنف، أثار الخوف في قلوب الفتيات الثلاث.
أردف بحدة:
- انتي فاكرة إن ده مبسوط كده يعني؟
لوت شفتيها بقر.ف وهي تجيب:
- مانت لو فكرت كويس قبل ما تغضب ربنا مكنش ده حصل.
أرسل لها نظرات مميتة من خلال المرآة جعلتها تبتلع ريقها بخوف، نطق بهدوء مخيف:
- انزلوا.
أطلت من زجاج النافذة لتجد أنهم يقفون بأول الشارع الذي يقطنون به.
نزلت هي وإيلين دون أن تضيف كلمة أخرى، فهم أدهم بتحريك السيارة، لكن بدور سبقته حين نزلت هي الأخرى ثم ابتعدت قليلاً لتقف وتتحدث مع التوأم.
زفر بضيق واختار انتظارها في مكانه حتى لا يواجه تلك التي أعادت له الشعور بالذ.نب ثانية، لكنه وجدهن يعدن إلى السيارة وتجلس كل منهن في مكانها بهدوء.
نظر إلى بدور بعدم فهم فقالت ببرود:
- لما بابا يسألني عن بنتك هقوله إنها قريبة البنات ولما اتيتمت أبوهم كان هيوديها للملجأ بس إحنا صعبت علينا وأنا قررت آخدها عندي، وطبعاً عشان أخليه يصدق لازم أجيب البنات معايا.
ظهرت علامات الاعتراض على وجهه لكنه لم ينطق، تحرك بسيارته واكتفى بالنظر إلى سرين عن طريق المرآة، لكنه ابتسم بسخرية حين رأى الاعتراض واضحاً بملامحها هي الأخرى فقال:
- واضح إن في حد تاني معترض على الفكرة.
فهمت سرين أنه يقصدها فأجابت قاصدة استفزازه بكلماتها:
- أنا مبحبش أعصي ربنا حتى لو بالكذب، بس هضطر أعمل كده للأسف عشان بنت صغيرة أبوها مفكرش فيها قبل ما يغلط مع أمها.
ضغط على يده التي تمسك مقود السيارة بشدة وكاد يرد على كلامها لولا تدخل بدور بسرعة محاولة تغيير الموضوع:
- بس مقلتلناش يا أدهم، هي اسمها إيه؟
أجاب بعد أن أخذ نفساً عميقاً وقرر تجاهل تلك المستفزة:
- براءة.
لكن سرين كانت تصر على إشعال غضبه فلوت شفتيها بسخرية قائلة:
- يا ريتها تبقى اسم على مسمى بس إزاي وانت أبوها.
وصل غضب أدهم إلى أقصى حده فصرخ بها بعصبية شديدة:
- والله لو مسكتيش دلوقتي هخليكي تحملي بنتي التانية في بطنك!
انصدمت كل منهن جراء جرأته وخاصة سرين التي صرخت وهي تعود للبكاء ثانية:
- انت قليل الأدب!
- ولو مقفلتيش بقك ده هقل أدبي معاكي بجد، فاحسنلك تفضلي ساكتة لحد ما نخلص!
حاولت فتح الباب وهي تواصل الصراخ:
- نزلنييي، نزلنيي أنا مش هروح معاكم!!
تجاهل صراخها وتابع القيادة متظاهراً باللامبالاة ولكنه في داخله يتمنى أن يقطع رأسها ويدفنه في الأرض ثم يدفن جسدها في المريخ.
سمع همسات الثانية إليها والتي من الواضح أنها تحاول تهدئتها، وابتسم بانتصار لاستطاعته استفزازها.
أما بدور، فقد كانت تحول نظراتها بينهما بقلق، فسرين من المستحيل أن تصمت عن كلام أدهم بسهولة، وأدهم يبدو شخصاً عصبياً ولا يخاف الله وقد يصل به الأمر إلى إيذاء صديقتها العزيزة.
بلعت ريقها وهي تتمنى في سرها أن يمر اليوم على خير وبعدها لن تسمح لهما بأن يتقابلا مرة ثانية.
بعد القليل من الوقت، وقف أدهم أمام عمارة ما لينزل ويشير للفتيات بالنزول، اتجه نحو الشقة المقصودة وهن يسرن خلفه بصمت، طرق الباب وانتظر لثوان قبل أن تفتح لهم سيدة تبدو في نهاية عقدها الرابع وتقول ببسمة مرحبة:
- أهلاً وسهلاً يا أدهم بيه!
بادلها أدهم الابتسامة قائلاً:
- أهلاً يا سماح.
انتبهت إلى وجود أشخاص غير أدهم فقالت بتعجب:
- مين دول؟
- تعالي ندخل الأول وبعدين أحكيلك....
- يعني مش هشوف براءة تاني؟
قالتها سماح بحزن بعد أن أعلمها أدهم بأنه سيأخذ ابنته إلى قصره لتعيش معه أخيراً.
ابتسم لها قائلاً بلطف فاجأ الفتيات:
- لا طبعاً، براءة اتعودت عليكي خلاص ومينفعش ابعدك عنها، وأنا هتصرف وأجيبك انتي كمان للقصر عشان ترجعي تعتني بيها تاني.
ابتسمت بسعادة قائلة:
- شكراً أوي يا بيه.
- بس هي فين دلوقتي؟ ومخرجتش عشان تسلم عليا زي العادة ليه؟
أجابت بضحكة:
- بتقولي إنها زعلانة منك لأنك اتأخرت عليها.
ابتسم بشدة على تصرفات ابنته المدللة وقال بمرح:
- لازم أدخل أراضيها يعني؟
أومأت سماح بصمت فتنهد ببسمة واتجه نحو غرفتها ثم طرق الباب قبل أن يدخل بهدوء ليجدها تجلس على سريرها تستند بظهرها عليه وتفرد رجلها اليسرى وتضع رجلها اليمنى فوقها وتعقد ذراعيها أمام صدرها وعلى وجهها تظهر ملامحها الطفولية العابسة.
ابتسم لها بحب وهو يقترب منها ويقول:
- حبيبة بابا الغالية عاملة إيه؟
أشاحت بوجهها بعبوس:
- زعلانة منك.
جلس على طرف السرير قائلاً بحزن مصطنع:
- زعلانة من بابا؟ طب ليه؟
أجابت بلوم:
- لأنك اتأخرت عليا.
ابتسم على براءتها وأمسك وجهها ليديره إليه ويجعله بمواجهته وقال ببسمة:
- طب مش عايزة تعرفي أنا اتاخرت ليه؟
نظرت إليه باهتمام فواصل:
- لأني أخيراً هاخدك تعيشي معايا في قصر جدو!
لمعت عيناها بفرحة وصرخت:
- بجد يا بابا؟!!
أومأ بتأكيد:
- بجد يا روح بابا.
قفزت من السرير وهي تصرخ بصوت عالٍ من الفرحة ثم احتضنته وهي تردد:
- بحبك بحبك بحبك يا أغلى حاجة في حياتي!
شدد على احتضانها وهو يشعر بالسعادة لسعادتها وقد تناسى تماماً وجود الفتيات لولا أنه سمع صوتاً هامساً من خلفه يقول:
- دي بريئة أوي! زي اسمها بالظبط!
التفت إلى مصدر الصوت ليجدها سرين التي كانت تنظر إليهما ببعض التأثر وبجانبها بدور وإيلين وكان من الواضح أنهن كن يختلسن النظر إليهما.
تنحنح ببعض الإحراج وهو يحمل ابنته ويتقدم منهن وقال مخاطباً براءة وهو يشير إلى بدور:
- دي عمتك والاتنين التانيين أصحابها.
نظرت إليه باستغراب وتساءلت:
- عمتو؟ مش انت قلت إن ملكش أخوات بنات؟
- آه عمتك وأبوكي عنده أخت، عندك اعتراض؟!
قالتها بدور وهي تنظر إليها بغضب مصطنع فابتسمت لها براءة وقالت ببسمة:
- لا أبداً أنا مبسوطة أوي إن ليا عمة حلوة زيك!
ابتسمت بدور بشدة ثم سحبتها من أدهم وحملتها وهي تقول بمرح:
- لا انتي خطفتي قلبي خلاص! ما تجيبي بوسة!
قالت جملتها الأخيرة وهي تعطيها خدها لكن إيلين سحبتها بسرعة لتحملها هي قائلة:
- لااا بوسيني أنا الأول!
لكنها شعرت بعضة بخدها فأنزلتها بسرعة وهي تصرخ وأمسكت خدها قبل أن تنظر إليها بصدمة.
عادت الصغيرة لتقف بجوار والدها وقالت ببرود:
- سوري بس مش بحب البوس!
ابتسم لها أدهم بفخر.
فنظرت إليه سرين بضيق وتساءلت ببعض الغضب:
- انت مانعها من إنها تبوس حد؟ انت إيه يابني عايز الطفلة تتحد والا إيه؟
تجاهل كلامها وأمسك بيد ابنته ثم توجه لخارج الغرفة وهو يخاطبها قائلاً:
- يلا نروح يا حبيبتي، هبعت حد يجيبلك هدومك بعدين عشان منتأخرش دلوقتي.
اغتظت سرين من تجاهله لها فصرخت:
- أنا بكلمك على فكرة!
وقبل أن يجيب هو التفتت إليها براءة وقالت بحدة:
- متعليش صوتك على بابا، فاهمه؟!
تطلعت إليها الفتيات باستغراب، فطريقة كلامها التي تشبه التهديد لا تدل على أنها مجرد صغيرة بريئة وتجعلها تبدو أعقل من الأطفال.
أما سرين، تلك الفتاة الحساسة والتي تعشق الأطفال، فقد عادت فجأة للبكاء، لاحظت بدور وإيلين ذلك فحاولتا تهدئتها وهما تهمسان لها ببعض الكلمات لكن بكاء سرين الذي ازداد جذب انتباه أدهم الذي التفت أخيراً ليزفر بضيق متسائلاً:
- بتعيطي ليه دلوقتي؟
واصلت سرين البكاء دون رد.
شعرت براءة ببعض الندم فاقتربت منها وقالت بهدوء:
- متزعليش مني، مكنش قصدي أتكلم معاكي كده بس أنا مش بستحمل إن حد يضايق بابا وانتِ أكيد هتفهيميني لو شفتي حد بيضايق باباكي.
هذه ليست مجرد فتاة صغيرة بحق، فهل يعقل لفتاة لم تبلغ تقريباً سن السادسة بعد أن تكون ذات عقل كعقلها؟ مالذي فعله بها أدهم يا ترى؟ هذا ما كان يدور في عقل الفتيات في هذه اللحظة.
ابتسمت لها سرين ونزلت إلى مستواها قائلة:
- خلاص مش زعلانة، بس انتي عندك كام سنة بالضبط؟
- ستة سنين.
- بتروحي المدرسة؟
نفت برأسها وأجابت:
- لا، بابا بيجبلي مدرسين للبيت.
نظرت إليه بغضب وكادت تنطق لولا نظراته الحادة التي أخرستها.
ابتسمت للصغيرة ثم قالت مخاطبة الجميع:
- طب يلا نروح.
انتهت من سرد القصة المخطط لها لوالدها والبقية والطفلة والتوأم يجلسان بجانبها ببعض القلق.
تنهد والدها قائلاً:
- أنا معنديش مانع بس شوفي رأي الباقي.
التفتت إليهم جميعاً فلم تجد أي اعتراض في ملامحهم، ابتسمت لأدهم بخفية رغم شعورها ببعض الغيرة من براءة، فالجميع تقبل وجودها فوراً على عكسها.
التفتت إلى التوأم وقالت ببسمة وتمثيل:
- كده تقدروا تطمنوا عليها، قريبتكم في إيد أمينة.
أمسكت إيلين ضحكتها بصعوبة بينما احتضنت سرين براءة بتمثيل بارع هي الأخرى:
- هتوحشينا أوي يا حبيبتي، بس هنيجي نطمن عليكي كل فترة تمام؟
هزت براءة رأسها بصمت، فودعت الفتاتان بدور ثم خرجتا بعد أن تطوع أدم لإيصالهما إلى البيت.
استأذنت بدور من الجميع ثم صعدت ببراءة إلى غرفتها ليصعد أدهم بعدها بقليل ويطرق باب الغرفة ثم يدخل عند سماحها له بذلك.
- ممكن تجيبيها عندي الليلة؟ أنا عايز أنيمها جنبي.
قالها وهو يحضن براءة بعد أن جلس بجوارهما على السرير فأومأت بتأكيد:
- تمام، اعتمد عليا!
ابتسم لها بامتنان ثم نظر إلى ابنته التي بدأت في الثرثرة فجأة لتعبر عن سعادتها بقدومها إلى هنا أخيراً.
شعرت بدور بالملل فخرجت دون أن يشعرا بها وهمت بالنزول، لكنها وجدت رسلان يصعد الدرج بالمقابل ويتجه إلى غرفته بعد أن ألقى عليها نظرة لامبالية.
اغتظت منه وكادت تنزل لكن فتحه لباب غرفته أشعل فضولها فركضت نحوه فجأة ودخلت قبل أن يغلق الباب.
رمقه بتعجب وحاجب مرفوع فابتسمت له بغباء ثم جالت بنظرها على أنحاء الغرفة بغية أن تجد شيئاً يزيل غموضه هذا ولو قليلاً لكنها كانت عادية جداً ويطبع عليها اللون الأسود كذلك، لوت شفتيها بإحباط بينما لا يزال هو يقف وينظر إليها باستغراب.
أخرج زفيراً يدل على ملله قبل أن ينطق أخيراً:
- عايزة إيه؟
قال ذلك وهو يخرج محفظته من جيب بنطاله ليضعها على التسريحة، لكن بطاقته سقطت منها بغير قصد، التقطتها بدور بخفة ونظرت إلى صورته بضحكة كتمتها، لكن اسمه لفت انتباهها فقرأته بصدمة اعتلت ملامحها وظلت تردده بعدم استيعاب:
- رسلان فادي هشام الشافعي؟!
التفت إليها عند سماع اسمه الكامل بعد أن كان قد تجاهلها وأعطاها ظهره دون أن ينتبه لسقوط البطاقة، رفعت نظرها إليه وتساءلت والصدمة لا تزال تعتلي وجهها:
- ابن خالي؟ بس إزاي؟ انت مش المفروض تكون أخويا؟
تنهد بضيق ثم قال:
- فعلاً، أنا ابن خالك مش أخوكي.
زادت صدمتها من تأكيده للأمر، واصل وهو يضغط على قبضته بقوة بينما لا يظهر على ملامحه سوى البرود:
- مرات أكرم الأولى اللي هي ماما هي مرات خالك، واللي خانت أكرم معاه هو خالك برضه، وأنا كنت ضحية الخيا.نة دي.
همست بعدم تصديق:
- يعني انت...
قاطعها بجمود مخيف:
- أيوه، أنا ابن حرا.م.
رواية اسرار عائلتي الفصل السابع 7 - بقلم اروى مراد
قال ذلك وهو يخرج محفظته من جيب بنطاله ليضعها على التسريحة، لكن بطاقته سقطت منها بغير قصد.
ألتقطتها بدور بخفة ونظرت إلى صورته بضحكة كتمتها، لكن إسمه لفت إنتباهها فقرأته بصدمة إعتلت ملامح وجهها وظلت تردده بعدم إستيعاب:
- رسلان فادي هشام الشافعي؟!
إلتفت إليها عند سماع إسمه الثلاثي بعد أن كان قد تجاهلها وأعطاها ظهره دون أن ينتبه لسقوط البطاقة.
رفعت نظرها إليه وتساءلت والصدمة لا تزال تعتلي وجهها:
- ابن خالي؟ بس ازاي؟ انت مش المفروض تكون اخويا؟
تنهد بضيق ثم قال:
- فعلا، انا ابن خالك مش اخوكي.
زادت صدمتها من تأكيده للأمر.
واصل وهو يضغط على قبضته بقوة بينما لا يظهر على ملامحه سوى البرود:
- مرات أكرم الأولى الي هي ماما هي مرات خالك، والي خا.نت أكرم معاه هو خالك برضه، وأنا كنت ضحية الخيا.نة دي.
همست بعدم تصديق:
- يعني انت...
قاطعها بجمود مخيف:
- أيوه، أنا ابن حرا.م.
شهقت وهي تتراجع بضع خطوات للخلف بأعين متسعة، وضعت كفيها على أذنيها وهي تحرك رأسها يمينا وشمالا وتردد:
- مستحيل، مستحيل!
شعرت فجأة بإرتخاء قدميها قبل أن تسقط على الأرض فاقدة للوعي.
نظر إليها رسلان بضيق فحملها ووضعها على فراشه ثم إلتقط هاتفه وأرسل رسالة لأكرم يطلب منه المجيء.
إتجه إلى التسريحة ليأخذ زجاجة عطر ويرش منه قليلا على كفه ثم عاد إليها وقربه من أنفها حتى بدأت تستفيق.
وفي نفس اللحظة دخل أكرم بسرعة وإقترب منها ثم جلس بجوارها وأمسك يدها متسائلا بقلق ولهفة:
- بدور! انتي كويسه؟
أومأت له بتعب ثم أخذت نفسا عميقا قبل أن تنطق:
- مقولتليش ان مراتك الأولى هي نفسها مرات خالي ليه؟
رفع حاجبيه بتعجب ولكنه سرعان ما حول أنظاره إلى رسلان ورمقه بغضب.
قال بحدة متناسيا وجود بدور:
- انت قولتلها؟
أشاح رسلان برأسه ولم يجب.
فنظرت إليه بدور قائلة بلوم:
- انت كنت ناوي تخبي عليا يا بابا؟
صمت ولم يجبها فتابعت بصوت عال نسبيا:
- في حاجة تانية مخبيها عليا صح؟ طب اتجوزت ماما ليه طالما كنت عارف انها اخت الراجل الي مراتك الأولى خا.نتك معاه؟ ولو هتقولي انك حبيتها مش هصدق!
أخذ نفسا عميقا ثم أمرها ببعض الحدة:
- اطلعي وسيبينا لوحدنا.
كادت تعترض لكن نظراته كانت كفيلة لجعلها تخضع لأمره وتعود إلى غرفتها بتذمر.
وجدت أدهم لا يزال يجلس بها مع إبنته ويلاعبها لكنها تجاهلتهما وإستلقت على فراشها والعبوس يغلف وجهها.
إستغرب أدهم من تقلب حالها وتساءل:
- في ايه يا بدور؟ مالك؟
أجابت بإقتضاب:
- ولا حاجه.
رفع كتفيه بلامبالاة ثم نظر إلى براءة التي تراقب بدور هي الأخرى بإستغراب.
وقبل أن ينطق بحرف وجد بدور ترفع نفسها فجأة وتسأله:
- هو بابا اتجوز ماما ليه يا أدهم؟
تطلع إليها بنظرة غير مفهومة قبل أن يرد ببساطة:
- يعني ايه اتجوزها ليه؟ ماهو حبها واتجوزها زي الناس.
- امال انفصلوا ليه.
أدار حدقتيه بملل قائلا:
- متفقوش يا بدور عادي، بس ايه سبب الأسئلة السخيفة دي؟
رمفته بغضب قائلة:
- أنا عارفه انك بتستهبل وعارف جواب سؤالي كويس بس مش مهم أنا هسأل أمجد أو أدم أكيد حد فيهم هيقولي الحقيقه!
قالت كلماتها ثم خرجت تاركة إياه ينظر إلى إثرها بملل.
إنتبه إلى إبنته التي تساءلت:
- هو بجد في حاجة انتو مخبينها عليها؟
زفر بضيق قبل أن ينظر إلى عينيها قائلا بحزم:
- بصي يا بنتي، عمتك دي وحدة مجنونة، متخديش على كلامها أبدا تمام؟
هزت رأسها بطاعة:
- تمام....
- أعتقد اني حذرتكم قبل كده ان واحد منكم يفتح بقه بكلمة قدامها يا رسلان.
كان يجلس على الأريكة أمامه ويخرج كلماته معقبا إياها بنظرات حادة.
بادله رسلان بنظرات لامبالية قائلا ببرود زاد من غضب أكرم:
- هي كده والا كده كانت هتعرف، فيها ايه لو عرفت مني مش منك؟
- أنا مكنتش عايزها تعرف دفعة وحدة، كنت كل مرة بقولها على حاجة عشان تيجيها الصدمة خفيفة ومقولهاش حاجة تانية قبل ما تتخطى الصدمة الأولى!
تنهد رسلان بضيق ثم تحدث بجدية:
- أنا مكنتش قاصد أقولها حاجة، بس هي شافت اسمي صدفه على البطاقة وسألتني عنه وطبعًا مكنش ينفع أكدب فقولتلها.
واصل أكرم إلقاء نظراته الحادة له بينما أردف الآخر:
- بس هي كان لازم تعرف اني ابن خالها عشان متتعداش حدودها معايا على أساس اني اخوها.
أومأ أكرم بتفهم ثم زفر بضيق وهو يضع رأسه بين كفيه قائلا:
- ودلوقتي مش هتسيبني إلا لما تعرف سبب انفصالي أنا وليليا.
- قصدك مش هتسيبنا.
إلتفت كلاهما إلى مصدر الصوت ليجدا أدهم يدلف الغرفة ثم يتجه للجلوس بجوار رسلان وهو يضيف:
- بدور سألتني عن سبب طلاقكم انت وماما.
- وانت قولتلها ايه؟
- قولتلها انكم متفقتوش، بس واضح انها مش غبية وعرفت اننا قاصدين نخبي عليها.
وقبل أن يضيف أحدهم حرفا واحدا، دخل أمجد قائلا:
- كنت بدور عليكم، بتعملو ايه؟
سأله أكرم بترقب:
- انت برضه سألتك؟
نظر إليه بعدم فهم فشرح:
- بقولك بدور سألتك عن سبب طلاقي أنا وأمك؟
أومأ أمجد متسائلا بصدمة:
- عرفت ازاي؟
وقبل أن يجيبه فتح الباب للمرة الثالثة ليدلف أدم.
فضحك أدهم قائلا:
- لاااا متقوليش انها سألتك انت كمان؟
نفى أدم برأسه قائلا:
- لا أنا لسه راجع دلوقتي ومشفتهاش.
- امال عرفت ازاي بنتكلم عن ايه؟
- سمعت كلامكم وأنا داخل.
تحدث أكرم موجها كلامه لأدم:
- طب حاول تتهرب من سؤالها لو حاولت تسألك.
- حاضر.
قال ذلك ثم إقترب منه هامسا:
- انت فاكر شريط الفيلم الي جدو خده مني صح؟
قاطعه أكرم بلا مبالاة:
- مش هخليه يديهولك.
لوى شفتيه بتذمر فتدخل أمجد بضحكة:
- دلوقتي الحاجة الوحيدة اللي ممكن تقنع جدو هي بدور، ابعتها ليه وهي هتجيبه.
- أيوه فعلا!
صرخ بتلك الكلمات بحماس ثم خرج تحت ضحكات أمجد وهمس أدهم المتذمر:
- أيوه فعلا، لسه جايه وبقت أغلى وحدة عند الكل!
كتم أمجد ضحكاته بصعوبة وهمس هو الآخر بصوت لم يسمعه سوى أدهم:
- ومالك حا.قد عليها كده؟ متنساش إن لولاها مكنتش هتقدر تجيب بنتك معاك هنا.
رمقه أدهم بغضب وهو يشير إليه بعينيه للسكوت.
زفر بضيق وهو يراه يبتسم بإستفزاز فهمس بغيظ:
- هو كان يوم أسود لما فكرت أحكيلك عنها!
زادت إبتسامة أمجد المستفزة إتساعا وقال:
- متنساش إن أنا اللي اديتلك فكرة إنك تخلي بدور تساعدك.
لوى شفتيه بتهكم قائلا:
- وأنا بقول إيه السر اللي خلاك تحبها بالسرعة دي؟ وأنت كنت عايزها تستغلها بس!
نجح أدهم في إستفزازه أخيرا وجعله يقول بغضب:
- أنا مستحيل أفكر كده، أنا بس بحاول أوريكم قيمتها وإنها تقدر تساعدكم في أي حاجة رغم إنكم مش مرحبين بيها.
هم أدهم بالرد لولا صراخ أكرم فجأة:
- بتتكلموا في ايه انت وهو قدامي؟ روحوا لاوضكم وسيبوني مع أخوكم شوية.
هزا رأسيهما بطاعة ثم خرجا تاركين أكرم ينظر إلى رسلان ببعض الندم ثم قال:
- أنت عارف إن مكنش قصدي أزعقلك بس أنت عارف ليه عملت كده..
إبتسم له رسلان بهدوء قائلا:
- عارف يا بابا، ومش زعلان منك متقلقش....
كان يسير حول حديقة القصر بملل وهو يدخن سيجارته عندما إنتبه لفتاة غريبة تتسلل للدخول عبر الباب الخلفي بالمطبخ.
وقف مكانه يواصل التدخين لمدة قصيرة حتى وجدها تخرج ثانية ثم تتجه إلى البوابة الخارجية إلا أنه أوقفها بصراخه الحاد:
- انتي مين وبتعملي ايه هنا؟
إلتفتت الفتاة إليه بفزع ثم تراجعت خطوتين قبل أن تقف وتقول بصوت خرج رقيقا رغم توترها:
- أ.. أنا كنت ب.. بشوف ماما!
رفع أحد حاجبيه مستفسرا:
- أمك!
أومأت برأسها بسرعة ثم إلتفتت للخروج لكنه أوقفها ثانية بغضب:
- إستني، أنا لسه مكملتش كلامي!
إستدارت إليه ثانية بتوتر لكنه لم يهتم وواصل تساءله:
- أمك اللي هي مين اللي جايه تشوفيها؟
أجابت بتلعثم:
- م.. ماما ا.. اللي بتشتغل ه..هنا.
إبتسم قائلا بسخرية:
- بنت خدامة يعني؟
عقدت حاجبيها بغضب لا يناسب ملامحها البريئة، وصرخت رغم رقة صوتها:
- عيب عليك تعاير حد كده على فكرة! اتخيل نفسك مكاني وإن مامتك خدامة، هتقبل إن حد يقولك يابن الخدامة؟
إتسعت عيناه بغضب زاد من رعب تلك الفتاة ووقف أمامها فجأة ثم نفخ دخان سيجارته بوجهها مزمجرا:
- مين ده اللي بتقولي عليه ابن الخدامة؟
أبعدت وجهها عنه متجنبة تنفس ذلك الدخان الملوث ثم سألت بتهكم:
- ايه؟ زعلت؟ رغم إن مامتك مكنتش خدامة فعلا وزعلت يبقى المرة الجاية حط نفسك مكان الشخص قبل ما تعايره.
ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها قائلة بثقة:
- وبعدين مهما كان شغل ماما فهو شغل مشرف ومبنعتمدش على السرقة رغم الفقر اللي عايشين فيه زي ناس كتيرة.
ظهرت بسمة ساخرة على شفتي ياسر وكاد يجيب لولا سماعه لصوت إحدى الخادمات تنادي:
- رحمة!
أوقع ياسر سيجارته وداس عليها بسرعة قبل أن يسمع تعليق الفتاة الساخر:
- طفيتها ليه؟ مخبي على أهلك إنك بتدخن وخايف لماما تعرف وتعرفهم؟
رمقها بحدة وهمس:
- آه، وجربي تفتحي بوقك بكلمة وهتشوفي أنا أقدر أعمل فيكي ايه.
وصلت الخادمة والتي لم تكن سوى كريمة وفور رؤيتها لياسر هتفت بإستغراب:
- ياسر بيه! بتعمل ايه هنا؟
نظر إليها بقرف هادرا:
- وانتي مالك؟ والا بقيتي الهانم بتاعت القصر وليكي الحق تأمريني أقعد فين ومقعدش فين وأنا معرفش؟
أخفضت رأسها بتوتر قائلة:
- آسفة، أنا مقصدش كده.
تطلعت إليه الفتاة بإستحقار وصرخت:
- خير؟! بتتكلم مع ماما كده ليه؟ انت ....
قاطعتها كريمة بهمس وهي تمسك بيدها وتضغط عليها:
- خلاص يا رحمة، اسكتي!
- اهاا، انتي بنت كريمة بقى.
تنحنحت كريمة بتوتر وتدخلت قائلة:
- أنا آسفة لو بنتي ضايقتك يا ياسر بيه، هي بس جت عشان ...
قطعت كلامها بسبب قدوم بدور فجأة والتي تساءلت فور وصولها إليهم:
- آدم رجع ولا لسه؟
رفعت كريمة كتفيها بجهل.
إلتفتت بدور إلى تلك الفتاة ذات الملامح الرقيقة لتلاحظ وجودها أخيرا.
إبتسمت لها وكادت تسأل عن هويتها لكن كريمة أسرعت بالحديث معرفة عنها:
- دي بنتي رحمة.
إتسعت إبتسامة بدور ومدت يدها لتصافحها قائلة بمرح:
- أهلاً وسهلاً يا رحومة، أنا بدور بنت بابا أكرم!
ضحكت رحمة بخفة وهي تمد يدها هي الأخرى وتقول:
- أنا عارفاكي كويس، ماما من امبارح وهي مش جايبة سيرة حد غيرك.
كادت تنطق لولا صدور صوت خرج من حنجرة ياسر ليلفت إنتباههم.
إلتفتت إليه وطالعته بإستحقار قائلة:
- أنت هنا؟
رد ساخرا وهو يعقد ذراعيه أمام صدره:
- لا هناك.
لوت شفتيها بقرف ثم تجاهلته وتحدثت مخاطبة كريمة وهي لا تزال تمسك يد رحمة:
- ممكن رحمة تفضل معايا لحد متروحوا؟
هزت رأسها موافقة فإتجهت إلى الداخل بسرعة ساحبة رحمة خلفها وهي تصرخ:
- شكراً.
نظر ياسر إلى أثرها بغيظ ثم إلى كريمة التي توترت من نظراته وهمست قبل أن تغادر من أمامه:
- عن إذنك....
دخل غرفته فوجده وعلى غير عادته، يدور حول نفسه ويحمل هاتفه المحمول محاولا الإتصال بشخص ما وعلامات القلق ترتسم على ملامح وجهه.
إقترب منه ووضع يده على كتفه لتهدئته متسائلا:
- في ايه يا خالد؟ انت كويس؟
وقف خالد أخيرا وحدق به قليلا قبل أن يهمس بنبرة أثارت القلق في نفس الآخر:
- لا يا ياسين، أنا مش هبقى كويس إلا لو عرفت هي فين!
عقد حاجبيه وسأل بإستغراب:
- هي مين؟
إنتظر لثوان دون تلقي أي رد، فقد عاد خالد لمحاولة اتصاله بذلك الشخص متجاهلا وجود ابن عمه تماما.
هم ياسين بتكرار سؤاله لكن طرق الباب منعه عن ذلك.
فتحه بدلا عن خالد الذي يبدو وكأنه لم يسمعه ليجد إحدى الخادمات تقف أمامه.
وفور رؤيتها لخالد قالت موجهة الخطاب إليه:
- محمد بيه مستني حضرتك في المكتب يا خالد بيه وبيقولك تعال بسرعة.
نظر إليها خالد بإستغراب ثم إلى هاتفه وزفر بضيق قبل أن يهز رأسه قائلا:
- تمام.
غادرت الخادمة بهدوء تاركة خالد يحدق بهاتفه بحيرة.
سحبه ياسين فجأة ليجعله ينظر إليه وكرر سؤاله:
- مالك يا خالد؟ ومين دي اللي كنت بتتكلم عنها وعايز تعرف هي فين؟
- هحكيلك بعدين.
إكتفى بقول تلك الكلمات ثم أخذ هاتفه وخرج متجها نحو غرفة المكتب ليعرف سبب طلب والده له.
طرق الباب ثم دلف بعد سماعه الإذن بالدخول.
وجد جده يجلس خلف المكتب ووالده أمامه، لكنه وقف مكانه حين وقعت عينه على تلك التي تجلس في مقابلة أبيه وحدق بها بصدمة لم يفق منها إلا عندما إقتربت منه بسرعة وحضنته تحت ذهول والده وجده وهمست:
- أنا هربت منهم يا خالد!
رواية اسرار عائلتي الفصل الثامن 8 - بقلم اروى مراد
إكتفى بقول تلك الكلمات ثم أخذ هاتفه وخرج متجها نحو غرفة المكتب ليعرف سبب طلب والده له.
طرق الباب ثم دلف بعد سماعه الإذن بالدخول.
وجد جده يجلس خلف المكتب ووالده أمامه، لكنه وقف مكانه حين وقعت عينه على تلك التي تجلس في مقابلة أبيه وحدق بها بصدمة لم يفق منها إلا عندما إقتربت منه بسرعة وحضنته تحت ذهول والده وجده وهمست:
- أنا هربت منهم يا خالد!
لم يصل همسها إلا إلى خالد، ولكن محمد وقف مخاطبا إياه ببعض الحدة:
- مين دي يا خالد؟ من أول ما جت وهي رافضة تتكلم إلا لما تيجي.
تردد خالد في قول الحقيقة لكنه حسم أمره وأجابه وهو يحضنها:
- دي أختي.
رفع حاجبه بإستغراب قبل أن تتسع عينه بصدمة متسائلا:
- بنت يمنى طليقتي؟
أومأ برأسه وهو يحضن أخته بشدة إستعدادا لتلقي غضبه، لكنه تفاجأ به يرمقه بنظرات حادة دون أن ينطق بحرف.
إنتبه إلى جده الذي تدخل قائلا:
- خدها دلوقتي عند بدور وارجع عشان نتكلم لوحدنا في الموضوع ده.
شعر خالد بإرتجافها فهمس لها بحنان:
- متخافيش، أنا هتصرف وأقنعهم عشان تفضلي هنا معانا، ودلوقتي تعالي معايا أعرفك على بنت عمي.
قال ذلك ثم سحبها معه متجها للأعلى نحو غرفة بدور والتي كانت تجلس ومعها رحمة تتبادلان أطراف الحديث.
قاطع ذلك صوت طرق على الباب، فقامت بفتحه لتجد ابن عمها خالد ومعه فتاة أخرى لا تعرفها.
تطلعت إليه بإستغراب وقبل أن تنطق بحرف كان هو يسبقها بالكلام:
- آسف لو أزعجتك بس ممكن تخلي أختي معاكي دلوقتي؟
رفعت حاجبيها بدهشة وتساءلت:
- أختك؟
زفر بإستعجال وأردف:
- هتعرفي كل حاجة منها هي، المهم أختي دلوقتي أمانة عندك.
هزت رأسها موافقة دون أن تمحي ملامح الإستغراب من وجهها.
نظرت إلى تلك التي تقف أمامها ببسمة حزينة، فإبتسمت لها بسمة عريضة وقالت بمرح وهي تسحبها لتدخل وتغلق الباب:
- مع إني مش فاهمة حاجة بس مفيش مشكلة في إني أصاحب بنتين في نفس اليوم!
ثم جلست وأجلستها معها على فراشها بجانب رحمة التي إبتسمت لها بترحيب هي الأخرى وأردفت:
- اسمك إيه بقى؟
أجابت ببسمة هادئة:
- عائشة.
...
- يعني إنت كنت بتروحلها من ورايا؟
كان ذلك السؤال أول ما خرج من شفتي محمد بعد عودة خالد للمكتب.
لوى هذا الأخير شفتيه بضيق قائلا:
- من حقي إني أزور ماما على فكرة، مش معنى إنكم اتطلقتوا إننا ممنوع نشوفها.
إتسعت عيناه بصدمة سرعان ما تحولت لغضب وصاح:
- قصدك إيه؟ عايز ترجع دلوقتي للست اللي سابتك من صغرك ومسألتش عنك؟
تنهد خالد بتعب وأردف:
- مقصدش كده يا بابا، أنا مروحتلهاش أصلا ومشفتش وشها من زمان.
- امال عرفت بنتها إزاي؟
مسح على شعره بتوتر وهو يجيب:
- هي جاتلي من نص سنة تقريبا، معرفش عرفت مكاننا إزاي بس كانت عايزاني أحميها من أبوها بعد ما ظلمها وعذبها لما سمع من حد تاني إنها خرجت معاه و...
قطع كلامه ليفهم كل منهما قصده.
ضغط محمد على أسنانه بغضب هادرا:
- وأمها فين؟ مدافعتش عنها ليه؟
- إنت أكتر واحد عارف ماما كويس، أبناءها ديما هما آخر اهتماماتها، وطبعا أنا وعدي المفروض نبقى سندها بعد أبوها اللي ظلمها، وعشان كده أنا عايزها تفضل معانا هنا.
- وأنا مش موافق.
نظر خالد إلى والده الذي قال ذلك بحزم وأردف بنبرة راجية:
- يعني يرضيك أسيب أختي مع عيلة زي دي؟
- لا بس مش عايز مشاكل مع أمك وجوزها ولو أختك فضلت هنا هضطر أشوفهم وأنا مش مستعد أقابلهم تاني.
- بس...
قاطعه بنبرة لا تقبل النقاش:
- ده آخر كلام عندي.
وقف فور إنهاء كلامه ثم خرج من المكتب دون أن يضيف كلمة أخرى.
إلتفت خالد إلى جده بنظرة راجية قائلا:
- ممكن تقنعه يا جدي أرجوك!
- بس أنا برضه مش موافق.
- ليه؟ ماهي بدور جت وقعدت معانا رغم إن مفيش حد فينا اتعامل معاها قبل كده ويعرفها، ليه متسيبش عائشة برضه معانا؟
- متقارنش بدور بأختي يا خالد، بدور فرد من عيلة العمري بس عائشة لا، وأنا مش هقدر آخدها من عيلتها طالما هي لسه مش واخده اسم عيلتنا.
قال تلك الأخيرة وهو يراقبه بنظرات ذات مغزى إستطاع خالد فهمه، لكنه تساءل رغم ذلك:
- قصدك إيه؟
- قصدي إن الحل هو إنها تتجوز واحد من عيلتنا!
...
- وإنت موافق على كلامه؟
قالها ياسين وهو يجلس على مقعد بالحديقة مع خالد بعد أن قص عليه هذا الأخير ما حدث منذ مقابلته لأخته لأول مرة إلى اقتراح جده الغريب، فأجابه خالد بنفي:
- مش موافق طبعًا، بس مش عايز أسيب عائشة مع ماما وجوزها.
- في حل تاني وهو إننا نتكلم مع ماما.
إلتفت إلى صاحب الصوت ليجد شقيقه عدي يقف خلفه ويبدو أنه استمع إلى حديثهم من البداية.
تابع كلامه وهو يجلس بينهما ويرمق أخاه بلوم:
- مع إني زعلان منك لأنك محكتليش حاجة.
- توقعت إنك هتتعصب لو عرفت عشان كده خبيت عليك.
هز رأسه بتفهم وهو يرمقه بنظرات غامضة تجاهلها خالد وهو يتابع بتساؤل:
- بس قصدك إيه بان الحل التاني هو إننا نتكلم مع ماما؟
- هقولك بعدين، أنا عايز أشوف أختي دلوقتي.
- أوك، تعال معايا.
...
كانت الفتيات الثلاث تجلسن على سرير بدور تتبادلن أطراف الحديث قبل أن تنضم إليهن تلك الصغيرة لتصبح موضوع هذا الحديث.
إنزعجت من أسئلتهن التي لا تنتهي وهي تجيب ببرود جعل كلا من عائشة ورحمة تستغربان من طريقة فتاة في مثل عمرها في الكلام.
قاطع حديثهن صوت الطرق على الباب، فقالت بدور مخاطبة عائشة:
- ده خالد أكيد، روحي شوفيه.
أومأت عائشة برأسها ثم قامت لتفتح الباب ووجدت خلفه خالد بالفعل، ولكنه يقف إلى جوار شاب آخر عرفته على الفور لشبهه الكبير منه، فتساءلت بهمس:
- عدي؟
هز خالد رأسه، فإبتسمت بفرحة قبل أن ترمي نفسها بين أحضانه بحركة فاجأته.
شعر ببعض التوتر بما أنه يقابلها للمرة الأولى، تردد في رفع يده ليحاوطها بها لكنه رفعها وتوجه بها نحو مؤخرة عنقه يحكها ببعض الإحراج.
إبتعدت عنه بعد لحظات وأردفت ببسمتها الهادئة:
- خالد كان بيحكيلي عنك ديما وكنت عايزة أشوفك.
- بس أنا زعلان منك.
طالعته بإستغراب فتابع كلامه بلوم:
- ليه مجيتيش وكلمتيني طالما بجد كنت عايزة تشوفيني؟
خطفت نظرة إلى خالد وكأنها تستشيره في الحديث، وعندما لم تجد الاعتراض على وجهه قالت بتبرير:
- أنا مكنتش عارفة إن ماما كانت متجوزة حد تاني قبل بابا أصلا، وعرفت من سنة تقريبا لما سمعتهم بيتكلموا صدفة.
أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تواصل بنبرة حزينة، غير مدركة لتلك التي تقف خلف باب غرفتها تتنصت على حديثها بفضول:
- قبل سنة كان فيه واحد بتاع بنات بيضايقني في الجامعة وعايز يصاحبني بس أنا كنت بصده ومحكتش لبابا لأني كنت خايفة من ردة فعله، والولد ده مسابنيش في حالي وطلب مني رقم أبويا عشان يثبتلي إنه عايزني في الحلال وهيجي يخطبني ولما رفضت أخده من واحدة من صحباتي بنفس الحجة بس بقى بيهددني بأنه هيبعت لبابا صور لينا مع بعض معرفش جابها إزاي بس أكيد مركبة.
كانت تتحدث وهي مخفضة لرأسها، وعندما سكتت لاحظ عدي نزول دمعة من عينها على الأرض.
عقد حاجبيه بغضب أخفاه بأعجوبة وهو يهمس:
- كملي!
هزت رأسها ثم تابعت ونبرة صوتها تتحول إلى البكاء:
- كنت واثقة إن بابا مش هيصدق عليا حاجات زي دي، ورفضت برضه أعمل اللي هو عايزه وقررت إني هحكي لبابا كل حاجة بس لما رجعت للبيت لقيته نفذ تهديده وبعت الصور والي صدمني إن... بابا صدقه!
أنهت كلمتها الأخيرة ثم انفجرت بالبكاء.
سحبها خالد إلى أحضانه وأخذ يربت على ظهرها بحنية شديدة.
هدأت قليلا ثم مسحت دموعها وعادت لتنظر إلى عدي وواصلت:
- ساعتها بابا حبسني في البيت ومنعني أروح الجامعة تاني أو أطلع أي مكان وبقى بيضربني وو...
قطعت كلامها فجأة وهي تفتح عينيها برعب أفزع كليهما.
أصبح تنفسها ضعيفًا فحاول خالد تهدئتها ببعض الكلمات وهو يربت على ظهرها بحنان إلى أن عاد تنفسها طبيعيًا.
طالعها خالد بقلق ثم قال:
- خلاص يا عائشة، أنا هكمل أحكيله.
لكنها تجاهلت كلامه وأكملت حديثها قائلة:
- عدت أيام وهو بيعاملني معاملة وحشة لحد ما في مرة سمعته بيتخانق هو وماما بصوت عالي، مكنتش فاهمة الموضوع بالضبط بس بعدها فهمت إنها كانت متجوزة ومخلفة عيال غيري وكانت عايزة تشوفهم بس بابا رفض، دورت على أي حاجة ممكن توصلني ليكم لحد ما لقيت كارت فيه رقم خالد واتصلت بيه وعرفته كل حاجة وكنت عايزة أقابلك إنت برضه بس خالد رفض.
نظر إليه أدهم بغضب، فهز الثاني كتفيه قائلا بتبرير:
- قولتلك إني كنت قلقان من ردة فعلك وعشان كده فكرت إنك لو متعرفش حاجة أحسن.
قلب عينيه بضيق ثم عاد بنظره إلى عائشة وحثها على متابعة حديثها قائلا:
- كملي، إيه السبب اللي خلاكي تجي هنا النهارده بالذات؟
أخفضت رأسها وهمست بإنكسار:
- لأن الولد اللي كان بيضايقني طلب منه يتجوزني عشان يستر عليا وبابا وافق وجاب المأذون وكان مجهز لكل حاجة بس... أنا هربت!
ضغط عدي على قبضة يده بقوة وهمس بغضب:
- وهو إزاي يصدق حاجة زي دي عليكي من غير ما يتأكد؟
- لأن واحدة من اللي كنت بحسب إنهم صحباتي قالتله إنها شافتني بخرج معاه كذا مرة وهو عشان عارفها صدقها بس مرضيش ياخدني لدكتورة نساء عشان يتأكد.
خرج صوته بفحيح مرعب وهو ينظر إليها بعينين لا تبشران بالخير:
- الولد اللي بيضايقك ده اسمه إيه؟ والبنت كمان؟ وأبوكي هيجي دوره بعدين.
نظر إليه خالد بحدة قائلا:
- عايزهم ليه يا عدي؟ متتهورش ومتعملش حاجة من دماغك، مش عايزين مشاكل!
تجاهله وخاطب عائشة بزمجرة أرعبتها:
- هتقوليلي وإلا لا؟
- ت... تمام.
...
كانت تهبط الدرج وهي تمسك بيد الصغيرة وتدور برأسها في كل الاتجاهات باحثة عن عائشة.
وصلت إلى غرفة الطعام حيث يجلس الجميع لتناول العشاء لكنها لم تجدها هناك كما توقعت.
لاحظت اختفاء عمها محمد وابنيه كذلك، فتأكدت من وجودهم معها وجلست بإطمئنان عليها رغم الشفقة التي تشعر بها ناحيتها بعد أن استمعت عن طريق الصدفة إلى حديثها مع عدي وقصها لحكايتها.
ولنؤكد أنها استمعت إليهم عن طريق الصدفة.
لاحظ والدها شرودها فحاول خلق حديث بينهما مناديا باسمها:
- بدور!
إستفاقت من شرودها على صوته.
نظرت إليه بإنتظار ما سيقول، فأردف بإبتسامة:
- مقولتيليش، عملتي إيه في الجامعة النهارده؟
إنكمشت ملامح وجهها بضيق فور تذكرها لما حدث وتمتمت:
- اللي حصل خلاني اقتنع بكلامك يا بابا، مكنش ينفع ارتبط بحد مستسهل الارتباط والبو'س كده، ودلوقتي بس فهمت ليه ربنا حرم الارتباط من غير خطوبة أو جواز.
رفع حاجبيه بإستفهام وحثها لمتابعة كلامها بعينيه، فواصلت:
- لو كنت وافقت ارتبط بيه كان ممكن بعد ما يعلقني بيه ويعيشني في حلم يسيبني ويكسرني بسبب حاجة بسيطة أو خناقة تافهة، وبما إن الارتباط كان سهل فالانفصال برضه هيبقى أسهل لأنه مدفعش فلوس عشان يرتبط بيا أو مش هيبقى ملزم إنه يصرف عليا بعد انفصالنا مثلا، بس في حالة الجواز هيكون قرار الانفصال آخر حل يلجأ له وهيعمل حساب لكل اللي عمله عشان يتجوز وهيحاول يحل المشكلة بطرق تانية، وعشان كده البنت اللي بتوافق ترتبط بالسهولة دي بترخص نفسها بعد ما كانت غالية. صح؟
كان ينظر إليها بدهشة من تفكيرها، لكن سرعان ما ارتسمت على وجهه ابتسامة رضا وربت على شعرها بفخر:
- أنا بجد فخور بيكي لأنك فهمتي كل ده لوحدك، بس حصل إيه عشان تفكري كده؟
تنهدت بضيق قبل أن تبدأ بسرد ما حدث منذ طلبها لأدهم بتمثيل دور حبيبها أمام الجميع، لكنها ختمت كلامها ببسمة قائلة:
- بس أنا مبسوطة لأن ربنا أظهرلي حقيقته قبل ما أوافق عليه.
- حسيتي بإيه لما شفتيه بيعمل كده؟
تفاجأت بسؤاله لكنها أجابت بهدوء:
- معرفش، بس اتأكدت إني مكنتش بحبه بجد لأني لو كنت بحبه مكنتش هقدر أحافظ على برودة أعصابي كده.
أومأ برأسه بتفهم ثم قال:
- كويس إنك فوقتي بسرعة.
- لما فضلت مع نفسي شوية قررت برضه إني مش هسمح لحد يقرب مني ولا حتى ياخد تفكيري لحد ما يجي ابن الحلال اللي يستاهلني.
إزدادت ابتسامته اتساعا وهو يتأكد بأن ابنته ذكية، عاقلة ولا خطر عليها، لكنها تحتاج فقط إلى بعض التوجيهات.
سكت قليلا يفكر في شيء ما قبل أن يسألها فجأة:
- عاملة إيه في دراستك؟
وضعت الملعقة التي كانت تأكل بواسطتها على الطاولة وأجابت:
- عادي، الامتحانات قربت وأنا متوترة سيكا بس متقلقش عليا.
هم بالحديث ثانية لولا اندفاعها المفاجئ والمريب فور وقوع عينيها على آدم وصراخها باسمه:
- آآدمم!
تطلع إليها الجميع بإستغراب لكنها تجاهلت نظراتهم واقتربت منه ثم سحبته تحت استغرابه وأخذته إلى غرفتها وأقفلت الباب.
رفع حاجبيه بتعجب من تصرفها بينما عقدت هي ذراعيها أمام صدرها قائلة بجدية:
- هسألك سؤال وتجاوبني بصراحة.
زفر بضيق بعد أن علم ما تريد أن تسأله فصاح بتذمر:
- أنا لسه متعشتش على فكرة!
- اتعشى بعدين، دلوقتي عايزيني تقولي ليه...
قاطعها فجأة متهربا من سؤالها:
- ااه افتكرت حاجة!
تطلعت إليه بإستغراب فواصل ببسمة غبية:
- هي إيلين والبنت اللي جت معاها النهارده اللي اسمها سرين توأم صح؟
زفرت بغيظ من محاولته المكشوفة لتغيير الموضوع وكادت تتحدث لولا متابعته للكلام بنبرة مغرورة:
- أصلهم شبه بعض أوي بس أنا طبعًا عندي قوة ملاحظة وعرفت أنهي منهم إيلين بسرعة!
لوت شفتيها بتهكم وقالت:
- واضح أصلا من ستايل لبسهم، إيلين بتلبس الحجاب مع بناطيل واسعة وسرين مش بتلبس غير الفساتين.
إبتسم براحة لنجاحه في تغيير الموضوع لكنه تفاجأ بها تضيف بخبث:
- بس إنت مالك مهتم بإيلين أوي كده ليه؟
زم شفتيه بتذمر وصاح مدافعا عن نفسه:
- أنا مش مهتم بيها أنا بس بحاول أغير الموضو...
قطع كلامه فجأة وهو يستوعب كشفه لنفسه بينما انفجرت بدور في الضحك وهي تردد بين ضحكاتها:
- عارف... هي غبية أوي ومبتعملش حساب للي هتقوله، زيك كده بالظبط... انتو والله مناسبين لبعض أوي.
رمقها بضيق ثم توجه للخروج رغم صراخها به أن يقف:
- استنى أنا لسه مسألتكش.
قاطعها وهو يفتح الباب:
- عارف هتسأليني إيه، والجواب مش هتلاقيه غير عند بابا.
انتهى من قول ذلك ثم تركها تجلس في حيرة من أمرها وهي تفكر في حقيقة تلك الأسرار التي يرفض أي أحد البوح لها بها.
تنهدت بتعب ثم استلقت على فراشها والأفكار تطاردها إلى أن نامت دون أن تشعر.
...
أفاقت في الصباح على صوت طرقات مزعجة على الباب.
فتحته بعد أن استوعبت بأنها كانت تنام بغرفة خالد والذي تركها تأخذ فيها راحتها ونام هو تلك الليلة مع عدي.
وجدته يقف أمام الباب وينظر إليها ببسمة قائلا:
- صباح الخير!
- صباح النور!
أمسك بيدها وسحبها للنزول قائلا بعجلة:
- أنا مستعجل دلوقتي لأني المفروض أروح المكتب بدري بس مقدرتش أسيبك لوحدك وأنا متأكد إنك هتتكسفي تطلبي الفطار من الخدامات!
كان قد وصل إلى غرفة الطعام حين أنهى كلامه فدخل ليجد أبناء عمه أمجد وأدهم ومعهم بدور والصغيرة براءة يتناولون طعام الفطور.
أجلسها بجوار بدور وهمس:
- استني شوية.
غاب داخل المطبخ لبضع دقائق ثم خرج وهو يحمل كوبًا من الحليب ووضعه أمامها قائلا بإهتمام كبير:
- إشربي!
أومأت بطاعة وشربته تحت نظرات الدهشة من بدور، لكنها لم تكن أكبر من دهشة أمجد وأدهم الذي همس لها بتساؤل:
- هي مين دي؟ كنت بحسبها صاحبتك أول لما دخلت!
- لا دي أخته.
عقد حاجبيه بإستغراب:
- نعم؟ أخته إزاي؟
كادت تقص عليه ما سمعته من حديثها مع عدي لكنها تراجعت فورًا وأجابت بإختصار:
- مامته اتجوزت واحد تاني غير عمي محمد ودي بنتها.
هز رأسه بفهم متمتمًا:
- اهاا!
عاد يتناول فطوره بلا مبالاة إلى أن سمع بدور تهمس بتذمر وهي لا تزال تراقب معاملة خالد لأخته:
- اشمعنى هي عندها أخ حنين أوي كده وأنا لا؟
إبتسم معلقًا بسخرية:
- بتغيري منها؟
طالعته بغيظ وهمست:
- مش غيرة بس أنا من زمان كنت بتمنى يبقى عندي أخ بيحبني أوي وحنين عليا زي خالد كده!
- ليه؟ مش كفاكي حنان الاب اللي أخدتيه كله لوحدك؟
قالها بحنق فإبتسمت بسخرية قائلة:
- بتغيري مني؟
رمقها بغيظ وهي تبتسم بإنتصار ثم وقفت وصاحت مخاطبة أمجد:
- يلا نروح يا أمجد هنتأخر!
ثم التفتت إلى عائشة وأضافت:
- وإنتي هسيب براءة معاكي لو مش هتطلعي ممكن؟
أومأت لها عائشة بتأكيد فخرجت مع أمجد بسرعة تاركة خالد ينظر إلى عائشة قائلا:
- أنا برضه لازم أروح، بس فيه حد هنا مستنيه يطلع الأول عشان أطمن.
نظر إليه أدهم بغضب وهو يعلم أنه يقصده، فقابله الآخر ببسمة مستفزة.
لوى شفتيه بغيظ ثم خرج بلا أدنى كلمة.
أعاد خالد نظره إلى عائشة وأردف:
- هسيبك دلوقتي مع براءة واعتبري البيت بيتك ولو عايزة تستكشفي القصر قولي للخدامات يفرجوكي عليه، باختصار إعملي اللي إنتِ عايزاه ومحدش هيكلمك.
إبتسمت له بإمتنان، فنظر إلى براءة التي كانت تجلس قربهم تتابعهم بهدوء وقال مخاطبًا إياها:
- وإنتي خدي بالك منها تمام؟
لوت شفتيها بتذمر وتمتمت:
- المفروض توصيها هي تاخد بالها مني مش أنا!
هز رأسه بعدم اهتمام معقبًا:
- أوك، بس برضه خدي بالك منها!
ثم غادر غرفة الطعام والقصر بأكمله بعجلة تاركًا شقيقته مع تلك الصغيرة التي لا تفرق عنها شيئًا تقريبًا سوى العمر.
...
كانت تسير باتجاه المدرج وهي ممسكة بيده وتثرثر في مواضيع عدة وهو يضحك على طريقة كلامها وتذمرها.
فقد أصبح حديثها متمحورًا حول اهتمام خالد الشديد بعائشة وحنانه المفرط رغم شخصيته الباردة.
إبتسم وهو يستمع إلى اعتراضها على معاملتهم الخالية من الحنان لها، فلوى شفتيه متسائلا بحزن مصطنع:
- يعني مع كل اللي بعمله ده ومش معتبراني حنين عليكي؟
أجابت مازحة:
- لا سوري، بس الحنان مش لايق عليك بصراحة، ممكن لو كان رسلان أخويا بجد كان هيبقى شبه خالد في حنانه لأنه بارد زيه.
نظر إليها بصمت يستمع إلى بقية حديثها بإهتمام:
- هو بجد ليه رسلان وخالد وياسين كلهم باردين كده؟ هو رسلان وعرفت ليه بس خالد وياسين؟
أجابها بجدية:
- مش بالضرورة يكون فيه سبب معين يخلي شخصية الإنسان كده، خالد طلع شبه أبوه أوي في الشخصية وياسين كان هادي من صغره، بس رسلان... إنتي عارفه بقى كده ليه.
تساءلت بفضول:
- هو كان فرفوش قبل ما يعرف حقيقته؟
أجاب بضحكة:
- مش بالضبط بس كان ديما بيبتسم وبيضحك وكان بيحب المغامرات وعنيد أوي.
ثم أخفض رأسه وتابع بنبرة حزينة:
- بس دلوقتي الابتسامة بقى بيتصنعها ومبتخرجش من قلبه وصعب جدًا إنك تلاقيه يضحك أو مستمتع بأي حاجة حواليه.
شردت بدور في كلامه وشعرت بالشفقة ناحية رسلان.
همت بالكلام لكن أمجد قاطعها بإبتسامة أجاد رسمها بصعوبة:
- يلا نروح المدرج بتاعك دلوقتي، اتأخرنا.
أومأت موافقة وواصلت التقدم معه وهو لا يزال ممسكًا بيدها، لكنه تركها فجأة بحركة مفاجئة وسحب يده بسرعة فور وقوع عينيه على فتاة تقف على بعد أقدام منهما.
ألقت بدور نظرة عليها ولاحظت تركيزها على أمجد بنظرات غريبة.
التفتت إليه بدمعة ظهرت بعينها وقد جرحتها حركته قائلة بحزن:
- سبت إيدي بالطريقة دي لما شفتها ليه يا أمجد؟ إنت بتستعير مني؟
رواية اسرار عائلتي الفصل التاسع 9 - بقلم اروى مراد
شرُدت بدور في كلامه وشعرت بالشفقة ناحية رسلان. همت بالكلام، لكن أمجد قاطعها بابتسامة أجاد رسمها بصعوبة:
- يلا نروح المدرج بتاعك دلوقتي، اتأخرنا.
أومأت موافقة وواصلت التقدم معه وهو لا يزال ممسكًا بيدها. لكنه تركها فجأة بحركة مفاجئة وسحب يده بسرعة فور وقوع عينيه على فتاة تقف على بعد أقدام منهما.
ألقت بدور نظرة عليها ولاحظت تركيزها على أمجد بنظرات غريبة. التفتت إليه بدمعة ظهرت بعينها وقد جرحتها حركته، قائلة بحزن:
- سيبت إيدي بالطريقة دي لما شفتها ليه يا أمجد؟ انت بتستعير مني؟
نظر إليها بعدم فهم وفزع من الدموع التي انهمرت على وجنتيها فجأة. اقترب منها بسرعة وحضنها متسائلًا بقلق:
- مالك يا بدور؟ وقصدك إيه بـ "إني استعير منك"؟ ده أنا بفتخر إن عندي أخت حلوة زيك!
- أمال ليه سيبت إيدي كده لما شفتها؟
- كنت خايف تفهم غلط.
ابتعدت عنه وطالعته باستغراب وتساءلت:
- تفهم غلط إزاي؟
أجاب بتوتر:
- ممكن تحسب إنّي مرتبط أو بتاع بنات، لأنها لسه متعرفش إنّه بقى عندي أخت.
- وهي مين دي أصلًا عشان يهمك شكلك قدامها كده؟ حبيبتك؟ مواعدها بالجواز؟ بتحبك وأنت مش عايز تجرحها؟
نفى برأسه كل ما قالته، فسألت بحيرة:
- أمال إيه؟
حك رأسه بتفكير ثم هز كتفيه بجهل قائلًا:
- مش عارف بصراحة، هي مجرد طالبة عندي بس مش عايزها تاخد عني فكرة وحشة.
سكت وهو ينظر إلى المكان الذي كانت تقف فيه وواصل بضيق:
- بس خلاص، أكيد بتفكر فيا وحش دلوقتي بعد ما شافتني وأنا بحضنك.
كانت تطالعه بدهشة من طريقة تفكيره التي تبدو لها غبية بعض الشيء. ابتسمت بخبث حين فهمت مشاعره، فربتت على كتفه قائلة بثقة:
- متقلقش يا جوجو، أنا هتصرف وأعرفها إني أختك وهصاحبها كمان. أنت بس احكيلي عنها بعدي...
قاطعها أمجد وهو يبتسم بفرحة ويبدأ الحديث عنها قبل أن يستمع إلى بقية كلامها:
- اسمها ملاك، وهي في نفس سنك. سمعت مرة إن أمها وأبوها متوفيين وهي عايشة مع عمها ومراته اللي معندهمش عيال. شاطرة أوي في دراستها وديما بتقعد من قدام عشان تعرف تركز في المحاضرة، بس انطوائية ومعندهاش صحاب. لاحظت إنها ديما قاعدة لوحدها. متدينة وعمري ما شفتها بترفع عينها في ولد. ديما بتجيب معاها روايات عشان تقراها في أوقات الاستراحة و...
قاطعته بصراخ:
- باااااااس! أنت ناقص بس تعرف هي بتتغدى إيه وبتتعشى إيه! وبعدين أنا اتأخرت أوي على المحاضرة وشكراً أوي لمعلوماتك دي هتكفيني عشان أتكلم معاها ودلوقتي بايّي!
قالت كلماتها بسرعة ثم غادرت متجهة نحو المدرج، تاركة إياه ينظر إلى أثرها باستغراب ثم إلى ساعة يده ليصرخ هو الآخر فجأة:
- يلهويي! أنا كمان اتأخرت أوي!!
***
كانت عائشة تجلس بجانب براءة في قاعة الجلوس بصمت. شعرت الصغيرة ببعض الخوف من هذا الوضع، فهما تجلسان لوحدهما في هذا القصر الكبير وصمت موحش يخيم في كل أرجائه. حتى الخادمات اختفين جميعًا في غرفة الخدم لتأخذا راحتهما، لكنهما كانتا فقط تشعران بالخوف من ظهور كائن حي فجأة من أي مكان في القصر.
- بتعملوا إيه لوحدكم هنا؟
صرخت الفتاتان برعب من ذلك الصوت الذي فاجأهما، قبل أن تلتفتا وتتنهدا براحة حين وجدتا رحمة تقف خلفهما وتنظر إليهما باستغراب من هذا الصراخ. جلست على الأريكة بجانبهما وتساءلت:
- مالكم بتصوتوا كده ليه؟
أجابتها براءة بحنق:
- الجو هنا كان مرعب وانتِ داخلة علينا كده من غير ما تعملي صوت، عايزانا نعمل إيه يعني؟
ضحكت رحمة بخفة وقالت:
- آسفة طيب، المرة الجاية هعمل صوت!
تطلعت إليها عائشة باستغراب وتساءلت:
- انتِ إزاي تدخلي القصر كده عادي من غير ما تستأذني؟
أجابت ببسمة:
- أصل أنا وعبده صحاب من زمان، وأنا ديما باجي هنا لما الكل يروح لشغله ونفضل نلعب مع بعض.
- عبده مين؟
- عبد الرحمن، جد الشباب!
- هو مش بيشتغل؟
ضحكت رحمة بشدة وهي تجيب:
- بيشتغل إيه يا بنتي، ده عنده ثلاثة وسبعين سنة يعني متقاعد، بس هو كان رجل أعمال ومدير الشركة اللي بيشتغلوا فيها أولاده ومعاهم رسلان أكبر أحفاده اللي هو أخو بدور وأخوكِ عدي.
رفعت عائشة حاجبيها بتعجب وتساءلت ثانية:
- هو انتِ عارفة كل حاجة عن العيلة دي؟
نفت برأسها مجيبة:
- لا، أنا عارفة بس حاجات سطحية ممكن أي حد يعرفهم لو سأل عنهم، زي أفراد العيلة، أعمارهم، شخصياتهم، شغلهم، نظامهم وكده... بس عيلة العمري بالذات عيلة غامضة أوي ومخبية أسرار كتير أنا نفسي معرفهاش ومليش حق أعرفها بالرغم من إني مصاحبة كبير العيلة.
هزت عائشة رأسها بفهم ثم سكتت قليلاً قبل أن تعود للحديث فجأة:
- هو عبد الرحمن بيه حلو؟
طالعتها رحمة باستغراب من سؤالها، فواصلت عائشة بسرعة:
- يعني ينفع يكون "شوجر دادي"؟
اتسعت عيناها بذهول قبل أن تنفجر في الضحك قائلة:
- لا لا! متقوليليش إنك من البنات دي؟
نفت برأسها قائلة:
- لا مش أنا، بس صاحبتي مقرفاني بيه كل شوية، قلت ممكن لو عبد الرحمن بيه ينفع نجوزهالها!
ضحكت رحمة بشدة إلى أن أصبح وجهها محمراً من كثرة الضحك. ابتسمت عائشة وهي تحاول كتم ضحكتها على شكل رحمة، بينما تجلس براءة بينهما تنظر إليهما بعدم فهم لما تتحدثان عنه. لم تمر دقيقة بعد حتى استمعت الفتيات إلى صوت رنين صادر من هاتف عائشة. نظرت إلى الاسم الذي ظهر على الشاشة فابتسمت قائلة:
- جبنا في سيرة القط جه ينط.
ثم التفتت إلى رحمة وأردفت:
- دي صاحبتي مريم اللي كنت بتكلم عنها... عن إذنك!
قالت كلمتها الأخيرة وهي تقف وتبتعد عنها قليلاً لتجيب:
- أيوه يا مريم؟
أبعدت هاتفها عن أذنها بفزع وهي تستمع إلى صراخها المفاجئ:
- انتِ فين يا عائشة؟!! باباكِ جالي الصبح بيسأل عنك وقالي إنك هربتي وهو شاكك إنك عندي وقلقني عليكِ أوي، انتِ كويسة؟
ابتسمت بهدوء وأجابت تطمئنها:
- أنا كويسة متقلقيش! فاكرة أخويا خالد اللي حكتلك عنه؟
- آه، ماله؟
- أنا في قصر العيلة بتاعته دلوقتي.
- نعم؟ لا ده انتِ هتحكيلي كل حاجة من الألف للياء، استني أكلمك فيديو كول... أكيد عندك نت صح؟
***
جلست على إحدى الطاولات في مقهى الجامعة بعد أن رفض الدكتور دخولها المحاضرة متأخرة. كانت تستكشف هاتفها الجديد الذي أهداه إليها والدها عندما سمعت صوتًا أنثويًا خلفها يقول:
- انتِ بدور العمري صح؟
التفتت إلى مصدر الصوت لتجد فتاة جميلة في مثل عمرها تبتسم لها وكأنها تعرفها منذ زمن. عقدت حاجبيها باستغراب وأجابت:
- أيوه أنا، وانتِ مين وعرفتيني منين؟
تقدمت الفتاة لتجلس أمامها قائلة بنفس البسمة:
- أنا دينا محمد، جارتك.
- جارتي؟
- أيوه، إحنا عايشين جنبكم من فترة قصيرة وشفتك الصبح وانتِ خارجة مع الدكتور أمجد بالعربية وعرفتك على طول لأني شفتك كذا مرة في الجامعة... ممكن نبقى صحاب؟
قالت جملتها الأخيرة بحماس وهي تمد يدها لها، فصافحتها بدور بابتسامة عريضة وقالت مؤكدة:
- أكيد طبعًا وليه لا!
سحبت دينا يدها وهي تضيف:
- طب إيه رأيك تجي النهاردة عندنا بعد الجامعة؟ ماما وهناء هيفرحوا بيكِ أوي!
- هناء مين؟
- بنت خالتي وأختي في الرضاعة.
- وانتِ عايشة مع مامتك وأختك في الرضاعة وبس؟
أجابت بنفي:
- لا، إحنا عايشين مع جدو والد ماما وخالي، بس خالي مسافر دلوقتي وعشان كده بقولك تعالي النهاردة.
أومأت لها بدور بحماس قائلة:
- أووك بس أسأل بابا الأول، هاتي رقمك!
أملت عليها دينا رقمها فسجلته قبل أن تستمع إلى سؤالها:
- هو انتِ معندكيش محاضرات دلوقتي؟
أجابت بلا مبالاة:
- لا عندي بس وصلت متأخرة والدكتور مكنش عايز يدخلني فمشيت، وانتِ؟
ردت وهي تقوس شفتيها بتذمر:
- طردني من أول المحاضرة لأني شتمت الولد اللي كان قاعد جنبي بصوت عالي.
اتسعت عيناها بدهشة وتساءلت:
- وانتِ شتمتيه ليه؟
هزت كتفيها ببراءة وهي تجيب:
- كان مديني ورقة مكتوب عليها إنه معجب بيا وعايزنا نرتبط.
لوت بدور شفتها السفلى بسخرية:
- تقوم تشتميه بصوت عالي وسط المحاضرة؟
أومأت بتأكيد وهي تردف:
- وكنت هديله بوكس كمان بس ملحقتش.
ضحكت بدور بشدة معلقة من بين ضحكاتها:
- ده انتِ مجنونة والله!
لعبت الثانية بشعرها مؤكدة بغرور مصطنع:
- وأفتخر!
سكتت لثانية قبل أن تتساءل:
- صحيح! هو الدكتور أمجد يقربلك إيه؟
- أخويا.
- بجد؟ أول مرة أعرف إن الدكتور أمجد عنده أخت.
ثم ضيقت عينيها بتفكير وأضافت:
- هو مرتبط؟
أجابت وهي ترمقها بشك:
- لا بس بتسألي ليه؟
- أصل في وحدة معايا في الدفعة حاسة إنه بيحبها أو مهتم بيها.
- اسمها ملاك؟
نظرت إليها باستغراب مستفهمة:
- انتِ عارفاها؟
أجابتها بابتسامة خبث:
- تقريبًا، بس بما إنك حاسة إنه بيحبها زيي فهحتاج مساعدتك عشان نعمل خطة ونوفق راسين في الحلال، إيه رأيك؟
ختمت كلامها بغمزة فصرخت دينا بدون تفكير:
- موافقة!
***
كانتا تجلسان على نفس الأريكة، جاعلتين براءة تجلس بينهما وتتحدثان إلى مريم عن طريق مكالمة فيديو بالواتساب بعد أن تعرفت على رحمة. قاطعت عائشة حديثهن قائلة بتذكر:
- آه صحيح يا مريم كنت هقولك إني لقيت اللي انتِ عايزاه.
عقدت مريم حاجبيها متسائلة باستغراب:
- لقيتي إيه؟
- الشوجر دادي!
رمشت بعينيها لثوان تستوعب ما قالته ثم صرخت بمرح:
- بجدد؟؟ طب هو مين؟
- عبد الرحمن بيه جد خالد، أنا معرفوش شخصيًا بس رحمة بتقول إنه سكر ومناسب يكون بابا السكر بتاعك.
- اسمها "شوجر دادي" مش "بابا السكر"!
تحدثت مريم بغضب مصطنع، فهزت عائشة كتفيها بلا مبالاة وكادت ترد لولا مواصلتها لكلامها قائلة بمرح:
- بس مش مهم، مش ده موضوعنا أصلًا، هو فين بقى؟
- أنا هنا!
صرخت الفتيات من ظهور عبد الرحمن المفاجئ من خلفهن. نظر إليهن ببراءة قائلاً:
- مالكم؟
تنفست رحمة براحة ثم تساءلت:
- انت هنا من امتى؟ محسناش بوجودك.
أجاب وهو ينظر إلى مريم التي تظهر على شاشة الهاتف والتي شعرت ببعض الإحراج:
- من أول ما بدأتوا تتكلموا عن الشوجر دادي... بس صحيح هو إيه ده؟
ألقى سؤاله الأخير وهو يحول نظراته إلى رحمة، فقالت محاولة كتم ضحكتها على شكل مريم:
- مش مهم تعرف.
طالعها بغيظ مصطنع ثم نظر إلى عائشة قائلاً:
- طب اتكلمي انتِ وقوليلي يعني إيه "شوجر دادي" ده؟
نفت برأسها دون أن تنطق وهي تحاول كتم ضحكاتها هي الأخرى، فالتفت إلى مريم التي صرخت بسرعة:
- أنا برضه معرفش يعني إيه والله، أنا أصلًا كنت بهزر، هو إيه الـ "شوجر دادي" ده اللي أنا عايزة اتجوزه؟!
لم تستطع رحمة تماالك نفسها فانفجرت في الضحك بطريقة جعلت البقية يضحكون كذلك على شكلها. هدأت قليلاً بعد ثوان ثم قالت موجهة حديثها إلى عبد الرحمن:
- أنت صعبت عليا يا عبده وعشان كده هقولك...
التفتت إلى مريم التي كانت ترمقها بتحذير لكنها تجاهلتها وواصلت بضحكة وهي تشير إليها:
- باختصار، البنت دي عايزة تتجوزك عشان تصرف عليكِ وتجيبلها هدايا وكده...
اتسعت عينا مريم بذهول وفتحت فمها موشكة على الدفاع عن نفسها، إلا أن كلمات عبد الرحمن المرحة أخرستها:
- وماله نتجوز، أنا أصلًا محتاج وحدة تحسسني إني لسه في عز شبابي و...
لم يكمل كلامه بسبب إغلاقها للخط. ضحك بشدة ثم التفت إلى عائشة التي كانت تنظر إليه بصدمة فقال بمرح:
- متستغربيش، هي دي شخصيتي الحقيقية، والهيبة اللي شفتيها فيا امبارح بمثلها قدام أحفادي وبس!
انتهى من كلامه ثم أشار لبراءة التي تجلس معهم بملل بالقدوم. اقتربت منه بطاعة فأردف وهو يمسك بيدها ويسير متجهًا للخروج:
- هسيبكم وأخرج أفسح البت دي شوية، دي زهقت منكم ومن كلامكم!
ثم نزل إلى مستوى الطفلة وهمس بصوت لم يصل إلا إليها:
- مش كده يا بنت أدهم؟
عقدت حاجبيها باستغراب وتساءلت:
- انت عرفت؟
أومأ بتأكيد:
- طبعًا عرفت! أنا مش هسمح لحد يدخل القصر ده من غير ما أعرف هويته حتى لو كان مجرد طفلة صغيرة زيك.
ثم أضاف وهو يضع سبابته فوق شفتيه بتحذير:
- بس متقوليش لأبوكِ إني عرفت، أوك؟
***
كانت تتجه للخروج بعد انتهاء الدوام، ولكن صوتًا ينادي باسمها أوقفها:
- ملاك استني!
التفتت لتتأكد من أن صاحب الصوت يقصدها هي بالذات، فوجدت إحدى زميلاتها تقترب منها وتقول بابتسامة وهي تمد يدها:
- أهلاً، أنا دينا زميلتك في الدفعة لو فاكراني!
نظرت إلى يدها ثم صافحتها بتردد قائلة:
- أهلاً.
- ممكن نبقى صحاب؟
نظرت إليها ملاك باستغراب من طلبها، فأردفت دينا بمرح:
- أصلي شايفاكِ وحيدة ديما وبصفتي بنت اجتماعية، لو معرفتش أحولك لوحدة اجتماعية زيي ممكن يجرالي حاجة!
ابتسمت لها ملاك بهدوء لكنها قالت باعتذار:
- آسفة بس مش بحب أعمل صحاب.
سألتها باستغراب:
- ليه؟
تنهدت بضيق ثم قالت:
- ممكن تعفيني من الجواب؟
أومأت دينا بتفهم رغم فضولها، وكادت تفتح فمها للحديث لكنها وجدت الفتاة تعطيها ظهرها وتكمل سيرها، فصرخت:
- استني يا بت لسه مخلصتش كلامي!
استدارت إليها متسائلة بضيق:
- في حاجة تانية؟
- آه، كنت هقولك تجي نقعد مع بعض الساعة دي عشان...
قاطعتها بنفي:
- آسفة بس مرات عمي مستنياني في البيت ومش عايزها تقلق عليا!
ثم ذهبت وتركت دينا تنظر إلى أثرها بغيظ وتتمتم:
- مالها دي؟ مش عارفة الدكتور أمجد معجب بيها على إيه!
سكتت قليلاً قبل أن تواصل بصوت شبه عال:
- بس وربنا لو مخلتهاش تتغير على إيدي مش هبقى أنا دينا محمد المعروفة في نص الجامعة!
لاحظت نظرات الطلاب المتعجبة لها ولجنونها، فابتسمت لهم بغباء وهي تتمتم بينها وبين نفسها:
- لا واضح إنك معروفة أوي يا دينا!
اتجهت إلى مقهى الجامعة وجلست تنتظر إنهاء بدور لمحاضراتها لتعود معها إلى البيت. كانت تعبث بهاتفها عندما وقف أمامها شاب طويل القامة ذو شعر أشقر وقال بهدوء:
- ممكن دقيقة من وقتك لو سمحتِ يا آنسة؟
كادت تجيب بفظاظة ولكن طريقته اللبقة في الكلام منعتها، فقالت بملل:
- اتفضل!
- كنت عايزك تساعديني في موضوع يخص بدور.
- بدور؟
- أيوه، شفتك معاها الصبح وعرفت إنك صاحبتها.
رفعت حاجبيها وهي تنظر إليه من أعلى إلى أسفل ثم تساءلت:
- وانت مين وعايز إيه من بدور؟
- أنا نادر زميلها في الدفعة وأنا وهي كنا بنحب بعض بس حصل سوء تفاهم وبعدت عني وأنا عايزك تساعديني أرجعها تاني!
رواية اسرار عائلتي الفصل العاشر 10 - بقلم اروى مراد
إتجهت إلى مقهى الجامعة وجلست تنتظر إنهاء بدور لمحاضراتها لتعود معها إلى البيت.
كانت تعبث بهاتفها عندما وقف أمامها شاب طويل القامة ذو شعر أشقر وقال بهدوء:
- ممكن دقيقة من وقتك لو سمحتِ يا آنسة؟
كادت تجيب بفظاظة لكن طريقته اللبقة في الكلام منعتها فقالت بملل:
- اتفضل!
- كنت عايزك تساعديني في موضوع يخص بدور.
- بدور؟
- ايوه، شفتك معاها الصبح وعرفت انك صاحبتها.
رفعت حاجبيها وهي تنظر إليه من أعلى إلى أسفل ثم تساءلت:
- وانت مين وعايز ايه من بدور؟
- أنا نادر زميلها في الدفعة وانا وهي كنا بنحب بعض بس حصل سوء تفاهم وبعدت عني وانا عايزك تساعديني ترجعلي تاني!
لوت شفتيها وهي ترمقه بقر'ف وتتمتم:
- مش مرتاحالك بصراحة.
لم يستمع إلى تمتمتها فقد كان يحاول تمالك أعصابه من نظراتها لكنه قال ببسمة متكلفة:
- قلتِ ايه؟
ضيقت عينيها بتفكير ثم قالت:
- اوك بس عايزة اعرف هو ايه سوء التفاهم الي حصل الأول.
- مش مهم تعرفي!
وقفت بغضب وهمت بالرحيل قائلة:
- يبقى مش مهم اساعدك برضه.
إستوقفها قبل أن ترحل بسرعة:
- فكري فيها طيب، هي بتحبني برضه بس الي حصل خلاها تبعد.
- وانا هعرف منين انك مش بتكدب عليا وانها بتحبك بجد وانت اصلا رافض تقولي الي حصل؟
أجاب بثقة:
- ممكن تسأليها لو عايزة.
حدقت به قليلا بأعين ضيقة لكنها عادت لتكمل سيرها قائلة بلا مبالاة:
- برضه مش هساعدك، أنا ضد الارتباط ومش هشجع صاحبتي عليه.
لحق بها وهو يخرج من جيبه شيئا ما وإستوقفها ثانية:
- أنا كنت هعرض عليها الجواز أصلا والدليل اهو!
إلتفتت إليه فوجدت بيده علبة صغيرة فتحها ليظهر بها خاتم زواج، رغم أنه لم يكن غاليا إلا أنه جعلها تقتنع بنيته قليلا فعقدت ذراعيها أمام صدرها متسائلة:
- طب وايه المطلوب مني اعمله؟
أجاب ببسمة خبيثة:
- تخليها تجي الساعة ستة لكافيه *** لوحدها لاني محضرلها مفاجأة كبيرة هناك!
كانت تتبادلان أطراف الحديث بعد أن إنتقلتا للجلوس في الحديقة، قاطعهما صوت كريمة مناديا:
- رحمة! هتتأخري على اخوكِ لو مروحتيش دلوقتي!
نظرت رحمة إلى ساعة يدها ثم صاحت:
- لسه بدري يا ماما!
طالعتها عائشة متسائلة بإستغراب:
- أخوكِ؟ انتِ عندك أخ؟
- ايوه، عنده عشرة سنين وانا باجي هنا بعد ما اخده للمدرسة وارجع عشان اروحه بعد ما يخلص.
- واسمه ايه.
- سيف.
وقبل أن تضيف كلمة أخرى عاد صوت والدتها ينادي:
- رحممممة!
صاحت ثانية بملل:
- حاضر يا ماما! رايحة اهو!
- على فين؟
إلتفتت بفزع إلى صاحب الصوت لتزفر براحة عند رؤيتها بدور ثم أجابت:
- رايحة اجيب اخويا، وبعدين الولاد هيرجعوا من الشغل قريب فلازم اروح!
- وانتي جيتي هنا امتى اصلا؟ وأخوكِ مين الي هتجيبيه وهتجيبيه فين وو ...
قاطعتها بملل:
- بااس بااس! الأسئلة دي كلها سألتها عائشة قبلك وهي هتجاوبك عليهم لاني مستعجلة .. بااي!
ثم غادرت بسرعة تحت نظرات التعجب من بدور.
إلتفتت إلى عائشة متسائلة:
- هو حصل ايه النهاردة؟
أشارت إلى مكان رحمة قائلة:
- تعالي اقعدي هنا عشان احكيلك .....
دخلت المطبخ لتجد والدتها تعد شيئا ما، تقدمت منها متسائلة:
- بتعملي ايه يا مامي؟
أجابتها والدتها ببسمة:
- بعمل كيكة عشان صاحبتك الي قولتيلي انها هتجي النهاردة.
- محتاجة مساعدة؟
- شكرا بس مش لازم، روحي شوفي هناء مالها.
عقدت دينا حاجبيها بإستغراب:
- مالها؟
- مش عارفة بس من أول ما روحت من الشغل وتصرفاتها بقت غريبة!
- طيب هشوفها.
خرجت من المطبخ متجهة نحو غرفة إبنة خالتها، طرقت الباب لكنها لم ترد فشعرت بالقلق وفتحت الباب لتجدها مستلقية على السرير وممسكة بهاتفها تنظر إليه بشرود.
وفور رؤيتها أغلقته وإعتدلت في جلستها فلاحظت دينا إحمرار عينيها دليلا على بكائها.
- هناء!
صرخت بها بقلق وهي تقترب منها وتمسك بوجهها متسائلة:
- انتِ كنتِ بتعيطي؟
أشاحت هناء بوجهها ببرود ولم تجب لكن دينا كانت أشد إصرارا ورددت:
- في ايه يا هناء؟ في حد ضايقك؟ انتِ بس قوليلي هو مين وأنا هضربهولك!
إبتسمت لها هناء بحب قائلة:
- شكرا يا دينا بس مفيش حاجة، افتكرت مو'ت بابا وماما وبس.
طالعتها بحزن ثم قالت بإبتسامة:
- ربنا يرحمهم، هما دلوقتي في مكان احسن.
هزت رأسها بشرود فأردفت دينا محاولة تغيير الموضوع:
- على فكرة، اتعرفت على جارتنا النهاردة! طلعت بتدرس في نفس جامعتي وعزمتها عشان تجي بعد شوية وعايزاكِ تتعرفي عليها.
زفرت هناء بتعب متمتمة:
- مش عايزة اتعرف على حد ولا اتكلم مع حد النهاردة!
- انتِ اتغيرتِ اوي كده ليه؟ كنتِ فرفوشة وبتضحكي ديما وكنتِ إجتماعية أكتر مني حتى.
رفعت أحد حاجبيها ببسمة ساخرة:
- ممكن عشان بابا وماما ماتوا من أقل من سنة؟
- بس أنا برضه بابا ما'ت من فترة! ورغم اني كنت متعلقة بيه اوي وزعلت عليه بس مبقتش كده!
لوت شفتيها بضيق وتجاهلت كلامها قائلة:
- اطلعي وسيبيني لوحدي يا دينا!
وقفت دينا وإتجهت للخروج متمتمة:
- هطلع بس مش هسيبك يا هناء .. يعني مش معقول أحاول اغير وحدة متقربليش حاجة واسيب أختي الغالية كده!
لم تستمع هناء إلى كلماتها لكنها إنتظرت خروجها لتلتقط هاتفها وتنظر إلى تلك الرسالة التي قلبت مواجعها والتي كان محتواها:
"الحادثة الي ما'توا فيها أمك وأبوكِ كانت حادثة مقصودة مش عادية، والي قت'لهم واحد من أقرب الناس ليكِ، بصي حواليكِ كويس وهتلاقيه."
جلست براءة في غرفة والدها بعد أن تسللت إليها تنتظر عودته من عمله، شعرت بملل من الإنتظار فأخذت تجوب الغرفة تستكشف ما فيها إلى أن وجدت ألبوم صور في أحد الأدراج.
فتحته وبدأت تتصفحه وهي تشاهد صور والدها بإستمتاع، فقد كان يحتوي على صوره منذ كان طفلا صغيرا إلى الآن، صور مع والديه أو مع إخوته وأبناء أعمامه وأحيانا مع أصحابه.
رأت كذلك صورا لها برفقته عندما كانت رضيعة وعندما كبرت قليلا.
إنتهت من تصفح الألبوم وأعادته إلى مكانه وواصلت إستكشاف أشيائه علها تجد شيئا مثيرا آخر.
قاطعها عما تفعله دخوله الغرفة فإلتفتت إليه ثم جرت نحوه وإرتمت في أحضانه صائحة بطفولة:
- بابا! اتأخرت ليه؟
حملها وضمها بحنان قائلا:
- آسف يا روح بابا، غصب عني!
تعلقت برقبته وهي تهمس بتذمر طفولي:
- بدور طلعت من القصر وعائشة قاعدة جنب أخوها وأنا فضلت لوحدي!
جلس على سريره وأجلسها على فخذيه وقال:
- معلش يا حبيبتي مكنتش فاضي بس هجيبلك دادة سماح هنا عشان تفضل معاكِ ديما.
لوت جانب شفتيها بضيق ونظرت أمامها دون أن تنطق، لاحظ أدهم عدم الرضا البادي على وجهها فتساءل بإستغراب:
- مالك يا براءة؟
- عايزة يبقى عندي صحاب!
فتح عينيه بتعجب من كلامها فواصلت:
- بدور عندها صحاب كتير زي إيلين وسرين ورحمة وعائشة وأنا معنديش!
إزدادت دهشته وهو يستمع إلى مقارنتها بعمتها التي لم تتوقف إلى ذلك الحد بل أردفت:
- وهي كمان بتروح المدرسة وأنا لا، وبتتعامل مع باباها عادي وأنا لازم ابقى حذرة في تعاملي معاك عشان مفيش حد عارف اني بنتك!
شعر بوخزة في قلبه من تصريحها لمشاعرها خاصة عندما أدارت رأسها إليه ولاحظ الدموع في عينيها وأضافت:
- انت ليه مخبي عليهم اني بنتك؟ في حاجة مخبيها عليا صح؟
همس بنبرة متحشرجة:
- أنا ...
إنتظرت منه قول أي شيء لكنه لم يستطع، صراحتها معه صدمته.
لم يكن يتوقع أنها تشعر بكل ذلك وتخفيه عنه، وهو لم يحاول حتى فهمها.
كان فقط يفكر في نفسه حتى لا يعلم أهله بالذنب الذي إرتكبه غير مدرك لمشاعرها، فقد ظن أنه جعلها فتاة قاسية، باردة، مفكرا بأنه هكذا سيحميها من أوجاع الدنيا، لكنها في النهاية إنسان لا يمكن أن يسيطر على مشاعرها خاصة وأنها لا تزال طفلة في السادسة من عمرها.
لقد كان تفكيرا غبيا بحق!
هبطت دمعة من عينه عبرت عن ندمه ثم سحبها إلى أحضانه مرددا:
- آسف! آسف يا حبيبتي مفكرتش فيكِ بس اوعدك اني هصارحهم عشانك!
- بجد؟ يعني الكل هيعرف اني بنتك دلوقتي؟
صاحت بها بحماس رغم دموعها فأومأ لها بتأكيد، إبتسمت بإتساع قبل أن تردف فجأة:
- وهتوديني المدرسة صح؟
أومأ ثانية هامسا بحنان:
- هعمل كل الي أميرتي تطلبه بس لازم الكل يعرف الأول!
- جدو عبد الرحمان بيعرف على فكرة!
تطلع إليها بصدمة وعدم تصديق فأردفت:
- الصبح خرجني عشان نتفسح وكان ديما بيقولي يا بنت أدهم، وقالي انه عارف من أول ما جيت لأنه مكنش هيسمح لحد يدخل قصره من غير ما يعرف أصله حتى لو كنت طفلة.
إبتلع ريقه وهو يلعن غباءه ألف مرة، فهو يعلم أن جده ليس غبيا حتى يسمح لأي أحد بدخول القصر ولكنه لم يفكر في ذلك من فرط حماسه لإحضار إبنته للعيش معه.
أخذ نفسا عميقا ووقف إستعدادا للذهاب إليه ومواجهته، نظر إلى إبنته ببعض التوتر قائلا:
- استنيني هنا، هروح اتكلم معاه وارجع....
- واخداني فين يا دينا؟
زفرت دينا بملل من سؤالها المتكرر منذ خروجهم، أجابت وهي تحاول التركيز في قيادة السيارة:
- مانا قلتلك انها مفاجأة!
- بس أنا مقلتش لبابا اننا هنطلع، قلتله اني هروح عندكم بس وانتِ أجبرتيني اطلع معاكِ فجأة!
- اتصلي بيه وقوليله .. سهلة!
- بس معنديش رقمه.
رفعت أحد حاجبيها قائلة:
- في حد معندوش رقم أبوه؟
لم تشأ بدور أن تخبرها بقصتها فإلتجأت إلى الكذب قائلة:
- هو كان عندي أكيد بس انحذف بالغلط.
ثم حاولت تغيير الموضوع فتساءلت:
- هي دي عربية مين الي سمحلك تسوقيها؟
- عربية جدو.
- وانتِ اتعلمتِ تسوقي العربية من امتى؟
أجابت بمرح:
- من مدة قصيرة بس، بس خافي على نفسك برضه لأننا ممكن نعمل حادثة في أي وقت!
تمتمت بمرح مماثل:
- ربنا يستر!
عم الصمت بينهما لبعض الوقت قبل أن تقطعه دينا بسؤالها المفاجئ:
- هو في حد كنتِ بتحبيه في الجامعة؟
كان يجلس بذلك المقهى مركزا بعينيه على الباب إلى أن وجدها تدخل رفقة تلك الفتاة التي إتفق معها على إحضارها صباح اليوم.
لاحظ إقترابهم منه وصراخا صدر من حنجرتها فور وقوع عينها عليه:
- نادر! انت بتعمل ايه هنا؟
لم يجبها وإكتفى بمتابعة إنفعالها وهي تلتفت إلى صديقتها التي أجلستها أمامه رغما عنها فصاحت بها بغضب:
- انتِ كنتِ متفقة معاه من الأول انك تجيبيني هنا عشان أشوفه يا دينا؟
كادت تجيبها لكن نادر قاطعها وهو يقترب منها ويهمس لها ببرود:
- شكرا، تقدري تروحي دلوقتي.
لوت شفتيها بقر'ف وهي تلاحظ تغير نبرته بعد أن كان يترجاها في الصباح، عقدت ذراعيها أمام صدرها برفض قائلة بنفس الهمس:
- مش همشي قبل ما أتأكد ان نيتك سليمة ناحيتها، وانت كدبت عليا وقلت انك محضرلها مفاجأة بس أنا مش شايفة حاجة فممكن تكون خدعتني عشان بس تاخد منها الي انت عايزه وبعدها ترميها!
لوى جانب شفتيها بضيق منها قبل أن يقول بفظاظة:
- المفاجأة مش هنا وأنا عايزها تبقى مفاجأة بيننا ومش عايزك تشوفيها، عشان كده بقولك روحي!
إتسعت عيناها بصدمة من طريقة كلامه لكنها إبتسمت بتهكم متمتمة:
- لا ما شاء الله، تغيير عظيم ما بين الصبح ودلوقتي! بس عموما أنا همشي عشان بدور مش عشانك.
قالت ذلك ونفخت في وجهه بسخرية ثم رحلت تاركة إياه يتوعد لها بالويل ولكنه حاول تمالك نفسه أمام هذه التي تجلس هنا وتنظر إليه بملامح يبدو عليها الغضب الشديد.
عاد للجلوس أمامها قائلا بإبتسامة بدت لها مستفزة:
- آسف على الخدعة الي جبتك بيها بس كان لازم تسمعيني.
بادلت بسمته بنظرة باردة وقالت:
- عايز ايه؟
وصل النادل في تلك اللحظة ليضع أمامها كوبا من العصير ثم إبتعد عنهما فأردف نادر بنفس الإبتسامة:
- عارف انك بتحبي عصير الليمون عشان كده طلبتهولك.
كررت سؤالها بلا مبالاة:
- عايز ايه؟
- اشربي الأول وأنا هحكيلك.
زفرت بملل وقربت الكوب من فمها لترتشف قليلا منه ثم قالت:
- ارغي.
- عارف انك زعلانة مني عشان الحركة الي عملتها امبارح بس كنت مقهور لما شفت راجل تاني بيبوسك ومفكرتش في انه يبقى أخوكِ لأني مكنتش عارف ان ليكِ أخ.
- أنا عارف اني غلطان بس ...
قاطعته وهي تحرك حدقتيها بحركة دائرية دليلا على الملل:
- مش مهم السبب الي خلاك تعمل كده، بس أنا مش هقبل بحد لمس واحدة غيري قبل كده.
- بس دي مجرد بوسة!
لوت جانب شفتيها بتهكم وعقبت:
- مجرد بوسة؟ انت شايفها حاجة بسيطة يعني؟
- مقصدش بس مش هتسيبي عشانها الراجل الي بتحبيه!
- لا هسيبه، لاني لو فضلت متعلقة بيه مش هنسى المشهد الي شفته أبدا وأنا غيرتي كبيرة وو ...
قطعت كلامها عندما شعرت بثقل في رأسها فجأة، حاوطته بيدها لكنها لم تستطع المقاومة فسقط رأسها على الطاولة وغابت عن الوعي.
إبتسم بخبث وإقترب منها ثم حملها إلى الخارج دون أن يلقي بالا لمن في المقهى فقد كانوا ينظرون إليهما بلا مبالاة.
إتجه إلى إحدى السيارات وفتح الباب الخلفي ليضعها على المقعد ثم ركب مكان السائق وقاد السيارة إلى أن توقف أمام إحدى العمارات.
نزل منها وحملها ثانية ثم صعد إلى شقة شهدت الكثير من قذا'راته ووضعها على سرير بغرفة النوم بعد أن تأكد من إقفال الباب بإحكام.
إرتسمت إبتسامة خبيثة على شفتيه وهو ينظر إلى ملامحها البريئة، جلس بجانبها وهو يحدثها بسخرية وكأنها تستمع إليه:
- قولتيلي انك مش هتقبلي بحد لمس وحدة غيرك صح؟
إبتعد عنها ثم خرج قليلا وعاد بآلة تصوير وضعها على التسريحة مردفا بإبتسامته الخبيثة:
- طب ايه رايك بقى انك هتبقي وحدة مش هيقبل بيها اي راجل لان في حد لمسها قبله؟
قام بتشغيل آلة التصوير تلك ثم واصل:
- واه على فكرة، انتِ بجد مش أول بنت المسها، واول ما تصحي هوريكِ فيديوهات هتبهرك ومنهم الفيديو الي هنصوره مع بعض دلوقتي!