تحميل رواية «اسرار عائلتي» PDF
بقلم اروى مراد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ه؟ أنا هعيش بين كل دول؟ انت عايزني اعيش بين تسعة رجاله في بيت واحد؟؟ - دول أهلك ونص الرجاله الي بتتكلمي عنهم هما أخواتك!قالها والدها وهو ينظر إليها بتعب فصرخت به ثانية ودموعها بدأت تنهمر على وجنتيها: - وانت كنت فين كل السنين دول؟ ليه اخدتني دلوقتي بعد العذا*ب الي كنت بعيشه في بيت خالي؟إقترب منها ومسح دموعها بحنان: - صدقيني يا بنتي أنا مكدبتش عليك في حاجه، أنا مكنتش عارف انك عايشه اصلا! لما سبت مامتك وكنت هاخدك معايا هي وهمتني انك متي وانا صدقتها ومفكرتش في انها كدبت عليا عشان تخليكي معاها.إبتعدت...
رواية اسرار عائلتي الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم اروى مراد
كانت تجلس على أريكة بقاعة الجلوس وجوارها والدها يحاول تهدئتها وهي تصيح بحلفان:
- أنا مش بخرف والله! أنا متأكدة إني شفتها، معقول مش هعرف ماما؟
نظر إليها جميع أفراد العائلة المتجمعين حولها بعدم تصديق وهتف أكرم بحيرة:
- شفتيها إزاي يا بنتي وإنتي متأكدة إنها ماتت واتدفنت خلاص؟
همست بتعب وهي تضع رأسها بين كفيها:
- مش عارفة!
أغمضت عينيها بتشتت وحاولت تهدئة نفسها وإقناعها بأنها تتوهم بالفعل، فوالدتها متوفاة وهي متيقنة من ذلك.
فتحت عينيها ثانية عندما شعرت بأحد يجلس على يسارها فالتفتت إليه لتجده رسلان. نظر إليها هذا الأخير باهتمام قائلاً:
- احكيلنا على التفاصيل.
أومأت بطاعة ثم بدأت بالحديث:
- كنت واقفة مع إيلين جنب عربية أدهم وطلعت فوني عشان أرن عليه بس لاحظت ست شبه ماما أوي ولما ركزت فيها أكتر لقيت إنها ماما فعلاً، يعني مستحيل تبقى في ست شبهها للدرجة دي! أول ما شفتها فضلت مصدومة وما فوقتش غير لما لقيتها بتبعد بالعربية. جريت وراها عشان ألحقها بس معرفتش، وقدرت بس أحفظ رقم العربية، ولونها طبعاً!
انتهت من كلامها وهي ترفع عينيها إلى الجميع لتجد ملامحهم تؤكد عدم تصديقهم لما تقول. حولت بصرها إلى رسلان فوجدته ينظر إلى الفراغ بشرود وهمس دون أن يشعر:
- شبهها؟
رفع رأسه ليجد الجميع يتطلع إليه بترقب. التفت إلى أكرم قائلاً بجدية:
- إحنا لازم ندور عليها!
مط أكرم شفتيه بتفكير ثم أومأ برأسه وقال:
- اعمل اللي أنت عايزه.
لمعت عينا بدور بأمل ونظرت إلى رسلان بابتسامة امتنان، فانحنى هذا الأخير على أذنها هامساً:
- الحقيقة هتظهر قريب...
قطبت حاجبيها بعدم فهم لمقصده لكنها لم تستطع أن تسأله بسبب وقوفه وابتعاده متجهاً إلى الأعلى. رمقت الجميع بنظرة سريعة استطاعت من خلالها ملاحظة غياب يامن فتساءلت:
- هو يامن فين؟
أجاب عمها أحمد وهو يضع هاتفه على أذنه يتصل به:
- مش عارف، برن عليه من بدري بس هو قافل تلفونه.
أخفض هاتفه عندما لم يجد أي رد فأردف قبل أن يغادر القصر:
- هروح أشوفه ممكن يكون قاعد بره.
تبعته بدور بعينيها لتلاحظ وجود سرين وإيلين في موقع بعيد عنهما قليلاً وبجانبهما براءة. اقتربت منهم واعتذرت قائلة:
- آسفة يا بنات، انشغلت بحكاية ماما ونسيت...
قاطعتها سرين وهي تربت على كتفها بابتسامة:
- مش مهم، المهم إننا اطمنا عليكي.
ثم التفتت إلى إيلين وأردفت:
- يلا نروح دلوقتي.
أومأت إيلين ثم اتجهت كلتاهما للخروج لكن صوت أدهم استوقفهما قائلاً:
- استنوا هوصلكم.
استدارت إليه سرين وهمت بالرد لكنها وجدته يخرج متجهاً إلى سيارته وإيلين تبعته دون اعتراض. زفرت بضيق ثم سارت خلفهما بعد أن قامت بتوديع بدور.
ركبت السيارة بجانبه بناءً على طلبه ولم تعترض لأنها متعبة وليست مستعدة لاختلاق شجار معه. التزم الثلاثة الصمت طوال الطريق حتى وقف أدهم بسيارته أمام بيتهم.
نزلت إيلين سريعاً وهمت سرين بالنزول كذلك لكن أدهم استوقفها قائلاً وهو ينزل من السيارة:
- استني هنا ثواني!
نظرت إليه باستغراب وهو يفتح حقيبة السيارة ويخرج منها كيساً يحمل علامة المحل الذي كانت به. ثم تقدم منها وقدمه لها قائلاً بنبرة تحمل بعض الإحراج:
- ده ليكي.
- إيه ده؟
تساءلت رغم علمها بما في الكيس ولكنها لم تتوقع أن يقوم بفعل كهذا. أجاب وهو يخفض نظره إلى الأرض:
- الفستان اللي عجبك واللي بسبي مش اشتريتيه!
- قولتلك إني مخدتوش عشان سعره مش بسببك.
رفع يده أكثر قائلاً بإصرار:
- مش مهم السبب، أنا اشتريته خلاص!
ابتسمت رغماً عنها وأخذت الكيس وهي تهمس:
- شكراً.
بادلها الابتسامة ثم ألقى السلام واستقل سيارته ليعود إلى القصر، تاركاً إياها تنظر إلى الكيس بشرود وهي تفكر في تغير طريقته معها فجأة. فقد كان لا يطيقها أبداً كما تفعل، ولكنه الآن أصبح... لطيفاً قليلاً!
...
فتحت عينيها ببطء وجالت ببصرها على المكان تحاول أن تستوعب أين هي الآن. اعتدلت في جلستها عندما وجدت نفسها مستلقية على أريكة في قاعة جلوس بشقة تراها لأول مرة.
تسارعت خفقات قلبها وهي تذكر ما حدث لها قبل أن تفقد الوعي عندما قام أحدهم بتخديرها... وخطفها! لكنها تفاجأت بالتلفاز المشغل أمامها على قناة سبيستون وتحديداً على برنامج "النمر الوردي".
عقدت حاجبيها باستغراب وصدمة سرعان ما تحولت إلى خوف عندما انتبهت لكونها مقيدة اليدين والرجلين. ورغم حبها الشديد لذلك البرنامج السخيف الذي يعرض الآن، إلا أنها لم تلق له بالاً وتمتمت بخوف وهي تحاول تحرير يديها خلف ظهرها:
- يا رب يكون اللي خطفني إنسان كيوت وخطفني عشان يتفرج معايا على سبيستون بس، يا رب!
التفتت إلى اليمين بسرعة عندما سمعت ضحكة رجولية ذات نبرة ليست بغريبة عنها. جحظت عيناها وهي تراه يستند بظهره على الحائط ويرمقها ببسمة مستفزة فصاحت:
- إنت؟
اقترب منها محافظاً على ابتسامته تلك وهو يجيب:
- مفاجأة صح؟
قوست دينا شفتيها بضيق وتساءلت:
- عايز مني إيه؟
جلس بجوارها وقال باستفزاز:
- عايز أتفرج معاكِ على سبيستون!
زفرت دينا بغيظ من سخريته وتمتمت:
- مش بهزر على فكرة.
- إنتِ عارفة أنا عايز إيه.
قال ذلك وهو ينظر إليها بجدية فهتفت بلامبالاة:
- أعتقد إني رفضتك مرتين يعني واضح إني مش بطيقك مع إني كنت شايفة إنك مش وحش بس إنت دلوقتي أثبتلي العكس، وأنا مش عايزة أتجوز حد خطفني عشان لسه متمسك بيا بعد ما رفضته مرتين يعني معندوش كرامة زيك يا... يامن!
رمقه يامن بنظرة حادة ثم عقب ببرود:
- عارف إنك غبية ومبتعمليش حساب للكلام اللي بتقوليه واللي هتندمي عليه بعدين، عشان كده هعمل نفسي مسمعتش حاجة.
اغتظت دينا من بروده ومن نعته لها بالغبية فحاولت استفزازه أكثر وأردفت متجاهلة كلامه:
- وبعدين هي بدور مقالتلكش إني بحب حد تاني؟
ازدادت حدة نظراته لكنه حافظ على بروده وقال بثقة:
- كدابة.
رمقته دينا بتعجب ثم قوست شفتيها بسخرية قائلة:
- وإنت واثق أوي إني بكدب ليه؟
- لأني مراقباكِ من وإنتي صغيرة وعارف عنك كل حاجة.
- مش معنى إنك مراقبني يبقى إنت عارف عني كل حاجة، فيه حاجات محدش يعرفها غيري وأول واحدة عرفت هي بدور، وأنا أصلاً قلتلها عشان تعرفك وتبطل تجري ورايا.
بدأ الغيظ يظهر على وجه يامن وهو يتساءل:
- إسمه إيه؟
...
جلست على مكتبها الصغير بغرفتها تلعب بالحاسوب بمحاولة منها لنسيان أنها رأت والدتها المتوفاة، وإقناع نفسها بأنها تتوهم، فرؤية إنسان ميت لهو ضرب من الجنون.
زفرت بتعب وأغلقت الحاسوب مقررة الجلوس مع أفراد عائلتها. وعند فتحها للباب، تفاجأت بأمجد يقف أمامه ويرفع يده استعداداً لطرقه. أخفض يده وابتسم لها قائلاً:
- ممكن أدخل؟
أومأت بهدوء وتراجعت متجهة إلى الشرفة. أوصد أمجد الباب وتبعها ثم جلس على المقعد أمامها ونظر إلى الفناء الخلفي الذي تطل عليه شرفتها ملتزماً الصمت.
تطلعت إليه بدور باستغراب وبادرت بالحديث:
- في حاجة كنت عايز تقوليها لي؟
نفى برأسه دون أن ينظر إليها فأردفت بتساؤل:
- أما جيت ليه؟
- أنا بس عايز أقعد معاكِ شوية.
قالها وهو يرفع كتفيه ببراءة، فعقبت بدور ببرود مصطنع:
- وأنا مش عايزة أقعد معاك.
تساءل بتعجب:
- ليه؟
- لأنك مصدقتنيش لما قلتلكم إني شفت ماما، محدش فيكم بيصدق كلامي أصلاً غير رسلان، حتى بابا.
مط أمجد شفتيه بعدم اهتمام وقال محاولاً تغيير الموضوع:
- ولما رسلان هو الوحيد اللي بيصدق كلامك موافقتيش عليه ليه؟
زفرت بدور بملل من ذلك الموضوع الذي يكرره الجميع على مسامعها كلما تحدثت مع أحد، ومن إصرارهم على موافقتها للزواج من رجل تعتبره أخاً لها. تحدثت بنبرة منزعجة:
- لأني شايفاه أخويا! إنتو ليه مش عايزين تفهموا؟
- لأنك غبية.
نفخت بغيظ منه ومن الجميع المتفق على غبائها. وقبل أن تفكر بالرد، انتبهت إلى رنين هاتفها فقرأت اسم المتصل سريعاً لتجدها دينا. استقبلت المكالمة ووضعت هاتفها على أذنها لكنها تفاجأت بصوت سيدة وراء الخط تقول:
- أنا آسفة يا بنتي أنا والدة دينا وكنت عايزة أسألك، هي دينا عندك؟
عقدت بدور حاجبيها باستغراب وأجابت باختصار:
- لا.
استمعت بعد ذلك إلى صوت وقوع شيء ما ثم صوت صراخ تلك السيدة وهي تقول:
- لا مش عندها، بنتي اتخطفت يا عامر! جيبلي بنتي الله يخليك!
انهارت علياء وازداد بكاؤها ليتسلل القلق إلى قلب بدور خاصة وهي تستمع إلى صوت عامر - خال دينا - وهو يحدث شقيقته قائلاً:
- اهدي يا علياء، هنلاقيها متقلقيش.
ثم التقط الهاتف الذي أوقعته منذ قليل ووضعه على أذنه محدثاً بدور:
- آنسة بدور، إنتِ لسه معايا؟
أجابت وهي تقف من مكانها فجأة بقلق:
- ا... أيوه، بس... ممكن أعرف هي دينا مالها؟
أجاب عامر بتنهيدة:
- دينا اختفت، كانت عايزة مفتاح العربية بتاعتي عشان تطلع تتفسح شوية ولما حسيت إنها اتأخرت رحت للجراج بس لقيت العربية مفتوحة والمفتاح واقع وهي مش موجودة.
- ط... طب اسأل هناء ممكن تكون عارفة مكانها؟
- هناء برضه مختفية، ومش بترد على تلفونها. عموماً أنا هدور عليهم ولو عرفتي حاجة رني علينا.
- تمام.
أقفلت الخط ونظرت أمامها فوجدت أمجد ينظر إليها باستفسار. جلست بشرود وهي تقول:
- دينا اتخطفت.
تساءل بدهشة:
- دينا جارتنا؟ اللي يامن خطبها؟
أومأت برأسها ثم أردفت بانتباه:
- أيوه، هو يامن فين؟
- بتسألي ليه؟
أجابت بدور بغباء:
- عشان يدور عليها وينقذها، دي فرصته عشان يخليها تحبه.
رمقه بصدمة ثم تمتم بقرف مصطنع:
- وأنا اللي كنت فاكر إنك قلقانة عليها؟
- طبعاً قلقانة عليها بس دي فرصة...
نفى برأسه بقلة حيلة ثم قال بتفكير:
- يامن اختفى في نفس الوقت اللي اختفت فيه دينا، يعني ممكن يكون هو اللي...
قطع كلامه وهو يفتح فمه بصدمة قبل أن يقف من مكانه ويخرج من الغرفة بسرعة. تبعته بدور بعدم فهم فوجدته يقف عند باب غرفة شقيقها آدم ويطرق الباب وهو يصيح:
- اطلع يا آدم!
فتح الباب وظهر آدم من خلفه وهو يحك عينيه ثم نظر إلى أمجد وتساءل:
- في إيه؟
أمسكه أمجد من تلابيب قميصه وقال وهو يضيق عينيه بشك:
- يامن فين؟
رفع آدم أحد حاجبيه مجيباً بجهل:
- وأنا هعرف منين؟
بدأ الغضب يرسم على ملامح أمجد وهو يهز آدم صارخاً:
- متستهبلش يا آدم، أنا متأكد إنك عارف مكانه!
خرج رسلان وأكرم على صوت صياحه العالي فاقترب منه أكرم بحاجبين معقودين وتساءل مخاطباً بدور الواقفة على جنب:
- إيه اللي بيحصل هنا؟
- مش عارفة، أنا كنت قاعدة مع أمجد وعرفت إن دينا صاحبتي اتخطفت وأمجد قال إن ممكن يكون يامن هو اللي خطفها، بس مش عارفة إيه علاقة آدم بالحكاية؟
ابتلع آدم ريقه حين استمع لكلامها ثم نظر إلى أمجد الذي رفع أحد حاجبيه وقال مخاطباً إياه:
- وفكرة الخطف دي مستحيل تيجي ليامن إلا لو في شيطان وسوسله!
حاول آدم التخلص من يدي أمجد وهو يهتف بتذمر:
- طب الشيطان هو اللي وسوسله، أنا مالي؟
- إنت الشيطان نفسه.
صاح بها أمجد وهو يشد قبضته على ياقة قميص شقيقه، لكنه شعر بيد تبعده عنه ثم صوت رسلان يقول وهو يرمق آدم بنظرات أخافته:
- سيبه يا أمجد، أنا هتصرف معاه وأخليه ينطق...
استمعت إلى صوت رنين الجرس بينما كانت تجلس بغرفة الجلوس في فيلا لها وهي شاردة الذهن. وقفت متجهة ناحية الباب وفتحته بهدوء لتتسع عيناها وهي ترى ابنتها التي لم ترها منذ أشهر تقف خلفه.
ابتسمت باتساع واحتضنتها فجأة وهي تصيح:
- عائشة! وحشتيني أوي يا بنتي!
تحدثت عائشة وهي بين ذراعيها:
- وإنتِ كمان وحشتيني يا ماما.
حاولت الابتعاد عنها لكن يمنى تمسكت بها أكثر وقد بدأ جسدها يهتز وهي تردد بنبرة قريبة من البكاء:
- أنا آسفة يا حبيبتي، معرفتش أديكي الحنان اللي بتديه أي أم لأولادها، ولا عرفت أحميكي من أبوكِ، ولا حتى قدرت أعبرلك عن حبي واهتمامي بيكي، أنا أم فاشلة! آسفة!
ابتسمت عائشة وهي تربت على ظهرها قائلة:
- أنا فاهماكِ وعاذراكِ يا ماما متعتذريش. ودلوقتي ممكن أقولك حاجة؟
ابتعدت يمنى عنها وهي تمسح دموعها سريعاً ثم نظرت إليها باستغراب لتنتبه إلى ذلك الشاب الوسيم الذي يقف خلف ابنتها ثم إلى صوتها وهي تقول معرفة به:
- ده ياسين، ابن عمو أحمد.
ابتسمت يمنى فوراً هاتفة:
- أهلاً وسهلاً يا ياسين إزيك؟ كبرت أوي عن آخر مرة شفتك فيها.
بادلها ياسين الابتسامة ففسحت لهما يمنى المجال للدخول مرددة:
- اتفضلوا.
أخذتهما إلى غرفة الجلوس وجعلتهما ينتظران إلى أن تحضر لهما شيئاً يشربانه. وأثناء ذلك التفتت عائشة إلى ياسين وهتفت بابتسامة:
- شكراً لأنك وافقت تجيبني هنا يا ياسين، كنت خايفة أقول لخالد ويرفض.
ابتسم لها ياسين بحنية قائلاً:
- على إيه يا حبيبتي، المرة الجاية متفكريش حتى تطلبي حاجة من خالد وأنا موجود، اتفقنا؟
أومأت برأسها ثم أخفضته بخجل لسماعها تلك الكلمة التي أصبح يرددها على مسامعها مؤخراً. وازدادت ابتسامته هو على خجلها ولم يستطع منع نفسه من تقبيل خدها. اقترب منها وأحاط خصرها بذراعه وقرب شفتيه من خدها. ولم يكد يبلغ مناه حتى استمع إلى صوت تحطيم قريب فانتفض كلاهما والتفتا إلى مصدر الصوت ليجدا يمنى تنظر إليهما بصدمة ولم تنتبه إلى وقوع صينية العصير من بين يديها.
خرجت من صدمتها واقتربت من ياسين بغضب وهي تصرخ:
- إنت إزاي تتجرأ تقرب من بنتي بالشكل ده؟
توترت عائشة وحاولت إبعاد يده عن خصرها لكنه تمسك فيها أكثر وأجاب بهدوء:
- ممكن لأنها مراتي؟
صدمة أخرى أحاطت بها وهي تستمع إلى كلماته التي أخرجها ببطء. أفاقت منها بعد ثوان وتساءلت:
- وده من إمتى؟
- من أقل من أسبوع تقريباً.
أومأت يمنى بلمعة حزن وقالت بابتسامة متكلفة:
- مبروك.
- الله يبارك فيكِ.
شعر ياسين بحزنها وفهم سببه فوراً، فقد تم إقصاؤها من مناسبة مهمة تخص ابنتها ولا بد أن هذا ترك في قلبها جرحاً عميقاً. لذلك حاول استدراك الأمر قائلاً:
- على فكرة إحنا كتبنا كتابنا وبس، مينفعش نعمل فرح وإنتِ مش موجودة مع العروسة.
أومأت عائشة مؤكدة:
- طبعاً، أنا مش هعمل فرح من غيرك يا ماما.
ابتسمت يمنى وجلست بجوار عائشة قائلة:
- وأنا مش هسيبك لوحدك في يوم زي ده يا حبيبتي، أكيد هبقى موجودة.
ورغم ذلك إلا أنها كانت لا تزال تشعر بالألم لإخفائهم الأمر عنها فأرادت تغيير الموضوع حتى لا تبكي أمامهما وسألت:
- المهم إنتو عاملين إيه وخالد وعدي و... محمد عاملين إيه؟
نطقت اسم طليقها بتردد فأجابها ياسين بنظرة ماكرة:
- كلهم كويسين، بس عمو محمد... مش هيبقى كويس بكرة.
تساءلت يمنى بقلق:
- ليه؟
- فاكرة بنت عمته ثريا اللي كانت لازقة فيه زمان؟ جدو قال إنها هتجي بكرة هي وبنتها عشان كده بقولك مش هيبقى كويس.
ظهر الضيق على وجه يمنى وبدأت ملامحها تتحول إلى الغيظ شيئاً فشيئاً وهي تفكر في تلك المرأة عديمة الكرامة التي كانت تحاول جاهدة أن تفتك منها زوجها عندما كانت متزوجة من محمد. وبسبب غيرتها التي لم ولن تنتهي حتى الآن، نطقت دون تفكير مخاطبة عائشة وياسين:
- أنا عايزة أجي القصر بكرة!
...
كانت تسير معه في تلك الفيلا الراقية والتي تثبت أن أصحابها ينتمون إلى الطبقة الغنية حتى دخل غرفة الجلوس الكبيرة وأجلسها على إحدى الأرائك قائلاً بلطف مبالغ فيه:
- استنيني هنا شوية يا هنون، هجيبلك حاجة تشربيها.
أومأت له هناء بهدوء ونظرت إليه وهو يغادر غرفة الجلوس ثم جالت ببصرها حول المكان بعد اختفائه وهي تضغط على أسنانها بكره شديد تكنه لأصحابه. أخذت نفساً عميقاً تهدئ به نفسها عندما عاد وائل بعد دقائق وهو يحمل فنجانين من القهوة.
وضع أحدهما بيدها وأمسك بالآخر وهو يجلس بجوارها ملاصقاً لها تماماً، ثم ارتشف من قهوته قبل أن يبادر بالحديث قائلاً:
- بصراحة، متوقعتش خالص إنك تطلبي مني تجيبك هنا.
نظرت إليه بترقب فبادلها بنظرة لم تفهمها ثم واصل:
- يعني... أنا عارف إن البنات المحترمة بتخاف تدخل بيت مفيهوش حد مع راجل غريب عنها حتى لو كان خطيبها.
رمقته بغضب مصطنع وصاحت:
- يعني أنا مش محترمة يا وائل؟
نفى برأسه سريعاً وقال:
- لا طبعاً أنا مقصدش كده، بس اللي فهمته من طلبك ده إنك واثقة فيا، مش كده؟
قال الأخيرة وهو يمرر يده على خدها فشعرت هناء بدقات قلبها التي تسارعت فجأة لكنها حاولت طرد تلك المشاعر وأجابت ببسمة لم تصل إلى عينيها:
- أكيد واثقة فيك يا حبيبي!
بادلها وائل البسمة ثم قال مقترحاً:
- إيه رأيك نتفرج على فيلم؟
أومأت هناء باستحسان ثم وقفت مردفة:
- موافقة، جهز إنت الفيلم اللي هنتفرج عليه وأنا هروح أعملنا فشار.
لم تنتظر رده وأسرعت بالخروج من غرفة الجلوس، لكنها وقفت عند الباب تسترق النظر إليه فوجدته يبحث عن شريط بين الأدراج بالفعل. استغلت الفرصة وأسرعت نحو غرفته التي حفظت مكانها عندما كان وائل يريها الفيلا. فتحتها وهي تلقي نظرة حولها لتتأكد من عدم متابعته لها ثم دخلت وبدأت تبحث في الأدراج سريعاً عن شيء ما.
انتهت من تفتيش تلك الأدراج القليلة دون أن تجد ما تبحث عنه، وقفت بحيرة وهي تتفحص الغرفة بعينيها علها تجد أي مكان آخر يمكن أن يخبئه به، لكنها شعرت بمعدتها تؤلمها فجأة ثم بدأ الدوار يسيطر عليها. وقبل أن تفقد الوعي تماماً، كانت تراه وهو يدخل الغرفة راسماً على وجهه ابتسامة ماكرة. ثم يقترب منها وينحني إليها قائلاً:
- إيه؟ كنتِ فاكرة إني غبي لدرجة إني مش هلاحظ إنك كنتِ بتجاريني عشان تتأكدي إني أنا اللي قتلت أمك وأبوكِ وتلاقي دليل لده؟
عقدت حاجبيها وهي تحاول الحفاظ على وعيها وعقلها يستوعب ببطء ما يقول، بينما استرسل وائل بانتصار:
- بس لا إنتِ هي اللي كنتِ غبية وصدقتِ إني بخبي الدليل في الفيلا هنا بعد ما سمعتيني وإنا بتكلم في الفون ومفكرتيش في إن دي ممكن تكون خطة مني عشان أجيبك هنا وآخد منك اللي أنا عايزه.
اتسعت عيناها بصدمة بعد استيعابيها لما قال وحاولت مقاومة الدوار أكثر لكنها فشلت في ذلك وسقطت أمامه بعد ثوان وهي فاقدة للوعي تماماً.
رواية اسرار عائلتي الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم اروى مراد
ملكش دعوة.
كانت تلك إجابة دينا على سؤال يامن، رافضة إطلاعه عن هوية حبيبها.
فلم يستطع يامن التحكم في نفسه، وتركها تشاهد التلفاز ببسمة انتصار. دخل إحدى الغرف وهو يسير بها في كل الاتجاهات، يحاول السيطرة على نيران الغيرة التي اشتعلت في قلبه. بدأ يصدق كلامها بالفعل.
أخذ يجول الغرفة ذهابًا وإيابًا وهو يتمتم:
"يعني إيه بتحب حد تاني؟ طب وأنا اللي بحبها من زمان؟ معقول في حد تاني عرف ياخد قلبها وأنا اللي بعدت عنها واستنيت لحد ما تتخرج عشان أتجوزها؟"
وقف في منتصف الغرفة وبعثر شعره بغضب، رغم محاولاته لإلتزام الهدوء حتى يفكر بتعقل. أخذ نفسًا عميقًا واسترسل بأمل:
"طب ماهي ممكن تكون بتكدب عليا ومافيش حد في حياتها؟ وبعدين حتى لو في حد في حياتها، هو فين أصلًا وما تقدمش ليه؟ يعني ممكن يكون مبيحبهاش، وساعتها هتبقى فرصة ليا عشان أخليها تنساه وتحبني."
رفع رأسه إلى الأعلى وقد عزم على عدم الاستسلام، لكن الضيق بدأ بالظهور على ملامح وجهه حين تذكر حديثها عن كرامته. هي محقة بالفعل، فهي لا تطيقه وهذا واضح جدًا من أفعالها، ورغم ذلك هو لا يزال متمسكًا بها. فهل يختار كرامته، أم حبه لفتاة ذات غباء فظيع سيضيع منها نعمة تبحث عنها كل الفتيات؟
تنهد بتعب وجلس على مقعد ما بالغرفة، مشبكًا كفيه تحت ذقنه ومستندًا بمرفقيه على فخذيه، يفكر في حل مناسب يحافظ به على كليهما. لكن سماعه لصوت طرقات على الباب قاطع تفكيره. تجاهله في البداية، لكنه تفاجأ عند سماعه لصوت الباب وهو يفتح باستخدام مفتاح!
وفي غرفة الجلوس، انتبهت دينا إلى الاثنين الذين دخلا الشقة. فابتسمت وصاحت بمرح وكأنها لم تُخطف:
"إيه ده؟ دكتور أمجد وأخوه؟ هو انتوا بتشتغلوا فريق إنقاذ ولا إيه؟ يعني نفس الأعضاء اللي أنقذوا بدور هما اللي هينقذوني من الشرير ده؟"
أشارت برأسها في نهاية كلامها إلى يامن الذي خرج للتو من الغرفة التي كان يقبع بها. ابتسم أمجد على مرحها وقد تأكد من نبرتها أن يامن لم يفكر في إيذائها. أما رسلان، فقد تجاهلها واقترب من يامن الذي يرمقهم بضيق.
وبحركة مفاجئة، كان رسلان يسحب أذن يامن متمتمًا:
"يعني من بين كل رجالة العيلة ملقيتش غير آدم عشان تسأله تعمل إيه مع البنت؟ لا وكمان سمعت كلامه ورحت خطفتها وفاكر إنها كده هتحبك؟"
قوس يامن شفتيه بتذمر وهو يحاول إبعاد يد رسلان عن أذنه. ثم أسرع ناحية دينا، متجاهلًا كلامه، ودفع أمجد الذي كان على وشك فك وثاقها ليفكه هو. قام بتحرير يدها أولًا، فدفعته بعد ذلك قائلة ببرود:
"شكرًا. هعرف أفك رجلي لحالي."
ابتعد يامن بصمت ثم اتجه إلى الغرفة التي كان بها وغاب داخلها لبعض الوقت. بينما انتهت دينا من تحرير رجليها، فوقفت قائلة وهي تخاطب أمجد:
"بص، عايزك تقول للي جوا ده يبطل يحاول يقرب مني تاني، لأن خالي مش هيسكت له بعد اللي حصل."
قاطعها رسلان بهدوء:
"خالك مش هيعرف حاجة."
التفتت إليه دينا وهتفت وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها:
"لأ، مانا هحكيله اللي حصل ومش هخبي عليه."
تدخل أمجد قائلاً وهو يحاول منعها عن ذلك:
"بصي يا دينا، انتِ لو قولتي له ممكن تحصل خناقة بين خالك وعيلتنا، ولو ده حصل ممكن ميسمحلكيش تشوفي بدور تاني. عشان خاطر بدور، على الأقل مش لازم تقوليله."
قوست شفتيها بعدم رضا وفكرت قليلًا لتجد أنه محق. زفرت بضيق ثم تساءلت:
"طب ولو سألني كنتِ فين هقوله إيه؟"
"قولي له أي حاجة يا دينا، المهم إنك متجيبيش سيرة يامن خالص."
أومأت دينا برأسها سريعًا بعدم اقتناع متمتمة:
"تمام، بس يا ريت تقولوا له يبعد عني برضه."
تنهد أمجد بشفقة على ابن عمه، ثم أشار إلى باب الشقة قائلًا وهو يتعمد تجاهل كلامها:
"تعالي، أروحك دلوقتي عشان أهلك قلقانين عليكي."
نظرت إلى شاشة التلفاز التي كانت تعلن عن نهاية ذلك الكرتون الذي تحبه وتمتمت بحزن:
"خسارة، ملحقتش أتفرج عليه."
تنحنح أمجد ورمقها بنفاذ صبر منتظرًا منها أن تخرج حتى يعود إلى القصر ويرتاح. اتجهت إلى الباب للخروج أخيرًا، لكنها لم تكد تعبر عتبته حتى سمعت صوته ينادي باسمها:
"دينا."
نطقه يامن بنبرة هادئة جعلت دقات قلبها تتسارع فجأة. التفتت إليه وهي ترسم ملامح الاستغراب على وجهها، فوقعت عينها على يده التي تمتد إليها حاملة علبة الشوكولاتة المفضلة لديها. سال لعابها وهي تنظر إلى العلبة، ثم رفعت بصرها إليه فوجدته يطالعها بنظرة تحمل بعض الندم وهو يقول:
"أنا آسف إني عملت معاكِ كده، بس كنت عايز أتكلم معاكِ وإنتِ مش مديني فرصة. ودي هدية صغيرة ليكي، لو قبلتيها هعتبر إنك قبلتي اعتذاري."
قال الأخيرة وهو يشير إلى علبة الشوكولا، فابتلعت ريقها وهي تشعر أنها لن تستطيع الرفض. فالشوكولاتة التي بيده الآن هي نقطة ضعفها، وستضطر إلى قبول اعتذاره للحصول عليها.
وبالفعل، أخذت العلبة دون تفكير مطول مرددة:
"أنا هقبل اعتذارك عشان الشوكولاتة بس، على فكرة! بس يا ريت تبعد عني خالص بعد كده."
قالت ذلك وخرجت من الشقة وخلفها أمجد، فابتسم يامن لنجاحه في نيل السماح منها باستخدام نقطة ضعفها تلك. لكن ابتسامته لم تدم طويلًا بسبب رسلان الذي سحبه ليخرج هو الآخر وأقفل الشقة قائلًا:
"تعالى أنت هنا، أنت لسه هتتحاسب على اللي عملته ده في القصر."
أومأ يامن بعدم اهتمام لعلمه بأن رسلان لن يفعل له شيئًا، لكنه تساءل فجأة:
"هو آدم باعني وأداكم مكاني بكام؟"
أجابه رسلان ببرود وهو يخرج برفقته من العمارة متوجهًا إلى سيارته:
"ولا جنيه! أول ما وعدناه إننا هنجيب له شريط الفيلم اللي جدو أخده منه، اتكلم على طول."
ظهر الغيظ على وجه يامن وتمتم بصوت منخفض:
"واطي وهيفضل طول عمره واطي!"
كانت تجلس على الدرج أمام باب القصر الرئيسي تتابع الغروب، عندما وجدت رسلان يدخل القصر رفقة يامن. وقفت من مكانها واتجهت نحوهما هاتفة بلوم:
"إنت بجد خطفت دينا يا يامن؟"
تجاهلها يامن ودخل القصر بعينين لا تنويان الخير، فتبعته هي بإصرار. لكنها وجدت يدًا توقفها عندما وصلت إلى الدرج الذي كانت تجلس عليه قبل قليل. التفتت إلى صاحب اليد والذي لم يكن سوى رسلان، والذي قال بهدوء وهو يرغمها على الجلوس ثانية ثم يجلس بجانبها:
"سيبيه دلوقتي، لأنه لو متخانقش مع آدم ممكن يموت. وخلينا إحنا مع الغروب اللي كنتِ بتتفرجي عليه."
جلست بطاعة وهي ترمقه باستغراب، ثم نظرت إلى السماء بتوتر طفيف لا تدري سببه. شعرت ببعض الضيق من الصمت الذي طغى عليهما، فحاولت اختلاق أي موضوع ليتناقشا فيه. فتحت فمها لتبدأ الحديث، لكنها أغلقت فمها ثانية. لا تعلم ماذا عليها أن تقول، خاصة بسبب ذلك التوتر الذي يسيطر عليها.
أغمضت عينيها وأخذت نفسًا عميقًا مقررة أن تتحدث بتلقائية عن أول شيء يجول بخاطرها. فتحتهما ثانية ونظرت إليه ثم تنحنحت لتجذب انتباهه وقالت:
"هو.. هو إنت ليه عايز تتجوزني؟"
أدار رسلان وجهه إليها وحدق بها بهدوء دون أن يفارق الصمت. لكنه لم يعلم بأن نظرته جعلتها تلعن نفسها ألف مرة على ذلك السؤال السخيف الذي طرحته.
فتحت بدور فمها بنية تغيير الموضوع، لكنها وجدته يتنهد وهو يعود للتحديق بالسماء قائلًا:
"لو فكرتي شوية، هتعرفي الإجابة لوحدك."
ظهرت الحيرة في عينيها وتضايقت من جوابه المبهم والغامض بالنسبة لها، ولذلك اختارت الالتزام بالصمت هي الأخرى. لكن طبيعتها لم تستطع تحمل الوضع أكثر، فقطعته ثانية بتساؤل:
"هو إنت كنت بتحب ماما؟"
لا تدري لما هذا السؤال تحديدًا، لكنه كان أول شيء خطر ببالها فأخرجته فورًا. انتبهت إلى رسلان الذي رفع كتفيه مجيبًا ببساطة:
"طبعًا.. قلت لك قبل كده إني كنت بعتبرها أمي الحقيقية."
أخفض رأسه عند نهاية كلامه وشرد قليلًا قبل أن يسترسل بشبح ابتسامة ظهرت على ثغره:
"ماما كانت أقرب حد ليا زمان، وأنا كنت أقرب حد ليها برضه. أقرب حتى من أولادها الحقيقيين، لدرجة إني مش شكيت لحظة إنها ممكن متكونش أمي. كنت دايما بدلع عليها وأخليها تفضل جنبي بالليل وتحكيلي حكاية لحد ما أنام. وأنا لحد دلوقتي لسه فاكر نص الحكايات اللي كانت بتحكيهم ليا."
ابتسمت بدور وهي تستمع إلى حديثه باهتمام شديد، وقد لاحظت لمعة حنين في عينيه حين نظر إليها لوهلة.
"اهتمامها بيا مقلش خالص حتى لما خلفت أخواتك، بس لما جيتِ أنتِ للدنيا، حسيت إن اهتمامها كله اتحول ليكي، ومنكرش إني غرت منك في الأول."
رفعت بدور حاجبيها بدهشة من تصريحه هذا، لكنها لم تمنع نفسها من الضحك بخفة. انتظرت منه متابعة الحديث، لكنه كان قد عاد ليلتزم الصمت ثانية، فابتسمت بحماس وتحدثت هي هذه المرة:
"أنا كمان بحب ماما أوي، رغم إن خالي مكنش بيعاملني كويس، بس ماما عمرها ما خلتني أحس بالوجع. حنانها وحبها ليا غطى على اللي خالي كان بيعمله معايا."
تحولت لمعة الحماس في عينيها إلى الحزن وهي تواصل:
"بس هي كانت بتتوجع وأنا معرفتش أشيل الوجع ده من قلبها. مكنتش فاهمة هو ليه خالي بيعمل كده معاها، مع إنها أخته. وكل ما كنت بسألها كانت بتتهرب من الإجابة، ودلوقتي بس عرفت ليه."
أخذت نفسًا عميقًا واسترسلت وهي ترفع رأسها للسماء بشرود:
"بس هي اتظلمت أوي.. حتى من بابا! الحياة اللي كانت عايشاها في بيت خالي هي أكبر دليل إنها متجوزتش بابا عشان تنتقم لأخوها زي ما قال، وإلّا مكنش خالي عاملها كده.. صح؟"
قالت كلمتها الأخيرة وهي تنظر إليه بترقب تنتظر منه موافقتها على كلامها، لكنها وجدته يقف بصمت ثم يستدير إليها قائلاً بكل هدوء:
"خلينا ندخل، الجو بقى بارد هنا."
زفرت بضيق من تجاهله لكلامها، لكنها اعترضت عن الدخول رغم شعورها بالبرد فعلاً قائلة:
"مش عايزة، أنا حابة المكان هنا. ادخل أنت لو بردت."
انتظرت منه الاستسلام والجلوس معها حتى لا يتركها لوحدها، لكنها وجدته يدخل القصر دون إضافة كلمة واحدة. نظرت إلى أثره بضيق ثم عادت تراقب السماء بصمت.
شعرت فجأة بشيء دافئ يوضع على كتفيها بعد دقائق، فالتفتت لتجده قد عاد وأحضر معه جاكيت ليدفئها به. ابتسمت بإعجاب لحركته وهي تراه يعود للجلوس بجانبها بصمت.
لكن ابتسامتها انمحت وهي ترى تلك التي تعبر بوابة القصر وتتقدم نحوهما لتفسد لحظاتهما وتعانق رسلان قائلة:
"سولي! عامل إيه يا حبيبي؟"
فتحت عينيها ببطء وهي تشعر بألم في بطنها لم يزل بعد. اعتدلت في جلستها سريعًا تطالع المكان باستغراب، لكنها صاحت بقوة عندما انتبهت إلى ثيابها التي تغيرت وقد تذكرت كلمات وائل التي ألقاها عليها قبل أن تفقد الوعي.
فتح الباب فجأة وظهرت من خلفه سيدة تبدو في أواخر الثلاثينات. تقدمت منها متسائلة بقلق:
"مالك يا بنتي بتصوتي ليه؟"
نظرت إليها هناء بأعين ضائعة وهمست:
"أنا.. أنا..."
لم تستطع متابعة الكلام وهي تتنفس بسرعة خوفًا من أن ما يجول بفكرها الآن قد حدث حقًا. انتبهت إلى تلك السيدة وهي تعطيها كوبًا من الماء لتهدئ به نفسها، فأخذته سريعًا وشربته دفعة واحدة.
استعادت السيدة الكوب وربتت على كتف هناء بتهدئة، فرفعت هذه الأخيرة عينيها إليها وتساءلت:
"إنتِ مين؟ وأنا جيت هنا إزاي؟"
"أنا نادية، دكتورة نسا، وجارة الولد اللي كنتِ معاه."
لمعت عينا هناء وسألتها سريعًا بخوف:
"ه.. هو.. عمل حاجة؟"
أخفضت نادية رأسها بحزن، لتتسع عينا هناء بصدمة بعد أن فهمت الجواب. وضعت رأسها بين كفيها ونظرت إلى الأرض بتشتت. نزلت دموعها تدريجيًا لتبلل خدها، لكنها لم تمسحها وهمست بصوت موجوع:
"أنا عملت إيه؟ أنا.. أنا ضيعت نفسي! كل ده لأني كنت عايزة أنتقم لبابا وماما!"
ازداد علو صوت بكائها ليتقطع قلب نادية شفقة عليها، لكنها اكتفت بالخروج من الغرفة لتتركها لوحدها مع الندم الذي يأكلها وهي تسترسل:
"يا ريتني سمعت كلام خالي! أنا غبية! حب الانتقام أعمىني وكان السبب في اللي أنا فيه دلوقتي! أنا.. هقول إيه لعيلتي؟"
همست بجملتها الأخيرة وعيناها تتسعان وكأنها تذكرت للتو العار الذي سيلحق بها وبعائلتها. نظرت إلى السماء عبر نافذة الغرفة ودقات قلبها تسارعت عندما خطرت ببالها فكرة مجنونة ستحميها حتى من ألم التفكير، لذا وبدون تفكير مطول، وقفت من مكانها وأطفأت نور الغرفة ثم اتجهت ناحية النافذة وفتحتها. ورغم الظلام الذي منعها من رؤية شيء، إلا أنها كانت تقفز عبرها دون تردد حين استنتجت أنها بالدور الأول وليس الأرضي، مقررة إنهاء حياتها واللحاق بوالديها في هذه اللحظة.
تجلس كلتاهما بقاعة الجلوس، إحداهما على يمينه والأخرى على يساره ويرمقان بعضهما البعض بنظرات مشتعلة وكأنهما في تحد. قلب رسلان عينيه بملل منهما، ثم وقف سريعًا قبل أن تبدآ وصلة العراك واتجه إلى غرفته، موقنًا بأن مريم ستتبعه بالتأكيد، فهي قد جاءت بسبب طلبه لها.
وبالفعل، وقفت مريم هي الأخرى لتتبعه، تاركة بدور تطالع أثرها بغيظ. ثم فارقت مكانها أيضًا وتصعد الدرج خلفهما قاصدة غرفة يامن.
طرقت الباب حتى استمعت إلى الإذن بالدخول. فدخلت سريعًا ونظرت إلى يامن ثم إلى آدم الجالس بجانبه لتتفاجأ بوجهه الذي كان يحمل بعض الكدمات.
أغلقت الباب واقتربت من أخيها ثم مدت يدها إلى وجهه تتلمس الكدمات متسائلة بقلق:
"إيه ده يا آدم؟ مين اللي عمل فيك كده؟"
قوس آدم شفتيه وأجاب وهو يشير إلى يامن:
"هو ده."
رمقه يامن بعدم اهتمام ثم عاد ينظر أمامه حتى استمع إلى بدور التي سألته بفضول:
"هو إنت خطفت البنت ليه يا يامن؟"
"عشان أديها كرامتي تلعب بيها وأرجع أنا من غيرها!"
قالها يامن بسخرية، فرفعت بدور حاجبيها بعدم فهم منتظرة منه شرحًا لما يقول، لكنه أردف بشرود بدل ذلك:
"هو المفروض أعمل إيه عشان أكسب قلبها من غير ما أخسر كرامتي؟"
طالعه كل من آدم وبدور بغباء، ثم فتح آدم فمه يهم بالحديث، لكن يامن رفع كفه له يوقفه عن ذلك وقال:
"انت بالذات مش عايز منك نصيحة، وإلّا ناسي إنك أنت اللي اقترحت عليا أخطفها وإني ضيعت كرامتي بسببك؟"
قوس آدم شفتيه بتذمر مصطنع ولكنه لم يعلق. بينما هتفت بدور بسخرية:
"وهو إنت ماشي ورا عقلك وإلّا ورا كلام آدم؟ هو في واحدة بتحب حد خطفها أصلًا؟"
تدخل آدم مبررًا سبب اقتراحه لتلك الفكرة:
"ماهي مكنتش عايزة تديله فرصة عشان يتكلم معاها، عشان كده قلت له يخطفها ويتكلم معاها غصب عنها ويحكيلها هو حبها إزاي وشافها فين.. وأنا متأكد إنها لو سمعت قصة حبه ليها هتحبه، بس هو معملش كده!"
قاطعه يامن بملامح متذمرة:
"مانا كنت هحكيلها بس كنت عايز أبين لها الأول إني عارف عنها كل حاجة وفتحت التلفزيون على كرتونها المفضل وكنت هجيب لها كل حاجة بتحبها، بس أنا أصلًا طلعت معرفش عنها كل حاجة وهي طلعت بتحب..."
قاطعته بدور فجأة بفضول وحماس:
"ثواني ثواني! هي إيه قصة حبك ليها وازاي عارف عنها كل حاجة؟ إنت بتعرفها من امتى أصلًا؟"
تبادل آدم ويامن النظرات ثم ابتسم آدم بحماس قائلًا:
"دي قصة طويلة بس هنحكيها لك...."
"ها؟ الرواية فين بقى؟"
تساءلت مريم وهي تجلس على سرير رسلان وتمد له يدها، فأخرج لها كتابًا من أحد الأدراج وقدمه لها وهو يلوي شفتيه بقرف ويتمتم:
"دي تعتبر رشوة على فكرة!"
أمسكت الكتاب بحماس وقلبت صفحاته بسعادة قائلة:
"مش مهم، المهم إن الرواية دي بقت عندي خلاص! شكرًا يا أحلى أخ في الدنيا!"
قالت جملتها الأخيرة وهي تترك الكتاب وتهب لمعانقته، فبادلها العناق بابتسامة صغيرة شعرت بها مريم، فهتفت بفرحة وهي تبتعد عنه:
"إيه ده؟ إنت بقيت بتبتسم كتير الفترة دي، هي عرفت تغيرك بالسرعة دي؟"
كانت تقصد بدور بكلامها، ورغم أنها لا تطيقها إلا أنها سعدت برؤية البسمة على وجه أخيها والفضل يعود لها. سكتت لثوان وهي تراه يحاول منع بسمته من الاتساع، فتساءلت فجأة:
"بس مقولتليش نصايحي فادوك معاها إلّا لا؟"
رفع رسلان كتفيه مجيبًا بجهل:
"معرفش، أنا طبقت اتنين منهم بس لسه مشفتش النتيجة."
"طبقت أنهي منهم بالظبط؟"
تنحنح رسلان ثم تحدث ببعض الإحراج:
"مش أنتِ قلتي لي إن البنات بيحبوا لما حد يشاركهم حاجة بيحبوها؟ أنا بقى لاحظت إنها بتقعد برة ساعات وبتتفرج على الغروب والنهاردة لما شفتها قاعدة، قعدت جنبها وفضلت أتفرج عليه معاها.."
"واتكلمتوا؟"
"شوية."
قال ذلك ثم أضاف بتذكر:
"آه، وكمان اديتها الجاكيت بتاعي لما حسيت إنها سقعانة زي ما بيعملوا في الأفلام والروايات."
ضحكت مريم بخفة وهي تتخيله يقوم بحركات رومانسية كهذه، ولم تنتبه إلى أن ضحكها جعل فمه يتقوس بتذمر وجنتيه تتوردان بشكل مضحك ولطيف بسبب الإحراج.
حاول مداراة حرجه بإفتتاح أي موضوع ثانٍ، فأخرج أول ما خطر على باله قائلًا:
"بنت عمة بابا هتيجي عندنا بكرة وممكن تفضل هنا أسبوع."
"طيب؟"
"خالد قالي إنها ممكن تساعدني عشان أخلي بدور تغير عليا."
نفت مريم برأسها سريعًا وهتفت برفض:
"لأ، دي حركة رخيصة ومحدش من البنات بيحبها. إياك تسمع كلام خالد ده! أنا بنت زيها وعارفة البنات بتحب إيه أكتر منه."
"طب ما تديني نصايح تانية؟"
زفرت مريم بضيق وتمتمت:
"لاحظ إنّي مش بطيقها وإن النصايح اللي ادتهالك في الأول كانت عشان تشتري لي الرواية مش عشانها!"
"هشتري لك رواية تانية طيب."
ابتسمت مريم باستحسان ثم هتفت:
"إذا كان كده، ماشي!"
بدأت تجوب المكان بتفكير وهي تفتح درجًا وتغلق آخر وتفتش محتويات الغرفة، فهذه طريقتها في التفكير. لكنها توقفت عندما فتحت أحد الأدراج ورأت جميع تلك القصاصات المرمية به بشكل عشوائي. التفتت إلى رسلان وتساءلت بصدمة:
"إيه ده؟"
انتبه رسلان إلى فتحها لذلك الدرج المخصص لقصاصات بدور فأجاب ببساطة:
"دي؟ آه، دي الطريقة اللي بدور شقطتني بيها!"
رواية اسرار عائلتي الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم اروى مراد
جلست على المقعد المجاور لمقعد والدها حول طاولة الطعام لتناول الإفطار وهي ترمق تلك الجالسة بين رسلان وعائشة بغيظ جلي في ملامحها.
إلتفتت إلى والدها وتساءلت بهمس:
- هي مريم بتعمل ايه هنا ع الصبح؟
أجابها أكرم وهو يقلب عينيه بملل:
- نامت امبارح هنا جنب عائشة.
زفرت بدور بضيق وهي تتمتم بكلمات متذمرة لم يستطع أكرم أن يفهم منها شيئا، لكنه قاطعها مغيرا مجرى الحديث:
- على فكرة، عندنا ضيوف النهاردة.
طالعته بدور بإهتمام وتساءلت:
- مين؟
- بنت عمتي جاية هي وبنتها، وبنتها هتفضل هنا أسبوع.
هتفت بدور بإبتسامة حماس:
- بجد؟ طب إسمها ايه وعندها كام سنة؟ إحنا هنبقى صحاب أكيد!
قوس أكرم جانب شفتيه وتمتم ساخراً:
- لا أكيد هتبقوا صحاب اوي، وهتحبيها أكتر من حبك لمريم.
لم تصل تمتمته إلى بدور، ولم تهتم بسماعها، فقد بدأت بتناول الإفطار وهي تفكر في تلك الفتاة الجديدة التي ستنضم إلى قائمة صديقاتها كما تظن. فهي، وبالرغم من كل ما مرت به مع خالها، إلا أنها كانت تهرب من مشاكلها عبر تكوين صداقات مع هذه وتلك، وهذا ما جعلها فتاة اجتماعية أكثر حتى من دينا.
وعلى ذكر دينا، تذكرت بدور أنها لم تحادثها منذ الأمس، لذا أنهت تناول إفطارها سريعاً واستأذنت لتصعد إلى غرفتها وتهاتفها وتتساءل عن أخبارها.
دخلت الغرفة وهي تبحث عن هاتفها حتى وجدته، لكنها تفاجأت بعدد الإتصالات الواردة والتي كانت جميعها من دينا.
شعرت بالقلق واتصلت بها سريعاً حتى أتاها صوتها من الطرف الآخر يقول:
- صباح الخير.
هدأت بدور عندما سمعت صوتها ونبرتها الهادئة، فأجابت بإبتسامة ارتياح:
- صباح النور، عاملة ايه يا دودي؟
أجابتها دينا بغضب مخالف لنبرتها التي تحدثت بها لأول مرة:
- مش كويسة خالص، وكله بسبب ابن عمك!
ضحكت بدور بخفة ثم قالت بغباء مصطنع قاصدة إستفزاز صديقتها:
- ليه هو عمل ايه؟ ده حتى ولد غلبان وقع مع واحدة مش بتحس.
تحدثت دينا بنبرة ساخرة:
- بصوا مين الي بيتكلم.. البنت الي شايفة الراجل الي بتحبه زي أخوها.
زفرت بدور بضيق وقالت:
- ممكن متجيبيش سيرة الموضوع ده تاني؟
- حاضر، بس لما تفكيني من سيرة ابن عمك انتِ كمان.
هزت بدور رأسها سريعاً تريد إنهاء الموضوع قائلة:
- تمام تمام، انتِ اتصلتِ كتير امبارح ليه؟ أنا قلقت لما لقيت كمية الإتصالات دي!
- كنت هسألك لو كنتِ عارفة مكان هناء لأنها اتأخرت امبارح اوي.
عقدت بدور حاجبيها بقلق وتساءلت بلهفة:
- لا معرفش، هي مرجعتش لحد دلوقتي؟
- ايوة، بس هي بعتت مسج امبارح قالتلنا فيه منقلقش عليها لانها عايزة تفضل لوحدها.
سكتت لثوانٍ قبل تردف:
- بس أنا قلقانة عليها بصراحة، مش عارفة هي ممكن تبات فين.. حتى ماما وخالو وجدو اتجننوا لما اختفينا احنا الاتنين ورا بعض.
فكرت بدور قليلاً قبل أن تهتف:
- أنا هطلب من أخواتي يدوروا عليها، هما أكيد هيعرفوا يلاقوها!
أنهت المكالمة معها بعد دقائق، ثم خرجت من غرفتها لتنزل إلى الأسفل ثانية، لكنها تراجعت وهي ترى الدرجات الكثيرة التي ستضطر لنزولها فتكاسلت عن ذلك.
قادها فضولها إلى غرفة رسلان مستغلة وجوده بالأسفل، وحالفها الحظ هذه المرة فوجدت غرفته غير مقفلة كالعادة.
إبتسمت بإتساع ثم دخلت ببطء وهي تراقب الرواق بحذر حتى لا يمسك بها أحدهم متلبسة.
أغلقت الباب فور دخولها ثم تنفست براحة قبل أن ترفع نظرها وتجول به حول الغرفة محتارة من أي نقطة ستبدأ.
إستنشقت هواء الغرفة الممتلئ برائحة عطره التي يستخدمها، فبحثت بعينها تلقائياً عن زجاجة العطر حتى وجدتها على مكتب صغير يحمل بعض الأدراج.
إتجهت نحوه ومدت يدها إلى زجاجة العطر لكنها توقفت وهي تنتبه إلى ذلك الدرج بالمنتصف والذي لم يغلق بإحكام.
غيرت مسار يدها نحوه وفتحته بفضول لتتسع عيناها وهي ترى القصاصات التي كانت تضعها أسفل باب غرفته كل ليلة مرمية جميعها به.
رمشت بعدم تصديق تحاول التأكد من أن ما تراه حقيقي وليس مجرد وهم رسمه خيالها، فقد كانت تظن بأنه يلقي بهم بعد قراءتهم بعدم اهتمام وذلك بسبب تجاهله لطلبها الدائم له بالإبتسام.
أعاد ذلك الحوار بعقلها فجأة ذكرى قريبة ظهر فيها وهو يخبرها بأنه سيبتسم في حالة واحدة وهي موافقتها، وكان ذلك قبل معرفتها بأنه تقدم لطلب يدها. ولكنها كانت تفكر في الرفض.
توقفت عند تلك النقطة وهي تسأل نفسها سؤالاً لطالما تهربت من طرحه على نفسها.. لماذا لم توافق؟ هل هي حقاً تعتبره أخاً لها كباقي إخوتها؟ أم أنها توهم نفسها بذلك حتى لا تعترف بمشاعرها أمام نفسها وأمام الجميع؟
تنهدت وهي تنظر إلى تلك القصاصات بشرود وقد بدأت تفكر في أمر مشاعرها نحوه بكل جدية، لكن تفكيرها لم يدم طويلاً بسبب سماعها لصوت خطوات تقترب من الغرفة.
جالت بنظرها حول الغرفة تبحث عن مكان لتختبئ فيه، لكنها لم تجد سوى الحمام. وفور دخولها وإغلاقها لبابه فتح باب الغرفة من قبله.
دخل رسلان وخلفه مريم التي أوصدت الباب وهتفت بحماس:
- هتجيبلي الرواية امتى؟
ألقى رسلان بنفسه على السرير مجيباً:
- أول ما عمتو بثينة تجي، هنسلم عليها ونطلع على طول لاني مش عايز أفضل هنا كتير وهي موجودة.
- أوك.
عقدت بدور حاجبيها بإستغراب وهي تلصق أذنها بباب الحمام وتستمع إلى حديثه متسائلة مع نفسها عن هوية تلك التي تدعى بثينة، لكنها ربطت كلامه سريعاً بحديث والدها وفهمت أن بثينة هذه هي ابنة عمته. ولكن ما سبب عدم قبول رسلان بالبقاء في مكان هي موجودة فيه؟
قاطع تفكيرها صوت رسلان الذي قطع الصمت قائلاً بشرود:
- مريم..
تطلعت إليه مريم بترقب فأردف بنظرة تحمل بعض الرجاء:
- مش هتتضايقي لو طلبت منك تقولي لبدور تجي معانا صح؟
ظهرت ملامح الاعتراض على وجهها وهتفت بضيق:
- وتجي معانا ليه ان شاء الله؟ رسلان أنا مقدرة انك عايز تتجوزها بس انت كمان قدر اني مش بطيقها!
اعتدل رسلان في جلسته وتحدث بهدوء محاولاً كسب موافقتها:
- اتحمليها المرادي عشان خاطري، أنا مش عايزها تحتك بعمتو بثينة وبنتها اوي.
زفرت مريم بملل ثم أومأت بعدم اقتناع:
- أوك، عشان خاطرك.
قالت ذلك ثم خرجت من الغرفة دون أن تضيف كلمة أخرى. بينما كانت بدور بالداخل تلوي شفتيها بقرف متمتمة مع نفسها وهي تقلد مريم:
- بس انت كمان قدر اني مش بطيقها! على اساس انا الي ميتة في هواها يعني! وبعدين يعني ايه رسلان مش عايزني احتك ببنت عمتو بثينة؟ هو كان جوزي والا اخويا والا ابويا عشان يتحكم فيا؟
- يعني دلوقتي بس مبقتش أخوكِ؟
إلتفتت بدور إلى مصدر الصوت بفزع فوجدت رسلان يستند على باب الحمام الذي لا تدري متى فتح وهو ينظر إليها بحاجب مرفوع وملامح ساخرة.
إبتلعت ريقها وهي تبتسم بغباء وهمست:
- أهلا!
يجلس جميع الشباب مع جدهم وآبائهم حول المسبح عدا رسلان وياسين. ويجلس محمد بين إبنيه خالد وعدي اللذان لا يكفان عن تذكيره بأفعال إبنة عمته وإلتصاقها به في الماضي محاولين إزعاجه. لكن محمد رفض التخلي عن بروده وإستطاع الحفاظ عليه متجاهلاً كلامهم حتى ذكر خالد لذلك اليوم الذي كادت فيه يمنى أن تقتلها، جاعلاً محمد يعود بذاكرته إليه.
كان ذلك قبل طلاقه ليمنى بسنتين تقريباً. عندما كانت العائلة مجتمعة كعادتها في موعد الغداء حول مائدة الطعام، وكانت ليليا آنذاك تحمل بدور في بطنها، وزوجة أحمد كانت لا تزال على قيد الحياة.
يجلس خالد بجانب ليليا ويضع يده على بطنها البارزة بفضول متمتماً:
- هي البنت الي في بطنك هتجي امتى؟ أنا زهقت من الولاد!
أجابه رسلان الجالس بجانبها من الجهة الأخرى وهو يبعد يده عن بطنها بغيظ:
- وانت مالك؟
تجاهله خالد وهو يعيد وضع يده على بطنها قاصداً إستفزازه فهو يعلم جيداً غيرته عليها، لكنه هذه المرة ابتعد عنها رغماً عن أنفه بسبب أكرم الذي حمله بمشاغبة وأبعده عنها هاتفا بنبرة مرحة:
- عارف يا خالد لو قربت من مراتي تاني أنا هحرمك من الاكل خالص! هو انا كام مرة قولتلك متلمسهاش؟
هز خالد كتفيه بلامبالاة فهو قد نال غايته بإستفزاز رسلان، لكنه عاد إلى مكانه بعد ثوانٍ ليكمل تناول طعامه كما يفعل الجميع في أجواء مخالفة للهدوء تملؤها شجارات الأطفال كالعادة، فتجد الطعام متطايراً هنا وهناك بينهم ولا أحد يهتم. وحتى الخدم تعودوا على ذلك الوضع.
لكن هذه المرة، قاطع وصلة عراكهم صوت رنين الجرس بطريقة مزعجة.
أسرعت إحدى الخادمات لفتح الباب ثم عادت بعد دقائق وخلفها سيدة ابتسم لها عبد الرحمن عند رؤيتها ووقف ليعانقها قائلاً:
- شادية! عاملة ايه وحشتيني اوي يا حبيبتي!
بادلته شادية العناق مرددة بفرحة وإشتياق:
- وانت كمان واحشني اوي يا عبده وعشان كده جيتلك هنا اول ما جيت مصر!
ابتعد عنها عبد الرحمن وهو يطل برأسه إلى تلك الشابة التي تقف خلف شقيقته وهتف مشجعاً على الإقتراب:
- تعالي يا بثينة.
إقتربت منه بثينة بعد ابتعاد والدتها وحضنته قائلة:
- ازيك يا خالو؟
- الحمدلله، انتِ عاملة ايه؟
إنتظر منها إجابة عادية لكنه لاحظ تجاهلها له، أو بالأحرى عدم انتباهها لما يقول بل تركيزها مع والدتها التي كانت تسلم على بقية أفراد العائلة.
التزم الصمت وهو ينظر إليها بإستغراب حتى انتهت شادية من التسليم عليهم جميعاً فتحدثت بثينة سريعاً:
- هو محمد فين؟
كان محمد في تلك الأثناء يضع عدي على حجره رغماً عنه مخفياً ملامحه خلف رأسه.
ابتلع ريقه عند سؤال بثينة عنه ونظر إلى يمنى التي رفعت حاجبيها بإستغراب وتساءلت بغيرة:
- وانتِ بتسألي عنه ليه؟
نظرت إليها بثينة من الأعلى إلى الأسفل ثم هتفت متجاهلة سؤالها:
- هو انتِ مراته؟
أجابها خالد بدلاً عن والدته وهو يقترب منها بعد أن كان يراقب في صمت:
- اه مراته وأنا إبنه، في حاجة؟
نقلت بثينة بصرها إليه ثم ابتسمت وانحنت قليلاً لتصل إلى مستواه رغم قصر قامتها هاتفة بإبتسامة غير مريحة بالنسبة له:
- انت خالد؟ ماما قالتلي عنك.. عارف انك شبه أبوك اوي؟ لولا ان بنتي هتبقى أختك كنت هجوزهالك.
إنتبهت جميع حواس يمنى إلى جملتها الأخيرة وفهمت مقصدها سريعاً لكنها تساءلت محاولة تكذيب نفسها:
- بنتك هتبقى أخته ازاي معلش؟
إعتدلت بثينة في وقفتها وفكرت في تجاهلها لكنها ابتسمت بخبث حين لمحت محمد بطرف عينها وهو لا يزال يخبئ وجهه خلف إبنه فاقتربت منه ووضعت كفها على كتفه مجيبة:
- لاني هتجوز محمد، فطبيعي بنتنا هتبقى أخت خالد من أبوه!
وقف محمد مبعداً يده عنها وهو يترك عدي الذي ابتعد وهو يراقب الوضع بحماس كما يفعل بقية الأولاد.
بينما ابتلع محمد ريقه ثانية عندما رأى نظرات يمنى التي لا تبشر بالخير، وحاول إيجاد الكلمات المناسبة ليمنع بثينة من الاقتراب منه أكثر دون إحراجها أمام عمته حتى يمر كل شيء على خير.
فـ يمنى لن تسكت أكثر إن رأت امرأة أخرى تفكر في الاقتراب منه حتى لو كانت تصغره بأكثر من عشر سنوات كبثينة. وعمته ستنقلب عليه حتماً إن فكر بجرح صغيرته أو إحراجها، فهي من كانت تقنعها منذ صغرها بأنها ستكون زوجته، وحتى بعد خذلانه لها وزواجه من أخرى إلا أنها لازالت متمسكة بقرارها وتنتظر منه أن يطلق يمنى ويتزوج ابنتها. ولكنـه يرى أنها تعاني من خلل في عقلها جعلها تفكر هكذا!
أفاق من أفكاره على يد بثينة التي حاوطت عنقه بكل جرأة استفزت بها يمنى. ولم يكد محمد ينطق بحرف أو يحاول ابعادها حتى وجد يمنى تقترب منهما سريعاً وتسحب شعر بثينة فجأة وهي تصرخ بشراسة:
- لا ده انتِ محدش هيفكك من تحت ايدي النهاردة!
إنتهت من كلماتها وهي تسحب شعرها أكثر وتمسك رقبتها بيدها الثانية لتخنقها.
إقتربت منهم شادية بفزع على ابنتها لكنها توقفت وهي ترى بثينة تبعد يد يمنى التي تحاول خنقها وتعضها بكل قوتها متسببة في ابتعاد يمنى عنها.
إتسعت عينا يمنى بصدمة وتمتمت بنبرة تبدو هادئة كذلك الهدوء الذي يسبق العاصفة:
- انتِ قد الي عملتيه ده؟
إبتعدت بثينة وهي ترتب شعرها سريعاً وأجابت بتحدي:
- اه قده!
إحتدت عيون يمنى ثم استدارت برأسها إلى طاولة الطعام وأخذت سكيناً صغيراً كان قريباً منها ثم أسرعت إليها وأمسكتها ثانية تحت صرخات الجميع الفزعة ومحاولاتهم للتفريق بينهم.
إنزعج محمد من ضحكات الجميع التي تعالت عند إنتهاء خالد من سرد تلك الأحداث التي يذكرها جيداً رغم صغر سنه حينها، فرمقه محمد بنظرة حانقة ثم قال محاولاً تغيير الموضوع وهو يخاطب أحمد:
- سيبك من الموضوع ده وقولي يا أحمد، هو انت لسه مش ناوي تحدد ميعاد الفرح بتاع ابنك؟
هز أحمد كتفيه مجيباً بعدم اهتمام:
- مش عارف، ياسين هو الي هيقرر مش أنا.
تدخل عبد الرحمن قائلاً:
- هنعمل فرح ياسين وعائشة ورسلان وبدور مع بعض.
- بس بدور لسه مش موافقة.
قالها أكرم بتذمر واعتراض بادٍ في ملامحه وكأنه قد تذكر غيرته على ابنته للتو. وما زاد تذمره تعقيب عبد الرحمان بثقة:
- هتوافق متقلقش!
همّ أكرم بالرد إلا أن رنين الجرس بطريقة مزعجة منعه عن ذلك.
إبتسم خالد بسخرية وتمتم:
- وصلوا!
- هناء اتعرضت للإغتص'اب؟!
نطق بها عامر بصدمة بعد استماعه لحديث المدعوة نادية والتي اتصلت به عن طريق هاتف هناء لإخباره بما حل بابنة أخته.
أومأت نادية وهي تردف بنبرة حزينة:
- ايوة، أنا مش عارفة التفاصيل كويس بس شفت الولد الي اسمه وائل وهو داخل بيها ولاني عارفة انه مش كويس خفت عليها وحاولت ادخل وانقذها منه. بس ملحقتش وكان هو اخد الي هو عايزه.
تسمر عامر في مكانه وفقد القدرة على النطق تحت تأثير الصدمة التي لم تكن هينة أبداً، لكن نادية استرسلت في كلامها غير منتبهة لحالته تلك:
- كان مخدرها ساعتها، ولما أنا جيت هو هرب وأنا أخدتها وكشفت عليها ولقيتها فعلاً مبقتش بكر. ولما فاقت وقولتلها سيبتها شوية مع نفسها بس رجعت ولقيتها نطت من البلكونة فجبتها هنا للمستشفى بسرعة.
إزدادت دقات قلبه تسارعاً خوفاً من أن يحصل شيء ما لابنة أخته فهتف عامر بإندفاع:
- طب.. طب هي كويسة دلوقتي؟
أومأت نادية برأسها قائلة:
- ايوة، الدكتورة بتقول ان دماغها متضررتش اوي. بس هي لسه مفاقتش لحد دلوقتي.
هز عامر رأسه بتفهم وهو ينظر إلى الفراغ بشرود. أخرج هاتفه الذي كان يرن باستمرار بسبب شقيقته وابنتها اللتان لا تكفان عن الاتصال به، فقد خرج بسرعة عندما اتصلت به تلك المرأة وأخبرته أن هناء بالمستشفى مما أثار القلق في نفسيهما خاصة وأنه لم يتوقف ليجيب على أي من أسئلتهما.
تنهد بهمّ وأغلق هاتفه ثم جلس مكانه بشرود في الحالة التي وصلت إليها ابنة أخته بسبب ذلك الوغد الذي يدعى وائل، والذي يجهل إلى الآن سبب العداوة بين والده وزوج أخته المتوفى.
كان الندم طاغياً على مشاعره في البداية، فهو قد أعطاها كامل الثقة متأكداً بأنها ستلغي فكرة الانتقام من تفكيرها لكن يبدو أنها لم تكن تنوي ذلك.
لا يدري كم من الوقت مضى وهو شارد في أفكاره ولومه لنفسه عندما سمع نحنحة بجواره فالتفت إلى صاحبها ليجد الطبيبة تحاول لفت انتباهه منذ وقت قصير.
وقف سريعاً وتساءل بلهفة:
- فاقت؟
أومأت برأسها وهي تردف بهدوء:
- ايوة فاقت وهي كويسة، ممكن تشوفها لو عايز بس...
لم ينتظر إنهاءها لكلامها واندفع إلى الغرفة التي ترقد بها هناء فوجدها مستلقية على السرير وتنظر إلى السقف بشرود.
وقف مكانه وهو لا يعلم ما الذي يفترض به فعله، هل يأخذها في أحضانه ويواسيها أم يعاتبها على مخالفتها لكلامه وعنادها الذي أوصلها إلى ما هي عليه الآن؟
أخذ نفساً عميقاً ثم اقترب منها مقرراً أنه سيعاقبها فيما بعد.
أمسك بكفها لتنتبه إليه أخيراً لكنها تفاجأت به يحتضنها بصمت ثم ابتعد عنها بعد ثوانٍ متسائلاً بلهفة:
- انتِ كويسة؟
إنتظر منها إجابة تطمئنه لكنها كانت تطالعه بنظرات غريبة، قبل أن تنطق بما جعل عينيه تتسعان بدهشة:
- انت مين؟
رواية اسرار عائلتي الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم اروى مراد
يجلس محمد بمكتبه في شركة والده التي يعمل بها شارد الذهن. فقد انفصل عن زوجته وحبيبته منذ فترة وجيزة بسبب إهمالها لأبنائهم. لكن حبه لها لم يشفع لها عنده، وانساق وراء عقله مفكراً في أنها لا تصلح أن تكون زوجة أو أماً بالنسبة له.
تنهد بضجر وحاول التركيز في عمله ونسيانها، ولكن قاطعه عن ذلك سماعه لطرقات على الباب. تلاها دخول شخص لم يتوقعه، كما لم يحبذ وجوده الآن.
اقتربت منه بثينة بابتسامة لم ترحه، ووقفت أمام مكتبه قائلة:
- أنا عايزة اتكلم معاك شوية، ممكن؟
زفر محمد بضيق، فهذا ليس وقته على الإطلاق. لكنه لم يرد إحراجها، فأومأ موافقاً وأشار لها بالجلوس. جلست قبالته بهدوء، والتزمت الصمت لثوانٍ قبل أن تقطعه متسائلة:
- عامل ايه؟
- كويس.
نفت برأسها وهي ترمقه بطريقة غريبة قائلة:
- لا مش كويس، واضح إنك متأثر من انفصالك عنها مش كده؟
رفع محمد أحد حاجبيه باستغراب تحول إلى حدة ظهرت بعينيه، وصاح:
- عايزة ايه من الآخر يا بثينة؟
فركت بثينة أصابعها وهي تنظر إليه بتوتر، لا تدري إن كان ما ستقوله صواباً أم أنها ستهين نفسها. لكنها لا تريد أن تضيع حبيبها من بين يديها بعد أن سنحت لها الفرصة لتمتلكه. ذلك الذي أقنعت نفسها كما أقنعتها والدتها بأنه سيكون لها.
أخذت نفساً عميقاً ثم قالت بسرعة:
- أنا عايزة اتجوزني!
اتسعت عينا محمد بصدمة من عرضها المفاجئ، لكنه سرعان ما عقد حاجبيه متحدثاً بحدة:
- انتِ عارفة انتِ بتقولي ايه؟
أبعدت عينيها عنه ولم تجبه. فزفر هو بغضب، ثم حاول استعادة هدوئه وهتف بنبرة لم تخلو من الحدة:
- أنا مش عارف انتِ متمسكة بيا كده ليه، بس عايزك تعرفي إنك بالنسبالي بنت عمتي وبس. ونظرتي ليكي مش هتتغير خالص، ولا هعتبرك حبيبة، ولا هقدر أفكر مجرد تفكير إني اتجوزك!
شعرت بكلماته تصيبها بشدة. وقبل أن تتفوه بحرف واحد دفاعاً عن نفسها، سبقها هو مردفاً:
- حافظي على حبك للي يستاهلك يا بثينة، وانسيني. وبلاش تمشي ورا كلام عمتي. عمتي دايماً بتحب كل حاجة تقولها تحصل، ومش هتفكر إنها كده بتكون سبب في إهانة كرامتك.
أخفضت رأسها وهي تشعر بأنه يهدم فرصها للحصول عليه بكلامه هذا. ورغم عدم اقتناعها تماماً بما قاله، إلا أنها وقفت ثانية وتمتمت قبل أن تغادر:
- تمام. أنا آسفة على إزعاجي ليك، وأوعدك إني هنساك ومش هفكر أقرب منك خالص بعد كده.
***
أفاقت من شرودها بالماضي عندما وجدت نفسها تقف أمام خالها وعائلته الكبيرة بعد أن دخلت القصر صحبة ابنتها. وقعت عينها عليه وهو يقف بعيداً ويشيح بوجهه عنها، شاعراً بالضجر لوجودها. لم تره منذ ذلك اليوم سوى في حفل زفافها من ابن صديق والدها، والذي قبلت به دون تفكير رغم رفض والدتها، محاولة أن تنساه به. وللحق، فإن زوجها نجح وبجدارة في أخذ عقلها وتفكيرها، وكذلك قلبها. لكن القدر أصر على معاقبتها بمرضه، وها هي الآن مضطرة للسفر معه بحثاً عن علاج له، وترك ابنتها الواقفة بجوارها بين عائلة خالها.
بدأ الجميع بالترحيب بها، لكنه كان ترحيباً بارداً كما توقعت. انتهى برؤيتها لرسلان الذي ألقى عليها السلام بجمود، ثم ابتعد ليشير إلى فتاتين لم يسبق لها رؤيتهما لتتبعاه إلى خارج القصر.
عضت على شفتيها بندم وهي تذكر معاملتها السيئة معه منذ علمت عن طريق الصدفة بأنه ابن غير شرعي. هي الآن نادمة على أشياء كثيرة فعلتها، قالتها أو شعرت بها بسبب طيشها عندما كانت لا تزال شابة. والآن خوفها الأكبر من أن تكون ابنتها بذات طيشها، فقد لاحظت أنها تشبهها كثيراً في التصرفات. لكنها وعدت نفسها بأنها ستهتم بذلك الأمر عندما تعود، فقط من السفر.
***
دخلت معهما تلك المكتبة الكبيرة بصمت، وهي ترى حماس مريم الذي ظهر في عينيها فور رؤيتها لكمية تلك الكتب الموجودة بها. وبدون شعور منها، سحبت يد بدور وتعمقت داخلها بسرعة، تاركة رسلان ينتظرهما عند المدخل. توقفت بعد ثوانٍ عند الرفوف التي تحمل الكتب ذات التصنيفات المفضلة لديها، تحت استغراب بدور منها.
التفتت إليها مريم أخيراً لتلاحظ استغرابها ويدها التي لا تزال تمسك بها، فسحبتها بسرعة متمتمة ببسمة صغيرة واعتذار:
- أنا آسفة. أنا ببقى تلقائية لما أكون مبسوطة، عشان كده سحبتك معايا من غير ما آخد بالي.
هزت بدور رأسها وما زالت على استغرابها من لطف مريم المفاجئ، لكنها اختارت إلتزام الصمت وظلت تتابعها وهي تمسك بالكتب بحماس وتقلبها بين يديها. ثم تحدثت أخيراً:
- هو انتِ بتقري إيه بالظبط؟
التفتت إليها مريم بانتباه وقالت:
- يعني التصنيفات اللي بقراها؟
- اها؟
- بقرا رومانسي، فانتازيا، خيال علمي، وساعات بقرا رعب.
- وبتستفيدي منها إيه؟
تفاجأت مريم من سؤالها، لكنها أجابت ببساطة:
- هما فيهم حاجات كتيرة ممكن تستفيدي منها، بس أنا بصراحة بقراهم للمتعة.
أومأت بدور برأسها، ثم أردفت بتردد:
- طب بما إنك بتقري رومانسي كتير، يعني انتِ.. خبيرة في أمور الحب وكده، صح؟
رمقتها مريم بتعجب، ولكنها رغم عدم خبرتها، إلا أنها فعلت معها كما فعلت مع رسلان، وادعت الخبرة وهي تومئ برأسها بغرور وتقول:
- أيوه، أنا خبيرة طبعاً. لو عايزة تستشيري حد في الأمور دي، فانتِ وصلتي للشخص الصح!
أخفضت بدور رأسها بتفكير، ثم رفعته قائلة بهمس:
- طب أوعديني الأول إن اللي هنتكلم فيه هيفضل سر بيننا.
- أوعدك.
أخذت بدور نفساً عميقاً، ثم قالت:
- أنا مش عارفة أحدد مشاعري ناحية رسلان. أنا متعلقة بيه، وده اللي أنا متأكدة منه، بس مش قادرة أتخيل إني مراته. لما كنت عايشة مع خالي، كنت دايماً بتمنى يبقى عندي إخوات ولاد عشان يحموني منه. وفرحت أوي لما أمنيتي اللي كنت فاكرة إنها مستحيلة اتحققت. وأول ما شفت رسلان، حبيته كأخ ليا، وحتى بعد ما عرفت الحقيقة، فضلت نظرتي ليه هي نفسها.
سكتت لتأخذ نفسها، ثم تابعت:
- بس ساعات بحس برضه إني بحبه حب تاني، بس في نفس الوقت مش عايزة أوافق عليه وأخسره كأخ شبه اللي اتمنيته. انتِ فاهمني؟
نطقت بكلماتها الأخيرة بحيرة، فأومأت مريم بتفهم مصطنع، رغم أنها لم تفهم شيئاً من كلام بدور الذي كان معقداً بالنسبة لها. إلا أنها وجدتها فرصة مناسبة لتقنعها بالموافقة، فتحدثت متصنعة الحكمة التي لم تلق بها:
- أولاً، هو صحيح إن أبوكِ وإخواتك المفروض يكونوا سندك في الدنيا، بس انتِ في الآخر هتتجوزي وتسيبيهم، وهيبقى جوزك هو سندك بعدهم. يعني لو خسرتِ رسلان كأخ، هتكسبيه كزوج. بس لو متجوزتيهوش، أكيد هو مش هيوقف حياته عليكِ، وهيتجوز واحدة تانية، وهيبقى مهتم بيها أكتر منك. تخيلي كده هيتجوز واحدة تانية!
لم تستطع بدور تخيل ذلك، ولم تحاول أصلاً. فقد صبت كل تركيزها على جملة مريم "أكيد هو مش هيوقف حياته عليكِ وهيتجوز واحدة تانية". ولا تدري لماذا شعرت بألم في قلبها عند تفكيرها بأنه سيتخلى عن فكرة الزواج بها إن رفضته، ولن يبقى متمسكاً بها.
لاحظت مريم شرودها، فظنت أنها تتخيل الأمر كما أخبرتها. لكنها تفاجأت بها تبتسم لها بعد ثوانٍ قائلة:
- خلاص يا مريم، شكراً ليكي. وآسفة على كل حاجة عملتها معاكِ من أول ما شفتك. انتِ طلعتِ طيبة خالص!
ابتسمت مريم هي الأخرى وهتفت بمرح:
- خلاص مش مشكلة، سماح المرادي!
***
"هناء رجعت خلاص، متقلقيش."
أرسلت تلك الرسالة إلى بدور حتى لا تقلق، ثم التفتت إلى ابنة خالتها وأختها الوحيدة لتجدها تنظر أمامها بشرود. ابتسمت لها بحنان وجلست بجوارها هاتفة بمحاولة للتخفيف عنها:
- القمر زعلان ليه؟
انتبهت إليها دينا وأجابت بحزن:
- هكون زعلانة ليه يعني؟ مانتِ شايفة حالتي! أنا مش فاكرة حاجة يا دينا، ولا حتى فاكراكِ، أو فاكرة أي حاجة عديتها معاكِ!
انعقد حاجبا دينا بحزن، فهي أيضاً تتألم لتلك الفكرة. لكنها حاولت أن تبعث الأمل في نفس هناء وفي نفسها هي أولاً، فقالت بثقة:
- متقلقيش، إن شاء الله هترجعي تفتكري كل حاجة قريب. خالو بيقول إنه فقدان ذاكرة مؤقت.
أخفضت هناء رأسها دون رد، وكادت تعود إلى شرودها لولا علا - والدة دينا - التي دخلت الغرفة وهي تحمل طبقاً من الحلويات وقالت:
- بصوا عملتلكم إيه!
قالت تلك الكلمات وهي تضع الطبق على حجر هناء، فهتفت دينا بمرح:
- اتعودي على الحاجات دي كل يوم عشان ماما بتحب تعملها دايماً لدرجة إنها كانت عايزة تشتغل في محل حلويات، بس بابا الله يرحمه كان رافض إنها تشتغل.
رمقتها علا ببرود ولم تعلق. فأردفت دينا باستفزاز لم تقصده:
- بصراحة مش عارفة إزاي اتقبلت رفضه بسرعة. أنا لما أتجوز مش هسيب جوزي يقولي لأ، ولو ح...
قاطعتها علا بسخرية:
- وانتِ هتتجوزي إزاي وانتِ كل ما يجيلك عريس ترفضيه بسبب ومن غير سبب؟ ده حتى يامن الولد الحليوة رفضته مرتين مع إنه شاريها وكمان محترم وعنده فلوس، يعني كان هيعيشها في جنة. بس نقول إيه بس على البت اللي مش بتقدر النعمة دي!
قالت كلماتها الأخيرة وهي تخرج من الغرفة وتضرب كفيها ببعضهما بحسرة. بينما لوت دينا شفتيها بضيق وتمتمت وهي تذكر اختطافه لها:
- لا محترم أوي!
تطلعت هناء إلى دينا باستغراب وتساءلت بعد تأكدها من خروج علا:
- معلش بس هو مين يامن ده؟
أجابت دينا وهي تشير بيدها إلى مكان عشوائي:
- ابن عم صاحبتي اللي ساكنين هنا جنبنا. مش عارفة هو يعرفني إزاي، بس بعد ما شفته أول مرة لقيته جه وخطبني، بس أنا رفضت.
- وترفضتِ ليه؟
هزت دينا كتفيها مجيبة ببساطة:
- مش عايزاه.
- بس على حسب كلام خالتو علا، هو خطبك مرتين وشاريِك صح؟
أومأت دينا برأسها، ثم أردفت:
- بس أنا مش بحبه!
نظرت هناء إليها بتتمعن، ثم قالت:
- انتِ بتحبي واحد تاني؟
نظرت إليها دينا بصدمة، لكنها أومأت برأسها، ثم تساءلت:
- عرفتي إزاي؟
رفعت هناء كتفيها قائلة:
- توقع مش أكتر. بس هو مين الولد اللي بتحبيه ده؟
- واحد كان زميلي في الثانوية.
- يعني انتِ بتحبيه من الثانوي؟
تساءلت هناء بدهشة، فأومأت دينا بإيجاب، وأردفت:
- أيوه، ومن أولى ثانوي كمان. وهو برضه كان دايماً بيلمحلي إنه بيحبني، بس من أول ما دخلت الجامعة مشفتوش.
- طب حبيتيه ليه؟
أجابت دينا بعد تفكير:
- شخصيته جذبتني. تحسي إن عنده كاريزما، وفي نفس الوقت فرفوش والكل بيحبه!
أومأت هناء بتفهم، ثم فاجأتها بسؤالها التالي بعد ثانيتين من الصمت:
- أفهم من كلامك إنه لو مظهرش في حياتك، هتفضلي ترفضي العرسان اللي بتجيلك لحد ما تعنسي؟
***
- هروح عند دينا الأول لما نرجع عشان أطمن على هناء. إيه رأيك تروحي معايا يا مريم؟
قالتها بدور التي تجلس بجانب مريم بسيارة رسلان في الخلف، فأومأت مريم موافقة وهي تحاول كتم ضحكاتها على نظرات رسلان الحانقة لهما بسبب إصرارهما على عدم جلوس إحداهما بالمقعد الأمامي ليأخذا راحتهما بالحديث، فبدا وكأنه سائقهما الخاص.
لم تنتبه بدور إلى نظراته أو ضيقه، وسكتت ناظرة إلى الطريق عبر النافذة، حتى بدأت تشرد في حياتها التي تغيرت فور ظهور أبيها واختفاء خالها منها. والقصة التي سمعتها من والدها، والتي تشعر أن وراءها قصة أخرى، فهي متأكدة أن والدتها لم تتزوجه انتقاماً لأخيها كما أخبرها. وما سيساعدها على معرفة الحقيقة الكاملة هو...
انتفضت من مكانها فجأة، جاذبة انتباه كل من رسلان ومريم، وتساءلت موجهة سؤالها إلى رسلان:
- انت عملت إيه في حكاية الست اللي شبه ماما اللي شفتها في المول؟
نظر إليها رسلان من خلال مرآة السيارة مجيباً بهدوء:
- عرفت أوصل للمكان اللي هي ساكنة فيه، بس لسه مشفتهاش. هروح بكرة.
قاطعته بدور صائحة بلهفة:
- هروح معاك!
سكت رسلان وحول نظره إلى الطريق دون أن يجيب. وكانت هي تنتظر إجابته بلهفة، حتى قال أخيراً:
- هفكر.
***
جلست بجوار ابنتها وخالها حول مائدة الطعام بعد إصراره على تناول الغداء معهم أولاً ثم المغادرة لتجهز نفسها للسفر. انتبه عبد الرحمن إلى غياب عائشة وياسين، فتساءل باستغراب:
- امال عائشة وياسين فين؟
هز الجميع أكتافهم بجهل، وأردف أكرم وهو يبحث عن بدور ورسلان:
- بدور ورسلان كمان مختفيين.
- رسلان أخد مريم وبدور معاه وقالي إنهم هيتغدوا برا، بس ياسين مقاليش حاجة.
وفور انتهاء عبد الرحمن من إلقاء كلماته، دخلت عائشة بهدوء وألقت التحية ثم جلست بجوار خالد ونظرت إليه نظرة فهم معناها، فأومأ برأسه ثم وقف وتحدث مخاطباً عبد الرحمن:
- أنا هروح أجيب ياسين وأجي، مش هتأخر يا جدو.
عقد عبد الرحمن حاجبيه باستغراب، وقبل أن يسأل عما حدث، وجد خالد يخرج من غرفة الطعام سريعاً ومعه عائشة، فشعر بالقلق على حفيده ولم يستطع أن يمد يديه إلى الطعام من قلقه. لكنه ابتسم عندما عاد خالد بعد دقيقتين ومعه ياسين وعائشة، وخلفهم آخر شخص توقعوا قدومه، شخص جعل عيني محمد تجحظان وهو يهمس:
- يمنى؟
ابتسمت يمنى وهي تنظر إلى عبد الرحمن قائلة:
- إيه يا عمي، هو أنا مش مرحب بيا هنا، والا إيه؟
نظر إليها عبد الرحمن بغموض، ثم هتف وهو يشير لها بالجلوس:
- لا إزاي يا بنتي، اتفضلي.
حولت أنظارها على جميع من بالغرفة، وخاصة بثينة التي حاولت تجنبها قدر المستطاع باستغراب من تواجدها هنا. جلس كل واحد بمكانه، وجلست يمنى بجوار عائشة، ثم بدأوا في تناول الطعام في جو ساده التوتر بسبب ظهور طليقة محمد فجأة، وتحديداً في نفس الوقت الذي حضرت فيه بثينة.
ومن جهة أخرى، كان هو ينظر إلى طبقه بتشتت ولم يأكل منه شيئاً. لم يرها منذ فترة طويلة، فقد كان يتجنب مقابلتها ولو صدفة حتى لا يضعف أمام مشاعره ناحيتها والتي بقيت مخلصة لها طوال هذه السنين. وظهورها أمامه بعد كل هذه المدة شقلب كيانه، وحرك مشاعره التي كانت في سبات عميق بسبب غيابها الطويل.
لعنها في سره بسبب ما فعله ظهورها به في لحظة، غير مدرك لحالتها التي لم تكن أفضل من حالته. فهي أيضاً تشتاق إليه، ورغم زواجها من آخر، إلا أنها ما زالت تحتفظ بمشاعرها ناحيته، وكان قرار ظهورها هذا نابعاً من غيرتها التي لم تنتهِ عليه، مِن هذه التي تدعى.. بثينة!
حولت أنظارها إلى هذه المرأة التي كانت قبل سنوات شابة صغيرة تتدلل على حبيبها. وعندما علمت بقدومها الآن، لم تستطع منع نفسها من المجيء لتضع لها حداً إن حاولت التقرب إليه ثانية. لكنها كانت تبدو هادئة ولا يظهر بأنها تنوي على شيء، على عكس ابنتها التي لاحظت يمنى نظرات الإعجاب التي كانت توزعها على شباب العائلة، بما فيهم خالد وعدي وكذلك ياسين!
بعد انتهائهم من تناول الغداء، اختفى محمد من بينهم تماماً تجنباً لمواجهتها. وجلست يمنى مع ابنتها حيث الجميع، وهي سعيدة لترحيبهم بها متناسين ما حصل سابقاً. إلى أن جاء موعد ذهاب بثينة، والتي ودعت الجميع حتى ابنتها، ثم خرجت من بوابة القصر. لكن صوت يمنى التي تبعتها أوقفها:
- استني.
استدارت إليها بثينة بهدوء، ثم قالت بابتسامة:
- مش عارفة انتِ هنا ليه، بس واضح إنك لسه بتغيري على محمد مني حتى بعد انفصالكم، بس متقلقيش، أنا مبقتش بحبه ولا بفكر في...
قاطعتها يمنى قائلة بحدة رغم الراحة التي سيطرت عليها عند سماعها لكلماتها:
- أنا مش جاية عشان كده، لأن مبقاش في حاجة بيني وبين محمد. أنا بس جاية أقولك إني مش هسكت لبنتك لو فكرت تلف حوالين أولادي، والا جوز بنتي، زي ما مسكتلكيش زمان.
تجاهلتها بثينة وهي تتابع طريقها، لكنها في الحقيقة كانت قلقة وخائفة من أفعال ابنتها. بينما استدارت يمنى إلى خالد الذي خرج خلفها وهمست له بهدوء:
- روحني دلوقتي يابني.
***
وقف بسيارته أمام منزل دينا لتنزل منها بدور ومريم بعد أن قضوا كامل اليوم خارج القصر. فقد أخذهم بعد ذهاب مريم إلى المكتبة إلى مطعم فاخر لتناول الغداء، ثم إلى البحر. ولا ينكر أنه ورغم عدم حبه للخروج، شعر بالسعادة لرؤية فرحتها ولتواجدها تحت أنظاره طوال الوقت. لكن الرحلة انتهت وعاد هو إلى القصر، تاركاً إياها مع مريم عند صديقتها.
دخلت الفتاتان المنزل بعد أن فتحت لهما علا الباب وأوصلتهما إلى غرفة هناء حيث تجلس هناك رفقة دينا. وفور وقوع عين بدور عليها، ركضت نحوها وهتفت بلهفة:
- كنتِ فين يا هناء؟ دينا قالت لي إنك كنتِ مختفية، انتِ كويسة؟
نظرت إليها هناء باستغراب، ثم حولت أنظارها إلى دينا التي تنحنحت قبل أن تلقي عليهم ذلك الخبر:
- هناء فقدت الذاكرة يا بدور.
رفعت بدور رأسها إلى دينا وطالعتها بصدمة، بينما همست مريم بعدم تصديق:
- فقدت الذاكرة؟ إزاي وايه اللي حصل؟
رفعت دينا كتفيها بجهل، ثم قالت مخاطبة هناء وهي تشير إلى بدور:
- دي صاحبتي اللي حكيت لك عنها، واللي جنبها دي أخت ابن مرات أبوها الأولى في الرضاعة.
أفاقت بدور من صدمتها، ثم خاطبت هناء ثانية بتساؤل:
- يعني بجد انتِ مش فكراني؟
أومأت هناء برأسها وبدأ الضيق بالظهور على ملامحها. فحاولت دينا تغيير الموضوع قائلة بمرح عندما لاحظت قبول مريم وبدور لبعضهما:
- إيه ده، هو انتوا اتصلحتوا أخيراً؟
نظرت بدور إلى مريم، ثم ابتسمت وأومأت برأسها، فتنهدت دينا بارتياح، ثم أشارت لهما بالجلوس على السرير قائلة:
- اتفضلوا اقعدوا، انتوا لسه واقفين ليه؟
جلست كلتاهما ملبيتين دعوتها، ثم بدأت دينا الحديث قائلة بعد أن لاحظت احمرار وجنتيهما دلالة على تعرضهما لأشعة الشمس لفترة:
- هو انتوا كنتوا فين؟
- كنا بنتفسح مع رسلان، وأبشرك، بدور قررت إنها هتوافق عليه خلاص!
قالتها مريم بحماس، فصححت بدور قائلة:
- أنا لسه بفكر ومخدتش قرار على فكرة!
نظرت إليهم هناء بعدم فهم، فإنتبهت إليها دينا وشرحت لها بهمس:
- رسلان اللي هو ابن مرات أبوها الأولى خطبها من أسبوع كده، وهي لحد دلوقتي مش عارفة توافق ولا لأ.
أومأت هناء بتفهم، ثم التفتت إلى بدور وتحدثت مخاطبة إياها:
- وانتِ مش موافقة ليه؟ انتِ برضه بتحبي حد تاني؟
نفت بدور برأسها، بينما تمتمت مريم باستغراب:
- برضه؟ ثم استدارت إلى دينا وأردفت بتوقع:
- لا تكوني انتِ بتحبي واحد تاني وعشان كده رافضة يامن؟
سكتت دينا ولم تجبها، لكن هناء التي أومأت برأسها أكدت لها توقعاتها، فتساءلت مخاطبة دينا:
- ويبقى مين حبيب القلب اللي رافضة ابننا عشانه؟
تضايقت دينا وهي تشعر بالسخرية التي غلفت نبرة مريم، لكنها أخبرتها بما أخبرت به هناء قبل قليل. وعند انتهائها هتفت مريم بحكمة:
- على فكرة، ده ممكن يكون بيلعب عليكِ، وحتى لو كان بيحبك بجد، ممكن تكوني بالنسباله مجرد حب مراهقة، وتلاقيه دلوقتي نسيكِ. والمفروض إنك كواحدة عاقلة متضيعيش العريس المناسب اللي بين إيديكِ عشان أمل ممكن يتبخر في لحظة لو عرفتِ مثلاً إنه متجوز.
أخفضت دينا رأسها متمتمة بصوت منخفض قليلاً لكنه وصل إلى مسامعهم:
- بس أنا مش هعرف أنساه وأحب يامن، ومش عايزة أظلمه معايا!
- بس انتِ مش مدياه فرصة أصلاً عشان يخليكِ تحبيه.
قالتها بدور باندفاع وشفقة على حالة ابن عمها، لكن مريم قاطعتها بهدوء:
- على فكرة، انتِ لو حاولتِ تنسي الواد ده وبطلتي تتابعي أخباره وصوره على السوشيال ميديا، هتنسيه بسهولة.
رفعت دينا رأسها إليها وتساءلت بتعجب:
- عرفتي إزاي إني لسه بتابعه؟
تجاهلت مريم سؤالها وتابعت:
- انتِ مش بتحبيه أصلاً، انتِ موهمة نفسك إنك بتحبيه. حصلت معايا قبل كده لما كنت معجبة بصاحب أخويا لما كنت في تالتة إعدادي، ولما قولت لصاحبتي إني بحبه، قالت لي إنه مجرد إعجاب مش حب، وإني هنساه بسرعة. بس أنا فضلت معجبة بيه لمدة سنتين تقريباً لحد ما اكتشفت إني مش بحبه فعلاً وإني كنت موهمة نفسي إني بحبه عناداً في صاحبتي مش أكتر.
شردت دينا في حديثها قليلاً حتى أفاقها صوت بدور التي أردفت:
- انتِ مش عايزة تعرفي يامن عرفك إزاي؟
تساءلت دينا بفضول:
- إزاي؟
- لا ماهو مش أنا اللي هقولك. لو عايزة تعرفي، اسأليه هو في الرؤية الشرعية.
ثم أضافت بحماس:
- هاا؟ أقوله إنك موافقة؟
رواية اسرار عائلتي الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم اروى مراد
فتحت باب غرفته فجأة وهي تصرخ:
آآآدم !!
تفاجأت بصوت صراخه وصراخ يامن الذي صدر منهما فجأة. علمت أنهما كانا يشاهدان فلما مرعبا، ودخلت هي في وقت مناسب جدا. ابتسمت بتسلية ثم دخلت واقتربت منهما قائلة وهي تخاطب يامن:
عرفت إني هلاقيك هنا.
تطلع إليها يامن بإستفسار. فابتسمت بحماس وأردفت:
تديني كام مقابل أحلى خبر هتسمعه في حياتك؟
قالها والإستغراب باد على وجهه:
حسب الخبر بقى.
فهتفت بدور بسرعة:
دينا وافقت تديك فرصة.
رمش يامن بعينيه بعدم إستيعاب وقال وهو يضع يده خلف أذنه حتى يتأكد من أنه إستمع جيدا:
قلتِ إيه معلش؟
ابتسمت بدور وهي تكرر ما قالته:
قلتلك دينا وافقت تديك فرصة.
تسمر يامن في مكانه للحظات حتى استوعب أخيرا وعيناه تتسعان شيئا فشيئا. ثم صاح بفرحة وهو يقف مكانه:
احلفي!
همست بدور وهي تحاول أن تكتم ضحكاتها:
والله.
صاح بها يامن ببسمة كبيرة وهو يقترب منها ينوي أن يحتضنها من شدة الفرحة:
ده أنا أديك حياتي كلها لو الخبر ده طلع صح!
لكن آدم أمسكه من ظهر قميصه قائلا بسخرية:
إنت هتعمل إيه ياض!
إستدار يامن إليه ولم يهتم بما قاله بل احتضنه بشدة وهو يهتف:
دينا وافقت يا آدم! وافقت!
شعر آدم بالإختناق وحاول إبعاده عنه وهو يصرخ:
إبعد عني يخربيتك هموت!
ابتعد عنه يامن أخيرا ثم أردف وهو يتجه للخروج من الغرفة:
أنا هقول لبابا عشان يطلبها من خالها تاني!
إنتهى من كلماته واختفى من تحت أنظارهما تاركا إياهما ينظران إلى إثره بقلة حيلة. وسرعان ما ابتسمت بدور وهتفت بتنهيدة ارتياح:
أخيرا وافقت وثاني واحد في العيلة دي هيتجوز ونفرح بيه بقى.
قالها آدم بمرح وهو يتطلع إليها بترقب:
طب ما تخلينا نفرح بالثالث برضه وتوافقي على أخونا الغلبان اللي هيموت ويعرف ردك عليه؟
فقالت ضاحكة:
هو انت معاهم؟ أنا كنت فاكرة إنك هتقولي ارفضيه.
رمقها آدم بنظرة غريبة وهو يقول بهدوء:
بصراحة أنا مش عايزك تتجوزي بس عارف إن دي سنة الحياة. وبالنسبالي إنك تتجوزي رسلان وتفضلي هنا معانا أحسن من إنك تتجوزي واحد تاني ونرجع نشوفك في الشهر مرة، لأنك كده هتوحشيني بصراحة.
استغربت من نبرته الغريبة التي يتحدث بها لأول مرة وكادت تتأثر بكلامه لولا ضحكته التي صدحت فجأة تلاها هتافه:
إيه ده إنتِ هتصدقي ولا إيه؟
رمقته بغيظ بعد أن كادت تأخذ كلامه على محمل الجد. بينما أطفأ هو الأنوار ثم سحبها مردفا:
تعالي نتفرج على الفيلم اللي كنت مجهزه ليامن واللي بسببك هرب مني بعد ما اديته مية جنيه عشان يتفرج عليه.
رفعت بدور كلتا حاجبيها وتمتمت بدهشة:
مية جنيه؟
قالها وهو يضيق عينيه:
اهاا إنتِ مش عارفة أنا بنبسط إزاي لما بيبقى عامل فيها إن قلبه جامد ومش بيخاف وهو أصلا ماسك نفسه عشان ميعيطش بالعافية!
قالها عامر _ خال هناء _ بنظرات حادة وهو يحدث تلك المرأة التي حاولت إنقاذ هناء سابقا:
عايزاكِ تحكيلي كل اللي انتِ عارفاه بالتفصيل.
فابتلعت هذه الأخيرة ريقها من نظراته لكنها قالت بهدوء مزيف:
قلتلك قبل كده إني شفتها معاه صدفة وهما بيدخلوا الفيلا بتاعته وعشان أنا عارفة إنه مش كويس رحت عشان أنقذها.
قاطعها قائلا وهو لا يزال يحافظ على نظراته تلك:
وعرفتِ إزاي إنها مش رايحة معاه بإرادتها مثلا؟
توترت أكثر وهي ترى الشك يتخلل نظراته فابتلعت ريقها للمرة الثانية ثم أجابت:
قلتلك أنا عارفاه وعارفة حركاته، وتوقعت إنه خدعها واستدرجها معاه لأنه عملها مع أكتر من واحدة قبل كده.
قالها عامر:
طب وانتِ عرفتِ تدخلي الفيلا إزاي؟
تنهدت من أسئلته التي يبدو وأنها لن تنتهي خاصة وأنه يشك بها لكنها أجابت:
لأن عندي نسخة من مفتاح الفيلا ويا ريت متسألنيش إزاي عشان في حاجات مش هعرف أقولك عليها.
أومأ برأسه بتفهم ثم سكت قليلا قبل أن يلقي أسئلته التالية:
والي اسمه وائل ده هرب إزاي وهيرجع إمتى وأبوه فين؟
قالت المرأة:
أول ما دخلت ولاحظ وجودي طلع بسرعة، مش عارفة راح فين بس اللي عارفاه إن عندهم فيلا تانية في مكان تاني هما تقريبا عايشين فيها. أما بالنسبة لأبوه أعتقد إنه مسافر.
أومأ عامر برأسه ثانية وشرد في الحال الذي وصلت إليه ابنته ولم يفق إلا بعد دقائق على صوت نادية تقول بتردد:
أنا عارفة إنك شايل هم مستقبلها لأنها مبقتش بنت بس أنا عندي حل.
رفع رأسه إليها سريعا منتظرا متابعة كلامها فاسترسلت:
أنا ممكن أخلي ابني يتجوزها.
رفع عامر أحد حاجبيه بإستنكار فاستطردت سريعا:
أقصد جواز صوري يعني عشان يستر عليها، وبعد سنة يطلقها وهي ساعتها تبقى تشوف حياتها.
نظر عامر إلى عيني نادية مباشرة وكأنه يحاول أن يلتقط الصدق فيهما لكنها قاطعت بحثه قائلة:
بس مش هيعرف يجيب لها شبكة أو يعمل لها فرح لأنه لسه معندوش فلوس كفاية يعني لو وافقت هيبقى كتب كتاب على طول وبعدها تيجي تعيش معانا هنا، ومتقلقش بنت أختك هتبقى في عيني.
سكتت بعد ذلك تاركة إياه يفكر في الأمر بحيرة، لكنه لم يستطع التوصل إلى قرار يبدي موافقته أو رفضه. ابتسمت نادية بشفقة وربتت على كتفه هامسة بهدوء:
خد وقتك وفكر كويس في العرض ده، وأهو رقمي معاك اتصل بيا لما تاخد قرارك النهائي.
كانت مستمتعة بمشاهدة ذلك الفلم رفقة شقيقها عندما قاطع مشاهدتهما صوت طرقات على الباب. وقفت بدور بتأفف واتجهت نحوه ثم فتحته لتقع عينها على الطارق.
ابتسمت وهي ترى ليلى _ ابنة بثينة _ هي من تقف خلف الباب. لكن ابتسامتها انمحت عندما لاحظت كيف تنظر إليها من الأعلى للأسفل بقرف ثم قالت:
هو إنتِ بنت عمو أكرم اللي كانت مختفية من زمان وظهرت فجأة؟
تضايقت بدور من نظراتها وأجابت بغيظ:
ايوه أنا. اتفضلي عايزة حاجة؟
تجاهلت ليلى سؤالها وأردفت بتعجرف وكأنها صاحبة القصر:
وبتعملي إيه هنا؟
رفعت بدور أحد حاجبيها بإستنكار وهتفت بغضب:
أنا اللي المفروض أسألك بتعملي إيه هنا وعايزة إيه من آدم؟
هتفت بها ليلى بإستغراب وهي تنظر إلى باب الغرفة ثم إلى بقية الغرف الموجودة بهذا الطابق:
آدم؟ اممم سوري غلطت في الأوضة، كنت فاكرة إنها أوضة رسلان.
اشتعلت نيران الغيرة في قلب بدور وانتبهت جميع حواسها إلى اسمه الذي نطقته هذه المتعجرفة فصاحت بغيرة:
وعايزة إيه من رسلان إن شاء الله؟
نطقت الأخرى بتلك الكلمات وكادت تبتعد عنها لتبحث عن غرفة رسلان لكنها توقفت للحظة والتفتت إليها قائلة ببسمة متكلفة:
بس عشان أريحك هقولك. خالد بعتني ليه عشان أوصله حاجة.
ألقت ليلى كلماتها تلك ثم ابتعدت عنها. فهمّت بدور بالذهاب خلفها لكن صوت آدم الذي صدر من خلفها أوقفها:
إنتِ رايحة فين، استني!
التفتت إليه وقالت بإستعجال لتلحق بليلى:
عايز إيه يا آدم؟
أمسك بيدها ليمنعها من اللحاق بها هاتفا:
إنتِ مسمعتيش هي قالت إيه؟
إستدرت بدور لتنظر إلى إثرها وتساءلت وهي تحاول سحب يدها منه:
قالت إيه؟
زفر آدم بغيظ ثم أمسك بذقنها ليدير وجهها إليه مردفا:
يا بنتي ركزي معايا، البت قالتلك إن خالد هو اللي بعتها لرسلان مع إنه كان ممكن يبعت حد تاني أو يروحله بنفسه. عارفة يعني إيه ده؟
تساءلت بدور بإستغراب وقد كفّت عن محاولة الذهاب خلف ليلى:
يعني إيه؟
قالها بجدية كبيرة وهو يضيق عينيه مفكرا في خيانة ابن عمه كما سماها:
يعني إن خالد طلع خاين وبقى من الأعداء، وواضح إنه ضد فكرة جوازك من رسلان. وإلا مكنش هيبعتها ليه واحنا كلنا عارفين إنها شبه أمها!
لكنه تفاجأ ببدور تترك الموضوع الرئيسي وتتساءل بعدم فهم:
شبه أمها إزاي؟
زفر آدم بنفاذ صبر وصاح:
أنا في إيه وإنتِ في إيه! يا بنتي بقولك خالد خاننا وبيحاول يبوظ علاقتك برسلان وانتِ بتسألي شبه أمها إزاي؟
كان ذلك صوت مريم التي ظهرت فجأة من العدم فانتفضت بدور فزعا وصاحت:
بيحاول يبوظها إزاي؟ يخربيتك إنتِ جيتِ إمتى؟ مش أخوكِ روحك من ساعتين كده؟
أومأت مريم برأسها وأجابت:
اها بس افتكرت إني نسيت الكتب اللي اشتريتهم في عربية رسلان ورجعت عشان أخدهم.
أنهت كلامها ثم التفتت إلى آدم وأردفت بأعين ضيقة:
مقلتليش، خالد بيحاول يبوظ علاقتهم ببعض إزاي؟
أجاب آدم وقد سعد بوجود شخص مهتم:
ده بعت بنت عمتو بثينة لرسلان وواضح إنه قاصد كده.
صمتت مريم وهي تتذكر حديثها مع رسلان عندما أخبرها بأن خالد خطط لجعل تلك الفتاة وسيلة لإشعال غيرة بدور، وعند تلك النقطة زفرت بغيظ من تدخله بينهما بعد أن كادت بدور تعلن موافقتها عليه.
نظرت إلى آدم وتساءلت وهي تنوي وضع حد له:
وهو فين دلوقتي؟
ابتسم آدم بحماس وأجاب وهو يشير لها بأن تتبعه:
تعالي ورايا.
إتجه ناحية الدرج ونزل إلى الأسفل ليبحث عن خالد وتبعته مريم بهدوء. أما بدور فقد تجاهلت أمر خالد واتجهت إلى غرفة رسلان لتجد ليلى تخرج منها بملامح عادية ثم خرج خلفها رسلان.
تجاهلت ليلى وجود بدور ونزلت إلى الدور الأرضي. وكاد رسلان يفعل المثل لولا وقوف بدور أمامه لتمنعه من متابعة طريقه.
رفع حاجبيه بإستغراب من حركتها وصاحت هي وهي تعقد حاجبيها بضيق:
هي البت دي كانت عايزة منك إيه؟
إلتزم الصمت وهو ينظر إلى عينيها مباشرة للحظات فشعرت بدور بالخجل وأخفضت رأسها لكنها لم تتحرك من مكانها منتظرة سماع إجابته.
ابتسم رسلان عندما استشعر غيرتها ثم خجلها لكنه أخفى ابتسامته سريعا قبل أن تراها وقال بهدوء:
عايزة تعرفي ليه؟
توترت بدور عندما لم تجد إجابة لسؤاله لكنها أجابت بعد ثوان:
فضول مش أكتر.
رفعت نظرها إليه في نهاية كلامها لكنها أخفضته ثانية عندما وضع كفه على شعرها وبعثره بحركة سريعة قائلا قبل أن يتركها ويتابع طريقه نحو الأسفل:
الفضول ساعات بيبقى وحش أوي يا روحي.
جلست مريم على الأريكة المتواجدة بغرفة المكتب الفارغة وهي تنظر إلى الباب الذي دخل منه خالد بعد أن أحضره آدم رغما عنه. عقد حاجبيه بإستغراب حين وجدها تجلس هناك وترمقه بنظرات حادة فتساءل مخاطبا آدم:
هو في إيه؟
قالتها مريم وهي تقف عاقدة ذراعيها أمام صدرها:
في إنك بتستعمل طرق غلط عشان تخلي بدور توافق على رسلان.
فتساءل خالد بعدم فهم:
قصدي إيه؟
سألته مريم:
مش إنت بعتت اللي اسمها ليلى لرسلان عشان تخلي بدور تغير وتوافق عليه؟
وقبل أن يجيبها خالد بدهشة من معرفتها للأمر، قاطعه آدم قائلا بصدمة وبطريقة مضحكة:
يعني إنت عملت كده عشانهم مش عشان تبوظ علاقتهم ببعض زي ما كنت فاكر؟ وأنا اللي فرحت لأني اكتشفت إن في حد خاين في العيلة دي!
تجاهل خالد كلامه وحدث مريم قائلا ببرود:
ايوه عملت كده عشانهم بس مش فاهم إنتِ مالك؟
إغتاظت مريم من كلمته الأخيرة وصاحت بغضب:
هو إيه اللي أنا مالي؟ إنت مش عارف ممكن يحصل إيه بسبب الحركة دي؟
عقد خالد ذراعيه أمام صدره كما كانت تفعل هي وتساءل ببرود مستفز:
هيتحصل إيه مثلا؟
أخذت مريم نفسا عميقا تحاول به تهدئة نفسها حتى لا تصرخ بوجهه ويصل صوت صراخها إلى الجميع ثم قالت بهدوء:
أولاً، بدور موافقة على رسلان بس لسه مقالتش حاجة وممكن تغير رأيها لو شافت إن ليلى بقت قريبة منه. بدور غبية زيادة لدرجة إنها ممكن تفتكر إن رسلان بدأ يميل لليلى وساعتها هترفضه عشان يبقوا لبعض.
سكتت قليلا لترى ردة فعله على كلامها والذي يبدو أنه لم يعجبه ثم أخذت نفسا آخر قبل أن تسترسل:
ثانياً، الموضوع ده ممكن يأثر على ليلى لو اتعلقت برسلان بسبب قربهم من بعض واللي هيكون بسببك طبعاً، ده غير إن رسلان نفسه ممكن يتعلق بيها وده هيأثر على علاقته ببدور لو وافقت عليه مثلاً.
خرجت تلك الكلمات من فم آدم وهو يتابع كلام مريم بتركيز:
كلامك مقنع بصراحة!
بينما لوى خالد شفتيه بعدم اقتناع وهتف ساخراً:
إنتِ عايزة تقنعيني إنك مهتمة أوي بعلاقة رسلان وبدور بعد ما كنتِ مش طايقة البنت أصلاً وكان واضح إنك مش عايزاه يتجوزها؟
عقدت مريم حاجبيها بغضب وكادت تجيب إلا أنه قاطعها وهو يتجه إلى خارج المكتب:
عموماً ملكيش دعوة باللي بعمله وياريت إنتِ بالذات متدخليش بين رسلان وبدور.
نظرت إلى إثره بغضب هاتفة:
هو ماله ده؟ يعني بعد كل اللي قلته ولسه مصر يكمل اللي بيعمله؟
أومأ آدم برأسه وقال بثقة وهو يجلس على أحد المقاعد أمام المكتب:
هو كلامك كان مقنع بجد بس خالد هيعمل اللي في دماغه عناداً فيكِ مش أكتر. ابن عمي وعارفه!
قالت كلماتها تلك وخرجت من غرفة المكتب باحثة عن رسلان، حتى وجدته ينزل من الدرج متجها ناحية قاعة الجلوس فأوقفته سريعا:
وأنا مش هستنى لحد ما تحصل حاجة بسببه، أنا هخلي رسلان يوقفه.
إنتبه رسلان إليها وتساءل باستغراب:
مريم؟ بتعملي إيه هنا؟
قالت له:
كنت جاية عشان آخد الكتب اللي نسيتها في عربيتك بس كويس إني جيت وعرفت اللي عرفته.
فتساءل رسلان بعدم فهم:
عرفتِ إيه؟
فأمسكت مريم بيده وسارت بها ناحية الدرج ثانية قائلة بجدية:
تعالى نطلع فوق، في موضوع مهم لازم نتكلم فيه.
جلست مريم على سرير رسلان وهي تستمع إلى سؤاله فأجابت بغيظ:
ها؟ في إيه؟
أجابته:
في إني حذرتك قبل كده من إنك تستغل ليلى عشان تخلي بدور تغار عليك.
عقد حاجبيه بإستغراب ثم هتف ببراءة:
بس أنا معملتش كده!
نطقت بتلك الكلمات بضيق وفهم رسلان أنها تقصد خالد فقال بهدوء:
ابن عمك هو اللي عمل، ولما كلمته قالي إنتِ بالذات متدخليش وقال إني مش طايقة بدور ومش عايزة الجوازة دي تحصل!
قال بهدوء:
سيبك منه، المهم إني عارف إنك عايزة تساعديني وإن الكلام ده غلط.
أومأت برأسه بتفهم وظهرت شبه ابتسامة على وجهه حين قال:
مع إن موضوع الغيرة ده عاجبني، بس هتكلم معاه فيه متقلقيش.
ابتسمت برضا ثم قالت وهي تمد يدها إليه:
طب اديني مفتاح العربية دلوقتي عشان آخد حاجتي وأمشي.
قالها وهو يأخذ مفتاح سيارته:
لا أنا هاجي معاكِ وأوصلك، مينفعش تروحي لوحدك والدنيا بقت ضلمة.
فأومأت برأسها وخرجت من غرفته لتسبقه إلى الأسفل، لكنها توقفت أمام غرفة بدور وقررت أن تحدثها قليلاً قبل مغادرتها فطرقت الباب منتظرة الرد إلا أنه لم يصلها.
التفتت إلى رسلان الذي جاء خلفها وحدثته بهدوء قبل أن تفتح الباب وتدخل الغرفة:
استنى هنا دقيقة.
أغلقت الباب خلفها بعد دخولها فانتبهت إلى بدور التي كانت تنام على بطنها وتغرس وجهها بالوسادة، اقتربت منها متسائلة:
بدور؟ إنتِ كويسة؟
رفعت بدور رأسها عن الوسادة لتنتبه مريم إلى وجنتيها المحمرتان بشدة فهتفت:
إيه ده؟ إنتِ وشك أحمر أوي كده ليه؟
همست بها بدور بصوت منخفض:
قالي يا روحي!
فرفعت مريم حاجبيها متسائلة بتعجب:
إيه؟ مين اللي قالك كده؟
أجابت بدور بنفس نبرتها السابقة:
رسلان.
ابتسمت مريم عندما استوعبت الأمر وأن احمرار وجنتيها كان نتيجة خجلها، ورغم جهلها لما حدث بينهما إلا أنها هتفت بمرح:
يعني كل الكسوف ده عشان قالك يا روحي؟ أمال لو قالك بحبك هتعملي إيه؟
أخفضت بدور رأسها وبسمة خجولة احتلت ثغرها، ثم رفعته بعد ثوان قائلة بجدية:
أنا موافقة على رسلان، وهبلغ بابا النهاردة.
بينما في الخارج، كان رسلان يستند على الجدار المجاور لباب غرفة بدور ينتظر مريم، حتى خرجت بعد دقائق وعلى ثغرها ابتسامة سعيدة حاولت إخفاءها وهي تحدثه قائلة:
يلا بينا.
في صباح الغد، استعد رسلان للانطلاق بسيارته بعد جلوس أمجد على المقعد الذي يجاوره عندما فُتح الباب الخلفي وركبت من خلاله بدور بكل هدوء.
رفع حاجبيه بإستنكار بينما التفت أمجد إليها متسائلا:
إنتِ بتعملي إيه؟
رفعت كتفيها مجيبة ببرود:
رايحة معاكم عشان نقابل الست اللي شبه ماما.
ألقت بنظرة مغتاظة نحو رسلان عند نهاية كلامها فقال ببرود مشابه لبرودها:
بس أنا موافقتش تروحي معانا.
قالتها بحنق وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها بعناد:
وأنا مش هسيبكم تروحوا من غيري!
فتنهد أمجد وهمس مخاطبا رسلان:
خليها تروح معانا يا رسلان، مش هيحصل حاجة لو راحت.
أومأ رسلان بعدم اقتناع ثم ألقى عليها نظرة أخيرة قبل أن ينطلق بسيارته ناحية عنوان تلك المرأة والتي استطاع معرفته عن طريق أحد أصدقائه الظباط.
وصل بعد قرابة النصف ساعة تقريباً ثم توقف بالسيارة أمام فيلا صغيرة ذات طابق واحد في حي متواضع ليلفت انتباه كل من أمجد وبدور اللذان علما أن هذا هو مكان إقامتها.
نزل ثلاثتهم واقترب رسلان من باب الفيلا الخارجي ورن الجرس ثم تبادل النظرات معهم وكل واحد منهم يخفق قلبه بقوة ظناً منهم أن هذا الباب هو الفاصل بينهم وبين معرفة الحقيقة الكاملة.
فُتح الباب بعد ثوان قليلة بدت لهم وكأنها دقائق طويلة، ثم ظهرت من خلفه تلك المرأة والتي هتفت بدور فور رؤيتها:
ماما؟
رواية اسرار عائلتي الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم اروى مراد
دخلت القصر رفقة أمجد ورسلان وهي شاردة بما حدث قبل قليل عند ذهابهم لتلك المرأة وحديثهم معها.
أنتبه أمجد لشرودها فوضع يده على كتفها متسائلا:
- بتفكري في ايه؟
رفعت بدور نظرها إليه وحدقت به قليلا ثم ابتسمت قائلة:
- ولا حاجة، أنا بس مبسوطة لأن ماما طلعت بريئة!
سكتت قليلا تراقب ابتسامة أمجد التي ظهرت على ثغره هو الآخر ثم أردفت بحماس:
- إحنا لازم نقول لبابا اللي حصل بسرعة، لازم يعرف إن ماما معملتش حاجة من اللي هو فاكره.
التفتت إلى رسلان الذي كان شارداً هو الآخر ولكنها لم تنتبه لذلك وتساءلت مخاطبة إياه:
- إنت هتروح الشركة النهاردة صح؟ يعني هتشوفه وهتقوله اللي حصل؟
- مش عارف.
ظهر الاستغراب على وجهها كما ظهر على وجه أمجد والذي استفسر بتعجب:
- يعني إيه مش عارف؟ إحنا لازم نقوله.
أومأ رسلان برأسه مردفاً بتفكير:
- عارف بس أنا مش عايزاه يحس بالذنب لأنه ظلمها لما يعرف الحقيقة.
تبادل كل من أمجد وبدور النظرات الحائرة والتزما الصمت، حتى تحدثت بدور بعد ثوانٍ بتساؤل:
- يعني إيه؟ إحنا هنسيبه على عماه؟
نفى رسلان برأسه قائلاً:
- لا طبعاً! لازم يشيل الفكرة الوحشة اللي أخدها عن ماما من دماغه بس.. مش هقدر أكون السبب في إحساسه بالذنب.
فكرت بدور قليلاً ثم قالت باقتراح:
- طب هتكلم معاه أنا لما يرجع.
تطلّع إليها لثوانٍ ثم نفى برأسه معترضاً:
- لا خلاص، هقوله أنا.
وقف بعد نهاية كلامه وصعد إلى غرفته ليستعد للذهاب إلى الشركة، تاركاً بدور تطالع أمجد بترقب ثم تساءلت:
- هنعمل إيه إحنا دلوقتي؟
رفع كتفيه بجهل ثم فكر قليلاً قبل أن يهتف:
- إيه رأيك نطلع شوية؟ أنا زهقت..
أومأت برأسها باستحسان صائحة:
- وأنا موافقة، يلا بينا بقى!
...
دخلت عبر الباب المؤدي إلى المطبخ مباشرة وهي تمسك كف شقيقها الصغير وتلقي عليه تلك الكلمات للمرة الرابعة منذ خروجهم من البيت:
- بص إنت هتقعد جنبي ومتتكلمش خالص ومتتحركش من مكانك خالص، أوك؟
أومأ سيف برأسه وتمتم بضيق:
- على فكرة، دي رابع مرة تقوليهالي وأنا كل مرة بقولك حاضر حااضر مش هتحرك من مكاني خااالص!
ابتسمت رحمة برضا ووصلت حيث تقف والدتها مع إحدى الخادمات وصاحت:
- ماما إحنا جينا.
انتبهت كريمة إلى وجودهم فابتسمت لهما بحب وقالت:
- أهلاً وسهلاً بيكم.
ثم انحنت فجأة لتحمل سيف بين ذراعيها تحت تذمره من معاملتها له كالطفل الصغير وهتفت بمرح:
- وحشتني أوي يا سفسف.
زفر بضيق من ذلك اللقب الذي تطلقه عليه دائماً وكاد يعترض لولا انتباه الجميع إلى دخول ليلى المطبخ وهي تصيح بصوت عالٍ:
- هو مفيش حد في القصر ولا إيه؟ أنا مش سامعة صوت حد..
انزعجت الخادمات من صوتها العالي وأجابت كريمة ببسمة متكلفة وهي تنحني ليقف ابنها على الأرض:
- كلهم راحوا للشغل يا آنسة ليلى، وعبد الرحمن بيه خرج تقريباً ومفيش غيرنا إحنا وعائشة وبراءة بس تلاقيهم دلوقتي نايمين!
تأففت ليلى بضيق ثم جلست على إحدى الرخامات وتحدثت بتكبر مخاطبة كريمة:
- طب اعمليلي فطار دلوقتي أنا جعانة!
طالعتها رحمة بقرف وصاحت:
- إنتِ بتكلميها كده ليه؟ مش هتنقص منك حاجة لو قلتيلها "ممكن تعمليلي الفطار لو سمحتِ؟"
التفتت ليلى إلى رحمة التي كانت تحمل ملامح رقيقة أفسدتها عقدة حاجبيها الدالة على الغضب، فابتسمت باستفزاز ثم أجابت ببرود:
- دي مجرد خدامة هنا ولما أقولها تعمل حاجة لازم تقول حاضر وتنفذ، يعني مش مضطرة أطلب منها حاجة بالطريقة اللي إنتِ قولتيلي عليها.. وبعدين إنتِ مين؟
ازدادت عقدة حاجبي رحمة واقتربت لتقف أمام ليلى مباشرة وهي تقول بشراسة:
- ميغركيش وشي اللي مبين إني كيوت وضعيفة، المظاهر خداعة أصلاً وأنا مش هسمع حد يهين ماما وأسكت!
رفعت ليلى حاجبيها وواصلت استفزازها قائلة:
- اهاا إنتِ بقى بنت الخدامة دي؟ وأنا اللي كنت فاكرة إنك تبع واحد من شباب العيلة!
اشتعلت عينا رحمة وكادت تنقض عليها لولا إمساك كريمة لها لتمنعها ومحاولة بقية الخادمات للتفريق بينهما، بينما خرج سيف من المطبخ بخوف باحثاً عن أي شخص يستطيع إيقاف ما سيحصل.
لكنه تفاجأ بشاب يجلس على أريكة بقاعة الجلوس ويمسك بذراعه اليسرى التي كانت تنزف دماً وهو يعض على شفته السفلى بتألم.
ارتعب سيف من منظر الدم الذي رآه ففلتت صرخة من حنجرته رغماً عنه لفتت انتباه من كانوا بالمطبخ ليركضوا إلى الخارج بخوف.
وقفت رحمة بجانب سيف وهي ترى الدماء التي ملأت قميص ياسر بينما تابعت كريمة طريقها نحوه مرددة بخوف:
- ياسر بيه! إيه اللي حصل؟
نظر إليها ياسر بطرف عينه وحاول إخفاء ملامح الألم عن وجهه وهو يراها تمسك بذراعه التي تنزف تتفحصها ثم تصرخ بإحدى زميلاتها:
- جيبيلي علبة الإسعافات بسرعة يا علياء!
ركضت علياء لتحضر ما طلبته منها واقتربت ليلى لتجلس بجانب ياسر من الجهة الأخرى ومسحت على ذراعه السليمة قائلة بقلق:
- إنت كويس صح؟ هو إيه اللي حصل؟
أومأ ياسر بهدوء مصطنع وأجاب:
- مش عارف، كنت ماشي في الشارع عادي فجأة لقيت واحد ضربني برصاصة على دراعي، لما بصيتله حسيت إنه اتفاجأ وبعدها هرب، أعتقد إنه كان قاصد حد تاني وضربني أنا بالغلط!
كانت علياء قد حضرت بعلبة الإسعافات الأولية عند نهاية كلامه فصاحت ليلى مخاطبة كريمة:
- إنتِ قاعدة كده ليه؟ اتحركِ اعملي حاجة لجرحه!
التفت ياسر إلى كريمة فوجدها تنفي برأسها ويديها ترتعشان. استغرب ذلك وكادت ليلى تصرخ بها ثانية لولا رحمة التي تدخلت قائلة بهدوء:
- ماما عايزة تقول إنك لازم تروح لدكتور عشان يطلعلك الرصاصة.
تجاهل ياسر كلامها وكذلك وجودها ثم وقف قائلاً قبل أن يتجه للخروج من القصر:
- أنا هتصرف لوحدي، محدش ليه دعوة بيا!
ابتعد عن أنظارهم وكاد يعبر الباب الرئيسي للخروج لولا صوت سيف الذي أوقفه وهو يهتف بقلق:
- استنى يا عمو!
استدار إليه ياسر وطالعه باستغراب بينما واصل سيف ببراءته التي تخطف القلوب:
- إنت هتروح المستشفى وهتبقى كويس صح؟
ابتسم له ياسر رغماً عنه، ورغم أنه لا يعرف هوية ذلك الصغير إلا أنه أجابه بهدوء:
- أيوه متقلقش، استنى إنت هنا لحد ما أرجع وهتشوف، ومنه نتعرف على بعض إيه رأيك؟
ابتسم سيف بحماس وردد:
- موافق، وعلى فكرة أنا اسمي سيف!
...
ارتشفت من كوب العصير الذي كان بين يديها وهي تجلس أمام أمجد في أحد المقاهي وتنظر إلى النيل المطل عليه بشرود.
أفاقها منه أمجد حين قال بمرح:
- هو إنتِ كل ما تبقي معايا بتسرحي؟ ويا ترى سرحانة في إيه المرة دي؟
ابتسمت له بخفة ثم أجابت بضحكة:
- عادي، كنت سرحانة في حياتي اللي اتغيرت بين يوم وليلة لما عرفت إن بابا عايش لا وكمان عنده عيلة كبيرة فيها تسعة أولاد وأنا البنت الوحيدة بينهم!
تطلع إليها أمجد بحنان وتساءل:
- ومبسوطة؟
- مبسوطة أوي، أنا عرفت معاكم يعني إيه عيلة بجد!
قالت ذلك ثم تنهدت قبل أن تردف وهي تنظر إلى كوبها:
- بس اتمنيت لو ماما تبقى معانا!
أخفض أمجد بصره بحزن ولم يعلم بما عليه أن يجيب لكنه حاول تغيير الموضوع قائلاً بعد ثوانٍ من الصمت:
- على فكرة، أنا قررت أسمع كلامك وأخطب ملاك.
رفعت بدور نظرها إليه سريعاً وتساءلت بفرحة:
- ده بجد؟
أومأ أمجد مؤكداً فصاحت بدور بحماس:
- يبقى هنعمل فرحنا مع بعض صح؟
رفع أمجد حاجبيه متمتماً بتعجب:
- ليه هو إنتِ وافقتِ على رسلان؟
أومأت برأسها بخجل فابتسم أمجد باتساع ثم تساءل بنبرة ماكرة:
- ويا ترى وافقتِ ليه؟ مش كنتِ شايفاه زي أخوكِ؟
أخفضت رأسها بخجل وهي ترفع كتفيها مجيبة بصوت منخفض:
- عادي يعني، أنا مش عايزة أسيب العيلة لو اتجوزت حد تاني..
قهقه أمجد بصوت عالٍ جذب انتباه من بالمقهى فحاول إخفاض صوته حين قال:
- مش عارف ليه افتكرت أول يوم ليكي معانا لما كنتِ خايفة مننا وبترتعشي ولا كأننا مصاصي دماء!
ضحكت بدور بخفة متمتمة:
- بصراحة، أنا أصلاً تخيلتكم كده ساعتها!
قالت كلماتها تلك ثم عادت تنظر إلى النيل قبل أن تتابع كلامها هامسة ببسمة صغيرة:
- بس بصراحة حبيت المغامرة، وقدرت أعرف تقريباً كل أسرار العيلة اللي كانت بالنسبالي غامضة..
تمتم أمجد بضحكة صغيرة:
- أسرار؟
أومأت بدور بتأكيد ثم أردفت بفخر:
- وأنا عرفتهم كلهم!
وقبل أن تسمح لأمجد بالحديث كانت هي تستطرد سريعاً:
- لا استنى! في حاجة واحدة لسه معرفتهاش!
- هي إيه؟
نظرت إلى عينيه وتساءلت بحيرة:
- مرات عمي أحمد.. انتحرت ليه؟
طالعها أمجد لثوانٍ ثم ضحك قائلاً:
- منصحكيش تعرفي، لأنك لو عرفتِ ممكن ترجعي تخافي مننا تاني!
استفسرت بدور بفضول:
- ليه؟
نفى أمجد برأسه متمتماً:
- أنا مش هقولك، اسألي حد تاني لو عايزة!
...
كانت تجلس لوحدها بغرفة الجلوس بعد أن صعدت دينا إلى غرفتها لتحضر هاتفها، عندما وجدت رجلاً عجوزاً يدخل البيت فجأة فنظرت إليه باستغراب وتساءلت فور وقوع نظره عليها:
- إنت مين؟
طالعها رشاد _ جدها _ باستغراب وقال:
- إنت مين إيه يا هناء؟ هو إنتِ بقيتِ بتعرفي تهزري؟
توقعت هناء أنه أحد أقاربها لمعرفته اسمها فأجابت وهي تنفي برأسها:
- أنا مش بهزر، أنا بجد مش فاكراك لآني فقدت الذاكرة.
طالعها رشاد بصدمة سرعان ما تحولت إلى الملل هاتفا:
- في إيه يا بنتي؟ هو أنا أسيبك يومين أرجع ألاقيِك اتعلمتِ الهزار البايخ؟
نزلت دينا في ذلك الوقت واستمعت إلى جملته الأخيرة فقالت بتوتر:
- اء، جدو! هناء فقدت الذاكرة فعلاً!
التفت رشاد إلى دينا مطالعاً إياها بصدمة في نفس الوقت الذي ظهر فيه عامر من خلفها متقدماً من والده وتحدث بهدوء:
- تعال فوق يا بابا وأنا هشرحلك..
حول رشاد أنظاره إلى عامر والذي سحبه من ذراعه ليصعد إلى غرفته في الأعلى، وفور وصولهم صاح رشاد بقلق:
- احكيلي يا عامر، حصل إيه في غيابي؟
أجبره عامر على الجلوس على سريره ثم تنهد قبل أن يبدأ الحديث:
- هناء استغفلتني وقررت إنها تكمل انتقامها من وائل وراحت لحد فيلته.. مش عارف كانت ناوية على إيه بس اللي عرفته بعدين إنه قدر ياخد منها.. عذريتها...
قال الأخيرة بصعوبة غير غافل عن أعين والده المتسعة من الصدمة، لكنه استرسل كلامه قائلاً:
- بس فيه ست طيبة شافتهم وهما داخلين للفيلا وحاولت تلحقها، وأخدتها عندها ولما هناء فاقت حاولت تنتحر ونطت من الدور الأول، بس الحمد لله وقعت على كومة ورق شجر، بس دماغها ضربت في حاجة صلبة تقريباً عشان كده فقدت الذاكرة..
زفر عامر في نهاية كلامه بعد أن كان يشعر بغصة في حلقه أثناء حديثه. رفع رأسه إلى والده ليجد ملامح الغضب تغلف وجهه متمناً:
- يعني مش مكفيه إنه السبب في موت بنتي وكمان ضيع شرف حفيدتي؟
حاول عامر تهدئته قائلاً:
- هنشوف الموضوع ده بعدين يا بابا، إحنا دلوقتي لازم نلاقي حل للي حصل لهناء.
سكت قليلاً عند انتهاء كلامه ثم أردف بتردد:
- الست اللي أخدتها لبيتها عرضت عليا إن ابنها يتجوزها جواز صوري عشان يستر عليها..
طالعه رشاد لثوانٍ ثم قال بضيق:
- بلغها إننا موافقين، مفيش في إيدنا حل تاني دلوقتي..
...
دخل إلى مكتب والده بالشركة عندما أذن له بذلك فوجده شارداً الذهن كما كان منذ البارحة. اقترب منه وجلس على المقعد أمامه متسائلاً:
- عامل إيه النهاردة؟
رفع محمد رأسه إليه ثم عاد إلى عمله متجاهلاً إياه عندما علم مقصده. لكن عدي واصل كلامه وكأنه يسمعه:
- حاسس إنك مش على بعضك من أول ما شفت ماما امبارح..
سكت يحاول التقاط ردة فعل من والده لكنه لم يجد فاسترسل كلامه متظاهراً بالتفكير:
- امم إنت لسه بتحبها صح؟
نظر إليه محمد سريعاً ثم نفخ بنفاذ صبر قبل أن يهتف:
- عايز إيه يا عدي؟
- عايزك ترجع لماما..
نطق عدي بتلك الكلمات بهدوء فرفع محمد أحد حاجبيه بدهشة متمناً:
- إنت اللي بتقول كده يا عدي؟ إنت ناسي إنك كنت هتموت بسبب إهمالها؟
نفى عدي برأسه وأردف:
- لا مش ناسي بس أنا مسامحها خلاص، هي آه كانت مقصرة أوي معانا بس عرفت في الفترة دي إنها طيبة خالص، وعرفت إنت ليه حبيتها زمان ولحد دلوقتي لسه بتحبها..
اختتم حديثه بإبتسامة ماكرة فصاح محمد بحدة:
- خلاص يا عدي اللي كان بيني وبين يمنى انتهى، متفكرش في حاجة مش هتحصل!
عقد عدي حاجبيه بضيق وهتف باعتراض:
- مش هتحصل ليه؟ بابا إنت لسه بتحبها وهي كمان لسه بتحبك فإيه المشكلة؟
التزم محمد الصمت وهو ينظر إلى عيني ابنه عندما لم يجد جواباً لسؤاله، فأردف عدي بجدية:
- أهل ماما اللي كانوا السبب في إنها تبقى مهملة ماتوا.. وجوزها التاني واتطلقت منه.. ماما مبقاش عندها حد غيرنا وإحنا مش هنسيب القصر ونعيش معاها، يعني هو حل من اتنين.. إما إنك ترجعها، أو إننا هنجيبها تقعد معانا في القصر برضه وهتضطر تشوفها كل يوم وأنا كلمت جدي في الموضوع ووافق!
وقف من مكانه واتجه إلى خارج المكتب دون أن ينتظر رداً من والده. وعند خروجه، قابل رسلان والذي كان متجهاً إلى مكتب أكرم لكنه أوقفه قائلاً:
- رسلان..
استدار إليه رسلان ونظر إليه باستفسار فأردف عدي:
- مجيتش بدري كالعادة ليه؟ كنت فين الصبح؟
أجاب رسلان بعجلة وهو يتابع طريقه:
- هقولك بعدين يا عدي، لما نرجع القصر..
وصل إلى مكتب أكرم وطرق الباب ثم دخل دون انتظار الإذن، فوجده يرفع رأسه إليه باستغراب ثم سرعان ما ابتسم عند رؤيته وأشار له بالجلوس أمامه قائلاً:
- تعالَ يا رسلان.
جلس رسلان على أحد المقاعد أمام المكتب وهو يفكر في طريقة يبدأ بها الموضوع الذي جاء من أجله، لكن أكرم سبقه قائلاً ببسمة صغيرة:
- كويس إنك جيت، كنت عايز أتكلم معاك.
تطلع إليه رسلان مستفسراً:
- في إيه؟
أجاب أكرم وهو يقف من مكانه ثم يتجه ليجلس على المقعد الآخر مقابل رسلان:
- بدور بلغتني امبارح بموافقتها عليك.
- بجد؟
تساءل رسلان بعدم تصديق فأومأ أكرم مؤكداً ليبتسم رسلان إثر ذلك براحة. تابع أكرم إبتسامته وكادت تنتقل إلى ثغره هو الآخر لولا ما قاله رسلان حينها:
- يبقى هنكتب الكتاب على طول!
- إنت مستعجل كده ليه؟
تساءل أكرم بأعين ضيقة فرفع رسلان كتفيه مجيباً ببساطة:
- عادي يعني، مفيش داعي نعمل خطوبة وإحنا أصلاً عايشين مع بعض، وأصلاً جدو هيقول كده وإحنا مش هنخالف كلام جدو..
تابع أكرم النظر إليه بنفس الطريقة وكأنه لم يقتنع لكنه ابتسم فجأة وهتف:
- وأنا موافق، أنا واثق إنك هتاخد بالك منها.
أومأ رسلان مؤكداً على كلامه قبل أن يعم الصمت بينهما لفترة قصيرة تذكر رسلان خلالها ما جاء لأجله، فاعتدل في جلسته وتنحنح قبل أن يبدأ الحديث:
- أنا كنت جاي عشان أقولك على حاجة مهمة.
أصغى أكرم إليه بانتباه فأردف رسلان بهدوء:
- إنت فاكر لما بدور قالت إنها شافت ماما وإحنا مصدقناش؟
- أيوه؟
- هي فعلاً شافتها بس مش ماما؟
عقد أكرم حاجبيه متمناً:
- مش فاهم.
أخذ رسلان نفساً عميقاً قبل أن يسترسل:
- هي شافت واحدة تانية بس كانت شبه ماما أوي لدرجة إني كنت هصدق إنها هي فعلاً، بس لما سألت عنها عرفت إنها واحدة تانية بس ليها علاقة بموضوع طلاقك من ماما، وأنا وأمجد وبدور رحنالها النهاردة واتكلمنا معاها.
تساءل أكرم بانتباه شديد وقد بدأ قلبه يخفق بشدة:
- ليها علاقة إزاي؟ وإيه اللي حصل لما شفتوها؟
- هقولك..
>> عودة بالذاكرة
رواية اسرار عائلتي الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم اروى مراد
رواية اسرار عائلتي الفصل السابع والعشرون بقلم اروى مراد
عاد إلى القصر بعد نصف يوم قضاه في المستشفى لإخراج الرصاصة من ذراعه ثم تضميده، لكنه تفاجأ عند دخوله بسيف وهو يجلس أمام الباب الرئيسي ينتظر قدومه .. إقترب منه ياسر قائلا بتعجب :
- انت بتعمل ايه هنا ؟
أجابه سيف بإبتسامة صغيرة :
- كنت بستناك يا عمو، مش انت قولتلي استناني هنا ولما ارجع هنتعرف ؟
إبتسم ياسر تلقائيا وأجاب :
- ايوة، وعلى فكرة انت ممكن تناديني ياسر على طول، بلاش عمو دي .
- حاضر .
قالها سيف ببسمة لطيفة ثم أشار إلى المقاعد الموجودة بالحديقة قائلا :
- هو احنا ممكن نقعد هناك ؟
أومأ ياسر برأسه وإتجه ناحية المقاعد وهتف وهو يشير لسيف بأن يتبعه :
- طبعا، تعالى ..
تبعه سيف بحماس وجلس بجواره ثم تساءل سريعا مشيرا إلى ذراعه المصابة :
- هي بتوجعك ؟
أجابه ياسر بصراحة :
- ايوة، بتوجعني اوي بس أنا بتحمل عادي ..
- عايز تعيط ؟
تفاجأ ياسر من سؤال سيف الغريب وتمتم بإستغراب :
- لا، ليه ؟
أجابه سيف وهو يلوي شفته السفلى بحركة بدت للآخر ظريفة :
- لاني ببقى عايز اعيط لما تبقى في حاجة في جسمي واجعاني، بس مقدرش عشان كله بيقول ان الرجالة مش بتعيط، وأنا عايز ابقى راجل .
رفع ياسر حاجبيه بدهشة بينما إسترسل سيف بإبتسامة صغيرة :
- بس رحمة بتقول انه منطق غلط لأن الكتمان مينفعش، بس احنا مجتمع مريض بنحاول نصعب كل حاجة على نفسنا مع ان الدنيا بسيطة !
إزدادت دهشة ياسر من الكلام الذي يسمعه لأول مرة من طفل صغير والذي لم يفكر فيه سابقا، لكن إسم رحمة الذي أدرجه هذا الصغير لفت إنتباهه فتساءل بإستغراب :
- رحمة مين ؟
- أختي .
تساءل ياسر بتعجب عندما إستوعب جواب سيف :
- يعني انت ابن كريمة ؟
أومأ سيف برأسه بإبتسامة كبيرة مردفا :
- عارف ؟ أنا بحب ماما اوي، رغم انها بتعاملني ساعات كأني لسه صغير بس حاسس اني مش هعرف اعيش من غيرها .
- اشمعنى ؟
- لأنها دايما بتحاول تديني كل حاجة أنا نفسي فيها عشان مبقاش أقل من صحابي رغم اننا معندناش فلوس كتير، ده غير انها طيبة وحنينة اوي ومش بس معايا لا هي كده مع الكل ..
تابع ياسر حديثه بإهتمام وهو يذكر قلقها عليه ويدها التي كانت ترتجف كثيرا عندما رأت إصابة ذراعه، حتى تحولت ملامح سيف إلى الحزن فجأة وأردف :
- بس زمايلي ساعات بيتريقوا عليا ويقولولي اني ابن خدامة .. هو شغل ماما عيب يا ياسر ؟
قال الأخيرة بنبرة قريبة للرجاء وهو ينظر إلى ياسر فشعر هذا الأخير بغصة في حلقه بسبب حديث كتلة البراءة الجالسة بجواره ونفى برأسه فواصل سيف كلامه ببسمة :
- عارف .. هما الي مش عارفين هي بطلة في نظري ازاي، ماما اشتغلت هنا عشاننا وعشان نكمل دراستنا ومسمحتش لرحمة انها تشتغل وتسيب دراستها واختارت انها تتحمل مصاريفنا كلها لوحدها .
إزدادت إبتسامته فجأة وهو يختتم كلامه قائلا :
- ماما إنسانة عظيمة فعلا !
شعر ياسر بدمعة تكاد تطل من بين جفنيه والندم قد بدأ يأخذ مكانه في قلبه، خاصة عندما قارن بين ما فعله هو في حياته وبين ما فعلته تلك التي كان يعتبرها مجرد خادمة تنفذ ما يطلب منها فقط .. شعر في تلك اللحظة أن الله قد أرسل إليه هذا الصغير ليعلمه معنى الأخلاق، ولينبهه عما كان عليه من تكبر على الناس .
إبتسم بحزن ثم خاطب سيف قائلا :
- عارف ؟ عايز لما يبقى عندي ولد اجيب واحدة زي مامتك تربيه عشان يبقى شبهك كده !
إبتسم سيف مرددا بعفوية :
- ممكن تجيب رحمة تربيه، رحمة برضه شبه ماما وهي عسل اوي وهتحبها، هي بس بتبقى شريرة سيكا لما حد يضايقني أنا والا ماما .
ضحك ياسر قائلا :
- مع انها تبان كيوت ومش شرسة بس المظاهر خداعة !
ضحك معه سيف بخفة ثم تفاجأ بياسر يقول بنبرة مترددة :
- هو أنا ممكن احضنك ؟
طالعه سيف لثوان ثم أومأ هاتفا قبل أن يلقي نفسه بين أحضانه :
- طبعا !
إحتضنه ياسر بحب نما في قلبه ناحية هذا الطفل سريعا وإستمع إليه وهو يردف :
- احنا هنبقى صحاب أصلا، صح ؟
أومأ ياسر مجيبا ببسمة هادئة :
- صح !
...
- يامن طلب ايدك للمرة التالتة يا دينا .
قالها عامر وهو يجلس مقابل دينا بغرفة الجلوس ومعهم رشاد وهناء وعلا وظن بأنه سيتلقى الرفض هذه المرة أيضا، لكن دينا فاجأت الجميع حين قالت :
- أنا موافقة .
إبتسم عامر وكذلك علا ورشاد بإرتياح ثم تساءل :
- يعني اقولهم يجوا بكرة ؟
أومأت برأسها موافقة فصاحت علا بفرحة :
- أخيرا عقلتِ يا بنتي وهتتجوزي واطمن عليكِ في بيت جوزك .
إبتسمت لها دينا بتكلف ولم تعلق، ثم عادت لتشرد في ما سمعته من حديث بين خالها وجدها، والذي علمت من خلاله ما حدث لهناء قبل فقدانها الذاكرة ..
إنتبهت هناء لشرودها فإقتربت منها وسألتها بهمس :
- مالك يا دينا ؟ انتِ لسه مش عايزاه ؟
نفت دينا برأسها وهي تحاول أن تكبح دموعها ألما على حال أختها، فإستفسرت هناء بإستغراب :
- امال ليه حاسة انك هتعيطي ؟
إبتلعت دينا ريقها ثم أخذت نفسا عميقا وأجابت كاذبة :
- أنا بس مش عارفة افرح وانتِ في الحالة دي ..
إستغربت هناء كلامها ثم إبتسمت قائلة :
- هو أنا صحيح مش فاكراكِ، بس أنا ببقى كويسة لو شوفتك مبسوطة .. يعني افرحي عادي ومتشغليش دماغك بمشكلتي .
طالعتها دينا بحزن لكنها أرغمت نفسها على الإبتسام قائلة :
- حاضر .
- تجي نلعب ؟
- يلا ..
...
كعادتهم كل مساء، إجتمع كل من بالقصر في قاعة الجلوس وتفاجأ محمد بوجود يمنى فعلا والتي ستستقر هنا بأمر من والده حتى تكون قرب إبنتها وكذلك أبنائها .. حاول حينها الإنسحاب من بينهم لكن عبد الرحمن أوقفه قائلا حين رآه يستعد للذهاب إلى غرفته :
- رايح فين ؟
إستدار محمد إليه مجيبا إياه بهدوء :
- رايح اوضتي، محتاج حاجة ؟
- لا، بس هتقعد هنا معانا .
ظهر الضيق على وجه محمد وتمتم بإعتراض :
- بابا صدقني أنا مش قادر اقعد هنا طول ما هي موجودة .
رفع عبد الرحمن كتفيه بلا مبالاة ثم همس وهو يمسك بذراع إبنه ليجبره على الجلوس ثانية :
- طب متبصلهاش عادي، ركز بس في الي لازقة في ابنك هناك .
جلس محمد رغما عنه وهو ينظر حيث يشير عبد الرحمن فوجد ليلى تجلس بجوار خالد وهي تكاد تلتصق به وتحادثه وكأنه صديق قديم .. تضايق من إلتصاقها به وكاد يفتح فمه بنية الحديث لكنه توقف وهو يرى نظرات يمنى المصوبة نحو خالد وقد بدا الضيق على وجهها هي الأخرى .
أبعد نظره عنها سريعا ثم إلتفت إلى والده قائلا بسرعة :
- أنا آسف يا بابا بس مش قادر ..
وقف عند نهاية كلامه وإتجه إلى غرفته سريعا قبل أن يسمح لعبد الرحمن بالإعتراض، فتنهد هذا الأخير ثم همس ببسمة :
- اهرب يا محمد اهرب، بس برضه هترجعلها وأنا متأكد من ده !
أما عند خالد وليلى، فقد كان يجلس بجانبها غير مهتم لثرثرتها معه وكأنها إعتبرته صديقها منذ أن حدثها لأول مرة فقط ليستغلها لإشعال غيرة بدور .. لكنه كان ينظر إلى رسلان الجالس بجوار أكرم ويبدو أنه يحدثه في شيء مهم، ثم حول أنظاره إلى بدور الجالسة مع عائشة ويمنى قبل أن يعود بهم إلى ليلى وهتف موقفا إياها عن ثرثرتها :
- انتِ عارفة ان رسلان خطب بدور ؟
نفت ليلى برأسها بإستغراب وتساءلت :
- لا، هما مخطوبين يعني ؟
- لا، أصل بدور لسه موافقتش، مش عارف ليه رافضاه مع انه راجل كويس من كل النواحي وميترفضش ده غير انه بيحبها اوي ..
كان يقول ذلك محاولا جعلها تشعر بالشفقة ناحية رسلان وتقرر مواساته، ثم تراهم بدور معا فتشعر بالغيرة لتكتشف أنها تكن له بعض المشاعر فتوافق على الزواج منه .. لكنه تفاجأ عندما كادت ليلى ترد على كلامه بأكرم يتنحنح ليلفت إنتباه الجميع قائلا :
- كنت عايز اقولكم بما ان كلكم هنا، اني فكرت في ان كتب كتاب بدور ورسلان هيبقى الأسبوع الجاي .. ايه رايكم ؟
شعرت بدور بالخجل وهي ترى نظرات الجميع مصوبة نحوها وهتف عبد الرحمن بإستحسان :
- أنا شايف انه مناسب اوي .
سعد الجميع بالخبر بعد معرفتهم بموافقة بدور بينما إلتفتت ليلى إلى خالد بحاجب مرفوع :
- مش كنت بتقول انها رافضاه ؟
أومأ خالد بدهشة ثم أردف :
- مكنتش عارف انها وافقت .
قال ذلك ثم إبتسم براحة لأجل إبن عمه لكنه تفاجأ بليلى تتمتم ببساطة :
- وافقت لأنها غبية .. هو في واحدة عاقلة هتوافق تكمل حياتها مع واحد ابن حرام ؟
إتسعت عينا خالد بصدمة من كلماتها التي خرجت من فمها بكل بساطة وإحتقرها في هذه اللحظة كثيرا، لكنه تساءل بفضول :
- وانتِ عرفتِ منين الكلام ده ؟
- من ماما عادي .
أومأ برأسه ثم أشاح بوجهه بعيدا عنها وهو يشعر بالتقرف لوجودها بجانبه، وندم أشد الندم على ما كان يخطط له سابقا، كان يفكر في الوقوف والإبتعاد عنها لكنه وجدها تضع يدها على ذراعه قائلة :
- مالك ؟ انت زعلت ؟
رمقها بنظرة إحتقار وأجاب قبل أن يقف متجها بعيدا عنها :
- لا، خالص !
...
من جهة أخرى، كان ياسر يعبث بهاتفه بملل عندما إنتبه إلى سيف الذي كان يطل برأسه على قاعة الجلوس مشيرا إليه بالقدوم ولحسن حظه بأنه لم ينتبه إليه أحد غيره .
إتجه إليه وإبتعد به عن قاعة الجلوس قليلا ثم تساءل :
- انت بتعمل ايه هنا ؟
أجابه سيف بحماس :
- قلت لماما اني عايز افضل هنا، لاني عايز اشوفك مرة تانية أصل انت صاحبي الوحيد والوحيد تقريبا الي مش بيعايرني بشغل ماما !
إبتلع ياسر ريقه بتوتر ثم أشار إلى الأعلى قائلا :
- طب .. تعالى نقعد فوق في اوضتي .
- يلا .
قالها الصغير ثم تبعه إلى الأعلى حتى وصلا إلى غرفته فركض سيف نحو الشرفة وجلس على أحد المقاعد الموضوعة بها فجلس ياسر أمامه قائلا بإبتسامة :
- هاا هنتكلم في ايه ؟
رفع سيف كتفيه متمتما :
- مش عارف، كلمني عنك أو ...
قطع كلامه وهو يرى ياسر يشعل سيجارة أخرجها من جيبه ووضعها بين شفتيه، فسارع الأخر ليجذبها من بينهما وصاح بحاجبين معقودين :
- انت بتعمل ايه، انت مش عارف ان ده مضر لصحتك ؟
- عارف بس ...
قطع ياسر كلامه وهو يرى سيف وهو يحاول إطفاء السيجارة بالمطفئة المتواجدة على الطاولة الصغيرة بين المقعدين بأصابعه الصغيرة ثم يلتفت إليه قائلا بحزم طفولي :
- انت هتوعدني انك مش هتدخن تاني !
إبتسم ياسر على ملامح وجهه وقال :
- هحاول ..
- لا انت هتوعدني !
قالها بإصرار فرفع ياسر حاجبيه ثم هتف مجاريا إياه :
- طيب، اوعدك .
...
وضعت كوب القهوة أمام زوجها الذي كان منشغلا بمشاهدة التلفاز ثم جلست بجانبه فسألها ونظره مثبت على الشاشة :
- امال ملاك فين يا بسمة ؟
أجابته بسمة بحزن على تلك الفتاة التي تعتبرها إبنتها :
- يعني هتبقى فين يا سامي ؟ قافلة على نفسها في الاوضة كالعادة !
تنهد سامي ثم أخذ رشفة من قهوته قبل أن يقول :
- مش عارف هتفوق من الحالة دي امتى ؟ أنا قلقان عليها .. لازم تعرف ان موت أخويا ومراته كان قضاء وقدر ومش بسببها .
زفرت بسمة بضيق ثم تمتمت بقلق :
- أنا خايفة عليها، البنت بقت إنطوائية من ساعتها ولا بتحب تعمل صحاب ولا بتوافق على العرسان الي بيجولها، حتى أنا مش بتتكلم معايا خالص .
وقف سامي من مكانه قائلا :
- أنا رايحلها ..
ثم تحرك من مكانه متجها نحو غرفة إبنة أخيه الوحيدة وطرق الباب فإستمع إلى صوتها من الداخل يقول :
- أنا شبعانة يا عمتو، اتعشوا لوحدكم أنا عايزة أنام !
أجابها سامي بصوت هادئ لكنه وصل إلى مسامعها :
- أنا عمك يا ملاك، عايز اتكلم معاكِ شوية ممكن ؟
إنتظر لثوان ففتحت له الباب وفسحت له المجال قائلة :
- اتفضل .
إبتسم لها ثم أغلق الباب خلفه وإتجه للجلوس على كرسي مكتبها، ثم أشار لها بالجلوس على سريرها قائلا :
- اقعدي .
جلست حيث أشار لها ونظرت إليه منتظرة بداية حديثه فأردف :
- انتِ هتبقي قافلة على نفسك كده كتير ؟
أخفضت ملاك رأسها ولم تجب، ولاحظ سامي ملامح الضيق التي حاولت إخفاءها لكنه إسترسل :
- أنا كنت ساكت على حالتك دي لاني متفهم الي مريتِ بيه، ومسألتكيش عن آخر عريس رفضتيه مع انه كان كويس بس خلاص يا ملاك أنا مش هسيبك في الحالة دي طول عمرك .. لازم تشيلي فكرة انك السبب في موت باباكِ ومامتك .
رفعت ملاك رأسها هاتفة :
- بس ...
قاطعها سامي سريعا :
- انتِ لازم تفوقي على نفسك يا ملاك، وأنا مش هفضل ارفض العرسان الي بيجولك كتير، أنا عايز اتطمن عليكِ .
- أنا مش عايزة اتجوز دلوقتي يا عمي، أنا أصلا لسه صغيرة ...
قالتها بإعتراض فقاطعها للمرة الثانية :
- ولا صغيرة ولا حاجة، أنا عايز مصلحتك يا بنتي وجوازك هو الحل ..
كادت ملاك تتحدث لكنه قاطعها مرة ثالثة قائلا بمرح مغيرا مجرى الحديث :
- وبعدين انتِ بتعملي ايه هنا ؟ والا عاملة فيها مكتئبة عشان تتهربي من شغل المطبخ ؟ روحي ساعدي مراتي يلا !
إبتسمت ملاك لمرحه وتمتمت بإبتسامة بسيطة :
- حاضر .
...
إتجهت إلى غرفة شقيقها لتجد يامن يجلس معه كعادته فإبتسمت وإقتربت منه ثم قالت مخاطبة إياه :
- أنا عايزة مقابل لاني اقنعت دينا انها توافق عليك !
رفع يامن أحد حاجبيه وتساءل ببسمة :
- عايزة ايه طيب ؟
ترددت قليلا في سؤالها لكنها حسمت أمرها وأجابت :
- عايزة اعرف مامتك انتحرت ليه ؟
إختفت إبتسامة يامن وتمتم بضيق :
- بتفكريني ليه دلوقتي ؟ أنا كل ما افتكرها احس بالذنب .
رفعت بدور حاجبيها بإستغراب خاصة وهي تستمع إلى آدم الذي تدخل قائلا :
- هو ربنا يرحمها وكل حاجة بس بصراحة تستاهل .
ضربه يامن على ذراعه وهتف بلوم :
- ازاي جالك قلب تقول كده واحنا السبب في انتحارها !
إتسعت عيناها بصدمة مرددة :
- انتو السبب ازاي ؟
تنهد يامن بضيق ثم أجاب :
- أولا الي انتحرت دي مش ماما، دي مرات بابا التانية .
- هو عمو أحمد اتجوز مرتين ؟
تساءلت بدور بإستغراب فأومأ آدم وهتف بضحكة :
- أصل كلهم اتجوزوا مرتين مفيش غير عمو محمد هو الي فضل مخلص لطنط يمنى .
- حتى جدو ؟
قهقه آدم بشدة وإبتسم يامن بسخرية وهو يجيب :
- ده اتجوز اتنين في نفس الوقت لانه كان عايز يخلف عيال كتير بس ربنا مرادش يخلف منهم الاتنين والتانية طلعت مبتخلفش ..
فتحت بدور فمها بصدمة ثم ضحكت قائلة :
- عشان تعرفوا ان الي بيتجوز اكتر من مرة في الاخر بيفضل لوحده !
- أنا أصلا مستحيل اتجوز واحدة تانية غير دينا .
- وأنا مش هتجوز !
- وأنا كتب كتابي بعد أسبوع .
شعرت بدور بالإحراج سريعا عندما قالت ذلك بلهفة فحاولت تغيير الموضوع مخاطبة يامن :
- بس مقلتليش، مرات عمو أحمد انتحرت بسببكم ازاي ؟
- بعد موت ماما الله يرحمها مرات بابا التانية حاولت تلف عليه واقنعته انه يتجوزها ومش عارف هو دماغه حصله ايه ساعتها ووافق، بس احنا حاولنا نطفشها ومش عارف برضه حصل لدماغنا ايه وسمعنا الخطط بتاع آدم والي كانت السبب في انتحارها .
- ليه عملتوا ايه ؟
أجابها آدم وهو يتمدد على فراشه بلا مبالاة :
- عادي يعني عيشناها في فيلم رعب وفضلنا نبعتلها رسايل تهديد وكده .. وهي أصلا كانت مريضة نفسيا واحنا مش عارفين فراحت انتحرت .
إبتلعت بدور ريقها محاولة تكذيب ما سمعته لكن كلام يامن الذي كان يحاول تبرئة نفسه أكد لها ذلك :
- بس أنا مليش دعوة، أدهم وآدم وعدي وياسر هما الي عملوا كده .
رمقه آدم بأعين ضيقة وتحدث ساخرا :
- ليه ناسي لما دخلت لاوضتها وكتبت بالروج على المراية كلمة "موت" ومعاها وش بيضحك ؟
طالعتهما بدور بصدمة ثم إبتلعت ريقها ثانية وتمتمت وهي تتجه إلى الخارج :
- ايه العيلة دي يا ربي، أنا هرجع أخاف منكم تاني بجد .
- احنا بنهزر على فكرة، ومعملناش حاجة من دي، احنا حاولنا نطفشها فعلا بس مش بالطريقة دي .
قالها آدم سريعا فوقفت بدور وإستدارت إليه ليكمل :
- بس بجد هي كانت مريضة نفسيا ومحدش كان عارف لحد ما انتحرت .
أومأت بدور بتفهم ثم كادت تواصل طريقها إلى الخارج لولا أن يامن هو من أوقفها هذه المرة :
- دقيقة !
وقفت للمرة الثانية وإلتفتت إليه فأردف :
- انتِ رايحة معانا عند دينا بكرة ؟
أومأت بدور إيجابا قائلة :
- طبعا .
- طب .. قوليلها اني بحبها اوي ..
...
في اليوم التالي، كان عبد الرحمن يجلس مقابل عامر ورشاد وبجانبه أحمد وأبناءه الثلاثة يتحدثون في الأمور المعتادة، بينما كانت بدور تجلس مع هناء َودينا في غرفة الأخيرة والتي كانت ترتدي فستانا بسيطا وتضع على وجهها القليل من مساحيق التجميل.
كانت بدور تحدثها عن يامن بحماس عندما شعرت بملل دينا المعبر عن برودة مشاعرها تجاهه فقلّ حماسها وكادت تلتزم الصمت لولا تذكرها لما طلبه منها في الأمس .. إبتسمت بمكر ثم هتفت فجأة :
-دينا انتِ عارفة يامن قالي ايه امبارح ؟
تساءلت دينا بلا مبالاة :
- ايه ؟
- طلب مني اقولك انه بيحبك اوي !
قالتها بدور بهمس وبنبرة جعلت وجنتي دينا تحمرّان خجلا لما ألقت به بدور على مسامعها بصراحة، بينما أردفت الأخيرة بمحاولة منها لتحريك مشاعر دينا ناحيته ولو قليلا :
- وأنا أصلا شايفة حبه ليكِ في عينيه، خاصة لما تلمع أول ما إسمك يتقال قدامه .. ومش هقولك على حالته لما عرف انك وافقتِ يجي يتقدم، ده كان شوية وهيطير من الفرحة .. بجد يا دينا يامن متيّم بيكِ مش بس بيحبك !
إبتسمت بعد إنتهاء كلامها وهي ترى تأثيره عليها والذي شعرت بالرضا نحوه وكادت تسترسل لولا دخول عُلا وإستعجالها لدينا حتى تأخذ المشروبات إلى الضيوف .
بعد دقائق، كانت تدخل غرفة الجلوس وهي تحمل صينية المشروبات بيدين ترتعشان قليلا، ثم بدأت بتوزيعها على الضيوف محاولة ألا ترفع أعينها على أحد فيهم حتى لا تقع على يامن .. لكنها عندما وقفت أمامه ولم يمد يده ليأخذ الكأس رفعت عينيها تلقائيا لتلتقي بخاصته والتي كانت تحمل لمعة العشق الذي يكنه نحوها منذ زمن .
إبتلعت ريقها بتوتر وأخفضت رأسها عندما إبتسم لها ثم أخذ كأسه أخيرا لتجلس هي بجوار جدها محاولة التركيز في الحوار الذي يدور حولهما وتجاهل دقات قلبها الَمتسارعة .. والتي تسارعت أكثر عندما سمعت والده يقول :
- طب نسيبهم مع بعض شوية ؟
إستدار عامر إليها ينتظر رأيها فأومأت موافقة ليخرج الجميع تاركين إياهما بمفردهما .. وقبل أن تسمح له بالحديث، كانت دينا تهتف سريعا :
- أنا عايزة اعرف انت تعرفني منين ؟
رواية اسرار عائلتي الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم اروى مراد
رواية اسرار عائلتي الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم اروى مراد
وقفت أمام المرآة تنظر إلى هيئتها بعد ارتداء ملابسها البسيطة والمحتشمة استعدادًا لمقابلة ذلك العريس الذي أجبرها عمها على مقابلته.
دخلت زوجة عمها في تلك اللحظة وانتبهت إلى التذمر البادي على وجهها، لكنها تجاهلت ذلك قائلة:
"أخت العريس عايزة تتكلم معاكِ شوية، أقولها تدخل؟"
طالعتها ملاك باستغراب ثم أومأت برأسها بعد برهة من التفكير. فخرجت بسمة من الغرفة وانتظرت ملاك لثوانٍ حتى تفاجأت بـ بدور تطل عليها ببسمة صغيرة وهي تهتف:
"عروسة أخويا جاهزة؟"
دققت ملاك النظر إليها وهي تشعر بأنها رأتها من قبل وحاولت تذكرها، لكن بدور اختصرت عليها عناء التفكير وأردفت معرفة بنفسها:
"أنا بدور، أخت الدكتور أمجد. وانتِ شوفتيني معاه مرة فاكرة؟"
أومأت ملاك فور تذكرها لها متسائلة بغباء:
"أها افتكرت. بس انتِ بتعملي إيه هنا؟"
ابتسمت بدور وهي تدخل الغرفة وهتفت بمرح وكأنها تحادث طفلة:
"أنا لسه قايلالك عروسة أخويا يبقى أنا مين؟"
"- أخت العريس!"
قالتها ملاك بعفوية فأردفت بدور بذات المرح:
"وبما إني أخت الدكتور أمجد يبقى مين العريس؟"
"- واحد من أخوات الدكتور أمجد!"
طالعتها بدور بصدمة فاسترسلت ملاك بتبرير:
"مانا مش هصدق يعني إن الدكتور أمجد هو العريس."
ضحكت بدور وهي ترى ملاك تنظر إليها بعدم استيعاب وقالت:
"بس هو العريس فعلاً!"
سكتت ملاك قليلاً ثم تمتمت بهدوء:
"هو ولا مش هو ميهمنيش، أنا مش عايزة أتجوز أصلاً."
تساءلت بدور باستغراب:
"ليه؟"
التزمت ملاك الصمت رافضة الإجابة على سؤال بدور، فتنهدت هذه الأخيرة ثم هتفت:
"أنا عارفة إنك مش بتحبي تعملي صحاب ومش هطلب منك تقوليلي السبب، بس أنا عايزاكِ تدي أخويا فرصة إنه يسمعك."
"- انتِ مش فاهمة حاجة يا بدور، أنا مش عايزة أدخل في علاقة مع أي حد مش بس أعمل صحاب، أنا آسفة."
وقفت ملاك عند انتهاء كلامها وهي تتجه خارج الغرفة عندما استمعت إلى نداء زوجة عمها لها. فسارت بدور خلفها بعد أن تنهدت باستسلام وقررت ترك الباقي لأمجد لمحاولة إقناعها.
كانت تجلس أمامه بصمت كما كانت منذ دخولها وتقديمها للمشروبات، تستمع إلى الحديث الذي كان يدور بين عمها والضيوف بعدم اهتمام، فهي تنوي الرفض منذ البداية. وبقيت على ذلك الوضع حتى بعد خروجهم وتركها رفقة أمجد لوحدهما.
لكن هذا الأخير قطع هذا الصمت وتنحنح قائلاً:
"عاملة إيه يا ملاك؟"
أجابت ملاك بهدوء:
"الحمد لله يا دكتور."
"- دكتور إيه، خلاص ده كان زمان. أنا دلوقتي أمجد بس!"
قالها أمجد محاولاً خلق بعض المرح في حديثهم، لكنه وجدها تتجاهل كلامه مردفة:
"أنا آسفة يا دكتور بس أنا مش عايزة أتـ ـجوز دلوقتي، وعمي هو اللي أجبرني أقابلك."
تفاجأت به يحافظ على مرحه قائلاً:
"كملي طيب.. بعدها هتقوليلي إنك لما عرفتي إن العريس هو أنا قررتِ توافقي."
قال الأخيرة بغرور مصطنع، فرفعت ملاك حاجبيها باستنكار. بينما تغيرت تعابير أمجد إلى الجدية فجأة وأردف بتساؤل:
"صليتِ استخارة؟"
طالعته باستغراب ثم نفت برأسها، فقال:
"طب هسمع ردك لما تصليها بقى."
كاد ينادي والده وجده بعد إلقائه لتلك الكلمات، لكنه وجدها تهتف سريعاً:
"انت هتتعب معايا أوي يا دكتور صدقني!"
نظر إليها أمجد باستغراب، فاسترسلت ملاك حديثها قائلة:
"أنا عندي عقد نفسية معرفتش أشيلها وهتعبك معايا أوي.. كفاية إني السبب في مـ ـوت ماما وبابا."
قالت جملتها الأخيرة بصوت منخفض لم يصل إلى أمجد، ثم رفعت بصرها إليه فوجدته ينظر إليها بملامح عادية ثم يقول بهدوء:
"وأنا مستعد أبقى الدكتور النفسي بتاعك وأسمعك وأحاول أشيل معاكِ العقد دي."
وقبل أن يسمح لها بالرد أو الاعتراض كان يسترسل بنفس النبرة:
"صلي استخارة يا ملاك، ولو مرتحتيش ساعتها يبقى من حقك ترفضي."
بعد عودتهم إلى القصر، جلس أمجد مع بقية أفراد العائلة بجسده بينما كان عقله شارداً في حديث ملاك، يفكر فيما يمكن أن يكون قد حدث لها ليترك في نفسها عقدة تمنعها من الدخول في أي علاقة كانت، سواء علاقة صداقة أو زواج.
أطلق من بين شفتيه تنهيدة طويلة ثم تابع الحديث الذي يدور حوله، والتي فتحته براءة موجهة حديثها إلى والدها:
"عمو رسلان اتـ ـجوز خلاص وعمو أمجد كمان هيتـ ـجوز، وانت وعمو آدم هتتـ ـجوزوا امتى؟"
نظر إليها أدهم بحاجب مرفوع، وعلق آدم على حديثها ساخراً:
"انتِ هتاخدي دور جدو في الموضوع ده ولا إيه؟"
أجابته براءة بعفوية:
"لا بس بابا وعدني إنه هيتـ ـجوز سرين وأنا اتحمست شوية."
رفع أدهم كلتا حاجبيه بصدمة ثم صاح مكذباً إياها:
"أنا وعدتك؟ الكلام ده حصل امتى؟"
رفعت براءة كتفيها قائلة:
"لما قولتلك صالحها واتـ ـجوزها عشاني ساعتها قولتلي إنك هتفكر في الموضوع ده بعدين.. وبعدها معاملتك اتحسنت معاها لما اشتريتلها الفستان اللي عجبها وعرفت إنك وافقت."
"- أولاً أنا كان قصدي إني هفكر في موضوع الجواز والبنت اللي هتجوزها، مكنتش قاصد سرين.. وبعدين تعالي هنا انتِ عرفتي منين إني اشتريتلها الفستان؟"
وقبل أن تجيبه براءة، كانت بدور تتدخل في الحوار متسائلة بدهشة:
"انت بجد عايز تتـ ـجوز سرين يا أدهم؟"
نفى أدهم برأسه سريعاً مردداً:
"محصلش والله، انتِ هتصدقيها؟"
"- وهي هتكدب ليه في موضوع زي ده؟"
"- هي مكدبتش، هي بس فهمت الموضوع غلط."
تمتم أدهم بتذمر وهو يرى الشك في عيني بدور، لكنه تفاجأ بأحد يضرب كتفه بخفة قائلاً:
"انت مكسوف كده ليه يابني، قول بس إنك عايزها وأنا أخطبهالك بكرة لو عايز."
استدار أدهم إلى والده الذي كان يحدثه بابتسامة جادة وحاول الاعتراض، لكن براءة قاطعته وهي تصرخ بحماس:
"أيوه يا جدو خلينا نروح بكرة!"
حاول أدهم الاعتراض للمرة الثانية، لكن بدور هي من قاطعته هذه المرة مخاطبة إياه:
"نصيحة مني يا أدهم متفكرش، لأنها مش هتوافق."
"- ومتوافقش ليه إن شاء الله، أنا مفيش حد يرفضني!"
صاح أدهم باستنكار وغرور، فقلبت بدور عينيها وأجابت:
"باختصار كده لأنك مش نوعها المفضل."
لم ينل حديثها إعجاب أدهم عندما فهم بأنها تقصد أن هناك من هو أفضل منه في نظر سرين، فتحدث بعناد:
"طب إيه رأيك بقى إني هتقدملها وهتوافق!"
رفعت بدور حاجبيها بدهشة ثم ابتسمت قائلة:
"هنشوف."
في صباح اليوم التالي، استيقظت بدور بكسل بسبب سهرها طوال الليل وهي تشاهد صور عقد قرانها مع رسلان، كما أصبحت تفعل كل ليلة. أخذت حماماً سريعاً وارتدت ملابسها ثم نزلت إلى الدور الأرضي بحماس، فاليوم هو الجمعة وهي تُمني نفسها بأن تقضي معه ولو بعض الوقت على انفراد.
لكن حماسها تلاشى سريعاً وهي تدخل قاعة الجلوس لتجد جميع الخادمات بالقصر يقفن أمام عبد الرحمن جنباً إلى جنب كفتيات صغيرات ينتظرن سماع العقاب الذي سيلقيه عليهنّ والدهنّ.
اقتربت بدور من أمجد والذي كان يجلس ويراقب الوضع في صمت كما يفعل الجميع وسألته بهمس:
"هو في إيه؟"
وضع أمجد سبابته أمام شفتيه ثم أشار بعينه إلى ما يحدث مشيراً إليها بأن تشاهد في صمت.
رفعت بدور حاجبيها باستغراب وعادت تنظر إلى جدها، ثم انتبهت إلى ليلى التي كانت واقفة بجانبه بملامح غاضبة ثم صاحت:
"أنا متأكدة إن اللي سرقت الخاتم بتاعي هي واحدة فيهم، ماهو أكيد مش هيسرقه حد من العيلة وهما عندهم فلوس يشتروا ألف منه!"
نظرت إليها بدور بدهشة وتمتمت بعدم فهم:
"خاتم إيه اللي اتسرق؟"
أجابها أمجد باختصار:
"ليلى بتقول إن خاتمها اتسرق ومفيش أي حد يقدر يسرقه غير واحدة فيهم."
أعادت بدور بصرها إلى ليلى بشك وتابعت الحوار الذي يدور بينهم والذي استأنفه عبد الرحمن مخاطباً ليلى:
"انتِ متأكدة إن في حد سرقه يا بنتي؟ ممكن تكوني ضيعتيه لأني واثق في الستات اللي بشغلهم هنا ومتأكد إن مفيش واحدة منهم ممكن تسرق."
عقدت ليلى ذراعيها أمام صدرها وهتفت بإنفعال:
"يعني انت بتكدبني يا خالو؟ أنا متأكدة إني سبته على الترابيزة اللي في المطبخ وبعدها خرجت شوية ولما رجعت ملقيتوش!"
تنهد عبد الرحمن وهو ينقل بصره بين الخادمات ثم عاد به إلى ليلى وقال:
"طب انتِ عايزة إيه دلوقتي؟"
أجابت دون تردد:
"عايزة أدور عليه في الأوضة بتاعتهم، ولو لقيته عند واحدة فيهم يبقى هي اللي سرقته."
فكر عبد الرحمن قليلاً وهو يرمق ليلى بشك، لكنه أومأ أخيراً بموافقة، فارسمت على ثغرها ابتسامة انتصار. انمحت فوراً عندما وقفت بدور سريعاً قائلة:
"هروح معاكِ."
تأففت ليلى وهي ترمقها بضيق ثم رفعت كتفيها متظاهرة باللامبالاة وأجابت:
"تعالي."
اتجهت كلتاهما إلى الغرفة التي تنام بها الخادمات في القصر عادة. وقفت بدور تراقب ليلى وهي تفتش بين حاجاتهنّ حتى وصلت إلى تلك الوسادة الموضوعة على السرير الخاص بكريمة وحملتها ليظهر خاتمها تحته.
ابتسمت بانتصار وهي ترفع الخاتم أمام أعين بدور والتي هتفت بعدم تصديق:
"كريمة؟ لا أنا عارفاها كويس، هي مستحيل تسرق!"
رفعت ليلى كتفيها قائلة ببرود:
"بس أنا لقيته عندها وده قدامك برضه يعني مفيش تفسير تاني إلا إنها هي اللي سرقته."
رمقتها بدور بشك وهي تسير عائدة حيث الجميع لتخبرهم بإيجادها لخاتمها عند كريمة، لكنها لحقت بها بهدوء ووقفت تنظر إليهم من بعيد لتعرف ما ستؤول إليه الأمور.
"- كلامي طلع صح يا خالو واللّي سرق الخاتم بتاعي هي واحدة فيهم، وأنا لقيته عند الخدامة دي."
هتفت ليلى عند وصولها إليهم وهي تشير في نهاية كلامها إلى كريمة، والتي جحظت عيناها وحاولت الحديث للدفاع عن نفسها لكن عبد الرحمن منعها عن ذلك بعينيه. وقبل أن ينطق هو بحرف واحد تفاجأ الجميع بآخر شخص توقعوا تدخله وهو يقف مدافعاً عنها:
"بلاش كدب يا آنسة، كريمة هي آخر حد ممكن يفكر يسرق حاجة في القصر ده!"
استدار عبد الرحمن إلى ياسر بدهشة كما فعل الجميع، لكنه سرعان ما ابتسم بفخر قبل أن يمحو ابتسامته تلك ويعود ببصره إلى ليلى قائلاً:
"أنا برضه واثق في كريمة وإنها استحالة تعمل كده، ممكن يكون الخاتم وصلها بالغلط أو أي حد فكرة بتاعها وحطه هناك.. بس المهم إنك لقيتِ الخاتم بتاعك وخلاص."
ظهرت ملامح الاعتراض على وجه ليلى وكأنه لم يعجبها عدم توبيخه لكريمة وتمتمت:
"بس..."
قاطعها عبد الرحمن سريعاً قائلاً بخبث:
"لو عايزاني أعاقب اللي عمل كده هشوف التسجيلات اللي في كاميرات القصر الأول عشان أعرف هو مين، لأني زي ما قولتلك واثق إن كريمة متسرقش!"
ابتلعت ليلى ريقها وهي تطالعه بدهشة وتساءلت:
"هـ.. هو فيه كاميرات في القصر؟"
أومأ عبد الرحمن بهدوء تحت استغراب الجميع، لكنهم سرعان ما فهموا سبب كذبه عليها والذي ظهر من توترها عند ظنها بوجود الكاميرات، ثم هتفت سريعاً:
"خلاص بلاش تشوف المهم إن الخاتم رجع، أنا أصلاً مش عايزة أعمل مشاكل مع حد هنا وأنا رايحة النهاردة."
قالت ذلك ثم جالت ببصرها حول الجميع الذي كان يرمقها بنظرات غريبة قبل أن تعود إلى غرفة الضيوف التي كانت تقبع بها طوال مدة إقامتها هنا.
ومن الجهة الأخرى، اعتذر عبد الرحمن من الخادمات وسمح لهنّ بالعودة إلى عملهنّ، بينما وقف ياسر من مكانه وتبع كريمة حتى وصلت إلى المطبخ فأوقفها متمتماً بإحراج:
"لو سمحتِ؟"
استدارت كريمة إلى صاحب الصوت باستغراب ثم ابتسمت سريعاً عند استيعابها لوجوده وتحدثه إليها بتلك الطريقة، فتحدثت بامتنان سابقة إياه في الكلام:
"ياسر بيه، شكراً لأنك دافعت عني قبل شوية."
حكّ ياسر عنقه بحرج وقال:
"على إيه ده واجبي."
سكت قليلاً بعد ذلك ثم نظر إليها بجدية وأردف:
"أنا كنت عايز أعتذر منك على اللي كنت بعمله معاكِ، وعن كل كلمة وحشة قولتها في حقك، أنا آسف بجد!"
طالعته كريمة بدهشة لثوانٍ ثم سرعان ما ابتسمت بهدوء متمتمة:
"حصل خير."
بعد تناول الغداء، كانت بثينة قد جاءت بعد عودتها من السفر وأخذت ابنتها بكل هدوء، وهذا ما جعل ساكني القصر يتنفسون الصعداء بعد مغادرتها أخيراً.
جلس أكرم في غرفته لوحده مفكراً في أخذ قسط من الراحة، لكنه أمسك تلك الصورة التي تجمعه بـ ليليا وبدور قبل أن يستلقي على فراشه وهو يتأملها في شرود.
عاد بذاكرته إلى اليوم الذي عُقد فيه قران رسلان وبدور، عندما ظهر فادي أمامهم ليلاً وأخبرهم بأنه جاء ليقصّ عليهم الحقيقة كاملة.
رمقه أكرم بشكّ لثوانٍ ثم قال بتنهيدة:
"اتفضل، خلينا نتكلم جوا."
أومأ فادي برأسه ودخل خلف أكرم وخلفه رسلان وبدور، ثم اتجه أربعتهم إلى غرفة المكتب الفارغة. أغلقت بدور الباب بعد دخولها واستندت عليه وهي تنظر إلى والدها الذي جلس خلف المكتب وفادي ورسلان يجلسان أمامه.
حدقت بخالها بترقب بينما هو بدأ حديثه قائلاً:
"أنا عارف إنكم قابلتوا شادية وعرفتوا إني خليتها تاخد دور ليليا وتعمل اللي أنا عايزه.. إحساسك كان إيه لما عرفت إنك كنت ظالـم ليليا يا أكرم؟"
قال الأخيرة وهو يرمق أكرم بتهكم، لكن الأخير كتم غضبه منه وتمتم ببرود ظاهري:
"اتكلم في المهم يا فادي."
أومأ فادي برأسه ثم تحولت تعابير وجهه إلى الجدية مردفاً:
"ماما وبابا ماتـ ـوا من وأنا في ثانوي وأختي الكبيرة فريدة هي اللي كانت واخدة بالها مننا وأقرب حد ليا ساعتها كانت ليليا.. كنت بحكيلها كل حاجة تقريباً وحكيتلها حتى عنك وإنك إزاي أخدت مني صحابي كلهم في لحظة، بس هي جت ضدي لأول مرة وقالتلي إنك أكيد مقصدتش وده خلاني أحقـ ـد عليك أكتر لما حسيت إن أقرب حد ليا واقف في صفك برضه."
شعرت بدور بالغضب وهي تذكر معاملته لوالدتها والتي لا تدل أبداً على أنه كان قريباً منها في يوم ما، وكادت تتدخل لولا أنه سبقها مسترسلاً ومخاطباً أكرم في بداية كلامه:
"لما جيت وطلبت مني إننا نبقى صحاب قلتلها برضه وقلتلها إني هوافق لأن صحابي كده ممكن يرجعولي بس اتفاجأت إنها وقفت ضدي المرة دي برضه وقالتلي إن تفكيري غلط، ومع كل موقف يحصل بيننا وأحكيهولها كانت دايماً بتغلطني لحد ما اتعصبت عليها جامد في يوم واتخانقنا ومن ساعتها مبقيناش صحاب زي الأول، ودي تاني حاجة خلتني أحقـ ـد عليك أكتر بسببها."
كان الثلاثة يستمعون إليه بتركيز، فهذا الكلام يسمعونه لأول مرة وكان فادي يبدو صادقاً وهو يلقيه على مسامعهم ولذلك لم يشك أحد في مدى صدق ما يقول. بينما فكر أكرم في سبب إخفاء ليليا لطبيعة علاقتها بشقيقها، لكنه استنتج أخيراً بأنها لم ترد أن تشعره بالذنب لكونه سبباً في تخريب علاقتهما حتى لو كان غير مباشر.
أخرجه من تفكيره صوت فادي الذي أكمل:
"كل اللي حصل بعد كده انتوا عارفينـ ـه، من لما حبيت سوسن واتـ ـجوزتها انت، وبعدها الشيطان وزني وخلاني أعمل اللي عملته، بس حتى بعد ما اتـ ـجوزت مقدرتش أطفي نار الانتقام جوايا وبعتلك ليليا بس هي خانـ ـتني واتـ ـجوزتك وانت عملتلها بودي جارد فمعرفتش أوصلها."
أخذ نفساً عميقاً بينما كانت وجوه الثلاثة جامدة، ولم يدهش أحدهم بما قاله فكل هذا يعرفونه مسبقاً. أكمل فادي بعد ثوانٍ وقد سلّط بصره إلى الأرض:
"فضلت أحاول آخدها بس كنت دايماً بلاقي البودي جارد بتاعك في وشي، لحد ما قابلت شادية صدفة واتفاجأت إنها شبه ليليا أوي وفكرت أستغل الشبه ده، عرضت عليها المبلغ اللي كنت محوشه عشان أفتح بيه مشروع مقابل إنها تساعدني وهي وافقت.. ولما لقيت الكل سافر وفضلت انت وهي وبدور بس استنيت لحد ما رحت انت للشغل وخليت شادية تدخل القصر ولما شافها حد من البودي جارد افتكر إنها ليليا وهي أخدت دورها برضه وقالتلهم إنها محتاجة تخرج وهما خرجوا معاها على أساس إنها ليليا، ولما مبقاش في حد في القصر غير ليليا وبدور دخلت وجبتها معايا غصب عنها هي وبنتها، وشادية رجعت للقصر مع البودي جارد وعرفت تهرب منهم من غير ما ياخدوا بالهم.. والباقي انتوا عرفتوه من شادية."
رفع رأسه في نهاية حديثه وهو يرى الدهشة تعتلي ملامح كل منهم، ثم لاحظ الغضب الذي بدأ يرتسم على وجه أكرم فتحدث سريعاً:
"بس ربنا أخد حقكم مني متقلقوش."
"- إزاي؟"
تساءل أكرم باستغراب فأجابه فادي مبتسماً بانكسار:
"خسرت ابني الوحيد وربنا حرمني من الخلفة تاني، والست اللي خانـ ـتك معايا، طلعت بتخـ ـوني مع واحد تاني."
صُدم ثلاثتهم من حديثه الذي صرّح به خـ ـيانة سوسن، بينما أردف فادي بندم:
"ربنا مش بيسيب حق حد يضيع، ده اللي اكتشفته متأخر."
شعر أكرم بالشفقة ناحيته رغم كل شيء، لكن بدور ورسلان بقيا جامدين ولم يتأثرا بكلامه، حتى قال فادي بعد إطلاقه لتنهيدة طويلة:
"عارف إن ده صعب بس أنا عايزك تسامحني على كل حاجة عملتها معاك يا أكرم، وانتوا كمان سامحوني!"
قال الأخيرة مخاطباً كلا من بدور ورسلان، لكن أكرم التزم الصمت ولم يجب، وأشاحت بدور بوجهها دون أن ترد هي الأخرى، بينما تحدث رسلان بجمود:
"أنا آسف بس ده صعب أوي، مش هعرف أنسى إنك السبب في بعدي عن الست اللي كنت بحبها ومعتبرها كل حاجة في حياتي.. وحتى لو سامحتك في يوم، مش هعرف أعتبرك والدي خالص."
أفاق أكرم من ذكرى ذلك اليوم وتنهد تنهيدة طويلة. نظر إلى الصورة وبالتحديد إلى وجه ليليا بحنين، ولم ينتبه إلى الدمعة المتمردة التي انسابت رغماً عنه على خده.
قبّل الصورة بحب وتمتم وكأنه يحدث ليليا:
"آسف لإني ظلـمتك طول السنين دي يا حبيبتي، مع إني عارف إنك مسامحاني لأن قلبك طيب، بس عايزك تعرفي إن رغم كل حاجة أنا لسه بحبك، وهفضل أحبك لحد ما نتقابل في الجنة بإذن الله."
في المساء وفي الفيلا الخاصة بجد دينا وهناء، كانت دينا تجلس رفقتها وتحاول إقناعها بالموافقة على العريس الذي سيأتي بعد قليل، لكن هناء كانت رافضة للموضوع تماماً، حتى أنها لم تجهز نفسها لاستقباله بعد.
تنهدت دينا بتعب وقالت في محاولة أخيرة:
"طب بصي انتِ وافقي دلوقتي على الخطوبة ووعد مني إني مش هسيبكم تكتبوا الكتاب قبل ما الذاكرة ترجعلك."
"- وانتِ هتعملي إيه يعني؟"
تساءلت هناء ببعض الأمل، فابتسمت دينا مطمئنة إياها وأجابت بثقة:
"أنا همنع خالو وخلاص، المهم انتِ دلوقتي لازم تجهزي نفسك عشان عريس الغفلة قرب يجي."
أومأت هناء أخيراً واتجهت لتأخذ الملابس التي جهزتها لها دينا ثم دخلت الحمام، بينما خرجت دينا من غرفتها وهمّت بالذهاب إلى المطبخ حيث والدتها، لكنها عادت إلى غرفة هناء سريعاً عندما استمعت إلى جرس الباب.
أسرعت نحو الشرفة التي كانت تطل على الباب الخارجي وأطلت برأسها بفضول لرؤية شكل العريس. انتبهت إلى سيدة تبدو صغيرة في السن قليلاً ثم حاولت التمعن في شكل العريس والذي عرفته فور رؤيته واتسعت عيناها إثر ذلك بصدمة.
خرجت هناء في تلك اللحظة بعد أن غيرت ثيابها وانتبهت إلى وجود دينا بشرفتها فتساءلت بصوت عالٍ:
"بتعملي إيه يا دينا؟ هو العريس جه؟"
همست دينا دون أن تلتفت إليها بصوت لم يصل إلى هناء:
"العريس.. هو نفسه سليم.. الولد اللي كنت بحبه!"
رواية اسرار عائلتي الفصل الثلاثون 30 - بقلم اروى مراد
أسرعت بدور نحو الجزء الجانبي من الحديقة عندما أخبرتها إحدى الخادمات بقدوم دينا وإنتظارها لها هناك.
إقتربت منها عند وصولها وكادت تسألها عن سبب قدومها بهذه الطريقة، لكنها تفاجأت ببكائها الذي يحدث أمامها لأول مرة.
"إيه يا دينا؟ انتِ بتعيطي ليه؟" تساءلت بدور بقلق وهي تجلس بجانبها وتضع كفًّا على كتفها والأخرى على ذراعها بتلقائية لتهدئها.
مسحت دينا دموعها وهي تقول: "مش عارفة، ممكن من الصدمة!"
تساءلت بدور بعدم فهم: "صدمة إيه؟ إيه الي حصل؟"
"هناء كان متقدملها عريس، والعريس ده طلع نفس الولد الي كنت بحبه في ثانوي."
طالعتها بدور بدهشة ولم تدري بماذا عليها أن تجيب، لكنها سرعان ما تذكرت أمرًا ما فهتفت باستغراب: "هو مش هناء فقدت ذاكرتها مؤقتًا؟ يعني المفروض إنها متاخدش قرارات مصيرية في حياتها زي الجواز إلا بعد ما تفتكر كل حاجة!"
ابتسمت دينا بتهكم وتمتمت: "صحيح، بس أنا الي أقنعتها أصلًا، وكده كده خالي كان هيغصبها على الجوازة دي."
"ليه؟"
نظرت إليها دينا بحزن ثم قالت بتنهيدة: "لأنها اتعرضت للإغتصاب، واعتقد إن ده السبب الي خلاها تفقد الذاكرة."
صُعقت بدور مما سمعته وتمتمت بصدمة: "إزاي؟"
"مش عارفة، كل الي أنا عارفاه إن الي عمل كده واحد اسمه وائل، وتقريبًا هناء كانت عايزة تنتقم منه لأنه السبب في موت مامتها. هو ده الي سمعته من خالي."
حدقت بدور بدينا بعدم استيعاب لثوانٍ ثم تساءلت: "طب وخالك مبلغش عنه ليه؟"
رفعت دينا كتفيها بجهل متمتمة: "مش عارفة هو بيفكر في إيه، بس أعتقد إن الولد ده هيخاف يظهر تاني والأهم دلوقتي هو مستقبل هناء. وكانت في ست عارفة الي حصلها وعرضت على خالي إنها تجوزها ابنها والي طلع في الآخر سليم، الولد الي كنت بكلمك عنه، وخالي طبعًا وافق."
تمعنت بدور النظر في تعابير وجه دينا وسألتها بنظرة شك: "وانتِ متضايقة لانها هتتجوز سليم يعني والا إيه؟"
نفت دينا برأسها سريعًا وأجابت: "لا خلاص، سليم ده كان مجرد حب مراهقة، أنا دلوقتي مخطوبة."
اطمأنت بدور قليلًا بينما تابعت دينا حديثها قائلة: "أنا بس اتصدمت شوية، بس هبقى مرتاحة لأن هناء هتبقى مع سليم لأنه شخص كويس."
أومأت بدور برأسها ثم شردت قليلًا في موضوع هناء قبل أن تفيق على صوت دينا التي وقفت من مكانها قائلة: "أنا آسفة لو عطلتك عن حاجة، أنا هروح دلوقتي."
وقفت بدور هي الأخرى وقالت سريعًا: "لا معطلتنيش ولا حاجة، ده أنا كنت هقولك تعالي ندخل جوا."
"لا شكرًا، بس مينفعش أسيب هناء لوحدها دلوقتي."
قالت ذلك ثم عانقت بدور مودعة إياها قبل أن تتجه إلى خارج القصر لتعود إلى منزلها، ولم تنتبه إلى ذلك الذي كان واقفًا في مكان غير بعيد وقد كسا الغضب ملامح وجهه بسبب كلام دينا الذي سمعه قبل قليل.
***
استلقت على ذلك الفراش الكبير استعدادًا للنوم، لكنها بقيت مستيقظة تطالع سقف الغرفة بحماس منتظرة قدوم والدها للحديث معه.
ابتسمت باتساع عندما انتبهت إلى الباب الذي فُتح بواسطة أدهم والذي اقترب منها بعد إغلاقه ثم استلقى بجانبها قائلاً: "انتِ لسه صاحية؟"
أومأت براءة برأسها وأجابت: "أيوه، كنت عايزة اتكلم معاك لوحدنا."
طالعها بطرف عينه وتساءل باستغراب: "تتكلمي معايا في إيه؟"
أجابت براءة وهي تعتدل في جلستها بحماس: "عن سرين، انت هتتجوزها امتى؟"
رمقها أدهم بغيظ ثم قال: "فكرتيني إني معاقبتكيش امبارح على الكلام الي قلتيه قدام العيلة."
"أنا قلت إيه؟" تساءلت ببراءة مصطنعة.
فحدق بها أدهم قليلًا ثم انقض عليها فجأة مدغدغًا إياها وهو يهتف: "بقى بنت صغيرة زيك مبتفهمش حاجة تروح تفضحني قدام العيلة كلها وتقولهم إني عايز اتجوز واحدة واشتريتلها فستان كمان؟!"
ضحكت براءة بشدة وحاولت الابتعاد عنه مرددة: "خلاص خلاص آسفة مش هعمل كده تاني!"
تركها أدهم بعد ثوانٍ ثم تحولت تعابيره إلى الجدية وتساءل: "انتِ عايزاني اتجوز سرين بالذات ليه؟"
"لأني بحبها وهي برضو بتحبني أكتر من الباقي."
"وعرفتِ إزاي إنها بتحبك أكتر؟" تساءل أدهم بحاجب مرفوع.
فأجابته براءة فورًا: "لأنها أكتر واحدة مهتمة بيا، ودايمًا بتتكلم معايا ونتناقش في حاجات كتير."
"بتتكلم معاكِ في إيه مثلًا؟"
فكرت براءة قليلًا ثم تذكرت شيئًا فتطلعت إلى والدها بتردد وهمست: "بص هي قالتلي إن الكلام ده سر ومينفعش أقوله بس أنا هقولك."
أراد أدهم أن يمنعها من إخباره حتى لا تتعود على إفشاء الأسرار، لكن فضوله جعله يومئ برأسه بترقب.
فأردفت براءة بصوت منخفض وكأن سرين هنا وستسمعها: "سألتها في مرة هي بتكرهك ليه فقالتلي إنها مش بتكرهك بس متضايقة منك لأنك غلطت و..."
سكتت قليلًا تحاول تذكر تلك الكلمة ثم قالت: "مفهمتش كلامها بالظبط بس هي قالت في الآخر إن المجاهرة بالمعاصي حرام."
سكتت لثانية ثم تابعت بتساؤل: "هو يعني إيه المجاهرة بالمعاصي؟ وايه هو الغلط الي كانت بتتكلم عنه؟"
أغمض عينيه لاعنًا سرين في سره ثم سحب براءة إلى أحضانه قائلاً: "نامي دلوقتي يا براءة."
تذمرت براءة وهي تبعد وجهها عن أحضانه لتراه وقالت: "بس أنا مش عايزة أنام، أنا عايزة أعرف انت غلطت في إيه، هو مش انت مبتغلطش؟"
رفع أدهم كلتا حاجبيه بدهشة وتساءل: "مبغلطش؟ مين الي قالك كده؟ مفيش حد في العالم مبيغلطش، البني آدميين كلهم بيغلطوا."
"إلا سيدنا النبي محمد؟" نطقت بتلك الكلمات ببراءة.
فرفع حاجبيه باستغراب لتردف: "دادة سماح كانت دايما بتحكيلي عنه وبتقولي إنه راجل طيب والناس كلها بتحبه وبتتمنى تبقى زيه، وهو عمره ما عمل حاجة وحشة خالص!"
ابتسم أدهم وهو يربت على شعرها قائلاً: "صح.. انتِ عايزة تقابلي النبي صلى الله عليه وسلم يا براءة؟"
أومأت براءة برأسها سريعًا وصاحت بحماس: "أيوه! هو أنا ممكن أشوفه؟"
أجابها أدهم بابتسامة وهو يرفع رأسه إلى الأعلى: "هنقابله لما ندخل الجنة بإذن الله، وعشان كده لازم نتعلم أصول الدين بتاعنا كويس ونعمل كل الي بيقولنا عليه."
"وأنا هتعلم إزاي وانت دايما في الشغل ومعندكش وقت عشان تقعد تعلمني." تمتمت براءة بتذمر.
ليجيب أدهم وهو يغمز لها بعينه: "مانا هتجوز سرين وهخليها تعلمك!"
اعتدلت براءة في جلستها وصاحت بحماس: "يعني انت هتتجوز سرين بجد؟"
"أيوه..."
***
أفاق محمد في الصباح على صوت المنبه بصعوبة، فهو لم ينم إلا في وقت متأخر من الليل بسبب الأفكار التي كانت تداهمه منذ اقتحامها لحياته بعد فراق طويل.
تنهد وهو يعتدل في جلسته وقد اتخذ قراره بالفعل، لن يستطيع تحمل رؤيتها كل يوم وهي بعيدة عنه. ثم فليذهب الماضي إلى الجحيم فأبناؤه الذين تركها بسبب إهمالها لهم قد كبروا وأصبحوا مسؤولين عن أنفسهم وهو يريد إكمال ما تبقى من حياته بجوارها.
نزل إلى غرفة الطعام حيث يتناول الجميع فطور الصباح قبل ذهابهم إلى العمل. ألقى التحية عند دخوله ثم بحث عنها بعينيه فوجدها تجلس بين خالد وعائشة تتبادل معهم أطراف الحديث.
التقطت عينه دخول براءة خلفه فاتجه إليها وأوقفها وهو ينحني إليها قائلاً بصوت منخفض: "بصي أنا هخرج دلوقتي وبعدها انتِ هتروحي لطنط يمنى وتخليها تجي لوحدها للجنينة بس من غير ما تقوليها إن أنا الي طلبت منك كده أوك؟"
أومأت براءة برأسها فابتسم محمد ثم خرج إلى الحديقة وجلس على أحد المقاعد بانتظارها، لكنه شعر أثناء ذلك بقلبه الذي كان يخفق بقوة وكأنه سيعترف بحبه لها للمرة الأولى.
جاءت يمنى بعد دقيقتين وعلى وجهها ملامح الاستغراب من طلب براءة الغريب في مجيئها إلى هنا لوحدها، لكنها وقفت مكانها عندما التقط بصرها محمد الذي اقترب منها بتوتر ثم وقف أمامها وطالعها دون أن ينطق بحرف واحد.
هربت جميع الكلمات والجمل التي كان يجهزها طوال الليل فور رؤيتها، لذلك ودون أي مقدمات قال سريعًا: "أنا عايز نرجع لبعض يا يمنى."
طالعته يمنى بصدمة لطلبه المفاجئ وسكت هو الآخر يراقب ردة فعلها، لكنها بقيت على حالها ذاك لثوانٍ حاولت فيها استيعاب كلماته.
تنحنحت عندما لاحظت نظراته لها فأخفضت رأسها بخجل وتمتمت: "أنا..."
قطعت كلامها عند تلك الكلمة ولم تعرف ماذا عليها أن تقول، هي بالتأكيد لن ترفض فهي أيضًا تشتاق إليه كثيرًا لكن شيئًا ما يمنعها عن التصريح بموافقتها.
"انتِ إيه؟ قولي يا آه يا لا!" قالها محمد بترقب.
فتنهدت يمنى ثم أومأت برأسها بابتسامة صغيرة انتقلت إليه سريعًا قبل أن يردف فجأة: "بحبك."
صفر أدم الذي كان يقف مع يامن وبدور في مكان غير بعيد عنهما يسترقون السمع إليهما، بينما ابتسمت بدور ثم التفتت إلى أدم وقالت: "شفتوا؟ مش قولتلكم إن الي بيتجوز ست واحدة ويفضل مخلص ليها ميقعدش لوحده في الآخر والي بيتجوز أكتر من ست يقعد لوحده!"
"طب ما طنط يمنى اتجوزت راجل تاني وفي الآخر هترجع لعمو محمد عادي." قال يامن بحاجب مرفوع.
فابتسمت بدور بثقة قائلة: "لا ماهو الستات عادي يتجوزوا أكتر من مرة لو اتطلقوا أو اترملوا بس الرجالة لا!"
قوس أدم شفتيه باستنكار لكنه تجاهل حديثها وقال: "زغرطي يا بدور."
نظرت إليه بدور باستغراب لكنها انتبهت إلى بصره المسلط على محمد ويمنى فابتسمت ثم أطلقت زغرودة لفتت انتباه كل من يمنى ومحمد الذي نظر إليهم بصدمة واحمر وجهه بشكل واضح من الإحراج حتى أصبح شكله مضحكًا.
بينما استغل أدم ذلك والتقط صورة سريعة لعمّه ثم أرسلها إلى مجموعة خاصة بالعائلة على الواتساب وكتب تحتها "طمطماية مصدومة!".
***
دخلت القصر في الصباح ظنًا منها أن الجميع قد ذهب إلى عمله كعادتهم في هذا الوقت، لكنها تفاجأت بوجود الجميع تقريبًا في الحديقة يباركون لمحمد ويمنى ويبدو أنهما قد قررا العودة لبعضهما البعض.
ابتسمت بفرحة لهما ثم تابعت دخولها للقصر لتبحث عن والدتها لكنها توقفت وهي ترى ياسر الذي كان على وشك الخروج والذهاب إلى العمل.
ابتسمت له بصدق لأول مرة بعد أن حكت لها والدتها ما حدث بينهما البارحة وبادلها هو الابتسامة، وكادت تتابع طريقها لولا وقوفه أمامها مانعًا إياها عن التقدم.
رفعت رحمة بصرها إليه باستغراب بينما هتف هو بهدوء: "أنا عايز أعتذر ليكِ انتِ كمان."
اتسعت ابتسامتها وقالت: "حصل خير يا ياسر بيه."
جال ياسر ببصره حولها ثم تساءل: "امال سيف فين؟"
"سيف؟" رددت رحمة بدهشة.
فأومأ ياسر قائلاً: "أيوه، انتِ سبتيه في البيت لوحده والا إيه؟"
أجابت رحمة وهي تضيق عينيها: "لا سيبته عند جارتنا بس انت إيه علاقتك بيه أصلًا؟"
أجاب ياسر وهو يرفع كتفيه ببساطة: "صحاب عادي، انتِ لسه واخدة بالك؟"
كانت ترمش بعينيها وهي ترمقه بدهشة وهتفت: "وده من امتى؟"
"من مدة قصيرة، انتِ مستغربة ليه؟"
أجابت رحمة بعفوية: "لأني متوقعتش إن ده يحصل أصلًا، وانه من بين كل الي في القصر اختارك انت!"
ابتسم ياسر ثم قال بمرح: "انتِ غيرانة عشان اتصاحبت عليه هو وانتِ لا؟"
رفعت رحمة أحد حاجبيها ببسمة ساخرة وتمتمت باستنكار: "وانا هغير ليه؟ روح روح لشغلك لا تتأخر بسببي."
قالت الأخيرة وهي تشير له بيدها بالذهاب.
فهتف قبل أن يتركها ويخرج: "رايح، بس عايزك تجيبي سيف معاكِ بالليل أوك؟"
***
في الغد، كانت بدور مستلقية على سرير إيلين وهي تنظر إلى سرين المتذمرة من تقدم أدهم المفاجئ لطلب يدها، لكنها قررت هذه المرة ألا تتدخل وتعتمد على أدهم لإقناعها بتلك الزيجة إن كان يريدها حقًا.
"انتِ رافضة الموضوع من دلوقتي ليه، ما تديه فرصة يتكلم معاكِ ممكن يكون اتغير بجد زي ما بدور بتقول."
هتفت توأمها إيلين وهي تحاول إقناعها بالهدوء والتصرف كأي فتاة تقدم أحدهم لخطبتها.
ثم التفتت إلى بدور وأردفت: "ما تقولي حاجة يا بدور؟ هو العريس أخوكِ والا أخويا؟"
رفعت بدور كتفيها بلامبالاة وقالت: "مش هقول حاجة، مانا مش هفضل أقنع كل بنت عايز يتجوزها حد من العيلة إنها توافق!"
تنهدت إيلين باستسلام ثم تركت الأمر لأدهم ليقنعها، والذي قال فور جلوسهم لوحدهم بعد تقديمها للمشروبات وتبادل الحديث المعتاد: "قبل ما تقولي حاجة أو ترفضيني سيبيني أقول الي أنا عايزه الأول."
أغلقت سرين فمها الذي فتحته فعلاً بنية إعلامه برفضها.
بينما تابع أدهم بتساؤل: "انتِ مش طايقاني بسبب الي حصل والي قولته في أول مرة اتقابلنا فيها صح؟"
أومأت سرين بتأكيد.
فتابع: "مكنش ينفع أقول الي قلته أنا عارف، وندمت بجد أول ما عرفت إن المجاهرة بالمعاصي حرام."
رفع بصره إلى سرين في نهاية كلامه لكنها سكتت ولم تعلق على ما قاله.
فاسترسل أدهم قائلاً: "أنا ندمان على حاجات كتير عملتها زمان وعرفت إنها غلط، وعايز أصلح كل ده وأقرب من ربنا أكتر، وأول حاجة فكرت أعملها إني أكمل نص ديني وأختار ست تاخد بإيدي للجنة وتربي أولادي أحسن تربية، واعتقد إني مش هلاقي أحسن منك عشان تربيهم."
استغربت سرين حديثه الذي فاجأها ولكنها شعرت بصدق كلماته فابتسمت رغماً عنها.
انتبه أدهم إلى ابتسامتها تلك فتساءل سريعًا: "هاا، موافقة؟"
"اديني فرصة أفكر..."
***
في المساء، وفي الاجتماعي العائلي المعتاد، كان أكرم قد تلقى اتصالًا من عم ملاك يخبره فيه بموافقتها على أمجد، ودهشت بدور عند معرفتها وأخذت تسأل أمجد عن الطريقة التي استعملها لإقناعها لكنه رفض إجابتها قائلاً بأن ذلك سر بينه وبين زوجته المستقبلية.
وبكل تأكيد كان عبد الرحمن سعيدًا بهذا الخبر وابتسم بفخر وهو ينظر إلى كل من رسلان، أمجد، أدهم، ياسين ويامن الذين أخيرًا سيتزوجون.
ثم جال ببصره على البقية بتفكير قبل أن يتنحنح جاذبًا انتباه الجميع.
"كان فيه مسلسل تركي كده اتفرجت على البداية بتاعته وكان فيه جد ساب وصية لأحفاده وهي إن أول حد هيتجوز ويخلف هياخد كل الورث بتاعه.. أو حاجة زي كده مش فاكر بالظبط."
قال عبد الرحمن دون مقدمات.
فنظر إليه الجميع باستغراب وعلامات الاستفهام تحلق فوق رؤوسهم وتساءل خالد بعدم فهم: "طب وبعدين؟"
رمقه عبد الرحمن بنظرة غامضة ثم قال بجدية: "أنا برضه هعمل كده بس مع شوية تعديلات.. الي مش هيتجوز هو الي هيتحرم من الورث!"
أنهى كلامه وهو ينظر إلى خالد تحديدًا.
والذي ابتسم بتهكم ثم رفع يده وحركها بحركة تدل على عدم اهتمامه.
فتحدث عبد الرحمن بغيظ: "أنا بتكلم جد على فكرة!"
قال ذلك ثم جال ببصره حول البقية فوجدهم يكتمون ضحكاتهم بصعوبة.
فهتف بغيظ: "اضحكوا اضحكوا! هنشوف مين الي هيضحك في الآخر!"
***
خرج من باب الفيلا التي يعيش بها مع والده وهو يحمل هاتفه يحاول الاتصال بشخص ما وعلى ثغره ترتسم ابتسامة خبيثة، لكنه توقف فجأة وهو يلاحظ وقوف أحدهم في مكان غير بعيد وبصره مسلط عليه.
دقق النظر فيه أكثر حتى عرفه فورًا فاقترب منه قائلاً: "عدي؟ انت جاي هنا ليه؟ للدرجادي وحشتك؟"
ابتسم عدي بتهكم وهتف: "أه معقول أنا موحشتكش يا وائل؟"
تجاهل وائل سؤاله وسأله ببرود: "انت جاي هنا ليه؟"
بادله عدي نفس نظرته قائلاً: "جاي عشان أعرف إيه علاقتك بهناء، وعملت معاها الي عملته ليه؟"