تحميل رواية «أم النساك» PDF
بقلم حياة محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
فى الأتوبيس المتجه إلى إحدى القرى السياحية جلس شاب في الثلاثين من عمره بعيون خضراء ساحرة وشعر كستنائي ناعم ووجه جميل يسحر النساء بوسامته الشديدة. يضع الهيد فون في أذنيه وينتظر بدء الرحلة. يتمنى أن تجلس بجواره مزة جامدة تطري الجو وتضيع وقت الرحلة الطويل. بعد قليل بدأ الركاب يدخلون الأتوبيس وهو يقيم كل فتاة تصعد: لا دى تخينة.... أمورة بس مش أوي.... ياخبر أبيض دى فورتيكة. فأشار لها لتجلس بجواره فالتفتت حولها ثم ابتسمت واقتربت منه تحية: هاى فيه حد معاك. فيبتسم ويرد التحية: هاى ولو فيه أرميه من الأتو...
رواية أم النساك الفصل الأول 1 - بقلم حياة محمد
فى الأتوبيس المتجه إلى إحدى القرى السياحية جلس شاب في الثلاثين من عمره بعيون خضراء ساحرة وشعر كستنائي ناعم ووجه جميل يسحر النساء بوسامته الشديدة.
يضع الهيد فون في أذنيه وينتظر بدء الرحلة.
يتمنى أن تجلس بجواره مزة جامدة تطري الجو وتضيع وقت الرحلة الطويل.
بعد قليل بدأ الركاب يدخلون الأتوبيس وهو يقيم كل فتاة تصعد:
لا دى تخينة....
أمورة بس مش أوي....
ياخبر أبيض دى فورتيكة.
فأشار لها لتجلس بجواره فالتفتت حولها ثم ابتسمت واقتربت منه تحية:
هاى فيه حد معاك.
فيبتسم ويرد التحية:
هاى ولو فيه أرميه من الأتوبيس عشانك.
فجلست بجواره وقالت بدلع:
ميرسى.
فمد يده يسلم:
أنا طارق خليل.
فمدت يدها لتسلم عليه:
أنا شوشو.
فابتسم:
شوشو ده دلع إيه استنى أفكر أكيد دلع شمس لأن ده الاسم الوحيد اللي لايق عليكي.
فانتفخت هذه الساذجة وكالبالون ثم قالت بدلع ماسخ جدا:
لأ ده دلع شهد.
فقال في نفسه ((شهد يا بنت الكدابة ده إنتي أخرك شوقية)) ليقول لها برومانسية:
أه يا قلبي أموت في العسل يا عسل.
لتذوب تلك الفتاة في يده لينظر لساعته ويقول:
أسرع مزة اتعرفت عليها ما أخدتش في إيدي أكتر من عشر دقائق ده رقم قياسي أخش بيه الموسوعة.
لتنظر له:
وإنت بتشتغل إيه يا طارق.
فقال الكلمة السحرية اللي تحبها كل البنات:
رجل أعمال وعندي شركة صغيرة للاستيراد والتصدير.
لتنظر الفتاة بسرعة ليده لترى هل يلبس دبلة لترى يديه الاثنتين خاليتين لتقول في نفسها:
هو ده أنا لازم أوقع المز ده ده لو حصل هغيظ كل قرايبنا وخصوصا رحمة بنت عمي اللي شافت نفسها علينا بعد ما اتخطبت لدكتور هتتفرس هي وإخوتها لما أتخطب له.
فيبتسم بسخرية وهو يتأمل شوشو بنت جميلة بشعر أسود قصير مع خصلات شقراء ترفعه بنظارة شمسية ترتدي فستان صيفي قصير فوق الركبة بكشف عن زراوئها وصدرها.
لينظر لعينيها ويقول:
مش معقول عيونك دي ولا عدسات.
فتقول بسرعة:
لأ والله عيوني.
فيقول بهيام مصطنع:
مش معقول كل الجمال ده طبيعي ده إنتي ملكة.
لتبتسم له في إغراء ليقول:
إنتي معلشة إسمعي كده معايا.
ليشغل هاتفه المحمول على أغنية المهرجانات وصوت حمو بيكا الجاهوري يرتفع وشوشو تغني معه وهي تهز أكتافها وترقص في مكانها حتى أن البعض شاركهم في التصفيق.
لتنتهي الأغنية فيشغل أغنية ستو أنا وهو يوجه لها الكلمات مع أكرم حسني وهي ترد عليه مع أيتن عامر.
لتنتهي الأغنية وينظر لها ويقول في نفسه ((هذه هي علاقة البنات في المصايف لذيذة ومنعشة مثل الأيس كريم تستمتع به ويلطف الجو وايضا تذوب وتختفي مع حرارة الشمس وقت ممتع ولذيذ بلا ارتباط وبلا أي مسؤولية)).
وبعد عدة ساعات بدأ يشعر بالملل فهذه السخيفة تكاد تلتصق به حتى أنها فتحت هاتفها لتريه صورها بالمايوه لتؤكد له أنها خست كثيرا عن العام الماضي وبعدها بدأت تريه صور قريباتها وصديقاتها لتؤكد له أنها أجمل منهم جميعا ملل ملل ملل لاشيء جديد كلها حركات مكررة تفعلها الفتيات.
أخيرا قرر أنه سيدعي النوم حتى تتركه هذه الملتصقة فارتدى نظارته الشمسية ومال برأسه على الكرسي حتى صدقت أخيرا أنه نام لتشعر بالملل فتنام هي الأخرى واضعة رأسها على كتفه.
ولكن بعد قليل غلبه النوم فعلا ونام فالطريق طويل فسينام بضع ساعات.
استيقظ مفزوع على اهتزازات عنيفة وصرخات قوية فالتفت حوله ليرى الأتوبيس يتخبط في الطريق والكل يصرخ ويستجير بالله:
(يارب أستر)
(يارب نجينا)
ويرى شوشو تصرخ وهي تتمسك به في رعب وهناك من قفز من شباك الأتوبيس ليخبط الأتوبيس في صخرة عملاقة لينقلب على رأسه ويدور في شقلبات عنيفة والكل في الداخل يتخبط في السقف والكراسي والصرخات عالية وفجأة غاب عن الوعي مستسلما للموت.
بعد عدة ساعات فاق ليلمس رأسه ليشعر بالألم وبسائل لزج يخرج من رأسه بدأ يفتح عينيه لكن الظلمة شديدة لا يرى أي شيء لكنه يسمع تأوهات متفرقة ويتلمس بيديه أجساد بعضها حي والآخر جثة هامدة ليحاول التحرك والزحف على قدميه ويديه يشعر بالرمال لكنه لا يعلم هل هو داخل الأتوبيس أم خارجه فمد يده يلتمس السقف فلم يشعر به فعرف أنه خارج الأتوبيس ليظهر في الظلام نور كشافين صغيرين يتحركان معا وبعدها سمع صوت عواء طويل فعرف أنهما عيون الذئاب تنير في الظلام وأنه سيكون وليمة للذئاب فبدأ يتحرك في حذر ويتخبط والذئب يقترب منه فأخذ حفنات من التراب يرمي بها الذئاب وهو يدعو الله في رعب أن ينجيه حتى تركته الذئاب ليقوم بسرعة يجري في تخبط فالعمر واحد والروح غالية لم يلتفت لصوت الصرخات التي يسمعها من خلفه حتى أنهكه التعب فاستسلم ونام.
شعر بحرارة الشمس العالية ففتح عينيه بصعوبة ليجد نفسه في وسط الصحراء رمال في رمال الشمس حارقة ويكاد يموت من الجوع والعطش فرفع رأسه للسماء وقال بصوت عالي يرجو الله:
((يارب نجيني يارب))
((هكذا حالنا لا نذكر الله إلا في الشدائد إلا من رحم ربي))
لينظر بعيد ليرى الماء يترقرق فوق رمال الصحراء فيجري بقوة يشكر الله أن نجاة وكلما اقترب يرى الماء بعيد فيشعر بالأمل ويجري وكلما اقترب بعد الماء ليدرك بعد فترة أن ما يراه هو السراب ليجعله اليأس يلوم الله ((استغفر الله)) ليه يا رب تعمل فيا كده ليه ليزحف وييأس وبتعب ليمر الوقت وحرارة الشمس العالية أثرت عليه ليستسلم كالعادة ويفوق بعد فترة ليجد الدنيا قد أظلمت ولا يعلم كم قضى من الليل لكن أصوات الذئاب من بعيد ترعبه فيلجأ لله أن يحميه ويتحرك في الظلمة وقد فتك به التعب والإجهاد وأنهكه الجوع والعطش ليزحف على يديه ويجر نفسه ليشعر بتغيير في ملمس الرمل وينجلي الظلام ليرى نفسه أمام حقل وزرع أخضر فأصبح كالمجنون يضع في فمه كل ما تقتله يده من حشائش يأكل أي شيء حتى ولو عشبة شوك فالجائع لا يمتلك حق الاختيار يمتص الحشائش ليبلل ريقه الجاف من قطرات الندى.
ليسمع صوت أقدام تقترب منه وصوت رجل يقول:
سبحان الله من أنت؟ غريب في أرض النساك.
ليقع طارق فاقد الوعي بينما يصرخ الرجل:
يا عباد الله أقبلوا غريب في أرض النساك.
ليقبل رجلين ويقولوا:
ما نفعل به يا عبد الله.
فيقول:
نأخذه لأم النساك.
رواية أم النساك الفصل الثاني 2 - بقلم حياة محمد
أخذ الرجال طارق واتجهوا ينادون على أم النساك،
وكلما مروا على أحد إلا ووقف يشاهد الغريب الذي عثروا عليه.
ونادوا:
"أقبلى يا أم النساك، أقبلى وجدنا غريب."
فخرجت عليهم أم النساك بلباسها الأسود الحالك،
وصوتها الهادئ القوي الواثق،
ونظرت لما يحملونه على الأذرع:
"يا سبحان الله. أين عثرتم عليه؟"
((في هذه اللحظة كان طارق يقاوم الإغماء ويجاهد بفتح عينيه.))
الرجل:
"أنظري في أمره يا أم النساك."
أم النساك:
"وهل انتزعت الرحمة من قلوبكم؟ كيف أنظر في أمره وهو على هذا الحال. أيوب."
أيوب:
"بأمرك أم النساك."
أم النساك:
"تولى أمره وإرعاه وارسلوا للحكيم ليداويه.
فإن برأ نظرت أمره، وإن مات فصلوا عليه وواروه في التراب."
في هذه اللحظة وجه طارق نظره المشوش،
فلم يرَ سوى عيون شديدة السواد.
بعد ثلاثة أيام.
بدأ ينتبه لنفسه ويفوق من نومه الثقيل،
ليشعر بملمس ناعم أسفل منه غير ملمس الرمال ولا التراب،
ليتحسس بيديه وعيونه مغلقة،
فلو كان ما يشعر به حلم فليستمتع به قبل أن يفوق.
ليسمع صوت يقول:
"الحمد لله، بدأ الغريب يفوق."
ليفتح عيونه ببطء فيرى رجل جالس بجواره،
له بشرة سمراء وعيون سوداء ولحية طويلة.
فقال طارق بعيون نصف مفتوحة:
"أنا فين؟"
لم يجبه الرجل،
ليفتح طارق عيونه ويحاول الاعتدال،
ليساعده الرجل على الجلوس.
فيقول طارق:
"أنا فين؟ وإنت مين؟"
لكن الرجل كان منتبهاً لوجه طارق فقال:
"سبحان الله، عيون خضراء. من أنت أيها الغريب؟ وما حاجتك في أرض النساك؟"
طارق:
"أرض النساك. يعني إيه؟ وإنت مين؟"
الرجل:
"أنا أيوب. وأنت غريب في أرض النساك، وجدناك منذ ثلاثة.
وأمرت أم النساك أن تبقى في ضيافتها حتى تبرأ من مرضك،
وبعدها تنظر في حالك."
طارق:
"مين أم النساك؟ وهتنظر في حالي إزاي؟
وإنت ليه بتتكلم زي المسلسلات الدينية القديمة كده؟ كلمني عادي عشان أفهمك."
أيوب:
"أنا لا أفهمك أيها الغريب، لكن أحب عينيك، كيف جعلتها خضراء."
طارق:
"إيه شلة المجانين دي."
فيسمعون صوت ينادي،
فيخرج أيوب ويعود بأطباق فخارية، يقدمها.
أيوب:
"أقبل أيها الغريب، فقد أرسلت أم النساك الطعام مع خادمتها."
طارق:
"أنا اسمي طارق، وبعدين كويس إنكم جبتوا الأكل ده، أنا واقع من الجوع."
وينظر إلى الطعام ويقول:
"إيه ده؟"
أيوب:
"سمِ بالله وكل، إنه خبز شعير ومرق ولحم."
فنظر للأكل بإشمئزاز، ولكنه جائع،
فرأى أيوب يكسر الخبز ويضع عليه قطعة من اللحم ويأكل،
فبدأ يقلد أيوب، فقطع كسرة من الخبز ووضع عليها قطعة لحم،
وأكل ليجد طعمه رائع، لا يعلم هل هو فعلاً رائع أم من شدة الجوع يحسه رائع.
رأى أيوب يرفع الصحن ويشرب المرق،
فشعر بالقرف من الرجل، لكن بعد قليل قلده وشرب مثله،
حتى شبع.
وبعدها قرب له أيوب جره الفخاري وقال:
"سمِ بالله واشرب، فهذا منقوع الأعشاب محلى بالعسل،
إشرب منه حتى تسترد عافيتك كما وصانا الحكيم."
فأخذ طارق الكوب ليقول بإشمئزاز:
"على آخر الزمن هشرب منقوع. إيه القرف ده."
فيقربه من أنفه فيشم رائحة أعشاب،
فيأخذ رشفة لكنه يبصقها لغرابة طعمها،
لكن مع إصرار أيوب شرب قليلاً.
فقال أيوب:
"بالشفاء إن شاء الله. أيها الغريب، أقصد طارق،
أحضرت لك قربة ماء وثوب من عندي فاغتسل،
فأم النساك ستنظر في أمرك."
وقف طارق وأيوب أمام مجلس النساك،
وقد بدأ يتوافد الرجال، فالأمر غريب عليهم والكل ينتظر ليرى الغريب،
نادى أيوب:
"أم النساك، أم النساك، أم النساك."
لينتبه طارق بوجود كتلة سوداء مكتومة في ركن من المجلس،
فأشار لأيوب:
"يه ده؟"
فنظر أيوب ثم انتفض:
"غض بصرك يا هذا، فأم النساك تصلي.
يا ميساء، أسدلي الستائر حتى تفرغ أم النساك من صلاتها."
فأقبلت الخادمة أسدلت الستائر.
ليقول طارق في نفسه:
"بتغيير عليها أوي، على إيه دي حتى أم النساك يعني أد جدة جدتي."
وبعد فترة انزاحت الستائر،
ليسمع الجميع الصوت الهادئ يقول:
"السلام عليكم ورحمة الله."
ليرد الجميع "السلام" والكل ينظر للأرض،
إلا طارق الذي رفع عيونه ليراها فتسمر مكانه،
فقد رأى جسد طويل رشيق متشح بالسواد،
وغطاء رأس بنفس اللون، لتستقر عينيه على وجه أبيض دائري،
وشفاه وردية ربانية، وأنف مستقيم،
ليصعد بنظره ليرى عيون واسعة شديدة السواد المقلتين مزينة بكحل رباني،
((من قال العيون الخضراء تسحر والعيون الزرقاء تأسر،
فالعيون العربية السوداء تقتل بغير سلاح))،
لشابة لم يزد عمرها عن السابعة والعشرين من عمرها.
هل هذه الفتنة الربانية هي أم النساك؟
لتقترب منه أم النساك قليلاً وتنظر لوجهه،
ويتتلاقى عيناه الخضراوان بعينيها فقالت:
"سبحان من أنبت الزرع في صحراء عينيك فإخضرت."
فابتسم بثقة فقد علم أنه سحرها بعينيه، وقال:
"عجبتك عينيا يا قمر."
لكنها أخفضت نظرها واستعاذت بالله من الشيطان،
لتقول بجدية:
"من أنت أيها الغريب؟ ومن أين أتيت؟ وكيف وصلت أرض النساك؟"
فسبل عينيه وتصنع الرقة وقال:
"أنا طارق من مصر."
لتفتح عيونها السوداء بشدة وتقول بلهفة:
"مصر؟ أي مصر تقصد؟ هل تقصد قوله تعالى ((ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون))؟
أمازال فرعون يحكم مصر؟"
طارق:
"فرعون مين؟ إنتوا بتقولوا إيه."
ليقول أحد الحكماء:
"تقصد مصر قوله تعالى ((قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير إهبطوا مصر فإن لكم ما سألتم))؟"
ليقول ثانٍ:
"أتقصد قوله ((وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا))؟
أمازلتم تملكون خزائن الأرض؟"
ليقول طارق بسخرية:
"خزائن إيه؟ صلي على النبي، هو إحنا لاقيين ناكل ده، إحنا بنستورد فوانيس رمضان من الصين."
أم النساك:
"كيف وصلت ديارنا؟"
طارق:
"معرفش، بس إنتوا ليه مستغربين؟"
أم النساك:
"لم يطئ غريب أرض النساك منذ ثلاثمائة عام. ما دخلها أحد ولا خرج منها أحد."
طارق:
"يااااه، ده أنا هتكتب في كتاب التاريخ عندكم أول غريب بعيون خضراء."
قالها وضحك، لكن لم يشاركه أحد الضحك،
فاختفت ضحكته السخيفة وقال:
"بس إنتوا لو جيتوا عندنا هكرمكم و..."
أم النساك:
"ارحل عنا أيها الغريب."
ففزع طارق:
"أرحل؟ أرحل فين؟"
أم النساك:
"عد من حيث أتيت، لا مكان لك بأرض النساك."
طارق بخوف وبصوت عالي:
"ليه؟ حرام عليكي، عايزاني أرجع ليه؟ هو أنا عارف الطريق وأرجع للضباع تاكلني حي،
وإلا للجوع والعطش في الصحراء. كنتوا ليه بتعالجوني مادمتم هتموتوني؟"
أم النساك:
"استغفر ربك يا هذا، فالموت والحياة بأمر الله وحده."
طارق:
"ونعم بالله ما قلتيش حاجة، بس إنتي كده بتحكمي عليّا بالإعدام."
أم النساك:
"سنأمر لك بدابة وطعام وماء يكفيك ثلاثة."
طارق:
"ولما يخلصوا أعمل إيه؟ أموت في الصحراء؟ حرام عليكي، إنتي ما فيش في قلبك رحمة."
أم النساك:
"يا هذا، ربك الرزاق، فقد تجد بلادك قبل انتهاء المؤنة."
طارق:
"ولو ما لقيتش أعمل إيه؟ أبوس إيدك أتوسل..."
فقاطعته أم النساك غاضبة:
"اصمت يا هذا، وارفع رأسك، فمن خفض رأسه لغير الله إنزل،
ومن خفضها لربه أعزه."
طارق:
"طيب قولي أعمل إيه، وإنتي مش رحماني، عايزاني أرجع للمرمطة تاني."
أم النساك:
"يا هذا، أرض النساك ليست للأغراب، إن دخلتها فلن تخرج منها أبداً، فعد لبلادك."
فكر طارق قليلاً وقال:
"معنديش أي خيار، أنا موافق."
فقالت له أم النساك:
"إذا قد اخترت ووافقت وأصبحت أول غريب في أرض النساك."
رواية أم النساك الفصل الثالث 3 - بقلم حياة محمد
أم النساك: لقد وافقت أن تبقى وأصبحت غريبا في أرض النساك.
فكبر النساك وتحمدوا لطارق على سلامته وهنأوه.
بعدها عاد طارق للبيت مرهقا متعبا، فقد سمحت له أم النساك أن يبقى في ضيافتها.
خلع ثوب أيوب ونعله واستلقى على فراشه ليغط في نوم عميق.
استيقظ بعد عدة ساعات ليجد الظلام حالك، فبدأ يتحسس طريقه ويتخبط:
إيه ده مين اللي طفى النور إنتوا ياناس النور قاطع.
ليتلمس حتى وصل إلى الباب، وقبل فتحه اكتشف أنه عاري فعاد يتخبط ويتحسس حتى وجد الثوب فلبسه وعاد وفتح الباب.
لكن الشوارع مظلمة والبيوت هادئة، ولكن من حسن حظه أن دار ضيافة النساك ملاصقة لبيت أم النساك فنادى عليها بصوت عالي:
ياأم النساك إنتي فين نايمة وسايبة الدنيا ضلمة.
بعد لحظات فتحت الباب أم النساك ووراءها خادمتها.
أم النساك: ما الأمر لماذا تصرخ يا غريب؟.
طارق: قلت لك إسمي طارق وبعدين الدنيا ضلمة ليه طفيين النور.
أم النساك: هناك مشعل في الدار لما لم تضيئه.
طارق: مشعل إيه مفيش زر النور والدنيا كحل جوا.
فنظرت لخادمتها:
إذهبي فإملئي مشعلة بالزيت وأنيري له الدار.
طارق: مشعل إيه هو مفيش كهرباء.
أم النساك: أي كهرباء؟
طارق: قشطة يعني لا فيه نور ولا كهربا ولا تلفزيون ولا تكييف ولا حاجة صح. ده هيبقى مرار طافح.
عادت الخادمة بعد قليل، لتقول لها أم النساك:
قدمي للغريب الطعام فلعله جائع.
لتدخل أم النساك تاركة طارق وحده، لتعود الخادمة ومعها طبق فخاري.
فسألها طارق:
إيه ده؟
الخادمة: جريش الشعير مطهو بالمرق.
طارق بتأفف: هو معندكوش حاجة تتفهم ده كنتاكي له الجنة.
((فوقفت الخادمة تسمعه بغير فهم))
ليسألها: هو اللي يحب يسهر عندكو يسهر فين؟.
الخادمة: يتسامر الرجال في خيمة عبد الرحمن فإذهب لهم أو إبحث لنفسك عن رفيق.
طارق: وأنا هروح لهم إزاي طب ماتندهي لأم النساك ونسهر سوا.
الخادمة: أفقدتك الشمس عقلك. سأتيك بمنقوع الأعشاب علك تبرأ.
طارق بإندفاع: لا لا لامنقوع إيه حرام عليكي خلاص كفاية عليا الأكل الغريب ده.
لترحل الخادمة ويقول طارق للطعام: مفيش قدامي غيرك أنا وإنت والليل طويل.
وقد كان الليل طويل جدا لم يعرف كيف يقضيه، ليل بلا موبايل ولا تلفزيون ولا خروج ولا سهرات والدنيا هادئة والليل سكون والوقت بطيء ممل.
والكارثة الكبرى حينما نفد الزيت وإنطفأ المشعل ليجد نفسه في ظلمته حالكة حتى أنقذه الله أخيرا بالنوم.
ليصحو في اليوم التالي على صوت طرق على الباب فعرف أنها الخادمة أحضرت له الإفطار، فقام متكاسلا ليفتح لها ويقول وعيونه مغلقة:
خشي وحطي الأكل بسرعة عشان عايز أرجع أنام.
لينتبه لصوت غليظ:
إفتقدناك في صلاة الفجر يا غريب.
لينتفض بسرعة ويفتح عينيه ليرى عدد خمس رجال ضخام الجثة لهم عيون سوداء يرتدون أثواب صوفية زرقاء وبيضاء.
لينظر لهم بدهشة:
فيه حاجة؟
ليقول أطولهم بصوت غليظ:
إفتقدناك في فجر اليوم ولم نراك أمس في المغرب والعشاء فأتينا نطمئن. لعله خير.
فيقول بصوت مهزوز:
أنا كويس الحمد لله.
فيقول الآخر:
إذا لما لم نراك في المسجد.
فيقول بخوف:
أصلي يعني أصلي صليت هنا في البيت.
فيقول الرجل مستنكرا:
تصلي في البيت كالنساء.
فيرد الآخر:
إنتظر عبد الرحمن وإهدأ.
((ثم وجه كلامه لطارق))
يا غريب لا يصلي الرجال في المنازل إلا إن كان مريضا أو في النوافل غير ذلك فصلاتنا في المساجد.
فيقول طارق في نفسه:
((كل ده عشان قلتلهم صليت في البيت هيعملوا فيا إيه لو عرفوا إني مابركعناش ومش بصلي أكيد هيقيموا عليا الحد)).
لينظر لهم بخوف ويقول:
خلاص خلاص والله هصلي ومش هتأخر.
لينظر له رجل سمح الوجه ويرى الخوف في عيونه فيقول:
إهدأ يا بني ولا تخف ربما لأنك لا تعرف مكان المسجد.
لينظر طارق للرجل وكأنه حبل النجاة:
أيوه صح مش عارفة.
ليبتسم الرجل بلطف ويقول:
إذا أستأذنك أن أكون أنيسك وأمر عليك للصلاة.
طارق: على راسي تشرفني.
ليخرج الرجال ويتنفس طارق الصعداء، وبعدها بلحظة يسمع طرق جديد على الباب ليقول:
إيه الرعب ده من أول يوم ده أنا هموت قبل ما أكمل أسبوع.
ليفتح الباب ويجد أم النساك ووراءها الخادمة تحمل الطعام فيبتسم ويقول بسعادة:
أهلا أهلا جيتي في وقتك إتفضلي.
فأشارت أم النساك للخادمة لتدخل الطعام ثم قالت:
أيها الغريب عبد الرحمن يطلبك فاذهب إليه.
طارق بدهشة:
عبد الرحمن مين؟ وعايز مني إيه؟
أم النساك: إذهب لمسجد النساك وستجده هناك.
طارق: مش فاهم أرحلوا فين وليه متفهميني.
أم النساك: إن كنت لا تعرف الطريق فإتبعني أدلك عليه أو إنتظر ميساء.
طارق: لا ميساء مين أنا هاجي معاكي.
أم النساك: وطعامك.
طارق: مش مهم أكل بعدين.
ليسير بجوارها لتقول:
يا هذا إما أن تسبق أو تتأخر عني.
فيقول:
خلاص إتفضلي وأنا وراكي بس بصراحة فيه حاجات كتيرة نفسى أعرفها عنك يعني مثلا إنتي إسمك الحقيقي إيه أصل أم النساك ده تقيل أوي ومش لايق عليكي وكمان إنتي تبقى كبيرة البلد يعني العمدة مثلا.
طيب لو إنتي العمدة إزاي الناس رضيت تحكمهم واحدة ست هو مفيش رجالة.
((لتستدير له وتنظر له بحدة)) ليتراجع باعتذار:
مقصدش بس يعني اللي أدك في بلدنا كل همها اللبس والمكياج وإزاي توقع العريس لكن إنتي...
تقاطعه:
صه يا غريب صه.
((ثم أشارت))
هذا المسجد فإسأل عن عبد الرحمن.
ثم تركته.
فيقول:
تنكة أوي بس مزه جامدة بنت الذينا.
ليستدير فيجده الرجل الضخم ذو الوجه القاسي فيرتعب منه خوفا أن يكون سمعه وخوفا من نظراته الحادة.
ليقول له الرجل:
تعال يا غريب أحتاجك معي كي نلقح النخلات.
طارق بصوت عالي:
نعم.
فينظر له عبد الرحمن بشدة فيتراجع طارق ويقول بصوت مهزوز:
حاضر هاجي.
بعد صلاة العصر
عاد طارق وهو يجر قدميه من شدة التعب أما وجهه كان أحمر قاني من الشمس والغيظ ليضرب باب أم النساك بشدة لتفتح له الخادمة ويصرخ في وجهها:
فين ستك فين أم النساك.
ميساء: ماذا تقصد بستي؟ ثم أم النساك في الساحة الكبيرة فاليوم سنكرم خمس.
طارق: يعني إيه؟
ميساء: نادى المنادي أننا سنكرم خمس اليوم وأم النساك ستحاججهم مع الحكماء ألن تأتي.
طارق: أنا مش فاهم حاجة بس لو هتروحي خديني معاكي.
ليسيرا معا حتى وصلوا إلى منطقة واسعة كبيرة وكل الرجال مجتمعين في جهة وكل النساء في الجهة المقابلة والحكماء الأربعة يتصدرون الجلسة وأمامهم خمسة أطفال بين العاشرة والثانية عشر. ثلاث صبية وفتاتان.
أما أم النساك فتتصدر مجلس النساء بملابسها السوداء المميزة فهي الوحيدة التي ترتدي الأسود أما باقي النساء فملابسهن بين الأبيض والأخضر واللبني.
فيقول الحكيم:
أسمعني أيها الصغير من قوله تعالى: ((إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى (٣٨) أن إقذفيه في التابوت)).
فيرتل الصغير بقراءة صحيحة وصوت جميل:
((فإقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني......))
واستمر الصغير يكمل لينتقل لحكيم آخر يسأله والصغير يجيب ويسمع القرآن حتى أجازه الشيخ فارتفع صوت النساك بالتسبيح والتهليل.
لينتقلوا إلى صبي آخر حتى فرغوا من الصغار لتقوم أم النساك من مكانها وبدأت في سؤال الصغار والصغار يجيبون عليها وبعدها أعطتهم نظرة رضا عنهم لتقول:
أنتم عز النساك وفخرهم.
ليهلل الرجال وتكبر النساء فهذه إشارة إجتيازهم الاختبار.
لكن أم النساك نظرت لصبية في العاشرة لتبادلها الصغيرة نظرة واثقة فتقول أم النساك:
قالوا عنك درة الحفاظ وفخرهم.
فترد الصغيرة:
قالوا وصدقوا.
فتبتسم أم النساك فقد أعجبها رد الصغيرة وثقتها بنفسها. فقالت أم النساك:
إذا يا صغيرة أسألك قولي ما تعرفي عن ((الكلالة)).
فقالت الصغيرة:
((يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك..........))
فقالت أم النساك:
أحسنتي فقولي لي ما قيل عن القواعد من النساء.
فتقول الصغيرة:
((والقواعد من النساء التي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات لزينة. وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم)).
فتتسع ابتسامة أم النساك وقالت:
كم تحفظين من أقوال رسولنا الكريم.
فأجابت الصغيرة:
أحفظ عشرة آلاف حديث.
فتقول أم النساك:
فقط زيدي ولا تتكسلي وأسمعيني ما قاله رسولنا الكريم عن الصلاة.
فقالت الصغيرة:
عن أبي موسى الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من صلى البردين دخل الجنة)).
قالت أم النساك:
صدق رسولنا الكريم زيدي وأسمعيني.
فقالت الصغيرة:
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه ما لم يحدث تقول اللهم اغفر له اللهم ارحمه)).
فاتسعت ابتسامة أم النساك وقالت:
أكثري فقد استأنست لحديثك فزيدي وأسمعيني.
((لم تعلم أم النساك بأن بين الحضور غريب بعيون خضراء مفتون من جمال ابتسامتها فهذه أول مرة يرى فيها أم النساك تبتسم))
وهكذا استمرت أم النساك تسأل وتجيبها الصغيرة ثم قالت:
أيها اللحام إنحر أربعة خراف كبار إكراما لعزتنا من حفظة كتاب الله وإذبح الشيحانة إكراما لدرة النساك وفخرهم.
لتجري الصغيرة تحتضن أم النساك.
فسأل طارق من بجواره:
إيه هي الشيحانة دي؟
فأجابه الرجل:
ناقة أم النساك المفضلة والعزيزة عليها.
قالت أم النساك:
يا حفظة كتاب الله وعزهم دوروا بين النساك وأطعموهم بأيديكم فوالله لن نذل أبدا ما دمتم بيننا.
ثم خرجت من حلقة الإكرام وقبل أن ترحل قالت لرجل:
أطعم الغريب من كبد الشيحانة.
فقال له الرجل:
أحسدك أيها الغريب أثرتك علينا أم النساك بكبد الشيحانة.
فابتسم طارق بثقة وقال في نفسه:
تبقى بدأت تميل كلها شوية وتقع ويبقى هنيالك يا طارق لو وقعت عمدة البلد وكبيرتهم. هتبقى البلد كلها تحت إيدي.
رواية أم النساك الفصل الرابع 4 - بقلم حياة محمد
الجزء الرابع
جلس طارق بين الرجال، بينما يطوف الصغار الخمسة بينهم باللحم المشوي والخبز، وكلما مروا على رجل وقدموا له الطعام إلا وأخرج من جيبه عملة ذهبية قدمها لهم، وهناك من يدعو لهم، والكل يأكل.
وضع الطفل أمامه طبقًا به كبد الشيهانة مطهو بالزيت، مطيب بالأعشاب، تفوح منه رائحة زكية. وقبل أن يأكل، لاحظ طارق أن العيون كلها عليه، فشعر بحالة أمير وحوله الرعية، فبدأ يأكل بغرور ويلقي إلى الجميع نظرة متعالية، إلى أن لمح أم النساك تستعد للعودة إلى البيت، فقام مسرعًا يلحق بها وبخادمتها.
في هذه الليلة، لم يشعر طارق بضيق بسبب انطفاء المشعل؛ لأنه ببساطة كان متعبًا من العمل في النخل مع عبد الرحمن، ومتخمًا من أكل كبد الشيهانة. فما أن وضع جسده على الفراش حتى راح في نوم عميق.
***
بعد عدة ساعات، استيقظ على صوت طرقات على الباب، فقام متكاسلًا ليجد الدنيا مظلمة جدًا، ولكنه تحسس حتى فتح الباب ليجد رجلًا واقفًا ومعه مشعل فقال:
"إنت مين؟ وعايز إيه؟"
الرجل: "يا غريب، أنا عبد الله، من استأذنتك صباحًا أن أكون أنيسك لصلاة الفجر."
طارق: "صح افتكرتك، بس هو الفجر أذن؟"
عبد الله: "ليس بعد، فهيا أقبل يا غريب."
لينفخ طارق متذمرًا: "طيب بيصحيني ليه ولسه الفجر ما أذنش؟"
ليسيرَا معًا في طرقات أرض النساك، والدنيا هادئة ومظلمة، لا ينير طريقهما إلا مشعل عبد الله، والذي دفع باب المسجد ليدخلا معًا، فيمر عبد الله بمشعله على أركان المسجد ينير المشاعل المطفأة، فينظر طارق حوله في خوف ويقول:
"هو إحنا هنصلي الفجر لوحدنا؟"
فيبتسم عبد الله: "لا، سنصلي جماعة مع النساك."
طارق: "هما فين النساك دول؟ ده إحنا لوحدنا خالص، وتلاقي الفجر أذن."
عبد الله: "باقي وقت قبل الأذان."
طارق بصوت عالٍ: "طيب ما دام بدري بتصحيني ليه؟"
عبد الله: "في هذا الوقت، ينزل ربك للسماء الدنيا ويقول: هل من داعٍ فأستجيب له؟ هل من سائل فأعطيه؟ فأحببت أن أكون هذا السائل وأقف بين يدي ربي ساعة، أدعوه وأرجوه وأناجيه بالدعاء، فيفيض عليّ برحماته، ورأيت في ذلك خيرًا، فأردت أن أذيقك منه. فهل أنت متوضئ؟"
يهز طارق رأسه.
عبد الله: "تعال سأملأ الإبريق وأوضئك."
مضى بعض الوقت وعبد الله يصلي ويناجي ربه، أما طارق فصلى ركعتين فركعتين ثم اكتفى وجلس يراقب المصلين الذين يدخلون تباعًا، كل رجل معه أبناؤه، حتى امتلأ بالمصلين، وبعدها صعد شاب ظهر المسجد ليرفع الأذان بصوته القوي الخاشع.
وبعد الصلاة، وقبل أن يهم طارق للوقوف، وجد كل المصلين جالسين مكانهم لأن أصواتهم ارتفعت بالتسبيح والتحميد والتكبير في صوت واحد، وبعدها أدعية الصباح: "اللهم إني أصبحت أشهدك وأشهد حملة عرشك وملائكتك وجميع خلقك أنك أنت الله لا إله إلا أنت وأن محمدًا عبدك ورسولك"، "حسبي الله لا إله إلا أنت عليك توكلت وأنت رب العرش العظيم". واستمروا في الذكر حتى انقشع الظلام وأشرقت الشمس، فقاموا كل منهم يصلي الضحى، وبعدها بدأ الجميع في الخروج لكسب عيشهم.
***
عاد طارق بعد الصلاة متعبًا، فنام إلى أن استيقظ على صوت الخادمة تناديه، ففتح الباب متكاسلًا لتستقبله مبتسمة وتقدم له الطعام:
"تقول أم النساك هذا طعامك يا غريب، افطر واذهب للشيخ صالح فإنه يطلبك."
طارق: "هيّا فين أم النساك؟"
ميساء: "ذهبت لتجمع طعام الغنمات."
طارق: "يعني هيّا تجيب أكل الغنم وإنتي اللي تقعدي؟ دي مدلعاكي أوي، طيب هو عاوزني في إيه؟"
ميساء: "لا أعلم."
طارق: "طبعًا هو إنتي بتعرفي حاجة؟ وطبعًا أسأل عليه عند الجامع صح. هاتي هاتي أما نشوف آخرتها إيه."
وفي الطريق للمسجد، قابل أيوب فناداه.
أيوب: "أهلًا يا غريب."
طارق: "إنت كمان بتقولي يا غريب؟ قلت لك طارق."
أيوب: "نادتك أم النساك بالغريب فأصبحت غريب، أين تذهب؟"
طارق: "مش عارف، أم النساك بتقول الشيخ صالح عايزني عند الجامع. إنت رايح فين؟"
أيوب: "أجمع الزيتون من حقلي."
طارق: "طب استنى أجي معاك."
أيوب: "حسنًا، انتظر أستأذن من الشيخ صالح وآخذك معي."
طارق: "ليه تستأذنه؟"
أيوب: "حتى لا يظل ينتظرك اليوم. انتظرني برهة."
بينما يقف طارق، أتاه صبي يسأله:
"أين ستذهب يا غريب؟"
طارق: "هروح مع أيوب ليه؟"
الصبي: "ستجمع الحجارة؟"
طارق: "لأ."
الصبي: "إذًا ستجمع الحجارة غدًا."
طارق: "لأ، أعمل إيه بالحجارة؟ مش عايز حجارة."
الصبي باستنكار: "أيوب يقول الغريب أنه لن يجمع الحجارة."
أيوب بدهشة: "حقًا يا غريب لن تجمع الحجارة؟"
طارق: "إنتوا مجانين يا سيدي، مش عايز حجارة، ما باحبش الحجارة خلاص، والله العظيم ما هاجمع حجارة، ارتحتوا؟ يالا بقى نمشي عشان اتخنقت."
***
عاد طارق للبيت وقد غربت الشمس يجر قدميه ويقول:
"منك لله يا أيوب، هديت حيلي وقطعت نفسي، لا وأنا بأحسبه صاحبي، أثاريه بيستغلني، أل وفي الآخر بيملي لي سبت زيتون أخضر وبيدهولي! خليه له يشبع بيه."
فرأته أم النساك فقالت: "مع من تتحدث يا غريب؟"
طارق: "مع نفسي، أصلي اتهبلت."
أم النساك: "ما بك؟"
طارق: "شوفتي أيوب الكلب؟ أروح معاه الغيط يشغلني ويقطع نفسي معاه."
أم النساك: "ولما ذهبت مع أيوب وقد طلبك الشيخ صالح؟"
طارق: "ما هو أنا قلت له هاجي معاك فاستأذن من الشيخ صالح."
أم النساك: "إذن وما المشكلة؟"
طارق: "ما أنا بأقول لك قطع نفسي معاه، أل وفي الآخر بيديني سبت مليان زيتون."
أم النساك: "وأين هذا السبت؟"
طارق: "رميته له في وشه بعد ما إديته كلمتين في العضم، لو أعرف إنه كده ما كنتش رحت معاه."
أم النساك: "لا أفهمك، ما الخطأ؟"
طارق: "سيبك منه ده مجنون، لأ والولد كمان مستغرب إني مش هاجمع حجارة، شوفتي المجانين."
أم النساك: "ماذا؟ ألن تجمع الحجارة؟"
طارق: "هو إنتي هتتهبلي زيهم؟ أنا مش ناقص صداع، خلي الخدامة بتاعتك تجيب لي أكل وميه عشان أتشطف قبل ما يأذن المغرب ويعدي عليا عبد الله عشان أصلي."
***
في اليوم التالي، فتحت أم النساك باب بيتها بسرعة بسبب الطرق الشديد على الباب لتجد طارق أمامها بوجه أحمر من شدة العصبية فقالت:
"ما بك يا غريب؟"
طارق: "شوفتي خدامتك عملت إيه؟ أرجع من بره ما ألاقيش أكل في البيت ولا ميه، وحتى جلابيتي لسه ما غسلتهاش."
نظرت الخادمة لأم النساك لتقول: "تعلمين أننا اليوم صائمون وباقي الكثير على أذان المغرب، كما أن الغريب عاد قبل ميعاده لذا لم أعد الطعام بعد."
ليصرخ طارق بصوت عالٍ: "وأنا ذنبي إيه؟ جيت بدري جيت متأخر، أجي وما ألاقيش أكل، لو إنتي صايمة فعلى نفسك، مش فيه واحد مطلوب منك إنه يأكل؟ وإلا هتجوعيني عشان جنابك صايمة؟"
فتقول لها أم النساك: "صدقًا عنده حق."
ميساء: "لكن يا أم النساك تعلمين أني..."
أم النساك: "لا عليكي يا ميساء، عودي وارتاحي بالداخل."
طارق بصوت عالٍ: "آه، خشي ونامي وشخري، اقعدي اتدلعي وأنا أموت من الجوع."
أم النساك: "اهدأ يا غريب، ماذا تريد؟"
فيصرخ طارق: "عايز أطفح وأستحمى من القرف اللي فيا. أنا اللي غلطان إني بأروح مشاويرك الغبية دي."
أم النساك: "اهدأ يا غريب وسأطعمك."
ثم دخلت وعادت ومعها وعاء فخاري كبير، ليراها تسحب إحدى المعزات وتربطها أمامه. فيقول:
"هتعملي إيه؟"
أم النساك: "لا عليك سأطعمك."
ثم وضعت بعض الحشائش أمام العنزة، وبدأت تمرر يديها تمسح على رأس وجسد العنزة حتى هدأت، ثم بدأت في حلبها حتى ملأت نصف الوعاء، بعدها أشعلت النار ووضعت الحليب في وعاء آخر وتركته يغلي، ثم أخذت رغيفين من الخبز لتفركهما وتضيف عسل التمر ثم صبت عليه الحليب وقدمته لطارق.
"خذ وسمِ بالله."
فينظر طارق للطعام بقرف ويقول: "إيه العك ده؟ هو ده الأكل بقى؟ أروح للشيخ صالح وأرجع ألاقي ده؟"
أم النساك: "تصبر بهذا يا غريب حتى نعد الإفطار فنحن صائمون."
طارق: "طيب عايز ميه أتشطف وكمان هدوم نضيفة."
ميساء: "لماذا تتركيه يرفع صو..."
أم النساك: "اصمتي يا ميساء، اصمتي."
ثم التفتت لطارق وقالت: "لك ما تريد يا غريب. اذهبي يا ميساء لبيت إبراهيم وقولي: أم النساك تطلب منك ثوبًا نظيفًا للغريب. وأنا سآتيك بالماء من البئر."
ليقول طارق بأمر لميساء: "شوفي دلع الخدامين ده ما يعجبنيش، أنا عايزة كل يوم ألاقي مكاني نضيف ومترتب وهدومي نضيفة وأكلي جاهز، فاهمة؟"
(لتنظر له ميساء بغيظ) ليكمل: "أنا مش أم النساك تستهبلي عليا."
لتذهب ميساء وهي غاضبة. بينما هو جلس يأكل ويستمتع، فبالرغم من أن الطعام بسيط إلا أنه رائع، ربما لأن أم النساك من أعدته بيدها.
لتعود أم النساك تحمل قربة فخارية مملوءة بالماء وتقول:
"لما أنت غاضب؟"
طارق: "ما هو يا أم النساك كل شوية تقولي روحي لفلان وتعالي من عند علان، ده ما ينفعش. لأ والشيخ بتاعك ده أل إيه عايزني أنا أمسك معاه الخرفان عشان يحلق لها، تخيلي أنا طارق أمسك خرفان؟"
أم النساك: "ألم تساعده وتمسكها معه؟"
طارق: "لأ طبعًا، إنتي اتجننتي؟ متخيلة إني أنا أعمل الهبل ده؟ لا طبعًا، أصلك ما تعرفيش أنا كنت إيه في مصر."
فتقول أم النساك: "وما كنت في مصر؟"
طارق: "كنت راجل أعمال كبير أوي، آمر والكل ينفذ، مش تقولي خرفان وهبل. أنا هاخش أستحمى على ما تجهزوا الأكل."
ليدخل البيت أمام نظرات أم النساك المستنكرة.
***
في اليوم التالي، بينما تطحن أم النساك الشعير باستخدام الرحاية، دخل عليها بغضب ودون استئذان طارق ليصرخ في وجهها:
"شوفي أنا بأقول لك أهو، أنا مش هاروح لحد تاني، فاهمة؟ مش أنا اللي يتقل بقيمتي بالشكل ده، تخيلي أنا طارق عايزني أنا أعجن طينة وأعمل فخار! أنا مش هاقبل بكده أبدًا، سمعاني؟"
لتقول أم النساك بهدوء: "لك ما طلبت."
ليهدأ طارق ويقول: "بالبساطة دي وافقتي؟"
لتقول بهدوء: "نعم، هل من أمر آخر؟"
فيبتسم ويرد بثقة: "لأ خلاص، بس ما تنسيش تبعتي لي الأكل."
لتقول بهدوء: "لك ما طلبت. أمر آخر؟"
فيبتسم ويقول: "لا خلاص شكرًا." ويخرج.
فتقول ميساء: "كيف تسمحي له يا أم النساك؟"
لتقول لها: "بلا اعتراض، اذهبي وقدمي للغريب طعامه."
***
وقد صدقت وأوفت أم النساك، فلم تطلب منه أي طلب، حتى أنها اهتمت بطعامه وثيابه بنفسها.
أما طارق فقد بدأ يستمتع بحياة النساك، يخرج يوميًا يتمشى في أرض النساك، كان يظنها بلدة صغيرة يخفيها الجبل، لكنه اكتشف أنها كبيرة جدًا، فهناك بحيرة واسعة وإن كانت قليلة الماء، وأراضٍ واسعة، ووادي كبير مملوء بأشجار الزيتون والرمان والنخيل. حتى أم النساك، كان يظن أنها تمتلك بعض الخراف والماعز الموجودين في الحظيرة الصغيرة خلف البيت، ليكتشف أنها تمتلك أكثر من ألف رأس غنم ومائة ناقة وخمسمائة بقرة وثور، هي وحدها يرعاهم عمال عندها، حالها حال الكثير من النساك، لكنها تتركها للرعيان يتولوا رعايتهم، وأن كل الأغنام والماعز التي تذبح في إكرام حفظة القرآن الكريم فمن مالها الخاص.
أحب مجلس النساك، فدائمًا يقضي فترة العصر هناك، أما المساء فأصبح أقل وقت يضايقه بعدما اعتاد الحياة البسيطة الهادئة، أصبح لا ينزعج من الظلام، فقد أحب الليل في أرض النساك بعدما رأى جمال الليالي المقمرة، وعشق نور القمر الفضي الذي ينير أرض النساك، وحتى أحب رفقة عبد الله وقت الفجر حتى أنه بدأ يحفظ بعض السور من القرآن.
***
في الصباح، استيقظ بعد صلاة الفجر، ومر بعض الوقت وبدأ يشعر بالغضب الشديد فلم تحضر الخادمة الطعام حتى الآن، فخرج غاضبًا واتجه لبيت أم النساك ينادي بصوت عالٍ:
"ميساء، إنتي فين؟ ردي عليا يا بت."
فخرجت ميساء مع أم النساك. لتقول له:
"ما الأمر يا غريب؟"
ليرفع صوته: "شوفي بقينا إمتى والهانم لسه ما جابتش الفطار."
أم النساك بنبرة صوت حادة: "اخفض صوتك يا غريب، وقل ما عندك."
طارق: "ما أنا بأقول لك فين أكلي؟"
أم النساك: "ابحث عنه."
طارق بسخرية: "هاهاها دمك خفيف، أنا بأتكلم بجد. فيه إيه يا أم النساك؟"
أم النساك: "يا غريب، ألا تفهم؟ مضى على وجودك هنا أربعين يومًا."
طارق: "إيه يعني؟"
أم النساك: "يا غريب، من عادات العرب أن الضيف له أربعون يومًا، وبعدها لا يصبح ضيفًا، وقد قضيت وقتك كاملًا."
طارق بضيق: "خلصي مش فاضي لك. قصدك إيه؟"
أم النساك: "حسنًا، لا طعام لك عندي فابحث عن طعامك، ولا بيت لك عندي فابحث عن مأوى لك."
طارق: "طب وأنا هأعمل إيه دلوقتي؟"
أم النساك بالاهتمام: "اذهب واستجدِ."
طارق: "يعني إيه؟"
أم النساك: "اسأل الناس فقد يعطوك أو يمنعوك."
طارق بغضب شديد بعدما فهم قصدها: "إنتي اتجننتي؟ عايزاني أشحت؟"
رواية أم النساك الفصل الخامس 5 - بقلم حياة محمد
الجزء ٥
أم النساك: استجدي، اسأل الناس، إما يعطوك أو يمنعون.
طارق: أنت اتجننتي، عايزاني أشحت؟
أم النساك بغضب: اخفض بصرك وتأدب في قولك عندما تكلمني يا هذا، وإلا ضربتك بالعصا عشر ضربات.
طارق: نعم؟
أم النساك: لم تعد ضيفًا لأتحمل إساءتك وأمنع عقابك.
طارق: أتقصدين أن اللي بيغلط في حد هنا بينضرب عشر عصيان؟ إيه الهبل ده؟ هو أنا لسه في المدرسة؟
فتتركه أم النساك وتدخل، فيوقفها بسرعة.
طارق: خلاص خلاص أنا آسف، طب أنا هعمل إيه دلوقتي؟
أم النساك: احصد ما زرعته يداك.
طارق: يعني إيه؟ مش فاهم.
أم النساك: رفضت أن أرسلك لتعمل وتكسب رزقك، حتى المرة الوحيدة التي عملت وحدك مع أيوب أسأت إليه. وطلبت ألا أرسلك لأحد، فأعطيتك ما تريد ولن يطلبك أحد.
ورفضت أن تجمع حجارة لتبني مأوى لك وأصريت على الرفض بلا سبب، فأعطيتك ما تريد.
والآن أنت بلا عمل وبلا مأوى.
طارق بانكسار: طيب مش كنتِ تفهميني يا أم النساك؟ أعيش أنا كده إزاي دلوقتي؟
ينظر لأم النساك بتوسل ويقول: طب ينفع تمدي الوقت كمان شهر ولا حاجة على ما أعرف العيشة هنا.
أم النساك: استنكرت أن النساك رضوا بأن تحكمهم امرأة، فكيف ترضى أنت أن تنفق عليك امرأة؟
ابحث لنفسك عن طعام تأكله ومأوى تعيش فيه.
ثم دخلت وأغلقت الباب.
ميساء: قسوتِ عليه بشدة يا أم النساك، لقد أشفقت عليه، فهل تقبلين أن أقدم له الطعام هذه المرة؟
فقالت أم النساك بحزم: لا، بل اتركيه وانظري ما يصنع.
لتمر بضع ساعات وهو جالس في مكانه بقلة حيلة، ليقوم بعدها بالطرق على الباب، لكن هذه المرة طرقات خجلة مترددة. ففتحت له أم النساك ونظرت له ولم تتكلم.
طارق برجاء: عشان خاطري أسبوع واحد بس أدبر حالي، أنا تعبان وجعان أوي، هو أسبوع واحد بس وأوعدك هعمل كل اللي تقوليه.
ميساء: أستحلفك بالله أم النساك اسمحي له.
فتنظر أم النساك لميساء قليلًا ثم لطارق وتقول: لو جائع، احلب العنزه واشرب اللبن.
فقدمت له ميساء الوعاء الفخاري بتشجيع.
فأخذ الوعاء وذهب للحظيرة ليجد العنزه التي حلبتها له أم النساك.
طارق لنفسه: اشرب بقى يا حلو اللي أكلتهولك أم النساك بط بط هتطفحه لك وز وز، وأولها أحلب المعزة وأنا اللي كنت بقول هبلة ووقعت فيا وماتقدرش على زعلي أتاريها كانت بترقد لي المقلب الجامد ده، ده ألعن من مقالب رامز جلال.
فيسحب المعزة ويقول: تعالي أما أشوف بتتحلبي إزاي.
وكلما اقترب من ضرع العنزه كانت ترفسه برجلها أو تبعد وتقفز أو تحاول نطحه. وبينما هو في حربه مع العنزه كانت ميساء تراقبه.
لتدخل على أم النساك تضحك بشدة وتقول: لم يقدر على العنزه.
أم النساك: ألم يحلبها بعد؟
ميساء: بلى، لم يحلبها، يكاد يقبل حافرها حتى تسمح له.
فابتسمت لها أم النساك.
أم النساك: ثم قالت: اذهبي وعلميه.
فعادت له ميساء لتجده يحاول مع العنزه.
طارق: يعني أعمل لك إيه؟ عشان خاطري يا أستاذة معزة، هما شوية لبن بس، هو أنت ما فيش في قلبك رحمة؟
ليسمع صوت ضحكات ميساء.
ميساء: تتوسل العنزه.
طارق: أعمل إيه؟ هموت من الجوع ومش عارف أحلبها.
تقترب منه ميساء وتهدئ العنزه ثم تبدأ في حلبها وتعلمه كيف يمسك الضرع وكيف يحلب، ليحاول مرة فمرة حتى نجح ففرح بشدة. وبعدما امتلأ الإناء قال: أعمل إيه دلوقتي؟ أشربه كده؟
قالت ميساء: انتظر آتيك بخبز وعسل التمر حتى تشبع.
وبينما هو يأكل خرجت أم النساك لتقول: تأكل الخبز؟ وهل صنعت الخبز لتأكله يا ميساء؟
فتقول ميساء: بأمرك أم النساك.
أم النساك: أحضري له الرحاية والشعير ليطحن لنا مقابل ما أكله.
ثم خرجت.
لتحمل له ميساء الرحاية الصخرية والشعير وتريه أين يضع الشعير وكيف يدير الرحاية حتى يتحول الشعير لدقيق. وبينما يعمل في ضيق ليتغير كل شيء حينما دخلت أم النساك ومعها خيوط من الصوف الملون وتجلس على نول كبير لتدمج الألوان وتغزل على النول مفرش صوفي بألوان مشرقة. كانت في لحظة صفاء ذهني عميق فظلت تعمل وتعمل لساعات ولم تتوقف ولم تنتبه لمن سحره المنظر فظل يطحن لساعات.
طارق: قولي لي أعمل إيه يا أم النساك؟ مش عارف أتصرف أعمل إيه؟
أم النساك: أمرك وشأنك.
طارق: خلاص عرفت إني غبي وحمار، بس هعمل إيه؟
أم النساك: اذهب للمسجد وبعد الصلاة قف وقل سلكت درب نبينا الحبيب وأطلب الحلال.
طارق: طيب وبعدين؟
أم النساك: افعل وسترى.
في المسجد وبعد الصلاة وقف طارق بخجل ليردد ما قالته أم النساك فقال: مشيت في سكة رسول الله سيدنا محمد وعايز الحلال. ووقف بعدها بخجل فلم يعلم ما يفعل، لكن بعد دقائق عاد رجل يمسك في يده عنزه وآخر يجر خروف ومن بعيد رجل يسحب جدي صغير، وكل من يأتي يقدمها لطارق ويقول: بارك الله فيك وفي دربك وأطعمك الحلال.
ليرجع طارق لأم النساك يسحب في يديه أربع عنزات صغيرات وخروفين.
ليقول بدهشة: إيه دول؟ أعمل بيهم إيه؟ ويعني إيه الكلام اللي قلته؟
أم النساك: سلكت درب نبينا الكريم فاخترت رعي الغنم.
طارق: بس مش فاهم هما ليه جابوا لي من عندهم؟
أم النساك: هم سالكوا الدرب قبلك، طلبوا فأعطوهم الناس، وأنت طلبت فأخذت، وسيأتي غيرك يطلبون فستعطيهم من عندك، هكذا الدنيا خذ وأعطِ.
طارق: بس هحطهم فين دلوقتي؟
أم النساك: سأبقيهم عندي في حظيرتي حتى تبني بيتًا لك.
طارق: يا بختهم لقوا حتة يباتوا فيها وأنا مش لاقي.
أم النساك: لم تأخذ عطيتك مني يا غريب.
طارق: هتديني إيه؟
أم النساك: العنزه التي حلبتها حلالك.
طارق: طب خليني في البيت شهر بدل المعزة.
فابتسمت أم النساك قائلة: تجيد الاستجداء فاستمر.
فيقول طارق بغضب: يا ستار منك، محدش يعرف ياخد منك حق ولا باطل.
أم النساك: ماذا تقصد؟
طارق بتراجع: ما أقصدش، بس أنا هعمل إيه دلوقتي؟
أم النساك: ابنِ كوخًا من أفرع الشجر واجمع الصبية والشباب ليساعدوك حتى تفرغ قبل الظلام، وبعدها ابدأ بجمع الحجارة لتبني بيتك.
طارق: ده أنا من النجمة هجمع حجارة عشان الذلة دي.
أم النساك: لا تنس أن تصوم ثلاثة أيام، فقد أقسمت ألا تجمع الحجارة.
أعطيك نصيحة يا غريب: لا تقف على رعي الغنم بل اعمل، اذهب لكل من يطلبك وارضَ بأي أجر حتى ولو كان الأجر طعامك ولا تكثر في الجدال.
طارق: إزاي هيشغلوني وأنت قلتِ إنهم مش هيطلبوني؟
أم النساك: لن يطلبوك لكنك ستذهب إليهم. فليس عيبًا أن تسأل الناس العمل ولكن عيب وعار أن تسألهم طعامًا.
مضى على طارق شهران يمر على الناس يسألهم العمل صباحًا ويأخذ غنماته ترعى وتلهو في حين يجمع هو الحجارة. رأى عبيد يحمل في يده أرنبًا فنادى.
طارق: يا عبيد تعالى عايزك.
فأقبل عليه عبيد ذو الثلاثة عشر عامًا: بأمرك يا غريب.
ينظر طارق للأرنب الذي اصطاده ويقول: جبت ده منين؟
عبيد: اصطدته وسأبيعه لأم النساك فهي تعشق الطرائد.
طارق: استنى هاجي معاك.
فذهبا فقد اشتاق طارق لأم النساك لأنه لم يرها منذ شهر.
فأقبلوا عليها ووقف طارق يراقب الوضع فقد قدم لها الصغير طريدته: انظري ما حصلت عليه.
فنظرت للأرنب وقالت: نِعْمَ ما حصلت، بكم تبيعها؟
فقال الصغير: سأبيعها بثلاث.
فأخرجت أم النساك من صرة المال وأعطته ثلاث عملات ذهبية.
ففرح بها الصغير وقال: لو تزيديني اثنين سأطهوه لك.
أم النساك: وهل ستعرف؟
عبيد: سأطيبه بالزعفران والثمار الحارة وأضيف جذور الأرض الأبيض والأصفر الحلو ولن تجدي أشهى منه أبدًا.
فابتسمت أم النساك وأخرجت قطعتين وقالت: لك ما قلت وستشاركنني وميساء الطعام وسأعد لك خبيصة التمر المحلى بالعسل.
فابتسم عبيد وقال: هل لي أن أدعو الغريب معي؟
فضحكت أم النساك وقالت: ضيفك ضيفي يا عبيد.
لتتركه ليقول له طارق: لا ده أنت لازم تعلمني أمسكه زيك.
عبيد: قنص أم فخ؟
طارق: مش فاهم إيه الفرق.
عبيد: قنص نضربه بالسهم أما الفخ ننصب له ليقع فيه.
طارق: الاثنين.
بحث عنها طويلًا حتى علم أنها عند البحيرة فذهب لها مسرعًا ووجهه أحمر من شدة الغضب فوجدها جالسة تستظل بشجرة مغمضة العينين تميل برأسها للخلف، فاقترب منها بغضب وجلس بجوارها وقال: أنا بقى لي أكثر من شهرين بسمع كلامك وبشتغل في كل حاجة وما بقولش لا وبرضى بأي أجر وما بعترضش، بس كده كتير أوي وحرام أوي كمان.
ففتحت عينيها ومالت برأسها له وقالت: ما بك يا غريب؟ ما الأمر؟
طارق: يعني يشغلني طول اليوم من بعد الفجر لحد دلوقتي قرب المغرب وما آخدش أي أجر، ده حرام.
أم النساك بهدوء: من الذي طلبك؟
طارق بغضب: الشيخ حسان طلبني وهد حيلي في حتة مقطوعة قرب الجبل أنا وواحد تاني، هو يملي وأنا أشيل في التراب لحد ما ظهري اتقطم وفي الآخر ما يدينيش أي حاجة.
أم النساك: ألم يطعمك؟
طارق: ماشي ما قلتش حاجة، بس كده شوية أوي.
أم النساك: ألم يعطك أي شيء؟
طارق: إداني حتة جلد معزة بس. أعمل بيها إيه ما أعرفش.
أم النساك: هل معك هذه القطعة؟
فيقدمها طارق لها بغضب. فنظرت لها أم النساك فوجدتها جرابًا ففتحته أمام طارق ثم أدخلت يدها فيه لتخرجها. لينظر طارق لما في يدها ويقول: حاطط زلط أصفر.
فابتسمت أم النساك وقالت: ألا تعلم هذا ذهب؟
فقال طارق بعيون واسعة: تقصدي إنه مديني أجرتي ذهب؟
فهزت أم النساك رأسها بالإيجاب.
فأخذهم طارق ليعدهم وقال: خمسة عشر حتة ذهب شغل يوم واحد، ده كنز دول يجوا حوالي عشرة جرام ذهب خالص. أنتِ عارفة دول عندنا في مصر بكام؟
هزت رأسها بالنفي.
طارق: دول ثروة أكثر من خمسة وعشرين ألف جنيه.
شغل يوم واحد.
أم النساك: عندنا يساوي فقط عمله ذهبية واحدة.
ليفتح عيونه على أوسع ما فيها ويقول: العملات اللي عمالة تفرقيها هنا وهناك دهب خالص.
فتهز رأسها بالإيجاب دون اهتمام.
فيقول: ده أنتوا أغنيا قوي. طب أعمل بيهم إيه؟
أم النساك: احتفظ بهم فقد تحتاجهم.
ليقول: طب ممكن تخليهم عندك ووقت ما أعوزهم آخدهم.
فوضعتهم في جرابهم وقالت: لك ما شئت.
لترجع رأسها وتسرح فينتبه أنها ليست طبيعية ويبدو عليها الحزن فقال: مالك يا أم النساك؟ شكلك زعلانة ومهمومة.
أم النساك: صدقت يا غريب، همي كبير.
طارق: احكي لي يمكن أساعدك.
ثم ينظر لها ويقول بثقة: ما تستقليش بيا، عندنا بنقول أكبر منك بيوم يعرف عنك بسنة، قولي يمكن تلاقي الحل عندي ولو ما لقتيش تبقى فضفضتي وارتاحتي.
فنظرت أم النساك للبحيرة قليلًا ثم قالت: نفذ ماء البئر السادس ويكاد أن يجف الباقين.
طارق: مش فاهم قصدك إيه؟
لتقول بشرح: كانت أرض النساك أرض خير بها عشرة آبار لا تنضب منها الماء أبدًا، فقد كانت تفيض السماء بالماء فتمتلئ الآبار ونسقي الزرع وتنبت الأشجار والحشائش فنأكل ويأكل الحيوان والطير حتى السبع والوحش.
أشارت له: هل ترى هذه البحيرة؟
فنظر طارق للبحيرة وقال: مالها؟
فقالت: هي الآن أقل من نصف ما كانت عليه، لم يتجدد ماؤها من أكثر من ثلاث أعوام.
طارق: طب ليه؟
أم النساك: ماؤها يأتي من نبع في باطن هذا الجبل.
وأشارت لجبل ضخم جدًا شاهق الارتفاع.
ومنذ ثلاث أعوام سقطت صخور في الجبل فسدت النبع وانقطع الماء.
طارق: طب ليه ما بعتوش رجالة تسلك الطريق وتشيل الصخور؟
ابتسمت أم النساك على فكرته الساذجة وقالت: من سيدخل باطن الجبل ويرفع صخور لا يقوى عليها مائة رجل ويضمن ألا ينهار الجبل عليه فيهلكه؟
فقال طارق: صح عندك حق.
أم النساك: أبقينا البحيرة للحيوانات وجعلنا الآبار لنا نشرب ونعيش.
طارق: طب إيه المشكلة؟
أم النساك: على مدى عامين جف خمسة آبار والآن جف السادس أوشك الباقي على النفاذ.
طارق: دي مصيبة سودة، طب وإنتِ هتعملي إيه؟
أم النساك: لله الأمر من قبل ومن بعد.
رواية أم النساك الفصل السادس 6 - بقلم حياة محمد
في مجلس النساك أصوات جدال وصراخ ما بين الرجال وأم النساك لمناقشة مشكلة نقص المياه.
عبدالرحمن:
لن أقبل أبدا أن نترك أرض النساك.
أم النساك:
أعلم أن الأمر صعب لكن لا خيار غيره.
عبدالرحمن:
هناك خيارات عدة فهذه أرضنا يقطنها النساك منذ أكثر من سبعمائة عام ولن أتركها الآن سأبقى فيها.
أم النساك:
أمرك وشأنك لكن النساك شأني أنا وأنا لن أضيعهم.
الشيخ إبراهيم:
اذكر الله يا عبد الرحمن أذكر الله أم النساك فالأمر جلل ويحتاج حسن التدبير.
أم النساك:
لا إله إلا الله افهمي عبد الرحمن.
عبدالرحمن:
افهمي ماذا أن الماء يجف أنظري أم النساك أنظروا جميعا النخلات ما زالت تثمر شجر الزيتون ما زال يثمر. كيف نترك كل خيراتنا ونبحث عن أرض غيرها.
سعيد:
هذه الشجرات تضرب جذورها في باطن الأرض وعلى أعماق كبيرة لكن أبارنا جفت سن هلك إن بقينا.
عبدالرحمن بصوت عالي:
أين كنتِ أم النساك وأبارنا تجف لِمَ لم تبحثي عن حل تركتِنا حتى جفت الأبار.
أم النساك:
جفاف الأرض نمر به منذ حولين حينما رمينا البذور في الأرض وما أنبتت بعدما امتنع عنا المطر بأمر ربك وبالرغم من ذلك ما تركتكم قط أخبرهم قدري.
قدري:
أرسلتِني أم النساك مع الرجال منذ فترة طويلة لحفر أبار مياه جديدة حفرنا وحفرنا لكن وللأسف كانت كلها جافة رمال فوق رمال.
عبدالرحمن:
حتى ولو احفروا أكثر وأكثر في كل مكان.
أم النساك بصوت قوي:
عبدالرحمن أنصت ما عاد لنا البقاء سن هلك جميعا. لا حل أمامي إلا أرض جديدة.
عبدالرحمن بسخرية وألم:
أرض جديدة! وأين نبحث عن أرض جديدة.
فأجابت أم النساك بثبات:
سنبحث وراء الجبل.
وأشارت بيدها إلى جبل عملاق يحيط بأرض النساك.
عبدالرحمن بغضب:
نعبر الجبل! ما عبر ناسك الجبل قط.
أم النساك:
لكل شيء في الدنيا بداية وهذه بداية النساك أمام الجبل.
عبدالرحمن:
إنه هلاكنا والله إنه هلاكنا هلك النساك برأي أم النساك إن كنتِ لا تقوين على أمر الرجال فدعي الأمر للرجال لا بارك الله في أرض حكمتها امرأة.
ويرحل عبدالرحمن غاضبا.
فنادته أم النساك:
عبدالرحمن توقف قف مكانك عبدالرحمن.
ليقف ولكنه لم يلتفت لها فتذهب وتقف أمامه وتنظر في عينيه بقوة وتقول بصوت ثابت:
لابارك الله في أرض حكمتها امرأة فما بايع المرأة إلا أيدي الرجال. أولستم جميعا من بايعتموني وارتضيتم لحكمي أولست أنت من بايَعْنِي عن قبيلتك وأقسمت على الطاعة والولاء. أجب.
عبدالرحمن:
بلى. أنا.
أم النساك:
سبع سنوات أدبر أمر النساك فما جد الأن أخبرني فما جد.
يقوم طارق بغضب:
بدل ما تحمدوا ربنا إن فيه واحدة بتقطع نفسها عشانكم بتحاسبوها على إيه.
عبدالرحمن:
اصمت يا غريب.
طارق:
لا مش هسكت مشيلنها فوق طاقتها ومااعترضتش وبدل ما تقفوا معاها بتحاسبوها حد غيرها كان قال وأنا مالي أشيل هم نفسي لكن دي شايلة هم الكل ومش معارضة.
والتفت ليلمح انفراجة ابتسامة بسيطة على شفاه أم النساك.
لتقول بهدوء وثقة:
عبدالرحمن النساك أمرهم واحد ويدهم واحدة وإن انشق أحد عن الصف وتركنا في ضيقتنا فلن يكفيني إلا قص رأسه فلا بارك الله في من فرق شملنا وقت العسرة. فاختار الآن إما معنا وإما لا.
عبدالرحمن:
تهدديني أم النساك أنا كبير عائلة بدر.
أم النساك:
وأنا أم النساك. فاختار الآن.
ليزفر عبدالرحمن زفرات قوية ثم يستغفر الله وبعدها يقول:
بأمرك أم النساك.
فيقوم الشيخ صالح مكبرا ويربت على ظهر عبدالرحمن بتأييد:
حفظك الله عبدالرحمن وجعلك عونا وسندا لنا.
أم النساك:
قدري خذ معك عشرة رجال واعبر الجبل وابحث للنساك عن أرض جديدة وابحث فيها عن الماء والمرعى لغنماتنا.
قدري:
بأمرك أم النساك.
الشيخ صالح:
اذكر ربك وسبح بحمده كبر وهلل فقد تدخل أرضا ما وطئها أحد قبلك فعمرها بذكر الله.
قدري:
بأمرك يا شيخ النساك.
أم النساك:
عبدالرحمن وكلت لك أمر البحث عن الماء في أرض النساك فخذ عشرين من الرجال واحفر أبار الماء. فما قولك.
ليقول عبدالرحمن بضيق:
بأمرك أم النساك.
ليمر من جوارها ويقول بهمس تسمعه أم النساك وحدها:
ليتك ما كنتِ أما النساك.
ليتركها ويرحل بينما تتابعه عيون أم النساك ولم ينتبه لعيون أخرى خضراء سمعت ما همس به لأم النساك.
لتلتفت أم النساك وتقول:
فلينادِ المنادي أن طعامكم واحد وشرابكم واحد وإنائكم واحد وأنا سأتكفل بالجميع إلى أن يرفع الله عنا الغمة.
الشيخ حسان:
أيها المنادي قل يدعوكم شيخ النساك بصيام ثلاث من كل أسبوع وسنصلي القيام يوميا جماعة في ساحة النساك.
الشيخ حكيم:
ابنتي أم النساك هناك سنة هجرناها عن رسولنا الكريم.
فالتفتت له أم النساك وقالت:
ما هي يا شيخنا.
الشيخ حكيم:
صلاة الاستسقاء بنيتي نصلي لرب العالمين كي يسقط علينا المطر.
أم النساك باستفسار:
أيصلي المسلمون ليسقط المطر.
الشيخ حكيم:
نعم صغيرتي.
فقالت بحزن:
صلها شيخنا وأمر الجميع بصلاتها عقب كل فرض واجعل الصغار يكثرون بالدعاء فأصدق الدعوات ما تخرج من قلب نقي لطفل صغير.
مضت الأيام وحال النساك كما هو يصومون ثلاثة أيام ويصلون الاستسقاء.
وكل يوم يذبح اللحام من أبقار أم النساك ويطعم البلدة كلها من مالها الخاص.
بحث عنها طارق كثيرا فوجدها تطحن الشعير فجلس أمامها وأخرج من جيبه رغيف خبز وقدمه لها:
سمي بالله أم النساك وخدي كلي.
نظرت أم النساك لما معه وقالت بهدوء:
ما هذا يا غريب.
طارق:
جبت لك رغيف وحتتين لحمة إنتِ مااكلتيش حاجة.
فابتسمت له وقالت:
لكني اليوم لله صايمة.
طارق:
ليه صايمة النهارده احنا صمنا أيامنا التلاتة.
أم النساك:
لكني أقسمت لله أن أصوم إلى أن يرفع الله عنا البلاء.
طارق:
بتصومي كل يوم بس إنتِ كده هتتعبي ومش هتقدري تتحملي.
أم النساك:
لعل الله يغفر لي تقصيري في حق النساك.
فيضع يده على يدها الممسكة بالرحاية وقال:
إنتِ أنتِ ما قصرتِيش في حق النساك.
فتسحب يدها بسرعة من تحت يده لتهمس:
أستغفر الله.
مرت ثلاثة عشر يوما حينما سمع النساك صوت عبدالرحمن ينادي بأعلى صوته:
أبشري أم النساك أبشري قد من الله علينا بالماء.
ليلتفت الجميع فيروا عبدالرحمن مقبلا يمسك في يده جرة فخارية وقربة ماء فأسرع من ينادي أم النساك والتي أقبلت بسرعة وقد أشرق وجهها من حلاوة البشارة فاقترب عبدالرحمن ووضع الجرة بين يديها وقال:
قد من الله علينا بالماء وهذه بشائر الماء فسمي بالله واشربي.
أم النساك:
الحمد لله الحمد لله أسعدك الله في الدنيا والآخرة يا عبدالرحمن مرر الماء على النساك حتى يسعدوا ويستبشروا.
فمد رجل يده ليأخذ الجرة لكن عبدالرحمن رفض وقال:
بشائر الماء لأم النساك وبعدها نشرب ويشرب النساك.
أم النساك:
لكني اليوم لله صايمة فمرر الماء عبدالرحمن.
عبدالرحمن:
بقى على العصر القليل وبعدها المغرب ننتظر وبعدها نشرب جميعا.
حينها هب طارق وسحب الجرة بقوة من يد أم النساك وقدمها لعبدالرحمن وقال بصوت قوي:
اشرب من المية دي.
عبدالرحمن:
لكنها...
طارق:
مافيش لكنها اشرب من المية دي ولا خايف تشرب منها عشان مسمومة.
عبدالرحمن:
ما تقوله يا غريب.
طارق:
بقول الحقيقة حاطط في المية سم عشان تخلص من أم النساك.
فيهمهم الجميع بينما يقول عبدالرحمن:
ما تقوله يا غريب أنا أقتل أم النساك.
طارق:
طبعا عشان يفضالك المكان وتاخد مكانها صح.
فيقول عبدالرحمن بغضب:
أفقدت عقلك يا غريب.
طارق:
طيب إثبت إنك بريء واشرب من المية.
عبدالرحمن:
قد أقسمت بالله أن تشرب أم النساك الأولى وأن نشرب بعدها فدعني أبر بقسمي.
طارق:
سيبك من الحجج الفارغة أنا متأكد إن...
فيتفاجأ بأم النساك تسحب الجرة من يديه بعنف وهي تقول:
لعن الله الفتنة وموقظها.
ثم رفعت الجرة على فمها وشربت.
رواية أم النساك الفصل السابع 7 - بقلم حياة محمد
الجزء ٧
طارق: سيبك من الحجج الفارغة أنا متأكد إن....
فيتفاجأ بأم النساك تسحب الجرة من يديه بعنف وهي تقول:
لعن الله الفتنة وموقظها.
ثم رفعت الجرة على فمها وشربت.
الكل يترقب، الكل يتابع، البعض ينتظر وقوع الجرة من يد أم النساك وهي تصرخ وتمسك بطنها أو تقع على الأرض، والبعض ينتظر العكس.
أنزلت أم النساك الجرة وقالت:
ما شككت في عبد الرحمن أبدًا. ما أطيب مائك يا عبد الرحمن، والله إنه من أنقى ما شربت.
فارتفعت التهليلات وانهالت على عبد الرحمن التبريكات والتهاني من النساك، وعبد الرحمن يدور بينهم بالماء.
لتقترب أم النساك من طارق وتهمس له:
أفسدت علينا فرحتنا بالماء يا غريب وأسأت لعبد الرحمن أشد إساءة.
ليقترب منها عبد الرحمن ويقول:
أحنثت بقسمك وأضعت صيام يومك من أجلي.
فردت عليه أم النساك:
ما أحنثت قسمي، فقد أقسمت أن أصوم إلى أن يرفع الله عنا البلاء، وبوجود الماء فقد رفع الله البلاء. أما ضياع صيام اليوم فإن كان فيه إغلاق باب الفتنة ففداك هذا اليوم.
فابتسم عبد الرحمن وقال بلطف:
فداكِ قلبي يا أم النساك.
فابتسمت أم النساك وأخفضت وجهها.
تركها عبد الرحمن غافلًا عن طارق الذي سمعهم ورأى ابتسامة أم النساك لتشتعل النار في صدره. فإن يكون عبد الرحمن حاقدًا وكارهًا لأم النساك فهذا يقدر عليه، لكن أن يكون عاشقًا فهذا لا يقدر عليه أبدًا، فمن يقدر على مواجهة عبد الرحمن فارس النساك وبطلها؟ كيف لرجل جاف وصلب مثل عبد الرحمن أن يكون بهذه الرقة؟ وكيف لأم النساك أن تتقبلها منه؟
الأمر غريب ويحتاج لتفسير وفهم.
في مجلس النساك
أم النساك:
أخبرنا عبد الرحمن أين وجدت الماء.
عبد الرحمن:
حفرنا العديد والعديد من الآبار في كل مكان ولم نجد ماءً حتى حفرنا بئرنا بعد البحيرة بمئتي خطوة باتجاه الجبل فوجدنا الماء ورزق ربي.
سعيد:
لكن بين الجبل والبحيرة صحراء وأرض مهجورة فكيف نترك نساءنا وأبناءنا يذهبوا إليها.
عبد الرحمن:
وما فيها يا سعيد؟
سعيد:
كيف تأمن على قواريرك من سباع الجبل وأفاعيها؟ كيف نتركهن يواجهن الكلاب والذئاب والعقارب؟
الشيخ عبد الحق:
أدرك أن الأمر شديد لكن للضرورة تصدر أم النساك أمرها ألا تذهب للبئر امرأة وحدها أو طفل وحده، ولا بد أن يذهب له كلا مع رفيقه.
أم النساك:
رأيك الصواب يا شيخنا. رأيك الصواب. ولكن أما زلتم تصلون لله أن يسقط المطر؟
الشيخ عبد الحق:
نعم يا ابنتي.
عبد الرحمن:
وما حاجتنا في هذه الصلاة وقد منّ الله علينا بماء البئر؟
أم النساك:
نحتاج هذه الصلاة وبشدة فقد رمينا البذور في الأرض ونطلب من الله السقيا.
الشيخ عبد الحق:
سنصليها عقب كل صلاة يا بنيتي فربك مجيب الدعاء.
عبد الرحمن:
نعم الرأي شيخنا فقد كاد أن ينفد مخزوننا من الشعير.
فرفع الشيخ يديه بالدعاء:
اللهم يا من مننت علينا بالماء فأمنن علينا بالمطر.
وأمن الجميع على دعاء الشيخ.
مضى يومان والكل يصلي ويشرب من ماء البئر، وقد غامت الدنيا وتجمعت السحب لكنها لم تمطر، ليمر هذا اليوم والكل مستبشرًا بالغيم. وعادوا للصلاة في فجر اليوم التالي فنزلت قطرات قليلة ففرح الكل وكبر وهلل. وفي صلاة الظهر والكل يصلي سمع الكل صوت نزول القطرات على الأرض يزداد ويزداد والمطر يشتد حتى فرغوا من الصلاة ليخرج الكل في الشوارع احتفالًا بمطر الخير ويحمل كل واحد إناء فخاري يجمع فيه ماء المطر.
فسأل طارق:
إنتوا ليه كل واحد ماسك طبق في إيده؟
أجابته ميساء:
إننا نتهادى بشائر المطر، فهذا رزق خير أتى مباشرة إليك من السماء فاهديه لمن تحب واشربه من يد من تحب.
رأى طارق الزوجة تقدم الماء لزوجها يشرب ويقرب ماؤه لصغاره، والرجل يسقي جدته.
والجدة تسقي الأحفاد.
أما أم النساك فتحمل طبقها، وكل فترة يقترب منها واحد فتقرب له ماءها فيشرب، وتأتي امرأة فتقرب لها أم النساك ماءها فتشرب وابتسامتها الرائعة تزين وجهها والمطر مستمر والكل يشرب من يدها حتى لمح طارق عبد الرحمن يقترب من أم النساك فعلم أنه سيشرب من مائها فأسرع يسبقه حتى وصل قبل عبد الرحمن فقال لأم النساك:
ينفع أشرب من الميه؟
فابتسمت له أم النساك ورفعت يديها بالطبق ليشرب طارق والذي تعمد أن يشرب كل ما في الطبق. وهو يشعر بالسعادة فعلى عبد الرحمن الانتظار حتى تجمع أم النساك بعض الماء، لكنه صدم حينما رأى عبد الرحمن يقرب طبقه لأم النساك ويسقيها من مائه.
ليشعر بالغيظ فقد غلبه عبد الرحمن فالكل يشرب من طبقها لكنه الوحيد الذي سقاها. أي محبة في قلبك يا عبد الرحمن.
أما الصغار فيتتبعون مجاري الماء المتجمعة والتي بدأت تسيل في الطرقات وهم يغنون للمطر:
اشكروا رب السماء * نزل الغيث وفاض الماء.
ملأ البئر وفاض الخير * فشرب الناس والزرع والطير.
حتى الوحوش في الصحراء * اشكروا رب السماء.
فاستمر انهطال المطر حتى غرق الجميع بالماء فبدأ الكل يدخل داره ويراقب مطر الخير من بيته.
مضى ثلاثة أيام والسماء تمطر والحمد لله الرزاق، لكن بيت طارق قد غرق من المطر لأنه لم يكمله فسمحت له أم النساك أن يرجع دار ضيافة النساك مرة أخرى إلى أن تتوقف الأمطار، حتى يعيد بناء بيته.
بعد يومين
أم النساك:
أخبرني حسان عن كمية الأضرار التي تعرضت لها أرض النساك بسبب المطر.
حسان:
ليست الأضرار بالكثيرة فقد تهدمت بعض المنازل ونفق ستة أغنام فقط.
عبد الرحمن:
الحمد لله أن الضرر كان في الحيوان ولم يمت أحد.
حسان:
الجميل في الأمر أن ارتوت الأرض بأمر الله.
النساك جميعًا:
الحمد لله.
حسان:
والخبر الأعظم أن امتلأت آبارنا بالماء.
فهب عبد الرحمن واقفًا:
أتقول الصدق يا حسان؟
حسان:
أقسم بالله العظيم فقد مررت على خمس آبار وكانت ممتلئة.
عبد الرحمن:
والباقي؟
حسان:
فاض منهم الماء.
فخر عبد الرحمن ساجدًا لله الذي أنعم وأفاض بنعمه وتلاه النساك في السجود، أما أم النساك فلم تسجد لكنها اكتفت بالحمد والتسبيح والتهليل.
عند دار ضيافة النساك كان طارق جالسًا على عتبة الباب يأكل من خبز صنعه بيديه فمرت عليه أم النساك وقالت:
كيف حالك يا غريب؟ افتقدتك في مجلس النساك.
طارق:
يعني فارق معاكِ؟ ما كفاية عليكِ عبد الرحمن.
أم النساك:
ما الأمر يا غريب؟
طارق بغضب:
تعبان، كل يوم بشتغل مع النساك اللي بيوتهم اتهدت وبعدها بجمع طوب عشان بيتي اللي غرق، ولو فاض وقت بجهز لنفسي لقمة أكلها. يعني مش فاضي لحد.
أم النساك:
مما تهرب يا غريب؟
طارق:
ما بهربش أنا بس.....
لتنظر له أم النساك نظرة متشككة، فيقول:
يووووه، خلاص هقولك. طبعًا هتقولي ليّ إنت غلطان في حق عبد الرحمن ولازم أعتذر له، صح؟
أم النساك:
مؤكدًا، فقد اتهمته بالباطل.
طارق:
وطبعًا هتصري عليّ أعتذر له، صح؟ عشان خاطر سي عبد الرحمن بتاعك.
فضحكت أم النساك ضحكتها الجميلة التي خطفت قلب طارق، فنادرًا ما تضحك أم النساك. فقال:
ضحكتك حلوة أوي.
فالتفتت له وقالت:
خذ يا غريب.
ومدت يديها له بجرة ماء.
طارق:
إيه دي؟
أم النساك:
إنها جرة.
طارق:
عارف، بس أعمل بيها إيه؟
أم النساك:
أما آن الأوان لتتزوج؟
طارق:
بتقولي إيه؟
أم النساك:
خذ جرتك واذهب للشيخ صابر.
طارق:
وأعمل إيه عند الشيخ صابر؟
أم النساك:
عنده صبية كالبدر في تمامه، تصلح زوجة لك.
طارق:
هو إنتي للدرجة دي مش حاسة بيّ؟ مش حاسة بحبي لك؟
أم النساك:
قدم جرتك للشيخ صابر وقل: أتيت بجرتي فارغة وأبغي الماء الحلال.
طارق بعصبية:
هو إنتي مش سمعاني؟ بقولك بحبك، بحبك، بحبك وغرت من عبد الرحمن لما سمعته بيفديكي بقلبه واتجننت لما عرفت إنه كان جوزك، وإنهم طلقوكي منه عشان تحكمي النساك. عشان كده لا إنت اتجوزتي ولا هو اتجوز.
أم النساك:
لم يكن عبد الرحمن زوجي، بل قدم لي جرته.
طارق:
يعني إيه قدم الجرة؟ ثانية واحدة، إنتي عايزاني أعمل زيه وأقدم الجرة دي؟
أم النساك:
نعم، ستقدم جرتك للشيخ صابر.
طارق:
وبعدين أعمل إيه؟
أم النساك:
إن أدخلك بيته فقد رضي بك، وإن رفض فعد من حيث أتيت.
طارق:
يا سلام، لو دخلني يبقى قبلني ويجوزني بنته.
أم النساك:
لا، بل ستمكث عندهم ثلاث.
طارق:
وبعدين؟
أم النساك:
كن مؤدبًا، مهذبًا، عفيف النفس، جميل الروح، ولا ترفع رأسك أبدًا فتكشف عورات بيته. كن مطيعًا متعاونًا. صلِّ بهم القيام واقرأ عليهم القرآن حتى تأنس صبيتهم بصوتك.
طارق:
وبعدين؟
أم النساك:
ستدخل الصبية في اليوم الثاني تأخذ منك الجرة، فانظر لها وارفع رأسك لتراك.
طارق:
ليه؟
أم النساك:
نظرة شرعية.
طارق:
آآآه، وبعدين؟
أم النساك:
إن أعجبتك فأمكث لليوم الثالث، فإن قبلت بك ستملأ لك الجرة، وإن لم تقبل ستعيدها فارغة وتقول: لا يوجد لك ماء عندنا.
طارق:
وطبعًا إن قالت كده أسيبها وأروح.
أم النساك:
طبعًا.
طارق:
طب لو كانت مليانة ميه؟
أم النساك:
فاشرب واشرب واشرب.
طارق:
وبعدها؟
أم النساك:
اكسر الجرة.
طارق:
ليه؟
أم النساك:
هكذا حالنا نحن النساء، نتباهى بقدر ما شرب الرجال من الجرار ونتباهى أكثر بالجرة المكسورة.
طارق:
ومعناها إيه إني أكسر الجرة؟
أم النساك:
تعني أنك اكتفيت بها ولن تتزوج امرأة بعدها أبدًا.
طارق:
وهو اللي بيكسر الجرة ما بيتجوزش على مراته أبدًا؟
أم النساك:
وهل يأخذ الرجال بعهد أبرموه مع جرة مكسورة؟ لا أظن، لكن هذا حالنا نحن النساء.
طارق:
طيب وليه ده كله وأنا بقولك إني بحبك؟ أنا قدامك يا أم النساك بقدم لك جرتي، اقبليها وأنا مش هكسرها بس ده أنا هنسفها وأكون لك الزوج والحبيب والسند. اتجوزيني وأنا هرضى إني أكون تحت أمرك وقيادتك وهطيعك قدام الناس كلها.
أم النساك:
تقبلها على نفسك؟
طارق:
هقبلها مادمتِ في نهاية اليوم هتكوني زوجتي وتباتي في حضني، هرضى إن أم النساك القائدة وكبيرة النساك آخر اليوم بتكون أجمل وأحلى ست وهتكون أعظم أم لأولادي. ولو تسمعي كلامي خلينا نسيب لهم البلد وتعالي معايا نروح مصر.
أم النساك:
ما تقول يا غريب؟
طارق:
بقول الحق، أنا مش زي عبد الرحمن أضحي بحبي عشان مصلحة الناس، أنا أناني في حبي. نسيب لهم كل حاجة يحلوا مشاكلهم بنفسهم وتعالي معايا عيشي لنفسك مرة بدل ما بتضحي بنفسك وشبابك عشانهم، وكل واحد فيهم عايش حياته حتى عبد الرحمن هيجي له يوم يتجوز ويخلف ويسيبك. تعالي معايا وأنا هعمل المستحيل هنحت في الصخر عشان أعيشك ملكة.
أم النساك:
تريدني أن أهرب من أرض النساك؟
طارق:
لو مش عايزة خلاص، أنا هقعد معاكي وهشتغل ليل ونهار عشان ما تحتاجي لحاجة أبدًا. أنا عارف إني فقير هنا بس إنتي قلتي مش عيب إني أشتغل أي شغل، العيب إني أمد إيدي وأسأل من الناس تأكلني. اقبلي بيّ وأنا هعمل المستحيل عشانك.
أم النساك بعد تفكير عميق قالت:
يا غريب، خذ جرتك ولا تتأخر على الشيخ صابر.
ليتراجع طارق في مكانه قليلًا وهو ينظر لها. وقبل أن يحمل جرته، سألته:
يا غريب، تقول أنك تحبني.
طارق:
إنتي شايفة إيه؟
أم النساك:
وهل تعلم بحال العاشقين؟
فنظر لها طارق بغير فهم.
فتسأله بخجل:
وكيف يذوب العاشق في هوى محبوبه؟
فنظر لها طارق لحظة.
لتقول بخجل:
أسألك صدقًا فقد سمعت الكثير عن حكاوي العاشقين فكيف يذوب العاشقين في عشقهم؟
لم يجاوب عليها طارق بل اندفع ناحيتها ليحيط وجهها بكفيه ويميل عليها ليتذوق من عسل شفتيها فيذوب وتذوب معه.
رواية أم النساك الفصل الثامن 8 - بقلم حياة محمد
أم النساك: وهل تعلم بحال العاشقين.
فنظر لها طارق بغير فهم.
فتسأله بخجل: وكيف يذوب العاشق في هوى محبوبه.
فنظر لها طارق لحظة.
لتقول بخجل: أسألك صدقا فقد سمعت الكثير عن حكاوى العاشقين فكيف يذوب العاشقين في عشقهم.
لم يجاوب عليها طارق بل اندفع ناحيتها ليحيط وجهها بكفيه ويميل عليها ليتذوق من عسل شفتيها فيذوب وتذوب معه.
لكن الأمر لم يزيد عن ثواني حتى ابتعدت عنه أم النساك وقالت: ما هذا؟
طارق: أبلغ إجابة ورد على سؤالك ده حال العاشقين لما يدوبوا في هوى بعض بيتحول كلماتهم وهمساتهم لمشاعر حلوة تخليهم يدوبوا في بعض.
أم النساك بغضب خجول: ما هكذا أردت الإجابة.
طارق: أنا عارف إللي عملتوا ده غلط.
أم النساك: حرام.
طارق: ونقدر نخليه حلال.
أم النساك: كيف؟
طارق: تتجوزيني واعتبري إللي حصل ده ضمن النظرة الشرعية قولتي إيه.
أم النساك: خذ جرتك وإرحل يا غريب ودعني أستغفر ربي على ذنبي.
ليحمل طارق الجرة بغضب ويرحل بينما تقف أم النساك وتتابعه وهو يرحل لتلتمس شفتيها بيدها دون وعي.
وبعد أقل من ساعة عاد طارق بالجرة فتقول أم النساك: لما عدت هل ردك الشيخ صابر ورفضك؟
فيرفع طارق الجرة ويرميها في الأرض بكل قوته ويقول: أنا اللي مقدرتش أروح عنده أنا اللي مقدرتش أخونك وأبص لأي واحدة تانية.
ليتركها ويرحل بينما تراقب أم النساك الجرة المكسورة وتبتسم.
مضت الشهور وبينما يجلس طارق في مرعاه وقد كبرت غنماته وزادت أعدادها فقد أنجبت له عنزتين وأصبح يملك أكثر من عشرة رؤوس أما بيته فقد بناه وجمله لكنه ابتعد عن أم النساك كثيرا حتى لا يضعف أمامها ليسمع صوت شاب يجري مسرعا ناحيته ويقول: هلكنا يا غريب هلكنا سيأكلنا الوحش ولن يبقى منا أحد.
طارق: وحش إيه.
الشاب: وحش كبير جدا لا ترى رأسه من ذيله أسود شديدة السواد يجري كما البرق يهدر بصوت عالي كما الرعد يطوي الصحراء في لحظات وقد أقبل علينا فخرج فرسان النساك لملاقاته بينما يحتمي باقي النساك بالصخور والجبل خوفا من هذا الوحش.
فأسرع طارق يجري مع الشاب ليرى الوحش ليعرفه من بعيد بعدما سمع صوته فقال بصوت عالي يهدئ من رعب النساء والأطفال: ما تخافوش ما فيش وحش ما تخافوش ده مش وحش.
فصمت الجميع فجأة ونظروا له ليقول بصوت عالي: دي عربية وموجود منها في مصر كتير.
الكل ينظر له بفضول فيكمل: دي مش وحش ومش حيوان دي آلة دي بنركبها زي ما بتركبوا الحمار والحصان.
ليصدر من الكل صوت دهشة في نفس الوقت اقتربت السيارة من أرض النساك فخاف الجميع وجرى مسرعا إلا أنهم رأوا بابها يفتح وخرج رجل كبير في السن في الخمسينات من عمره ضخم الجثة قوي البنيان يصرخ ويقول: إلحقوني إبني منصاب حد يلحقني أبوس إيديكم.
ليخرج من الباب الآخر سعد الراعي وهو ينادي: أقبلوا ساعدوا الأغراب فالرجل مصاب وينزف دما.
فاقتربت منه أم النساك وقالت: سعد ما الأمر؟
سعد: كنت أرعى الغنم ورأيتهم تائهين في الصحراء وعندما رأني استجار بي كي أنقذ ولده فأتيت به هنا فأجيروا أم النساك وأنقذوا ولده.
فنظرت أم النساك للرجل وقالت: أين ولدك المصاب.
الرجل: في الكرسي اللي ورا هنزله لكي واستدار الرجل الكرسي الخلفي وفتح الباب ليخرج هو وابنه الآخر شاب في أواخر العشرينات ينزف دما من جسده فنادت أم النساك بسرعة: أرسلوا في طلب الحكيم بسرعة وأنتم ((وأشارت للرجلين)) ساعدوا الأغراب في نقل المصاب لدار الحكيم.
فحمل الرجلين المصاب ومعهم الرجل الكبير وابنه.
أمام دار الحكيم يقف الرجل برعب على ابنه أما ابنه الآخر فقد جلس ويبدو عليهم التوتر الشديد.
وبعد عدة ساعات خرج الحكيم يقول: كويت العرق المقطوع بالنار وأوقفت نزيف الدم وطهرت وقطبت جروحاته وأعطيته منقوع أعشاب ليعوض جسده ما فقده من الدم وهو الآن بخير.
فتبادل الرجل وابنه النظرات ثم قال: متأكد إنه بخير.
الحكيم: إن شاء الله سيكون بخير وإن كان سيحتاج لعلاج طويل فقد تفتت عظام الذراع ويحتاج لجبيرة ولكني لن أضع يده بها إلا بعد أن تشفى جراحه لكني ثبت العظم.
الرجل براحة: طيب الحمد لله أقدر أشوفه.
الحكيم: من بعيد فجروحه مفتوحة وجسده ضعيف.
ليدخل الرجل بيت الحكيم ثم يخرج بعد أن اطمأن على ولده.
أم النساك: يا عبد الله خذ الضيوف لبيت ضيافة النساك حتى يرتاحون وأمر ميساء تأتيهم بالطعام والماء.
عبد الله: بأمرك أم النساك.
ليرحل الضيوف وينفض الزحام وقبل أن ترحل أم النساك ناداها الحكيم.
أم النساك: ما الأمر يا حكيم.
فيفرِد الحكيم كفه وترى أم النساك ما فيه وتقول: ما هذا.
الحكيم: هذا ما كان في جسد المصاب.
فتنظر أم النساك إلى معادن ثلاث مخروطية الشكل.
ثم ترسل في طلب الغريب فأتى طارق مسرعا وقد كان قريبا منها.
طارق: بعتيلي ليه يا أم النساك عايزة حاجة؟
ففردت أم النساك كفها لتريه ما بها وتقول: ما هذا يا غريب.
طارق: ده رصاص.
الحكيم: لا ليس رصاص إنه نحاس.
طارق: أنا عارف بس عندنا اسمه رصاصة.
الحكيم: وما فائدتها ولما وجدتها في جسد المصاب.
طارق باهتمام: دي خطر جدا يا أم النساك وممكن تموت الإنسان في لحظة واحدة.
أم النساك: يا رب سلم.
طارق: إحنا لازم نأخد بالنا ونفتش العربية كويس ونفتش الراجل وابنه لأنهم ممكن يكونوا مسلحين.
في دار ضيافة النساك استأذنت أم النساك ودخلت على الضيوف ومعها طارق وعبد الرحمن.
أم النساك: الحمد لله على سلامة ولدك.
الرجل: الله يسلمك.
أم النساك: كيف أصيب ولدك.
لينظر الرجل لابنه باضطراب ثم قال: أصل أصل إحنا كنا بنصطاد في الصحراء وطلع علينا حرامية وضربوا علينا النار ولما بقوا يجروا ورا عربيتنا عايزين يسرقوها فهربنا منهم بين الجبال بس اكتشفنا إن إبني متعور فمكنتش عارف أعمل إيه وإحنا تايهين في الصحراء لحد ما إنتوا لقيتونا والحمد لله.
فنظرت له أم النساك بتمعن ثم نظرت لطارق الذي هز رأسه بالإيجاب.
ثم قالت للرجل: هل أنت مسلح؟ فأرض النساك أرض سلام لا يدخلها رجل بسلاحه.
فأعاد الرجل النظر لابنه ثم أخرج من جيبه مسدسا ووضعه بجوار أم النساك وأخرج ابنه مسدسا آخر.
فأخذت الأسلحة وأعطتها لعبد الرحمن وقالت: سيظل السلاح عند عبد الرحمن طوال إقامتكم عندنا وخذوه إذا رحلتم.
طارق: هاتوا مفاتيح العربية.
الرجل: ليه؟
طارق: هنفتشها ونشوف إن كان فيها سلاح.
فأخرج الرجل من جيبه المفتاح بخوف وأعطاه لطارق الذي أخذه وخرج.
ليقول له ولده: هنعمل إيه يا بابا لو شافوا اللي في العربية.
الرجل: مش عارف يا مازن أنا مش خايف يلاقوا السلاح أنا خايف يلاقوا المخدرات اللي عاينهم في شنطة العربية.
ليعود لهم طارق بمفاتيح السيارة وقال: إحنا أخدنا السلاح وهنرجعه لكم قبل ما تمشوا ودي مفاتيح العربية.
ليأخذها الرجل في دهشة ليسأل طارق: كده خلاص ما فيش حاجة تانية.
طارق: لأ مافيش تقدروا ترتاحوا.
ليرحل طارق ويقول مازن لأبيه: الموضوع مش مريح إزاي أخدوا السلاح بالبساطة دي ومقالوش نبلغ البوليس ولا منين جبتوا السلاح وكمان هيرجعوه لنا وإحنا ماشيين.
الأب: ومجابش سيرة أي حاجة تانية لا ده كده فيها إن وإن كبير كمان أصل مستحيل يكونوا ماخدوش بالهم من البودرة بس برضو ماخدوش بالهم من إن السلاح ده مش سلاح صيد ولا إن الرصاص اللي طلعوا الحكيم يبقى رصاص ميري.
مازن: طيب لو فيها إن هتعمل إيه؟
الأب: عليا وعلى أعدائي ومش هيهمني حد.
رواية أم النساك الفصل التاسع 9 - بقلم حياة محمد
في الصباح وبينما يتناول الضيوف الإفطار دخل عليهم طارق وجلس معهم ليطمئنهم على صحة المصاب.
طارق: الحكيم بيقول إن ابنك بيتحسن بس هياخد وقت على ما يقدر يقوم على رجليه.
الأب: هو مافيش مستشفى قريب يروح فيها عشان أطمن عليه.
طارق: مستشفى إيه ياعم الحاج قول يا باسط وأحمد ربنا إن الحكيم عرف يعالج ابنك وعرف أصلا إنه يخرج الرصاص منه.
مازن: ليه يعنى ده كله عشان رصاصه.
طارق بثرثرة: أصل دي أول مرة يخرج فيها رصاصة وأصلا أول مرة يشوفوا فيها الرصاص.
الأب: ليه يعنى؟ عشان بدو ده البدو عندهم سلاح أكتر من الحكومة.
طارق: ومين قالك دول بدو؟ دول نساك.
الأب: يعنى إيه نساك.
طارق: دول ناس مش موجودين على الخريطة من أساسه بيسألوا عن فرعون إن كان لسه بيحكم مصر. ومايعرفوش إنهم أساسا في مصر.
مازن: للدرجة دي؟
طارق: وأكتر دول ناس مايعرفوش أي حاجة عن الدنيا يدوب يصلوا يتعبدوا يشتغلوا وبس.
مازن: بس إنت بتتكلم زينا.
طارق: أصلي جديد هنا تصدقوا إني أول غريب يشوفوه من ٣٠٠ سنة.
الأب: يااااااه وإنت جيت هنا إزاي؟
طارق: تهت في الصحراء ووصلت لهنا.
الأب: ودول عايشين إزاي. تلاقيهم مش لاقيين يأكلوا.
طارق: مين دول اللي مش لاقيين؟ دول مليونيرات عارف أم النساك دي عندها يجي ألف راس من الغنم والبقر.
الأب: يااه بتتكلم بجد.
طارق: والله إنتوا عارفين الدهب بيترمي عندهم.
مازن: مش للدرجة دي.
طارق: أنا مش ببالغ أنا نفسي اشتغلت مع راجل فترة.
كان بيديني ١٥ حتة دهب في اليوم وأوقات كان بيديني أكتر عندي كيس فيه حوالي ربع كيلو من الدهب الخالص وده شغل عشر أيام بس.
مازن: إنت بتتكلم بجد.
فيخرج طارق من جيبه ثلاث عملات ذهبية وقال: شايفين إيه دول.
فينظر الرجل بطمع للعملات الذهبية ويقول: ده مش دهب صح.
طارق: لأ دهب خالص إنت عارف التلاتة دول تمن إيه؟
الرجل: تمن إيه.
طارق: سمكة إصطادتها من البحيرة كانت كبيرة يجي إتنين كيلو فبعتها بالتالت حطة دهب يعني سمكة واحدة تمنها حوالي مية ألف جنيه.
فلمعت عيون الرجل بشدة وتبادل النظرات مع ابنه.
ليأتيهم رجل يدعوهم لمجلس النساك.
في المجلس تجلس أم النساك في جهة ويجلس الرجال في الجهة الأخرى. بينما يدخل طارق مع الأغراب. ليرحب بهم الشيخ صالح ويجلسهم:
الشيخ صالح: أهلا أهلا بكم إجلس يا شيخ.
ليجلس الأب ويقدم له الشيخ صالح الطيب ليتطيبوا والحليب المحلى بعسل النحل ليشربوا. ثم سألهم:
الشيخ صالح: من أنتم يا أغراب ومن أي بلد.
الأب: أنا اسمي مكرم من مصر وأولادي مازن الكبير وهو اللي معايا أما آدم ده اللي متعور.
كانت أم النساك تراقب الرجل بتركيز شديد.
كريم: وهل مصر بعيدة عنا أم قريبة فقد لاحظت أنكم والغريب من مصر.
مكرم: مين الغريب.
طارق: أنا أصلهم بينادوني بغريب عشان يعني أول غريب يدخل أرضهم.
مكرم: لأ مش بعيدة بس تكون عارف الطريق وإلا هتموت في الصحراء.
أم النساك: وهل عرفت الطريق.
مازن: مش أوي يعني بيتوه شوية بس.
أم النساك: إذن لما لم تذهب بولدك المصاب لبلدك بدلا من الدخول في الصحراء.
فنظر لها مكرم بضيق وتركيز فالتفت عيونه البنية مع عيونها السوداء في حرب النظرات لثواني قبل أن يخفض رأسه ويقول:
مكرم: كان بيجري ورانا الحرامية وكنت بهرب منهم ولما شفت ابني مصاب إتلخبط وكان همي إني أنقذه بس.
الشيخ يعقوب: صدقت يا مكرم لو إصابة الولد ضاع العقل والتركيز فهم أغلى ما نملك.
أم النساك بنفس التركيز: وما عملك يا مكرم.
مكرم: تاجر أنا تاجر بابيع وبشتري ويمكن ربنا جابني هنا عشان يكون فيه فتح رزق ليا عندكم.
عبد الرحمن: ما الذي تبيعه وما الذي تشتريه.
مازن: كل حاجة إحنا ممكن كمان نعمل مشروعات حلوة هنا ويبقى نفيد ونستفيد.
أم النساك: ألم تطمئن على مريضكم.
مكرم: لسه هروح أطمن عليه.
في المساء وفي دار ضيافة النساك جلس مكرم مع ولده مازن بعد أن اطمئن على صحة ولده آدم.
مكرم: إحنا لازم نمشي ونروح مصر حالا.
مازن: طيب ليه حالا مانصبر شوية لحد ما آدم يخف وبعدها نمشي.
مكرم: لا مش هستنى ولا يوم واحد إحنا هنستنى لما يناموا ونسافر على طول.
مازن: مستحيل إنت عارف الطريق منين ده لولا الراعي اللي وصلنا كان زمنا تهنا وموتنا في الصحراء.
مكرم: مافيش مشكلة أنا عارف الراعي أخدنا منين.
مازن: طيب آدم هنخدوه إزاي.
مكرم: ومين قالك هناخد آدم هنسيبه هنا.
مازن: عايزني أسيب أخويا وأهرب.
مكرم: تهرب إيه يا غبي إحنا هنروح نتطمن على رجالتنا ونشوف حالنا والحكومة عملت فيهم إيه وبعدين نرجع.
مازن: طيب والمخدرات؟
مكرم: هدفنها في حته في الجبل. ولما أحتاجها هبقى أجيبها.
مازن: طيب ليه ده كله.
مكرم: عارف لو عرفنا نروح ونرجع ده معناه إيه.
معناه أن منجم دهب بقى في إيدي. وأبقى غبي لو ما استفدتش منه.
في الصباح تفاجأ الجميع باختفاء السيارة فنادى عبد الرحمن طارق ليسأله في مجلس النساك.
عبد الرحمن: يا غريب هل تعرف أن التاجر وولده رحلوا عنا.
طارق: لأ بس راحوا فين؟
أم النساك: هذا ما أسألك عنه.
طارق: مش عارف بس. ثانية واحدة هما أخدوا ابنهم المتعور؟
الشيخ صالح: لا بل تركوه ورحلوا.
طارق: لو سابوه فده مالوش إلا معنى واحد. إن العيان ده مش ابنه وإنهم خاطفينه عشان كده سابوه وهربوا.
أم النساك: كلامك غريب يا غريب لو كانوا خاطفيه وينون الهروب فلما بحثوا عن أحد ينقذه من الأساس كانوا تركوه يموت في الصحراء.
طارق: إنتي مش فاهمة جرائم الخطف خطيرة أد إيه دول بيطلبوا فدية بالملايين في المقابل.
أم النساك: أفزعتني يا غريب.
طارق: ربنا يستر.
أم النساك: وإن كان ولده.
طارق: يبقى هيرجع تاني.
عبد الرحمن: ولما سافر من الأساس.
طارق: مش عارف.
ليتبادل الجميع النظرات القلقة.
رواية أم النساك الفصل العاشر 10 - بقلم حياة محمد
عاد عبد الرحمن للرجال قائلاً:
سألت المصاب فأكد لي أنه ابن التاجر.
الشيخ صالح:
إن كان ابن التاجر فسيعود.
أم النساك:
إن كان سيعود فلما رحل من الأساس.
***
وبالفعل بعد يومين سمع النساك صوت السيارة تدخل أرضهم ليخرج منها مكرم مع ولده مازن وقد حملوا معهم الكثير من الأكياس ليدخلوا مجلس النساك ويلقون السلام.
ليرد عليهم الجميع ليجلسوا.
أم النساك:
لما رحلت يا مكرم؟
مكرم:
كان لازم أمشي عشان أطمن على الناس اللي كانوا معايا وأطمئن عليهم.
عبد الرحمن:
واطمأننت عليهم.
مكرم:
الحمد لله.
أم النساك:
ولما لم تخبرنا أنك سترحل ولما لم تنتظر حتى يبرأ ولدك وتأخذه معك؟
لينظر لها مكرم بقوة ثم قال بلين عكس نظرة عينيه:
أنا سايب ابني عند ناس أمينة ومطمن عليه عندكم وأنتم أهل الأمانة صح.
(فاستبشر النساك فرحين بإطراء مكرم عليهم وهم يرددون أنهم أهل الثقة والأمانة)
فيبتسم مكرم وينظر لأم النساك فيقلقه جمودها وتركيزها الشديد عليه.
لتقول:
إذن لما لم تخبرنا عن رحيلك.
فيتلجلج قليلا ثم يقول:
ما كنت أعرف إني لازم أستأذن. وعلى العموم أنا آسف وحقك عليا. فيه حاجة تانية؟
فيقول الشيخ صالح بطيبة:
الأمر بسيط يا مكرم.
ليبتسم مكرم ويقول مغيرا الحديث:
هات يا مازن الأكياس نقدم ليهم الهدايا اللي جبناها من السفر.
فيضع مازن الأكياس أمام أبيه.
فيخرج مكرم برواز جميل وقدمه لأم النساك.
فنظرت له وقالت:
ماهذا.
مكرم:
ده برواز مكتوب فيه آيات من القرآن. مطلي بمية الدهب.
أم النساك:
رأيته ولكن ما أفعل به.
مكرم:
تعلقيه تزيني به بيتك.
أم النساك باستنكار:
ما علمت أن الحوائط تزينها كلمات الله. ياهذا كلمات الله تزين بها القلوب وتنار بها العقول وتنشط بها الهمم لا تجمل وتزين بها الحوائط.
فتبادل مكرم ومازن نظرات الاستنكار.
ليقول مكرم:
يعني هتردي الهدية.
أم النساك:
حاشا لله. لكن سأتركها هنا في مجلس النساك.
ليفتح مازن كيس ويخرج زجاجات العطر ويقدمها للرجال ويقول:
ده مسك معتق أصلي جبناه مخصوص من الحسين. يارب يعجبكم.
فيستنشق الرجال الرائحة المعتقة للمسك ثم يسمع كلمات المدح لهذه الرائحة المميزة.
وهذا ما شجع مكرم وأخرج للرجال سبحات مصنوعة من المرمر النقي وقدم واحدة لأم النساك.
فسألته:
ما أصنع بها.
مازن:
دي سبحة عشان تسبحي بها وتعرفي كم مرة سبحتي.
أم النساك بغضب:
لما وهل نخاف أن تضيع تسبيحاتنا فنحتسبها أم نعيد تجميع حسناتنا.
فيزفز مازن بضيق ويهمس:
إيه الست اللي مابيعجبهاش العجب.
ليقول مكرم:
المهم يا جماعة الخير أنا كنت عايز أقولكم إن تعب ابني هيطول وده هيخسرني كتير عشان شغلي اللي واقف. فبستأذنكم إني أتاجر هنا في أرضكم أبيع وأشتري.
أيوب:
نعم الرأي رأيك فقد سلكت درب نبينا الكريم في التجارة.
طارق:
وهتبيع إيه وهتشتري إيه من هنا.
مكرم:
لو تسمحوا لنا بمكان هنا وإحنا هنبيع فيه زي دكان صغير وبكرة يكبر ويتوسع. إنتوا ماتعرفوش أرضكم دي فيها خير قد إيه؟
ليكمل مازن بحماس:
طبعاً دي كلها خير. يعني مثلا البحيرة اللي عندكم ماشوفتوش واسعة وكبيرة قد إيه. ففكرت مثلاً إننا نعمل فيها منتجع سياحي كبير. وبالنسبة للسياح سيبهم عليا أنا مسؤول أجيبهم هنا.
ثم يوجه كلامه للجميع (وبينما ينظر له أبوه باستنكار):
ما تتخيلوش المشروع ده هيعمل إيه في أرضكم هينقلكم نقلة كبيرة خالص.
فينتفض طارق:
إنت بتخرف بتقول إيه منتجع سياحي إيه اللي هيتعمل هنا ده مستحيل.
مازن:
ليه بس.
أم النساك:
ما الأمر يا غريب لما إنتفضت رافضاً.
طارق:
أصلك مش عارف إيه اللي في المنتجعات السياحية.
عبد الرحمن:
ما في المنتجعات.
طارق:
أقولك إيه منتجع سياحي يجوا الأجانب يصيفوا وتتمشى الستات بالبكيني ونعمل حفلات سمر في أرض النساك ودي فرقة رقص من شباب النساك. وطبعاً المشروبات الروحية مصنوعة بإيد النساك. وإسلام على جلسات التدليك بإيد شباب وشابات من النساك.
مازن:
إنت بتتكلم وكأن ده شيء غريب. ماهو ده طبيعي وموجود في كل المنتجعات السياحية.
طارق:
بس مش في أرض النساك.
أم النساك:
انتظر طارق لم أفهم أي شيء مما قال أو قلت. فما الذي عرضه ولماذا اعترضت.
مكرم مغيراً الكلام:
عندك حق يا طارق يا ابني وأعذرنا بس إحنا تعبانين وعايزين نرتاح شوية عن إذنكم.
ليسحب ابنه ويخرجا من المجلس.
***
في دار ضيافة النساك جلس مكرم مع ابنه.
ليقول مازن بغضب:
شفت طارق الكلب ضيع عليا فرصة مشروع هايل.
مكرم:
مشروع إيه يا غبي ده أنا نفسي لو ما رفضوش كنت رفضته وخلّيتهم ما ينفذوش مشروعك ده.
مازن:
إنت كمان ليه يا بابا؟
مكرم:
يا غبي بقى يبقى عندنا كنز والحكومة مش دريانة بيه. نروح نفتح عيونهم عليه عشان يقاسمونا فيه.
مازن:
تقصد إيه؟
مكرم:
ماهو لما نجيب سياح ونودي سياح هيبقى فيه سين وجيم وراحوا فين وجهم منين وتراخيص وتصريحات وبلاوي. وساعتها هتلاقي الحكومة لزقالنا هنا. إشي شرطة وإشي سجل مدني وإحنا عايزين البلد دي تدنها متدارية عشان نعرف نغرف منها زي ما إحنا عايزين.
مازن:
هو الدكان اللي هتبيع فيه هو اللي هيخليك تغرف من البلد.
مكرم:
الدكان ده هو مسمار جحا اللي هدقه في البلد وبعدها هخليهم كلهم تحت رجليا.
مازن:
إزاي مش فاهم.
مكرم:
هخليهم يدمنوا.
مازن:
ده أنا على استعداد أضحي بكيلو كامل من البودرة. كيلو إيه ده أنا على استعداد أضحي بيها كلها مقابل إني أتحكم وأسيطر على البلد دي. بس هتقابلنا مشكلة واحدة.
مازن:
أم النساك صح.
مكرم:
أم النساك إيه دي هبلة ومسكوها طبول عيلة وضحكوا عليها وقالولها انتي كبيرتنا وهيا عجبتها اللعبة دي. بس مش هيا دي المشكلة.
مازن:
طيب إيه هي المشكلة.
مكرم:
المشكلة في تدينهم. الناس دي متدينة أوي. ودينهم ده هو اللي هيقف في طريقي. هيخلوا قلوبهم على بعض يسندوا بعض. عشان كده لازم يقل تدينهم.
مازن:
طب ودي تيجي إزاي؟
مكرم:
هسألك سؤال لو عندك ١٠٠ واحد متدين ومابيسيبوش الجامع وعايز تروح إيمانهم تعمل إيه؟
مازن:
أهد الجامع.
مكرم:
غبي.
مازن:
طب أخفي المصاحف.
مكرم:
مش بقولك غبي.
مازن:
طب وليه؟
مكرم:
يا غبي أوعى تقرب من دينهم لأنهم لو حسوا بتهديد من ناحية الدين هيتمسكوا بيه أكتر. يعني لو هديت الجامع هيبنوا غيره ألف جامع ومصلية. ولو ما عرفوش هيصلوا على أنقاض الجامع ومش هيهمهم حر ولا مطر. أما لو خبيت المصاحف فده هيخليهم يتمسكوا بكل آية حافظينها. دول ممكن يكتبوها على كل حيطة وباب عشان ماتتنسيش.
مازن:
طيب أنا لو عندي ١٠٠ واحد متدين وعابد وعايز يروح إيمانهم أعمل إيه؟
مكرم:
تحط بينهم واحدة ست بس تكون ملعب وشهر واحد وهتلاقيهم بيقتلوا في بعض. وأرض النساك دي كفاية عليهم اتنين ميمي زحلقة وسعاد دوت كوم.
مازن:
زحلقة مين ودوت كوم إيه. الجرب والمنحطين دول. إنت مش شايف نسوان النساك عاملين إيه. ده الواحدة منهم تحل من على حبل المشنقة.
مكرم:
يا غبي هنحطهم بينهم والشيطان هيحلي بضاعته وهيخلي دوت كوم وزحلقة أحسن من كل نسوانهم. بس أول حاجة هنجيب البودرة وهنبدأ بالشباب اللي تحت الـ ٣٠.
مازن:
اشمعنى.
مكرم:
دول شبابهم فاير وسهل نتحكم فيهم بسيجارة وبصورة من إياهم. ودول هيبقوا خدامين تحت رجلينا. بس الموضوع محتاج عقل وخطة تكون مظبوطة.
***
في مجلس النساك.
أم النساك:
أنا أرفض وجود هذا التاجر في أرضنا.
عبد الله:
ولما يا أم النساك.
أم النساك:
لم أرتاح لوجودهم هنا.
زياد:
لكنك قبلتي بوجود الغريب بيننا.
أم النساك:
الأمر مختلف فالغريب كان ضال الطريق لو تركناه هلك. أما هم فيدركون الطريق فلما يبقون بيننا.
عبد الرحمن:
إنهم تجار يبغون الحلال.
أم النساك:
ولما في أرضنا؟
أيوب:
ولما لا. هل ترفضين التجار بعينهم أم ترفضين دخول الأغراب بيننا.
أم النساك:
الاثنين. فأرض النساك لا يدخلها أحد ولا يخرج منها أحد. وإن تغير مبدأها تغير حالنا كله.
الشيخ صالح:
هذا المبدأ ليس قرآن نلتزم به. وأنا شخصياً أرحب بالتجار بيننا. ولأن أمرنا شورى فرأي الجماعة هو الغالب. والكل موافق على دخول التجار بيننا لذا سنسمح لهم بالتجارة في أرضنا وسنعطيهم الأرض الخالية بجوار سوق النساك ليبنوا عليه بيت ودكان لتجارتهم.
أم النساك:
لم أكن أبداً مخالفة لرأي الجماعة ولكني أقول لكم وأؤكد أني لا أرتاح للتجار وأتمنى من الله أن يخلف ظني بهم.