تحميل رواية «أصفاد الحب» PDF
بقلم رشا عبد العزيز
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تعالن نسمات الهواء الباردة تعلن بدء الشتاء في مدينة الإسكندرية. حبيبة، التي تبلغ من العمر عشر سنوات، تسير في طريق عودتها من المدرسة. قصتها لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة، فهي ضحية تشتت أسري. انفصل والدها عن والدتها منذ خمسة أعوام، لم ترَ حبيبة والدها فيهم، ولا تربطهم به سوى تلك النقود القليلة التي يرسلها لهم كل بداية شهر. حبيبة ليس لها إخوة، وتعيش مع والدتها في بيت خالها، في شقة صغيرة جداً مكونة من غرفة وصالة في حي فقير جداً، معتمدين في معيشتهم على عمل خالها الذي يعمل كقهوجي في أحد المقاهي الشعب...
رواية أصفاد الحب الفصل الحادي عشر 11 - بقلم رشا عبد العزيز
وكأن الصدمة قد شلتها، ظلت تنظر له ببلاهة، تغمض عينها وتفتحها تحاول استيعاب ما تسمع، لتقول له:
_ أنت قلت إيه؟
ارتبك هو، ثم بلع ريقه وقال:
_ بحبك يا حبيبة.
لتسأله مستهزئة:
_ إزاي واحنا مبقلناش غير شهر نعرف بعض؟ حبيتني بالسرعة دي إزاي؟
يجيبها وعينه تواجه عينها:
_ مش من شهر، من تمن سنين.
كانت هي هذه المرة مندهشة، فسألت:
_ تمن سنين؟ إزاي؟ مش فاهمة. ده إحنا متقابلناش غير مرة واحدة في القسم.
حرك رأسه نافياً ويقول:
_ لا يا حبيبة، ده اللي أنتِ فكراه، لكن أنا من ساعة ما شفتك في القسم ومش عارف جرالي إيه. صورتك ما فرقتش خيالي. قلت ده أكيد إعجاب وهيروح لحاله. لكن لقيت نفسي بدور على عنوانك وعنوان الكشك، وألاقي نفسي كل يوم بقف من بعيد بالساعة والساعتين. أراقبك لحد ما اتجرأت في يوم وقلتلك إني جيت صدفة وطلبت أدوق قهوتك، لكن الحقيقة إن كان بقالي شهرين باجي عشان أشوفك.
ثم أخرج محفظة جيبه، ليظهر لها صورتها القديمة الموجودة فيها، التي يبدو أنه التقطها لها من بعيد:
_ صورتك دي ما فارقتش محفظتي، وكانت هي اللي بتواسيني. كنت كل ما توحشيني، أفتحها وأبصلك. وساعات كل ما يكون عندي هم، تلاقيني بكلمك وأشكيلك.
ظلت تنظر له بصدمة، لا تعرف بما ترد عليه.
ليكمل هو:
_ كنت ناوي آجي وأفاتحك، لكن حصلت حاجة. بابا وقتها طلع عنده كانسر، واضطريت أسافر معاه. وفضلت معاه فترة طويلة. اتعرفت هناك على... صفا... مامت تيم، اللي قربت مني أوي. لكن رغم كدا... قلبي كان لسه بينبض باسمك. وحكيت لها عنك، وإني قلبي مرتبط بإنسانة تانية. واتحسن بابا، ورجعت أدور عليكي، لكني اتفاجأت إنك سبتي الكشك. ولما رحت البيت لقيت العمارة واقعة ومحدش يعرف عنكم حاجة. فضلت فترة أسأل، لكن في الوقت ده بابا توفى وماما دخلت في أزمة حزن عليه. واتنقلت القاهرة وسبنا إسكندرية.
وفي يوم اتصلت بيا صفا، وقالت إنها جاية القاهرة عشان عاوزة تستقر هنا. وطلبت مني إني أكون دليلها في المرحلة دي. وفعلاً فضلنا ست شهور نتكلم مع بعض لحد ما في يوم صفا اعترفت ليا إنها بتحبني. وأنا كنت مفكر إني ممكن أكون نسيتك، واتجوزنا. لكن بعد فترة صفا بدأت تمل من العيشة هنا وكانت عاوزة ترجع أمريكا. وأنا كنت رافض. وبدأت المشاكل تكثر بعد ولادة تيم. لحد ما خلاص انفصلنا. وطلبت منها تسيب تيم وتمشي. وفعلاً سابت تيم وتنازلت عن حضانته. ورجعت أنا أعيش مع طيفك، وأحلم إني أشوفك كل يوم. واكتشفت إني محبتش غيرك. لحد ما شفتك في المستشفى، وكأن ربنا رجعك ليا تاني. حبك اللي عايش جوايا من سنين. رجعتله الحياة. قلبي اللي كان مستنيكي وبيصبرني، بقى بيتنفض لما يسمع صوتك. عيني اللي ماشفتش غيرك، بقت بتعد اللحظات عشان لقاكي. صدقيني يا حبيبة، حبك عاش في قلبي سنين، يكبر سنة ورا التانية على أمل رجوعك. أنا مش بس بحبك، أنا بعشقك.
كان ينظر لها بعين عاشق، ينتظر جوابها. أما هي فكانت على النقيض تماماً. أحست بأنها تختنق، لكنها حسمت أمرها، ثم تنهدت وزفرت أنفاسها بشدة. وقالت:
_ أستاذ أدهم، أنا ممتنة لمشاعر حضرتك وحبك اللي أنا مقدره. لكن أنا آسفة. أنا ما أقدرش أقبل الحب ده.
ولو كانت الكلمات سيوف لكانت كلماتها هكذا، لقد طعنته في صميم قلبه الذي لم يعشق غيرها. ليسألها بلسان ثقل الكلام عليه ألماً:
_ أنتِ مرتبطة بحد تاني؟ ممكن أفهم سبب الرفض؟ لو أنتِ مش بتحبيني، عادي أديني فرصة، وأدي لنفسك فرصة، نتعرف على بعض أكتر، يمكن تحبيني زي ما بحبك. ولو عاوزة علاقة رسمية، أنا ممكن أطلب إيدك دلوقتي.
أغمضت عينيها، محاولة حجب عينيها عن عينيه المنكسرة. ودت لو لم ترَ نظرات عينيه المتوسلة. لكنها أرادته أن تنهي هذا الأمر، فقالت:
_ أستاذ أدهم، أنا ما أنفعكش، ولا أنفع غيرك. أنت إنسان كويس، وألف تتمناك. ربنا يرزقك باللي تستاهلك.
ثم نهضت بسرعة، وقالت:
_ يا ريت اللي اتقال دلوقتي ما يأثرش على علاج تيم، ولا على علاقتي بيه.
ثم تركته ورحلت بسرعة وبخطى راكضة كأنها تهرب منه.
نظر لأثرها. أغمض عينيه وقبض على يده بشدة، محاول تهدئة أعصابه، عله يوقف نزيف قلبه، الذي يصرخ بين أضلعه. وسؤال واحد كان يطرق في باله:
لماذا رفضته؟ ما سبب هذا الرفض؟
***
كانت نهى تجلس في غرفة الأطباء تمسك جبهتها تدلكها. لقد عاد ذلك الصداع الذي يفتك برأسها بين الحين والآخر. هذا المرض الذي لازمها منذ زمن، لم ينفعه العلاج. فكلما هدئه عقار، اعتاد جسمها عليه بعد فترة، ولم يعد له مفعول.
_ دكتورة نهى، دكتور يوسف عاوزك في مكتبه.
كان هذا صوت إحدى الممرضات.
_ حاضر يا ندى، هروحله حالاً.
وصلت أمام مكتبه. طرقت الباب ودخلت.
تباً لهذا الصداع الذي أتعب حتى الرؤية لديها، كيف ستبصر وجهه الجميل اليوم؟ تقدمت بخطى متعبة ووقفت أمامه:
_ أفندم يا دكتور، حضرتك طلبتني؟
ليجيبها وهو يراقب شحوب وجهها، عيناها الذابلة، حتى صوتها وكأنها تجاهد لتخرجه:
_ مالك يا نهى؟ أنتِ تعبانة؟ الصداع النصفي مش كده؟
وبصوت متعب أجابت:
_ أيوه يا فندم. الدوا الجديد معادش بيعمل حاجة.
_ تقدري تروحي يا نهى ترتاحي في البيت.
_ متشكرة يا فندم، أصلي بستنى حبيبة عشان هتبات معايا النهارده.
ابتسم يوسف وقال:
_ خلاص براحتك يا نهى، خلاص روحي استريحي.
وكانت تنتظر هذه الكلمات لكي تغادر، فلم تعد تستطيع الوقوف أكثر.
***
عادت خديجة لعملها الذي أصبحت تقضي فيه وقت طويل، محاولة الهروب من منزلها ومن ملاحقة مالك لها، التي لم توقفها حتى محاولة الانتحار أمامه. تأخرت نصف ساعة بعد دوام المدرسة، تعد بعض البرامج الإذاعية لاحتفال عيد الأم القريب. انتبهت للوقت المتأخر وخرجت مسرعة، لكنها أمام بوابة المدرسة وجدت طفلاً يبكي وأخته بجانبه تحاول تهدئتها.
اقتربت منهم بقلق وقالت:
_ مالكم يا حبايبي واقفين كده ليه؟ وإيه اللي مأخركم لحد دلوقتي؟
لترد الطفلة الصغيرة:
_ أصل بابا اتأخر علينا.
لتسألها خديجة مستفهمة:
_ ليه؟ هو بابا اللي بيوصلكم مش باص المدرسة؟
_ أصل أنس بيتعب من لفة الباص، عشان كده بابا هو اللي بيوصلنا.
نظرت إلى الصغير الذي يبكي، جثت على ركبتيها محاولة أن تكون بمستواه، ثم مدت يدها تمسح دموعه، وقالت:
_ حبيبي متعيطش، أنت بطل يا أنوس. بابا زمانه جاي. متعيطش يا حبيبي. أنت جميل واسمك جميل، ما شاء الله. خلاص أنا هستنى معاكم لحد بابا ما يوصل.
وقفت ونظرت إلى الصغيرة التي كانت جميلة، تبدو أكبر من عمرها وهي تعامل شقيقها كأنها والدته. وقالت:
_ وأنتِ اسمك إيه يا حبيبتي؟
_ مسك.
ابتسمت لها وقبلتها، وقالت:
_ الله، اسمك يجنن يا حبيبتي. وانتو في صف إيه يا مسوكة؟
_ أنا Kg2، وأنس Kg1.
أصبحت خديجة تسألهم وهم يجيبون عليها، وسؤال تلو الآخر. بدأت خديجة تنسيهم غياب والدهم، حتى مضت نصف ساعة. بدأ الأولاد يندمجون معها، حتى قالت مسك:
_ أهو بابا.
لتقول خديجة وهي تحرك يدها على رأس أنس:
_ خلاص يا حبايبي مادام بابا وصل. مع السلامة.
ثم تركتهم ورحلت.
***
دخلت نهى عليها غرفتها وهي تصرخ بها:
_ أنتِ روحتي الشقة تاني؟ ياحبيبة!
لترد عليها دون أن ترفع رأسها عن الأوراق التي تدققها:
_ أيوه.
لتقول لها نهى تلومها:
_ ليه كده يا حبيبة؟ إحنا مش اتفقنا؟ حرام عليكي يا حبيبة.
لترفع نظرها نحو نهى وترد بغضب:
_ لا، ما اتفقناش يا نهى، ومش هبطل أروح هناك. ويا ريت تقفلي على الموضوع.
_ يا حبيبة، دول بقوا تلات أيام في الأسبوع بعد ما كانوا يوم واحد في الشهر.
تكلمت حبيبة بحدة لتنهي جدالهم العقيم:
_ خلاص يا نهى، قلتلك قفلي على الموضوع خلاص. وبعدين تعالي، عاوزة أحكيلك موضوع.
تسألها نهى مستفهمة:
_ موضوع إيه؟ رغم إني عارفة إنك بتهربي من...
لتكمل عليها حبيبة كلام أدهم واعترافه بالحب لها وكيف رفضته. نظرت لها نهى بعيون متسعة وقالت:
_ يا جبروتك! حد يرفض حب زي دا؟
لتقول لها حبيبة:
_ كده أحسن.
_ ليه يا حبيبة؟ دي فرصة كويسة. الظاهر أدهم بيحبك بجد. حاولي تدي لنفسك فرصة، وتدي...
وقبل أن تكمل نهى كلامها، أوقفتها حبيبة بحركة يدها وهي تقول بغضب:
_ ما تكمليش يا نهى.
تنهدت نهى مستسلمة وقالت:
_ خلاص يا حبيبة، براحتك.
***
لقد اقترب من حافة الجنون وهو يفكر: لماذا رفضته؟ أسبوعان مرا على لقائهما وعقله لا يستوعب ما يحدث. هي غير مرتبطة كما أخبرته، إذاً لماذا ترفضه؟ لكن منذ أن بدأ يراقبها وهو يراها تتردد على شقة معينة، وأفكار سلبية بدأت تضرب رأسه. قرر تتبعها نحو تلك الشقة التي تتردد عليها، وفكرة واحدة تسيطر عليه: هل خدعته ببرائتها؟ هل هي امرأة لعوب لهذه الدرجة لتستطيع خداعه؟
رآها تصعد سلالم تلك العمارة، لتقف أمام إحدى الشقق، فتحت الباب ثم قالت:
_ حبيبي وحشتني أوي.
لم يعرف ما شعر به. غلت الدماء في عروقه. أراد فقط أن يصل إليها ويدفع عنقها. طرق الباب عليها بعنف. لتفتح له الباب وتتفاجأ بوجوده. دفعها ودخل إلى الداخل قبل أن تنطق أي كلمة. وما أن دخل حتى صعقه ما رأى.
رواية أصفاد الحب الفصل الثاني عشر 12 - بقلم رشا عبد العزيز
أصابه الذهول مما رأى، فقد كانت جدران هذه الشقة مغطاة بالكامل بصور عملاقة لها بفستان زفاف، وبجانبها رجل آخر.
رجل زينت صوره معظم الجدران، وشاشة عرض عملاقة تعرض فيديو لهم سوياً، يبدو أنه من شهر العسل.
حس الأرض تدور من حوله ليجلس على أول مقعد يواجهه.
ولازالت عيناه تدور على صورهم معاً.
أسرعت حبيبة نحو المطبخ، وعادت بقدح من الماء. مدت له يدها بقدح الماء، الذي أخذه منها وتناوله دفعة واحدة، عله يطفئ نار قلبه المشتعلة وهو يراها في أحضان رجل آخر، ولا يخفى على أي أحد نظرات الحب الواضحة في عينيها.
أغلق عينيه، يحاول مسح هذه الصورة. زفر أنفاسه محاولاً تهدئة قلبه.
جلست حبيبة في المقعد المقابل له، ثم تحمحمت وقالت:
"ده علي جوزي."
رفع نظره إليها بأعين خطت الخيوط الحمراء فيها، ولوثت بياضها من فرط الحزن والغيرة. مع هرب عينيها من مرمى عينيه، ثم أكملت:
"كان دكتور زميلي، التقينا في فترة التكليف."
تعود ذكرياتها إلى ذلك اليوم الذي كانت تؤدي فيه تكليفها في إحدى القرى. كانت تقف في تلك الوحدة الصحية الصغيرة عندما جاء أحد الموظفين ليقول لها:
"الحقي يادكتورة، الدكتور الجديد انضرب."
عبست حاجبيها وسألته مستفهمة:
"دكتور مين؟"
"الدكتور اللي كان المفروض يكون موجود من تلات أيام واتأخر."
ليأتي على يسنده أحد الرجال، وهناك جرح غائر في جبينه، والدماء تسيل منه. لتساعده حبيبة وتقطب له جرحه، وبدأت تلف الشاش حول رأسه، لتضحك وتقول:
"بس حضرتك داخل حامي يادكتور، أول ما توصل البلد تدخل في خناقة."
لينظر لها بحنق ويقول:
"كنت عاوز أعمل خير وأفك الخناقة، واهي جات على دماغي."
لتستمر بالضحك وتقول:
"يله جات سليمة المرة دي، بس خلي بالك وانت بتعمل خير المرة الجاية."
نظرة لها بانفعال وقال:
"هو حضرتك بتتريقي؟"
لا تعلم لماذا شكله وكلامه جعلها تزداد ضحكاً، لكنها وجدته هذه المرة يحدق بها.
عندما انتهت من نوبة ضحكها:
"تعرفي أنا كنت جاي وأنا بخانق دبان وشي عشان جابوني المكان دا، بس شكلي هشكرهم عشان اختاروني."
ارتبكت من كلامه وادعت عدم الفهم وقالت:
"تقصد إيه؟"
ليرد عليها بابتسامة:
"أصل لو كنت هشوف الضحكة دي كل يوم يبقى لازم أشكرهم."
اتسعت عينيها من جرأة كلامه وقالت بنبرة صوت حادة:
"ماتحترم نفسك، أنت هتعاكسني."
ليرد هو:
"آه بصراحة، ليه هو محدش قالك قبلي إن ضحكتك تجنن..."
لتزداد غضباً وتقول:
"لا أنت الظاهر محتاج جرح تاني يرجع لك عقلك، لأن باين عقلك راح منك."
"لا وعلي إيه، قلبك أبيض... خليني... أروح السكن أحسن."
عادت من ذكرياتها لتكمل لأدهم قصتها:
"اشتغلنا مع بعض، وقربنا أكتر من بعض في الفترة دي. اكتشفت إن علي أطيب وأحن شخص ممكن تقابله. كان بيحب الحياة، يهزر ويضحك، وساعات تحسه مجنون، لكن حتى جنونه كان جميل. كان بيديني طاقة إيجابية ويشجعني، خلاني أشوف الحياة بشكل تاني، لحد ما في يوم كان راجع من إجازة."
لتعود إلى ذكرياتها. دخل عليها علي بابتسامته المعتادة وقال:
"حبيبة وحشتيني وحشتيني... أوي."
نظرت له وأدهشها ما قاله لتسأله مستفهمة:
"علي أنت بتقول إيه؟"
لتنطق عيناه قبل لسانه ويقول:
"بحبك... بحبك يا أحلى صدفة في حياتي."
لم تدري بماذا تجيب، لكن قلبها كان يرقص بين أضلعها لأنها كانت تبادله الحب، لكنها فضلت السكوت.
لينظر لها بحب ويقول:
"أوعي تقولي إنك مش بتحبيني، عشان أنا عارف نفسي حليوة ومسمسم وأتحب."
ثم ضحك ضحكة عالية استفزتها، لتقول:
"وإيه الثقة دي؟"
لينظر داخل عينيها ويقول:
"طب عيني في عينك يا حبيبة قلبي."
تاهت هي بكلمته ونظرات عينيه.
لينهي هو حالة التيه التي انتابتها ويقول:
"عينيكي اعترفت لي من زمان يا حبيبة، وقالت لي بحبك، فبلاش تنكري، وخلي لسانك يعترف هو كمان. بتحبيني يا حبيبة مش كده؟"
لتومئ له برأسها:
"لا يابيبا، أنا بحب أسمع... قوليها يابيبا بنفسي أسمعها وأطمن قلبي."
لتنظر له بابتسامة خجلة، قالت له:
"بحبك ياعلي."
عادت حبيبة للحاضر تكمل لأدهم قصتها التي كلما أكملت زاد قلبه نزيفاً.
"لقد عاشت قصة الحب التي يتمناها مع شخص آخر."
"ود لو يصرخ بها أن تتوقف، فقلبه يحترق كلما ذكرت اسم غريمه، لكنه استمر يصغي إليها."
"أنا ما أعرفش يعني إيه حب، لكن علي علمني الحب. علمني يعني إيه تكون أهم حاجة في حياة حد، يعني إيه حد يهتم بيك وبكل تفاصيلك، يعني إيه حد يعاملك كأنك ملكة، يعني إيه حد يحس بيك قبل ما تتكلم."
لتعاودها الذكريات مرة أخرى. عندما دخل عليها علي في إحدى المرات:
"صباح الخير يا حبيبتي."
لترد عليه بابتسامة:
"صباح الخير يا عليلين."
لينظر لها ثم يقول:
"مالك يا بيبا؟ إيه اللي مزعلك؟"
اندهشت هي كيف علم بحزنها وهي تبتسم، لتسأله مستفهمة:
"وعرفت إزاي إني زعلانة؟"
ليرد عليها علي بابتسامة:
"عينيكي اشتكت لي يابيبا... هي أمك اتصلت بيكي؟"
لتحرك له رأسها بنعم وشعور الألم والخذلان يملأ عينيها:
"وعرفت إزاي؟"
ليعقد وجهه ويقول:
"مهي دي حالتك كل ما تتصلي... يابيبا يا نور عينيه، قلت لك. أنسي... واعتبريني. أنا عيلتك."
لتقول والدموع تتجمع في عينيها:
"دي كلمت خالي ياعلي ومكلفتش نفسها تسأل عليه."
ليشير لها محذراً:
"أوعي أشوف دمعة من دموعك، أنا ما أستحملش عليكي الهوا يأذيكي. أنا لولا إنها أمك كنت قلت لك أنسيها نهائي... دموعك دي غالية علي. ويا ستي أديني بقول لك. اعتبريني أنا أمك وأبوك."
ليكمل مازحاً:
"ده أنا حتى بابا حنين وأم كيوت."
لتضحك حبيبة من بين دموعها.
ليضحك هو أيضاً ويقول:
"أيوه كده. اضحكي. خليني أشوف أحلى ضحكة في الدنيا."
"بحبك ياعلي."
"وأنا بموت فيكي ياروح علي."
عادت من ذكرياتها تكمل له قصتها:
"عشت مع علي أحلى قصة حب. كان شعور جميل. بعد حوالي سنة، قررنا نتجوز. لكن أهل علي رفضوا. كانوا معترضين عليا عشان كانوا شايفيني أقل من مستواهم. وكانوا عاوزين يجوزوا حد من معارفهم. فضل علي يحاول يقنعهم ست شهور، لكن مفيش فايدة. خلصت مدة التكليف وكده كل واحد فينا هيرجع مدينته، ومش هنقدر نشوف بعض زي الأول. وتفاجأت بعلي بيقول لي:"
"حبيبة... إحنا لازم نتجوز."
"وأهلك ياعلي؟"
"أهلي هيكونوا قدام الأمر الواقع، وأكيد هيقتنعوا لما يشوفوا أنا بحبك قد إيه وبعيش معاكي السعادة اللي بحلم بيها."
"بس ياعلي."
"حبيبية أرجوكي، أنا بحبك. وما أقدرش أعيش من غيرك. ده أنا بتجنن لما تتأخري يومين، هستحمل بعدك إزاي. وصدقيني يا حبيبة، أنا مستعد أحارب الكل بس تكوني ليا. أنا عشانك أحارب الدنيا بحالها."
"بس أنا خايفه ياعلي."
"أنت مش بتقول خالك موافق خلاص؟ سيبك من أهلي. وإحنا ممكن نأجر شقة في إسكندرية ونكتب كتابنا بحضور أهلك ومعرفتهم."
"خايفه تندم ياعلي."
"أنت اتجننتي؟ أندم إني اتجوزت حب عمري."
وفعلاً اتجوزنا. وعشت مع علي أحلى أيام عمري. حسسني علي إني ملكة. عشت في جنة حبه. كان هو فيهم بالنسبالي حبيبي وجوزي وصاحبي وعيلتي كلها. كنت كأني عايشة حلم جميل، لكن صحيت منه على أفظع كابوس."
رفع أدهم نظره إليها بعد أن كان منكسر الرأس يستمع لغزلها برجل آخر. ليجدها تمسك سترته، كانت موضوعة بجانبها. تحضنها بقوة وتستنشق عطرها وتقول:
"كانوا أحلى شهرين في حياتي. خلاني فيهم علي أنسى أي ألم شفته في حياتي. كأني كنت عايشة جوه حلم جميل، لكن وكأني مش مكتوب لي أفرح. علي كان لازم يحضر مؤتمر طبي في القاهرة. حضر المؤتمر ورجع."
وأنا كنت مستنياه على نار عشان كنت عملاله مفاجأة.
اتصل بيا قبل ما يوصل بساعة.
لتتذكر حبيبة آخر مكالمة بينها وبين حبيبها:
"الو أيوه ياحبيبي."
"أيوه ياروح حبيبك، وحشتيني أوي يا بيبا."
"حبيبي، أنت كمان وحشتني. هتوصل إمتى؟"
"فاضلي ساعة تقريباً."
"خلي بالك ياعلي وبلاش السرعة. بالله عليك."
"حبيبتي، ده أنا نفسي أسابق الريح وأوصلك."
"لا والنبي... بلاش سرعة. عشان خاطري."
"خلاص يابيبا، متبقيش زنانه. هخلي بالي، متخافيش. رغم إني أتمنى أغمض وأفتح وألاقيني في حضنك."
"حبيبي والله، أنت كمان واحشني. ده أنا حتى عملالك مفاجأة."
"مفاجأة إيه؟"
"وتبقى مفاجأة إزاي ياروحي. توصل بسلامة وتعرف... أمانة عليك ياعلي، خد بالك من نفسك."
"أنت كمان خلي بالك من نفسك."
"حبيبة."
"نعم ياروحي."
"بحبك... بحبك... بحبك."
"وأنا كمان بموت فيك..."
"يلا مع السلامة يا قلبي."
قفلت التليفون وبصيت لاختبار الحمل.
"كان نفسي علي يوصل عشان أقوله إني هيبقى أحلى أب في الدنيا."
لكن الساعة مرت وعلى مرجعش، والساعة بقت اتنين وتلاته، وعلى مرجعش.
اتصلت بيه أكتر من مرة، لكن التليفون كان مقفول.
لحد ما التليفون رن. فرحت أوي، افتكرته هو، لكني سمعت أسوأ خبر في حياتي."
ثم بدأت تجهش بالبكاء وشهقاتها تعلو والدموع تجري على وجنتيها كنهر فاضت منابعه. شفتيها بدأت ترتعش كما ترتعش يديها:
"علي عمل حادثة وم*ات."
"كنت مستنياه عشان أقوله إني حامل في ابنه، لكني صحيت بعد أسبوع في المستشفى، وعرفت إني خسرت الاتنين."
لتكمل دموعها تغرق وجهها:
"مش عارفة اللي حصل ده حظي، ولا دعوة أمه اللي دعتها عليه لما عصاها واتجوزني."
"فضلت في مصحة شهرين، وعقلي مش قادر يستوعب ولا يتقبل اللي حصل."
"حاولت أنت*حر مرتين، لكن كانوا بيلحقوني بآخر لحظة. ياريتهم كانوا سابوني أحصله."
ثم ازادت شهقاتها وضعف صوتها لكنها أكملت:
"لولا نهى، وخالي اللي اتصاب بأزمة قلبية من حزنه عليا، وخوفي إني أخسره، ما كنتش رجعت تاني للحياة. لكني رجعت، ميت حي، عايشة ومش عايشة. الحياة بعده مبقاش ليها طعم. قلبي مات بعده ودفنته معاه. بقيت عايشة على ذكراه."
ثم نظرت إليه وقالت:
"أنا قلت لك إن تيم اتعلق بيا أول ما شافني، بس الحقيقة مش كده. الحقيقة أنا اللي اتعلقت بيه. أنا اللي شفت فيه صورة ابني اللي كنت راسماها في خيالي وكنت بعامله كأنه ابني، لأنه صورة من ابني. كنت بطلب منه ييجي ساعات عشان أشوفه، لحد ما هو كمان اتعلق بيه. وفي اليوم اللي قالي فيه مامي، كنت سعيدة أوي."
اتسعت عينا أدهم وهي تلقي عليه بهذا الاعتراف، لكنه تألم عندما رآها تدخل في حالة هيستيرية وهي تحتضن سترته وتقول:
"أنا مش بحس بالراحة غير لما أجي هنا وأتكلم معاه وأشم ريحته."
ثم نظرت نحو التلفاز الذي يعرض أحد فيديوهاتهم معاً، لتقول:
"كان بيحب التصوير أوي وبيصور كل حاجة. ولما بقوله ليه بيقول عشان هتبقى ذكرى لينا نوريها لولادنا. أتاريه بيخليها ذكرى ليا تواسيني في غيابه."
أزدادت هيستريتها وهي تردد:
"سبتني ليه يا علي؟ كنت خدتني معاك. الحياة ملهاش طعم بعدك يا علي. أنا مش عارفة أعيش. كنت أخذتني معاك يا علي. رحت فين يا علي؟ رحت فين؟ آه. آه يا علي. نارك مش راضية تطفي يا علي."
شعر بالقلق عليها، ودب الرعب في قلبه من منظرها، ليقترب منها ويقول لها:
"اهدئي ياحبيبة... اهدئي."
لكنها استمرت في نحيبها.
ليسمع طرقات على الباب. اتجه مباشرة نحو الباب وفتحه، ليجد نهى التي دخلت مباشرة واتجهت نحوها.
جثث نهى على ركبتيها أمامها وأمسكت ذراعيها محاولة تهدئتها وإيقافها عن الاهتزاز والنحيب. وتحدثت معها:
"اهدئي يا حبيبة... اهدئي."
نظرت لها حبيبة من بين دموعها، وقالت لها:
"نهى خديني عند علي، أنا عاوزة علي. عاوزة علي. سبتني ليه يا علي؟ مش وعدتني تفضل جنبي؟ مش وعدتني تحارب عشاني؟"
"يا حبيبة... اهدئي. أرجوكي ماتعمليش في نفسك كده."
لكن حبيبة استمرت في بكائها وجسمها بدأ يتشنج.
لتخرج نهى حقنة من حقيبتها، تحقن بها ذراع حبيبة، ثم تجعلها تستلقي على الأريكة.
استلقت حبيبة على الأريكة وهي تحتضن سترة علي وتذهب في سبات.
كان هذا المشهد تحت نظرات أدهم، الذي ظل مصدوماً مما يشاهده.
وبعد أن استكانت حبيبة، التفتت إليه نهى وقالت:
"اتفضل يا أدهم بيه. أنا نهى صاحبة حبيبة ودكتورتها النفسية. أنت مش والد تيم؟"
"أيوه يادكتورة. ممكن أعرف حبيبة مالها؟"
نظرات القلق البادية في عينيه ولهفته في معرفة ما يجري لها جعلت نهى تتيقن أن أدهم يهتم لأمرها ويبدو صادقاً في اعترافه بحبها.
أجابته نهى وهي تشير له بالجلوس:
"اتفضل يافندم. أنا هحكيلك كل حاجة. أنا وحبيبة صحاب من أيام الكلية، ونعتبر زي الأخوات. حبيبة عاشت طفولة قاسية جداً، أو نقدر نقول إنها ما عاشتش طفولة أصلاً. بنت اتخلوا عنها والدها ووالدتها، يعني عاشت مفتقرة للحنان. لما تعرفت على علي وحبته، علي عوضها النقص ده. وبصراحة هو كان بيحبها جداً. علي كان بالنسبة لحبيبة زي البلسم اللي داوى جروحه. لما توفى، عقل حبيبة رفض يعترف بكده، عشان كده صنعت عالم لنفسها يكون علي موجود فيه. العالم ده هي الشقة دي، اللي زي ما أنت شايف علي موجود فيها في كل مكان. هي تقريباً زي ما هي من ساعة ما م*ات علي من خمس سنين."
ليسألها أدهم باندهاش:
"يعني هو م*ات من خمس سنين وهي لسه مش متقبلة ده؟"
ترد نهى بحزن:
"أيوه يافندم. هي بعد وفاة علي درست ماستر واتخصصت كمان واشتغلت في مستشفى دكتور عمر. ورغم إن حبيبة درست واشتغلت وبتزاول حياتها وتبان طبيعية، لكن الحقيقة حبيبة لسه عايشة في الماضي. لسه مريضة بحب علي. المشكلة إن... إحنا سبناها تعمل العالم ده ليها، لكن كان العلاج إن إحنا نقلل تواجدها هنا لحد ما تنسى. وفعلاً وصلنا لمرة واحدة في الشهر. لكن من ساعة ما ظهر تيم، رجعت حبيبة تيجي الشقة هنا وبقت تيجي هنا تلات مرات في الأسبوع. يمكن عشان تيم هو صورة من ابنها اللي رسمته في خيالها زي ما قالت لي. عشان كده رجع الماضي معاهم. محدش يعرف بحكاية حبيبة إلا عدد قليل من الناس، ويمكن ده اللي ساعدنا إننا نحاول نخليها تعيش حياتها طبيعية، وإن محدش يفكرها بالماضي."
ظل أدهم ينظر لنهى كأنه تائه، مشتت، لا يعلم ما يقول. لقد صعق مما رآه وسمعه.
"هي مش ممكن تتعالج؟"
سؤال طرحه أدهم بأمل.
"أكيد يافندم. لازم تنسي علي، أو على الأقل تتقبل موته، وتبطل تتكلم معاه كأنه موجود."
ليقف أدهم وهو يقول:
"عن إذنك أنا لازم أمشي."
ربما كان يود أن يهرب من ضجيج تلك الأفكار التي عصفت به، وتلك المشاعر التي مزقت قلبه. خرج من الشقة.
وما أن رحل أدهم، التفتت نهى لحبيبة وقالت:
"خلاص مشي. ممكن تفهميني إيه اللي بيحصل، وليه بعتي لي الرسالة عشان أجي؟ وإيه حقنة الفيتامينات اللي طلبتي إني أحقنك بيها؟"
لتتذكر حبيبة كيف أنها استغلت ذهابها للمطبخ لترسل رسالة لنهى تطلب منها الحضور. لتقول لها:
"كده أحسن يا نهى. أدهم لازم ينساني."
لتسألها نهى:
"ليه ياحبيبة؟ ده باين بيحبك."
لتنظر إليها بامتعاض وتجيبها بغضب:
"نهى، أنا قلبي م*ات ودفنته مع علي وحرمت على نفسي الحب من بعده. أنا عشت بحب علي وهم*ت بيه ومش هسمح لراجل يكون له مكان في حياتي أو حتى في قلبي."
"لكن علي م*ات ياحبيبة، والحي أبقى من الم*يت."
"لكن لسه عايش بقلبي يا نهى."
لتكون الغضب هذه المرة من نصيب نهى:
"ووجودك هنا ياحبيبة، إحنا مش اتفقنا إننا نقلل منه؟ ياحبيبة ارحمي نفسك."
لتنظر لها حبيبة بتوسل:
"أرجوكي يا نهى، أنا برتاح لما بتكلم مع علي، وأشم ريحته في المكان. عشان خاطري، علي بيوحشني يا نهى."
اقتربت منها نهى وحضنتها وقالت لها:
"بس إحنا كده بنرجع لنقطة الصفر يا حبيبة."
"مش بإيدي يا نهى، أنا بحاول بس مش قادرة، صدقيني."
ثم أجهشت بالبكاء في أحضان نهى، التي شعرت بالحزن من أجل صديقتها وقالت:
"خلاص ياحبيبة. بس أرجوكي حاولي تقللي."
وكطفلة تحاول إرضاء أمها، لتتركها تفعل ما تريد. أجابتها:
"حاضر هحاول."
أما على الجانب الآخر، وقف أدهم أمام سيارته ونظر نحو شقتها وقال:
"مش هسيبك تضيعي مني المرة دي ياحبيبة. أنت ليا، وهحارب عشان تحبيني حتى لو اضطريت إني أحارب شخص م*يت."
رواية أصفاد الحب الفصل الثالث عشر 13 - بقلم رشا عبد العزيز
جلست شارده الذهن تفكر في حال صديقتها.
حاله حبيبه قد أنتكست.
بعد أن ظنت أنها قطعت شوطا كبيرا معها.
وقاربت على الشفاء لكن.
هاهي تعود إلى نقطه الصفر من جديد...
ماذا ستفعل..
هل أخطأت عندما أعطتها الفرصه لصناعه ذلك العالم.
الذي يجعلها تتشبث في الماضي.
لكنها ماذا كان عساها أن تفعل وهي تجدها تهرب من الحياه.
لقد خشيت عليها من الانتحار...
أفكار تتلاطم في رأسها كما تتلاطم أمواج البحر الهائج.
في ليله عاصفه.
كم تمنت لو تستطيع أن تجد حل يساعدها..
وهل ما تفكر فيه ممكن أن يكون الحل.
"دكتوره نهى... دكتوره... نهى"
صوته أخرجها.
من ذلك الضجيج... وأعاده إلى الواقع.
لتهز رأسها وتجيبه معتذره.
"دكتور يوسف أسفه.
كنت سرحانه شويه"
تغيرت ملامح وجهه وارتبك فجأه ثم قال كلماته الغير مرتبه.
"دا. داه... دوا.
سمعت أنه مفعوله كويس.
لعلاج الصداع النصفي....
قلت ممكن يفيدك"
تمالكت نفسها.. وتحكمت في جنونها..
قبل أن تذهب اليه وتحتضنه.
"يالهي أحبك أكثر من ذلك...
هكذا سأحتاج قلبا مع قلبي.
ليسع مدى حبي لك"
"نهى... دكتوره نهى.. أنت رحتي فين"
ناداها بعد أن رآها تحدق به.
بلهاء.
وعادت لحالها.
وانتبهت لتحديقها به وأجابته بخجل.
"معاك يادكتور... متشكره... أوي أكيد هجربه"
"خلي بالك من نفسك... ولو لسه تعبانه تقدري تاخذي اجازه"
"حل ارجوك من أمامي سأفقد تعقلي... أمامك... وأقول لك أني أحبك حد الجنون.
أتهتم بي وتخاف على صحتي...
لماذا أشعر أنك تبادلني شعوري."
حبست أنفاسها داخل صدرها.
تكتم فرحتها باهتمامه.
حتى رحمها هو وقال.
"عن اذنك"
رحل.
زفرت أنفاسها بقوه وقالت.
"الحمد الله مشي قبل ما أتهور وأقول له بحبك...."
******************************************
كان يجلس أمام مديره المدرسه يطلب منها شكر تلك المدرسه التي ساعدت أطفاله.
وأنتظرت.
معهم حتى مجيئه.
"ياريت يافندم أقدر أشكرها...
الولاد بيقول انها.
فضلت معاهم لحد ما أنا جيت"
لتستفهم منه مديره المعلمه وهي تشعر بالفخر...
لصنيع تلك المدرسه.
"هي اسمها إيه المس يافندم؟"
ليرد بسرعه.
"مس خديجه"
لتومئ له المدير وتستدعي خديجه.
للحضور.
دخلت خديجه مكتب المديره وما أن دخلت ورآها حتى نهض واقفا.
متسع العينين.
.
وقال بدهشه.
"خديجه رضوان مش معقول!"
ثم ارتسمت على ثغره ابتسامه عريضه وأكمل.
"ياااه دي الدنيا صغيرة ما شفتكيش.
من ساعه ما تخرجنا... ازيك وأزي مالك.
عاملين إيه"
أعتصر قلب خديجه فور سماعها اسمه.
هل كتب عليها أن يلازم اسمها اسمه...
هل كتب على جرحها أن لا يشفى.
"أهل يا أيمن أزيك أخبارك إيه"
ليخبرها بفخر.
ارتسمت على وجهه.
"الحمد الله بشتغل في قناة محلل رياضي..
وبكتب في جريدة الصباح...
في القسم الرياضي"
لتضحك خديجه.
وتقول له.
"هو انت لسه بتحب الكورة... يا كابتن"
"ايوه شفتي مش قلتلك.
لو مش هلعب كوره.
يبقى هقلب الملعب عليهم...
اديني عملتها.
وتحليلاتي.
وانتقداتي الكل بيستناها..."
قال هذا وهو يرفع رأسه ممسك بياقه قميصه.
بيديه.
متفاخرا.
"ربنا يوفقك أنت تستاهل كل خير يا أيمن"
نظر لها ثم نظر لأولاده الجالسين ينصتون لحوار والدهم..
مع المس بأصغاء.
متعجبين من معرفه والدهما بها.
"يعني انت المس اللي ساعدتِ مسك وأنس...
متشكر يا خديجه"
تتجهت أنظار خديجه نحو الأطفال..
لتقترب منهم مندهشه.
ثم انحنت و قبلتهم..
وقرصت وجنه انس وقالت.
"هم الحلوين دول ولادك يا أيمن؟"
ليجيبها بأمتنان.
"ايوه يا خديجه.. هم حكولي اللي عملتي.
وجيت عشان أشكرك."
ابتسمت.. خديجه وقالت.
"متشكرنيش يا أيمن دا واجبي"
"وانت ازيك يا خديجه بقى عندك اولاد.
ومالك بيشتغل فين دلوقت؟"
أسئله طرحها.. عليها.
أيمن لكن لا يعرف.. أنه قد داس على جرحها النازف من دون قصد.
ثم أكمل وهو يستدير نحو مديره المدرسه ويقول.
"أصل حضرتك مالك وخديجه.
كانو قصة حب أسطورية في الجامعه..."
أحرجت خديجه من كلامه...
ولم تعلم كيف تجيبه لتقرر الهروب...
لتقول بتلعثم.
"عن اذنكم أنا عندي.. شغل..
أهلا بيك يا أيمن مره تانيه."
لتخرج بسرعه من مكتب المديره.
تعجب أيمن فعلتها...
لينظر إلى المديره مستفهما.
"هو أنا قلت حاجه غلط؟"
لتجيبه المديره بحزن بعد أن عرفت قصتها كامله.
"خديجه و زوجها أنفصلوا عن بعض."
لينظر لها بدهشه لسماعه.
هذا الخبر الذي يعتبر مستحيل الحدوث.
فهو.
وزملائه.
قد شهدوا.
على هذه العلاقه الجميله.
*******************************************
وكعادتها التي زادت في الفتره الاخيره.
كانت جالسه تتحدث مع علي كأنه يسمعها وشاشه التلفاز تعرض فيديو لهم معا.
ذهبت إلى الغرفه وعادت... تحمل سترته.
"شفت ياعلي مش قلتلك هنسى أجيب البرفان اللي بتحبه....
مش عارفه بقى عندي زهايمر مبكر..."
ثم جلست على الأريكة واحتضنت سترته...
وكأنها تملأ رئتيها بعطره.
لتستشعر... وجوده معها...
نظرت نحو التلفاز...
لتعود لذكريات ذلك اليوم من شهر عسلها.
عندما كان علي يمسك... كاميرته.
كعادته ويقول.
"ولادي حبابي.. أنا وماما.... في شهر العسل.
وعاوزه أشتكيلكم منها يرضيكم يا أولاد كل ما بقولها بحبك عينيها بتدمع.
متجوز نكدة.
أنلتضحك حبيبه ودموعها تلمع في عينيها.
.
وتضرب كتفه.
و بتذمر طفولي تعاتبه.
"أنا نكدة يا علي..."
ليبتسم.. ويحتضنها.
يقبل جبينها.
"احلى نكدة.
دخلت حياتي يا روحي"
لتطالعه.. بشراسه... وتتفوه بحنق.
"بتتريق عليا يا علي"
ليجيبها و السخريه ترتسم على شفتيه.
"وأعملك أي.
هو في حد عينه بتدمع من كلمة بحبك"
ضمت جسدها إلى جسده أكثر كأنها تختبأ بين أحضانه...
ثم تنهدت وقالت.
"مش مصدقة يا علي.
حاسة اني بحلم"
لتجده يضحك بقوه ثم يرفع ذقنهابأصابعه لتواجه عيناها عينه...
"مش بتحلمي ياروحي... انت....
وهثبتلك دا..."
قرب وجهه منها ثم عض وجنتيها بخفه.
.
وضحك أكثر.. وقال.
"هاا صحيتي ياحبيبه..."
ليبتعد عنها.. وهو يركض ويصرخ بأعلى صوته.
"بحبك ياحبيبه... بحبك"
لتتأوه وهي تتلمس وجنتها تضحك وتقول.
"وأنا بعشقك يامجنون"
عادت من ذكرياتها.. وهي تردد.
"وأنا بعشقك يامجنون"
رفعت سترته نحو انفها واستنشقت عطره من جديد كأنها مدمنه...
ادمنت رائحته.
.
التي.
تشعرها بالامان.
ثم استلقت... على الأريكة وهي تحضنها.
ليشحب وجهها.
فجأه وهي تتذكر ما تخشاه.
لتعود تحاور علي.
"تيمو بقاله ١٥ يوم مجاش المستشفى...
تفتكر ياعلي أدهم هيحرمني منه.
بعد اللي حصل....؟
وحشني أوي...
يا أغلى...
خايفه اتحرم منه زي ما تحرمت من ابني"
لتسمع طرقات على الباب.
نهضت بخطى متثاقله...
تستعد لمواجهه عاصفه الغضب.
القادمه فهي متيقنه أن نهى على الباب.
فتحت الباب لتجدها.
تعقد يدها أمام صدرها....
تزفر أنفاسها المتسارعه بغضب.
لم تقل حبيبه ولا كلمه فقط استدارت..
واتجهت تستلقي على الأريكة من جديد.
أغلقت نهى الباب بغضب...
واتجهت نحوها بخطوات سريعه.
"هو دا الوعد.... اللي قلتي عنه. ياست حبيبه..
بتضحكي عليا..."
لتجيبها بهدوء تام....
وهي تحتضن سترة علي وتغمض عينيها.
"خلصتي أطفي النور عاوزه أنام"
ما استشاطت نهى غضبا لتجلس بجانبها.
تهز ذراعها وتقول.
"لا مش هتهربي ياحبيبه قومي كلميني... حصل إيه....؟
انت امبارح كنت هنا... رجعتي النهارده ليه ياحبيبه اتكلمي؟"
.
وبحركه بطيئه جدا...
أعتدلت.
في جلستها.
تطالع نظرات نهى الغاضبه.
"تيم مجاش من ١٥ يوم.
خايفه يكون أدهم بيعاقبني.
أنه يحرمني من تيم."
لترتسم السخريه.. على وجه نهى.
"وأنت عاوزه بعد اللي قلتيه.
وعملتيه.
يرجع يجيب ابنه تاني عندك."
نظرت حبيبه بقلق.. وبصوت امتلأ بالاضطراب والخوف.
"يعني تفتكري أني مش هشوف تيم تاني."
.
أشفقت عليها نهى فهذا يعني أنتكاسه ثانيه لها.
لتجيبها مطمئنه لها.
"يارب لا.
أدهم بيحب تيم.
وأكيد مش هيستحمل زعله."
تاهت عينيها في عالم أخر وصوره فقدان تيم تتمثل أمام عينيها.
تزيد ألم هذا الخافق بين أضلعها.
.
من فقدان جديد.
*****************************
.
*********
بدأ القلق يتسلل لقلبها المشتاق للقائه.
هل ستفقده.
كما فقدت من تحب...
هل سيعاقبها.
والده.
على.. حب رفضته..
أما على ماضي.
حبست نفسها بين جدرانه.
أما على قلب رفضت ان تستبدله.
أخرجت هاتفها... تقلب صورة التي التقطتها معه ذات مره.
قربت الهاتف من شفتيها تطبع قبله على صورته.
"وحشتني ياتيمو...
يارب ما تدفع.
انت التمن..
ولا تكون انت العقاب... اللي بتعاقب بيه بعد ما تعلقت بيك....
شهر من غير ما أشوفك والله كتير...
يارب تكون بخير... يا حبيبي"
فكرت بالاتصال بوالده لكن هكذا.. ربما يزيد الأمر سوء.
هل تحدث دكتور عادل وتطلب منه الاطمئنان عليه.
وعلى ذكر الأخير رن هاتفها برقمه.
"الو دكتور عادل كنت لسه هتصل بيك"
لم يمهلها إكمال حديثها.
"دكتوره حبيبه عاوزك في الطوارئ ضروري"
هذا ما قاله وأغلق الخط مباشرة.
لاتعلم لماذا شعرت أن هناك خطب ما.
دكتور عادل هادئ حتى في تعامله مع الحالات الخطر.
لكن حدته في الكلام معها يعني أن هناك أمر سيء للغايه.
اتجاهت نحو الطوارئ بخطى سريعه... حتى رأته من بعيد.
انه هو.
يقف أمام غرف الطوارئ.
ارتجف قلبها.
وتثاقلت خطاها.
وأسوء الاحتمالات.
طرقت أبواب عقلها..
هل حدث له مكروه.
وكلما اقترب خطاها... كلما شعرت بالاختناق.
أنفاسها تحبس خوفا... وقلبها يصرخ رعبا من ذكرى تتمنى ان لا تتجدد مع ذلك الصغير.
كان يجوب المكان ذهابا وايابا... لقد تمكن الخوف والقلق من جميع حواسه...
دقات قلبه المضطربه ازدادت ليرفع رأسه.
يراها تقترب.. ومع اقترابها.
ضربت عواصف الغضب قلبه وعقله معا.
"ارتحتي دلوقتي ابني هيضيع مني وانت السبب"
تخطته وكانها لم تسمع كلمة من كلماته.
دخلت الغرفه لترى ما كانت تخشاه.
صغيرها ممدد على السرير محاط بخراطيم وانابيب عديده.
جهاز التنفس الذي غطي وجهه الصغير.
اقتربت منه بلا وعي... جثت على ركبتها امام سريره.
تمسك بيده تقبلها.
وتطالع جهاز القلب الذي يسجل نبضات قلبه الضعيف.
"تيمو حبيبي سامعني... انا هنا ياروحي... وحشتني...
أوعي تسبني انت كمان..
مش هستحمل ياروحي دا انت اللي خلتني اعيش.. أحلى احساس..
بعد ما كنت مش عايشه..
مين هيقولي مامي تاني."
.
"دكتوره حبيبه... دكتوره"
كان هذا صوت دكتور عادل... الذي لم تنتبه حتى لوجوده.
هبت واقفه تسأله بلهفه.
"هو تيم ماله اي اللي حصل؟"
"تقريبا ضغط نفسي أدى إلى اضطراب في عضله القلب."
صوته الذي غلفته الحده.
ونظرات عينه التي تلومها أشعرتها بالذنب...
لكنه أكد شعورها عندما قال.
"ليه كده ياحبيبه.
هو دا اللي اتعلمناه....
دا أكثر حاجة بننتبه عليها علاقتنا بالمريض...
ليه خليتيه.
يتعلق بيك للدرجه دي..
وانت كمان اللي شفته دلوقتي يأكد تعلقك انت كمان بيه."
"أنا ما اعرفش سبب انقطاعه عن المستشفى..
لكن بعده عنك أثر عليه...
والده بيقول اغمى عليه بعد حاله هستيريه...
ردد اسمك.
خلالها"
"هو دلوقتي حالته استقرت...
والقلب بدأ دقاته تنتظم...
هيفوق كمان شويه"
تركها عادل معه ورحل.
لتقترب منه تتلمس وجهه.
ثم انتقلت يدها إلى خصلات شعره المبعثره.
ترتبها بتمهل.
لسعت عينيها الدموع التي تجمعت بهما.
"مكنتش اعرف ان حبي ليك هيأذيك بالشكل دا..."
ثم ابتسمت ابتسامه ساخره.
من بين دموعها...
"الظاهر أني لعنه...
كل ما أحب حد يتأذى"
بدأ تيم بالاستيقاظ وفتح عينيه الصغيره ببطئ.
وما أن رآها.. حتى ارتسمت ابتسامه على وجهه وتحدث بصوت واهن.
"مامي"
لم تشعر بنفسها.. الا وهي تبعد جهاز التنفس عنه وتحتضنه بقوه.
تأكدت لنفسها وجوده.
"ايوه ياروح مامي... ايوه ياحبيبتي..
انا هنا انا جنبك"
وببراءة طفل بدأ يشكو لها.
"بابا ما كانش راضي يجيبني أشوفك"
كم ودت في هذه اللحظه أن تخرج وتصفعه.
بقوه.
عله يعود لرشده.
ما دخل الصغير بما حدث.
أخرجته من أحضانها وبدأت تنثر قبلاتها.
على وجهه.
تطمئنه.
"ما تخافش ياتيمو انا جنبك ياحبيبي محدش يقدر يبعدني عنك"
وأنتظرت بفارغ الصبر حتى عاد تيم إلى غفوته من جديد.
لتتركه وتخرج...
وبراكين الغضب المشتعله تضرب رأسها.
لتقف امامه.
"ممكن اتكلم معاك؟"
"نظر لها بامتعاض واجابها.
"تيم عامل ايه؟"
"كويس.
.
الحمد الله.
ممكن اتكلم معاك؟"
وافقها وتبعها نحو غرفتها.
وما أنغلق الباب حتى أخرجت عواصف غضبها في وجهه.
"ممكن اعرف.
اي السبب.. اي اللي خلاك تعمل كده....
ذنبه ايه تحرمه منه."
وكأنها اشعلت فتيل... النار التي احرقت صبره.
ليرد بصوت عالي أرعبها.
"لأني مش عاوز ابني يتعلق بوهم.
أنت وهمته بحبك.
وسبتيه يتعلق بيك كأنك امه..."
بلعت ريقها تعلم انها أخطأت.
لكن مثلت الثبات أمامه.
"وانا فعلا بحبه زي ابني"
"لكن انت مش امه.
ليه تخليه يتعلق بالوهم ده."
ثم اقترب منها واحكم قبضته على ذراعها.
بقوه.
ألهمتها.
ثم نظر لعينيها وقال بغضب.
"لو ابني جراله حاجة ياحبيبه متلوميش إلا نفسك"
ثم تركها ورحل بعد ان صفع الباب خلفه بقوه.
نظرت إلى أثره....
لكن هذا المره.
لم تغضب بل العكس ابتسمت وهي تدلك ذراعها.
"مش هيحصله... حاجة أن شاء الله.."
ثم نظرت إلى أثر الحرق الذي لا يزال يشوه يدها.
"اللي عنده اب يخاف عليه زيك يا أدهم...
هيواجه الدنيا بقلب ميت"
وكأنها تقارن بين والدها الذي آذاها وبينه وهو يخشى على ولده.
حتى من الوهم.
*******************************************
ظلت تتابع حالته حتى استقرت وعاد إلى المنزل.
وتحاشت في تلك الفتره الاحتكاك بأدهم باي شكل من الاشكال.
"دكتورتنا الشطورة عامله إيه."
رفعت نظرها للشخص الذي اقتحم غرفتها فجأة.
لكن تبدلت ملامحها من العبوس إلى الابتسام.
وقالت.
"صهيب.
اي دا.. رجعت امتى.
أهلا.. اتفضل"
"اهو قلنا الدحيحة مش بتسأل نسأل احنا عليها."
قال هذا وهو يدخل ويجلس.
بالمقعد المقابل.
"ازيك ياحبيبه... وحشانا اخبارك."
اجابته بابتسامه باهته.
يعرفها.
"الحمد الله انت ازيك... الف مبروك على التكريم...
فعلا البحث كان هايل... تسلم ايدك."
"متشكر ياحبيبه...."
ثم نظر لها.. وقال.
"امتى.
يا حبيبه.. ترجعي زي ما كنتي.
مش كنت شاركتي انت كمان."
ثم أشار لها بيده نحو نفسه وقال.
"دا انا نفسي كنت تلميذك...
وكنت باخد تلخيصاتي منك."
نكسر رأسها.
تمنع دموعها من النزول.
وقالت بصوت مختنق.
"خلاص ياصهيب أنا فقدت الشغف.
انا عايشه كده بس...
جسد.. من غير روح."
"ليه كده ياحبيبه؟"
"ما عادش ينفع ياصهيب...
أنا كنت فاكره الشهادة... والشغل هتديني قوة أن أقف على أرض صلبه وأقدر أواجه أي حاجه...
مكنتش اعرف ان فيه حاجة أقوى مننا."
ثم غيرت مسار الحديث لتسأله.
"اخبار ندى إيه.. وحبيبه الصغيرة أخبارها إيه.
وحشاني"
رغم تأثره بكلامها...
وحزنه على حال زميلته.
لكنه آثر السكوت وأحترم رغبتها.
وأوقف جدالا يبدو من دون فائده.
فبتسم وقال.
"الحمد الله بخير بيسلمو عليك.
وأنت كمان وحشاهم وبيسألو عنك خصوصا بيبا...
دايما تسأل عليكي..
مش متسميه على اسم حبيبه ابوها.. القديمه."
لتضحك حبيبه بشده وتقول.
"لا ياعم.
أنا وندى حبايب بلاشتخرب علاقتنا..."
ليضحك صهيب بدوره....
ويقول.
"لا أطمني.
هي اللي مختاره الاسم."
ليرن هاتفها.
فتجيب عليه.
"دلال.. مالك.
بتعيطي ليه... اهدى.
خليني افهم."
.
لترتسم ملامح القلق على وجهها وهي تقول.
"إيه خالي اتقبض عليه؟!"
رواية أصفاد الحب الفصل الرابع عشر 14 - بقلم رشا عبد العزيز
منذ أن أخبرتها دلال بما حدث وهي لا تعي ماذا تفعل وماذا تقول.
فقدت استيعابها. تتمتم بكلمات غير مفهومة.
"مالك ياحبيبه؟ حصل إيه؟"
سؤال طرحه صهيب بعد حالة اللاوعي التي رآها بها.
بعينين غامت بالدموع وعقل تائه قالت:
"خالي اتقبض عليه بس ليه؟ خالي طول عمره في حاله. ليه اتقبض عليه؟ ليه؟"
"أهدي ياحبيبة وخلينا نروح."
أستجابت لقرار صهيب وذهب معه.
لتدخل قسم الشرطة. هذه المرة الثانية بعد ثماني سنوات، لكن بشعور مشابه. قلب خافق، جسم مرتعش. عينان تائهتان وخطى متعثرة.
حتى رأته. يقف تحاوط يديه أصفاد حديدية، رأسه منكس. الذل والوهن يغلف قسمات وجهه.
سرعت خطاها نحوه تحتضنه بقوة، غير عابئة بالمكان والناس. كل ما يهمها هو.
خرجت من أحضانه تسأله بلهفة:
"حصل إيه يا بابا؟ جابوك هنا ليه؟"
أجابها بحيرة وتيه.
"والله يابنتي ما أعرف. اتقبض عليا ليه؟ أنا فجأة لقيتهم هجموا على المكان وأخدوني."
أستدارت نحو الشرطي الواقف عند الباب:
"ممكن نكلم سيادة الظابط؟"
"هستأذن لكم ثواني."
غاب الشرطي دقائق وعاد يقول:
"اتفضلي. حضرة الظابط مستنيكي."
"خليني أدخل معاكي ياحبيبة."
كان هذا صوت صهيب، الذي خاف من تواجدها وحدها.
"حضرة الظابط عاوز الآنسة حبيبة."
هذا كان جواب الشرطي على طلب تواجده معها.
"خليك ياصهيب. أنا هدخل أستفسر سبب القبض عليه وأرجع. متخافش."
دخلت تلك الغرفة المغلقة بخطى بطيئة، وكأن مشهد الماضي يعاد من جديد. دخان السجائر الذي يملأ المكان. ذلك العطر الذي أصبح مألوفاً بالنسبة لها. ذلك الشخص الذي باتت تعرف هويته.
نعم، هو يجلس بشموخ خلف ذلك المكتب. نظراته الثاقبة تخترقها وكأنه كان ينتظرها.
وقفت أمامه وبصوت مثلت فيه الثبات سألت:
"ممكن أعرف خالي موجود هنا ليه؟"
ابتسامة مستفزة زينت وجهه. نظر إليها ثم نفث دخان سجائره عالياً.
"إيه دا؟ الدكتورة بنفسها هنا. طب. قولي السلام عليكم الأول."
أعادت سؤالها مرة ثانية بصوت غلفه الغضب:
"ممكن أعرف خالي هنا ليه؟"
قام من مكانه واتجه نحوها. وقف مقابل لها وأشار إليها بالجلوس.
"اتفضلي لأول وخلينا نتكلم."
أمتثلت لطلبه وجلست في المقعد المقابل له. ظل يحدق بها وكأنه يفترس ملامحها. حتى قلقها، جميل. توترها يزيدها قوة وعناد يجعله يزداد تمسكاً بها.
تحديقه بها زاد اضطرابها، لتكرر سؤالها للمرة الثالثة بحده أكبر:
"ممكن أعرف خالي اتقبض عليه ليه يا أدهم بيه؟"
أعتدل بحلسته وانحنى بجسده مقترباً منها، ثم بصوت هادئ:
"لحد دلوقتي تشابه أسماء. لكن ممكن القضية تتحول."
ضيقت عينها وسألته مستفهمة:
"يعني إيه تتحول؟ ممكن تفسر كلامك؟"
عاد يدخن سيجارته وينفث دخانها في الهواء، ثم نظر إليها.
"يعني حسب قرارك هنحدد نوع القضية."
"أدهم بيه وضح كلامك وبلاش الألغاز دي."
نهض من مكانه وأدار كرسيها نحوه، ثم سند ذراعيه على ذراعي الكرسي. وأخفض وجهه لتواجه عينيه عينيها.
"يعني ابني قصاد خالك."
واجهت عينيها عينيه بتحدي وقالت:
"يعني إيه؟"
أكمل بصوت يشبه الهمس:
"يعني الدور اللي أنت أوهمتي ابنك بيه واختارتي إنك تمثليه يكون حقيقة."
أدعت عدم الفهم وتمنت أن ما تخشاه لن يكون ما فهمته.
"يعني إزاي؟ ممكن توضح؟"
بصوته البارد الذي يشبه النفحات الشتوية ألقى عليها قراره:
"تتجوزيني. وتبقى أم تيم. يعني الدور اللي أنت اخترته يكون حقيقة."
وكأن بركان ثائر دفعته بقوة، هبت واقفة.
"أنت اتجننت؟ أنت بتقول إيه؟"
أستمر في هدوئه يلقي عليها كلماته التي تشبه الرصاص القاتل بالنسبة لها.
"هو ده اللي هيحصل."
"وإن رفضت؟"
سؤال طرحته عليه بتحدي.
"يبقى قضية تشابه الأسماء تتحول لقضية مخدرات. ودي فيها أقل حاجة 15 سنة. وأنتي عارفة زي ما قدرت زمان أخلصك من قضية بسهولة أقدر النهارده ألبس خالك قضية بنفس السهولة."
"أنت بتعمل كده ليه؟ كل دا عشان رفضتك؟"
وكأنها أشعلت فتيل نيران كرامته الثائر ليهب بغضب.
"أنا بعمل دا عشان ابني. أنتِ متهمنيش."
"كذاب. أنت أناني. لا بيهمك ابنك ولا زعلو. أنت اللي يهمك كرامتك اللي اتهانت وغرورك اللي اتدوس عليه."
تمالك نفسه لأبعد الحدود قبل أن يلقي عليها كلامه دفعة واحدة ليوقفها عن الكلام.
"إنتِ اللي اخترتي. ودا قراري. أنا مش أناني. أنا أب وعاوز مصلحة ابني."
"وأنا مش موافقة. وأعلى ما في خيلك اركبه. أنا بحب علي وهفضل أحبه ومراته لحد ما أموت."
تذكرها لاسم غريمه أشعل نيران الغيرة وزاد من عزمه للضغط عليها كي ترضخ.
"يبقى حكمتي على خالك يقضي بقية عمره في السجن. أحنا لقينا المخدرات معاه وفيه أكتر من شاهد على أنه بيروج ليها. تقدري تسلمي عليه وتقومي له محامي عشان بكرة هيتحل للنيابة."
قررت التخلي عن ثباتها والتنازل عن كبريائها، لعلها تستعطفه ليتركها وشأنها. حررت دموعها التي كانت تأسرها أمامه وبصوت يحمل ألماً حقيقياً توسلت إليه:
"أدهم أرجوك. والله مش هقدر. أنا قلبي ملك علي. حرمت عليه الحب بعده ودفنته معاه. وعاهدته إني له طول عمري. صدقني مش هقدر. غصب عني أرجوك قدر موقفي."
أستدار وأولاها ظهره. أغلق عينيه وقبض على كف يده لعله يطفئ صراخ قلبه الذي أعلن العصيان عندما رأى دموعها ورجاءه أن يدعها ترحل، لكن عقله العنيد أبى ذلك. لينطق لسانه:
"نص ساعة ياحبيبة ترجعي بيت خالك تلاقي المأذون عندك. هجيب خالك معايا ونكتب الكتاب. غير كده دوري له على محامي كويس لأن القضية لابساه."
وبكبرياء زوجة وفية أستدارت. لن ترضخ لأوامره. اتجهت نحو الباب لتخرج وتتركه مع أوهامه. هي له لعلي ولن تكون لغيره، وليذهب هو وأوهامه إلى الجحيم.
لكن بمجرد أن فتحت الباب وجدت خالها مكبل اليدين، محني الرأس. أشفقت عليه. هل ستتخلى عنه وتدع هذا المجنون ينفذ وعيده؟ لكن خالها لا يستحق هذا منها. لا يستحق أن تكون سبب في عذابه.
دقائق عديدة مرت وهي متسمرة أمام الباب حتى حسمت قرارها. أغلقت الباب ببطء. أستدارت نحوه تعلم أنه ينتظر إجابتها لتقول:
"موافقة."
***
كانت تجلس على السرير في غرفتها. تمسك صورة علي بيديها كالمغيبة. تنظر للفراغ. فقط دموعها تنساب على وجنتيها كأنها تخط طريق الحزن الذي تعيشه.
نهى ودلال على جانبيها يحاولون مواساتها. وكأنها ترحل.
مسحت نهى دموعها وحركت يدها على ظهرها تحاول تهدئتها.
"حبيبة أنتِ سمعاني؟ ردي عليا. حبيبة أنتِ كويسة؟"
نجاة التي كانت تقف بعيد وتشارك حبيبة دموعها وتشعر بالقلق من هيئتها.
"كبدي عليكي يابنتي. هو انت مش مكتوب لك الفرح؟ ياحبيبة. حرام عليكي نفسك ياحبيبتي."
دخل مصطفى الذي كان يشعر بالغضب حزناً على ابن عمته الذي يعتبرها أخت له. ود لو دخل غرفة الضيوف وضرب هذا الأدهم. لكن والده كان يمنعه. وبنظرات عينيه يجبره أن يخرج. لكنه أحضر ورقة عقد القران يطلب من حبيبة توقيعه.
نظر إلى والدته. لا يدري كيف يخبر حبيبة بطلب والده أن توقع حبيبة الورقة. حتى نجاة لم تعلم ماذا تفعل. لتتولى هذه المهمة دلال التي كانت أكثر تعقلاً في هذا الموقف.
جلست بجانبها وقالت:
"حبيبة ياحبيبتي. لازم تمضي على الورقة. المأذون طالب موافقتك. حبيبة. ما عادش فيه مجال للرجوع. أنتِ وافقتي وخلاص. ودا مكتوب من ربنا. وأكيد ربنا مش هيكتب علينا حاجة مفهاش خير لينا. يلا ياحبيبتي محدش بيعرف الخير فين. يلا ياحبيبتي."
أمسكت القلم بيد مرتعشة. نظرت نحو أفراد عائلتها الواحد تلو الآخر. وكلما واجهت عينيها عيني أحدهم كان يخفض عينيه وكأنهم يعلنون لها ضعفهم وقلة حيلتهم. ثم وجهت نظرتها لنهى التي طبطبت على كتفها وأومأت لها برأسها تحثها على الموافقة. وكأنها ستوقع وثيقة إعدامها وليس عقد قرانها.
نظرت نحو صورة علي واعتذرت منه أنها لم تفِ بوعدها له. ستمزق عهد الوفاء الذي كان بينهما. لكن ليس لها سبيل آخر.
لتوقع عقد قرانها وتنخرط بالبكاء في أحضان دلال.
***
كان يجلس مع خالها شارد الذهن هو الآخر. فقد كان خالها وكيلها بعد توكيل والدها له. وهذا حدث طبعاً بعد أن دفع له أدهم النقود مقابل ذلك.
جلس خالها بجانبه بعد أن انتهى عقد القران وقال له:
"ألف مبروك يابني."
أدار أدهم رأسه ونظر نحوه بعينين تائهتين.
"مكنتش عاوز ارتباطي بيها يكون بالشكل ده. كان المفروض يكون أسعد يوم في حياتي. لكن حاسس إحساس مر وأنا شايف الحزن والكسرة في عينيها وهي بتقول موافقة."
ليربت خالها على كتفه ثم على ساقه ويبتسم.
"لكن أنا متأكد إنك هتقدر تخليها تحبك. وهتعوضها. حبيبة يابني. شافت وعاشت وتحملت اللي محدش يستحمله. أنا لولا شفت الحب اللي في عينيك ليها مكنتش وافقت واتفقت معاك على الحكاية دي."
ليتذكر محمود كيف طلب منه أدهم يد حبيبة قبل أسبوع من اليوم.
كان يقف في القهوة كعادته عندما جاء له مساعده يخبره بوجود رجل يريد التحدث معه.
أستغرب محمود الأمر وذهب حيث يجلس ذلك الرجل الذي يراه للمرة الأولى.
"مساء الخير. حضرتك طلبتني يا فندم؟"
ليقف له أدهم يمد له يده بالسلام معرفاً نفسه.
"المقدم أدهم الألفي."
دب القلق في قلب محمود عندما علم أنه ظابط. ليقول له بصوت مضطرب وهو يصافحه.
"أهلاً وسهلاً. خير يا فندم."
"ممكن أتكلم معاك يا عم محمود؟"
"أيوه يابني اتفضل."
ليجلس أحدهما مقابل الآخر لتزيد نبرة أدهم من حيرة محمود الذي ظل ينظر إليه بترقب.
"حبيبة."
وبمجرد أن ذكر أدهم اسمها أحس محمود بتيبس الدماء في عروقه. وقلبه أصبح يتخبط ما بين أضلعه ليسأله بخوف.
"خير يابني مالها حبيبة؟ دي طيبة وطول عمرها في حالها."
أبتسم أدهم لهذا القلق واللهفة التي رآها في عينيه مما يدل على مدى حبه لها.
"متخافش يا عم محمود. هي معملتش حاجة. بس سرقتني."
لتزداد حيرة محمود أكثر ويقطب حاجبيه بحيرة.
"حبيبة مش معقول تسرق يابني. أنت أكيد غلطان. طب سرقت إيه منك؟"
"سرقت قلبي يا عم محمود. ومن زمان كمان."
ليتنهد محمود بارتياح ويضحك وهو يقول.
"يابني حرام عليك. وقعت قلبي. بس أنت تعرفها منين؟"
ليقص عليه أدهم حكايته مع حبيبة منذ البداية حتى لقائهم الأخير بعد مرض والده.
ليسأله محمود بلهفة أب بخشى على ابنته.
"يعني يابني أنت بتحبها بجد ولا دا كله عشان ابنك؟"
لينظر له أدهم ثم يبعد نظره عنه ويزفر أنفاسه بقوة.
"بحبها بس يا عم محمود. قول بعشقها. بموت فيها. حبيبة عاشت معايا تمن سنين. طيفها ما فارقش خيالي."
أبتسم محمود بأسى ثم تكلم بحرقة.
"بس حبيبة يابني عندها ظروف."
ليجيب أدهم بغصة.
"عارف. حبيبة حكتلي كل حاجة. أنت تقصد علي جوزها الله يرحمه."
ليقول محمود بحسرة وألم.
"أيوه يابني. علي ما كانش مجرد جوزها. كان عوض على المرار والحزن اللي شافته. بس حبيبتي ملحقتش تتهنى."
ثم رفع عينه نحو أدهم وروى براعم الأمل عنده حينما قال له.
"بس لو أنت بتحبها بجد. أنا ممكن أساعدك."
عاد محمود من ذكرياته وقال.
"صدقني يابني حبيبة بنتي وأنا مربيها. هي عنيدة. وعندها وفاء لعلي. مكنتش هتسمحلك تدخل حياتها بأي شكل من الأشكال. أحنا كده أجبرناها تخرج من القوقعة اللي عايشة فيها. دلوقت جاه دورك تخليها تحبك."
"تفتكر ممكن تنسى علي وتحبني؟"
سؤال طرحه أدهم بأمل.
أبتسم محمود وأجاب عليه.
"ربنا كريم يابني. ومادام أنت بتحبها أكيد هيجي اليوم اللي تحس بيك."
"أستأذنك. أروح أنده لها."
نظر أدهم إلى أثر محمود متمنياً أن يتحقق هذا الحلم في يوم من الأيام.
***
دخل محمود غرفتها وأعتصره قلبه على هيئتها. نظر إلى نجاة التي كانت تنظر إليه نظرة تلومه بها فهي تعلم باتفاقه مع أدهم.
أخفض نظره ليلملم شتاته وينظر لها بحزم. لا مجال للتراجع بعد ما وصلوا إليه.
"حبيبة يلا يابنتي عشان تروحي مع جوزك."
هل طعنها خالها في قلبها عندما نطق بهذه الكلمة؟
نظرت إلى خالها وكأنها للتو استوعبت ما حدث لتقول دموعها تغرق وجهها.
"أنا خونته يا خالي. خنت علي يا خالي. بقيت مرات حد تاني."
بدأت تضرب وجهها بكلتا يديها لعله يكون كابوساً تستيقظ منه.
"خونته يا خالي. خنت وعدي معاه."
ركض محمود نحوها يحضنها بقوة بعد أن مزق قلبه منظرها.
"أهدي ياحبيبة. أهدي يابنتي. أنتِ ما خونتيش حد. علي مات. الحي أبقى من الميت."
لتجيبه وهي لا تزال بأحاضانه.
"علي مامتش. علي لسه عايش بقلبي."
"يابنتي استهدي بالله. أنتِ دلوقتي مرات أدهم. يعني. أنتِ كده بتخوني أدهم."
وكأن كلام خالها صفع قلبها العاشق. عن أي أدهم يتحدث وأي خيانة تخونه؟
تضاربت الأفكار في عقلها حتى شعرت أنه توقف عن العمل. أما ذلك الساكن خلف أضلعها فقد أحترق ألماً حتى باتت تشعر أن الأحاسيس بداخله باتت رماداً.
أخرجها خالها من أحضانه وقال لها.
"يلا يابنتي. الله يهديكي. أدهم مستنيكي بره."
كم كرهت اسمه وصوته. بعد أن كانت في يوم تعتبره بطلها، أصبح اليوم جلادها وسجانها معا. لكن ستكمل من أجل خالها وتيم. وعزمت أنه نهاية هذه اللعبة ستكون مع نهاية عملية تيم وعلاجه.
كان ينتظرها في الخارج عندما خرجت له. تحمل حقيبتها. لم تنظر إليه ولم تتكلم أي كلمة.
أما هو فنظر إليها وأصابته غصة عندما رآها. شاحبة شحوب الموتى. أجفانها متورمة من البكاء. عينها التي استبدلت بياضها باللون الأحمر. وجنتيها التي خطت الدموع أثرها عليها.
أقترب محمود وقال له.
"مش هوصيك على حبيبة يابني."
أجابه أدهم وهو ينظر لها.
"حبيبة في قلبي قبل عينيه."
ودعها. نهى ودلال ونجاة. وكأنها ذبيحة تقاد إلى مثواها الأخير. تبعته. فتح لها باب السيارة لتركب. ركبت ثم ركب هو دون أن يتكلم كلمة واحدة.
كانت تسند رأسها على زجاج السيارة كأن الدموع نفذت من عينيها. نظرت إلى الطريق وهي تفكر في المجهول الذي ينتظرها.
رواية أصفاد الحب الفصل الخامس عشر 15 - بقلم رشا عبد العزيز
كان يسترق النظر لها بين الحين والآخر.
أما هي فكانت في عالم أخر، لا تعي شيئًا من حولها.
دموعها تحجرت في عينيها، النيران التي اجتاحت جسدها بعد ما حدث.
تركت روحها كركام مندثر، حتى أنها لم تنتبه لتوقف السيارة.
نزل هو من السيارة وانتبه لشرودها.
ليطرق على زجاج النافذة محاولاً إخراجها من شرودها.
انتبهت هي ونظرت له، نظرات يغلفها العتاب ويملؤها الحزن.
فتح لها الباب وتراجع عدة خطوات إلى الخلف.
واستدار متجه نحو باب الفيلا.
أما هي فقدمها بالكاد حملتها لتتبعه.
دخل هو ودخلت هي بعده.
وشبح ابتسامة مجروحة رسمت على وجهها وهي ترى تيم الذي يركض باتجاهها فرحًا ويقول:
"مامي!"
نزل لمستواها واحتضنته بقوة، علها تطفئ ألم قلبها المنهك.
أخرجها من أحضانه وأمسك وجهها بيديه الصغيرتين وسألها:
"مامي حبيبتي، أنتِ هتعيشي معايا هنا؟"
ابتسمت وحركت له رأسها بنعم.
"طب يلا أوريكي أوضتي ونلعب سوا."
أومأت له.
ثم توقفت لتلقي التحية على أمينة التي كانت تطالعها بأسى.
وما أن وقفت اتجهت نحوها تحضنها بقوة وتقول:
"أهلاً بيكي يابنتي، نورتي بيتنا."
تجمد جسدها بين أحضان أمينة وصوتها المخنوق.
لسانها الذي أبى النطق.
جعل أمينة تكمل وتقول:
"حبيبتي اعتبريني زي والدتك."
لا تدري أمينة أنها ومن دون قصد ضغطت على جرح الماضي.
الذي ظنت هي أنه شُفي واندثر.
ليرتجف جسدها معلنًا انهيارها داخل أحضان امرأة غريبة.
وكم ودت لو كانت هذه الأحضان أحضان والدتها.
كم تحتاج لها اليوم.
وكم ودت لو تستطيع الصراخ لتخرج هذا الألم المدفون.
حركت أمينة يدها على ظهرها تحاول تهدئتها.
وقلبها يملؤه الحزن والقلق عليها.
"بابي، هي مامي بتبكي ليه؟"
سؤال طرحه تيم بخوف على حبيبته.
بعد أن أفزعه مظهرها.
ليجيبه أدهم الذي لم يختلف عنه رعبًا من انهيارها.
"متخافش ياحبيبي، مامي بخير."
تركتها أمينة تخرج ألمها وحزنها بين أحضانها حتى هدأت تمامًا.
وخرجت من أحضانها بإرادتها دون أن تنطق بأي كلمة.
ولا أمينة التي تجنبت سؤالها واكتفت بقولها:
"يلا ياحبيبتي عشان أوريكِ أوضتك."
لتأخذها هي وتيم نحو الطابق العلوي.
وما أن رحلت حتى جاء دوره بلانهيار وبجسد يملؤه الحسرة والألم.
جلس على الكرسي واضعًا رأسه المنحني بين يديه.
يمسح دموعًا هربت من عينيه.
لا يعلم حزنًا على حاله أم حالها.
عادت والدته بعد قليل لتجده بهذا الحال لتقول له بعتاب:
"ليه يابني عملت فيها وفي نفسك كده؟"
رفع رأسه لينظر لأمه بعين.
لوّن اللون الأحمر صفاءها حزنًا وألمًا.
"أنا عملت كده عشان ابني."
"متضحكش عليا يابني، لو خبيت على الناس كلها مش هتقدر تخبي عليا.
أنت بتحبها هي، مش حبيبة البنت اللي صورتها في محفظتك.
فاكرك إن أنا معرفتهاش؟ أنا عرفتها من أول ما شفتها أول مرة.
وشفت عينيك اللي كانت بتلمع في وجودها.
لكن يابني.. الحب مش بالإجبار.
محدش له سلطان على قلبه."
انهيارها، دموعها بتقول إنها مغصوبة.
على الجوازة دي.
"بس هي دلوقتي مراتي."
جملة قالها لوالدته بتحدي.
"مراتك دي صفة رسمية، لكن قلبها بيقول إيه؟ دا الأهم."
"قلبها مع حد تاني."
جملة قالها بغصة ومرارة.
ليسمع شهقة أصدرتها والدته.
بعد أن سمعت هذه الجملة.
وكطفل صغير.
اقترب من والدته ونهار بين أحضانها.
يروي لها خيبته في حب تمناه لكنه كان من نصيب غيره.
"بس يبني. دا حقها وفاءها لجوزها.
دا يتحسب ليها.
ياحبيبي زي ما أنت مقدرتش تنساها طول التمان سنين هي كمان متقدرش تنسى جوزها.
دي حاجة مش بإيديها."
"بس هو مات."
"دا بنسبالنا.
لكن بنسبالها هو موجود.
مادام حبه لسه عايش جواها."
"يعني مش هتحس بيا؟"
سؤال طرحه عليها برجاء.
"حاول يابني. حاول تحسسها بحبك ليها.
باهتمامك بيها.
حاول تكون ليها السند والأمان.
حاول تحتويها وتعوضها."
ثم حركت والدته يدها على خصلات شعره كأنها تطمئنه.
لتضحك وتقول:
"هتحبك ياولد. هو حد يتجوز قمر زيك وميحبوش؟"
ليضحك بدوره ويقول:
"آه ما القرد في عين أمه غزال."
ليضحكا سويا.
أما في الطابق العلوي فكان المشهد مختلف.
كانت ممددة على السرير بجانب تيم تقص عليه حكاية قبل أن ينام.
ورغم كل ما حدث.
لكنها كانت تبتسم على حب هذا الصغير الذي يتشبث بها كأنها ستهرب منه.
يبتسم ويحتضنها بين الحين والآخر حتى غفى.
أما هي فهرب النوم من عينيها.
حتى أحضان تيم لم تشعرها بالأمان.
لتغادر السرير متجهة نحو الغرفة التي خصصت لها كما قالت لها أمينة.
دخلت الغرفة وفتحت حقيبتها.
لتخرج منها صورة علي المغمورة بعطره.
قبلت الصورة عدة قبلات وقالت:
"وحشتني ياعلي."
استبدلت ملابسها واستلقت على السرير وهي تحتضن صورة علي ونامت.
لم يستطع هو أيضًا النوم وهو يعلم أنه يجمعهم مكان واحد.
لتسوقه قدماه نحو غرفتها.
فتح الباب ببطء شديد.
ليجدها تغفو.
وشعرها البني يغطي وسادتها.
لقد صدقت خصلاتها المتمرده عندما أخبرته بلونها منذ ثمان سنوات.
أقترب منها أكثر.
ليعتصره قلبه فجأة حين رآها تحتضن صورة علي.
"ماذا يفعل؟"
"أيسرخ بها أن ترحمه وتتوقف عن حبه؟"
"أم يعطيها الوقت والفرصة كما نصحته والدته؟"
تركها ورحل نحو الحديقة يدخن سجائره.
علة يطفئ نيران غيرته بحرقها.
***
لملمت أغراضها وهمت بالرحيل بعد انتهاء وقت دوامها.
وسارت بين ضحكات الصغار التي تطرب قلبها الذي حرم منهم.
حتى خرجت من البوابة وهي تلوح لبعض الواقفين يلوحون لها بالوداع.
سارت خطوات قليلة.
وسمعت من يقول:
"خديجة."
صوت.
خفق قلبها الغبي له من جديد.
لا يزال يرتجف عند سماع اسمها منه.
لتتسمر من دون حراك.
"إزيك يا خديجة، وحشتيني ياحبيبتي."
توقف، أرجوك لا ينقصني هذا أيضًا.
لكنها.
استدركت وضعها وبقلب مثلت فيه الثبات وروح افتعلت فيها القوة.
استدارت.
"خير، عايز إيه؟"
فاجأته بأسلوبها فهو لم يعهد منها ذلك.
أهذه خديجة التي كانت تتغزل به كلما تلقتعه.
"مالك يا خديجة بتكلميني كده ليه؟"
ارتسمت علامات الغضب على وجهها وقالت:
"و عاوزني أتكلم معاك إزاي يابن عمي؟!"
وبنظرة ترجي وشوق قال:
"خديجة أنا مالك حبيبك.
لكن لماذا أحس أنك أصبحت غريبة؟
لم يعد قلبك موطني.
أصبح هناك من يشاركني فيه."
"عاوز إيه يامالك، أنا اتأخرت."
ليجيبها محاولاً استعطافها:
"عاوز نرجع لبعض ياروحي.
أنا بموت من غيرك يا خديجة ارحميني."
وبنبرة حاسمة أجابت:
"ارجع لمراتك وولادك يامالك.
واعتبرني.. صفحة انتهت من حياتك.
إنساني يامالك وسبني أعيش حياتي."
لتشعل نيران غضبه التي ظهرت جليًا على وجهه.
"إنساني أنت اتجننت يا خديجة.
عاوزاني أنساكي وأنسى حبنا اللي اتولد وكبر معانا."
وبصوت بارد وسكون استوطن عينيها أجابت:
"أيوه إنساني يامالك.
أنت دلوقتي عندك زوجة وأولاد."
ليصرخ بصوت عالٍ جاعل من يمر بجانبه ينتبه إليه.
"مش أنتِ اللي اخترتي.
يكون ليكي شريك.
مش قلتلك هتستحملي؟
وقلتِ أيوه استحمل.
مش كل حاجة تمت برضاكِ."
أجابته بعيون لسعتها الدموع وملأتها الكسرة والخذلان.
"كنت فاكرة إني هفضل أول واحدة في حياتك حتى لو كان فيه غيري فيها.
كنت فاكرة إنك عمرك ما هتنساني.
كنت فاكرة إنك عمرك ما هتصدق عني كلام غلط.
لكن أنت يامالك.
دست عليا.
وكنت على هامش حياتك.
خديجة اللي وقت ما تحب تلاقيها مستنياك.
خديجة اللي صدقت إنها ممكن تأذي ولادك.
سبني يابن عمي قبل ما أكرهك."
طعنته هذه الكلمة في صميم قلبه العاشق.
"يااااه لدرجة دي يا خديجة هي وصلت للكره."
لكنه أكمل مستعطفًا إياها.
"طب يا خديجة أنا مستعد أصلح كل حاجة وهاخدلك شقة بعيدة.
وأعدل بينكم.
ومش هاجي عليكي.
ولا أكون معاهم على حساب وقتك.
وصدقيني أنت طول عمرك الأولى في حياتي.
محدش خد مكانك ياديجا."
"مالك... مش معقول."
كان هذا صوت أيمن الذي رحمها قبل أن تضعف أمام توسلات مالك.
انتبه له مالك وقال بوجهه ممتعض.
فبعد أن أوشك على استعطافها قطع أيمن تلك اللحظة.
"أيمن. إزيك؟ عاش من شافك ياصاحبي."
احتضنه أيمن.
مرحبًا به.
لتستغل خديجة هذا الموقف وتهرب من أمامه.
لم ينتبه هو لباقي حديث أيمن.
فقد كانت عيناه تراقب هروبها.
وكان يحاول اللحاق بها.
لكن أيمن لم يعطه هذه الفرصة فقد تعمد إطالة الحديث معه.
حتى تختفي خديجة من مرمى عينه.
فعل ذلك بعد ما رأى العبوس والغضب في عين خديجة وهي تحاور مالك.
فقرر قطع هذا الحديث.
بنفسه وإنقاذها.
***
كانت تجلس في غرفتها في المستشفى عندما دخلت عليها نهى متفاجئة.
من وجودها.
"حبيبة أنتِ هنا؟"
رمقتها بطرف عينها وتقول:
"وماله مستغربة وجودي كده ليه؟"
"لابس هو مش المفروض النهارده."
لتبتلع نهى باقي كلامها عندما رأت علامات الغضب ترتسم على وجهها.
لتغير هي دفة الحديث وتقول:
"حصل إيه في موضوع حنان؟ دكتور يوسف كلم جوزها؟"
تقطب نهى حاجبيها باستفهام.
"حنان مين؟"
ثم أدركت ما تقصده وقالت:
"تقصدي حنان. مريضة الاكتئاب ما بعد الولادة.
ياروحي صعبانة عليا، جوزها الغبي فاكر إنها اتجننت.
مش فاهم إن دي حالة مؤقتة."
لتشرد بخيالها ثم تتنهد بهيام وتقول:
"بس يوسف حبيبي قال هيكلموا النهارده عشان يشرحله الحالة."
لتبتسم حبيبة مستهزئة.
"يوسف حبيبي. طب والله ما في مجنون غيرك ياهبلة."
"حبيبة."
قالتها نهى بغضب.
لتضحك حبيبة وتقول:
"خلاص، متأسفين."
وأكملت بنبرة حزينة:
"أنا صعبان عليا بنتها.
تعرفي إنها مولودة قبل ميعادها.
بس بقالها أسبوع محدش سأل عليها."
لتجيبها نهى بحزن مماثل:
"مهو الأطفال دي هي اللي بتدفع تمن المشاكل مع الأسف."
تركتها نهى ورحلت بعد حديث طويل.
لتتجه هي نحو غرفة الحضانات.
دخلت بعد التعقيم.
لتقترب من تلك الطفلة الصغيرة.
ابتسمت عندما رأتها تحرك يدها بعشوائية.
لتمد حبيبة يدها بتمهل.
وتمسك يدها برفق.
"إزيك ياقمر.
لا ماشاء الله صحتك بقت أحسن كتير.
تعرفي. أنا مش عارفة.
أعمل إيه عشان أساعدك.
أبوكي فاكر إن أمك اتجننت مش فاهم إن دي حالة بتصيب ستات كتير.
وإنها في الفترة دي محتاجة اللي يحتويها ويدعمها.
مش يقول عنها مجنونة.
هو مش فاهم إنها فترة مؤقتة.
وبعدها هترجع لطبيعتها.
الظاهر إنها تعرضت لضغط نفسي.
جايز عشان عرفت إنك بنت وإنك هتكون البنت التالتة.
مش عارفة هو فيه ناس لسه بتفكر كده."
لتنظر للطفلة وتسألها.
كأنها تفهم.
"هما كل الأبهات كده؟
ولا أبويا وأبوكي بس اللي مش عاجبهم خلفة البنات."
لتبتسم بعد أن تجمعت الدموع في عينيها وتقول:
"أنا هسميكي بسمة.
عشان يارب يكون ليكي من اسمك نصيب.
هااا إيه رأيك يابسبوسة؟
شوفي أنا اسمي حبيبة.
وعشت الحب.
وجماله.
لكن فجأة عبس وجهها عندما لاح طيفه أمامها.
لتشرد في حياتها معه وتتذكر كيف أجبرها على الزواج منه من أجل صغيره.
وعلى ذكر الأخير.
ابتسمت تتذكر كيف استيقظت صباحا على قبلاته.
وهو يحضنها ويقول:
"مامي أنتِ لسه هنا؟"
فتحت حبيبة عينيها وابتسمت تنظر إليه لتجد الدموع تملأ وجهه.
لتهب بسرعة وتعتدل.
تمسك وجهه بين يديها وتمسح دموعه.
"تيمو حبيبي مالك بتعيط ليه ياروحي؟"
ليجيبها ببراءة طفل يعلن عن ما بداخله:
"خفت تكوني مشيتي وسبتيني."
لتحتضنه حبيبة بقوة.
وكلما حاولت الهروب من هذه اللعبة يعود هذا الصغير ويكبلها.
بقيود حبه البريء.
"متخافش ياحبيبي.
أنا مش هسيبك ياروحي."
ليضحك فرحًا.
ويقول لها:
"أنا بحبك يا مامي."
لتقبل وجنتيه وتقول:
"وأنا كمان بحبك ياروح."
ثم تقترب من أذنه وتهمس:
"تيمو أنا جعانة.
هو انتو بتفطروا إمتى؟"
ليهمس هو بنفس الطريقة:
"تعالي يامامي معايا.
دادة كريمة بتعمل فطار حلو أوي."
عادت من شرودها تنظر لبسمة الصغيرة.
"يارب يابسمة دكتور يوسف يقدر يقنع والدك ويفهمه.
وإلا أنه ميسبكمش وتعيشي مشتتة."
لتشعر بغصة تخنقها عندما قالت:
"يارب يابسمة ماتعيشي اللي أنا عشته."
***
استيقظ من النوم.
متأخر.
لينظر للساعة ويقول
رواية أصفاد الحب الفصل السادس عشر 16 - بقلم رشا عبد العزيز
أصفاد الحب ❤️ 16
وبعد يوم متعب عادت لتقف أمام باب الغرفه المخصصه لها وفتحت الباب لتجده يقف أمام المرآة .
تسمرت بضعت ثواني كما تسمر هو يحدق بها استدارت محاوله الهروب من أمامه لكن صوته أوقفها
-حبيبة
لم تعطيه أي جواب وهمت بأكمال طريقها لكن توسله أوقفها مره أخرى
-حبيبه أرجوكي أستني. أنا أسف بس الاوضه دي في الأصل أوضتي عشان جنب أوضة تيم وأنا أختارتهالك عشان تكوني قريبه منه. أنا بس جيت أخذ حاجه وماشي وهبلغ جينا تنقل حاجتي غرفه تانيه
حمل حقيبته. وأفسح لها لطريق وقال
-أتفضلي
دخلت هي وهم هو بالرحيل لكن توقف قبل خروجه وقال لها دون ان يستدير
-أنا مسافر مهمة يومين أو أكثر. ياريت تخلي بالك من تيم في غيابي .
لتجيبه بسخرية :
-ما تخافش يا أدهم بيه أنا عارفه مهمتي هنا كويس أنا هنا أم لتيم.
قالت هذا وهي تضغط على حروف الكلمة الاخيرة .
توقف يحاول استيعاب ماقالته هل انقلب السحر على الساحر ، هل حجته في وجودها هنا ستستخدمها هي ضده وتصبح حجه للابتعاد عنه . لكنه لم يعقب بشئ وتركها ورحل.
جلست هي على السرير تطالع تلك الغرفه التي لم تهتم بتفحصها وانتبهت أنها فعلا تحتوي أغرضه
والان يملئها عطره لتسرع بفتح الشبابيك كي تتخلص من أثر وجوده فيها .
*******************************************
كانت نهى تجلس تدون بعض الملاحظات أمام يوسف. عندما رفعت رأسها فجأه لتجده يحدق بها
ولكن ما أن إلتقت عينيها بعينيه أشاح بصره بعيداً عنها كأنه يهرب منها لاتعلم لماذا عينيه تخبرها بأنه يبادلها المشاعر لكن أفعاله لها رأي مغاير
.
تحمحم هو ليخرجها من حاله التيه التي اصابتها
-خلصتي يانهى؟
-ايوه دكتور
ولتتخلص من أحراجها قالت
-هو حصل أي في موضوع حنان قدرت تقنع جوزها
ليجيبها مبتسما
-لا الحمد الله أقتنع بعد نقاش طويل واهي الحمد الله بدأت تتحسن
لتجيبه بعبوس
-أنا مش عارفه أي الناس دي هو فيه حد عنده الأفكار دي دي الناس بتتمنى يكون عندها طفل وبتصرف ملايين عشان تتعالج وحضرته جابلها أكتئاب عشان خلفت البنت التالته
ليقول بحزن :
-فعلا ناس مبتقدرش النعمة .
*******************************************
بحثت عنه نجاة في كل مكان فلم تجده لتدخل غرفه حبيبه تجده جالس على سريرها والدموع تترقرق في عينيه لتسأله بقلق
-مالك يا محمود أي الي مقعدك هنا ؟
رفع عينيه التي تلملأها الدموع وقال :
-وحشتني اوي يانجاة مكنتش عارف إنها هتسيب فراغ كبير كده دا أسبوع واحد بس لكن حاسه كأنه سنة .
جلست نجاه بجانبه وحركت يدها على ظهره وقالت :
-ربنا يريحها ويسعدها. دي سُنة الحياة ياخويا
.
استدار محمود نحوها وبنظرات رجاء سألها
:
-تفتكري هتسامحني لما تعرف الحقيقة؟
أخفضت رأسها ثم رفعته. لتنظر اليه بأسى :
-رغم أني ماكنتش موافقة من البداية على الاتفاق دا بس يارب هي تتفهم ويارب يصدق أدهم في وعده .
لينظر لها محمود ويقول باضطراب
-والله يانجاة أنا لولا أني حسيت بصدق كلامه وأنه بيحبها بجد ، مكنتش اتفقت معاه على لعبة القضية دي عشان نضغط عليها توافق تتجوزه .
-حبيبه أنت جيتي أمتى ومالك واقفة كده ليه؟
كان هذا صوت دلال التي رأت حبيبه تقف متسمره أمام باب غرفتها المفتوح .
ليلتفت نجاه ومحمود بسرعه ويجدوها تقف عند الباب عينيها متسعه بصدمة مما سمعته .
شعرت أن الأرض تميد بها. قلبها يتمزق و نيران تجتاح جسدها تحرق روحها ألماً
شعرت بالإختناق كأن الهواء أنحسر من حولها. الصدمه عقدت لسانها ، أقرب الناس اليها أتفق معه غدر بها من منحته الثقة .
أقترب منها محمود بحذر وبصوت متوجس قال
-حبيبه ، أسمعيني .
عادت للوراء ورفعت يدها أمامه تمنعه من التقدم نحوها وقالت :
-عملت كده ليه ياخالي ؟ دبحت*ني ليه؟
أعتصره قلبه من تلك الكلمه التي طعنته بها لكن عليه مواجهتها .
-عملت كده عشان مصلحتك ، أنت لازم تعيشي حياتك وتنسي الماضي
.
لتصرخ مستنكرة : (بقلم رشت عبد العزيز)
-مصلحتي أخون علي ؟
ليقترب بسرعه منها يمسك كتفها بيديه يهزها علها تصحو وبصوت عالٍ قال :
-علي م*ات أفهمي ، م*ات
نفضت يديه من على كتفها وقالت وهي تقبض يدها وتضرب موضع قلبها بقوة .
-ماماتش ، على عايش جوايا وفي قلبي أنتو ليه مش قادرين تفهمو ليه مستكثرين عليا أعيش على ذكراه ؟
أنا كنت راضيه بحياتي بتدخلوا فيها ليه ؟
لينظر اليها محمود بتحدي أكبر فهي يجب ان تصحو هذا ماكان يشغل تفكيره في هذه اللحظة .
وهي حياتك طبيعيه ياحبيبة ؟ أنك تتكلمي مع صور وهدوم ، دا طبيعي ؟
لتجيب بعزم وتحدي أكبر :
-حتى لو كنت مجنونة فى نظركم فأنا مرتاحة
.
ليتكلم محمود هذه المرة بسخرية :
-مرتاحه ازاي ياحبيبه وأنت عايشه ميتة . هي دي حبيبه الي كانت مضرب مثل لتحدي الظروف ، هي دي حبيبه الي كانت بتحارب عشان تنجح .
لتسكن عينيها عينيه وتقول بهدوء هذه المرة :
-لأني مت ياخالي ، مت معاه .
اغمض عينيه من قسوة هذه الكلمة ، وأقترب منها بسرعة . يحتضنها بقوة ويقول :
-بعد الشر عنك يابنتي.
لكنها دفعته فجأة وفرت من أمامه هاربة رغم نداء دلال لها .
رغم مرور أسبوع على هذه المواجهة لازالت حبيبه تتذكر كيف وقفت أمام البحر تصرخ بقوه محاوله إخراج النيران التي اجتاحت جسدها وكيف أصمت آذانها بيديها محاولة أخراج صوت خالها المؤنب لها .
لم ترى هي خالها مرة أخرى منذ ذلك الوقت .
أخرجها من هذه الذكرى صوت تيم وهو يقول
-مامي شوفي كده صح
قال هذا وهويرفع الكراسة أمام عينيها. يريها ماكتب. لتمسّكها بيديها وتقول
-برافو ياقلب ماما
ثم قبلت وجنته وأشارت اليه ليكمل أداء واجبه
-مساء الخير
كان هذا صوته الذي جعلها وتيم يرفعون رأسهم سوياً لتجده يقف مبتسما أمامها .
ركض تيم بتجاهه ليفتح هو له ذراعيه مستقبلاً إياه بين أحضانه .
-بابي
حمله ثم جلس على السرير وأجلسه على ساقيه وظل محتضنا إياه يقبل وجهه ورأسه
ثم رفع نظره اليها وقال
-ازيك ياحبيبة؟. (بقلم رشا عبد العزيز)
لتشيح نظرها عنها وتجيب دون النظر اليه
-أهلاً .
ابتلع غصة بطعم العلقم من حده تعاملها معه وادعى عدم المبالاة وأكمل حديثه ومداعبته لولده .
أما هي فتشتت أفكارها أتخبره بمعرفتها بإتفاقه مع خالها أم تدعي عدم معرفتها بذلك
.
لكن كيف ستخبره بذلك هل رخصت لهذه الدرجة ليعرض خالها عليه الزواج منها ظلت برهة من الزمن في هذا التخبط ثم استرقت النظرإليهم ورغم حنقها منه إلا أنها تعترف انه أب حنون فلهفة تيم وحبه له وطريقه تعامله معه تثبت أنه منح ولده الكثير من الاهتمام والحب ،
وابتسمت خلسة عندما سمعت سؤال تيم :
-جبتلي أي معاك يا بابا؟
-رغم أني كنت في مهمة لكن منستش هديتك ياتيمو .
ليرحل ويعود بعد قليل يحمل علبتين فتح الأولى ليخرج سيارة ذات التحكم عن بعد .
فرح بها تيم كثير وأخذ يتفحصها ثم أقترب من حبيبه يريها إياها
-مامي شوفي حلوه؟
لتمد يدها تشعث شعره مشاكسه إياه وتقول
-حلوة يا حبيبي
لتجده يقف أمامها ويقول :
-معرفتش اجيبلك أي يارب تعجبك
ليضع أمامها علبه ويتركها ويرحل قبل أن يسمع قبولها أو رفضها
.
ليقترب تيم منها ويقول :
-مامي افتحي العلبة خلينا نشوف هديتك .
وبيد مترددة أمسكت العلبة وفتحتها لتجد ألواح من الشوكلاتة .
-خلينا ندوقها يا مامي .
كان هذا طلب تيم منها ، لتفتح إحداهن وتعطيها له.
أخذها هو ثم قطعها نصفين. تذوق أحدهم وقال :
-الله يامامي طعمها يجنن
ثم أعطاها النصف الآخر وحرك رأسه لها يحثها على تذوقها
-دوقيها يا مامي
ورغم مذاقها الحلو لكنها شعرت أنها مرة للغاية كطعم الخيانة التي تشعر به .
******************************************
تعمدت الخروج متأخرة من المدرسة خشية أن يكون في إنتظارها مثلما تعود ملاحقتها التي أصبحت تخنقها في الآونة الأخيرة .
وصلت إلى البوابة . لتجد أولاد أيمن لايزالون في انتظار وألم أقتربت منهم بأبتسامه وقالت
-أنوس ، مسوكة إزيكم عاملين إيه ؟
ليجيبها الأولاد بوجه متعب وإبتسامه باهتة :
-الحمد الله
لتسألهم مستفهمة:
-هو بابا لسه مجاش؟. (بقلم رشا عبد العزيز)
لتجيبها مسك مستاءة :
-لا يامس ، بس هو أداني رقمه عشان لوأتاخر
ورغم ترددها في البدايه لكن حالة هؤلاء الصغارواحساسها بالشفقة عليهم جعلتها تحسم قرارها فقالت :
-أديني يامسك الرقم
أتصلت به وأعطت الهاتف لمسك وعندما فتح الخط مباشرة
_الو ايوه يابابا
قالت هذا وأعاده الهاتف لخديجه
-ايوه ياحبيتي معلش اتاخرت عليكم عشر دقايق وأكون عندك .
جلت صوتها وتكلمت بحرج :
-أنا خديجة يا أيمن .
ليسكت فجاة ثم سألها بقلق .
-خديجه هما الولاد جرالهم حاجه؟
لتجيبه بسرعه بعد ان استشعرت قلقه على صغاره
-لا يا أيمن ماتخافش ، الولاد بخير . لكن هما تعبوا من الانتظار.
ليجيبها بصوت يغلفه الحزن .
-معلش والله عارف بس الطرق والزحمة وظرف بايخ حصل فجأة .
-طب ممكن أخذهم ونقعد نستناك في الكفتريا القريبة من المدرسة ؟
سؤال طرحته وتمنت أن يوافق على طلبها بعد ان رأت التعب يتملك من أجسادهم الصغيرة
_مافيش مشكلة وأن شاءالله مش هتأخر عليهم .
تمام
وقبل ان تغلق الخط قال
-خديجة. (بقلم رشا عبد العزيز)
-نعم
-متشكر هتعبك معايا
لتبتسم وتقول
-مفيش تعب ولا حاجه أطمن
وبالفعل طلبت من الصغار الذهاب معها لكنهم استجابو لها بعد إلحاح منها وبحرج كبير تبعوها حتى وصلوا وأختاروا مكان ليجلسوا فيه.
-ها نتغدى أي اصلي جعانه أوي .
لتجيب مسك بحرج كبير وبطريقة تدل شخصيتها المتعقلة :
-متشكرين يامس بس احنا اكلنا في المدرسة .
شعرت خديجه بإحراجهم منها لتقول :
-بس أنا جعانة ومبحبش أكل وحدي أنا هطلب بيتزا وناكل كلنا سوا .
أشرق وجه أنس بابتسامه كبيرة زالت بعد ان نظرت اليه شقيقته بغضب
ابتسمت خديجة من هذه المشاكسة
وبعد حديث دار بينهم عن الدراسة والدروس وصلت البيتزا ليتناول الأطفال الطعام على إستحياء دل على حسن تربيتهم .
لتحاور خديجه نفسها وتقول : معقولة ان أيمن اللى كان مقضيها شغب ومحدش بيخلص من هزاره ومقالبه يخلف عيال مؤدبه بشكل دا ؟ حتى اخرجها من هذه الذكريات المضحكة صوته:
-ياخونة أكلتوا بيتزا من غيري .
ليضحك الأطفال وخديجه معاً
-طب استريح واحنا نطلبك بيتزا
ليجلس أيمن وهو يتأسف على تأخره ويشكر خديجة على بقائها معهم، استغلت خديجة انشغال الأطفالل بحوض أسماك الزينة وسألته:
-هي مامتهم مش هتزعل عشان سبتوها واتغديتو؟
لتلمع الدموع في عين أيمن ويجيبها :
-مامتهم تعيشي أنت ياخديجة .
شعرت خديجه بالحزن من اجل هؤلاء الصغار لتسأله مستفهمة
-ياحرام ياعيني عليهم .وماتت ازاي ؟
نظر أيمن نحو صغاره بقلب منفطر وأجاب :
-أروى بنت عمي اتجوزنا وكان عندها ١٨سنه كانت طيبة وحنونة ورغم ان جوزانا تقليدي لكن كنت متاكد أنها بتحبني حتى لما قلتلها إني كنت بحب واحدة قبلها ومحصلش نصيب
تقبلت دا وبالعكس قالت إنها هتنسيني . ادتني كل الحب والحنان والاهتمام وتعلقت بيها أوى حبيت اهتمامها بيا. وحبها ليا وبقى عندنا مسك وزاد ارتباطي بيها لكن حصل حمل أنس بعد مسك بقترة قصيرة .
جسمها مستحملش . وحصلها نزيف أثناء الولاده وماتت .
ليمسح دموعه التي هربت من عينيه وقال :
-الحمد الله أنا تكفلت بالأولاد بعدها .
ابتسمت خديجه بعينين غزتها الدموع وقالت
-ربنا يرحمها. ويعوضك في الولاد .
-متشكر.
عم الصمت دقائق حتى سألها قاطعاً هذا الصمت :
-هو ممكن اسألك أنت ومالك انفصلتوا ليه ؟ دا انتو كنتو بتحبوا بعض ؟
لتقص عليه خديجه ماحدث بينها وبين مالك وسبب انفصالهما
-تعرفي ياخديجه عمري ماكنت أصدق انك ومالك يحصل بينكم كدا .
-نصيب نعمل أي
-لسه بتحبيه ياخديجة ؟
سؤال طرحه أيمن عندما رأى الحزن البادي عليها .
-ياريتني اعرف ابطل احبه .
انتهى الغداء مع ايمن وأولاده وعادت إلى المنزل وما أن فتحت باب شقتهم حتى وجدته أمامها .
-مالك ؟!
(بقلم رشا عبد العزيز)
رواية أصفاد الحب الفصل السابع عشر 17 - بقلم رشا عبد العزيز
أصفاد الحب ❤️ 17
-مالك
نطقت اسمه متوترة من وجوده وعلامات الغضب المرسومة على وجهه
-ايوه مالك ياهانم كنت فيه لحد دلوقت وميعاد شغلك انتهي من تلات ساعات ؟
ليكون الغضب من نصيبها هذه المرة
-وأنت مالك وبأي حق تحاسبني ؟
لينظر اليها بتحدي ويقول
-بصفتي جوزك
-قصدك طليقي يا ابن عمي
جوابها الحاسم والسريع أثار براكين الغضب بداخله ليمسك ذراعها بقوه ألمتها وينظر داخل عينيها عله يرى بقايا حبه بداخلها
-هترجعيلي غصب عنك ياخديجة ، أنت ليا حبيبتي ، ملكي أنا .
ولاتعلم من أين أتت بقوتها في تلك اللحظة لتنفض يده عنها وتدفعه
-أنت أناني ومريض يامالك وحبك الي بتقول عليه لعنه هتخلص منها .
-أيه الي بيحصل هنا ؟
كان هذا صوت والدها الذي أتى بعد ارتفاع أصواتهم
-أنت مش قلت هتتكلم معاها بالهداوة وتحاول تقنعها ؟. (بقلم رشا عبد العزيز)
-أنا اسف ياعمي هي الي استفزتني .
لتتسع عينيها مما تسمع هل والدها موافق على مايقوله ابن أخيه لتصرخ مستهجنة :
-بابا أنت كنت عارف هوبيقول أي وموافقه كمان ؟
لينظر لها والدها بترجي ويقول
-يابنتي ومالو دا بيقول هيجبلك شقه بعيده وهيعدل بينكم .
ليكمل مالك مستغل وقوف عمه بجانبه
-ياعمي أنا أحترمت رأيك وخوفك عليها واستنيت شهور العدة تخلص عشان يكون رجوعها بأرادتها
.
لكن أنت شايف قدامك أنا متمسك بيها وهي الي مش راضيه تديني فرصه أن مستعد أعمل أي حاجه عشانها .
لتشتعل بخلايا جسدها ثورة غضب معلنةً العصيان حتى على قلبها العاشق لتصرخ في وجهه :
-إنسى ان أرجعلك يامالك ، انا الموت ارحم لي من أنى ارجعلك .
قالت هذا وركضت نحو غرفتها لتطلق العنان لدموعها آلتي تحبسها أمامه ،
اماً هو فكانت كلماتها كسكاكين أخترقت فؤاده ليصرخ عليها متناسياً حتى وجود والدها :
-يبقى تموتي وأنت على ذمتي ياخديجة
ثم رحل صافقاً الباب خلفه بقوة .
*******************************************
كم أطرب مسامعه صوت ضحكاتها وضحكات ولده معها. هذه الصوت القادم من غرفة ولده ساقته قدميه للوقوف قرب باب غرفة ولده ليشبع فضوله مما يحدث ، ليشاهد المشهد الذي تمنى في تلك اللحظة لو كان جزءًا منه .
كان ولده يلعب بسيارته فيقودها خلفها وهي تجري وتضحك خوفا من اصطدامها بها وكأنها تشبع رغبته كطفل في الركض والعب فهو ليس كباقي الأطفال يستطيع الركض واللعب بشكل طبيعي .
لكنه تفاجأ أنها خرجت بسرعة واصطدمت بجسده. (بقلم رشا عبد العزيز)
العريض ليستغل هو هذه الفرصه مباشرة ويكبل جسدها بذراعيه القويتين ، أربكتها فعلته في البداية ، لكن سرعان ما ظهر غضبها عندما ادركت وضعها بين يديه
-أنت بتعمل أي أنت اتجننت ابعد عني
.
حاولت تخليص جسدها من بين يديه لكنه احكم حصارها
ليخرج تيم ويضحك لمشاهدته هذا المنظر ويقول
-برافو يابابا خليك ماسكها كده لحد ما اجيب بطاريه جديده وارجع .
نظرت له حبيبه باستهجان وقالت
-كده ياتيمو تعمل فى مامي كده ؟
لينظر لها الصغير بخبث ويقول :
-امال عاوزة تفلتي وتفوزي عليا ، امسكها كويس يا بابي .
قال هذا ورحل يبحث عن داده كريمة لتعطيه بطاريات جديدة .
وبنظرات هيام جالت تقاسيم وجهها الذي يعشقه
-ماسكها ياحبيبي ومستعد افضل ماسكها ومخبيها جوه حضني طول العمر.
اربكها وضعها وكلماته. لتقول بخجل
-ابعد عني .
تحركت يمينا ويسارا تحاول التملص من قبضته ليسترخي جسدها فجأه عند سماعها الكلمة التي جعلتها تتوقف لتنصت له
-آسف ياحبيبة .
ثم توقف وأكمل بعد ان ابتلع لعابه متلعثماً وبأنفاس متسارعه
-يمكن أنا اتصرفت غلط وطريقتي كانت غلط لكن صدقيني...
عينيها المترقبة له أبصرت الدموع التي بدأت تلمع في عينيه . وأذنها المصغية له سمعت صوته الذي تحشرج في جوفه جسده الذي ارتعش فأنتقلت تلك الرعشه لجسدها الملاصق له كل هذا زاد دهشتها ليكمل
-مكانش قدامي غير الطريقة دي . آسف لو أذيتك بس تيم بيحبك وأنا كأب بأرجوكي تفضلي معانا لغايه ماتيم يعمل العمليه ووضعه يستقر وأنتى حرة بعدها والقرار ليكي .
وشعرت بتشنج جسده أكثر وبصوت مختنق أكمل
-كل الي بطلبه منك تحترمي أني جوزك في الفترة دي .
وما أن سمعت هي تلك الكلمه حتى أغمضت عينيها كأنها تصم قلبها لكي لايسمع تلك الكلمة فيجرحه شعور الخيانة .
-خصوصا قدام ماما ، أمي طول عمرها بتتمنى تشوفني سعيد مع.....
وهنا أغمض عينيه وتنهد مخرجًا زفيرًاطويلًا حمل نيران قلبه .
-سعيد مع الانسانه الي بحبها .
ثم أفلتها ببطئ مزيجا يديه عن جسدها لتبتعد هي بسرعة لم يعد يقوى على الوقوف أمامها أكثر ليقول منسحبًا :
-عن إذنك .
ثم دخل غرفته القريبة ، يمسك قلبه بيده اليمنى عل ضرباته تهدأ فقربها المهلك أنهك روحه .
اماهي فأسندت يدها على الجدار القريب بعد حالة التشتت التي اصابتها ألم يقول خالها انه فعل ذلك لأنه يحبها وهو الآن يخبرها انه فعل ذلك من اجل ولده بل ويحدد لها سقفا زمنيا لمكوثها في بيته .
أخرجها من هذا الصراع صوت تيم الذي يطالبها بالعودة للعب .
كانت تظن انه كشف أوراقه لها لكن مالم تعرفه انه حرك حجرفي لعبة الشطرنج التي يلعبها معها ليكسب الملكة فبهذه الطريقه سوفه تعطي هدنة للحرب معه هذا كان هدفه من كلامه معها ليبتسم لأنه على مايبدو قد نجح في تحقيق هدفه ليعطي لنفسه وقت أكبرفي إقناعها
-هتحبيني ياحبيبه.
قالها مبتسما كأنه نجح في أول خطوات لعبه
*******************************************(بقلم رشا عبد العزيز)
كان الثلاثه يجلسن في أحدى المقاهي كل واحد منهن تشكو للأخرى حالها .
لتبدأ خديجة التي لم يعد مالك فقط من يضغط عليها لكن والدها ايضاً أنضم اليه .
-والله أنا بجد تعبت معدتش مستحمله حاسة إني بتخنق
-طب هو والدك مش كان رأيه من رأيك أي الي غيره ؟
سوال طرحته نهى عليها لتجيبها خديجه بوجه ممتعض
-مالك ياستي أقنعه ، بيضغط عليا من كل الجهات.
-طب ياخديجه ممكن اسألك هو أنت ممكن ترجعيله ؟
هذه المره كان السؤال من نصيب حبيبه. لتتنهد خديجة متألمة .
-مش عاوزه اخسر نفسي أكثرمن كده ياحبيبه. أنا كنت كأني عايشة فى جحيم . حب مالك بقى زي المرض الي بينهش فى روحي ويطفيها .
-خلاص خليكي ثابتة على مبدأك ، هو أكيد مش هتحصل حاجه غصب عنك .
لتلقي عليهم بمخاوفها
-خايفه ياحبيبه خايفه بابا يضغط عليا اكثر مالك لا سايبه ولاسايبني .
-هتخوفيني من الحب ياخديجه وتخليني ابطل احب يوسف .
لتضيق خديجه عينها وتنظر لنهى. وتقول ساخرة :
-أنت تبطلي تحبي يوسف؟ طب عيني فى عينك كده ؟
لتحرك نهى أهدابها بطريقه مضحكه. انفجرت خديجه بسببها ضحكا. لتشاركها نهى .
حتى انتبهتا لشرود حبيبة التي تمسك بفنجان قهوتها وعينها تنظر نحو المجهول حتى حركت نهى يدها أمامه وجهها وقالت
-الي واخذ عقلك يتهنى بو
انتبهت حبيبه لحرك يدها وعادت من شرودها لتسألها خديجة
-أي يابنتي روحتي فين؟
نظرت اليهم بعين تملأها الحيرة والتشتت وقصت عليهما ما قاله ادهم لها وهما يستمعان لها حتى انتهت وقالت خديجة :
-بصراحه ياحبيبه ماتزعليش مني هو معاه حق هو دلوقت جوزك ومن حقه عليكي تحترميه .
-لا أنا مش فاهمة هو بيحبك ولا عمل دا كله عشان ابنه ؟
سؤال طرحته نهى عليها لتجيبها :
-الاتنين عينيه وهو بيكلمني كانت بتنطق غير الي لسانه قاله .
قالتها ببرود تام ادهش الاثنين لتقول نهى :
-ياجبروتك يعني حبه واضح للدرجه دي وأنت مش حاسه بيه .
لتهبط دموعها من دون عناء
-كل الي أنا حاسه بيه أني بخون علي .
لتربت خديجه على يدها وتقول :
-طولي بالك ياحبيبة أنت دلوقت مش بتخوني علي ، أنت بتخوني أدهم وأنت بتفكري فى غيره وأنتي على ذمته .
لتنظر لها حبيبه بعين حانقة .
-ايوه ياحبيبه متبصليش كده. أنت عارفة أني صح ، أحترمي انك مراته زي ماطلب على الأقل الفتره دي .
لتؤيد نهى حديث خديجه
-خديجه بتتكلم صح ياحبيبة .
هربت هي من هذا الحديث العقيم بالنسبه لها لتقول :
-طب يلا خلينا نمشي بدل لمتنا كده زي المتعوس وخايب الرجا على رأي نوجّة .
******************************************(بقلم رشا عبد العزيز)
كانت تجلس أمام التلفاز ويجلس تيم بين أحضانها يشاهدون أحد أفلام والت ديزني وكأنها تعيش طفولتها التي لم تعشها معه . كان يختلس النظر اليها من بعيد ويضحك على تغير تعابير وجهها كلما تغيرت مشاهد الفيلم بين الفرح والحزن وصغيره الذي يقلد تعابيرها. ويستفسر منها عن احداث الفلم فتجيبه وتوصل له بعض الرسا ئل التربوية . كم تمنى لو استطاع الجلوس بجانبهم ومشاركتهم لكنه تحلى بالصبر ليصل إلى مبتغاه. عاد يجلس داخل مكتبه يراجع بعض أعمال والده المتوفي التي استلمها ابن عمه نيابه عنه .
-يابنتي خليه يقعد جنبك كده رجليكي هتوجعك .
كان هذا صوت أمينه التي رأت تيم يجلس على ساقيها ومتشبث بأحضانها .
ليتذمر تيم على طلب جدته .
-سبيه ياماما أنا والله مرتاحه وهو فى حضني .
ابتسمت أمينه على حبها لهذا الصغيروتمنت ان تستقر حياه ولدها مع زوجته علها تعوض هذا الصغير عن غياب والدته .
وبعد انتهاء الفيلم انتبهت هي إلى ثقل جسد تيم بين أحضانها نظرت اليه لتجده قد غفى . أراحته بين أحضانها كماتريح الأم رضيعها ثم نظرت اليه أزاحت خصلات شعره السوداء عن جبهته البيضاء وطبعت قبله عليها .
-لوتعرف ياتيمو أنا بحبك آد أي
تلمست وجنته المنتفخه وقرصتها بخفه
-عندك خدود زي خدودي .
ثم ابتسمت لتأخذها ذكرياتها إلى ذلك اليوم الذي رسمت فيه صورته في ذهنها .
-بتبصلي كده ليه ياعلي ؟
لينظر لها علي بحب وأجابها
-نفسي ولادي كلهم يطلعو شبهك حلوين كده وعندهم خدود حلوة زي مامتهم .
وبلهجه مستنكره قالت :
-بس أنا عاوزاهم يكونو شبهك أنت .
-يابنتي حرام عليكي شبهي أي ، لا بصي أنا عاوز ابني يكون ابيضّ وشعره أسود وعنده خدود زي خدود مامته .
ليقرص وجنتيها بيديه
-عشان أفضل اقرص في خدودكو انتو الاتنين .
أصدرت تأوه من أثر قرصته وحركت يديها على وجنتيها .
_اه ياعلي إيدك تقيله ربنا يكون في عون ابني
ليضحك وهو يحرك يده على وجنتيها اثر قرصته ويقبلهما ويقول :
-شفتي اهو كده خدودك ترتاح مني
لتضحك. ويضحك هو معها جاذباً إياها نحو احضانه .
عادت من ذكرياتها تنظر لتيم وتقول :
-الصورة كانت شبهك يا تيمو . أنت ابن قلبي ياحبيبي الي كنت بتمناه . ربنا مايحرمني منك .
حاولت حمله لتصعد بيه نحو غرفته لكن ساقيها أصابها الخدر وتألمت قليلاً .
-عنك ياحبيبة .
كان صوته نجدةً لهذا الموقف بالنسبه لها فلن تستطيع ساقيها حملها أومأت له رأسها موافقةً .
ليقترب منها وانحنى ليحمله وكلما اقترب أغمض عينيه يستنشق عبيرها لتداعب خصلات شعرها وجهه
وتلامس يديه يديها
حمله وأسرع بالابتعاد صاعدا إلى الطابق العلوي بعد ان تبعثرت روحه اثر اقترابه منها .
كان يظن أن قربها سيريحه. لكن حدث العكس فهي بالنسبه له كالفاكهة المحرمة يمتلكها ولايستطيع تذوقها .
*******************************************
زاد مالك الخناق حولها وأصبح والدها ووالدتها في صفه الآن ولم تجد أمامها سوى تلك الفكره المجنونه التي جالت في بالها منذ ثلاثة أيام حتى عزمت على تنفيذها .
-مالك ياخديجة بقالك نص ساعه قاعده قدامي وبتهتهي بالكلام ، طلبتيني ليه قلقتيني فيكي حاجة ؟
فركت يدها ببعضها اثر توترها وأحمرت وجنتيها خجلا. ثم نظرت اليه لترمي ما بجعبتها دفعة واحدة :
-تتجوزني يا أيمن ؟!
(بقلم رشا عبد العزيز)
رواية أصفاد الحب الفصل الثامن عشر 18 - بقلم رشا عبد العزيز
رواية أصفاد الحب الفصل التاسع عشر 19 - بقلم رشا عبد العزيز
وقفت أعلى، مصدومة وهي تراه أمامها مطأطأ الرأس وكأنه طفل مذنب أمام والدته.
أقلقها شحوب وجهه وذبول عينيه، لتجد نفسها تسابق قدميها وصولاً إليه، حتى أنها كادت تتعثر في درجات السلم، حتى وقفت أمامه وقالت وقلبها يتهاوى خوفاً عليه:
بابا.
وبعينين منكسرة رفع نظره إليها وبنبرة رجاء غلفها الندم قال:
الخصام طول ياحبيبة أبوكي، وقلبي ما عادش قادر على الفراق.
وفور أن انتهى من كلامه، ارتمت حبيبه بين أحضانه، تترجم شوقها له بدموع فاضت من عينيها.
أطبق يديه على جسدها يضمها بقوة، وآه حزينة خرجت من أعماق قلبه:
آه ياحبيبه، وحشتيني، وحشتيني ياحبيبة روحي.
لم تجبه، لكنها ضمت نفسها أكثر إليه واستمر بكاؤها وشهقاتها تعلو، حتى خرجت من أحضانه ووجدته يشاركها البكاء هو أيضاً.
رفعت يديها ومسحت دموعه وبصوت اختنق من شدة البكاء أجابت:
أنت كمان وحشتني ياحبيبي.
سامحيني يابنتي.
طلب منها ذلك بأمل.
لتنظر له برهة، هل تسامحه؟ بل هل تستطيع هي أن تغضب منه؟ وهل يستحق هو منها ذلك؟
وبيد مرتعشة أمسكت يده بين يديها، لتنتبه لأثر الحرق الذي تركه والدها في يدها، وكأنه ينبهها إلى ماضي ساعدها هو في النجاة منه.
أخفضت رأسها وقبلت يده، فلن تنسى يد مدت وألتقطتها من براثن الظلم، يد مسحت دمعة كانت أقسى من الجمر.
ما فعله لها يستحق الغفران.
رفعت رأسها وابتسمت له بحب وقالت:
هو أنا أقدر أزعل منك ياحبيبي، فداك روحي يا بابا.
قبل جبهتها ومسح بأنامله آثار الدموع التي رسمت على وجنتيها وقال مفسراً لها:
والله يابنتي أنا لولا شفت حب أدهم…
وضعت يدها مباشرة على شفتيه تمنعه من إكمال اعتذاره وتفسيره، فهي تعلم مدى حبه لها.
متقولش حاجة ياحبيبي، أنا عارفة أنت عملت كده ليه.
ثم طأطأت رأسها وعادت ترفعها وبنبرة لوم قالت:
بس كان نفسي تسألني عن رأيي، أو حتى تسبني لحياتي.
ليقول بسخرية:
وهو أنت كنت هتوافقي ياحبيبه؟
ثم رفع يديه يحتضن وجهها وينظر داخل عينيها:
أديه وادي لنفسك فرصة، وأنا مش هقول أنسي علي، علي عمره ما هيتنسي، بس عيشي ياحبيبه.
أنت محتاجة تحبي وتتحبي، كفاية اللي شفتيه في حياتك، مش يمكن يعوضك؟
لتهز رأسها نافيه كلامه:
مش هقدر ياخالي، أنا مكملة بحب علي، علي أداني حب أقدر أعيش بيه العمر كله.
ليقول مستنكراً كلامها:
أنت غلطانة ياحبيبة، أنت مطفية، روحك اتطفت. أنا اللي مربيكي، وأفهم نظرة عينيكي.
بس راضية، حياتي أنا كنت راضية بيها، أنا دلوقتي تعبانة أكتر ياخالي، محدش فيكم حاسس بيا، أنا جوايا نار بتحرقني، البيت دا بحس حيطانه بتخنقني، وأنا حاسة إني عايشة مع حد تاني غير علي، شعور الخيانة عامل زي حبل المشنقة الملفوف حوالين رقبتي. أنا بموت في اليوم ألف مرة وأنا بعيدة عن علي واسمي مكتوب على اسم غيره.
أحتضنها خالها بقوة عله يخفف هذا الشعور عنها.
حتى شعورك دا غلط ياحبيبه، أنت مش بتخوني علي، أدهم جوزك يابنتي وله حقوق عليكي، أنت مجرد تفكيرك في علي خيانة ليه.
رغم تفهم عقلها لما يقوله خالها، لكن قلبها استنكره.
عن أي خيانة يتحدث؟ علي يملك قلبها، ومن يحاول دخوله بعده ليس سوى دخيل، لن يسمح له بالدخول.
فوضى من الأفكار وصراع بين القلب والعقل، هذا ما تركه كلام خالها داخلها، لكن انتصر قلبها في صراعها، وكأنه يخبرها: سأوصد بابي ولن أسمح لأحد بالدخول.
***
جلست على استحياء في صالة شقته تنتظر أن يعود بأطفاله من أحد شقق الجيران الذي تركهم عنده.
تنظر إلى أروقة شقته بعين مرتبكة، وكل ما يدور في ذهنها هل ما فعلته صحيح؟ أقحمت نفسها في حياته، من دون إرادة منه، ورغم تقبله تشعر بأنها دخيلة.
ثم جذب انتباهها صورة زواجه المعلقة على الحائط.
كانت زوجته رقيقة بوجه طفولي، صدق هو في وصفها، فها هي ترى نظرات الحب التي تنظر بها إليه وسعادتها الواضحة بزواجها منه، لكنه ورغم ابتسامته لا يبدو سعيداً.
أشفقت على تلك الفتاة التي لم تمنحها الحياة الفرصة لتعيش مع أولادها وبالقرب من حبيبها.
عند هذه النقطة تذكرت هي حبيبها الجريح، لن تنسى ما عاشته، نظرات الخذلان والحسرة التي رأتهم في عينيه اليوم أحزن قلبها من أجله.
لفترة وهي تفكر به، لتصفعها كرامتها توقظها من هذه الغفوة.
الي عملتي صح يا خديجة، أنت ما عادش ليكي مكان في حياة مالك.
لتسمع صوت الباب يفتح وتدخل مسك التي نظرت لها بنظرات مستنكرة، وأنس الذي كان مندهشاً من وجودها.
ليأتي أيمن من خلفهم ويقول:
مس خديجة من النهاردة هتكون ماما الجديدة.
لينظر الطفلين إلى والدهم بسخط وعبست وجوههم، حتى لمح الدموع في عينين مسك.
لهب خديجة واقفه تقترب منهم بعد أن لمحت امتعاض وجوههم لتقول مستنكرة قوله:
لا يا بابا محدش هياخذ مكان ماما أروى.
لتقترب منهم تمد يدها لهم:
أنا هنا ديجة صاحبتكم، تقبلوا تكونو صحابي؟
نظر أنس نحو شقيقته ينتظر موافقتها، فوجد وجهها حانق، ليحرك بصره نحو والده ويجد مبتسماً يحرك رأسه له يحثه على الموافقة.
وبخطى بطيئة اقترب منها يمد لها يده، لكن خديجة بدلاً من ذلك جثت على ركبتها لتصبح في مستواه وسحبته نحو أحضانها تحتضنه وهي تقول:
حبيبي، أنت وأنا صحاب من النهاردة.
هذا المشهد جعل مسك تفك تقطيب حاجبيها وتنظر لهم مترقبة.
أخرجته خديجة من أحضانها وقبلت وجنتيه، ثم فتحت يديها لمسك تدعوها لاحتضانها هي الأخرى.
لكن مسك بقيت متسمرة في مكانها، لتقترب خديجة منها تحتضنها عنوة وهي تقول:
مسوكة صاحبتي اللي بحبها.
ورغم استنكارها لم ترفض مسك حضن خديجة لها.
بعد جلوسهم سوياً بعض الوقت، ذهب الأطفال إلى النوم، وبعد أن اطمئن أيمن عليهم عاد إليها ليجدها شاردة الذهن، عينيها تنظر للمجهول.
ديجه… ديجه.
انتبهت له وابتسمت وهي تسمعه يناديها باللقب الذي اختارته لنفسها، ولم تعقب.
أشار لها نحو غرفة النوم الرئيسية وقال:
أنت هتنامي في الأوضة دي.
لترتبك ثم تسأله:
وأنت هتنام فين؟
ابتسم وهو يرى ارتباكها وتلعثمها.
هنام هنا في الصالة يا خديجة.
لتقول بسرعة:
أنا ممكن أنام مع الولاد وأنت نام في أوضتك.
لا يا خديجة نامي أنتي في الأوضة وأنا هنام هنا.
ثم أكمل مفسراً:
أنا مش عاوز الولاد يحسوا بحاجة.
هربت عينيها من عينيه… ودون أن تعقب بكلمة اتجهت نحو الغرفة، وقبل أن تصل استدارت نحوه، تفرك يديها من فرط الخجل ودون أن تنظر إليه قالت:
متشكرة يا أيمن… وآسفة إني لخبطتلك حياتك.
ليقترب نحوها ويقف أمامها، رفع وجهها بأنامله لتواجه عينه عينها… التي أبت المواجهة وهربت بعيداً عن مرمى عينيه.
ليبتسم على خجلها ويقول:
مفيش داعي للشكر والأسف. هو فيه واحدة تقول لجوزها متشكرة؟!
وهنا اتسعت عينيها وواجهت عينيه مندهشة.
ليضحك بشدة ويقول:
تصبحين على خير يا ديجة.
هربت مسرعة نحو الغرفة وأغلقت الباب خلفها، ومشاعر مضطربة اقتحمتها.
جلست على السرير تهدئ من سرعة أنفاسها العاصفة، وبيد مرتعشة أمسكت بالسرير تستند إليه بعد ترنح جسدها من ضجيج تلك الأفكار التي تضرب رأسها نحو القادم من حياتها معه.
***
استيقظت نشطة كعادتها كل يوم، تجهزت ثم اتجهت نحو غرفة تيم تساعد داده كريمة في تجهيزه للذهاب للمدرسة.
صباح الخير.
يا روحي.
مامي صباح الخير.
قال هذا تيم وهو يتجه باتجاهها، لتنحني تقبله.
صباح الخير ياداده، تيمو جاهز؟
جاهز يادكتورة.
ابتسمت لها حبيبه وقالت:
محتاجة حاجة ياداده؟
ابتسمت كريمة ممتنة لاهتمامها بها.
متشكره يا ست البنات.
يلا يابطلي.
أمسكت بكف تيم تجاوره حتى وصلا إلى صالة الجلوس، لتجد حقيبة صغيرة معدة، وأمينة تجلس على أحد المقاعد وأدهم يرتدي بدلة ويمسك هاتفه يجري اتصال، فعلمت أنه ذاهب في مهمة.
أنهى اتصاله واتجه نحو والدته يقبل رأسها ويدها.
ادعيلي يا أمي.
تجمعت الدموع في عين أمينة وقالت:
ربنا يجعلك في كل خطوة سلامة، أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه يابني.
ابتسم لها أدهم وعاود تقبيل رأسها وقال:
خلي بالك من نفسك ياحبيبتي.
ثم انتبه لوجود تيم، اتجه نحوه وجثى على ركبتيه واحتضنه وقال:
تيمو حبيبي، هتوحشني، خلي بالك من نفسك.
ليبتسم له تيم ويقول:
متنساش الهدية بتاعتي.
ضحك أدهم وقرص أنفه وقال:
ما تخافش مش هنسى ياباشا.
قبل وجنته ثم قال له:
خلي بالك من تيته أمينة وماما حبيبة في غيابي، أنت راجل البيت مكاني يابطل.
ابتسمت حبيبه من كلام تيم ووصايا أدهم له، كم تسعدها طريقة تعامله معها.
استقام واقفاً بعد أن أنهى كلامه مع تيم، وتوقعت حبيبه أن يسلم عليها هي أيضاً، لكنه باغتتها بأن احتضن وجهها بيديه وطبع قبلة طويلة على جبينها يستنشق عبيرها يعبئ رئته بعطرها وكأنها إكسير الحياة بالنسبة له.
لتصدمها فعلته، لكنها لم تستطع منعه وهي ترى نظرات والدته وولده المتسلطة عليهم.
ورغم أنها ثواني قليلة، لكنها كانت كفيلة بهدم حصونه وإرباكه، ليقول بصوت متلعثم:
خلي بالك من نفسك ياحبيبة.
حمل حقيبته وقبل والدته مرة أخرى ورحل هارباً قبل أن تفضحه مشاعره.
تاركاً إياها كمركب تائه في بحر هائج، حتى أنهى ذلك التيه صوت تيم:
ماما أحنا مش هنفطر؟
***
فتحت عينيها بثقل، فقد جافاها النوم الليلة الماضية بعد أن أرهق عقلها التفكير، لتسمع أصوات في الخارج.
ارتدت ملابسها وخرجت.
لتجد أيمن والأطفال في المطبخ يعد لهم الفطور.
حمدت الله أن اليوم هو الجمعة ولا يوجد مدرسة، وإلا كيف سيكون حالها مع هذه الأصوات التي تصرخ في رأسها وأفكارها التي أتعبتها.
صباح الخير.
قالتها مبتسمة.
ليجيبها أيمن بابتسامة مماثلة:
صباح النور يا ديجة.
صباح النور يا أنوس، صباح النور يا ملوكة.
ليردوا عليها تحية الصباح كل حسب طريقته، فأنس أجابها بوجه بشوش، أما مسك فلا يزال هناك ثقل في إجابتها.
أقتربت من أيمن وقالت:
خليني أساعدك.
يرفض مساعدتها، بل بالعكس ترك لها مطلق الحرية في الحركة والإعداد.
وبعد أن تناولوا طعام الإفطار الذي لاحظت خلاله خديجة انتظامهم فيه وأن كل واحد يعرف مهمته.
حتى أنها حاولت حمل الأطباق وحدها، لكن أيمن أخبرها:
معلش يا ديجة أحنا هنا بنشتغل متعاونين وكل واحد فينا عارف شغلته، فلو سمحتي خلينا ماشيين على النظام.
أكمل كل واحد عمله وذهب الأولاد لارتداء ملابس الخروج، فأيمن وعدهم بالتنزه اليوم.
كان يحتسي الشاي عندما لاحظ شرود خديجة والابتسامة تعلو وجهها.
تعجب منها ليقوم بالجلوس جوارها ويقول لها:
مالك يا ديجة بتضحكي ليه؟
لتنظر له والابتسامة لم تفارق وجهها:
أيمن أنت بتعامل الولاد كأنهم في معسكر.
ليضحك أيمن ويقول:
لا معسكر إيه بس، هو أنا عشان لوحدي فعودتهم على نظام أن كل واحد عنده مهمة، لأن لو كنت سبتهم براحتهم الحمل هيتقل أكتر عليا.
بدت علامات الحزن على وجه خديجة من كلامه، فحاول أن يخرجها من هذا الجو فقال:
بس ما قلتليش كنتي بتضحكي ليه؟
لتعود الابتسامة لوجه خديجة وتقول وهي تهمس له:
أصل كنت بفكر لو الولاد عرفوا أبوهم كان بيعمل إيه في الكلية، وإزاي كان بيعمل مقالب في صحابه.
ليضحكا معاً بشدة عندما قال لها:
الستر حلو يا ديجة.
لكن فجأة سمعا طرقاً عنيفاً على الباب، انتفض منه الاثنان، أسرع أيمن كي يفتح الباب.
ليقف مندهشاً وهو يقول:
أهلاً يا مرات عمي.
رواية أصفاد الحب الفصل العشرون 20 - بقلم رشا عبد العزيز
تفاجأ أيمن بوجود والدة زوجته المتوفية وشقيقتها أمام باب منزله.
"أهلاً يا مرات عمي."
ردت عليه بوجه ممتعض وصوت طغى عليه الحنق والحدة:
"أهلاً يا جوز بنتي."
"اتفضلي."
قال هذا وهو يفسح لها الطريق لتدخل هي وابنتها التي لا تقل امتعاضاً عنها.
"إزيك يا أيمن؟"
قالتها ريهام، شقيقة أروى.
"أهلاً يا ريهام."
قالها وهو يزفر أنفاسه استعداداً لما هو قادم، فهذه الزيارة لا تنذر بالخير.
كانت خديجة تقف عند باب المطبخ تراقب المشهد مرتبكة من نظرات زوجة عمه التي اصطدمت بها.
"ألف مبروك يا جوز بنتي… مش تعرفنا على العروسة؟"
ابتسم أيمن وهو ينظر لها ويشير لها بالاقتراب وقال:
"آه طبعاً، تعالي يا خديجة، تعالي يا حبيبتي."
وبخطوات مضطربة ممزوجة بالاستحياء من وصفه، اقتربت تقف بجانبه.
وبمجرد أن وقفت بجانبه، رفع يده محيطاً كتفها بيده اليمنى مقرباً إياها نحوه.
وبابتسامة أنارت وجهه قال:
"خديجة مراتي."
حدقتها زوجة عمه بنظرات ملأها الحقد، تنظر لها من أعلى رأسها حتى أخمص قدميها.
وحركت شفتها مستهزئة:
"أهلاً يا عروسة."
ليقول لها أيمن:
"دي والدة أروى الله يرحمها وأختها ريهام يا خديجة."
خديجة التي لا تعلم ما حل بها، فما بين اقتراب أيمن منها بهذا الشكل وتحديق زوجة عمه بها، شعرت كأنها طفلة تائهة في مكان غريب تريد من ينقذها.
جسدها الذي ارتجف من لمسته، وقلبها الذي دب فيه القلق من نظرات تلك المرأة.
انتبه هو لصمتها ليضغط بكف يده على ذراعها محاولاً إخراجها من هذا الصمت.
لتنتبه وبابتسامة جاهدت برسمها وبصوت مضطرب:
"أهلاً يا فندم، إزي حضرتك؟"
"الحمد لله."
قالت هذا وهي تحول نظرها نحو ابنتها ثم نحو خديجة.
"ريهام بنتي."
أومأت خديجة برأسها وهي تقول:
"أهلاً يا ريهام، إزيك؟"
"اتفضلي يا مرات عمي."
قالها أيمن وهو يشير لها بالجلوس.
ثم التفت نحو خديجة وقال:
"حبيبتي، لو سمحتي هاتي لنا حاجة نشربها."
لماذا يتعمد تكرار هذه الكلمة أمامهم؟ ولماذا ينظر لها بهذه النظرات؟ وكأن عينيه تنطق حباً.
حتى لم تستطع استمرار النظر إليه.
وبخجل أجابت:
"حاضر."
ورحلت بعد أن حررها من أحضانه.
ليجلس أمام زوجة عمه ينتظر يسمع منها.
"يعني مسمعناش إنك اتجوزت إلا امبارح من والدتك؟ هو إحنا مش أهلك إحنا كمان؟"
سؤال طرحته عليه مستنكرة فعله.
"معلش يا مرات عمي، أصل الحكاية جت بسرعة."
"سبحان الله، وإيه اللي جد؟ مش كنت زمان بتقول إنك مش عايز تتجوز؟ إيه اللي جد؟… وإلا يمكن العروسة هي السبب؟ مع إنهم بيقولوا إنها مطلقة."
أسئلة طرحتها عليه.
جملة واحدة هو يعلم السبب وراءها.
فلطالما طلبت منه أن يتزوج ريهام ليكون الأولاد في رعاية خالتهم، لكنه كان يرفض معللاً ذلك بأنه لا يريد الزواج بعد أروى.
"كل شيء قسمة ونصيب يا مرات عمي. وإذا كانت هي مطلقة، فأنا أرمل، يعني مفيش حد أحسن من حد."
رحمة أطفاله عندما جاءوا يركضون نحو جدتهم التي تغمرهم بحبها وحنانها.
"تيتا."
قالها أنس وملك وهما يتجهان نحو أحضان جدتهم التي فتحت ذراعيها لهم تستقبلهم بترحاب.
تقبلهم وتسألهم عن حالهم.
أما عن حال تلك القابعة في المطبخ، فظلت برهة من الزمن تحاول إدراك ما يحدث.
هل خرجت من معركة لتدخل في معركة من نوع آخر؟
ليست غبية حتى لا تفهم نظرات زوجة عمه له، ولا شقيقة زوجته.
تنهدت بحسرة وقالت تحاور نفسها:
"يارب، ماكنش خطيت خطوة غلط ألوم عليها نفسي بعدين."
عادت من شرودها وهي تخطو نحو مكان جلوسهم لتجد الأطفال يتوسطون أحضان جدتهم.
قدمت لهم واجب الضيافة.
فأشار لها أيمن أن تجلس بجانبه.
جلست بجانبه على استحياء كما طلب منها.
ابتسم لها وقال:
"تسلم إيدك يا حبيبتي."
احمرت وجنتيها خجلاً من كلماته وقربه منها ونظرات زوجة عمه المحدقة بهم.
"أنا هاخد الولاد معايا."
قالت زوجة عمه ذلك بحنق وأكملت مستهزئة:
"عشان تاخد راحتك أنت والعروسة."
"بس أنا وعدتهم إننا نخرج سوا النهاردة."
"أنا عايز أروح مع بابا."
قال ذلك أنس وهو يركض باتجاه والده الذي احتضنه وأجلسه على ساقه.
لتنظر له جدته غاضبة وتقول:
"أنت هتيجي معايا يا أنس."
نظر الطفل نحو والده الذي كان ينظر لجدته بتحدٍ، وكأن بينهم حرب نظرات يحاول معرفة رأيه.
ولاتدري خديجة لماذا رفعت يدها تضعها على ذراعه في محاولة لتهدئته بعد صراخ الجدة على ولده.
لمسة يدها كانت كمنبه أفاقه.
ليتنهد زافراً أنفاسه محاولاً إخراج براكين الغضب التي نشبت في داخله.
وبعد دقائق من الصمت، حاول تدارك الموقف وحاول إنهاء هذه الحرب الباردة وامتصاص غضب زوجة عمه.
"حبيبي، روح مع تيته دلوقتي وأنا هاجي بليل آخدك. ووعد الجمعة الجاية هنخرج أنا وأنتو وخديجة."
ثم ابتسم وقال:
"اتفقنا يا كابتن؟"
ابتسم أنس وامتثل لطلب والده ورحل مع جدته وخالته التي أمطرت خديجة بوابل من نظرات الحقد والاستنكار.
تنهد بارتياح بعد أن أغلق الباب خلفهم.
ونظر نحوها لتشق ثغره ابتسامة وهو يرى ارتباكها وخجلها من تواجدهم وحدهم في الشقة.
"يلا يا خديجة غيري هدومك، أنا عازمك على الغدا."
وكأنه ألقى لها طوق نجاة أنقذها من هذا الموقف.
لتبتسم وتقول:
"حاضر."
***
لا تعرف كيف ساقتها قدماها ووجدت نفسها أمام باب شقة علي.
لقد اشتاقت له.
وقفت تمسك مقبض الباب، والذي للمرة الأولى تشعر أنه يلسعها، يجلد قلبها المتلهف للدخول.
لتتسلل إلى رأسها صوت خالها الذي أخبرها أنها تخون.
أد همت لتلتها كلمات خديجة ونهى اللتين اتفق كلامهما مع كلامه.
عقلها يطالبها بالرحيل، وقلبها يتوسلها البقاء.
وما بين هذا وذاك، ظلت تفكر حتى استطاع قلبها إقناعها أنها بضعة دقائق فقط.
أخرجت مفتاحها محاولة فتح الباب لتجد أن المفتاح لا يعمل، كانه مفتاح باب آخر.
تراجعت خطوات إلى الوراء وحركت عينيها يميناً وشمالاً.
هل أخطأت في عنوان شقته؟
ولكن لا، إنها هي.
إذاً لماذا هذا المفتاح اللعين لا يعمل؟
حاولت مرة ثانية وثالثة، لكن من دون جدوى.
لتنزل السلم لكي تسأل عطية البواب عن الأمر.
"عم عطية، هو باب الشقة ماله؟ المفتاح مش شغال."
اندهش عم عطية من كلامها وسألها مستفسراً:
"هو حضرتك مش ضيعتي المفتاح عشان كده غيرتي الكالون؟ جوز حضرتك قال كده."
قطبت حاجبيها بغيظ ورددت هامسة:
"جوز حضرتك؟"
"أيوه يا فندم، سيادة الظابط جاني هنا ووراني قسيمة جوازكم وقال إنك ضيعتي المفتاح، عشان كده غيرنا الكالون."
تراقصت شياطين الغضب أمام عينيها وهي تسمع كلام عم عطية الذي تكرر فيها ذكر مهنته.
لتتضح لها الصورة.
استخدم منصبه وقسيمة زواجهم وغير قفل الباب.
كم ودت لو كان أمامها لتنفجر في وجهه.
كيف له أن يجرؤ على فعل ذلك دون الرجوع إليها؟
كيف يتصرف في شيء لا يملكه؟
إعصار غضبها الذي اجتاحها جعل أطرافها ترتعش وأنفاسها تتسارع من فرط الغضب.
حتى رن هاتفها برقم ابن خالها.
زفرت أنفاسها تهدئ نفسها من موجة الغضب التي اجتاحتها لترد بحدة:
"أيوه يا مصطفى."
"بيبا، تقدري تيجينا البيت؟"
تملك الرعب منها من نبرة القلق التي يتحدث بها مصطفى.
"فيه إيه يا مصطفى؟ خوفتني، خالي جرى له حاجة؟"
ليسارع مصطفى مطمئناً:
"لا، بابا كويس. تعالي وأنا أفهمك."
"خلاص جاية، مسافة السكة."
أغلقت الهاتف وقد تغاضت عن غضبها ليحل محله الخوف من مكالمة مصطفى.
لتقرر الذهاب لبيت خالها بسرعة.
***
دارت عينيها تستكشف المكان الذي اصطحبها إليه لتناول الغداء.
وقد راق لها المكان فقد كان مكان هادئ على شواطئ البحر.
"عجبك المكان؟"
سؤال طرحه عليها بعد أن رأى الاستحسان الظاهر على وجهها.
أومأت له وقالت:
"آه، هادي وحلو."
افتتر ثغره عن ابتسامة عندما رأى ابتسامتها.
ليسألها:
"تاكلي إيه يا خديجة؟"
"اللي تشوفه، بصراحة مش في بالي حاجة."
"يبقى جمبري، عارفك بتعشقيه."
لتضحك على كلامه وتقول:
"انت لسه فاكر؟"
ليبادلها الضحكات:
"يا بنتي، دي كل عزومة في الكلية كنتي تقترحي الجمبري وتخلي البنات يتجننوا عليكي."
"وهو فيه أجمل منه؟ بس انتو اللي مش بتقدروا الحاجات الحلوة."
ليغمز لها عابثاً:
"لا، بنقدر الحاجات الحلوة يا خديجة."
ارتبكت وأشاحت بوجهها تنظر إلى البحر عبر النافذة.
انتبه لتوترها وابتسم ثم أشار للنادل، يملي عليه طلبه.
طال الصمت بينهم حتى فاجأته هي بسؤالها:
"شكل أهل أروى اتضايقوا من جوازك؟"
وبنظرات حملت الجدية:
"عادي، أكيد هيتضايقوا، بس ده مش من حقهم. أنا ما عملتش حاجة غلط، بس هما كانوا فاكرين إني مش هتجوز بعد أروى، ده الكلام اللي أنا كنت دايماً بقوله."
ضيقت عينيها وسألته باستفسار:
"يعني انت فعلاً كنت مش هتتجوز تاني؟"
ابتسم وأخذ يده تتحرك على شعره يجذبه ثم قال:
"صدقيني مش عارف، بس هي دي الحجة اللي كنت بهرب بيها."
قطبت حاجبها متعجبة:
"تهرب من إيه؟"
أراح ظهره على الكرسي وأصابعه تطرق الطاولة أمامه:
"مرات عمي كانت دايماً بتعرض عليا إني أتزوج ريهام بنتها عشان الأولاد يتربوا مع خالتهم، وأنا كنت بتحجج إني مش عايز أتزوج بعد أروى."
"طب ورفضت ليه؟ أنا شايفة الولاد بيحبوها."
كانت تنظر له بترقب تنتظر إجابته.
"ريهام مختلفة أوي عن أروى. أروى كانت طيبة وحساسة، وكانت بتحبني رغم إنها عارفة إني مش ببادلها نفس الشعور. لكن ريهام شخصية تانية خالص، واحدة كده سمجة وثقيلة، عارفة بتفكرني بدكتور عصام اللي كان بيدرس لنا في الجامعة."
لتحاول خديجة تذكر هذا الشخص حتى قالت:
"آه افتكرته، مش ده اللي طردك من المحاضرة مرة لما اتأخرت؟"
ليضحك ويقول:
"متشكر يا خديجة على الذكرى الجميلة."
لتضحك بقوة حتى برزت أسنانها وأدمعت عينيها.
انتهت من نوبة الضحك لتجده يحدق بها.
"لسه ضحكتك حلوة زي زمان يا خديجة."
اشتعلت وجنتيها بحمرة الخجل.
ورحمها النادل الذي جلب الطعام لهم.
***
طرقت باب شقة خالها لتفتح لها فرح الباب.
"فروحة، إزيك عاملة إيه؟"
"أهلاً يا أبلة، وحشتيني."
احتضنتها حبيبة وبادلتها فرح العناق.
عينيها كانت تجول تبحث عما يحدث لتسأل فرح:
"مصطفى فين يا فرح؟"
ليأتي مصطفى لها بعد أن سمع صوتها.
"أهلاً يا حبيبة."
"أهلاً يا مصطفى، حصل إيه؟ قلقتني."
"تعالي يا حبيبة اقعدي أحكيلك."
لتجلس حبيبة مقابله.
"دلال…"
ازداد قلق حبيبة وهي ترى نبرة الحزن في نظرات مصطفى.
"اتكلم يا مصطفى، أنا أعصابي سابت. مالها دلال؟"
طأطأ مصطفى رأسه ثم رفعها نحو حبيبة:
"جالها عريس، وامبارح كانت الرؤية الشرعية، بس للأسف العريس بعد الرؤية رفض."
سألته حبيبة في حيرة:
"طب وماله؟ ده شيء طبيعي يحصل قبول أو رفض."
ليحرك مصطفى رأسه متحيراً هو الآخر:
"مش عارف، بس أول مرة أشوف دلال حزينة كده. دي ما خرجتش من الأوضة من امبارح."
داعب القلق قلبها هي الأخرى.
لم تكن دلال يوماً تهتم بهذه الأمور.
إذن ما الذي استجد؟
"هي نوجة اتخانقت معاها؟"
حرك مصطفى رأسه بنعم:
"أكيد، ما أنت عارفة، ماماتي."
تنهدت حبيبة بحزن، فهي تعلم رغم طيبة نجاة، لكنها تقسو على ابنتها في هذا الأمر.
"طب نوجة فين؟"
أشار مصطفى نحو غرفة والدته:
"ماما كمان قاعدة في أوضتها من امبارح، يا دوب خرجت عملت الغدا ورجعت تاني."
"طب أنا هدخل لدلال أشوفها."
ليتوهج الأمل في عين مصطفى:
"يا ريت يا حبيبة، كلميها يمكن تسمع كلامك."
ابتسمت حبيبة ثم ربتت على كتفه وقالت:
"ولما انت بتحبها كده، أمّال ليه كل ما بتشوفها بتناكف فيها؟ وكل ما تقعدوا سوا بتبقوا ناقر ونقير؟"
ليضحك مصطفى ويقول:
"ما أنا زهقان وعايز حد أغلس عليه، خليها تخرج عايز أغلس عليها، وحشتني."
تعلم حبيبة مدى حب مصطفى لشقيقته حتى ولو أنه لم يظهر ذلك الحب لها.
"ربنا يخليكم لبعض."
دخلت عليها غرفتها فوجدتها جالسة على سريرها تضم قدميها نحو صدرها شاردة الذهن.
"دودو، وحشتيني."
انتبهت دلال لوجودها.
وما إن اقتربت حبيبة منها حتى رمت نفسها بين أحضانها وسقطت دموعها رغماً عنها.
"حبيبة، وحشتيني، وحشتيني أوي."
أخرجتها حبيبة من أحضانها تمسح دموعها تسألها بقلق:
"مالك يا دلال؟ إيه اللي حصل؟"
لتقص عليها دلال ما أخبرها به مصطفى عن ذلك العريس الذي رفضها بعد الرؤية الشرعية.
"بس يا دلال، دي مش أول مرة يجيلك عريس."
لتجيبها بكلمات تقطر منها الألم والحسرة:
"بس أول مرة تبقى فيه رؤية شرعية. كل مرة الحكاية بتخلص من البداية بالرفض."
"بس ده طبيعي يا دلال، بعد الرؤية بيحصل قبول أو رفض."
تنهدت دلال بألم ومسحت آثار دموعها الهاربة.
"مش عارفة يا حبيبة، لما رفضني حسيت بالنقص."
نظرت لها حبيبة بلوم وضربت كتفها بخفة وبابتسامة قالت:
"نقص يا ياهبلة، ده انتي وارثة عيون عمتك شريفة اللي أنا يا حسرة ما ورثتهاش."
لتقول لها دلال بسخرية:
"بلاش نضحك على بعض، أنا عارفة إني عادية."
لتضربها حبيبة هذه المرة على رأسها:
"بلاش الكلام ده، كدا أزعل منك، انتي ست البنات، كفاية ملامحك الهادية وروحك الحلوة."
ثم ضيقت حبيبة عينيها وسألتها:
"هو العريس عجبك يابت؟"
لتقول مستنكرة:
"عجبني إيه؟ ده سطحي وتافه. استغفر الله. ما يتبلعش. أنا بس وافقت عشان ماما قالت اهي جوازه والسلام، بس ترضى وتفرح، اهو يا أختي رضينا بالهم والهم ما رضيش بينا."
امتعض وجه حبيبة وقالت:
"يعني إيه جوازه والسلام؟ انتي بتتكلمي جد يا دلال ولا بتهزري؟"
أغمضت عينيها وزفرت أنفاسها ببطء:
"أعمل إيه يا حبيبة؟ تعبت من كتر زنها."
"طب اتخانقتوا ليه مدام العريس هو اللي رفض؟"
ظلت دلال صامتة.
لتطالعها حبيبة بنظرات تعرفها.
"متبصليش كده، أيوه رفضت أحط مكياج وخرجت زي ما أنا على طبيعتي. اللي عاوز يتجوزني يتجوزني زي ما أنا."
وضعت حبيبة يدها على ذقنها تهز رأسها وتقول:
"يعني هي اعتبرتك سبب في رفض الولد؟"
لتحرك لها دلال رأسها بنعم.
"عشان كده هي زعلانة منك؟"
لتجيبها دلال:
"أيوه."
لتربت حبيبة على كتفها وساقها وتمسك يدها بين يديها تطبطب عليها وتقول:
"ولا يهمك يا بنت، بكرة يجيلك الأحسن منه، هو الخسران."
وبنظرات حزن قالت لها:
"عارفة أكتر حاجة زعلانة عليها إنه شاف وشي."
استهجنت حبيبة كلامها وقالت:
"مهو لازم يشوفه، ده حقه."
وبخيبة أمل أجابتها:
"كان نفسي محدش يشوف وشي غير جوزي."
تألمت حبيبة لحال ابنة خالها ونظرات الكسرة التي تراها في عينيها.
لتبتسم وتسحبها من يدها تدعوها للوقوف:
"قومي معايا، الواد مصطفى بره، خلينا نطلب ديلفري ونتعشى سوا، بقالي كتير مقعدتش معاكو، وإلا أنا موحشتكمش؟"
لتنظر لها دلال بخبث وتقول:
"طبعاً سيادة الظابط خطفك مننا."
تجهم وجه حبيبة وقالت:
"بلاش سيرته الساعة دي عشان أنا مبقوقة منه."
"لا كده، إحنا مش هنخرج، لازم تحكيلي الأول، مش هقدر استنى."
لتقص عليها حبيبة كيف غير مفتاح الشقة.
لتضحك دلال على تعابير وجهها الغاضبة وتقول:
"يإبنتي، ده بيغير عليكي."
"دلال، بلاش ضحكتك المستفزة، خليني نخرج نتعشى، أنا جعانة."
خرج الاثنان إلى الصالة لتجدا مصطفى يجلس بانتظارهما.
وما إن رآهما حتى ابتسم وقال:
"هي البومة خرجت من أوضتها؟ حمد الله على السلامة."
لتنظر له دلال بوجه محتقن:
"لم نفسك يا غراب وملكش دعوة بيا."
لتضحك حبيبة على جدالهم وتقول:
"يووووه. انتو مش هتبطلو ناقر ونقير بتاعكم؟ خليكم كده، كملوا على ما أنادي على فرح عشان نختار الأكل اللي هنطلبه."
وتركتهم بين حرب الكلمات الدائرة بينهم.
وقفت أمام باب غرفة فرح مباشرة لتختفي ابتسامتها.
لتتسع عينيها وتقول مندهشة:
"إيه الحبوب دي يا فرح؟"