تحميل رواية «أميرة البحر القرمزي» PDF
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في مساء خريفي ثقيل، حين غطّت الغيوم السماء وأحاط الضباب بأطراف القرية، قررت امرأة شابة أن تزور المقابر مع طفلتها الصغيرة، التي لم تتجاوز الخامسة. حملت بيدها باقة ورد ذابلة، وتقدمت وسط صفوف القبور الرطبة، تبحث عن شاهد رخامي قديم لزيارة قريب راحل. المكان كان صامتًا إلا من حفيف أوراق الأشجار اليابسة وصوت غراب ينعق من بعيد. كل شيء هناك يفيض بالكآبة؛ الجدران المتشققة للمقابر، رائحة العفن والندى، والبرد الذي يتسرب إلى العظام. بينما هي تضع الزهور عند القبر، ارتجف جسدها فجأة، انحنى رأسها إلى الأمام، وكأ...
رواية أميرة البحر القرمزي الفصل الحادي عشر 11 - بقلم اسماعيل موسى
الغابة المسحورة لم تكن تشبه أية أرض مرت بها ليانثرا من قبل. ما أن خطت خيولهم إلى عتمتها حتى بدا وكأن العالم تغيّر، كأنهم عبروا بابًا غير مرئي يفصل الممالك المأهولة عن أرضٍ قديمة تسبق الزمن.
الأشجار هناك لم تكن مجرد أشجار؛ جذوعها ارتفعت كأعمدة حجرية ضخمة، عريضة بحيث يتسع صدر رجلين للالتصاق بها دون أن يحيطا بها. لحاؤها متشقق، يلمع بين شقوقه نور باهت أخضر، كما لو أن النار سرت في عروقها منذ قرون وما زالت تحترق ببطء. أوراقها كثيفة، متشابكة فوقهم كالسقف، فلا يدخل من نور القمر إلا شظايا باهتة، تتناثر فوق الأرض الموحلة كحبر مسكوب.
الهواء نفسه كان ثقيلًا، مفعمًا برائحة عتيقة: خليط من تراب مبتلّ، وخشب قديم، وشيء آخر أزليّ لا اسم له. بدا وكأنهم يسيرون داخل صدر مخلوق ضخم يتنفس ببطء، وكلما تقدّموا خطوتين، أحسّت ليانثرا بأن الغابة تبتلعهم أكثر.
صوت الخيول بدا غريبًا، مكتومًا، وكأن الأرض لم تعد ترابًا بل طبقة من السجاد الرطب الممتد بلا نهاية. أحيانًا كان الطريق يضيق حتى يلامس الفرسان جذوع الأشجار، وأحيانًا أخرى ينفتح فجأة على ساحات صغيرة، تتدلى فيها جذور هائلة من الأعالي مثل أفاعٍ، وتحيط بها نباتات لامعة بألوان بنفسجية وزرقاء، تنبض كقلوب نابضة.
همس القزم بصوت منخفض، كأنه يخشى أن تصغي الغابة إليه:
"توكّلي على قدميك لا على عينيك، يا صغيرة… الغابة تُضلّل، وستريك طرقًا لا تنتهي لتعودي إلى النقطة ذاتها."
وفعلاً، بعد ساعة من السير، لاحظت ليانثرا أن صخرة مغطاة بالطحلب مرّوا بها من قبل، رغم أنهم أقسموا أنهم لم ينعطفوا. عندها سمعت الهمسات؛ لم تكن كلمات مفهومة، بل موسيقى غريبة، كأنها أغنية قديمة تردّدها آلاف الأفواه دون لسان. الأغنية لم تأتِ من مكان محدد، بل من كل الأشجار معًا.
رفعت ليانثرا رأسها، ورأت شيئًا عجيبًا: فوق الغصون العالية، كانت تتدلّى أزهار بيضاء متوهجة، تشبه الكواكب الصغيرة، وبينها طيور شفافة ترفرف، يضيء جناحها في الظلام، لكنها تختفي فجأة حين تنظر إليها مباشرة.
ثم جاء السكون. سكون كثيف كأن الغابة حبسَت أنفاسها. شعرت الفتاة بشيء يراقبها من الأعماق، لا عينان ولا جسد، بل وعي قديم يزن خطواتها، كأنها مجرد دخيلة في عالمٍ ليس لها.
شدّت على مقبض سيفها، والعرق يتصبب من كفها، بينما القزم تمتم:
"احفظي قلبك من الخوف… هنا الخوف سلاح الغابة الأقوى."
النار الصغيرة في قلب الغابة المسحورة تذوي وتشتعل، كأنها تتنفس مع ليلٍ ثقيل لا ينتهي. ليانثرا كانت غارقة في شبه نوم، جسدها المثخن بالجراح يحاول أن يستسلم للراحة، لكن الغابة لم تدعها. أصواتها، ظلالها، نسيمها، كل شيء كان غامضًا وكأن الأشجار تخفي أكثر مما تظهر.
فتحت عينيها فجأة، وإذا بها ترى القزم جالسًا قبالة… قزمة جميلة بنفس حجمه. لم يكن وجهها غريبًا كما ظنّت، بل بدا مألوفًا، كأن ملامحها من زمن بعيد، من قصة لم تسمعها من قبل. شعرها الأسود ينسدل حول كتفيها، وعيناها اللامعتان تراقبانه بحنوّ وصرامة في آن واحد.
كان القزم يتحدث إليها بصوتٍ مرتجف، يخاطبها كما يخاطب عاشقًا عاد من الموت:
"ظننت أنني فقدتك إلى الأبد…"
ابتسمت القزمة ابتسامة حزينة، وأجابت:
"فقدتني بالفعل… هذه الغابة فقط منحتك وهماً بي. لم أعد سوى ظل من ذكراك."
شهقت ليانثرا بصمت، بينما أدركت الحقيقة: الغابة السحرية كشفت للقزم صورة حبيبته التي ماتت منذ عقود.
ارتجفت يداه وهو يمدها نحوها، لكن أصابعه لم تمس سوى الهواء.
"سامحيني… لم أستطع إنقاذك."
أمالت القزمة رأسها، وفي عينيها نور باهت:
"لم يكن بيدك شيء. لكن لا تجعل الماضي يقيدك… أنت الآن لست وحدك. هناك من يحتاجك."
تبعثر صوته وهو يردّ عليها:
"لكنهم سيأخذونها مني… كما أخذوك."
رفعت القزمة يدها لتلمس وجنته، لكن أصابعها تلاشت كالدخان قبل أن تقترب. ابتسمت ابتسامة أخيرة، ثم تلاشت صورتها كلها كما لو ابتلعتها جذور الأشجار.
ظل القزم جالسًا، يحدّق في الفراغ، بينما دموعه لم تجد طريقها إلى النزول، عالقة بين عينيه وقلبه. مدّ عودًا صغيرًا ليحرك الجمر، لكنه بدا غائبًا عن المكان والزمان.
أما ليانثرا، فقد أغلقت عينيها بسرعة، تتظاهر بالنوم، وقلبها يقرع بقوة… لم تعرف هل رأت حلمًا حيًا، أم مأساة رجل صغير يحمل جراحًا أكبر من حجمه بكثير.
خرجت ليانثرا والقزم من الغابة المسحورة مع الفجر، حين بدأت الأشجار تتباعد وكأنها تتنفس الصعداء بعد أن أطبقت عليهم طوال الليل. الضوء كان شاحبًا، لكنه بدا كمنقذ، يزيل شيئًا من وطأة الظلال التي التصقت بقلوبهم. لم تلتفت ليانثرا خلفها، لكنها أحست أن الغابة ما زالت تراقبهما بعينين لا تُرى.
بعد ساعات طويلة من السير، انفتح الأفق فجأة أمامهما على الأرض المحترقة. امتداد أسود كالحبر، رماد متراكم، وأحجار متفحمة كأن نارًا قديمة مرّت من هنا وأحرقت كل أثر للحياة. الهواء كان ثقيلاً، مشبعًا برائحة الكبريت والدخان القديم، وكأن الحريق لم يخمد بعد، بل ما زال يتنفس تحت التربة. شعرت ليانثرا بوخز في حلقها، أما القزم فظل صامتًا، يسير بخطى ثابتة وكأنه يعرف طريقًا لا يجب الحياد عنه.
حين بلغوا ضفة نهر عريض اسمه أمترين، بدا مياهه غريبة كأنها من زجاجٍ ملون؛ تتدرج ألوانها بين البنفسجي العميق والأزرق الداكن، يعكس سماءً لا وجود لها. أعدّ القزم قاربًا صغيرًا سحريًا بدا كأنه خرج من بين الصخور، فأبحرا عليه بهدوء وسط تيارات النهر التي بدت كأنها تسحبهم إلى عوالم أخرى. ليانثرا جلست متصلبة، يديها متمسكتين بحافة القارب، فيما عينها تتابع الضفاف البعيدة حيث رماد الأرض المحترقة لا ينتهي.
الأمواج في نهر أمترين لم تكن كغيرها؛ كانت تضرب القارب من الأسفل كأنها كائنات حية تلهو أو تهدد. وفي لحظةٍ، ظنت ليانثرا أنها رأت وجوهًا باهتة تلمع تحت سطح الماء، تختفي سريعًا قبل أن تتمكن من التحقق.
استمر الإبحار حتى وصلوا إلى حافة جبال البارسن، جدران هائلة من صخور رمادية، وعرة وشامخة كأنها حواجز أقيمت لحماية ما وراءها من عيون الغزاة. الطريق لم يكن سهلًا؛ صعود حاد، جليد يتخلل شقوق الصخور رغم حرارة الشمس، ورياح تصفع الوجوه كأنها تصرخ تحذيرًا.
تعثرت ليانثرا أكثر من مرة، وركبها تنزف من شدة الجهد، لكن القزم كان يمضي ببطء محسوب، يمد لها يده عند الحاجة دون أن يتحدث. كان صمته أشد وقعًا من الكلام، كأنه يعرف أن كل خطوة هنا ليست مجرد عبور، بل اختبار.
وبعد أيام من التسلق والهبوط، حين بدأت قدما ليانثرا تفقدان الإحساس بثقلهما، انفتح الجدار الصخري أخيرًا ليكشف ما وراءه: بحر أزرق ممتد بلا نهاية، يشعّ تحت شمس هادئة كأنه مرآة سماوية. وعلى ضفته، في خليج صغير محمي بالمنحدرات، بدت قرية صغيرة… لم تكن قرية بالمعنى المألوف، بل مستعمرة بدائية من بيوت حجرية وأسقف من القش، يتصاعد منها دخان الطبخ، فيما قوارب صيد خشبية مربوطة على الشاطئ تتحرك مع الموج.
ليانثرا وقفت مشدوهة، أنفاسها تتقطع من التعب والدهشة. لم تتوقع أن تجد حياة بشرية أو شبه بشرية بعد كل تلك الخرائب والجبال. أما القزم، فاكتفى بأن مسح جبينه بكمّه، ونظر إلى القرية بصمت طويل، كأنه يعرف أنها ليست مكانًا للراحة بقدر ما هي عتبة لرحلة أخرى.
ما إن استقرت قدما ليانثرا والقزم على رمال الشاطئ الأزرق، حتى جذبتهما القرية بنبضها البطيء. رجال داكنو البشرة من شمس البحر، ملابسهم من قماش خشن، وجوههم محفورة بالتجاعيد كأنها جروف صخرية، وعيناهم حذرتان لا تستقران طويلًا على الغرباء.
في الساحة الحجرية، أمام فرن قديم تنبعث منه رائحة الخبز المالح، اجتمع بعض الرجال حول القزم. فتح كيسًا صغيرًا من الجلد وألقى ما بداخله فوق الطاولة الخشبية المهترئة: قطع ذهبية نقية تتلألأ كالشمس المحبوسة. صدى ارتطام الذهب بالحجر جذب أعين الجميع، لكن لمعة الطمع لم تظهر. بل ارتسمت على الوجوه ملامح خوف متجذر.
قال القزم بصوته الأجش، وهو يضغط على الكلمات كمن يحاول أن يخترق صمتهم:
"نحتاج من يعيننا على الإبحار شرقًا… إلى مياه البحر القرمزي. خذوا الذهب، وابنوا سفينة، ورافقونا."
تبادل الرجال النظرات. رجل أشيب بلحية كثة تقدم خطوة، عينيه تشبهان البحر حين يتهيأ للعاصفة، وقال بلهجة حاسمة:
"كل من أبحر في ذلك البحر… ابتلعته أمواجه. لا يعود أحد. الذهب لا يساوي حياتنا."
هزّ آخر رأسه، وأضاف:
"حتى أبسط قواربنا لا نسمح لها بالابتعاد عن الشاطئ أكثر من ميلين. البحر القرمزي ليس كغيره… إنه لعنة."
صمتهم كان أثقل من الرفض. القزم أعاد الذهب إلى الكيس بحركة بطيئة، عيناه لا تلمعان بالطمع بل بالتصميم. ليانثرا، من جانبها، شعرت أن كل كلمة قالوها مثل حائط ينهض في وجهها، لكنها رأت في عيني القزم شيئًا آخر: إصرار من يعرف أن الطريق لا رجعة فيه.
قضى القزم أيامًا يبحث بين الأزقة الضيقة للقرية عن سفينة، لكن لم يجد سوى مراكب صغيرة بالية، مخصصة لصيد السمك، بالكاد تبحر قرب الشاطئ، خشبها متآكل وأشرعتها ممزقة. لم تكن تلك المراكب لتصل بهم إلى ما بعد الأفق، ناهيك عن مواجهة البحر القرمزي.
وفي مساء رمادي، حين اجتمع الضباب على الشاطئ كستار ثقيل، عاد القزم إلى الميناء الحجري، وقف طويلًا يتأمل الأمواج كأنها تبتسم له بسخرية. ثم التفت إلى ليانثرا، وقال بصوتٍ خافت، كأنه يحدث نفسه:
"إن لم نجد سفينة، سنصنعها."
ومنذ اليوم التالي، بدأ القزم يستأجر نجارين من أهل القرية، شيوخًا وشبابًا اعتادوا نحت الخشب لصناعة القوارب الصغيرة. تحت إصراره وذهبه الذي لا يُقاوم أمام الحاجة، وافقوا، وإن كان الخوف يطل من عيونهم كلما ذكر "السفينة" و"البحر القرمزي".
ارتفعت أعمدة خشبية قرب الشاطئ، وبدأت الأيدي تنحت، والمطارق تدوي. ليانثرا تابعت المشهد بذهول؛ لم ترَ سفينة تُبنى من قبل، ولا خشبًا يتحول أمام عينيها إلى أضلاع ستشق الموج. ورغم وجوه النجارين المتجهمة، ورغم الهمسات المذعورة في الأزقة، بدا أن شيئًا يتكوّن… شيئًا يقف متحديًا أمام البحر الأزرق الذي لم يشبع من ابتلاع الأرواح.
رواية أميرة البحر القرمزي الفصل الثاني عشر 12 - بقلم اسماعيل موسى
اكتمل بناء السفينة بعد أيام من الطرق المستمر، وارتجاج الخشب تحت أيدي النجارين، حتى بدا هيكلها كوحش نائم فوق الرمال، متأهبًا لابتلاع البحر. دهنت ألواحها بزيوت مرة الرائحة، وربطت حبالها الغليظة بأوتاد من حديد أسود جيء به من أعماق الجبال.
وقف القزم إلى جوار ليانثرا يتأمل السفينة، والقلق يثقل صدره، إذ لم يكن في القصر أو في الغابة أو في أي أرض من أراضي الجان ما يشبه تلك المغامرة، ولا أحد يجرؤ على أن يبحر نحو البحر القرمزي.
رفض أهل القرية بأجمعهم. كل من سمع باسم البحر القرمزي أشاح بوجهه، ورسم على صدره إشارة خوف قديمة. قالوا: "لا أحد يعود من هناك، السفن تصير هياكل بيضاء على سطح الماء، والأسماء تذوب كما تذوب الأملاح."
حاول القزم أن يضاعف الذهب على الطاولة، لكنهم ظلوا يهزون رؤوسهم. ذهب إلى شيخ الميناء، فرفض. سأل صيادي السمك، فارتعدوا. لم يجد إلا المراكب الصغيرة المتداعية، لا تقوى على الخروج من ظلال الساحل.
ظلوا أياما ينتظرون، والبحر أمامهم يلمع كمرآة زرقاء شاسعة، كأنه يتحداهم أن يقطعوه.
وفي صباح ثقيل، ظهرت عند أطراف الرصيف فتاة نحيلة، بشعر أسود كالح، وعينين واسعتين فيهما بريق لم تفهمه ليانثرا. وقفت الفتاة أمام السفينة وقالت دون تردد:
"سأبحر معكم."
لم يمض وقت طويل حتى زحف نحوهم رجل متسول، كسيح الساق، عرفه أهل القرية بأنه يتسول اللقمة منذ أعوام. كانت ثيابه ممزقة، ورائحته كالحطب المبتل، ومع ذلك، صعد إلى السفينة دون أن يستوقفه أحد. اكتفى القزم بالنظر إليه مطولاً قبل أن يهز كتفيه، كأن الأمر صار محتوماً.
حين شدّت الحبال وأطلقت الأشرعة، تحركت السفينة ببطء، ككائن ضخم يفيق من نومه، ثم راحت تمزق الأمواج، تشق طريقها نحو الأفق.
والبحر، الأزرق أولاً، كان يمتد بلا نهاية، يتبدل لونه شيئاً فشيئاً، كأنه يستعد للكشف عن سر آخر أعمق وأشد خطراً.
كلما تعمقت السفينه داخل البحر أصبحت الأمواج اضخم وأشد فتكا، وراحت السفينه تتمايل والقزم يدعو أن تهدء العواصف حتى لا يهلكون بين انياب البحر.
وعندما توسطت السفينه مياه البحر الشاسع هدأت العواصف.
بعد أيام من الرعب، ثم حل سكون رهيب معه توقف الريح. وظلت الأشرعة ساكنه لا تتحرك.
كان أمر غريب بالنسبه للقزم وليانثرا، بينما ظل المتسول ينظر نحو البحر بتركيز رغم مرور ليله ونهار. الكل نام واستيقظ الا هو والريح ساكنه كأنها رحلت عن البحر.
عندما همس المتسول:
"فليمسك كل منكم بخشبه او صار."
كان الوقت ضهر ولا توجد اى بوادر لريح حتى ان المتسول ربط نفسه بحبل وسط اندهاش القزم والشابتين.
ثم حدث ارتطام جعل السفينه تميل على جانبها وارتفع الصراخ وتدحرج القزم نحو المياه قبل أن تلحقه ليانثرا.
"وحش المياه حارس البحر الأزرق، هكذا صرخ المتسول."
"فليلزم كل واحد منكم مكانه عله يسمح لنا بالمرور."
صرخ القزم:
"والا ماذا؟"
أشار المتسول نحو ساقه وصرخ:
"سنضطر للتضحيه بواحد منا."
"لا تحدثو اى صوت مهما حدث."
ثم ظهر رأس وحش المياه افاتيرس بشواربه الطويله وارتفع ولاحت ازرعة الطويله تقبض على السفينه من كل ناحيه وترجها مثل زجاجه.
"لا صوت، حذرهم المتسول مهما حدث، كأنكم اموات."
لكن القزم لم يتحمل الارتجاجات المتتاليه بعد أن تعلق بالشراع وكاد ان يسقط فى المياه فاطلق صرخه كبيره.
وهنا تضخم افاتيرس أكثر واقتربت رأسه من السفينه.
صرخ المتسول:
"قلت لك لا تصدر صوت."
ثم نزع عنه معطفه البالى وحرك يديه وغمغم بطلاسم. تشكلت بين يديه كور لهب أطلقها على افاتيرس جسده ورأسه.
قبض الوحش افاتيرس على السفينه ورفعها بأذرعه.
صرخ المتسول:
"إلى البحر الان."
وما ان قفزو داخل مياه البحر حتى طوح افاتيرس السفينه إلى مسافه بعيده فتحولت لقطع من الخشب.
ثم سبح نحو الحطام.
"إلى الجهه الأخرى، صرخ المتسول."
"اسبحو بكل قوتكم."
ثم راح يغنى اغنيه غريبه، بعدها ظهرت حورية بحر ومن خلفها مجموعه من الحوريات، بدت مثل اميره.
عندما نظرت اليهم، قال المتسول:
"اشغلى افاتيرس عنا حتى نصل الشاطيء."
قالت الحوريه:
"اذا فعلتها، لا دين لك عندى."
همس المتسول بحزن:
"لا دين لى عندك."
ثم غاصت الحوريه داخل مياه البحر.
وبعد سباحه طويله وصلو جزيره مجهوله.
وفور ان وصلو الشاطيء رقدو على الرمال.
والمتسول يصرخ:
"ليس مره اخرى، ليس مثل كل مره."
"كرهت هذه الجزيره اللعينه واكره وحوشها اللئيمه."
"كان على ان اعبر افاتيرس تلك المره لكنه حطمنى مثل كل مره."
ثم اختفى بين أشجار الجزيره الضخمه.
رواية أميرة البحر القرمزي الفصل الثالث عشر 13 - بقلم اسماعيل موسى
جلس القزم على الشاطئ الرملي يلهث.
إلى جواره، ارتمت الفتاة ليانثرا على الرمال من التعب.
"الراجل اللي كان معانا راح فين؟" همس القزم كأنه يتحدث مع نفسه.
"بدت الغابة بأشجارها أخطر مما تبدو، وكانت تصدر منها أصوات مرعبة. لو كنا هنقضي هنا شوية أيام لازم نلاقي مكان مناسب للمبيت يحمينا من الخطر."
وقفت ليانثرا مستعدة للمشي، لكن القزم أوقفها بإشارة من يده.
"إذا كان المتسول عاش هنا قبل كده، الأفضل ننتظره."
مرت الساعات وحل برد شديد. قبل الغروب، وصل المتسول يركض وفي يده حزمة من الأعشاب.
"كل واحد منكم يمضغ بعض الأعشاب بسرعة قبل ما نتحرك."
"كنت فين؟" سأله القزم.
"مش وقت أسأله دلوقتي، كل دقيقة بحساب، إلا إذا كنت مستعد تتعامل مع المخلوقات اللي هتظهر دلوقتي."
ثم صرخ في الفتاة: "ابعدي عن مياه البحر، إنتي متعرفيش اللي ممكن يطلعلك منها."
أخذت البنت كلامه باستخفاف. ركض المتسول وجر البنت بعيداً عن الميه، ويدوبك عمل كده وحدثت خبطة ضخمة داخل المياه، كأن كانت فيه حاجة قريبة من الشاطئ تستعد لالتهام البنت.
"الشمس قربت تغرب، لازم نتحرك بسرعة ونوصل الجبل."
ركضوا وسط الأشجار خلف المتسول وهو بيحذرهم: "مهما سمعتوا متبصوش للخلف، واصلوا الركض باستماة."
بعد نص ساعة، وصلوا جبل يتوسط الجزيرة وتسلقوا الصخور الضخمة نحو كهف.
أول ما وصلوا الكهف، المتسول أمرهم: "ساعدوني نسد المدخل بالباب الخشبي ده."
وجر باباً خشبياً كان داخل الكهف، ثم وقف أمام الباب يكتب طلاسم على الخشب.
ثم همس: "أرجو أن يكون ذلك كافياً لإبعادها عنا. أشعلوا الحطب!!"
سرعان ما أشعلت النار وجلسوا حولها متجاورين ينعمون بالدفء.
همس القزم: "أريد فنجان قهوة!!"
قال المتسول: "لا تستخدم السحر هنا، أيها القزم."
وقبل أن يسأل القزم: "لما يا فيلسوف عصرك؟"
سمعوا طرقات على باب الكهف، طرقات خفيفة تسمع بالكاد.
همس المتسول: "سدوا آذانكم، أغلقوها بأي شيء."
ثم انطلقت صرخة مهولة كادت تفقدهم السمع، وصلت من خارج الكهف جعلتهم يرقدون على الأرض يرتعشون من الألم.
"من يكون؟" صرخت ليانثرا.
"أقصدِ من تكون؟" همس المتسول بصعوبة.
صرخ القزم: "انطق..."
بصعوبة قال المتسول: "إنها جنية."
صرخ القزم: "نحن جان أيضاً."
قال المتسول: "إنها ليست مجرد جنية عادية، بل جنية ساحرة."
صمت القزم، بينما قالت ليانثرا: "أعرف بعض السحر."
صرخ القزم: "إن كنتِ تتحدثين عن هذا الهراء الذي علمته إياك الجرادة؟ أغلقي فمك."
"كنت تعلم أن الجرادة تعلمني؟ ومن برأيك ذهب وترجاها حتى توافق على تعليمك؟ والدتك اللعينة؟"
ثم أطبق عليهم الصمت. وهمست الفتاة الأخرى: "رحلت؟"
"بل تنتظر." قال المتسول بيقين. "إنها لا ترحل حتى تنهي مهمتها."
أوقف الجان نظره على المتسول: "ما الذي يمنعها من اقتحام الكهف إذا كانت بمثل تلك القوة؟"
أشار المتسول إلى الطلاسم: "يمنعها هذا."
"لكنك تقول إنها ساحرة، كيف لا تستطيع أن تفك هذه الطلاسم؟"
همس المتسول: "لا يمكنها فعل ذلك."
قال القزم بغيظ: "لما؟ من علمك تلك الطلاسم، وما سرك اللعين؟"
فتح المتسول عينيه: "تعلمتها منها عندما قبضت عليّ أول مرة وحبستني، ثم اتخذتني عبدًا لها بعد أن عدلت عن قرارها إطعامي لوحوشها قطعة قطعة." ثم أشار لقدمه المقطوعة.
أدرك القزم أنه لا فائدة من الكلام والجدال مع شخص غامض مثل المتسول.
"اكشف عن هيئتك الحقيقية أيها الأرجواني اللعين..."
همس المتسول: "عرفت ذلك؟"
"من أول نظرة." قال القزم وهو يستعد للأسوأ.
حينها تحول المتسول إلى شاب في غاية الجمال والأناقة. وجه جميل لامع بلوري، جفون طويلة، شعر رأس ناعم ولحية مشذبة بعناية، إلا أنه وقف على قدم واحدة.
ثم انحنى ومد يديه بطريقة أكروباتية: "الكونت كارلو يرحب بكم."
كان جماله طاغياً جعل ليانثرا والفتاة تفتح فمها، فكل ملمح فيه آية في الروعة.
"من أي البلاد أنت؟ وما سبب وجودك معنا؟"
"من بلاد الفلامنجو، أتذكر ياخ لاطومي بانس يو."
انحنى القزم: "مرحباً بك أيها الأمير."
"تعرف لغتنا؟" سأل كارلو بتعجب.
قال القزم: "أعرف كل لغات أرض الجان والبشر، أيها الأمير. هل يمكنني أن أعرف سبب وجودك معنا؟"
شرد الأمير وهمس بحزن: "جئت قاصداً الأميرة المنفية، لكن البحر الأزرق عاندني."
هنا سمعوا صوت جميل يغني خارج الكهف.
"سدوا آذانكم، لا تسمعوا لها." أمرهم الأمير. "في غنائها سحر يخضع من يسمعه."
"متى سترحل؟" سألت ليانثرا بخجل.
قال الأمير: "إنها لا ترحل أبداً إلا ساعة كل نهار، ولا أحد يعرف تلك الساعة لأنها تغيرها باستمرار."
قال القزم وهو يضيق عينيه: "لكنك تعرف؟"
ابتسم الأمير مونت كارلو: "أجل، ظللت هنا شهوراً أحسب حتى توصلت لسرها وتمكنت من الهرب. لكن الأشجار تخبرها، والطيور تخضع لها، والحشرات تخدمها، والريح جاسوسة لها، والحيوانات داخل الغابة خاضعة لسحرها."
قال القزم: "أنت تحيرنا يا أمير. معك، إذا كان كل ذلك، كيف سنهرب؟"
قال الأمير: "لأن هناك يوم كل شهر تذهب فيه الساحرة الجنية لملاقاة حبيبها في أرض بعيدة، حينها لا يمكنها التواصل مع الجزيرة."
رواية أميرة البحر القرمزي الفصل الرابع عشر 14 - بقلم اسماعيل موسى
همس القزم، هذه الجنيه لا تمل أبداً؟
قال الكونت مونت كارلو ضاحكاً: في الحقيقة قد تتركنا في حالنا إذا تطوعت حضرتك وخرجت لها.
قال القزم: أشعر أيها الأمير أن لديك خطة؟
قال الأمير: لدي خطة وانتقام، ربما ألقاني البحر الأزرق إلى هذه الجزيرة اللعينة لأقتص مما فعلته بي.
"هل تعرف أنك هنا؟" سألت ليانثرا بصوت هامس.
"بالتأكيد أيتها الصغيرة، تعرف أنني هنا وأنك هنا، إنها تعرف كل شيء على جزيرتها."
لم يعجب ليانثرا وصفها بالصغيرة، لكنها اختارت الصمت.
"ربما تحدث معركة قريبة تثبت فيه للأمير قوتها وصلابتها."
"ما العمل الآن؟" سأل القزم وقد تقطعت أفكاره.
"نجلس هنا بلا طعام حتى الموت." همس الأمير ساخراً وهو يضع رأسه فوق يديه.
وتذكرت الفتاة الأخرى أنها جائعة، قالت: "أنا أحتاج طعام." ثم خاطبت الأمير: "هل يمكنك أن تساعدني؟"
"وهي بالخارج؟ مستحيل، أنا أفضل الموت عن رؤية وجهها القبيح."
"خائف أنت؟" همست ليانثرا بتحدي.
"ليس خوف، لكن حذر، ميارجنا واقفة خارج كهفنا، والجزيرة كلها في صفها، الخروج الآن يعني الموت."
"سأخاطر." همست ليانثرا بلا مبالاة وهي تتسلق الصخور.
صرخ القزم: "توقفي يا ليانثرا، إنها ليست لعبة لعينة."
"لدينا مهمة."
"برأيك؟" صرخت ليانثرا، "كيف سنقوم بمهمتنا ونحن غير قادرين على التبول؟"
عندما وصلت ليانثرا سقف الكهف حيث الفتحة الضيقة التي يهطل منها الماء، توقف الطرق على الباب وسمع صوت خربشة أظافر تتسلق الصخور نحو فوهة الكهف.
صرخ الأمير: "انزلي الآن."
"شعرت ميارجنا بحركتك، لكن الوقت كان قد فات."
من فوهة الكهف نزلت أذرع طويلة سحبت ليانثرا واختفت.
صرخ القزم: "يا ويلي ليانثرا، ليانثرا؟"
"ليس الآن." أمر الأمير، "كل حركة الآن مرصودة، ميارجنا تتعمد استفزازنا."
"لقد أخذت ليانثرا يا أمير، ماذا ننتظر أكثر؟"
"ليانثرا كانت متهورة وقحة وتستحق بعض العقاب."
"سوف تقتلها." صرخ القزم.
"لا." قال الأمير بثقة، "إن ما تريده ميارجنا ليس الفتاة، بل أنت."
"ولا يمكنني أن أتركها للموت." صرخ القزم وهو يحاول إزاحة الباب.
منعه الأمير بالقوة، "ربما تريد أن تخسر نفسك، لكننا جماعة واحدة، إذا كنت مصر على تسلق الصخور، ميارجنا تنتظرك."
جلس القزم بلا حيلة وشعر الأمير بحزنه.
"لا تقلق يا فرانتا، في الصباح سنعيد ليانثرا، أنت وأنا مع أول شعاع للشمس سنكون أمام كهفها، تكون ضعيفة ميارجنا مع أول شعاع للشمس."
"وكيف تعرف أنها سترحل ولن تقيم خارج الكهف حتى تقضي علينا؟"
قال مونت كارلو: "حينها كنت ستسمع صراخ ليانثرا التي كانت تعتقد أنها بطلة."
"لا أستطيع أن أنتظر للصبح، بك أو بدونك أيها الأمير سأخرج الآن، ابنتي تحتاج مساعدتي."
رفع الأمير رأسه من على الأرض: "صدقني يا فانتر، الخروج الآن لن يفيدنا في شيء."
"هناك وحوش وكائنات شريرة داخل الجزيرة."
"لا أستطيع، لا أستطيع أن أمكث هنا وليانثرا تعذب، افتح الباب، وبعد أن أخرج أغلقه."
"ليس وحدك." قالت الفتاة الأخرى المنزويه إلى جوار الجدار.
فتح الأمير الباب وألقى نظرة تجاه الغابة وخرج القزم والفتاة.
لكن الأمير لم يغلق الباب بل سبقهم نحو الصخور.
"ستذهب معنا؟" همس القزم بشك.
"كيف برأيك ستعرف كهف الساحرة دوني؟ أنا مصائرنا مربوطة ببعضها يا فانترا، إذا مت احرص أن تمنحني دفنة لائقة وأن ترش على قبري مياه عذبة وتنشر الأزهار."
هبطوا الصخور نحو الوادي وكل حركة تشعرهم بالمراقبة.
"إذا لم تهاجمنا وحوش الليل أعرف أن الساحرة تنتظرنا."
قال القزم: "لدي حيلة قديمة قد تنجح، علينا أن نتحول لكائنات السانتكير البحرية ونسير مثلها."
"الوحوش تكره السانتكير لأن لحومها سامة."
أغمض القزم عينيه وأطلق تعويذته التي يحفظها عن ظهر قلب.
ثم ساروا وسط الأشجار دون أن يعترضهم أحد.
وقبل أن يصلوا كهف الساحرة، هاجمهم وحش ضخم وطرحهم أرضاً، لكنه بعد أن تشمم أجسادهم بال عليهم وتركهم راقدون على الأرض.
همس الأمير: "في النهاية أثبت أنك ذو فائدة يا فانتر." ثم تسحبوا حتى باتوا على مقربة من كهف الساحرة واختفوا داخل جذع شجرة سنط هايتي.
من مكانهم سمعوا صراخ ليانثرا، ورغم أن القزم لم يتحمل الألم إلا أن الأمير أمرهم بالصمت حتى شروق الشمس.
مع أول شعاع للشمس كانوا متأهبين أمام باب كهف الساحرة.
التي غطت وجهها وكل جسدها بقماش أحمر.
كانت ليانثرا مربوطة بالسلاسل تفوح منها رائحة الشواء.
همس الأمير: "حرروا ليانثرا واتركوا لي أمر الوحش، لدينا مجرد دقيقة لا أكثر."
عندما مر من أمام الساحرة أدرك الأمير أنها غير موجودة.
مارست حيلتها القديمة بالسفر خلال الزمن تاركة نسخة منها.
استل الأمير سيفه أمام الوحش بينما قطع القزم سلاسل ليانثرا وحررها من القيد.
ثم سمع صراخ الأمير: "اهربوا."
ركضوا جميعاً والوحش يركض خلفهم.
صرخ القزم: "قلت إنك ستتولى أمر الوحش؟"
قال الأمير: "وقد فعلت، منحتكم الوقت، وحوش الغاشمة لا تموت."
مروا خلال الغابة يركضون بكل سرعتهم والأمير يصرخ: "البحر، البحر، اقفزوا داخل البحر."
ثم حل ضباب كثيف غطى الجزيرة.
"الساحرة هنا." صرخ الأمير بكل صوته ثم غنى بلغة الجان.
واستمعت له مياه البحر الأزرق.
رواية أميرة البحر القرمزي الفصل الخامس عشر 15 - بقلم اسماعيل موسى
هي الدنيا ضلمت كده ليه؟ تسأل القزم فانتر والضباب الكثيف ابتلع الجزيرة.
بينما تعالت الأمواج وضربت شاطئ الجزيرة بقوة وانتشر رزازها داخل الغابة، كأن إعصار ضرب البحر.
بدا للناظر أن هناك حرب بين الضباب ورزاز الأمواج.
توقف الأمير مونت عن الركض أمام الشاطئ ولحق به البقية.
فانتر المرتعب صرخ: والآن ماذا؟
قلت: نركض تجاه المياه اللعينة وها قد وصلنا.
هل تتجرأ على القفز في مياه البحر الأزرق وقت غضبه؟
سأل الأمير بنبرة جادة لأول مرة.
عندما يكون البحر الأزرق غاضب لا تعرف أين قد يقذف.
بدأت الأشجار تتقصف وتنقلع من جذورها.
كان الوحش يفسح الطريق لمولاته مارجينا، التي ظهرت تمشي على الأرض بفستان أحمر ووشاح أزرق حول رقبتها، وفي قدمها كان حذاء من لحاء شجرة إبنسيد، وشعرها الطويل جديلة منتصبة خلف عنقها.
توقفت على بعد خطوات وعلى وجهها ابتسامة ساخرة.
يبدو أنني أحسنت تعليمك يا أمير؟
تعرف أن البحر لن ينقذك مني، في البحر أسوأ مخاوفك تتحقق، على الأقل معي لديك فرصة.
ارتعش جسد الأمير، كانت الساحرة مارجينا تنطق بالحقيقة.
وراح جسده يترنح.
ليس الآن، صرخ القزم وهو يسند الأمير.
بينما همس الأمير: لا أستطيع نزول البحر الآن، البحر سوف يقتلني.
وكانت مارجينا تبث سحرها خلال الريح الذي وصل إلى عقولهم.
انجذب الأمير ناحية مارجينا ومشى تجاهها بغير وعي.
هناك بعض التفاصيل الصغيرة دائمًا التي لا نضعها في خططنا.
تلك الجزئيات التي تغير الكل، وتتحكم في القدر الهائل من الأهوال التي تحيق بنا.
توقف يا أمير، توقف، هذا سحر، صرخ القزم فانتر وهو يمسك رأسه من الصداع.
انطلقت ليانثرا تركض تجاه الأمير الذي كان على وشك أن يترك الخط الفاصل بين البحر والجزيرة.
احتضنت الأمير الهاذي وقبلته، قبلة طويلة وهي تهمس: لن يحدث لك أي شيء ما دمت معنا.
وتراجعت خطوات قبل أن تدفع الأمير داخل البحر وتبتلعه المياه.
ومع صراخ مارجينا الغاضب، دفعت القزم والفتاة الأخرى ثم ألقت بنفسها داخل البحر.
مستحيل أن تهرب مني مرة أخرى، صرخت الساحرة مارجينا ثم أشارت للوحش وقفزت داخل البحر.
داخل البحر الهائج متلاطم الأمواج جرتهم التيارات البحرية بسرعة فائقة.
لم يتمكنوا من الرؤية ولم يسمع أحدهم صراخ الآخر.
اقتلعت ليانثرا عشبة بحرية حمراء وابتلعتها على الفور.
رأت الأسماك تسبح حولها وبعد أن فقدت الوعي للحظات استعادت وعيها وكانت قادرة على التنفس.
دحرجها التيار البحري حتى نهايته ثم قذفها داخل أخ دود عميق مظلم.
سبحت ليانثرا داخل المياه حتى وصلت كهف ضيق دخلته لتستعيد أنفاسها.
اخرجي من هنا، سمعت صوتًا قادمًا من داخل الصدع البحري.
وظهر أخطبوط عملاق يحمل أطفاله.
اخرجي من بيتي، نحن لا نرحب بالغرباء.
هربت ليانثرا من الكهف وركنت على القاع.
كل ما حولها كان مظلمًا.
لم تعرف ليانثرا أين رماها التيار البحري، لكن كل ما حولها كان يطالبها بالهرب.
سبحت وسبحت خارجة من الخندق العميق.
ومع كل ضربة للمياه كانت تشعر أن روحها تهرب منها.
تذكرت ليانثرا دروس الجرادة العمياء التي كانت تسخر منها.
عندما حدثتها عن البحر وأسراره حينها قالت: أين أنا وأين البحر يا جرادة؟
قالت الجرادة: أنت لا تعرفين أين قد تقودك طرقك أيتها الطفلة.
الآن تشعر ليانثرا بالامتنان للجرادة، لولاها لكانت ميتة الآن.
وتمنت أن يكون القزم فانتر والأمير والفتاة الأخرى تمكنوا من النجاة مثلها.
حينما وصلت المياه خارج الأخدود شعرت ليانثرا ببعض الراحة وتفرجت على القشريات الصغيرة التي تسبح حولها.
ثم لاح من بعيد سمكة ضخمة جدًا.
اختفت ليانثرا خلف صخرة ومر إلى جوارها سرب الحيتان مع أطفالهم.
حشد ضخم يقرب من المائة مهاجر نحو الجنوب.
انتظرت ليانثرا نهاية السرب ثم سبحت خلفه.
عندما ابتلع البحر الأمير مونت كارلو لم يحتفظ سوى بتلك القبلة التي منحتها له ليانثرا.
قبض عليها بكل قوته.
لعل البحر يكون رحيمًا به، إن البحر موطن الجمال الحقيقي لا يعرف الزيف.
دحرجته الأمواج القوية بلا حول منه أو قوة.
مخلوق مسلوب الإرادة حتى ألقته على شاطئ جزيرة.
لأول وهلة ظن الأمير أن البحر أعاده إلى الساحرة مارجينا.
لكن عندما تأمل الجزيرة بتلالها الخضراء وطيورها أدرك أنه مكان آخر.
مشي بين سهول زهور الباروخ والسلنجر التي تفوح منها رائحة عبقة حتى أوصلته قدماه مرجًا من العشب.
غطته أشعة الشمس الذهبية، استلقى الأمير على العشب شاعرًا بالسعادة والراحة.
وسرعان ما سمع غناء قادمًا من بعيد صوت عذب ندي رقيق مذهل.
على صخرة في منتصف البحر وجد القزم فانتر نفسه رفقة الفتاة.
كانت صخرة كبيرة لا زرع فيها ولا ماء.
اللهم من بجعة ضخمة مستلقية فوق الصخرة غارقة في نعاس عميق.
رواية أميرة البحر القرمزي الفصل السادس عشر 16 - بقلم اسماعيل موسى
كانت البجعة ضخمة مثل بقية طيور أرض الجان، حتى أن القزم فانتر أمر الفتاة بالصمت كي لا يوقظوها من نومها.
تمتلك فم يمكنه ابتلاعي.
دفعه أحدهم، يا فتاه، إنها مجرد بجعة يا فانتر، ونحن جنيان أقوياء، البجع يخشى الجان.
أطلق فانتر نظره على البجعة مرة أخرى، لست متأكد أن هذه البجعة تخشى أي شيء، إنها مثل ساركموث ضخم يا تاليا.
تاليا لم تستوعب مخاوف القزم، لدى الجان لا مبالاة طبيعية.
أمسكت حجراً وقذفته على البجعة.
صرخ القزم، أنت فتاة لعينة فعلاً.
فتحت البجعة فمها وطردت النعاس من عينيها الكبيرتين.
ثم حركت أجنحتها بكسل قبل أن تراهم.
ثم همست، ماذا أرسل لي البحر الأزرق اليوم؟
وعندما تحركت، لمح فانتر العظام البشرية التي كانت تجلس فوقها.
صيد جديد.
ضربت البجعة بجناحيها، أنا جائعة فعلاً.
لسنا صيداً، صرخ القزم فانتر، نحن محاربون أقوياء.
قالت البجعة، معدتي لا تفرق بين محارب ومسالم.
بين جندي وتاجر، أنا جائعة فعلاً.
ارتحتي؟ صرخ القزم في تاليا وهو يمسك صخرة يدافع بها عن نفسه.
سأسألهم الصغير أولاً، همست البجعة كأنها تكلم نفسها.
هذا ما توقعته، كونك قصيراً في هذه الحياة لا يجلب لك سوى المصائب والسخرية.
أيتها البجعة الموقرة، خاطبها فانتر، أريد أن أوضح لسعادتك شيئاً.
ماهذه الفتاة؟ قذفت الصخرة تجاهك، لقد حاولت منعها لكنها رفضت.
قلت لها أن هذه البجعة الجميلة لا يجب أن نزعجها، لكن كما تلاحظين، إن قزم صغير لا حول له ولا قوة.
استلت تاليا حربتها واستعدت للقتال، لن أستجدي بجعة حقيرة.
تقدمت البجعة بثقة بينما اختفى القزم خلف صخرة.
ضمت البجعة جناحيها حول جسدها حامية نفسها من الحربة التي كانت تاليا تضربها بها، وكان لها جناحين أشبه بالدرع.
ثم ضربت تاليا بمخالبها، جرحت صدرها وسال منها الدم.
سقطت تاليا على الأرض تتألم، بينما وضعتها البجعة بين قدميها وفتحت فمها لابتلاعها.
لن تساعدني؟ صرخت على القزم المختفي.
وأنا مالي، مش عملتي فيها بطلة؟ البسي.
قالت تاليا، دي مش رجولة يا فانتر.
دلوقتي بقت مش رجولة؟ من شوية كنت عاملة نفسك بطلها.
من النساء لا يتركونك أبداً إلا محطماً تماماً.
خرج القزم فانتر من خلف الصخرة وضرب البجعة بحجر.
جعلها تستدير نحوه.
صرخ القزم، اعذريني أيتها البجعة الموقرة، هذه الفتاة مذاقها سيء جداً، ثم إنك لست سريعة على الإطلاق كما أخبرتنا الشبّارة الضخمة، هي التي نصحتنا أن نقصد صخرتك لأنك ضعيفة وحمقاء!
أي شبّارة؟ صرخت البجعة.
من حسن حظ فانتر، كانت هناك سمكة عملاقة ترعى قرب الصخرة تأكل في الرخويات الملتصقة بالصخرة.
هذه، وأشار فانتر بيده.
تحركت البجعة ثم ضربت بجناحيها وطارت في الهواء.
وما هي إلا لحظات حتى كانت السمكة الضخمة بين مخالبها.
إلى الماء، صرخ فانتر، الآن يا تاليا، اكتمي أنفاسك وغوصي تجاه العمق.
سبحت ليانثرا خلف سرب الحيتان الذي كان يسير ببطء.
وكان السرب يغني خلف واحدة من الحيتان ويردد خلفها الكلمات.
تأخر حوت رضيع وسبح جوار ليانثرا.
أنت بشرية؟
اسكت، أمرته ليانثرا.
قال الحوت الصغير، أنت بشرية حقاً؟
لا تصرخي، أمرته ليانثرا، اسكت وسأحكي لك قصة.
هنا بشرية يا والدي، صرخ الحوت الرضيع مخرجاً ذبذبات قوية.
في الأمام كان قائد السرب، حوت عجوز.
لاحظ عكارة في مياه البحر وبخبرته أدرك أن هناك شيء غير صائب.
استعدوا للقتال.
وبعد لحظات ظهر سرب القروش يسبحون في مجموعة كبيرة يقودهم قرش ضخم له شوارب عظيمة.
إنه باترس.
صرخ الحوت العجوز، باترس يعد نفسه ملك البحر الأزرق ويشن هجمات على كل الأسماك التي تحاول الهجرة.
ابتسم باترس الشاب وضرب المياه بزيله.
إلى أين تظن نفسك ذاهب يا مالكو؟
صرخ الحوت بالكو، هناك قوانين وضعها الملك شرباخ، بحرية التنقل داخل مياه البحار والمحيطات، أنت تخرق القوانين يا باترس.
صرخ باترس وهو يستعد للهجوم، أنا لا أخرق القوانين يا مالكوم، تعرف لماذا؟
لن يعيش ولا واحد منكم ليخبر شرباخ عن ما حدث هنا.
هنا ستكون مقبرتكم، البحر الأزرق ملكي.
وشرباخ مجرد ملك عجوز وضعيف.
اصطدم مالكوم وشرباخ ودارت المعركة بعد أن أحاطت كتيبة القروش بالحيتان.
ضرب مالكوم باتروس بزيله ضربة قوية طوحته لبعيد لكنها لم تقضى عليه وارتطم بالصخور.
تعكرت المياه، ارتفعت غيمة من القاع.
صرخ الحوت الرضيع في ليانثرا، ساعدينا، جدي حوت عجوز.
باترس سيقتله.
هجرت ليانثرا الحوت الرضيع واختفت داخل كهف بحري وأمرته بالصمت مهما حدث.
في الخارج، عاد باترس بكل سرعته ليغرس أنيابه في جسد مالكوم العجوز.
ثم راح يجره ويهزه حتى قطع جزء من جسده.
ترنح الحوت العجوز وسرعان ما عاد باتروس ليقضم رأسه بفمه الضخم حتى قتله.
ثم وقف وأمرهم، اقتلوهم جميعاً، لا أريد أحداً حياً.
شرعت القروش في تمزيق الحيتان وامتلأت المياه بالدماء.
قتلوا كل الحيتان حتى الرضع منها.
صرخ باتروس، فتشوا الكهوف، لا أريد أي أخطاء.
انطلق الأمير خلف صوت النغم الذي سمعه.
مشى مسافة كبيرة حتى ظهر له قصر عظيم فوق تلة.
تأمل الأمير القصر البهي متعدد الشرفات المكسوة جدرانه بالياقوت الأحمر والزمرد.
كان الصوت قادماً من داخل القصر وكان باب القصر مفتوحاً.
رواية أميرة البحر القرمزي الفصل السابع عشر 17 - بقلم اسماعيل موسى
كان البحر يهمس بأسماءٍ لا يفهمها، كأنه ينعى الراحلين.
صعد الأمير مونت التلّ المكسو بالعشب الأزرق، وعلى قمته وقف القصر الغارق فى الصمت.
لم يكن القصر يشبه شيئًا من ممالك الجان التى عرفها؛ كانت جدرانه من عظم المرجان، وسقفه من زجاج البحر، تتلألأ فيه دوامات الضوء كأنها أنفاس مخلوقاتٍ حبيسة.
دفع البوابة التى فُتحت وحدها، ودخل.
الهواء فى الداخل ثقيل، تفوح منه رائحة الملح والعزلة.
الأعمدة منحوتة على هيئة حورياتٍ مبتسمات ودموعٌ من لؤلؤٍ تتدلّى من عيونهنّ.
كان المكان حيًّا بطريقةٍ باردة، كأن الجدران نفسها تراقب خطواته.
وفى نهاية الممر الطويل، رأى العرش.
وفوقه جلست امرأةٌ لا يمكن أن تكون من هذا العالم.
كانت جنية... شعرها الأسود يسقط فى جدائل كثيفة كأنها شلالات من ليلٍ سائل، وعيناها بلون الأعماق.
جلست بثوبٍ من حرير البحر، يُغيّر لونه كل لحظة بين الأزرق والقرمز، ويدها تستند إلى سيفٍ زُيِّن بصدفٍ أبيض كأنها لم تنسَ القتال يومًا.
حين رآها الأمير، شعر أن البحر الذى ابتلعه قد لفظه خصيصًا لأجل هذه اللحظة.
تأمّل وجهها، وشعر أن الزمن تراجع ألف سنة إلى الوراء.
قالت بصوتٍ يحمل صدى الموج البعيد:
«لم يُرسل البحر أحدًا إلى هنا منذ الف عام. من تكون؟»
أجابها بانحناءةٍ خفيفة، بنبرةٍ تليق بنسل الملوك من الجان:
«أنا مونت، ابن كارلو، من بيت الضباب الأزرق، حفيد الأمير ريثان.»
ارتجف الهواء لحظة نطق اسمه، كأن الجدران تعرفه.
رفعت حاجبها، فى عينيها اندهاشٌ وشيء من الخوف:
«بيت الضباب؟ ظننت أنكم انقرضتم جميعًا منذ الحرب الثالثة.»
قال الأمير بمرارةٍ خفيفة:
«نحن لا ننقرض، فقط نختبئ من لعناتنا.»
ابتسمت بسخريةٍ باهتة، وقالت:
«أحسنت القول يا ابن الضباب. أما أنا، فابنة الملك الجني التاسع، نالانثرا بنت الملك أورين، المنفية إلى هذا المكان منذ ألف عام. هنا لا شمس تُشرق تمامًا ولا قمرٌ يكتمل.»
تقدّم خطوةً، عينيه لا تفارقانها:
«قيل إن نالانثرا ماتت منذ زمنٍ بعيد، بعد أن خانت مجلس الممالك.»
قالت بصوتٍ منخفض كأنه اعتراف:
«لم أخن، بل رفضتُ. رفضتُ أن أتزوج من ابن العرش الشمالي. فكان النفي جزائي. منذ ذلك الحين، كل موجة تحمل إلى أذني صوت والدي يلعن اسمي.»
اقترب منها أكثر، وهتف:
«ألف عام من المنفى؟» وشعر بالحزن لحالها.
أجابت، وابتسامتها تتكسر كالزجاج:
«الجزيرة لا تسمح بالموت. هذه الأرض وُلدت من دم جنيٍ خُلد رغمًا عنه، ومن شجرٍ يسقيه البحر بدل المطر. نحن لا نموت هنا... فقط نصمت حتى ننسى أننا أحياء.»
ساد صمتٌ طويل، ثم قالت وهي ترفع رأسها نحوه:
«لكن البحر لا يخطئ حين يرسل أحدًا إلى شواطئي. لم تأتِ صدفةً، يا ابن الضباب الأزرق.»
وقبل أن يجيبها، هبّت ريحٌ عاتية، ارتجّت لها أروقة القصر، وانطفأت المشاعل كلها، وبقي ضوء القلادة حول عنق نالانثرا، يتوهّج كقلبٍ من نارٍ لا تنطفئ.
وفى تلك اللحظة، شعر الأمير أن البحر يراقبهما معًا، كأنه ينتظر اعترافًا لم يُقال بعد.
سكنت القاعة الطويلة لحظة، لا صوت فيها سوى خرير الماء المتسلل من الشقوق البحرية العتيقة.
كانت الأميرة نالانثرا تنظر إلى الأمير وكأنها لا تصدق ما ترى.
تحرّكت ببطء، اقتربت حتى صار بينهما بضع خطوات، ثم مدت يدها المرتجفة ولمست كتفه بحذرٍ شديد، كأنها تخشى أن يتبدد فى الهواء كما تبددت أحلامها آلاف المرات.
قالت بصوتٍ خافت كأنها تخاطب نفسها:
«أدفئ… أدفئ حقًا…»
ثم مدت يدها الأخرى، تحسست بشرته كما يتحسس الأعمى وجه حبيبٍ ضائع.
ارتجفت أصابعها حين لمست نبضه، وارتسمت على شفتيها ابتسامة قصيرة انطفأت سريعًا.
«أنت فعلاً كائن حي؟»
تنفست بعمق وقالت:
«ظننتك وهمًا آخر من أوهام البحر. كم من مرة رأيتُ وجوهًا تخرج من الموج وتناديني، وحين أمد يدي إليها، تتفتت وتعود ماءً منسيًا. حتى صرت لا أصدق العيون ولا الأصوات. كنت أتكلم مع الصخور، مع الريح، مع الطيور التى تموت عند الشاطئ قبل أن تنطق… كنت أعدّ المد والجزر كأنه الزمن الوحيد الذى تبقّى لى.»
جلست على الدرج الرخامي للعرش، وأشارت إلى مكانٍ قريب منه:
«اجلس يا ابن الضباب الأزرق، ففى هذه القاعة لا أحد يسمع سوى البحر.»
جلس الأمير ببطء، وكان الضوء المنكسر على جدران القصر يعكس وجهيهما كأن الموج يراقب اعترافها.
قالت الأميرة:
«فى الليلة الأولى من نفى، بكيت حتى تجمّد الدمع فى عيني. فى الليلة العاشرة، نسيت شكل وجهى. وفى السنة المئة… صرت أحادث القمر فلا يجيب. كنت أراه يكتمل وينقص دون أن يرمى على هذا المكان شعاعًا واحدًا من دفء.»
سكتت لحظة، ثم أضافت بصوتٍ أكثر خفوتًا:
«وحين سكت البحر ذات ليلةٍ طويلة، ظننت أنه مات. كنت أمشى على الشاطئ، أفتش عن جثة الموج… حينها عرفت أن الوحدة ليست موتًا، بل حياةٌ بلا أحد يشهدك.»
رفعت عينيها نحوه، وابتسمت بخجلٍ غريب، ابتسامة من نسيت كيف يُبتسم:
«الآن أراك أمامى، تسمعنى، تردّ إذا ناديتك… أكاد لا أصدق أن أحد وصل إلى هنا أخيرًا. أم أن البحر يسخر منى للمرة الأخيرة قبل أن يستعيدنى؟»
قال الأمير، بصوتٍ يحمل شيئًا من الحنو والدهشة:
«أنا لست وهمًا، يا نالانثرا. لم أقطع البحر لأجل سرابٍ. جئت لأن شيئًا ما فى دمى ناداني إلى هنا.»
رمقته طويلاً، ثم همست كأنها تفكر بصوتٍ عالٍ:
«ربما لم يخطئ البحر هذه المرة... ربما أرسل لى من يعيد الحياة لما تبقى منى.»
تسللت نسمة باردة إلى القاعة، أطفأت شمعة من بين عشرات الشموع، وانعكست على وجهها ظلالٌ كأنها أرواح لياليها الماضية.
بدا أن الجزيرة نفسها تُصغى لحديثها — جزيرة تعرف الحنين أكثر مما تعرف الزمن.
كان البحر الأزرق يعجّ بالفوضى.
التيارات تجرى محمّلة بدم الحيتان، والفقاعات تصعد إلى السطح كأرواحٍ مذبوحة تحاول الفرار من العتمة.
وفى قلب تلك العاصفة المائية، سبَح القرش العملاق باتروس، جسده كقلعةٍ متحركة، زعانفه تمتد كأجنحة ظلٍّ هائل، وعيناه تبرقان كبقعتين من لهبٍ فى العتمة السائلة.
صوته دوّى تحت الماء، كأنه زئير جبلٍ انكسر نصفه فى البحر:
«فتّشوا الكهوف جميعها، لا أريد أن ينجو أحد! اجلبوا لى رؤوس الحيتان الكبار، سأجعل منها تاجًا يزيّن عرشى. البحر الأزرق لى الآن، وشرباخ لن يكون سوى ذكرى باهتة لملكٍ عجوزٍ خائفٍ من موجةٍ واحدةٍ من أمواجى!»
انطلقت القروش بأوامره ككتائبٍ من جحيمٍ مائى، تخترق الأعشاب البحرية وتُفتّش بين الصخور والصدوع.
كانت المياه تتلوّى حول أجسادها، فتُثير الدوامات وتخنق ما تبقّى من أنفاس الكائنات الصغيرة.
أىّ كهفٍ يجدونه، يقتحمونه بلا تردّد، وأىّ ظلٍ يتحرك، يُمزّقونه قبل أن يعرف إن كان عدوًا أو مجرد سمكةٍ تائهة.
كان باتروس يراقب من بعيد، جسده الهائل يلقى ظلًا كالغيوم السوداء، كل ضربةٍ من ذيله تخلق موجةً جديدة تُعيد خلط الدم بالرمال.
ثم بدأ يسبح ببطءٍ نحو الكهف الأكبر، حيث كان مالكوم — الحوت العجوز — قد لفظ أنفاسه الأخيرة.
نظر باتروس إلى الجسد الممزق وقال بنبرةٍ عميقة تهزّ الماء:
«هكذا يسقط آخر حيتان البحر الأزرق... وبهذا يبدأ عهدى. من اليوم لن يُغنّى فى هذه المياه سوى صدى أنيابى.»
ضحك بصوتٍ أقرب إلى دمدمة زلزال، فاهتزّت الصخور المرجانية من حوله، وتساقطت منها كتل صغيرة أطلقت غبارًا أحمر غطّى المكان.
ثم التفت إلى أحد قادته من القروش وقال:
«اجمعوا الرؤوس وصفّوها حول العرش المرجانى، أريد أن يرى كل من يدخل مملكتى أن باتروس هو الملك الحقيقى للبحر الأزرق، لا ذلك الشائب الضعيف شرباخ الذى يختبئ خلف الموج ويخاف ظله.»
تحركت القروش بأفواهٍ دامية، تحمل الرؤوس الضخمة للحيتان، وتُسحبها عبر الممرات المائية إلى حيث يقبع العرش المرجانى فى أعمق أعماق البحر.
كانت المياه قد تغيّر لونها، لم تعد زرقاء، بل صارت كأنها خمرٌ أسود من دمٍ وليلٍ ممزوجين.
أما فى الكهف البعيد، كانت ليانثرا ما تزال تحتضن الحوت الرضيع المرتجف إلى صدرها، تستمع إلى صدى الأوامر البعيدة والضحك الوحشى الذى يهزّ القاع.
كانت تعرف أن باتروس يبحث عن كل أثرٍ للحياة — وأن أىّ صوتٍ خاطئ، أىّ فقاعة هواءٍ تُفلت من فمها، قد تجعلها هى والرَضيع جزءًا جديدًا من زينة عرش الملك الجديد.
فى تلك اللحظة، ارتفعت من بعيد أصوات القروش وهى تعلن:
«لا أحد هنا يا مولانا، لا أحياء، لا أثر!»
ابتسم باتروس وهو يدور فى الماء كدوامةٍ حية، وقال بنبرةٍ غليظةٍ متلذذة:
«إذن تمّ الأمر... البحر الأزرق الآن خالصٌ لى. وشرباخ... لن يسمع إلا أصداء هجماتى القادمه.»
ظلّت ليانثرا قابضةً على جسد الحوت الصغير بكل قوتها، تحاول كتم أنفاسها بينما ظلال القروش تمرّ فوق الكهف كأشباحٍ مظلمة.
كان الرضيع يرتجف، فغطّت فمه براحتها الصغيرة وهمست له داخل الماء:
«اصمت يا صغير، البحر نفسه يسمع، والظلام له عيون.»
بقيت هكذا حتى خفتت الأصوات تمامًا، ثم تسرب إلى أذنيها صوت خافت أشبه بأنين الصخور حين تتحطم تحت الضغط.
حينها أدركت أن الوقت حان.
دفعت جسدها خارج الشق الصخرى ببطء، تتقدم زحفًا بين الأعشاب المائية، والحوت الصغير يلتصق بجانبها كطفلٍ يتشبث بأمه.
كانت المياه باردة، وكل موجة تحمل رائحة الدم والحديد.
فى الأعلى، كانت كتيبة القروش تبتعد، تتجه جنوبًا نحو العرش المرجانى حيث يحتفل باتروس بانتصاره الدموى.
استغلت ليانثرا تلك اللحظة، رفست بقدميها دفعتين متتاليتين وانطلقت نحو الشمال، نحو العتمة الأكثر كثافة، حيث لا تصل أشعة الشمس ولا صوت الحياة.
سبحتا مسافات طويلة، لا يرافقهما سوى الضوء الأزرق الباهت المنبعث من قناديل البحر، كانت القناديل تصطفّ كأنها نجوم طريقٍ مائى، تومض وتنطفئ ببطءٍ كأنها تتنفس.
فى بعض اللحظات، كانت ليانثرا تشعر أن البحر نفسه يراقبها، كأنّ له وعيًا يعرفها ويتتبعها أينما ذهبت.
قال الحوت الصغير بصوت مرتجف:
«هل سننجو؟ البحر هنا بارد يا ليانثرا، وكل شيء يختبئ.»
أجابته وهى تسبح بخطٍّ متعرج بين الصخور المضيئة:
«النجاة لا يمنحها البحر، بل ننتزعها منه. البحر لا يرحم أحدًا.»
وفى الأعماق الشمالية، حيث لا تصل القروش عادة، ظهرت أمامهما فجوة ضخمة بين جبلين من المرجان الأسود.
كانت أشبه بممرٍّ سرّى يفتح على بحرٍ آخر، تيارات قوية تسحب الماء إلى الداخل، فمدّت ليانثرا يدها للحوت وقالت:
«تمسّك بى، هذه التيارات ستأخذنا بعيدًا عنهم.»
ابتلعهم التيار.
كان الانحدار شديدًا، تدور بهما الدوامة وتصفعهم الرياح المائية من كل صوب.
لكن ليانثرا ظلّت ممسكة بالصغير حتى انفتح الممر على بحرٍ آخر — أوسع، أكثر صفاءً، تغمره إضاءة غريبة تميل إلى اللون القرمزى.
رفعت ليانثرا رأسها، رأت شعاعًا قادمًا من الأعلى كأنه شمسٌ تحت الماء، وكانت الطحالب هنا أكثر نعومة، والمياه أكثر دفئًا، كأنهما عبرا حدود عالمٍ إلى آخر.
«أين نحن؟» سأل الحوت الصغير وقد بدأ يستعيد أنفاسه.
«لسنا بعد فى أمان،» قالت ليانثرا، «لكننا الآن فى شمال البحر الأزرق… قرب حدود البحر القرمزى، حيث لا سلطان لباتروس بعد.»
تأملت حولها، فكانت ترى أعمدة حجرية مائلة نحو القاع، وعليها نقوش غامضة تلمع كلما اقتربت منها التيارات.
أما فوقهم، فكانت أسراب الطيور البحرية تمرّ كظلالٍ رمادية عبر السطح.
جلست ليانثرا فوق نتوءٍ صخرى وأغمضت عينيها، تتأمل الصمت الغريب الذى يغلف هذا الجزء من البحر.
صمتٌ لا يشبه السكون، بل كأنه انتظار طويل لشىءٍ على وشك أن يُولد.
«هل تسمعين؟» سألها الحوت الصغير.
فتحت عينيها ببطء وقالت:
«نعم… البحر هنا يتنفس بشكلٍ مختلف. هذا الشمال ليس هروبًا فقط… ربما هو بداية لشىءٍ أعظم.»
وبينما كانت تتحدث، كانت دوامة صغيرة تتشكل فى القاع، ومنها بدأ يخرج وميضٌ أحمر خافت كأن الأرض نفسها تحت الماء تفتح عينًا جديدة تراقبهم.
لم يكد الصمت يكتمل حول ليانثرا والحوت الصغير حتى انشقَّ الماء فوقهما كزجاجٍ انكسر فجأة.
اندفع من الأعماق ظلٌّ ضخم له جناحان رماديان طويلان وعينان بيضاوان باردتان كالقمر الغارق.
كانت إحدى الغرانيق البحرية، المخلوقات التى تسكن المياه العليا من البحر الأزرق، تشتهر بقوتها الهائلة ومناقرها الطويلة التى تشطر الصخور، وبأنها تكره كل دخيلٍ من غير سلالتها.
صرخ الحوت الرضيع حين رأى جسدها الطويل يقترب بخفة المفترس:
«ليانثرا! إنها الغرنيقة! إنها ستأخذني!»
قبل أن تجيبه، كانت المياه قد تمزقت بموجة عنيفة، وانقضت الغرنيقة كرمحٍ من الضوء، قبضت على الحوت بين مخالبها وصعدت به نحو السطح تصرخ بصوتٍ حاد كصفير الموتى.
قفزت ليانثرا من فوق النتوء الصخري إلى الماء، دفعتها غريزة لا تعرف الخوف أكثر مما دفعتها الشفقة.
انطلقت خلف الغرنيقة وسط دوامات من الرمل والطحالب.
كانت المياه تمزق جسدها كالسكاكين، لكنها لم تتوقف، ودفعت بنفسها إلى أن أمسكت بذيل الغرنيقة.
استدارت الغرنيقة بعنف، ورفستها بمخلبٍ هائل فتح صدرها، انبثق الدم كغيمةٍ قرمزية وسط زرقة الماء، وتراجع الضوء، واختلطت الرؤية بين ألمٍ ودوار.
أطلقت ليانثرا صرخةً بلا صوت، وهي تهاجم الغرنيقة بحربةٍ من المرجان انتزعتها من جوف صخرة، غرستها فى عنق الطائر الضخم فصرخ بصوتٍ حادٍ اهتزت له الأعماق.
لكن الغرنيقة استدارت، وصفعتها بجناحها حتى ارتطمت ليانثرا بجدارٍ صخرى، شعرت أن عظامها تهتز وأن الماء صار أثقل من الهواء.
الحوت الصغير صرخ مستغيثًا:
«اتركيها! إنها تموت!»
لكن الغرنيقة، وقد نزف عنقها قليلًا، ظنّت أن ليانثرا قد فارقت الحياة، فأحكمت قبضتها على الحوت وسحبت جناحيها إلى الوراء، ثم انطلقت نحو الشمال الغربى، نحو مملكة الغرانيق بين الضباب والمياه الباردة.
تركت خلفها أثرًا من فقاعات الدم والريش الرمادى، وسقط جسد ليانثرا ببطءٍ نحو القاع، كزهرةٍ ذابلة تنزل فى حلمٍ ثقيل.
هبطت على الرمل الناعم، وشعرها يتماوج حولها كستارٍ من الحبر، وعيناها نصف مفتوحتين تحدقان فى العدم.
الضوء القرمزي يتسلل من بعيد، يضرب خدّها النازف ويُظهر ملامحها كتمثالٍ نائم.
هدأ كل شيء.
لم يبقَ سوى حفيف الطحالب وهسيس الفقاعات، ثم انطفأ المشهد ببطءٍ، كأن البحر نفسه أغلق عليه الستار.
رواية أميرة البحر القرمزي الفصل الثامن عشر 18 - بقلم اسماعيل موسى
كان البحر ساكنًا فوق ليانثرا كليلٍ بلا قمر، لكن الأعماق لم تكن تخلو من العيون التي ترى في الظلمة.
في مكانٍ ليس بعيدًا عن القاع الذي سقطت عليه، تحرك ظلٌّ ضخم، أبطأ من موجة، وأثقل من الحلم. كان غول البحر، كائنًا أسطوريًا يتهامس عنه سكان البحر الأزرق، يقال إنه من بقايا العصور الأولى حين كانت المياه مأوى للعمالقة. يمشي على زعانفٍ عريضة كالأجنحة، ويكسو جسده شعر أخضر غامق كطحلبٍ نما على صخرٍ عمره ألف عام.
اقترب منها متثاقلًا، حدّق في وجهها المائل إلى الشحوب، رأى الدم القرمزي وقد امتزج بالماء حولها، ورأى صدرها يرتفع ويهبط بأنفاسٍ بطيئة. مد يده العريضة فرفعها برفقٍ لا يليق بضخامته، ثم مضى بها في صمتٍ نحو كهفه العميق، حيث لا تصل أشعة الشمس، ولا يسمع شيء سوى خرير المياه المتسللة بين الصخور.
كان الكهف كهفًا عجيبًا، تتدلّى من سقفه حبالٌ من الطحلب المضيء تشعّ بضوءٍ أخضر باهت، وعلى الأرض فرشت طبقات من العشب البحري الياقوتي، الذي يُقال إنه يحتفظ بدفء أعماق البراكين القديمة، فيمنح الجسد حرارة تحميه من برد الماء القارس. أما الجدران فكانت مكسوةٌ بطبقةٍ من المرجان الرمادي، الذي استخدمه الغول لصناعة أوعية صغيرة تحفظ أعشابه الطبية.
وضع ليانثرا على الفراش الناعم، ثم بدأ في عملٍ صامتٍ ككاهنٍ في طقسٍ قديم. أخرج من تجويفٍ في الصخر حزمةً من الأعشاب البحرية:
نبتة الموج الأزرق: أوراقها شفافة كأجنحة السمك، تُستخدم لوقف النزيف وتسكين الألم.
طحلب القمر الأبيض: له رائحة حلوة كحليب البحر، يسرّع التئام الجروح إذا دُلِك على الجلد.
زهر المرجان الأحمر: يُغلى في الماء المالح ليمنح الجسد قوة بعد الضعف، ويعيد توازن التنفس لمن ابتلع كثيرًا من الماء.
مزجها الغول في وعاءٍ من صدفٍ قديم، وسكب عليها قطراتٍ من سائلٍ داكنٍ استخرجه من صدفةٍ أخرى — عُرف عنده باسم دم اللؤلؤة السوداء، وهو علاجٌ نادر لا يستخرجه إلا من أصدافٍ تعيش في فوهات البراكين البحرية.
دهن بها جروح ليانثرا، ثم لفّها بأشرطةٍ من أعشابٍ مرنةٍ تسمى ساق البحر الأرجواني، كانت تتقلص ببطء حين تلامس الجلد، كأنها تُغلق الجروح بخيوطٍ حية.
ومضت الليالي — أو ما يشبه الليالي في عالمٍ بلا شمس — والغول يجلس عند مدخل كهفه، يحرّك بين حينٍ وآخر قطع المرجان في النار الزرقاء الصغيرة التي أشعلها ببعض غازات الأعماق، يدفئ بها المكان، وينظر من حينٍ إلى آخر نحو جسد ليانثرا الممدّد في سكونٍ عميق.
بعد أيامٍ لا تعرف عددها، بدأت ليانثرا تستعيد وعيها ببطء. في البدء، سمعت خرير الماء المتسلل من الشقوق، ثم شعرت بخشونة شيءٍ تحت كفّها — العشب البحري الذي كانت ترقد عليه، دافئٌ على غير العادة.
فتحت عينيها فرأت الضوء الأخضر ينساب من سقف الكهف، كأنه ضوء قمرٍ مكسور في قاعٍ بعيد. تحركت بصعوبة، وجسدها ما زال يئنّ من أثر الجراح، لكنها تنفّست — شعرت بالحياة تعود إليها ببطءٍ كتيارٍ لطيف. تطلعت حولها، لم تعرف أين هي ولا كيف نجت.
ثم رأته.
عند مدخل الكهف، كان يجلس الغول البحري، ضخم الجسد، عاريًا إلا من قطعةٍ من جلد الحوت تستر عورته، شعره الطويل ينسدل على ظهره حتى يكاد يلامس الأرض، ولحيته تتماوج مع تيار الماء. كتفاه مثل جبلين، وظهره مشدودٌ كصخرٍ غمرته الأمواج لقرون. كان محدّقًا في البحر أمامه، لا يتحرك، كأنه جزءٌ من الكهف نفسه.
تجمدت ليانثرا مكانها. لم تعرف إن كانت في حضرة منقذٍ أم سجينها الجديد. حاولت أن تبتعد بصمت، لكن صوت حركة خفيفة صدر منها، فالتفت الغول برأسه ببطءٍ شديد.
رأت وجهه — لم يكن وجه وحشٍ تمامًا، بل خليط من الحيوان والإنسان والبحر، عيناه واسعتان لونهما مثل لون المحار حين يُفتح، فيهما حزنٌ سحيق لا تعرف له عمرًا. ارتجفت ليانثرا، وقلبها يخفق بعنفٍ وهي تدرك أنها لا تعرف نواياه، ولا ما إذا كانت بين يديه مدينةً أو فريسة.
أمسكت صدرها، تشهق بخوفٍ مكتوم، والكهف كله بدا كأنه يضيق حولها شيئًا فشيئًا، حتى صارت تشعر بأن الجدران تتنفس، وأن البحر من خلف الغول يحدق بها هو الآخر.
ثم سكن كل شيء من جديد، وارتجف قلبها كسمكةٍ صغيرة وقعت في شبكةٍ لا ترى طريق الخلاص منها. كان الصمت يملأ الكهف البحري إلا من خرير الماء، وصوت قلب ليانثرا الذي خفق كطائرٍ محاصرٍ بين ضلوعها.
نظراتها المرتبكة كانت كافية لتقول كل شيء، الخوف، والاشمئزاز، والدهشة.
ابتسم الغول — إن كان ما فعله يمكن أن يُسمى ابتسامة — فانفرجت شفتاه الكثيفتان كصخرتين انزاحتا، وظهر صفٌّ من الأسنان كالأصداف المكسّرة.
قال بصوتٍ أجشّ، كأنه خارج من عمق صخرة غارقة:
"لا تُتعبي نفسكِ في إخفاء ما في وجهك، أعرف هذا النظر جيّدًا... رأيته في عيونٍ كثيرة قبلك."
توقفت ليانثرا، تحدّق فيه بصمتٍ حذر.
ضحك ضحكة قصيرة، خرجت كفقاعاتٍ كبيرة من صدره، وراقصت سطح الماء قبل أن تتلاشى.
"الخوف... والاشمئزاز..."
قال وهو يشير إلى وجهها بإصبعٍ ضخمة تشبه مرساة صغيرة.
"حتى الأسماك الصغيرة تفرّ حين أقترب. الحيتان تغيّر مسارها، والقروش تتظاهر بأنها لم ترَني. وأنا؟"
رفع كتفيه العريضتين،
"لا أشعر بالحزن. بل بالسكينة. العزلة — تلك هديتي من هذا الوجه القبيح. ما من ضجيجٍ هنا... ما من أكاذيب. فقط أنا، والماء، وصوت قلبي حين يتذكر أنه ما زال حيًا."
كان صوته لا يخلو من سخريةٍ مرة، لكن خلف تلك السخرية شيء يشبه الصفاء، صفاء من عاش طويلًا حتى لم يعد يهاب الوحدة.
اقترب بخطواتٍ بطيئة، كل خطوةٍ منه تُحدث اضطرابًا في الماء كأن البحر نفسه ينحني له. تراجعت ليانثرا على الفراش البحري، عيناها تتسعان، أنفاسها تتسارع، لكن الغول مدّ يده الضخمة ببطءٍ مقصود، كمن يطمئن طفلاً مذعورًا.
قال بصوتٍ خفيض، عميق كتيارٍ خفيّ:
"اهدئي... لن أؤذيكِ. أردتُ فقط أن أرى هل ما زال جسدك يحمل أثر الموت."
اقترب أكثر، ووضع راحته الكبيرة فوق كتفها الجريح. شعرت ببرودةٍ غريبة تسرِي في عروقها، لكنها لم تكن مؤلمة — كانت أشبه بلمسة طحلبٍ ناعمٍ على بشرةٍ حساسة. حرّك أصابعه بخبرةٍ خافتة، يفحص الجرح الذي ضمده بنفسه، ثم قال وهو يرمقها بنظرةٍ متفحّصة:
"أعشاب الموج الأزرق أدّت عملها... الجسد يلتئم. يبدو أنكِ من صنفٍ لا يستسلم بسهولة، يا غريبة البحر."
تراجع بعدها قليلًا، وعاد ليجلس إلى مدخل الكهف، حيث ظلّ الضوء الأخضر ينساب على شعره الطويل كأمواجٍ ساكنة. أما ليانثرا فظلت مكانها، تراقبه بعينين متوجستين، وقلبها لا يعرف بعد إن كان هذا الكائن حارسًا... أم نذيرًا لما هو آت.
ترددت أنفاس ليانثرا قليلًا، وكأنها تستعيد من ذاكرتها شيئًا ثقيلًا غارقًا في القاع. كانت تنظر نحو الماء، لا نحو الغول، وكأنها تخشى أن تعيد الكلماتُ المشهد إلى الحياة.
قالت بصوتٍ مبحوحٍ تتهدّج نبراته:
"كنتُ هناك... حين بدأ كل شيء. رأيتُ سرب الحيتان يسبحون في صفوفٍ هادئة، يغنّون لأنفسهم أغنية الرحلة... ثم جاء باتروس، ومعه جيش القروش. لم يتركوهم يفرّون، التفّوا حولهم مثل عاصفةٍ من الدم والحديد. مالكوم العجوز... حاول الدفاع عنهم. قاتل بشجاعة، لكنه كان وحده أمامهم. رأيته يضرب باتروس بذنَبه حتى ارتجّت الصخور، ثم عاد باتروس إليه وغرز أنيابه في جسده... وجرّه حتى انكسر صوته إلى فقاعاتٍ من الدم."
سكتت قليلًا. كانت الكلمات تنزلق من شفتيها كأنها رمادٌ فوق ماء. ثم تابعت:
"لم ينجُ أحد. حتى الرضع من الحيتان... لم يتركهم. باتروس أمر بقطع الرؤوس ليزيّن بها عرشه. البحر امتلأ بالدماء، والموج صار يئن من الثقل."
في تلك اللحظة، سمعَت صوت الغول البحري يتنفس ببطءٍ عميق، كأن صدره وُضِع عليه حجرٌ ضخم من الحزن. ظلّ صامتًا لوهلة، ثم قال بصوتٍ خفيضٍ خشن، كأنه يتحدث إلى نفسه أكثر مما يتحدث إليها:
"هل مات مالكوم حقًا؟"
لم تجبه ليانثرا، فقط أومأت برأسها بخفوت.
خفض الغول رأسه، وارتعشت شفتاه المبللتان بالماء. قال بعد صمتٍ طويل:
"كنتُ أحبه... رغم أننا لم نتحدث أبدًا. لم يكن بيننا ودّ أو صحبة، لكنه كان يشبه البحر في سكونه. كنتُ أراه من بعيد، حين كان يعبر فوق كهفي... كان صوته يجعل الماء يبتسم. والآن..."
رفع بصره نحو سقف الكهف حيث كانت خيوط الضوء تتراقص كأشباحٍ حائرة. تنهد طويلًا، خرج الهواء من صدره كهدير موجٍ بعيد، وقال:
"الآن سيعمّ الظلام هذا البحر. باتروس لن يهدأ له بال حتى يعلن نفسه ملك البحر الأزرق. إنه لا يقتل من أجل السلطة فقط... بل من أجل أن يسمع صدى اسمه فى كل موجة، أن يملأ البحر بخوفٍ لا ينتهي."
صمت الغول مجددًا، وبدت عيناه ككهفين مظلمين. بينما كانت ليانثرا تنظر إليه، شعرت للحظةٍ أن البحر نفسه حزن معه، وأن الموج في الخارج صار يهبط بهدوءٍ كأنّه ينوح على مالكوم.
خفضت ليانثرا رأسها قليلًا، واستعادت ما جرى قبل أن تفقد وعيها، كان صمت الكهف يثقل صدرها كأن الماء نفسه ينتظر منها أن تتكلم.
قالت بصوتٍ خافتٍ، متقطعٍ كأنّه يخرج من أعماقها:
"لم يمت الجميع... كان هناك رضيع، آخر نسل مالكوم. كنت أحاول حمايته، لكنّ الغرنيقة ظهرت فجأة... قبضت عليه بمخالبها وسحبته إلى الأعماق الشمالية. صرخ، ناداني... ثم اختفى. لا أستطيع أن أتركه هناك. سأعيده، مهما كلّفني الأمر."
كانت نبرتها حادة، عينيها تشتعلان بوميضٍ غريب، وميضٍ يشبه الضوء المنكسر بين الماء والنار. رفعت رأسها نحو الغول البحري، كأنها تتحدى صمته الثقيل.
لكنه لم يتحرك في البداية، ظلّ جالسًا عند مدخل الكهف، ظهره للبحر، كتفاه الهائلتان تهتزان قليلًا مع كل نفسٍ يخرج منه. ثم أدار رأسه ببطءٍ نحوها، عيناه واسعتان، بلون الطحالب القديمة، وفيهما جمودٌ كصخر الأعماق.
قال بصوتٍ خشنٍ متحشرج، لا يحمل انفعالًا بل يقينًا مريرًا:
"أنتِ لا تعرفين الغرانيق... إنها ليست طيورًا كما تبدو، بل قبائل من اللحم والعظم والريش، بشعةٌ كالكوابيس، متوحشة كالجوع. تعيش في عشائر لا يقترب منها أحد، لكل غرنيقة وكرٌ محفورٌ في صخور البحر الشمالي، وحوله جماجم كل من حاول العبور. لا أحد يعود من هناك."
اقترب منها خطوة، حتى أحسّت برائحة البحر العالق في شعره الكثيف وصدره المبتل، وقال وهو يحدّق في عينيها بعينين جامدتين كأنهما من حجر البحر:
"إنها لا تقتل دفاعًا عن نفسها، بل لأن القتل جزءٌ من غريزتها. ومن يخطو في أرضها... يصبح طعامًا لعشيرتها."
سكت لحظة، ثم أضاف بصوتٍ خافتٍ كأنّه يهمس إلى موجٍ بعيد:
"عودتك إلى هناك... ستكون نهايتك."
لكن ليانثرا لم ترد، كانت نظرتها معلّقة بالمدخل حيث الماء يلمع كالمرآة، كأنّها ترى في الأعماق صورة ذلك الحوت الصغير تصرخ باسمها.
رواية أميرة البحر القرمزي الفصل التاسع عشر 19 - بقلم اسماعيل موسى
نهضت ليانثرا من على فراش الأعشاب البحرية، ما إن استعادت شيئًا من قوتها.
كانت لا تزال تشعر بوخزٍ خفيفٍ فى كتفها وحرقةٍ فى ذراعها، لكن ذلك لم يثنها.
نظرت إلى فم الكهف حيث يتسلل الضوء الفيروزي من الماء، تلمع فيه أسراب صغيرة من القشريات كنجومٍ فى ليلٍ مقلوب.
تقدمت بخطواتٍ مترددة، والماء يلامس كاحليها، وحين سمعت حفيف حركتها يختلط بصوت تنفس الغول، التفت نحوها على الفور.
كانت عيناه تومضان بوميضٍ خافت، مزيج من الحذر والإنذار.
قال بصوتٍ أجشّ يشبه حشرجة الصخور تحت ضغط الموج:
"إلى أين تظنين نفسك ذاهبة يا بشريّة؟"
توقفت ليانثرا لحظة ثم قالت بعزمٍ مكتوم:
"إلى الشمال… حيث أخذوا الحوت الصغير. لن أبقى هنا بينما هو أسير بين مخالبهم."
أطرق الغول رأسه قليلًا، كأنه يسمع صدى قديمًا من كلمات نسيها منذ زمن، ثم رفع رأسه وقال ببطءٍ، كل كلمة منه تنزل ثقيلة كالحجر فى الماء:
"إن خرجتِ من هذا الكهف… لن أستطيع حمايتك. البحر الخارج ليس بحرًا هادئًا، إنه بحر الدماء والعهود القديمة. هناك قِوى لا تعرفينها، وعشائر لا ترحم."
اقترب خطوة منها، فبدت المسافة بينهما كأنها تضيق حتى لم يبقَ سوى صمت الماء بين أنفاسهما.
كانت نبرته أكثر خشونة وهو يتابع:
"منذ أكثر من قرن، أخذت على نفسى قسمًا… ألا أتدخل فى صراعات البحر، لا مع الغرانيق، ولا مع القروش، ولا مع الملوك. أقسمت بتيار الأعماق أن أبقى شاهدًا لا فاعلًا. ومن ينكث قسم الأعماق… يبتلعه البحر ذاته."
سكت قليلًا، وصوته هذه المرة حمل شيئًا من الأسى:
"لقد جرّبتُ أن أغيّر مصير مخلوقٍ واحد… فدفعتُ ثمنًا لم ينتهِ حتى الآن. ابقي هنا يا ليانثرا، دعي البحر يبتلع ما يريد. لا تتركي الأمان لأجل وهمٍ صنعته عاطفتك."
لكن ليانثرا لم تجبه، كانت تنظر إلى الضوء القادم من الخارج وكأنه نداءٌ قديمٌ لا يمكنها تجاهله.
في عينيها انعكست صورة الموج المتلألئ، وفى قلبها صخبٌ يشبه إصرار العاصفة التى لا تسمع تحذير أحد.
تأمل غول البحر وجه ليانثرا طويلًا، كانت النار التى رآها فى عينيها تشبه تلك التى رآها يومًا فى عيون المقاتلين الذين قرروا مواجهة القدر، لكنها كانت نارًا نقيّة، خالية من الطمع، مشتعلة فقط بالوفاء.
زفر الغول نفسًا طويلاً خرج معه فقاعات كثيرة، كأن الكهف نفسه يتنهد.
ثم قال بصوتٍ أجشّ يشبه خرير الصخور فى الأعماق:
"أرى أن الحديث معك لا جدوى منه… أنتِ مصممة، كأن البحر نفسه يسيرك."
تقدّم قليلًا حتى أصبح الضوء ينعكس على شعره المتشابك، وكانت عيناه تلمعان تحت الماء بلون الطحلب الداكن، وقال بنبرةٍ نصف ساخرة ونصف حزينة:
"إذن فاذهبى يا بشريّة… وتمنى لك التيار سلامة الطريق. لكن تذكّري نصيحتى، فهى أثمن من كل الأعشاب التى داويتك بها. لا تقاتلى أكثر من غرنيقةٍ فى وقتٍ واحد، إن كنتِ ترغبين فى البقاء… وهذا ما أشك فيه."
ضحك ضحكة قصيرة جعلت الماء يهتز حوله، ثم أضاف بنبرةٍ جادّة:
"لقد هزمتك غرنيقةٌ واحدة من قبل، فكيف لو واجهتِ اثنتين؟ لن يتقاتلن عليكِ إلا بعد أن يمزّقن جسدك نصفين، لأن غرنيقتين لا تتشاركان فريسةً واحدة."
تراجعت ليانثرا إلى مدخل الكهف، قلبها ينبض بعنف، لكنها لم تتردد.
التفتت نحوه وقالت:
"سأعيد الحوت الصغير، أو أموت وأنا أحاول."
هز الغول رأسه، وصوته الخافت تبعها كصدى من الأعماق:
"كلنا نموت يا ليانثرا، لكن القليل فقط يعرفون لماذا."
ثم انطلقت.
غاصت ليانثرا من فم الكهف إلى البحر المفتوح، كان الماء باردًا كحد السيف، شفافًا كزجاجٍ ملعون، وأمامها امتد الطريق نحو الشمال كمتاهة من الظلال والألوان.
انحنت جسدها واتخذت وضع السباحة الطويلة، وكانت التيارات تندفع بها وسط أخاديد من المرجان البنفسجي والطحالب المتوهجة.
كانت تمرّ بأسماكٍ غريبةٍ ذات عيونٍ لامعةٍ وجلودٍ شفافةٍ تعكس ضوء البحر، وشعرت للحظة أنها تمرّ فى حلمٍ لا ينتمى للعالم الذى عرفته.
كانت الصخور تحتها تنبض بضوءٍ خافتٍ كأن البحر نفسه يتنفس.
كلما تقدمت شمالًا، ازدادت برودة المياه، ورأت الشعاب تتحول إلى هياكل عظمية من المرجان الأبيض، وفي المسافة البعيدة ظهرت أشعة خضراء باهتة تشق العتمة مثل ومضات أرواح.
اقتربت ليانثرا أكثر… وهناك، وسط الغيوم البحرية الكثيفة، ظهرت مملكة الغرانيق.
كانت تمتد على شكل أعمدة حجرية ضخمة تنبت من قاع البحر إلى سطحه، عليها أعشاش من أصدافٍ متشابكةٍ وطينٍ متحجرٍ، تتدلّى منها خيوط الطحالب كستائرٍ طويلةٍ تخفى أسرارًا مظلمة.
كانت الغرانيق ترفرف حول الأعمدة بأجنحةٍ ضخمةٍ من الفضة المائلة إلى الزرقة، تصدر صرخاتٍ تشبه صرير المعادن، وتحمل فى مخالبها ما تبقى من أسماكٍ أو مخلوقاتٍ بحريةٍ مشوهة.
توقفت ليانثرا خلف صخرةٍ مرجانيةٍ، تحدّق فى تلك المملكة الوحشية، تدرك أن كل خطوة نحوها قد تكون الأخيرة… لكن فى أعماق صدرها، كان صوت الحوت الرضيع لا يزال يرنّ كنداءٍ لا يُسكَت.
***
كان الصباح هادئًا على نحوٍ غريب، كأن الجزيرة أفاقت على أنفاسٍ غير مألوفة فيها.
جلس الأمير مونت كارلو إلى مائدة من المرجان الورديّ، يقابله وجه الأميرة المنفيّة، وقد أضاءت خصلات شعرها الطويلة كأنها تجمع في أطرافها ضوء الفجر وملح البحر.
كانت الخادمات الجنيات يتحركن حولهما بصمتٍ رشيق، يُقدّمن ثمارًا بحرية لم يرَ الأمير مثلها قط: حبات لؤلؤ شفافة تُؤكل، وأسماك صغيرة تشعّ بضوءٍ أزرق قبل أن تنطفئ لحظة ملامستها للهواء.
قالت الأميرة، وهي تراقبه بعينين ساكنتين كالموج البعيد:
"منذ مئة عامٍ لم أجلس إلى مائدة فيها ضيف حيّ. حتى خدمى لا يتحدثون إلا إذا أمرتهم بذلك، لقد نسوا معنى الأصوات."
أجاب الأمير بهدوءٍ غامر:
"لو علمت أن وحدتك تمتد إلى هذا الحد، لجئت قبل قرنٍ كاملٍ لأكسرها."
ابتسمت الأميرة ابتسامة خافتة، كأنها بين الحنين والسخرية.
ثم رفعت كأسًا من شراب المرجان وقالت:
"اشرب إذًا... لعل البحر يرضى عن جرأتك."
في اليوم التالي، عند الفجر، كانت الأميرة واقفة على صخور الساحل، بثوبها الأبيض يرفرف في الريح، والأمير بجانبها يحمل رمحه القديم كأنما سيخوض معركة ضد البحر ذاته.
ركبا قاربًا صنعته الأميرة من أخشاب لم يعرفها الأمير، ملساء كأنها من عظم الحوت، وغنيا معًا نشيد الرحيل القديم الذي كانت تحفظه منذ نفيها.
لكن ما إن اقتربا من حدود الجزيرة حتى تغيّر لون البحر.
تحوّل صفاؤه الأزرق إلى عتامة حجرية، وتعالت الأمواج كأنها تبني جدارًا من الصخور.
صرخت الأميرة وهي تلوّح بيديها في الهواء، محاولةً تهدئة البحر بلغته القديمة، لغة الموج التي لا يعرفها إلا الملوك المنفيّون من سلالات الجان.
غير أن البحر لم يُجب.
بل أخذ يعلو ويعلو حتى انقسمت مياهه إلى صفائح متحجرة، وانكسر القارب قبل أن يبلغ عمق الماء.
أُعيد الاثنان إلى الشاطئ، على الرمال ذاتها، والبحر خلفهما ساكن كأنه لم يتحرك قط.
جلست الأميرة على ركبتيها، شعرها المبلل يلتصق بعنقها، وهمست بصوتٍ مرتجف:
"لم تنتهِ اللعنة بعد... البحر لا ينسى عهوده، ولن يسمح لأحدٍ بمغادرة هذه الجزيرة."
نظر إليها الأمير مذهولًا، ثم إلى الأفق حيث كانت المياه تتحجر شيئًا فشيئًا تحت شمس الصباح.
ولأول مرة منذ جاء إلى الجزيرة، أحس أن البحر الأزرق ليس ماءً، بل ذاكرةٌ حية تحرس سجنها الأبدي.
كانت الأميرة جالسة عند حافة الصخور، وأمواج البحر العائد من هيجانه تلامس أطراف ثوبها المبلل، كأنها تسخر من محاولتها.
لم تتحدث، لم تنظر إلى الأمير، فقط ظلت تحدّق في الأفق الذي أُغلق في وجهها، الأفق الذي صار جدارًا من صخرٍ وماءٍ متجمد.
كان الصمت يثقل على المكان، حتى إن الريح ذاتها كفّت عن المرور فوق الرمال.
اقترب مونت كارلو منها بخطواتٍ حذرة، كأنما يخشى أن يكسر شيئًا هشًّا في روحها.
لكنها سبقت صوته، وقالت بصوتٍ متكسّر:
"إنه والدي..."
التفتت إليه بعينين زجاجيتين، لا دموع فيهما ولا بريق.
"هو من نفاني إلى هذه الجزيرة، وأغلق حولي البحر بتعويذة لا تُكسر. كنتُ ابنته الوحيدة، وكنتُ خطأه الأكبر."
تنهّدت، فاهتز الهواء حولها كأن الموج استجاب لأنينها.
"كنتُ أرفض أن يُساق الجان إلى الحروب باسم الممالك القديمة، كنت أقول إن البحر أوسع من عروشهم، وإن الدماء لا تُقيم ملكًا... فقال لي إنني خُنت النسب.
في الليلة الأخيرة، وقف أمامي وأمر البحر أن يبتلعني.
لكنه لم يقتلني، بل نفاني إلى هنا، فى جزيرة لا تطؤها قدم ولا طير، لأتعلّم معنى الصمت."
مدّت كفها نحو الماء، فلمست السطح كأنها تتحسس سجنها الشفاف.
"كل فجرٍ يظنّ البحر أني سامحته، فيهدأ.
لكن حين يحاول أحد إخراجي، يتذكّر العهد الذى قطعه مع والدي.
البحر لا يغدر... لكنه لا يرحم أيضًا."
جلس الأمير إلى جوارها صامتًا، عاجزًا عن قول شيء، فقد شعر أن الكلمات كلها ضئيلة أمام وجعها.
كانت الأميرة تنظر إلى المدى، والبحر أمامها يتحرك بخمولٍ ثقيل، كأنه كائن حيّ يراقبها في صبرٍ قديم.
ثم قالت، بصوتٍ خافتٍ كأنه يأتي من أعماقها:
"لو كنتُ أعلم أن المنفى يخلق هذا الكمّ من الصمت... لطلبتُ الموت بدلًا من العزلة."
مدّت يدها إلى صدرها، كأنها تتحسس ندبة غير مرئية، وقالت:
"التعويذة لم تُحبس جسدي فحسب، بل حبست صوتي عن العالم.
لذلك، حين تتحدث معي الآن، أشعر أنني أرتكب خيانة صغيرة ضد ما قرّره أبي."
ثم نهضت، ببطء، وخطاها فوق الرمال كانت كأصواتٍ بعيدة في حلمٍ غارق في البحر.
وبقي الأمير يراقبها، عاجزًا بين أن يلمس كتفها أو أن يتركها، حتى بدت كظلٍّ أبيض يذوب في ضباب الصباح.
***
جلس الأمير مونت كارلو في البهو الرخامي للقصر، يحدّق في الضوء الشاحب المنعكس على جدرانه الموشّاة بظلال البحر.
كان كل شيء من حوله ساكنًا، لكن في داخله كان العصف لا يهدأ.
منذ أن أطبقت أمواج البحر الصخرية عليهم، لم يبارحه السؤال: كيف يُكسر سحرٌ صنعه ملك من ملوك الجان؟
ظلّ يعيد ما قالته الأميرة مرارًا في ذهنه: "والدي هو من أمر البحر بحبسي، والعهد لا يُنقض إلا إذا مات من عقده أو كُسر على يد من لا يخضع لسلطانه."
رفع رأسه ببطء، وعيناه تتسعان كمن التقط فكرة خطيرة.
ذلك الاستثناء الأخير... من لا يخضع لسلطان ملك الجان... من يمكنه أن يكون؟
لم يعرف في حياته من يقف خارج سلطة الملوك سوى كائنٍ واحد.
القزم فانتر.
ذلك الماكر، الخارج على أعراف الجان وقوانينهم، الذي كان يجوب العوالم دون أن يهاب أحدًا، لا ملكًا ولا ساحرًا ولا ظلًّا منسيًا.
إنه الوحيد القادر على كسر تعويذة أطلقها ملك، لأنه ببساطة لا يعترف بملوك.
رفع الأمير يده إلى جبينه وأغلق عينيه، محاولًا استحضار آخر مرة رآه فيها.
كان في الميناء الشرقي، فوق سطح سفينة صغيرة تشق البحر القرمزي، بصحبة الفتاة ليانثرا... ثم تلاشى أثره.
هل ما زال حيًّا؟
هل سقط في البحر؟
أم ضاع في طريقٍ آخر من طرق القدر؟
تناهى إلى مسامعه صوت الأميرة من بعيد، كانت واقفة عند الشرفة المطلة على البحر، شعرها الفضي ينعكس عليه كخيوط القمر.
تقدّم نحوها، وفى صوته تلك الرصانة التي تخفي اضطرابه الداخلي:
"أيتها الأميرة... لقد فكرت طويلًا. السحر الذي قيدك لا يُحلّ إلا بمن يقف خارج سلطان أبيك. هناك قزمٌ... ربما كان مجنونًا، لكنه الوحيد الذي يستطيع."
استدارت نحوه ببطء، وعلى وجهها ظلّ من الخوف واليأس:
"لن تصل إليه. هذه الجزيرة لا تترك أحدًا يعود منها. حتى البحر ينسى من غادره."
اقترب منها أكثر، وقال بحزمٍ هادئ:
"سأجرب."
تراجعت خطوة إلى الوراء، كأنها تتشبث بصوتها الأخير:
"وإذا لم تعد؟"
ابتسم ابتسامة قصيرة، فيها من المرارة بقدر ما فيها من الإيمان:
"حين تُكسر اللعنة، سيعرف البحر أني أوفيت بالعهد."
لم تقل شيئًا. فقط نظرت إليه طويلًا، نظرةً تشبه وداعًا منسيًا في زمنٍ آخر.
ثم مدت يدها ولمسته بأطراف أصابعها، كأنها تحاول أن تحفظ ملامحه في ذاكرتها.
"كل الذين وعدوني بالعودة... لم يعودوا، يا مونت كارلو."
قالها بصوتٍ خافتٍ متعب:
"إذن، دَعيني أكون أول من يفعل."
ومع أول خيوط الفجر، حمل سيفه الصدئ وسار نحو الساحل، حيث كان البحر الأزرق ينتظره بهدوءٍ غامض.
خطا أول خطوة في الماء، فارتعشت الأمواج من حوله، كأنها تهمس له بشيء لا يريد أن يسمعه.
وعندما ابتعد القارب عن الشاطئ، ظلت الأميرة واقفة مكانها، تراقبه حتى صار نقطة في الأفق.
لم تلوّح له، لم تبكِ... فقط همست للبحر:
"أعده لي حيًّا، أيها البحر... مرة واحدة فقط."
لكن البحر ظلّ صامتًا، كأنه يعرف أن الوعود لا تُكسر إلا بثمنٍ أعظم من العودة.
رواية أميرة البحر القرمزي الفصل العشرون 20 - بقلم اسماعيل موسى
أبحر الأمير مونت كارلو في فجر رمادي، لا يعرف له وجهة سوى نداء غامض في أعماقه، كان يقول له إن القزم فانتر ما زال حيًا في مكان ما من هذا البحر الأزرق الممتد كالأبدية.
لم يكن معه سوى مركب صغير صنعته الأميرة له من خشب الأشجار التي لا تموت، ومجداف من عظم سمكة مقدسة وجدته يومًا على الشاطئ.
كان البحر في بدايته ساكنًا، ينساب حوله كحرير أزرق، والغيوم فوقه كوشاح أبيض يراقب بصمت.
لكن السكون في البحر الأزرق لا يدوم طويلاً، فهو بحر يحمل ذاكرة العواصف القديمة.
بدأت الرياح تتنفس أولاً، خفيفة ثم أكثر حدة، حتى تموج سطح الماء وتحول إلى مرايا مكسرة تعكس غضب السماء.
أمسك مونت بالمجدافين، يقاتل الريح والأمواج التي راحت ترتفع وتضرب جانبي القارب بعنف.
تشققت راحته، ودماؤه امتزجت بالماء المالح، لكنه لم يتوقف، كان يدفع القارب كما لو أنه يدفع القدر نفسه.
أطلق البحر صرخته الأولى.
دوى الرعد، وتفتحت السماء عن برق أبيض كالسيف، لامس الماء فاشتعل السطح لحظة بالنور.
صرخ الأمير في وجه العاصفة:
"خذينى حيث هو! إن كنت ذاكرة الجان فدليني على القزم فانتر!"
لكن البحر لا يجيب، البحر لا يفاوض.
ارتفع الموج حتى صار كالجبال، وقذف القارب بين قمم من الماء ورؤوس من الزبد، حتى ظن الأمير أنه سيرى قاع البحر بعيونه.
في إحدى الضربات، انكسر أحد المجدافين، فالتصق الأمير بالسطح الخشبي وحاول أن يحفظ توازنه.
ثم سمع الهمسات.
كانت تأتي من الأعماق، أصوات رخيمة تشبه الغناء البعيد، تغري السامع بالسكينة.
لكنها كانت غناء الغرقى، أولئك الذين التهمهم البحر الأزرق وأبقاهم صدى في جوفه.
ترددت الأصوات حوله:
"ارجع... ارجع قبل أن يعرف البحر اسمك..."
ضغط مونت على أذنيه بعنف، يصرخ في الظلام:
"لن أرجع! لن أرجع!"
ومع آخر كلمة، ارتفعت موجة ضخمة وابتلعت القارب بالكامل.
دارت الدنيا حوله، وتلاشت الأصوات، وغاص كل شيء في صمت ثقيل.
لم يعد يشعر بالبرد ولا بالماء، فقط بعتمة سائلة تسحبه نحو الأعماق.
ثم... سكنت العاصفة فجأة.
فتح عينيه فرأى الماء من حوله صافيًا، هادئًا كمرآة من زجاج أزرق.
السماء فوقه صافية تمامًا، بلا غيوم، بلا رياح.
كان في المياه الساكنة، تلك المنطقة التي يقول عنها البحارة إنها ليست بحرًا ولا برًا، بل حد بين العوالم.
أمسك حافة القارب المثقوب، وصعد بصعوبة، يلهث، والماء يتقطر من شعره على وجهه.
نظر حوله... لا جزر، لا طيور، لا شيء سوى صفاء مرعب يمتد إلى الأفق.
كان كل شيء ساكنًا إلى حد مؤلم، حتى أنه رأى انعكاس وجهه في الماء، لكن الوجه الذي انعكس لم يكن وجهه تمامًا، بل وجهه حين كان صغيرًا، قبل أن يرث دماء الجان.
ارتجف قلبه، وهمس بصوت خافت كمن يخاطب البحر نفسه:
"أين أنت يا فانتر؟"
فجاءه من بعيد صدى متكسر... كأن البحر أجاب أخيرًا، بصوت يشبه الهمس والأنين:
"في الأعماق، حيث لا يجرؤ الملوك."
تسمر الأمير في مكانه، وحدق في النقطة التي جاء منها الصوت.
ثم أمسك ما تبقى من المجداف، وأدار القارب نحو الجنوب الغارق، حيث ينام الغموض في قلب البحر الساكن.
***
كانت الأمواج تعلو وتغور كوحش يلتهم نفسه، والبحر يزمجر من حولهما كأن السماء انقلبت عليه غضبًا.
سبح القزم فانتر والفتاة تاليا بكل ما تبقى فيهما من قوى، والبرد ينهش عظامهما، والملح يلسع جراحهما الصغيرة.
فوقهما مباشرة كانت البجعة العملاقة تدور بجناحين أوسع من أشرعة السفن، تصرخ صرخة اخترقت طبقات الهواء والبحر معًا، كأنها نداء الموت نفسه.
صرخت تاليا بصوت مرتجف وسط العواصف:
"إنها تلاحقنا يا فانتر! لن ننجو هذه المرة!"
لكن القزم كان يضرب الماء بمرفقيه الصغيرين كمن يطعن القدر في صدره، وصاح من بين زبد الموج:
"اسبحى نحو المياه الساكنة!"
رمقته الفتاة بعينين فزعتين، وقد كاد التيار يجرها من قدميها:
"المياه الساكنة؟ هناك لا جزر ولا حياة ولا حتى صدفة! يقال إن من يبحر إليها لا يعود!"
رد فانتر، وصوته يختلط بالعاصفة:
"أفضل أن أتعفن في الهدوء الأبدي على أن تبتلعني بجعة غبية تظن نفسها إلهة!"
في تلك اللحظة، انقضت البجعة من السماء، مندفعة كالسهم، غرزت مخالبها في الماء، فأحدثت دوامة ضخمة ابتلعت ما حولها.
اختفيا للحظة داخل زبد الموج، ثم ظهرا مجددًا، يتقافزان بين اللطمات، يتنفسان الرعب كما يتنفسان الهواء.
كانت تاليا تلهث، شعرها المبلول يلتف حول وجهها كأفعى سوداء.
"فانتر... إننا لن نصل!"
"اصمتى واسبحى!" صرخ القزم وهو يحدق نحو الأفق البعيد حيث يبدأ خط غامض يفصل بين البحر الهائج والمياه الملساء، حد شاحب كأنه طريق إلى العدم.
أطلقت البجعة صرخة أخرى وهوت عليهم، لكن الموج رفعهما في لحظة عجيبة، كأن البحر نفسه رغب في إنقاذهما، ودفعهما دفعة واحدة نحو ذلك الحد الغامض.
مرت لحظات... ثم عبرا.
هدأ كل شيء فجأة.
كأن البحر فقد روحه.
توقفت الريح، وسكنت المياه حتى بدت كزجاج أزرق لا حركة فيه.
لم يعد يسمعان سوى أنفاسهما الثقيلة وقطرات الماء التي تتساقط من شعرهما على السطح الصافي.
ظلت تاليا تحدق حولها بذهول، ثم همست:
"أهذا هو؟ المياه الساكنة؟"
أجاب فانتر، وصوته يرتجف رغم سخريته المعتادة:
"إنه صمت البحر حين يغلق فمه بعد وجبة دسمة... يبدو أننا بين الموت والحياة يا فتاتي."
نظرت تاليا إلى الماء فرأت انعكاس وجهها، لكنه لم يكن وجهها تمامًا — كان يبتسم لها ابتسامة لم تصنعها، كأن البحر يعيد صياغة وجوه العابرين فيه.
ارتجفت، واقتربت أكثر من القزم.
قال فانتر هامسًا:
"لا تنظر طويلاً، فالمياه الساكنة تريك ما لا يجب أن يرى."
مرت لحظة طويلة، ثم أغمضت عينيها وقالت:
"وماذا الآن يا فانتر؟"
رفع القزم رأسه نحو الأفق، والهدوء يحيط به كقبر بلا جدران، وقال بصوت مبحوح متعب:
"الآن... ننتظر البحر أن يقرر إن كنا ضيوفًا أم أشلاء."
***
تحت ضوء القمر الفضي، أبحر الأمير مونت كارلو وحيدًا عبر المياه الساكنة، تلك الرقعة الغامضة التي تمتد إلى ما لا نهاية، حيث لا رياح تحرك الشراع، ولا أمواج تكسر السكون، ولا طير يحوم فوقها. بدا البحر أشبه بمرآة عملاقة، تعكس وجه السماء وخط الأفق في امتداد واحد حتى يفقد المعنى.
كل شيء حوله كان جامدًا حد الرعب، كأن الزمن نفسه توقف عن الجريان هنا.
كان القارب ينزلق فوق السطح بلا صوت، بلا أثر، سوى صرير خافت يصدر عن الألواح التي أصلحها بسحر الجان. وضع الأمير يده على الجهة اليسرى من الصدر، حيث لا تزال آثار جراحه من المعركة القديمة تؤلمه كلما استيقظت الريح في صدره. في عينيه حزن ثقيل، ليس فقط على ليانثرا، بل على تلك الأميرة المنفية التي تركها خلفه في جزيرتها الملعونة، حين وعدها بالعودة… وعد يعرف أنه قد لا يقدر على الوفاء به.
مرت ثلاثة أيام لم يتذوق فيها النوم، يراقب النجوم المتبدلة في السماء، ويتحدث مع البحر كأنه صديق قديم:
"أين أنت يا فانتر؟ إن كنت حيًا… أجبني، يا قزم البحار المجنون."
لكن البحر ظل صامتًا، لا صوت فيه سوى صرير مجدافه الخشبي.
حتى تلك الليلة — الليلة التي غاب فيها الهلال وارتجفت السماء من همهمة بعيدة — حين سمع فجأة صرخة خافتة تشق السكون.
وقف الأمير من فوره، حدق في الأفق… بدا له ظل يتحرك بين الضباب، كأن جسدًا صغيرًا يطفو ويغوص.
ثم أتت الصرخة مرة أخرى، أوضح هذه المرة، تتخللها كلمات مكسورة:
"أنقذوني… أنقذوني أيها الأغبياء، أنا لا أستحق هذه النهاية!"
مد الأمير يده وأطلق سحر الضوء من كفه، فانبثق وهج أزرق أضاء السطح الساكن، ليظهر أمامه فانتر القزم متشبثًا بلوح خشبي من بقايا السفينة القديمة، وجهه شاحب، شعره ملتصق، يلوح بيديه بجنون.
"يا إله البحر الأزرق!" صاح الأمير، "فانتر؟ أهذا أنت حقًا؟"
رفع القزم رأسه بصعوبة، رمش بعينيه الغارقتين في الملح ثم صرخ بصوته المبحوح:
"قلت لك ألف مرة لا تتركني على السفينة مع تلك الفتاه، وها أنا أدفع الثمن!"
"تعال وساعدني قبل أن أتحول إلى طعام للطحالب!"
ضحك الأمير رغم الموقف، ودمدم بشيء من السحر فاندفع تيار مائي صغير دافعاً القزم نحوه حتى أمسك به وسحبه إلى القارب.
تعلق فانتر بحافة القارب مثل جرذ غارق، ثم زفر وهو يستلقي على ظهره يلهث:
"المياه الساكنة، أليس كذلك؟ كنت أعلم أنني سأجد نهايتي هنا... ما الذي جاء بك إلى هذه المقبرة؟"
أجابه الأمير بصوت متعب:
"أبحث عنك."
تقلص وجه القزم بدهشة، ورفع حاجبيه وقال ساخراً:
"تبحث عني؟ كنت تملك نصف ممالك الجان، فهل ضاقت بك الأرض لتبحث عن قزم مثلي في هذه البقعة الملعونة؟"
ابتسم الأمير وقال بصدق، هذه المرة:
"ربما أنت أملي الأخير لإنقاذ من يستحق الخلاص."
ساد الصمت للحظة، ثم ارتجف البحر فجأة، كأن سكونه ضاق من وجودهما، وتبدلت صفحة الماء إلى مرايا متكسرة، تنعكس فيها وجوه لا تنتمي لهذا العالم... وجوه الغرقى القدامى الذين ابتلعتهم المياه الساكنة.
نظر فانتر إلى الأمير، وقال بخفوت:
"يبدو أن البحر لا يرحب بعودتنا."
أبحر الأمير مونت كارلو برفقة فانتر القزم وتاليا الفتاة عبر المياه الساكنة، بعدما استطاع سحر الجان أن يوقظ الريح من سباتها الأبدي. رفرفت الأشرعة لأول مرة منذ أيام طويلة، وبدأ القارب الصغير يشق طريقه في بطء، نحو البحر الأزرق، تاركاً خلفه المرآة العظمى التي لا تُرى فيها سوى انعكاس الأرواح القديمة.
كانت تاليا تجلس في مقدمة القارب، شعرها المبلل يلتصق بوجهها، تحدق في الأفق الرمادي الذي يفصل السكون عن الحياة. كانت تبدو مرهقة، لكن في عينيها بريق عناد، لا يخبو. أما فانتر فكان يتذمر بلا توقف، يمسك بدفة القارب ويحاول توازنها بمهارة القراصنة القدامى.
قال وهو ينفخ خصلات شعره عن عينيه:
"أقسم أنني ما عدت أميز بين البحر والسماء... إن انقلبنا الآن فلن يعرف أحد أين تبدأ النهاية."
رد الأمير بابتسامة باهتة:
"لن ننقلب يا فانتر. طالما تسري في القارب لمسة من سحر الجان، فلن يغرق."
رمقه القزم بنظرة مرتابة، ثم تمتم ساخراً:
"طالما لم تمسنا لعنة أبيك، فأنا راضٍ."
ساد الصمت برهة، حتى قالت تاليا بصوت خافت:
"هل تظن أنها ما زالت على قيد الحياة؟ الأميرة المنفية؟"
أطرق الأمير رأسه، يراقب الأمواج المتكسرة وقد بدأت تستعيد لونها الأزرق شيئاً فشيئاً، معلنة اقترابهم من حدود المياه الحية.
"هي لا تموت، تاليا. ليست بشراً مثلنا. لكنني أخشى أنها لم تعد تعرف معنى الحياة بعد."
اشتدت الريح قليلاً، وانفتح الأفق أمامهم، فبدت صفحة البحر تتلألأ بلون الفيروز، ثم تحول السكون إلى خرير خفيف. رفع فانتر رأسه وصرخ بفرح غامر:
"نحن في البحر الأزرق! أخيراً تنفس الحياة بعد موت طويل!"
ضحكت تاليا، غير مصدقة أنهم نجوا من المياه الساكنة، لكن فرحتها ما لبثت أن انطفأت حين لاحظت السحب الداكنة تتجمع في الأفق البعيد.
"انظروا هناك!" صاحت، مشيرة بإصبعها.
نظر الأمير، فرأى ما يشبه الدوامة الهائلة، تبتلع ضوء الشمس في مركزها. حولها دوائر من الضباب تدور ببطء، ومن أعماقها كان يلمع شيء ذهبي — أشبه ببوابة، أو ربما الطريق إلى جزيرة الأميرة.
قال فانتر متجهمًا:
"هذا هو الممر؟ هذا؟ يا للجنون، إن عبور هذه العاصفة انتحار."
رد الأمير بصرامة هادئة:
"هي الطريق الوحيدة. الجزيرة لا تُرى إلا لمن يجرؤ على خوض حدود الغضب."
ثم وضع يده على مجداف القارب، همس بتعاويذ قديمة من لغات الجان، فاشتعلت على سطح الماء دوائر مضيئة ترشد القارب نحو الدوامة.
صرخت تاليا وقد تشبثت بالحافة:
"مونت! سنُبتلع!"
لكن الأمير لم يرد. عيناه كانتا على الأفق، على الوعد الذي لم يغفر لنفسه خيانته.
بينما ارتفعت الأمواج حولهم، وتعالى عواء الرياح، كان صوت فانتر يتلاشى وسط الصخب وهو يصيح:
"أقسم أنني أكره الملوك والمجانين والوعود القديمة!"
دخل القارب الدوامة، فاختفى الضوء من حولهم، وغرقت السماء في دوار من الظلال والوميض الأزرق، كأنهم عبروا إلى حلم مبلل لا يعرف القرار.
خرج القارب من جوف الدوامة كما يُقذف الجسد من رحم العاصفة، متثاقلاً ومبللاً بالضوء. هدأت الرياح فجأة، وانقشع الضباب، لتظهر أمامهم الجزيرة المنفية — كتلة من الياسمين والظلال تطفو فوق البحر الأزرق، تحيطها حلقات من الشعاع الذهبي، كأنها وُلدت من حلم لا يريد أن يستيقظ.
كانت الأميرة المنفية واقفة عند الشاطئ، شعرها الفضي الطويل يتماوج مع النسيم، وثوبها الأخضر المطرز بقشور المرجان يلمع في وهج المغيب. بدا أن البحر نفسه يبتعد عن قدميها في انحناءة خضوع، كأنه يعرف سيادته ويخشاها في آن واحد.
عندما رأت القارب يقترب، اتسعت عيناها بدهشة مترددة، ثم بخطوة رشيقة تقدمت حتى لامست أطراف الموج. صرخ فانتر القزم من على ظهر القارب، وهو يلوح بذراعيه القصيرتين:
"أيتها الأميرة! إن البحر نفسه فتح فمه ليبتلعنا، لكنه لفظنا على شاطئك! أليس هذا كرماً من قدرك؟"
ابتسمت الأميرة ابتسامة حزينة، وقالت بصوت رقيق كنسيم مالح:
"وهل من عادة القدر أن يكون كريماً يا قزم الجان؟"
نزل الأمير مونت كارلو من القارب أولاً، جاثياً بركبته أمامها، وقال بخشوع صادق:
"جئنا كما وعدتك يا مولاتي. عبرنا المياه الساكنة والبحر الأزرق والدوامة المحرمة. لم يكن سهلاً، لكنني لم أعد أستطيع تركك وحيدة."
تطلعت إليه طويلاً، وفي عينيها لمعة امتنان خافتة، ثم أشارت بيدها إلى خادماتها الجنيات اللاتي خرجن من بين أشجار المرجان، يحملن المناشف وجرار العطر. تقدمن في صمت ملكي، يستقبلن الضيوف الثلاثة، ويقدنهن نحو القصر الغارق في الضياء.
بينما كانوا يسيرون على الممرات المائية التي تتلألأ تحت أقدامهم، كان فانتر القزم يحدق بالأميرة من بعيد بعينين واسعتين مبهورتين، ثم قال بصوت عالٍ ليس فيه أي حياء:
"يا نجمة البحر ويا لعنة الملوك، من ذا الذي ينفي قمراً كهذا؟ لو كنت ملك الجان، لكنت نفيت نفسي واحتفظت بها هنا لتؤنس وحدتي!"
ضحكت تاليا بخفة، وحاولت أن تخفي وجهها بين يديها كي لا يسمعها أحد، بينما رمقه الأمير مونت كارلو بنظرة حادة تنذره بالصمت. لكن الأميرة، بدلاً من الغضب، التفتت نحوه وابتسمت ابتسامة صغيرة فيها شيء من المرح القديم الذي نسيه قلبها منذ زمن، وقالت:
"ما أكثر جرأتكم أيها الأقزام، وما أندر صدقكم. لو كنت ما زلت أميرة كما كنت يوماً، لأمرتك أن تكون شاعر القصر."
رفع فانتر رأسه، وتظاهر بالانحناءة المهيبة وهو يضع يده على صدره قائلاً بمكر طفولي:
"شرف لا أستحقه يا مولاتي... وإن كنت لا أمانع في أن أقيم هنا إلى الأبد، طالما الغروب يشبه عينيك."
ضحكت الأميرة للمرة الأولى منذ قرون منفى، ضحكة قصيرة كسرت الصمت الذي يلف القصر، وجعلت الجنيات يتبادلن النظرات بدهشة مسحورة.
وهكذا — بين رائحة البحر ووميض الأحجار — دخل الأمير مونت كارلو ورفيقاه إلى قلب الجزيرة المنفية، بينما كان فانتر يرمق الأميرة بخيال شاعر ووقاحة مخلوق لا يخاف الملوك.
كانت ليانثرا تسبح في الظلال العميقة، بين شعاب ميتة ومرجان ناحل، تتوارى بين الصخور وتتنفس بصعوبة من شدة توترها. أمامها، في البعيد، كانت مملكة الغرانيق تمتد كغابة من الضوء الأخضر، أعمدة من اللؤلؤ ترتفع من القاع نحو السطح، وحولها تدور حراسات كثيفة من الغرانيق ذات العيون الفسفورية والرماح الطويلة.
اقتربت حتى لامس جلدها وهج الأبراج المرجانية، لكنها ما لبثت أن تراجعت حين رأت أسراب الحراسة تجوب المياه بلا توقف، تحيط بالقصر البحري الملكي كدوائر من نيران زرقاء.
اضطرت ليانثرا إلى التراجع والاختباء في فجوة من الصخر، حيث بقيت هناك أكثر من ليلة بحرية كاملة، تتغذى على الطحالب وتراقب الحركة بعين الصبر والانتظار. لم تكن تجرؤ على التقدم أكثر فالغرانيق لا تعرف الرحمة، وأي دخيل مصيره التمزيق قبل أن يصرخ.
وفي منتصف الليلة الثانية، دوى في أعماق البحر صوت البوق البحري العظيم — ذلك الصوت الذي لا يُسمع إلا حين تقوم حرب. ارتجت الأعمدة المرجانية، وتشتتت أسراب الأسماك من كل صوب، واهتزت المياه من شدة الموج القادم. رأت ليانثرا الظلال الداكنة تتقدم من الغرب… كانت القروش، مئات منها، تقودها الموجة الضخمة التي يسبقها القرش العملاق باتروس، الملك المتمرّد على سيده شرباخ.
أطبق جيش القروش على حدود المملكة في هجوم شرس لا رحمة فيه، وتحول البحر إلى دوامة من الدم والرماح والأنياب. صرخات الغرانيق ملأت الأعماق، واللؤلؤ تناثر كدموع منسية. كانت الحرب عنيفة كأنها نهاية الأزمنة، والبحر يهدر من شدة الصدام.
في قلب المعركة خرجت ملكة الغرانيق بنفسها، جسدها مهيب كتمثال من المرجان، وعيناها تشتعلان كشمعتين في العتمة. كانت تحمل رمحاً مضيئاً من العظام، واتجهت نحو باتروس، الذي بدا كجبل متحرك من الزعانف والدماء.
اصطدم الاثنان بقوة، أرجفت القاع، تحطمت الصخور وارتفعت أعمدة الطين والماء، كأن البحر نفسه ضاق بمعركتهما.
كانت الملكة تعرف أن قوتها وحدها لن تكفي. فتحت صدرها وأخرجت من حزامها قارورة من الضوء الأخضر، بداخلها العشبة السحرية — عشبة النهايات — التي لا تُستخدم إلا في حرب لا يُراد منها نجاة أحد.
كانت تلك العشبة يُقال إنها تمنح من يبتلعها قوة البحر الأبدي، لكنها تسلبه روحه.
لكن قبل أن تبتلعها الملكة، اندفع باتروس بجسده الضخم فصدمها بقوة مروعة. طارت القارورة وجرفها تيار الماء، تتلألأ كوميض سماوي، ثم انجرفت بعيدًا وسط الفوضى.
تبعها نظر ليانثرا، التي كانت تراقب المعركة من بين الصخور. اندفعت دون تفكير نحوها، رغم الأعاصير والتيارات العنيفة، حتى أمسكت بها أخيرًا.
ما إن لامست العشبة شفتيها حتى شعرت بحرارة غريبة تشتعل في صدرها، كأن البحر نفسه ينفجر بداخلها.
حاولت التراجع لكنها فقدت السيطرة، وابتلعت العشبة بالكامل.
للحظة، عم السكون حولها... ثم بدأ جسدها يتغير.
تألق جلدها بضوء أخضر باهر، وتحول ذيلها إلى زعنفة هائلة تشبه ذيول الغرانيق، أما عيناها فتلونتا بلون البحر حين يغضب.
ارتجف جسدها من شدة التحول، ثم فقدت الوعي وسقطت ببطء نحو القاع، تحيط بها فقاعات الضوء، فيما كانت الحرب تستعر فوقها، والبحر يئن ككائن يحتضر.