تحميل رواية «أميرة البحر القرمزي» PDF
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في مساء خريفي ثقيل، حين غطّت الغيوم السماء وأحاط الضباب بأطراف القرية، قررت امرأة شابة أن تزور المقابر مع طفلتها الصغيرة، التي لم تتجاوز الخامسة. حملت بيدها باقة ورد ذابلة، وتقدمت وسط صفوف القبور الرطبة، تبحث عن شاهد رخامي قديم لزيارة قريب راحل. المكان كان صامتًا إلا من حفيف أوراق الأشجار اليابسة وصوت غراب ينعق من بعيد. كل شيء هناك يفيض بالكآبة؛ الجدران المتشققة للمقابر، رائحة العفن والندى، والبرد الذي يتسرب إلى العظام. بينما هي تضع الزهور عند القبر، ارتجف جسدها فجأة، انحنى رأسها إلى الأمام، وكأ...
رواية أميرة البحر القرمزي الفصل الأول 1 - بقلم اسماعيل موسى
في مساء خريفي ثقيل، حين غطّت الغيوم السماء وأحاط الضباب بأطراف القرية، قررت امرأة شابة أن تزور المقابر مع طفلتها الصغيرة، التي لم تتجاوز الخامسة. حملت بيدها باقة ورد ذابلة، وتقدمت وسط صفوف القبور الرطبة، تبحث عن شاهد رخامي قديم لزيارة قريب راحل.
المكان كان صامتًا إلا من حفيف أوراق الأشجار اليابسة وصوت غراب ينعق من بعيد. كل شيء هناك يفيض بالكآبة؛ الجدران المتشققة للمقابر، رائحة العفن والندى، والبرد الذي يتسرب إلى العظام.
بينما هي تضع الزهور عند القبر، ارتجف جسدها فجأة، انحنى رأسها إلى الأمام، وكأن شيئًا خفيًا اخترق صدرها. وقبل أن تدرك الطفلة ما حدث، سقطت الأم على الأرض الباردة بلا حراك، عيناها مفتوحتان على السماء الرمادية، فمها متجمّد في نصف كلمة.
الطفلة جلست بجوار جثمان أمها، تهزها بيدين مرتجفتين، تبكي وتصرخ:
"ماما... قومي... لا تتركيني."
لكن الليل زحف ببطء، وبدأ الضباب يزداد كثافة. لم يجرؤ أحد على دخول المقابر بعد الغروب. بقيت الطفلة وحدها تبكي عند القبر، وصوتها يرتد صداه بين الجدران الحجرية.
ومع اقتراب منتصف الليل، بدأ الهدوء الغريب يخيّم. الريح توقفت، الغربان صمتت. ثم صدر من أحد القبور صوت مختلف، كأنه خشخشة تراب يُزاح ببطء. الطفلة التفتت مذعورة، ودموعها تختلط بالعرق البارد على جبينها.
من بين شقوق أحد القبور، خرجت أيدٍ متشققة، داكنة اللون، باردة كالثلج. أصابعها طويلة، متيبسة، تتحرك ببطء، لكنها ثابتة وكأنها تعرف هدفها.
الطفلة تجمدت في مكانها، شهقتها انقطعت. ثم فجأة، امتدت الأيدي نحوها بسرعة غير متوقعة، أمسكت بساقيها الصغيرتين، وسحبتها بقوة نحو الظلام. صرخت صرخة مدوية اخترقت صمت الليل، لكنها لم تلقَ مجيبًا.
كانت تحاول التشبث بالأرض، أظافرها الصغيرة تحفر في الطين، لكنها لم تستطع مقاومة الجذب. آخر ما رآه القمر قبل أن يغطي الضباب المكان تمامًا، هو جسد طفلة تُبتلع ببطء داخل القبر المفتوح، بينما أصوات همهمة منخفضة، أشبه بالترانيم الميتة، تتعالى من داخله.
وفي الصباح، حين دخل حارس المقبرة ليتفقد المكان، وجد الزهور الذابلة مبعثرة، وجسد المرأة مسجى كما هو... لكن الطفلة لم يكن لها أثر، سوى خطوط صغيرة على التراب، كأنها آخر محاولة للنجاة.
في عتمة القبر، حيث لا يصل ضوء النهار ولا يسمع سوى صدى أنفاسها المرتجفة، بقيت الطفلة حيّة على نحو لا يفسَّر. ظنت في اللحظة الأولى أنها هلكت، لكن الظلام لم يبتلعها تمامًا.
كانت الأرض رطبة، الجدران باردة كالجليد، ورائحة العفن تحاصرها. جلست تبكي أيامًا طويلة حتى جفّ صوتها، وحين أوشكت أن تنهار جوعًا، أحست بشيء غريب يحدث.
من أعماق الظلام، امتدّت يد لم ترها بوضوح. لم تكن يدًا بشرية كما تعرفها، بل كانت ظلالاً متجسدة، تحمل شيئًا غريب المذاق. قطعة طعام داكنة اللون، لا تعرف إن كان خبزًا أم شيئًا آخر، لكنه يملأ معدتها الجائعة.
تكرّر الأمر. كلما بكت من الجوع أو أصابها الضعف، كانت اليد تأتي من حيث لا تدري، تضع أمامها طعامًا وصمتًا، ثم تختفي كأنها لم تكن. لم تستطع أن ترى ملامح صاحبها أبدًا، فقط ظلّ غامق، يشبه الطيف، يمرّ بجانبها ويذوب في الجدران.
الأيام صارت أسابيع، والأسابيع شهورًا. الطفلة فقدت إحساسها بالزمن. لم تعد تعرف الليل من النهار، لم تعد تعرف إن كانت ما تزال بشرًا أو مجرد شيء عالق بين عالم الأحياء والأموات.
لكنها عرفت شيئًا واحدًا:
أنها ليست وحدها.
كانت تسمع همسات أحيانًا، أصواتًا متقطعة لا تفهم كلماتها. أصوات أقرب للأنين والضحك في آن واحد، كأن سكان القبور يتسامرون حولها. كانت تشعر بعيون غير مرئية تراقبها وهي تأكل، وهي تنام، وهي تبكي.
وكلما حاولت أن تسأل الطيف عن هويته، لم يكن يجيب. فقط يترك الطعام ويختفي.
ببطء، بدأ شيء ما يتغير في الطفلة. عيناها تعودتا على الظلام، بشرتها صار لونها أقرب إلى الشحوب الحجري، وصوتها حين تتحدث صار أقرب إلى الهمس البارد.
مرت شهور طويلة، ومعها وُلد في داخلها يقين مخيف:
أن الطيف لا يطعمها ليبقيها على قيد الحياة فحسب... بل ليُعدّها لشيء آخر.
القبر الذي سُحبت إليه الطفلة لم يكن قبرًا عاديًا. كان ممرًا عميقًا يهبط كالسلم في بطن الأرض، يمتد لمسافة لا نهاية لها. كلما مشت أكثر داخل الظلام، شعرت أن الهواء يثقل صدرها، وأن الجدران الحجرية تنبض كأنها حيّة.
مرت سنوات وهي تكبر في هذا المكان. في البداية كان خوفها ينهشها، ثم صار جسدها يتكيف مع البرودة والعزلة. عيناها اعتادتا الظلمة، حتى صارت ترى الخيوط الرفيعة للغبار العالق في الهواء، وترى انعكاسات خافتة تتحرك داخل الجدران كأطياف محبوسة.
في أحد الأيام، بعد أن قادها الفضول بعيدًا عن ركنها المعتاد، اكتشفت قاعة غريبة. كانت غرفة واسعة محفورة في الصخر، تمتد جدرانها إلى الأعلى بشكل مقبب، وكأنها معبد مدفون. في وسطها، رفوف خشبية متآكلة تحمل عشرات الكتب القديمة، مجلدات ضخمة مغطاة بالغبار، أوراقها صفراء تفوح منها رائحة الموت والرطوبة.
الكتب لم تكن كأي كتب رأتها من قبل؛ صفحاتها مليئة برموز متشابكة، أشكال لدوائر ووجوه مشوهة، ونصوص بلغة غريبة تنساب كأنها طلاسم. الطفلة لم تكن تعرف القراءة، لكنها أحست أن الرموز تنظر إليها، تتحرك في أطراف بصرها كلما حاولت صرف نظرها عنها.
أيام مرت وهي تزور المكتبة دون أن تفهم، حتى جاء ذلك الطيف القزم.
كان قصير القامة، منحني الظهر، أشبه بظل طفل لكنه مشوه الملامح. لم يتحدث أول الأمر، فقط تبعها بخطوات مترددة، كأنه يخرج من بين الرفوف القديمة. وحين جلست تحدّق في الرموز، جلس بجانبها، وأشار بأصابعه المعوجة إلى الحروف، متمتمًا بأصوات غريبة.
مع مرور الأيام، صار الطيف يقترب أكثر، يكرر الطلاسم بصوت هامس، والطفلة تردد خلفه. شيئًا فشيئًا بدأت تفكك الرموز، تتعلم القراءة بلغة الكتب الملعونة. كان الطيف صبورًا، كأنه جاء لهذا الغرض فقط.
وكلما تعلمت كلمة جديدة، شعرت بحرارة غريبة تسري في جسدها، وبرودة تلف قلبها. أحيانًا، كانت الكتب تصدر أصواتًا خافتة حين تفتحها، كأن الصفحات نفسها تهمس لها.
مرت الشهور، وصارت الطفلة لا تكتفي بالطعام الغامض الذي يُقدَّم لها، بل تغذت على المعرفة السوداء التي انفتحت أمامها. كل كتاب كان يفتح بابًا جديدًا، وكل طقس مكتوب كان يزرع في داخلها يقينًا أن هذا القبر ليس مجرد قبر، بل بوابة إلى شيء أعظم.
والطيف القزم... صار ليس مجرد معلّم، بل رفيق دائم، يضحك بصوت مشروخ كلما نطقت رمزًا صحيحًا، ويختفي حين تخطئ. ومع ذلك، لم يخبرها أبدًا من يكون، فقط يكرر:
"ستعرفين قريبًا... حين تنادينهم بأسمائهم."
رواية أميرة البحر القرمزي الفصل الثاني 2 - بقلم اسماعيل موسى
الطفلة التي كبرت في القبر صارت الآن أشبه بكائن نصف بشري، نصف ظل. صوتها أهدأ، عيناها أكثر بريقًا في الظلام. ومع كل جلسة طويلة بجوار الرفوف الحجرية، كان الطيف القزم يغرس في عقلها شيئًا جديدًا.
بدأ معها من أبجدية غريبة، أحرف ملتوية كالأغصان اليابسة، متشابكة كجذور الأشجار. كانت حروف لغة الجان. في البداية، كانت تكتبها على التراب بأصابع مرتجفة، ثم على قطع من العظم المتناثر، ثم على صفحات الكتب نفسها.
القزم لم يكن صامتًا كما من قبل؛ صار صوته حادًا، كصفير يخرج من فم ضيق. كان يكرر لها الكلمات مرارًا حتى تتقنها، وكلما أخطأت، يضرب بيده الصغرى على الأرض فتتصدع الحجارة تحتها.
ومع الأيام، لم تعد الطفلة تكتفي بقراءة الرموز… بل بدأت تكتب بلغتهم، تترك تعاويذ غامضة على جدران القبر، وكأنها توقّع وجودها فيه.
وحين تأكد القزم أنها صارت تجيد لغتهم، فتح أمامها أبواب المعرفة السوداء.
قادها إلى كتاب ضخم، غلافه من جلد متشقق، يهمس لها أنه كتاب الفلك عند الجان. صفحات مليئة برموز لنجوم لا يعرفها البشر، خرائط لسماء أخرى، مدارات لكواكب سوداء، وأسرار عن بوابات سماوية تُفتح فقط لمن ينطق الطلاسم الصحيحة.
ثم دفع إليها كتابًا آخر، ثقيلًا، يروي تاريخ الجان. حروب بين ممالكهم القديمة، عروش من لهب، مدن غارقة في باطن الأرض، وقصص عن ملوك جن لا يموتون بل ينامون تحت الرمال ينتظرون من يوقظهم.
بعده جاء دور الجغرافيا؛ خرائط لقارات لم يسمع عنها أحد، أنهار من ضوء، جبال من الزجاج، وكهوف تُقال إنها تنبض بالحياة.
ثم النباتات: أعشاب نادرة لا تنمو إلا تحت القمر الأحمر، أزهار لا تُقطف إلا باليد اليسرى وإلا تحوّلت إلى رماد. علّمها كيف تميز بين نبات يشفي ونبات يقتل، وكيف أن بعضها لا يُؤكل بل يُشمّ ليفتح العيون على عوالم خفية.
وأخيرًا، دخل بها عالم العطور. كانت الكتب تشرح كيف يُستخرج عطر من زهرة لا يراها إلا من تعلم لغة الجان، وكيف أن بعض الروائح تُستخدم لاستدعاء الأرواح، وأخرى لإبعادها، وروائح تصنع منها طقوس عشق أو طقوس موت.
الفتاة، التي لم تعرف يومًا القراءة في عالم البشر، صارت قارئة نهمة لكتب لا يفهمها سوى الجان. وكلما أغلقت كتابًا، شعرت أن روحها تكبر، وأن دمها يثقل بالمعرفة.
أما القزم، فصار أكثر التصاقًا بها. يجلس عند قدميها، يراقبها بعينيه الصغيرتين البراقتين، ويضحك حين يراها تخط على جدران القبر رموزًا جديدة. لم يعد مجرد طيف معلم… صار وكأنه وصيّ عليها، يجهّزها لشيء لم تفهمه بعد.
لكنها بدأت تلاحظ شيئًا غريبًا: كل كتاب تقرؤه، كل ورقة تقلبها، كانت تترك داخلها أثر غريب يظل ملاصقها.
مع مرور السنوات، ومع تعمّق الطفلة في الكتب والرموز، أدركت أن القزم الذي يصاحبها لم يكن وحده هناك. كان هناك طيف آخر، أكبر من مجرد ظل، أعمق من مجرد حضور، يطلّ ويختفي كما لو كان القبر نفسه يفرغه من أعماقه.
لم يكن للطيف شكل واضح، بل مجرد كتلة من عتمة أكثر سوادًا من الظلام المحيط. أحيانًا يظهر على هيئة ضباب يتجمع في زاوية الغرفة، وأحيانًا كظل يمرّ على رفوف المكتبة القديمة، فتتساقط منها ذرات غبار كأنها تذوب تحت وطأة وجوده. لم يتحدث يومًا، لم يقترب، لم يمد يدًا… لكنه كان يراقب.
كلما شعرت الطفلة بحضوره، كانت القشعريرة تجتاحها، الهواء يثقل في رئتيها، وأصوات الكتب نفسها تبهت كأنها تخاف منه.
أما القزم، الذي كان يقهقه بصوته المشروخ كلما أتقنت حرفًا أو طقسًا، كان يتغير فجأة. ينكمش، يلتزم الصمت، عيناه الصغيرتان تتابعان الأرض لا الفتاة. ضحكه ينقطع، حركاته تصير بطيئة، كأن وجود الطيف يجبره على الجديّة المطلقة.
في إحدى الليالي، بينما كانت الطفلة تتعلم أسماء النجوم في كتب الجان، ظهر الطيف بشكل أوضح: ظل طويل انبثق من الحائط، امتد حتى غطّى نصف القاعة. أوراق الكتب على الرفوف تحركت وحدها، بعض الصفحات انفتحت كأنها تنصت.
الطفلة نظرت بذهول، بينما القزم ركع على ركبتيه، مطأطئ الرأس، كأنما في حضرة سيّد لا يُرى.
لم يقترب الطيف منها، لكنه ظل واقفًا طويلًا، حتى شعرت أن قلبها سيتوقف. ثم، كما جاء، انحلّ في الهواء، تاركًا وراءه برودة خانقة.
تكرر الأمر مرارًا: الطيف يحضر فجأة، يرحل فجأة، لا يلمس شيئًا ولا يتحدث. لكن مع كل ظهور له، لاحظت الطفلة أن القزم يتغيّر، يزداد حدة، يوقف الضحك والمرح، ويجبرها على التعلم بصرامة كأن هناك عينًا عليا تحاسبه.
ومع الوقت، أدركت الطفلة أن الطيف لم يكن يراقب الكتب فقط… بل يراقبها هي. وكأن كل ما يحدث معها، من تعلم وقراءة وكتابة، كان يجري تحت عينٍ خفية تعرف أين تسير بها.
وأصبح السؤال الذي يطاردها كل ليلة وهي تغمض عينيها على برودة الأرض: هل الطيف هناك لحمايتها… أم ليجهّزها لشيء أعظم منها؟
الطفلة، وقد كبرت وسط الكتب والظلال، صارت عقلها أوسع بكثير من عمرها. كانت تفكّ الرموز بسرعة، تحفظ الخرائط المعقّدة وتعيد رسمها بدقة، تعرف مواقع النجوم وأسماء النباتات الغريبة كما لو كانت وُلدت معها.
القزم الذي رافقها كل تلك السنوات، لم يعد يضحك عليها بسخرية كما في البداية… بل صار يضحك بإعجاب. كان يلمع في عينيه الصغيرة بريق فخر خفيّ كلما تجاوزت توقعاته.
لكن في إحدى الليالي، حين تمددت الفتاة على الأرض الباردة لتنام، كان الظلام أعمق من المعتاد. بين غفوتها وصحوها، سمعت أصواتًا. لم يكن صوت الطيف الذي يكتفي بالمراقبة الصامتة… بل كان نقاشًا محتدمًا.
القزم بصوته المشروخ المتوتر:
"إنها لم تكتمل بعد… عقلها حاد، نعم، لكن روحها ما زالت طرية… ستتكسر إن أجبرناها الآن."
وصوت آخر، عميق، ثقيل كهدير يأتي من جدار القبر نفسه:
"كفاك مماطلة، لقد تعلمت ما يكفي. هي مستعدة. لا وقت للانتظار… يجب أن تبدأ."
القزم حاول المقاومة، صوته يعلو بارتباك لم تسمعه الطفلة من قبل:
"أنت لا تفهم… ذكاؤها لا يكفي وحده. هناك نار يجب أن تُشعل في دمها أولًا، وإلا ستبتلعها الكتب بدل أن تبتلع هي العالم."
لكن الصوت الآخر قاطعه بصرامة حاسمة، لا تحتمل جدالًا:
"لقد تقرر. غدًا تبدأ."
ساد الصمت فجأة، كأن الجدران نفسها عادت إلى نومها. الطفلة بقيت مغمضة العينين، تتظاهر بالنوم، بينما قلبها يخفق بعنف.
خطوات القزم اقتربت ببطء، جلست بجانبها، وشعرت بأنفاسه القصيرة الساخنة عند أذنها. لحظة صمت، ثم همس بصوت خافت، مملوء بالدهاء:
"أعرف أنك لستِ نائمة… أيتها الطفلة اللئيمة."
ارتجف جسدها، لكنها لم تفتح عينيها.
تابع القزم بصوت أوضح قليلًا، نبرة مختلفة عن أي وقت مضى، نبرة الجدية المطلقة:
"من الغد… لن تقرئي فقط. ستبدئين تدريبات المبارزة. الكلمات صنعت عقلك… لكن السيوف ستصنعك كاملة."
ثم جلس القزم جوار الفتاة، وقد أنهكه التعب من طول الحديث والدرس. أراح ظهره على الجدار الرطب، وعيناه تراقبانها بنظرة غريبة تجمع بين الفخر والخوف. ابتسم فجأة وقال بصوت خافت كأنه يخشى أن يسمعه أحد غيرها:
"تعلمين يا صغيرة… لقد علمتك القراءة والكتابة، وحشوت رأسك بكتب لا يجرؤ كثير من الجان على لمسها. لكن هناك شيء لم أطلبه منك بعد."
رفعت الفتاة عينيها نحوه، تلمعان بضوء المشاعل المتراقصة، وسألت:
"وما هو؟"
اقترب منها أكثر، حتى كاد صوته يكون همسًا في أذنها:
"أريد أن أسمعك تغنين… أغنية من تراثنا، أغنية الأميرة المنفية."
صمتت الفتاة، تنظر إليه بدهشة ممزوجة بالارتباك. الغناء لم يكن شيئًا تعتاده في هذا المكان البارد، لكن كلمات الكتب القديمة، الرموز التي حفظتها في ليالٍ طويلة، أخذت تتردد في عقلها كأنها تنتظر تلك اللحظة لتخرج.
أغمضت عينيها، وضغطت أصابعها الصغيرة على حجر بارز بجانبها، ثم انطلق صوتها الرقيق يرتجف في البداية، قبل أن يستقيم ويأخذ نغمة غريبة لم تكن تشبه أصوات البشر:
أرها نيلفا… سيلاندرو ميثارا…
كيلين دارا، أشوا إيلفا نيثار…
زالون دريم، أمارا فين لوثار…
إيلفا… إيلفا… إيلفا…
نوفار أنديل… زاهارا ميثرا كيل، لوسان دارفون…
شيرال نيم، أوفار تامون،
إلدار… إلدار… إلدار…
ليثار أمور… فينارا ساندور،
ديمون فال، شادرو إيلنور…
نوفا شيل، إيردن فالور،
أمارا… أمارا… أمارا…
أشرا نيفال… لوتار كيسان،
دارفين سيل، ميزار أولهان…
أورفا دريم، كيلان تيفان،
نيثرا… نيثرا… نيثرا…
فالين دار، فالين دار،
أرواح الظلّ… أرواح النار،
نادت ملكة منفى الديار…
عودي… عودي… عودي…
الكلمات بلغة الجان، لكن اللحن بدا وكأنه أكبر من القبو نفسه. تردّد الصدى في الأعماق، ارتجّت الجدران، وبدت ألسنة النار في المشاعل وكأنها تنحني للحنها.
جلس القزم مذهولًا، عيناه تتسعان أكثر مع كل مقطع. وعندما انتهت، لم يصفق، لم يضحك، بل انحنى رأسه قليلًا وقال بصوت مبحوح:
"لقد أيقظتِها… كأن الاميرة بنفسها تغنى هنا داخل هذا القبو اللعين."
رواية أميرة البحر القرمزي الفصل الثالث 3 - بقلم اسماعيل موسى
حين أفاقت الفتاة في الصباح التالي، لم يكن القبر كما تركته الليلة الماضية.
الأروقة التي كانت مظلمة انفتحت على ساحة حجرية واسعة، سقفها يختفي في العتمة، لكن جدرانها متوهجة بأحجار فسفورية تنبض بضياء أخضر باهت.
في وسط الساحة، وقفت ثلاث جنيات قزمات، قصيرات القامة مثله، لكن لكل واحدة منهن هيئة مختلفة وملامح تثير الغرابة.
الأولى كان وجهها بلون الرماد، شعرها قصير يلمع بوهج فضي، وعيناها كقطعتين من الثلج.
الثانية وجهها مغطى بوشوم داكنة، تتلوى على بشرتها كما لو كانت حيّة.
أما الثالثة فكان جسدها أنحف، عيناها واسعتان بلون العسل، وجناحان شفافان يتلألآن رغم صغر حجمها.
وقف القزم المشرف خلفها، صوته حاد وجاد:
"اليوم ستبدئين ما لا عودة بعده. هؤلاء… معلماتك. ستعلّمنك فنون المبارزة كما لم يتعلمها بشر من قبل."
تقدمت الجنية ذات الشعر الفضي بخطوات ثابتة، ومدت للطفلة عصًا حجرية خفيفة:
"هذه ليست سلاحًا بعد، إنها ظلّ لسلاحك القادم. ستتعلّمين أولًا كيف تحملي الوزن، كيف تسمعي صوته حين يضرب الهواء، قبل أن تفكري في لمس لحم خصمك."
تلتها الجنية الموشومة، أطلقت ضحكة قصيرة غريبة، ثم همست في أذن الفتاة:
"أنا سأعلمك كيف تخدعين خصمك، كيف تجعليه يرى ضربتك في اتجاه، بينما قلبها في اتجاه آخر. القوة بلا دهاء… مجرد خشب مكسور."
أما الثالثة، صاحبة العينين الواسعتين، فقد اقتربت منها أكثر، ركعت أمامها حتى صارت في مستواها، وقالت بصوت ناعم لكنه متوتر:
"وأنا سأريك كيف تنصتين. السيف ليس حديدًا فقط… إنه صدى نَفَسك، إيقاع خطواتك، ارتجاف قلبك. إن لم تسمعي نفسك، فلن تسمعي عدوك."
من بعيد، كان القزم يراقب بصمت، ذراعيه معقودتان، نظراته مشوبة بالقلق وكأن شيئًا في داخله يرفض استعجال هذه اللحظة.
ومع ذلك، حين ترددت الفتاة وهي تمسك العصا لأول مرة، صرخ فيها بصرامة:
"ارفعيها! لا مكان للضعف هنا. الأميرة المنفية غنّت من قبل… والآن حان وقت الدم."
أخذت الفتاة العصا بيديها الصغيرتين، ثقيلة عليها، لكن عينيها اللامعتين لم تتركا الساحة.
كان الهواء من حولها ثقيلاً، يشبه بداية طقس جديد، طقس سيتحول فيه لعب الأطفال إلى تدريب قاتل.
في اللحظة الأولى التي أمسكت فيها الفتاة بالعصا الحجرية، بدا وكأن وزنها يفوق جسدها كله.
ذراعاها النحيلتان ارتجفتا، وانحنى معصماها الصغيران إلى الأسفل حتى كاد الحجر يلامس الأرض.
حاولت رفعها من جديد، لكن جسدها لم يحتمل، فسقطت العصا من يديها على الأرض بضربة صاخبة ترددت في أرجاء الساحة الحجرية.
ضحكت الجنية الموشومة ضحكة قصيرة، مليئة بالسخرية:
"إنها لا تستطيع حتى أن تحمل ظلّ السلاح، فكيف ستقاتل به؟"
شعرت الفتاة بوجهها يحترق من الخجل، مدّت يديها ثانية، رفعت العصا ببطيء، لكن ارتعاشة جسدها فضحت ضعفها.
ما إن حاولت أن تحركها في الهواء حتى سقطت مرة أخرى، هذه المرة ارتدّت على قدميها فأطلقت صرخة ألم مكتومة.
وقفت الجنية ذات الشعر الفضي متجهمة وقالت بصرامة:
"المبارزة لا ترحم الضعفاء."
لكن قبل أن تنحني الفتاة لالتقاط العصا من جديد، تقدم القزم من مكانه بخطوات ثقيلة، أمسك بالعصا ورفعها بيد واحدة، ثم وضعها بين يديها مجددًا.
صوته كان قاسيًا في بدايته، لكن شيئًا في نبرته انكسر:
"اسمعي يا صغيرة… أنتِ لستِ قوية الآن، صحيح. ستسقطين عشر مرات، مئة مرة. لكن كل مرة تنهضين فيها، تكونين أقوى مما كنتِ عليه."
حدّق في عينيها مباشرة، عينيه اللامعتين صارتا أهدأ:
"لا يهمني أن يضحكوا. لا يهمني كم مرة سقط السيف منك. ما يهمني فقط هو أن ترفعيه مجددًا. هذا هو السرّ… ليس في القوة، بل في الإصرار."
ابتلعت الفتاة غصتها، مسحت دموعها الخفيفة بطرف كمّها، ثم مدّت يدها للمرة الثالثة.
هذه المرة ارتجف جسدها كما كان، لكن عينيها لم تهتزّا.
رفعت العصا، وإن كانت ثقيلة، تمسكت بها بكل ما بقي في ذراعيها الصغيرتين.
من بعيد، تبادلَت الجنيات الثلاث نظرة صامتة، ولم يضحك أحد.
كان في تلك اللحظة الصغيرة شيء مختلف، كأن الشرارة الأولى قد اشتعلت بالفعل.
في إحدى الليالي، بعدما غادرت الجنيات الثلاث الساحة الحجرية واختفى صدى خطواتهن في الممرات العميقة، جلس القزم بجوار الفتاة التي كانت منهكة، أنفاسها متقطعة وذراعاها تؤلمانها من ثقل العصا.
نظر إليها طويلًا، ثم قال بصوت منخفض كأنه يهمس بسرّ خطير:
"لن ننتظر رحمتهم… ولا سخريتهم. إذا ظللتِ ضعيفة كما أنتِ الآن، سيلتهمونك قبل أن تتعلمي الضربة الأولى."
رفع يده القصيرة ولوّح بإصبعه في الهواء، فانفتحت فجوة صغيرة في جدار القبو، خرج منها هواء بارد ورائحة تراب قديم.
قادها بصمت إلى ممر ضيق لم تره من قبل، حتى وصلا إلى قاعة خفية مضاءة بأحجار بلون أحمر داكن.
في وسط القاعة كانت هناك صخور ضخمة معلّقة بسلاسل، وأحواض حجرية مليئة بسائل أسود كثيف يتصاعد منه بخار خانق.
أشار القزم إلى الصخور:
"هذه لن ترفعيها بيديك… بل بجسدك كله. ستسحبين السلاسل حتى تنقطع أنفاسك، حتى يصرخ ظهرك ويداك. هكذا يبدأ الجسد بالتحمل."
ثم اقترب من الأحواض السوداء:
"وهذا الشراب… مرّ كالسمّ، لكنه سيقوّي عظامك ويُثقل دمك حتى لا ترتجفي عند حمل السيف. ستشربين منه كل ليلة قبل النوم، وإلا لن تصمدي في الغد."
نظرت إليه الفتاة بعينين مترددتين، جسدها يصرخ رفضًا، لكن القزم انحنى نحوها وقال بصرامة لم تعهدها منه:
"أنتِ اخترتِ أن تبقي. اخترتِ أن تتعلمي. لا طريق آخر غير هذا… إما أن تقسي جسدك أو يكسرك سيف أول عدو."
بدأت الفتاة بجرّ السلاسل.
في البداية كان وزن الصخور يسحق ذراعيها، يجرح كفيها، يسقطها أرضًا مرارًا.
لكنها، كلما سقطت، كان القزم يقف خلفها، يصرخ بها كي تنهض، يصفع الأرض بعصاه كأن الأرض نفسها تأمرها بالقيام.
وحين انتهت الليلة الأولى، جسدها مليء بالكدمات والعرق، أجبرها القزم على أن تشرب من السائل الأسود.
كان مرًّا حتى سالت دموعها من شدته، لكن ما إن ابتلعته حتى شعرت بحرارة غريبة تنتشر في عروقها، وكأن شيئًا قاسيًا بدأ يزرع نفسه داخل عظامها الصغيرة.
ابتسم القزم أخيرًا، لأول مرة دون سخرية أو حدة، وقال لها بصوت منخفض:
"هكذا تبدأ القوة الحقيقية… في الخفاء، حيث لا يراك أحد، ولا يسمعك سوى الحجارة."
بدأت الأيام تمرّ ببطء ثقيل، كأن الزمن في القبو يسير بعناد ضد رغبة الفتاة.
كانت كل صباح تقف في الساحة أمام الجنيات القزمات، تحمل العصا الحجرية بيدين مرتجفتين، فتسقط منها مرارًا، وذراعاها ترتجفان حتى قبل أن تبدأ المبارزة.
كانت الجنية الموشومة تهز رأسها في كل مرة وتقول باستهزاء:
"لا فائدة… هذه الطفلة لن تصمد حتى أمام ظلّها."
والجنية الفضية كانت تصمت غالبًا، لكن صمتها أشد قسوة من الكلمات.
أما الثالثة، صاحبة العينين الواسعتين، فقد كانت تحاول تلطيف قسوة التدريب، لكنها في النهاية تستسلم للواقع: الفتاة لا تتقدّم.
في النهار، لم يكن يلمع أي أمل.
وفي الليل، حين يعود الجميع إلى صمت القبور، كان القزم يأخذها سرًا إلى قاعته المخفية.
هناك يعيد المشهد نفسه كل ليلة: سلاسل أثقل من عظامها، صخور تهدد بسحقها، سائل أسود مرّ كالعذاب.
في البداية كان يصرخ فيها بحماسة، يشجعها، يرفع صوته حتى يتردد صداه في الممرات:
"انهضي! اسحبي! لا تتوقفي!"
لكن مع مرور الأسابيع، ومع تكرار سقوطها، بدأ صوته يخفت، حماسته تذبل.
صار يقف خلفها بصمت أحيانًا، يراقبها وهي تحاول ثم تنهار أرضًا، يتنفس بعمق وكأنه يحاول أن يقنع نفسه أن هذه المحاولات لا تزال تستحق العناء.
كان يرى في عينيها إصرارًا عنيدًا، لكن جسدها لم يستجب.
لا عضلات تظهر، لا قوة تذكر.
كل ليلة كانت تنام على الأرض الحجرية، مرهقة، متألمة، وعروقها مشبعة بمرارة الشراب الأسود.
وفي سره، كان القزم يحدث نفسه:
"ربما كنت مخطئًا… ربما لا تصلح هذه الطفلة لما أردناه. جسدها هشّ أكثر من أن يتحمل، ودمها ضعيف أكثر من أن يقوى."
لكن شيئًا ما منعه من التوقف.
لم يخبر الجنيات عن تدريباته السرية، ولم يعترف بفشله أمامها.
احتفظ بكل خيبة أمله في صدره، يبتلعها كما ابتلعت هي مرارة السائل الأسود.
وكل ليلة، رغم بطء التغيير حتى بدا كالوهم، كان يعود ويعيد المحاولة.
كأن هناك خيطًا خفيًا يشده نحوها، يمنعه من تركها، حتى وإن بدا كل شيء بلا جدوى.
مرّت الشهور ثقيلة، والفشل يرافق الفتاة في كل تدريب.
الجنيات القزمات صرن ينظرن إليها ببرود وسأم، والقزم نفسه صار يشيح بوجهه أحيانًا وكأنه يخشى مواجهة حقيقة ضعفها.
في إحدى الليالي، اجتمعوا جميعًا في الساحة الحجرية، والفتاة تقف وسطهم، تتصبب عرقًا ودموعها تلمع على وجنتيها.
العصا الحجرية سقطت منها للمرة الرابعة، والجنية الموشومة ضحكت ضحكة جافة مليئة بالشفقة الممزوجة بالاحتقار.
لكن فجأة، انطفأ ضوء الأحجار الفسفورية واحدًا تلو الآخر، وغرق المكان في عتمة خانقة.
ارتجّت الأرض تحت أقدامهم، وهبّت ريح باردة من الأعماق كأنها أنفاس كائن مجهول.
ومن الظلام تبلورت هيئة… طويلة أول الأمر، ثم انكمشت حتى استقرّت في صورة جنية في متوسط العمر، نحيلة الجسد، بملامح جافة كالصخر، وعينين غائرتين تشعان بضياء رماديّ بارد.
تراجعت الجنيات القزمات للخلف على الفور، وارتسم الخوف على وجوههن، حتى القزم المشرف انحنى برأسه غصبًا وكأن شيئًا في حضوره يكسر الإرادة.
رفع الطيف ـ في هيئة الجنية ـ يده النحيلة، وأشار إلى الفتاة المرتجفة، ثم صرخ بصوت لم يكن صوتًا بشريًا ولا جانّيًا، بل كأنه مزيج من الريح والنار:
"لقد فشلتم جميعًا! أنتم… قزم وجنيات… لم تقدّموا سوى عجزها وبكائها! هل هذا ما تسمونه تدريبًا؟!"
ارتجفت الفتاة أكثر، تساقطت دموعها وهي تنكمش على نفسها، لكن الطيف لم يرحمها.
اقترب منها بخطوات بطيئة، كل خطوة يتصدع معها الحجر تحت قدميه، وصوته يجلجل في الساحة:
"انهضي! احملي السيف! لن أبالي بدموعك… لن أبالي بضعفك. إن كنتِ حقًا ابنة هذا المكان… أثبتي نفسك الآن!"
ومد يده، فانشق الهواء أمامها ليظهر سيف حجري ضخم أثقل من عصاها بأضعاف.
ارتعشت الفتاة وهي تنظر إليه، محاولة التراجع، لكن الطيف صرخ فيها بعنف:
"امسكيه! الآن!"
مدت يدها المرتجفة، قبضت على السيف بكل ما بقي لها من قوة، لكن وزن السلاح جعل كتفيها ينخفضان وركبتيها تترنحان.
انفجرت في بكاء عالٍ، عجزت عن كبحه، دموعها تنهمر وهي تهمس:
"لا أستطيع… لا أستطيع…"
لكن الطيف انحنى نحوها، وجهه القاسي يقترب منها، وصوته يخترق عظامها:
"لا وجود لـ (لا أستطيع). هنا إما أن تقاتلي… أو تموتي."
وفي الخلف، كان القزم والجنيات ينظرون في ذهول، لم يجرؤ أحدهم على التدخل، كأن حضور الطيف سلبهم القدرة على الحركة.
رواية أميرة البحر القرمزي الفصل الرابع 4 - بقلم اسماعيل موسى
ارتجف السيف الحجري بين يدي الفتاة، أثقل من أن يُحمل، والدموع تنهمر على وجهها الصغير. جسدها يكاد ينكسر تحت وطأة الخوف والوزن، وصوت بكائها يملأ الساحة الحجرية.
في تلك اللحظة، رفعت المرأة ـ الطيف المتجسد في هيئة الجنية ـ رأسها عاليًا، وأطلقت صرخة حادّة هزّت المكان. لم تكن صرخة غضب فقط، بل مزيج من ألمٍ دفين ووعيد، صرخة اخترقت الصخور والجدران، حتى بدت الأرض كلها ترتجف كأنها تئن تحت وطأة وجودها.
الجنيات القزمات التصقن بالجدار، وجوههن شاحبة وعيونهن متسعة بالرعب، حتى القزم نفسه وضع يده على صدره وكأنه يخشى أن يتمزق قلبه من شدّة الصدى.
أما الفتاة، فقد سقطت على ركبتيها والسيف يتهاوى بجانبها، وأذناها تنزفان قليلًا من شدّة الصرخة.
وبعد أن خيّم صمت ثقيل، اقترب الطيف خطوة للوراء، ثم خطوة أخرى، ببطء كأن انسحابه نفسه طقس من الرعب. ومع كل خطوة، كانت نبرته تنخفض، صوته يتشقق كالحجر المتآكل، حتى صار أشبه بالهمس المبحوح:
"إن لم تنهضي قريبًا… إن لم تصبحي ما وُلدتِ لتكوني… فسأعود… ولن أترككِ إلا جثة بين هذه الجدران."
تلاشى ضوء عينيه الرماديتين تدريجيًا، وذابت ملامحه في الظلام حتى لم يبقَ سوى صدى صوته يتردد في أرجاء الساحة، يلتف حولهم كالطَوق:
"تذكّري… الوقت… ينفد."
ثم انطفأ كل شيء، ولم يبقَ إلا ارتعاشة الفتاة وصوت بكائها وهي تحتضن نفسها بجوار السيف.
بعد أن تلاشى الطيف واختفت ملامحه في ظلمة القبو، ظل الصدى يتردد طويلًا بين الجدران، كأن الصوت لم يرد الرحيل. كان المكان يئن من شدّة الرهبة، والجنيات القزمات متجمّدات في أماكنهن، لم يجرؤن حتى على التنفّس بعمق.
أما الفتاة، فكانت جاثية على ركبتيها، ذراعاها تحيطان بجسدها النحيل، والسيف الحجري ملقى إلى جانبها. دموعها انهمرت بلا توقف، وصوت بكائها ارتفع كأنه نحيب طفل ضائع. كانت عيناها الزائغتان لا تجرؤان على النظر إلى أي اتجاه، تخشى أن يظهر الطيف ثانية.
اقترب القزم ببطء، خطواته مثقلة، حتى جلس بجوارها. نظر إلى وجهها الغارق في الدموع، إلى يديها المرتجفتين، ثم تنهد بعمق، صوته لأول مرة يلين وهو يمد يده ليمسح شعرها المبلل بالعرق:
"اهدئي يا صغيرة… لقد رحلت."
لكن الفتاة لم تتوقف عن البكاء. هزّت رأسها بعنف وهي تهمس بين شهقاتها:
"ستعود… قال إنه سيعود… سيقتلني… أنا ضعيفة… لن أستطيع."
عقد القزم حاجبيه، الغضب والخوف يتصارعان في ملامحه. ضم قبضته الصغيرة على السيف الحجري ثم أبعده عنها، كأنه يخشى أن يرهقها أكثر. جلس إلى جانبها على الأرض الباردة، وراح يتحدث بنبرة منخفضة، أقرب إلى همس أبويّ لم يسبق لها أن سمعته منه:
"نعم… سيعود. الطيف لا يكذب. لكن اسمعي جيدًا… لم أستسلم لكِ يومًا، ولن أستسلم الآن. أنتِ لستِ عاجزة كما تظنين. نحن سنعمل… في الخفاء كما كنا نفعل. سنتدرب وحدنا، بعيدًا عن أعينهن… وسأجعلك تقفين حين يعود، حتى لو اضطررت أن أضحّي بكل ما عندي."
رفعت الفتاة رأسها ببطء، عيناها مغرورقتان بالدموع، تحدّق فيه وكأنها تحاول تصديق كلماته. ابتسم لها ابتسامة باهتة، لكنها كانت كافية لتخفّف من رعبها قليلًا.
ثم أضاف، صوته جاد لكنه أكثر دفئًا من أي وقت مضى:
"أنتِ لستِ وحدكِ هنا… تذكّري ذلك دائمًا."
ظل جالسًا بجوارها، حتى خمد بكاؤها شيئًا فشيئًا، واستسلمت للإرهاق وغفت برأسها على كتف حجر القبو. أما هو، فبقي ساهرًا إلى جوارها، عيناه تترقبان الظلام، يخشى أن يظهر الطيف من جديد.
استمرّت الأيام على وتيرة متشابهة، ثقيلة الإيقاع، كأن الزمن نفسه تعمّد أن يتباطأ حول الفتاة. كانت تتعثر في خطواتها، ينهار السيف الحجري من يديها مرارًا، تتلوى ذراعاها تحت ثقل لم تحتمله بعد، ويغمرها العجز كما لو كان ظلًا لا يفارقها.
الجنيات القزمات كنّ يلتزمن واجبهن في التدريب، يتبادلن النظرات الصامتة كلما أخفقت، وفي أعماقهن تساؤل لم يجرؤن على البوح به: هل ستفلح هذه الطفلة يومًا؟ أما القزم المكلّف بها، فقد ظلّ يضمر كل مشاعره في قلبه، يظهر لها فقط الصبر، ويحاول أن يحجب عن الجميع قلقه المتزايد.
لكن ما لم يدركه معظمهم، أن عينًا أخرى كانت تراقب المشهد من بعيد، عينًا أكثر قسوة وجمودًا. الطيف الذي ظهر ذات يوم صار عادة غامضة في ساحة التدريب. أحيانًا يتشكّل على هيئة جنية جافة الملامح في ركن معتم من القبو، عيناها متوهجتان كالجمر، لا تتفوه بكلمة ولا تقترب، فقط تراقب.
وأحيانًا أخرى، حين تكون التدريبات في الخارج، تخترع الطيف لنفسه مكانًا غريبًا بسحره: تلة صغيرة تنبت فجأة، مكسوة بالزهور البيضاء والمشمش المتدلّي، يجلس فوقها في سكونٍ غريب، يراقب الطفلة وهي تترنّح تحت السيف الحجري، دون أن يمد يدًا أو يطلق كلمة.
كلما سقطت الفتاة على الأرض، وكلما انكفأت دموعها على التراب، رفعت رأسها مذعورة تبحث في الأركان المظلمة أو القمم البعيدة، لترى إن كان الطيف قد تحرّك. لكن دائمًا، كانت الجنية الغامضة تبقى في مكانها، لا تهتف، لا تقترب، لا تمنحها سوى صمت كالقضاء.
أحيانًا، حين تنهار الطفلة أكثر من اللازم، كان القزم يلتفت بعصبية إلى التلة أو الركن، كأنه يتحدّى بنظره ذاك الوجود الذي لا يرحم. لكنه لم يتلقى يومًا ردًا أو إشارة، فقط ذلك التحديق الصامت الذي يضاعف ثقله على كاهله.
مرّت الشهور هكذا: الطفلة تكافح، القزم يواصل محاولاته السرّية اليائسة لتقوية جسدها، الجنيات يدرّبنها بلا يقين، والطيف… يراقب من بعيد، صامتًا كقدر مؤجل.
كانت الطفلة جالسة على الأرض الترابية في زاوية القاعة، أنفاسها متقطعة من التعب، وذراعاها ترتجفان بعد أن سقط السيف الحجري من بين أصابعها للمرة الخامسة في ذلك اليوم. القزم الصغير جلس قريبًا منها، يحاول أن يمنحها صبرًا لم يعد متأكدًا من وجوده.
رفعت الفتاة رأسها، وعيناها تبحثان في الظلام البعيد حيث لمّحت أكثر من مرة ملامح الطيف ــ الجنية التي تؤمن في أعماقها أنها أمها. صوتها خرج ضعيفًا، يختلط بالدموع:
"لماذا هي قاسية معي هكذا؟"
لم يعلّق القزم، فتابعت كمن يفرغ ما يثقل صدره:
"إنها أمي… أعرف ذلك. لكن… لماذا لا تفعل ما تفعله الأمهات مع بناتهن؟ لا تضمّني، لا تحكي لي قصصًا، لا تبتسم لي ولو مرة واحدة. كل ما تفعله هو أن تحدّق بي ببرود، أو تصرخ، أو تجعلني أشعر أنني لا أساوي شيئًا."
ارتعشت شفتاها، وأكملت كمن يفضح سرًا لم يعد يحتمله قلبها:
"أشتاق إليها حتى وهي أمامي. كل ليلة أنام وأنا أرجو أن تقترب مني، أن تلمس شعري، أن تخبرني أنني لست سيئة… لكن عندما أنظر إليها، أراها كأنها بعيدة جدًا، كأنني لا أصل إليها مهما بكيت."
حاول القزم أن يتكلم، لكن كلماته انحبست في حلقه. لم يجرؤ أن ينطق بالحقيقة، أن هذه الجنية ليست أمها، بل مجرد طيف يراقب. الطفلة لم تعرف سوى هذا اليقين: أن تلك الجنية الغامضة هي أمها الحقيقية، وأن قسوتها حرمانٌ موجع لا تفسير له.
ثم شهقت الطفلة فجأة، ودفنت وجهها في ركبتيها، تبكي بصمت، كلماتها تخرج بين شهقاتها:
"لماذا يا أمي؟ لماذا لا تحبيني مثلما أحبك؟"
أما القزم، فقد بقي صامتًا، يتأمل الطفلة وهي تغرق في دموعها، وعيناه ترفّان بخوف خفي، يتساءل: هل تسمع الجنية هذه الكلمات الآن؟ وهل سيُثير ذلك في قلبها شيئًا… أم ستظلّ صخرة جليدية لا ترحم؟
مضت الشهور بطيئة، كل يوم يشبه الآخر، الطفلة تنهض باكرًا، تمسك بالسيف الحجري الذي يثقل يديها، تتعثر، تسقط، ثم تعيد المحاولة تحت نظرات الجنيات القزمات وإشراف القزم. التدريب صار عادة يومية، كأنها عقوبة أكثر منه تعلّم. جسدها الصغير لم يقوَ بعد، لكن القزم ظلّ يصر على التدرّج، محاولًا أن يزرع في قلبها بعض الأمل.
ومع كل يوم، لم تغب تلك الظلال… الطيف الجنية. أحيانًا تراها الطفلة على قمة التلة الزهرية التي تنبت من العدم، تجلس بجمود، وأحيانًا أخرى في ركن مظلم من الساحة، لا تبارح مكانها، تتابع كل حركة بعينين لا ترمش. كان وجودها يثقل المكان أكثر من ثقل السيف الحجري نفسه.
مرّت الشهور على هذا النحو حتى جاء ذلك اليوم. كانت الطفلة تحاول للمرة العشرين أن ترفع السيف عالياً، لكن ذراعيها خانتاها وسقطت على الأرض، يسبقها أنين متعب. أسرعت الجنيات القزمات إليها لمساعدتها، لكن فجأة انقطع الهواء من حولهن… والبرد تسلّل إلى العظام.
ظهرت الجنية الطيف. خرجت من الظلال ببطء، جسدها يتلألأ بوميض بارد، ملامحها جافة، قاسية، وعيناها تتوهجان كجمرين. توقّف الجميع عن الحركة، حتى القزم نفسه تجمّد مكانه.
تقدّمت بخطوات ثابتة حتى وقفت أمام الطفلة المنهكة على الأرض. رفعت يدها، وأشارت إلى الفتاة بصوت حادّ، متصدّع كصوت حديد يُجرّ على الصخر:
"عقابها."
ارتجفت الطفلة، نظرت حولها باحثة عن تفسير. القزم اندفع للأمام محاولًا الاعتراض:
"لكنها ما زالت صغيرة، ليست مستعدة بعد!"
صرخت الجنية صرخة قصمت الصمت، فارتدت الجنيات للخلف، وأطرق القزم رأسه مذعورًا. ثم كررت ببطء، نبرة صوتها أشبه بحكم لا يُرد:
"لتُعاقب. الآن."
انحدرت دموع الطفلة وهي تزحف إلى الوراء، تتشبّث بتراب الساحة، تلهث:
"أمي… أرجوك… لا… لا تفعلين هذا بي!"
لكن عيني الجنية ظلّتا جامدتين، لا رحمة فيهما، كأنها لم تسمع كلمة.
حين أمرت الجنية بالعقاب، لم يتجرأ أحد على الاعتراض. الجنيات القزمات، اللواتي كنّ يدرّبن الطفلة يوميًا، تبادلن نظرات مضطربة، ثم اقتربن منها ببطء. الطفلة، بعينين دامعتين، راحت تتشبّث بملابس القزم وتصرخ:
"لا تتركني! أرجوك… لا تتركني معها!"
لكن القزم نفسه لم يملك أن يفعل شيئًا، نظرته كانت مزيجًا من الغضب والذل، يداه ترتجفان وهو يبتعد خطوة إلى الوراء، كأن أي حركة مخالفة قد تعرّضه للهلاك.
قادوا الطفلة عبر ممرات ضيقة نحو كهف جانبي بعيد، سقفه منخفض وجدرانه ملساء تنزّ منها قطرات ماء باردة. أُدخلت الطفلة إلى الداخل، باب حجري ضخم يُسحب خلفها، يغلق فتحة الكهف ببطء حتى انطبقت العتمة. آخر ما رأته قبل أن يغلق الباب نهائيًا كان لمحة من وجه الجنية ــ والدتها كما تصدّق ــ جامدًا كالحجر، لا يحمل أي عاطفة.
انغلق الباب، وابتلع الظلام الطفلة.
في البداية، راحت تضرب الحجارة بيديها الصغيرتين وتصرخ:
"أمي! أمي لا تتركيني هنا! أعدك أنني سأكون أفضل… أعدك أنني سأحمل السيف! فقط افتحي الباب!"
لكن لا مجيب. لم يكن سوى صدى صوتها يرتدّ من جدران الكهف، كأنها تنادي نفسها فقط.
بعد ساعة أو أكثر، بدأ الصمت يزداد ثِقلاً. برودة الأرض تشلّ قدميها، والرطوبة تتسرب إلى صدرها. جلست تحتضن ركبتيها، عيناها متسعتان في العتمة، تتخيل أشكالاً تتحرك حولها. كل نسمة هواء تتحول في ذهنها إلى أنفاس، كل قطرة ماء تسقط تتحول إلى وقع خطوات.
بدأ الخوف يتكاثر في عقلها، يكبر حتى صار وحشًا جاثمًا فوق صدرها. لم يعد في رأسها سوى فكرة واحدة: أمي تكرهني… لهذا تركتني هنا.
مرت الدقائق كساعات، والساعات كدهور. كان قلبها يخفق بعنف كلما تخيلت ملامح تظهر من الظلام، كأن العتمة نفسها قررت أن تبتلعها.
لم تبكِ بصوت عالٍ، بل كان بكاؤها مكتومًا، متقطعًا، أشبه بأنين حيوان صغير جريح. والليل بأسره مضى هكذا: طفلة وحيدة، ترتجف وسط كهف مغلق، تبحث في الظلام عن أي دليل على أن أمها ستعود… لكنها لم تعد.
وعندما فُتح الباب في الصباح، كان أول ما رأته هو الضوء القاسي الذي غمر الكهف، يلسع عينيها بعد ليلٍ طويل من السواد. وقفت مترنحة، عيناها حمراوان من السهر والخوف، نظرتها متبلدة كأنها لم تعد تلك الطفلة التي دخلت الكهف ليلة البارحة.
في تلك الليلة التي أُغلِق فيها الكهف على الطفلة، حين خيّم السواد وأطبق عليها كالغلاف، حدث ما ظلّت بعد ذلك تتذكّره كأنه حلم… أو وهم نسجته روحها في لحظة انهيار.
كانت جالسة إلى الحائط، عيناها تحاولان اختراق الظلمة، ودموعها تجفّ على خديها، عندما سمعت خشخشة خفيفة من عمق الكهف، صوت جناحين صغيرين يضربان الهواء الرطب. شدّت نفسها أكثر إلى الزاوية، قلبها يخفق كطبل، حتى رأت خيالًا دقيقًا يقترب، يتلألأ بضوء خافت كأنّه وميض من قنديل منسيّ.
لم تكن فراشة كما خُيّل لها أول الأمر، بل جرادة عمياء، لونها باهت وقرونها طويلة، لكن عينيها العاجزتين كانتا تبثان عطفًا غريبًا. جلست الجرادة على حجر مبلل، وبصوت رقيق متكسّر، بدا وكأنّه يخرج من أعماق الكهف نفسه، قالت:
"لماذا تبكين يا صغيرة؟"
شهقت الطفلة، حدّقت فيها بدهشة، ثم انهمرت كلماتها كالسيل:
"لأن أمي… لا تحبني. هي لا ترحمني. تتركني هنا في العتمة، وحدي، وكأنني لست ابنتها. كل يوم تصرخ، كل يوم تجعلني أشعر أنني لا شيء… لماذا؟ لماذا تعاملني هكذا؟"
أطرقت الجرادة العمياء، وجناحاها يهتزان بهدوء، كأنها تتنهّد بأسى. ثم تقدّمت قليلاً، ورفعت أحد أرجلها الأمامية لتقتلع من جدار الكهف عشبة ضئيلة، قرمزية اللون، تشع بوميض خافت وسط الظلام. مدّتها إلى الطفلة، وقالت بصوت أقرب إلى الهمس:
"خذيها… كليها. لكن انتظري… عشرة ليالٍ قمريّة. لا تخبري أحدًا، لا تدعي الطيف يعلم. بعد الليلة العاشرة… سأعود إليك."
تردّدت الطفلة، نظرت إلى العشبة بيد مرتعشة، ثم إلى الجرادة التي لا ترى لكنها تعرف أنها تشفق عليها بصدق لم تعرفه من قبل. أخذت العشبة ببطء، ووضعتها إلى صدرها كمن يخفي كنزًا.
ابتسمت الجرادة، رغم أنها بلا ملامح واضحة:
"لا تنسي… عشرة ليالٍ فقط. بعدها… لن تكوني كما أنت الآن."
ثم رفرفت بجناحيها واختفت في عتمة الكهف، تاركة الطفلة بين خوف وأمل، تمسك بالعشبة القرمزية كما لو كانت أول لمسة حنان حقيقية في حياتها.
مضت الليالي بطيئة، ثقيلة، والطفلة تحتضن العشبة القرمزية كمن يحتضن سرًا يخصّها وحدها. في الليلة الأولى والثانية، لم تشعر بشيء سوى وخز غامض في معدتها، كأن نارًا صغيرة تتململ داخلها. في الليلة الثالثة، أخذت أنفاسها تثقل، وأحلامها امتلأت بصور غريبة: أجنحة مظلمة تحلّق فوقها، ووميض نجوم تشتعل ثم تنطفئ.
بحلول الليلة الخامسة، كانت الطفلة مختلفة. جسدها الضعيف لم يعد كما كان، كأن شيئًا في عروقها تبدّل. في صباح ذلك اليوم، حين حملت السيف الحجري كالعادة، توقّع الجميع سقوطه من يديها خلال لحظات. القزم وقف جانبها متحفّزًا لمساعدتها، والجنيات القزمات تهيأن لإعادة نفس المشهد المألوف من التعثر والفشل.
لكن الطفلة فاجأتهم جميعًا. أمسكت بمقبض السيف بكلتا يديها، شدّت ذراعيها الصغيرتين، ولم يسقط. على العكس، رفعت النصل فوق رأسها ببطء، كأن ثِقله لم يعد كما كان.
تجمّد القزم في مكانه، عيناه تتسعان بدهشة صامتة. الجنيات تبادلن النظرات غير مصدّقات، إحداهن غطّت فمها بيدها وهي تهمس:
"كيف…؟!"
والطفلة نفسها، رغم عرقها الذي سال على جبينها، شعرت لأول مرة أن جسدها يطيعها، أن القوة ليست حلمًا بعيدًا. نظرت إلى القزم بعينين تلمعان، وقالت بصوت خافت:
"انظر… لم يسقط."
ظلّت تحمل السيف للحظات طويلة، أطول مما تحملته في أي يوم مضى، حتى أنها خطت خطوة للأمام وضربت الهواء بحركة غير متزنة لكنها حقيقية. ارتجّ صدى الضربة في القاعة، فارتجف القزم وكأن وقعها أصاب قلبه هو.
وقف مشدوهًا، نصف مصدّق، نصف خائف، وعيناه لم تفارقا الفتاة، بينما في داخله سؤال واحد يتردّد كطعنة: من أين جاءت هذه القوة؟
أما الطفلة، فقد ابتسمت لأول مرة، ابتسامة صغيرة باهتة، لكنها حملت شيئًا من الفخر لم تعرفه من قبل.
رواية أميرة البحر القرمزي الفصل الخامس 5 - بقلم اسماعيل موسى
بعد مرور عشرة ليالٍ قمريّة كاملة، لم يغب عن قلب الطفلة الوعد الذي قطعته الجرادة العمياء.
وفي الليلة العاشرة تحديدًا، حين نامت الجنيات القزمات في أجنحتهن الحجرية، والقزم غرق في تعبٍ عميق بعد يوم طويل من التدريبات، تسللت الفتاة بهدوء.
خطواتها كانت خفيفة كظل، لا صوت لها إلا همسات رملية على أرض الممرات.
عرفت الطريق إلى الكهف وكأن ظلامه يناديها.
دخلت بخوف وفضول، قلبها يخفق أسرع كلما توغلت.
هناك، في العمق، لم تستقبلها العتمة وحدها كما في المرة السابقة… بل كائن مختلف.
الجرادة كانت في انتظارها.
لكنها لم تكن كما عرفتها أول مرة: جسدها صار أضخم، جناحاها أكثر اتساعًا، وقرونها الطويلة تلمع في الظلام مثل شُعلتين ساكنتين.
وفي يدها الأمامية اليمنى… كان هناك سيف.
سيف داكن، أشبه بقطعة من حجر الليل، تتخلله شقوق متوهجة كالنار المكبوتة.
مدّت الجرادة السيف نحو الطفلة، وصوتها خرج أجشّ، كأنه نابع من جوف الكهف:
ــ "احمليه. لقد جاء وقت الحرب."
ترددت الطفلة، يداها ترتجفان وهي تلمس مقبض السيف البارد، لكن حين قبضت عليه، شعرت بحرارة غريبة تسري في جسدها، وكأن السيف يعترف بها.
ابتسمت الجرادة العمياء، ثم دارت حولها بخطوات بطيئة، وصوتها يملأ العتمة:
ــ "أنا سأعلّمك كما تعلّم الجراد. نحن لا نقاتل بالقوة وحدها، بل بالحيلة. تذكّري هذه:
١ ــ اضربي حيث لا يتوقع خصمك. لا من الأمام، بل من الظل.
٢ ــ اقفزي سريعًا. الجراد ينجو بالقفز لا بالركض. اجعلي قدميك سريعتين، كأنك تتركين الأرض نفسها وراءك.
٣ ــ اجمعي قوتك في لحظة واحدة. نحن الجراد نهجم في سرب، دفعة واحدة، ونغمر العدو حتى يختنق. تعلمي أن تضربي ضربة تُنهي، لا مئة ضربة ضعيفة."
وأمسكت الجرادة بيدي الطفلة، دفعتها لتقفز في الظلام، مرة بعد أخرى، حتى تورمت قدماها لكنها بدأت تشعر بخفة لم تعهدها من قبل.
ثم أجبرتها على الانحناء والتسلل بين الصخور، أن تضرب بسيفها في زوايا غير متوقعة، أن تصرخ فجأة لتهزّ خصمها قبل أن تهوي عليه.
وبينما جسد الطفلة يتعب، كان عقلها يضيء: ما تعلّمه لم يكن مجرد حركات، بل فلسفة جديدة، أقسى وأذكى من تدريبات الجنيات القزمات.
وفي نهاية اللقاء، انحنت الجرادة بجسدها الضخم حتى اقتربت من أذن الطفلة، وهمست بصوت كالحفر في الحجر:
ــ "تذكّري… الحرب ليست قوة يا صغيرة، بل جوع. حين تجوعي للنصر كما يجوع الجراد للزرع، عندها فقط… ستفهمين."
رفعت الطفلة السيف بيديها المرتعشتين، ولمعت عيناها في الظلام بشيء جديد… شيء لم يكن موجودًا فيها قبل تلك الليلة.
مرت أيام قليلة بعد عودة الطفلة من الكهف، لكن آثار ما جرى هناك لم تستطع أن تخفيها طويلًا.
حين رفعت السيف في تدريباتها أمام القزم والجنيات، لاحظوا لأول مرة أن ذراعيها لم تعودا هزيلتين كما في السابق، بل بدأت عضلات صغيرة تتشكل على كتفيها وذراعيها، خطوط مشدودة لم تكن موجودة من قبل.
حتى قبضتها صارت أثبت، ووقع السيف في يدها صار أشبه بامتداد جسدها لا بثقل يكسرها.
الجنيات اكتفين بالدهشة الصامتة، يراقبنها بعيون نصف مستغربة ونصف حذرة، بينما القزم اكتفى بزم شفتيه كأنه لا يريد الاعتراف أنه فوجئ.
لكنهم لم يعرفوا… أن السر لم يكن في تدريباتهم.
فالفتاة كانت تتسلل من جديد إلى الكهف، كلما أظلمت الليالي، لتلتقي بالجرادة العمياء.
لكن هذه المرة، ما رأته هناك جعلها تشعر بالرهبة: الجرادة لم تعد مجرد حشرة ضخمة. كانت تتغير.
جسدها ازداد طولًا وصلابة، جناحاها تشابها أكثر فأكثر مع أجنحة الجنيات، وقدماها الأماميتان استقامتا حتى كادتا تشبهان ذراعي إنسان.
وجهها ظل محتفظًا بملامحه الحشرية، لكن حوله بدأت تظهر لمسات غامضة، كأنها مسحة من أنوثة غريبة، نصفها جرادة ونصفها جنية.
الفتاة ترددت وهي تراها، لكن الجرادة رفعت يدها الجديدة، وأشارت نحوها بالسيف، وصوتها خرج أعمق وأكثر وضوحًا:
ــ "اقتربي. لقد حان وقت الدرس الأصعب."
اقتربت الطفلة، والسيف في يدها، حين أطفأت الجرادة كل ما في الكهف من ضوء، حتى التوهج الباهت للشقوق الحجرية اختفى.
صارت العتمة كاملة، خانقة، حتى أنها لم تعد ترى أصابع يدها.
ارتجفت، لكن صوت الجرادة همس في الظلام:
ــ "أنا بلا عيون. هكذا خُلقت، ومع ذلك أرى أكثر منكم جميعًا. إن أردتِ أن تتعلمي الحرب حقًا، عليكِ أن تتخلي عن عينيك."
وبدأت تمشي حولها ببطء، خطواتها لا تُسمع، لكن الطفلة أحست بالهواء يتحرك في اتجاهها.
ــ "أنصتي… للتنفس، لارتجاف الصخور تحت القدمين، لصوت السيف وهو يشق الهواء. لا تثقي بعينيك، بل بقلبك، بعضلاتك، بجلدك الذي يقرأ الريح."
ثم باغتتها بهجمة مباغتة في العتمة، فارتبكت الطفلة أول مرة، وسقطت على ركبتيها.
لكن الجرادة لم ترحمها. هاجمتها ثانية وثالثة، حتى صارت الطفلة تصد الضربات لا بالنظر، بل بالحدس.
شعرت بذبذبات الهواء قبل أن يقترب السيف، وانحنت في اللحظة المناسبة.
كانت تتعثر أحيانًا وتفشل، لكنها بعد ساعات من التدريب في ظلام مطبق، نجحت أن تصد ثلاث هجمات متتالية وهي مغمضة العينين.
ضحكت الجرادة لأول مرة، ضحكة خشنة كصرير جناحين:
ــ "هكذا… أنتِ الآن ترين كما أرى. بلا عيون… لكن أقوى من كل من يملكها."
رفعت الطفلة رأسها، والعرق يتصبب منها، لكن ابتسامة صغيرة تشكلت على فمها.
كان في داخلها شعور جديد: أنها لم تعد وحيدة ولا ضعيفة كما كانت، وأن هناك قوة سرية تكبر في جسدها يومًا بعد يوم، بعيدًا عن أعين القزم والجنيات.
في إحدى الليالي المظلمة داخل الكهف، جلست الطفلة على صخرة بارزة، تتنفس بصعوبة بعد تدريب طويل مع الجرادة التي كانت قد ازدادت ضخامة وقوة.
كانت ذراعاها ترتجفان من التعب، لكن عينيها، أو بالأحرى بصيرتها الجديدة، كانتا متوقدتين بشيء أشبه بالإصرار.
رفعت رأسها نحو الجرادة التي جلست قبالتها، والسيف الضخم يستند إلى كتفها الحشري العريض، وقالت بصوت خافت ممتزج برجاء طفولي:
ــ "أيمكنك أن تتحدثي معها… مع أمي؟ أن تطلبي منها أن ترحمني قليلًا؟ إنها لا تعاملني كابنتها… لا تضمّني… لا تنظر إليّ إلا كأنني عدو."
كان في نبرة الطفلة ارتجاف غريب، خليط من حنين خفي وخوف صامت.
كانت تعتقد في أعماقها أن الطيف الجنية هي أمها، ولم تستطع تقبّل فكرة أن أمًا لا تمنحها العطف.
الجرادة التفتت إليها، عيناها المعتمتان الغارقتان في السواد لا تحملان أي وعود.
ظلت صامتة للحظات، ثم صدر عنها صوت أجش، منخفض، حاسم:
ــ "لا. لن أفعل."
اتسعت عينا الطفلة بالذهول، فتابعت الجرادة ببرود، وقد أصدرت جناحاها رفرفة قصيرة كأنها صفعة هواء:
ــ "علاقتي بها ليست جيدة… ولن تكون. بيني وبينها ما لا يُصلَح. فلا تطلبي مني أن أتدخل في قلب لا يعرف إلا القسوة."
كادت دموع الطفلة تنحدر، لكن الجرادة تقدمت منها بخطوة ثقيلة، وضعت يدها المشوهة على كتفها وقالت بصرامة، وكأنها تغرس الكلمات في عظامها:
ــ "انسي الأمر. ليس لكِ سوى نفسكِ الآن. لا تنتظري الرحمة من أحد. إن كنتِ تريدين القوة، فاهتمي بالتدريبات. هذا كل ما سيحميك. هذا كل ما سيمنحك مكانًا بين من لا يعرفون الرحمة."
خفضت الطفلة رأسها، وأطبقت أصابعها الصغيرة على السيف بإصرار صامت.
كانت تعرف أنها لن تسمع من الجرادة سوى هذه الحقيقة المرة.
ومع ذلك، في قلبها ظل فراغ يتسع، جوعٌ غريب لعناق، لابتسامة… لشيء لن تجده في عيني أمها الغامضة التي تراقبها من الظلال.
لم تكن تدريبات الجرادة تشبه ما اعتادت عليه الطفلة مع القزم أو مع الجنيات الأخريات.
كانت أقسى، أكثر بدائية، لكنها في الوقت نفسه ممتلئة بخبث غريب يختبر الجسد والعزيمة معًا.
في صباح معتم داخل الكهف، وقفت الجرادة فوق صخرة ضخمة، غليظة الحواف، وأمرت الطفلة أن تمسك بحبال ملتفة حولها.
قالت بصوتها المبحوح:
ــ "اسحبيني… كأنك تسحبين عبءَ العالم كله."
ترددت الطفلة في البداية، يداها النحيلتان ترتجفان، لكن الجرادة ضربت الأرض بجناحيها فأحدثت رجّة جعلت الصخور الصغيرة تتساقط من السقف.
عندها تشنجت الطفلة، وبدأت تسحب.
كل خطوة كانت كأنها تمزّق أوتار ذراعيها، وكل نفس يقطع صدرها كالسكاكين.
لكن الغريب أن الجرادة، وهي جالسة فوق الصخرة بثقلها المريع، راحت تغني بصوت مشروخ، أنشودة غامضة بلغة قديمة، كلماتها كالحجارة تُلقى في الماء الراكد.
"اسحبي الأرض…افتحي الطريق…من ينكسر لا يولد من جديد…"
كان الغناء يزيد العبء غرابة، كأن الطفلة تجرّ معها شيئًا أكبر من مجرد صخرة.
وفي يوم آخر، ساقتها الجرادة إلى بركة وحل عميقة داخل دهليز منخفض السقف.
أمرتها أن تغوص حتى ركبتيها في الطين الكثيف، ثم مدت إليها عصا خشبية عريضة:
ــ "قاتلي… هنا، حيث الأرض تمسك قدميك وتبتلعك."
الطفلة حاولت أن تتحرك، أن تضرب الوحل، لكن كل حركة كانت تبطئها، تجعلها تغوص أكثر.
صرخت محبطة، لكنها واصلت.
كلما وقعت على وجهها داخل الطين، سمعت ضحكة خافتة من الجرادة، لا سخرية فيها بل قسوة تدريب لا تعرف الشفقة.
وحين انتهى اليوم، لم تترك لها الجرادة فرصة للراحة، بل ساقتها نحو جدار صخري أملس يتلألأ بقطرات ماء باردة، وقالت وهي تشير بجناحيها:
ــ "تسلّقي. لا أريد يديكِ أن تعرفا الرفق بعد اليوم."
نزفت أصابع الطفلة وهي تحاول أن تثبت نفسها على الصخور الحادة، خدشت ركبتيها وهي ترتفع قليلًا ثم تهوي من جديد.
لكن مع كل سقوط، كانت الجرادة تردد ببرود:
ــ "الألم هو أوفى معلم. أمسكي به… وتعلمي أن تعودي إليه دائمًا."
شيئًا فشيئًا، بدأت عضلات الطفلة تنمو، تتصلب ذراعاها، ويشتد ساعداها.
كتفاها الصغيرتان اكتسبتا صلابة لم تكن فيهما من قبل.
حتى تنفسها بات أكثر اتزانًا، عميقًا، يخرج من صدرها كزفرة حيوان يتأهب للقتال.
وفي عيني الجرادة، وهي تراقبها من بعيد، ومض لأول مرة بريق غامض… ليس إعجابًا خالصًا، بل شيء آخر أعمق، كأنها ترى في الطفلة مشروع مخلوق وُلد من النار والظلام معًا.
كان الليل في نهاياته حين مدت الجرادة جناحيها الكثيفين، وأشارت للطفلة أن تتبعها في صمت.
كان هناك دهليز ضيق طويل، لم يسبق أن دخلته الطفلة، تتناثر على جدرانه نقوش قديمة تشبه عروقًا مضيئة باللون الفضي.
كلما تقدمتا، زادت الرطوبة وارتفع صدى خطواتهما.
ثم فجأة… انشق الدهليز إلى فسحة نور غامر.
الطفلة أغمضت عينيها للحظة، الضوء كان أقوى من أن تحتمله بعد شهور من الظلام.
وحين فتحت عينيها، شهقت بصوت مسموع.
أمامها امتدت أرض الجان.
غابة لم ترَ مثلها قط:
أشجار شاهقة تسمى أشجار الفجر، جذوعها بلون أزرق داكن وأغصانها تلمع كبريق المعدن، أوراقها كصفائح فضية تتحرك مع الريح فتصدر أصواتًا كالأجراس.
إلى جوارها، انتشرت أشجار السهاد، ملتوية، تتدلى منها خيوط خضراء مضيئة كالسرج المعلقة، تضفي على المكان مسحة حلم غامض.
أما الزهور فكانت بحرًا من الألوان المستحيلة.
زهور النداء بلون أرجواني تشع كالنيران الصغيرة، كلما اقتربت منها أصدرت نغمة رخيمة كأنها تعزف موسيقى.
وعلى حواف البرك البلورية، تفتحت زهور السمر الجنية، بتلاتها شفافة كزجاج ملون، تعكس وجوه من ينظر إليها كأنها مرايا مسحورة.
والطيور… لم تكن طيورًا عادية.
رفرفت فوقهما طيور الريشة النحاسية، أجنحتها تصدر صفيرًا رقيقًا يشبه عزف ناي بعيد، وكل ريشة منها تلمع باللون النحاسي عند سقوط ضوء القمر.
وعلى الأغصان البعيدة جلست عصافير المرآة، صغيرة الحجم لكنها لامعة كالفضة، كل واحدة منها تعكس صورة من يراها فتبدو كأنها مئات النسخ من الطفلة والجرادة تطل من بين الأغصان.
الأرض نفسها لم تكن ساكنة.
الحشائش تحت قدمي الطفلة سُمّيت عشب الهمس، إذ أصدرت أصواتًا خافتة كأنها كلمات غير مفهومة كلما خطت عليها.
والهواء كان أثقل من هواء الكهف، لكنه ممتلئ بعطر مزيج من الزهور والندى ونكهة غريبة تشبه البخور القديم.
وقفت الطفلة، أنفاسها تتلاحق، ويديها تتشبثان بثوبها الممزق، بينما الجرادة الضخمة إلى جوارها تراقبها بصمت.
قالت الطفلة بصوت يرتجف بين الخوف والانبهار:
ــ "هذا… هذا هو عالم أمي؟"
لم تجبها الجرادة، بل مدت جناحها وأشارت نحو العمق، حيث بدت الغابة لا تنتهي، والليل هناك يلمع بآلاف الألوان التي لم يعرفها بشر من قبل.
رواية أميرة البحر القرمزي الفصل السادس 6 - بقلم اسماعيل موسى
مرت الأسابيع ثقيلة، لكن شيئًا فشيئًا بدأت الطفلة تتغير. عظامها صارت أصلب، ساعداها يبرزان بعضلات دقيقة لكنها متماسكة، وحركتها لم تعد متعثرة كما في السابق. في البداية كان القزم والجنيات القزمات يظنون أنها مجرد طفلة مثابرة، لكن مع كل يوم جديد كانت مفاجآتها تتضاعف.
في إحدى ساحات التدريب، وقفت الطفلة تمسك سيفها الحجري، تتنفس بعمق، بينما أمامها جنية محاربة قصيرة القامة، معروفة بسرعتها وضرباتها القاسية. الجميع كان يتوقع سقوط الطفلة في دقائق كما المعتاد، لكن المشهد أخذ منحى مختلفًا.
مع أول هجمة من الجنية، انحنت الطفلة بخفة غير معهودة، التفّت حول خصمها بخطوة جانبية حادة، وضربت بسيفها نحو موضع فارغ. حركة لم يعلمها لها أحد. القزم اتسعت عيناه، والجنيات تبادلن نظرات الارتباك: من أين جاءت بهذه المناورة؟
استمرت المبارزة. الجنية المحاربة صاحت غاضبة وضربت بعنف أكبر، لكن الطفلة امتصت الضربة على كتفها العاري دون أن تسقط. تراجعت خطوة، ثم تقدمت ثانية، والعرق يتصبب من وجهها، لكن عينيها كانتا تلمعان ببريق صلد، بريق من يتعلم كيف يتحمل الألم.
الجنية المحاربة استشاطت غضبًا، هوت بسيفها في قوس خاطف نحو رأس الطفلة، لكن الأخيرة أمالت جسدها فجأة، وتقدمت بانقضاضة سريعة، دفعت خصمتها للخلف حتى كادت تسقطها أرضًا.
صرخة اندهاش خرجت من بين شفاه الجنيات. القزم رفع يده دون وعي، كأنه أراد التدخل، ثم توقف مشلولًا بالمفاجأة.
لحظة قصيرة فقط، لكن الطفلة كانت على وشك أن تسقط الجنية المحاربة أرضًا، على وشك أن تنتصر.
توقف التدريب قبل أن تحسم الضربة الأخيرة، لكن وقع الصدى ظل في المكان: الطفلة لم تعد مجرد متدربة ضعيفة… لقد صارت شيئًا آخر، شيئًا لم يتوقعه أحد.
توالت الأيام، وكل يوم كانت الطفلة تدخل ساحة التدريب بخطوات أكثر ثباتًا. السيف الحجري الذي كان يسقط من يديها بسهولة صار كجزء من ذراعها، يلمع تحت الأضواء الغريبة كأنه يستجيب لها وحدها.
الجنيات المحاربات بدأن ينظرن إليها بنظرة مختلفة، لم تعد مجرد طفلة ضعيفة يتسامح مع هفواتها، بل خصم حقيقي يجب الحذر منه. وفي أول نزال فردي حقيقي، وقفت الطفلة أمام جنية سمراء البشرة، معروفة بقوة معصميها وسرعة دورانها في القتال.
الهجمة الأولى كانت عاصفة، لكن الطفلة صدت الضربة، وبدل أن تتراجع، اندفعت بجسدها للأمام، دفعت خصمتها خطوة إلى الوراء. العرق انهمر على وجوه المتدربين، لكن الطفلة واصلت، كل ضربة تتبعها بخطوة واثقة، حتى وجدت نفسها تضرب صدر خصمتها ضربة نظيفة أجبرتها على السقوط أرضًا.
ارتفعت همهمة الدهشة. القزم نفسه صمت طويلًا قبل أن يصفق بيده الصغيرة تصفيقًا متوترًا.
لم يتوقف الأمر عند نزال واحد. في اليوم التالي، واجهت جنية أخرى، مشهورة بخداعها وحيلها. لكن الطفلة قرأت خطواتها كما لو كانت تراها قبل وقوعها، وتفادت الحركات المضللة بسهولة مريبة، ثم وجهت ضربة مفاجئة كسرت توازن خصمتها، وأسقطتها على الأرض وسط ذهول الجميع.
المرة الثالثة، كانت الأصعب. جنية ذات خبرة طويلة، ندوبها تشهد على معارك كثيرة، وقلبها لا يعرف التردد. النزال استمر طويلًا، الطفلة تضرب وتتعثر، لكنها لا تسقط. كل مرة تنهض، عينيها تزدادان صلابة، حتى جاءتها لحظة انقضت فيها كالصاعقة، ووجهت ضربة حاسمة أطاحت بالسيف من يد المحاربة نفسها.
صمت ثقيل خيم على المكان. لم يتوقع أحد أن يراها تنتصر، ليس مرة، بل ثلاثًا متتالية.
الطفلة وقفت وسط الساحة، صدرها يتنفس بحرارة، عرقها يلمع على جبينها، والسيف مرفوع في يدها. لأول مرة، لم تكن مجرد متدربة بين الجنيات… بل صارت محاربة حقيقية.
لم تعد الانتصارات مجرد لحظات عابرة في ساحة التدريب… صارت كالدم الذي يجري في عروق الطفلة. في كل مرة تسقط خصمًا أرضًا، كانت تشعر بشيء غريب يتغلغل داخلها، دفء ثقيل، كأن الانتصار نفسه يتحول إلى طاقة خام تندمج بروحها. ومع كل انتصار جديد، كانت خطواتها تصبح أثقل وقعًا، وسيفها أكثر خفة في يديها، وعينيها أكثر بريقًا… بريق محاربة حقيقية.
لم تعد الجنيات المحاربات ينظرن إليها باستعلاء أو شفقة، بل كخصم خطر. بعضهن بدا عليه التردد وهو يدخل الساحة معها. لكن الطفلة لم تتراجع أبدًا، بل كلما انتصرت، رفعت رأسها أعلى، وكأنها تزداد طولًا وهي ما زالت صغيرة.
وفي إحدى الأمسيات، حين اجتمع القزم والجنيات لمبارزة جديدة، وقفت الطفلة في منتصف الساحة، رفعت سيفها وقالت بصوت لم يكن فيه تردد:
"لم أعد أريد نزالًا فرديًا… أريدكن جميعًا."
ساد صمت ثقيل. الجنيات تبادلن نظرات الاستغراب والرفض، لكن الطفلة لم تخفض سيفها. عندها، بإشارة من القزم الذي بدا مضطربًا لكنه عاجز عن الرفض، تقدمت ثلاث جنيات محاربات دفعة واحدة.
بدأ النزال. الجنيات هاجمنها من جهات مختلفة، لكن الطفلة لم ترهب. أغمضت عينيها فجأة، كما علمتها الجرادة العمياء. القتال بلا عيون.
التقطت أصوات أقدامهن على الأرض، همسات الهواء حين يقطع السيف مساره، حتى نفَس خصمها وهي تهجم. تحركت بخفة غريبة، انحنت لتفادي ضربة جاءت من الخلف، ثم استدارت ووجهت سيفها نحو مصدر الاهتزاز على يمينها. ضربة أولى أسقطت سلاح جنية.
صرخة دهشة دوّت في القاعة.
الثانية هاجمتها بغضب، لكن الطفلة التصقت بالأرض، سحبت قدم خصمتها بحركة مباغتة، وأسقطتها في الوحل الذي كان يغطي جزءًا من الساحة. الثالثة وجدت نفسها وحيدة أمام طفلة بعيون مغلقة، تبتسم ابتسامة صغيرة، وتركض نحوها بسرعة لم تكن تتوقعها. سيف الطفلة ارتطم بسيفها، ضغطت بيديها بكل ما أوتيت من قوة، حتى تهاوى السيف من يد الجنية الأخيرة.
سقطت الجنيات الثلاث أرضًا، والساحة امتلأت بصدى أنفاسهن المرهقة، بينما الطفلة وقفت وسطهن، عيناها لا تزالان مغلقتين، والسيف مرفوع أمام صدرها.
حين فتحت عينيها أخيرًا، كان في بؤبؤيهما بريق غامض… خليط من العناد والنشوة، وكأن الانتصارات لم تعد تدريبًا، بل غذاء حقيقيًا لجسدها وروحها.
الجنيات تراجعن في صمت، والقزم ابتلع ريقه، غير قادر على تفسير ما رآه. أما الطفلة، فكانت تعرف في أعماقها أنها لم تعد بحاجة للرحمة… بل للقوة فقط.
حين خبت ضوضاء النزال مع الجنيات المحاربات، عم القبو صمت ثقيل، لم يقطعه سوى صدى أنفاس الطفلة المتقطعة. كانت تقف وسط الساحة منتصبة، وعلى شفتيها ابتسامة متعجرفة لا تخطئها العين. لكن من الظلال البعيدة، ارتفع صوت ناعم، عميق، يحمل تهكمًا بارزًا:
"غرور مبكر… لا يليق إلا بمن لم يذق بعد طعم القوة الحقيقية."
من العتمة تقدمت الجنية الأم. كانت أطول قامة من كل الجنيات، على كتفيها وشاح أسود منسوج بخيوط فضية، وفي يديها سيف هائل، يكاد حجمه يوازي جسد الطفلة كله. لمع بريقه كأنه مقطوع من صخرة البرق نفسها.
خطت الأم إلى وسط الساحة، ورفعت السيف بخفة لا تتناسب مع وزنه، ثم أشارت به نحو الطفلة:
"ظننت أنك بلغت المجد؟ أن الانتصار على مدرباتك يجعلك سيدة بيننا؟" ابتسمت بسخرية، عينها تلمع باحتقار. "القوة ليست في سحق من يدربك، بل في احترام من علمك. أما أنت… فما زلت تلميذة متمردة."
ارتجفت الطفلة، لكن بدلًا من أن تخفض رأسها كما اعتادت دومًا، عضت على شفتها وأمسكت سيفها بكلتا يديها. لأول مرة في حياتها، واجهت أمها لا كتلميذة، بل كخصم.
"لن أنحني بعد الآن."
اندفعت بكل قوتها، تقاتل كما لم تقاتل من قبل، جسدها الصغير ينساب بين ضربات السيف الضخم، تستخدم كل ما تعلمته: الانزلاق في الوحل، الوثب على الصخور، تكتيك العين المغلقة. كانت حركاتها سلسلة، متدفقة، كأنها صدى كل منازلة سابقة.
لكن الأم لم تتحرك إلا بابتسامة ساخرة. كانت تتصدى لهجماتها بسهولة، وكأنها تلاعب طفلة بسكين خشبي. وفي لحظة، توقفت، اقتربت منها حتى شعرت الطفلة بأنفاسها على أذنها، وهمست بنبرة باردة:
"أنت ضعيفة… يا فتاة ضعيفة."
كأن الهمس اخترق قلب الطفلة. ارتج جسدها كله، اشتعلت عروقها بنار غريبة، وأغمضت عينيها فجأة. قبضت على سيفها بكل قوتها، وصرخت صرخة مدوية وهي تهوي بضربة واحدة.
ارتطم الحديد بالأرض، فانفجرت الساحة تحت قدميها، واهتز القبو بأكمله ارتجافًا عنيفًا، كأن الأرض نفسها استجابت لغضبها.
توقف الزمن لوهلة. الغبار ملأ الأرجاء، والصدع العميق الذي انشق في الأرض بقي شاهدًا على الضربة.
وبين الصمت المهيب الذي تلا الانفجار، أدركت الجنيات جميعًا أن الطفلة لم تعد مجرد متدربة… لقد امتلكت قوة خارقة، قوة غريبة تمنحها مع كل خصم تهزمه جزءًا من قوته.
وهكذا انتهى النزال عند تلك اللحظة… معلقًا بين دهشة الأم وصخب القوة الجديدة التي استيقظت في قلب ابنتها.
بعد أن هدأ الغبار وتلاشت رجّة القبو، ظلت الجنية الأم واقفة تتأمل الصدع في الأرض بعينين جامدتين. لم تقل كلمة واحدة، لكن ابتسامة ساخرة خبت من وجهها ببطء، وحل محلها صمت متأمل. حولها، وقف القزم وبقية الجنيات المحاربات مذهولين من الضربة الأخيرة، كأنهم لا يصدقون أن الطفلة الصغيرة بينهم هي من فجّرت تلك القوة.
ثم فجأة، التفتت الأم نحو الجميع، وصوتها يجلجل بصرامة قاطعة:
"لقد حان الوقت. لم يعد يكفي أن تبقى هذه الفتاة حبيسة القبو وظلال التدريب. ستخرج… وستُختبر أمام أعين المملكة بأسرها."
ارتفع همس الجنيات، وتبادل القزم النظرات الحذرة معهن، لكنه لم يجرؤ على الاعتراض. الأم رفعت سيفها الضخم ولوّحت به في الهواء، فتشتت الغبار كأن الأوامر صارت واقعًا لا نقاش فيه.
"غدًا، نخرج إلى أرض الجان. سيُفتح باب القصر الكبير، وتبدأ احتفالات المملكة. وستدخل هذه الطفلة، رغم صغرها، مسابقة الشابات المحاربات. أمام الملكة، وأمام كل الأعين."
تراجعت الجنيات في رهبة، لكن أعينهن كانت تشتعل بفضول غامض.
أي مصير ينتظر هذه الصغيرة إن تعثرت هناك؟
وأي مكان ستناله إن أثبتت نفسها؟
أما الطفلة، فشعرت لأول مرة أن جدران القبو التي سجنتها لسنوات قد انكسرت.
قلبها يخفق بعنف، نصفه خوف ونصفه نشوة.
كانت كلمات الأم كالمرآة: تهديدًا واختبارًا في آن واحد.
في تلك الليلة، ظلت تتقلب على سريرها الحجري، تفكر في الغد.
هل ستكون الاحتفالات بداية تحررها؟
أم بداية سقوطها أمام الجميع؟
لكن شيئًا واحدًا كانت متأكدة منه:
أن ما يربطها بالسيف لم يعد تدريبًا، بل مصيرًا.
رواية أميرة البحر القرمزي الفصل السابع 7 - بقلم اسماعيل موسى
لم يكن خروجها من القبو حدثًا عاديًا، بل بدا كما لو أنها تُنتزع من رحمٍ قديمٍ مظلم لتُلقى في عالم آخر لا يشبه شيئًا مما عرفته. خطواتها الأولى فوق درجٍ صخري طويل ارتجفت تحتها، كأن الحجر نفسه يرفض أن تتحرر منه، يئنّ كجسد يفتقد من أثقل عليه سنواتٍ طويلة.
كانت الجنية الأم تسير أمامها بخطى ثابتة، سيفها المعلّق على ظهرها يلمع بضوءٍ بارد. لم تلتفت إليها، لم تمنحها سوى ظهرها المنتصب كالرمح، وكأنها تقول: اتبعيني، أو ابقي هنا إلى الأبد.
حين بلغتا بابًا عظيماً من حديد أسود، محفور فيه وجوه جانٍ متجهمة وعينان من زمرد مطفأ، رفعته الأم بيدها كأن لا ثقل له، فانفتح على مشهدٍ كان أقرب إلى أسطورة.
أرض الجان.
أبخرة بنفسجية تتراقص في الهواء، كأن السماء هنا تنزف ألوانًا غريبة لا تنتمي للشمس ولا للقمر. الأشجار عالية، جذوعها متعرجة تشبه عروقًا بشرية متحجرة، أوراقها فضية تلمع كأنها صفائح من زجاج حيّ. على الأرض، تنبض الزهور بلون أزرق بارد، ينبعث منها عطر يثقل الرأس ويُسكر الحواس، وبينها تركض طيور ذات أجنحة زجاجية، تصدر خفقات صوتها كرنات نايٍ بعيد.
الطفلة لم تدرِ إن كان قلبها يخفق من رهبة الجمال أم من رعبه. كل شيء بدا حيًّا أكثر مما يجب، كأن الأرض تراقبها، وكأن الهواء يبتلع كل خطوة من خطواتها.
تقدمت الأم نحو ممرٍ طُرق بالعشب الأسود، يمتد حتى سفح قصر قديم يطلّ على بحيرة هائلة. كان القصر أشبه بكابوس حجري: جدران شاهقة تكسوها نقوش متآكلة، أبراج ملتوية تعلو كأصابع عملاق ميت، نوافذ زجاجها المعتم يعكس ظلالًا أكثر من أن يعكس ضوءًا. ومع ذلك، كان فيه مهابة طاغية، كأن آلاف الأرواح مرت من هنا وخلّفت همساتها بين أحجاره.
الطفلة شعرت بالبرد حين اقتربت من البحيرة الممتدة خلف القصر. ماؤها ساكن، يعكس السماء المشوهة فوقه، وحوله حقلٌ لا ينتهي من العشب الكثيف الذي يذبل عند الحواف ثم يزهر من جديد عند الوسط، دورة موت وحياة متكررة تبعث على القلق. ومع كل نفس، كانت تستنشق رائحة غريبة تنبعث من جنبات القصر: رائحة خواء، فراغٍ عتيق يشبه العفن لكنه أبرد، كأن القصر يتنفس وحشة منذ ألف عام.
دخلتا البوابة الكبرى. كان الممر الأول مغطى بسجاد طويل بلون الدم القديم، متآكل عند الحواف لكنه لا يزال فخمًا. الجدران مزدانة بلوحات زيتية ضخمة لوجوه جان بملامح متغطرسة، عيونهم مطعمة بأحجار كريمة تتابع الناظر أينما ذهب. بعض اللوحات أظهرت معارك، دماء تتطاير، محاربين يضحكون ببرودٍ وسط الذبح.
الأثاث كان أثقل مما توقعت: كراسٍ ذات مساند عالية من خشب أسود لماع، مطعمة بالعظم، موائد مرصعة بأحجار كهرمانية تحبس داخلها حشرات صغيرة متحجرة، ومصابيح من زجاج أخضر تنبض بلهيب داخلي كأنه قلبٌ حيّ. كل شيء في القصر يوحي بأن الجان لم يبنوه ليعيشوا فيه، بل ليخلّدوا قسوتهم فيه.
وفي وسط القاعة الكبرى، توقفت الأم. التفتت لأول مرة نحو الطفلة، بعينين جامدتين لا تعرفان الدفء. ثم نطقت بصوتٍ جاف:
ــ "حان الوقت أن تحملين اسمًا. لا يمكن أن تدخلي مسابقة المملكة كظل بلا هوية."
سكتت لحظة، حدّقت فيها نظرة طويلة كأنها تنقب في عظامها، ثم قالت:
ــ "سيكون اسمك ليانثرا."
الاسم تدحرج على أرض القاعة كأنه طلسم، له وقعٌ غريب على قلب الطفلة. لم تفهم معناه، لكنه أحاطها مثل قيد لا يُكسر، اسمٌ سيظل يتردد في أرجاء هذه المملكة كلما نطقت به شفتاها.
ثم صفّقت الأم بيدها، فجاء خدم جان بوجوه جامدة يحملون صندوقًا أسود ضخمًا. حين فتحوه، انبعث منه بريق معدني متوهج. كان درعًا، صغيرًا تمامًا على مقاس الطفلة، كأنه صُنع خصيصًا لها منذ زمن بعيد. صفائح مرنة محفورة عليها رموز غامضة تتلألأ بوميضٍ أخضر باهت، كأنها تتنفس مع كل حركة.
ــ "صُنع لكِ هذا الدرع على يد أمهر حدّادي المملكة. ارتديه، ليعرفوا أنكِ لست طفلة عابرة، بل محاربة قادمة من عُمق الظلال."
ارتجفت الطفلة وهي تلمس الدرع البارد، شعرت أنه يلتصق بجسدها كما لو أنه يعرفها قبل أن تعرف نفسها. بدا لها أثقل من عمرها كله، لكنه في الوقت نفسه منحها إحساسًا غريبًا بالقوة، كما لو أن العظام تحت جلدها صارت أصلب.
أمامها، وقفت الأم منتصبة، السيف الضخم يلمع عند كتفها، والظلال تتجمع حول قدميها. كانت ابتسامتها هذه المرة أشد قسوة، ابتسامة من يعرف أنه يزجّ بوليده في عالم لا عودة منه.
الطفلة ــ ليانثرا ــ حدقت في لوحات القاعة من حولها، في الأعين الحجرية التي تراقبها، في السجاد الملطخ بألوان الدم، في الأثاث الذي يحمل رائحة العظم المحترق. شعرت أن القصر كله يستعد لالتهامها.
لكنها رفعت رأسها. لأول مرة، لم تنظر إلى الأرض.
الحياة داخل القصر لم تكن حياة، بل كانت طقسًا طويلًا من الانتظار والامتحانات الخفية.
الجدران نفسها بدت كأنها تراقبها، الحجر الداكن يلمع في الليل مثل عيون مستيقظة. كل زاوية، كل ممر طويل مفروش بالسجاد الأحمر، كان يخفي همسًا أو ظلًا أو خفقة لا تعود لخطواتها.
القزم ظلّ قريبًا منها، يحمل دائمًا تلك الجدية الصارمة التي تخفي ارتباكه كلما دخلت الجنية الأم. كان يتحدث معها بصوتٍ منخفض، يعلّمها كيف تحمل السيف أو كيف تتحكم في وزن جسدها أثناء الحركة. أحيانًا، حين يظن أن لا أحد يسمعهما، يضحك ضحكة قصيرة تنطفئ بسرعة، كأنها خطيئة ارتكبها.
أما الجنيات الصغيرات، فكنّ يراقبنها بعيون حادة، مزيج من الغيرة والفضول. كنّ يعلّمنها أصول المبارزة والرقص العسكري، ويشددن على كل حركة تخطئها. أصابعهن النحيلة مثل شفرات، وألسنتهن كالسياط: كل عثرة تتحول إلى وصمة، كل تعثر يذكرنها به كجرح لا يندمل. لكنها تعلمت أن تنظر إليهن كخصوم لا كمعلمات. كل يوم يزداد الصراع خفيًا بينها وبينهن، كأنها في ميدان حرب لا ينتهي.
وفي قلب هذه المعمعة، كانت الخادمة العجوز.
وجهها مغطى بالتجاعيد مثل خرائط قديمة، عينان غائرتان لكنهما لا تفوّتان شيئًا. كانت تظهر فجأة خلف الأبواب، تحمل صينية طعام غريب: خبز أسود تفوح منه رائحة الحديد، أو حساء أخضر يتصاعد منه بخار كثيف يجعل الرأس يدور. الطفلة لم تستطع أن تقرر إن كانت العجوز تخدمها حقًا أم تراقبها بتكليفٍ من الجنية الأم. وفي بعض الليالي، حين كان القصر ينام، سمعتها تهمس لنفسها بكلمات غامضة، أسماء أو تعاويذ لم تفهمها، كأنها تستدعي أشباحًا قديمة من بين الجدران.
الطفلة ــ ليانثرا ــ بدأت تشعر أن القصر يغرس أنيابه فيها ببطء.
المرايا العتيقة كانت تظهر انعكاسها بشكلٍ مختلف أحيانًا: أطول، أو أكثر قسوة، أو بعيون تتوهج بخضرة غريبة لم تكن عيناها. السجاد الأحمر بدا كأنه يمتص آثار خطواتها، يخزنها في داخله. وحتى اللوحات الزيتية على الجدران، كانت عيونها تزداد حدّة كلما مرّت، كأنها تنتظر سقوطها.
لكنها اعتادت.
كل صباح، كان القزم يأخذها إلى باحة التدريب خلف القصر. هناك، الأرض مغطاة بالرمل الفضي، والهواء يحمل أصوات الطيور الزجاجية. الجنيات يدرّبنها على المبارزة بالسيوف الخشبية أولًا، ثم بالحجرية. تسقط، تنهض، تُجرح، وتواصل. كل سقطة كانت تزيدها صلابة، وكل جرح كان يغذي شيئًا بداخلها لا تفهمه بعد.
وفي المساء، كانت الأم تعود من اجتماعاتها في القصر. لا تكلّمها كثيرًا، فقط نظراتها تكفي لتثقل صدرها. أحيانًا تمرر أصابعها على السيف الكبير المعلّق بجانب العرش، وتبتسم ابتسامة باردة. الطفلة لم تجرؤ على الاقتراب منها، لكنها كانت تحلم بأن تمسك يدها مثل أي أم وابنتها. الحلم ظل حلمًا.
الخادمة العجوز، في إحدى الليالي، ناولتها كأسًا من شراب بنفسجي وقالت:
ــ "اشربي، سيقوّيكِ."
ترددت، لكن عيني العجوز كانتا آمرتين. شربت، وشعرت بحرارة غريبة تسري في عروقها. ومنذ ذلك اليوم، بدأت تلاحظ أن عضلاتها تكبر أسرع، وأن خطواتها أصبحت أثقل وقعًا على الأرض.
الحياة في القصر كانت مثل رقصة خفية بين الحبسة والخوف. كل شيء فيه جميلٌ حتى الألم، مرعب حتى البهجة.
لكن ليانثرا، رغم كل شيء، كانت تكبر. وكانت تدرك أن هذه الجدران السوداء، وهذه الوجوه الجامدة حولها، لا تريد لها إلا أن تتحول إلى شيء آخر، شيء يتجاوز الطفلة التي كانتها.
ليلة الاحتفالات في قصر الجان لم تكن ليلة، بل كانت انفجارًا للألوان والروائح والأصوات.
تبدّل وجه المكان كله: الأروقة المظلمة التي كانت تئنّ بالصمت امتلأت فجأة بالموسيقى. آلات وترية مصنوعة من عظام حيوانات أسطورية صدحت بألحان تلتفّ حول القلوب مثل قيود، والطبول النحاسية دكّت الأرض حتى ارتجفت الأحجار.
في الساحة الكبرى أمام القصر، امتدت موائد طويلة كأنها لا تنتهي. أُقيمت من خشب أزرق يلمع تحت ضوء القمر المزدوج، فوقها أطعمة لم ترَ ليانثرا مثلها من قبل.
أطباق من فواكه تتوهج بلون ذهبي حيّ، إذا اقتربت منها تشمست الحرارة في وجهك. خبز أسود محفوف ببذور لامعة كالجواهر. شرائح لحم من مخلوقات لا تعرفها، تتلألأ عليها قطرات زيت أرجواني، تفوح منها رائحة معدنية كالدم.
أكواب من زجاج أخضر تحوي شرابًا يتبدل لونه مع كل ارتشافة: مرة بنفسجي، مرة أزرق داكن، ومرة أسود كليلة لا قمر فيها.
أما الجان أنفسهم… فكانوا لوحة حية.
من مملكة السهول المتصدعة جاءوا بجلود كالبرونز المتشقق، عيونهم بيضاء تمامًا بلا حدقات، يضعون فوق رؤوسهم تيجانًا من العظام.
ومن مملكة الغابة الصامتة حضرت نساء بجناحين شفافين كأجنحة اليعاسيب، جلودهن تميل إلى الأخضر الكثيف، شعورهن طويلة تنسدل حتى الأرض، تتحرك مع كل نسمة هواء كأنها أعشاب حية.
ومن مملكة الجبال الجليدية ظهر رجال بأجساد ضخمة، جلودهم بيضاء مثل الثلج، وعروقهم تسري زرقاء كالأنهار المتجمدة. عيونهم تلمع كالماس، وصوت ضحكاتهم كالرعد البعيد.
أما من المملكة الغارقة، فقد جاءوا بأجساد زرقاء داكنة، شعور تلمع كحبال من الطحالب، وأصابع طويلة بأغشية شفافة، تفوح منهم رائحة الملح والبحر، ويتحدثون ببطء، كأن الكلمات تسافر عبر الماء.
المئات اجتمعوا، يضحكون، يتجادلون، يتبارون في الاستعراض. بعضهم يغيّر لون جلده كما يشاء، يتلألأ ذهبيًا ثم ينطفئ إلى رمادي في غمضة عين. آخرون يتركون وراءهم أثرًا من الضوء مع كل خطوة، أو عطرًا حادًا يحرق الحلق.
ليانثرا وقفت على أطراف القاعة، درعها يثقل صدرها. شعرت أنها أصغر من أن تبتلعها هذه الجموع.
القزم بجوارها، عيناه تتنقلان بقلق، يحاول أن يخفي انزعاجه من كثافة الألوان والأنفاس والضحكات. أما الجنيات اللواتي درّبنها، فبدون سيوفهنّ بدَون أشد غرورًا، يلتففن في دوائر، يتحدثن ويضحكن بصوت مرتفع، كأنهنّ يتأكدن من أن كل الحاضرين ينظر إليهنّ.
لكن حضور الجنية الأم كان كالنصل في وسط كل هذا الصخب.
وقفت عند العرش الحجري، سيفها على كتفها، نظراتها وحدها كافية لتزرع الصمت حيثما حلّت. كل جان اقترب منها انحنى قليلًا، ثم ابتعد كما لو أن بردًا تسرب إلى عظمه.
ليانثرا لم تستطع أن ترفع عينيها عنها.
كانت تتساءل في سرّها: هل أنا واحدة منهم حقًا؟ أم مجرد دخيلة في عالم لا يخصني؟
الاحتفالات لم تكن سوى مقدمة للمنافسات القادمة، لكن كل حركة، كل كلمة، كل كأس يُرفع في الهواء كان يذكّرها أن هذا العالم لا يرحم، وأنها لن تكون طفلة بعد الآن، بل قطعة على رقعة شطرنج لا مكان فيها للضعفاء.
مع أول ضوء للشمس المزدوجة فوق أرض الجان، كانت ساحة القصر تغلي بالصخب.
جماهير من مختلف الممالك احتشدوا حول المدرجات الحجرية الداكنة، أصواتهم تتداخل مثل هدير بحر، عيونهم تلمع بألوان مختلفة: صفراء كالنحاس، زرقاء كالثلج، حمراء كالجمرة. الهواء نفسه كان ثقيلاً برائحة التوابل المحترقة والشراب المخلوط بأعشاب لا تنمو إلا في أراضٍ مسحورة.
في وسط الساحة، ارتفعت منصات التدريب كجزر من الحجارة السوداء، كل منصة مهيأة لمبارزة. الرمال المفروشة عليها لم تكن رمالًا عادية؛ كانت فضية، تعكس ضوء الشمس حتى بدا المكان كله كأنه يغلي بنارٍ باردة.
الشابات اصطففن عند الحافة، صف طويل من الجنيات المحاربات في كامل زينتهن.
بعضهن يرتدين دروعًا خفيفة من قشور التنين، تلمع كألوان الطيف. أخريات يكتفين بأردية رقيقة تتلألأ خيوطها كأنها منسوجة من دخان القمر.
أعمارهن بدت متقاربة: كلهن في أوج القوة، طويلات، أجسادهن مشدودة كأوتار مشدودة على قوس. العيون حادة، الابتسامات مغرورة.
ثم جاءت هي.
ليانثرا.
الطفلة الصغيرة ذات الجسد النحيل، درعها الفضي يثقلها أكثر مما يحميها.
حين دخلت الساحة، خيّم صمت ثقيل لحظة واحدة، ثم انفجر الجمهور ضاحكًا. أصوات الاستهزاء تساقطت من كل جانب، كأنها وابل حجارة:
ــ "طفلة!"
ــ "هل أضاعوها هنا؟"
ــ "هل ستبارز أم ستبكي؟"
حتى بعض الشابات الجنيات غطين أفواههن ليخفين ضحكاتهن.
المقارنة كانت قاسية: بين أجساد نضجت لتكون آلات حرب، وبين طفلة بالكاد تستطيع حمل سيفها الحجري.
لكنها وقفت.
رغم أن ركبتيها ترتعشان، ورغم أن قلبها يخبط داخل صدرها كطائر مذعور، إلا أنها ثبتت قدميها في الرمال الفضية، عينيها تلمعان كجمرتين صغيرتين.
الجنية الأم كانت تراقب من مقعد مرتفع خلف الساحة، ملامحها قاسية كالصخر. لم تقل كلمة، لم تظهر حتى لمحة إعجاب أو شفقة. فقط تراقب.
القزم كان في الأسفل، يعض على شفته حتى تكاد تنزف.
الجنيات المدربات وقفن إلى جواره، يتبادلن نظرات باردة، بعضهن بدت عليهن الدهشة، أخريات الغضب: كيف تجرؤ هذه الصغيرة على أن تقف بينهن؟
انطلقت الأبواق النحاسية، لتعلن بداية الجولة الأولى.
الطفلة شعرت بثقل كل العيون فوق جسدها. كانت الوحيدة البشرية في هذا العالم، والأصغر بين الشابات، وموضع السخرية والرهان.
لكنها رفعت سيفها، رغم ثقله، ورغم العرق الذي سال من جبينها.
رواية أميرة البحر القرمزي الفصل الثامن 8 - بقلم اسماعيل موسى
انطلقت الأبواق النحاسية، معلنة بدء أول نزال.
تقدّمت خصمتها: جنية ذات ملامح كالسكاكين، شعرها الأسود مجدول بخيوط فضية، وعيناها خضراوان كزجاج مسموم. لم تكن طويلة فحسب، بل كانت تتحرك بخفة لا تتناسب مع جسدها الممشوق، كأن كل عصب فيها مشدود على نغمة لا تسمعها إلا هي.
حين التقت عيناها بعيني ليانثرا، لمحت الطفلة بريقًا من المكر.
ابتسامة دقيقة ارتسمت على شفتيها، ابتسامة لا تنذر بخير، بل بمتعة مسبقة، كأنها تعرف بالفعل كيف سينتهي هذا النزال.
"سأجعلك تندمين على صعودك هنا، بشرية صغيرة."
قالتها بصوت مسموع للجميع، فتصاعد الضحك من الجمهور كعاصفة.
الرمال الفضية تحت أقدام ليانثرا كانت تتلألأ ببرود، لكنها شعرت أنها تغرق فيها. قبضت على مقبض سيفها بشدة، وابتلعت ريقها بصعوبة. في تلك اللحظة، لم يكن الخوف هو ما يثقل صدرها، بل الإهانة.
مع الإشارة، اندفعت الجنية أولًا.
كانت ضرباتها سريعة كوميض البرق، كل ضربة تهدف لا إلى القتل، بل إلى الإذلال: جرح سطحي هنا، دفع هناك، خطوة تُسقط ليانثرا أرضًا أمام الجميع.
الجماهير صاحت، بعضها صفق، آخرون قهقهوا، وآخرون بدأوا يرفعون أصوات المراهنات:
"مئة قطعة فضية على سقوط الطفلة خلال دقيقة!"
"ألف على أنها لن تتجاوز ثلاث ضربات!"
"من يراهن أنها ستبكي؟"
كل كلمة وصلت إلى أذنيها كصفعة.
ليانثرا حاولت أن تصد الضربات كما تعلمت، لكنها فوجئت بسرعة لا تشبه أي تدريب.
الهواء نفسه بدا وكأنه ينحاز للجنية، يدفع سيفها نحو جسد الطفلة.
ومع كل عثرة، ازداد سخرية الجمهور، وازداد ثقل المراهنات التي تُلقى ضدها كأحجار.
لكن… في لحظة، وبينما كانت على وشك أن تسقط للمرة الثالثة، تذكرت عين الجرادة المغلقة.
التكتيك الذي بدا غريبًا حين علمتها إياه الجنية الجرادة، تكتيك يقتضي أن تُغلق عينيها لحظة، وتترك جسدها يتذكر بدلاً من عقلها أن يقرر.
أغمضت عينيها.
انحبس صوت الجمهور في أذنيها، وتقلص العالم كله إلى خطوات الجنية الماكرة، أنفاسها، ارتطام أقدامها بالرمال الفضية.
حين فتحت عينيها، كانت الضربة القادمة على وشك أن تهوي نحوها. رفعت سيفها بزاوية حادة، فارتطم المعدن بالمعدن بصوت شراريّ دوّى في الساحة.
الجنية ارتدت خطوة للوراء، ملامحها تلوّنت بالدهشة للحظة.
ضحكات الجمهور انقطعت فجأة، كأنهم لم يصدقوا ما رأوه.
لكن المعركة لم تنتهِ.
ليانثرا الآن في قلبها نار مختلفة، ليست نار غرور، بل نار عناد.
ورغم أن الجروح الصغيرة تنزف على ذراعيها وساقيها، وقلبها يدق بقوة حتى تشعر أنه سيشق صدرها، إلا أنها بدأت ترد الضربات. ليست قوية مثل خصمتها، لكنها باتت دقيقة، حادة، أقرب إلى دفاع يائس يوشك أن ينقلب إلى هجوم.
المراهنات تعالت مرة أخرى، هذه المرة بصوت مرتعش:
"هل يمكن أن تستمر فعلًا؟!"
"لا، ستسقط قريبًا!"
"ربما… ربما تفاجئنا؟"
والجنية الخصم ابتسمت مجددًا، ابتسامة متوترة هذه المرة، كأنها بدأت تفهم أن هذه الطفلة لم تأتِ لتُسقط وتبكي فقط.
ليانثرا قبضت على مقبض سيفها بكل ما أوتيت من قوة، بينما خصمتها، الجنية الماكرة، وقفت بخفة تتراقص على أطراف أصابعها، سيفها الرفيع يلمع كخط من الزجاج المسنون.
انطلقت الخصمة أولًا، سريعة كوميض، وضربتها الأولى كادت أن تصيب كتف ليانثرا لولا أن الأخيرة رفعت سيفها في اللحظة الأخيرة.
ارتد الصدى المعدني في القبو العلوي للساحة، فاهتز قلبها مع الصوت.
لم تترك لها الجنية وقتًا للتنفس؛ الضربات توالت، متلاحقة كالسكاكين.
ليانثرا تراجعت إلى الوراء، تتعثر بخطواتها، تحاول أن ترفع سيفها لكن قوتها أضعف، وذراعاها ثقيلتان. كل ما تعلمته بدا وكأنه يتبخر أمام سرعة خصمتها.
مع ذلك… لم تسقط.
كانت تتحرك مدفوعة بشيء آخر، ليس مهارة، بل غريزة البقاء، نوع من الصمود الأعمى.
وفي لحظة مفاجئة، بينما كانت الجنية تنقض بضربة سريعة نحو عنقها، انزلقت قدم ليانثرا على الرمل الناعم.
جسدها مال إلى الجانب، وسيفها ارتفع عشوائيًا كأنه يبحث عن توازن.
لكن الضربة التي كان يفترض أن تكون سقوطًا، تحولت إلى صدفة قاتلة: نصلها اصطدم بنصل خصمتها بزاوية غير متوقعة، ودفعه بعيدًا، ثم اندفع إلى الأمام ليضرب صدر الجنية بحده غير المسنون.
سقطت الجنية على الأرض، سيفها انزلق بعيدًا، وعيناها اتسعتا بدهشة كاملة.
أما ليانثرا فظلت واقفة، تلهث، لم تصدق أنها لم تهزم فقط، بل انتصرت.
يدها ما زالت ترتجف حول مقبض السيف، قلبها يقرع صدرها بعنف، وعيناها تلتقطان خصمتها وهي تتلوى بضعف، مذهولة أكثر منها مهزومة.
كان النصر قد جاء لا من براعة كاملة، بل من صدفة محضة، ومع ذلك كان نصرًا.
في الليلة التالية، حين خلد الجميع للنوم، جلست ليانثرا وحدها قرب نافذة حجرية تطل على البحيرة المظلمة.
العشب المحيط بالقصر يتماوج مع الريح، والظلال تتطاول كأنها مخلوقات صامتة تحرس المكان.
ثم… جاء الصوت.
لم يكن همسًا عاديًا، ولا صرخة واضحة. بل كأنه ارتجاف داخل عظامها، نداء يلتف حول قلبها:
"إلى البحر القرمزي… تعالي إلى البحر القرمزي…"
ارتعدت ليانثرا. نظرت حولها، لا أحد. لا القزم، لا الجنيات، ولا حتى الخادمة العجوز. الصوت لم يصدر من الخارج، بل من مكانٍ بين الواقع والأحلام، كأنه ينساب من فجوة مفتوحة بين العالمين.
كرّر الصوت النداء، أبطأ هذه المرة، أكثر إلحاحًا.
البحر القرمزي. لم تسمع بهذا المكان من قبل، ومع ذلك شعرت وكأنها تعرفه… كأن روحها تذكّرت ما لم تعشه يومًا.
ارتجفت أصابعها على حافة النافذة، وأغمضت عينيها لتطرد النداء، لكنه ظل يردد نفسه، موجة بعد أخرى، حتى غلبها النعاس.
---
صبيحة اليوم التالي، لم يكن بانتظارها نداء غامض، بل غضب أمها الجنية.
دخلت عليها في ساحة التدريب، ثوبها الأسود يتطاير خلفها كدخان ثقيل، وعيناها تقدحان ببرق من السخرية والازدراء.
"أداءك كان هزيلًا. كدتِ أن تُقتلي في النزال الأول. كل ما فعلتِه هو مجرد تعثر انتهى بضربة حظ. هل تظنين أن الحظ سيقف معك مرة أخرى؟"
ليانثرا خفضت رأسها، أسنانها تعض شفتها السفلى حتى سال الدم، لكنها لم تجب.
اقتربت الأم أكثر، همست عند أذنها بنبرة حادة:
"في المعركة القادمة… سأراك تُسحقين. لا أحد ينجو مرتين. الاستعداد ليس كافيًا، وأنتِ لستِ مستعدة. موتكِ لن يفاجئني."
ثم استدارت، وتركتها واقفة وسط الساحة، محاطة بنظرات القزم والجنيات.
كانت كلماتها أثقل من أي سيف.
ضجّت ساحة القصر بالصخب. الأعلام الملوّنة ارتفعت فوق الأبراج، والجان من كل الممالك تجمّعوا، أصواتهم تتداخل بين هتافات وصفير ورنين أجراس صغيرة يعلقونها في شعورهم وأذيالهم.
ليانثرا وقفت في وسط الساحة، جسدها مشدود، يدها تعرق على مقبض السيف.
هذه المرة لم تكن هناك مصادفة تنقذها. خصمتها جنيّة ذات بشرة فضية وشَعر أسود طويل، تحمل سيفًا أعرض بكثير من جسدها الرشيق، وكانت تنظر إلى ليانثرا وكأنها لا ترى أمامها إلا لعبة صغيرة.
قبل أن يبدأ النزال، وبينما كانت الأبواب تُغلق حول الحلبة، التقطت عين ليانثرا شيئًا غريبًا بين الجمهور.
وجهًا واحدًا يختلف عن كل الوجوه.
كان وجهًا عجوزًا، مجعّدًا كقشرة شجرة قديمة، عيناه غائرتان لكنهما تلمعان بلون ناري. وسط الحشد الهائج، بدا ساكنًا، ثابتًا، كأن كل الصخب لا يمسه. رفع يده النحيلة ولوّح إليها، شفاهه تحركت ببطء:
"سوف تنتصرين اليوم يا فتاة… لكن ليس كل يوم."
ارتجف قلبها. لا تدري هل سمعت كلماته في الهواء أم في داخلها، لكنه اختفى فجأة وسط الجموع، كأنه لم يكن موجودًا أصلًا.
---
دوى البوق، وانطلقت الجنيّة الخصمة نحوها.
الضربة الأولى جاءت قوية، حتى إن الأرض تحت قدمي ليانثرا ارتعشت. دفعتها للخلف، والسيف كاد أن يسقط من يدها.
لكن هذه المرة لم تتراجع تمامًا.
تذكرت تدريبات الجرادة الجنية، كيف قاتلت في الظلام بلا عيون، وكيف جعلتها تحمل الصخور حتى تقوى عضلاتها. أغمضت عينيها لحظة قصيرة، ثم فتحتها من جديد، كأنها تقيس الإيقاع لا الحركة.
الجنيّة الخصمة ضحكت بصوت عالٍ، واستدارت بسيفها نحوها في ضربة جانبية قاسية.
ليانثرا انخفضت فجأة، الرمال تقفز حولها، ورفعت سيفها من أسفل لأعلى بضربة مفاجئة.
لم تكن الضربة قوية بما يكفي لإسقاط الجنية، لكنها كانت مصادفة دقيقة. نصلها ضرب مفصل ذراع خصمتها في اللحظة التي كانت تفلت فيها قبضتها قليلاً. السيف الفضّي ارتفع عاليًا في الهواء، ثم سقط بعيدًا على الأرض.
خصمتها تجمدت مذهولة، بلا سلاح.
أما ليانثرا، فقد وقفت أمامها، أنفاسها متقطعة، يدها ترتجف حول مقبض سيفها الحجري، لكن النتيجة واضحة.
لقد فازت.
مرة ثانية ودون ان تقتل منافستها أعلن القاضى انتصارها.
غير أن صدى كلمات العجوز ظل يرنّ في أذنها:
"سوف تنتصرين اليوم… لكن ليس كل يوم."
حين حلّ الليل، وغادر الجميع الساحة، جلست ليانثرا في إحدى قاعات القصر الفسيحة، على مقعد خشبي منحوت بأشكال لولبية، ضوء المشاعل يلتمع على جدران الحجر الداكن.
كانت لا تزال تشعر بثقل السيف في يدها رغم أنها تركته منذ ساعات.
اقترب القزم منها بخطوات قصيرة، يحمل كأسًا صغيرًا من الشراب العطري وقدّمه لها. نظر إليها بعينين حادتين، وقال بصوت منخفض:
"لقد نجوتِ مرة أخرى… بطريقة لم أتوقعها."
ليانثرا رفعت نظرها نحوه، شفتاها ترتجفان قبل أن تنطق:
"رأيت وجهًا… بين الجمهور."
تجهم القزم: "وجهًا؟ أي وجه؟"
همست: "عجوز. ملامحه… كجذور متيبسة. كان يبتسم لي. ولوّح بيده وقال: سوف تنتصرين اليوم، لكن ليس كل يوم."
ساد الصمت لحظة.
القزم لم يضحك هذه المرة، لم يسخر كما كان يفعل في العادة. بل عبس بجدية مفاجئة، وانحنى قليلًا كأنه يزن الكلمات.
"وأين كان هذا العجوز؟" سأل ببطء.
ليانثرا أطرقت رأسها: "وسط الحشد. لكن حين نظرت ثانية… لم أجده. اختفى كأنه لم يكن موجودًا."
القزم أشاح بوجهه جانبًا، كأنه يخفي شيئًا. ثم جلس إلى جوارها، صوته أكثر خفوتًا:
"الأصوات… والرؤى… لا تأتيكِ عبثًا في أرض الجان. ربما هو نذير، ربما هو وعد. لكن عليكِ أن تتذكري شيئًا واحدًا يا ليانثرا: الحظ وحده لا يبني مقاتلة."
رفعت رأسها بتحدٍ طفولي: "لكنني فزت."
نظر إليها القزم طويلًا، ثم قال وهو يزفر ببطء:
"نعم، فزتِ… ولكن كل فوز يُكلّف ثمنًا. والسؤال ليس إن كنتِ ستنتصرين في المرة القادمة… بل ما الذي ستخسرينه حينها."
بقيت كلماته عالقة في قلبها كحجر ثقيل، إلى جانب ذلك الصوت الغامض الذي لا يزال يردد في أذنها.
رواية أميرة البحر القرمزي الفصل التاسع 9 - بقلم اسماعيل موسى
السماء بدت وكأنها تحترق عند الأفق، والشمس المتعبة ترسل آخر سهامها الحمراء على ساحة القصر.
الرمال هناك لم تكن ذهبية، بل خليط من تراب عتيق ملطخ بعرق المقاتلين ودمائهم.
الهواء كان ثقيلاً، كأن القصر نفسه يحبس أنفاسه منتظرًا أن يرى من ستسقط أولًا.
دخلت ليانثرا الساحة بخطوات صغيرة، سيفها أقصر من أسلحة خصومها، ودرعها أثقل مما تحتمل ذراعاها النحيلتان.
أصغر من كل الشابات اللواتي تنازلن من قبل، لكنها لم تخفض رأسها.
خصمتها كانت ميريال، جنيّة ذات شعر فضي طويل، جلدها الأخضر اللامع كأوراق مشبعة بالمطر، وعيناها تبرقان بدهاء.
كان في مشيتها خفة الراقصات، وفي قبضتها قسوة الجلادين.
انطلق البوق، وتدفق الصخب من حول الساحة مثل عاصفة بعيدة.
ميريال هاجمت أولًا.
ضرباتها لم تكن مجرد محاولات اختبار، بل كانت كالسكاكين: سريعة، متلاحقة، مقصودة.
كل خطوة، كل حركة، تحسب أن الطفلة ستسقط الآن… الآن…
لكن ليانثرا رفعت درعها في اللحظة الأخيرة، والحديد صرخ بصوت حاد، ارتجفت ذراعها لكنها لم تنكسر.
القتال صار مريرًا.
سيف يصرخ على سيف، شرر يتطاير، عرق يتصبب على وجوههما.
ليانثرا شعرت بجسدها يئن، بأضلاعها تضغط، بيدها تكاد تستسلم من ثقل السيف، لكنها تذكرت الظلام في الكهف، الليالي التي قضتها وحدها بين الصخور والبرد.
لم يكن هذا الألم شيئًا أمام ذلك.
ميريال ابتسمت بسخرية، ثم حاولت خدعتها المعتادة: خطوة جانبية خاطفة، التفاف حول ظهر خصمها.
لكن ليانثرا، بحدس تعلمته من الجرادة، أغلقت عينيها للحظة، واستشعرت حركة الهواء حولها.
ثبّتت قدميها، وانحنت بزاوية، وضربت نحو الأسفل.
الحديد اخترق اللحم.
صرخة ميريال ملأت الساحة.
ركبتها ارتطمت بالأرض، وسيفها ارتجف في يدها المرتعشة.
الدم تسلل إلى الرمال، صبغها بلون الصدأ.
ليانثرا اقتربت، كل خطوة أثقل من الأخرى، لكنها لم تتراجع.
سيفها كان أمامها، وعيناها ثابتتان في عيني خصمتها.
لم يكن في ملامحها فخر، ولا شفقة، فقط إصرار جامد.
بضربة واحدة دقيقة، أسقطت سيف ميريال أرضًا.
صوت الحديد على الرمل بدا كأنه نهاية طويلة لرقصة موت.
الساحة صمتت.
ثم دوّى البوق، معلنًا فوز الطفلة البشرية.
لكن لم يكن أحد يرى في انتصارها براءة ولا بطولة.
لقد كان نزالاً حقيقيًا، عادلًا، قاسيًا، خرجت منه ليانثرا منتصرة، لكن في عينيها ظل بريق قاتم: بريق من يكتشف أنه كلما انتصر، حمل في داخله شيئًا من هزيمة الآخرين.
كان الليل قد هبط على القصر، والأنوار الفسفورية التي تتدلى من أعمدة الممرات ارتجفت كأنها تخشى ما سيُقال.
في القاعة الكبرى، أمام مائدة طويلة من خشب أسود محفور، جلست الجنيّة الأم، رداءها يتلألأ كظلام البحر، وعيناها تبرقان ببرودة لا يجرؤ أحد على مقاطعتها معها.
على الطاولة أمامها وُضع كيسان ضخمان، انفتحا قليلاً ليكشفا عن بريق الذهب الجنيّ، أثقل وأغلى من أي كنز.
الصمت كان كثيفًا حتى سُمِع وقع أقدام القزم.
دخل وهو يجر أنفاسه الثقيلة، عصاه تضرب الرخام بحدة مع كل خطوة.
وقف أمامها، عيناه الغائرتان تضيقان بغضب مكتوم.
قال بصوت أجش:
"هل بلغ بي السمع خطأً… أم أن عرضًا جاءك لشراء الفتاة؟"
رفعت الأم حاجبها، ابتسامة باردة ارتسمت على وجهها.
"لم تسمع خطأ. الممالك تدفع ذهبًا لا تحلم به حتى عروش الملوك. يريدون الصغيرة، يريدونها أن تكون سيفًا في خدمتهم. وما شأنك أنت؟"
ضرب القزم عصاه على الأرض، فارتج القصر في أصدائه.
"شأني؟ أنا من صنعها بيديّ. أنا من رأى ضعفها، أنا من جمع دموعها في الظلام وأعاد تشكيلها. أنت لم تنظري إليها إلا كقطعة حجر تنتظر أن تُنحت! والآن… تريدين بيعها كما تُباع الجواهر؟"
عين الأم اشتعلت بوميض ناري.
"لا تتحدث إليّ عن الأمومة أيها القزم. أنت تعرف أن الفتاة ليست ابنتي كما ليست ابنتك. هي أداة… وُجدت لتكون سلاحًا. إن لم أبعها اليوم، سيأخذها غيري غدًا. الذهب الذي يُعرض الآن كافٍ ليضمن نفوذي في كل مملكة."
اقترب القزم حتى صار بينهما بضع خطوات فقط، وجهه يشتعل كالجمر.
"إذا بعتها، ستفقدين أكثر مما تربحين. الفتاة ليست سيفًا فحسب، هي نار تحت الرماد. كلما نازلت أحدًا استمدت قوته. لم تفهمي بعد أنها تكبر من الداخل، أسرع مما ترين. ستأتي لحظة لن تخضع فيها لكِ ولا لذهبك. إن بعتها، ستصبح لعنة في يد غيرك."
ضحكت الأم بضحكة جافة، كأنها شقّت جدران القاعة:
"لعنة أم معجزة؟ لا يهم. المهم أن تكون ملكي قبل أن تكون ملك أحد غيري."
القزم صمت لحظة، ثم همس بصوتٍ مشروخ:
"ليانثرا ليست ملككِ… ولن تكون."
ترك كلماته معلقة في الهواء، واستدار مغادرًا، وعصاه تضرب الحجر بقوة، كأنها تطعن القصر كله.
أما الأم، فبقيت جالسة، يدها فوق كيس الذهب، عيناها تتوهجان بتلك النظرة التي يعرفها كل من رأى ملوك الجان حين يقررون حربًا.
في تلك الليلة، حين غفت ليانثرا على سريرها الموشّى بجلود الطيور الزرقاء، اجتاحها ثقل غامض، كأن الظلام هبط على صدرها ليجرّها بعيدًا.
لم يكن نومًا عاديًا، بل سقوطًا في بحرٍ لا قرار له.
فتحت عينيها، فإذا بها واقفة فوق مياهٍ قرمزية، ساكنة كالمرايا، لكنها ملطخة بلون الدم.
أمامها ارتفع جدار ضبابٍ كثيف، شُقّ ببطء كأن يدًا خفية تفتحه لتكشف عن جزيرة وحيدة، تحاصرها الأمواج من كل الجهات.
في قلب الجزيرة، قصر عظيم من حجارة سوداء لامعة، كأنها صخور البركان.
نوافذه ضيقة، كالسجون، ومن بينها تسرب صوت بكاء.
اقتربت ليانثرا، دون أن تحرّك قدميها، كأن الريح حملتها.
وكلما اقتربت، تعالت أصوات النحيب حتى صارت تمزق صدرها.
داخل القصر، في قاعة لا تضيئها سوى شموع ذاب نصفها، جلست فتاة بملامح أميرة: تاج نحيل فوق رأسها، شعرها متدفق كستار من الليل، ووجهها غارق بالدموع.
كانت تنوح، لكن كلماتها لم تكن مثل أي نواح سمعته ليانثرا من قبل.
همست الأميرة بصوت يتشقق كحجارة تنهار:
"أيها البحر، يا سجانى، أيها الطوفان… لماذا أنا؟
لماذا يتركونني هنا؟
أنا التي أُعطيت للموت كهدية…
أنا التي بيعت مقابل الذهب…
أنا التي لن يُذكر اسمي إلا بين صرخات الريح…"
اقتربت أكثر، فرأت معصميها مقيدين بسلاسل فضية، والسلاسل غُرست عميقًا في جدران القاعة، كأن القصر كله يمسك بها.
رفعت الأميرة عينيها، وكانتا محمرتين من شدة البكاء، ونظرت إلى ليانثرا مباشرة.
همست، وصوتها صار فجأة واضحًا، مسموعًا كأنه يُقال داخل جمجمة ليانثرا نفسها:
"احذري، أيتها الصغيرة… سيبيعونك كما باعوني. سيتركونك هنا، في جزيرتي. وحينها ستبكين كما أبكي، وتنوحين كما أنوح… ولن يذكرك أحد."
عندها اهتزت الأرض تحت قدمي ليانثرا، وارتفعت الأمواج كجدران من الدم، ثم انطفأ كل شيء.
استيقظت وهي تصرخ، العرق يتصبب من جبينها، ووجهها ملطخ بالدموع، كأنها هي من بكت طيلة الليل.
في الصباح التالي، جلست ليانثرا قرب النار الصغيرة التي أُشعلت في ركن من أركان القاعة الباردة.
كانت لا تزال مرهقة من الرؤيا، عيناها حمراوان، وصوتها مرتجف.
رفعت رأسها نحو القزم الذي كان ينقش شيئًا بعصاه على الأرض، كأنه غارق في حساباته السرية.
اقتربت منه وجلست عند قدميه، همست:
"لقد رأيت الليلة جزيرة، يا معلّمي… جزيرة محاصرة بالبحر القرمزي. وفي قلبها قصر أسود… وأميرة تبكي. تبكي بحرقة لم أرَ مثلها قط. كانت تقول إنهم باعوها، وإنهم سيبيعونني مثلها… قالت إنني سأبقى هناك مكانها، أبكي وأنوح حتى ينساني الجميع."
سكتت لحظة، ورفعت عينيها نحوه، تنتظر منه كلمة واحدة، تفسيرًا، حتى سخرية تخفف وطأة الخوف.
لكنها لم ترَ سوى صمته.
القزم بقي جامدًا، لم يرفع عينيه، ولم يعلّق.
كأن كلمتها لم تصل إليه أصلًا.
كل ما فعله أنه ضغط بعصاه أكثر على الأرض، حتى انشق الحجر تحته بخطٍ رفيع.
قالت ليانثرا بصوت متهدّج، أشبه برجاء:
"قل شيئًا… أجبني، هل كانت رؤيا أم نبوءة؟"
لكن القزم ظل صامتًا، كأن شفتيه خيطتا بخيط غير مرئي، كأن الصمت نفسه هو جوابه الوحيد.
شعرت ليانثرا بقشعريرة تسري في عظامها، وعرفت أن صمته أفظع من أي كلام.
لم يدم صمت القزم طويلًا، إذ انفتحت أبواب القاعة بصوتٍ جاف، ودخلت الجنيّة الأم بخطوات واثقة، رداءها الطويل يجرّ خلفه عطرًا باردًا كالموت.
كانت عيناها تبرقان كحدّين مسنونين، تحدّقان في كل شيء دون أن تُظهر أي عاطفة.
وقفت أمام ليانثرا، رفعت ذقنها ببطء كأنها تفحصها، ثم قالت بصوت حاد لا يعرف الدفء:
"كفى حديثًا عن أحلام الأطفال، يا ليانثرا. نحن لا نعيش في كتب الحكايات ولا في نوم البسطاء. ما رأيته ليس سوى أضغاث ليل، ضعف يتسرب من قلبك."
اقتربت خطوة، وظلالها ابتلعت جسد ليانثرا الصغير، ثم أضافت:
"اتركي تلك السخافات، وركّزي على ما يهم. النزال القادم لن يُرحم فيه الضعفاء. هناك شابات يتدربن منذ قرون، وإن دخلتِ الساحة بعقلٍ مشغول بالأوهام، ستُكسر عظامك واحدة تلو الأخرى."
التفتت فجأة نحو القزم، حدّقت فيه بعينين ضيقتين، فيها حذر دفين لم تستطع إخفاءه.
"وأنت… أنت تعرف أن الوقت ليس مناسبًا لملء رأسها بالهراء. احرص أن تهيئها للمعركة، لا لتضييع وقتها على الهواجس."
القزم لم يرد، لكن يده ارتجفت لحظة فوق عصاه.
ليانثرا لاحظت ذلك، وتضاعف شعورها بأن كلماتها في الحلم لم تكن مجرّد "سخف" كما تدّعي أمها.
أما الجنيّة الأم، فقد استدارت فجأة، وغادرت القاعة، تاركة وراءها صدى كلماتها الباردة كأنها جرح لم يلتئم.
رواية أميرة البحر القرمزي الفصل العاشر 10 - بقلم اسماعيل موسى
ارتجّت ساحة القصر كأنها قلب وحشٍ عملاق ينبض تحت الأرض.
الجدران العتيقة ارتفعت حول الساحة مثل حُكمٍ لا يُرد، والهواء مثقل برائحة الدم والحديد والعرق.
الأعلام السوداء والخضراء تدلّت من الأبراج، والقرون النحاسية دوّت، مُعلنة بداية النزال.
القرعة تغيّرت. همس بها الجميع في أركان القصر، لكن لم يجرؤ أحد على قولها بصوت عالٍ.
لم يعد هناك مجال للصدفة أو الحظ.
لم تعد الطفلة البشرية ستواجه فتاة عادية من بنات الساحات، بل الأميرة "ڤيريثا"، ابنة مملكة السهول الحمراء، معروفة بجنونها، بضحكاتها التي تشقّ القلوب، وبدماء منازلاتها التي ما تزال تلطّخ أرضيات ساحات الممالك.
كانت ليانثرا تقف وسط الحلبة، جسدها الصغير ملفوف بدرع صُنع لها على مقاسها، لكنه بدا هزيلًا أمام طول وقوة خصمها.
يدها شدّت على مقبض السيف الحجري حتى كادت عروقها تنفجر.
ومع ذلك، لم تستطع أن تُبعد عن ذهنها صورة الضحايا الذين مزّقتهم الأميرة بأسنانها، تلك الفم التي يقولون إنها لم تتذوّق يومًا سوى دم المقاتلين.
دخلت ڤيريثا بخطوات بطيئة، جسدها النحيل مشدود كوتر قوس، شعرها الفضي مسدل يلمع تحت الأضواء، وفي عينيها بريق وحشي، كأنها لا ترى ساحة بل مذبحًا.
كان فمها يبتسم، ابتسامة مشقوقة، تُظهر أسنانًا حادة كأنها نُحِتت للنهش لا للابتسام.
ضربت القيثارات، ارتجّت الطبول.
ارتفعت الأصوات، لكن داخل الساحة، كان الصمت يطبق، ثقيلًا مثل كفن.
هوت الأميرة كالصاعقة، سيفها يلمع كبرقٍ مسموم.
رفعت ليانثرا سيفها لتصدّ الضربة، فارتدّ الحديد بالحجر، صوت الشرر تردد في أرجاء القصر.
الذراع الصغيرة ارتعشت، لكنها لم تنكسر.
تراجعت ليانثرا خطوتين، صدرها يعلو ويهبط، ثم اندفعت إلى الأمام، ضربة جانبية سريعة نحو خاصرة خصمها.
لكن ڤيريثا ضحكت، وانحنت بانسياب مجنون، عضّت ذراع ليانثرا، وغرزت أسنانها في اللحم.
صرخت ليانثرا، دمها سال على الدرع، لكنّها لم تسقط.
دفعت الأميرة بمرفقها، ضربتها في وجهها حتى ارتدّت إلى الوراء.
الدم ملأ فم ليانثرا، لكنها بصقت على الأرض، وضربت بقدميها كأنها تقول: "أنا لم أسقط بعد."
الجمهور شهق، أحد المستشارين صرخ: "انتهى الأمر!"
لكنّهما كانتا لا تزالان واقفتين.
ضربة تلو ضربة، طعنة تلو طعنة.
الجسد البشري الصغير غطّته الكدمات والجروح، والدرع لم يعد يلمع بل تلطّخ بالدماء.
لكن الأميرة لم تكن أفضل حالًا، خدشات عميقة في وجهها، نزيف من كتفها، ومع ذلك عينيها تزدادان جنونًا، ابتسامتها تتسع، كأن الألم وقودها.
في لحظة تعبت فيها السيوف، سقط كلا السلاحين على الأرض.
لم يعد النزال نزال شرف، بل تحوّل إلى اشتباك أيدٍ وأجساد.
قبضت ڤيريثا على عنق ليانثرا، دفعتها إلى الأرض، وضغطت حتى اختنق النفس في صدرها.
لكن ليانثرا رفستها بركبتها بقوة، سمعت فرقعة في ضلع خصمها.
الأميرة شهقت لكنها ضحكت من جديد، انقضّت عليها بأسنانها، مزّقت جزءًا من كتفها.
الدم تناثر، الجمهور صاح: "كفى!"
لكن الحكم لم يرفع صولجانه.
ليانثرا، والدم يغمر وجهها، استجمعَت كل ما تعلمته: تكتيك الجرادة، قتال العمياء.
أغمضت عينيها، مدّت يدها إلى الأرض، قبضت حفنة تراب رطب ممزوج بالدم، وقذفته في وجه الأميرة.
ڤيريثا صرخت، عيناها احترقتا.
في تلك اللحظة، لم يكن أمام ليانثرا إلا أن تنهض وتضرب، بكل ما تبقى لها.
قبضت سيفها من جديد، وضربت به كتف الأميرة، شقّت لحمها حتى سال الدم.
لكن الأميرة لم تسقط.
بالعكس، ضحكت، ضحكة جعلت القصر كله يرتجف، ثم هوت على ليانثرا بوزنها كله، كلاهما سقطتا في بركة الدماء.
الجمهور لم يعد يصفّق، بل وقف، عيونه شاخصة، أنفاسه محبوسة.
الضربات صارت بطيئة، مرهقة، جسدان يتصادمان بلا قوة، لكن برغبة لا تموت.
كلما اعتقدوا أن واحدة ستسقط، نهضت، متمايلة كطيف، كأن الموت يرفض أخذهما.
أحد القادة همس: "هذا ليس نزالًا… هذه ملحمة دم."
الطفلة البشرية، بوجهٍ غارق بالدم والعرق والدموع، نظرت نحو خصمها التي ما زالت تبتسم بأسنان دامية، وأدركت أن النزال لن يُحسم إلا إذا بقيت واحدة فقط تتنفس.
رفعت سيفها من جديد، رغم أن ذراعيها ترتعشان كأغصان تحت العاصفة، وهمست في قلبها: لن أُباع. لن أكون الأميرة التي تبكي في القصر الأسود. لن أُنسى.
ثم انطلقت، والساحة كلها شهقت مع الضربة التالية.
منذ أن أشرقت شمس ذلك اليوم، والساحة امتلأت بجنونها الصاخب.
لم يكن أحد يتوقع أن يطول القتال، فالقرعة زُوّرت كي تكون نهايته سريعة، دم بشري على رخام الحلبة، ضحكة أميرة معتادة على التهام خصومها.
لكن مع مرور الساعات، لم يعد النزال مجرّد مباراة، بل أسطورة تُكتب لحظة بلحظة.
بدأ القتال بضربة، فردّت الأخرى بضربة، وكأنهما انعكاس لبعضهما.
سيف ينهال من الأعلى فيُصدّ، وخطوة جانبية تقابلها التفافٌ مماثل.
كل جرحٍ تفتحه الأميرة في جسد ليانثرا، تردّه الطفلة بجُرحٍ مماثل في جسد خصمتها.
الدماء لم تعد تلطّخ الأرض فقط، بل كوّنت سواقي صغيرة امتزجت بالغبار.
كل شهيق من الجمهور صار نذيرًا بأن واحدة ستسقط، لكنهما تنهضان في كل مرة، متمايلتين، والدم يسيل من الوجوه والأذرع والسواعد.
الطبول صمتت منذ زمن، لم يعد أحد بحاجة لها، إذ أن ضربات السيوف وارتطام الأجساد صارت هي الإيقاع نفسه.
رهانات جديدة ضُربت في الخلفية.
أصوات التجار والمستشارين امتزجت بالصراخ: "ستموت الطفلة!" ثم بعد لحظة: "لا، إنها ما تزال واقفة!"
مرّ النهار، والشمس ارتفعت، ثم بدأت تميل، وكلتا المقاتلتين بالكاد تستطيعان رفع السيوف.
عندما تمايلت ليانثرا على قدميها، والعرق والدم يغطيان شعرها ووجهها، كادت تسقط.
لكن عينيها وقعتا على الحشد، على وجهٍ واحد وسط الجموع، امرأة عجوز بملامح غريبة، عينيها متقدتان كجمرتين في بحر من الوجوه اللامبالية.
لم يعرفها أحد غيرها، لكن رؤيتها فجّرت شيئًا دفينًا في صدرها.
عندها فقط همست، بصوت لم يسمعه أحد:
"لن أموت اليوم."
ثم عضّت على جرحها كي لا تصرخ، رفعت سيفها من جديد، واستعادت وقفة المقاتل.
مع اقتراب الغروب، كان الجسد البشري الصغير والهيكل الجنيّ الشرس قد بلغا ما وراء حدود التحمل.
لم يعد الأمر نزالًا بل صراعًا بين إرادتين، بين موتٍ يتأجل كل لحظة.
اشتباكا معًا، الأيدي فوق الأيدي، السيوف تتشابك وتنفصل، ثم تدحرجا على الأرض مثل وحشين متعطشين للدم.
الغبار ارتفع، والجمهور صاح كأن الأرض تميد بهم.
عندما توقّف التدحرج، كانتا متعانقتين في حفرة من الطين والدم، السيوف تضغط.
صرّت ليانثرا أسنانها، وحشدت آخر ذرة قوة باقية في ذراعيها.
صرخت، صرخة قصيرة كشرارة أخيرة، ثم غرزت السيف في صدر خصمتها.
توقّف كل شيء.
ضحكة الأميرة انقطعت فجأة، تحولت إلى شهقة قصيرة، ثم نظرة مدهوشة كأنها لا تصدق أن بشريّةً استطاعت فعلها.
الدم اندفع من فمها، سقط رأسها على كتف ليانثرا، وجسدها ارتخى ببطء حتى غاص في الوحل.
سكتت الساحة كلها.
لا طبول، لا تصفيق، لا حتى شهقات.
فقط أصوات الريح وهي تمرّ فوق الدماء المتبخرة.
ليانثرا، بالكاد واقفة، سيفها ما زال مغروسًا، جسدها يرتجف، لكنها لم تسقط.
ثم، فجأة، تعالت صيحة واحدة من أحد أركان الحشد.
تبععتها أخرى، ثم مئات، ثم صار القصر كله يهتزّ بصوت لا يصدق:
الطفلة البشرية لم تمت.
الطفلة البشرية انتصرت.
في الليالي التي تلت النزال الأسطوري، كان القصر العتيق يضجّ بأحاديث لا تنتهي عن "الطفلة البشرية".
الدماء التي سالت في الساحة لم تجفّ بعد من ذاكرة الجان، والرهانات الخاسرة ما زالت توجع أصحابها.
لكن داخل القصر، خلف الأبواب الثقيلة، كان هناك ما هو أبعد من التمجيد أو الاستهجان: عرض لم يُرَ مثله من قبل.
دخل الخدم أولاً، بوجوه شاحبة، يتعثرون تحت ثِقَل الصناديق.
ثم جاء رجلٌ قصير بملابس رسمية، لا يكشف هويته، يحمل ختمًا غريبًا يرمز لأحد أمراء الجان المجهولين.
لم يذكر اسم سيده، ولم يطلب الجلوس طويلًا.
اكتفى بإيماءة، وانفتح غطاء الصندوق الأول.
الذهب انسكب بريقه على طاولة الجنيّة الأم، صفائح ثقيلة منقوشة بشعارات ممالك بعيدة، كُتَل من السبائك تتكدّس بجوار أكوام من الجواهر الملونة.
بدا كأن شمسًا ثانية أشرقت في قاعة الاستقبال.
رفع المبعوث رأسه وقال بجفاء:
"سيدي الأمير يقدّم هذا عربونًا فقط. إن قبلتِ، ستصلكِ قوافل أخرى. يريد الفتاة… يريدها حية، ومهما كلّف الثمن."
كان القزم حاضرًا، جالسًا في ظلّ أحد الأعمدة، يراقب بعيون صغيرة متأهبة.
وما إن رأى الذهب يتلألأ حتى نهض ببطء، يضرب بعكازه أرض القاعة.
صوته، على ضعفه، انشقّ حادًا:
"لن تُباع! أليست بشرية؟! نعم. طفلة؟! نعم. لكن دمها سال بيننا، وعرقها امتزج بعرقنا. أيها العميان، ألا ترون؟! لقد صمدت أمام ما لا تصمد له جنيّة أميرة. إن بعتموها، بعتم أنفسكم!"
كانت الجنيّة الأم تنصت، لكن بوجه بارد، كأن كلماته لا تخترق جدارًا من صخر.
اقتربت الأم، خطواتها رنانة فوق الرخام، وقفت قبالة القزم، نظراتها حادّة كالخناجر.
"كفى،" قالت ببرود. "أنت مجرد مدرّب قبو، نسيت مكانك. منذ متى صار لك رأي في ما أقرره أنا؟"
حاول الاعتراض مرة أخرى، لكن حرّاسها التفوا حوله.
يدان خشنان أمسكتا بذراعيه، وسُحب خارج القاعة رغم ركله للأرض وصراخه:
"ستندمين! الذهب لا يساوي دمها! ستندمين!"
الباب الثقيل انغلق من ورائه بصدى عميق، كأنه ختمٌ على مصير مجهول.
في الطابق العلوي، خلف ستائر سميكة تفوح منها رائحة الأعشاب الطبية، كانت ليانثرا ممدّدة على فراشها.
يد الطبيب تضع المراهم فوق جروح كتفها، وتثبّت ضمادات مشدودة حول ساقها.
لكن أذنها الصغيرة التقطت كل شيء.
صدى الكلمات ارتطم بجدران القصر ثم وصل إليها، واضحًا رغم الفواصل: الذهب… الأمير… البيع…
فتحت عينيها نصف فتحة، تحدّق في السقف المزخرف، وقلبها يضرب كطبل معركة.
لم تستطع تحريك جسدها الواهن، لكن الكلمات التي سمعتها كانت كافية لتزرع جمرًا في صدرها.
"يريدون بيعي… بعد كل هذا."
الهواء صار أثقل من الضمادات على جسدها.
وفي أعماقها، لأول مرة، ولدت فكرة لم تكن جُزءًا من تدريبات القزم، ولا من وصايا الجنيّة الأم: الهرب.
تحت جنح الليل، حين غرق القصر القديم في سبات ثقيل، فتحت ليانثرا عينيها.
الألم ما زال يعتصر جسدها من النزال الأخير، لكن فكرة البيع ظلت كشوكة مسمومة في صدرها، تمنعها من النوم.
شدّت الضمادات حول كتفيها، ارتدت ثوبًا داكنًا أعدّته الخادمة العجوز، ثم انزلقت من الفراش كظلّ ينساب بين الجدران.
خطواتها خفيفة، لكنها متوترة، كلما صرّت الأرض تحت قدميها اعتقدت أن القصر كله سمعها.
عبرت الممرات الموشّاة بالسجاد الأزرق، تفادت الحراس النائمين قرب الأبواب، وأخفت نفسها بين الأعمدة العملاقة حتى وصلت إلى البوابة الخلفية.
هناك، بلمسة صغيرة على القفل الموشوم برموز الجان، انفتح كأنّه يعرفها.
خارج الأسوار، في ظل شجرة ملتوية الجذور، كان القزم متكوّرًا على نفسه، رأسه متدلٍ، وقد غلبه النعاس رغم أنه وعد نفسه أن يظل ساهرًا.
صرير البوابة أيقظه، لكنه لم ينتبه سريعًا.
وحين فتح عينيه، وجد ليانثرا واقفة فوقه، تنظر إليه من أعلى، شعرها منكوش بفعل الريح وعيناها تلتمعان بصلابة غير مألوفة.
ارتبك وهو يفرك عينيه:
"يا آلهة الجان…! كدتِ تقتلينني رعبًا! كيف خرجتِ؟"
قالت بهمس مشدود:
"لن أباع كقطعة ذهب. إن كنت ستساعدني، فلنهرب الآن… وإلا سأهرب وحدي."
نظر إليها طويلًا، ثم تنهد، وابتسامة حزينة تسللت إلى وجهه المجعّد:
"ها أنتِ تكبرين، يا صغيرة… فلننطلق."
قادها إلى وادٍ قريب حيث كانت أحصنة سحرية تنتظر، خيول ذات جلود شفافة يلمع في داخلها ضوء أزرق كأن نجوماً محبوسة في عروقها.
عيونها تشعّ من الداخل كجمرات حية، وحوافرها لا تترك أثرًا على الأرض.
امتطت ليانثرا واحدًا، وساعده القزم على تثبيت ردائها حتى لا يعرقلها.
وما إن ضغطت بكعبيها على جنبي الحصان حتى انطلق كوميض، يقطع الحقول ويبتلع المسافات.
ركضوا بعيدًا عن حدود المملكة، الريح تصفع وجوههم، وصوت القصر صار ذكرى بعيدة.
لم يلتفتا، كلاهما يعلم أن العودة مستحيلة.
إلى الشرق قادتهم الخيول، حيث السماء أكثر حُمرة والنجوم أكثر قربًا، وكأنها تراقب خطواتهم.
وبعد ساعات طويلة، لم يبقَ أمامهم سوى غابة مسحورة، أشجارها متشابكة كأذرع عمالقة، أغصانها تحمل ثمارًا متوهجة تشبه القناديل، وجذوعها تنزّ رحيقًا أخضر يقطر كالدمع.
حين دلفوا إليها، خيّم عليهم سكون غريب.
لا طيور، لا نسيم.
فقط همس غير مفهوم يتردد بين الأشجار، كأن الغابة نفسها حيّة وتراقب.
قال القزم وهو يشدّ لجام حصانه:
"إياك أن تثقي بما ترينه هنا. الغابة تحب أن تلعب بعقول الغرباء."
لكن ليانثرا، بعينين متقدتين، هل تسمع الهمس؟
ثم تركا الاحصنة وترجلا ليخترقا أشجار الغابه وييتلعهم الظلام.