تحميل رواية «أصفاد الحب» PDF
بقلم رشا عبد العزيز
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تعالن نسمات الهواء الباردة تعلن بدء الشتاء في مدينة الإسكندرية. حبيبة، التي تبلغ من العمر عشر سنوات، تسير في طريق عودتها من المدرسة. قصتها لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة، فهي ضحية تشتت أسري. انفصل والدها عن والدتها منذ خمسة أعوام، لم ترَ حبيبة والدها فيهم، ولا تربطهم به سوى تلك النقود القليلة التي يرسلها لهم كل بداية شهر. حبيبة ليس لها إخوة، وتعيش مع والدتها في بيت خالها، في شقة صغيرة جداً مكونة من غرفة وصالة في حي فقير جداً، معتمدين في معيشتهم على عمل خالها الذي يعمل كقهوجي في أحد المقاهي الشعب...
رواية أصفاد الحب الفصل الأول 1 - بقلم رشا عبد العزيز
تعالن نسمات الهواء الباردة تعلن بدء الشتاء في مدينة الإسكندرية.
حبيبة، التي تبلغ من العمر عشر سنوات، تسير في طريق عودتها من المدرسة. قصتها لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة، فهي ضحية تشتت أسري. انفصل والدها عن والدتها منذ خمسة أعوام، لم ترَ حبيبة والدها فيهم، ولا تربطهم به سوى تلك النقود القليلة التي يرسلها لهم كل بداية شهر.
حبيبة ليس لها إخوة، وتعيش مع والدتها في بيت خالها، في شقة صغيرة جداً مكونة من غرفة وصالة في حي فقير جداً، معتمدين في معيشتهم على عمل خالها الذي يعمل كقهوجي في أحد المقاهي الشعبية في نفس المنطقة. كانت حياتهم صعبة يغلفها الفقر والعوز.
كانت حبيبة تسير في طريقها إلى المنزل، ونسمات الهواء الباردة تداعب وجنتها. كانت سعيدة جداً بعد أن حصلت على هدية من معلمتها مس سناء، تلك الإنسانة الطيبة التي كانت تجلب لها الهدايا كلما حصلت على درجات عالية، فحبيبة كانت متفوقة دراسياً.
وصلت إلى شقة خالها في تلك العمارة المتهالكة التي خط الزمن عليها آثاره، لتجد والدتها تجلس مع أم سلامة، تلك المرأة التي تكررت زياراتها لهم هذه الفترة. لم تكن حبيبة ترتاح لهذه السيدة. تباطأت خطواتها، وبفضول طفلة ظلت تنظر إليها وإلى والدتها التي كانت عينيها تلمع وتزين وجهها ابتسامة.
ألقت التحية، فلم يجيبها أحد. يبدو أن هناك أمر مهم يتكلم به خالها مع أمها وتلك المرأة.
ساقتها قدماها لتجلس بجانب والدتها تستشعر الأمان بقربها. تود أن تنهي حديثها لكي تريها ما حصلت عليه، لكن والدتها لم تلتفت حتى إليها، كانت مندمجة في الحديث مع أم سلامة.
قالت أم سلامة:
"بس الراجل لو شرط، يا شريفه، ويا رب توافقي عليه."
ردت شريفه:
"واي هو يا أم سلامة؟"
قالت أم سلامة:
"بصراحة كده، هو مش عاوز البنت معاكي."
نظرت أم سلامة نحو حبيبة التي لم تكن تعلم ما يحدث.
قالت شريفه:
"وأنا موافقه، يا أم سلامة."
قالت ذلك وهي لم تنتبه أصلاً لوجود ابنتها بجانبها.
اندهش شقيقها محمود واتسعت حدقتا عينيه مما تفوهت به شقيقته. هل ستوافق حقاً؟ ثم نظر إلى تلك المسكينة وقال لزوجته:
"نجاة، لو سمحتي خذي حبيبة، دخليها الأوضة مع الأولاد."
نجاة، التي كانت مستغربة مثل زوجها، وافقت شريفه.
قالت نجاة:
"حاضر يا خوي... يلا يا حبيبة، يلا يا حبيبتي. تعالي غيري هدومك واللعب مع دلال."
أمسكت بيد حبيبة وأدخلتها الغرفة، ثم أغلقت الباب.
نظر محمود إلى شقيقته وقال مستنكراً:
"إنت اتجننتي يا شريفه؟ موافقه على إيه؟ دا راجل عمره قد عمرك مرتين، ومتجوز قبلك، وعاوزك تسافري معاه بلده."
ردت شريفه:
"بس مستريح يا محمود، يعنى أعيش مستريحة، وأخلص من الفقر اللي عايشة فيه. والا انت مش شايف إحنا عايشين إزاي؟"
قال محمود:
"يعني أنت موافقة بس عشان الفلوس يا شريفه؟ دا كبير ومتجوز."
قالت شريفه:
"بس عنده فلوس تنسيني عمره، ومراته هيخليني أعيش أميرة. إنت مش سامع هيدفع مهر كام؟ دا عاوزني بشنطة هدومي. أرجوك يا محمود، أنا تعبت من الفقر، خليني أعيش حياتي، أنا لسه صغيرة وحلوة."
قال محمود:
"وبنتك يا شريفه؟ دي بيقول لك مش عاوز بنتك، وأنك هتسافري معاه."
ردت شريفه:
"ومالها بنتي؟ ماهي عايشة معاكم، هو انت هتقصر معاها يا محمود؟"
قال محمود:
"أكيد مش هقصر معاها يا شريفه، بس افرضي لما تتجوزي محمد قال عاوز بنتي تعيش معايا، هقول له إيه؟"
قالت شريفه:
"ما ياخذها، هو أبوها وأحق بيها."
استغرب محمود جواب شقيقته إلى هذا الحد، لا يهمها أمر ابنتها.
قال محمود:
"وتعيش مع مرات أبوها؟"
قالت شريفه:
"وماله، يعني هي هتأكلها؟ وبعدين أبوها معاها. أرجوك يا محمود، أنا موافقه، خليني أعيش حياتي."
قالت أم سلامة:
"خلاص يا خوي، خليها تشوف نفسها، دا راجل متربص وهينغنغها."
نكس محمود رأسه بحزن يفكر في حال تلك المسكينة الصغيرة التي لا يفكر فيها أحد.
قال محمود:
"خلاص يا شريفه، اعملي اللي أنت عاوزاه."
كان هذا الحديث يصل إلى مسامع تلك الصغيرة التي كانت تدعي انشغالها أمام زوجة خالها، لكنها في الحقيقة كانت تنصت لكل الحوار. تمسك بيدها هدية تفوقها، تنظر لها بحسرة، فهي كانت تريد أن تفرح أمها بها، لتصدمها أمها بخبر زواجها وتركها.
مرت الأيام وأمها كانت سعيدة جداً بالهدايا التي كان يرسلها العريس، التي تدل فعلاً على ثرائه. هي لا تنكر أن والدتها كانت جميلة جداً، لكنها تحتاجها، هي لا تزال صغيرة.
التزمت حبيبة الصمت ولم تسأل والدتها عن شيء، ولا شريفه كلفت نفسها بأن تقول لابنتها.
كانت حبيبة ترى السعادة في عين والدتها، وهي تقف الآن أمامها ترتدي فستان أبيض بسيط لكنه يبدو غالي الثمن، تستعد للمغادرة مع زوجها للمطار. وكأن والدتها كانت كطائر وجد حريته في عالم جديد.
ها هي حبيبة تراها وهي تستعد للخروج دون الاكتراث لابنتها.
حتى أوقفها صوت شقيقها.
محمود:
"شريفه، إنت مش هتسلمي على حبيبة؟"
قالت شريفه:
"آه... آه... أكيد."
استدارت وفتحت ذراعيها واحتضنت حبيبة التي احتضنها أيضاً، تشعر أن هذا هو عناق الوداع الأخير. حبيبة كانت متشبثة بحضن والدتها ولا تريد الخروج، كأنها تحاول أن تشبع نفسها من حضن أمها. وعينيها الصغيرتان تذرف الدموع، فلم تعد تستطيع الصمود أكثر.
قالت لها حبيبة:
"خذيني معاكي يا ماما، ماسبنيش هنا لوحدي."
أخرجتها شريفه من أحضانها عنوة بعد نداء زوجها، وقالت لها جملة واحدة:
"مع السلامة يا حبيبة."
ورحلت والدتها وانهارت هي على الأرض وبدأت شهقاتها تعلو.
جلس محمود على الأرض وأخذها بين أحضانه وقال:
"متعيطيش يا حبيبة خالك، إنت هنا معانا، ومع خالتك نجاة ودلال ومصطفى، ومعايا يا حبيبتي، والا إنت مش بتحبينا يا حبيبة؟"
لمست حبيبة دموعها بكفيها الصغيرين وتقول:
"بحبكم يا خالي."
مسح محمود ما تبقى من دموعها ويقول:
"خلاص يا روحي، يبقى بطلي عياط وقومي العبي مع دلال."
امتثلت حبيبة لأمر خالها وذهبت مع ابنة خالها.
قالت نجاة:
"يا عيني عليها، ما كنتش أتوقع إن شريفه تتخلى عن بنتها في يوم من الأيام."
قال محمود وهو يضحك بسخرية:
"شريفه عاوزة تشوف حياتها، ونسيت تشوف حياة بنتها."
حل المساء ومحمود ونجاة يحاولون التخفيف عن حبيبة غياب والدتها. كان محمود يجلسها على ساقيه، يضحكها ويدغدغها، ونجاة أعدت لها الطعام الذي تحبه، ودلال ومصطفى يلعبان معها. تناولوا العشاء في جو أسري يملئه مشاكسات مصطفى ودلال وضحك محمود ونجاة عليهما.
ثم خلدوا للنوم كل في مكانه. كانت تلك المرة الأولى التي لم تنم فيها بجانب والدتها في صالة الشقة الصغيرة، لكن وجدت نجاة تطلب من دلال أن تنام بجانب ابنة عمتها. دلال كانت أصغر من حبيبة بعامين وكانت تحبها جداً، ففرحت عندما طلبت منها والدتها ذلك.
ظلت الصغيرتان تتحدثان حتى نامت دلال، وعندما تأكدت حبيبة بأن دلال نامت بدأت تبكي. تشتاق لوالدتها جداً. كانت دوماً تحضنها وتنام، لكن اليوم هي تشعر بالبرد، تفتقد دفء أحضانها. تشعر بالغربة والوحدة رغم ما تفعله عائلة خالها من أجلها.
ظلت تبكي حتى تعبت من البكاء ونامت.
لتستيقظ على طرق قوي على باب شقة خالها، فزع من شدته الأطفال. خرج محمود مهرولاً نحو الباب.
ليفتح ويجد محمد، طليق شقيقته، يقف أمام الباب. أدرك محمود أن ما كان يخشاه يحدث، لكنه يحدث بسرعة وتوقع سبب مجيء محمد.
قال محمد:
"صباح الخير."
قال محمود:
"أهلاً يا محمد، اتفضل."
دخل محمد ليجد حبيبة متسمرة أمامه، تضع يدها على فمها من دهشتها. ليقول محمد:
"حبيبة، تعالي يابنتي."
لكنها لم تتقدم خطوة واحدة وبقيت في مكانها، فهي لا تشعر أنه والدها، إنه شخص غريب عنها. لم تره منذ خمس سنوات. الآن تذكر أن له ابنة.
بقيت مكانها حتى ناداها خالها.
قال محمود:
"حبيبة يا حبيبتي، تعالي سلمي على بابا."
تحركت بخطوات بطيئة جداً نحو والدها، تود لو أنها لم تصل إليه. سحبها والدها إلى أحضانه وقال محمد:
"وحشتيني يا حبيبة بابا، ازيك يا حبيبة؟ ازيك يا بنتي؟"
أراح هذا اللقاء محمود الذي أحس حينها أنه ربما محمد قد شعر أخيراً بابنته وسوف يعاملها جيداً، فمهما كان هو والدها وهو أحق بها كما قالت شريفه.
قال محمد:
"أنا عاوز آخد حبيبة معايا يا محمود."
قال محمود:
"وليه يا محمد؟ ماهي عايشة معايا، وأنا مش هقصر معاها، وانت تقدر تيجي تزورها بأي وقت."
قال محمد:
"بس أنا أبوها وأنا أولى بيها. ليكمل بسخرية: هي مش المحروسة اتجوزت، يبقى لازمتها إيه قعادها عندكم؟"
قال محمود:
"بس هي متعودة علينا، وانت كمان متجوز، ما تاخذنيش، هي مراتك موافقة على وجود حبيبة في بيتها؟"
تمتعض وجه محمد ويقول محمد:
"إيه الكلام اللي بتقوله يا محمود؟ ماتوزن كلامك، حبيبة هتكون في بيت أبوها، محدش له حق يرضى أو ميرضاش."
قال محمود:
"مش قصدي يا محمد، بس حبيبة غالية عليا أوي، وأنا عاوز راحتها."
قال محمد:
"وراحتها في بيت أبوها، ومع أخواتها، بيت أبوها أحق بيها."
قال محمود:
"خلاص يا محمد، إنت عندك حق، بس ياريت تخلي بالك منها."
قال محمد:
"حبيبة بنتي، إنت هتوصيني على بنتي؟"
نظر محمود إلى حبيبة، التي كان جسدها يرتعش وعينيها يملأها الدموع وهي تسمع حوار والدها وخالها. ثم اقترب منها جثى على قدميه واحتضنها وقال:
"حبيبتي، يعز عليا فراقك، بس أنت لازم تروحي مع أبوك."
تبكي حبيبة، وتعلو شهقاتها وتقول:
"خالي، أنا مش عاوزة أروح مع أبويا، أنا عاوزة أفضل معاكم."
يبكي محمود بدوره هو أيضاً ويقول:
"غصب عني يا حبيبة قلبي، هبقى أجي أزورك، ماتخافيش، وهجيبك عندنا."
أخرجها من أحضانه ومسح دموعها وقال:
"وبعدين هناك إخواتك، هتحبيهم وتعيشي معاهم."
مسحت دموعها وعلمت أن لا مفر لها وأن القرار ليس بيد خالها ولا بيدها.
قال محمد:
"يلا يا حبيبة."
أمسك ذراعها التي كانت متشبثة بملابس محمود وجرها يحثها على الرحيل.
كان محمود يراقبها ودموعه تسبق لسانه ليقول:
"ابقى اسمح لي أجي أزورها لو سمحت يا محمد."
قال محمد:
"أكيد، تقدر تيجي تشوفها."
قال ذلك وهو يحرر يد حبيبة من ملابس محمود المتشبثة بها، وأخذها ورحل. وظل محمود ينظر إلى طيفها ولا يعلم لماذا كان قلبه يعتصر حزناً على رحيله.
دخلت حبيبة منزل والدها وهي خائفة جداً من هذا المكان، لا تعلم لماذا، لكنها كانت غريبة عليه. استقبلتها زوجة والدها بود، حتى والدها كان يعاملها جيداً في البداية. لكن مع الوقت، كل شيء تغير. والدها أصبحت معاملته أقسى، كان دائماً يناديها "يا بنت شريفه"، ربما الشبه الذي بينها وبين والدتها كان كأنه ينتقم من أمها بها.
تلك المرأة التي عشقها حد الجنون، لكنها تمردت عليه لفقره وبخله عليها، تلك الصفة التي كان يمتاز بها لم تتحملها شريفه وطلبت منه الطلاق، ورغم رفضه لكنها أصرت على ذلك، وتركته ورحلت، ليمزق قلبه فراقها. رغم أنه تزوج بأخرى عله ينساها، لكنه لم يستطع نسيانها، بل أصبح يحقد عليها عندما علم بزواجها. وها هو ينتقم منها في ابنتها، التي لا ذنب لها سوى أنها تذكره بوالدتها.
أما زوجة والدها، فعندما رأت معاملة والدها لها، أصبحت هي أيضاً تعاملها أسوأ معاملة، تصل أحياناً كثيرة للضرب بقسوة. كانت تعاملها كخادمة لها ولأولادها، فزوجة والدها أنجبت ولدين، سامر وسامي، وكانت فخورة بأنها أم الأولاد. كان تحسسها دائماً أنها خادمة لأخواتها.
لم تهتم حبيبة لكل هذا، ما كان يهمها ما كان يحدث عندما يأتي شقيق زوجة والدها، يونس، الذي كان دوماً يتحرش بها. كانت حبيبة تخافه جداً وتدافع عن نفسها بكل ما تقدر. فمرة عضت يده التي كان يحاول لمس جسدها بها.
كانت تهرب عند جارتهم إيمان، التي كانت تعرف قصتها، فتخبأها وتخبر زوجة أبيها أنها تحتاجها لتكون بجانب أولادها. وكانت ترسل معها بعض الفواكه لزوجة والدها، التي كانت ترحب بذلك.
كانت إيمان تجلس بجانب زوجها عندما سمعت صوت طرقات شديدة على باب شقتهم، ل تنتفض وتتجه بتجاه الباب لأنها تعلم هوية صاحب الطرقات. فتحت الباب وقالت:
"تعالي يا حبيبة، خشي جوه بسرعة."
كان جسدها يرتعش بقوة والكلمات لا تخرج من فمها. احتضنها إيمان وقال:
"إهدي يا حبيبة، إنت في أمان. هو يونس جه عندك؟"
أومأت له حبيبة برأسها.
قالت إيمان:
"طب ادخلي يا حبيبتي، تعالي اشربي ميه، وادخلي العبي مع جودي."
انتظرت إيمان دخول حبيبة وقالت لزوجها:
"هو إحنا هنفضل ساكتين على اللي بيحصل يا أسر؟"
قال أسر:
"وإحنا هنعمل إيه يا إيمان؟"
قالت إيمان:
"نبلغ أبوها يا أسر، على الأقل أكيد أبوها لما يعرف باللي بيعمله الحيوان ده، هيتصرف."
قال أسر:
"وفكرك هيصدقنا ويكذب أخو مراته؟ دا ما بيردش السلام لما بسلم عليه، عاوزاه يصدقني وأنا بقول له أخو مراتك بيتحرش ببنتك؟"
قالت إيمان:
"بس البنت صعبانة عليا أوي يا أسر، خايفة يتمادى ويعمل حاجة أكبر من التحرش يا أسر."
قال أسر:
"إن شاء الله ميحصلش، واديها بتيجي عندنا لحد ما يغور، وإنت ابقي ابعتي معاها حاجات كتير، حاكم أنا عارف إنه بخيل وبيحب الحاجات دي."
قالت إيمان:
"بس يا أسر."
قال أسر:
"أرجوكي يا إيمان، مش عاوز مشاكل، خصوصاً مع الراجل ده."
******************************************
كانت حبيبة عائدة وهي سعيدة جداً وتحتضن الفستان الذي أهدته إياه مس سناء بعد حصولها على درجة ممتازة. مس سناء كانت تعلم بقرب حلول عيد الأضحى، لذلك أحبت أن تساعد وتفرح حبيبة بهذه الطريقة دون أن تحرجها.
كانت حبيبة ممسكة بالفستان، دخلت الشقة لتصعق بصراخ والدها.
قال محمد:
"الفلوس اللي في الدرج راحت فين يا ولية؟ اتكلمي."
وهي ترتعش من صراخ زوجها.
قالت شروق:
"والله يا خوي ما شفتها."
قال محمد:
"إنت هتجننيني يا ولية؟ هو فيه حد غيرنا في الشقة؟"
قالت شروق:
"والله يا خوي، ما شفتها."
لتشاهد حبيبة وهي ممسكة بفستانها، لتأتيها كطوق نجاة من هذا الموقف، فهي تعلم هوية السارق، لكن كيف ستقول أن يونس شقيقها هو من سرقهم؟ لذلك قررت أن تتهم هذه الصغيرة بفعله شقيقها.
قالت شروق:
"شوف يا خوي بنتك اللي جايه وفي إيديها فستان غالي، جابت فلوسه منين؟"
ليحول محمد نظره لحبيبة ويجدها تحتضن الفستان بقوة. نعم، صدقت شروق، الفستان غالي. ليجري نحوها يمسكها من شعرها بقوة ويقول:
"جبتي منين الفستان ده يا بنت؟"
قالت حبيبة وهي تبكي:
"مس سناء ادتهولي."
قالت شروق وهي تستنكر الكلام وتحرك شفتيها يميناً وشمالاً:
"وهو فيه مس هتدي تلميذة عندها فستان غالي كده؟ هو حد يعقلها يا ناس؟"
كانت تقول هذا مؤكدة لزوجها أنها من سرقت النقود.
محمد ضربها بقوة وقال:
"بتكذبي يا بنت شريفه."
قالت حبيبة وهي ترتجف وشهقاتها تعلو:
"والله يا بابا هي اللي ادتهولي، حتى تقدر تسألها."
قالت شروق:
"بتكذبي، وأنا شايفة إنتي الصبح وإنتي داخلة الأوضة."
قالت حبيبة:
"كنت عاوزة أطلب فلوس من بابا عشان الكراسة."
قالت شروق:
"شفت يا محمد، مش قلت لك؟"
قال محمد:
"يا جزمة، والله لأربيكي عشان تبطلي سرقة."
ليضربها من جديد.
صرخت حبيبة:
"والله ما عملت حاجة يا بابا، والله ما عملت حاجة."
ثم تركها وذهب للمطبخ، وهي تصرخ وتتوسل لشروق:
"والله ما عملت حاجة، والله ما أنا اللي سرقت، قوليله يا خالتي."
لكن شروق كانت تبتسم بسخرية، فقد نفت التهمة عن شقيقها.
ليعود محمد ويسحبها وسط بكائها وصراخها وتوسلاتها التي لم تهزه، ويوقفها أمام الموقد. نظرت حبيبة بخوف وهلع لتجده يضع ملعقة على نار الموقد وقد تغير لونها من شدة الحرارة. لتصرخ:
"والله ما عملت حاجة يا بابا، والله ما سرقت، أقسم بالله مش أنا، ارجوك متعمليش بيا كده يا به، أبوس إيدك."
لكنه لم يسمعها، أمسك يدها اليسرى ووضع الملعقة الساخنة عليها. لتصرخ حبيبة صرخة كاد أن تزهق روحها من شدة الألم. وظلت تصرخ بصوت عالٍ.
أغمضت شروق عينيها عندما سمعت صراخ حبيبة، وكأنها تطفئ صوت ضميرها.
أما محمد، فعندما رأى يد ابنته، أدرك بشاعة جريمته. واعتصر قلبه شكل وبشاعة الحرق على يده، لكنه أبى الاعتراف وتصنع الجمود واستدار وقال:
"عشان تبطلي تسرقي أبوكي مرة تانية."
كان يعتقد أنه يربيها، ولا يعلم أنه يعاقبها على ذنب لم تقترفه.
أما حبيبة، فكانت تقفز وتصرخ من شدة الألم، تنفخ الهواء عليه وتضعه تحت الماء، وهي تردد: "والله مش أنا، والله مش أنا."
لم تستطع النوم من شدة الألم، بدأ حرقها يخزن الماء والقيح. كلما نامت أيقظها ألم يدها. كانت تبكي بشدة وتنتحب، لكن هذا لم يحرك مشاعر والدها أو زوجته.
لكنها قررت أن تهرب، لن تعيش هنا مرة أخرى. وبمجرد أن أشرقت الشمس، أخذت حقيبتها وفستانها وهرولت نحو بيت خالها.
طرقت الباب، ليفتح محمود الباب ليصعقه منظرها ومنظر يدها. احتضنها وقال:
"مين اللي عمل فيكي كده يا حبيبة؟"
قالت حبيبة وهي تبكي:
"أبويا، أبويا، والله أنا ماسرقتش يا خال."
قال محمود:
"عارف يا حبيبتي، إنت عمرك ما تسرقي."
كان يحادثها عندما سمعوا صوت الباب يطرق، لتنتفض حبيبة خوفاً.
قال محمود:
"متخافيش يا حبيبة خالك، نجاة، خذيها، دخليها جوه وغيري هدومها عشان آخدها المستشفى."
انتظر دخولها ليذهب ويفتح الباب.
قال محمد بغضب:
"حبيبة فين؟"
قال محمود وهو يمسك مقدمة ملابس محمد بغضب:
"يا بجاحتك، وإنت ليك عين تسأل عليها بعد اللي عملته فيها؟"
قال محمد:
"بنتي وبربيها، ماتدخلش إنت."
قال محمود:
"تربيها يا ظالم؟ هي دي تربية يا عديم القلب؟ اسمع يا محمد، إنت تنسى حبيبة خالص، ملكش دعوة بيها، وإلا والله أطلع دلوقتي وأعمل لك محضر تعدي على بنتك، وأوريهم إيدها، وإنت عارف هيحصل إيه."
قال محمد:
"إنت بتهددني يا محمود؟"
قال محمود:
"أيوه، وحبيبة ملكش دعوة بيها، انساها، أنا مستعد أفديها بروحي."
قال محمد:
"يبقى تنسى إني هصرف عليها، وخلينا نشوف هتصرف عليها إزاي."
قال محمود:
"أنا أقطع من لحمي وأصرف عليها، وإلا إنها تتألم، ملكش دعوة إنت بيها. دي آخر مرة هقولها، وإلا بينا المحاكم والبوليس، وإنت عارف إني هكسب."
قال محمد بعد أن أدرك أن كلام محمود صحيح:
"خلاص، يبقى أنا ماليش دعوة بيها، ومش هصرف عليها مليم."
قال محمود:
"إن شاء الله مش هتحتاجك."
خرج محمد وترك محمود مصعوق من تصرفات هذا الأب الذي بلا رحمة.
ثم أخذ حبيبة للمستشفى. كانت دموعه تتساقط عندما كان يسمع صراخها والأطباء يعالجون حرقها، الذي أخبره الطبيب أنه سيترك أثر مدى الحياة في يدها، وأنه لو تأخر قليلاً لكان حرقها قد تلوث وتسبب في قطع يدها.
عاد محمود مع حبيبة للمنزل بعد أن اشترى لها بعض الألعاب والحلويات محاولات التخفيف عنه.
دخل الشقة وقال:
"إزيكم دلوقتي يا حبيبة؟"
قالت حبيبة:
"هو أنا وحشة يا خالي؟"
قال محمود:
"ليه بتقولي كده؟"
قالت حبيبة:
"أمال هما ليه مش بيحبوني؟ أمي سابتني ومشيت، وأبويا حرقني، ومرات أبويا كانت بتضربني."
قالت ذلك وهي تبكي.
قال محمود:
"لا يا حبيبتي، إنت مش وحشة، هما اللي وحشين، إنت حلوة وطيبة يا حبيبة، وبعدين هما مش بيحبوكِ، بس أنا بحبك، إنت من النهارده بنت محمود، لا بنت محمد ولا شريفه."
قالت نجاة:
"وأنا كمان بحبك يا حبيبتي."
ثم احتضنتها وجففت دموعها.
"يلا، دلال هترجع من المدرسة وتلعب معاكي، هتفرح أوي لما تشوفك، يلا روحي نامي شوية لغاية ما ترجع."
رحلت حبيبة.
قالت نجاة:
"يا عيني عليها، لو تشوف جسمها يا محمود كله معلم، ربنا يكسر إيديهم."
قال محمود:
"الحقير، وأنا أقول ليه مكانش بيرضى أزورها، ولما أروح بيفضل قاعد معانا، أتاري بيعذبها عديم الضمير، بس أنا أخذت تقرير من المستشفى بعد ما عاينوا الحرق والكدمات، والله لو عمل حاجة هبلغ عنه ومش هرحمه."
قالت نجاة:
"برافو عليك يا محمود."
قال محمود:
"نجاة، لو سمحتي، حبيبة من النهارده بنتي، وغلاوتها من غلاوتي، ياريت محدش يزعلها، لأني مش هسمح بكده."
قالت نجاة:
"أخص عليك يا محمود، بتقول لي أنا الكلام ده؟ دا أنا بحب حبيبة زي دلال بالظبط."
قال محمود:
"سامحيني يا نجاة، غصب عني."
قالت نجاة:
"مسمحاك يا خوي، وحاسة بيك، بس ماتخافش حبيبة في عنيا."
قال محمود:
"أصيلة يا نجاة، من يومك شايلة معايا الهم."
قالت نجاة:
"ربنا يخليك لينا يا أبو مصطفى."
قال محمود:
"ويخليكي يا حبيبة عمري."
ليشرد محمود في حال تلك الصغيرة وما تخبئه لها الأيام.
يتبع.......
رواية أصفاد الحب الفصل الثاني 2 - بقلم رشا عبد العزيز
مرت الأيام عليها في بيت خالها.
لكنها، ورغم صغر سنها، كانت تشعر بأنها ثقيلة على كاهل هذه العائلة التي تدبر لقمة عيش بأصعب الطرق.
خالها الذي أصبح يخرج من الفجر ولا يعود إلا مساءً، منهكًا، قدماه بالكاد تحمله.
وزوجة خالها التي أصبحت تقوم بأي عمل لجيرانها في مقابل النقود.
تخيط الملابس البسيطة لأنها ليست خياطة ماهرة وماكينتها قديمة.
أصبحت حبيبة تشعر أنها تأخذ شيئًا ليس من حقها.
فقضمة الخبز التي يأكلها أولاد خالها أحق بها.
هذه المشاعر التي ربما تكون كبيرة على طفلة بعمرها، لكن ربما ظروفها القاسية جعلتها أكبر من سنها.
أخرجها من دوامة هذه المشاعر نداء صوت زوجة خالها.
نجاة: حبيبة.. حبيبة.. تعالي.
حبيبة: نعم يا خالتي.
نجاة: خدي يابنتي الفلوس وروحي هاتيلنا عشر أرغفة عيش من عم حسن بتاع الفرن. مصطفى راح يلعب مع صحابه ولسه مرجعش.
حبيبة: حاضر يامرة خالي.
وذهبت في طريقها نحو فرن عم حسن، ذلك الرجل الطيب الذي دائمًا ما كان يرحب بها ويعطيها رغيفًا زيادة.
هو صديق خالها ويعلم بقصتها جيدًا.
وطيلة طريقها نحو المخبز، كانت حبيبة تسمع همهمات وهمسات النسوة في الشارع، ونظرات الشفقة التي تراها في عيونهم.
"يالهي كم تكره هذه النظرات! رغم أنها نظرات عطف، لكنها تكرها. كم تشعرها تلك النظرات بالنقص والدونية. وهمساتهم التي كانت كسِكّين تضرب قلبها."
وصلت المخبز الذي رغم قربه من شقة خالها، لكن طريقه بنسبتها كان درباً طويلاً من الحزن.
حبيبة: عم حسن، عاوزة عشر أرغفة.
عم حسن: أهلًا.. أهلًا بست البنات القمر. ازيك ياحبيبة.
حبيبة: الحمد لله.
عم حسن: المدرسة أخبارها إيه؟ عاوزك ترفعي راسي وتبقى دكتورة قد الدنيا.
حبيبة: إن شاء الله.
عم حسن: ثواني ياحبيبة، أدي لأحمد القرص.. وأديكي العيش.
لتنظر حبيبة لأحمد، الذي كان صبيًا في نفس عمرها تقريبًا.
أعطاه عم حسن مجموعة من القرص وقال له:
عم حسن: خد ياحمد، ادي حصة النهارده. بيعهم وتعال بليل عشان تديني الفلوس وتأخذ حسابك.
أحمد: حاضر ياعم حسن.
غادرت حبيبة المخبز بعد أن أعطاها عم حسن أرغفة الخبز.
وعادت إلى شقة خالها لتجد زوجة خالها تجلس مع مجموعة من الجيران.
وعندما دخلت، سمعتهم يقولون لزوجة خالها:
"يعيني عليها.. بقت يتيمة.. وأهلها عايشين."
"وتجيبها أختي؟ ما هي أمها أي ياختي اللي يسيبوا ضناهم."
"والا أبوها.. جات كسر إيديه.. ربنا يعينه."
دخلت حبيبة الغرفة مع أولاد خالها، لا ينقصها سماع المزيد.
قلبها الصغير أتعبة القهر، الشفقة والعطف.
تعلم أن نجاة لا تقصد أن تحزنها، بالعكس، ربما هي أيضًا تشفق عليها.
لكن تباً لهذه الشفقة! أصبحت تكره هذه المشاعر المهينة.
***
حل الصباح وذهب الأولاد إلى المدرسة.
وفي المدرسة، همست سلمى:
سلمى: حبيبة، فين كراسة الرياضة بتاعتك؟ السنة الجديدة بادية من أسبوعين، وأنت لسه معندكيش كراسة.
حبيبة: بكرة يا مس هجيب واحدة.
سلمى: حبيبة، أنت بقالك أسبوع بتقولي نفس الكلام. ولولا إني عارفة إنك تلميذة شاطرة كنت تصرفت معاكي تصرف تاني. بكرة آخر مهلة ليكي، بعدها هضطر أديكي للناظرة.
حبيبة: حاضر يامس.
"وها هي تواجه مشكلة إحساسها بالنقص. ماذا ستفعل؟ كيف ستخبر خالها بحاجتها للنقود؟ بعد أن رحمتها مس سناء من تكاليف الكتب والكراريس الباقية، لكن يبدو أنها نسيت واحدًا. ماذا تفعل؟ لا تستطيع أثقال كاهل خالها بمصاريف جديدة، فيكفيه ملابسها وملابس أولاده. أين تذهب؟"
كانت تسير حتى وصلت مخبز عم حسن.
لا تدري كيف خطرت ببالها تلك الفكرة.
حبيبة: عم حسن...
عم حسن: أهلًا.. أهلًا.. بست البنات. ازيك. عاملة إيه.
حبيبة: الحمد لله... عم حسن، ممكن أطلب منك طلب.
عم حسن: أمّريني يا ست البنات.
حبيبة: احم.. عم حسن... أنا عاوز أشتغل.
عم حسن: إيه؟ تشتغلي إزاي؟!
حبيبة: أرجوك يا عم حسن، خالي المصاريف تقيلة عليه.. وأنا مش عاوزاه أحمله زيادة.
عم حسن: أيوه يابنتي.. بس هتشتغلي إيه وأنت في السن ده؟
حبيبة: هبيع قرص في الشارع.
عم حسن: تبيعي قرص! وفي الشارع! ياحبيبة... طب خالك هيرضى؟
حبيبة: ما أنا هشتغل من غير ما أقوله.
عم حسن: لا ياحبيبة لا.. كده غلط يابنتي.. أنتِ بنت ولسه صغيرة.
حبيبة: أرجوك يا عم حسن، ساعدني. أرجوك عشان خاطري. أنا هخلي بالي من نفسي.
عم حسن: طب وهتقولي إيه لما تخرجي من البيت؟
حبيبة: هقول إني بذاكر مع هدى بنت حضرتك.
عم حسن: بس ياحبيبة...
حبيبة: أرجوك يا عم حسن.
عم حسن: خلاص ياحبيبة.... خلاص. بس أنا هدلك على المكان اللي تبيعي فيه عشان أوصي عليكي ناس هناك.. عشان أكون مطمن عليكي. وبكرة أديكي قرص تبيعييهم بعد المدرسة.. ولكي أجرك كل يوم.
حبيبة: متشكرة أوي يا عم حسن.
ثم أكملت بأحراج:
حبيبة: طب ممكن.. تديني فلوس من حساب الشغل.. بتاع بكرة؟ محتاجاها أشتري كراسة للمدرسة.
عم حسن: وليه؟ من فلوس الشغل؟ أنا هديكي الفلوس هدية.
حبيبة: أرجوك يا عم حسن، لو مش هتديني الفلوس من حساب الشغل مش هاخدهم. أرجوك يا عم حسن متتحسسنيش إني شحاتة.
عم حسن: شحاتة؟ أخس عليكي ياحبيبة. ليه هو أنا مش زي خالك؟ الله يسامحك بس.
حبيبة: أنا آسفة يا عم حسن، بس...
عم حسن: خلاص ياحبيبة، خذي الفلوس.. وخلاص من حسابك. وحلوة عزة النفس اللي عندك ياحبيبة، طالعة لخالك. بس عشان خاطري خليها المرة دي هدية مني.
حبيبة: حاضر يا عم حسن، عشان خاطرك بس.
وفعلاً بدأت تعمل مع عم حسن. تأخذ منه القرص تبيعه في المكان الذي حدده هو لها، بعد أن تخبر زوجة خالها أنها ذاهبة لكي تقرأ مع هدى زميلتها.
كانت تبيع القرص بشكل يومي.
في بداية الأمر كانت خائفة، لكن مع مرور الوقت تعودت على ذلك.
إلى أن جاء ذلك اليوم الذي اقترب منها رجل غريب وحاول التحرش بها.
ابتعدت هي، لكنه ظل يلحقها.
كانت خائفة جدًا، فقد ذكرها بيونس وما كان يفعله معها.
إلى أن ركضت وركضت بسرعة شديدة.
وظلت تركض وتركض، حتى بعد أن رأت الرجل تركها ورحل بعيدًا، لكنها ظلت تركض وتركض.
حتى سقطت وجرحت ساقها.
وسقط ما بقى معها من القرص.
ظلت تبكي وهي لا تزال ممدة على الأرض.
مدت يدها ترفع نفسها من على الأرض، وجلست.
وأيقنت في هذه اللحظة أنه لا يوجد أحد يساعدها، لن يمد أحد لها يده.
نظرت إلى يدها لتجد أثر ذلك الحرق الغائر على يدها، فعلمت أنها هي فقط من تستطيع أن تساعد نفسها، ليس هناك أحد آخر.
فعزمت في داخلها أنها ستواصل ولن تتوقف، وستكون ذات شأن في يوم من الأيام.
وهي من سوف تداوي أحزانها بنفسها.
جمعت قطعتين القرص، وحمدت الله أنها قطعتين فقط.
نفضت عنهم التراب الذي لوثهم كما لوث الفقر طفولتها.
وتناولتهما كوجبة لها.
وأخبرت نفسها أنها سوف تطلب من عم حسن أن يخصم ثمنها من حسابه.
لكن مهلاً.. ماذا تفعل ملابسها التي تمزقت وحذائها الذي قطع؟ ألا ينقصها هذا أيضًا؟
لم تهتم حبيبة بجرح قدمها وآثار الدماء البسيطة، لكن اهتمت كيف ستذهب للمدرسة من دون حذاء.
عادت إلى عم حسن الذي تعجب من حالها.
لكن قصت عليه حبيبة ما حصل.
عم حسن: مش قلتلك ياحبيبة؟ أهو ده اللي كنت خايف منه.
حبيبة: أرجوك يا عم حسن، أنا مش هبطل. أرجوك.. أنا قدرت أحمي نفسي.
عم حسن: هو يصرخ بوجهها غاضبًا: وإن مقدرتيش تحمي نفسك المرة الجاية هقول لخالك إيه؟
حبيبة: لا أرجوك يا عم حسن، والله هعرف أحمي نفسي. عشان خاطري. أنا فرحانة أوي إني هقدر أخفف عن خالي.
عم حسن: خلاص ياحبيبة... ادي حسابك.
حبيبة: لا، في قطعتين وقعوا مني، اخصم حسابهم.
عم حسن: حبيبة، اعتبريه حمد الله على السلامة.. مني.
نظرت حبيبة إلى ملابسها وحذائها بحرج، ثم نظرت إلى عم حسن.
فافهم هو من نظراتها ما تقصد، فقال:
عم حسن: استنيني ياحبيبة ثواني وراجعلك.
جلست حبيبة على استحياء تنتظره.
إلى أن عاد ومعه ملابس وحذاء مستخدم.
عم حسن: خذي ياحبيبة يابنتي.. دي جزمة وهدوم من هدى.. بدل اللي اتقطع.
حبيبة: أنا هاخد الجزمة بس يا عم حسن. أنا عندي هدوم في البيت.
عم حسن: خذيهم ياحبيبة ومتكسفنيش. أنا لو عندي وقت كنت جبتلك جديدة.
أمسكت حبيبة كيس الملابس واعتصرته، كأنها تعتصر قلبها كي لا ينزف ألمًا على مشاعر القهر التي تشعر بها.
لم تلبس يومًا ملابس غيرها لأن والدتها كانت خياطة ماهرة وكانت تصنع الملابس لها، لكنها اليوم مضطرة لذلك.
أخبرت زوجة خالها، التي بدأ تشك في تغيبها المستمر، بأنها سقطت في الشارع وهدى أعطتها ملابسها.
تفهمت نجاة رغم عدم اقتناعها بذلك، لكنها قررت أن تخبر خالها.
***
عاودت حبيبة العمل، لكن هذه المرة في مكان آخر اختاره لها عم حسن أيضًا.
لكن في يوم سمعت صوت يناديها في الشارع.
حبيبة!
لتصعق عندما استدارت ورأت خالها ينظر إليها بغضب شديد.
تسمرت في مكانها، وكأن قدميها قد تجمدت، والدماء جفت من عروقها.
أمسك محمود ذراعها بشدة، ألأمتها، لكن ليس كألم نظرات خالها لها.
محمود: بتعملي إيه هنا ياحبيبة؟
حبيبة: أنا... أنا...
محمود: ان جري معايا. وحسابك في البيت.
ليسحبها خلفه من ذراعها.
وعندما وصلا إلى الشقة، دفعها نحو الداخل بقوة حتى سقطت على الأرض.
محمود: بصراخ وغضب: بتستغفليني يابنت شريفة ورايحة تشتغلي في الشارع!
لتشهق نجاة وتضع يدها على فمها، فهي أخبرتها بتغيبها، لكن لم تكن تعلم أنها تعمل.
لكن كيف علم هو بذلك؟
محمود: ردي. انطقي. بتشتغلي ليه؟ أنتِ طلبتي حاجة وأنا قلت لا.
حبيبة: وهي تبكي: أنا كنت عاوزة أساعدك ياخالي.
محمود: وهو يصرخ بصوت أرعب الجميع: وأنا كنت طلبت منك تساعديني؟ انطقي.
حبيبة: وهي تبكي وشهقاتها تعلو: من غير ما أطلب ياخالي. أنا عاوزة أساعدك. أرجوك ياخالي.
محمود: بعد أن رق قلبه قليلاً من بكائها، لكن لازال في قمة غضبه: وأنا مش عاوز مساعدتك.
حبيبة: وأنا مش عاوزة أكون حمل عليكم.
محمود: وهو يتعجب من الكلمة، فهي لازالت صغيرة على هذا الكلام: وأنت مين قالك إنك حمل عليه؟
حبيبة: أهل الحارة كلهم بيقولوا الكلام ده، بيقولوا زودت حمل خالها.
محمود: وهو يمسح وجهه بقوة ويزفر أنفاسه بشدة، ويحاول أن يطفئ نيران قلبه الذي يؤلمه على هذه المسكينة التي سمعت ما فوق طاقتها.
اقترب منها ونزل مستواها، مسح دموعها بيديه، وقال:
محمود: عمرك ياحبيبتي ما زودتي الحمل عليه. أنتِ بنتي. يابنت، أنتِ شوفتي في يوم بنت بتكون حمل على أبوها؟ وأنا مرضاش يا حبيبة بنتي تلف الشوارع وتبيع قرص. أمال أنا أبقى راجل وقد المسؤولية إزاي وأنتِ بتعملي كده؟
حبيبة: التي ارتمت بين أحضان خالها وقالت: أرجوك ياخالي، أرجوك خليني أساعدك.
محمود: أبوس إيدك.. أنا مرتاح ومبسوطة وأنا بكسب.
ثم هرولت نحو حقيبتها وجلبت النقود التي جمعتها، وقالت:
حبيبة: بص ياخالي، الفلوس اللي كسبتها.. هشتري بيها هدوم الشتا. وأنت اشتري هدوم دلال ومصطفى. هشتري هدومي أنا بس ياخالي.
أمسك محمود يدها وقبلها، وبدأت دموعه تسقط وهو يسمع كلامها، لكنه لن يسمح لها أن تكمل.
محمود: معلش ياحبيبتي، أنا هجيب هدومكم كلكم، وأنتِ اهتمي بمدرستك. ملكيش دعوة بالكلام ده.
حبيبة: بس ياخالي.. أنا.. متفوقة وبجيب نمر عالية، صدقني.
محمود: حبيبة... الكلام انتهى في الحكاية دي.
***
ذهب محمود إلى حسن كي يفهم منه الموضوع بشكل أوضح.
حسن: والله يا محمود أنا قلتلها إنك مش هترضى، لكن هي أصرت وقالت أنا عاوزة أساعد خالي.
محمود: وهو ينكس رأسه والدموع تتجمع في عينيه: طول عمرها حنينة وبتحس بيا، حتى لما كانت أمها موجودة كانت دايما تحس بيا لما أكون تعبان. لكن لا يا حسن، مش أنا اللي أسيب بنت أختي تشتغل في الشارع. الناس يقولوا إيه؟
حسن: الناس عمرهم ما هيرضوا عن حد يا محمود.
محمود: وأنا هقول إيه لنفسي لما أسيب بنت أختي تشتغل وهي في السن ده؟ وافرض في يوم أبوها شافها، هيقول إيه؟ مرمطها وشغلها في الشوارع.
حسن: أبوها عمره ما هيفكر فيها، ده راجل بخيل ما صدق إنه رمى حمله.
محمود: ولو يا حسن، دي طفلة. تتمتع بطفولتها.. والا تشتغل؟ يعني هو أنا هقف على لقمة عيشها يا حسن؟
حسن: تعرف يا محمود، من ساعة ما حبيبة اشتغلت معايا، وأنا عرفت حاجة. حبيبة عمرها ما كانت طفلة. حبيبة شايلة عقل وفكر أكبر من سنها. دا وهي بتكلمني حسيتها بنت تلاتين سنة. بنت جدعة بصحيح. عندها كرامة وعزة نفس. تعرف إنها تشبهك.
محمود: أيوه صحيح، هي عقلها أكبر من سنها. بس ده مش معناه إنها تشتغل.
حسن: عاوز نصيحتي يا صاحبي؟ سيبها تشتغل. حبيبة زي ما قالت لك، حاسة إنها تقيلة عليك، سيبها يامحمود تحس إنها مش عالة عليك. وأهي بتشتغل معايا والمكان اللي بتبيع فيه أمان، زي ما شفت. وأنا وصيت عمي شرابي بتاع الكشك اللي في الشارع عليه.
محمود: أنت بتقول إيه يا حسن؟
حسن: صدقني يا محمود، أنت لو منعتها هتكسرها وتخليها دايماً تحس إنها عالة. البنت عندها عزة نفس. وبعدين إحنا هنضحك على بعض يا محمود؟ ما أنا أعرف الحال. أنت بتلم اللقمة بالعافية. سيبها تشيل شوية من الحمل عنك. سيبها يا محمود.
يتبع...
رواية أصفاد الحب الفصل الثالث 3 - بقلم رشا عبد العزيز
رضخ محمود تحت ضغط من حسن ونجاة، وترك حبيبة تعمل تحت أنظار حسن وفي أماكن يستطيع أن يؤمنها فيها، وفي النهار فقط.
مرت سنوات دراستها الإعدادية وهي تعمل في الشارع وتدرس وتتفوق في ذات الوقت. لم تقتصر حبيبة على بيع الأقراص، بل باعت كل شيء: المناديل، الأقراص، الترمس، كل ما يجلب نقوداً.
لكن ورغم كل شيء، لم تسلم حبيبة من الناس في الشارع. كانت هناك مواقف ظلت محفورة في ذاكرتها. لا تنسى المرأة التي دفعتها وقالت: "إمتى نخلص منكم". ولا الرجل الذي طلبت منه أن يشتري المناديل، ففتح زجاج سيارته وبصق في وجهها وقال: "امشي من هنا بدل ما أضربك". ولا الولد الذي رمى أغراضها ودعس عليها بقدمه أمام أنظار والدته التي كانت تضحك لما يفعله ابنها بتلك المسكينة، فقط لأن صندوق أغراضها لامس جسده عندما كانت تمر بجانبه.
مواقف كسرت تلك الفتاة، لكنها لم تثنها عن مواصلة العمل. هدفها كان دائماً نصب عينيها.
ولن تنسى حبيبة ذلك اليوم الذي شاهدت فيه والدها يسير بجانب أولاده متفاخراً بهم. تسرعت واختبأت حتى لا يراها، لكنها رأته. وما رأته مزق قلبها. لماذا يعترف بأولاده، ولم يكلف نفسه يوماً بالسؤال عنها؟ هل لأنها فتاة؟ أم عقاباً لها ولوالدتها؟ تلك التي لم تعرف عنها شيئاً هي الأخرى، فلم تتصل خلال تلك السنوات سوى مرات معدودة ولثوانٍ قليلة.
لكنها قررت أن تعتبرهم غير موجودين، وأنها يتيمة الأبوين. أقنعت نفسها بذلك لكي ترضي عقلها عن التفكير وتريح قلبها الممزق من الألم.
وكانت تحمد الله دوماً أنه رزقها خالها وعائلته، التي ازدادت فرداً آخر. فقد أنجبت نجاة فتاة سموها فرح. كانت جميلة وتشبه عمتها. وكانت العائلة فرحين بوجودها الذي أضفى على حياتهم بهجة وروحاً.
تتذكر حبيبة جيداً اليوم الذي ولدت فيه فرح. كان عمرها حينها ١٤ عاماً، وكيف اختلف مصطفى ودلال حول اختيار اسم لها، حتى حسم خالهم الأمر وسماها فرح.
ومرت سنوات أخرى لتصل حبيبة إلى مرحلة الثانوية العامة. وكانت هذه المرحلة بنسبتها هي المرحلة الفاصلة. تعاملت معها كأنها حرب، فأما تكون أو لا تكون. ستنجح حتى لو اضطرت ألا تنام سوى بضع ساعات، وتذاكر وتعمل في ذات الوقت.
محمود: حبيبة يابنتي ارحمي نفسك وبلاش شغل السنة دي. انتي محتاجة تذاكري يابنتي.
حبيبة: عشان خاطرك على راسي وعيني يانور عيني. قالت ذلك وهي تقبل يده ورأسه. لكن أنا هشتغل يوم ويوم، متخافش. أنا هقدر أدبر نفسي يا حودة.
محمود: متحسسنيش بالذنب ياحبيبة. دا أنا ابني مابيشتغلش قدكم.
مصطفى: طب إيه اللي جاب سيرتي دلوقتي؟ ما أنا بشتغل في الورشة مع عمي جعفر. حبيبي قلبي. اللي نفسي أخنقه كل ما بشوفه.
حبيبة: ههههه. وهو كمان بيحبك. الصراحة.
دلال: آه بدليل مابيعرفش يناديك إلا باسم الدلع بتاعك يا غبي. هههه.
مصطفى (وهو يظهر الغضب ويتكلم بسخرية): هههه بايخة يا هبلة.
دلال: احترم نفسك يا مصطفى.
مصطفى: مش لما تحترميني انتي الأول.
دلال: بابا يرضيك يغلط في أخته الكبيرة.
نجاة: انتو مش هتبطلوا نقر ونقير بتاع كل يوم.
محمود: بس يا ولاد كفاية. احترموا وجودي.
(بصوت واحد)
الاثنان: أسفين يا بابا.
وهذا كان نظام المشاكسة التي لا تنتهي بين الإخوة الأعداء، كما يسميهم والدهم.
***
كانت حبيبة دوماً مثالاً للتلميذة الهادئة. لم تفتعل يوماً مشكلة، لهذا كانت دوماً محبوبة في مدرستها. لم يكن لها أصدقاء، فلم تكن تمتلك الوقت لذلك. فقد كانت تستغل أوقات الاستراحة بين الحصص بالمذاكرة. لم تكن لها علاقة بأحد إلا هدى، التي كانت تذهب وتعود معها للمدرسة.
حتى انتقلت لمدرستهم مدرسة جديدة، ولها ابنة مع حبيبة في نفس الفصل. كانت ابنتها تغار من حبيبة لتفوقها ومحبة المدرسين لها وثنائهم الدائم على تفوقها.
وفي يوم، كان هناك اختبار كيمياء. هذه المادة التي تدرسها تلك المدرسة. فقررت ابنتها أن تشوه سمعة حبيبة بأن تتهمها بالغش. وطلبت من حبيبة قبل الامتحان أن تجلس بجانبها، ثم أبلغت المدرسة أن حبيبة تغش منها ويجب أن توقفها.
إيناس: لو سمحت يامس، حبيبة بتغش مني. وبقالها ساعة عمالة تبص لورقتي وتطلب مني إني أساعدها.
والدة إيناس: إيه اللي بتقوليه. معقولة هي وصلت لكده.
حبيبة: والله يامس كذب. والله ما عملت كده.
والدة إيناس: اخرسي وتعالي معايا.
(بدأت حبيبة في البكاء، وبدأت تتوسل لمدرستها أن تصدقها، لكن لا حياة لمن تنادي. فهل تكذب ابنتها لتصدق حبيبة؟)
والدة إيناس (التي تدعى مس منى): رفضت سماع حبيبة، وأخذتها إلى مكتب مديرة المدرسة. التي عندما رأتها، وقفت متلهفة ومستفهمة عندما رأتها تبكي.
المديرة (بدهشة): حبيبة بتبكي ليه يابنتي؟ حبيبة مالها يامس منى؟
مس منى: البنت دي عمالة تغش في الامتحان يامس.
المديرة (مستغربة): حبيبة مستحيل تعمل كده. حبيبة بنت ذكية ومتفوقة ومش محتاجة تغش.
مس منى: بس أنا متأكدة إنها غشت.
حبيبة (وهي تعلو شهقاتها): والله يامس ما غشتش. أقسم بالله ومستعدة أمتحن قدامكم دلوقتي لو أنا كذابة.
مس منى (بصراخ): اخرسي. انتي هتكذبيني؟ مش كنت بتبصي على ورقة إيناس وبتطلبي منها تغششك.
حبيبة (وهي تبكي): والله يامس ما حصل.
مس منى: كده بقى عرفنا انتي متفوقة إزاي. انتي متفوقة بالغش.
حبيبة (بالغش!!): لتدور بداخلها نيران تحرق قلبها، جعلت الدم بين شرايينها يغلي. حتى تعبها ومجهودها ينكرونه عليها. هل استكثرت الدنيا والناس عليها الشيء الوحيد الذي يفرحها؟ لماذا كان هذا السؤال الذي يصرخ في قلبها وعقلها؟
حتى انتبهت للمديرة وهي تقول:
المديرة: لو سمحتي يامس منى. حبيبة تلميذتنا وإحنا عارفينها كويس، مستحيل تعمل كده. الظاهر بنت حضرتك توهمت.
منى: إزاي يعني توهمت دا يامس؟ هي بنتي هتتبلى عليها؟
المديرة: وأنا ما قلتش كده. لكن حبيبة متفوقة ودايماً هي الأولى على المدرسة، وبشهادة كل المدرسين. مش معقولة تحتاج للغش، ودلوقتي وفي السنة دي وفي الامتحان ده بالذات.
(تبهت مس منى وهي ترى دفاع المديرة عن حبيبة. لتكمل المديرة وتقول)
المديرة: وعشان أطمنك هاتي الأسئلة. وأعطت حبيبة الورقة وقالت لها: حبيبة هتحل الامتحان هنا قدامي وقدامك. يلا يا حبيبة.
(لتحل حبيبة الامتحان ومن دون أي خطأ يذكر)
(تلعثمت مس منى عندما رأت إجاباتها المثالية)
المديرة: ها يا مس. أظن الدرجة النهائية. كده حبيبة أثبتت أن اتهامها باطل.
مس منى: أنا... أنا... لم تعرف ماذا تقول، فصمتت.
المديرة: روحي يا حبيبة على فصلك.
(رحلت حبيبة وهي تشعر بالراحة، فالله وضع لها من ينصفها، فحمدت الله في سرها وشكرته. لتقول المديرة لمس منى)
المديرة: أنا دافعت عن حبيبة لأني عارفة معدنها كويس، ومرضتش أتكلم أو أعاقب بنتك على اتهامها عشان ما أعملش تفرقة بينهم. لكن لو اتكررت، صدقي يامس تصرفي هيكون مختلف.
(لم تجب منى بشيء، فقط أومأت برأسها)
***
واصلت حبيبة مثابرتها من أجل هدفها. نعم، كانت تعلم أنها الآن تحارب. تحارب الماضي والظروف والفقر. إما أن تهزمهم أو تهزم. وإذا مضى الوقت، ليس هنالك سبيل للرجوع.
كانت أيام الامتحانات أقسى فترة عليها، لكنها تحلت بالصبر، ووسط اجتهادها ودعاء خالها وأسرته، مضت تلك الأيام بصعوبة. وها هي اليوم تنتظر النتيجة التي ستظهر بعد قليل. كانت مع هدى وعم حسن، الذي كان هو أيضاً يترقب نتيجة ابنته.
هدى (تصرخ): نجحت! نجحت يا حبيبة! جبت ٨٠٪. أخيراً هدخل الكلية اللي بحبها.
(ليقفز والدها محتضنها، ووالدتها أيضاً، يقبلونها ويحتضنونها فرحين بإنجاز ابنتهم)
(رغم قلق حبيبة من نتيجتها، لكن هذا المشهد جعل قلبها يعتصر وجرحها ينزف من جديد. وتمنت بداخلها لو كانت تستطيع أن تعيش هذه المشاعر. هي لم تكن يوماً ناقمة أو حاسدة، لكن لماذا؟ لماذا حرمت هي من أن تعيش وسط عائلة سوية، بين أم وأب يحبونها؟ لماذا لم يفكر والديها بها قبل أن يأخذوا قرار الانفصال؟ لم كانت هي الضحية ودفعت ثمن ذنب لم تقترفه؟)
(مسحت دموعها التي تجمعت في مقلتيها، وقالت)
حبيبة: وأنا يا هدى، ممكن تشوفي نتيجتي؟
(أمسكت هدى الموبايل وبدأت تقلب فيه، حتى نظرت نحو حبيبة بوجه عابس)
حبيبة: فيه إيه يا هدى؟ اتكلمي. إيه هي النتيجة؟
هدى: بصراحة ظالمينك أوي أوي يا حبيبة. ليه كده؟
(هوى قلب حبيبة من الخوف. هل خسرت المعركة؟ هل ذهبت أحلامها سدى؟)
(وتتكلم بصوت مهزوز متلعثم)
حبيبة: النتيجة إيه يا هدى؟
(لتقفز هدى وهي تقول)
هدى: ٩٩٪! عملتيها يا حبيبة. نجحتي!
(تسمرت حبيبة في مكانها، جسدها يرتعش وقلبها ينتفض. كانت هذه اللحظة كل بلسم بارد الذي داوى معاناتها وطبطب على جراحها. انتصرت أخيراً! أخيراً!)
(تجبر ولم تشعر بنفسها إلا وهي تسجد شكراً لله وتحمده على حلم كانت تظنه مستحيلاً)
(هذا المنظر جعل حسن وزوجته وهدى يبكون)
(احتضنتها هدى ومن ثم والدتها، وقالت)
هدى: ألف مبروك يا بنتي.
حسن: ألف مبروك يا حبيبة. ألف مبروك يا دكتورة يا رافعة راسنا.
(رقص قلب حبيبة لهذا اللقب الذي سعت له دوماً)
حبيبة: متشكرة يا عم حسن. أنا... أنا هروح أبشر خالي.
حسن: أيوه يابنتي تلاقي دلوقتي على نار.
(لم يكمل حسن حديثه إلا وسمعوا طرقات متتالية على الباب. فتح حسن الباب ليجد محمود واقفاً أمامه يلهث، يبدو أنه قد جاء مسرعاً)
محمود: طمني بأحسن حبيبة عملت إيه.
(لتنطلق حبيبة نحوه بلهفة وفرح لتقول)
حبيبة: ٩٩.. يا خال! أنا نجحت.
(ليحتضنها محمود ويحملها ويدور بها وهو يبكي ويقول)
محمود: ألف ألف مبروك يا بنتي. ألف مبروك يا رافعة رأسي.
(أخرجها من أحضانه وقبل جبينها وقال)
محمود: أنا كده بقيت خال الدكتورة. ألف مبروك يا حبيبتي.
(لتضحك حبيبة وتمسح دموعها وهي تقول)
حبيبة: لسه بدري يا بابا لما نشوف مكتب التنسيق كم يفرح هو عندما يناديني... بابا. وكأنها ابنته الحقيقية. نعم ابنته التي يحبها أكثر من روحه.
محمود: لا ياحبيبتي. إن شاء الله دكتورة وأحلى دكتورة كمان.
(أخذها ورحل ليفرح باقي أسرته)
(كم أثلج قلبها منظر أهل الحارة وهم يباركون خالها. وكم كان هو فخوراً بإنجازها)
(كان يسير جوارها ويقول: حبيبة جابت ٩٩٪. والنساء تزغرط، والرجال تبارك له. كانت كأنها ملكة تسير طريقاً من الأمل والنجاح والفرح)
(حتى وصلت إلى شقة خالها واحتضنتها نجاة وزغرطت. واحتضنتها دلال، وأصبح مصطفى يطرق على الطاولة ويغني أغاني النجاح. ودلال تغني معه وتمسك يد حبيبة تجعلها ترقص معها. كانت أعين نجاة ومحمود تمتلئ بدموع الفرح لهذه الصغيرة التي عانت الكثير)
(كانت حبيبة تعيش أجمل يوم في حياتها المليئة بالألم. لكن هذا اليوم لم يكن يوم الفرح الوحيد بالنسبة لها. فكان هناك يوم آخر مماثل له، عندما علمت أن مكتب التنسيق اختار لها كلية الطب جامعة الإسكندرية. ها هو الحلم يكتمل ويتلون بألوان الأمل في مستقبل مختلف)
(بالنسبة لها، كانت حبيبة تنام هذه الأيام وقلبها مطمئن. لكن كان غيرها ينام وهو يحمل هماً أكبر)
نجاة: مالك يا محمود؟ سرحان في إيه؟
محمود: بفكر بحبيبة. كان نفسي أجيب لها فستان جديد عشان تروح بيه الكلية.
نجاة: بصراحة يامحمود، أنا مرضتش أتكلم أحسن تزعل. لكن حبيبة ما كانش المفروض تدخل كلية الطب دي. مصاريفها تقيلة وإحنا... منقدرش عليها.
محمود (وهو ينظر إليها بغضب): نجاة أوعي تاني مرة أسمعك تقولي الكلام الفارغ ده. وأوعي حبيبة تسمعك. ده أنا أقطع من لحمي ولا إني أكسر فرحتها. مش كفاية اللي هي شافته واتحملته. وزي ما هي شالت عني، أنا كمان هشيل عنها.
نجاة: بس يامحمود. هتجيب منين؟
محمود: هتدبر إن شاء الله. ربنا كريم.
***
كان اليوم هو آخر يوم إجازة وغداً أول يوم لها في الكلية. كانت متحمسة جداً، تشعر أنها تطير في السماء كعصفور حصل أخيراً على حريته. فقيود الخوف تكسرت، وعدت نفسها أن تحطم قيود الفقر أيضاً.
كانت تنام بجوار دلال التي سألتها:
دلال: نمتي يا حبيبة؟
حبيبة: فرحانة أوي ومش قادرة أنام. خايفة أنام أصحى ألاقي نفسي بحلم.
دلال: يارب دايماً فرحانة يا بيبه. حبيبة كنت عايزة أسألك، هو انتي هتفضلي تشتغلي في الشارع؟
حبيبة: طبعاً أكيد. الكلية مصاريفها كتير وخالي ما يقدرش عليها.
دلال: طب وكليتك ودراستك؟
حبيبة: إن شاء الله هقدر أوفق مابينهم.
دلال: بس يا حبيبة انتي دلوقتي دكتورة. افرضي حد من زمايلك شافك.
حبيبة: ولو شافوني فيها إيه؟ هو الشغل عيب؟ بعدين أنا مش مستعرة من الشغل.
دلال: طب يا حبيبة، ماتشوفي لك شغلانة في محل محترم كده. أصل في الشارع دي... يعني مش مناسبة لطالبة كلية طب.
حبيبة: يادلال أي محل لما يعرف إني لسه طالبة هيرفض يشغلني، خصوصاً لو كلية زي كليتي. دا أولاً. ثانياً، أنا كده لازم ألتزم معاهم وأنا مش هقدر ألتزم. أنا كده حرة نفسي، أقدر لما يكون عندي امتحان ألغي الشغل.
دلال: مش عارفة أقولك إيه يا حبيبة، بس فكري يمكن تلاقي حل. أصل خايفة تتحرجي وسط الكلية.
حبيبة: متخافيش. أنا عارفة قيمة نفسي وحدودها، وأنا مش مستعرة من حاجة. دي حياتي ومش هخبيها ولا أخاف حد يعرف عنها حاجة. أنا مبعملش حاجة لا غلط ولا حرام.
دلال: ربنا يوفقك ياحبيبتي. ويله نامي يا دكتورة عشان تصحصحي بكرة.
***
وقفت حبيبة أمام أسوار كليتها، ذلك الصرح الكبير. حلم أصبح حقيقة. خطت خطواتها الأولى إلى الداخل، وحركت رأسها يميناً ويساراً لتصطدم بتحدٍ أكبر. لم تكن الكلية بزي موحد وبسيط كما كانت المدرسة. نظرت إلى ملابس الفتيات التي كان بعضها يحمل الماركات العالمية. لتحول نظرها إلى فستانها الذي بهت لونه بتصميم قديم، حذائها القديم. كيف ستواجه هذا المجتمع الجديد وهذه الطبقة التي كانت بعيدة عنها؟
رواية أصفاد الحب الفصل الرابع 4 - بقلم رشا عبد العزيز
خطت أول خطواتها نحو الكلية، هذا العالم الجديد والمجهول. دخلت المدرجات بخطوات مضطربة وجلست في أقرب مكان. حركت أنظارها يميناً ويساراً لتجد عالماً مختلفاً لم تره من قبل. لكنها كانت دائماً تحدث نفسها، أنها هنا لهدف يجب تحقيقه مهما كلف الأمر، لن تقف بعد أن وصلت إلى هذه النقطة.
مرت أكثر من خمسة أشهر منذ هذا اليوم. كان نظام حبيبة فيه الانعزال، نعم الانعزال عن الجميع. لم تختلط بأحد ولم تكلم أحداً. كانت تقضي معظم وقتها في الدراسة حتى عرفت بالدحيحة، فقد حصلت على تقديرات عالية جداً في اختبارات الـ Midterm. ورغم انعزالها عن التلاميذ، لكنها لم تسلم من بعض النظرات المشمئزة والمتطفلة. ورغم محاولات بعض زملائها الاحتكاك بها، لكنها رفضت.
حتى جاءت تلك اللحظة، حين سمعت من يقول لها:
"السلام عليكم."
رفعت حبيبة نظرها لتجد فتاة ذات بشرة خمرية، تحمل ملامح رقيقة. هي تعرف أنها رأتها قبلاً.
حبيبة:
ردت بتعجب.
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته."
نهى:
"أنا نهى محسن، زميلتك هنا في الكلية."
حبيبة:
"أهلاً يا نهى. أنا آسفة بس أصلي ما بختلطش كتير عشان كده ما أعرفكيش."
نهى:
"لا عادي، ممكن أقعد؟"
حبيبة:
"آه أكيد، اتفضلي."
جلست نهى على المقعد بجانبها، ووجهها تزينه ابتسامة جميلة.
نهى:
"آسفة لو تطفلت عليكي، بصراحة... أنا نفسي أتعرف عليكي وأتكلم معاكي."
تعجبت حبيبة ونظرت إليها وهي تعقد حاجبيها.
حبيبة:
"تتكلمي معايا أنا؟!"
نهى:
"بصراحة آه، انتِ من زمان وأنتِ شادة انتباهي، حساكي شبهي، أوي. بتحبيش جو التجمعات، عايشة بهدوء ومنعزلة. وأنا بصراحة زيك كده."
حبيبة:
بتنهيدة.
"أنا لسه مش واخدة على جو الكلية رغم المدة دي، حاسة إني غريبة. يمكن عشان زي ما قلتي بحب الهدوء، ويمكن عشان الناس هنا مش شبهي."
نهى:
"عندك حق. طب، ممكن نكون أصحاب يا حبيبة؟ أنا نفسي يكون عندي صاحبة زيك."
أجابتها حبيبة بابتسامة وهي تمد لها يدها لتصافحها.
حبيبة:
"حبيبة محمد."
نهى:
وهي تصافحها.
"نهى محسن."
كانت هذه البداية لصداقة لم تتوقع حبيبة أنها ستصل إلى هذا المرحلة. فنهى لم تكن مجرد صديقة لحبيبة، نهى كانت كشقيقتها المقربة. ساعدتها نهى كثيراً في توفير مراجع الكلية وتوفير بعض الأدوات. والد نهى كان دكتوراً جامعياً وكان أستاذاً لحبيبة في الوقت نفسه، واعتبرها كابنة له. وكان فرحاً جداً لصداقتها مع نهى.
أما عن حبيبة، فكانت طوال الست سنوات تحصل على التقديرات النهائية وبقيت من الأوائل على أقرانها. وها هي تجلس مع نهى في الكلية وقد أصبحت في سنة التخرج.
نهى:
"يا بنت ارحمينا، إحنا بقالنا ساعة بنذاكر. أنا تعبت، أنتِ مبتتعبيش."
حبيبة:
"بطلي زن، مش عارفة أركز."
نهى:
"نعم يا أختي، كل ده ومش عارفة تركزي."
حبيبة:
"عايزة إيه يا نهى من الآخر؟"
نهى:
"عايزة أفطر، جعانة يا ناس. ارحميني. خلينا نروح الكافتيريا نفطر، وأنا عزماكي يا ستي."
حبيبة:
"نهى، أنتِ عارفة إني مبحبش أروح هناك. هند وشلتها أكيد هناك وأنا مش عايزة أحتك بيها. ده أنا مشيت السنين اللي فاتت معاها بالعافية."
نهى:
"يا بنتي إحنا مش هنحتك بيها، إحنا هنفطر. طب يا ستي نشتري حاجة ونمشي. يلا يا حبيبة، ما تبقيش رخمة."
اقتنعت حبيبة بكلام نهى وذهبت معها للكافتيريا. حبيبة كان تخشى الاحتكاك بهند زميلتها لأن هناك منافسة فيما بينهما، وهند شخصية متعالية تنظر لحبيبة نظرة دونية.
وصلت الاثنتان إلى الكافتيريا، واختارت نهى طاولة. جلست حبيبة وذهبت نهى لتجلب الطعام. فتحت حبيبة كتابها وبدأت تدون بعض الملاحظات، حتى وجدت من تقف أمام طاولتها وتقول:
هند:
"إيه دا، بياعة الشاي موجودة هنا. إيه جاية تعرفي سر الوصفة؟ هههه."
لترد عليها فتاة أخرى:
"الظاهر بقى عندها قرشين وجاية تترسم بيهم، ههههه."
لتجيب أخرى:
"الظاهر الزباين عندها بيقلوا، عشان كده عايزة وصفة جديدة."
كانت حبيبة تستمع لهم بمنتهى البرود، فقد تعودت على تنمرهم عليها بعد أن عرف أحد زملائها أنها تعمل في بيع القهوة والشاي في كشك على شاطئ البحر، ذلك المشروع الذي شاركتها فيه نهى لكي تتوقف حبيبة عن البيع في الشارع. وتقف في هذا الكشك، لم تشعر حبيبة بالعار يوماً من عملها، فهي كانت دوماً تعلم أن لا فائدة من إخفاء الحقيقة.
حبيبة:
"والله أنا مش محتاجة وصفة جديدة، أنا الشاي والقهوة اللي بعملهم الكل بيشهد ليا."
لتنظر لها هند باشمئزاز وتقول:
هند:
"طبعاً، ناس من الشارع هتشهد لبياعة شارع."
حبيبة:
"والله أهو الناس اللي في الشارع على الأقل قلبها نضيف، أحسن بكتير من ناس تانية."
هند:
بغضب ونبرة صوت عالية قليلاً.
"تقصدي إيه يا حبيبة بكلامك دا؟"
قطع هذا الحوار وصول صهيب، طالب انتقل للكلية حديثاً، شاب وسيم ومن عائلة كبيرة، وكانت هند معجبة به.
صهيب:
"حبيبة، أنتِ هنا وأنا بدور عليكي."
هند:
"وأنت بتدور عليها ليه يا صهيب؟"
صهيب:
وهو ينظر لها بتعجب.
"وأنتِ مالك؟"
استشاطت هند غضباً بعد جواب صهيب ونظراته لها، فأحبت أن تجرح حبيبة.
هند:
"افتكرت عايز منها كوباية شاي، ههههه."
صهيب:
"علم ما ترمي له."
فقال لها بنبرة صوت فيها نبرة غضبه:
هند:
"أنتِ بتقولي إيه، احترمي نفسك."
صهيب:
"أنا يا صهيب بتقولي احترمي نفسك، وعشان مين؟ عشان دي؟"
قالت هذا وهي تشير إلى حبيبة بغضب واشمئزاز.
صهيب:
"هند."
حبيبة:
"خلاص يا صهيب، هند. صهيب عايز مني ملخص، ارتحتي كده، اطمنتي."
كانت حبيبة تعرف أن هند معجبة بصهيب، وتعلم أنها تضايقها بسبب ذلك. لكن ما لم تكن تعلمه هند أن حبيبة تعمل ملخصات لصهيب مقابل النقود.
رحلت هند من المكان وهي تحمل حقداً وكراهية أكبر لحبيبة.
صهيب:
"أنا آسف يا حبيبة."
حبيبة:
"لا عادي، ولا يهمك. اتفضل."
صهيب:
"متشكر يا حبيبة. اتفضلي الفلوس، وأسف مرة تاني."
أخذت حبيبة منه النقود أمام أنظار نهى التي وصلت منذ مدة.
نهى:
"أنا آسفة يا حبيبة، كله بسببي. لكن ما تسيبيش من صهيب، هي بتعمل كل دا عشانه."
حبيبة:
"يا بنتي صهيب بيدفع كويس، أنا مالي. تفكيرها خليها تفكر زي ما تفكر."
نهى:
"يا حبيبة اتقي شرها، دي واحدة مش سهلة."
حبيبة:
"يا بنتي هو أنا جيت جنبها؟ أنا محتاجة الفلوس يا نهى، الكشك لوحده مش كفاية. السنة دي أنا محتاجة حاجات كتير."
نهى:
"أنا بس خايفة عليكي منها."
حبيبة:
"خليها على الله."
نهى:
"طب يلا بينا عشان محاضرة دكتور عمر هتبدأ."
دخلت حبيبة ونهى المدرجات، لتنظر لهما هند نظرات يملؤها الحقد. تجاهلهما كلاهما، ودخل دكتور عمر المحاضرة. وبعد انتهائها، خرج دكتور عمر. فتبعته حبيبة مهرولة ونادت عليه.
حبيبة:
"دكتور عمر، دكتور عمر."
دكتور عمر:
بعد أن انتبه لها.
"أهلاً، أهلاً بالتلميذة المجتهدة. إزيك يا حبيبة؟"
حبيبة:
"الحمد لله يا دكتور. كنت عايزة أسألك بس على البحث اللي قدمته لحضرتك. إيه رأيك؟"
دكتور عمر:
"ممتاز طبعاً يا حبيبة، ما شاء الله عليكي بتبهريني كل مرة."
حبيبة:
"متشكرة أوي يا دكتور."
دكتور عمر:
"حبيبة، زي ما اتفقنا بعد التخرج هتشغلي عندي في المستشفى."
لينظر إلى نهى ويقول:
"أوعي دكتور محسن يستخدم نهى واسطة وياخدك عنده، هههه."
حبيبة:
"لا، أطمن يا دكتور، أنا إن شاء الله معاك."
لتسمع من يقول:
دكتور كريم:
"وليه مش معايا أنا؟"
وكان هذا صوت دكتور كريم، أستاذ آخر لحبيبة.
دكتور عمر:
"إيه دا يا كريم، أنت عايز تاخد المساعدين بتوعي؟ هههه."
دكتور كريم:
"والله حبيبة مكسب للي يشتغل معاه."
حبيبة:
وهي تشعر بالسعادة والفخر من كلمات المدح والإطراء من أساتذتها.
"متشكرة يا دكتور."
دكتور عمر:
"والله عندك حق يا دكتور. حبيبة مكسب، طالبة مجتهدة وطموحة، ربنا يوفقها. خلاص يا كريم أنا سبقتك وعملت عليها عقد احتكار، هههه."
دكتور كريم:
"بقى كده. خلاص يا حبيبة هديكي ضعف المرتب، وسيبى عمر وتعالي معايا، ههههه."
أحرجت حبيبة من كلام أستاذها ظناً منها أنه حقيقة. لتسمع:
دكتور كريم:
"ربنا يوفقك يا بنتي. أنا وعمر واحد، لكن إذا احتجتي أي حاجة أنا موجود يا بنتي."
حبيبة:
"متشكرة لحضراتكم."
دكتور عمر:
"أنتِ تستاهلي كل خير يا بنتي."
حبيبة:
"عن إذنكم."
لترحل حبيبة مع نهى تحت أنظار الحقد المسلطة عليها من هند بعد أن سمعت أساتذتها وهم يمدحون غريمتها.
هند:
"إيلا ياهند، مالك واقفة كده ليه؟"
هند:
"بقى أنا بتاعة الشاي الهلفوتة تنتصر عليّ؟ فرحانة بلمة الدكاترة حواليها، لكن لا، مش هخليها تتهنى. أما أسحب منها مرتبة الأوائل اللي فرحانة بيها، ما أكنش أنا هند."
هند:
"هتعملي إيه يعني؟"
هند:
"بكرة تشوفي، هند هتعمل إيه."
وعلى جانب آخر، نجد حبيبة ونهى.
نهى:
"يلا يا حبيبة، أوعي تقولي نسيتي عزومة الغداء دي، أمي تزعل منك."
حبيبة:
"والله ملوش لزوم تتعب نفسها بعزومة كل أسبوع."
نهى:
"يا بنتي دول بيستنوا يوم الاثنين عشان محاضرات قليلة، عشان يشوفوكي. ولا بابا موحشكيش؟"
حبيبة:
"دكتور محسن، والله واحشني كتير. هو رجع من لندن إمتى؟ ومقولتيش ليه؟"
نظرت لها نهى وابتسمت.
نهى:
"رجع امبارح، كنت عايزة أعملك مفاجأة، بس لساني اللي مش عارفة أمسكه بوظ كل حاجة، هههه."
وصلت الاثنتان واستقبل والد نهى حبيبة بحفاوة.
ناهد:
"أهلاً، أهلاً حبيبة قلبي، إزيك يا بنتي عاملة إيه؟"
حبيبة:
"الحمد لله يا ماما ناهد، أنتِ إزيك، وحشاني."
ناهد:
"بخير يا حبيبتي، يلا تعالي اتفضلي."
حبيبة:
"دكتور محسن، والله واحشني كتير. نهى بتقول رجع امبارح من السفر."
محسن:
"سمعت قمر بتسأل عني، هههه. أهلاً، أهلاً يا حبيبتي."
قال ذلك وهو يتجه نحوها.
حبيبة:
وهي تتجه باتجاهه أيضاً، تظهر عليها علامات الفرح لرؤيته. دائماً ما كان محسن له مكان كبير لديها.
"أهلاً، أهلاً يا دكتور، إزيك، وحشنا والله."
محسن:
"والله انتوا كمان وحشني، بس أعمل إيه؟ المؤتمر طول، وباسم شبط فيا."
حبيبة:
"حقه والله. هو مش ناوي يرجع هنا؟ اختصاصه جميل ونادر."
محسن:
وهو يتحدث بنبرة حزن.
"باسم عمره ما هيرجع يا حبيبة. باسم استقر وكون عيلة وبيت وزوجة وأولاد وشغل. وكمان متنسيش إن هناك ناس بتقدر اللي هو بيعمله وبتقدر علمه وخبرته وجهوده، ده خلاه يتقدم أكتر ويجتهد أكتر لحد ما وصل للمركز اللي هو وصله."
حبيبة:
"ربنا يوفقه. فعلاً الإنسان لما يلاقي مكان يرتاح فيه، صعب إنه يبعد عنه."
نهى:
"إيه دا، هو إحنا هنقضيها كلام؟ أنا جعانة، فين الغدا؟"
ناهد:
"هو دا اللي أنتِ فالحة فيه. يلا تعالي ساعديني."
نهى:
"يلا يا حبيبة."
ناهد:
"سيبي حبيبة، دي ضيفة. تشغليها كمان."
نهى:
"لا مش ضيفة، دي صاحبة بيت. ولا وقت العزايم حبيبة بنتنا، ووقت الشغل ضيفة. يلا يا بنتي، يلا بلاش دلع."
لتمسك يد حبيبة وتجرها خلفها نحو المطبخ وسط ضحكاتهما. لينظر ناهد ومحسن لبعض ويبتسمان وهم يقولون:
"مفيش فايدة، هههه."
تناولت حبيبة الغداء معهم وسط جو جميل. كم تحب هذه الأسرة التي دائماً ما احتوتها وساعدتها. كانت نهى قد أخبرت والدها ووالدتها بقصة حبيبة، فتعاطفوا معها جداً، ومنذ ذلك الحين وهم يعتبرونها جزءاً من العائلة وشجعوا نهى على مساعدتها في شراء ذلك الكشك.
بعد الغداء مع عائلة نهى، وصلت حبيبة إلى الشاطئ حيث كشك الشاي والقهوة التي تعمل فيه. كانت تحمل كتبها وكراساتها أينما ذهبت، فقد كانت تدرس كلما سمحت لها الفرصة. كانت فرحة بذلك الكشك الذي بدأت العمل فيه منذ عامين، فأخيراً قد استقرت من المشي وبيع القرص. كان كل من يعمل هناك يعرفها ويعرف الطعم الجميل للشاي والقهوة التي تصنعها.
جلست وهي تراقب رجلاً يلعب مع ابنته. كانت الفتاة صغيرة، يمكن أنها ثمان أو عشر سنوات، وكانت سعيدة باللعب مع والدها، وصوت ضحكتها يصدح كأنه نغمات موسيقية تطرب قلب والدها الذي كان يحتضنها ويقبلها بين الحين والآخر. لتكتمل الصورة عندما جاءت والدتها وأعطتها بعض الطعام. ولا إرادياً، ساقها عينيها نحو أثر ذلك الحرق الذي لم يمحوه الزمن، كأنه وشم للألم يصر أن يرافقها مدى الحياة. آه... قوية خرجت من جوفها تحمل معها آلاماً مدفونة وذكريات تجرح فؤادها كلما تذكرتها. أخرجها من هذا الألم صوت سمعته يقول:
"السلام عليكم."
رواية أصفاد الحب الفصل الخامس 5 - بقلم رشا عبد العزيز
السلام عليكم.
حبيبه: اهلا ياعم اسماعيل، إزيك؟ عامل ايه النهارده؟
عم اسماعيل: الحمد الله يادكتورة، بقيت أحسن. اهو بسمع نصايح أحلى دكتورة في الدنيا.
حبيبه: ههههه، ربنا يجبر بخاطرك ياعم اسماعيل. بس انا كده هتغر.
عم اسماعيل: حقك تتغري. يا دكتورة، هو حد يبقى قمر زيك وميتغرش؟
حبيبه: لا ياعم اسماعيل، انت كده بتعاكسني.
عم اسماعيل: هو انا أطول؟ اعاكسك؟ يادكتوره.
حبيبه: ربنا يكرمك ياعم اسماعيل ياطيب.
عم اسماعيل: انا عاوز فنجان القهوه اللي محدش في اسكندرية كلها يعرف يعمل زيه.
حبيبه: اي دا؟ ياعم اسماعيل، امال فين الالتزام اللي حكيت عنه؟
عم اسماعيل: دا فنجان واحد يادكتورة، اصبر بيه اليوم كله.
حبيبه: اكيد ياعم اسماعيل، هو واحد.
عم اسماعيل: وحياه أحلى دكتوره، هو فنجانك وبسم.
صدقوه يادكتوره، انا بس الملتزمة. اسماعيل اكيد بيزوغ. ههههه.
عم اسماعيل: انا برضه ياأم عبير؟ دا أنا من ساعة ما وعدت الدكتورة وأنا ملتزم. والا انت عينك من فنجاني؟
أم عبير: بصراحة، شاي وقهوة الدكتورة دي حاجة فوق الخيال. بتعدل الدماغ طوالي.
نظرت حبيبه إلى هؤلاء الناس الطيبين، الذي يبيعون الترمس وحمص الشام بالقرب منها. كانو دائما ما يردفونها بالكلام الجميل الذي يطيب خاطرها. وكم حلمت أن تحقق حلمها الذي طالما كانت تحكي لهم عنه، بأن تفتح عيادة مجانية بعد أن تتخصص وتكبر وتجعل زملائها يتطوعون معها. تعلم حبيبه أن حلمها بعيد، لكن تؤمن بأن يتحقق في يوم ما، ولن تيأس من تحقيقه، وأن هذا اليوم سوف يحدث ولو في المستقبل البعيد.
حبيبه: وعشان الكلام الجميل دا، فنجان القهوه مجاني النهارده ليكم.
عم اسماعيل: لا يابنتي، دا تعبك.
أم عبير: لا يادكتورة، أنا مش هاخذه من غير فلوس.
نظرت لهم حبيبه وابتسمت. فرغم فقرهم وعازتهم للمال، لم يبخسو يوما حقها.
أعطتهم حبيبه فنجاني القهوه وعادت إلى كتابها الذي لايفارقها أبدا. تقرأ وتسجل الملاحظات.
حتى مرت برهه من الزمن، وسمعت.
"مساء الخير."
صوت رقيق أخرجها من بين ضجيج الدراسة وحروف الكتب وطلاسمها. رفعت حبيبه نظرها لتجد فتاه، أقل ما يقال عنها إنها جميلة جدا. بشرة بيضاء حليبيه، عينان سوداء واسعتين، رموش كثيفة. من يراها للوهلة الأولى يظنها مصطنعه. نظرت لها حبيبه باستغراب لأنها تراها للمره الأولى. ابتسمت الفتاه وأعادت قولها.
"مساء الخير."
حبيبه: مساء النور، اهلا يافندم. شاي والا قهوه؟
فهمت الفتاه نظرات حبيبه وقالت.
الفتاه: أنا اسمي خديجه، الفرقه الرابعه كليه الاعلام.
حبيبه: اهلا يا خديجه، اقدر اخدمك ازاي؟
خديجه: أحم. بصراحه أنا بعمل بحث عن المشاريع الحديثه للشباب. ومن يومين كنت أنا وخطيبيه هنا. ولفتي نظري لما لقيت الناس بتناديكي يادكتوره. افتكرت ان دا لقب عشان اتقان المهنه. لان بصراحه الكل بيشكر بقهوتك. ورجعت النهارده اتأكد. لكن الي ادهشني اني سالت عليكي وعرفت انك فعلا دكتورة. هو الكلام دا صحيح؟
ابتسمت حبيبه لتعجب خديجه منها وأجابت عليها وهي تجلب لها كرسي وتطلب منها الجلوس بجانبها.
حبيبه: ههههه، اتفضلي عشان القصه طويله.
جلست خديجه بحماس، وفضول يتملك من حواسها لمعرفة القصه. عيناها تترقب، واذناها تصغي، وقلمها في اهب الاستعداد لبداية حبيبه بالكلام.
حبيبه: اه فعلا، أنا اسمي حبيبه محمد. سنه أخيرة في كليه الطب. بشتغل في الكشك دا من سنتين. بس هو الصراحه مش ملكي لوحدي. احنا اصلا اثنين شركاء.
خديجه: بعد ان بادلتها الابتسام. طب انا ممكن اعرف البداية؟ واي اللي دفعك للشغل؟
حبيبه: تحبي تسمعي بدايتي والا بداية الكشك؟
حبيبه: أنا هحكيلك البداية. أنا بشتغل من وانا عندي ١٢ سنه.
اتسعت حدقتي خديجه وهي تستمع لما تقصهه عليها حبيبه. وفيه لحظة شعرت بأن الدموع تلسع عينيها ألماً على حال هذه الفتاة. لكن عندما نظرت إلى حبيبه وجدتها تبتسم وعينيها تلمع فخراً. حركة يديها تدل على اجتهادها للوصول. وهي تقص لخديجه كيف أنها لا تنام سوى أربع ساعات. تذاكر وتعمل في الحر والبرد. حتى أنها تضطر في بعض الأحيان على سكب الماء الدافئ على يديها كي تستطيع تحريكها للكتابة بعد أن تتجمد من شدة البرد. لم تمتلك رفاهية الاختيار، لكنها واصلت. لم تكن سنين الكلية الستة بالوقت الهين بالنسبة لها. تعيش على أمل الراحة بعد التعب، وعلى حلم تتمنى تحقيقه يوما ما.
انتهت حبيبه من كلامها ونظرت إلى خديجه التي بدى عليها تأثرها من كلام حبيبه. ابتسمت وقالت.
حبيبه: اي ياخديجه مالك؟
خديجه: بصراحة قصتك مؤلمة. بس أنا مش عارفه افرح والا أحزن عشان كل اللي اعرفه اني فخورة بيكي. هو انا اقدر انشر قصتك؟ ولو حابة استخدم اسم تاني عشان الاحراج. ولو احنا مطلوب منا صور مع البحث.
حبيبه: لا عادي ياحبيبتي انشري. أنا مش باستعر من حاجة. أنا مابعملش حاجة عيب.
قطع كلام الاثنين صوت رجولي خشن.
"حبيبتي، انت هنا وانا بدور عليك."
استدارت حبيبه ناحية مصدر الصوت لتجد شاب وسيم يشبه خديجه ينظر لها بلهفة. خمنت حبيبه أنه خطيبها الذي تحدثت عنها.
عادت نظرها نحو خديجه لتجدها تنظر له بنفس النظرات المتلهفة. نظرات لامعة كأن أعينهم تتعانق مثل قلوبهم. تأكد للناظر حكايه عشق أسطورية.
حمحمت حبيبه لكي ينتبهون لوجودها، لتقول خديجه.
خديجه: حبيبه، دا مالك ابن عمي وخطيبى.
مالك: اهلا انسه حبيبه. خديجه كان عندها فضول انها تعرفك.
حبيبه: اهلا استاذ مالك، وأنا كمان والله انبسطت بمعرفته.
انهضت خديجه وذهبت إلى جانب مالك الذي بمجرد أن أصبحت بجانبه استولى على كفها، متمسكا إياه بيده، وابتسم بحب لها.
خديجه: ممكن ياحبيبه اجي بكرى اكمل كلامي معاكي؟ فيه حاجات عاوزة اسأل عنها.
حبيبه: أكيد ياحبيبتي، تشرفي في أي وقت. وياريت زي النهارده عشان في الوقت دا الزباين اقل.
خديجه: حاضر. عن إذنك.
رحلت خديجه وهي تمسك يد مالك وتبتسم. وما أن ابتعدت كان مالك يهمس في اذنها بكلمات غزل تجعلها تحمر خجلا. ويضحك الاثنان معا.
نظرت حبيبه إليهما وتساءلت: هل ستحظى هي في يوم على حب كهذا؟ كم تمنت هي أن تعيش هذه المشاعر.
عادت إلى المنزل منهكة. طرقت الباب لتفتح لها زوجه خالها. وما أن فتحت الباب حتى قفزت حبيبه واحتضنتها، تقبل وجنتيها.
حبيبه: نوجا، حبيبتي، حبيبتي. وحشتيني. إزيك؟
لكن نجاه كانت غاضبة ولم تبادلها السلام، وظلت تنظر لها وتنفخ أنفاسها بشدة.
نظرت لها حبيبه وعقدت حاجبيها مستفهمة.
حبيبه: نوجا، انت زعلانه؟ مالك مقموصه مني؟ ومالها مناخيرك بتنفخ لهب التنين ليه كده؟
نجاه: وهي تصرخ بها منفجرة. ثلاث ساعات في المطبخ بعمل طاجن الباميه اللي بتحبيه. ولساعة اربعه وأنا بستناكي عشان تاكلي معانا. وحوشت عفاريت الاسفلت بالعافية عشان مايجوش جنبه. وبعد كده تتصلي بخالك وتقوليله معزومة؟
قالت ذلك وابتعدت عنها مربعة يديها أمام صدرها.
حبيبه: وهي تبتسم لحب هذه المرأة الطيبة لها. لن أنسى ما حييت ما فعلته من أجلها.
ذهبت ناحيتها وقبلت رأسها ويديها وقالت.
حبيبه: حقك عليا ياأمي. بس الظاهر انت اللي نسيتي أن النهارده الاثنين، ودا ميعاد عزومة ماما ناهد. ودي بتزعل لما مش بروح.
كانت حبيبه تعلم بأن كلمة أمي كفيلة بأن تطفئ نيران الغضب المشتعلة لدى نجاه، التي ما أن سمعتها حتى قالت.
نجاه: بعد أن أدركت أنها من نسي ذلك. اه والله صحيح. دا النهارده الاثنين. حقك عليا يابنتي. هعوضك وأعمله تاني يوم الجمعة عشان خاطر عيونك.
قبلتها حبيبه مرة أخرى وقالت.
حبيبه: ربنا ما يحرمني منك يا أمي. عن اذنك أنا هروح اذاكر. ورايا امتحان يانوجا. ادعيلي كده دعوة حلوة من بتوعكم.
نجاه: بابتسامة. ربنا يقويكي يابنتي.
"هي الدعوات الحلوة كلها لحبيبه. لكن دلال محدش يعبرها."
كان هذا صوت دلال القادمة من الغرفة التي أصبحت تتشاركها هي وحبيبه وشقيقتها الصغرى بعد أن انتقلت العائلة لشقة أكبر مكون من غرفتين وصالة.
نجاه: اه يابنت يا ناكرة الجميل. أنا مش لسه كنت بدعيلك من شوية؟
دلال: بس دعوة مش قد كده. مش زي بتاعة حبيبه. تحسيها طالعة من القلب.
هههههه.
نجاه: كده؟ طيب. الظاهر أن الكلام الطيب مش لايق عليك. امشي انجري جوه.
لتنزع عنها شبشبها وترمي به دلال التي هربت تحت ضحكاتها وضحكات حبيبه.
جلست حبيبه تذاكر حتى ساعات متأخرة من الليل، بعد أن تعبت دلال ونامت. لتسمع مقبض الباب يتحرك ويفتح الباب ويدخل خالها.
محمود: حبيبه يابنتي مش كفاية كده وتقومي تنامي؟
حبيبه: اهلا ياحبيبي. خلاص يابابا دي اخر ورقة وهنام.
اقترب منها محمود وقبل رأسها وقال.
محمود: مش ترحمي نفسك ياحبيبه؟ وكفاية شغل. وادي مصطفى بيشتغل في الورشة وبيساعدني.
تقبل حبيبه يده بدورها وتقول.
حبيبه: وذنبه إيه مصطفى؟ مهو هو كمان عنده كلية ومحتاج يذاكر. وأنا كمان مش بضغط على نفسي. أديني مش بتأخر في الكشك وبرجع لما بيكون عندي امتحان.
محمود: يابنتي انت بتنامي أربع أو خمس ساعات؟ وكليتك محتاجة مذاكرة كثير.
حبيبه: وهي تبتسم بحب لخالها. متخافش عليا ياحبيبي. أنا هادبر نفسي. وبعدين هانت. هي كام شهرين واتخرج.
محمود: ربنا يوفقك يابنتي.
حبيبه: تسلم ياحبيبي. قولي اخذت أدويتك؟ دكتور عمر بيقول أهم حاجة الانتظام.
محمود: وهو يبتسم لحب تلك الصغيرة له وخوفها عليه. متخافيش ياحبيبه، اخذته.
ليربت على كتفها ويقول.
محمود: تصبحي على خير ياحبيبتي.
حبيبه: تصبح على خير يا بابا.
في اليوم التالي صباحا، كانت حبيبه تجلس على أحد المقاعد في الكلية تنتظر نهى التي أتت إليها مهرولة.
لتقول والابتسامة تشق ثغرها.
نهى: شفته ياحبيبه، شفته.
حبيبه: وهي تستغرب منها. مين يابنتي؟ بتكلمي على مين؟
نهى: وهي تنظر بهيام نحو المجهول وتتنهد. دكتور يوسف، المعيد الجديد.
حبيبه: يادي الدكتور يوسف اللي دوشتينا بيه. يابنتي ارحمينا.
نهى: وهي تكمل بهيام وعينها تتوهج بالحب. اعمل ايه؟ بيجنن. يابنتي مز كده وكاريزما. يجنن كأنه بطل من أبطال الروايات.
حبيبه: لا دانتي مخك ضرب والحمد الله. يابنتي دا بنات الكلية كلها بتجري وراه وهو مش معبر حد. الظاهر معقد.
نهى: بنظرات غاضبة. وليه متقوليش انه تقيل ومش بتاع بنات؟ وبعدين بصراحة حقه ميعبرش حد.
قالت هذا وهي تشبك يديها وتضعها تحت ذقنها وتتكلم بنبرة يملؤها الإعجاب.
حبيبه: عليه العوض ومنه العوض يابنتي. ركزي بدراستك، وراكي شهادة.
نهى: يوه ياحبيبه. انت مابتزهقيش؟ اه ياختي، هذاكر. أنا كان مالي؟ ما كنت هنوم متستتر. اصاحب دحيحة ودودة كتب ليه.
لتنظر إلى حبيبه وتقول. يادودة. ههههه.
حبيبه: ههههه. مفيش فايدة.
ليسمعوا من يقف ورائهم ويقول. لكن مش شرط الدحيحة تفوز في الآخر. فيه برضو حاجة اسمها حظ. واعتقد حبيبه ما تمتلكش حظ خالص. والا ماكنتش كانت نحس وأبوها ومامتها سابوها.
كان هذا صوت هند التي كانت تقف خلفهم.
اتسعت عيني حبيبه وتحجرت الدموع بداخلها. من أين علمت هي بذلك؟ من أين علمت بتفاصيل حياتها؟
ظلت نهى وحبيبه متجمدتين. لم تجب حبيبه بشيء.
لتكمل هند وهي تقترب وتهمس بفحيح يشبه فحيح الأفاعي.
هند: مش هخليكي ياحبيبه تتهني السنة دي. ومش هتطلعي الأولى. مش على آخر الزمن بياعة الشاي تكون أحسن مني. استمتعي بآخر أمجادك قبل ما تشوفيها بتنهار قدام عيونك.
رواية أصفاد الحب الفصل السادس 6 - بقلم رشا عبد العزيز
كانت تجلس مع نهى في الكشك مستمتعين بنسيم البحر القريب منهم لتنتبه لشرود نهى.
حبيبه: أي مالك سرحانه في إيه؟
نهى: انت بتسألي ياحبيبه بجد مش عارفه أنا سرحانه في إيه.
حبيبه: اه انت قصدك على كلام هند؟
نهى: بنتي خليها على الله .. مش هتعمل حاجة. هي بتخوفني بس.
حبيبه: لا ياحبيبه من ناحية تعمل، فهند تقدر تعمل كتير. احنا هنضحك على بعض وبلاش أسلوب إنك مش هامك حاجة، لإن عارفة إن كلام هند أثر فيكي.
نهى: وحتي لو أثر فيه هعمل إيه؟
حبيبه: ربنا يستر ويبعد عنك شرها.
مساء الخير.
كان هذا صوت خديجة التي جاءت على الموعد مع حبيبه.
حبيبه: مساء النور يا خديجة.
خديجة: أنا جيت حسب الميعاد بتاعنا.
حبيبه: أيوه ياحبيبتي بس خليني أعرفك الأول على شريكتي.. لتنظر لنهى التي كانت تنظر لخديجة بأنبهار. دي نهى يا خديجة صاحبتي وشريكتي دكتورة زي.
خديجة: أهلاً يادكتورة.
نهى: أهلاً حبيبتي... مين القمر يا حبيبه؟
حبيبه: خديجة طالبة إعلام وبتعمل بحث وكانت عايزة تعمل بحث عن المشروع بتاعنا.
نهى: أهلاً يا خديجة.
جلست خديجة معهما يتحدثون فترة عن بدايتهم وكيف جاءت الفكرة وماذا سيفعلون بالكشك بعد التخرج.
حبيبه: إحنا هنحاول نساعد بيه تلاميذ زينا محتاجين.. بحيث يكون الكشك ده وقف لمساعدة الطلبة المحتاجين.
خديجة: ما شاء الله فكرة حلوة.
حبيبه: خديجة انت سألتينا كل الأسئلة الدور دلوقتي لينا نسأل.
خديجة: طبعاً اتفضلي.
حبيبه: هو انت ومالك اتخطبتوا عن حب؟
هبت نهى بسؤال.
نهى: مالك مين؟ احكولنا.
لتضحك خديجة وترضي فضولهم.
خديجة: أنا ومالك مش بس بنحب بعض، إحنا بنعشق بعض. هو اتولد قبلي بأسبوع واتكتبنا على اسم بعض من واحنا صغيرين. أنا معرفش يعني إيه حب، أنا اتعلمت على إيد مالك الحب.
تكمل بهيام.
خديجة: مالك مش بس ابن عمي وحبيبي، مالك صديقي ..و. كل حاجة حلوة في دنيتي... ده أنا دخلت إعلام عشان نكون سوا... مش حبًا في الإعلام.
لتسألها نهى.
نهى: طب وهو بيحبك زي ما انتي بتحبيه؟
خديجة: ساعات بحس إنه بيحبني أكتر. بيعتبرني بنته وحبيبته. بيغير عليا أوي.
لترد عليها حبيبه.
حبيبه: بصراحة يا خديجة حقه يغير، انت ما شاء الله قمر.
خديجة: ومين قال إني مضايقة، بالعكس أنا بحب غيرته عليا.
استمر حديث الثلاثة في أكثر من موضوع وتكرر اللقاء عدة مرات. حتى نشأت بينهم صداقة جميلة.
ومرت الأيام والأشهر حتى فكرت حبيبه أن تهديد هند لم يكن سوى كلام تفوهت به في لحظة غضب أو كي تخيفها فقط.
إلى أن جاء ذلك اليوم الذي كان يوم من أيام الامتحانات النهائية.
ورغم طلب خالها منها عدم الحضور للكشك، لكنها أصرت. كانت تحتاج بعض النقود وتخجل من طلبها منه، فيكفيه ما يتحمله.
وقفت كعادتها في الكشك لتجد امرأة تأتي إليها وتقول لها:
- لوسمحتي يادكتورة ممكن عاوزاكي شوية. عاوزة أسألك على حاجة خاصة شوية استشارة يعني.
لم تظن حبيبه السوء، وبطيبه قلب ذهبت إليها. وبمجرد أن وقفت أمامها بدأت المرأة بتمزيق ملابسها وضرب نفسها عدة ضربات وأحدثت خدوش في وجهها، ثم بدأت بالصراخ.
- انت بتعملي إيه؟ هو أنا عشان بقولك متبصيش لجوزي ولا تلاقيه تعملي فيه كده؟
بقيت حبيبه متجمدة لا تدري ماذا يحدث.. ماذا تفعل هذه المرأة.
حبيبه: هو أنا جيت جمبك حضرتك؟
- وكمان بتكذبي؟
وبدأت تنادي زوجها وتجمهر الناس حولهم، وبعض الناس تهمس وتتسائل ماذا يحدث، والمرأة لا تزال تصرخ. وجاء زوجها ليقف بجانب زوجته ويصرخ بحبيبه ويقول:
- أنا هطلب البوليس مش هسكت على ده.
رول عم إسماعيل وأم عبير نحوها.
- مالك ياحبيبه يابنتي فيه إيه؟
حبيبه بنظرات خوف وهلع مما يحدث.
- والله مش عارفة، مش عارفة حاجة.
ولم تشعر حبيبه إلا بصوت صافرات الشرطة، التي يبدو أن أحدهم اتصل بهم في وقت مسبق، فلا يمكن حضورهم بهذه السرعة.
ارتجف جسدها، ماذا يحدث، لما هذه المرأة تتهمها؟ لم تمر بموقف كهذا.
وصل رجال الشرطة يستفهمون، وبدأ الرجل والمرأة يخبرونهم بادعائهم عليها.
نظر الضابط إلى حبيبه.
- حصل إيه؟
حبيبه: والله يا فندم ما أعرفش حصل إيه. الست دي بتكذب، أنا ما عملتلهاش حاجة والله صدقني... يافندم... أنا دكتورة حتى شوفلي.
تخرج هويتها الجامعية.
لتنظر المرأة للضابط وتقول بخبث:
- وهو يابيه يعني دكتورة تعمل فينا كده؟ دا حرام والله حرام.
وبدأت تجهش بالبكاء.
حبيبه: والله يا فندم ما حصل. أنا مش عارفة هي بتعمل كده ليه؟ أنا أصلاً أول مرة أشوفها.
ليقول الضابط موجهاً كلامه للناس المتجمهرة:
- هو حد فيكم شاف اللي حصل؟
ليخرج رجل من الجمع ويقول:
- أيوه يافندم أنا شفت البنت.
ويشير لحبيبه تضرب الست وتقطع هدومها.
اتسعت عيني حبيبه من هول ما تسمع.
لتكمل سيدة أخرى:
- أيوه يافندم دي يعنى مقدرتش حتى ترد ونزلت فيها ضرب.
ليقول الضابط:
- يله قدامي على القسم هناك هنعرف الحقيقة.
صعقت حبيبه من ما تسمع، وأخذت عينيها تدور يميناً ويساراً علها تجد أحد ينقذها، ولم تجد سوى عم إسماعيل لتستنجد به.
عم إسماعيل: يا فندم وليه القسم منحلها ودي يافندم ما فيش داعي للمرمطة.
لترد تلك المرأة:
- لا يافندم أنا مش هحلها ودي. أنا عاوزة حقي ومش هتتنازل عنه.
لم يجد الضابط أمامه سوى الذهاب إلى مركز الشرطة بعد إصرار تلك المرأة.
- يالله معايا على القسم.
قالها بإصرار وهو يشير بيديه نحو الأمام.
لتقول حبيبه متوسلة ودموعها تغرق وجهها:
- يا فندم أرجوك أنا عندي امتحان بكرة. أرجوك أنا كده مستقبلي هيضيع.
ليصرخ الضابط:
- يلا وبلاش كتر كلام.
لتبتسم المرأة بانتصار.
لم تجد أمامها سوى الانصياع لكلامه والذهاب معه.
لتقول أم عبير:
- روح يا إسماعيل معاها يعنى عليكى يابنتي كان مستخبيلك ده فين.
تركض العم إسماعيل وراها. يحاول مساندة تلك الصغيرة.
دخلت ذلك المكان الذي تدخله للمرة الأولى بأقدام متثاقلة بالكاد تحملها. جسدها يرتعش بالكامل، عينيها تورمت من البكاء. تنظر حولها أناس غريبة ومخيفة، فمنهم السارق ومنهم أصحاب السوابق والمجرمين. ليصلوا أمام باب مغلق ويقول الرجل:
- استنوا.
هنا دب الرعب في قلبها وأصاب الذعر روحها. وسؤال واحد يراودها: لماذا فعلت تلك المرأة ذلك؟ ماذا تريد منها؟ وماذا سيحصل لمستقبلها؟ أسيذهب ما تعبت من أجله هباءً؟ وماذا عن امتحان الغد؟ وهل سيؤثر ما حدث على شهادتها؟ ضجيج من المخاوف والتساؤلات عصفت في رأسها.
حتى خرج الضابط الذي يبدو أنه تعاطف معها.
- ادخلي يادكتورة. حضرت الضابط أدهم الألفي هيستجوبك.
دخلت تلك الغرفة بخطوات بطيئة، تقدم واحدة وتؤخر الأخرى. نظرت لترى شاب يبدو في أواخر العشرين من عمره، ملامحه وسيمة، جسده رياضي. دخان سيجارته يملأ المكان. لم تعرف ماذا تقول، فقط وقفت أمامه.
أمامه عندما وقعت عينيه عليها، وبدأت تجول على قسمات وجهها المستدير، بشرتها البيضاء، عيناها بلون العسل الصافي، رغم احمرارها لكن تجذب من ينظر إليها، أنفها الأحمر، شفتها المرتعشة، خصلات شعرها التي تمردت من حجابها تخبره بلونه البني. جسدها يرتعش بالكامل. دموعها خطت آثارها على وجنتيه.
لم يشعر بنفسه إلا وهو يقوم من مكانه ويتجه إليها يطلب منها الجلوس على الكرسي.
- اتفضلي يادكتورة.
جلست والخوف يتمكن من كل جزء في جسدها. وتمسح دموعها بأكمام ثوبها.
أحضر لها قدحاً من الماء.
- اتفضلي اشربي وأهدي.
ثم أحضر منديل ومد يده إليها.
- امسحي دموعك وأهدي. قوليلي إيه اللي حصل.
ثم جلس هو على المقعد المقابل لها.
نظرت إليه حبيبه ثم قالت:
حبيبه: والله يا فندم أنا طالبة في كلية طب ودي السنة الأخيرة ليا.
ثم أخرجت له بطاقتها الجامعية وأعطته إياها.
حبيبه: أنا والله يا فندم لا أعرفها ولا شفتها ولا قربت منها. أقسم بالله ما حصل حاجة من اللي هي بتقوله.
أدهم وهو يمسك بطاقتها وينظر إليها ثم ينظر لحبيبه ويقول:
أدهم: أمال ليه هي بتتهمك؟ قصدها إيه بأنها تشوشر عليكي أو تشوه سمعتك؟
أجابته ودموعها تعود لتغرق وجهها وشهقاتها تعلو:
حبيبه: والله مش عارفة قصدها إيه.. ده أنا يافندم كده مستقبلي هيضيع. أنا انتهيت خلاص. اللي تعبت فيه ضاع. ليه كده؟ أنا عملت إيه؟ ليه الدنيا والناس مستكتره عليا فرحتي؟
لتعلو شهقاتها أكثر.
ليرتبك أدهم ويشعر بالحزن والشفقة عليها ويقول لها:
أدهم: دكتورة أهدي لو سمحتي كده مش هنوصل لحاجة.
نظرت إليه بتوسل وقالت:
حبيبه: أنا عندي امتحان بكرة. أرجوك اسمحيلي أروح أمتحن. أنا كده هخسر درجة الأوائل. أنا كل سنة الأولى...
وهنا توقفت حبيبه عن الكلام، وشرد ذهنها وأدركت سبب وجودها هنا بعد أن تردد كلام هند في أذنها.. إنها لن تكون الأولى هذه السنة إذا هند هي سبب وجودها لكي تمنعها من حضور الامتحان أو حتى أكثر من ذلك تشويه سمعتها.
انتبه أدهم لشرودها.
أدهم: مالك يادكتورة رحتي فين؟
حبيبه: أنا عرفت أنا هنا ليه.
لتقص عليه حبيبه كل ما حدث وكلام هند وتهديدها لها.
أدهم بتعجب: ياساتر هي فيه لسه نفسيات كده.
ثم نظر إليها وجدها لا تزال تبكي.
أدهم: اهدي يادكتور ماتخافيش. أنا هحل الموضوع اطمني.
حبيبه: أنا ببكي عشان الناس مستكتره حتى عليا تعبي. هو أنا مش مكتوبلي أفرح ليه.
كان بكاؤها يمزق قلبه ودموعها تكوي روحه وتشتت الكلام على لسانه لا يعلم لماذا.
أدهم: خلاص يادكتورة صل على النبي... وإن شاء الله هتتحل.. وصدقيني هو الناجح أعدائه كتير وفي كل مكان.
يله قومي اطلعي واستنيني وأنا هحل الموضوع.
ثم قال لها ممازحاً:
أدهم: وأوعي حد يعرف إني خليتك تقعدي وتشربي ميه عشان الهيبة بس.
لتبتسم حبيبه من بين دموعها وتقول:
حبيبه: حاضر.
خرجت حبيبه لتجد عم إسماعيل ينتظرها.
عم إسماعيل: ها يابنتي حصل إيه طمنيني.
حبيبه وهي تمسح دموعها التي جف بعضها على وجنتها:
حبيبه: قالولي استني... شوية.
ربت عم إسماعيل على كتفها.
عم إسماعيل: اطمني يابنتي إن شاء الله خير.
دخلت المرأة والرجل إلى غرفة أدهم. مرت عليها الوقت عليها ببطء وهي تدعو الله أن يخلصها من هذا المأزق.
ثم نادوا عليها للدخول مرة أخرى.
دخلت هذه المرة لتجده وجهه مختلف، غاضب ومخيف. ثم قال:
أدهم: قربي يادكتورة. مسعد والمدام اتنازلوا خلاص عن المحضر.
ثم نظر إليه وقال بصوت عالٍ:
أدهم: امضي يا مسعد... يلا.
امتثل مسعد وزوجته ووقعا التنازل عن اتهامهم لها.
ثم حضر رجل ليقول له:
أدهم: علاء... خليهم يستنوا بره.
خرج مسعد وزوجته.
نظر إلى حبيبه. وقال:
أدهم: زي ما توقعتي يادكتورة. هي ست مأجراهم بس للأسف ميعرفوش اسمها ولا شكلها. هما كان بينهم وسيط. حتى الشهود متأجرين.
ألقت بجسدها على الكرسي خلفها تنظر إلى الفراغ كأنها مغيبة في عالم آخر. كل ما يدور في ذهنها إلى هذه الدرجة كان من الممكن أن تسجن ظلماً من أجل منافسة غبية؟ إلى هذه الدرجة تحقد عليها؟
أدهم: دكتورة. يادكتورة... انتي سمعاني؟
نظرت إليه وكأن جبالاً سقطت على كاهلها. تفتح عيناها بصعوبة بعد أن تورمت أجفانها من البكاء.
أدهم: انتي تقدري تقدمي فيها بلاغ لو عايزة. تتهميها فيه بالتشهير بس ده هياخد وقت عشان هيبقى فيه تحقيق لإن هي مظهرتش بشكل مباشر.
لتقاطعه حبيبه وتقول:
حبيبه: حتى لو ظهرت بشكل مباشر أنا عمري ما كنت هاتهما أو أضيع مستقبلها. أنا مش هعمل كده.
أدهم بإعجاب:
أدهم: حتى بعد اللي عملته؟
حبيبه: أنا أكون مظلومة آه لكن ظالمة لا. عمري ما هكون كده.
أدهم: بس ده حقك.
حبيبه: لو هيدمر مستقبلها أنا متنازلة عنه.
ابتسم لها أدهم بإعجاب وقال:
أدهم: انتي طيبة أوي ياحبيبه.
نطق اسمها بدون ألقاب. متلذذاً بحروفه. لا يعلم ما حل به. لقد رأى الكثير من النساء إذاً لماذا تجذبه هي؟ مختلفة، نعم يقر أنها مختلفة. رغم أنها ضعيفة، عيناها تظهر بهما القوة والطيبة والرقة.
أدهم: أحم.. هو يعني إيه اللي هيحصل دلوقتي؟
كان هذا صوت حبيبه الذي أخرجه من تأمله.
أدهم: دلوقتي خلاص هما اتنازلوا. بصراحة أنا اتفقت معاهم يعترفوا مقابل إن انتِ مترفعيش دعوة التشهير والبلاغ الكاذب. لكن...
حبيبه: خلاص يافندم أنا متنازلة. أنا مش عاوزة مشاكل. لا أنا ولا خالي حمل بهدلة المحاكم والأقسام.
أدهم: كده يبقى كل شئ انتهى.
حبيبه: متشكره... متشكره. أوي أوي مش عارفة أقول إيه. يعني أروح؟
أدهم: لا.
قالها أدهم بسرعة. رغم أنها ممكن أن ترحل لكنه لم يريد مغادرتها وتحجج بإكمال الإجراءات.
حبيبه: طب لو سمحت فيه معايا راجل طيب بس كبير في العمر. ممكن أستأذن منك بس أقوله يروح.
أدهم: هندهولك. هو اسمه إيه؟
حبيبه: عم إسماعيل.
أدهم نادى على الجندي.
أدهم: علاء.
دخل علاء فقال أدهم:
أدهم: فيه راجل بره اسمه إسماعيل. خليه يدخل وخلي مسعد ومراته يروحوا.
ودخل عم إسماعيل وركض باتجاهها.
عم إسماعيل: حبيبه يابنتي... طمنيني يا حبيبتي.
حبيبه وهي تمسح دموعها:
حبيبه: الحمد لله يا عم إسماعيل.. حضرت الضابط. خلص الموضوع.
التفت عم إسماعيل له وقال:
عم إسماعيل: متشكرين يا ابني ربنا يحميك. أصل حبيبه طيبة وبنت حلال. متستاهلش.
حبيبه: روح انت يا عم إسماعيل. انت متقدرش تستحمل عشان الدوا.
عم إسماعيل بقلق: وانتي ياحبيبه؟
حبيبه: متخافش عليا. هكلم دكتور محسن ونهى يجوا ياخدوني. مش هقدر أكلم خالي وأقلقه. ياريت تقفل الكشك وخل المفتاح عندك.
عم إسماعيل: حاضر يابنتي.
رحل عم إسماعيل وبقيت هي معه تنتظر إنهاء الإجراءات كما زعم.
جلست على استحياء تنتظره.
اختلس النظر إليها وابتسم. ثم قرر أن يقطع الصمت ويسألها.
أدهم: ناوي تتخصصي إيه؟
حبيبه: هو لسه بدري على التخصص لكن أنا أتمنى.. إني أتخصص أطفال.
فسألها مستفهماً:
أدهم: وليه أطفال بالذات؟
لتجيبه بصوت يحمل نبرة حزن:
حبيبه: لإنهم أكثر فئة تحتاج مساعدة. فيه اللي بيتألم وميقدرش يعبر.... ثم تنهدت وقالت. وفيه اللي بيتألم ومحدش بيحس فيه.
وكأنها كانت تتكلم عن طفولتها هي.
وسؤال يتبعه آخر حتى مرت ساعة كانت بالنسبة له بضعة دقائق. كان عقله يطالبه بأن يرحمها ويتركها ترحل. وقلبه يتوسل أن يمنحه المزيد من الوقت ليتأملها أكثر. لماذا لا يريد أن يمضي الوقت؟ لماذا لا يريدها أن ترحل؟ ماذا دهاه؟ لم يرها سوى منذ ساعتين فقط. إذا ماذا بك ياقلبي؟ هل جننت؟ سحرتك ابتسامتها الجميلة أم أصبحت أسير لعينيها... أم جذبك عقلها وثقافتها؟ جميلة ومختلفة هي بصفاتها.
انصاع هو لعقله بعد ما رآها تنظر للساعة بين الحين والآخر، فقال لها بكلمات حارب قلبه لإخراجها.
أدهم: ممكن تتصلي بأي حد يجي ياخدك من هنا.
نظرت إليه ثم أجابته بلهفة والدموع تلسع عينيها:
حبيبه: متشكره متشكره أوي. جميلك ده عمري ما هنساه. ويارب أقدر أرد هولك فيوم من الأيام.
أدهم: أنا معملتش حاجة. ده واجب.
أجابته وهي تسرع للمغادرة:
حبيبه: عن إذنك هستنى صاحبتي بره... مع السلامة.
أدهم: مع السلامة.
تحركت خطوات نحو الباب ثم عادت إليه مرة أخرى لتقول:
حبيبه: على فكرة السجاير مضرة بالصحة وحضرتك بتدخن كتير. ياريت تقلل عشان صحتك.
ابتسم لها. ثم قال:
أدهم: هحاول إن شاء الله.
رفعت يدها وحركت سبابتها أمامه وقالت:
حبيبه: وعد؟
ليضحك بقوة وهو يقول:
أدهم: وعد.
ثم تركته وغادرت مسرعة كأنها تخرج من كابوس كاد أن يتحول إلى حقيقة.
أما هو فنظر إلى أثرها بابتسامة وردد اسمها ببطء.
أدهم: حبيبه.
رواية أصفاد الحب الفصل السابع 7 - بقلم رشا عبد العزيز
ثمان أعوام مرت على حبيبة بعد اتهامها الباطل. حدث فيها الكثير. فقد أدت امتحاناتها بسلام، وحققت ما طمحت له.
لم ترَ هند منذ تلك السنة، ولم تعرف عنها شيئًا سوى ما أخبرها به صهيب أن هند قد عوقبت بسبب خطأ طبي قبل عدة أشهر.
أما عن خديجة، فكان آخر لقاء لهم قبل عدة سنوات، عندما ودعتهم لتسافر مع مالك إلى القاهرة لكي يعمل في إحدى الصحف المحلية.
أما أدهم، فقد زارها مرة واحدة في الكشك قبل أن تتركه. وتتذكر كيف أثنى على القهوة التي تعدها.
أما نهى، فلم تتركها أبدًا طوال هذه السنوات. وها هي تطرق باب غرفتها في مستشفى الدكتور عمر، بعد أن حققت حبيبة حلمها وأصبحت طبيبة أطفال.
حبيبة:
ادخلي.
تدخل نهى والابتسامة مرسومة على وجهها.
نهى:
صباح الخير يا قمر.
حبيبة:
صباح النور. إيه دا، شكل المزاج عالي النهارده.
تتنهد نهى وتجيب:
وأزاي ما يكونش مزاجي عالي وأنا صبحت بأحلى وش في الدنيا.
يقطب وجه حبيبة وتقول:
يووو، ابتدينا بموال كل يوم. كان يوم ملوش ملامح يوم ما طلب دكتور عمر من يوسف يجي يشتغل هنا.
تجيبها نهى بهيام:
كان أحلى يوم في حياتي. ياسلام، وبدل ما كنت بشوفه بالاحلام، دلوقتي بشوفه قدامي.
حبيبة:
مش لما يشوفك هو الأول. دا أنتِ بقالك سنتين في حالة حب من طرف واحد يا نهى يا حبيبتي. يوسف عمره ما حس بيكي. شيلي من راسك الأوهام دي. وبعدين فيه دكتور بمواصفاته دي، وفي بداية الأربعين ولسه مش متجوز، إلا لو كان معقد.
ترد عليها نهى بغضب:
حبيبة، أرجوكي متقوليش معقد. دا والله طيب وحنين.
حبيبة:
يا نهى، دا أنتِ بترضي عرسان أشكال وألوان عشانه.
تنظر لها نهى بحزن وتقول:
وأعمل إيه يا حبيبة، بحبه ومش شايفة نفسي إلا معاه. وعلى فكرة، أنا حاسة إن ابتدي يعجب بيا ويحبني.
يئست حبيبة من إقناعها بوجهة نظرها، فهذا هو حالها من سنتين منذ أن بدأ دكتور يوسف العمل معهم.
حبيبة:
طب وعرفتي إزاي إنه ابتدا يحبك؟
تجيبها نهى وعيناها تتوهج بالحب:
عينيه هي اللي بتقول لي.
فتحت حبيبة عينيها وقالت لها:
نعم... عينيه... أمشي يا نهى من قدامي أحسن، أنا تعبت منك.
ترد عليها نهى بانزعاج:
الحق عليا إني نازلة من الدور السادس للدور التاني عشان أصبح عليكي بس.
حبيبة:
ما أنا قلتلك تخصصي أطفال زيي، وأنتِ اللي أصرتي على النفسي.
لتشرد حبيبة وعيناها تنظر للمجهول وهي تقول:
رغم إني أكتر واحدة استفدت من اختصاصك.
تنهض نهى من كرسيها وتذهب بجوارها وهي تربت على كتفها وتقول:
الحمد لله يا حبيبتي، أيام وعدت ربنا ما يعيده.
نظرت إليها حبيبة ثم ابتسمت لإنهاء استرسال هذا الحديث وقالت:
سيبك مني. دكتور محسن هيسافر أمتى؟
نهى:
احتمال بعد أسبوعين.
حبيبة:
ليه؟ هو النهارده إيه؟
نهى:
النهاردة الاثنين.
لتشرد حبيبة قليلاً وتقول:
تيمو بقاله عشر أيام ما جاش. الحمد لله رغم إنه وحشني أوي.
نظرت لها نهى بتعجب وسألتها:
هي إيه حكاية تيمو دا؟ ومالك مهتمة أوي بيه؟
حبيبة:
دا طفل عنده ثقب في القلب وبيتابع معايا ومع دكتور عادل. بس مش عارفة أتعلق بيه، وأنا كمان اتعلقت بيه أوي. تصوري دا بيناديني "مامي".
ابتسمت نهى لها وقالت:
ربنا يشفيه.
***
عادت إلى المنزل بعد يوم متعب جداً. فتحت الباب لتسمع نقاش دلال مع نجاة، الذي يتكرر بين الحين والآخر. دلال بلغت من العمر ثلاثين عاماً ولم تتزوج إلى الآن. وكلما تزوجت إحدى فتيات الجيران، كانت نجاة تلومها، معتقدة أن سبب عدم زواجها هو انعزالها عن الناس وعدم حضورها الأفراح والمناسبات. وتضيف لذلك أيضاً ارتداء دلال للنقاب، ورفضها لوضع المكياج. فنجاة كانت مثل الكثير من الأمهات تعتقد أن عدم زواجها إلى الآن هو دليل عنوسة أو مؤشر خطر.
دخلت حبيبة وجلست على الكرسي وقالت:
السلام عليكم.
يرد عليها:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
لتنظر حبيبة لدلال مستفهمة وتسأل:
هو مين هيتجوز المرة دي؟
تجيبها نجاة مباشرة:
نوسة بنت أم أحمد جارتنا اللي فوق.
تنظر لها حبيبة باندهاش وتسأل:
نوسة العيلة اللي بثانوي؟
تهب نجاة وتجيبها بصراخ:
آه ياختي آه، أهي العيلة هتجوز. وأنتم خليكو كده. خليها ست دلال قافلة على نفسها وقاعدة بأرابيزي، ولابسة لي نقاب. تشوفها الناس دلوقتي إزاي.
تجيبها دلال باعتراض:
قافلة على نفسي إيه؟ ما أنا بروح المدرسة وبدي دروس تقوية في سنتر. هو لازم أحضر الأفراح والمناسبات؟ وبعدين أنا مبحبش التجمعات دي، بتصدع دماغي.
تساندها حبيبة:
طب والله صحيح يا نوجة. الأفراح دي والتجمعات مفيهاش غير كلام الستات ووجع الراس. وبعدين هتزعليني منك يا نوجة. نقاب إيه اللي يمنع العرسان؟ مش فيه حاجة اسمها رؤية شرعية؟ اللي عايزها يبقى يشوفها.
تنظر لهم نجاة نظرة غضب وتقول:
آه، انتوا اتلميتوا على بعض خلاص. محدش هيقدر لكم. أهو اتلم المتعوس على خايب الرجا.
تتركهم وترحل نحو المطبخ. لتنظر حبيبة لدلال تضحك وتقول:
أهلاً يا متعوس.
ترد عليها دلال:
منور يا خايب الرجا.
ليضحك الاثنان بقوة، حتى أدمعت عيناهما.
تنظر حبيبة لدلال وتقول:
متزعليش من ماما يا دلال، هي بس حابة تفرح بيكي.
دلال:
والله أنا مش زعلانة يا حبيبة، بس عاوزاها تفهم إن الجواز قسمة ونصيب وأنا نصيبي لسه مجاش. أعمل إيه يعني؟ هو أنا مش هكون سعيدة إلا لما أتجوز؟ وإلا هو عدم الجواز هيخليني ناقصة؟ طب والله أنا مبسوطة في المدرسة ومع تلاميذي. لازم راجل يعني عشان أكون سعيدة؟ ما يمكن هو اللي ينكد عليا.
حبيبة:
عندك حق والله. بس هما الأمهات كده تفكيرهم. نعمل إيه؟ وكمان ما شاء الله جيراننا اللي كل يوم واحدة فيهم بتتجوز، خلاها نفسها تشوفك عروسة زيهم.
دلال:
كل أم سعيد جارتنا كل ما تشوفها: "إمتى نفرح ببنتك يا أم مصطفى؟" يا أختي وأنتِ مالك؟ ماتخليكي بحالك. ناس حشرية أوي.
حبيبة وهي تضحك على تقليد دلال لأم سعيد وتقول:
آه والله ناس حشرية. بقلك إيه؟ أنا هقوم أغير هدومي عشان أنا جعانة أوي. مع السلامة يا متعوس.
ترد دلال:
يلا بسرعة عشان أنا كمان جعانة. هستناك يا خايب الرجا. هههه.
لحظات كانت تقضيها مع هذه العائلة تنسيها التعب.
***
في صباح اليوم التالي، في مستشفى الدكتور عمر. كان يسير بين أروقة المستشفى، يسابق الزمن. قلبه يكاد يتوقف، خوفاً على صغيره الذي لازالت حالته تسوء.
وصل الغرفة التي أخبرته داده كريمة أن تيم موجود فيها. دخل ليرى ابنه يجلس على سرير المستشفى، وتجلس أمامه امرأة لم يستطع هو رؤيتها، فقد كان ظهره للباب. لكن جذبه الحوار الذي يدور بينهما.
حبيبة:
إيه يا بطل؟ أنت لازم ما أكلتش كويس. يا تيمو، إحنا مش اتفقنا إنك تاكل كويس. يا تيمو، أنا تعبانة. أنت مش وعدتني إنك هتكبر بسرعة وتبقى دكتور عشان تساعدني؟ أنت أخلفت في الاتفاق.
اقترب تيم منها يهمس لها في أذنها:
لا يا مامي، أنا فهمتهم إني تعبان عشان أشوفك. وحشتيني.
لتضحك حبيبة وتقبل وجنته، وتهمس له هي أيضاً:
ما أنا عارفة. بس لازم نحبك الدور ياتيمو. هههه.
تيم:
برافو يا مامي. قولي لدادة إني لازم أجي هنا كل يوم.
حبيبة وهي تضحك على كلامه:
ماينفعش ياتيمو كده يقلقوا عليك.
انتبه تيم لوجود والده ليقول:
بابي.
التفتت هي لترى آخر شخص توقعت أن تراه. يا إلهي، كم هذه الدنيا صغيرة. بعد كل تلك السنين تراه الآن.
أما هو، فتسمر في مكانه، وخفق قلبه بشدة لرؤيتها. هل توقف الزمن؟ هل هي أمامه حقاً؟ أم هذا مشهد من وحي خياله كما اعتاد أن يراها دائماً؟ هل عاد إلى الماضي؟ أم هي حقيقة أمامه؟ يا إلهي، كم بحث عنها طويلاً ليراها هنا وفي هذا الوقت. مازالت جميلة، عينيها قوية، لكن ما بالها؟ نظراتها يغلفها الحزن هذه المرة.
رواية أصفاد الحب الفصل الثامن 8 - بقلم رشا عبد العزيز
لحظات من الصمت سادت المكان حينما التقت عيناه بعيناها.
كسرته هي عندما قالت:
_ حضره الظابط.. مش معقول.... ايه الصدفه دي أنت فاكرنيل
ينظر هو لها ولسان حاله يقول: وهل غادر طيفكِ مخيلتي طيله تلك السنين؟
تسأليني أذكركِ؟ وهل استطاع قلبي أن ينساكِ؟
لكنه كالمغيب أجاب:
_ حبيبتي.
لتبتسم هي ظناً منها أنه تذكرها بعد أن فكر قليلاً.
_ أيوه صحيح يافندم ازي حضرتك؟
لتلتفت إلى تيم وتقول:
_ هو سياده الظابط يبقى والدك ياتيمو؟
يومئ لها تيم المتعجب بمعرفة والده بها برأسه.
لتكمل هي عرفاناً لما فعله لها هو في الماضي:
_ تعرف ياتيمو بابا أنقذني من موقف صعب جدا في الماضي.
ليسألها تيم ببراءة الأطفال:
_ يعني بابا كان your hero؟
لتضحك هي وتحرك رأسها بنعم وتقول:
_ أيوه بصراحه في الموقف دا بابا كان بطلي. وانقذ مستقبلي كله.
كم أنعش وصفها قلبه المشتاق.
لتعلو ثغره ابتسامة كبيرة ويقول:
_ أنا معملتش غير واجبي.
التفتت له وقالت:
_ والله يافندم أنا مش هنسى جميلك دا طول عمري.
_ لا جميل ولا حاجة.
_ يادكتوره... بس هو أنا ممكن .. اتكلم معاكي على انفراد؟
_ حبيبتي: أيوه طبعاً. ثواني يافندم.
نظرت لتيم وقالت:
_ هكلم بابا وارجعلك ياتيمو أستناني انت وداده.
ليسحب تيم ثيابها طالباً منها الاقتراب منه.
ليهمس في أذنها:
_ متنسيش تقوليله الي اتفقنا عليه.
لتهمس هي أيضاً:
_ واي هو الي اتفقنا عليه؟
_ تيم بهمس: أي يامامي أنت نسيتي والا أي. قوليله تيمو لازم يجي هنا كتير.
لتضحك حبيبه بشدة وتقبل وجنته وتقول:
_ حاضر ياتيمو.
رغم أن حديثهم كان همسا، لكنه وصل مسامعه. فابتسم وسعد قلبه وهو يرى انسجام والده معها.
جلست معه في غرفتها... كان يجلس في الكرسي المقابل لها وعينيه تجول على أصابعها. التي ما أن رأى أنها لا تحمل خاتم زواج أو خطبة، زفر أنفاسه وحمد الله على أمل أنه لا يزال يمتلك فرصة.
انتبهت حبيبه لشروده فقالت:
_ كان نفسي رد الجميل ميكونش بشكل دا لكن أنا وعدتك وأن شاء الله تيمو في عنيه.
انتبه لحديثها فسالها:
_ هي حالة تيمو دلوقتي ممكن تكون خطر؟
لتجيب على استفساره:
_ هي مش خطر ولا هي مستقرة. يعني تيمو أهم حاجة عنده المتابعة والابتعاد عن المجهود. أنا عارفه أنه طفل والحكاية دي صعبة.. بس. دا إجراء مؤقت لحد ميعاد العملية.... دكتور عادل شايف أن قدامه شوية كمان.
لتكمل مستفهمة:
_ هو حضرتك كنت بتتابع فين. حالة تيمو..؟
ليجيب هو:
_ أدهم: أحنا كنا مستقرين في القاهرة وكنا بنتابع مع دكتور رامي الزيات. لكن احنا من حوالي تلات شهور رجعنا اسكندريه. وهو الي نصحنا بدكتور عادل. وقال أنه واحد من أشطر تلامذته.
حبيبه مؤكدة على كلامه:
_ أيوه بصراحة دكتور عادل ممتاز.. ودكتور رامي أستاذنا كلنا. بس أسفه على السؤال_هو حضرتك مكنتش بتحضر معاه ليه؟ دعم الأهل في الفترة دي مهم جداً للطفل.
_ أدهم: أنا كنت في مهمة. ولسه راجع من ساعة.
ابتسمت متفهمة:
_ حمد الله على السلامة.
ثم أكملت استفهامها:
_ معلش لو سؤالي يعني فيه تعدي على خصوصية حضرتك بس_هي والدة تيم فين. أصل أنا استغربت تيم بمجرد أني تعاملت معاه بحنية اتعلق بيه كأنه محروم منها. وبعدين مش سهل على طفل ينادي لحد مامي غير والدته.
ليجيبها أدهم:
_ أنا ووالدة تيم منفصلين من زمان. هو ما عاش معاها تقريباً... أصل والدته مصرية لكن تحمل الجنسية الأمريكية. وبمجرد انفصالنا رجعت أمريكا. تيم ماشافهاش من مدة طويلة.
وكأنه أعاد الذكريات لها. أم سافرت تبحث عن مصلحتها ونسيت أن لها طفل صغير. وما أشبه قصتها بقصته.
_ متشكر يادكتورة. على اللي بتعمليه لابني. تيم فعلاً محتاج حنان. هو معندوش غيري أنا وجدته... وأنا دايماً مشغول. ووالدتي. ست كبيرة في السن.
_ حبيبه: لا يافندم بالعكس أنا بحبه جداً. دا كأنه....
لكنها لم تكمل وكأن الكلام قد توقف على لسانها.. والدموع لمعت في عينيها.
انتبه أدهم لذلك وأوعز لشدة تعلقها بولده.. وكأنها أرادت الهروب من شيء معين.
وقفت مباشرة وقالت:
_ ياريت تلتزم بمواعيد المتابعة بتاعته. وأنا هتابع معاه ومع دكتور عادل. عن إذنك بس أنا عندي حالة ولازم أمشي.
تعجب من فعلتها لكنه لم يعقب وقال:
_ شكراً يادكتورة.
وتركها وانصرف.
لتجلس هي وتنظر إلى المجهول.
******************************************
دخلت نهى غرفة يوسف. في المستشفى.... لتأخذ نفساً عميقاً تعبئ رئتيها برائحته التي تعشقها. ونظرت له بهيام لتجده منهمك في عمله. لتقول:
_ صباح الخير.
نظر لها وعندما التقت عينيها بعينيه هربت عينيه بعيداً عنها وقال:
_ أهلاً يانهى صباح النور.
لتكمل حديثها وتقول:
_ كنت جاية عشان حالة في غرفة ٤٠٧.
ليسالها مستفهماً:
_ أنت تقصدي الشاب اللي عندنا انهيار عصبي؟
_ أيوه يادكتور.
_ ماله يانهى... كنت عايزة أسألك......
ليقطع حديثها طرقات على الباب وتدخل إحدى الممرضات وتقول:
_ دكتورة نهى مريض ٤٠٧ طالبك بالاسم... ومش راضي يسكتلي.
يجيب هو بدل عنها:
_ روحي انت والدكتورة هتبقى تجي تشوفه.
ثم نظر إليها وقال:
_ المريض بسأل عليكِ بالاسم ليه؟
ارتبكت هي من سؤاله وقالت:
_ لا أبداً بس عشان أنا كلمت معاه امبارح فعشان كده هو أطمن ليه.
ليقول بشيء من الحدة:
_ سيبي انت الحالة وأنا هستلمها... ثم صمت قليلاً وقال: عشان الحالة دي محتاجة دراسة أعمق وكده.
وتركها. ورحل من الغرفة بالكامل.
نظرت هي إلى أثره ثم قالت:
_ هو ماله دا.
ثم صمتت تفكر دقيقة لتترسم على شفتيها ابتسامة كبيرة وتقول:
_ بيغير عليا معقول.... يس... يس.
وبدأت تضحك وتقفز في الهواء.
******************************************
عادت إلى المنزل لتجد نجاة ودلال ومصطفى يجلسون بوجوه عابسة ومحتقنة.. ألقت عليهم التحية وجلست بجوار دلال وقالت لها هامسة:
_ هو فيه أي مالهم مكشرين كده؟
لترد عليها دلال بنفس الهمس:
_ أصل مصطفى أطرد من الورشة وبقى عاطل عن العمل. وماما عاملة مناحة.. من الصبح.
_ حبيبه: أيوه.. عشان كده....
لتقول:
_ مصطفى هات السيفي بتاعك.. وأنا أكلم لك دكتور عمر لما يرجع يشوف لك شغلانة في المستشفى.
_ دلال: بس هو خريج تجارة هيشتغل أي في المستشفى؟
_ مصطفى: أي حاجة يابنتي اهو أحسن من صاحب الورشة اللي ذلني وفي الآخر يقول معلش يابني الشغل قليل مش هقدر على مرتب عامل تاني.
_ حبيبه: أيوه كده نركز على أي حاجة عشان سقف الطموح عندك ميكونش مرتفع.
_ مصطفى: خلاص ياحبيبه وهو مين اللي بيشتغل بشهادته؟
_ نجاة: يا ميلت بختي يانجاة. واحدة عاطله عن الجواز والتاني عاطل عن العمل.
لترد عليها دلال بسخرية:
_ أهو المتعتسين زادو واحد.
ليحتقن وجه نجاة وتقول:
_ بتتمسخري يابنت محمود طب أما أوريكِ.
لتهم بذهاب نحوها لولا توقف حبيبه أمامها.
لتقبل رأسها وهي تضحك وتقول:
_ حقك عليه يانوجه. عيلة هبلة وغلطت.
ليكمل مصطفى:
_ وماعندهاش دم.
وتزيد حبيبه:
_ ومجنونة نعمل إيه نأخذها على قد عقلها.
لتنظر لها دلال بغضب وتقول:
_ بقى كده ياحبيبه وأنت كمان ياخايب. ماشي أنا ساكتة عشان ماما حبيبتي. بس حساب بعدين وابقوا شوفوا مين اللي هيعمل الحلويات اللي بتطفحوها.
لينظر مصطفى وحبيبه لبعضهم ويقولون معاً:
_ دودو حبيبتنا القمر العاقلة.
ليكمل مصطفى:
_ الطيبة أم قلب حنين.
لتنظر دلال لهم بطرف عينها وتقول:
_ أيوه كده اتعدلوا.
**************************************
مر شهر وتكررت فيه زيارة أدهم للمستشفى أكثر من مرة.... والتقى مع حبيبه. التي انتبهت أنه ينظر لها بشكل غريب أزعجها.
وفي أحد الأيام دخلت حبيبه لتجد باقة ورد جميلة باللون الأحمر موجودة على مكتبها. استعجبت منها.. نظرت إلى الكارت المرفق لتجد:
_ شكراً لوجودك.
من دون وجود اسم. لكنها وقبل أن تفكر في صاحب الباقة رن هاتفها برقم غريب لترد:
_ الو.
ليجيب رجل:
_ صباح الخير يادكتورة.
لتتعجب وتقول:
_ مين معايا؟
_ عجبك الورد؟
ليستفزها قوله فتقول بلهجة حادة:
_ أنت مين؟
_ كنت فاكرك هتعرفيني من صوتي.
ليحتقن وجهها وتقول بغضب:
_ لو مقلتش أنت مين هقفل السكة.
_ لا خلاص قلبك أبيض... أنا أدهم.
هدأت حبيبه قليلاً لكن ما زال الغضب يسيطر عليها.
_ أهلاً يافندم اسفه بس معرفتش حضرتك.
أما أدهم فكان يطربه اختلاف نبرة صوتها بين الغضب واللين ويحاول إطالة الاتصال.. مستمتعاً بالاستماع لصوتها.
_ لأ عادي يادكتورة. بس أنا كنت عاوز أشكرك على اللي بتعمليه لتيمو. ويا رب يكون الورد عجبك.
ازداد ضيقها لتتنهد وتزفر أنفاسها بشدة وتقول:
_ يافندم دا واجبي... وأنا هقبل الورد المرة دي بس و ياريت متتكررش... تاني.
استغربت نبرة غضبها وطريقة.. صدها له فقال:
_ أسف يادكتورة لو الورد ضايقك. أنا ماكنتش أقصد.
أحست حبيبه أنها قد ضايقته فقالت:
_ لا عادي بس أنا مبحبش حد يقلي شكراً على واجب أنا بعمله. وبعدين إحنا بنا وعد ورد جميل.
ليقول:
_ أسف يادكتورة متشكره مرة تانية مع السلامة.
ثم أغلق الهاتف قبل أن يمهلها الرد عليه.
نظرت حبيبه للهاتف المغلق وقالت:
_ كده أحسن.
وفي هذه اللحظات دخلت نهى لتجد حبيبه شاردة وانتبهت الباقة الزهور.
فقالت:
_ صباح الخير... إيه الورد الجميل دا؟ من مين؟
لترد حبيبه:
_ من والد تيم.
لتسألها نهى مستفهمة:
_ هي إيه حكاية الراجل دا..... ثم ابتسمت وقالت: لتكون معجب بيكي.
لتنظر لها حبيبه نظرة أخافتها ففهمت مقصدها وقالت:
_ خلاص بهزر هو محدش يعرف يهزر معاكي.
_ حبيبه: بلاش الهزار البايخ ده.
_ نهى: خلاص ياختي بلاش النظرة دي أنا ماشية.
لترحل نهى لكنها عادت بعد ساعة تلهث وجهها شاحب وقالت بصوت متقطع:
_ نهى: الحقيني ياحبيبه....
_ حبيبه: مالك يانهى؟
_ نهى: خديجة.
•
رواية أصفاد الحب الفصل التاسع 9 - بقلم رشا عبد العزيز
لم تصدق حبيبه ما سمعت من نهى أن خديجه قد جاءت إلى المستشفى في حالة انهيار عصبي ومحاولة انتحار.
حتى رأتها ممددة على السرير بوجه شاحب والهالات السوداء تحاوط عينها، هزيلة لا تشبه خديجه التي رأتها منذ سنوات.
جلست أمامها هي ونهى يشعرون بالحزن لما حل بها.
حتى بدأت خديجه تفتح عينها ببطء تنظر لهم كأنها تنظر إلى المجهول، وكأنها كانت غارقة في عالم آخر.
بدأت نهى تناديها:
"خديجه... خديجه... أنتِ سمعاني؟"
لكنها لم تجب.
عاودت نهى مناداتها:
"خديجه... أنتِ كويسه؟ حاسة بأي؟"
بدأت خديجه تحرك عينيها يمينًا ويسارًا، وبلسان ثقيل قالت:
"أنا فين؟"
أجابتها نهى:
"أنتِ في المستشفى... أنتِ شايفني؟ باخديجه؟ أنتِ كويسه؟"
لتسألها خديجه مستفهمة:
"أنتِ مين؟"
لتجيب عليها:
"أنا نهى... أنتِ تفتكريني؟"
أقتربت حبيبه بقلق وبدأت تحرك يدها على وجهها وترتبت خصلات شعرها التي خرجت من حجابها المفتوح، وقالت لها:
"خديجه حبيبتي أنتِ تفتكريني؟ أنا حبيبه... حبيبه الدكتورة بتاعة كشك الشاي."
نظرت لها خديجه بتيه تحاول تذكرها.
حتى بدأت تجهش بالبكاء وقالت:
"حبيبه..."
أحتضنتها حبيبه وبدأت تهدئها:
"أهدى حبيبتي أهدي يا خديجه أهدى."
لكنها استمرت بالبكاء، كأنها كانت تنتظر أحد تبكي بين أحضانه.
وبعد مرور فترة من الزمن هدأت خديجه واعتدلت في جلستها وقالت:
"وحشتوني... مكنتش أتوقع أني أشوفكم تاني."
حتى لمعت الدموع مرة أخرى في عينها وقالت:
"مكنتش أتمنى تشوفوني كده."
لتجيبها حبيبه:
"خلاص يا خديجه أهم حاجة إننا شفناكي."
ثم أكملت معاتبة:
"ليه يا خديجه تعملي في نفسك كده؟ إيه اللي وصلك للانتحار؟"
لتجيب بصوت مبحوح:
"مالك..."
شهقة صدرت من نهى التي وضعت يدها على فمها ونظرت إلى حبيبه المصدومة.
هل يعقل أن يكون من كان يومًا سبب سعادتك أن يكون هو أيضًا سبب تعاستك؟
حبيبه:
"وإيه مالك خلاكي توصلي للمرحلة دي؟"
لتبدأ خديجه تقص عليهم ما حدث:
"كنا أنا ومالك بنعيش حياة طبيعية. سعيدة زي أي اتنين اتحقق حلمهم وبقوا من نصيب بعض. لكن بعد سنة من جوازنا... محصلش حمل عشان كده قررنا إننا نروح للدكتور اللي بلغنا إن عندنا مشا مشاكل في الخلفه، وإنه عشان فيه بينا صلة قرابة نسبة الخلفه هتكون ضعيفة. الخبر ده تعبني جدًا، لكن مالك فضل يصبرني ويقولي إني عنده أهم من الأطفال. قررنا نعمل حقن مجهري لكن برضه فشل. مالك فضل يقنعني إن الأطفال مش أهم حاجة. الأهم إننا مع بعض. اقتنعت ورجعنا نعيش حياة سعيدة. لحد بعد تلات سنين مالك اتنقل لفرع الجرنان في إسكندريه. ورجعنا نعيش مع بيت عمي في إسكندريه. ومن وقت ما رجعنا عندهم بدأ عمي ومرات عمي يزنوا علينا عشان الخلفه. لحد ما يوم لقيت عمي ومرات عمي دخلوا علي وطلبوا مني إني أطلب من مالك إنه يتجوز تاني."
لتتذكر خديجه ما قاله عمها لها:
"يا خديجه يابنتي مالك ابني الوحيد وأنا من حقي أشوف ولاده. أنا عارف إن الموضوع صعب عليكي بس أرجوكي. مالك عمره ما هيسمع مني لكن لو أنتِ اللي طلبتي منه يتجوز أكيد الموضوع هيختلف. عشان خاطري يابنتي. أنا برجوكي رجاء اب نفسه يشوف أحفاده."
لتسألها حبيبه متعجبة:
"وطلبتي فعلاً من مالك إنه يجوز تاني؟"
نكست خديجه رأسها وملئت الدموع عينيها وقالت بنبرة صوت يكسوها الألم:
"أيوه."
نظرت نهى وحبيبه لبعضهما البعض متعجبين.
لتسألها نهى:
"ومالك كان رده إيه؟"
لتتذكر خديجه تلك اللحظة المؤلمة.
(فلاش باك)
كنت واقفة قدامه ورجلي مش شايلاني، قلبي بيتنفض وبيصرخ جوايا إني ما أتكلمش وأطلب منه يتجوز. وعقلي بيدفعني وصورة عمي مش مفارقة عنيا وهو بيتوسل ليا إني... أفكر فيه كأب.
قربت منه.
ولما حس إني قدامه رفع عينيه وسحب إيدي وقعدني على رجليه وحضني بقوة وقال:
"حبيبي اللي واحشني."
رديت عليه وأنا في حضنه مغمضة عينيه، ورحته اللي بعشقها محوطاني:
"ولحقت أوحشك؟ دا أنت سبتني من كم ساعة."
جاوبني وهو بيضمني أكتر:
"أنتِ بتوحشيني وأنتِ بحضني."
بلعت ريقي وقررت أتكلم:
"مالك... أنت لازم تتجوز تاني. لازم يكون عندك أولاد."
لقيته جسمه اتشنج واتنفض وخرجني من حضنه وهو مفزوع وبص في عيوني:
"أنتِ اتجننتي؟ أنتِ بتقولي إيه؟"
ماقدرتش أواجه عينيه وقولت:
"لازم تتجوز."
"عاوزاني أتزوج عليكي ويكون فيه واحدة تشاركك فيه؟ وتنام في حضني؟ ويمكن أحبها وتشاركني حبك؟"
لقيت دموعي بتغرق وشي وبرد عليه:
"لازم يكون عندك أولاد. إحنا سوى مش ممكن يكون عندنا أطفال. دا كلام أكتر من دكتور."
بصلي مالك وقال:
"ده مش كلامي."
معرفتش أرد وأقول إيه. سكت ودموعي هي اللي ردت.
"كنت متأكد إنه مش كلامي. أنا عارف ده كلام مين."
رجعني لحضنه تاني وحضني بقوة، حسيت إنه عاوز يخبيني بين ضلوعه وقال:
"عشان ننهي الموضوع ده وتوصلي الكلام للي طلب منك تقولي الكلام ده. أنا عمري ما هتجوز تاني. ولادي لو مش هيكونو منك أنا مش عاوزهم."
فرحت أوي بكلامه، كأنه طبطب على قلبي.
عودة:
"وإيه اللي حصل بعد كده؟"
سؤال طرحته حبيبه عليها.
"فضل والد والدته يزنوا عليه لكن مالك صدهم بقوة ومسمحش حد يجرحني أو يكلمني كلمة واحدة وقال لهم خديجه خط أحمر. لكن بعد كده حصل اللي مكنتش عاملة حسابي عليه. لما جارنا عمي حسن كان بيموت ووصى عمي ومالك على بنته الوحيدة وطلب من مالك إنه يتجوزها. يتجوز... ريم. البنت اللي كنت بشوف نظرات إعجابها لمالك بعنيا."
(بقلم رشا عبد العزيز)
"رفض مالك ومرضاش إنه يجوزها وخصمه عمي تلات شهور بحجة إنه بيخون الأمانة وبيضيع البنت اليتيمة. مالك عرض على عمي إنه يشوف حد من صحابه يتجوز ريم، لكن عمي طبعاً رفض لأنه لقاها حجة عشان يخلي مالك يجوزها. كنا عايشين في جحيم حقيقي، كأننا بنحارب. لحد ما أنا استسلمت لما زاد ضغط عمي على مالك وعليّ. وطلبت من مالك يجوزها... كنت بتقطع حرفياً وأنا بأوافق عمي رأيه وبطلب من مالك يجوز. وبعد كده رضخ مالك للضغط ده واتجوز ريم. ولقيت عمي ومرات عمي بيجهزوا كل حاجة، شقة جديدة، جهاز، استعدادات. وفي وقت قياسي كأنهم ما صدقوا. مالك في الوقت ده كان بيبص لي بلوم وبيقولي هتقدري تتحملي تشوفيني مع غيرك. بكيت. لكن ماكنش بإيدي أعمل حاجة. خلاص جوازه كان واقع. وفي يوم كتب الكتاب روحت عند أهلي. لكن بالليل لقيت مالك بيخبط على بابنا وبيطلب يشوفني."
مالك:
"مش قادر يا خديجه مش قادر المسها. مش قادر المس غيرك."
في اللحظة دي أنا انهرت وخدته بحضني وعيطت أنا وهو. بس استجمعت قوتي وقلتله وأنا بأمسح دموعه:
"روح يا مالك لعروستك. روح يا حبيبي ميصحش تسيبها وتكسرها في ليلة زي دي. روح يا حبيبي."
بص لي مالك بنظرة عمري ما هنساها. وكأني تخليت عنه وسابني ومشي. بس أنا ماكنش في إيدي حاجة. انهرت من بعده وحسيت إن قلبي اتحرق. ومرت الأيام وكنت بصبر نفسي. بالأيام اللي بيكون فيها مالك معايا، كان بيعوضني عن غيابه. لحد اليوم اللي عرفنا فيه إن ريم حامل. وشفت الفرحة في عيون مالك، صحيح كان بيداريها عني لكني شفتها. رغم ده عمره ما حسسني بحاجة وكان بيخاف يجرحني بكلمة. وولدت ريم. وجابت ولد. ولميت نفسي وأنا شايفه مالك وفرحته بابنه، كأن الدنيا مش سيعاه وهو شايل حتة منه. سماه حسن. والكل كان فرحان بيه. حتى أنا كنت بحبه، كان شبه مالك. ولكن اللي حصل بعد كده إن مالك بقى له حياة شغلته عني. وريم كانت بتتعمد كل ما يكون عندي تتصل بيه وتقول له حسن تعبان أو حسن محتاج كده، بس عشان يرجع لها. وبقيت بشوف مالك يوم في الأسبوع بحجة إن ابنه بيحبه ومش بينام إلا بحضنه. كنت بستسلم للنوم عشان ما أفضلش استناه لحد ما أحس بيه جنبي وبياخدني بحضنه وينام. كنت ساعات بحس إنه محتاجني زي ما أنا محتاجاه. ولكن كنت بشوف الغيرة في عين ريم وهي بتشوف اهتمام مالك بيه وإزاي بيدلعني ويتغزل بيه حتى في وجوده. ولكن أنا دايماً كنت بحس إني الطرف التالت وأنا بشوفهم بيلعبوا مع ابنهم. عشت أصعب سنتين في حياتي وأنا بحس إن مالك بينشغل عني أكتر سنة ورا التانية. وزاد انشغاله لما حملت ريم مرة تانية. وبقت تتصل بيه كل ما يكون معايا بحجة إنها تعبانة وحسن تاعبه، وبتطلب منه يرجع عشان حسن. كنت بشوف حيرة مالك مابيني وبينهم. وما اكتفتش ريم بكده... بقت تفهم مالك إني بأذي حسن."
لتتذكر... خديجه ما حصل عندما كانت تطعم حسن في مرة من المرات ليختنق فجأة.
فتتهمها ريم أنها تعمدت ذلك، لكن مالك دافع عن خديجه.
أكملت خديجه وصوتها يختنق:
"لحد اليوم اللي كان حسن مع جدته ومعاها بيلعب عشان مالك ووالدته راحوا الدكتور. وخالتي راحت المطبخ وخبط الباب. رحت أفتح الباب ورجعت على صريخ. لقيت حسن واقع على الأرض وفي جرح كبير في راسه ودم مغرق وشه. في اللحظة دي دخل مالك وأمه اللي اتجننوا لما شافوا ابنهم كده. ولقيت خالتي بتقول أنا سبته مع خديجه. وريم بتقول أكيد أهملته وسابته متعمدة. ولكن اللي حطمني لما مالك صرخ فيه وقال: مش تخلي بالك منه. شفتي حصل إيه بسبب إهمالك. فضلت مصدومة وأنا ببصله. هو صدقهم وصدق إني ممكن أأذي ابنه. وفضل أسبوع متجنبني، وبيقضي وقته مع ريم وحسن."
(بقلم رشا عبد العزيز)
"حسيت في اللحظة دي إني خسرت نفسي، خسرت خديجه. ولو فضلت كده هخسرها أكتر. عشان كده استغليت إنهم متجمعين. دخلت عندهم وكلهم نظرات لوم ليه. وقفت قدام عمي اللي كان واقف جنب مالك وقلتله:
"أرجوك يا عمي أنا عاوزة أطلق."
صرخ مالك في وشي:
"أنتِ بتقولي إيه؟ أنتِ اتجننتي؟"
وطيت على إيد عمي وقلتله:
"أبوس إيدك يا عمي خليه يطلقني."
اتجنن مالك أكتر وصرخ فيه:
"أنتِ بتقولي إيه؟ أنا مستحيل أطلقك. أنا بحبك وما أقدرش أعيش من غيرك."
التفت له وقلت له:
"أبوس إيدك لو بتحبني طلقني. مش عاوزة أكرهك يا مالك."
"لا يا خديجه ماتحلميش إني أطلقك."
جات مرات عمي وريم. رحت لمرات عمي وقلت:
"الله يخليكي أنتو مشفتوش مني حاجة وحشة، خلي يطلقني. أرجوكي."
ومالك يصرخ:
"عقلي يا خديجه أنتِ اتجننتي."
وعمي ومراته بيبصوا ليا بشفقة ومش عارفين يقولوا إيه. التفت لريم ومسكت إيديها وقلت:
"وحياة ولادك خليه يطلقني."
كنت هوطي أبوس إيديها لأن متأكدة إن مالك مش هيرضى لي الذلة دي. وقلت:
"أبوس..."
ما كملتش كلامي ولقيت مالك بيقول:
"خديجه أنتِ طالق."
كلمة كانت زي الرصاصة اللي قتلت قلبي. لملمت نفسي ورجعت بيت أبويا. فضلت أسبوع منهارة ومالك كل يوم يجي عايز يقابلني وأنا أرفض. وكنت بطلب من بابا إنه يطلقني عند مأذون. ومالك كان بيرفض. ماما وبابا كان حزنانين عليا عشان عارفين أنا بحب مالك قد إيه. لكن أختي مها كانت واقفة معايا وقالت لي إني عملت الصح. وأقنعتني إني عشان أخرج من ده لازم أطلع وأشتغل. وشافت لي شغلانة في مدرسة. وبعد شهرين من طلاقي فعلاً بدأت أشتغل في إذاعة مدرسة خاصة. وكنت بدأت أتأقلم على حياتي الجديدة. لكن مالك ظهر من جديد. وكان عايز يردني وأقنع بابا وماما إنه هيسكنى في شقة بعيدة. وهيعدل في الأيام بينا بس أرجع له. لكن أنا رفضت. وبدأ يلاحقني ويضغط علي. لحد اليوم اللي رجعت البيت ولقيته قاعد مع بابا بيستناني. ولما شافني جري عليه بلهفة وقال:
مالك:
"خديجه وحشتيني يا حبيبتي."
خديجه:
"عاوز إيه؟"
مالك:
"عاوزك ترجعي لي يا خديجه. أنا ما أقدرش أعيش من غيرك. أنا بتخنق يا خديجه ارحميني."
خديجه:
"وأنا مش عاوزة أرجع لك يا مالك."
بص لي بغضب وقال:
"هترجعي لي غصب عنك يا خديجه. أنا هردك لعصمتي."
بصت له بتحدي وقلت:
"لو عملت كده هموت نفسي."
بص لي وكان فاكر إني بهزر. وهو مش عارف إن فعلاً الموت في اللحظة دي كان أهون من إني أرجع له وأعيش الحياة دي تاني وأخسر نفسي وأخسره. لأن لو رجعت كنت هكرهه.
قال مالك:
"موتي نفسك، لكن هترجعي لي غصباً عنك."
مسكت سكينة الفاكهة ومن غير تردد قطعت شرياني قدامه.
ثم علت شهقاتها وقالت:
"أنا تعبت يا حبيبه مش عاوزة أرجع، عاوزة أخلص من لعنة الحب ده."
احتضنتها حبيبه وقالت:
"أهدي يا خديجه أهدي. أنتِ صح يا خديجه واللي عملتيه صح. بعدك عن مالك هو الحل عشان ترجعي خديجه من جديد."
تركتها نهى وحبيبه بعد أن اطمأنوا عليها، برفقة شقيقتها مها.
(رشا عبد العزيز)
******************************************
حل المساء وكانت حبيبه تجلس بشقة خالها وعائلته يتناولون وجبة العشاء.
كانت حبيبه تجلس شارده الذهن حتى انتبه لها خالها وقال:
محمود:
"مالك يا حبيبه سرحانة في إيه؟"
انتبهت حبيبه له وقالت:
حبيبه:
"أبدا يا حبيبي بس تعبانة شوية."
محمود:
"ما ترحمي نفسك يابنتي. أنتِ مابين المستشفى الحكومي والخاص وغرف الحضانات. ارحمي نفسك يا بنتي."
لترد حبيبه بابتسامة:
حبيبه:
"ما تخافش يا حبيبي. هو بس عشان النهارده كان فيه حالات كتير."
محمود:
"ربنا يعينك يا بنتي."
لتتحدث فرح ابنة خالها وتقول:
فرح:
"بابا أنا عاوزة فلوس عشان درس الكيميا."
محمود:
"لما أقبض هديكي إن شاء الله."
لتتكلم حبيبه بسرعة:
حبيبه:
"عاوزة كام يا فرح؟ بعد العشا هديكي فلوس الدرس يا قمر."
فرح:
"متشكره يا أبلة."
محمود:
"لا يا حبيبه يابنتي. مش كفاية إيجار الشقة والمصاريف اللي بتدفعيه."
لتنظر له حبيبه بلوم وتقول:
حبيبه:
"كده يا خالي أنت بتحسسني إني غريبة وبتحسب أنا بدفع لك إيه. لو معتبرني غريبة، أنا أسيب المكان وأروح شقتي."
ليقف محمود ويرد بحنق:
محمود:
"بتهدديني يابنت شريف؟"
لتقف حبيبه وتذهب اتجاهه تقف أمامه، تقبل يده وتقول:
حبيبه:
"أنا عمري ما كنت بنت شريفة ولا بنت محمد، أنا بنت محمود. وأنا عمري ما هنسى انتوا عملتوا إيه عشاني. اللي بعمله نقطة في بحر فضلك. أنا لولا فضل ربنا وفضلك عمري ما كنت هكون دكتورة ولا أبقى اللي أنا عليه دلوقتي. فلو بتعتبرني بنتك سيبني أراعي أخواتي."
أحتضنها محمود بقوة وقال:
محمود:
"بنتي وأغلى من روحي كمان. ده أنا اللي رافع راسي بيكي."
يقطع هذه اللحظات طرقات على الباب. اتجه مصطفى إلى الباب وفتحه ليجد شخص يسأل ويقول:
"دا بيت دكتورة حبيبه؟"
اتجهت حبيبه نحو الباب وقالت متفاجئة:
حبيبه:
"أدهم!"
(بقلم رشا عبد العزيز)
رواية أصفاد الحب الفصل العاشر 10 - بقلم رشا عبد العزيز
دارت أفكار في رأسها لحظات وهي تفكر في سبب وجوده أمام منزله.
لكنه أرضى فضولها بسرعة وقال:
_ آسف يادكتورة لو كنت جيت في وقت مش مناسب، بس تيم تعبان وبينادي باسمك، معرفتش أعمل إيه غير أني أجي لحضرتك.
فزعت هي من ما أخبرها ولم تنتظر أن يكمل كلامه أو حتى تسأله كيف علم عنوانها، حتى قالت:
_ أنا هاجي معاك حالاً.
ثم استدارت نحو خالها تستأذنه:
_ بابا ممكن مصطفى يجي معايا؟
لكن قبل أن يجيب خالها قال مصطفى:
_ أنا جاي معاكي يا بيبي.
ركبت معه سيارته التي أعجبت مصطفى الجالس بجانبه. ونظرات إعجابه بالسيارة ونوعيتها وأسئلته التي طرحها على أدهم عن سرعتها وكمية البنزين الذي تستهلكه. أحرجت حبيبته الجالسة بالخلف لتحاور نفسها وتقول:
_ الله يكسفك يا مصطفى، هو ده وقته؟ الراجل ابنه عيان وخايف عليه وأنت عمال تسأله على العربية.
وصلوا إلى المنزل الذي كان عبارة عن فيلا صغيرة، لكنها لو قورنت بشقتهم ستكون قصراً. لينتقل إعجاب مصطفى من السيارة إلى المنزل، ليدنو من حبيبته يهمس بأنها يسألها:
_ هو الراجل ده بيشتغل إيه؟
لتهمس له مجيبة:
_ بيشتغل ظابط... بس أنا سمعت أن والده كان تاجر قماش.
ليقول مصطفى باستخفاف:
_ أدي الآباء ولا بلاش.
لترد حبيبه بغضب:
_ وماله خالي يا أستاذ مصطفى؟
ليرد مصطفى:
_ مالوش، ربنا يحفظه، بس مش زي أبو أدهم ده.
لتقول حبيبه:
_ آخرس يا ولد خالي، أحسن أب في الدنيا.
ليشير إليها مصطفى بعد أن طال وقوفهم على الباب:
_ طب يلا ندخل، الراجل بقاله ساعة جوه وإحنا واقفين بنتكلم.
ليأتي أدهم ويقول:
_ اتفضلي يادكتورة... اتفضل يامصطفى.
دخلت حبيبه إلى الفيلا لتجد سيدة تبدو في العقد السادس من عمرها. يقدمها أدهم لها:
_ الحاجة أمينة والدتي... دي دكتورة حبيبه يا ماما.
ابتسمت لها أمينة واحتضنتها. وقالت:
_ أهلاً.. أهلاً ياحبيبتي... وأخيراً شفتك، ده تيم... مبيطلش كلام عنك.
لتجيبها حبيبه بحب:
_ أهلاً بحضرتك يافندم، وأنا كمان والله بحبه أوي.
ثم التفتت نحو أدهم وقالت:
_ أقدر أشوفه؟
ليومئ لها محركاً رأسه بنعم ويقول:
_ أكيد، اتفضلي.
لتنظر حبيبه إلى والد أدهم وتقول:
_ عن إذنك يافندم.
أخذها أدهم نحو غرفة تيم في الطابق العلوي. وما أن دخلت إلى الغرفة حتى وجدته ممدداً على السرير بجانبه داده كريمة. ركضت نحو تيم واحتضنته بلهفة وقالت:
_ تيمو حبيبي مالك ياروح أمك.
مسحت وجهه الذي استشعرت حرارته وأزاحت خصلات شعره عن جبهته تتحسسها فوجدت حرارته مرتفعة. اضطربت ودب القلق في قلبها. وقالت:
_ تيمو حبيبي، أنت سامعني؟
فتح تيم عينيه بوهن ونظر إليها وابتسم لها بتعب وقال:
_ مامي.
ساحت الدموع عينيها وأعادته لأحضانها. وقالت:
_ أيوه ياروح مامي.
تنظر نحو والده وقالت:
_ لو سمحت يافندم، ممكن تساعدني ندخله الحمام؟ حرارته عالية، لازم ننزلها الأول.
أدهم الذي أسره مشهدها مع ولده وجعله يسرح في أحلام يتمنى لو تحققت، أخرجه من شروده سؤالها.
تحرك نحو ولده وأدخله الحمام الملحق بغرفته. لتتولى حبيبه المهمة. فقامت بغسل وجهه ويديه ورجليه بالماء الفاتر وطلبت من داده كريمة أن تحضر له ملابس جديدة.
غيرت ملابسه وأعاده والده إلى فراشه. ثم اتصلت بدكتور عادل تستفهم منه على الحالة وعن العلاج الذي تنوي أعطائه له، ليملي عليها بعض الأدوية التي تلائم حالته.
ظلت حبيبه بجانبه تضع له الكمادات وأعطته الدواء المناسب.
كان أدهم يجلس على كرسي موجود في غرفة تيم. نظرت إليه حبيبه ترى نظرات القلق البادية عليه لتقول:
_ متقلقش حضرتك، هو حرارته نزلت خلاص، إن شاء الله مفيش خطر... ودكتور عادل طمني.
لينظر لها بامتنان ويقول:
_ متشكر أوي يادكتورة. أنا لولاكي ماكنتش أعرف أعمل إيه.
تجيب حبيبه:
_ يافندم، مفيش داعي للشكر، تيمو ده حبيبي.
كان يراقبها ويراقب اهتمامها بولده الذي يزيد خفقان قلبه. ويسعد روحه ويتوسل للساعة أن توقف عقاربها عن الحركة. فكم ينعش هذا القلب المشتاق وجوده معها في مكان واحد.
كانت تمرر يدها على وجه تيم تتحسس حرارته. لتضحك فجأة وتقول:
_ تعرف أن تيم يشبهني؟ عنده خدود شبه خدودي، هههه.
ليرد قلبه ويقول: كم تمنيت لو كان طفلي منكِ، كم كان ليكون محظوظاً بأم حنونة مثلك... لكن لسانه قال:
_ ده ابني محظوظ أنه يكون شبه حد قمر كده.
ارتبكت من كلامه الذي يغازلها به ولم تعرف بما ترد، لتفضل السكوت حتى يمر هذا الوقت وتطمئن على تيم.
أما هو فأطلق العنان لعينه تتأملها وتتأمل خجلها. يبتسم على ارتباكها واحمرار وجنتيها وقلبه يسقط أسيراً لتلك العيون الحزينة.
ذهب وعاد بقدح من العصير ليقول لها:
_ اتفضلي ياحبيبه.
نظرت له وأخذت منه العصير الذي كانت فعلاً تحتاج له. ثم لفت نظرها أنه يشرب القهوة لتسأله مستفهمة:
_ طب ليه أنت قهوة وأنا عصير؟
ليرد بابتسامة:
_ عادي يعني، أنت أكيد مش هتشربي القهوة في الوقت المتأخر ده.
طب وأنت ليه بتشرب قهوة؟
سؤال طرحته عليه مستغربة إجابته.
ليجيبها هو:
_ لا، أنا متعود على شرب القهوة في أي وقت... بس تعرفي عمري ما ذقت الذ من فنجان القهوة بتاعك.
كتب له لما لا يتوقف عن كلامه الذي أصبح يخنقها. ليرحمها تيم عندما فتح عينيه المتعبة وقال:
_ مامي، أنت هنا معايا؟
لتجيب وهي تحتضنه:
_ حبيبي ياتيمو... أنت كويس.
أخرجته من أحضانها تقبل وجنتيه. ليقول تيم:
_ مامي، أنت جيتي امتى؟
ابتسمت حبيبه وقالت:
_ من ساعة ما أنت قلت لبابا أنك عاوزني.
ليفكر الصغير قليلاً ثم يقول:
_ بس بابا قال أنك مش هتقدري تيجي.
لتقرص أنفه وتقول:
_ لا ياحبيبي، أنا عشانك أعمل أي حاجة.
ليسألها هو ببراءة:
_ يعني تقدري تعيشي معايا هنا؟
سؤال جعل قلب والده يتراقص لمجرد الخيال أن تكون هنا في منزله تعيش معه، ينعم برؤيتها وقربها.
أجابت حبيبه ذلك الصغير وقالت:
_ لا ياتيمو، ما أقدرش ياحبيبي، أنا عندي بابا وماما وإخواتي اللي مقدرش أبعد عنهم.
عبس وجهه وزم شفتيه وقال:
_ يعني مش هتيجي تاني؟
قبلت وجنتيه وقالت:
_ أنت لما تحتاجني، تعالى المستشفى، وممكن تتصل بيا أجلك على طول... ومدام أنت بقيت كويس يابطل، أنا لازم أمشي عشان زمان بابا قلقان عليا.
ودعت تيم بعد أن اطمأنت عليه ونزلت لتجد مصطفى لازال يجلس ينتظرها بملل. لتقول له:
_ آسفة يا مصطفى، اتأخرت عليك، بس كان لازم أطمن على تيمو.
_ لا مافيش مشكلة، بس خلينا نروح عشان بابا اتصل أكتر من مرة.
ليقول أدهم:
_ اتفضلوا، خلوني أوصلكم.
لتجيب حبيبه:
_ خليك حضرتك جنب تيم، وإحنا نقدر ناخد تاكسي.
ليجيبها بحده وحزم:
_ اتفضلي يادكتورة، أوصلك.
ليشير لها مصطفى بالموافقة.
عادوا إلى المنزل. ولم تخفى على مصطفى نظرات أدهم نحو حبيبه طوال الطريق.
وعندما دخلا إلى المنزل قال لها:
_ الراجل ده بيبصلك بطريقة غريبة، مش عاجباني.
لتجيب حبيبه:
_ ولا عجباني الصراحة.
فهي لم يخفى عليها نظراته وكلماته التي أزعجتها.
***
في اليوم التالي في مستشفى الدكتور عمر، كانت خديجة ممددة على سريرها. عيناها شاخصه نحو سقف الغرفة عندما سمعت طرقات على الباب. لتدخل حبيبه ونهى يبتسمون وهم يقولون:
_ ديجا.... ديجا.
ابتسمت خديجة واعتدلت في جلستها وقالت:
_ أهلاً... مالكم فرحانين كده؟
لتقول نهى:
_ دكتور يوسف خلاص كتب لك على خروج.
وتكمل حبيبه:
_ يلا بينا... مفيش وقت.
لتسألها خديجة مستفهمة:
_ يلا فين؟
لتبتسم حبيبه وتقول:
_ نعيد أمجاد الماضي يا ديجا.
ثم أكملت نهى موضحة:
_ عاوزين نخرج سوا، ياديجا، نشم شوية هوا ونرفه عن نفسنا.
لترد خديجة بصوت يملأه الحزن:
_ معلش يابنات، اعذروني بس مش هقدر، سامحوني.
لتقول حبيبه بحزم:
_ مفيش أعذار النهارده يا ديجا، ويلا عشان خاطري... أنا معشتش طفولتي يا ديجا وعاوزة أروح الملاهي أعوض يوم من طفولتي على الأقل. ياديجا... هتحرميني أنت كمان زي ما الدنيا حرمتني.
رغم أنها قالت ذلك لمحاولة إقناع خديجة، لكنها كانت صادقة في كل ما قالت.
لأن قلب خديجة قليلاً ونظرت نحو شقيقتها التي شجعتها، لتقتنع أخيراً وتذهب معهم.
قضى الثلاثة يوماً لن ينسوه أبداً. عادوا فيه أطفالاً ولم يبخلوا على أنفسهم في الاستمتاع باللعب وأكل الحلويات.
جل ما كان يهم حبيبه ونهى أن تبتسم خديجة من جديد، وقد كان لهم ما تمنوا. فضحكت خديجة وسرقت من الزمان لحظات أنستها آلام الماضي.
أيام مرت عليهم عادوا فيها يلتقون ويتحدثون محاولين إعادة خديجة من جديد لحياتها الطبيعية.
كانت حبيبه تمشي في ممرات المستشفى عندما رأت أدهم من بعيد. دب القلق في قلبها أن يكون حدث مكروه لتيم.
مشت بخطى سريعة نحوه تسأله بلهفة وخوف:
_ خير يافندم، هو تيم جراله حاجة لا سمح الله... تيم كويس؟
تلعثم أدهم ثم قال:
_ لا، تيم كويس، بس أنا كنت عاوزك في موضوع، ممكن آخذ من وقتك عشر دقايق نقعد في الكافتيريا اللي جنب المستشفى.
ترددت وقالت:
_ بس أنا...
لـيـقـاطـعـهـا هـو:
_ أرجوكي يادكتورة، هما عشر دقايق، مش هاخد من وقتك كتير.
ها هي توافق وتجلس أمامه على الكرسي، يفصل بينهم طاولة صغيرة.
تنتظره أن يتكلم.
أما هو فكان يهز قدميه بحركته غير منتظمة. لا يعرف من أين يبدأ.
أخرج علبة سجائره ليدس سيجارة بين شفتيه، لعلها تقلل من توتره.
نظر إليها لجدها تنظر إلى ساعتها بين الحين والآخر، ما زاد الضغط عليه.
أشعل سيجارته وبدأ ينفث دخانه.
لتقول هي بابتسامة قاطعة هذا الصمت:
_ افتكر أن كان بينا وعد زمان، بس الظاهر فيه ناس مابتلتزمش بوعودها.
هدوء كلامها وابتسامتها خفف من توتره وأراح قليلاً قلبه الذي يصعب بداخله. وقلل من ارتعاش يده ليجيبها:
_ والله بصراحة أنا حاولت بس فشلت.
_ بس هوعدك تاني.
لتضحك هي وتقول:
_ لا بلاش، لو من غير اقتناع ما منه فايدة. بس بجد ياريت تحاول.
أطفأ سيجارته وقال لها:
_ إن شاء الله هحاول.
ابتسمت حبيبه وقالت:
_ إن شاء الله خير.... أستاذ أدهم، همه العشر دقايق خلصوا وحضرتك لسه مقلتش الموضوع اللي أنت عاوزه عشانه.
نظر إليها واستجمع قواه وقال جملته دفعة واحدة:
_ حبيبه... أنا بحبك.