تحميل رواية «الطبيب العاشق» PDF
بقلم منة جبريل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
لم ينعم بقسط من الراحة منذ يومين والآن يحاول جاهدًا التخلص من أرقه والنوم بعد بقائه مستيقظًا ليومين متتاليين بسبب أعماله الكثيرة. وأما عن راحته الآن فهي بسبب عودة صديقه من السفر ليحمل من عليه بعض أعمال الشركات. فتحت باب غرفته بهدوء، وجدته نائمًا وعلى وجهه علامات الإرهاق. ابتسمت بحنان لأخيها واقتربت منه برفق حتى لا يستيقظ وقبلت رأسه بحنان وغادرت. بينما كان هو يشعر بها وهي تقبله وابتسم بداخله، لكنه لا يستطيع أن يفتح عيناه حتى. ودقائق وذهب في ثبات عميق مرة أخرى. *** وفي الشركة، يجلس على مكتب صديقه...
رواية الطبيب العاشق الفصل الأول 1 - بقلم منة جبريل
لم ينعم بقسط من الراحة منذ يومين والآن يحاول جاهدًا التخلص من أرقه والنوم بعد بقائه مستيقظًا ليومين متتاليين بسبب أعماله الكثيرة.
وأما عن راحته الآن فهي بسبب عودة صديقه من السفر ليحمل من عليه بعض أعمال الشركات.
فتحت باب غرفته بهدوء، وجدته نائمًا وعلى وجهه علامات الإرهاق.
ابتسمت بحنان لأخيها واقتربت منه برفق حتى لا يستيقظ وقبلت رأسه بحنان وغادرت.
بينما كان هو يشعر بها وهي تقبله وابتسم بداخله، لكنه لا يستطيع أن يفتح عيناه حتى.
ودقائق وذهب في ثبات عميق مرة أخرى.
***
وفي الشركة، يجلس على مكتب صديقه بعدما أصابه الكسل من نقل ما به من ملفات إلى مكتبه.
وبينما يراجع الملفات سمع طرقات على الباب فأمر بالدخول.
لتدلف سكرتيرة صديقه والتي كانت واجهة للشركة، جميلة وأنيقة دائمًا.
نظر إليها متحدثًا بجدية:
_ قولي اللي عندك.
قلت تحدثه بعملية وهي تنظر إلى لوح ذكي في يدها:
_ في اجتماع مع العملاء الألمانيين على الساعة التاسعة واللي المفروض السيد ريان يكون حاضر فيه. أأجل الإجتماع؟
ليجيبها بجمود:
_ لا، أنا هحضر الاجتماع وبلغيهم أنه الساعة العاشرة.
_ مفهوم، تطلب حاجة؟
_ لا، ومش عايز إزعاج لحد وقت الاجتماع.
أماءت منصرفة، ليتنهد من كم الملفات التي تقبع أمامه.
وما كاد يعود لعمله حتى فتح باب المكتب فجأه بقوة ودلف شخص وعلى وجهه ابتسامه كبيرة وهو يتقدم منه بخطوات واسعه.
_ والله واحشني وما أنت قايم من مكانك و...
أنا ماشيت.
تحدث بسرعة قبل أن يغير حديثه وهو يراقب ملامح الآخر المتجهمة، ليقف متنحنحًا ثم قال:
_ الحمدلله على سلامتك يا هشام باشا.
_ الله يسلمك، يا ريت نعقل ونبطل دخول الحيوانات دي. أنت كبرت يا بيجاد على الحركات الغير عقلانية دي.
تجاهل بيجاد حديثه واقترب منه يعانقه قائلًا:
_ السكرتيرة دي مطولة هنا؟
شبه أنثى الببغاء.
أو نظر له هشام مبتسمًا قبل أن يقول بملل:
_ صاحبك لسه منتهاش منها. المهم أنت أخبارك في شغلك إيه؟
رد بيجاد بغيظ:
_ اللواء بعد ما جيت من المهمة وأنا ورب الكعبة جسمي يطالب بالراحة بس هو يهتم... لا والله، يقولي تعالى ياسيادة الرائد معاك مهمة تانية ومفيش حد أكفأ منك يقوم بيها.
أنهى حديثه مقلدًا اللواء في طريقة حديثه.
ضحك هشام بخفة على معاناة صديقه في العمل مردفًا:
_ معلش استحمل ما احنا قولنالك شغل المخابرات ده مش سهل بس انت عامل فيها هولاكو.
أردف بيجاد بثقة:
_ لو على الشغل فأنا قدها وأكتر، بس المُتعب لما مهمة ورا مهمة وكأنهم ما بيصدقوا يلاقوا واحد ماهر في شغله فيستنزفوا طاقته وفي الآخر يفضلوا يصيحوا ويدوروا في البلد على شخص ماهر تاني.
_ ربنا معاك.
تحدث هشام مختصرًا حديث سمعه مئات المرات من صديقه الذي لا يتوقف عن التذمر.
لينظر له بيجاد ثم ضحك بقوة.
ليسأله هشام:
_ بتضحك على إيه؟
أجابه بيجاد ضاحكًا:
_ يعني أول ما جيت من السفر استلمك وسلّمك الشغل.
تنهد هشام مردفًا يعود للنظر إلى ملفاته:
_ بالعكس، أنا اللي قولتله يروح يرتاح مع إنه كان رافض علشان يخلص اللي وراه. شخص مهمل في نفسه بطريقة مش طبيعية ده ليه يومين منامش ولا ارتاح من الشركة للمستشفى ومن المستشفى للشركة.
بيجاد بشفقة على صديقه الآخر:
_ ربنا يكون معاه، بس متنساش ده الذئب يعني عمره ما يتعبه.
شام بتأكيد على كلامه:
_ أكيد. المهم توكل على الله أنت ورايا شغل كتير ومش فاضيلك.
نظر له بيجاد متحدثًا باستنكار:
_ هو أنا بنطرد؟!!
_ ده اللي حصل فعلًا.
رفع بيجاد رأسه متحدثًا:
_ ولا كأني سمعت حشرة متحدثة. المهم... هعدي عليك بالليل نروح للذئب مع بعض، اتفقنا؟
همهم هشام دون رد.
ليقول بيجاد بإصرار:
_ اتفقنا؟؟؟
_ اتفقنا يا ابني امشي بقى، إيه القرف ده.
رمقه بيجاد بغيظ ليمسك قلم من على سطح المكتب وألقاه في وجه هشام.
وفي اللحظة التي بعدها كان قد تبخر من المكتب.
ليتنهد هشام وعاد يركز على عمله.
***
في المساء.
ذهب كل من هشام وبيجاد إلى صديقهم الثالث.
ليجتمع أضلاع مثلث الصداقة أخيرًا بعد أشهر من سفر اثنين منهم وانشغال الثالث في الأعمال.
وبينما يجلس برفقة شقيقته التي سافر بها بعيدًا عن عائلتهم، ومكثوا هنا ليقوم بالإعتناء بها والإهتمام بها وتلبية كل رغباتها.
تحدثت شقيقته كيان معاتبة له:
_ يومين مش أشوفك فيهم يا أبيه! ليه؟
_ ما هو لو حضرتك تشيلي المسؤولية شوية وتطلعي على الشركة كنتي هتشوفيني، إنما الآنسة مش فاضية من النوادي والحفلات.
أعادت خصلاتها إلى الخلف متحدثة بغرور مفتعل:
_ أعمل إيه يعني... دعوات كتير بتجيني ومينفعش أرفضهم كلهم لإن ااطبقة المخملية بين النساء تحدي يا أبيه.
رمقه بجدية متحدثًا بتنبيه:
_ وأنتِ غير النساء يا كيان. حضورك لحفلة أحدهم ده يعني بتديه مقام أكبر منه. قولتلك أنتِ ليكِ حفلات أصدقائك المقربين وحفلات الأعمال غير كده لا، مش ناقصين تلزيق من رجال وسيدات الأعمال.
قبلته من وجنته بقوة مردفة بعد أن استشعرت ضيقه:
_ حاضر يا أبيه، هعمل اللي أنت عايزه، بس النوادي براحتي فيها.
تنهد مرددًا:
_ براحتك، بس مش عايز أعرف إن اتحدد ليا لقاء مع سيدة أعمال من طرفك.
ضحكت بخفة.
وهي من كانت تستغلها سيدات الأعمال للتقرب من أخيها أو إبرام صفقة معه.
لتقترب منهما خادمة وهي تقول باحترام:
_ السيد هشام والسيد بيجاد وصلوا.
_ هشام رجع؟
_ وبالنسبة لبيجاد إيه؟ كيس بطاطا.
ضحكت كيان وركضت إليه تعانقه.
ليستقبل عناقها بضحكات وهو يدور بها.
ثم أوقفها وناولها علبة حلوى مرددًا:
_ أحلى حلويات لعيونك.
صفقت بمرح وأخذتها منه وهى تشكره:
_ شكرا يا سيادة الرائد.
ل يأتيها صوت هشام الضجر:
_ خلصتوا؟
ضحكت كيان واتجهت له تعانقه.
ليربت هشام على رأسها ثم أهداها هدية مرددًا:
_ اتفضلي.
لكل هذا تحت أنظار ذلك الذئب الذي ينظر لهم بهدوء.
فهذا بيجاد ابن عمه وصديقهما هشام الذي تعرفا عليه منذ سنوات كثيرة.
اقترب منه بيجاد يهم لمعانقته مرددًا:
_ أخبارك إيه يا ذئب؟
أوقفه بعيدًا عنه مرددًا:
_ كويس من بعيد. عملت إيه في الشغل يا هشام؟
تشنج وجه بيجاد وقال بينما يتجه للجلوس بجانب كيان:
_ تبًا لك ولأمثالك.
ضحكت كيان بخفوت.
بينما قال هشام بجدية:
_ بعتلك إيميل بكل الشغل اللي محتاجك، أما الباقي خلصت منه.
_ بقولك يا ريان....
دارت عيناه ببطء نحو بيجاد الذي ابتسم باستفزاز مرددًا:
_ لا خلاص غيرت رأيي. أنا لا أتحدث مع أمثالك، دودة عمل حقيرة.
شرقت كيان في ما تأكله من شدة ضحكها وهي تعلم ما الآتِ.
وهو صياح بيجاد يطلب المساعدة من هشام على أن يخلصه من ريان الذي يكاد يخرج بروحه بينما يضع سكين فاكهة على رقبته.
طبيب ماهر في التشريح سيكون أبسط شيء يقوم به هو شق حنجرته.
ورجل أعمال شهير مالك لأكبر الشركات عالميًا سيسهل عليه تخبأة جثته دون عناء فالمال... يغطي عفن الجثث!
بعد وقت طويل تسامروا فيه معًا، نهض بيجاد وهشام بعد ذهاب كيان إلى النوم.
يعيشان معًا في فيلا واحدة فكليهما بعيد عن عائلته أيضًا.
تحدث هشام بهدوء شديد:
_ ارتاح اليومين دول وأنا ههتم بالشركة، وكمان بيجاد.
نفى ريان برأسه متحدثًا بغموض:
_ لسه وقت الراحة، في شغل لازم أخلصه.
نظر له بيجاد يحاول معرفة ما يدور بذهن الآخر من معالم وجهه.
ليرمقه ريان بنظرة باهتة وهو يريح ظهره على المقعد، متحدثًا:
_ خلصت؟ مهارات شغلك مش عليا.
تحدث بيجاد مقلدًا إياه بسخرية:
_ مهارات شغلك مش عليا.... أمال على أمي؟ ما هي على أمثالك من المخادعين.
_ امشي يا بيجاد مش ناقص.
تحدث بيجاد بينما يدفع هشام بخفة أمامه:
_ يلا يلا يا هشام علشان لو قعدت أكتر من كده هرتكب جناية هنا... مغرور.
تحدث ريان بثقة معتاد عليها مرددًا ببرود:
_ عارف.
قال هشام بجدية:
_ خلاص هستناك بكرة ونشوف ناوي على إيه يا ذئب.
لمعت أعين ريان بمكر:
_ على كل خير.
ثم نظر إلى بيجاد مكملًا بجدية:
_ وأنت كمان عايزك موجود معاه علشان محتاجك.
أومأ له بيجاد بهدوء ثم انصرفا.
لينهض ريان متجهًا إلى غرفته.
وقبل أن يدلف إليها مرّ على شقيقته ليجدها نائمة.
ابتسم وتقدم منها وقام بدثرها جيدًا بالفراش لبرودة الأجواء قليلًا وقبل رأسها بحنو.
ثم ذهب إلى غرفته التي يغلب عليها الطابع الرجولي واللون الأسود الداكن.
جلس على فراشه ووضع حاسوبه على قدمه يتطلع إلى إنهاء الأعمال التي أرسلها له هشام قبل نومه.
كانت حياتهم تسير بروتين ومشاكل معتادة يتعاملون بها بهدوء وملل، غافلين عن قدر آتٍ يحمل معه حقيبة مليئة بما لم يتوقعوه.
***
انتهى الليل بهدوء واختفى القمر وظهرت الشمس تعلن عن بداية يوم مؤلم لبعض وخوف لبعض وإرهاق لآخر.
في حي من أحياء مصر الراقية، في منزل جميل يختبئ خلف جدرانه معاناة عائلة.
يجلس بداخله رجل في منتصف عقده الرابع تقريبًا يجلس وهو يعد أموالًا كثيرة أمامه والجشع يلمع بعيناه.
وفي أحد غرف المنزل، نجد شابًا في أواخر العشرين من عمره بملامح هادئة جميلة كشخصيته تمامًا.
يوقظ شقيقته الصغرى ليذهب إلى مدرستها الثانوية.
_ يلا يا بنتي هتتأخري على الشغل.
تحدثت بنعاس وصياح لا تتوقف عنه:
_ أنا تعبت من الثانوية يا إياد، خرجني منها وأنقذ أختك.
ضحك إياد ومسح على شعرها المشعث بسبب النوم:
_ آخر سنة يا حبيبتي، يلا علشان أوصلك.
نظرت له شقيقته الأخرى وهي تضيق عينيها الجميلتان:
_ وبعدين يا إياد هتفضل تدلعها لحد امتى؟
نظر لها إياد واردف مبتسمًا بحنان:
_ الأميرات حقهن الدلال، وأنتن أميرات.
تحدثت الشقيقة الثالثة ضاحكة:
_ آه، اتكلم فصحى يعني هيثبتنا.
ضحكن معًا.
لينظر لهن إياد مردفًا بغيظ:
_ لا بقولكم إيه... مش فاضي للدلع ده، يلا يا بت أنتِ قومي علشان ثانويتك، وأنتوا هجبلكم الفطار اتهدوا بقى.
ضحكن على شقيقهن الأكبر وأبيهم أيضًا.
فهو من عوضهم عن حنان الأب بدلًا من ذلك الرجل الذي لا يهمه شئ سوى المال ومعاملته السيئة لهم بعد موت والدته.
نهضت شقيقتهم الصغرى أريب وقبلت وجنة شقيقاتها وشقيقها ودلفت إلى المرحاض حتى تجهز لمدرستها.
أما إياد فذهب ليعد الفطار لأختيه المريضتين ولا يستطيعان السير.
انتهوا من طعامهم وذهبت أريب إلى مدرستها.
وجلس إياد قليلًا مع آية وحوراء ثم ذهب إلى العمل مع تنبيهاته بأنهما إذا احتاجتا شيئًا يتصلان به على الفور.
غادر وقلبه منقبض لا يعرف السبب.
هو دائمًا يذهب إلى العمل ويقلق على إخوته ولكن هذه المرة غير.
هذه المرة يشعر بألم في قلبه.
طمأن نفسه قليلًا وقال الآية التي طمأنته بعض الشيء:
"قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ".
بعد ما غادر أخيهم جلستا يتحدثان سويًا وبداخل قلب كل منهما قلق أخفته عن أختها.
وبعد نصف ساعة دخل عليهما والدهما، ذلك الرجل البغيض والجشع متحدثًا بصرامة:
_ حوراء، البسي حجابك يلا خارجين.
دق قلب كل من حوراء وآية بالقلق والخوف.
وكانت آية تكاد تبكي بسبب خوفها على أختها.
ليقاطع تفكيرهما صوته الغليظ:
_ يلا متتأخريش.
وخرج من الغرفة.
لتقول آية بقلق وخوف:
_ هيكون عايزك في إيه يا حوراء، أكيد ناوي على حاجة وأنا مش مطمنة.
حوراء بخوف هي الأخرى وبرغم شعورها السيء ولكن طمأنت نفسها أنه والدها ولن يفعل لها شيئًا.
وأردفت بثبات كاذب:
_ متخافيش أكيد عايزني في حاجة.
قاطع كلامهما صوت امرأة كبيرة في السن دائمًا تأتيهم وتطمئن عليهم.
أحبوها كثيرًا ويتخذونها مثل والدتهم التي حرموا منها.
اقتربت المرأة من حوراء وهي تنظر لها بقلق.
وهي على علم بجشع وتعامل والدهم السيء معهم:
_ متعرفيش أبوكِ هيوديكِ فين يابنتي؟
هزت حوراء رأسها نافية وطمأنتها أنه لا بأس ورُبما هناك شيء ما يحتاجه والدها فيه.
فساعدتها المرأة في تبديل ملابسها وهي تدعو الله بأن يحميها.
وبعد دقائق دخل إليهم والدهم وهو يقول لكي لا يشك به أحد متحدثًا بحنان زائف:
_ متخافيش يابنتي أنا هوديكِ لمركز علاج طبيعي كويس شوفته من فترة علشان تتحسني شوية وتقدرى تمشي على رجلك من تاني.
وهنا زاد قلقهم.
فمنذ متى وهو يعاملها بحنية أو يقول لها ابنتي؟
بل منذ متى وهو يصرف شيئًا عليهم.
منذ متى وهو يهتم لمرضهم حتى؟
طمأنتها أمينة تلك المرأة الحنونة أنه والدها ولن يفعل لها شيئًا.
وأخبرتها أنه من الممكن أن الله قد هداه وندم على أفعاله ويحاول إصلاحها.
ولكن كل هذا لم يطمئن قلب تلك التي تتآكل خوفًا على أختها.
بعد قليل من الوقت أخذها والدها وغادر بها تحت بكاء آية خوفًا عليها.
أما حوراء لم تنزل دمعة واحدة منها رغم خوفها الكبير.
بعد بكاء ونحيب من آية وأمينة حتى انتفضت آية كأنها تتذكر شيئًا وأردفت وهى تقول بصوت مختنق بسبب البكاء:
_ إياد... إياد لازم يعرف، أنا مش مطمنة.
وأخذت هاتفها وهاتفت أخاها الذي لم ينتبه على رنين هاتفه.
مرة بعد مرة حتى أكملت العشر مرات وهي تكرر الاتصال به.
وأخيرًا لاحظ هاتفه الذي كان يضيء برنين من أخته وهو في وضع صامت.
كاد أن يرد ألا إن الاتصال انتهى.
فصدم بشدة من كم الاتصالات ودق باب قلبه الخوف والذعر على إخوته.
ل يعاود الاتصال بها وأردف بخوف عندما سمع بكائها:
_ آية حصل إيه.... في إيه حصل حاجة؟
ولكن لم يأتيه رد.
فأردف مسرعًا وهو يلملم أشياءه:
_ اهدي، أنا جاي دلوقتي.
وأغلق هاتفه واتجه نحو منزله الذي يبعد عن مكان عمله ربع ساعة على الأقل.
فهو اختار عمل قريب من منزله حتى يساعد إخوته إذا احتاجوا شيئًا.
وصل إلى المنزل ودلف بسرعة والقلق يأكله.
دلف إلى الغرفة بسرعة وهو ينظر لأخته الباكية ووالدته الروحية أمينة تبكي بقوة.
ولكن مهلًا.... أين حوراء؟
تقدم من آية ببطء وهو يقول:
_ حصل إيه يا آية، وفين حوراء، حصلها حاجة؟ انطقي هي فين؟
تحدث بانفعال وصوت مرتفع وقلبه يكاد يتوقف برعب على شقيقته.
لتتحدث أمينة وقصت عليه ما حدث وعن مخاوفهم.
ليردد إياد بصوت منخفض قلق:
_ ومن امتى كان بيهتم بأمركم يا حوراء علشان تصدقييه وتروحي معاه؟
ثم نظر إلى أمينة التي تحاول تهدأة آية وسألها:
_ مذكرش اسم المركز للعلاج الطبيعي إيه أو فين؟
هزت رأسها نافية، قائلة بأنه أخبرها أنه سوف يأخذها إلى مركز للعلاج الطبيعي فقط دون ذكر شيء آخر.
غادر المنزل كالمجنون لا يعرف من أين يبدأ.
أخذ يتجول في الطرقات واحدة تلو الأخرى لعله يجد شيئًا يدله على طريقه ولكن دون جدوى.
أما عند حوراء فكانت جالسة بجوار والدها في سيارة أجرة وقلبها ينبض بخوف وتوجس من القادم.
توقف السائق في مكان ما هي لم تتعرف عليه ولكن يوجد عمارات يظهر عليها مرور الزمن.
هبط والدها من السيارة ينظر حوله وكأنه ينتظر أحدًا ما.
وما هي إلا لحظات حتى وظهر شرطي وقف أمام والدها وبدآ في الحديث في شيء ما ولكن لم تسمعه لبعدهما عنها.
عند والدها كان يتحدث مع الضابط بجشع:
_ تمام أنا جبتها هنا، فين الحلاوة بقى؟
تحدث الضابط بابتسامة مقززة وأسنان صفراء قذرة ك نواياه:
_ مش لما أشوف البضاعة الأول!
وهنا رأت والدها يشير عليها وذلك الحقير ينظر إليها بنظرات شهوانية قذرة لم تفهم نظراته لبراءتها ولكنها لم ترتح له إطلاقًا.
أما السائق ففهم نظرة ذلك الوغد الذي يستغل عمله لكي يفعل أشياء قذرة.
فنظر إلى تلك التي تجلس في الخلف وهي تنظر لهم بخوف ونظر إلى ثيابها وحجابها فعلم أنهما أتيا بها هنا دون علم منها لأي شيء.
فأردف بصوت رجولي خشن:
_ هو مين الشخص اللي كان معاكِ ده يا بنتي؟
نظرت له وابتلعت لعابها بتوتر واضح قبل أن تجيبه:
_ ده يبقى بابا يا عمو.
نظر لها بصدمة وإشفاق.
ففهم أن والدها يريد بيعها إلى ذلك الحقير.
فأردف بنبرة لم تفهمها ولكن أسرت الرعب في قلبها:
_ خلي بالك من نفسك يا بنتي، أوعى تضعفي للحظة واحدة، خليكي قوية علشان متكونيش فريسة للديابة (الذئاب) اللي بتاكل في لحم بعضها.
نظرت له بعدم فهم واردفت بخفوت:
_ قصدك إيه يا عمو؟
كاد أن يتحدث ألا إنه وجد ذلك الذي يدعى والدها وذلك الوغد الآخر الذي يخبئ قذاراته خلف هذا الرداء الذي لا يستحق أن يرتديه سوى الأناس الشريفين المعاهدين على حماية وطنهم وشعب وطنهم لا أن ينتهكوا شرفهم وعرضهم.
دق الرعب بابها عندما وجدت والدها وذلك الضابط أو الحقير يتقدمان نحوها وهي لا تفهم نظراتهما.
فتح والدها الباب وحملها وأمر السائق بالرحيل.
فرحل السائق وهو حزين على تلك الفتاة ولكن ليس بيده حيلة فإن تكلم أو فعل شيئًا ما فبالتأكيد سوف يستخدم ذلك الحقير منصبه لكي يدمره وهو لديه أبناؤه وكما يقولون مجبر أخاك لا مخير.
_ هتوديني فين يا بابا؟
أردفت بصوت مهزوز قليلًا من الخوف.
لم يرد عليها بل أعطاها إلى ذلك الحقير وهو يحملها عنه وينظر لها بنظرات شهوانية قذرة.
_ متخافيش يا قطة أنا ههتم بيكِ.
نظرت إلى والدها الذي يعد المال الذي بيده بجشع واضح في عينيه بخوف وعيناها شاخصة بذعر بينما قلبها ينبض بقوة.
نظر والدها إلى ذلك الحقير وأردف بجشع وضحك:
_ كدا تمام، الفلوس كاملة، اعتبرها ليك من اللحظة دي واعمل فيها اللي أنت عايزه.
ثم نظر نظرة أخيرة على تلك التي تقبع بين يدي ذلك الوغد وهي تنظر له بصدمة ورحل دون كلمة أخرى.
أخذت تصرخ بخوف وهي تحاول الابتعاد عن ذلك الذي يحملها بطريقة مقززة:
_ متسبنيش يا بابا..... بالله عليك يا بابا خدني معاك.... ابعد عني شيل إيدك دي.... يا بابا.
أما ما زالت تناديه بوالدها؟
ذلك الرجل الذي باعها للتو وتمام ناظريها تناديه بوالدها!
نظر لها الآخر وأردف بصوت قبيح:
_ تؤ تؤ تؤ، اهدي كده علشان متتعبيش بسرعة مني.
ثم ضحك بقذارة واتجه بها إلى أحد العمارات تحت مقاومتها الشديدة وهي تتذكر حديث ذلك الرجل.
_ خلي بالك من نفسك كويس يابنتي، أوعى تضعفي للحظة واحدة، خليكي قوية علشان متكونيش فريسة للديابة اللي بتاكل في لحم بعضها.
فهمت الآن مقصده، فهمت إلى ماذا كان يلمح، لكن لماذا لم يأخذها بعيدًا عنهم عندما علم ما يفكرون به؟
أم أنه مشترك معهم ولكن إن كان مشتركًا معهم لم سيقول هذا الكلام لها بالأساس؟
دلف بها إلى أحد الغرف وألقاها على الفراش بقوة آلمتها وخرجت بعض الخصل الفحمية من حجابها رغم عنها.
نظرت له برعب وهو يقوم بخلع سترته ويقول بصوت مقزز:
_ مع إنك مش بتمشي بس جميلة، مش خسارة الفلوس اللي دفعتها فيكي، مع إن أبوكِ طمع شوية في الفلوس بس معلش.
واقترب منها تحت صرخاتها التي تتوسله فيها أن يبتعد عنها وهي تقاومه بكل ما أوتيت من قوة.
شهقت بقوة وخوف وهي تراه يمزق أحد أكتاف ملابسها ويظهر منه جسدها.
أخذت تنظر حولها لترى شيئًا ما يساعدها في التخلص منه.
وقعت نظرها على تلك المزهرية التي بجانب الفراش.
أمسكت بها ورفعت يدها وهبطت بها على رأسه بكل ما أوتيت من قوة.
ابتعد عنها بوجه متألم وهو يمسك مؤخرة رأسه.
ونظر إلى يده وجدها مليئة بالدماء.
ثواني ووقع مغشيًا عليه.
أما هي في حالة يرثى لها.
كانت تنظر إلى يدها التي تحمل بقايا المزهرية التي تحطمت على رأس ذلك الوغد تارة.
وتنظر إلى جسده الملقى على الأرض تارة.
وإلى الدماء التي تخرج من رأسه تارة أخرى.
حدث كل هذا ولم تنزل من عينها دمعة قطر ولم تلمع بالدموع حتى.
لطالما لم ير أحد دموعها إلا شخص واحد كان الأمان لها، أخاها وفقط.
تداركت نفسها بسرعة وهبطت من الفراش وهي تتحامل على يدها وتسير زحفًا على الأرض حتى وصلت إلى الباب.
رفعت جسدها قليلًا من على الأرض حتى تصل إلى المقبض.
أمسكت بالمقبض بيد مرتعشة وفتحت الباب وخرجت من الغرفة بسرعة لعلها تنجو.
حمدت الله أنه لا سلالم هنا وإلّا كانت لتكون معضلة حقًا.
نظرت حولها لعلّ شخصًا ما يساعدها.
وجدت فتاة ما مارّة وطلبت منها المساعدة.
ساعدتها الفتاة وأسندتها حتى وصلت إلى الطريق العام فشكرتها حوراء بشدة ورحلت الفتاة تاركة حوراء تنظر حولها بخوف ورهبة وهي تدعو الله بأن يقويها وينجيها من هذه المحنة.
نظرت خلفها وشهقت بقوة ما إن رأته يقترب وهو يضغط على جرحه ويترنح بالمشي وينظر لها نظرات متوعدة ومليئة بالغضب والسخط.
حاولت النهوض ولكن كل مرة تسقط.
حاولت للمرة الثانية والثالثة، وباءت كل محاولاتها بالفشل الشنيع.
ولكنها لم تيأس بل حاولت مرة أخرى وهي تصرخ بكل قوة حتى وقفت ولكن تترنح قليلًا لأن لا أحد يساعدها أو يساندها.
كانت تركض بضعف وكادت أن تقع عدة مرات ولكن تمالكت نفسها فإن ضعفت الآن ستندم طيلة حياتها.
نظرت خلفها وجدته يقترب منها، لتركض بوهن بأقصى سرعة تملكها بعيدًا عنه.
تركض ومعالم الذعر تحتل ملامحها وخائبة الوجدان.
وبين كل فينة وأخرى تنظر خلفها بخوف.
لم تهتم كونها الآن بمنتصف طريق تقطعه السيارات بسرعة مخيفة.
وبينما تنظر خلفها ترقب المسافة التي تقطع بينها وبين شرطي حقير كان هناك قدر تجهله يقترب منها.
يجلس داخل سيارته السوداء وخلفه سيارة من الحرس الخاص به.
وكان السائق يقود دون توقع أي شيء سيء بينما في المقعد الخلفي يتحدث مع شقيقته يعدها بالوصول القريب.
فجأة سقط هاتفه تزامنًا مع ارتفاع صوت احتكاك إطارات السيارة مع صوت ارتطام شيء ما بالسيارة.
نظر بحدة إلى السائق قائلًا:
_ إيه اللي حصل ده؟ أنت ازاي تسوق بالطريقة دي؟
_ والله يا باشا أنا بسوق عادي بس فجأة ظهرت قدامي وشكلي خبطتها.
تحدث السائق برعب وقلب ينبض بفزع.
لتتسع أعين من بالخلف وهبط بسرعة من سيارته وتوجه إلى مقدمتها ليجد جسدًا هامدًا يفترش الأرض والدماء تتدفق من رأسها.
انحنى بجسده يفحص نبضها ليجده ضعيفًا.
ثبت رأسها في وضعية جيدة ثم أمر الحرس:
_ ابعدوا الناس مش عايز ازدحام. زياد هات تليفوني من العربية بسرعة.
تحرك الحرس يوقفون السيارات التي تمر من هذا الجانب من الطريق ويبعدون التحشدات التي تحاول رؤية ما حدث.
بينما أسرع هو في فك حجابها ينظر إلى مكان خروج الدماء من رأسها.
ل يمسك الطرف الآخر من حجابها وضغط به على رأسها.
ثم تأكد من تنفسها ليجده ضعيفًا.
تحدث إلى زياد الذي أتى له بهاتفه:
_
ثم هاتف طاقم الإسعاف وأخبرهم بحالتها وأمرهم بالإسراع في المجيء.
فللحظة كانت المشفى قريبة.
عاد إليها ليبتعد زياد وقد شحب وجهه من أن تكون ماتت.
وبعد وقت قضاه الآخر في إسعافها أتت سيارة الإسعاف وتوجهوا بها بسرعة إلى المشفى.
وبعد وصولهم خلع سترته وارتدى مكانها زيه الطبي ليباشر عمله في إنقاذ فتاة لا يعلم ما الذي ألقاها في طريقه.
رواية الطبيب العاشق الفصل الثاني 2 - بقلم منة جبريل
رآها وهى تصطدم بالسيارة فكادت عيناه أن تخرج من مكانها، ليتراجع على الفور ما إن رأى تلك الأجساد الضخمة ثم سيارة الإسعاف التي تحركت بها.
بداخله ينتوي على أن يُلقن ذلك العجوز درسًا لن ينساه، وأن يستعيد ماله الذى أنفقه عليها ولم يأخذ منها شيئًا سوى ضربة كادت أن تقتله.
هل هذه هي الضعيفة التي أخبرته عنها؟ سيُريه.
عاد إلى المنزل وهو فى حالة يرثى لها، لم يجد لها أثرًا.
أخذ يدعو الله أن يعود إلى المنزل ويجدها هناك.
فتح الباب بإرهاق يظهر على ملامحه الحزينة، ليجد آية وأريب يحتضنان بعضهما ويبكيان بقوة على شقيقتهما وما حلّ بها، ليبنض قلبه بعنف.
نظر إلى الناحية الأخرى ليجد والده يجلس ببرود تام وعلى وجهه ابتسامة مقززة وهو يعد المال الذي في يده.
قترب منهما بهدوء وجثى على ركبتيه أمامهما وهو يقول بصوت مرتجف يخشى الجواب:
_ حوراء رجعت يا آية مش كدا؟
ثم نظر إلى أريب التي لأول مره يراها تبكى هكذا بعد وفاة والدتهم.
ارْدَفَ بصوت مختنق خائف من القادم:
_ أريب… قوليلي أنتِ فين حوراء؟
ولكن لم يجد ردًا أيضًا.
فنهض وهو يشعر بأن قلبه يكاد أن يتوقف من الخوف على شقيقته وابنته وصديقته أيضًا.
توجه إلى ذلك الذى يدعى بوالدهم بعنف واردف بصوت عالى:
_ فين حوراء؟ أخدتها فين انطق؟
نظر له عبد القادر ورد ببرود وهو يضع المال أمام عينيه:
_ بعتها وأهو لقيت منها فايدة.
توقفت جميع حواسه.
وكأن أحدًا ما سكب عليه حديد ذائب فأماته وماتت حواسه معًا.
ماذا يقول هذا الرجل؟
هل باعها؟ باع ابنته وشقيقته؟
هو يعلم أنه لم يحب إخوته أبدًا ولكن لم يتوقع منه هذا الفعل القذر.
يريد أن يبكي ويصرخ ويخرج كل ما بداخله.
يريد أن يمسك برأس ذلك الذى يقف أمامه ويحطم رأسه.
ولكن لم يستطع.
لم يريد إغضاب ربه بسبب رجل كهذا.
فاق من صدمته على صوت ارتطام قوى وصراخ أريب باسم شقيقته الأخرى.
نظر خلفه برعب ليجد آية هامدة على الارض مغشيًا عليها وكأنها تريد الهرب من هذا الواقع الأليم.
اقترب منها برعب وهو يربت على وجنتها بخفه:
_ آية قومى بالله عليكِ... قومي يا آية ارحمي قلبي... يارب... يارب صبرني وقويني يارب.
حمل شقيقته ودلف بها إلى الغرفة ووضعها على الفراش برفق.
واحضرت أريب التي كانت تبكى بقوة على أختيها زجاجه عطر.
أخذها منها ووضع كمية كبيرة على يده ومررها على أنفها.
دقائق حتى أفاقت وصرخت فجأه وهى تدعو الله أن يكون هذا حلمًا، لا بل كابوسًا لا أكثر.
نظرت حولها ولم تجدها.
نظرت إلى أريب التي تبكي بصمت ونظرت إلى أخيها الذى يظهر على ملامحه الغضب والحزن والتيه.
أردفت بصوت مختنق بغصة بكاء:
_ حوراء يا إياد... عايزة أختي، شوفها فين بالله عليك.
احتضنها إياد وهو يمسح على ظهرها ويهدئها ببعض الكلمات وهو من يحتاج أن يهدأه.
وجد أنفاسها هدأت.
نظر لها بخوف ليجدها نائمة، فتنهد بقوة ودثرها فى الفراش مرة أخرى ونظر إلى التي تنظر لهما وتبكي في صمت مزق قلبه.
فتح ذراعيه فارتمت عليه وبكت كأنها لم تبكى من قبل.
تتذكر ضحك أختها ومزاحها.
تتذكر حزنها الذي تخفيه دائمًا عنهم حتى لا يحزنوا.
تتذكر عندما كانت تغضب منها بسبب تصرفاتها الطفولية ولكنها لم تجرحها أو تحزنها بل كانت لها أخت وصديقة وأمًا أيضًا.
لا تصدق أنها قد تسمع خبر خسارتها إلى الأبد.
أما هو فيحتضن أخته الصغرى ويمسح على شعرها القصير بحنان وعقله شارد.
اين هي؟ ماذا تفعل؟ أهي بخير؟
عند هذه النقطة ولم يستطع التحمل أكثر.
ابتعد عن أريب بهدوء واردف بعزم:
_ خليكى مع أختك هنا وأنا هبعتلكم ماما أمينة تقعد معاكم أنا هروح أدور على حوراء.
أومأت له بهدوء وهى تدعو أن يجد أختها.
ذهب بعد أن طلب من أمه الروحيه رعاية اخوته حتى رجوعه والخوف ينهش قلبه ويمزق روحه.
أخذ يركض في الطرقات والشوارع وكل مكان بعيد ومل مفترق قريب وهو يسأل عنها المارين وهو يريهم صورتها في هاتفه ولكن كل محاولاته باءت بالفشل.
أخذ يبحث كثيرًا ولكن دون فائدة.
شعر بثقل على قلبه يريد الصراخ.
ذهب إلى مكان عالٍ خالي من الناس أعلى جبل أمامه منحدر كبير شاهق الإرتفاع.
صرخ بكل ما أوتي من صوت، صرخ صرخه تمزق القلب، صرخة تحمل آلام وقهر روحه.
بكى كطفل صغير فقد ملجأه وأمانه.
بكى كطفل سمع صوت والدته المتوفاة.
أخذ يناجي ربه وهو يبكي ويصرخ.
يشعر بالخوف بأكله، فهي ليس لها أحد غيره.
هي من تلجأ إليه عندما تكون تريد البكاء والبوح بحزنها.
يعلم أنها لا تستطيع البكاء أمام أي شخص سواه هو وربه، حتى إذا كانت تريد البكاء وشقيقتيها بجوارها لا تهبط دموعها بغير إرادة منها، فهي تريد البكاء ولكن لا تستطيع عندما يكون هناك شخص بجوارها سواه.
خرجت منه شهقات متألمة، شعر أن قلبه قد انفطر قلبه إلى نصفين.
وكأنه هو من ليس في منزله وبين عائلته، وكأنه هو مكانها في العالم الخارجي يحارب وهو خالي الدفاع والقوة.
ولكن عليه أن يصمد ويصبح قويًا.
ليس لأجله بل لأجل شقيقتيه التي تنتظران عودته بشقيقتهما.
ولأجل تلك التي لا يعلم أين هي أو ما الذي تواجهه.
خرج من غرفة العمليات وهو يتنهد براحة.
وجد هاتفه يعلن عن مكالمة ما.
عرف على الفور من المتصل، ليتنهد بقوة ورد على الإتصال ووضع الهاتف على أذنه، ليصله صوتها المتذمر على الفور:
_ مكنتش أعرف إن طريق المستشفى بعد كدا.
تحدث بهدوء بينما ينظر إلى تلك التي يخرجوها من الغرفة غافية على الفراش الطبي:
_ حصل اللي حصل يا كياني واضطريت أرجع للمستشفى، ممكن أتأخر شوية.
وبعد حديث قصير اتجه إلى مكتبه وهو يضع رأسه بين كفيه، يتذكر عدد المرات التي كاد أن يتوقف بها قلبها.
علم أنها مستسلمة تمامًا للموت.
ولكن ما أثار فضوله هو لمَ كانت هيأتها بذلك الشكل؟
وشغل تفكيره أمر شك به ليأمر بإجراء التحاليل اللازمة لها ليتأكد منها.
سمع صوت الباب وهو يفتح بقوة ودون استئذان.
لم يرفع رأسه لعلمه بهوية ذلك الاحمق الذي لطالما هذه طريقته في الدخول.
يبدو أن عمله ومهامه التي تلزمه على اقتحام أماكن ربما ترك أثرًا به.
اقترب منه بيجاد بقلق وهو يرى صديقه بهذه الحالة وتراجع عن إثارة غيظه:
_ ريان مالك؟
أجابه ريان وما زال وجهه بين كفيه:
_ مرهق مش أكتر، بس دا مش هيمنعني من إني أخلص منك لو مبطلتش طريقتك الهمجية في الدخول دي.
تحدث بيجاد بمرح يحاول التهوين على صديقه:
_ هو الذئب وقع وفي واحدة بقت تشغل باله ولا أي؟
_ مين دا اللى وقع؟
أتاهم صوته الرجولى وهو ينظر لهما بتساؤل.
ليسحبه بيجاد إلى جواره ووضع يده على كتفه قائلًا:
_ صاحبك وقع ومحدش سمى عليه يا هشام.
نظر له هشام بسخرية قبل أن يبتعد عنه واقترب من ريان متحدثًا:
_ قولتلك بلاش شغل اليومين دول، مش شايف شكلك عامل ازاي؟
رفع ريان عيناه إلى صديقه بإرهاق وعقل مليء بالأفكار:
_ مليش يا هشام إرهاق بس سيبك من المتخلف دا.
كاد بيجاد أن يتحدث ليقاطهه صوت كرقات على الباب ثم دخول ممرض ومعه بعض الأوراق التي قدمها إلى ريان قائلًا:
_ التحاليل ظهرت يا دكتور.
أماء له ريان وانصرف الممرض، بينما انتفض بيجاد وهشام خوفًا على صديقهما:
_ تحاليل إيه دي يا ريان؟ أنت كويس؟
أردف بها هشام وبيجاد معًا بقلق، ليتحدث ريان بهدوء مطمئنًا لهما:
_ متقلقوش، دي تحاليل مريضة النهاردة ظهرت قدام الغربية وزياد نوقفش العربية في الوقت المناسب.
تحدث هشام وقد هدأ مستعيدًا جموده:
_ وهي حالتها إيه دلوقتي؟
أجابه ريان متنهدًا:
_ هي كويسة حاليًا بس أنا شكيت في حاجة علشان كدا عملت لها التحاليل دي علشان اتأكد.
صمت ثلاثتهم بينما ريان نظر إلى نتيجة التحاليل الطبية، ليزفر بقوة مع تساؤل بيجاد:
_ خير؟
_ للأسف عندها مرض يمنعها عن المشي.
_ إزاي؟ مش هي كانت بتمشي لما خبطها زياد؟
_ ممكن يكون المرض لسه متمكنش منها، ولو متعالجتش فهي حتمًا هتفقد قدرتها على المشي.
أردف هشام وهو ينظر إلى صديقه متوجسًا:
_ وأنت هتعمل إيه؟
_ مش عارف.
_ هو إيه اللي مش عارف، فوق لنفسك.
أردف بها هشام بغضب وهو يرى صديقه لأول مرة مترددًا في فعل شيء، وكأن احدهم أيقظه من هذه الحالة، لينظر إلى هشام مرددًا:
_ مفيش يا هشام، هروح أشوف حالتها مستقرة ولا لا وبعدين نمشي.
ولم ينتظر ردهما وغادر على الفور، ليتطلها إلى أثره وقال بيجاد مستنكرًا:
_ ماله دا؟
دلف ريان إلى غرفتها ليجدها ما زالت نائمة بسبب المخدر.
اقترب منها وهو يفحص نبضات قلبها ليجدها منتظمه وتنفسها أيضًا.
تنهد براحة وكاد أن يرحل ألا إن عيناه سقطت على ملامحها الهادئة و... الساحرة.
فاق من شروده وهو يعنف نفسه بشدة وكاد أن يرحل ليتوقف مجددًا ما إن سمع صوتها وهي تئن بخفوت.
اقترب منها وجدها تفتح عينيها بهدوء وتغلقها مرة أخرى وظلت على هذا الوضع حتى اعتادت على إضاءة الغرفة.
وضعت يدها على رأسها مكان الجرح وهى تئن بألم.
نظرت حولها باستغراب فهذه ليست غرفتها أو منزلها حتى.
نظرت بجانبها لتجد رجلًا ما ينظر إليها بترقب.
أغمضت عينيها وهى تتذكر الأحداث التي مرت بها من أول بيع أبيها لها لذلك الشرطي الحقير الذي حاول انتهاك شرفها إلى هروبها منه إلى اصطدامها بشئ قوي وبعدها لم تشعر بشيء.
شهقة قوية أخرجت بها نفسها من الذكريات، وبحالة صدمة كانت تصرخ باسم أخيها، وتبكي بدون دموع.
دلف بيجاد وهشام وأحد الممرضين إلى الغرفة عندما سمعوا صوت صراخ.
وقفوا مكانهم عندما رأوا فتاة تصرخ وريان الذي توقع حالتها يحاول تهدئتها.
تحدث ريان يوجه حديثه إلى الممرض:
_ مخدر بسرعة.
أحضر الممرض إبرة مهدأة ولكن لم يستطع إعطائها لها بسبب تحركها الهيستيري.
أحاط بها ريان بذراعيه بقوة يثبتها بحسدها.
اقترب الممرض سريعًا وأعطاها الإبرة ودقائق وبدأ صراخها يخفت.
عدلها على الفراش مرة أخرى ما إن غفت وأمر الممرض بالخروج ونظر إلى بيجاد وهشام الذان ينظران له بتساؤل.
نظر لهم بمعنى "اتبعوني".
وخرج.
ذهب وراءه صديقيه ودلفوا إلى المكتب خلفه.
ليجدوه يجلس وهو يضغط على أعلى جسر أنفه.
اقتربوا منه وربتوا على كتفه.
رفع نظره لهما وهو يبتسم بإرهاق.
تحدث هشام مهونًا على صديقه:
_ متقلقش هتبقى كويسة.
أماء له ريان بهدوء.
أما بيجاد فاكتفى بنظراته إلى صديقه المتفحصة.
هو لم يتجاهل قلقه وخوفه الذي ظهر في عينيه عند صراخها.
فهم ريان نظرات صديقه ولم يتحدث.
غادر ثلاثتهم إلى القصر فـريان يريد الإطمئنان على أخته وهشام وبيجاد يريدان الإطمئنان على صديقهما.
جلسوا في القصر معًا بين مرح كيان وبيجاد وغيظ هشام منهما ومن تصرفاتهما الطفولية.
أما ريان فكان يكتفي بالمشاهدة، وعقله لا زال شاردًا في تلك الفتاة وملامحها وصراخها.
ولكن ما جعله يستغرب أنها لم تبكي أو تهبط دموع من عينيها.
فأي فتاة في حالتها هذه تهبط دموعها بغير إرادة منها وهذا ما جعله يشعر بالفضول أكثر اتجاهها.
أما بيجاد فكان يمرح مع كيان ويثير غضب هشام ولكنه لم يغفل عن ذلك الشارد ونظرة التيه التي تحتل عينيه.
فطبيعة عمله علمته كيف يأخذ باله من كل شيء حوله صغيرًا كان أو كبيرًا.
نهض بيجاد متحدثًا بهدوء:
_ ريان، هشام تعالوا.
أماء ريان.
أما هشام فنظر لهما بتفحص ولكنه أماء بهدوء.
لتردف كيان بمرح:
_ أنا هروح أكلم صاحبتي.
ابتسم لها ثلاثتهم ثم وذهبوا إلى المكتب، ودلف ريان وهو يعلم ماذا سيسأله صديقه.
جلس بيجاد أمام ريان وهشام بجانبه على الناحية الأخرى.
بيجاد وهشام ينظران إلى أعين ريان التي تطالعهما ببرود:
_ اتكلم، سامعينك.
_ عايزني أقول إيه بالظبط؟
بروده جعل بيجاد يتحدث ببرود أشد وهو يضع قدمًا على الأخرى:
_ مع إني عارف إنك فاهم بس هكمل معاك للآخر.
أولًا ليه هي؟ كلنا عارفين كويس إنك مش بتقصر في حالات المرضى اللي عندك بس أنت بتنفذ العملية وبتنقذ الشخص بعد كدا بتسلم حالته لدكتور غيرك يتابع معاه، ليه البنت دي مسلمتش حالتها لدكتور غيرك؟
ثانيًا يا دكتور ولا أقولك يا ذئب… من امتى والنظرة دي بتبقى في عينيك لحد تاني غير أختك أو واحد فينا لو كنا في خطر مثلًا؟ دا إحنا اتطورنا وبقينا نعرف نقلق.
كان هشام يتابع حديث بيجاد بهدوء وهو ينظر إلى ريان تارة وإلى بيجاد الذي ينظر إلى ريان ببرود.
فهو لا يتكلم بهذه الجدية إلا إذا كان هناك شيء بالغ الأهمية.
الجانب الجدي من بيجاد لا يظهر إلا في أوقات نادرة وهذا ما يميزه.
قاطع شروده حديث ريان بجمود:
_ أولًا مسلمتش حالتها لدكتور غيري لإن يعتبر أنا السبب في حالتها، أما ثانيًا يا سيادة الرائد النظرات اللي أنت بتقول عليها دي فكل دا خرافات أنا مش بعترف بيها، النظرات كلها واحدة.
تبادلا النظرات ليهز بيجاد كتفه قائلًا:
_ وماله، الأيام تأكد لنا.
تحدث هشام هذه المرة بحدة خفيفة:
_ خلاص؟ خلصتوا من موضوع البنت دي اللي ليها كام ساعة بس نعرفها أو شفناها بس؟ مش عارف ليه مدينها أكبر من حجمها، مريضة وهتروح لحالها بلاش شغل الأفلام ده.
ثم نظر إلى ريان مكملًا:
_ أنا هروح الشركة هستناك عشان الصفقة الجاية لازم توقعها.
نظر إليه ريان مردفًا ببرود:
_ أكيد.
نهض بيجاد قائلًا:
_ جاي معاك يا هشام، كدا كدا مفيش حاجة أعملها.
يقول ريان بينما ينظر إلى ساعة يده:
_ تمام هنتقابل هناك، أنا نص ساعة وهكون هناك.
أماء له هشام وبيجاد ورحلا، أما ريان فأخذ عقله يفكر في كلام صديقه.
هو لم يكذب عليه في رده لأنه لا يخاف من أحد ولكن لم يعطه الجواب الكامل.
ليأخذ مفاتيح سيارته وخرج قاصدًا المشفى مرة أخرى.
أما كيان بعد أن صعدت إلى غرفتها، أخذت هاتفها واتصلت على ابنة عمها وصديقتها المقربة أيضًا.
صرخت بحماس وهي تتحدث معها:
_ وحشتيني أوي يا ليلي.
أتاها صوتها الضاحك على صديقتها من الناحية الأخرى:
_ وأنتِ كمان يا كيان، وبعدين عايزة أعرف امتى هتبطلي الصوت العالي ده.
تحدثت كيان ضاحكة:
_ عيب عليكي مبقاش كيان لو صوتي مسمعش القصر كله.
أردفت الأخرى بلغة والدتها الروسية:
_ كيف حالك أنتِ وريان؟
_ دايماً بيسأل عليكِ وعلى الأفعى توأمك.
أردفت ليان (ابنة عم كيان وريان) بضحك:
_ رد فعله مش هيعجبك لو سمعك.
كيان بغرور مصطنع:
_ ميقدرش يعمل حاجة، متنسيش أنا كيان أخت ريان الذئب.
لتقول ليان ساخرة:
_ نفسي أعرف ثقتك دي بتروح فين، لما بتقفي قدامه بيبقى هاين عليكي تموتي نفسك عياط.
تحدثت كيان بغيظ:
_ لأنه أفعى حقيرة وإيدها طويلة.
أخيرًا عاد إلى المنزل ووجهه حزين وقلبه منفطر.
دلف إلى المنزل وهو يشعر باختناق أنفاسه داخل صدره.
كان دائمًا يدلف إلى المنزل يستمع إلى صوت ضحكاتها دائمًا عندما تراه.
وجد والده يجلس بكل أريحيه على الأريكة التي في الصالة وهو يشاهد التلفاز.
_ أنت إزاي كدا حرام عليك اللي عملته ده، أنت مش بتحس؟ دي مش واحدة غريبة عنك دي بنتك من لحمك ودمك، إزاي تبيعها كدا؟
تحدث إياد بغضب شديد وهو يرى عبد القادر ينظر له ويبتسم ببرود استفزه.
ليقترب منه وقد قتمت عيناه بغضب وقهر على أخته، تحدث بصوت كفحيح الأفعى:
_ قولي بعتها لمين وإلا وربي هنسى إنك والدي وهتشوف مني حاجة مش هتعجبك يا والدي.
قال آخر حديثه بسخرية كبيرة.
كان عبد القادر ينظر له بخوف بسبب جسده الرياضي وأنه يعلم غضبه جيدًا وكما يقولون احذر شر الحليم إذا غضب ويعلم أيضًا أنه لا يحبه، فمن الممكن أن يدفنه حيًا.
فردف كاذبًا:
_ معرفش مين ومشفتهوش كمان هو قالي عنوان أوصلها عليه وأسيبها وإني هلاقي هناك الفلوس وبس إنما شكله أو هو مين، معرفش.
نظر له إياد بعينان تقسم بأنها تخرج شررًا وأردف بصوت وكأنه جاء من الجحيم:
_ وصلك إزاي؟ انطق.
أخذ عبد القادر ينظر حوله بتفكير ثم قال بجمود كاذب حتى يهرب من أسئلته:
_ أنت بترفع صوتك عليا؟ دي آخرتها يا ابن رغد؟
تفاقم غضب إياد حتى عمى عيناه ونسيَ أن من أمامه يكون والده.
أمسكه من تلابيب قميصه واصبحت عيناه البنية تلمع شرًا وصوت يدب الرعب في قلب كل من يسمعه:
_ وربي ما أنا راحمك.
وكاد أن يضربه ليتوقف على صرخة أمينة التي أعادته لوعيه، بعد أن كان كالمغيب تمامًا من شدة غضبه، عندما سمع كيف باع أخته والذي كان كذبًا، فما الذي سيصيبه إن سمع الحقيقة؟
قالت أمينة بخوف وهي تراه يمسك والده بهذا الشكل:
_ ابعد عنه يا إياد، سيب أبوك.
نفض إياد يده عن والده وهو ينظر له باستحقار ويحمد ربه بأنه لم يفعل شئ يندم عليه لاحقًا.
نظر إلى أمينة التي تسحبه إلى داخل غرفة إخوته.
رأى آيه وأريب وعلى وجههم علامات الخوف فهما سمعا صوت إياد الغاضب وهذه أول مرة في حياتهما يسمعان هذه النبرة منه.
أغمض إياد عيناه بقوة محاولًا تهدأة نفسه واقترب منهم وضمهم إلى صدره بحنان وعقله يصور له ماذا من الممكن أن يحدث مع أخته.
دلف إلى الغرفة التي توجد بها بهدوء وجدها مستيقظه تنظر إلى الأعلى بشرود.
تنهد بقوة واقترب منها، بينما شعرت بأن هناك من يتقدم نحوها فاعتدلت على الفور وعدلت من حجابها وهى تنظر له بقلق وخوف.
ليردف ريان بهدوء لكي لا يخيفها أكثر:
_ متخافيش، أنتِ هنا في أمان.
نظرت له واردفت بصوت مبحوح:
_ أنت مين؟ وأنا فين؟ أنا لازم أرجع لبيتي.
اقترب منها ريان وجلس على مقعد بجانب الفراش الطبي وقال مهدئًا لها:
_ أنا الدكتور ريان... ريان الكيلاني وأنتِ في المستشفى بسبب إن الحادث كان في عربيتي للأسف، ممكن أسألك أنا؟
نظرت له قليلًا ثم أماءت برأسها، ليتأمل وجهها ذو الملامح الملائكية، ليتحدث بشرود سارحًا في عيناها التي جذبته وأذهلته، فمُقلتيها نادرة بلونها الأسود اللؤلؤي:
_ اسمك إيه؟
_ حوراء.
كرر اسمها بداخله، إذًا هي اسمٌ على مسمى، اسم مميز وجميل كصاحبته تمامًا.
انتبه على نفسه عندما وجد وجنتيه يجمران خجلًا من نظراته.
استعاد رباط جأشه وتحدث بجدية:
_ طيب يا آنسة حوراء ممكن أعرف أنتِ من فين أو مين عيلتك علشان نقدر نتواصل معاهم، وعايز أعرف كمان ليه كنتِ بالحالة اللي ظهرتي بيها قدامي.
لم يكن سؤاله الأخير له علاقة بالعمل ولكن فضوله أجبره على السؤال.
وبعفوية كانت تتحدث معه بحزن تجلى على ملامحها:
_ أنا... أنا حوراء عبد القادر وأنا من وسط البلد.
تنهدت ثم أكملت بصوت مختنق كأنها تريد البكاء وهى فعلا تريد ولكن لم تستطع رغمًا عنها:
_ أنا معايا ثلاث أخوات بنتين وولد، بنت أصغر مني بسنة والبنت التانية أكبر مني بسنتين أما إياد.
ابتسمت بحزن عندما تذكرت أخاها مكملة:
_ إياد دا الأكبر فينا و.....
وقصت له كل شيء لا تعلم لماذا، هي ليس من عادتها أن تخبر أحد بحياتها الشخصية ولكن كانت تريد التحدث إلى أحد.
تريد أخاها أن يأخذها في أحضانه حتى تبكي وتخرج كل ما بداخلها.
قصت له كل شيء من أول مرضها حتى آخر شيء عندما وجدت جسدها يرتطم بشيء قوي ولم تشعر بشيء بعدها، ولكنها لم تخبره بمرضها النفسي وأنها لا تستطيع البكاء أمام أحد سوى أخيها.
أما هو فقد استوحشت عيناه وأصبح لونها قاتمًا وتحولت واختلطت لها الشعيرات الحمراء غضبًا.
ضغط على أسنانه بقوة لدرجة برز فكه وقبض على كفه حتى ابيضت.
هو لم ينكر شعوره بشيء يدغدغ داخله لأنها وثقت له وتحدثت معه، ولكن كل ما يدور في ذهنه ويغضبه.
كيف لأب أن يفعل هكذا مع أبنائه.
يريد الذهاب إليه الآن وقتله وأن يذهب إلى ذلك الشرطي ويقتلع عيناه من مكانهما والكثير من الأفكار السوداوية التي غزت عقله.
رفع نظره إليها ليجدها تنظر أمامها بشرود.
وللمرة الثانية يتعجب صمودها وعدم انهيارها أو دخولها في حالة بكاء هيستيري.
كيف لم تلمع عيناها حتى بالدموع.
قطع تفكيره صوتها المحشرج والمحرج:
_ عايزة أمشي من هنا.
نهض متجهًا إلى الخارج وهو يردف بصوت يحاول أن يظهره طبيعيًا حتى لا يخيفها:
_ في الوقت الحالي غير مسموح لكِ بالخروج من المستشفى بسبب حالتك.
ثم تحدث بصوت منخفض:
_ وبعد ما تكوني أحسن نشوف موضوع رجوعك لعيلتك ده.
تسأله حوراء بعدم فهم:
_ نعم؟ مش فاهمه.
ليقول ريان بجدية:
_ ولا حاجة، أنتِ هتفضلي في المشفى كمان لحد ما تتعافي تمامًا وبعدها تقدري تخرجي.
أماءت له وشكرته بخفوت، ليرحل ريان.
وبعد تأكدت من رحيله وابتعاده عن الغرفة، أعطت لمُقلتيها الإشارة الخضراء وانهمرت دموعها بشده وهي تشق طريقها على وجنتيها.
بكت وكأنها لم تبكي منذ سنوات.
دعت الله كثيرًا بأن يرجعها إلى إخوتها.
ولكن ما لا يصدق أنها دعت له.
دعت لوالدها بالهداية، ولمَ لا؟ وهى قلبها لا يستطيع كرهه.
بعد وقت.
كاد أن يطرق الباب لكي يدخل إليها ورؤيتها إذا كانت بحاجة لشيء ما.
ولكن ما أوقفه صوت شهقاتها.
هل تبكي وأخيرًا؟
وضع يده على مكان قلبه بدون وعي منه وهو يشعر بضيق لم يعلم سببه.
انتظر قليلًا ثم طرق الباب بهدوء.
وللحظات واختفى صوت شهقتها تمامًا.
لم يعر الأمر اهتمامًا فأتاه صوتها الهادئ تأمره بالدخول.
دلف ونظر لها ليقف للحظة مستنكرًا.
كيف يعقل هذا؟ بل كيف فعلت هذا؟
رواية الطبيب العاشق الفصل الثالث 3 - بقلم منة جبريل
يجلس بجانب إخوته ويكسو وجهه الحزن وعيناه حمراوان بشدة. يعترف بعجزه، ولكن لا يعترف بإستسلامه. فهو لن يستسلم أو يهدأ إلا عندما يجدها، يجد ابنته الضائعة، يجد أخته الهادئة والمجنونة أيضاً.
أخذ يمسح على رأس التي تنام في حضنه وتدفن رأسها بين صدره وتتشبث به بقوة كأنه سيهرب. ثم وجه نظره إلى التي تنام وتتكور على نفسها في وضع الجنين. حاول الابتعاد عن التي تتشبث به بقوة بهدوء حتى لا يوقظها.
وأخيراً، بعد معاناة، ابتعد عنها وهو يتنهد بحرارة. ثم توجه إلى أخته الثالثة، المدللة، الصغيرة، المرحة. ولكن اختفى مرحها، اختفت ضحكتها التي كانت تزين ثغرها الصغير. أصبح وجهها ذابلاً بعد أن كان يشع حيوية ونشاط. اقترب منها وضَمَّها إلى حضنه يهدئها، وهي كأنها أخذت الإذن لتنفجر باكية، تتوسله أن يجد أختها.
كان قلبه يألمه بشدة وامتلأت عيناه بالدموع، ولكنها أبت أن تنزل. ليشعر باختناق شديد في صدره لا يستطيع التنفس. فهو لهذه اللحظة يشعر أنه في كابوس ويتمنى الاستيقاظ منه سريعاً.
لقد أصبح المنزل كئيباً، حزيناً، موحشاً عندما فقد سر سعادته وفرحه. أصبح مشؤوماً تحيط به حالة من الاكتئاب الشديد. أصبح مثل السماء بدون قمرها، والليل بدون نجومها. يتمنى عودتها ليشع مجدداً بنور الفرحة.
***
دلف إليها عندما سمع صوتها وهي تسمح له بالدخول. كان قلبه يؤلمه بسبب سماعه لشهقاتها. فرفع نظره إليها، وهنا كانت صدمته الكبرى.
نظر لها بذهول. كيف فعلت هذا؟ كيف يعقل أن يحدث هذا؟
نظر لها في صدمة. فوجهها لا يوحي بأنها كانت تبكي أبداً. وجهها الأبيض الجميل وعيناها التي تلمع ببريق تعكس طيبتها ونقاء قلبها مثل الأطفال. وشفتيها التي ترتسم عليها ابتسامة خفيفة. وأنفها الصغير الذي تنتشر عليه حمرة خفيفة زادت من جماله وروعة. وهنا تأكد بأنه ليس مجنوناً وأنه لم يكن يهلوس ببكائها. فكاد يجن عندما رآها وليس على وجهها علامات للبكاء أو في عينيها دموع حتى. ولكن ما أكد له تلك الحمرة التي تغطي أنفها برقة.
اقترب منها بهدوء وما زال في صدمته. كيف تظهر تلك الابتسامة الرقيقة بعد نحيب شديد؟ كيف يمكنها إخفاء حزنها إلى هذا الحد الكبير؟ وكيف أمكنها إخراج صوتها بهدوء ورقة وكأنها لم تكن تبكي. فأقسم أنه إن لم يسمع شهقاتها لما علم ببكائها من الأساس.
حمحم ريان مردفاً بعدما استيقظ من صدمته:
"احم، حضرتك كويسة؟"
أردفت بهدوء ولم ترفع نظرها له:
"الحمد لله."
وأكملت برقة:
"ممكن أكلم أخويا إياد عشان ييجي ياخدني؟"
"مستحيل."
أردف بها ريان بإندفاع وغضب.
سمعت لهجته الغاضبة، ولكنها أردفت بثبات:
"هو إيه اللي مستحيل؟ حضرتك أنا لازم أمشي وشكراً على مساعدتك ليا."
مسح وجهه بغضب لا يعرف سببه، ولكن كل ما يعرفه أنه لا يريدها أن ترحل. فأردف بثبات وثقة اعتاد عليها:
"مش هينفع تمشي من هنا كدا، هيبقى في خطر عليكي."
عقدت حاجبيها بعدم فهم لجملته "هيبقى في خطر عليكي". فاسترسل هو مكملاً:
"افهميني. بما إن باباكي باعك، وأكيد أخد حقه من اللي باعك ليه، إذا كان فلوس أو أي حاجة تانية. والناس دول اللي هما بيبيعوا ويشتروا بيكون مابينهم ورق. الورق دا بيأكد إنه اشتراكي منه عشان البائع ميضحكش عليه إنه ياخد الفلوس وميدوش البضاعة، أياً كان نوع البضاعة دي. فهيقدر يرجعك ليه أول ما يشوفك. فلما انتي ترجعي بيتك هتدي الفرصة للي باعك تاني عشان ياخدك أو ياخد منك اللي عايزه، وبعدها يسيبك. ف انتي المطلوب منك دلوقتي إنك متظهريش خالص. أظن فهماني."
أردفت باختناق:
"يعني إيه برضه؟ مش هشوف إخواتي ولا حتى أطمنهم إني كويسة؟"
أردف بثبات:
"بالظبط."
أردفت حوراء ببلاهة دون النظر إليه:
"طيب هقعد كام ساعة تاني وبعدها أظهر."
نظر لها بذهول، ثم أخفى علامات الذهول ببراعة من على وجهه وأردف مستنكراً كلماتها الحمقاء:
"كام ساعة إيه؟ انتي هتاخدي أيام أو ممكن توصل لشهور مش هتظهري فيهم."
شهقت وهي تنظر له بصدمة لذيذة وهي تضع يدها على فمها المفتوح ببلاهة جعلتها قابلة للأكل:
"يالهوي... شهور؟ لالالا أنا عايزة أروح. أخويا هيزعل مني لو مطمنتوش. هو أكيد دلوقتي خايف عليا وإخواتي كمان. لالا مش ممكن."
لم يسمع كلامها، بل كان شارداً في وجهها الملائكي البريء وعيناها التي تتزين بعدسة كبيرة سوداء كظلام الليل، تلمع مثل النجوم. لقد رأى عيون كثيرة من جميع الألوان، خضراء وزرقاء ورمادي وبني وعسلي يميل إلى الأصفر أيضاً، ولكن لم ير عيون باللون الأسود وهذا البريق الغريب الذي في عينيها أبداً. كانت جميلة جداً برموشها الكثيفة التي تزيد من جمالها.
أفاق من شروده على صوتها وهي تحاول الوقوف وتتمتم بغيظ وصوت منخفض:
"أنا همشي. مستحيل أقعد أكتر من كدا. قال شهور قال."
اقترب منها سريعاً خائفاً بأن تقع على الأرض، فهو يعلم أن ساقيها ضعيفة. كاد أن يلمسها إلا قاطعه صوتها الحاد:
"اياك تلمسني. متعرفش إنه حرام حضرتك."
نظر لها بإعجاب وغضب في نفس الوقت بسبب نبرتها، ولكن أردف بهدوء:
"مش هلمسك. بس انتي اقعدي وارتاحي عشان متأذيش نفسك."
أردفت وهي تتحمل على يديها في محاولة للوقوف:
"لا أنا هقدر أق... ااااااه."
صرخت وهي تتهاوى على الأرض. أغمضت عينيها بقوة تنتظر ارتطام جسدها على الأرض. أما هو، فعندما رآها تكاد تقع، حاوطها بيده بسرعة جاذباً لها إلى حضنه وأخذ يتأملها وهي مغمضة عينيها بقوة وتضم شفتيها بخوف.
كانت تنتظر ارتطام جسدها في الأرض، فلم تشعر بشيء سوى شيء حديدي كما وصفته في مخيلتها يحيط بها. فأردفت ببلاهة:
"هي الأرض بعيدة للدرجة دي؟ وأي حديد اللي محاوطني دا؟"
ثم فتحت عينيها ببطء، وجدت نفسها داخل أحضانه وهو ينظر لها ويحاول كتم ضحكاته بصعوبة بسبب ما تفوهت به تلك المجنونة.
"عاااااااا! ابعد، متلمسنييش! ابعدددد!"
أردفت بها بغضب وهي تحاول الابتعاد عنه.
أردف بإستفزاز:
"بس بس اتهدي. كفاية إنك تقيلة عمالة تتحركي كمان. وبعدين أنا قولتلك ارتاحي عشان متأذيش نفسك، بس لا عاندتي وقومتي والنتيجة كانت إيه؟ كنتي هتقعي وتتأذي."
نظرت له بغيظ وهي تحاول الابتعاد عنه، فهي لا تسمح لأي رجل بأن يلمسها سوى أخيها وأبيها. أردفت بتلعثم بسبب قربهم الشديد:
"طب مم... ممكن تسيبني... مينفعش كدا حضرتك حرام."
وضعها على السرير مرة أخرى برفق وأردف بأمر:
"متتحركيش من مكانك، فاهمة؟ هروح أجيب الأكل عشان دواكي. ايااااكي، ثم اياااااكي تتحركي من مكانك يا حوراء."
أنهت كلامه وتركها دون أن يترك لها فرصة للرد. أردفت بعد رحيله بحنق:
"نننانانانانا! اياكي تتحركي من مكانك! نانننانااا! هو مين أصلاً عشان يكلمني بالطريقة دي؟ أنا هوريه إني مش ضعيفة، وبما إني قدرت أقوم مرة هقدر تاني مرة إن شاء الله."
أنهت كلامها وهي تحاول الوقوف مرة أخرى، ولكن فجأة...
***
"فين ده كمان؟ مش قال نص ساعة وجاي ورانا؟"
أردف بها هشام بغضب وهو يجلس في المكتب في الشركة.
رد بيجاد ببرود وهو يحتسي كوب القهوة ويجلس على الأريكة التي في زاوية المكتب ويضع قدميه على الطاولة الصغيرة من الزجاج التي أمامه:
"وعدت تلت ساعة يعني لسه فاضل عشر دقايق. وانت عارف الذئب ملتزم ف مواعيده، فمتعصب ليه؟ ارتاح إنت وهتلاقيه. هنا متخفش."
شام بغضب من برود الآخر:
"يخربيت برودك يا أخي. هستنى إيه يعني؟ وأنا مصاحب أبرد اتنين على وجه الأرض. غوروا، جتكم الارف."
بيجاد ببرود مرة أخرى:
"اهدأ يا عم. انت بتقفش بسرعة ليه؟ وبعدين قولتلك لسه فاضل 10 دقايق. ماتشغلش بالك إنت بس وارتاح عشان متتعبش. إنت متعرفش إن العصبية غلط على الصحة."
هب هشام واقفاً وتحولت عيناه إلى الأخضر القاتم من شدة غضبه:
"أنا خارج دقيقة وجاي عشان مرتكبش جناية هنا. ويستحسن إني لما أرجع مش ألاقيك هنا."
أو خرج صافعاً الباب خلفه بقوة.
أما الآخر، فضحك على غضب صديقه السريع وأكمل باقي القهوة ببرود.
لم يكمل ثوانٍ حتى هب واقفاً وهو يسمع صوت صرخات امرأة تملأ الشركة. خرج من المكتب سريعاً. توسعت عيناه وهو يرى صديقه يمسك أنثى الببغاء تلك، كما يلقبها، من شعرها بعنف وهو يصرخ بها. حمد ربه أن مكتب ريان في جناح خاص بمفرده.
اقترب منه سريعاً وهو يحاول فك يده عن شعر تلك التي كانت تصرخ بألم وهي تشعر بأن شعرها يكاد ينخلع من مكانه. أحاطه من الخلف وهو يبعده عنها وأردف:
"سيبها يابني آدم حرام عليك. البروكة سيبهااااا."
استطاع أخيراً إبعاده عنها بصعوبة، وذلك المتحول يحاول الاقتراب منها مرة أخرى ولكنه لا يستطيع بسبب تلك الأيدي التي من الفولاذ تحاوطه بقوة منعاً من اقترابه منها. فأردف مزمجراً:
"وديني وما أعبد، لو مامشيتيش من قدامي دلوقتي لكون قااتلك. غوووووري."
نهضت بسرعة وهي تركض من أمام ذلك الوحش المفترس وهي تلعنه وتلعن تفكيرها الغبي بأنها تستطيع إغراءه.
أخذه بيجاد بقوة إلى المكتب. فأبعده هشام عنه بغضب وزادت قتامة عينيه واحمرت بقوة وبرزت عروق جسده بشكل مخيف. فأردف بيجاد بضحك:
"حرام عليك يا عم الأخضر. انت ليه كدا؟ مكنتش خايف إن البروكة تتطلع في إيدك؟ وكان منظرها هيبقي بشع."
هشام بغضب وزمجرة:
"بيجاااااد ابعد من وشي وبطل برودك دااا. وبنت ال***** أنا هعرف أتصرف معاها. قال جياني وبتمشي زي البقر لما يحب يدلع وبتقولي ياهشام باشا. أنا هنا وقت ما تكون محتاج حد يكون جنبك. لا وكمان اتجرأت وحطت إيدها على كتفي."
كان يتحدث وهو يقلدها بغضب واشمئزاز. قهقه بيجاد بقوة، فهو يعلم صديقه بأنه لا يحب صنف النساء عامة.
"ههههه ااااه هههه يالهوووى ههههه. حرام عليك. وعلشان كانت عايزة تقف جنبك تجيبها من شعرها هههه. ده إنت عديم الإحساس والمشاعر."
وغمزة بخبث.
هشام بغضب وهو يحاول تهدئة نفسه:
"علشان متتجرأش وتعمل كدا تاني. وقسماً بربي لو ما جت لحقيتها كنت دلوقتي هتكون شايف جثتها قدامك."
وأكمل بتقزز وكره:
"هما كلهم كدا. كل همهم الفلوس. حتى لو كانوا هيبيعوا نفسهم."
أردف بيجاد بجدية هذه المرة:
"غلطان يا صاحبي. صوابع إيديك مش زي بعضها. والبنات كدا مش كلهم بيبيعوا نفسهم عشان الفلوس. إنت اللي كان اختيارك غلط."
"بيجاااااااد."
أردف بها هشام بغضب شديد.
أردف بيجاد ببرود:
"نعم."
وأكمل بحده:
"متنكرش إن اختيارك كان غلط. ومش عشان اللي حبيتها كانت بتخدعك يبقى كلهم زيها. ومش عشان كل اللي بنشوفهم مش كويسين يبقى كلهم كدا. إحنا بنشوف اللي مش كويسين عشان مفيش قدامنا غيرهم حالياً. بس أكيد هييجي وقت وتشوف فيه يا صاحبي إنك غلطان. وافتكر كويس إن مش كل البنات هايدي ولا هايدي ف كل البنات."
"بسسسس! مش عايز أسمع اسمها. متجبش اسمها قدامي. هي ماتت بالنسبالي خلاص. وكلهم واحد. كلهم صنف *****. متقنعنيش إن فيهم محترم. كلهم كلاب فلوس... كلاب فلوس."
أصبح يصيح بها وهو يضرب يده بقوة في الحائط حتى نزفت، ولكنه لم يأبه لها. اقترب منه بيجاد وأداره له بعنف وسدد له لكمة قوية لعله يعود إلى رشده ومن حالة الغضب التي سيطرت عليه. نظر له هشام نظرة نارية، ولكنه لم يتكلم، فهو يعلم أنه فعل هذا خوفاً عليه من غضبه.
تركه وجلس على الأريكة بإرهاق وهو ينظر إلى اللا شيء. أردف بيجاد بمرح محاولاً إخراج صديقه مما هو فيه:
"بس قولي يا هشام. أنا نسيت ما أسألك من اللي حصل دا."
أردف هشام وهو ينظر له:
"في إيه؟"
بيجاد بمرح وبرود شديد:
"انت قلت إن أنا وريان مفيش أبرد مننا على وش الأرض. يعني هو ممكن يكون في أبرد مننا، بس على كوكب المريخ مثلاً."
هشام بغضب:
"بقوووولك إيه؟ احتفظ ببرودك وأسألتك لنفسك. أنا مش ناقصك. وخليك ف حالك عشان أنا أقسم بالله عفاريت الدنيا بتتنطط قدامي دلوقتي."
ضحك بيجاد على صديقه وجلس بجواره وبدأوا في الحديث معاً منتظرين قدوم رأس المثلث، غافلين عن ما يخطط لهم من وراء ظهرهم بحقد وغل منهم.
***
عاد وهو يحمل في يده بعض الأكياس التي بها الأكل وطرق الباب احتراماً لخصوصيتها. وهذا الاحترام ليس من عادته أبداً.
(قليل الأدب كان بيدخل على طول. هو محدش علمه ف الحضانه إن من آداب الدخول الطرق أولاً ولا إيه 😂)
ثوانٍ ولم يجد رد، فطرق الباب مرة أخرى ولم يجد رد أيضاً. فاقترب من الباب وكاد أن يتحدث إلا قاطعه صوت أنينها المتألم.
فتح الباب بقوة. نظر لها بصدمة وخوف وهو يراها جاثية على الأرض تمسك كاحلها بألم شديد وهي تعض على شفتها السفلية مانعة عدم خروج صراخها المتألم.
اقترب منها بفزع وانحنى حاملاً إياها تحت نظراتها المعترضة، ولكنه لم يعرها اهتمام ووضعها على السرير برفق. ونظر إلى قدمها التي تمسكها، فأبعد يدها بهدوء. جاءت لتعترض، نظر لها نظرة آخرستها.
أمسك قدمها بحنية عكس مشاعر الغضب التي تحتله وتحتل عينيه. فحصها ببراعة وجد أن كاحلها ملتوي.
فنظر لها بغضب مردفاً بهدوء:
"هتتوجعي شوية وبعدها مش هتحسي بألم. استحملي بس."
ولم يترك لها فرصة لفهم ما قاله وقام بعدل كاحلها بقوة جعلها تطلق صرخة عالية متألمة.
ثم أخذ شاش أبيض وقام بلفه جيداً على قدمها مراعياً الألم. نظر لها بهدوء رغم ألمه لسماع صوتها المتألم وغضبه منها أيضاً، ولكن ما أثار دهشته للمرة الألف أنه لم يرى دموعها. فأي فتاة مكانها لكانت بكت بقوة من الوجع، ولكنه أردف بثبات:
"معلش شوية وهيروح أثر الوجع."
أردفت بصوت منخفض متألم:
"إنت عملت كدا ليه؟ وجعتني أوي."
أردف بغضب يحاول التحكم فيه:
"عشان كانت ملتوية يا أستاذة. وأكمل بتوجس متسائلاً رغم أنه يعرف الإجابة جيداً... إيه اللي حصل بالظبط؟"
أردفت بتلعثم:
"هو... يعني... أصل أنا.. كنت.. أنا..."
أردف بنفاذ صبر:
"إنتي إيه يا حوراء؟"
ابتلعت ريقها بتوتر وأغمضت عينيها وأردفت مسرعة:
"أصل أنا كنت بحاول أقوم ووقعت."
انتظرت رد فعله وهي مغمضة العين، ولكنه لم يفعل شيئاً. فتحت عينيها ببطء، وجدته ينظر لها بغضب جحيمي يكاد يفتك بها.
فأردف بصوت هادئ ويمكننا القول هذا الهدوء الذي دائماً ما يسبق العاصفة:
"حاولتي تقومي، امممم... طيب وأنا قبل ما أخرج قولتلك إيه؟"
ليرد:
"أظن إني قولتلك متتحركيش من مكانك. حصل ولا محصلش؟"
أردفت بتوتر وهي تنظر في كل مكان ما عداه:
"حـ.... حصل."
"أماااااال إيييييييه؟ إنتي بتعاااندي وخلااااص؟ كنتي هتأذي نفسك عشان عنااادك دااا؟ لماااا فهمتي كلااااامي معملتييش بيه ليييييه؟ هاااااا؟ انطططقي!"
صرخ في وجهها بقوة وغضب ولم يرى انتفاض جسدها مع كل كلمة خرجت منه وانكماشها على نفسها وهي تنظر له بخوف كبير.
أردفت بقوة رغم الخوف الظاهر في عينيها وجسدها المنكمش:
"حـ... حضرتك ملكش الحق إنك.... إنك تعلي صوتك كدا عليااا. وأنا كدا كدا هقوم عشان أمشي من هنا. منا ليا بيت وإخوات يقلقوا عليا برضو."
تجاهل كلامها وهو يحاول الهدوء بعدما رأى نظرة الخوف منه في عينيها وأردف بثبات وهو يحاول ألا يفقد السيطرة ويحطم رأسها اليابس هذا:
"اسمعيني كويس. عشان اللي حصل دا لو اتكرر مرة تانية مش هعديها. إنتي هتاكلي دلوقتي زي الشاطرة وتخلصي الأكل دا كله عشان تقدري تاخدي الدوا. تمام؟"
كان يتكلم وهو يجذب أكياس الطعام ويضعها أمامها.
شهقت بخفة وهي ترى تلك الكمية من الأكل. فهو أحضر لها سندويتشات برجر باللحم وسندويتشات بالجبنة وكثير غيرها، وغير تلك العصائر التي أحضرها بجميع أطعمتها لأنه لا يعلم ماذا تحب. ولكن ما لفت انتباهها هي تلك العلبة التي كانت في شكل عصير شاليموه، كانت شوكولاتة بالحليب.
فنظرت له ببلاهة متناسية غضبه عليها منذ قليل:
"هو إنت هتأكل بطة؟ إيه اللي أخلص الأكل دا؟ دا يكفيني لسنة قدام."
كتم ضحكته على شكلها المصدوم وأردف بجدية مصطنعة:
"أنا قولت هتاكلي يعني هتاكلي. يلااا."
أردفت حوراء بغيظ منه:
"هو إنت مش معاك مرضي غيري يابنى آدم؟ إنت ماتروح تشوفهم وخد معاك الأكل دا يمكن هما جعانين وسيبني ف حالي."
نظر لها ريان وأردف بحدة:
"مش هعيييد كلامي تاااني يا حوراء."
تأففت بضيق وأخذت منه الأكل. نظر لها بانتصار وأردف بهدوء:
"بعد ما تاكلي اضغطي على الزر دا وهتيجي ممرضة عشان تشيل الأكل وهتديكي الدوا كمان. وأنا همشي ورايا شغل بس هاجي تاني. وعلى الله ألاقيكي مكلتيش الأكل كله أو جربتي تقومى من مكانك. وقد أحذر من أنذر مفهوم؟"
"مفهووم مفهوم. اتكل على الله بس إنت وروح شوف شغلك."
أردفت بها بحنق من تسلطه عليها. ولكن ما أدهشها هو عنادها وتمردها عليه. فها هي عادت روحها المجنونة بعد سنين ظنت أنها لن تستطيع العودة كما كانت، ولكن ها هي تعود. ولكن ما تسأله لنفسها؟ لماذا هو؟
أما هو، فنظر لها بذهول من كلامها ولكنه لم يرد عليها وذهب إلى خارج الغرفة، بل خارج المستشفى بأكملها متجهاً إلى الشركة.
فور خروجه، نظرت إلى مكانه بغيظ وتمتمت بغيظ:
"بااارد... ديكتاتوري... رخخخم عااااااا."
وأكملت وهي تنظر إلى الأكل:
"بس مش بخيل."
وبدأت في الأكل، فهي كانت تشعر بالجوع الشديد.
بعد نصف ساعة تقريباً، انتهت من الأكل وهي تتنفس بصعوبة من كمية الأكل التي أكلتها. ولكنها لم تشرب أي عصائر سوى التي بالتفاح والشوكولاتة بالحليب، فهي تعشقه.
ضغطت على الزر الذي أخبرها عنه. دقائق وسمعت طرقاً على الباب، فسمحت لها بالدخول. فدخلت ممرضة بطولها الفارغ وجسدها النحيل بعض الشيء وشعرها الذي يصل إلى بعد كتفيها بقليل ولونه البني وبشرتها الغامقة قليلاً وعينيها العادية، ولكنها كانت جميلة ببساطتها.
ابتسمت لها حوراء، فبادلتها الممرضة الابتسامة واقترب منها وأخذت الطعام من أمامها وذهبت. دقائق وعادت مرة أخرى وهي تحمل الأدوية في يديها. فقد نبه عليها مديرها بأن التي تذهب لها تكون ممرضة وليس ممرض، وأن تعطيها الدواء بعد أن يأخذ الطعام من أمامها بعد تأكده من أنها أكلت جيداً.
ولكن ما جعل حوراء تشهق بخوف وهي ترى ذلك الشيء الذي تعبئه. أردفت حوراء بخوف وتلعثم:
"هوو.. هو إيه دا؟"
نظرت لها الممرضة وابتسمت على شكلها الطفولي الخائف. فهي لم تنكر أنها انصدمت عندما رأت جمالها ورقتها، ولكنها أردفت بهدوء:
"دي حقنة لازم تاخديها عشان تخفي بسرعة."
حوراء بداخلها بغيظ:
"أكيد دا الدكتور المتسلط اللي قالها تديني حقنة. مااشي، لما أشوفه بس بعد ما أتصرف في المصيبة اللي أنا فيها دي."
فنظرت للممرضة وابتسمت ببلاهة:
"أي أخف بسرعة دي؟ هو أنا طفلة وبقولك أي حاجة. تعالي وسيبك بلا حقنة بلا دوا وتعالى نحكي مع بعض. أنا ملانة أصلاً، وأهو نسلي بعض. أي رأيك؟"
ضحكت رنا عليها وعلمت خوفها من الإبرة:
"متخافيش، على فكرة أنا إيدي خفيفة ومش هتحسي بحاجة."
حوراء بإندفاع:
"وأنا مالي بإيدك خفيفة ولا تقيلة؟ أنا كل اللي يهمني البتاعة اللي ماسكاها في إيدك دي. بقولك إيه ارميها وخلينا صحاب أحسن. هااا، أي رأيك؟"
ضحكت رنا بقوة هذه المرة:
"ههههه يالهوى! إنتي مش معقولة بتخافي من حقنة."
حوراء بطفولية لذيذة:
"ااه ونبي بعديها عني. مش عايزة حقن أنا."
اقتربت منها رنا وأمسكتها تحاول أن تديرها إلى الخلف:
"اسفة مقدرش. دي تنبيهات المدير."
حوراء بخوف وهي تحاول الابتعاد:
"ااه، ما هو أكيد الدكتور المتسلط هو اللي قال للمدير بتاع المستشفى دي إنه يقولك كدا عشان تخافي وتنفذي أوامره. مااشي، بس لما أشوفه."
ضحكت رنا وأردفت بتساؤل:
"الدكتور المتسلط مين دا؟"
حوراء وهي تدف بغيظ:
"الأخ اللي ااا... كان اسمه إيه دا كمان... اااه اسمه كان ريان تقريباً دا."
شهقت رنا بصدمة ونظرت حولها كأنها تتأكد بأنهم بمفردهم:
"يالهوووى يابنتي دا لو سمعك مش هيكفي فيكي موتك."
أخيراً تحررت حوراء من يدها وأردفت بردح:
"لييه إن شاء الله؟ كان مين هو ولا كان مين؟"
رنا وهي تضع يدها على فم حوراء:
"هششش! يخربيتك هتطردينا. دا الذئب يابنتي متعرفيهوش. دا مدير أكبر الشركات المعمارية والهندسة في أنحاء العالم ومدير أكبر المستشفيات برضه. وهو مدير المستشفى دي. دا يعتبر نمبر وان في كل حاجة. حتى في الغنى مفيش أغنى منه. ومحدش بيقدر يقف قدامه ولا حتى يتكلم عنه كلمة وإلا يقول على نفسه يا رحمن يا رحيم."
نظرت لها حوراء وأبعدت يدها عنها وأردفت باستنكار:
"المفروض أصدق أنا يعني؟"
رنا وهي تضع الحقنة جانباً وتخرج هاتفها من جيب سترتها وتعبث به:
"ثواني هأكدلك."
ثم وضعت الهاتف أمام عينيها:
"أهو يا ستي اقري كويس. ولا أقرألك أنا؟"
حوراء وهي تلتقط الهاتف منها وتنظر للهاتف بصدمة وتقرأ تلك المعلومات عن الذئب ريان الكيلاني ولا تصدق ما تقرأه، فكلام هذه الفتاة صحيح. وأعطت الهاتف لرنا مجدداً تحت صدمتها وهي تردف:
"بقولك إيه اقرصيني كدا."
".... اااه."
صرخت بألم بعد ما قرصتها رنا ثم أردفت بغيظ:
"إيييه براااحة. وأكملت متسائلة... ااه صحيح هو إنتي اسمك إيه؟ أنا اسمي حوراء."
التقطت رنا الحقنة مجدداً وهي تردف:
"رنا اسمي رنا. وعلى فكرة اسمك جميل ونادر يا حوراء. ويلا بئااا عشان لو جه ولقاكي مخدتيش الدوا هيقلب علينا."
حوراء بخوف وعناد عاد إليها مجدداً:
"لااااا أنا مش هاخد حقن وشكراً ليكي اتفضلي يلااا. لو في دوا غير الحقن هاتيه، لكن دا لااا."
أردفت رنا بعملية:
"مش هينفع. إنتي لازم تاخدي الحقنة. وأيوا في دوا غيره بس مش دا معده. يلا بقي قبل ما يرجع."
حوراء بغضب من ذلك ريان لأنه أعطى أوامر بإعطائها تلك الإبرة اللعينة:
"قولت لااااا. ومعلش اتفضلي من هنا. عايزة أرتاح. وأنا هتصرف معاه لما ييجي."
نظرت لها رنا بقله حيلة وذهبت، ولكنها كانت خائفة من رد فعل مديرها.
***
قبل نصف ساعة. خرج من المشفى متوجهاً إلى الشركة. قاد سيارته بسرعة كأنه يتسابق مع الريح. وصل الشركة في زمن قياسي. ترجل منها وهو يضع نظارته السوداء مما زاده هيبة وشموخ ومهابة. دلف إلى الشركة وتحيط به هالة من الثقة والبرود تجعل كل من يراه يموت رعباً بسبب هذه الهالة التي تحيط به.
صعد المصعد بشموخ ودقائق حتى وصل إلى جناحه الخاص في الشركة وكان آخر دور فيها. دلف إلى مكتبه وهو يرى بيجاد وهشام يجلسان سوياً. رآه هشام ثم نظر إلى ساعته وأردف بهدوء:
"في معادك بالظبط."
أردف ريان بثقة:
"أنا مبتأخرش ولا بخلف بمواعيدي يا هشام."
أردف هشام بجدية:
"طيب يلا عشان نراجع الصفقة قبل ما تبدأ. خلاص فاضل عليها ربع ساعة."
جلس ريان واتكأ إلى الخلف على كرسيه الجلدي الذي باللون الأسود ووضع قدماً فوق الأخرى وأردف بغموض:
"الورق اللي معاك ده مش ورق الصفقة الحقيقية."
أردف بيجاد هذه المرة:
"قصدك إيه مش حقيقية؟"
ريان وهو يتحدث بكل ثقة وبرود:
"يعني دا هو ورق الصفقة. وأخرج بعض الأوراق من الخزانة التي توجد أسفل مكتبه."
اقترب منه هشام وأخذ الأوراق وأردف بعدم فهم:
"وليه متكونش التانية الصفقة يعني؟"
أردف ريان وهو ينوي إنهاء هذه الأسئلة:
"هفهمكم. أولاً السكرتيرة اللي شغالة تحت إيدي دي خاينة وبتوصل كل الصفقات والمعلومات لشركة الهواري اللي هو منافسنا في الصفقة دي. وأنا هتجنب سؤالكم اللي هو: مدام إنت عارف إنها خاينة مطردهاش ليه؟ أول ما عرفت الجواب هو إني استغليت خيانتها وخلتها توصله كل المعلومات اللي أنا عايزها توصلهاله. يعني هو حالياً معاه كل المعلومات، بس المعلومات المضروبة. وبعد ما تخلص الصفقة دي اللي أنا متأكد إنها هترسي عليا عشان مفيش حاجة بتستعصي على الذئب، هتفرغ ليها وأعاقبها على خيانتها اللي معنديش ليها غير عقاب واحد بس. مش أنا اللي هنفذ العقاب، اللي هينفذه هو الهواري ذات نفسه اللي هي خانتنا عشان رشاها بشوية فلوس."
بيجاد بإنبهار من تفكير صديقه:
"يخربيتك! مش دماغ عليك دي."
ضحك ريان، ولكن كانت ضحكة مخيفة لا تبشر بالخير إطلاقاً.
أردف هشام متسائلاً:
"طيب إزاي الهواري هو اللي هينفذ العقاب اللي إحنا عارفينه اللي هو الموت عندك؟"
ريان بثقة وهو ينهض من مكانه:
"هتعرف بعد الصفقة. ويلا عشان هتبدأ."
أومأ له هشام بهدوء.
وقف بيجاد بمرح وأردف:
"ارووووووح معاااااكوووو."
بصوت اللمبي في فيلم كركر.
ريان بضحك على مرح صديقه:
"يلا يلا ربنا يصبرنا عليك. أنا مش عارف إنت ظابط إزاي."
بيجاد بضحك:
"مش عارف ليه محدش مصدق إني ظابط. وكمان ظابط مخابرات. أعملكم إيه يعني عشان تصدقوا؟"
وأكمل بطريقة مسرحية وهو يمسك بداية التيشيرت الخاص به:
"...أشق هدومي منكوووه."
هشام وهو يضربه على مؤخرة رأسه:
"لا انشف بس."
نظر له بيجاد وأردف بغيظ:
"قصدك إيه بأنشف دي ياهشااام؟ هااا؟ قصدك إيه؟ إنت بتشك في رجولتي يااض؟"
هشام بإستفزاز:
"لالا أنا مش شاكك أنا متأكد. ويلا عشان ورانا شغل مش فاضيين لتفاهتك."
وتركهم وخرج متوجهاً إلى قاعة الصفقات.
نظر له بيجاد بغيظ وأردف بحنق وهو يتوعد له:
"ماشي ياهشاام الكلب! والله ماسايبك."
وكاد أن يذهب خلفه إلا تلك اليد التي مسكته.
نظر خلفه وجد ريان يضحك بقوة وأردف من بين ضحكاته:
"معلش عديها لبعد الشغل دلوقتي. ههههه."
بيجاد بغيظ:
"عجبتك أوووى يعني؟ أنا يتشك في رجولتي أنااا؟"
ريان بجدية:
"خلاص يابيجاد قلبك كبير. ويلا تعالي."
وتركه وذهب وعاد إلى هيبته وشموخه وثقته. وعاد وجهه القاسي كأنه لم يكن يضحك منذ قليل.
"والله لو ماكنتوو اصحابي كنت قتلتكوا بدري. جتكم الارف في معرفتكم."
كان يتمتم بها بيجاد بغيظ وهو يذهب خلفهم.
بعد ساعة ونصف، خرج ريان وعلى وجهه ابتسامة خبيثة، وخلفه هشام وبيجاد الذين يبتسمون لربحهم للصفقة.
ذهبوا إلى المكتب مرة أخرى. فأمسك ريان هاتفه وكتب شيئاً وبعثه إلى أحد ما، ثم أخرج الخط وكسره وابتسم بشر. ونظر إلى هشام وبيجاد الذين ينظرون له بتوجس.
فأردف بيجاد:
"بقولك إي يا جدع إنت متضحكش. خليك مكشر. يخربيت ضحكتك اللي تخوف دي."
وأكمل هشام متسائلاً:
"هاا عملت إيه؟ وإيه سر الابتسامة دي؟"
رد ريان بشر:
"نفذت العقاب. بعت رسالة للهواري إن السكرتيرة كانت بتخونه هو وإنها كانت بتوصله المعلومات الغلط بأمر مننا إحنا. وكانت متفقا معانا إحنا إنها توهمه إنها بتخون."
بيجاد بإعجاب:
"مخ الماظ يباشا. الماااظ."
ابتسم له ريان ثم التقط هاتف مكتبه وطلبها إليه. دقائق وسمع صوت طرق الباب، فسمح لها بالدخول. فدخلت وهي خائفة بشدة. ليس لأنها خانتهم، فهي تظن أنهم لا يعلمون، ولكن تظن أن هشام حكى كل شيء لريان وطلب منه طردها. وهذا سيسبب لها المشاكل مع الهواري.
أردفت بثبات كاذب:
"نعم ياريان بيه."
نظر لها ريان بغضب وتوجه لها وأردف بصوت مرعب:
"إنتي مطرودة ومش عايز أشوف وشك هنا تاني أو حتى قدام الشركة."
ردت ببكاء كاذب وكل علمها بأنه يطردها بسبب فعلتها مع صديقه:
"أنا آسفة ياريان بيه. مش هعمل كدا تاني. أنا لقيته مدايق بس وكنت حابة أخفف عنه."
نظر لها ريان بعدم فهم لكلامها، ولكنه نظر إلى هشام وبيجاد الذين أومأوا له بأنهم سوف يقولون له لاحقاً. فأردف بغضب وصوت كفحيح الأفعى:
"إنتي فاكرة إن بسبب عملتك دي أنا هطردك؟ تؤ تؤ تؤ. أنا هطردك عشان عارف خيانتك وإنك بتتواصلي مع الهواري. ثم أمسكها من شعرها بعنف وأردف بصوت عالٍ:
...ورحمة أمي لو شوفت وشك تاني لهكون دافنك مكانك. مش واحدة *****زيك اللي تتجرأ وتخوني. إنتي فاكرة إني كنت مش عارف باللي بيحصل؟ تبقي غبية وستين غبية كمان. لأنك ناسيه إنك بتشتغلي عند الذئب اللي مبيرحمش. براااااااا. ومش عايز أشوف وشك هنااااا. برااااااا."
كانت تنظر له بخوف. كيف علم هذا؟ كيف علم بخيانتها له؟ ولكن عندما سمعت كلامه وهو يأمرها بالخروج، وجدتها فرصة منحت لها للعيش مرة أخرى. فهي تعلم أنه لا يرحم أبداً وخرجت وهي تحمد ربها وأنه كتب لها حياة جديدة. ولكنها لم تكن تعلم ما سيحدث عند نزولها من الشركة.
في المكتب:
"هو ليه كله مستعجل على البروكة اللي لابساه؟ مش حرام عليكم."
أردف بها بيجاد بمرح.
ابتسم هشام عليه، فهو يعلم مقصده. ثم نظروا إلى ريان ووجدوه يقف أمام الحائط الزجاجي الذي يظهر الشركة من الأمام. وجدوه يبتسم بشر. اقتربوا منه ونظروا إلى ما ينظر إليه، وجدوا تلك أنثى الببغاء تركض إلى خارج الشركة. ومالفت انتباه بيجاد تلك السيارة السوداء الكبيرة التي تقف بجانب الشركة. فعلم على الفور سبب وقوفهم هناك.
دقيقة اثنتان ثلاث دقائق حتى اتسعت أعين هشام وبيجاد وهم يرون ذلك السلاح الذي يخرج من زجاج تلك السيارة وأطلق رصاصة استقرت في رأسها أدت إلى وقوعها جثة هامدة مفارقة الحياة.
نظر هشام وبيجاد إلى ذلك الذي يبتسم بشر كأنه يرى فيلماً أمامه. فأردف هشام بغضب:
"قتلتهااااا."
نظر له ريان ببرود:
"تؤ تؤ. مقتلتهاش. دا الهواري عشان مفكر إنها خانته وإنها السبب في خسارته للصفقة."
ثم توجه وجلس على كرسيه بهدوء تام وطلب من هشام أن يجد له سكرتيرة أخرى. وطلب منهم أيضاً أن يفسروا له كلامها الذي لم يفهمه.
فقص عليه هشام وبيجاد ما فعلته. وضرب هشام لها. فقهقه ريان بقوة على فعلة صديقه المتوقعة منه، فهو لا يطيق النساء.
فأردف بيجاد ضاحكاً:
"كان ماسكها من شعرها لدرجة إنه كان هيطلع في إيده. وبعدها جيت إنت وكملت عليها. مخفتوش على البروكة؟ ده إنتوا ناس جاحدين بجد."
ضحكوا على كلام صديقهم وجلسوا مع بعض الوقت. ثم ذهبوا عائدين إلى المنزل. وعاد ريان إلى المنزل أيضاً وهو ينوي على فعل شيء ما.
***
في مكان مظلم أول مرة نروحله. بعد أن وصلته رسالة تخبره بأنها خانته، أمسك هاتفه واتصل على حراسه وأردف بغضب:
"اقتلوها."
وأغلق دون سماع الرد. وألقى كأس النبيذ الذي كان يشرب منه بغضب وهو يتوعد لمن خسره هذه الصفقة. وابتسم بشر كبير وهو يفكر ماذا يفعل حتى يتخلص منه.
رواية الطبيب العاشق الفصل الرابع 4 - بقلم منة جبريل
جاء الليل معلنًا انتهاء يوم كامل حمل بين طياته الألم، الإرهاق، والفراق، وانتهاء يوم كان يحمل إلتقاء وحياة جديدة.
بعد خروجه من الشركة عاد إلى المنزل وهو يقرر فعل شئ ما. توجه إلى غرفة شقيقته ليجدها جالسة تعبث بهاتفها. ابتسم لها وتقدم ناحيتها وقبل رأسها بحنان.
"يومك كان كويس؟"
"أفضل من كويس يا أبيه."
ابتسم لها مهمهمًا ثم قال بهدوء: "دا شيء يسعدني، حاليًا عايز منك خدمة."
أماءت له كيان وأنصتت له باهتمام وفضول، ليبتسم ريان ثم قص عليها ما يرده منها وكان ردها هو الموافقة بحماس شديد.
وصل إلى المشفي بوجه جامد يخلو من المشاعر ودلف بكل هيبة لا تليق إلّا به. توجه إلى حيث توجد غرفتها ووقف للحظات أمام الباب ثم طرقه مستأذنًا.
كانت جالسة في تلك الغرفة التي لم ترى حتى ما شكل بابها من الخارج خائفة، حزينة، ومرهقة. كان قلبها ينبض بالتعب. ألَا يكفي أن الحياة سلبت منها والدتها، تلك المرأة التي لا يعوضها الزمن أبدًا، سلبت منها ملجأ الطمأنينة الذي كانت تلتجئ له وقت شعورها بالفزع؟ هي على يقين بأن الله عادل في قضائه، ولهذا أكرمها بأخ مثل أخيها، ولكن الحياة لم تريد لها أن تعيش في أمان. فمثل ما سلبت منها اطمئنانها، سلبت منها أمانها أيضًا، سلبت منها ذلك الشخص الذي كانت تشعر معه بالأمان، سلبت منها سندها في هذه الحياة بعد خالقها وأبعدتها عنه. ولكن لكف الله في كل مرة يدركها، فها قد أرسل الله لها ذلك الشخص ليعتني بها في وقت غياب ملجأها وأمانها.
تجلس بينما تضم قدميها إليها وتضع رأسها بينهما. وعيناها تحكي عن ألم ينخر روحها بعبرات تهطل وكأنها حمم تُصهر وجنتيها. وعقلها لا يرحمها من التفكير المؤلم مما يزيد من تمزق قلبها. ألَا يرأف بحالها وحال قلبها ويتوقف عن التفكير؟ كلما أتت لها فكرة سئية، تقول مواسية لنفسها: "لا بأس، فالله معي ويراني ويشعر بي."
لم تعتاد على البوح بما تضمر بداخلها لسوى الله وأخيها من بعده. فلما شكواها عند الله تكون على يقين بأن الله يدبر لها أمرًا يجبر كسرها ويحول حزنها سرورًا. ولما حديثها مع أخيها تكون على ثقة بأنه كله آذان صاغية، يحمل معها آلامها التي لم تستطع حملها بمفردها.
تخاف الوحدة، تخاف الظلام، تخاف أن تجلس بمفردها وينفرد بها عقلها ويرهقها بتفكيره الكثير. تخاف أن تأتيها فكرة ما فتبعد عنها شيئًا جميلًا قادمًا في يوم ما. تخاف من وسواس ذلك الإبليس، ولكنها تؤمن بالله وبحكمته وهي لن تعترض أبدًا على شيء.
شعرت بأقدام تقترب من الباب وفجأة جفت دموعها التي لم تتوقف منذ ساعات منذ أن بقيت بمفردها وها هي الآن جفت فجأة. اعتادت على هذا، ولم تتفاجأ واختفت علامات الحزن التي كانت تنتشر على وجهها.
ارتسمت ابتسامة هادئة وجميلة على شفتيها وأمرت الطارق بالدخول ظنًا منها أنها إحدى الممرضات. ولكن وجدت أن الطارق هو، دهشت في بادئ الأمر ولكن لم تهتم كثيرًا. بما أنه طبيبها فمن البديهي رؤيته مجددًا ومجددًا.
فور دخوله تحدث بهدوء: "أخدتِ علاجك؟"
وهنا تذكرت أمر تلك الإبرة، لتشعر بالتوتر من رد فعله. ولاحظ هو توترها ليردد مشددًا على كلماته: "أخدتِ علاجك... حوراء؟"
تنهدت بقوة ثم قالت بهدوء: "لا، معجبنيش."
"يعني مأخدتيش علاجك لأنه مش عجبك!"
"دا اللي حصل يا دكتور."
أغمض عيناه متنهدًا يحاول السيطرة على نفسه وأن هذه مريضة وليست أحد منافسيه في العمل، ليقول بهدوء عكس داخله: "تمام، أنا بنفسي هديكِ العلاج، وإذا عندك الجرأة اعترضي."
"وأنا مش عايزة آخد العلاج منك."
"يعني المشكلة معايا أنا مش مع العلاج."
صمتت تفكر ثم قالت بلا مبالاة: "يعني... أنتوا الاتنين الصراحة."
زفر بقوة ثم اقترب منها وبدأ في فحص مكان جرحها وإذا كان هناك مضاعفات أيضًا. أزال اللاصق من على جرحها فتآوهت بألم فأردف وهو يزيله بحذر: "خدي نفس، واهدي."
شعرت بألم وهو يزيل اللاصق ولاحظ هو ذلك بسبب تجعيدها لأنفها، ليحاول إزالتها بدون أن يشعرها بألم. أزال اللاصق ثم تحسس مكانه ليعلم إذا كان شفي تمامًا أم لا. شعرت بقشعريرة تسري في جسدها بقوة عندما شعرت بملمس يده على جبينها. ليشعر هو بانتفاضة جسدها وابتسم بداخله. فمن لمسته بريئة انتفض جسدها فعلم أنها لم تكن تختلط أو تلمس الرجال، فتاة نقية تمامًا من الخارج والداخل أيضًا. وكونه رجل وتعامل مع الكثير من النساء.
وجدها تئن بألم ليقول متنهدًا: "لو أخدتِ علاجك كان هيبقى حال الجرح أحسن."
"مش عايزة إبرة."
قالتها بألم وهي تتراجع برأسها بعيدًا عن يده التي لا تتحمل ملمسها على رأسها. رفع ريان حاجبيه للحظات يستوعب حديثها، ليخفي ابتسامته مبتعدًا عنها وأولاها ظهره، متحدثًا بشكل مفاجئ لها: "حيوانك المفضل إيه؟"
نظرت لظهره متعجبة ولكنها أجابته ببساطة: "ولا حاجة… بخاف منهم كلهم."
أردف وهو يمسك بيدها وكأنه يفحص نبضها: "كلهم؟ وهل للكره دا سبب ولا مجربتيش التعامل معاهم قبل كدا؟ يعني مثلًا الكلاب… هتحبي التعامل معاها خالص، أنا بقترح عليكِ تربي واحد."
ظهر النفور على وجهها قائلة، ولا زالت لا تفهم سبب تحدثه في هذا الأمر: "لا، كله إلّا الكلاب. ثم إني بحب الطيور... عصفورة مثلًا."
فأردف مبتسمًا وهو يدخل الإبرة في وريد يدها: "يعني بتخافي من كل الحيوانات وبتحبي كل الطيور، ظلم دا."
ضحكت بخفة وهي شاردة تمامًا في تخيلها لأشكال وأنواع الطيور التي تحبها: "لا مش ظلم، إنما اختلاف ذوق مش أكتر."
همهم ريان ثم قال مبتعدًا عنها: "خلصت، كدا تمام."
نظرت له بعدم فهم ثم نظرت إلى يده لتراه ممسكًا بإبرة فارغة، لتنظر إلى اللاصق الطبي الذي يضعه موضع الإبرة في ذراعها، لتشهق وهي تنظر له بصدمة مرددة: "أنت... أنت!!"
غمزها بعينه قائلًا بتسلية: "أنا لسه عند رأي أنك تجربي الكلاب، هتحبي."
نظرت له بصدمة وعدم فهم لما حدث، وعندما أطالت النظر له قال مبتسمًا: "عارف إني وسيم بس متوقعتش إني من الناس اللي يتأملوا ملامحهم لفترة طويلة."
اتسعت عينيها بصدمة وأشاحت بصرها بعيدًا واحمر وجهها حرجًا، ليقول والابتسامة تعلو وجهه: "بعد العلاج هتكوني أحسن إن شاء الله، أتمنى متكونيش عنيدة وتشوفي مصلحتك فين، أنا متأكد أنك هتاخدي القرار الصح واللي ممكن يغير حياتك تمامًا.... بالتوفيق."
رمقته بعدم فهم تنتظر أن يكمل حديثه شارحًا، ولكنه اكتفى بالنظر لها ثم غادر دون التفوه بشيء آخر، لتعقد حاجبيها متسائلة: "إيه اللي بيقوله دا؟"
"ضغط الشغل بيخلي الواحد يدخل المواضيع في بعض."
تجاهلت ما قاله وظلت مكانها تفكر في حال إخوتها. وبعد وقت ليس بالطويل شعرت بأن الباب يفتح. نظرت إليه لتبتسم بخفة وهي ترى فتاة أقل ما يوصفها تعريف "الجمال". أعين زرقاء وبشرة بيضاء مع جسد وكأنها عارضة أزياء لا مثيل لها، وفمها الذي يبتسم باتساع أضفى بهجة إلى ملامحها الباهرة.
اقتربت منها الفتاة وحالها مشابه لحوراء، تتأمل فتاة ذات أعين سوداء عجيبة وملامح بهية لامعة، لتقول مبتسمة: "أنتِ حوراء صح؟"
ضيقت حوراء حاجبيها بجهل لها ولكنا أماءت بصمت، لتقول كيان ببسمة واسعة: "أنا كيان... كيان الكيلاني."
صمتت حوراء قليلًا قبل أن تقول بهدوء، متوجسة لسبب مجيء شقيقة ذلك المتعجرف إليها: "أهلًا."
اندفع الإدرينالين بجسد كيان لتحلس فجأة أمام حوراء على الفراش قائلة بحماس: "تحبي نبقى صحاب؟ بصراحة ورغم معارفي الكتير بس مليش غير صاحبة واحدة... إيه رأيك تبقي التانية؟؟ احكيلي عنك و....."
قاطعتها حوراء مبتسمة: "على مهلك، تشرفت بالتعرف عليكِ بس أنا....."
قالت كيان بسرعة واستشعرت الرفض من الأخرى: "هكون مبسوطة لو بقيتي صديقتي."
لتتنهد حوراء ووضعت ابتسامة على وجهها متحدثة: "موافقة، بس أنتِ تعرفيني من فين؟?"
لتقول كيان ممازحة: "الله، أنتِ جميلة وغبية؟ يكون بعلمك الجمال بدون ذكاء زائل، وجمال الأنثى مع ذكائها سلاح قاتل."
"مش مهم."
قالتها حوراء وهي تحتفظ بابتسامتها، لتضحك كيان قائلة: "معاكِ حق، أنا أخت ريان وطبيعي أعرف."
انطفأت أعين حوراء قائلة بجمود تُعلم الأخرى أنها لا تشعر بالراحة نحوها: "لا مش طبيعي، يعني مين الدكتور اللي بيتكلم عن مرضاه مع أهله؟؟ إلّا إذا …كانوا بيخططوا لحاجة!"
ضحكت كيان بتوتر قائلة: "هنخطط لإيه يعني؟؟ الموضوع كله إن في يوم الحادث أنا كنت مستنياه وهو اتأخر عليا طبعًا، فلما سألته قالي عنك... بس."
ابتسمت وهي تطالع معالم الأخرى التي ظهر عليها الاقتناع، وبعد حديث تعرفتا فيه على بعضهما، أو تعرفت فيه حوراء فقط على كيان وأسلوب حياتها حتى روتينها اليومي، قالت كيان مباشرة: "أنا هاخدك معايا."
طالعتها حوراء بعدم فهم لتقول كيان: "أنا بفضل أغلب أيامي لوحدي في القصر، فـ إيه رأيك تيجي معايا لحد ما مشكلتك تنحل."
تجمدت ملامح حوراء وهي تدرك أن الأخرى على علم بما حدث معها. بالطبع، إنه ريان، لتقول مبتسمة بتكلف: "لا شكرًا، أنا هرجع لعيلتي."
"بس رجوعك دلوقتي غلط، وأكيد أبيه فهمك."
"والله حياتي وبحب أختار فيها الاختيارات الغلط، خليكِ أنتِ وأخوكِ برا بسببه."
تتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتت تتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتت تتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتت تتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتت
رواية الطبيب العاشق الفصل الخامس 5 - بقلم منة جبريل
في غرفة داخل فيلا، تتمتع بالطابع الرجولي واللون الأسود هو فقط اللون الذي بها، كان ينام بسلام وسكينة تعلو ملامحه الرجولية، ولكن السلام كان قصيرًا.
استيقظ فزعًا ما إن شعر بحرق في قدمه، نهض بفزع ينظر إلى قدمه ليجد ورقة مطوية محترقة بين أصابعه، أبعدها بسرعة وهو يشعر بحرارتها بين أصابع قدمه.
نظر إلى ذلك الذي كادت ضحكاته تزلزل الفيلا.
قتمت عيناه الخضراء ولمعت بالشر، ليردف بيجاد من بين ضحكاته بصعوبة وهو يتراجع إلى الخلف:
_ استهدى بالله وبلاش تبقى غشيم.
_ هوريك يعني إيه غشيم يا بيجاد.
أردف بها هشام والشرر يتطاير من عينيه وهو ينهض من على الفراش بسرعة يركض خلف بيجاد الذي هرب بسرعة البرق من أمامه وخرج من الغرفة وضحكاته الرجولية الرنانة تسبقه.
ظل هشام يركض خلفه متوعدًا له وهو في قمة غضبه، طال ركضهم حتى توقف هشام بتعب مزيف.
ليقول بينما ينحني ويستند بيديه على ركبته لاهثًا:
_ لو بجري ورا فهد كنت لحقته.
_ قهقه.
بيجاد بتسلية وتبع هشام الذي تحرك مبتعدًا بينما يقول:
_ خلينا نفطر ونروح الشركة، ريان سافر امبارح وهيرجع آخر النهار.
مسح هشام على فكه يخفي بسمته الخبيثة، بينما بيجاد يسير خلفه بحذر وهو على علم بصديقه الذي لن يمرر له فعلته مرور الكرام.
دلفا إلى المطبخ وحاول هشام طهي شيء ما، ليقول ساخرًا:
_ متحاولش، أنت من غيري كنت موت من الجوع، ولازم تقدر قيمتي.
طالع هشام مردفًا بقرف:
_ قيمتك!! طيب اتحرك وجهزلنا فطار لإن قيمتك مش هتطلب لنا أكل.
وتحرك ليمر من جانب بيجاد الذي كاد أن يتحدث، ليصرخ ضاحكًا ما إن لكمه هشام بقوة في معدته، ليقول بصوت مكتوم ممتزجًا بضحكاته:
_ يا حقير.
ابتسم هشام قائلًا وهو يخرج من المطبخ:
_ تعادلنا.
بعد وقت كانا يجلسان على طاولة الطعام، ليقول بيجاد مفكرًا:
_ بفكر أجيب شغالة، تهتم بالطبخ والفيل.
نظر له هشام مردفًا بسخرية:
_ عايزها علشان تنضف وتطبخ ولا عايزها علشان تبص عليها في الرايحة والجاية وتقعد تعاكس فيها.
شهقة قوية خرجت من بيجاد من ظُلم قبيح يوجه لشخص نبيل مثله:
_ الله يسامحك، أنت صاحبي والمفروض أنك عارف نيتي إيه.
_ وعلشان صاحبك أنا بقول نكتفي بطبخك والفيلا بياجي يوميًا شغالين يوضبوها ويمشوا.
ثم نهض قائلًا:
_ أنا رايح الشركة، هتيجي؟
_ لا، اللواء كلمني وشكله كدا في مهمة تانية.
_ شوف الوضع وكلمني.
مهم بيجاد متنهدًا وهو يتناول فطوره بكسل، يُرهق كثيرًا في عمله، هذا الشهر قام بثلاث مهمات ولا يعلم هل الرابعة في الطريق أم سيكافأه اللواء بإجازة طويلة ليستعيد فيها طاقته!
كانت نائمة وتتصبب عرقًا من تحت حجابها، كابوس سيء يحمل أحداث يوم قلبت موازين حياتها رأسًا على عقب، صرخة أيقظتها من نومها وأنفاسها متسارعة تنظر حولها بعدم إدراك أين هي.
دلفت كيان بسرعة إلى الغرفة تسألها بقلق:
_ حوراء، أنتِ بخير؟
نظرت إليها حوراء بعدم استيعاب للحظات قبل أن يتدفق إلى ذهنها كل ما حدث، لتتنهد بقوة ماسحة على وجهها لتقول بحرج:
_ آسفة كان حلم مزعج.
ابتسمت كيان قائلة بحنان:
_ ولا يهمك، الدوا خلاكِ تنامي وممكن يكون سبب في هلاوس كمان، أنا مبسوطة أنك معايا النهاردة... أنا بفكر في خطط كتير نقضي بيها يومنا.
وبالفعل كان يومًا، بالنسبة إلى حوراء، حافلًا بالكثير من الأشياء، وكلما طلبت من كيان استعمال هاتفها تحججت الأخرى بأي شيء لتلهيها عنه وهي تنفذ تنبيه أخيها بعدم إعطائها وسيلة قد تتواصل بها مع عائلتها حتى يعود ويهتم هو بنفسه بهذا الأمر.
يجلس في قسم الشرطة يبلغ عن غياب شقيقته فها قد مرت الأربع وعشرون ساعة وكأنها دهر بالنسبة له.
تحدث الشرطي بعملية:
_ طيب ممكن اسمها وصورة ليها واحنا هنعمل الباقي.
ليقول إياد بسرعة:
_ أكيد اتفضل.
ثم أخرج صورة من جيبه وأعطاها له مرافقًا باسمها بالكامل.
ليقول الشرطي بهدوء:
_ تمام يا أستاذ إياد احنا هندور عليها وأول ما نوصل لمعلومة هنبلغك على طول.
نهض إياد وهو يصافح الشرطي بأمل:
_ ياريت، شكرًا ليك.
ثم غادر داعيًا الله بأن يجدها وأن لا يكون شيئًا سيئًا أصابها فهو حتما لن يحتمل إذا أصابها مكروه ما.
عاد إلى منزله مرة أخرى وهو يبتسم بصعوبة، دلف إلى الغرفة التي تمكث بها آية ليجد عندها أريب والتي ما إن رأته حتى نهضت تحتضنه، ليتجه بعدها معانقًا آية ومعالم الحزن تعلو وجوههم.
_ متقلقوش، هترجع وهتكون بخير إن شاء الله، وأنا مش هرتاح إلّا لما أوصل لها.
_ أنا واثقة فيك يا إياد.
قالتها آية بأمل أن يعود أخوها مرة بشقيقتها، ليمسح إياد على رأسها شاردًا، سيفعل أي شيء ليصل إلى شقيقته... أي شيء!
مساءً، عاد وأخيرًا من سفره ليتجه مباشرة إلى الشركة يجلس داخل مكتبه ينتهي من بعض الأعمال سريعًا حتى يعود إلى القصر وفي الصباح... سيباشر ما فكر به وخطط له جيدًا.
بعد وقت اعتدل في جلسته وهو يشعر بألم في رقبته بسبب الساعات التي قضاها في تفحص الأوراق جيدًا، حرك عنقه مسببًا صوت طرقعه قوي.
نهض مغادرًا الشركة آمرًا السائق بالإسراع في قيادته للسيارة.
وصل إلى القصر ليجده هادئًا، مرّ على غرفة شقيقته ليجدها غافية ليقبل جبينها ثم توجه إلى مكتبه الملحق بالقصر، وضع هاتفه على أذنه قائلًا:
_ سليمان تعالى المكتب.
يبدو أنه يستعجل في تنفيذ خطته، ولكن لا بأس، متحمس للقادم وما يريد تنفيذه والذي سيفعله لا محالة رغمًا عن الجميع... وعنها!
في اليوم التالي، تجلس برفقة كيان في الغرفة، لتتفاجأ بريان الذي طرق الباب ثم دخل قائلًا:
_ كيان.
نهضت كيان بفهم لما يريده وغادرت بصمت تحت نظرات حوراء التي قالت بسرعة ما إن رأته:
_ كويس إنك جيت، أنا عايزة أتواصل مع إياد، لازم يعرف أنا فين، وكمان أرجع بيتي.
وقف أمام الفراش يطالعها بجمود مرددًا:
_ أظن أن إحنا اتكلمنا في الموضوع ده، بس طالما أنتِ مُصرة إنك ترجعي للشرطي فبراحتك.
_ شرطي إيه؟ بقولك إياد أخويا!!
_ وهل إياد أخوكِ هيقدر يوقف في وش شرطي فاسد هيستعمل مهنته في إيذاء أخوكِ وممكن أخواتك وياخدك تاني، وكدا هتضيعي فرصة كبيرة لأنك تتخلصي منه وترجعي لأخواتك... وعلى رجليكِ.
عقدت حاجبيها بتوجس من حديثه وعدم فهم لآخر حديثه، ليجلس ريان على مقعد بالغرفة وقال بهدوء:
_ هعرض عليكِ صفقة.
تحفزت حوراء لما هو قادم، والذي يبدو من وجه الآخر أنه لا يستهان به... أبدًا:
_ وأنا إيه اللي ممكن أقدمه ليك؟!!
_ شيء أنا بتمناه.
تحدث بهدوء قابله صمتها ونظراتها التي تكشف له عدم اطمئنانها له، ليقول مكملًا:
_ تكوني مشروعي اللي محتاجه الأيام دي.
احتدمت نظراتها فجأة وصاحت به:
_ ده أنت طلعت بجح! إيه مشروع والكلام الفارغ ده؟...
تحدث بنبرة باردة ومحذرة، تُعلمها أنه ليس ممن يتغافلون عن الأخطاء:
_ إلزمي حدودك.
رمقته بحدة وكادت أن تصرخ له وتهينه إهانة تقسم أنه لم يرَ مثلها في حياته، غروره يكشف لها أنه لم يسبق لأحد أن يلجمه بكلمات تسد حنجرته.
ولكن قاطع ذلك _لحسن حظها_ حديثه وهو ينهض عن المقعد متحدثًا بجدية:
_ اسمعيني يا... آنسة حوراء، أنا طبيب والمشفى اللي كنتِ فيها ملكي... بس محتاجة شغل بسيط كدا يرفع المشفى وتكون من العالمية أو... الأولى على العالم من حيث كل شيء، ولو ساعدتيني هتكون النتيجة مفرحة ليا... وليكِ.
لم تفهم ما يريد تحديدًا، وما شأنها هي بكل ذلك:
_ الملخص.... عايز إيه برضه؟؟!
ابتلع سبة كادت تخرج منه ولكن خرجت في نظرته واضحة، ليغصب الهدوء على نفسه مرددًا:
_ تسمحيلي أعملك عملية نجاحها يعني مقدرتك تمشي على رجلك، ونجاحها يعني نجاح المستشفى كمان.
كلمات أوقفت عقل حوراء لوقت، في لحظة اجتمع برأسها عدة أصوات تصرخ وتحذر... وتوافق، شعرت بالدوار فجأة، تذكرت أخيها وشقيقتيها، والديها، كانت الحرب دائرة في رأسها، حرب لم يهتم بها ذلك الواقف وهو يقول بملل لانتظاره جوابها:
_ قولتي إيه؟؟
نظرت إليه للحظات بتيه قبل أن تقول بجمود:
_ نسبة نجاحها؟
أخفى ابتسامته وقال بهدوء:
_ بعون الله وبعده أنا.... مائة وخمسون من مائة.
آه... إنه يغتر مجددًا، زفرت بقوة وقلبت عيناها قبل أن تثبتها عليه وهي تفكر مليًا في الأمر، لتسمعه يقول:
_ رجوعك بتمشي على رجلك مش هيخليكِ تحت رحمة حد، ولا شفقته، أنتِ المسؤولة عن نفسك إذا عايزة تكرميها بالغنى عن مساعدة البشر وإن كانوا أقربهم ليكِ، أو تكسريها وتخضعيها ليهم، كوني طبيب أنا بقولك... صحتك ثم مصدر مالك ثم الباقي.
همهمت حوراء بتفهم، لتقول بهدوء:
_ موافقة كدا كدا مش خسرانة حاجة، بس لو اتصل بإياد وبعرف كل حاجة.
اقترب ريان من الفراش، مال ناحيتها بطريقة أثارت ريبتها، ليبتسم بجانبية قائلًا:
_ عايزك تثقي فيا... سيبي إياد... عبد القادر والشرطي لبعدين، كله بالدور.
تقابلت عيناهما للحظات توترت بها حوراء، ليتعد ريان قائلًا بينما يتحرك لخارج الغرفة:
_ وعلشان تستعدي نفسيًا هسيبك النهاردة... وهتبقى العملية بكرة.
صُعقت من حديثه، بل من تسارع ما يصيبها، في لحظة وأخرى كانت بعيدة عن بيتها تحارب للحفاظ على نفسها ثم وفجأة تجد رجلًا غريبًا اقتحم روتين يومها يغيره تمامًا.... تمامًا!
رواية الطبيب العاشق الفصل السادس 6 - بقلم منة جبريل
دلف إلى القصر واثنين من الحرس خلفه أدخلوا حقائب ووضعوها أرضًا ثم انصرفوا.
نظر لهم بأعين مبتسمة قبل أن يقول بصوت قوي جهوري:
"جين... تعالي إلى هنا."
أتت خادمة بسرعة تقول باحترام بلغتها الإنجليزية:
"نعم سيدي..."
"خذي هذه الحقائب واذهبي بهم للضيف الجديد، رتبيها في خزانتها جيدًا واسأليها إن كانت بحاجة شيء آخر، اهتمي بها."
هزت رأسها بفهم وحملت الحقائب التي كانت أكثر من أن تحملها بمفردها، لتنادي على خادمة أخرى تساعدها ثم صعدتا إلى الأعلى.
تزامنًا مع نزول كيان الدرج، اقتربت من أخيها قائلة:
"إيه كل ده؟"
"حقها، تعالي عايزك في موضوع."
تحدث ثم أمسك بيدها ودلف إلى مكتبه وهي تعقد حاجبيها تنتظر أن تعلم ما الذي يريده بها.
أغلق ريان الباب وعاد لوقوفه أمامها مبتسمًا.
ضيقت عينيها قائلة بريبة:
"مش مرتاحة."
ربت على وجنتها بخفة مرددًا بتفكير:
"هاخد رأيك في موضوع كده بفكر أعمله."
رفعت حاجبيها تشير إلى نفسها باستنكار، فمنذ متى وشقيقها العزيز يشاركهم أمرًا.
أخذه بينه وبين نفسه سابقًا:
"رأيي؟"
أومأ لها مبتسمًا، يبدو أنه سيبدأ بأخذ إجراءات مختلفة في حياته من أجلها.
ليلًا، ترجل الدرج متنهدًا وصوت كيان الحانق وبيجاد الذي لا يتوقف عن استفزازها يصل له واضحًا، ليدخل عليهم قائلًا:
"عملت اللي قولتلك عليه يا هشام؟"
وهشام الذي كان يجلس بعيدًا عن بيجاد وكيان، ينظر إلى هاتفه باهتمام، رفع أنظاره إلى ريان مهمهمًا، ثم قال بهدوء:
"أيوا، وكتبت المواقع المحتمل وجوده فيها بكرة بنسبة ٩٨ في المائة."
"كويس أوي، الشغل عليك بكرة."
"إيه الجديد يعني... بس تمام ولا يهمك."
ابتسم ريان بخفة ثم نظر إلى شقيقته مرددًا:
"من امتى وهما كده؟"
"من وقت ما وصلنا."
تعالى صوت بيجاد قائلًا باستفزاز:
"يا حبيبتي أنا خايف على شكلك، أنا شايف وزنك زاد مع أكل الحلويات كتير."
نظرت إلى نفسها ثم إلى أخيها قائلة بنبرة باكية:
"أنا وزني زاد يا أبيه؟"
أتاها الرد من بيجاد مبتسمًا ببرود:
"إيه ده يا ريان أنت مش بتقولها لي؟ يا روحي كنتِ قولتيلي وأنا كنت هجبلك مرايا لو مش عندك."
نظرت ناحيته بشر وغيظ ليقفز بيجاد هاربًا من أمامها وضحكاته المستفزة تثير غيظها أكثر وهي تركض خلفه، وكان ريان وهشام ينظرون لهم بملل.
صعد بيجاد الدرج بسرعة حتى وصل أمامه غرفة فتحها لكي يفزعها ما إن تمر من أمامها.
وقفت كيان بالممر تنظر حولها باحثة عنه قائلة بغيظ:
"أعرف إني مش هسيـ..."
وقبل أن تكمل حديثها سمعت صرخته وهو يخرج بسرعة من غرفة جعلت عيناها تتسع وشحب وجهها.
لحظات كان ريان وهشام يقفان بجانبها والقلق احتل ملامح ريان ظنًا أن كيان أصابها شيء.
نظر له ريان بحدة:
"إيه يا متخلف أنت حصل إيه؟"
أردف بيجاد بصوت لاهث وكأنه كان يركض لأميال وهو يشير على الغرفة:
"حلوة... عفريته... بتصلي....مسلمة... أكيد من فرط الشغل اللي اللواء مبهدلني فيه بقيت أشوف عفاريت ومسلمين."
أردف هشام بتساؤل وغضب من هبل صديقه الغبي:
"إيه الهبل اللي بتقوله ده؟"
ضحكت كيان بقوة حتى ادمعت عينيها.
ليرمقها ريان بطرف عينه بحدة ثم نظر لهم قائلًا:
"انزلوا."
نفى بيجاد وتحرك للغرفة ينوي معرفة ما رآه، أو من تلك التي يضعها صديقه في قصره بدون علمهم.
ليمك ريان يده بقوة قائلًا بنبرة تحذيرية:
"مش هكرر كلامي... يا بيجاد."
أمسك هشام يد بيجاد الأخرى ما إن شعر بغضب ريان يتصاعد وأخذه إلى الأسفل وتحركت معهما كيان بتوتر.
تنهد ريان بقوة ثم طرق الباب.
ليسمع صوتها تسمح له بالدخول.
سحب نفسًا ثم فتح الباب لتباغته بسؤالها الحاد:
"ممكن أفهم إيه اللي حصل ده؟ مكنتش أعرف إني عند ناس معندهاش ذوق وبتدخل من غير استئذان."
أردف ريان بهدوء:
"احسبي كلامك قبل ما تتكلمي لما تكوني بتكلميني أنا، وثانيًا ده صاحبي ميعرفش حاجة عن وجودك هنا."
استفزتها طريقته المتعالية في الحديث لتصيح به بحدة:
"وكمن مين أنت علشان أحسب كلامي معاه، متنساش إني هنا علشان اتفاقنا غير كده أنا كنت حبستك بسبب تطفلك وتدخلك في حياتي."
احتدمت عيناه وخرج صوته جهوريًا غاضبًا:
"حـــــوراء، قسمًا بالله لو...."
وقبل أن يكمل وعيده قطعته كيان بحضورها تسألهما بقلق:
"في إيه يا أبيه؟"
نظر له ريان بأعين قاتمة قبل أن يغادر.
اقتربت كيان من حوراء تسألها بقلق:
"حصل إيه؟ ولي أبيه متعصب؟"
أجابتها حوراء بحدة أفزعتها:
"كل الموضوع إن أخوكِ ناسي أنه جايبني هنا أصلحني ولولا اتفاقنا ولُطفي بيه أنا كنت رميته في السجن، إنسان عديم ذوق واحترام و...."
عضت على لسانها لتوقفه عن الحديث المنفعل، متذكرة أن من تشكو لها هي شقيقته.
لتزفر بقوة قائلة بضيق:
"مقصديش... بس دي حقيقة أخوكِ."
ابتسمت كيان تقول بفهم لها، تحاول توضيح سوء فهم وانطباع سيء أخذته عن أخيها الذي لا يجيد تعاملًا لطيفًا:
"متزعليش منه هو حنين والله الحقيقة أنه عديم تصرف مع البنات مش عديم ذوق واحترام، وكمان غضبه بيقوده أحيانًا."
"ميهمنيش في حاجة علشان توضحي موقفه، بس عرفيه إزاي يتكلم معايا كويس، مكنتش جارية عند أهله."
ضحكت كيان على هيئتها الغاضبة لتبدو أكثر لطافة، لتحدث معها في أمور عدة تنسبها ما كان من أخيها وابن عمها الذي اقتحم غرفتها فجأة دون علم منه.
في غرفة المكتب بالأسفل، يجلس بيجاد وهشام بهدوء منتظرين شرح ما حدث ومن تكون تلك التي في الغرفة، بينما ريان يرمقهم ببرود.
ليقول هشام بنفاد صبر:
"برودك مع البغل اللي جنبي ده مش هيهتم بيه لأنه بارد زيك، بس أنا خلقي ضيق ومش فاضيلك، قول مين اللي فوق دي وليه مش قولتلنا عنها."
تحدث بيجاد بنبرة باردة وعيناه ترسل رسالة واضحة إلى ريان:
"دي البنت اللي كانت في المستشفى يا هشام، يبدو إن صاحبك لسه ضميره بيأنبه بعد الحادث وقال يستضيفها في بيته... ما أنت عارفه صاحب واجب."
"الكلام ده صح؟"
ليتحدث ريان وأخيرًا بعدم اهتمام:
"أيوا، وجبتها هنا لإني هعالجها."
كاد أن يصاب هشام بأزمة قلبية لبرود الآخر، ليتحدث منفعلًا ونفر عن مقعده:
"تعالجها بتاع إيه؟ ولو قولنا إن ضميرك نقح عليك مال العلاج بقصرك... بتعالجها نفسيًا؟"
أراح ريان ظهره مبتسمًا، قائلًا بثقة ملقيًا قنبلته في وجهيهما:
"عيب في حقي يكون معايا قصر وأسيب زوجتي المستقبلية في المستشفى."
انتفض بيجاد عن مقعده صائحًا باستنكار:
"زو... إيه يا خويا؟"
"جتي، زوجتي يا بيجاد."
أكمل له ريان ببرود مستفز، ليصفع هشام على وجهه، بينما ضحك بيجاد وأشار عليه متحدثًا إلى هشام:
"قولتلك... قولتلك إن الحيوان ده لقي الأنثى بتاعته."
تأوه بألم ما إن ركله ريان بقوة أوقعته على طرف المقعد ليسبه من بين أسنانه.
بينما ريان يطالعه بحدة، قبل أن ينظر إلى هشام الذي صاح بغضب:
"علشان كده قولتلي عايز أعرف تحركات أخوها والأماكن اللي بيروحها الأيام دي؟ أنت اتجننت... عايز تتجوز واحدة متعرفش عنها حاجة!"
"اهدأ يا هشام... أنت هتقف في وش قطر حبهم."
"قطر وزفت إيه أنت كمان، أنتوا واعيين ولا أنا بس اللي مهتم زيادة... ما تتكلم يا عريس الغفلة."
ليتحدث ريان ببرود كاد يحرق الآخر:
"وسط الكلام ده كله مسمعتش كلمة مبارك حتى."
رمقه هشام بغضب مشتعل، قبل أن يقول باقتضاب:
"مبارك، زواجة العمر إن شاء الله."
وتحرك ليغادر، ليقف بيجاد بوجهه متحدثًا بجدية:
"لسه قعدتنا مخلصتش، اهدأ علشان نعرف نتكلم."
أزاحه هشام بضيق وعاد ليجلس بصمت وأنفاسه متسارعة، يرمق ريان باستنكار ورفض تام لما يقوم به.
بينما تحدث بيجاد بجدية لا تخرج كثيرًا منه:
"طيب أنت تعرف عنها حاجة قبل ما تاخد القرار ده؟ يعني ممكن تكون مخطوبة أو متزوجة... أو ممكن يكون في نفسها شخص تاني!"
همهم ريان ثم تحدث بهدوء:
"عرفت عنها كل حاجة، بس أنا دلوقتي عايز منكم توقفوا معايا."
تنهد هشام بقوة قبل أن يقول باقتضاب:
"متزفتين."
"ما تتكلم عدل يا ثور."
اتصاح به ريان بنفاد صبر، بينما تعالت ضحكات بيجاد باستمتاع وهو على وشك مشاهدة شجار بين صديقيه الآن.
بعد وقت غادر هشام وبيجاد وصعد ريان إلى شقيقته ولم يجدها في غرفتها.
ليتنهد متجهًا إلى غرفة أخرى وطرق الباب، ليسمع صوتها الذي يمثل له سمفونية موسيقية لأذنه وهي تسمح له بالدخول.
فتح الباب مرددًا بجدية:
"كيان مـ...."
توقف عن حديثه وهو يجد شقيقته متسعة العينين تنظر إلى حوراء بصدمة جلية على ملامحها، والأخرى تزجرها بعينيها.
لينظر إلى حوراء قائلًا:
"حصل إيه؟ مالها؟"
ابتسمت حوراء له مما زاد ريبته وهي تجيبه بسرعة:
"ملهاش... احنا بس كنا... كنا بنلعب."
رفع حاجبه يطالعها بنظرة تخبرها بوضوح أنه لا يصدقها:
"والله؟ وإيه اللي اللي تخلي أختي بالهيئة الغبية دي؟"
هزت كتفيها قائلة ببساطة:
"تحدي الفائز في أطول وقت من غير ما يغمض عيونه... بس."
همهم ريان بعدم اقتناع، ثم نظر إلى شقيقته قائلًا بحنان ذكر حوراء بأخيها:
"كيان... يلا الوقت اتأخر، روحي نامي وسيبي حوراء تنام."
عقد حاجبيه ومرر يده أمام وجهها لتكف عن تحديقها الأبله بحوراء التي رمقتها بحدة لتتوقف عن التطلع فيها بذلك الشكل.
نظر لها ريان بطرف عينه لتبتسم له بتكلف.
ليجذب ذراع كيان قائلًا بنفاد صبر:
"يلا يا كيان مش فاضيلك الليل كله."
أومأت له كيان وقد ضحكت وأخيرًا، قائلة:
"حاضر، تصبحي على خير."
لتقول حوراء بسرعة:
"لا...".
نظر لها ريان وكيان باستغراب أصاب حوراء بالخجل لرد فعلها السريع فأكملت بحرج:
"أقصد... يعني لو ممكن كيان تفضل معايا الليلة دي."
أومأت كيان لها بحماس، ليقول ريان بعدم اهتمام:
"تمام، أنا هروح عند هشام وممكن أفضل هناك، خلي بالك على نفسك."
ثم مال نحوها هامسًا:
"وعليها."
ضحكت كيان وقبل أن يرحل قالت بعبوس:
"مش ناسي حاجة؟"
ابتسم لها بحنان واقترب منها يقبلها من وجنتها قائلًا:
"تصبحي على خير."
ابتسمت كيان بحب مرددة:
"وأنت بخير يا أبيه."
أعاد ربطة جأشه ناظرًا إلى حوراء قائلًا بهدوء:
"تصبحي على خير... يا حوراء."
اتسعت عينيها لوهلة وكأنها لم تفهم ما قاله، قبل أن تتدارك وضعها قائلة بخجل أضاع جميع ردودها ليكون ما خرج منها ببلاهة:
"الله يكرمك."
عقد ريان حاجبيه بخفة قبل أن يهز رأسه ثم تحرك إلى الخارج مبتسمًا بخفة.
وفور رحيله قالت كيان ضاحكة:
"ده اللي خرج معاكِ... الله يكرمك! أمال لو قالك أكتر من تصبحي على خير هتعملي إيه؟"
رمقتها حوراء بحدة ووجه زاد حمرته حرجًا:
"أنتِ تخرسي خالص، كنت هقول لأخوكِ إيه لو ما عملش نفسه مصدق إننا كنا بنلعب."
جلست كيان بجانبها قائلة بضحك:
"لما قولتيلي متوقعتش أنه يكون كده... يعني أول مرة أشوف شعر بالطول ده، وآه على فكرة أنا نومي مش رقيق خالص، حذرتك."
استيقظ من النوم وهو يتثاءب بكسل منزعجًا من رنين هاتفه المستمر، وضعه على أذنه قائلًا بصوت أجش أثر نومه:
"مين؟"
لحظات وكان يقفز عن فراشه قائلًا بعدم استيعاب كامل:
"إيه؟ مين دي اللي بتولد؟؟ مراتي؟!"
شعر ببلاهة وهو يقول بسرعة:
"طيب جاي، ابعتلي العنوان بسرعة."
ألقى هاتفه وركض إلى المرحاض ليغسل وجهه بسرعة حتى يلحق بزوجته الحامل والتي تلد الـ... لحظة أي زوجـ...
قاطع تفكيره وعقله الذي بدأ يستوعب ما يدور حوله، وهو يشعر بانزلاق قدمه ولحظة يحاضن أرضية المرحاض متأوهًا بألم.
وصل إليه صوت ضحكات شامتة عرف صاحبها.
نظر إلى هشام الواقف خارج المرحاض بغيظ.
بينما يقول الآخر بضحك:
"كم أنت بائس! بقي عندك زوجة وطفل مرة واحدة."
نهض بيجاد بصعوبة متوعدًا له.
وما كاد بخطو خطوة إلى الخارج حتى انزلقت قدمه مرة أخرى بسبب سائل جعله يرتطم بالأرض مجددًا.
ليصرخ بوعيد:
"هقتلك يا ابن الـ..."
"قوم من عندك بس وبعدين نشوف أحلامك."
وبعد محاولات وقف بيجاد أخيرًا بثبات، نظر إلى هشام بشر.
قبل أن تتسع عينه وهو يرى هشام يدفعه من وجهه ليختل توازنه مرتطمًا بالأرض.
تعالت قهقات هشام بقوة وسباب بيجاد المتوعد.
حتى مد هشام يده قائلًا برأفة:
"خلاص، هات إيدك ورانا شغل هنتأخر عليه."
مد بيجاد ذراعه له وأمسك بيد هشام ولحظات وكان جسد هشام متسطحًا على وجهه بجانب بيجاد الذي ضحك بشماتة وكان دور هشام في سبه.
قفز بيجاد بسهولة لخارج المرحاض ينظر إلى هشام الذي نهض وخرج بصعوبة.
ووقف خلف بيجاد ثم أزاحه مرة أخرى داخل المرحاض فوقع بيجاد على وجهه يصيح بألم وغيظ.
وفجأة صاح بقوة أكبر وهو يشعر بثقل ارتمى عليه ولم يكن سوى هشام الذي صاح بألم وفزع هو الآخر.
نظرا إلى ريان الذي أتى على صوت صياحهما ليجد هشام يدفع بيجاد ليقترب منه بحذر ثم دفعه بغتة وأوقع به ما أوقع بصديقه يراقبهما من الأعلى مبتسمًا بشماتة.
تأوه بيجاد ومد يده مستغيثًا من أسفل هشام الذي كلما حاول النهوض يسقط مجددًا على المسكين بيجاد:
"الغوث..."
قلب ريان عينيه بملل منهما ومد يده ليجذب بيجاد والذي كان له رأي آخر وهو يجذبه معهما لهذه المأساة.
ولم يحسب أن سقوط ريان فوق بيجاد سيكون زاد الثقل على نفسه، ليتأوه بألم وهو يضحك بصعوبة.
بينما ريان فللتت منه سبة نابية قبل أن يصفع بيجاد قائلًا:
"حقير."
صاح هشام بغيظ:
"أنتوا الاتنين أحقر من بعض، اخرسوا."
"حاسب يا ريان أجنحة هشام هتدخل في عينك."
ما هي إلا لحظات حتى كان يدوي في الغرفة بأكملها ضحكات رجولية قوية.
بعد وقت خرجوا من الحيلة التي وقع بها ثلاثتهم.
ابتعد هشام عنهما وأخذ شيئًا كان معلقًا بالحائط.
ليقول ريان بملل:
"متقولتش إنك صورت اللي حصل ده."
قال هشام مستفزًا:
"كان الموضوع هيقتصر على بيجاد وأنا بس لولا تدخلك."
قلب ريان عينيه متحركًا لخارج الغرفة.
بينما اقترب بيجاد من هشام قائلًا:
"أنا مبيفرقش معايا، بس ريان بيفرق... ممكن نستغله بالتصوير ده."
بعد وقت أثناء تجمعهم على طاولة الإفطار، كان ريان يستمع بملل لتذمر بيجاد عن كونه يحتاج خادمة وهشام يمنعه، قائلًا بخيبة أمل في ظن صديقه السيء به:
"بيقول إني مش هسيبها تشتغل وهفضل أعاكسها، يرضيك؟"
قال ريان بسخرية معاتبًا هشام:
"لا طبعًا، إزاي تفكر أنه هيعاكسها بس، ده ممكن يجيب وريث منها."
أضحك هشام بقوة بينما قال بيجاد بغيظ:
"دمك خفيف أنت وهو."
تحدث هشام مبتسمًا بتسلية:
"وعلشان تعرف إن أهم حاجة عندي سعادتك..."
أشار له خلفه، ليستدير بيجاد برأسه ينظر إلى ما يشير إليه، لتتسع عيناه بفزع وهو يرى كائنًا غريبًا منفوش الشعر رث الهيئة مخيف الطلعة.
ليردد بسرعة وفزع:
"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، انصرف... انصرف."
ثم نظر إلى هشام قائلًا بصدمة:
"أنت جايب الشيء ده يخدمنا."
أومأ له هشام وهو يحاول كبت ضحكته ثم أردف بهدوء:
"تعالي يا جميلة أهو المطبخ من هنا."
أومأت تلك المرأة التي كانت تبدو بمظهر مخيف على طلب هشام، ثم تحركت إلى المطبخ تخفي ضحكتها على صوت بيجاد الذي تعلى بصدمة:
"جميلـــــة ميـــن؟؟؟"
نظر له ريان واردف بغضب يواري استمتاعه خلفه:
"بيجاد اخرس."
ثم نظر إلى هشام مكملًا بمكر:
"دي هتشتغل هنا لحد امتى؟"
هشام بنفس الخبث:
"براحتها، لحد ما تزهق هي وتقول اطردوني."
ليقول بيجاد بحدة:
"والله ما هيحصل، أصلًا إحنا والحمد لله بنعرف نقضي أمورنا لوحدنا."
هز هشام كتفيه قائلًا بعدم اهتمام:
"براحتك، أنا جبتها علشانك، وطالما أنت مش عايزها يبقى هتمشي."
تحدث بيجاد بسعادة وهو يقترب من هشام:
"حبيبي هات بوسة."
أمسكه ريان من ياقة قميصه من الخلف وابتعد عنه هشام ينظر له بتقزز، ليقول بيجاد:
"إيه يا ريان ماسكني كده ليه يا بابا اسم الله عليك؟"
"لحد ما الحالة المقززة اللي عنظك دي تعدي وهسيبك."
تصنع بيجاد الضحك ثم ابتعد عنه قائلًا:
"داهية تاخدكوا، واحد جايبلي كائن غريب والتاني ينعتني بالمقزز... تبًا لكم."
لم يهتما به بينما تحدث ريان وهو ينظر إلى ساعة يده:
"أنا هروح المستشفى دلوقتي."
"تمام، وأنا هروح الشركة، شكل اليوم ده مُرهق."
نظرا بعدها إلى بيجاد، ليقول متعجبًا:
"إيه؟"
"وأنت مش وراك شركة تديرها ولا هتفضل سايبها علينا كده؟"
تحدث ريان ساخرًا ليقول بيجاد بعدم اهتمام:
"قولتلك أبعتلك أسهمها وأنت رفضت، أنا مش فاضي من المهمات علشان أدير شركات يا ريان، وكمان اللواء بلغني بمهمة تانية وهمشي بكرا."
"شركتك هتفضل ليك، وأنا معنديش مشكلة أديرها مع شركتي، عمومًا ارجع بالسلامة وبعدين نشوف الموضوع ده."
خرج من مركز الشرطة بخيبة، يسير بخطوات واهنة وأعين أحاط بها ليلٌ حزين.
ليتوقف فجأة ما إن وقفت أمامه سيارة وفتح بابها، ليجد رجلًا غريبًا يبدو عليه الثراء يطالعه بهدوء قبل أن يتحدث بجدية:
"تعالى بهدوء، أختك عندي."
رواية الطبيب العاشق الفصل السابع 7 - بقلم منة جبريل
لأسباب أحب احتفظ بيها لنفسي، زياد... ارجع على القصر.
ابتسم ريان بجانبية يرمق نظرات إياد التي تطالعه بحدة، يعلم أن ما يمنعه من الإنقضاض عليه هو احتمال صدقه في كون حوراء معه.
وبعد وقت كان يقف أمام باب الغرفة بينما يطرقها، ليرى الصدمة على ملامح إياد ما إن وصلهما صوتها تسمح له بالدخول.
فتح ريان الباب عليها وقبل أن يتحدث كان إياد يدفعه ينظر لها، يريد أن يتأكد أنها شقيقته.
اتسعت أعين حوراء وهمست باسمه بارتجاف، لمعت أعين إياد مع رؤيتها وركض ناحيتها يحتضنها بقوة، يسألها كثيرًا وكثيرًا.
بينما قلّب ريان عينيه وتركهما حتى تهدأ حرارة لقائهما.
والتي لم يتوقع أن تطول حتى قطعها بنفسه، متحدثًا بضجر وغيرة بدأت تستيقظ داخله:
"ممكن تتفضل معايا لإن في أمور لازم نتكلم فيها."
حديثه المهذب خرج بنبرة جافة آمرة، لم يهتم إياد وهو ينظر إلى شقيقته يتأكد للمرة الألف أنها بأحسن حال، لتهمس له حوراء قائلة:
"هو شخص كويس، ساعدني من غير مقابل، ممكن تتعامل معاه بهدوء... علشاني."
وهي من تحاول تهدئته بعد أن رأته يتوعد له كثير؟ كونه تأخر في إعلامه أنها لديه، بل ومنعها من التواصل معه بأي شكل كان مستغلًا مرضها.
تنهد إياد بقوة ونهض مرددًا باقتضاب:
"إن شاء الله."
لم يهتم ريان بنظراته، وكل ما يفكر به الآن هو طريقة تجمعه بحديث مع حوراء بدون أخيها. زفر يسب نفسه، كان عليه أن يأخذ هذه الخطوة قبل أن يأتي لها بهذا الذكر المدعو بأخاها والذي بالتأكيد سيصعب عليه إبعاده عنها مجددًا.
"لا بأس، سيجد طريقة."
دخل معه إلى غرفة المكتب وكان بيجاد وهشام ينتظرانه، لديهم فضول في رؤية ذلك الرجل الذي شغل عقل صديقهم وحفز أقوى دفاعاته لكي يقنعه فقط، رجل لأول مرة يجبر ريان على الاهتمام بنيل رضاه ولو قليلًا.
نظروا إلى ذلك الشاب الذي دخل برفقة صديقهم، بنية قوية وملامح تركت عليها أثر ابتعاد شقيقته عنه، رغم ذلك قوية، نظرات حادة تكاد تقتل صديقهم الذي يحاول تجاهلها.
"عايز إيه؟"
"وهو هيعوز منك إيه؟"
قالها هشام بدفاعية بعد أن سمع نبرة استحقار لصديقه، رمقه ريان بحدة ليصمت بينما إياد رمقه من أعلى إلى أسفل قائلًا:
"وأنت مالك أنت؟"
كاد هشام أن يرد عليه ليمنعه بيجاد، بينما تحدث ريان بصبر غريب:
"ميقصدش، خلينا نتكلم بهدوء و...."
تعالى رنين هاتف ريان يقطع حديثه، ليسب بداخله حارسه الغبي الذي طلب منه أن يتصل به حتى يأخذ الهاتف حجة ويخرج للحديث مع حوراء بينما يشغل هشام وبيجاد ذلك الإياد.
تنهد بقوة ثم نظر لصديقيه قبل أن يشير لإياد بالانتظار وخرج من المكتب. قلّب إياد عينيه وكاد أن يعود لشقيقته، ليتوقف ما إن قال بيجاد مبتسمًا بود:
"مش حابب تقعد معانا ولا إيه؟"
ابتسم له إياد بتكلف وجلس مرغمًا، وما إن ينتهي حديث ويكاد يهم بالرحيل حتى يفتتح بيجاد حديثًا آخر، وهشام يشاركه باقتضاب لأجل صديقه فقط.
بينما في الأعلى، تنظر له حوراء تنتظر أن يتحدث لما جاء لأجله، تراقب توتره الغير معهود، أين ذهبت عجر فته وغروره.
تنهد ريان بقوة ثم نظر لها قائلًا:
"اتخطبيني..."
شحب وجهها تكاد تخلعها بصدمة، قبل أن تقول بسخرية وهي من ظنته يمزح، وكأنه معتاد على المزاح معها:
"أنت بتأمرني؟"
نفى ريان قائلًا:
"لا، أنا... اسمعيني يا حوراء، ممكن أكون شخص تقيل عليكِ بس دا لإني متعودتش أتعامل مع حد مش مقرب مني بطريقة... بيسموها إيه؟"
"لبقة؟"
قالتها بسخرية ليقول معترضًا:
"لا طبعًا، أنا لبق بس..."
"غير مهذب؟"
"ما تحترمي نفسك."
قالها منفعلًا ازداد مع توتره، ثم تنهد بقوة قائلًا بجدية:
"حوراء أنا معجب بيكِ، وأتمنى إنك توافقي تكوني زوجتي وأنا أوعدك إني عمري ما هخليكِ تندمي ولا تزعلي في يوم على قرارك دا. أنا مش عارف أرتب كلامي لإن وقتي معاكِ دلوقتي قليل، هديكِ وقت تفكري بس كل اللي بطلبه منك دلوقتي إن أخوكِ لما يسألك مترفضيش، ادّي نفسك فرصة وفكري. أنا دلوقتي هكلم أخوكِ... موافقة؟"
استمعت له بصدمة وخجل، تتمنى لو تنشق الأرض وتبتلعها، ماذا عليها أن تفعل الآن؟ بل كيف يجب عليها التصرف. رمشت عدة مرات تحاول الحديث ولكن صوتها اختفى، أخفضت رأسها وقد استحال وجهها للأحمر وكأنها تختنق، وهي كذلك بالفعل.
ابتسم ريان بخفة قائلًا وهو يتحرك إلى الخارج:
"فهمت..."
وقف أمام باب مكتبه يأخذ نفسًا لما هو قادم. وقف أمام إياد قائلًا:
"إياد... أنا بطلب الزواج من أختك حوراء."
وكأنه ألقى كبريتًا مشتعلًا في برميل به مادة تنتظر الانفجار، كان الرد عليه لكمة قوية ثم صوت إياد الجهوري:
"ورب الكعبة لو كنت مسيت أختي بأذى وبتفكر تستغله ومفكر إني هقبل تبقى غبي."
وقف بيجاد أمام صديقه يمنعه من رد فعل متهور، بينما أتى رد الفعل من هشام الذي دفع إياد بقوة قائلًا:
"لو كنا عايزين نمس أختك بأي سوء كنا عملنا من زمان، هو يعني مستنيين طلتك البهية علشان نعمل، ومن امتى كان طلب الزواج بيبقى عليه رد الفعل الغبي دا، وربي يا اللي ما عارفلك اسم أنت لو ما اتعدلت في تصرفاتك لتكون أنت واخت..."
"هشام....."
أغمض هشام عينيه بقوة، بينما سحبه ريان إلى الخلف قائلًا بحدة:
"نقاشي مع إياد محدش يتدخل فيه."
ثم نظر إلى إياد الذي بدا متحفزًا لتحطيم رؤوسهم ثم أخذ شقيقته والرحيل، ليتنهد بقوة كابحًا شياطين غضبه وامسك بيده يجلسه عنوة قائلًا:
"خلينا نتكلم بهدوء، هعرفك على نفسي أولًا...."
رمقه إياد بحدة بينما بدأ ريان بتعريفه عن نفسه ثم عن ابن عمه وصديقه بيجاد ثم هشام العمري صديقه الثالث. كان الحديث مشدودًا، نبرة ريان التحذيرية في حديثه جعلت حدة إياد تزداد، يذكره أنه ليس هو من يخشى من أمثاله، وبيجاد يحاول تلطيف الأجواء فيقوم هشام ملقيًا كلمة ساخرة تزيد من سخونتها، ليرمقه بيجاد بغيظ متوعدًا وكأنه يهدم بيت الرمل الذي يبنيه بصعوبة على شاطئ بحر ثائر.
بعد وقت كان إياد يقترح الأمر على شقيقته، قائلًا بجدية:
"حوراء، أنا مش مرتاح له لو عايزة رأيي، بس في الأخير أنا بقولك لإن دا حقك وأنتِ اللي تقرري وأنا يا أميرة أخوكِ هنفذلك اللي يسعدك ويريحك، وعايزك تقوليلي إذا كان الكائن دا اتعامل معاكِ بأي طريقة وحشة وأنا أوعدك إني هخليه يندم ولا هيقدر يمس شعرة من..."
رغم حرجها تحدثت:
"إياد، أنا قولتلك أنه شخص كويس وساعدني لوجه الله بدون ما أطلب منه، وأخته ألطف منه اهتمت بيا وراعتني، كانوا هما العيلة الحامية ليا واللي لبت ليا احتياجاتي من غير ما أتكلم وقت ما بابا رماني وبقيت من غير بيت وبعيدة عن أمانك، وقت ما كنت عرضة لأي ابتزاز وأي شيء وحش كان هو الحماية اللي ربنا بعتها ليا، أنا أرجوك يا إياد حتى لو رفضت زواجي منه تشكره وتتعامل معاه بلطف، هو آه غلط لما منعني عنك بس دا مسببليش أذى، وفي الأخير جابك ليا."
"يعني أنتِ موافقة؟"
اتسعت عينيها وكأنها تقول له هل هذا ما استخرجته من كلامي، لتبتسم بخجل قائلة:
"محتاجة وقت أفكر."
"طيب، خلينا نرجع البيت وهناك فكري براحتك."
أومأت له بهدوء ليقبل إياد جبينها وبداخله يحمد الله على حمايته وحفظه لها، خرج ليجد ريان بوجهه. قلّب عينيه ثم قال بضيق:
"أنت هتفضل لازق ليا كدا؟"
"لازم نتكلم."
"أنت مش بتقول كل اللي عندك مرة واحدة لي؟"
كبح ريان ردًا فظًا منه، وقال بهدوء مصطنع:
"السلم مش بيخلص من خطوة واحدة يا إياد... تعالى معايا."
جلسا ببهو القصر وقدمت لهما الخادمة القهوة، بينما تنهد ريان قائلًا:
"مقدرتش أضيفك إلا دلوقتي."
"شكرًا."
قالها بهدوء بدأ يستعيده، هو في الأخير ممتن له كونه رعى شقيقته وحافظ عليها حتى وصوله إليها... وإن كان هو من أتى به أيضًا، ليبتسم ريان مردفًا:
"العفو، عارف إنك بتفكر ترجع بحوراء."
"دا اللي هيحصل."
"اسمعني الأول وبعدين قرر."
عقد إياد حاجبيه يطالعه بتحفز، ليقول ريان بجدية:
"أنا عندي خطة هتساعد في تحسين نفسية أختك وزيادة ثقتها في نفسها، حوراء من غير ما تعرف هي دخلت في حالة استسلام تام وفاقدة ثقتها تمامًا حتى ممكن تكون بتفكر أن ملهاش حق تقاوم أي شيء بيحصلها هي مش قابلة بيه...."
بهت إياد وخفق قلبه بألم، قائلًا بصوت خفتت نبرته فجأة وكأنه على وشك فقدان النطق:
"إيه... الدليل؟ أختي كويسة!"
نفى ريان متحدثًا بجدية:
"هي أبعد ما يكون عن الحالة الكويسة اللي بتظهرها، والدليل إنها متحايلتش عليا ولا على أختي أنها تتواصل معاك، كانت مسلمة أمرها تمامًا وأي شيء كان ممكن أطلبه منها كانت هتعمله، أختك في حالة رهاب من المقاومة."
ابتلع إياد ريقه قائلًا بصعوبة وشعر باختناق أنفاسه:
"والحل..."
"الحل إنها مترجعش معاك غير لما تستعيد قدرتها على المشي، العملية مش هتستغرق ساعتين إلى ثلاث ساعات، بس بعدها العلاج الطبيعي والراحة دا ممكن يستمر من شهرين إلى خمسة، على حسب، وعلشان كدا عايزك تسمعني كويس وتفهم اللي جاي وكله هيكون في مصلحتها......"
تنهد إياد بقوة يقف أمام باب الغرفة، ليتحفز ما إن خرجت فتاة عرفها ريان له أنها شقيقته. غض بصره عنها بينما يسمعها تقول بسعادة ظاهرة في صوتها، هي من عادت من الخارج لتجد رجلًا غريبًا عرفت أنه شقيق حوراء ثم صدمت بأن أخيها سيتزوجها.
"هي جاهزة."
أومأ لها إياد ودخل إلى الغرفة تحت نظرات كيان المتعجبة عدم نظره في وجهها حتى، بينما تطلع إياد إلى شقيقته بهية الطلعة، بفستان رقيق أبيض كحجابها. اقترب منها وقبل جبينها ثم احتضنها بقوة قائلًا:
"أنا معاكِ دايمًا، أدفع عمري مقابل ضحكة منك يا أميرتي."
"إياد، أنت لو معترض أنا هغير رأيي، وكمان كان نفسي لو آية وأريب هنا."
"مستحيل أعترض على سعادتك ومصلحتك يا حور عيني، تبارك الله زي القمر، آية وأريب هيتفهموا دا لما يعرفوا، المهم دلوقتي أنتِ."
ابتسمت له بأعين متلألأة كنجوم السماء، تركها وخرج مترجلًا الدرج، ليجد ريان وأخته وصديقيه يجلسون ومعهم المأذون الشرعي. أخذ نفسًا يدعو الله أن لا يكون يلقي بأخته إلى التهلكة، يدعوه أن يكون خيرًا لها في كل شيء.
وضع يده بيد ريان، يردد خلف المأذون ثم وضعوا توقيعهم مع توقيع بيجاد وهشام كشهود، وكيان التي كانت تصور كل شيء بسعادة، سارت خلف إياد تصوره وهي يأخذ الدفتر إلى شقيقته في الأعلى، تصورها وهي تضع توقيعها ليقبل إياد جبينها ثم أخذ الدفتر وعاد إلى المأذون الذي ردد جملته الشهيرة معلنًا أن ريان لم يعد أعزبًا بائسًا، بل أصبح لديه زوجة فائقة الجمال خلقًا وخلقًا.
عانق بيجاد ريان بقوة هامسًا له بسعادة لأجل اللمعة التي رآها في أعين صديقه ما إن أعلن المأذون زواجهما:
"مبارك يا صديقي، أسعد الله حياتك معها."
"آمين، العاقبة لك."
"آمين، هو أنا أكره!"
ابتسم ريان ثم استقبل عناق هشام الذي همس له:
"كنت معترض لحد ما شوفت لمعة عيونك، هنا أدركت أنك مش بتجرب وأنك عايزها بجد، مبارك يا صديقي الغالي وإن شاء الله بالرفاه والبنين والبنات."
"آمين يا هشام، وصاحبك عمره ما كان هيجرب في مشاعر إنسان."
ابتسم له هشام ثم تحرك ناحية إياد، وقف أمامه يطالعه للحظات قبل أن يمد يده قائلًا:
"مبارك."
صافحه إياد رادًا عليه بهدوء ثم صعد إلى شقيقته، لتقول كيان بتذمر:
"هو رايح فين؟ دا دور أبيه."
ضحك بيجاد بينما قال ريان بهدوء:
"هو هيمشي دلوقتي وأكيد هيقعد مع أخته الأول."
"يمشي لي؟"
أجابها ريان ناظرًا ناحية الدرج بغموض:
"لأن لسه الموضوع منتهش... بل دلوقتي ابتدأ."
بعد مغادرة شقيقها، أصابها التوتر، وعدها بالقدوم في الصباح ولكن ليس هذا ما يقلقها، بل أنها الآن أصبحت زوجة رجل استخارت الله في الزواج منه. توقفت أنفاسها لسماعها طرقًا على الباب ثم دخول ريان.
حافظت على إخفاض رأسها ليقف ريان أمام الفراش قائلًا:
"مبارك يا زوجتي الجميلة."
خرجت منها همهمة لم يفهمها، أخفى ابتسامته واقترب منها، مال ناحيتها واضعًا قبلة رقيقة على جبينها ثم همس لها بصوت أجش دافئ:
"هقولك بثقة إن قلبي وقع بحبك، إعجاب نما من وقت ما شوفتك والميثاق اللي ربط أرواحنا حوله لحب مفعم، يقال بأن الحب لا يبدأ بنظرة واحدة ومقابلة واحدة وصدقوا، تعمدت النظر إليكِ كتير مع شعوري بالإعجاب لإني هكون فخور لو حبيتك، فخور إن اللي ملكت قلبي تكون أنتِ، اجتهدت في النظر إليكِ والمحافظة عليكِ جنبي علشان أفوز بيكِ بالأخير."
ابتعد عنها يراقب معالم الصدمة والخجل على وجهها، رفعت عينيها تطالعه بعدم تصديق لما سمعت، زاد اضطرابها وهو ينظر إلى جمال مبهر يكون ملكه، قبل أن يبهت وجهه وتتوقف عقله عن العمل ما إن سمعها تقول ببلاهة:
"الله يخليك، تسلم."
رمش عدة مرات قبل أن يبتسم بصدمة قائلًا:
"الله يخليني!! الله يبارك فيكِ يا بنتي والله كتر خيرك، تصبحي على خير يا حوراء."
غادر يهز رأسه بيأس منها لا يصدق أن هذا ما أسعفها به عقلها، رفع رأسه ضاحكًا بسعادة تغمر داخله، لم يتوقع أن يكون زواجه يبدأ بحادث، ترجل الدرج مبتسمًا، مودعًا صديقه الذي سيذهب إلى عمله.
"خلي بالك من نفسك وارجع لنا بالسلامة."
"إن شاء الله، سلام."
ودعهما بيجاد وقبل رحيله وجد كيان تبكي، ابتسم بلطف واحتضنها قائلًا:
"هجبلك حلويات كتير لو بطلتي عياط."
"مش عايزك تروح الشغل دا يا بيجاد."
"وبيجاد بيحب الشغل دا ولازم يروح، هرجعلك أول ما أخلص على طول، بس أنتِ خلي بالك من نفسك ومن الغلبانة اللي وقعها نصيبها مع أخوكِ، ماشي؟"
ضحكت بخفة تهز رأسها بموافقة ليودعها ثم رحل، ليتنهد هشام بقوة وقلبه بدأ من الآن ينبض بقلق لن يهدأ حتى عودته سالمًا.
"إياد أنا خايفة."
مسح إياد على رأسها يطمئنها بقوله:
"أنا معاكِ ومش هسيبك لحظة واحدة، هفضل ورا الباب دا لحد ما تخرجي، وهفضل جنبك لحد آخر لحظة في عمري، اهدي وتوكلي على الله، كله بأمر الله."
سحبت نفسًا عميقًا تهدئ روعها قبل دخولها غرفة العمليات، استيقظت صباح اليوم بعد ليل غفت به بصعوبة بسبب تفكيرها في أمر زواجها، لتتفاجأ في الصباح بأن العملية اليوم... بل الآن.
قبل إياد جبينها وهمس لها بكلمات وآيات الله يطمئنها، ليبتعد عنها فور دخول ريان وهو يبتسم لها قائلًا:
"قد يجعل الله العملية دي سبب في اكتشاف سر امتلاكك نور القمر."
تمنت لو تفقده قدرته على النطق وزاد خجلها بسبب تواجد أخيها الذي رمقه بسخرية قائلًا:
"وأنا هكتشف سر تقل دمك إزاي؟"
"بالمكي."
أجاب ريان ببسمة مستفزة، ليكبح إياد رغبة في تحطيم رأسه ثم قبل جبين أخته وبعدها كانت رحلتها مع العملية التي لم تشعر بها وكان آخر ما تراه هو عيناه قبل أن يبدأ المخدر بسرقة وعيها بالكامل.
ساعتان ونصف قضاهما إياد بين السجود والدعاء لسلامة شقيقته وإتمام شفائها، كان الانتظار قاسيًا عليه كقسوة حجر على قطعة زجاج هش، حتى انتفض فور خروج ريان الذي كان ولأول مرة يملك بداخله هذا القلق أثناء عملية يجريها. اقترب منه إياد وقبل أن يتحدث كانت بسمة ريان تجيب تساؤلاته، لم يكبح رغبته وعانق ريان بقوة قائلًا:
"أكد ليا إنها بخير."
"بإذن الله مع جلسات العلاج الطبيعي بعد العملية هتشوف بنفسك."
"أبيه؟"
ابتعد إياد عنه لتقترب هي تعانق ريان الذي ابتسم بحنان عليها بينما تقول:
"هتكون بخير... أنا متأكدة."
"إن شاء الله يا كياني."
ثم ابتعد عنها راحلًا ليبدل ثيابه، بينما قفز قلب إياد بلهفة وهو يرى خروجها غافية بسلام على الفراش الطبي يقودوها لغرفة أخرى، ليبقى بجانبها كما وعدها ينتظر استيقاظها...
بعد ساعات، كانت كيان تجلس بجانبها على الفراش داخل الغرفة التي كانت بها في القصر، تراقب حالة عدم استقرار راحة حوراء بسبب أثر المخدر الذي يصيبها بالغثيان والدوار غير شعورها بألم في جسدها. نهضت من جوارها ما إن دخل إياد مقتربًا من شقيقته ماسحًا على رأسها قائلًا بحنان:
"هتكوني بخير بإذن الله."
"إياد..."
"روح إياد، اؤمريني."
"أنا... أنا مش كويسة."
بلسان ثقيل تشكو شعورها السيء، تشعر بفراغ عقلها وغثيان مستمر يسبب لها الإرهاق، ليمسح إياد على رأسها وجهل ما عليه قوله إلا تلاوة آيات القرآن لها علها تهدأ وتستكين، وتلك الواقفة بعيدًا تستمع له وتراقبهما ببسمة حانية على وجهها، حتى همست بعد وقت:
"نامت..."
توقف إياد عن القراءة ونظر لها ليراها قد غفت بالفعل، قبل جبينها ودثرها بالغطاء جيدًا ثم تحرك لخارج الغرفة وتبعته كيان، وجدته يبحث عن أخيها لتقول بهدوء:
"راح الشركة... مش هيتأخر."
هز رأسه بهدوء ثم قال متغاضيًا النظر لها، يعود إلى غرفة شقيقته:
"هفضل مع حوراء لحد ما يجي، بعد إذنك."
أومأت له تتابع صعوده إلى الأعلى مجددًا بتعجب، تتساءل لما لا ينظر لوجهها حتى بل ويتجاهل وجودها وكأنها ليست هنا؟! تنهدت بقوة ولم تفكر في الأمر كثيرًا وذهبت إلى غرفتها تنتظر عودة أخيها.
بعد أيام تخلصت فيها حوراء من توابع المخدر وهدأ جسدها من آلامه، أتى يوم البدء في مسيرة الجلسات للعلاج الطبيعي، وكان يومًا قاسيًا عليها حتى بدأ يكون لطيفًا عليها. كان إياد يأتي ويذهب لأجل شقيقتيه اللواتي يضعهن أمانة لدى أمينة، ثم يعود لها ليكون بجانبها وقت علاجها، بينما ريان فكان أغلب ساعات يومها برفقتها وجانبها، وأتى لها بأمر أطباء مشفاه تخصص العلاج الطبيعي، تقرب منها كثيرًا وصنع بينهما تجاذبًا لطيفًا أراحها بجانبه.
في صباح يوم ترك فيه إياد شقيقتيه ليذهب إلى عمله ثم إلى شقيقته الأخرى، دخل إلى القصر متنهدًا ليقابل هشام الذي تعرف عليه أكثر في الأيام الماضية، صافحه قائلًا:
"الدكتورة مريم وصلت؟"
"من ساعة، ريان معاهم."
همهم إياد وقبل أن يتحدث سمع كيان تقول مرحبة:
"أهلًا إياد، أبيه ريان بيطلب منك تفضل مع هشام لحد ما يجي."
عقد حاجبيه كونه يمنعه من الذهاب لشقيقته، أصابه القلق إن كان بها شيء:
"حوراء كويسة؟"
هل تقول أن هذا أول حديث سيدور بينهما؟ أبعدت الأفكار عن رأسها تقول مبتسمة باتساع:
"بأفضل حال."
تنهد إياد بقوة ليقول هشام بهدوء:
"مفيش حاجة، ممكن يكون ريان حابب يتكلم معاك مش أكتر."
"خير إن شاء الله."
جلس برفقة هشام وكيان التي كانت كل حين وآخر تنظر في ساعتها، قبل أن تنهض فجأة بحماس وتوجهت للدرج تقف أسفله، تنظر إلى الأعلى بحماس، ليقول هشام بتعجب:
"إيه يا كيان؟"
"تعالوا واعرفوا بنفسكم... إياد، أأكد لك أنك هتحب تشوف دا."
عقد إياد حاجبيه لينهضا واتجها للوقوف خلفها، ليتجمد إياد بأرضه وشعر بصراخ خافق بلهفة، يراها تقف أعلى الدرج على قدميها تنظر له مبتسمة برقة.
كفها محصور بكفه وذراعه الأخرى تلتف حول خصرها يدعمها ويساندها، قلبه يخفق بشدة وهو يرى سعادتها ولمعان عينيها ونجاح عمليته، أشار إلى إياد الذي كاد أن يصعد الدرج بأن يتوقف، ثم همس لها بحب:
"متخافيش، أنا جنبك، بهدوء ارفعي رجلك ونزليها على أول درجة."
سحبت نفسًا عميقًا ثم تمسكت بيده أكثر، تنفذ ما قاله لتبدأ خطوة بطيئة خلف الأخرى تترجل الدرج وذراعه حولها تدعم توازنها، وقفت أمام أخيها الذي لمعت عيناه بدموع لا يمكن أن يصفها بالسعادة لأنه تعبير قليل جدًا، أنفاسه متسارعة وقلبه يخفق بلهفة، اقترب منها يضمها إلى صدره برفق قائلًا بصوت مرتجف من فرط مشاعره:
"أنا... الحمد لله، مش عارف أقول إيه يا حور عيني غير الحمد لله، في مشاعر كتير بنعجز عن وصفها غير بحمد الله وشكره، حاسس بقلبي بيرتجف، وأخيرًا... أخيرًا يا رب، الحمد لله، كنت مستعد أشيلك طول عمري ودلوقتي أنا بوعدك إني هفضل معاكِ في كل خطوة لآخر عمري."
ومن بين أنفاسها المضطربة قالت له بحب وامتنان:
"عمري قليل وأدنى من إني أهديه ليك، أنت مفيش حاجة تستاهلك لأنك أغلى وأفضل من كل حاجة ربنا خلقها في العالم، أدامك الله لي أخًا سندًا وعضدًا قويًا، شكرًا يا إياد، شكرًا على كل حاجة، وشكرًا لأنك عمرك ما حسستني بمرضي، جه دوري علشان أهتم بيك وأراعيك زي ما كنت بتعمل، رغم إني مش هعرف أعمل ربع اللي كنت بتقدمه لينا من غير طلب، إياد أنا... أنا مكنتش مهتمة امتى هبرى من مرضي غير إني كنت عايزة أهتم بيك ومش قادرة، أنا بحبك أوي."
ابتعدت عنه بحذر وأمسكت بيده لتقبلها، ليجذبها إياد بعيدًا عنها ثم أمسك برأسها يقبل جبينها بحنان قائلًا:
"كل اللي كنت بعمله كنت بحاول فيه إني أشكر ربي على رزقه ليا بيكم، رعايتكم والحفاظ عليكم واجب عليا ليوم الدين وأبدًا ما كان فضل مني."
رمقته بأعين لامعة، قلبها يتضخم حبًا له، وعجزًا عن وصف ما تكنه بداخلها له.
بينما كانت كيان تقوم بتصويرهما وعيناها تذرف الدمع، قبل أن تعطي هشام هاتفها ثم اقتربت من حوراء، ليبتعد إياد رغمًا عنه، عانقتها تبكي بسعادة لأجلها، حوراء صنعت لها مكانًا عميقًا داخل كيان بدون جهد وكان شفاءها وكأنه شفاء كيان من مرض لا علاج له.
تحدث هشام مبتسمًا بخفة:
"حمدًا لله على شفائك يا زوجة أخي."
"شكرًا."
قالتها برقة وكانت أول كلمة تخاطب بها هشام، ثم نظرت إلى ريان الذي يطالعها بأعين تعترف لها بحبه، أعين لامعة مبتسمة. اقترب منها وقبل جبينها ثم أحاط خصرها هامسًا:
"تخرجي للحديقة؟"
"ياريت."
ابتسم لها بحب وأمسك بيدها وسار بها بحذر إلى الخارج وإياد ممسك بيدها الأخرى ولا يزال عقله يستوعب الأمر وخلفهما هشام الذي جذب رأس كيان لأسفل ذراعه يمازحها، ليقضوا وقتًا ممتعًا ومبهجًا معًا في الحديقة وأعين إياد لم تتوقف عن النظر إلى شقيقته بسعادة ولكن... كانت هناك أعين أخرى تطالعها بلمعة محبة وكأنه خلق وبداخله عشقًا.
بعد أسبوع حافل من تكثيف العلاج الطبيعي لها بدأت تسير بمفردها بشكل جيد، ليأتي يوم معلنًا لحظة حاسمة، لحظة المواجهة، لحظة خطط لها ريان جيدًا، اقترب اليوم الذي سيذيق فيه من كانوا سببًا في عناء زوجته الويل.
وإن طال الليل هناك نهار مشرق، نهار ربما يحمل معه ما يجعلك تفضل ليلك عنه، وربما ما يجعلك تتمنى أن يكون نهارًا سرمديًا.
والسلام.
منة جبريل.
رواية الطبيب العاشق الفصل الثامن 8 - بقلم منة جبريل
اصطفت سيارات كثيرة أمام منزل جميل. ترجل الحرس أولًا ليلفتوا أنظار المارة. فتح الباب، ثم ترجل من السيارة وفتح الباب لها، مستقبلًا يدها في يده لتنزل واقفة بجواره. نظرت حوراء حولها بهدوء شديد قبل أن تبتسم إلى ريان الذي سألها:
_ مستعدة؟
_ أكتر من أي وقت تاني.
ابتسم لها بحنان، ثم تجمدت ملامحه بطريقة غريبة. سار برفقتها حتى وقفا أمام باب المنزل. تولى ريان مهمة طرق الباب، وبعد لحظات، كان رجل متوسط العمر يفتح لهما الباب. تعجب منهما، ولكن ما إن وقعت عيناه عليها حتى شحب وجهه. هذه هي... ابنته!
تقهقر إلى الخلف، لتقول حوراء مبتسمة:
_ ازيك يا... بابا.
دخل ريان وعيناه ترمقه بنظرات مخيفة. كان يهدئ ويشجع زوجته طوال الوقت ونسي أن يستعد هو للهدوء ما إن يرى أحد أسباب شقاء زوجته، والذي كان والدها.
دخلت حوراء معه مبتسمة بهدوء وقلبها ينزف. لا بأس، ستأخذ شقيقتيها ثم سترحل بسلام. لم تأتِ لأذية أو لشر. نظرت إلى والدها الذي قال بصدمة وقد ظن أنها لن تعود أبدًا، خاصة بعد أن أخبره ذلك المسمى شرطي عبثًا عن أمر اصطدامها بسيارة:
_ ازاي؟؟
رمقته حوراء بخيبة وألم قائلة:
_ ازاي إيه يا بابا؟ ازاي إني واقفة على رجلي، ولا ازاي هربت من اللي بعتني ليه، ولا ازاي لسه عايشة... ازاي إيه تحديدًا؟
تركت يد ريان مقتربة منه حتى وقفت أمامه. لتبتسم بحزن مكملة:
_ متقلقش يا بابا، ممكن يكون اللي عملته أسوأ شيء ممكن يعمله أي أب، بس بسببك أنا زي ما أنت شايفني دلوقتي... كلنا أسباب لشيء ما.
ثم تركته وتحركت نحو غرفة شقيقتها، محافظة على ابتسامتها رغم غصة قلبها. وإن كانت لا تستطيع الصراخ بوجهه لأنه والدها، وإن كانت لا تستطيع إهانته بأي شكل كان.
يظل ما فعله لها أسوأ ما قد تمر به يومًا.
دفعت الغرفة بهدوء تنظر إلى شقيقتيها وأخيها إياد الذي كان مبتسمًا. كان يعدهم بمفاجأة وهما تتحايلان عليه ليعرفهما على ما هيتها. لتتسع عيناهما وهما ينظران إلى شقيقتهما بصدمة وعدم تصديق.
مرت دموع آية هامسة باسمها، بينما قفزت أريب صارخة وفرحتها بعودة شقيقتها تفاقمت مع رؤيتها واقفة على قدميها. ألقت بجسدها عليها تعانقها بقوة تصرخ ببكاء وسعادة. أسئلة كثيرة تدور بذهنها جعلت حوراء تبتسم قائلة وهي تذهب إلى شقيقتها آية تعانقها بلطف:
_ هقولكم كل حاجة، بس الأول خلونا نتكلم لأنكم وحشتوني.
ليقول إياد مبتسمًا:
_ خليكي معاهم وأنا هشوف ريان.
_ ريان؟؟
قالتها أريب بتساؤل. لتنظر حوراء إلى أخيها بتوتر، ليبتسم لها قائلًا:
_ اهتمي أنتِ بالموضوع دا.
ثم تركها بمفردها أمام نظرات متسائلة تنتظر توضيحًا وشرحًا لكل شيء. حمحمت بخفة مبتسمة بتوتر قائلة:
_ اسمعوني للآخر، عايزاكم تتحولوا حاليًا لآذان صاغية بس، فهمتوا؟
رمقاها بعدم راحة، لتأخذ نفسًا لتقص عليهما ما حدث معها منذ وقت رحيلها مع أبيها إلى جلوسها الآن بينهما.
ما إن خرج إياد من الغرفة، وجد ريان يقف أمام والده والنظرات بينهما مشتعلة. التفت ريان بجانب وجهه يتأكد أن من خرج ليس زوجته أتت في خضم حديث تهديدي بينه وبين والدها. تجاهلهما إياد وخرج من المنزل ليستنشق الهواء، يُمني نفسه أيامًا قادمة أفضل له ولأخوته.
أعاد ريان بصره إلى عبد القادر الذي قال ساخرًا:
_ لا أنت ولا عشرة زيك يخوفوني، بنتي وأنا حر أعمل فيها اللي أنا عايزه.
ابتسم ريان بطريقة مخيفة ومال نحوه هامسًا كفحيح أفعى أمام وجهه:
_ بنتك زوجتي، وكرمًا ليها هسيبك عايش، وهسيب أطرافك مكانها، بس... هحطك في المكان المناسب لأمثالك. هخليك تنسى شكل النور وأي شعور الهوى النقي. هخليك تتمنى تحلم بماضيك بس علشان تشوف السما فيها. هحرمك من كل حاجة وأي حاجة ممكن أنها تريحك. أحب أقولك... أهلًا بيك في جحيمي.
_ ريان...
ابتعد عنه بهدوء ملتفتًا إلى زوجته. استغل عبد القادر انشغاله وانصرف من المنزل تمامًا، هاربًا من تهديد ذلك المخيف. لم يهتم ريان به، بينما رمقته حوراء تراقب رحيل والدها بتعجب قبل أن تنظر إلى ريان. كادت أن تتحدث ليسبقها ريان مقتربًا منها:
_ قلبه...
_ طنت عايزة أقولك... معندكش اعتراض آخد إخواتي معايا صح؟
داعب وجنتها بلطف، ثم مال مقبلًا وجنتها هامسًا بحنان:
_ أبدًا، قصرك وأملاكك اتصرفي فيها براحتك، وأخواتك مرحب بيهم دايمًا.
شكرته بخجل، وعادت إلى داخل الغرفة بسرعة. ابتسم بخفة وقلبه يخفق بصخب. وبعد ساعتين... أسوأ ساعتين عاشها ريان في حياته وهو محاصر بين نواح فتاتان عنيدتان، ورجاء حوراء لهما أن ترافقهما. ليزفر بقوة ينظر إلى إياد لينهي هذه المهزلة. ليقول إياد بجدية:
_ حوراء، اخواتك هيزوركي وأنتِ هتيجي لأخواتك، بسيطة، مفيش داعي لكل دا.
_ بس يا إياد...
_ حوراء.
صمتت تطالعه بحزن، ثم نظرت إلى شقيقتيها لتقول آية بهدوء:
_ دا الصح، أهم حاجة إننا اطمنا عليكي وأنك الحمدلله بقيتي بخير.
تنهدت حوراء ثم قالت متوعدة بمزاح:
_ مش هستسلم على فكرة، هرجع ومش همشي غير بيكم.
وبعد حديث سريع دار بينهما، غادرت حوراء مع ريان الذي سحب نفسًا وأخيرًا من انتهاء ذلك الإزعاج. أما عمن يظن نفسه قد هرب، فهو سيأتِ به ببساطة.
دلفا إلى القصر ليسمع صوت صديقه الذي يتعالى بإزعاج. ابتسم بخفة ودلف البهو، لتقول كيان بسرعة:
_ أبيه... أنت جيت بسرعة لي؟ هي لحقت تتكلم مع اخواتها؟
_ كانت مقابلة عادية يا كيان بتعرفهم فيها إنها كويسة مش أكتر.
التفت إلى صديقه وما كاد يتحدث حتى ابتسم باتساع وهو ينظر إلى حوراء. اقترب منها قائلًا:
_ أختي الجديدة... حمدًا لله على سلامتك. تعرفي...
قاطعه ريان بجمود:
_ اخرس يا بيجاد.
رمق صديقه بغيظ، وقبل أن يتحدث كانت حوراء تقول ضاحكة:
_ شكرًا يا بيجاد.
_ شايف الذوق، سمعت عنه قبل كدا؟
تحدث مشيرًا إلى حوراء بغيظ، لتضحك حوراء بخفة، ثم نظرت إلى هشام قائلة:
_ ازيك يا هشام؟
_ الحمدلله، شكرًا.
_ سيبك منه دا بالعافية كان بيكلم أمه الله يرحمها، تعرفي أ...
قاطعه ريان مجددًا ولم يعجبه اندماجه مع زوجته:
_ بيجاد...
_ هشوه وشك والله، سيبني أعرفها حتى، إيه القرف دا؟
ضحكت كيان بشدة، بينما ابتسمت حوراء ونظرت إلى ريان لتراه يطالع صديقه بهدوء، ولكنه كان أبعد من أي شيء قد يكون هادئًا. تقهقر بيجاد ليجلس بجانب هشام مراقبًا نظرات ريان المتعودة، ليقول هامسًا:
_ شكلي رجعت من المهمة بدري.
أجابه هشام ببرود:
_ شكلك مش هتلحق تروح مهمات تانية أصلًا.
ابتسم بيجاد إلى ريان ببلاهة، ليتجاهله الآخر قائلًا:
_ اسبقوني على الشركة.
ثم غادر وبيده حوراء التي لم تلاحظ أنه يضع لها وقتًا محددًا مع الجميع، حتى مع أخوتها، حتى يعود ويبقيها بجانبه.
صباح اليوم التالي، بينما تجلس مع حوراء تتحدث معها بسعادة كونها أصبحت زوجة شقيقها، تخبرها بعبوس:
_ شغله حتى وهو عريس بيروحله، إيه الملل دا، صدقيني ريان دا آلة شغل، بس أتمنى يتغير ويبقى بيتوتي بعد ما اتجوزك يا حلوة.
غمزتها في آخر حديثها لتقول حوراء بحرج:
_ ربنا يكرمه في شغله.
وقبل أن تتحدث كيان، تعالى رنين هاتفها، ابتسمت باتساع وهي تجيب المتصلة قائلة:
_ ليان... أخبارك إيه؟
وصلها ما تحدثت به ليان من الناحية الأخرى، ليشحب وجهها قائلة بسرعة:
_ حاضر، هقول لأبيه.
أغلقت منها لتسألها حوراء بقلق:
_ خير؟
قالت كيان بسرعة وهي تضع الهاتف على أذنها وبدأت دموعها في الهطول:
_ أبيه... تعالى بسرعة.
وهو من كان يسترخي في سيارته المتجهة إلى المشفى، أوقع قلبه صوت شقيقته الفزع، ليأمر السائق بالعودة إلى القصر بنبضات تخفق بسرعة. وما إن دخل إلى القصر ركض إلى غرفتها ولم يجدها، ليسرع في ذهابه إلى الغرفة الأخرى. فتح الباب بدون استئذان، وكل ما يفكر به إن أصابها أو أصاب حوراء مكروه. مارآها تبكي بأحضان حوراء، وما إن رأته ركضت نحوه تحتضنه باكية. مسح على خصلاتها قائلًا بقلق:
_ حصل إيه؟ اهدي... حوراء؟
أنهى حديثه ناظرًا إليها، لتقول بقلق هي الأخرى:
_ معرفش، جاتها مكالمة وبعدين حصلها كدا.
أبعدها ريان عنه وأحاط وجهها يسألها بهدوء:
_ كياني... اهدي أنا هنا، قوليلي حصل إيه.
قالت كيان من بين بكائها:
_ لــ... ليان.
تحفز جسد ريان قائلًا:
_ ليان؟ مالها؟ حصل لها إيه قولي.
لاحظت حوراء نبرة الخوف في حديثه على تلك الفتاة لتتساءل بداخلها عن هويتها، بينما قالت كيان:
_ قالت إن جدو تعبان وعايز يشوفنا، أنا خايفة أوي يا أبيه، عايزة أروح عندهم.
نظر لها ريان قليلًا ثم نظر إلى حوراء، ليس وقته أبدًا. تنهد بقوة وقال بجدية:
_ تمام، اهدي أنا هشوف في إيه.
ثم خرج من الغرفة متوجهًا إلى مكتبه بعد أن طلب سليمان حارسه الشخصي. ثوانٍ ووجد الباب يطرق، فأمره بالدخول، ثم قال بنبرة قوية:
_ جهز سيارات الحراسة، هنتحرك لوسط البلد بعد ساعتين.
غادر سليمان، بينما هاتف ريان إياد، يُعلمه بما حدث وأنه سيأخذ زوجته معه، وحين عودتهم سيهاتفه مجددًا. ثم هاتف هشام وأخبره بأمر سفره، ليقول هشام بجدية:
_ تمام، أنا ههتم بالشغل هنا متقلقش.
_ شكرًا يا هشام.
_ اقفل يا ريان مش فاضيلك.
سبه ريان لتتعالى ضحكات هشام، ثم أنهى المكالمة معه، وبمكالمة أخرى أخبر بيجاد الذي قال أنه سيلحق به بعد يوم. ثم عاد لشقيقته قائلًا:
_ روحي اجهزي، هنتحرك بعد ساعتين.
ركضت كيان إلى غرفتها لتتجهز، بينما أخرج ريان حقيبة سفر وأمر خادمة بأن تأتي وتجهز الحقيبة من ملابس حوراء التي ابتاعها لها. ثم جلس أمام حوراء التي تراقب كل شيء بصمت وتوتر. أمسك بيدها قائلًا بحنان:
_ عارف إن كل حاجة بتحصل بسرعة حواليكي، بس عايزك تثقي فيا.
أومأت له بصمت قبل أن تقول بتردد:
_ هو أنا ممكن أسألك عن حاجة؟
_ أكيد، اسأليني من غير استئذان لأنك زوجتي ودا حقك.
ابتسمت حوراء بخجل، ثم استرسلت كلامها متسائلة:
_ هو يعني اللي عرفته من كيان إنك ليك 11 سنة تقريبًا مروحتش تزور أهلك، هو يعني في مشكلة ما بينكم؟
_ لا، علاقتي بيهم كويسة نوعًا ما، بس شغلي وحياتي كلها هنا، وأنا مش من الأشخاص اللي بيحبوا التجمعات العائلية وغيره، وكمان... أسباب تانية هعرفك عليها في وقت أحسن.
علمت أن السبب الحقيقي هي تلك الأسباب التي أجل إخبارها عنها، لتهز رأسها موافقة. ثم قال بتذكر:
_ بس إياد...
قال لها ريان بهدوء:
_ كلمته وقولتله اللي حصل وهو وافق.
تنهدت بقوة تستجمع شجاعتها لما هو قادم، بينما ريان مشغولًا في التفكير بأمر عائلة سيقابلهم بعد مدة طويلة وجهًا لوجه، وإن كانت هناك مكالمات جمعتهم سابقًا فهذا غير...
بينما تنتظر كيان باكية داخل سيارتها بقلق على جدها، كان بداخل القصر يقف ريان أمام حوراء، وأخرج من جيبه علبة مخملية سوداء. فتحها ليظهر لها خاتمًا من الألماس الحر، جميلًا ولامعًا. أمسك بيدها ووضعه في بنصرها، ثم قبل مكانه قائلًا:
_ الألماس استحى من لمعان عيونك.
أخفضت رأسها بخجل، ليقبل جبينها، ثم أمسك بيدها برفق وخرج بها، ليصعدوا السيارة منطلقين نحو وجهتهم.
بعد وقت طويل، وقفت السيارة وسيارتي الحرس أمام منزل كبير، أربع طوابق مع مساحة خضراء واسعة. هبط ريان ثم اتجه إلى حوراء. هبطت من السيارة ممسكة بيده بقوة، ليقول ريان بحنان:
_ ملوش داعي التوتر أبدًا، أنا هنا، اهدي.
أومأت له مبتسمة بهدوء، وسار بها وبجانبه كيان التي أسرعت لداخل المنزل تخبر الجميع أنها هذه المرة لم تأتِ بمفردها، بل أتى أخيها بصحبتها. اجتمعوا جميعًا بسعادة لقدوم ابنهم وحفيد الكيلاني الأكبر لأول مرة منذ سنوات طويلة.
دلف ريان وهو يسير بجانب حوراء، لتتقدم منه فتاة شديدة الجمال، وما كادت تتحدث حتى توقفت بصدمة وهي تنظر بريبة إلى تلك التي تتمسك بذراع ابن عمها، كباقي العائلة التي وقفت تنظر لهما بتعجب وتساؤل بعد أن رحبوا بكيان.
نظر لها ريان ليجد علامات التوتر والخوف بادية على وجهها. ابتسم لها بحنان يطمئنها أنه بجانبها، لتبادله ببسمة مرتبكة، ثم عاد ببصره لهم.
وقبل أن يتحدث وجد فتاة تعانقه بقوة. ترك يد حوراء وابتسم بخفة يبادلها العناق يستمع لها وهي تقول بشوق:
_ وحشتني أوي.
_ وأنتِ كمان يا ليلو.
ربت على خصلاتها الشقراء بحنان، ثم ابتعد عنها متنفسًا، يستعد لعناقات لا يحبها من أشخاص كثر. حبس نفسه حتى انتهى الترحيب الحار وهم يعبرون له عن اشياقهم الشديد له طوال هذه السنوات.
احتضنه أولًا والده عامر، ثم عمه ووالد بيجاد "مصطفى"، ثم عمه الثالث حسين والد ليان. ثم اقتربت منه امرأة جميلة بأعين زرقاء وملامحها التي تصرخ أنها في الثلاثين من عمرها وهي بعمر الخامسة والأربعين، تحتضنه بحنان أم مشتاقة إلى ابنها.
أردفت ليلى وهي زوجة حسين، بحب وبعربية ضعيفة:
_ وحشتيني يا ريان.
_ اسمها وحشتني يا روسية، عمومًا وأنتِ كمان.
ضحكت تعانقه بلهفة ودموع أغرقت وجهها شوقًا له. قاطع عناقهما حسين وهو يسحب زوجته قائلًا بغيرة ممازحة:
_ خلاص يا حبيبتي، ما شاء الله بقي راجل يسد عين الشمس وأغير عليكي منه.
ابتسم ريان وقبل أن يرد عليه اقترب منه شاب بينه وبين ليان تشابه كبير، شقيقها وتوأمها أيان. صافح ريان بقوة قائلًا:
_ وأخيرًا شوفنا الشخص اللي بابا بيذلني علشان أبقى نصه.
جذبه ريان يعانقه بحنان قائلًا:
_ وأفضل منه يا بطل.
وقع بصره على امرأة متوسطة العمر والطول، ترمقه بنظرات غير مرحبة بالمرة. تحدثت ببسمة مصطنعة وعيناها تقول حقيقتها:
_ حمدًا لله على سلامتك يا ابن عامر.
_ الله يسلمك يا... سميرة.
وبين كل ذلك كانت تقف خلفه، تراقب هذه العائلة تحاول التعرف عليهم، وكيان تهمس لها باسم وهوية كل من يقترب من ريان ويسلم عليه، حتى همست لها بغيظ:
_ ودي زوجة عمي سميرة، تجنبيها.
التفتت لها حوراء تراقبها بعدم فهم، ولم تكد تسألها حتى وصلها صوت تلك الفتاة التي علمت أنها ليان، ولم يعجبها أبدًا أن زوجها يعانقها هكذا وببساطة:
_ مين دي يا ريان، متقوليش إنك غفلتنا واتجوزت!
التفت ريان لها مبتسمًا، أمسك بيدها أسفل خجلها من تسلط كل الأنظار عليها، مع قول ريان الهادئ والذي كان كقنبلة ألقاها بوجههم:
_ كالعادة استنتاجاتك نادرًا ما بتبقى صح، ودي من النوادر يا ليلو... زوجتي وحبيبتي حوراء عبد القادر.
كل ما يخصها نادرًا... وإن كان استنتاجًا عنها.
والسَّلام.
مِـنَّــــــة جِبريـل.
رواية الطبيب العاشق الفصل التاسع 9 - بقلم منة جبريل
تجلس بجانب زوجها تطالعهم بأعين واسعة مرتبكة، لم يتوقفوا عن الأسئلة وكيف ومتى، وببساطة لم يسمعوا صوتها إلى الآن بسبب زوجها الذي يلجمهم كثيرًا بقول "ليس من شأنكم".
قالت ليان بحماس:
_ اتعرفتوا ازاي؟ حبيتها يا ريان؟ ليكم كام سنة بتحبوا بعض و....
رمقها ريان بجمود قائلًا:
_ وبعد ما تعرفي يا ليلو! هتعمليلنا فرح؟
صمتت ليان بغيظ لتغزها كيان لتبتسم بمكر كونها ستعلم كل ما تريد معرفته منها، ليحطم ريان آمالها وقد رأى غمزة شقيقته:
_ لو حد اتكلم في اللي ملهوش فيه... هزعله.
ابتسمت له كيان ببلاهة، لتقول سميرة بنبرة لم ترتح لها حوراء البتة:
_ وأنت لي خبيت عننا زواجك دي يا ابن عامر؟
رمقها ريان ببرود قائلًا:
_ زواجي، أنتِ إي دخلك في الموضوع؟!!
اتسعت أعين حوراء تطالعه بصدمة من تحدثه معها بهذه الطريقة، بينما سميرة قلّبت عيناها بغيظ، ليقول عامر بهدوء:
_ كيان، ليان... استضيفوا زوجة أخوكم، ريان تعالى معايا.
_ ساعة يا والدي وأكون معاك.
ثم التفت لحوراء وغمزها بجانب عينه ومال عليها ثم همس لها:
_ أشيلك في قلبي وأخبيكي ولا أعمل إي؟
وقفت بخجل وتوتر من نظراتهم بينما بمسك بيدها وسار بها صاعدًا درجات السُلّم، لينظروا جميعًا إلى كيان ينتظرون توضيحًا منها، لتبتسم لهم بتوتر قائلة:
_ معرفش حاجة...
_ لا عارفة، قوليلي ريان امتى اتجوز يا كيان ومين دي؟ ولي مش قولتيلي لما كلمتك؟
نظرت إلى ليان ضاحكة ببلاهة تخشى أن تتحدث بما لا يريده شقيقها، لينقذها أباها وهو يقول بصرامة:
_ ليان... متدخليش في شيء معرفته لا هتنفعك ولا هتضرك، ابني جه بعد سنين، مش عايز أي كلمة أو نظرة تزعجه... مفهوم؟
أنهى حديثه يرمق مصطفى أخاه بتحذير فهمه الآخر ولم يهتم به، لتقول سميرة وهي تعلم أنها المقصودة من حديثه:
_ على أساس إننا مهتمين بابنك يا عامر، كان هنا ولا هناك مفيش فرق.
_ أنا عايزك تفضلي على كلامك دا وتتجنبي ابني خالص يا سميرة.
أشاحت له بيدها مغادرة، لتقول كيان بسرعة وقد نسَت سبب قدومهم:
_ بابا، جدو فين؟
_ في أوضته نايم يا حبيبتي، هيفرح أوي لما يعرف بجيتك أنتِ واخوكِ وزوجته.
_ طيب هو بخير؟ تعب ازاي؟
_ تعب إي؟ حسين... أبوك تعب وأنت مخبي عليا؟
نفى حسين برأسه بتعجب، ليطالعوا كيان التي قالت بعدم فهم:
_ بس ليان قالتلي إن جدو تعبان أوي وبيطلب يشوفنا وعلشان كدا أبيه ريان جه و....
صمتت تنظر إلى ليان بعدم فهم لتبتسم لها الأخرى بغباء قبل أن تركض إلى غرفتها، ضحك أيان بقوة قائلًا:
_ يبدو أن الكيلاني وأخيرًا قرر يجيب حفيده بأي طريقة.
***
راقبه وهو يفرغ ثيابهم في الخزانة، لتسأله بحذر:
_ هو ممكن يعني... تحصل مشاكل بسببي؟
أجابها ريان بجدية:
_ المشاكل ممكن تحصل بسبب أي حد إلّا أنتِ، أنتِ زوجتي وانتهى، واللي عنده اعتراض يشرب عليه مياه.
همهمت بصمت بينما انتهى ريان من ترتيب ثيابهما ثم دلف إلى المرحاض، لتبقى شاردة في هذه العائلة، وكيفية تعامل ريان معهم، بالتأكيد علاقتهم ليست جيدة وإلّا لما قضى تلك السنوات بعيدًا.
***
مر يومان كانا كالجحيم على رأس ليان التي شاركت في خداع ريان برفقة جدها ليأتوا به إليهم، وبيجاد الذي ما إن علم أنه بحال جيدة كان سيرحل لولا تمسك العائلة بهم ومنعه هو وريان من الرحيل بهذه السرعة.
صعد إلى الأعلى متوجهًا إلى غرفته والتي تتواجد هي بها...
وصل إلى الباب وفتحه بهدوء وجد ليان وكيان تجلسان برفقتها...
وقفت ليان وكيان فور رؤيتهم له وخرجوا من الغرفة...
أغلق الباب خلفهم بهدوء ثم نظر لها مبتسمًا:
_ يبدو أنك حبيتي ليلو.
رمقته بغيظ قائلة:
_ ريان... ممكن أتكلم معاك بجد شوية.
عقد حاجبيه وجلس أمامها قائلًا:
_ أكيد، عايزانا نرجع؟
نفت برأسها متنهدة بقوة، قبل أن تقول بجدية:
_ عارفة إن ظروف زواجنا حصلت ما بين لخبطة وغيره بس...
قاطعها قائلًا بهدوء:
_ كلام غير صحيح، زواجي منك كان مترتب ومخطط له بكل دقة، بالنسبالي كل لحظة معاكِ كنت مخطط لها بدقة علشان تكون على أكمل وجه، ولو بتتكلمي عن الفرح فأنا فور رجوعنا للقصر هنبدأ في التجهيزات.
نفت برأسها بسرعة قائلة:
_ لا، مش موضوع فرح خالص... ممكن تسمعني بس.
ابتسم بخفة وأسند رأسه على قدمها قائلًا:
_ وأنا هفضّل إي غير سماع صوتك!
ابتسمت بخفة وخجل، قبل أن تذكر نفسها أنها ليست هذه الملامح التي يجب أن تتحدث بها عن ما تريده، يجب أن تكون جادة وصارمة، لتحمحم بقوة مستعيدة هدوءها قائلة:
_ ريان...
_ عيونه.
أغمضت عينيها متنهدة بقوة، إنه يفشل كل محاولاتها في تصنع الضيق حتى، لتقول من بين أسنانها:
_ ممكن تبطل، لإني تقريبًا بجهز لخناقة؟
رفع حاجبيه يرمقها بدهشة قبل أن يقول بإدراك:
_ وأنا المفروض أشجعك على الخناقة! تمام ارغي.
نظرت له بأعين واسعة قبل أن تضحك بقوة قائلة:
_ أنت مش طبيعي بجد.
_ بس بحبك.
شهقت بخفة ترمقه بأعين واسعة ووجه يستحال لونه إلى الأحمر وكأنها تختنق، وهي كذلك، تشعر بأن الهواء نفد من حولها، ابتسم ريان بمكر يراقب معالم وجهها التي تحكي بوضوح صدمتها، حسنًا... لقد ألقى اعترافه بوجهها وكأنه يتخلص منه.
تحدث ببسمة هادئة ونبرة حنونة:
_ قولي، أول خناقة لينا هتكون عن إي؟
وهي من كانت تبحث عن أي شيء للهرب من اعترافه الذي صدمها بوجهها وكأنه طفل ألقى بوجهها كرة أثناء لعبه، كان أمر عودتهما لصلب الموضوع أكثر من جيد:
_ يعني... هو عن... مش لطيف إنك تكون بالقرب دا من بنت عمك، شيء غير مريح ليا وأنا برفضه تمامًا.
وريان الذي لم يجده سببًا ليتشاجر معها، هي صارت أولوياته وليحترق البقية، تحدق بنبرة هادئة:
_ حاضر، اللي أنتِ عايزاه.
نظرت له بدهشة قائلة:
_ مش معترض؟
هز رأسه قائلًا:
_ هعترض على إي! وعلشان مين! هي بنت عمي إنما أنتِ زوجتي، مستحيل أزعلك علشانها أو علشان أي حد مستحيل يكون في مكانة أهم منك عندي، أولوياتي هي أنتِ وأختي وبيجاد وهشام وشغلي وفقط.
رمقته بفضول متسائلة:
_ وعيلتك؟
رأى الفضول بعيناها، وسؤال هو أجل الجواب عليه سابقًا، ليتنهد قبل أن يقول بجدية ساحبًا كفها يضعها فوق خصلاته لتعبث بها برفق:
_ علاقتي بعيلتي مش زي أي عيلة يا حوراء، عامر والكيلاني بهتم بأمرهم وحسين ومصطفى نفس الشيء بس لكل واحد درجات، ليلى وليان وأيان ممكن أكتر ثلاثة بتعامل معاهم زي ما بتعامل مع كيان، رغم كدا علاقتي بيهم مش وطيدة ولا قوية، عيلتي وبهتم بأمرها ببساطة...
_ وسميرة...
_ سميرة حوارها طويل، كل اللي لازم تعرفيه عنها أنها تطيق سم الأفعى ولا تطيقني، وأنا كذلك، اللي مانعني عنها أنها أم بيجاد فقط، بس دا ميعنيش إني بعرفها مقامها دايمًا، حصلت ما بينا خلافات كتير كانت بتنتهي بهروبها مني علشان مقتلهاش.
شهقت حوراء بخفة واتسعت عيناها قائلة بصدمة:
_ تقتلها؟
_ متستغربيش، كان أمر قتلها في أشد أوقاتي غضبًا عليها أهون الأمور اللي بفكر فيها، ممكن مع الأيام تفهمي شعوري، وقت وجودنا هنا تجنبيها تمامًا لأنها هتكرهك تلقائيًا بما أنك زوجتي وهتحاول تضايقني بيكِ، بس لو قربت منك أو ضايقتك بأي شيء... أي شيء قوليلي.
صمتت حوراء ولا تعلم ماذا تقول، أمور كثيرة دارت بذهنها وبقيت هناك، نظرت إليه وقد بدأت تسترخي ملامحه ويبدو أنه على وشك النوم، كان كذلك حتى انتفضت على صوت طرقات على الباب جعلت ريان يزفر بقوة قائلًا بغيظ:
_ خلوا عندكم دم ومتخبطوش طالما أنا هنا، جَهَلة.
نظرت له حوراء هامسة بنبرة باكية:
_ ريان أنت بتقول إي؟
زفر ريان بغضب وابتعد عنها ينهض عن الفراش قائلًا بوعيد لذلك الطارق الذي لا يرحل:
_ قاعد وسط مجموعة من الأغبية والمتطفلين.
فتح الباب بأعين تشتعل نارًا، ليقابله وجه شقيقته التي تبتسم له ببلاهة هي وليان، تقفان خلف ليلى تحتميان بها، قالت ليلى وهي تدفعه وتدخل إلى حوراء التي ابتسمت لهم بحرج:
_ حابين نقعد مع حوراء، امشي أنتِ دلوقتي.
أغمض ريان عينيه ثم نظر لها بغيظ قائلًا من بين أسنانه:
_ ليلى... أنتِ ست قد أمي، بلاش تركبيني الغلط قدام مراتي.
_ امشي يا ولد خلصينا، مش فاضية ليكِ.
رمق شقيقته وليان بحدة ثم نظر إلى حوراء التي تكاد تبكي بحرج ليقول بغيظ قبل رحيله:
_ أنا مستحيل أعيش وسطكم ساعة كمان... مستحيل.
***
- عارف اني وحشتكم بس معلش عايز أنام.
أردف بها بيجاد بمرح وهو ينظر إلى ريان القابع حواره ثم هشام الذي تظهر صورته على هاتفه.
ليقول ريان متسائلًا بجدية:
- أنت كويس؟
ابتسم له بيجاد واردف بمرح:
- جيت شوف العيلة الكريمة... هكون كويس أكتر من كدا ازاي!
تحدث ساخرًا ليقول هشام متنهدًا:
_ المهمة نجحت؟
_ عيب عليك، أي مهمه بدخلها أسد المخابرات بتفشل، أقصد بتنجح، مش كدا يا ذئب؟
همهم ريان ساخرًا، ثم تحدث هشام بجدية:
_ بيجاد، لو هتتعب وتقرفنا ارجع الفيلا أحسن، بلاش تفضل عندك.
قال ريان بهدوء:
_ متقلقش يا هشام، أنا هنا واللي اسمها أمه دي مش هسمحلها تضايقه.
_ فيك الخير والله.
قالها هام ساخرًا، ليقلّب بيجاد عيناه قائلًا:
_ أنكم تكونوا فاكرين إني لسه بتأثر بيها زي زمان تبقوا متخلفين.
ضربه ريان بقوة ليقول هشام متشفيًا:
_ تستاهل.
رمقهما بيجاد بغيظ قبل أن يقول بجدية:
_ سميرة اتعودت على طريقتها كأني مش ابنها، حتى أنها مرحبتش بيا لما شافتني بعد السنين دي وصدقوني مفرقش معايا، متشغلوش نفسكوا أنا عارف أتجاهل.
ربت ريان على كتفه بينما قال هشام بحزن على صديقه الذي لديه أم من أسوا ما رأى في حياته:
_ هتتعدل يا بيجاد.
_ مش فارقة، يلا توكلوا على الله عايز أنام.
قالها متثائبًا لينظر هشام إلى ريان ثم أغلق المكالمة، بينما نهض ريان راحلًا، وثلاثتهم يعلمون أن صديقهم يخفي جرحًا عميقًا لا يبرأ.
***
دلف إلى الغرفة بهدوء وجدها نائمة اقترب منها وتمدد بجوارها بهدوء حتى لا تستيقظ... وجدها تتململ بضيق بجانبه، نظر لها ليجدها عاقدة حاجبيها بضيق وهناك حبات عرق تنتشر على جبهتها من اسفل حجابها فعلم أنها تحلم بحلم مزعج...
فأردف بهدوء وهو يضرب وجنتها بخفه:
_ حوراء... اهدى دا مجرد حلم... اهدى... أنا معاكي ...حوراء.
شهقت حوراء وهى تفتح عينيها بفزع فأردف ريان بقلق:
_ اهدي مفيش حاجة، مجرد حلم.
نظرت له حوراء ثوانى قبل أن تتنهد مستغفرة ربها مريحة رأسها على الوسادة بتعب، ليقول ريان بتفكير:
_ حوراء أنا في حاجة محيراني فيكي وعايز افهمه.
تسأله بتعجب:
_ هي إي؟
_ فاكرة لما كنتي في المستشفي، في مرة كنت هدخل عندك بس سمعتك بتبكي، ولما دخلت عندك مكانش في أي أثر بكاء على وشك ودي كانت صدمة بالنسبالي، ومكنتش هعرف إنك بتبكي وكنت هقول علي نفسي أنى بتهيأ لولا احمرار مناكق من وشك، ممكن افهم ازاى دا بيحصل وأنتِ بتعملي كدا ازاي!
كانت تستمع له بدون أي رد فعل لم تكن تعلم أنه سمع صوت بكائها سابقًا.
ابتعلت ريقها وقالت بصوت منخفض ولكن يصل له واضحًا:
_ علشان عندى مرض نفسي مبقدرش أبكي قدام حد مهما كان مين حتى لو كان اخواتى غير ربي وإياد واللي عرفته أنى ببكى مع اللي بحس معاه بالأمان، اللي بحسه مع ربنا ودا احساسي مع أخويا إياد وهو الوحيد اللي بقدر أبكي قدامه بعد ربنا... حتى لو كان في طفل صغير مش فاهم حاجه برضه مبقدرش ابكي في وجوده ودا شيء مش بإرادتي.
كان ريان مدهوشًا من معرفته أنها تعاني من مرض نفسي بمثل هذه الطريقة ... وحزين لأجلها وعليها، ليقول بنبرة هادئة:
_ السبب؟
أجابته حوراء بنبرة خاوية:
_ كنت صغيرة وقتها، كنت مجرد طفلة شايفة مامتها بتنضرب قدامها من باباها علشان... علشان جابتلي علاج لإني تعبت، وكان إياد بيحاول يبعده عنها بس هو... هو ضربه كمان وبعدها...
سحبت نفسًا عميقًا ثم أكملت:
_ وبعدها ضربنى جامد أوي... ماما وإياد حاولوا يبعدوه عني بس هو مبعدش فضل يضرب فيا وبعد عنى بعد وقت كنت فاكره أنه خلاص خلص ضرب فيا بس كنت غلطانة... رجع وهو ماسك حديدة سخنه كان حاططها على النار ومسك ايدي وكان هيحطها على ايدي بس.... إياد حط إيده قبل ما الحديدة تلمسنى وهو اتحرق بدالي، وبعدها ماما بشهرين اتوفت بسبب ضربه ليها... وأنا من وقتها كدا.
كان يستمع لها ونار الغضب تشتعل في قلبه، وأصبحت عيناه مخيفة، توعد لذلك الحقير بأشد وأقسى العقوبات، زفر بقوة ثم اعتدل في نومه يسحبها إلى داخل أحضانه يطمئنها وهي لم تمانع، لتسمعه يهمس لها بنبرة لم تفهمها:
_ نامي دلوقتي علشان معانا سفر بكرا بالليل.
نظرت له بإستغراب لأنه لم يعلق على حديثها ثم اردفت بصدمة:
_ بالليل؟
فأجابها وهو يغمض عيناه متحكمًا بصعوبة في غضبه:
_ أيوا، نامي يلا.
أومأت له بهدوء واغمضت عينيها ذاهبه في سبات عميق مرة اخرى... عندما وجدها قد غقت أمسك بهاتفه واتصل على بيجاد وأخبرهم بسفره وأخبره أنه سيغادر معه أيضًا ....
***
جاء مساء اليوم الثاني وجميعهم مستتنكرين رحيله، ولكنه لم يهتم....
_ ازاي مسافر دلوقتي؟
أردف بها الكيلاني وهو ينظر إلى ريان باستنكار، ليتحدث ريان بجمود:
_ يعني مسافر، هرجع القاهرة.
تحدث عامر بتعجب:
_ لي يا ريان؟ أنت مكملتش يومين هنا وعايز تمشي!
_ الشغل ميستناش، لو لقيت فرصة هزوركم تاني.
ربت عامر على كتفه قائلًا بحزن:
_ براحتك أنا مش هغصبك على حاجة، علشان عارفك عمرك ما هترجع عن كلمتك وهتيجي فأول فرصة تقابلك، توصل بالسلامة يا ابني.
ودع الجميع ريان وبيجاد ثم ودعوا كيان وحوراء تلك الفتاة الفاتنة التي برغم مكوثها القليل معهم ألا انهم أحبوها بشدة....
كانت حوراء في سيارة ريان وكان يقودها ريان.... وهشام معه كيان وبيجاد الذي رفض أن يقود سيارته لشعوره بالنعاس وجعل أحد الحرس يقودها.... وخلفهم سيارتي الحرس الخاص بريان....
وانطلقوا عائدين إلى منازلهم مجددًا....
وكل منهم يفكر لماذا هذا القرار السريع؟
أما هو فكان يقود سيارته وهو يخطط لفعل شئ ما فور وصوله.....
***
اصطفت السيارات خلف بعضها وبعدها دلفوا جميعًا إلى داخل القصر والتي رحبت بهم كبيرة الخدم وهشام الذي انتظرهم فور علمه بقدومهم.
وقفوا ببهو القصر وتحدث هشام بجدية:
_ إي السبب اللي خلاك ترجع بسرعة؟
كانت حوراء تستمع إلى سؤاله وتنتظر اجابته بفضول، بينما يرمقهم ريان بجمود شديد قبل أن يتحدث بنبرة بها الحدة والانفعال:
_.......
***
دعوا الرياح تأتِ كيفما شاءت، سفينتي شقّت جبالًا.
والسّلام.
مِـنَّــــــة جِبريـل
رواية الطبيب العاشق الفصل العاشر 10 - بقلم منة جبريل
ألقى حديثه بضيق لا يعلم سببه، وصعد إلى غرفته.
لحقت به حوراء قائلة وهي تغلق باب الغرفة خلفها:
_ ريان، حصل إيه لكل ده؟
رأت الضيق جليًا على ملامحه، متحدثًا بانفعال:
_ حاولت أتجاهل فكرة أنهم استغبوني علشان أروح لهم، بس مقدرتش. أنا أجلت شغل مهم واجتماعات وكمان سفر علشانه، وفي الآخر يطلع مغفلني.
اقتربت منه قائلة بهدوء:
_ متزعلش منهم، من حبهم ليك حاولوا يشوفوك. وكمان اللي شوفته إن مفيش أي سبب يخليك تبعد عنهم السنين دي كلها. ريان، دول عيلتك وليهم حق عليك.
_ حوراء، أنتِ مش فاهمة ولا عارفة حاجة. خليكي برا الموضوع.
رمقته بضيق قبل أن تتركه وتخرج. ليحترق هو وعائلته. ما شأنها هي تشغل عقلها في هكذا أمور؟ هو حتى لا يكلف نفسه لشرحها لها!
***
جلست على مقعد في إحدى الكافيهات التي كانت مطلة على الطريق، تتنهد بتعب وشعرها النحاسي منسدل على كتفيها. ثم طلبت عصير لتعيد انتعاش جسدها. بدأت في الارتشاف منه وعيناها تمر على المارة حتى وقع بصرها على رجل قوي البنية، طويل القامة على الناحية الأخرى من الطريق. ثم وجدت رجلًا ببنية مشابهة ولكن أقوى يقترب منه وهو يستمع لحديث الآخر المنفعل ببرود.
أسندت وجنتها على كف يدها قائلة ببسمة بلهاء:
_ هيحصل إيه لو كان نصيبي حلو كدا؟
تنهدت قبل أن تنهض وهي تضع المال على الطاولة. التفتت لترحل. خرجت شهقة خفيفة منها وقد اصطدمت بحائط ظهر فجأة بجانبها، ليُسكب ما بقي من مشروبها على ملابسه.
اتسعت عيناها قائلة بصدمة:
_ أنا بجد آسفة، مأخدتش بالي.
رفعت بصرها لتتسع عيناها، حيث أن هذا هو ذاك نصيبها الذي تتحسر عليه. بينما بيجاد، الذي تجاهل شجار هشام معه حول إجباره للذهاب إلى الشركة، تركه وأتى ليأتِ لصديقه مشروب بارد لكي يهدأ غضبه حتى لا تصيبه ذبحة صدرية. ليكتمل الأمر عليه ما إن اصطدمت به هذه... توقف تفكيره وهو ينظر إلى عينين بنيتين واسعتين وبشرة تميل إلى السمرة. ابتسم بجانبية قائلًا:
_ فِدا عيونك دولابي كله.
التفتت ببلاهة وهي تحدق بهذا الغريب:
_ عفوًا؟
_ وصاحب الدولاب والله.
عقدت حاجبيها، تبتعد خطوة عنه وكأنها مصابة بمرض ما. ترمقه بتعجب ليقول بيجاد مبتسمًا:
_ ولا يهمك.
أماءت له بهدوء وكادت أن ترحل، لتتوقف على كفه التي وضعها أمامها قائلًا:
_ بيجاد الكيلاني.
صافحته ببسمة بلهاء. هل يعقل أن نصيبها أشفق عليها وقرر أن يُهديها شيئًا حلوًا؟
_ صِبا… صبِا الشرقاوي.
_ الشرقاوي؟ صاحب شركات الصلب؟
أماءت له مبتسمة ليرفع حاجبه قائلًا بدهشة، ليس لأنها ابنة رجل أعمال، بل لأن ذلك الرجل الذي تعامل معه مرات كثيرة لم يصرح أنه يمتلك أبناء بالأساس:
_ غريب، أول مرة أعرف إن الشرقاوي ليه ابنة. ليه حق يخفي الجمال ده؟
تصاعدت الحمرة إلى وجهها الأسمر، قائلة ببسمة سعيدة كونها أعجبته مثلما هو. أسرها بعينيه الزرقاء:
_ معتقدش أنه متعمد إخفائي زي ما بتسميها. أنا عايشة في أمريكا مع أمي بعد انفصالهم ومش باجي مصر غير نادرًا زيارة لبابا.
_ طالما قابلتيني… هتزوريها كتير.
رمقته بتهكم ليغمزها قائلًا بثقة:
_ صدقيني، اللي بيشوفني بيخلق صدف كتير علشان يقابلني تاني.
مغرور؟ بالطبع كان عليها توقع هذا. تأففت راحلة متناسية حقيبتها. نظر إلى أثرها بذهول، هي لم تستأذنه في الرحيل حتى!
سقط بصره على حقيبة على الطاولة التي يقف بقربها. إنها لها…
جلس على المقعد منتظرًا قدومها مرة أخرى من أجل حقيبتها. وبالفعل ما هي إلا دقائق حتى وجدها تأتي ناحيته…
ناحيته؟!! بل ناحية حقيبتها. ليقول ببسمة متسلية، متجاهلًا أمر هشام الذي يقف قرب السيارة يراقبه بغيظ يكاد يقتله من هذا الذي… ماذا يصفه؟ يلتصق بأي أنثى:
_ أهلًا بيكِ مرة تانية. قولتلك من دقيقة، هتخلقي صدف علشان تقابليني.
ابتسمت له صبا بتكلف ثم التقطت حقيبتها مغادرة. لينهض بيجاد وعاد إلى هشام الذي قال ساخرًا:
_ فين العصير؟
أجابه بيجاد بهدوء أوصل هشام إلى أعلى درجات غيظه، وبدأ في التفكير جديًا في التخلص منه، وهو يحتل المقعد بجانب مقعد القيادة:
_ خلص، هعملك لما نرجع الفيلا.
***
وجدها تجلس مع كيان، ليشير إلى شقيقته التي نهضت قائلة:
_ نسيت حاجة مهمة، مش هتأخر عليكِ.
ثم ركضت إلى غرفتها. ليغلق ريان باب غرفته. وما إن رأته أشاحت بوجهها الناحية الأخرى. ليقترب منها قائلًا:
_ زعلانة مني؟
_ لا عليك، أنت مكتفي بنفسك ومش مهم غيرك. أنت حتى مش ملاحظ إن بسببك أختك فضلت بعيدة عن عيلتها.
_ حوراء، قولتلك أنتِ مش فاهمة حاجة.
نظرت له قائلة بجدية:
_ فهمني.
تنهد ريان بقوة قبل أن يقول مبتسمًا:
_ مش وقته، حاليًا في حاجة أهم من كل دا. قومي اجهزي.
عقدت حاجبيها وكادت أن تعترض، ليقول بينما يجذبها لتنهض، يدفعها برفق إلى غرفة تبديل الثياب:
_ هقولك كل حاجة بس مش دلوقتي. يلا هتروحي معايا الشركة.
وبعد وقت كانت تدلف معه إلى الشركة، يدها بيده. تنظر حولها بانبهار بينما يسير بجانب ريان مدير أعماله وبجانبه سكرتيره الخاص الجديد، وخلفهم سليمان حارسه الشخصي.
تحدث سكرتيره بجدية ولباقة:
_ في اجتماع على الساعة ٨ تم إلغاءه، واجتماع الساعة ١١ تم إلغاءه، والساعة ١٢ مقابلة مدير أعمال شركة السويفي تم تأجيله لبعد أسبوع و….
وقف ريان ليقف الجميع أمامه. بينما نظر هو إلى سكرتيره قائلًا بحدة:
_ نقفل أم الشركة أحسن. مين لغى وأجل الأعمال من غير إذني؟
تنهنح سكرتيره قائلًا:
_ السيد بيجاد جه النهاردة الشركة.
أغمض ريان عينيه بغيظ. وقد أعطاه السكرتير تبريرًا يمنع طرده. نظر إلى حوراء التي كانت تراقبهم باهتمام، ليقول بتنهيدة:
_ هيخرب شغلي.
ابتسمت بخفة. لينظر إلى مدير أعماله قائلًا:
_ إلغي توكيل بيجاد على شركتي الأم. من دلوقتي مفيش أمر يتنفذ غير مني ومن هشام العامري.
أماء له مدير أعماله بجدية، بينما أكمل ريان بصرامة:
_ رتب الاجتماعات اللي اتلغت. بلغهم إن الاجتماعات في معادها. جهز أوراق الصفقات وخليها على مكتبي.
_ والمقابلة؟
_ على حالها بعد أسبوع.
أماء له واتصرف مصطحبًا السكرتير معه. لتقول حوراء بتفكير:
_ بيجاد هيزعل!
_ يموت بزعله. سيبك منه وتعالي آخدك جولة تعريفية للشركة وأقسامها.
بعد وقت طويل شرح لها وعرفها على مدراء أقسام الشركة. أخذها إلى مكتبه في الطابق الأخير من الشركة، لتنظر إليه بانبهار قائلة بينما تقترب من الزجاج خلف المكتب والذي يظهر مدخل الشركة:
_ جميل أوي، ما شاء الله بجد. دي شركتك الأم؟ وليها كام فرع؟
تحدث مبتسمًا وهو يضع سترته على ظهر المقعد:
_ أيوا، فروعها في أغلب أنحاء العالم. بس الفروع تم دمجها مع فروع شركة هشام وبيجاد. الشركات الأم الثلاثة فقط منفصلين. كيان ليها الثلث في كل أملاكي، وأوقات بتدير الشركة دي لما أكون مشغول أو في سفر.
اقتربت منه تسأله بفضول:
_ والمستشفى؟
_ دي بئا قصتها قصة. كانت مشروعي الأول والأهم من الشركات والنجاح دا كله. أنا طبيب جراحة ومن طفولتي بحلم بمستشفى ملكي تكون كاملة من كل الاحتياجات. بس لقيت نفسي بستلم شركة والدي. اضطريت إني أهلك نفسي في دراسة إدارة الأعمال بجانب الطب.
_ مستحيل.
قالتها بصدمة. ليبتسم ملتفتًا لها. أمسك كفها قائلًا:
_ دا اللي الكل قاله. حاولوا يقنعوني إني اتخلى عن حلمي وإني أكون رجل أعمال أفضل ليا. بس أنا كنت شايف فيا أكتر من رجل أعمال عادي... وطبيب حقق حلمه وخلاص حياته هتبدأ تكون روتينية. إدارة الأعمال بقيت شغفي وحلمي التاني. تحدي لتفسي إني هنجح. كان صعب ويأست كتير بس في الأخير... أول رجل أعمال شاب وطبيب جراحة يمتلك الشركة الأولى عالميًا وأفضل مستشفى على مستوى العالم.
_ مكتفيش بداخل الجمهورية بس.
تحدثت مبتسمة، تنظر إلى رجل حقق حلمه رغم صعوبته. ليقبل وجنتها قائلًا:
_ طموحي إلى الآن ملهوش سقف. ودا اللي خلاني أشتري مصانع وأراضي زراعية وكمان عقارات وحاجات كتير. مهنتي مش واحدة، زي ما أفكاري عمرها ما وقفت على حلم واحد.
أحاطت وجهها بكفيه الكبيران، قائلًا بنبرة دافئة:
_ وأنتِ كنتِ حلمي الجديد. حلم جميل هحرص أنه يكون دائم وليا منه أطفال شبهك.
***
_ أنت لغيت توكيل بيجاد؟
رمقه ريان بسخرية قائلًا بينما ينظر إلى ذلك الذي يتناول طعامه بشراهة غير عابئًا:
_ صاحب الشأن مش متعصب!
رفع بيجاد بصره عن طعامه قائلًا:
_ أنا شخص غير مسؤول وهدمر شغلك. ألغي توكيل الفروع كمان.
نظر هشام حوله يبحث عن أي شيء يحطمه على رأس ذلك الغبي الذي لا يهتم بشيء:
_ أنت تخرس. مسمعش صوتك.
_ إي يا هشام؟ دور الأم الخايفة على مستقبل ابنها دا اطلع منه.
_ دا أنا هطلع بروحك أنت والغبي التاني دا. هفضل ألم فيكم لحد إمتى؟
رمقه ريان بحاجب مرفوع، بينما قال بيجاد بعدم اكتراث:
_ صدقني هتضيع شبابك وصحتك علينا على الفاضي. مش كدا يا ريان؟
هز ريان رأسه موافقًا. ليرمقهما هشام بغضب قبل أن يشير إلى ريان قائلًا بحدة:
_ أنت كدا بتديه اللي هو عايزه. سيب شركته تنهار وهو غصب عنه هيلمها.
رفع بيجاد سبابته يحركها قائلًا باستفزاز جعل ضحكات ريان تتعالى، بينما هشام تحرك ناحيته لينفذ مخطط التخلص منه:
_ هجبلها شركة ذكر تلملم انهيارها.
***
في فيلا، تمتلك مساحة خضراء جميلة، انتقل إليها إياد بشقيقتيه واصطحب أمينة الوحيدة في منزلها لتكون معهم، وكانت على مقربة من فيلا هشام وبيجاد، بعيدة قليلًا عن القصر. ترجلت آية الدرج بحذر. لم تكمل العشر ليالٍ لبدأ خطواتها من جديد بعد العملية وجلسات طويلة من العلاج الطبيعي. تقول بتنهيدة مرهقة:
_ أريب، ممكن تساعديني؟
وأريب التي كانت تجلس ببهو الفيلا مع أمينة، نهضت مسرعة إلى شقيقتها تمسك بكفها قائلة:
_ يا آية لو سمحتي بلاش تضغطي على نفسك. إياد هيتخانق معايا لو شافك.
ابتسمت آية تكمل نزول الدرج قائلة:
_ متقلقيش، أنا بقيت أحسن. هو مجرد إرهاق بس.
_ مجرد إرهاق؟ حذر منه ريان ودكتورتك كمان. ماما أمينة، فهميها بالله عليكِ.
قالت أمينة بحنان تنظر إلى آية بأعين دامعة:
_ ما شاء الله يا بنتي هي بقت كويسة. سيبوها تجرب تمشي بعد وقت كبير، طبيعي تحس بإرهاق لحد ما عضلات جسمها تعتاد الحركة.
رمقتها أريب بعتاب لأنها لم تقف بصفها، بينما ضحكت آية وقبلت وجنة أمينة قائلة:
_ اللي فهماني.
***
بعد مرور شهران….
ومثل كل يوم منذ شهران ينتظرها في هذا المكان. يشرب القهوة التي أصبح يدمنها منذ أن رآها وهو ينتظرها….
تحفز جسده وهو يراها وأخيرًا، تقترب منه ورأسها يرتفع إلى الأعلى تسير بخيلاء. ابتسم ما إن رآها ووقف أمامها يقطع طريقها، لتنظر له قائلة بهدوء وعقلها لم ينساه:
_ ازيك؟
وعيناها التي أعجبت به سابقًا، الآن ترمقه باشتياق أبله، وهو الذي ظل يتأملها لم يرد عليها حتى، لتقول مبتسمة وهي تبعد أنظارها عنه، تنظر حوله، إلى المكان الذي رأته به لأول مرة:
_ معقول يكون وجودك هنا Coincidence؟
مال نحوها هامسًا أمام وجهها بمكر:
_ وجودي هنا Not a Coincidence يا بنت الشرقاوي، بس وجودك أنتِ هنا بعد شهرين هو اللي Coincidence.
جلست صبا على المقعد الذي أمام مقعده، واضعة قدم فوق الأخرى، قائلة بينما تنظر له وعلى وجهها ابتسامة لعوبة:
_ وإي اللي عرفك إني مجيتش هنا من شهرين؟
_ مش صعبة على واحد بييجي يوميًا يعرف المعلومة دي.
طلب لها عصير طازج، لتقول مبتسمة:
_ وإن طلبي هيكون عصير معلومة يعرفها الكل؟!
غمزها بعينه متحدثًا:
_ لا، بس أنا مش بنسى العصير اللي انسكب عليا.
رمقته بحرج، هازة كتفيها بقلة حيلة، ليقول:
_ قررتِ تعيشي هنا مش كدا؟ قولتلك هتزوري مصر كتير علشاني بس موصلتهاش إنك تنتقلي دائمًا.
رمقته بسخرية متحدثة ببسمة باردة تواري بها إعجابًا أبله:
_ متفترضش اللي مقولتهوش. بابا بيمر بوعكة صحية وأنا اضطريت أأجل سفري لحد ما أتطمن أنه بخير.
_ بارة بوالديكِ، حلو.
نظرت له ببسمة متهكمة:
_ حد قالك غير كدا؟
هز رأسه بالنفي، ثم حل الصمت عليهما، والذي قطعه صوت رجولي ساخر بغضب:
_ شكلي إي وأنا بيتقالي روح شوف أي مكان فيه بنات وهات منه صاحبك؟
نظر بيجاد إلى هشام الذي يقف بجانبه غير عابئًا بتلك التي ارتفع حاجبها باستنكار لحديثه، بينما تحدث بيجاد ببرود:
_ وهو أنا صاحبك أنت بس يعني؟ وبعدين هو البعيد اتجوز وبقي معندوش ريحة الدم خالص، يخليني أشوف أنا نصيبي فين.
ضغط هشام على كتفه قائلًا من بين أسنانه:
_ قوم، رحلة بحثك عن نصيبك انتهت وهتفضل عازب بائس.
نظر إلى صبا التي تتابع حديثهما باهتمام، متحدثًا:
_ هي الرحلة انتهت فعلًا، بس مع اختلاف بسيط، وهو أنها انتهت بعثوري وأخيرًا على كنز.
رمقته صبا بسخرية مهمهمة، ثم قالت بتهكم:
_ حلو أنك تقرر لوحدك، استمر.
ضحك بيجاد ونهض راحلًا بعد أن غمزها قائلًا:
_ ما لو فكرتي إني هسيبك تبقي غبية يا بنت الشرقاوي، أخرتك معايا.
قلبت عيناها وقلبها بداخلها يتراقص فرحًا، تنتظر رحيل صديقه الآخر لتحرر ابتسامتها الواسعة وتزيل جمود نظراتها. وقعت عيناها على هذا الذي يطالعها بتدنٍ وكأنها شيء نكرة، لتمرر عيناها عليه من أعلى إلى أسفل قائلة بنبرة حادة:
_ شبه والدتك؟
تجاهلها هشام ورحل بعد أن ألقى عليها نظرة مستحقرة، لتهز صبا رأسها وقد جعلها تضحك غضبًا متحدثة إلى ذاتها:
_ مقرف أوي عن قرب، أشكال كذابة صحيح.
***
يجلس داخل غرفته والهاتف على أذنه ينتظر انتهاء حديث الطرف الآخر منصتًا له باهتمام، ليتحدث وتحركت عيناه مع تلك التي دلفت إلى الغرفة:
_ مش عايز غلط يا علي. الأسبوع دا أنا هكون مشغول وكمان هشام مش هيكون موجود علشان يهتم بالشركة. أي أمر تبلغني بيه.
وقفت تطالعه باهتمام، حتى أنهى مكالمته لتسأله مباشرة:
_ هتسافر؟
_ لا….
نهض ووقف أمامها، قائلًا بنبرة عادية:
_ هنروح وسط البلد.
لمعت عيناها قائلة ببسمة واسعة:
_ هنزور عيلتك!
_ للأسف، هنفضل عندهم أسبوع. هشام وبيجاد هيكونوا معايا، وكمان… فرصة يتعرف فيها أخوكِ عليهم.
_ بجد؟ يعني هناخد إياد معانا؟
أماء لها مبتسمًا لحماسها، لتقفز قائلة بسرعة:
_ هنمشي امتى؟
_ هخلص شوية شغل ونمشي على طول.
أماءت له وركضت إلى هاتفها لتبلغ أخاها، أو لتقنعه بالذهاب معها.
وعلى الناحية الأخرى دخل إياد إلى الفيلا يتحدث بجدية في هاتفه:
_ قولت لا يا حوراء، أنا مالي بعيلته. إذا كنت مستحمله هو بالعافية؟
ابتسم إلى شقيقتيه الجالستان بالبهو تطالعانه باهتمام. انمحت بسمته وهو يستمع إلى إصرار الأخرى ليتنهد قائلًا بحسم:
_ قولت لا يعني لا….
تنهد بملل وثرثرة شقيقاته مع كيان يصيبه بألم الرأس. نظر إلى الطريق بغيظ بينما ريان بجانبه يقول بسخرية:
_ معقول بنتشارك نفس الشعور؟
رمقه إياد ببسمة صفراء قائلًا:
_ لا.
_ وأنا بقول كدا برضه.
قلب إياد عينيه وهذه السيارة الضخمة تجمعه مع شقيقاته الثلاثة مع ريان وشقيقته متحركين إلى عائلة زوج شقيقته بعدما ترك راعية تهتم بأمينة حتى عودته. تمنى لو كان الآن في سيارة بيجاد وهشام بالتأكيد هي أهدأ من هذا الراديو الذي لا يتوقف عن الحديث إلا وبدأ في حديث آخر….
تعالى صوت هشام بحدة كاد يصم آذان بيجاد، بينما يغلق الشاشة الصغيرة التي بالسيارة تعرض ما يتابعه بيجاد باهتمام:
_ والله هحطك قدام العربية وهسفلت وشك في الأرض.
اتسعت أعين بيجاد وهو يصرخ بقوة وكأنه تم سرقة منه جواز سفره وحُبس داخل بلد لا يعلم عنها شيئًا:
_ تبًا لك ولأمثالك من قاطعي اللقطات واللحظات المهمة يا حقير، أهم لقطة في الفيلم.
_ فيلم؟؟؟ أنت مستوعب إن دا فيلم رسوم متحركة؟؟؟
_ فيلم ولا مش فيلم؟
توقف هشام على جانب الطريق وفتح الباب من ناحية بيجاد ثم بدأ في دفعه من السيارة صائحًا بغضب:
_ أنا غلطان إني وافقت تكون معايا. انزل وإلّا هنزل أجرجرك في الشارع والله.
ترجل بيجاد من السيارة قائلًا بسخرية:
_ هنزل من القمة، طريق السلامة أنا….
لم يكمل حديثه بسبب صوت احتكاك إطارات سيارة هشام وهو يقودها بسرعة يتركه في منتصف طريق سريع. أشار للسائق الذي يقود سيارته والذي اقترب منه بسرعة، ليصعد بها قائلًا:
_ لي مجبتش العربية اللي فيها شاشة؟ هكمل الفيلم إزاي دلوقتي؟؟
***
بعد وقت…
هبط ريان وإياد وتوجه الاثنان إلى أبواب السيارة الخلفية وكل منهما في اتجاه. فتح ريان باب السيارة ومد يده لتضع حوراء كفها بكفه وتترجل من السيارة بهدوء وتقف بجانبه. بينما أمسك إياد بكفي شقيقتيه. ثم تحركوا جميعًا إلى داخل منزل عائلة الكيلاني الكبير.
لم يتفاجأ ريان من تجمعهم بالبهو، وقبل أن يبدأوا في عناقه وهو من لم يكن منذ قريب عندهم. عرفهم على إياد وآية وأريب.
استقبلهم الجميع بحفاوة وسعادة بإستثناء سميرة. ليرمقها ريان بحدة من نظراتها لأخوات زوجته وحبيبته….
وبينما هم منشغلين في دفء عائلي، كان في الخلف هشام وبيجاد في عالم موازي تمامًا وهما على وشك قتل بعضهما وما زال بيجاد مقهورًا على ذلك المشهد الذي قطعه عليه هشام.
توجه الجميع إلى المقاعد التي بالردهة وجلسوا معًا وهم سعداء برؤية حفيد الكيلاني الأكبر وزوجته للمرة الثانية. فهم كانوا يظنون أنهم لن يروه إلا بعد سنوات مجددًا….
كانت حوراء تجلس بجانب إياد وأريب وآية من اتجاه، والاتجاه الآخر كان بجانبها ريان وبجانبه كيان. وكان هشام وبيجاد وأيان وليان بجانب بعضهم… وبعدهم باقي أفراد العائلة.
أردف الكيلاني بحبور:
_ شرفتونا والله…. البيت بقي أجمل وأحلى بحضوركم.
تحدث إياد باحترام:
_ الشرف لينا.
هتف عامر وهو يوجه حديثه إلى آية:
_ أخبارك إي يا بنتي؟ هو أنتِ اسمك إي؟
ابتسمت آية بهدوء مردفة:
_ بخير الحمدلله ياعمو… آيـة، اسمي آيـة.
تحدث عامر موجهًا حديثه هذه المرة إلى أريب:
_ وأنتِ يا بنتي أخبارك إي، طالما دي آية يبقى أنتِ أريب زي ما قالنا ابني.
أماءت له أريب ببسمة حييّة. وقبل أن يتحدثوا تعالى صوت أنثى وهي تقول بسعادة ولهفة:
_ ريــــان…..
توجهت جميع الأنظار إلى ذلك الصوت الأنثوي، بينما نهض ريان وبيجاد وهشام سريعًا وهم ينظرون لها وكل منهم بنظراته الخاصة يعبرون عن لهفتهم إليها.
تقدم منها ريان بخطوات واسعة سريعة حتى وصل إليها يحتضنها هامسًا بهدوء:
_ عبير، متوقعتش أنك هنا.
بعد وقت طال فيه ترحيب ريان بها، ابتعد عنها ليجذبها بيجاد في عناق قوي وهو يحملها ويدور بها.
أردفت عبير بصراخ وضحك:
_ يا ابني عيب كدا أنا كبيرة على الحاجات دي.
ضحك بيجاد بمرح وانزلها برفق مردفًا:
_ مهما كبرتي بتفضلي حلوة يا بيبو.
ابتسمت له وأخذته بين أحضانها بقوة واشتياق.
ثم ابتعد عنها لتنظر إلى ذلك الذي ينظر لها بإشتياق وعلى وجهه علامات التردد وهو يقف بعيدًا، لتقول معاتبة:
_ إي يا هشام مش هتسلم عليا؟
تهللت أسارير وجهه وتقدم منها سريعًا واحتضنها بقوة قائلًا:
_ كنت فاكرك نسيتيني.
ضربته بخفة على ظهره وهى تحتضنه مردفة:
_ عيب عليك دا أنا أنسى بيجاد ولا أنساك أنت.
هتف بيجاد صائحًا باستنكار:
_ هييجي يوم وتتمنوا لحظة معايا خصوصًا أنتِ يا عمتي.
_ وعلشان عمتي دي أنا بتبرأ منك خالص.
قالتها بغيظ أضحك بيجاد الذي يدرك مقتها لهذا اللقب. ليسحبها ريان قائلًا:
_ تعالي أعرفك على شخص مهم.
سار بها بإتجاه حوراء والتي كانت تنظر لهم وإلى تلك المرأة بجهل حتى وقف ريان أمامها وهو ينظر لها بحب قائلًا:
_ حوراء زوجتي.
ثم عرف حوراء عليها مكملًا:
_ حوراء…. دي عبير أخت عامر.
وقفت حوراء وابتسمت بخجل قائلة برقة:
_ عمتك يعني! أهلًا.
_ هي مراتك دي حقيقية؟
قطبت حوراء ما بين حاجبيها وهي تبتسم بتوتر ولا تفهم سؤالها، بينما قال ريان مبتسمًا:
_ للعجب.
ضحكت عبير ثم عانقت حوراء وكأنها تعرفها منذ زمن قائلة:
_ أنا علميًا عمته بس عمليًا صاحبته ومبحبش لقب العمة. بيقولي عبير وبيجاد بيقول بيبو، اختاري وقولي إلا عمة.
أماءت لها حوراء ضاحكة، ثم عرفها ريان على إخوة حوراء ثم جلسوا معًا وهم يتحدثون في جو عائلي دافئ.
ليعلو صوت الكيلاني قائلًا:
_ يعني أنت جيت علشانها، لأنها هي اللي طلبت منك؟
_ دا اللي حصل.
قالتها عبير بغرور مفتعل ثم ضحكت بمرح، بينما هز ريان رأسه مؤكدًا على حديثها، ليقول بيجاد:
_ ولما أنت عارف إنها هنا مقولتش لي؟
_ بطلب مني كمان، مفاجأة ليك ولهشام.
_ أحلى مفاجأة يا بيبو والله.
ليقول هشام بتساؤل:
_ غيث مجاش؟
_ لا هنا، بس خرج.
أماء له هشام. وبين كل هذا الجمع هناك نظرات حادة بين سميرة وأريب التي مالت على أختها عابسة وعيناها بأعين سميرة ترمقها بحدة:
_ الولية دي مش مرتاحة ليها، والله لو فضلت تبص كدا ما هيهمني حد.
لكزتها آية تنهرها بصوت خافت مخافة أن يسمعها إياد:
_ عيب يا أريب إحنا ضيوف عندهم، ممكن دي طبيعتها تجاهليه.
تأففت أريب وعدلت جلستها عاقدة ذراعيها أمام صدرها هامسة لذاتها وعيناها الحادة تثبتها بأعين الأخرى:
_ لو فاكرة إني هخاف وأنزل عيني تبقي بجحة وغبية.
***
في المساء في منزل عائلة الكيلاني، يجتمعون بعد تناول العشاء في جمع اشتاق له الكيلاني كثيرًا. يتحدث بيجاد بمرح:
_ إي يا غيث مفيش واحدة كدا ولا كدا؟
نظر غيث حوله بعدم فهم وهز رأسه نافيًا، ليقول بيجاد بسخرية:
_ مش كدا يا حبيبي، يعني مفيش ارتباط، خطوبة، كدا يعني.
تجعُدت ملامح غيث ونفى برأسه قائلًا:
_ ما اهي قاعدة قدامك ولا خطبتها ولا اتنيلت، اسكت يا بيجاد.
ضحك بيجاد بقوة، ليتأفف غيث ثم نظر إلى ليان قائلًا:
_ طمنيني عنك يا ليان؟
أجابته ليان ببرود متجاهلة النظر له:
_ اتطمن.
نظر لها غيث طويلًا ثم نظر إلى الاتجاه الآخر.
نظر لهما ريان قليلًا ثم نهض مردفًا موجهًا حديثه إلى حوراء:
_ مش هتأخر، تمام؟
أماءت له حوراء ليتحرك ريان متجهًا إلى الأعلى. فور رحيله سمعوا جميعًا طرق قوي على الباب لتسرع عاملة لترى من يطرق بهذه الطريقة.
فتحت الباب وظلت تحدق بخوف من ذلك الذي يطالعها ببرود وحدة. سألها حسين بصوت مرتفع نسبيًا:
_ مين يا تيسير؟
هتفت تيسير بتلعثم:
_ دا … دا أ….
قاطعها هو بصوته الحاد مثل نظراته:
_ أنا… أنا يا بابا.
نهض الجميع في صدمة وهم ينظرون له بأعين غير مستوعبة. ركضت له ليلى وبعينيها الدموع وهي تهتف بفرح:
_ أيهم، وحشتيني أوي يا أمي.
عانقه أيهم بهدوء قائلًا:
_ وأنتِ كمان يا أمي.
ابتعد عن حضن والدته لينظر إلى الجميع والذين هم بدورهم لم يتحركوا إنشًا واحدًا وهم يطالعوه بصدمة. نعم كانوا ينتظرون ويتمنون عودته ولكن… ليس الآن أبدًا. ليردد أيهم بسخرية:
_ إي، نسيتوا كلمات الترحيب يا آل الكيلاني؟
تقدم منه حسين بخطوات بطيئة ورفع كفه ليضعه على وجنة ابنه بهدوء وكأنه يتحقق من وجوده، ثم قال وصوت متحشرج:
_ حمدًا لله على سلامتك يا ابني، وأخيرًا جيت.
ثم عانقه بقوة واشتياق أب ليعانقه الآخر بهدوء، ثم تقدم من الآخرين وعانقهم بهدوء وهم ما زالو في صدمتهم التي لم يكن خارجها سوى حوراء وإخوتها. لتميل أريب على حوراء قائلة:
_ مين دا؟
هزت حوراء كتفيها بعدم معرفة لترمقها أريب بسخرية قائلة:
_ ما شاء الله، لسه بتتعرفي على عيلة زوجك!
وقف أيهم بطوله الفارع أمام حوراء وهو يطالعها بنظرات قوية لدرجة أن حوراء استغربت نظراته. ليقول أيهم بصوت أجش أصاب حوراء بقشعريرة خوف منه:
_ مين الحلوة؟
_ مراتي يا روح أمك.
أردف بها ريان بصوت حاد ونظرات لا تبشر بالخير. حول أيهم نظره إلى ذلك الصوت لتحتل عينيه نظرة لاذعة، كصوته الذي خرج لعوبًا مع ابتسامة جانبية:
_ ريان؟؟ أنت هنا… واتجوزت كمان!
وقف ريان أمامه قائلًا بسخرية:
_ يهمك في حاجة؟
تحدث الكيلاني بحدة وهو ينهي هذا النقاش وهم يعلمون أن استمراره ليس بالأمر الصواب أبدًا:
_ عال العال والله.. إي طريقة الكلام دي وكمان في وجودي.
ينظر له الاثنان وأردف أيهم ببرود:
_ متقلقش يا كيلاني، ابن عمي بينا غيبة طويلة وأخيرًا جات الفرصة اللي أقابله فيها.
أنهى حديثه يرمق ريان بمكر والآخر يطالعه بنظرات غالية من المشاعر. همست أريب إلى أخيها قبل نهوضها:
_ هروح الحمام وراجعة….
أماء لها إياد لتتحرك بهدوء إلى الأعلى حيث الغرفة التي استضافوهم فيها. انتهت حرب الأعين ليتقدم أيهم من بيجاد وهشام قائلًا:
_ أهلًا، ابن مصطفى وابن العامري.
أردف هشام بأعين غاضبة:
_ بيك، أهلًا بيك.
تحدث بيجاد ببرود:
_ حمدًا لله على سلامتك يا ابن عمي.
أماء لهم أيهم وهو يطالعهم بنظرات ساخرة. ثم ذهب إلى غيث وعانقه بقوة فهو يعتبر صديقه المقرب رغم اختلاف شخصيتهما تمامًا، ألا أنهما أصدقاء مقربان… ثم لفت نظره ذلك الشاب الذي يجلس وبجانبه فتاة جميلة.
تقدم منهم أيهم واردف ببرود:
_ فيه أفراد جديدة في العيلة!
ليجيبه إياد وهو يصافحه بجدية:
_ إياد عبدالقادر.
صافحه أيهم وهمهم بخفة مرحبًا. ثم نظر إلى آية التي كانت تطالعه بفضول بسبب طاقة التوتر التي سببها للجميع فور مجيئه:
_ أهلًا، ضيوف ابن العم الغالين.
بنبرته التهكمية لم يرتاح لها إياد ولكنه تجاهله. بالأساس لا يطيق أحدًا في هذه الجلسة الثقيلة على قلبه ويتمنى لو كان أصر ورفض لأول مرة طلب شقيقاته.
تحدث حسين ينظر إلى أيهم الذي جلس بجانب بيجاد:
_ مقولتش لي إنك جاي يا أيهم؟
أجابه أيهم ببرود:
_ حبيت تكون مفاجأة وشكلي نجحت، بس انتوا كمان فاجأتونى بوجود ابن عامر هنا بعد السنين دي كلها وكمان اتجوز من غير ما تعزمونى على الفرح، مكنش العشم والله يا ابن عمي.
لم يهتم ريان بالرد عليه. بينما قال الكيلاني بجدية:
_ ريان، بما إنك عامل كتب كتاب بس ففرحكم هيكون هدية مني ليك بمناسبة إنك جيت بعد السنين دي كلها وبكرا في حفلة على شرف أحفاد الكيلاني واللي اتجمعوا أخيرًا.
نظر ريان إلى حوراء التي نظرت له بحماس. يبدو أنها من محبي التجمعات والمناسبات العائلية وهذه كارثة بالنسبة له، ليقول مبتسمًا بوجهها وداخله يريد التحرر من هذه الجلسة المملة بوجهة نظره:
_ هدية مقبولة يا كيلاني.
تثاءب أيهم ثم نهض قائلًا:
_ تصبحوا على خير، معلش بقى إجهاد سفر وإلا كان هيسعدني أقعد أكتر مع ابن عمي وعيلته الجديدة، بس تتعوض.
ردوا عليه التحية عدا ريان وصديقيه. صعد أيهم الدرج ببرود وهدوء ثم اتجه إلى غرفته والتي يتذكرها إلى الآن رغم السنوات التي قضاها بعيدًا عن هذه البلد وهذا المنزل. ولكن قاطع طريقه اصطدام جسده بشيء ما ثم سمع صوت أنثوي حانق متألم:
_ حيطة بتتحرك؟
ثم رفعت نظرها لتردف بحنق ترمق هذا الغريب:
_ ما تخلي بالك يا أخانا.
نظر أيهم حوله يبحث عن الصوت ولم يجده ثم نظر إلى الأسفل ليرى جنية قصيرة تنظر له وعيناها بحدة السيف ترمقه بشرر. تراجع خطوة إلى الخلف ينظر إلى قامتها القصيرة متحدثًا ببسمة جانبية:
_ متعودتش أبص تحتي أنا وماشي.
أردفت أريب بغيظ من هذا الوقح الذي ولأن الله أكرمه ببعض الطول يتنمر على ما لا يُسمى طولًا في قامتها:
_ مش علشان أنت طويل تدوس على خلق الله. أوعى كدا واحد فصيل.
ثم تركته وهبطت الدرج بحنق تحت نظراته المندهشة، فلم يتجرأ أحد على محادثته هكذا من قبل، رجلًا كان أو امرأة. ردد كلمتها بسخرية:
_ فصيل؟!!
هز رأسه وأكمل طريقه إلى غرفته وذهب في نوم عميق….
***
عادت أريب للجلوس بجانب أخيها قائلة بتساؤل:
_ هو مين أبو طويلة دا اللي طلع من شوية؟
نظر لها الجميع بصدمة فهم علموا أنها تقصد أيهم فليس أحد غيره ذهب منذ قليل. ثم انفجروا ضاحكين باستثناء ريان وهشام وإياد الذي طالعها بحدة.
أردف بيجاد بضحك قوي:
_ لا بجد لايق عليه اللقب.
أردف حسين بضحك:
_ دا ابني…. أيهم.
شهقت أريب ووضعت كف يدها على فمها بصدمة ونظرت إلى أخيها الذي كان يطالعها بحدة بأعين معتذرة. ثم أردفت باعتذار واحراج:
_ أنا مقصدش، أنا….
ضحك الجميع عليها وأردفت ليان بمرح:
_ ولا يهمك.
هدأ الجميع من الضحك وشعرت أريب بالاحراج فاستأذنت منهم وذهبت متحججة بالنوم. فأردف إياد بجدية وهو ينهض ممسكًا بكف آية:
_ تصبحوا على خير.
رد عليه الجميع بهدوء وغادر وأريب تسير معه بتوتر تعلم أن هناك درسًا ينتظرها مع أخيها.
***
_ هو أنا ممكن أسألك سؤال؟
همهم لها ريان فأردفت بتساؤل:
_ بصراحة هو كذا سؤال مش سؤال واحد.
_ اسألي ياحبيبتي براحتك.
تحدثت حوراء وهى ترفع رأسها وتنظر له:
_ عمتك أنا مشوفتهاش هنا المرة اللي فاتت، هي مش عايشة في القاهرة؟
_ لأنها متجوزة في الإسكندرية.
لاحظ صمتها المتوتر ليقول بهدوء:
_ كملي أسئلتك.
_ أنا… مش عايزة أضايقك، بس….
_ يبقى عايزة تسألي عن أيهم.
أماءت له بتأكيد قائلة بتردد:
_ يعني… حسيت أنه عدواني معاك.
تنهد ريان بقوة ونظر لها واردف بهدوء:
_ هتعرفي كل حاجة في وقتها بس يلا ننام دلوقتي علشان بكرا في حفلة، وكمان معاكِ شغل كتير بما إن فرحك بعد أسبوع.
ابتسمت له بخجل ليضحك بخفة ثم احتضنها ويده تمسح على خصلاتها لتغفو سريعًا. بينما هو ظل مستيقظًا والأفكار كالكلاب الشاردة في رأسه لا يهدأ نواحها مع هدوء الليل.
***
وهو من فشل في إيقاظها، تركها غافية وترجل الدرج ليرى العائلة على طاولة الإفطار ليقول بهدوء:
_ بلاش تستنوني، أنا خارج.
أردفت كيان سريعًا:
_ على فين يا بابا؟
هتف ريان بحنان وهو يتجه إلى الخارج:
_ مش بعيد يا كياني.
ثم خرج قبل أن يتطفل أحد مجددًا ويسأل. لتقول سميرة بسخرية وهي تلوي فمها:
_ وساب مراته نايمة، دا شكله مدلعها خالص.
نظر لها مصطفى وأردف بحدة:
_ خليكِ في حالك يا سميرة، وكُلي. الواحد مش ناقص مشاكلك.
نظرت له سميرة ثم نظرت إلى طعامها وبدأت تأكل في صمت. بينما أريب كانت تكتم ضحكتها بصعوبة بعد أن شعرت بالغضب في بادئ الأمر ولكن ذلك المصطفى أبرد نارها.
بينما إياد تنهد بخفة وآية كانت تطالعها بضيق….
نهض هشام وبيجاد ولحقوا بصديقهما فهما يعلمان إلى أين ذهب.
نهض من نومه وهو يتثاءب ثم فرك شعره بقوة ونهض متوجهًا إلى المرحاض وبعد وقت تحرك خارجًا من الغرفة….
تقدم من الجميع وجلس بجوار الكيلاني وبدأ في الطعام بدون أن يتحدث أو حتى ينظر لهم. ليقول حسين بهدوء:
_ صباح الخير.
رفع أيهم نظره ونظر إلى والده ثم ابتسم ببرود مردفًا:
_ صباح النور يا بابا، عشان نسيت أصبح عليكم كنت جعان.
أجابه حسين متنهدًا:
_ بالهنا يا ابني، ولا يهمك.
أماء أيهم بدون أن يتحدث وبدأ في إكمال طعامه بعدم مبالاة….
انهوا طعامهم وجلسوا على المقاعد التي توجد بالردهة بعد مغادرة الكيلاني وعامر ومصطفى ليتناقشوا في بعض الأمور.
كان الجميع يتحدثون واندامج معهم إياد وآية بينما أريب كانت تستمع لهم بصمت.
أردف أيهم بجمود:
_ نورتونا والله.
ابتسم له إياد واردف بهدوء:
_ دا بنور حضرتك.
اعتدل أيهم في جلسته واردف بثقة:
_ أخدت بالك!
نظرت له أريب بغيظ من تصرفاته المتعجرفة واردفت بصوت منخفض:
_ أبو طويلة مستفز.
لم يسمعها أحد سواه، فهو يظهر أنه منشغل ولكن كل حواسه تعمل جيدًا. رفع نظره ثم نظر إلى تلك التي تجلس أمامه ولكن ليس مباشرة. تعرف عليها على الفور فهي ذاتها الفتاة القصيرة التي اصطدمت به بالأمس.
رأت نظراته لها فنظرت له بأعين حادة كالسيف.
اندهش من جرأتها، فأي فتاة أخرى في مكانها لكانت أبعدت نظراتها وإن لم يكن خجلًا وخوفًا فاحترامًا لكونهم الضيوف هنا، ولكن هي تضع عينيها بعينيه بدون خوف. ليرفع حاجبه قائلًا:
_ مين الطفلة؟
تحولت نظراتها إلى الغضب واردفت بحدة قبل أن يرد عليه أحد:
_ أولًا أنا آنسة مش طفلة يا أبو طويلة… أوبس.
وضعت يدها على فمها بسخرية ثم أكملت وهى تنظر له بحدة:
_ أقصد يا أستاذ.
نظر لها الجميع بصدمة وذهول من طريقة تحدثها معه، وكان هو ينظر لها بأعين تخرج شررًا فمن هذه لتتحداه هو وأيضًا تسخر منه. لينهض قائلًا بغضب:
_ أنتِ مين علشان تكلميني بالطريقة دي؟
نهض إياد قائلًا في محاولة لإرجاع غضبه احترامًا لكبار السن المتواجدين:
_ اتكلم بطريقة أحسن من كدا.
أردف أيهم بصوت غاضب وهو يحدقها بنظرات نارية متجاهلًا إياد:
_ ازاي تتكلمي عليا كدا؟ أنتِ ناسية نفسك؟
نهض أيان قائلًا بينما يقف أمام أيهم:
_ أيهم اهدى، مينفعش اللي بتقوله ده.
هتفت أريب بحدة وهي تنهض من مكانها:
_ أنا فاكرة نفسي كويس، بس الظاهر أنت اللي مخدوع في نفسك وقاعد تستظرف ومحدش بيردعك. ولو كنت فاكر إني هسكت على طريقتك الغبية في الكلام تبقى غبي.
_ أريب، اطلعي فوق. آية….
نهضت آية بسرعة تسحب شقيقتها صاحبة اللسان السليط، تعتذر منهم بحرج متجهة بها إلى الأعلى.
ليقول أيهم بحدة:
_ اهربي بس أخرتك هتكوني تحت إيدي، ووقتها مش هرحمك وهعـ….
صمت أيهم على قبضة قوية تمسك يده التي يمدها بتحذير. نظر إلى ذلك الذي يطالعه بنظرات قاتمة قائلًا بصوت مخيف وقد تبدلت ملامحه المسالمة:
_ كلمة كمان وهمسح بكرامتك الأرض. أختي خطوط اللي زيك ميتجرأوش يقربوا منها وإلا هيندموا، وأنا احترامًا لكبار العيلة اللي مستضيفيني في بيتهم كنت عرفتك مقامك. قسمًا بمن أحل القسم لو اتجرأ أيًا كان يوجه مجرد كلام لأخواتي الثلاثة بطريقة مش كويسة هخلي يندم باقي عمره.
أمسكه أيان وقال بينما يسحبه إلى الخارج:
_ إياد، تعالى لو سمحت….
ليتنظر ليلى إلى ابنها قائلة بعتاب وحزن:
_ لي كدا يا ابني مكنش ينفع تكلميهم كدا. أنا مرضيتش أتكلم علشان خاطرك أنتِ بس أنا زعلانة منك.
أنهت حديثها وغادرت بأعين دامعة لتلحق بها ليان بعد أن نظرت إلى أخيها بعتاب. أما تلك الحرباء فكانت تبتسم بخبث ولاحظها أيهم. لتقول سميرة بشماتة:
_ تستاهل اللي حصل فيها دي بت عايزة قصف الرقبة، باينة قليلة أدب من نظراتها.
نظر لها أيهم واردف بجمود:
_ بدل كلامك الفارغ ده روحي اعمليلي كباية قهوة سادة.
أردفت سميرة بغضب:
_ لي إن شاء الله؟ شايفني خدامتك؟؟ ما تحترم نفسك يا ابن حسين.
زمجر أيهم وهو ينظر لها بغضب:
_ خمس دقايق لو ما لقيت كباية القهوة قدامي هتصرف تصرف مش هيعجبك وبعدين أنتِ بتكذبي على مين؟ أنتِ ناسية أصلك ولا إي يا سميرة؟ خلينا ساكتين، تمام؟ ومتوجعيش دماغي يلا غوري.
نظرت له سميرة بحقد وكره وغضب ثم ذهبت رحلت وهي تتحدث بغضب. ليجلس أيهم على المقعد مريحًا ظهره عليه يغمض عينيه مفكرًا في ما حدث.
***
تململت في نومها لتفرج عن جفنيها بهدوء وهى تشعر ببرودة الفراش بجانبها…. نهضت ونظرت حولها ولم تجده فأردفت:
_ ريان؟
ولكنها لم تسمع ردًا لتنظر في الساعة لتشهق بقوة وهي تراها الحادية عشر صباحًا. لفت نظرها ورقة مطوية بجانب الفراش لتلتقطها وحركت نظرتيها على ما تحتويه من كلمات رسمت بسمة جميلة على شفتيها:
_ بحسد الورقة لأنها شافت عيونك قبلي، أنا في فيلا هشام قريبة من هنا، اطلبي من كيان وهي هتجيبك عندي، ولو عايزة تقتدري تستنيني.
خرجت من الغرفة وهبطت الدرج بهدوء لترى عدم وجود أحد سوى ذلك الذي يجلس بأريحية مغمض العينين…. وقفت حوراء أمام الباب وهي تفرك يديها بتوتر شديد فهى لا تعلم أين تلك الفيلا وكيان لا تجدها…. فتح أيهم عينيه لشعوره بحركة غريبة ليراها هي بطلتها الخاطفة للأنفاس تقف أمام الباب وهي تنظر خارجًا ويظهر عليها التوتر…. ارتسمت على وجهه ابتسامة خبيثة فور تعرفه عليها…. نهض بهدوء وتوجه لها قائلًا:
_ محتاجة مساعدة؟
أدارت رأسها سريعًا بفزع رأته يطالعها بابتسامة خبيثة لم تفهمها فأردفت برقة:
_ لا شكرًا.
_ بس الظاهر أنك محتاجة مساعدة. تقدري تثقي فيا.
احمر وجهها خجلًا ونظرت إلى الخارج قائلة بتردد:
_ أنا عايزة أروح لفيلا هشام، تعرفها؟
هز رأسه بخبث قائلًا وهو يتحرك إلى الخارج:
_ أكيد عارفها، ريان هناك أكيد.
_ أيوا.
_ تعالي هوصلك.
تنهدت بسرعة:
_ لا….
نظر لها بإستغراب واردف متسائلًا:
_ هو إيه اللي لا؟ تعالي هوصلك لجوزك متخافيش.
ترددت حوراء خاصتًا أنها رأت عدم الراحة التي بينه وبين زوجها، لتقول محاولة الاعتراض بلطف:
_ بس أ….
قاطعها بجدية:
_ ومن غير بس، يلا.
ثم خرج من القصر وهو يسير بثقة ويضع يديه في جيبي بنطاله…. نظرت له بتوتر وقررت تتبعه فسارت خلفه ببطء وحذر وأخيرًا قلق….
وهو كان يبتسم بمكر ينتظر رؤية وجه ابن عمه وحقًا يستمتع في تخيله.
***
حرب باردة، لا يعلم أحد دواخلها.
والسَّلام.
مِـنَّــــــة جِبريـل.