تحميل رواية «أم النساك» PDF
بقلم حياة محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
فى الأتوبيس المتجه إلى إحدى القرى السياحية جلس شاب في الثلاثين من عمره بعيون خضراء ساحرة وشعر كستنائي ناعم ووجه جميل يسحر النساء بوسامته الشديدة. يضع الهيد فون في أذنيه وينتظر بدء الرحلة. يتمنى أن تجلس بجواره مزة جامدة تطري الجو وتضيع وقت الرحلة الطويل. بعد قليل بدأ الركاب يدخلون الأتوبيس وهو يقيم كل فتاة تصعد: لا دى تخينة.... أمورة بس مش أوي.... ياخبر أبيض دى فورتيكة. فأشار لها لتجلس بجواره فالتفتت حولها ثم ابتسمت واقتربت منه تحية: هاى فيه حد معاك. فيبتسم ويرد التحية: هاى ولو فيه أرميه من الأتو...
رواية أم النساك الفصل الحادي عشر 11 - بقلم حياة محمد
في سوق النساك وقف شيوخ النساك وكبارها ينتظرون مكرم وولده مازن حتى يقدمون لهم الأرض التي ستكون بيت ودكان لهم.
معظم الرجال كانوا سعداء ومستبشرين بالخير من مكرم وولده طبعا فقد قدم للبعض هدايا خاصة بعد رحيل أم النساك فلن ينسى بعضهم تلك الحبة الزرقاء الساحرة والتي جعلت ليلهم أمتع وأحلى.
حضر مكرم وألقى السلام فرد عليه الجميع.
فقال بصوت منخفض وقد رسم التقوى والورع:
معلش إتأخرت عليكم أصلي لقيت عنقود عنب في الأرض وكنت بدور على صاحبه.
فنظر الكل له بدهشة وزادت دهشتهم عندما أخرج من جيبه عنقود صغير به خمس حبات عنب.
وسأل الواقفين:
حد يعرف بتاع مين ده؟
فدهش الواقفين من أمانته الشديدة والتي طمأنتهم لأنه تاجر أمين يخشى الله.
أم النساك:
يا هذا لقد وافق النساك على إعطائك هذه الأرض حتى تبنى دارك ودكانك فخذها لك وإبدأ تجارتك بأمر الله وبركاته وأعلم أن بيني وبينك حد الله لا تتعداه أنت ولا نتعداه نحن فإن تعديته فسأقتص منك.
مكرم:
حقك ومفيش حد يغلطك حقك طبعا.
ثم تركتهم ورحلت.
ليقترب منه عبد الرحمن ويقول:
أم النساك الوحيدة التي عارضت وجودكم هنا لكني وبعدما سألت عن عنقود العنب صدقتها وأيدتها.
مكرم بقلق:
ليه بس أنا عملت إيه؟
فيقترب منه عبد الرحمن ويقول بصوت منخفض:
علمني أبي كشف خفايا النفوس وقال لي من بالغ في إظهار التقوى والإيمان كان يخفي نفاقا كبيرا في قلبه فمن يسأل عن عنقود العنب قد يكون سارق الحقل بأكمله. لذا أحذرك فأنا لا أتهاون في حد من حدود الله.
ليتركهم ويرحل فيقول مازن:
هنعمل إيه يا بابا؟
مكرم:
إحنا لازم نخلص من عبد الرحمن قبل أم النساك.
مر شهر تغيرت الأحوال وأصبح الحال غير الحال فقد بنى مكرم بيته ودكانه بأيدي شباب النساك وبعدها بعدة أيام دخلت سيارة كبيرة مملوءة بعلب وكراتين وإمتلأ الدكان بأكياس ملونة حمراء وصفراء وخضراء وألعاب للأطفال الصغار سيارات تسير وحدها وحيوانات محشوة تغني وعرائس لصغيرات النساك تفتح عيونها وتغلقها وتتحدث بل وتسير.
فجن جنون الصغار فكل منهم يريد هذه الألعاب التي يرونها لأول مرة والكل يريد أن يتذوق ما في الأكياس الملونة الكل يريد صغير كان أم كبير فما يعرضه أشياء أول مرة يرونها ويقبل أي شيء فعمله ذهبية واحدة تأخذ مقابلها خمسة أكياس من رقائق البطاطس أو خمسة أكياس مقرمشات أما الدمى فالواحدة بقطعتين.
أما علب الجبن واللانشون أو الأطعمة الجاهزة فمقبول أي شيء في مقابلها فقد يأخذ خمسة كيلوات من اللبن الطازج أو إثنان كيلو من الجبن القريش مقابل علبة جبن واحدة نصف كيلو.
وجنون الشراء انتشر بين النساء فقد يجمع مكرم في اليوم الواحد مائة لتر من الحليب وثلاثين كيلو من الجبن مقابل هذه المعلبات وإن لم تجد الحليب فقدم ما تمتلكه لن يرفض أبدا التمر أو الشعير أو الزيتون أو حتى فاكهة أو حتى مشغولات يدوية أو منسوجات حريرية ولا مانع أكيد أن تقدم ماعز صغير أو من ماشية فأرض النساك مليئة بالخير ولن يضرهم إن قدموا بعض منها.
قدم ما تملك وخذ المقابل معلبات صناعية مغلفة ربما يكون طعمها جيد لكن القيمة الغذائية صفر.
والغريب في الأمر أن مكرم في هذا الشهر اشترى ثلاجة ضخمة لتتسع لهذا القدر الكبير مما يقدمه النساك في المقابل وكل يوم آخر النهار تخرج الثلاجة الضخمة مملوءة بالحليب والجبن والبيض والسمك والدجاج والتمر والشعير ليبيعها أتباعه للتجار وبأقل من عشر ثمن هذه المنتجات تمتلئ الثلاجة بالمنتجات ليأخذوها لأرض النساك.
أما في المساء فتغير ليل النساك بعدما كنت ترى نور القمر الفضي ينشر خيوطه على البيوت فيعطي الليل سحر وجاذبية وتسمع من البيوت صوت همهمات العابدين يقرأون القرآن ويسبحون بحمد ربهم أو يتسامرون في مجلس عبدالله أو مجلس عبد الرحمن يتدارسون سير عظماء الإسلام وتدبير جمال إبداع الله في آياته في الشرح والتفسير.
لكن الآن الحال تغير فبعد صلاة المغرب يدير التجار آلة معدنية كبيرة تصدر صوت مزعج بعدها بيضاء بيت التجار بأنوار عالية وقوية فتجد شباب النساك يتجهون لبيت التاجر ليجلسوا يتسامرون ويشربون من مشروبات التاجر الغريبة والتي لا يستغنون عنها أبدا فإن فكر أحدهم ألا يذهب للتاجر في يوم أصابه صداع وألم شديد يكاد يفتك بعظامهم.
إلى جانب أنهم أحبوا ما يقدمه لهم التجار من غرائب على الحائط العجيب ((التلفزيون)) فترى بشر يسيرون ويتحدثون وكائنات عجيبة وغريبة لم يسمعوا بها وحكايات غريبة لدنيا أغرب كل هذا بمجرد لمس زر صغير من آلة صغيرة سوداء.
لذا لا تستعجب تأخر بعض من شباب النساك عن صلاة الفجر.
كانت جالسة تسبح الله في مكانها المفضل بجوار البحيرة فشعرت به يقترب منها.
حتى جلس بجوارها فقالت:
لما أنت هنا يا غريب؟
فقدم لها كوب وجلس بجوارها وقال:
وحشتيني يا أم النساك.
فنظرت للكوب وقالت:
ماهذا.
طارق:
كابتشينو كنت هموت على كوباية واحدة أول ما جيت بس دلوقتي فيه كتير. دوقي وقولي رأيك.
فشربت منه القليل ثم قالت:
طعمه حلو مع القليل من المرارة لكنه جيد.
طارق:
دي قهوة بالحليب. أكتر حاجتين كنت هموت عليهم الكابتشينو والسجاير.
أم النساك:
وجدتهم.
طارق:
أيوه بس لقيتني مش ملهوف أوي على السجاير ودي أحسن حاجة.
تحتسي أم النساك القليل من الكابتشينو ثم تقول:
مشتاق لبلدك يا غريب.
طارق:
بصراحة أيوه.
أم النساك:
تستطيع العودة.
طارق:
هو ينفع مش قولتي أرض النساك من يدخلها لا يخرج منها.
أم النساك:
الماضي ماضي وكل شيء يتغير حتى حال النساك تغير. يدخلها ويخرج منها الكثير تستطيع أن ترحل مع أحدهم.
طارق:
عارف بس مش عاوز أمشي.
أم النساك:
ألم تشتاق لحياتك السابقة ألم تقل أنك...... أنك...... أنك ماذا؟
فيضحك طارق ويقول:
رجل أعمال.
أم النساك:
نعم رجل أعمال.
طارق:
فعلا كنت رجل أعمال فاشل فتحت الشركة بس منظر أتمنظر بيه على البنات بس في الحقيقة كنت دايما بخسر وأخد من بابا فلوس وأقضيها صياعة وسرمحة. بس هنا الوضع مختلف لأني ولأول مرة أعرف يعني إيه أكل من عرق جبيني ويعني إيه الرزق الحلال. يمكن كلمات ماكنتش أعرف معناها إلا هنا.
بس مش هو ده السبب اللي مخليني عايز أقعد هنا فيه سبب تاني.
فنظرت له وقالت:
وماهو.
طارق:
عشانك عشان بحبك ومش عايز أبعد عنك أم النساك أنا بحبك بجد يمكن في الأول كنت برسم عليكي كان في بالي إني لو وقعتك في حبي إني هعيش ملك أمر والكل يطعني.
أم النساك:
أعلم.
فيلتفت لها ويقول:
بجد كنتي عارفة إزاي كنت بحسب إنكم ما تفهموش الحاجات دي.
أم النساك:
يا غريب القلب يدرك الصادق من الكاذب وأنت كنت كاذب.
فينظر لها ويقول:
طب دلوقتي حاسة بإيه.
فتخفض رأسها في حياء فطري.
فيقول بحنان:
تتجوزيني يا أم النساك أنا عارف حكايتك وبقولك ما تحرميش نفسك من حقك الطبيعي إنك تكوني زوجة وأم مع واحد بيحبك بجد.
في هذا اليوم وبعد صلاة العصر توقفت السيارة التي يقودها مازن ابن مكرم ليفتح الباب الجانبي فتخرج منه فتاة قصيرة قليلا ترتدي فستان قصير عاري وتضع أطنان من المكياج على وجهها ورائحة عطرها تفوح ومن الباب الجانبي خرجت الأخرى ترتدي بدي ضيق جدا كاشف لمنطقة البطن وبنطلون جينز ضيق جدا يكاد يلتصق بجسدها سمراء تضع طبقات من المكياج وعطر قوي مثير.
فقابلهم أدم بن مكرم وقد برأت معظم جروحه وقال بترحيب:
زحلقة ودوت كوم عندنا إيه النور ده كله تعالوا تعالوا أصلها كانت ناشفة أوي.
فتضحك ميمي زحلقة ضحكة صاخبة وتقول بمياعة:
منور بيك يا عسل.
فيأتي مكرم بسرعة ويدفع بهما للداخل بسرعة ويقول بجدية:
خشوا بسرعة قبل ما يشوفكوا حد إيه اللبس اللي إنتوا لبسينه مش قلتلك يا مازن يلبسوا حشمة.
فترد سعاد:
حشمة إيه أكتر من كده.
مكرم:
خشوا الله يخرب بيتكوا هتفضحونا.
وبعدما أجلسهم.
ميمي:
إيه المكان الضايع ده يا باشا هو إحنا هنعرف نشتغل هنا.
مكرم بجدية:
شوفي يا ميمي إنتي وسعاد المصلحة المرة دي كبيرة أوي وهتنغنغوا أوي بس تنفذوا اللي عايز منكم.
ميمي:
أمر يا بوص.
مكرم:
إنتي عليكي نسوان البلد دي عايزك تخشي كل بيت وتعلمهم الدلع فهماني.
فتضحك بقوة وتقول من عيني:
شهر واحد وكل النسوان هتلبس بدلة الرقص.
فيسحبها أدم ويقول:
طب تعالي فرجيني.
فتضحك بصخب وتدخل معه.
سعاد:
طيب وأنا.
مكرم:
إنتي يا سعاد عليكي مهمة جامدة ما يقدرش عليها غيرك.
سعاد باهتمام:
وإيه هي.
مكرم:
مهمتك تبقي عبد الرحمن.
رواية أم النساك الفصل الثاني عشر 12 - بقلم حياة محمد
مكرم: إنتي يا سعاد عليكي مهمة جامدة ما تقدرش عليها غيرك.
سعاد باهتمام: وإيه هي؟
مكرم: مهمتك تبقي عبد الرحمن.
سعاد: مين عبد الرحمن؟
مكرم: ده يبقي شوكة في زورنا، لو كسرتي عينه ساعتها محدش هيقدر علينا.
في نفس اللحظة سمعوا طرق شديد على الباب ودخل سرب مكون من سبعة رجال أشداء.
إنتفضت سعاد من منظرهم، يتقدمهم عبد الكريم.
عبد الكريم: يا تاجر، علمنا أن ببيتكم نسوه، فمن هن؟
فضحكت سعاد بمياعة وقالت: نسوه على آخر الزمن، بقيت نسوه؟
فرفع عبد الكريم رأسه ثم أخفضه وقال بسرعة: احتجبي يا إمرأة.
فيخرج آدم عاري الصدر وبجواره ميمي بقميص النوم.
فيخفض الرجال رؤوسهم ويصرخ عبد الكريم: احتشمي يا إمرأة. يا هذا، من هاتان السيدتان وما تفعلن عندك؟
مكرم بصوت مهزوز: دول يبقوا مراتات ولادي، دي مرات مراد والتانية اللي مع آدم تبقي مراته ولسه جايين النهارده.
على: يا مكرم، أأمر محارمك بالإحتشام أمام الأغراب؟
مكرم: طبعا، بس إنتوا اللي دخلتوا فجأة، ملحقوش يلبسوا، بس دول إيه أخر حشمه وأدب.
ليرحل الرجال بينما تقول ميمي: يا خراشي، إيه الرجالة دي بقى، الرجالة هنا طول وعرض وبالحلاوة دي.
آدم: ما تحترمي نفسك، هو احنا مش ماليين عينك؟
سعاد بلهفة: طب عبد الرحمن واحد من الرجالة دي؟
مازن: لأ، ده تلاقيه إما في مجلس النساك أو في غيطه فوق النخل بيقطع البلح.
سعاد: أموت في طرزان اللي على الشجر، طب هاقابله إمتى؟
آدم: متحمسة أوي، هنشوف هتقدري عليه وإلا لأ.
سعاد: فشر ده، أنا دوت كوم والأجر على الله.
مازن: طب تعالي وريني.
مكرم: لا مش وقته، إنت لازم تجهز عشان تودي العربية مصر وتجيب لنا بضاعة، وكمان تجيب خمسة من رجالتنا عشان يشوفوا الشغل بالليل، أنا تعبت ومش برتاح.
مازن معترض: ما أنا كمان تعبت، أنا لسه جاي، عايزني أسافر تاني؟ ليه إحنا المفروض نعرف تلاتة أربعة منهم الطريق عشان نبدل سوا.
مكرم: يا غبي، عايز تعرفهم الطريق عشان يجوا يقاسمونا في لقمتنا؟ إنت إتهبلت. الطريق لأرض النساك لازم ميعرفوش غيرك وغيري، لأن لو أي حد عرفه هتلاقيهم جايين يقعدوا منها يهربوا من الحكومة ومنها يهبشوا معانا. وزي ما فطمتك، قبل ما تخش على الصحراوي تديهم علب العصير إياها، ولما تتأكد إنهم راحوا في النوم تدخل من سكة النساك، خليك واعي، لازم اللي جايين يكونوا تحت عينينا.
آدم: إنت خايف منهم يا بابا، دول رجالتنا.
مكرم: يعني جايبهم من الجامع بيصلوا؟ ما هم حرامية ولاد(...).
مازن: بس أنا برضو تعبان وعايز أرتاح ومش هقدر على السفر كل يوم، ده مشوار يهد الحيل، عايزين السفر يبقي يومين في الأسبوع.
آدم: طب والدهب اللي معانا ولسه ما صرفناهوش، هنعمل بيه إيه؟
ميمي وسعاد في صوت واحد: دهب دهب إيه؟
فيجز مكرم على أسنانه ويقول بغضب: لسانك، قطع لسانك، مش تاخد بالك من الكلام.
ليقول لمازن مغيرا للكلام: خلاص إنت ارتاح النهارده وأنا اللي هروح وهجيب الرجالة، على ما أشوف هنعمل إيه؟
مازن: أهو هو ده الكلام الصح.
فيسحب ميمي ويدخل غرفته.
بعد يومين تخرج ميمي ومعها حقيبتها ترتدي عباءة حمراء مفتوحة بها نقوش وزخارف براقة.
مكرم: على فين النهارده؟
ميمي: عند مرات الشيخ مسعود وهخليها تلم جارتها وحبايبها.
مكرم: حلو، وخلي لسانك حلو واتساهلي معاهم.
آدم: وما تنسيش، عايز حبة صور حلوة ماشي.
ميمي: من عينيا، هصورلك صور نار.
وبعدها خرجت سعاد: آدم تعال معايا وريني فين ألاقي عبد الرحمن.
آدم: ماشي، تعالي معايا.
في منزل الشيخ مسعود.
ميمي: شوفوا إحنا كلنا ستات زي بعض، أنا معايا ليكوا شوية حاجات حلوة عشان نبسط رجالتنا وعشان ما يبصش كده ولا كده، لازم نزغلل عينيهم، بصوا وشوفوا معايا وإتفرجوا معايا.
سيده: ما هذا؟
ميمي: دي علب مكياج مستوردة.
- ما أفعل بها؟
ميمي: دي تخلي الوحشة بدر منور، استنوا أوريكم.
لتقول في نفسها: أنا بوريهم إيه، دي كل واحدة أحلى من التانية.
فتجلس وتأخذ واحدة منهم وتضع لها مكياج والنساء يشاهدن في دهشة، فالمرأة تحولت وتغير شكلها وأصبحت فعلا أجمل.
لتركبهم جنون الشراء حتى ولو دفعت مائة عملة ذهبية مقابل علبة مكياج واحدة.
ميمي: عشان جمالكم يزغلل لازم البرفان اللي يدوخ، وريحتوا تجيب آخر الشارع، وأنا عندي برفانات مستوردة تهبل، مين عايز؟
آدم: ده غيط النخل بتاع عبد الرحمن، بعد شوية هييجي.
سعاد: إنت هتمشي وتسيبني؟
آدم: مش عايزه يشوفني، بيقعد يديني حكم ومواعظ.
يرجع آدم بينما تخلع سعاد عبايتها فتظهر ملابسها المكشوفة وتفتح حقيبتها وتخرج المراية حتى تصلح مكياجها.
ثم تمشي بين النخلات حتى وجدت رجل يقطع الحشائش من الأرض فاقتربت منه ورمت نفسها عليه وقالت وهي تمثل الخوف: إلحقني إلحقني، أنا خايفة أوي.
فقزع الرجل وقال: بسم الله، من أنت يا إمرأة؟ إن كنت من أهل الإسلام فسلام الله عليكي، وإن كنت من غيرهم ف...
سعاد: ما تخافش، أنا إنسية زيك، أنا ضيفة هنا وتهت ومش عارفة أروح، ولما لاقيتك جيت أتحامي فيك، مش إنتوا أهل مروءة وشهامة برضو؟
الرجل: بلى صدقتي يا إمرأة، ولكن احتشمي.
سعاد في سرها: يا دى الخيبة، كل اللي يشوفني يقولي احتشمي.
فجلست على الأرض وانكشفت ساقيها فبدأت تدلكها بإغراء وتقول: رجلي بتوجعني.
فاستغفر الرجل بصوت عالي وأدار وجهه، لتضحك سعاد ضحكة عالية جدا وتقترب من الرجل اللي بدا عليه الاضطراب بشدة وتقول: طيب مش هتسندني عشان توصلني؟
بعد يومين.
الرجل: ما بك يا إمرأة، كلما دخلت الحقل أجدك.
فتضحك سعاد بإغراء بينما يستغفر الرجل وتقترب منه وتقول بدلال شديد: خلاص، مادمت مش عايزني أنا همشي وأسيبك.
وقامت تمشي برقة ودلال وعيون الرجل تتابعها وكلما ابتعدت تلتفت له فيسير وراءها مثل المسحور.
لتذهب عند البحيرة ثم تنزل للماء فيجري الرجل مسرعا ليسحبها من الماء فترتمي على صدره وتنظر في عيونه.
لكنه لم يتركها بل ظل متمسكا بها فمالت هي عليه و...
عادت سعاد البيت فقال مازن: إيه، نقول مبروك.
سعاد: قول.
آدم: طب صباحية مباركة.
سعاد: مباركة إيه، ده أنا سيباه عمال يعيط ويلطم زي النسوان، ده أنا نفسي ما عيطش أده بعد أول طلعة.
فيضحك آدم ويقول: هي أول مرة، بس بعدها بيتعودوا، بس بصراحة نفسي أشوف عبد الرحمن وهو عينه مكسورة. تعال يا بابا، مش تبارك لسعاد.
مكرم: على إيه؟
سعاد بغرور: عشان قدرت على عبد الرحمن، تلاقيه لحد دلوقتي عمال يعيط زي الحريم.
مكرم: مين اللي بيعيط؟ ده أنا سايبه في مجلس النساك زي الأسد.
سعاد: لا مستحيل، ده كان عمال يلطم ويقول أنا محصن، أنا محصن.
مكرم: محصن يعني متجوز، وعبد الرحمن مش متجوز، شوفي كنتي بتلعبي مع مين اليومين اللي فاتوا.
في مجلس النساك دخل رجل يصرخ وينادي: الغوث الغوث، اغيثونا.
عبدالله: ما الأمر يا رجل؟
الرجل: هاجمت الذئاب على المرعى.
فإنتفض الكل وقال: كيف يا رجل؟
الرجل: هاجمت مرعانا الذئاب وقتلت الكثير من خرافنا.
أم النساك: وأين الرعاة، كيف يتركون المرعى بغير حراسة؟
الرجل: غفل الراعي ونام، ولما أفاق كانت الذئاب تقتل الخراف، فلم يقدر عليها وحده، ولما نادى على بقية الرعاة كانت الذئاب تفترس القطيع.
عبد الرحمن: كم قتلت؟
الرجل: أكثر من مائة رأس، والغريب أنها قتلتهم ورحلت.
لتنظر أم النساك في رعب وتقول: يا رب سلم، يا رب سلم، قالوا عندما هاجم الذئب الخراف مات عمر بن عبد العزيز، والأن هاجمتنا الذئاب فما الذي مات فينا؟ يا رب سلم.
يصعد الشاب سطح المسجد ويقف وقفة مهزوزة ليرفع صوته بالأذان فقال: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله... أشهد أن محمدا رسول الله... حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله.
فإنتفض عبد الرحمن وقام مسرعا، فكيف لغافل يرفع الأذان، بينما لحقه أيوب وعبد الله.
بينما تنظر أم النساك ناحية بيت مكرم وتقول: والله لا أعلم، أتأتينا الذئاب من الصحراء أم من بيت التجار.
بينما مكرم في دكانه مع إبنه مازن وجدا أم النساك قادمة عليهم تحمل معها سلة مصنوعة من البوص.
مكرم: يا دى النور يا دى الهنا، أم النساك عندي أخيرا، جيتي تشتري من عندي، ده أنا فاتح من يجي شهرين وما جيتيش تاخدي حاجة خالص.
أم النساك: لم آتِ لأشتري منك ولا لأبيعك.
مكرم: طب جاية ليه؟
فوضعت السلة أمامه.
فقال: إيه دي؟
أم النساك: ذهب، أقدم لك ألف قطعة من الذهب.
فلمعت عينا مكرم بشدة وقال: عايزة بيهم إيه؟
أم النساك: خذهم وخذ أولادك وأترك أرضنا.
فأشار ولده بالموافقة والإيجاب، لكن مكرم قال: ودول أعمل بيهم إيه، دول ما يعملوش حاجة.
أم النساك: ألا يكفيك ألف قطعة؟ أتذكر الغريب قال القطعة الواحدة بحوالي خمسة وعشرين ألف، وأنا أقدم لك ألف قطعة أي خمسة وعشرين ألف الألف، أو كما يقول الغريب خمسة وعشرين مليون، ألا يكفيك هذا المبلغ؟
مكرم: مايعملوش حاجة، وبعدين إنتي عارفة أنا بيجيلي كام في اليوم الواحد.
أم النساك: بصراحة، ماذا تريد يا رجل؟
مكرم: يمكن كان يكفيني المبلغ ده الأول بس دلوقتي لأ، لأني أقدر أجمع أده مية مرة في شهر واحد.
أم النساك: لكني لا أريدكم في أرضنا، فخذ أبناؤك ورجالك وارحل.
مكرم: شوفي يا أم النساك، مشي مش همشي من هنا، ولو إنتي مش عايزانا فغيرك عايزنا، وخدي فلوسك معاكي وياريت تحطي لسانك جوه بقك وتسكتي بمزاجك بدل ما أسكتك غصب عنك.
أم النساك: تهددني يا مكرم؟
مكرم: إفهميها زي ما تفهميها، بس اللي يقف ليا في مصلحتي يبقي عليا وعلى أعدائي.
أم النساك: ماذا ستفعل؟
مكرم بشر: إنتوا شوية غلابة في حالكوا ومش أدي، أنا أقدر في ساعة واحدة ألم رجالتي كلهم ييجوا بالسلاح يسيطروا على البلد كلها، وساعتها إنتي والنساك بتوعك هتكونوا خدامين تحت رجلي.
أم النساك: لن يقبل النساك بهذه المهزلة.
مكرم: أعلى ما في خيلك إركبيه.
رواية أم النساك الفصل الثالث عشر 13 - بقلم حياة محمد
أم النساك: لن يقبل النساك بهذه المهزلة.
مكرم: أعلى ما في خيلك إركبيه.
عادت أم النساك لتجد عبد الرحمن يسحب شاباً من ملابسه والشاب لا حول له ولا قوة ويصرخ عبد الرحمن فيه: كيف لسكير مثلك يرفع نداء الحق.
والشاب مثل الورقة يميل ويهتز بينما يصرخ عبد الرحمن مطالباً بجلده عشر جلدات لشربه الخمر بينما يسحبه أيوب من يد عبد الرحمن ويقول:
أيوب: أما تعلم هذا الشاب من أكثر النساك تقوى وصلاح وقد حفظ أكثر من عشرين ألف حديث صحيح وهو دون الخامسة عشر.
عبد الرحمن: لكنه اليوم سكير يهتز في وقفته ويخطئ في الأذان.
الشاب وهو يمسك رأسه بيديه:
الشاب: والله ما شربت الخمر ولا عصيت ربي لكن لا أدري ما بي لا أقوى على حمل نفسي تدور الدنيا بي.
فاقتربت منه أم النساك وقالت بهدوء:
أم النساك: أعرفك ألست خليل.
خليل: بلى.
أم النساك: تقول ما شربت الخمر.
خليل: والله ما ذقته ولا اقتربت منه ومن أين لنا به في أرضنا.
أم النساك: إذا ما الذي أكلته أو شربته أيامك الماضية.
خليل: والله أكل مما تأكلون منه وأشرب مما تشربون غير أني شربت عند التاجر مشروباً معلباً مراً فمراً وبعدها صرت لا أقوى على ترك مشروبه والتاجر كل يوم يرفع سعر مشروبه حتى صار بمائة قطعة ذهبية بعدما كان بواحدة فامتنعت منذ يومين فأصابني مرض يفتك بعظامي من شدة الوجع.
أم النساك: إذهب وارتاح يا خليل وسأمر الحكيم يأتيك بدواء يزيل عنك ألمك.
ثم نظرت للجميع وقالت:
أم النساك: ألم أقل لكم أخرجوا التجار من أرضنا والله لا أرى فيهم خيراً.
مكرم: كل حاجة تقولي التجار التجار عملنا بس إيه ليكي إنت قلت مابينك وبيني حد الله وأنا ما تعديتهوش ولو تعديته مرة أنا ولا حد من عيالي إبقى إتكلمي بس بلاش ظلم وإفتراء.
الشيخ مسعود: وما علاقة التجار بما أصاب خليل.
ثم سأل الحضور:
الشيخ مسعود: هل منكم من أصابه ما أصاب خليل.
فأخفض الكثير رأسه ولم يتجرأ أي منهم على الرد خوفاً من طرد التاجر وحينها لن يجدوا هذا الشراب الذي يتوجعون بشدة لو تركوه.
مكرم: مش قلتلكم أنا ماليش ذنب والدليل مفيش حد اشتكى مني ولا حد قال إني السبب في حاجة حرام عليكي يا شيخة تظلميني وعايزة تقطعي عيشي حرام.
وتركهم وسار وقد انقسم الجميع بين مؤيد للتاجر ولائم لأم النساك والبعض الصامت الذي لا يجرؤ على التكلم خوفاً من بطش التاجر.
في بيت مكرم دخل عبد الرحمن البيت ليصدم مما شاهد فقد رأى شباب النساك ينظفون البيت وهناك من يحمل قراب الماء للتاجر وبعض الشباب يغسل ثياب التاجر وولده وهناك من يغسل قدمي التاجر بالماء وكأنهم عبيد عنده.
ليراه مكرم فيقوم بسرعة مرحباً بعبد الرحمن:
مكرم: أهلاً وسهلاً بك يا شيخ عبد الرحمن يا حمزه هات كرسي لعبد الرحمن.
فيقترب شاب في الثامنة عشر من عمره يحمل الكرسي ويقربه من عبد الرحمن والذي حاول إخفاء صدمته مما يرى فشباب النساك يخدمون التاجر وابناءه بلا اعتراض.
وبعدها قال:
عبد الرحمن: أهلاً بك يا مكرم.
فيقول مكرم:
مكرم: شرفتنا ونوروتنا ياترى إيه سبب الزيارة دي.
عبد الرحمن: أتيت ضيفاً عندك فهل يسأل الضيف عن سبب الزيارة.
مكرم: حاشا لله ده أنت صاحب البيت ده أنا هجيب لك واجبك بنفسي.
فتدخل سعاد تحمل صينية عليها كوب من القهوة وتقول بدلع:
سعاد: لا والله أنا عملت القهوة بإيدي مخصوص لكبير البلد دي كلها إتفضل.
وانحنت وهي تقدم القهوة فانكشف صدرها أمام عبد الرحمن والذي مسك الكوب وقذفه في الأرض وقال بغضب:
عبد الرحمن: أما تستحين يا إمرأة تقفي عارية أمامي ألست من محارمك مكرم ألا تغار على محارمك.
ثم دفع بسعاد فوقعت في الأرض ليقوم عبد الرحمن ويقول بحدة:
عبد الرحمن: والله لا أرى فيكم خيراً أبداً أي ديوث أنت يا تاجر أعوذ بالله منك.
ثم خرج مسرعاً بينما تنظر سعاد لطيف هذا الرجل الضخم الذي لم ينظر لها ولم ينبهر بها مثل الباقين وتقول:
سعاد: هو ده عبد الرحمن.
مكرم: هو.
سعاد: وأنا كنت متخيلاه غوريلا أتاريه زي البدر في ليلة تمامه.
مكرم: مش وقت نحنحة دلوقتي هتقدري عليه.
سعاد: مابقاش سعاد إن ما جبت راسه الأرض وأخليه خاتم في صباعي.
أدم: عملتي إيه؟
ميمي: معايا صور إنما إيه تهبل شوف كده.
وفتحت جهاز المحمول ليمسكه أدم بينما يشاهد معه مازن بلهفة:
مازن: ياهووووووا إيه ده كله بقى النسوان هنا بالحلاوة دي.
أدم: شوف لما النسوان حلوين كده أمال البنات الصغيرين أكيد طلعوا فورتيكة حاجة كده ما حصلتش.
مازن: طب ما صورتي لينا بنات صغيرة تكون الواحدة ١٨-١٩ ولا ٢٠ كده.
ميمي: على أد فلوسك إدفع هتلاقي.
أدم: هديكي بس مش عاوز صور عاوز فيديوهات.
بينما تجلس ميمي وسعاد بين جمع كبير من النساء والشابات كل واحدة تمسك مرآة وأمامها علبة مكياج فاليوم هو درس تعليمي لأن ميمي وسعاد يعلمان النساء كيفية الاهتمام بالبشرة والشعر.
لتقوم سعاد فجأة وتقول:
سعاد: خلاص يا بنات خلاص يا ستات كفاية لحد كده تعالوا بقى هعلمكم حاجة تانية.
-: ماذا سنتعلم يا سعاد.
سعاد: الرقص ودي حاجة سهلة أوي.
ثم تفتح هاتفها على أغنية شعبية صاخبة وبعدها تخلع العباءة لتبقى بملابس قصيرة مكشوفة وتربط خصرها بطرحتها وتبدأ في هز خصرها بينما تخبئ النساء وجوهها على استحياء لكن الأمر لم يدُم فمع تشجيع ميمي لسعاد بالتصفيق بدأت النساء تصفق معها وبعدها تجرأت بعضهن في القيام وتقليد حركات سعاد الراقصة حتى أن بعضهن خلعن غطاء رأسهن ليربطن به خصرهن.
وميمي تدور بينهم وهي تحمل هاتفها المحمول وتوجهه على وجوه وأجساد النساء والفتيات.
سعاد: روحي إنتي يا ميمي وأنا هحصلك.
ميمي: هتروحي برضو الغيط عند عبد الرحمن؟
سعاد: هو أنا ورايا غيره.
ميمي: كل ده ومقدرتيش عليه؟
سعاد: قفل مصدي بعيد عنك بس إيه يهبل.
ميمي: لا بعد الشر عني يا خايبة إعملي زيي وأقضيها مش تمسكي في واحد.
سعاد: أوقعه الأول وبعدين أبقى أقضيها سلام.
واتجهت سعاد ناحية الغيطان تبحث عن عبد الرحمن فوجدت من سحبها فالتفتت لتجد رضوان فقالت بقوة:
سعاد: عايز إيه يا رضوان؟
رضوان: أحتاجك سعاد ولا أقوى على فراقك.
سعاد: ليه مش كنت بتعيط وتقول محصن محصن.
ليسحبها رضوان ويقول:
رضوان: هواكي أنسى الدنيا ومن فيها.
ميمي: إنت اتجننت.
أدم: ليه بس هو أنا طلبت إيه.
ميمي: صور فيديوهات أديني بعملهم في الدرس بس اللي إنت بتطلبه ده مصيبة سودة.
أدم: مصيبة إيه عشان عايز أذوق ما إنتي هبلتيني بالصور وأنا زهقت من الفرجة عايز حاجة لحم ودم.
ميمي: ما أنا و سعاد معاك عايز إيه تاني.
أدم: بلا قرف أنا عايز واحدة خام أكون أنا الأول مش إنتوا الدنيا كلها علمت عليكوا.
ميمي: يبقى أنت لوحدك أنا بره الحكاية دي.
أدم: غصب عنك هتجيبهالي وإلا هفرج الصور والفيديوهات على النساك وشوفي هيعملوا فيكي إيه.
ميمي: يعني هما هيسيبونا لما تعمل كده في بنتهم.
أدم: يا بنتي دول بيخافوا من بابا وميقدروش يعملوا لنا حاجة ولو غلبنا أوي معاهم هبقى أتجوز البت وأتستر عليها.
رضوان: أرجوك سعاد لا تتركيني.
سعاد: أف منك زهقت زهقت منك كل ما أروح مكان ألاقيك ورايا.
رضوان: أحبك سعاد فلا تتركيني.
سعاد: وأنا مابحبكش عارف يعني إيه يعني بكرهك ومش عايزة أشوف وشك تاني وإياك تمشي ورايا تاني.
رضوان: لا تتركيني سعاد لقد خسرت كل شيء فلا أريد أن أخسرك.
سعاد: ما يهمنيش روح عيط بعيد عني وقول خسرت خسرت.
رضوان: نعم خسرت كل شيء ومابقاش لي شيء لأبكي عليه فإن لم تبقي معي لن تبقي مع غيري.
ثم أخرج من جيبه سكيناً ورفعها في وجهها.
سعاد بخوف: إنت اتجننت.
رضوان: بل أفقت فمثلك لا يستحق الحياة ثم طعنها.
رواية أم النساك الفصل الرابع عشر 14 - بقلم حياة محمد
سعاد بخوف:
إنت اتجننت.
رضوان:
بل أفقت، فمثلك لا يستحق الحياة ثم طعنها.
وانطلقت الصراخات تملأ أرض النساك عندما رأوا جثة سعاد غارقة في دمائها بجوارها رضوان يحمل سكيناً.
وارتفعت الأصوات:
لقد قتل رضوان سعاد، لقد قتل رضوان سعاد.
حتى أمسكوه عبد الرحمن ورجاله وأخذوه للقاضي بينما أسرع أحد النساك لبيت التاجر لينبئه بكل أسف عن مقتل زوجة إبنه ((سعاد)) عليهم أن يحضروا محاكمة قاتلها.
رضوان لمازن:
بين إنك زعلان شوية؟
مازن:
طب وأنا أعملها إزاي؟
مكرم:
إزعل كشر المفروض إن مراتك ماتت وإنت يا أدم بين إنك زعلان على مرات أخوك.
أدم:
إنت هتشبهنا مبقاش إلا دي تبقى مرات أخويا.
ميمي وهي تبكي:
يعني مش فاكرلها حاجة حلوة عملتها لك.
مازن:
عملت إيه ماكانت بتاخد أد كده هو كان فيه حاجة ببلاش.
مكرم:
ماتفضحناش عايزين نبين إننا زعلانين وإنها كانت غالية علينا أوي.
وبالفعل حضر الرجال الثلاثة ومعهم ميمي والغريب هو حال هؤلاء الرجال فهم هادئين جداً عاديين جداً لا يبدو على أي منهم حزن حقيقي وكأن التي ماتت لا تخصهم.
حتى ميمي تبكي ولكن بكاء عادي حتى أن نساء النساك تبكين أكثر منها.
في المحاكمة سأل القاضي رضوان:
أأنت قاتلها؟
رضوان بخزي:
نعم.
القاضي:
لمَ؟ ما دافعك لقتلها؟
رضوان:
........
القاضي:
أجب رضوان ما دافعك. أنت قتلت النفس التي حرمها الله. فأذكر دافعك؟ أي سبب يجعلك تنهي حياة إنسان.
رضوان:
...........
القاضي:
تحدث رضوان فأنت تعلم أن جزاءك القصاص فادفع عن نفسك..... تكلم....... إذا أنت معترف ومقر بذنبك.
رضوان:
نعم.
القاضي:
اللهم أنت شاهد أنني لم أظلمه ولم أجور على حقه اللهم أنت شاهد أنني أعطيته حقه في الدفاع عن نفسه لكنه أبى إذاً. فقد حكمت بشرع الله واستناداً لقوله تعالى ((ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب)) أحكم عليك بالقصاص. فليرحمك الله يا رضوان استغفر ربك وتُبْ إليه فأنت ملاقيه إلا أن يعفوا من بيدهم الأمر. يا تاجر أسألك هل تعفو عن رضوان؟
مازن بطريقة مفتعلة:
نعفو عن مين دي مراتي يعني حتة مني حتة من قلبي والمفترس ده حرمني منها منك لله حسبي الله ونعم الوكيل.
فأشار له مكرم بإصبعه الكبير إشارة ((مية مية)).
القاضي:
لقد رفض زوجها العفو إذاً فليرحمك الله يا رضوان.
رضوان:
هل لي بطلب واحد أرغب في محادثة زوجتي.
القاضي:
لك ذلك خذوه واسمحوا لزوجته أن تحدثه وبعدها سيقام عليه الحد.
وبالفعل سحب الرجال رضوان.
القاضي:
أترغب في مشاهدة قصاص زوجتك يا مازن؟
مازن:
أشوف إيه هو فيلم أنا مش فاضي للكلام ده.
وقف رضوان مكتوف الأيدي بينما تقبل عليه امرأة تبكي وقد غرقت الدموع وجهها فاقتربت منه محتضنة لزوجها وهي تبكي بشدة على صدره.
رضوان:
سامحيني يا كريمة سامحيني.
كريمة:
لما قتلتها رضوان.
رضوان:
سامحيني فأنت أكثر من أذنبت في حقها. أطلبي من أبنائي أن يسامحوني ويدعوا لي.
كريمة:
تُبْ لربك رضوان.
رضوان:
أخجل من ربي فقد أذنبت مرة وعندما أعطاني الفرصة لأتوب تركتها فتوالت ذنوبي.
كريمة:
تُبْ لربك رضوان فربك لن يغلق بابه أبداً.
رضوان:
سامحيني أرجوكي لقد أذنبت في حقك فقد زنيت......
كريمة:
اصمت رضوان فأنا أعلم. فقد شممت رائحتها على جسدك. أتظن حينما تغتسل أنني لن أشم رائحتها لقد شممتها بقلبي.
رضوان:
كنتي تعلمين.
كريمة:
كنت أحترق لكني دعوت ربي كثيراً أن يتوب عليك فتُبْ لربك رضوان واطلب منه السماح.
رضوان:
وأنتِ أحللني من ذنبك.
كريمة:
سامحك الله رضوان سامحك الله.
بعدها سحبوه الرجال لتسقط كريمة على الأرض وهي تبكي وتنتحب بينما يسمع الجميع صراخه.
ليخفض الجميع رأسه ويرتفع النحيب.
ميمي:
هما عملوا فيه إيه يا مازن.
مازن وهو يرتعد:
هما عملوا فيه إيه يا بابا مش المفروض يحبسوه.
مكرم برعب:
الناس دي مابتهزرش في الشرع حاكموه ونفذوا الحكم في يوم واحد.
أدم:
أنا عايز أمشي من هنا.
مكرم:
نمشي إيه بعد ما اللي وصلناله دول نص شبابهم بقى مدمن نأمرهم وهما بيطيعوا لا والله وبعدين يستاهل رضوان اللي جراله خسرنا واحدة شاطرة أجيب غيرها منين دلوقتي طبعاً لازم أستنى شوية. وإنتوا هتكملوا الدور هنعمل عزاء لسعاد وبعدها هنكمل شغلنا وإنت يا مازن يومين تلاتة وبعدها هتسافر تجيب بضاعته للمحل وبضاعة تانية من إياها عشان الشباب وإن كانت سعاد ما قدرتش تلعب على عبد الرحمن فأنا اللي هلاعبه وكلها عشرة أيام وهخليه مدمن ورقبته هحطها تحت جزمتي.
مرت أيام العزاء طويلة ومملة على أدم ومازن وبعد اليوم الثالث عاد كل شيء على ما كان.
عادوا فتح الدكان وعادوا تشغيل جهازهم العجيب على الحائط وعادوا لسهراتهم مساءً وكأن شيئاً لم يكن.
دخل أدم البيت فوجد ميمي جالسة حزينة.
أدم:
يا مساء النكد مزهقتيش.
ميمي:
سعاد صعبة عليّا أوي يعني مش صعبة عليك ماتت موتها صعبة.
أدم بلا اهتمام:
على أساس إنك مستغربة جيبي لي واحدة بس منكم ماتت موتها عدل كلكم نهايتكم كده وبعدين صعبة عليكي ليه على أساس ما بتفارقش سجادة الصلاة. سيبك منها ووريني الصور الحلوة.
ميمي:
إنسى خلاص بح.
أدم:
إيه اللي بح.
ميمي:
من بعد ما أم النساك أصدرت أمرها الجديد ومبقاش الحال زي زمان.
أدم:
الله يخرب بيتك يا أم النساك زي ما وقفتي حالنا قالت إيه كتر الأغراب في أرضنا ومبأمنش على نفسي فامتأمنوش على بناتكم.
ميمي:
من يومها وكل النسوان والبنات استخبوا في بيوتهم وما فيش بنت بتخرج إلا ومعاها حد من إخوتها. حتى لما بيروحوا يملوا من البير بيبقوا جماعات ما فيش واحدة بتروح لوحدها.
أدم:
طب وشغلك.
ميمي:
نفس الحال مبقوش يتجمعوا ولو جت واحدة تشتري حاجة بيبقى جوزها ولا أخوها ولا حتى أبوها معاها لحظة وتختفي لا بقينا بنقعد ولا بنتكلم.
أدم:
يعني قفلت من كل ناحية. بس ما تخافيش ده فترة بس بعد كده هنرجع زي الأول.
مكرم:
حمدالله على السلامة يا طارق بقلنا كتير ما شفناكش ولا خلاص بطلت تشرب كابتشينو تصدق اللي مستغرب له إنك عشت زينا طول عمرك بالرغم من كده إنت أقل واحد بتشتري من عندي حاجة.
طارق:
إزيك يا مكرم عاملين إيه بعد موت سعاد تصدقوا نسيت خالص أعزيكم البقاء لله يا مازن واضح أوي إنك متأثر أوي من موتها.
مازن:
فيه إيه يا طارق ولا تحب نقولك يا غريب زي النساك؟ أه متأثر يا سيدي كانت مراتي وبحبها.
طارق:
وكانت فعلاً مراتك يا مازن.
مازن:
إنت بتخرف تقول إيه.
طارق:
اللي سمعته كانت فعلاً مراتك ولا التانية دي تبقى مرات أخوك.
مكرم:
هو إنت جاي ليه يا طارق.
طارق:
أنا من أول يوم وأنا مستغربكم يمكن في الأول كنت مبسوط إن فيه ناس من مصر هنا معايا وإني مش وحيد في أرض النساك بس اللي بيحصل ده مش طبيعي.
مكرم:
إيه هو اللي مش طبيعي يا طارق.
طارق:
كل حاجة مش طبيعية أولها دكانك ده والحاجة أم جنيه اللي بتتباع بالذهب ولا البنات اللي جايبنهم يشاغلوا الرجالة وبتقولوا عليهم مراتكم ولا الشباب اللي بقى حالهم عدم ماشيين يتطوحوا وبليل تلاقيهم مرصوصين هنا واحد واحد لا بقوا يشتغلوا زي زمان ولا حتى بيصلوا زي زمان وكل واحد أضعف من التاني غير السواد اللي تحت عيونهم وبتقولوا إيه اللي مش طبيعي.
مازن:
عايز توصل لإيه يا طارق.
طارق:
إنتوا تجار مخدرات صح وعلّمتم شباب النساك الإدمان عشان تسيطروا عليهم وإبنك اللي جوه ده وكل يوم يمشي يعاكس في بنات النساك ده مطلوب والحكومة عايزاه عشان كده إنت مهرب هنا صح وأكيد الرصاص اللي في جسمه ده من الحكومة.
مكرم:
وإن قلت لك آه كل الكلام اللي قلته صح هتعمل إيه؟
طارق:
هبلغ عنك أم النساك تتصرف معاك.
مكرم:
وإن قلت لك ما تهمنيش أم النساك وخاصة وأنا شككت الناس فيها أكتر من مرة ناحيتنا.
طارق:
كنت حاسس عشان كده كل ما تقول مشوا التجار الكل ما يصدقهاش. بس أنا بقى هقف معاها وأقول للناس كلها عن شركم.
مازن:
واضح إن تهمك أوي أم النساك بتاعتك.
طارق:
أصدق إيه؟
مازن:
قصدي إننا مش ضعاف وجوه عندنا بدل السلاح مية وكل الرجالة اللي بنجيبهم دول رجالتنا.
مكرم:
اسكت يا مازن.
مازن:
لا مش هسكت لأنك لو فتحت بقك هتكون آخرتك رصاصة وأم النساك اللي بتتحامى فيها مش هتكلفني غير طلقة واحدة بخمسة جنيه فأحسنلك حط لسانك جوه بقك واسكت ومادمنا ما قربنا لك خلاص إنت في حالك واحنا في حالنا.
طارق:
أنا حالي من حال النساك ومش هسيبكم تأذوهم مهما حصل.
مازن:
إنت عمرك ما كنت من النساك عشان تقول حالي من حالهم إنت زينا غريب عن أرضهم ولو عايزين نخدك نرجعك مصر تعالى معانا هنوصلك في سكتنا وهنديك فلوس ودهب وابعد عنهم وانساهم وإنسانا لكن هتخن مخك معانا يبقى ذنبك على جمبك وابقى سلملي على أم النساك قلت إيه.
طارق:
قلت لو حاولتوا تأذوا أم النساك مش هسكت لكم فاهمين وده آخر كلام ما بينا.
ثم تركهم ورحل.
ليقول مكرم:
واضح إن مش بس عبد الرحمن العاشق لأم النساك ده طارق كمان عاشقها وبيحبها هيّا بتعمل إيه للرجالة عشان يحبوها أوي كده.
رواية أم النساك الفصل الخامس عشر 15 - بقلم حياة محمد
أدم: وبعدين معاكي؟ زهقتيني. أهي عدت شهور، وموضوع سعاد اتنسى، حتى قانون أم النساك اتنسى. عايزة إيه؟
ميمي: أنا خايفة يا أدم. اشمعنى بس البت شمس دي؟
أدم: هبلتني، جننتني. أنتِ ما شفتيهاش؟ بدر منور، جمال ورقة، حاجة زي النسمة، وعينيها دايماً في الأرض.
ميمي: أنا عارفة ده كله، بت غلبانة وأهلها كمان غلابة.
أدم: وهو ده المطلوب. يعني أهلها على أدهم هيخافوا وهيسكتوا.
ميمي: مبلاش يا أدم، ابعد عنها.
أدم: مش قادر، هموت عليها.
ميمي: طب ما تتجوزها.
أدم: أتجوز مين؟ هو أنا فاضي أملى الجرة وأفضي الجرة؟ وبعدين دي هترفضني، أنتِ مش بتشوفيها بتبص ليا بخوف إزاي؟ وبعدين كل المطلوب منك تجيبيها معاكي عند البير الجديد، أهو موجود في حتة مقطوعة، والناس مش بتروح تملى منه.
ميمي: أجيبها لك وبس.
أدم: ومافيش مانع إنك توثقي اللحظة الحلوة دي بكام صورة عشان أهددها بيهم لو فتحت بقها. ما أنتِ فاهمة، هيا أول مرة، ماهو ياما عملتيها، قلتي إيه؟
ميمي: وأنا هستفيد إيه من كده؟
أدم: هديكي خمسميت حتة دهب، يعني حوالي اتناشر مليون، يعني حاجة ما كنتيش تحلمي بيها.
ميمي: إن كان كده ماشي. استناني أسبوع كده، هخرج معاها في كام حتة عشان تتطمن ليا، وبعدها هحدد لك ميعاد أجيبهالك.
أدم: ماشي.
وبعد عدة أيام
شمس: لا أعلم لماذا تصرين على أن نملأ الماء من هذا البئر يا ميمي.
ميمي: أنتِ عارفة ميته حلوة أوي، وأدينا كام مرة ملينا منه، وما حصلش حاجة.
شمس: أعلم، لكني لا أحب هذا البئر، بعيد وطريقه موحش. سأعود وأملأ من بئر قريب من أرضنا.
فوجدت من يسحبها من ذراعها ويقول: على فين يا حلوة؟ ده أنا ما صدقت إنك جيتي لحد هنا.
ثم دفعها إلى الأرض.
لتدرك شمس غدرهم. فتصرخ تستجير بأحد ينقذها، ولكن من لها في هذه الصحراء؟
إذا انتُهك الوطن، سهل انتهاك الجسد. فالشمس تتطلب الغوث، فمن يغيثها؟ حتى نادت: أجيريني يا ميمي. لكن ميمي أصمّت أذنيها وتركتها، فشمس هي صفقتها الرابحة. بعدها ترجع من حيث أتت محملة بكنز من ذهب النساك، دفعت مقابله شرف صبية صغيرة.
لتعود ميمي مسرعة، تجمع ملابسها وأموالها وذهبها لترحل، لكنها تفاجأت برحيل مكرم بالسيارة ليحضر بضاعته. أي كارثة هذه؟ ستضطر أن تبقى ثلاثة أيام حتى يرجع مكرم، لكن لا يهم، فبعد ثلاثة سترجع لديارها لتعيش ملكة تأمر والكل يطيعها.
أما أدم، فقد عاد منتشيًا، فقد حصل على هديته الشرسة، والتي كادت أن تهرب أكثر من مرة، وحتى أنها شجت رأسه بصخرة، ولم ينالها إلا بعدما أنهكها بلكماته القوية، لكن لا يهم، تستحق كل هذا العناء.
لكن سعادته لم تدُم طويلًا. فبعد ساعة واحدة، حاصر البيت والدكان مئات النساك، وهجم عليه عبد الرحمن ليضربه بكل قوته، ولم يتركه إلا وهو ينزف من كل مكان في جسده، بعدها حمله الرجال مقيدًا لساحة النساك.
بينما وقف مازن مرتعبًا يشاهد عبد الرحمن يضرب أخاه في عنف، ولم يقدر على فعل شيء سوى أنه سار ورائهم حتى وصلوا لساحة النساك.
وبعدما علم بجريمة أخوه، فانسحب مسرعًا وركب سيارته وانطلق مسرعًا ليلحق بأبيه ويخبره بالكارثة.
وبعد قليل، دخلت ميمي الساحة تصرخ بينما يحملها الرجال مقيدة مذلولة.
أدم: أنتُوا جايبني هنا ليه؟ أنا بريء، أنا ماليش ذنب، فكوني.
ميمي: منك لله، أدينا هنروح في داهية بسببك.
أدم: اخرسي أنتِ يا وش النحس يا بومة، أنا ما عملتش حاجة.
القاضي: أتنكر ذنبك يا أدم وقد قيدت ضحيتك بقميصك؟
أتنكر يا أدم والصبية تهزي باسمك واسم امرأتك فأنت شريكته في الذنب.
فتصرخ ميمي: أنا مالي؟ أنا ما عملتش حاجة، أنا بس وصلتها له، هو اللي عمل كل حاجة، أنا ماليش دعوة.
أم النساك: أنتِ شريكة تستحقين نفس العقاب، أعوذ بالله منكم.
أدم: هتعملوا فيا إيه؟ أنا بحذركم، أبويا مش هيسكت.
القاضي: ومن أبوك يا هذا حتى نمنع شرع الله من أجله؟ اعترف بذنبك.
اقترب طارق من أم النساك يرجوها: عشان خاطري يا أم النساك، أجّلي جلسة الحكم لحد ما مكرم يرجع.
أم النساك: لما أطلب منه السماح والموافقة على معاقبة الجناة.
طارق: مكرم مش سهل، ده ممكن يأذيكي.
أم النساك: أتخاف من عبد يا هذا؟ فأنت وشأنك، أما أنا فأخاف من رب العباد. سيدي القاضي، قل حكم الله فيهم واحكم بعدل الله.
أدم برعب: خلاص خلاص، أنا هعترف، أنا اعتد*يت عليها، بس أنا على استعداد أصلح غلطتي.
أم النساك: وكيف ستصلح خطأك؟ ستعيدها عذراء؟
أدم: لأ، بس هتجوزها.
أم النساك: وما علاقة الزواج بإصلاح الخطأ؟ ثم أتظن أن ترضى بك؟
أدم: دي تحمد ربنا إني رضيت أتستر عليها.
أم النساك بغضب: تتستر على من يا هذا؟ فصبيتنا مصلية، عابدة، حافظة كتاب الله، فمن أنت يا هذا حتى تتفضل عليها بعرضك الكريم؟
طارق: ده حل سليم، يتجوزها وبلاش تحكموا عليه لأنها هتبقى مراته.
أم النساك: ولما لم يتزوجها من البداية؟
أدم: أهو اللي حصل، جوزوها ليا وأنا هخلصكم من عارها، ونفض الليلة دي بلا محاكمة، يلا وجع دماغ.
أم النساك: نكافئك؟ نقدم ضحيتك هدية لك مكافأة على عملتك البشعة؟
طارق: يا أم النساك ما تكبريش الموضوع، عندنا بنلم الموضوع عشان الفضايح ويتجوز البنت وتنحل المشكلة.
أم النساك: أيّ عندكم؟ أوليس ربنا وربكم واحد؟ أوليس ديننا ودينكم واحد؟ أوليس الإسلام دين حق ونصرة للمظلوم؟ فكيف تقول تحل المشكلة يا هذا؟ أنت تطوع الشرع لهواك، والشرع منك بريء، وتقول عندنا.
أهكذا تُنتهك الحرائر عندكم؟ وكل من رفضته امرأة انتهكها حتى يأخذها مكافأة لفعلته بها؟ يا هذا، حتى سباع الصحراء لا تطبق قانونكم الجائر.
أدم: بابا مش هيسكت لكم، أنتُوا سامعيني؟ أنا قلت لكم أتستر عليها وأخلصكم من عارها، عايزين إيه تاني؟
والد شمس: قبّحك الله يا هاتك الأعراض، ما كانت ابنتي عاراً على أحد، بل أنت العار عليها. يا سيدي القاضي، اقتص لابنتي منه، أطلب حكم الله فيه.
أدم: هتعملوا فيا إيه؟ أنا بحذركم. وبعدين قصاص إيه؟ أنتُوا هتحكموا عليا بإيه؟
القاضي: يا أدم، خدعت أنت وامرأتك فتاة وصنعت بها ما لا يرضاه الله ورسوله. ما فعلتموه فساد في الأرض، ومصداقًا لقوله تعالى في حد الحرابة المذكور في قوله تعالى: "إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ" [المائدة: 33].
وقد حكمت عليك بالقصا*ص أنت وهذه المرأة شريكتك في ذنبك، فأحكم عليها مثلك.
توبوا لربكم فإنكم ملاقوه.
فبدأ يبكي أدم مثل الأطفال ويتذلل لهم لعلهم يعتقوه، لكن لا أحد يسمعه. وميمي تصرخ وتضرب نفسها.
ليقول أدم: سيبوني، أبويا مش هيرحمكم، سيبوني أعيش وأنا هبقى خدام تحت رجليكم. سيبوني وأنا هتجوزها وأستر عليها.
طارق: عشان خاطري بلاش تنفذوا الحكم، أو خلي القاضي يأجله شوية لحد ما مكرم يرجع.
أم النساك: من أنا لأمنع شرع ربي؟ والذي نفسي بيده، لا تغرب شمس اليوم إلا وقد أنصفت هذه الضعيفة.
أدم: هدفع لكم كل اللي تقولوا عليه بس سيبوني، وأنا هتجوزها وأستر عليها.
في هذه اللحظة، دخلت حلقة المحاكمة امرأة تجر ساقيها، ولتقول بصوت مهزوز من البكاء: لا تحتاج ابنتي لسترك يا تاجر، فقد سترها ربي بستر الموت.
لتجلس على ركبتها وتقول: غابت الشمس يا تاجر، وارتدت ثوب المو*ت، سيسترها التراب، ستقف اليوم أمام عزيز مقتدر تطلب القصا*ص. آه يا شمس قلبي، آه يا نار في جوفي لن تخمد أبدًا.
وبدأت تضع التراب على رأسها بينما ارتفع النحيب بين الواقفين.
ليقول القاضي: زادت ذنوبك ذنبًا أنت وامرأتك، فتوبوا لربكم واستغفروه.
ميمي: ده مش جوزي، أنا ماليش دعوة بيه، أنا عايزة أمشي من هنا، هو اللي إداني فلوس عشان أجيبهاله، ليه تحاسبوني بذنبه؟
القاضي: تقولين لست بزوجته؟ أعوذ بالله منك يا زا*نية.
خذوهم وأقيموا شرع الله فيهم. اقتصوا لمن غدروا بها بغير حق.
سحب الرجال أدم والذي كان يبكي ويرتعد، ولم تقو رجلاه على حمله، فحمله الرجال لساحة القصا*ص.
بينما تبكي ميمي وتصفع خديها، وبدأت تنادي على من تعرفه من الرجال: خدني معاك يا كارم، ما تسيبنيش يا حسن، هاعمل كل اللي أنت عاوزه بس خليهم يسيبوني، أبوس إيديكم ارحموني، أنا ما عملتش حاجة يا زاهر يا منعم الحقوني. وكلما نادت على رجل أخفض رأسه من العار، فأي عار أشد من أن تناديك زا*نية. حتى سحبوها الرجال.
بعدها اقتربت أم النساك من أم شمس وقالت بصوت حاولت أن يكون هادئًا وثابتًا: قومي يا أم شمس نجهز ابنتك قبل أن تغيب الشمس.
ثم سحبتها وساندتها إلى بيتها. ثم التفتت وقالت: جهزوهم وأهيلوا عليهم التراب فلن تخرج شمس مع غادريها أبدًا.
كانت ليلة قاسية جدًا على الجميع، لكنها انقضت ومرت، وفي اليوم التالي خرج طارق يبحث عن أم النساك فوجدها في مكانها المعتاد حين تكون مهمومة، وجدها تحت شجرة عند البحيرة. فاقترب وجلس بجوارها.
طارق: دورت عليكي كتير لحد ما لقيتك.
أم النساك: ما حاجتك يا غريب؟
طارق: كنت عايز أطمن عليكي، عاملة إيه؟
أم النساك: بخير.
طارق: خايفة.
فالتفتت له وقالت بقوة: ممن؟
طارق: من مكرم.
أم النساك: لا.
طارق: بس ده مش سهل، لا هو ولا ابنه.
أم النساك: .........
طارق: ما تستهونيش بهم، دول هددوني بالقتل قبل كده.
أم النساك: تخاف على نفسك؟
طارق: وعليكي وعلى النساك كلهم، مكرم مش هيسكت وهينتقم مننا، أنا خايف عليكي أوي.
أم النساك: إذاً وما الحل برأيك؟
طارق: مكرم راجل طماع، إديه فلوس كتيرة ودهب عشان نتقي شره.
أم النساك: أفقدت عقلك يا غريب؟ نعطيه المال مقابل ولده؟ أندفع له الدية وهم الغادرون؟
طارق: مش دية بس بنتقي شره.
أم النساك: لا يا غريب، لأننا نتقي الله وحده، "وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا".
وكأن طارق يعلم ما سيحدث، فقد استيقظ النساك على صوت ضرب نار ورأوا مكرم وولده كل منهم يقود سيارة نصف نقل، وفي الخلف يقف عشرون رجلًا مسلحين يضربون النار في الهواء، فخاف الجميع وساد الهرج والمرج والكل يجري ويختبئ، فمكرم لن يرحم أحد.
وقفت السيارتان بينما يصرخ مكرم: امسكوا كل الكلاب اللي في البلد دي، ما تسيبوش لا راجل ولا ست ولا عيل، امسكوهم كلهم.
ارتفع الصراخ بينما يقتحم المسلحون البيوت ويسحبون أهلها مثل البهائم. حتى أنهم لم يحترموا حرمة بيت الله فدخلوه بالسلاح يأخذون كل من استجار به. وكل من قاومهم أطلقوا عليه النار، فساد الرعب والذعر في قلوب الجميع، وقد ارتفع صراخ النساء وبكاء الأطفال، ورجال مكرم يجمعون الكل في الساحة الكبيرة بينما يصرخ مكرم: فين أم النساك؟ هاتوهالي متكتفة، أنا عايزها تحت رجليا بنت الكلب.
وبعد قليل عاد الرجال يمسكون أم النساك. بينما تقول بقوة: لا يمسني أحد فأنا أسير معكم وحدي.
وبالفعل سارت أم النساك في شموخ ورجال مكرم محاوطين بها. حتى وقفت أمام مكرم.
فنظر لها بعيونه الحمراء من الغيظ وقال: ابني فين يا أم النساك؟
أم النساك: ابنك بين يدي الله فادعوا له.
مكرم: عملتي فيه إيه؟ موتيه ليه؟
أم النساك: لم أصنع به شيئًا بل صنع بنفسه، ابنك غادر هاتك الأعراض.
مكرم: كان عمل إيه؟ نام مع واحدة؟ إيه يعني؟ تموتيه ليه؟
أم النساك: اصمت يا هذا، فأنا لم أقتله بل اقتصصنا منه.
فيضربها مكرم صفعة قوية حتى سال الد*م من شفاها. فمسحته بيدها وقالت بثبات: أنت قلت بيننا وبينك حد الله، فإن تعديته أنت أو أبناؤك نقتص منكم، فلم ترجع في كلمتك.
مكرم: اخرسي. مين أنتِ عشان تقتصي مني أو من ولادي؟ ده أنتُوا كلكم تحت رجليا، أفعصكم في ثانية، حتى كل الرجالة اللي حواليكي دول ورق، كانوا بيبوسوا إيدي عشان أرحمهم وأديهم شمة واحدة.
أم النساك: ومن أنت حتى ترحم أو لا ترحم؟ تظن نفسك وأبناؤك فوق شرع الله؟ لا والله، ابنك غدر بفتاة وقتلها، فكان عقابه بشرع ربي وأمره. لم أخطئ أنا ولم يخطئ النساك.
مكرم بغضب وهو يمسكها من يديها: تموتي ابني عشان خاطر حتة بت لا راحت ولا جت؟ طيب أنا هموتك زي ما موتي ابني.
أم النساك: لكل أجل كتاب، فليرحمني ربي.
مكرم: بقى مش خايفة؟ طيب أنا بقى هاخليكي تتمني الموت ومش هتلاقيه. أنا هعمل فيكي زي ما عمل ابني، ومش كده وبس، ده أنا هاعمل كده قدام كل أهل البلد، وبعدها هرميكي للرجالة دول يتسلوا عليكي واحد واحد.
ثم أشار للرجال: عروها.
فوقف الرجال خائفين من الاقتراب منها والكل ينظر للآخر.
فسحب مكرم غطاء رأسها بعنف فانكشف شعرها.
في هذه اللحظة، خاف الرجال، فبعضهم خبأ وجهه، والبعض حاول الجري، وهناك من نزل على ركبته ليقول مكرم ساخرًا: خايفين من إيه يا أغبيا؟ إن الأرض تنشق ولا صواعق تنزل من السما عشانها؟ أهي الأرض ما انشقتش ولا ضربنا البرق والرعد وما فيش صواعق نزلت من السما.....
يلا عروها أنا عايز كل البلد تتفرج عليها.
&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&
•
رواية أم النساك الفصل السادس عشر 16 - بقلم حياة محمد
الجزء الأخير
أهدِي هذا الجزء من الرواية لابني جمال (12 عامًا) ولأم حازم؛ لأنهم توقعوا نهاية الرواية توقعًا صحيحًا.
مكرم ساخرًا: خايفين من إيه يا أغبياء، إن الأرض تنشق ولا صواعق تنزل من السما عشانها؟ أهي الأرض ما انشقتش ولا ضربنا البرق والرعد، وما فيش صواعق نزلت من السما. يلا عروها، أنا عايز كل البلد تتفرج عليها.
فاقترب الرجال منها وجذبوا ثوبها الأسود فمزقوه، لين كشف ثوبها الداخلي الملون الجميل، وبان الحزام الجلدي حول خصرها. في حين أخفض النساك رؤوسهم، فاليوم لطخت رؤوسهم بالعار.
فاقترب مكرم منها وجذبها من جديلتها الطويلة وقال بسخرية: طلعتي مزة يا شيخة، ده أنا والرجالة هننبسط أوي، أخيرًا بقى لكي فايدة.
ثم وضع يده على مقدمة ثوبها حتى يشقه.
فقالت أم النساك: لم آمن على نفسي أبدًا وأنت هنا يا تاجر، فلم أعد أسير إلا ومعي سلاح.
قالتها وهي تسحب خنجرها من الحزام حول خصرها، وقبل أن يستوعب مكرم كلامها، كانت غرست الخنجر في بطنه.
لتقول بقوة: ما منعني رجالك أن أقتلك يا مكرم.
ليسقط مكرم على ركبتيه وقال لرجاله بصوت يئن من الوجع: اقتلوها، خلصوا عليها.
ولكن قبل أن يقترب منها الرجال، سقط رجلان قتلى، ليلتفت رجال مكرم في رعب، بينما يقتربوا من القتلى في يجدوا أحدهم مات برصاصة والآخر بسهم في قلبه، وقبل أن ينتبهوا، سمعوا سيلًا من الرصاص يطلق عليهم وعبد الرحمن على حصانه (الفتاك)، حصان أسود كالليل يجري كالريح بعيون لامعة كالشهب.
اخترق الفتاك الجموع، بينما زلزل قلوب الرجال صرخة عبد الرحمن: لبيك نصرة الحق، لبيك يا رب.
وكأن صرخته أيقظت الهمم النائمة وأشعلت النار في قلوب خامدة، فقام الجميع مرددًا: لبيك نصرة الحق، لبيك يا رب، ليهاجم الرجال بأيديهم الخالية رجال مكرم المسلحين.
ورجال مكرم يطلقون الرصاص بعشوائية، فيسقط الرجال ولكن لا تسقط الهمم، فالغادر يطلق رصاصة يقتل رجل، لكن في لحظة يحاوطوه عشرة رجال، وقبل أن يضرب الثانية، يجد نفسه في الأرض والكل يضرب فيه. فالصغار تقذف الحجارة والرجال تضرب بالصخور، وحتى النساء تشق غطاء رأسها وتخنق به الأعداء أو تربط به أرجلهم.
أما أم النساك فقد حملها عبد الرحمن على ظهر حصانه ليخترق الجموع ويرجع بها، دون الاهتمام لطلقات الرصاص التي أطلقوها عليه، ليقف الحصان ويسقط عبد الرحمن قبل أن تنزل أم النساك، والتي صرخت مستنجدة لتجد طارق أمامها ومعه سلاح يصوب به على كل من يقترب منهم.
أم النساك: أجرنا يا غريب، أرجوك.
فاقترب طارق من عبد الرحمن ليجده يأخذ أنفاسه الأخيرة والدماء تسيل من كل مكان بجسده.
طارق: متخافش يا عبد الرحمن، هتبقى بخير.
عبد الرحمن: أم النساك... أجر... أم النساك.
لتقترب منه أم النساك وهي تبكي: أنا معك عبد الرحمن، لا تخف علي.
عبد الرحمن: أخفي شعرك أم النساك، لا تجعلي آخر أعمالي ذنب.
فخلع طارق ثوبه فالتفت به أم النساك، وبعدها اقتربت من عبد الرحمن لتقول ببكاء: تماسك عبد الرحمن، ستكون بخير إن شاء الله.
عبد الرحمن: ما بال النساك؟
طارق: متخافش يا عبد الرحمن، أخيرًا فاق النساك ووقفوا ياخدوا حقهم بإيدهم.
عبد الرحمن: الحمد لله.
أم النساك: سآتيك بالحكيم يداوي جروحك.
عبد الرحمن: لا يا أم النساك، ما بقى بالعمر إلا ثواني، كنتي عادلة مع كل الناس إلا أنا.
أم النساك ببكاء: لا عبد الرحمن، لا تحملني ذنبك.
عبد الرحمن: وهل العاشقين ذنب إلا الهوى؟ أنصفت الكل وجيرتي علي.
أم النساك: آثرت وحدة الصف ومنع تشتت الرجال وضحيت بك، فحليني من ذنبك.
عبد الرحمن: ما عليكي ملامة يا أم النساك، لكن لا تظلمي نفسك من أجل النساك، لا تحرمي نفسك الحياة، كوني كما عهدتك في شموخ الجبال ورقة الزهور، عيشي سندًا وأمًا للنساك، لكن لا تنسي نصيبك من الدنيا.
أم النساك: أرجوك عبد الرحمن، ارتاح.
بعدها سمعوا تكبيرات عالية.
فقالت أم النساك بسعادة: لقد نصرنا الله على من أراد بنا سوء.
عبد الرحمن: الحمد لله الذي جعل نصره آخر عهدي بالدنيا.
أم النساك: عبد الرحمن.
عبد الرحمن: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، رضيت بالله ربًا و...
فتصرخ أم النساك: عبد الرحمن، عبد الرحمن، آه يا عبد الرحمن.
طارق: الصبر عند الصدمة الأولى يا أم النساك.
أم النساك: إنا لله وإنا إليه راجعون، أستغفرك ربي وأتوب إليك.
طارق: قومي يا أم النساك نشوف حصل إيه للنساك، دول محتاجينك دلوقتي، قومي وخليكي زي ما اتعودنا عليكي قوية.
أم النساك: اسبقني يا غريب وسألحق بك.
فيتركها طارق جالسة بجوار جثمان عبد الرحمن.
قليلًا بعدها مسحت دموعها وقامت رافعة رأسها في عزة، تسير خطوات واثقة إلى أن بلغت ساحة النساك، والتي كانت مفروشة بالجثث، فقد راح الكثير الكثير من النساك رجال ونساء وأطفال. لكنهم قضوا على كل أتباع مكرم. وقفت أم النساك تشاهد كل هذا القدر من الخراب لتكبر بصوت عال. فرد عليها النساك التكبير، لتقول بصوت واثق: انظروا أمرهم، واحد واحد، داووا المصاب منهم واستروا الموتى وترحموا على الجميع، فهم بين يدي عزيز مقتدر.
فدار النساك بين الجميع، بينما علا صوت النحيب، فما من بيت إلا وراح منه رجل أو شاب أو صغير.
هكذا حالنا، نحزن ونحزن وبعدها تستمر الحياة، وهذا حال النساك، عادوا نساكًا، يأكلون كالنساك، يلبسون كالنساك قديمًا، يحيون حياة النساك قديمًا، ولكن قلوبهم هل عادت كقلوب النساك قديمًا؟
طارق: تصدقي إني بقيت أحب المكان ده زيك، ولما أحس بضيق أجي أقعد هنا.
أم النساك: أهلًا يا غريب.
فاقترب وجلس بجوارها وقال: فعلًا، شكل مية البحيرة الصافي وشجر الصفصاف والتوت على الجانبين حلو أوي. طيب ممكن أعرف ليه مهمومة كده؟
أم النساك: عندما يملأ القلب الألم، فما ترى العين إلا الحزن، وما تحمل النفس إلا الهم.
طارق: ليه يا أم النساك؟ ما خلاص ربنا رفع عنا الغمة ورجعت كل حاجة لأصلها.
أم النساك: أو عاد كل شيء على أصله؟
طارق: ليه بتقولي الكلام ده؟
أم النساك: يحملني النساك ذنبهم، يحملوني مسؤولية ما حدث لهم.
طارق: وأنتِ مالك؟ أنتِ أكتر واحدة طالبتي بطرد التجار وكلهم عارضوكي.
أم النساك: لا يسأل الشاة لما هاجمها الذئب، بل يسأل الراعي لما غفل عن غنماته. لا يعترفون أن الذئاب لا تهاجم إلا الشاة الشاردة.
طارق: أنتِ ما غلطتيش في حق حد، أنتِ حاولتي كتير وكنتي هتدفعي الثمن غالي أوي قدامهم كلهم، أوعي تلومي نفسك.
أم النساك: شكرًا لك يا غريب.
فابتسم طارق وقال: بتشكريني؟ أخيرًا قلت حاجة عجبتك.
فالتفتت له أم النساك لتنظر لعينيه وتقول: أشكرك على مساندتك لي دائمًا. أشكرك لأني أجدك كلما احتجت إليك. أشكرك لأنك أنقذتني من مكرم. أشكرك لأنك...
ليقاطعها ويقول: وهل يشكر العاشق أنه لعيون عاشقة هائم؟
فابتسمت له أم النساك لتنظر لعينيه لثوانٍ بعدها قالت: تاقت نفسي لتذوق قبلتك.
طارق بصدمة: بتقولي إيه يا أم النساك؟ أنتِ عايزاني؟
فهزت رأسها بالإيجاب.
فأكمل طارق: أنتِ، أنتِ عايزاني أبوسك؟
أم النساك: أحبك يا غريب، أحبك.
طارق: أنتِ بتتكلمي بجد؟ قوليها تاني. عشان خاطري تاني، أصلي مش مصدق وداني.
فابتسمت أم النساك بخجل ثم قالت: أحبك يا غريب، أحبك يا طارق.
فلم يصدق نفسه، فمال عليها ملتقطًا شفاها ليهيم بين السحب الوردية في حلم من الخيال، وهو يشعر بتجاوب أم النساك معه، ليتركها بعد ثوانٍ لينظر لوجهها المضرج بحمرة الخجل، لتنظر له وتقول بضعف: خذني معك يا غريب.
طارق: أخدك فين؟
أم النساك: ارحل بي بعيدًا عن أرض النساك، خذني معك لبلادك.
طارق بدهشة: نرجع مصر؟ طب والنساك؟
أم النساك: خذني بعيدًا عن هنا يا غريب، كرهت كل شيء هنا، كرهت الأرض والأشجار، كرهت البحيرة والجبال، كرهت الناس، كرهت كوني أمًا للنساك. كرهت حملهم الثقيل، أنا بشر ولي طاقة وقد استنزفوا كل ما لدي، أريد أن أرتاح.
طارق: طيب لو مشينا، النساك هيعملوا إيه؟
أم النساك: لا يهمني، فليدبروا حالهم بنفسهم. وهنيئًا لمن طمع بحكمهم، أما أنا فزاهدة كارهة. يا حر قلبي على حال النساك، ما عاد النساك نساكًا، وما بقي بيننا النسك.
طارق: ليه بتقولي كده؟
أم النساك: أتعلم يا غريب أن هلك أكثر من خمسين شاة وسبعة بقرات.
طارق: ليه؟
أم النساك: كانت هذه الأنعام هبة مني لإكرام حفظة القرآن، والآن ما عدنا نكرم حفظة؛ لأن الصغار انشغلوا بألعاب التجار، وانشغل الأهل بما يشتروه من التجار، فهلكت الأنعام حزنًا على حالها.
طارق: وهي البهائم بتموت من الحزن؟
أم النساك: يا غريب، ربك قال: ((يمحق الله الربا ويربي الصدقات)) وهذه الأنعام كانت هبات في فعل الخير. يا لهف قلبي، سيقال هلك النساك في زمن أم النساك. سيقال آخر عهدنا بالنسك عندما حكمتنا أم النساك. وتريدني أبقى؟ خذني معك يا غريب، خذني من هذه الأرض.
طارق: يعني بتتكلمي بجد؟ هتقبلي تعيشي معايا هناك؟ ده أنا...
ده أنا هعيشك ملكة، هشتغل ليل نهار، هعمل المستحيل عشان أوفر لك كل احتياجاتك، وأجيب لك كل اللي نفسك فيه، وعمرك ما هتندمي. بصي، هاخد عربية من اللي مركونين وهاملاها بالمية والأكل، وهنهرب بالليل وهما نايمين، والصبح مش هيلاقوا لنا أثر.
أم النساك: ليس عليّ ذنب كي أهرب يا غريب، بل سأرحل أمام الجميع.
طارق: أنا فرحان أوي، مش مصدق إنك هتيجي معايا، مش مصدق إنك قبلتي تتجوزيني وهتعيشي معايا.
بعدها سمعوا من بعيد صوت بينادي: أم النساك يا أم النساك، أغيثي النساك يا أم النساك.
أم النساك: ما الأمر يا امرأة؟
المرأة: يتعارك النساك في السوق.
أم النساك: لِمَ؟
أحدُهم أخذ غنيمة من بيت التاجر وأرادها الآخر، فتشاجروا عليها وتشابكوا بالأيدي، وكل يعاونه أتباعه، والآن يكاد يقتل النساك بعضهم.
فقامت أم النساك مسرعة الخطى يتبعها طارق والمرأة حتى وصلوا للسوق، فوجدت ما أحزن القلب وأدماه. فالكل يضرب في الآخر بكره، والكل يسب في الآخر.
فنظرت لطارق بألم وكأنها تقول: انظر يا غريب، قلوب النساك ما عادت كما السابق.
وبدأت تسير بين الرجال المتعاركين وهي ترى الدماء تسيل من الاثنين، وتقول: "الله أكبر". فلم ينتبه لها أحد، فبقوة لا تدري من أين أتتها سحبت الرجلين، ففرقت بينهم وصرخت بأعلى صوتها: "الله أكبر".
فبدأ الرجال يتوقفون وبدأ العراك يهدأ حتى صمت الكل. فقالت أم النساك: أتباهى بكم يا عباد الله وأنا أرى دماءكم تسيل بأيدي بعضكم. أكاد أعانق السماء فخرًا بكم. أروني ما تصارعتم لأجله.
فأخرج أحدهم من جيبه هاتف محمول فرغ شحنه.
فقال أحدهم: أنا أحق به منه، فقد مات أبي وعمي وأصيب ابني، أما هو فمات أخوه فقط، فأنا أحق.
الآخر: أنا من وجدته في بيت التاجر، فهذه غنيمتي وحدي.
تمسك أم النساك الهاتف باستحقار وتقول: على هذا يتصارع النساك؟ أدماء أهلكم وأرواحهم تقاس بهذا؟ بئس الرجال أنتم، ليتها يبست بطون أمهاتكم ولا نرى يومًا يتصارع النساك من أجل هذا...
ثم التفتت لشاب وقالت: عبد الرحمن.
فقال لها الشاب: لقد مات عبد الرحمن.
أم النساك: أعلم، لكنك من اليوم صرت عبد الرحمن.
فكاد الشاب أن يقفز من الفخر والسعادة أن جعلته أم النساك في مكانة عبد الرحمن، رجل العدالة والأمن.
أم النساك: أشعل نارًا ببيت التاجر، ومر بين البيوت وقل: أمرت أم النساك بحرق كل ما أتى به التاجر في أرضنا، واجمع من البيوت كل ما اشتراه الناس من التاجر.
الشاب: بأمرك أم النساك.
فأكملت: ما عرفنا الجوع إلا عندما أغرونا بطعامهم، ولا عرفنا المرض إلا عندما أذلونا بدوائهم، ولا عرفنا الخوف إلا عندما رفعوا علينا سلاحهم، وما أدركت كمالنا إلا عندما رأيت نقصهم، فأحرق كل ما أتوا به فلا نحتاج لهم.
فارتفعت ألسنة النيران الكبيرة تأكل كل ما أحضره التجار من ملابس لوجبات لألعاب لسلاح.
ليقول الشاب: لقد خربت إحدى السيارات وبقيت واحدة.
أم النساك: دعها واملأها بالطعام والماء، فهي للغريب.
فابتسم طارق لكن اختفت ابتسامته عندما قالت له أم النساك: ارحل عن أرضنا يا غريب، ارحل عن أرضنا.
طارق: إنتي بتقولي إيه يا أم النساك؟
أم النساك: ارحل عن أرضنا، فأرض النساك لا يدخلها أحد.
طارق: بس أنا واحد منكم.
أم النساك: ما كنت واحدًا منا قط، كنت غريب وبقيت غريب، وأرض النساك لا يدخلها غريب ولا يخرج منها غريب، فارحل من أرضنا يا غريب.
طارق: لا يا أم النساك، متسبينيش يا أم النساك، أرجوكي يا أم النسااااااك.
ثم نظر فوجد الكل ينظر له بدهشة، فالتفت حوله فوجد نفسه في الأتوبيس وشهد تنظر له بدهشة وتقول: مالك يا طارق ومين أم النساك دي؟
فدار بعينيه في كل مكان ليدرك أن أرض النساك وأم النساك ما كانت إلا حلم طويل.
النهاية.