تحميل رواية «الطبيب العاشق» PDF
بقلم منة جبريل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
لم ينعم بقسط من الراحة منذ يومين والآن يحاول جاهدًا التخلص من أرقه والنوم بعد بقائه مستيقظًا ليومين متتاليين بسبب أعماله الكثيرة. وأما عن راحته الآن فهي بسبب عودة صديقه من السفر ليحمل من عليه بعض أعمال الشركات. فتحت باب غرفته بهدوء، وجدته نائمًا وعلى وجهه علامات الإرهاق. ابتسمت بحنان لأخيها واقتربت منه برفق حتى لا يستيقظ وقبلت رأسه بحنان وغادرت. بينما كان هو يشعر بها وهي تقبله وابتسم بداخله، لكنه لا يستطيع أن يفتح عيناه حتى. ودقائق وذهب في ثبات عميق مرة أخرى. *** وفي الشركة، يجلس على مكتب صديقه...
رواية الطبيب العاشق الفصل الحادي عشر 11 - بقلم منة جبريل
تسير بتوتر تنظر إلى ظهر هذا الطويل، يبدو هادئًا وغير سيء كما يظهر عليه، ربما هو يتعمد ليكون أول انطباع يأخذه عنه الآخرون، ولكن في الحقيقة هو ليس سوى...
قاطع تفكيرها صوت رجولي ظهر عليه التحفز:
_ أيهم!
نظرت أمامها بعيدًا عن الجبل الذي وقف أمامها، لترى منزلًا يقف أمامه هشام، والذي ما إن رأى رأسًا تطل من خلف ذلك البارد... ولم تكن أي رأس، إنها رأس زوجة صديقه الخرقاء.
بينما ما إن رأته حوراء، وقبل أن تسأله إن كان ريان هنا أم لا، رغم أنه أكد لها أنه سيكون هنا إن لم يكن بمنزل العائلة، رأته يطل من المنزل وهو يتحدث مع بيجاد وبسمة صغيرة تزين شفتيه قبل أن يقع بصره عليها... عليهما!
ابتسمت حوراء ونظرت إلى أيهم قائلة بود:
_ شكرًا.
وأيهم الذي كان منشغلًا في النظر إلى ريان لم يستوعب سريعًا شكرها، لينظر إليها مضيقًا حاجبيه، ولكن كانت هي قد تحركت ناحية زوجها الذي أمسك بكفها يوقفها خلفه، ليبتسم بجانبية وسخرية، ثم رفع يده مرحكًا أصابعه في حركة رتيبة ثم أولاهما ظهره راحلًا، هكذا وببساطة دون أي كلمة.
فور رحيله قال هشام بجمود وهو ينظر إلى ظهر ذلك ثقيل الدم كما يطلق عليه:
_ بيجاد، تعال معي.
وقبل أن يتحدث بيجاد، كان هشام يجذبه بعيدًا يمنع رفض صديقه الأخرق، خصوصًا أنه لن تخطر بباله فكرة أن يترك ريان لأن زوجته الآن أتت إليه.
التفت ريان يرمق زوجته بهدوء ينتظر توضيحًا لأمر اصطحابها أيهم وليس غيره، والأخرى كانت تنظر له تنتظر أن يخبرها لمَ هو هنا وماذا سيفعلان بعد وقوفهما بهذا الشكل وكل منهما يحدق بالآخر.
ويبدو أن ريان أدرك أنها لن تفهم دون حديث ليتنهد قائلًا:
_ ملقيتيش غير أيهم؟ أنتِ لو متعمدة تخليني أقتله مش هتعملي كدا.
اتسعت عيناها تفتح فمها بصدمة وتغلقه وكأنها سمكة خارج الماء، قبل أن تقول بذهول وبلاهة جعلت ريان يدرك أن الحديث ليس معها:
_ تقتله لي؟
ربت على رأسها قائلًا:
_ لأنك اتأخرتي في النوم.
ثم تخطاها لداخل المنزل لتتبعه قائلة بعدم فهم:
_ ومال أيهم في الموضوع، مش فاهمة؟
_ طبيعي يا روحي، تعالي افطري.
***
نهضت عن فراشها تفتح باب الغرفة التي تمكث بها في هذا المنزل، لتعقد حاجبيها لدخول كيان وليان والأخرى تتحدث بحماس:
_ أنا اشتريت واحد من على موقع وهيكون هنا خلال ساعة، بس متوترة يكون مش زي الصورة أو يكون محتاج تعديل ومش معايا وقت لكل دا. أنتِ هتلبسي إي؟
نظرت إلى أريب، وأريب تنظر لهما بعدم فهم، هل دخلا إلى غرفتها بالخطأ في خضم حديثهما؟ لتسألها ليان مجددًا لتشير أريب إلى نفسها تتأكد أنها تقصدها، لتهز ليان رأسها وكيان تنظر لها مبتسمة تنتظر جوابها، لتقول أريب بهدوء:
_ ولا حاجة، مش هحضر الحفلة أصلًا.
عادت لتجلس على الفراش والأخريتان ترمقانها بتعجب، لتسألها كيان:
_ لي؟ هنستمتع فيها.
_ اتكلمي عن نفسك، أنا مش برتاح وسط التجمعات الكتيرة.
دخلت آية عليهن لتقول ليان:
_ شوفي أختك يا آية، بتقول أنها مش هتحضر الحفلة.
وآية التي كانت تفكر أنها لن تحضر أيضًا لم يشكل لها الأمر أهمية:
_ وإي يعني؟
رمقتهما ليان بسخرية قائلة:
_ والله؟ هتحضروا الحفلة أو هقول لحوراء.
تحدثت آية بهدوء وابتسامة صغيرة على وجهها:
_ إن شاء الله خير يا ليان، ممكن نغير رأينا على آخر اليوم.
_ مش هيحصل.
كان هذا رد أريب بملل وهي تنظر إلى هاتفها وكأنها تطردهن من غرفتها، بالأساس هي معاقبة من قِبل أخيها بسبب تحدثها مع ذلك الأبله والذي لا تخطر بباله فكرة أن يتقلص، لتنتفض قائلة بصوت مرتفع أفزعهن:
_ هحضر... هحضر الحفلة.
ثم عادت للنظر إلى هاتفها وكأنها لم تفزعهن، تهمس لذاتها بوعيد وقد لمعت عيناها بحدة وسخط:
_ مش هخليه يفكر أنه قدر يضايقني، حقير.
_ بتخططوا لإي؟
شهقت حوراء والتي أتت لتوها وتركها ريان عند مدخل المنزل لتأتي لرؤية أخواتها وترى هذا التجمع، لتشهق بخفة ما إن سحبها كيان بينهما ليبدأوا في التخطيط لحفل اليوم.
***
وصل ريان إلى مكان أعلى منحدر كبير وهو يعلم أن صديقيه يجلسان هنا، وبالفعل رآهما جالسين على حافة المنحدر.
جلس ريان بجانبهما وانزل قدميه في الهواء مثلهما، قائلًا بينما ينظر إلى السماء:
_ مرّ وقت طويل على تجمعنا هنا من آخر مرة.
_ فعلًا.
قالها بيجاد بينما تنهد هشام بقوة، مكان يشهد على أكثر المواقف صعوبة وطرافة وألفة بينهم، ولكن تنهيدة بتلك الطريقة دفعت ريان لسؤاله عمّا به، ليجيبه بيجاد بمرح:
_ ملّ من العزوبية.
هتف هشام بأعين خضراء قاتمة:
_ مش مضحك.
ربت ريان على كتفه مردفًا بهدوء:
_ لازم تنسى، والأهم أن يكون عندك علم أنهم مش كلهم واحد.
وهشام الذي لم يكن يود التحدث حيال هذا الأمر، نظر إلى بيجاد قائلًا:
_ مين البنت اللي بتقابلها؟
وبيجاد الذي فقه عمّن يسأل أجابه ناظرًا إلى السماء ببسمة بلهاء جعلتهما يرمقانه بسخرية:
_ صبا الشرقاوي.
_ الشرقاوي؟
سأل ريان وكأنه يتأكد ليقول بيجاد:
_ أيوا هو، معرفش إذا كان قاصد يخبي حقيقة أن له بنت أو لا، بس المهم فعلًا هي... مشوفتش زيها قبل كدا ومتأكد أني مش هلاقي اللي فيها في غيرها.
قلّب هشام عيناه بينما همهم ريان، وبعد وقت نهض قائلًا:
_ يلا نرجع، ورانا حفلة.
***
جاء المساء وزين القمر السماء واللمعت النجوم من حوله... وكان منزل عائلة الكيلاني يلمع مثل النجوم، وبالطبع كان تجهيزه تحت إشراف بيجاد الكيلاني الذي يمتلك شغفًا حيال هذا الأمر.
وقف أمامها قائلًا:
_ في هدية مستنياكِ هنا.
نظرت له حوراء بفضول ثم اتجهت إلى الخزانة حيث أشار، وجدت صندوقًا كبير الحجم فتحته لتتسع عيناها وهي ترى ثوبًا جميلًا بداخله.
التفتت له وهى تطالعه بسعادة، ابتسم لها بحب وهو سعيد لرؤية سعادتها، وفجأة وجدها تحتضنه بقوة مردفة بسعادة وكانت تفكر بأي الثياب ستحضر الحفلة:
_ شكرًا...
ثم وضعت قبلة رقيقة على وجنته وركضت إلى المرحاض لتبدل ثيابها وقد انزاح ضيقها بفضله، أما هو فتصلب جسده واتسعت عيناه بعدم استيعاب لفعلتها، قبل أن يبتسم بخفة يهز رأسه بقوة هامسًا لذاته:
_ شيء مخزٍ يا ريان، دي حالتك بسبب كائن صغير.
بعد مدة كان ريان قد ارتدى حلة سوداء زادته هيبة أسفلها قميص ناصع البياض، يقف أمام المرآة يرتب خصلات شعره ينتظر خروج تلك التي تكاد تكمل الساعة داخل المرحاض، يستاءل كيف يتطلب ارتداء الملابس ساعة بأكملها.
تأفف يتحرك في الغرفة بانتظار يمقته، حتى توقف وهو يسمع صوت قفل باب المرحاض يفتح وأخيرًا، ليقف مشدوهًا ينظر إليها، ترتدي ثوبًا أسود تدرج للون الأحمر وكأنها نيران مشتعلة، ووجهها الأبيض الدائري يتزين بحجابها الأسود، وإرهاق وسخط ساعة انتظار تبخر وكأنه لم يكن.
دارت حول نفسها تسأله ببسمة واسعة:
_ حلوة؟
اقترب منها يحيط بها بذراعيه، قبل جبينها ثم همس بصوت أجش دافئ:
_ مُبهرة، هتتسببي في تحويل الحفلة لبركة دماء.
ضحكت بخفة قائلة:
_ لو كان دا مدح فشكرًا، يلا علشان منتأخرش أكتر من كدا.
***
كان الحفل مليئًا ومزدحمًا برجال ونساء كثر، أغلبهم جاءوا لنيل فرصة للتقرب من حفيد العائلة الأول، علّها تكون فرصة ذهبية في التعامل معه.
تقف كيان برفقة أريب وليان وكل منهما تتألق بأسلوبها الخاص، وأريب بحجابها بينهما كان لديها تفردًا بطلتها وهيأتها، تراقب الجميع بملل وهي تتأكد أنها أكثر الأشخاص كرهًا للتجمعات، تأففت بضيق قبل أن تبتسم وتتحرك ناحية شقيقتها قائلة:
_ كويس إنك غيرتي رأيك، هموت من الملل.
ضحكت آية بخفوت قائلة:
_ صدقيني أحسن من أوضة أنتِ فيها لوحدك.
_ دلوقتي عرفت إن ذوقنا يختلف.
وعلى الناحية الأخرى من الحفل كان يقف هشام بوسامته وهيبته الطاغية بجانب بيجاد الذي كان غريبًا، وجهه الضاحك كان متجهمًا وعيناه باردة وكأنه ليس ذلك المرح أبدًا، ويقف معه إياد يتبادل معهما الحديث باهتمام.
وعلى بعد منهما يجلس بشموخ على مقعد لا يتوفر حقًا في هذه الحفلة التي يكون فيها الجميع واقفًا حول الطاولات الطويلة والصغيرة في حجمها، يضع قدمًا فوق الأخرى لا يكترث بكسره لقاعدة من قواعد الحفلة، وعيناه ذات اللون الغريب تمتلك نظرات مخيفة.
وكان يجلس بجانبه ذلك الهادئ بملامحه وشخصيته أيضًا، غيث الذي لم يحب ارتداء بذلة رسمية واكتفى ببنطال وتيشيرت أسود، كلاهما ينظران إلى رجل أعمال جلس برفقتهما يحاول بناء عمل معهما يخفي خلف جديته توترًا ورهبة من ذلك الأيهم.
فجأة نهض رجل الأعمال منتفضًا ينظر إلى مدخل الحفل ككثير ممن كانوا ينتظرون قدومه، حول أيهم نظراته يرمق ريان الذي حضر ويمسك بكف زوجته يسير بين المتواجدين وكأن لا مثيل له، لا ينظر لأحد أو يهتم بأحد، يسير لوجهه حيث يقف صديقيه وفقط، بينما أصاب التوتر حوراء في مقتل وهي من لم تتوقع حضور الكثير والأسوأ أن تتجمع أنظار أغلبهم عليهما.
وقف ريان أمام هشام وبيجاد بينما اقتربت حوراء من أخيها ببسمة تسأله عن هيأتها، ليقول بحنان:
_ ملكة الحفلة يا حور عيني.
جذبها ريان إلى جواره قائلًا بجمود:
_ شكرًا لرأيك.
رمقه إياد باستنكار ولكن تجاهل الرد عليه، وعلى بعد منهما تركت الفتيات تسير بين الموجودين قبل أن تصرخ وهي تشعر بذراع تلتف حول خصرها ويد تكمم فمها تجذبها إلى ركن في هذا المكان، شعرت بجسدها يدفع بعنف ويثبت على الحائط وأنفاس ساخنة تلفح جانب وجهها وهمس بنبرة مخيفة:
_ حلو أوي اللي أنتِ لابساه دا، مش كدا؟
تحركت بعنف ليبعد يده عن فمها لتصيح به بحدة:
_ أنت ازاي تكمم فمها؟
قائلًا بانزعاج:
_ وطي صوتك وبلاش تستفزيني، لإني مانع نفسي من كسر راسك بصعوبة، اسمعي يا بنت حسين... هتتحركي بكل هدوء وتغيري القرف اللي أنتِ لابساه دا، فاهمة.
ابتعد عنها قليلًا، يعطيها المساحة لالتقاط أنفاسها واسترجاع صوتها، لتهتف ليان بغضب:
_ أنت مالك بلبسي أو بغيره، غيث لو اتجرأت وقربت مني هحرقك.
تحدث غيث بنبرة حادة تحذيرية:
_ أنتِ ملكي يا ليان، وأنا مسمحش ليكِ تلبسي القرف دا.
وليان التي استفزتها نبرته وحديثه، صرخت به بغضب ظهر على حركات جسدها:
_ أنا مش ملك لحد ولا ملكك، أنا ملك نفسي، ومفيش حاجة قرف غيرك.
اشتعل الغضب في عينيه، يدافع عن حق سماه بنفسه له، ليصرخ بها بنبرة أرعبتها:
_ أنتِ ليا، إذا كان برضاكِ أو غصب عنك في الأخير مش هتكوني لغيري، فاهمة.
انكمشت على نفسها واختض جسدها رعبًا وتوترًا من طريقة تعهده للمرة الأولى، يبدو أن الهادئ له جانب مظلم أيضًا.
يا لحظكِ ليان، وقع عليك الاختيار في كشف هذا الجانب المخيف.
التصقت بالجدار ما إن اقترب منها هامسًا بأنفاس ساخنة وكأنها تشرح غضبه:
_ أنتِ ليا ودي حقيقة مش هتتغير يا لياني، غيري اللي لابساه وإلّا هتشوفي تصرف غير سار مني.
ثم اختفى من أمامها لتزفر بقوة ملتقطة أنفاسها وقلبها وكأنه دخل في حالة سباق، وما هي إلا لحظات وكانت تضرب بحديثه عرض الحائط عائدة إلى الحفل وكأن شيئًا لم يكن.
عاد ليجلس بجانب صديقه وأرجع تلك الخصلات التي تمردت وهبطت على جبينه بغضب زافرًا بقوة، لينظر له أيهم بسخرية من حالته.
لفت نظره وهي تسير بين الموجودين بثقة ولم تغير ثوبها فزفر بقوة يحاول كبت غضبه مردفًا بوعيد وأعين مشتعلة:
_ وماله، هنشوف يا بنت حسين.
***
وقف الكيلاني في مكان يستطيع منه رؤية الجميع والعكس، واردف بجدية وترحيب وهو ممسك بمكبر الصوت:
_ الحفلة دي بمناسبة تجمع أحفادي وقدوم حفيدي الأول والأكبر ريان الكيلاني، وقدوم حفيدي الثاني أيهم الكيلاني وحفيدي الثالث غيث الجارحي وحفيدي الرابع بيجاد الكيلاني...
صفق الجميع بحرارة وبدأت الصحافة بإلتقاط الصور لهذه الحفلة وأحفاد الكيلاني أيضًا... أكمل الكيلاني حديثه ملقيًا حديثًا كان كقنبلة بالنسبة للحاضرين دون العائلة:
_ وكمان إعلانًا ودعوة إلى حفل زواج حفيدي الأول ريان الكيلاني بعد سبعة أيام من النهاردة.
صدم كل المتواجدين وهم لا يصدقون.. أريان الكيلاني سيتزوج؟ هل الذئب سيتزوج؟ من تلك سعيدة الحظ التي ستتزوج بأكبر رجل أعمال في الشرق الأوسط؟
بدأ الجميع بالتوجه إلى ريان الذي يقف بجمود وشموخ يباركون له بحرارة وفضول.
حمدت الله أنها تركته قبل خمس دقائق للوقوف مع الفتيات، تنظر إلى ذلك الحشد حول زوجها بتوتر وخجل.
اقترب شاب بأعين زرقاء ذو شعر أشقر يظهر عليه صغر السن وهو يتقدم من الطاولة التي تقف حولها حوراء والفتيات، وعيناه مثبتة عليها حتى مد كف يده قائلًا:
_ مرحبًا.
نظرت له جميع الفتيات بتعجب وما كادت كيان تتحدث لتردع هذا الغريب، تحدث هو مجددًا:
_ تامر... محمد تامر.
مـقاطعه صوت أريب الحاد:
_ تايه يعني ولا إي؟
ونظراته الثابتة على حوراء تحولت إلى تلك ذات اللهجة العدائية ترمقها بعدم فهم أو استيعاب لحديثها، لتسأل مستفهمًا:
_ عفوًا! بتكلميني؟
ابتسمت له أريب بتهكم قائلة:
_ أيوا بكلمك، عايز إي يا حلو؟
والشاب الذي أتى لأجل التعرف على فتاة أعجبته، لم يفهم سبب عدائية الأخرى وكأنه سرق شيئًا ما منها:
_ أنتِ بتتكلمي بأي طريقة؟
كادت أريب أن تتحدث لتنهرها آية بعينيها بينما تولت كيان دفة الحديث وقد شعرت بإحراج من طريقة تحدث أريب:
_ عفوًا سيد محمد بس إحنا في وسط كلام أنت بتقاطعنا عنه حاليًا، شكرًا لحضورك.
نظر لها محمد وتعرف عليها على الفور، ليتغاضى عن حديث الأخرى وابتسم قائلًا:
_ فهمت، عذرًا وأكيد لينا لقاء سيدة كيان.
صافحته كيان مبتسمة قائلة:
_ أكيد.
نعم ها هي ستضع أخيها في لقاء مجددًا ولكن هذه المرة تختلف، هو ليس فتاة ترجو صحبتها، بل رجلًا تريد رحيله، وبالتأكيد أخيها _تتمنى_ أن يتفهم الأمر، نظرت لها أريب بتشنج قائلة:
_ ما كنتِ قلتي له آسفة على انشغالنا عنك!
نظرت لها كيان قائلة بهدوء:
_ أريب لو سمحتِ، عالم الأعمال محتاج مسايسة، وهو ابن رجل أعمال أبيه يتعامل معه في مشروع مهم، حتى لو الشخص لا يطاق لشخصه بس ممكن يتم التعامل معه باحترام ولو تظاهري بسبب الأعمال، علشان كدا بلاش طريقتك دي في الكلام، أهو مشي ومن غير مشاكل.
احتدت أعين أريب قائلة باستنكار:
_ مشاكل وطريقة؟
التفتت لها كيان قائلة بجدية:
_ أيوا مشاكل، أنتِ عارفة كان هيحصل إي لو مش اتكلمت أنا؟ بسبب طريقتك اللي مش هتعجبه صوته كان هيعلى وأبيه وهشام وبيجاد كانوا هيتعاملوا معاه بطريقة كانت هتقلب الحفلة لمشكلة كبيرة الصحافة ما هتصدق تصورها وأبيه سمعته وشركته ممكن تتضرر بسبب أي إشاعات أو كلام ملوش لازمة، دا من ناحيتي بس، وأخوكِ على ما أعتقد مش هيعجبه ولا هيسكت لشخص رفع صوته على أخته وهتبقى المشكلة مشكلتين، والله أعلم إذا المشكلة كانت هتنحصر على كدا ولا كانت هتمس أبيه في شغله بسبب تعامله مع والده.
شرحها المبسط وهي الأعلم بأخيها لم يعجب أريب التي همت بأن تخبرها أنها ليست مضطرة لمجاراة أحد أو الابتسام في وجهه والتصنع كما تفعل هي، لتتأفف ليان مقاطعة كل هذا بملل:
_ خلصتوا، صاحبة الشأن اللي جه علشانها معملتش الحوار دا كله، ممكن تخرسوا لإن بيجاد شكله بيقول اللي داير ما بينا لصحابه ووشهم لا يبشر بالخير أبدًا.
توجهت الأنظار ناحية ريان وهشام وبيجاد الذي نظر إلى ليان لتعطيه بسمة صفراء قائلة بصوت عادي:
_ لو نحترم الخصوصيات شوية مش هنموت.
ابتسم بيجاد باستفزاز لها، لتقول حوراء بعدم فهم:
_ مش فاهمة؟ بيقول اللي ما بينا إزاي؟
أجابتها كيان بتوتر وهي تنظر إلى أخيها الذي يطالعها بحدة:
_ بيجاد بيقدر يقرأ حركات الشفاه.
رفعت حوراء حاجبيها ونظرت إليه متعجبة، لتنظر إلى زوجها الذي تحرك ناحيتهن لتقول آية:
_ هشوف إياد...
تحركت آية مبتعدة وتمنت كيان لو تذهب معها ولكن نظرات أخيها عليها تحذرها من التحرك حتى، منذ متى وبيجاد يخبره بما يحدث تحديدًا؟
وقف ريان أمامهن واضعًا كفيه في جيب بنطاله، نظر إلى أريب ثم إلى شقيقته وأخيرًا زوجته التي تبتسم له، تحدث بنبرة وصل مغزاها إلى كيان:
_ مقابلة! تاني؟
ابتسمت له ببلاهة وعلمت أن الحديث وصله من البداية.
بالنسبة إلى ريان كان أول شيء فعله بعد رؤية ذلك الصغير يقترب من طاولة عليها زوجته وشقيقته أن يطلب من بيجاد أن يخبره ما يتحدث به، كان على وشك التدخل وتحطيم وجهه ولكن تدخل أريب أعجبه، ولكن شقيقته لا تدع انتشائه يستمر، لتتدخل وبحماقة تورطه في لقاء لا يرفضه لأجلها، لأجل أن لا توجه لها كلمة مثل "أخيكِ لا يهتم بما تقولين" فتحزن.
يجب عليه أن يأخذ موقفًا جادًا ويوقفها عن هذا.
***
تركت أخيها تتحرك ناحية الفتيات من جديد، الحفل ممل وغرفتها ليست بمختلفة، نظرت إلى باب القاعة بتفكير قبل أن تغير خطواتها نحوه، أخرجت هاتفها مرسلة إلى أختها بأنها ستقف في الخارج قليلًا لاستنشاق الهواء، زفرت بقوة وابتعدت قليلًا عن الحفل، ظلت واقفة تنظر أمامها بشرود، تريد فعل شيء يغير روتين حياتها التي لم تختلف حتى بعد شفائها.
_ بيجاد، أنا بالأساس جيت علشان ريان وعلشانك، إنما لو عليا مكنتش عايز أسيب شغلي وأتلهي في الهبل دا.
دفعه بيجاد من كتفه قائلًا بسخرية:
_ أنت مدمر المتعة.
ثم مال عليه هامسًا تحت نظرات ريان الساخرة:
_ خمس دقايق ورن عليا وأنقذني من الجو دا.
_ مفيش واحد منكم هيروح لمكان لبعد ما الحفلة تخلص.
زفر بيجاد بغيظ ليقول هشام مبتعدًا عنهما:
_ هخرج شوية.
لم ينتظر ردًا وتحرك إلى الخارج يحرر بداية قميصه، لا يرتدي ربطة عنق ليتخلص منها مع شعوره بشيء يلتف حول رقبته يتسبب في خنقه، تحرك بعيدًا عن الحفل، رفع رأسه عاليًا يأخذ أنفاسًا باردة هامسًا لذاته بسخرية:
_ إي المقرف والخنيق في تجمعات كلها أفاعي وحرباويات، تفاعل يا هشام وبلاش انطوائيتك دي.
زفر بقوة ليلفت نظره وقوفها بمفردها، نظر حوله ليجد مقهى على مقربة منه، ابتاع منه كوبان وتوجه ناحيتها، وقف أمامها يناولها الكوب، ونسي أن يبتسم ليبدو وكأنه مرغمًا على ما يفعل.
رمقته آية باستغراب قبل أن تشكره آخذة منه الكوب تنظر لمحتواه بفضول ودفء الكوب يتسرب إلى يدها، وقف هشام بجانبها مرتشفًا من قهوته ثم سألها بهدوء:
_ سبتي الحفلة لي؟
تحدثت آية بصوت خافت، تستعد لأول تجربة لها مع القهوة:
_ مُملة، و... مصطنعة.
همهم بصمت بينما آية تشجعت لارتشاف أول رشفة من كوبها، وما إن استقر بفمها حتى خرج صوتًا مستغيثًا منها، ابتلعتها مرغمة بوجه تقزز، نظر لها هشام مضيقًا حاجبيه، قائلًا:
_ مش بتحبي القهوة؟
تحدثت آية متخذة قرارًا في نفسها أنها ستكتفي بتدفئة يدها:
_ أول تجربة والأخيرة.
ابتسم هشام مرددًا:
_ ممكن مش بتفضلي السادة، جربي ميكس أو زيادة ممكن تعجبك.
نفت قائلة:
_ لا، الظاهر إني مش من محبي القهوة، بس عمومًا شكرًا.
نظر لها بجانب عينه مضيقًا بين حاجبيه قائلًا:
_ شكرًا لاكتشافك عن طريقي عدم حبك للقهوة!
نفت آية برأسها مبتسمة قائلة بهدوء:
_ لا، على الوَنَس.
نظر لها مبتسمًا، هز رأسه بخفة ولا يدري، أيخبرها أنه هو من استأنس بها أم هرب إليها من ضيق كاد يخنقه، ولكن بالأخير... ولأول مرة يبتسم دون تصنع أو ليتجنب _كما يفعل مع كيان_ حزنها لأنه لا يبتسم في وجهها.
***
بعد انتهاء الحفل وفي وقت متأخر من الليل، استيقظت وهي تشعر بجفاف كبير بحلقها، التقطت زجاجة المياه لتراها فارغة، زفرت بحنق وهي تترجل من على الفراش بنعاس، خرجت من غرفتها وهبطت الدرج وهي تستند على الحائط بسبب شعورها برغبة كبيرة في العودة إلى النوم، دلفت إلى المطبخ لتأتي بماء يزيل ذلك الجفاف الذي اجتاحها فجأة.
خرج من غرفته وتوجه إلى الدرج ليهبط بهدوء مقررًا الخروج وقد جافاه النوم، توقف وهو يرى إضاءة خافتة آتية من المطبخ، عقد حاجبيه متحركًا باتجاهه بخطوات هادئة، وقف أمام مدخل المطبخ وبسبب الظلام وأنه كان يرتدي الأسود لم يظهر من الظلام، ابتسم بسخرية ومال مستندًا بكتفه إلى الحائط ينظر إلى ذلك الجسد الصغير يقف أمام الثلاجة التي تكاد تختفي خلف بابها الكبير، ظل ثابتًا بمكانه دون أن يتحرك أو يصدر صوت يدل على وجوده، فقط يتابعها بعينيه.
انتهت من ارتشاف الماء والتفتت لكي تخرج ولكن تصنمت مكانها بخوف وهي ترى أعين ذهبية مضيئة تنظر لها بقوة، نظرت جيدًا ولكن لم ترَ أحد لا ترى سوى تلك الأعين وكأنها تطوف في الهواء كما صور لها عقلها الراغب في النوم، ابتلعت ريقها بخوف وها هي تشعر بجفاف حلقها مرة أخرى حتى بعدما تجرعت تلك الكمية الكبيرة من المياه.
مد ذراعه وفتح ضوء المطبخ ليراها وهي تنظر له برعب ثم تحولت نظراتها إلى حدة وسخرية.
أردفت أريب بحدة:
_ أنت بتتطفل على أي حد ولا متعمد؟
هتف أيهم ببرود وهو يربع ساعديه ومازال متكئًا على حائط المطبخ بكتفه:
_ كنت بشوف مين القطة اللي دخلت المطبخ في الوقت دا.
رفعت أريب يدها واضعة كفها الصغير على جبينها لتهدئة نفسها تكبح رغبة في سبه ورمي أي شيء ثقيل على وجهه، ليقول أيهم بسخرية لا تساعدها البتة:
_ متوقعش إن القطة... هي جنية قصيرة بتحب تلعب في النار.
تفتفت أريب من بين أسنانها:
_ نار تولع في شعرك يا أبو طويلة أنت، ابعد عايزة أمشي.
تحدث أيهم ببرود وهو من يقف أمام مدخل المطبخ:
_ محدش مانعك.
اغتاظت من بروده وتحركت بغضب ظهر على حركات جسدها لتمر من جواره ولكن كان لتوازها رأي آخر وكأنه يتعمد إحراجها أمام هذا اللئيم، شهقت ما إن اختل توازنها ولحسن حظها أو لسخريته كانت قد اقتربت منه ليمسك بها بسرعة محيطًا خصرها يمنع ارتطامها بالأرض كرد فعل سريع من جسده.
نظرت له أريب بأعين متسعة، قابلها هو بنظرات ماكرة، انحدرت عيناه على تلك البسمة الجانبية الخبيثة التي اعتلت شفتيه، نظرت له بريبة بينما هو غمزها بعينه تزامنًا مع تركه لها فجأة لتهشق مع شعورها بألم في ظهرها، رمقته بغيظ وغضب قبل أن تنهض عن الأرض صارخة به وهو ينظر لها مبتسمًا ببرود:
_ أنت... أنت حقير.
لثُم أمسكت طبق فاكهة أعلى المطبخ وألقته في وجهه ثم أطلقت لساقيها الريح في العودة إلى غرفتها، بينما وقف أيهم بصدمة وهو ينظر إلى الفاكهة التي ضربته بها قبل أن يبتسم ساخرًا، محركًا رقبته متوعدًا لها بالويل.
رواية الطبيب العاشق الفصل الثاني عشر 12 - بقلم منة جبريل
"بِكَ نَسْتَعِينُ، فَأَعِنَّا"
إي رأيكم نلعب مصارعة ملاكمة بما إن الذئب هنا؟
تحدث أيان بحماس مقترحًا ما جعل بيجاد ينزوي داخل مقعده وهو ينظر إلى ريان بريبة، لتقول ليان مؤيدة اقتراح أخيها:
أنا موافقة.
أكيد موافقة طالما برا حدود المشاركة.
تمتم بيجاد بسخرية لتسأل أريب بفضول:
مين بيلعب مصارعة ملاكمة؟
هتف حسين بضحك:
ما شاء الله، الكل بس معانا واحد بطل الملاكمة بجوائز.
أردفت حوراء بذهول:
بجد... مين؟
أردف عامر بابتسامة جميلة هادئة:
جوزك، هو حصل على المركز الأول في الملاكمة من سنين وبعدها بطل يشارك واتلهى في شغله.
نظرت حوراء إلى ريان بصدمة مردفة بدهشة:
بجد؟
أومأ لها ريان لتقول عابسة:
ولي مقولتش ليا عن حاجة زي دي قبل كدا؟
مجتش فرصة يا فاتنتي.
هتفت أريب بحماس:
طيب يلا ابتدوا بس فين هتعملوها؟
أردف الكيلاني وقد نهض عن مقعده، يبدو أنه متحمس مثلهم:
في حلبة هنا خصيصًا لأحفادي.
نهض بيجاد وأردف بمرح:
توكلنا على الله بس أنا عندي شرط.
قال عامر وبدأ الجميع في التحرك لساحة خلفية للمنزل:
شرط إيه؟
تنهد بيجاد قائلًا:
وبسبب ذكريات مستشفى سيئة بسببه، أنا مستحيل ألعب ضده.
أشار ناحية ريان الذي كان منشغلًا في مراضاة زوجته التي تتدلل عليه كونه أخفى عليها شيئًا كهذا.
أبدل الرجال ملابسهم لأخرى مريحة ورياضية بأذرع عريضة تكشف عن عضلات أجسادهم القوية مع فارق بسيط بين كل منهم.
جلس ريان على مقعد بثقة وجاء هشام وبيجاد وغيث وأيان وأيهم أيضًا وجلسوا على المقاعد المحددة لهم.
عامر والكيلاني وحسين ومصطفى يجلسون فقط ليشاهدوا المباراة وبجانبهم إياد الذي لم يشارك بسبب عدم معرفته لقوانين هذه اللعبة.
وبجانبهم سميرة وليلي وعبير.
وكانت هناك غرفة في قصر الكيلاني تطل نافذتها الكبيرة على مكان الحلبة، وكانت في هذه الغرفة حوراء ومعها ليان وكيان وأريب وآية.
بدأ عامر في الحديث وهو يجلس مكانه متحمسًا:
هنبدأ بـ بيجاد وأيان.
وقف بيجاد بهدوء ونظر إلى أيان الذي قال متصنعًا الحزن:
شيء غير عادل بالمرة، أنا مش ظابط مخابرات زيه يا عمي.
ضحك بيجاد ووقفا في منتصف الحلبة، بدأت الملاكمة بين بيجاد وأيان الذي سحب نفسًا عميقًا وأسرع ناحية بيجاد ليسدد له لكمة، ولكن سبقه بيجاد بلكمة سريعة أسقطته أرضًا ولم ينهض.
هل قلت بدأت الملاكمة! لأنها في الحقيقة انتهت قبل ذلك.
تعالت قهقهة حسين على ابنه قائلًا:
ولا أعرفهن.
نظر بيجاد من علياه إلى ذلك الواقع أرضًا قائلًا بسخرية:
إيه؟ بس كدا؟
حوراء مش هتشوفه.
سألت كيان حوراء التي تجلس على الفراش ترفض رؤية لعبة عنيفة كهذه، هزت حوراء رأسها بلا.
تابعت بقية الفتيات المباراة.
تعالى صوت عامر الضاحك بصخب على أيان الذي يسير متحسسًا الطريق أمامه كالأعمى:
خلاص يا أيان يا ابني خلصت جولتِك.
تنهد أيان براحة وسار بطبيعية إلى مقعده، لينظر له بيجاد بسخرية.
لينعلو صوت عامر مجددًا:
الجولة التانية بين هشام وغيث.
نهض هشام وغيث وتوجها إلى الحلبة، ليبدأ غيث بالهجوم أولًا على هشام وكان كل منهما يلكم الآخر بقوة، وضع هشام يديه أمام وجهه متصديًا لكمات غيث ثم ركله في معدته ليبتعد غيث سريعًا بوجه متألم.
ثم بدأ هشام في تسديد اللكمات بسرعة لغيث الذي كان يتصدى لها بمهارة.
ثم قام غيث بلكم هشام بقوة في وجهه تراجع هشام على أثرها عدة خطوات، رفع هشام كف يده يتحسس جانب شفتيه ليجد دماء فقرر أن ينهي هذه اللعبة ليركض باتجاه غيث بسرعة ويلكمه في وجهه بقوة ثم معدته تليها التفاف قدمه حول قدم الآخر ليقع غيث أرضًا وهو يمسك أنفه الذي بدأ في النزيف.
وضعت ليان كف يدها على فمها وهي تراه ينزف تشعر أن قلبها توقف عن النبض ولكن هدأت عندما رأته ينهض وهو يبتسم إلى هشام.
أردف غيث بابتسامة هادئة:
مفيش داعي للاعتذار عن همجيتك.
مكنتش هعتذر.
قالها هشام مبتسمًا وقد انتهت الجولة بفوزه، وجلسا مكانهما.
شعر غيث بشيء يرتطم بوجهه، وكانت منشفة ألقاها له هشام ليسمح بها دماء أنفه.
تحدث عامر مبتسمًا:
ريان... خصمك هو أيهم.
قلق الجميع من هذه المباراة فهم يعلمون أن هناك مشكلة بين هذين الاثنين ولكن لا يعلمون ما هي، ولكن ما يريدونه الآن هو أن تمر هذه المباراة على خير.
سمعت حوراء ما قاله عامر لتنهض بهدوء وتقترب من النافذة بتوتر وهي تنظر إلى الأسفل لترى ماذا سيفعل زوجها.
نهض ريان وأيهم وتوجها إلى الحلبة بدون النظر إلى بعضهما، لم يتحرك ريان من مكانه خطوة واحدة وكان يطالع أيهم ببرود.
أما أيهم فكان يطالعه بخبث وأردف بصوت منخفض ساخر، لا يسمعه سوى ريان:
قدر نقول إن دا وقت الحساب يا.. ابن عمي.
أجابه ريان ببرود:
أنت عارف إن مفيش بينا حساب، وأنا قولتلك اللي فيها وأنت مُصِر أنك متصدقش، وبتتهمني أنا في كل اللي حصل.
زمجر أيهم بغضب:
لإنك السبب.
ثم ركض بإتجاه ريان بسرعة البرق ولكمه بقوة ولكن تفاداها ذلك الذئب بمهارة وسهولة، بدأ أيهم في توجيه اللكمات بينما الآخر كان يتفاداها ببرود ومهارة.
كانت حوراء تراقبهما من الأعلى برعب.
اشتعلت أعين أيهم بالغضب وبدأ كل شئ ينعاد أمام عيناه من ألم وفقد، لمعت عيناه بجحيم غاضب، وبدأت لكماته تزداد سرعة وقوة وكأنه لا يريد سوى تحكيم وجه الواقف أمامه.
بينما ريان كان ينظر له بغموض وهو يتفادى لكماته بسرعة ومهارة ولكن أتت لكمة سريعة من ذلك الأيهم وكادت أن تصيب وجه ريان لولا قبضته التي أمسكت بقبضة أيهم بقوة مانعة إياها الوصول إليه.
شعر أيهم بالغضب لأنه لا يبادله اللكمات، لا يريد تهاونًا، اقترب منه هامسًا بنظرات مشتعلة ونبرة تقطر خبثًا:
خليني أقولك سر بيني وبين يا ابن عمي، جامدة.
عقد ريان حاجبيه بعدم فهم قبل أن يرى أعين أيهم تنحدر إلى الأعلى بخبث ثم عاد له يغمزه.
قمت عيناه وبرزت عروق رقبته وكور قبضته بقوة حتى ابيضت.
لم يكن بحاجة للنظر إلى ما نظر إليه ليفهم مقصده.
ابتسم أيهم بخبث عندما لاحظ نجاح خطته التي يبدو أنها أسوأ خطة قد قام بها في حياته، تلقى لكمة قوية وقاسية في فكه جرحت جانب فمه وأدارت رأسه للجانب الآخر، وما كاد يعتدل حتى باغته ريان بلكمة أقوى وكان الأمر بعيدًا كل البعد عن اللعب والمرح!
بدا ريان وكأنه وحش مخيف، لا يرى أمامه إلا تصفية دماء حقير تجرأ ونظر إلى زوجته، سدد وأصاب لكمات قوية وعنيفة إلى أيهم الذي كان يصد واحدة بيده وتلقى الأخرى وجهه بسبب سرعة ريان المخيفة.
ابتعد أيهم عن ريان وابتسم بشر ومسح أنفه الذي بدأ بالنزيف، ثم ركض إلى ريان مجددًا موجهًا قبضته في لكمة قوية إلى ريان الذي أمسكها بسهولة، ليباغته أيهم بقدمه ويركله في معدته بقوة ثم قام مستغلًا تراجع ريان بلكمه في وجهه بيده الأخرى.
كشر ريان عن أنيابه ولم يعد ريان أبدًا بل أصبح ذئب جائع يريد الفتك بفريسته والتي لم تكن سوى أيهم!
نهض الرجال بقلق وهم يرون أن اللعب تحول إلى شجار عنيف بينهما، كان من الخاطئ منذ البداية وضع البارود بجانب النار، ليمونا الآن انفجار كارثي.
بينما الفتيات يشاهدن بقلق وبدأت كيان في البكاء، عدا تلك الأريب التي كانت تطالعهما بتسلية وتشفي في ذلك البغيض.
أما هي فكانت ترتجف من الخوف وهي ترى ريان ولأول مرة في هذه الحالة.
ولم تستطع التحمل أكثر لتركض خارج الغرفة مقررة إنهاء تلك اللعبة العبثية.
ركض الرجال إليهما ليفضوا بينهما ولكن كان الأمر أشبه بإلقاء جسدك أسفل عجلات قطار، فالأول كان الشر والكره يعمي عيناه، والثاني كان الغضب والغيرة هما المسيطران عليه.
تلقى هشام وبيجاد الكثير من اللكمات من صديقهما الغاضب وهما يحاولان إبعاده عن أيهم.
أما أيان وغيث وإياد أيضًا تلقوا الكثير من الضرب من ذلك الأيهم الذي كان يرفض أن ينتهي الأمر إلا بقتل أحدهما.
وقفت حوراء بعيدًا عنهم قليلًا، تنظر لهم بخوف قبل أن تركض ناحيتهم بغباء منقطع النظير وشجاعة لا يمتلكها إلا الأحمق، تتحرك باتجاه ريان قائلة بخوف ظنًا منها أن صوتها الرقيق الخائف سيكون له تأثير ساحر على ذلك الغاضب المخيف:
ريان، اهدأ، علشان خاطري كفاية.
نظر لها هشام بسخرية، هل تظن نفسها مخدر؛ لأن ذلك ما هو بحاجته الآن، بينما صاح بها بيجاد وهو يشعر بجسده يدفع ناحيتها من زوجها الذي يصر على الوصول وتحطيم جمجمة أيهم وفقأ عينيه التي نظر بهما إليها:
ولما تجيكي ضربة تفقدك الذاكرة دلوقتي؟!!
هزت حوراء رأسها بالرفض واقتربت أكثر من ريان، أمسكت ذراعه وهي تثق أنه لن يلحق بها الأذى، سيهدأ ثورانه وسيخفت غضبه.
صرخت بفزع وألم عندما حصلت على دفعة قوية من ريان الذي لم ينتبه لها، لتسقط أرضًا وازداد صراخها وهي تمسك بيدها.
كبت هشام ضحكته بينما إياد سقط قلبه وهو يراها واقعة أرضًا، ركض نحوها يسألها بقلق وهو يمسك بيدها ليفحصها:
أنتِ بتعملـ
توقف فزعًا وهو يستمع لصرختها القوية وهي تسحب يدها بعيدًا عنه.
تصلب جسده وتوقف عن الحركة وهو يستمع إلى صوت صراخها المتألم، نظر بجانبه ليراها واقعة أرضًا وإياد بجانبها وهي تصرخ بألم.
حاول فك أذرع هشام وبيجاد ولكنهما ظنا أنه ما زال في حالة ثوران غضبه ليحكما القيد عليه وبيجاد يصرخ به بغيظ:
والله يا متخلف أنت لو ما هديت وبطلت تسمع أفلام أكشن كتير لكون متخلص منك ومن عمايلك السودا دي.
دفعهما ريان بغضب وغيظ منهما وتحرك بسرعة ناحيتها بقلق كاد يقتله، أمسك بيدها ليتركها بسرعة ما إن صرخت بشكل أقوى، ليحملها بحذر وتحرك بها بسرعة ناحية غرفته ليفحصها، يخشى أن يكون كسرًا وهو السبب به.
أما في الأسفل هدأ أيهم وهو ينظر إلى الجميع حوله بغضب ثم تركهم ورحل، تبعه غيث بتعب، ليتبع الآخرون ريان لكي يطمئنوا على حوراء وأيضًا الفتيات ركضن بقلق ليروا ما بها.
صرخت بألم تبعد يدها عن يداه الفضولية:
متلمسهاش، بتوجعني.
زفر ريان بقوة ولا زال جسده مشدود كالوتر دلالة على غضبه:
استحملي لحد ما أشوفها.
نفت برأسها تبتعد عنه بحذر، ليتنهد بقوة ماسحًا على وجهه ثم قال من بين أسنانه:
بلاش تخليني أتعامل معاكِ بالطريقة التانية، كان لازم تعملي فيها بطلة وأنتِ شايفة رجالة بتطحن!
أنا خوفت عليك وكنت عايزة تهدأ.
قالتها بغضب وحزن، هل يلومها الآن لأنها حاولت تهدأته؟ كم هو ناكر للجميل!
تنهد ريان وأومأ لها ممسكًا بيدها برفق قائلًا:
أنتِ أحلى بطلة بس متعمليش كدا تاني.
تنهد براحة عندما علم أنه ليس كسرًا، أسند يدها برفق على الفراش ثم نهض وأحضر علبة الإسعافات واخرج الشاش الطبي ثم نظر إلى إياد الواقف بجانب الفراش مع شقيقتيه ينظران لها بحزن وقلق.
أشار له ليقترب منه إياد، ليهمسه له تحت نظرات حوراء المرتابة:
امسكها لحد ما أخلص.
أومأ له إياد ثم جلس بجانب شقيقته واحتضنها تحت تململها وشعورها بعدم الراحة.
نظرت بريبة ورعب إلى ريان الذي أمسك بيدها التي تؤلمها وهي تشعر بتشديد عناق إياد لها، وهنا أدركت أنه لا يعانقها بل يـ
وقبل أن تكمل تفكيرها لتأخذ إجراء الحذر منهما أطلقت صرخة قوية ما إن قام ريان بتحريك يدها بسرعة ليصدر صوت شعرت أنه كسر عظامها، ثم قام بلف الشاش الطبي سريعًا على يدها وفور انتهائه سحبها من بين ذراعي إياد ليسجنها بين ذراعيه مردفًا بحنان لم يتحلى به منذ لحظات:
فدايا، فدايا، ولا يهمك.
تشنج وجه حوراء باستنكار وألم، بينما نهض إياد بهدوء وغادر مع شقيقتيه.
وفي الأسفل همس هشام إلى بيجاد بسخرية:
شوفتها وهي داخلة بدرع وسيف.
في المساء ترجلت الدرج مقتربة من تجمعهم، ابتسمت تلقي عليهم التحية ثم جلست بجانب أخيها قائلة:
التجمع العائلي فعلًا مليان دفء ومـ
قبل أن تكمل كلمتها أتاهم صوت ريان يقول بحدة وسخط:
أنا مستحملكم بالعافية فبلاش تختبروا صبري.
نظرت نحوه مبتسمة ببلاهة مكملة حديثها الذي قطعه زوجها ببساطة:
ومحبة.
دفعه أيان من كتفه متحركًا ليجلس بجانب شقيقته بغيظ مرددًا:
عديم نفع ومنفعة، امال قارفني بريان ريان، ومن طلب بسيط تعمل كدا.
رقم ريان بحدة ثم ابتسم لزوجته مقبلًا جبينها قائلًا:
لولا ابتسامتك دي ما كنت فضلت هنا دقيقة.
لإن شاء الله يا ريان؟ اعتبرنا عيلتك حتى!
تحدثت ليان بسخرية ليقول ريان بهدوء:
أنا راجل ليا شغلي وأولوياتي... واللي أكيد أنتوا....
على رأس القائمة.
تحدثت حوراء بسرعة مبتسمة باتساع وبلاهة، نظرت إلى زوجها تحذره من أن يقول عكس ذلك، ولكن ريان ابتسم لها ثم أكمل حديثه:
لا يا روحي، بس لو هنعتبر رأس القائمة العشر الأوائل... فممكن.
تحدث حسين ساخرًا:
فيك الخير والله.
أومأ له ريان بهدوء وكأنه يخبره أنه يعلم.
تحدثت أريب ضاحكة:
بحب صراحة ريان، أنا بشجعك.
غمزها ريان بعينه ثم تحرك ليجلس بجانبها هامسًا لها:
احذري، لإن العيلة هنا بيحبوا المجاملة والنفاق، يعني هتقوليلهم إنك مش طايقة حد فيهم في وشهم يعاتبوكِ، أنك لو خليتي شعورك جواكِ كان أفضل.
تشنج وجه أريب قائلة:
بس لو خبيت شعوري هتضطر ابتسم في وش الشخص دا وأنا مش مجبرة.
الله ينور عليكِ، شكلنا هنتفق أوي يا ريب.
رفعت حاجبيها تنظر له قبل أن تضحك بمرح، لتسقط عيناها على ذلك الذي دخل لتوه لتنمحي بسمتها وتتجهم ملامحها بضيق.
هاصتًا من نظراته، اتسعت عينها من وقاحته ما إن غمز لها بعينه لتنهض قائلة بهدوء:
طيب، تصبحوا على خير يا جماعة.
إذا حضرت الملائكة.
تحدث ببرود مبتسمًا وهو يقف أمامها يطالعها بخبث، لتنظر له قائلة ببسمة تهكمية:
طيب جناحك بقى عايزة أعدي.
تنحى أيهم جانبًا واضعًا ذراع خلف ظهره والأخرى يمدها وكأنه نبيل يسمح لسيدة بالمرور أولًا، قلبت عيناها وتحركت لتسمع همسه ما إن مرت من جواره:
نوم الهنا يا... جنية.
جنية تخبطك، ثقيل.
ابتسم بجانبية يسمع همسها الساخط وهي ترحل، لينظر لهم خاصة إلى ريان الذي يتجاهل وجوده تمامًا، على عكس زوجته التي تطالعه بهدوء وعيناها تعكس أسئلة كثيرة بداخلها، ليقول ساخرًا:
منورة والله، وصدقيني مش تعبير مجازي.
تحدث ريان دون النظر له بهدوء يحاول الحفاظ عليه:
أمك ولا إيه؟ لا مؤاخذة يا لي.
ليتحدث حسين ضاحكًا وهو يضم كتف ليلى بحب، يخفف حدة الأجواء التي يتسبب فيها ابنه:
ولا يهمك، لأنها منورة فعلًا.
ابتسمت له بخجل لينظر لهم أيهم مبتسمًا ببرود قبل أن يتحرك مغادرًا، ليزفر الكيلاني قائلًا:
اتكلم مع ابنك يا حسين، أو أنا اللي هتكلم معاه بس بطريقتي.
حاضر يا بابا، بلاش تعصب نفسك وتهتم.
نهض ريان قائلًا:
تصبحوا على خير.
صمت ما إن تعلقت ليان بذراعه قائلة:
خليك معانا شوية كمان.
الوقت اتأخر يا ليلى.
زمت شفتيها وهي تعانقه بعبوس قائلة:
مش بشوفك ولا بقعد معاك كتير رغم أنك هنا.
ابتسم يبادلها العناق مرددًا بهدوء:
بكرة إن شاء الله.
ابتعد عنها وكاد أن يمسك بكف زوجته التي تقف تطالعه بوجه متجهم لم يلاحظه.
ابتعدت بخفة عنه وابتسمت للجميع تيتأذنهم قبل أن تتحرك إلى غرفتها تحت نظراته المتعجبة، تحرك خلفها صاعدًا درجات السلم قائلًا:
حوراء استني.
تعجب تجاهلها له ليدخل الغرفة مغلقًا الباب خلفه ليراها تنزع حجابها ليظهر له شعرها والذي يتعجب طوله في كل مرة يراه فيها، يقسم أن أطرافه تلمس الأرض خلفها، والليل غفا به، راقبها بتشنج وهي تندثر بالغطاء توليه ظهرها.
ماذا فعل؟
تحرك ناحيتها قائلًا بعدم فهم لتصرفاتها المفاجأة:
حوراء، مالك؟ حصل إيه؟
لو مهتم كنت عرفت يا ريان، سيبني عايزة أنام لو سمحت.
لو مهتم؟ أنا كنت جنبك ومعملتش حاجة، إيه سبب أفعالك دي؟
نظرت له بحدة قائلة:
أفعال إيه؟ ضربتك ولا هزأتك؟ لا، أفعال إيه دي اللي بتتكلم عنها يا ريان.
تشنج مستنكرًا، قائلًا مشيرًا على نفسه يرمقها بغيظ:
تضربي وتهزأي! مالك يا بت، اتعدلي واتكلمي في إيه؟
بت واتعدل علشان أكلمك! لي كنت مين؟
جوزك.
وبعد المعلومة دي عايز إيه؟
مسح ريان على وجهه متحكمًا بغيظه، قبل أن ينظر لها ليرى نظراتها والضيق جلي على ملامحها، ليجثو أمام الفراش قائلًا بحنان:
أنا أقرب لك يا فاتنتي، ممكن أعرف أنا غلطت في إيه علشان يصيب القمر الخسوف؟
أنا مش بسمح لأي راجل يلمسني غيرك أنت وإياد.
عقد حاجبيه مهمهمًا، لتكمل بحزن ممزوج بنبرة غاضبة:
بس أنت بتحضن من هب ودب من النساء يا ريان، وأنا مستاهلش دا، أنت المفروض تحافظ على نفسك نضيف علشاني، أنت مش على راسك ريشة علشان تاخدني نضيفة وأنا آخدك وأقبلك بـ...
توقفت زافرة بقوة وقد خرج الحديث دفعة واحدة منها مع شعورها بازدياد اشتعال صدرها، ليقول ريان ساخرًا:
بـ إيه كملي، والله ما أنتِ مكسوفة وهتقولي كل اللي في قلبك، يعني جات عليها، قولي بـ.
رقمها بغيظ صائحة:
متتريقش عليا، ولا تحاول تغلطني بسبب كلام خرج من غضب أنت سببه.
ابتسم ريان وهو ينظر لها بصدمة ابتسامة كبيرة أظهرت صف الآلئ خاصته.
أكملت حوراء بغضب وهي تتراجع إلى الخلف:
أنت بتضحك؟ هو أنا بقول حاجة تضحك! أنت مستفز على فكرة.
مال عليها هامسًا بمكر:
بتغيري عليا.
عقدت حاجبيها قائلة بتلعثم:
لا، لا طبعًا وهغير لي إن شاء الله.
ثم أكملت بتهرب وهي تحاول الاندثار أسفل غطائها ليمنعها وهو ينظر لها بمكر:
ابعد، عايزة أنام.
أردف بهمس عاشق:
حاضر، مش هحضن غيرك.
نظرت له بخجل ورضا وقد هدأت ثورتها، لتردد بخفوت:
طيب تصبح على خير.
رجع خصلات شعره إلى الخلف وهو يتنهد بحرارة وقلبه يرفرف من السعادة فالظاهر أنها بدأت تشعر بالغيرة عليه والغيرة لا تأتي إلا بعد حبه.
نيئًا لك ريان.
تمدد جوارها ساحبها داخل أحضانه وهو يردف:
خيري فيكِ يا فاتنتي.
ابتسمت بخفة واقتربت منه تزداد تعمقًا بين ذراعيه.
أغمضت عينيها وهي تشعر بدفء يتغلل بداخلها وهي بجانبه لتذهب في نوم عميق، أما هو فظل مستمتعًا باحتضانها وهو يحمد ربه كثيرًا بداخله ويدعوه أيضًا على أن يديمها له وأن تعشقه مثل ما يعشقها هو، يعلم أنها لو أرادت لن تصل إلى مرحلة حبه لها ولكن لتبادله القليل من عشقه الذي هو يعشقه لها.
في صباح اليوم التالي، هبطت الدرج بهدوء وهي تعبث بهاتفها ولم تأخذ بالها من ذلك الذي يقف أمامها وهو يوليها ظهره لتصطدم بظهره بقوة ليلتفت الآخر سريعًا بعدما شعر بجسد ما يرتطم بظهره ويمسكها مانعًا سقوطها لتلتقي زرقاوتيها بعسليتيه للحظات وهي تنظر له بفزع.
ولم تكد تستوعب أنها لم تسقط حتى ارتد جسدها إلى الخلف ما إن انتفض مبتعدًا عنها وكأنها مرض ما، يوليها ظهره ينظر أمامه قائلًا بجمود يواري به حرجه:
عفوًا.
هل يعتذر لأنه أمسك بها؟
رمقت كيان ظهره بتعجب وخجل، لتقول بهدوء:
أنا آسفة، مأخدتش بالي.
أجابها إياد بهدوء ويده تحك مؤخرة رأسه:
ولا يهمك المهم أنتِ كويسة؟
أردفت كيان بهدوء وخجل:
أيوا شكرًا.
أومأ إياد وغادر سريعًا دون التفوه بكلمة أخرى.
خرج من غرفة تبديل الثياب متزينًا بحلة سوداء رسمية، كان أثر وسامته ظاهرًا على معالم تلك البلهاء التي لمعت عيناها بإعجاب منبهرة، يا لحظكِ حوراء، زوجك وسيم ذو هيبة.
لتقول ببلاهة بأول شيء خطر ببالها:
لي بتلبس الأسود دايمًا.
أحاط وجهها بكفيه مبتسمًا قائلًا بحب وهو يتطلع إلى سوداوتيها النادرة:
عيناكِ جميلة جدًا لدرجة أني أختار لون ملابسي على لون عيناكِ.
تورّدت وجنتيها تنظر إلى رماديتيه الغريبة مباشرة، حسنًا! تعترف أنه جيد جدًا في انتقاء الكلمات مزينًا لها باللغة العربية الفصحى.
ابتعدت عنه تركض بسرعة إلى غرفة تبديل الثياب بخجل، ليضحك بيأس عليها ووقف أمام المرآة يعدل من خصلاته يكمل تزينه.
فور انتهائه رآها وهي تخرج لتتسع عينيه بلمعة عاشقة، مع اتساع ابتسامته تدريجيًا وهو يراها ترتدي ثوبًا من اللون الأسود مزين بخط أبيض وحجاب باللون الأسود أيضًا.
اقترب منها ببطء وهو ينظر لها بعشق شديد وضربات قلبه تزداد مع كل خطوة يخطيها للاقتراب منها.
لتقول مبتسمة بخجل:
يلا ننزل!
تحدث ريان وهو يقف أمامها، يرمقها بحب ينبض في عينيه:
هو أنا قولتلك إني بعشقك.
أمسك يدها مقبلًا لها بلطف ثم تحرك بها لينضموا للعائلة، زفر بضيق يتمنى انتهاء كل هذا سريعًا خاصة تجمعاتهم التي لا يحبها ويعود إلى قصره وعمله في أسرع وقت.
كانت كيان تقف أمام والدها وعمها مصطفى وهي تتحدث معهم بهدوء ليروا الذئب وملِكته يهبطون الدرج بهدوء.
أردف عامر بصوت منخفض:
سبحان الذي خلق فأبدع.
وقف ريان أمامهم بهيبته الطاغية ووقفت بجواره ملكته الهادئة التي ترمقهم بابتسامة هادئة.
صباح الخير.
هتف عامر ومصطفى بود:
صباح النور يابنتي.
أكمل عامر بمرح وحنان:
إي الجمال دا أنا هبدأ أحب الأسود.
ضحكت حوراء بخفة وبرزت غمازتيها وأردفت بمشاكسة هي الأخرى:
أنا ابتديت أحبك أنت.
ضحك عامر ومصطفى وكيان بينما ريان نظر لها بأعين تخرج شررًا ولاحظه والده ليردف بضحك:
إيه ياريان هتغير من أبوك؟
أردف ريان بهدوء عكس داخله ولكن بأعين غاضبة:
أنا بغير عليها من الهوا يا والدي.
وأكمل وهو ينظر لها بعينيه الحادة:
بس كل حدث وله حديث.
نظرت له حوراء بتوتر مبتسمة له بهدوء تخفي به توترها.
ليردف ريان وهو ينظر إلى شقيقته:
خارجة لمكان يا كياني؟
أومأت كيان بهدوء مردفة:
أيوة يا أبيه هخرج شوية أغير جو.
أومأ لها ريان قائلًا إلى حوراء بهدوء:
خليكي هنا مش هتأخر.
أومأت له حوراء بهدوء ليخرج هو وتتبعه شقيقته ووقف بشموخه المعتاد هاتفًا:
سليمان.
أتى سليمان بخطوات هادئة قوية، وملامح جامدة يقف أمامه بصمت، ليقول ريان بجدية:
رافق كيان في خروجها وخد معاك رجال حراسة تانيين، هي في حمايتك لحد رجوعها.
أومأ له سليمان متحركًا بصمت ليجهز السيارة وكم رجلًا آخر، لتقول كيان بهدوء:
مش لازم يا أبيه أنا هعرف أهتم بنفسي.
قاطعها ريان بنبرة لا تحمل النقاش:
لو رفضتي مفيش خروج.
التفتت كيان بسرعة:
لا لا خلاص وعلى إيه الطيب أحسن.
دلف مجددًا بعد رحيل شقيقته ليرى الجميع يجلس مع محبوبته ليتقدم منهم ببطء وجلس بجانب حوراء بهدوء مردفًا:
أنتم بتلحقوا تتجمعوا في ثواني.
أردف الكيلاني وهو ينهض:
تعالوا يا شباب نقعد مع بعض ونسيب البنات مع بعض.
نهض الجميع ينفذون حديث الكيلاني، وأردف ريان بهمس بجانب أذن حوراء قبل أن ينهض:
متسمحيش لحد يضايقك، اللي يرمي كلمة لفيها على رقبته، فاهمة يا حرمي المصون؟
أومأت له بتوتر لينهض هو مغادرًا، يتمنى أن تنفذ كلامه ولا تصمت كالبلهاء أمام كلمات جارحة يشعر أنها ستتعرض لها من شخص معين.
أردفت ليان بمرح:
ها هتنموا على مين؟
أردفت آية بضحك:
يا بنتي حرام عليكي مش معاكي غير النميمة.
هزت أريب رأسها بلا وهي تردف:
لا دي مش معاها غير النميمة على الناس وما شاء الله عليها لبلبة في النميمة.
أردفت ليان بتساؤل:
يعني إيه لبلبة.
أردفت أريب بضحك:
لبلبة، شاطرة يعني.
ضحكت الفتيات معًا عليها ليصمتوا عندما سمعوا صوتها البغيض وهي تردف موجهة حديثها إلى آية وحوراء:
عرفت أنكم كنتوا تعبانين، و لا مؤاخذة يعني عاجزين.
صدم الجميع من حديثها إلّا حوراء التي قص لها ريان عن بعض أفعال هذه المرأة قبيحة الداخل، تتذكر صدمتها وهو يخبرها عن رد فعلها مع ابنها الذي يخرج لأول مهمة له في عمله الخطير، وكيف قالت أنها تتمنى عودته محملًا على الأكتاف لأنه فقط رفض لها طلب لا يذكر ولا يستحق.
لتنظر لها بحدة قائلة:
المرض مش عجز دا بيكون ابتلاء واختبار للمسلم، ﴿إذا أحب الله عبدًا ابتلاه﴾، إنما العاجز بيبقى عاجز التفكير والعقل اللي بيبقى تفكيرهم جاهل وبيخبوا عيبهم بلسانهم زي لا مؤاخذة حضرتك، متزعليش من كلامي عارفة إن الحقيقة بتوجع دايمًا، بس تتوجعي مرة وتعرفي حقيقتك أحسن ما تفتكري إنك مش غلطانة فتأذي ناس كتير بكلامك وتفكيرك الجاهل.
نهضت سميرة واردفت بغضب وصوت مرتفع:
أنتِ ناسيه نفسك ولا إيه، أنتِ إزاي تكلميني كدا ولا لحقتي تتشربي قلة أدب جوزك.
نهضت حوراء ووقفت أمامها واردفت بثقة مقاطعة حديثها:
بيقول إذا كنت على حق فلا داعي لرفع صوتك، وأنا ولا ناسيه نفسي ولا الكلام الفارغ دا، ولو أنتِ مش عارفة أنا مين فأقولك أنا حرم ريان الكيلاني، واللي أكيد أظن أنك عارفة رد فعله هيكون إزاي لو عرف إنك بتكلمي مراته بالطريقة دي.
ابتلعت سميرة لعابها بخوف فهي اعتقدت أنها ستستطيع السخرية منهم وأنها لن تستطيع أن تتحدث بأي كلمة، ولكنها تفاجأت من قوتها التي ظهرت فجأة.
أكملت حوراء وهي تعود تجلس مكانها بثقة:
اتفضلي اقعدي رجلك هتوجعك من الوقفة وأنتِ في السن ده.
نظرت لها سميرة بغضب وحقد والتفت لكي ترحل وتقدمت خطوتين إلى الأمام ولكنها تسمرت مكانها عندما رأته ينظر لها بأعين من الثلج، نعم فهو استمع لكل شيء.
أردفت سميرة:
بيجاد.
أردف بيجاد ببرود صقيع:
أيوة واحمدي ربنا إن أنا بيجاد مش حد تاني وهكتفي إني أخليكي تعتذريلهم.
أنهى حديثه وهو يشاور بحاجبيه إلى حوراء وشقيقتها.
هتفت سميرة بغضب:
أعمل إيه يا عنيا؟ أنت إزاي تكلم أمك بالطـ
قاطعها بيجاد بزمجرة قوية:
إياكِ، إياكِ تقولي إنك أمي لأنك مش أمي يا سميرة ويلا بهدوء روحي اعتذريلهم وإلا مش هيعجبك اللي هيحصل أبدًا.
هتفت حوراء مسرعة:
يا بيجاد مفيش داعي لكده.
نظر لها بيجاد واردف بهدوء:
أنتِ مرات أخويا يعني زي أختي، ومسمحش لأي شخص أنه يغلط في أختي.
ثم نظر إلى سميرة واردف ببرود:
خمس ثواني لو معتذرتيش صدقيني هتندمي.
ظل ناظرًا لعينيها بقوة ورفع كف يده أمام وجهها ومع كل ثانية تمر يثني إصبع حتى تبقى إصبع واحد.
أردفت سميرة بسرعة وصوت منخفض:
آسفة.
أنزل بيجاد كف يده واردف ببرود:
أنا اللي قدامك مسمعتش كويس على صوتك.
أردفت حوراء بإعتراض ورجاء:
أستاذ بيجاد كفاية، لو سمحت.
نظر لها بيجاد وأومأ لها بابتسامة هادئة ثم نظر ببرود إلى التي تقف أمامه تطالعه بكره ورحل، لتنظر سميرة إلى حوراء بكره شديد ثم رحلت هي أيضًا.
جلست حوراء وهي غير مستوعبة الذي حدث وكيف حدثتها بهذه الطريقة بينما الجميع كان ينظر إلى حوراء بفاه مفتوح وعين متسعة بدهشة.
نظرت لهم حوراء واردفت بتساؤل من حالتهم تلك:
مالكم؟
صفقت أريب بقوة واردفت بسعادة:
لا بجد أنا مش مصدقة اللي حصل، حوراء خرستها بجد ولا أنا كنت بحلم بس كويس إنك أنتِ اللي اتكلمتي علشان أنا كان ممكن أجيبها من شعرها مش بالكلام بس ومش هيفرق معايا عمرها.
انفزع الجميع من صوت صفيرها واردفت ليلي بإعجاب:
أنتِ عملتي الصح يا بنتي.
أكملت ليان مؤكدة:
فعلًا كانت محتاجة حد يعرفها حقيقة نفسها مش غلط كلامها وأنتِ عملتي.
هتفت آية بحزن:
ولا فعل منهم كان صح، بس ربنا يهدي ويصلح الحال.
أردفت حوراء بهدوء:
يارب، وكفاية بقى أحسن ما ييجي ريان ويسمع الكلام ويحدث ما لا يحمد عقباه.
ضحكت الفتيات وظلوا يتحدثون معًا في أمور عدة.
خرج من المنزل وعيناه كتلة من الجليد فهو دخل إلى القصر لكي يجلب هاتفه ثم توجه إلى حديقة المنزل حيث هم جالسين وجلس بجانب صديقيه الذين علموا على الفور أن هناك شيء ما حدث حتى يتحول إلى هذا البرود الشديد.
أردف هشام بقلق:
في إيه يا بيجاد؟
نظر له بيجاد ثم نظر إلى ريان واردف ببرود:
مفيش.
نظر له ريان ثم نهض فجأة واردف بشك:
سميرة تاني يا بيجاد؟
أمسكه بيجاد من ذراعه وأجلسه مجددًا واردف ببرود:
لا سميرة ولا غيرها اقعد بس مفيش حاجة، متقلقوش.
لم يصدقه أيًا منهما ولكن قررا أن يصمتا حتى يأتي هو ويخبرهم ما في الأمر بنفسه إن لم يكتشفاه هما.
بعد وقت طويل مر بين حديث الفتيات وشاركتهم كيان بعد أن عادت من الخارج وحديث الشباب معًا ولكن كان عقل الذئب منشغل بصديقه وما حدث معه.
نهض ريان واردف بهدوء:
شوية وراجع.
ثم ذهب على الفور ولم يترك لأحد فرصة للحديث.
دلف بشموخه المعتاد إلى المنزل واردف بهدوء:
حوراء تعالي عايزك.
أومأت له حوراء واستأذنت من الفتيات وذهبت معه إلى الغرفة.
دلفت بعده بهدوء فسمعته يردف:
اقفلي الباب وتعالي.
نفذت ما طلبه منها ثم وقفت أمامه لينظر هو إلى عينيها بقوة واردف بهدوء مخيف:
حصلت حاجة وأنا مش موجود؟
توترت حوراء فهى لا تريده أن يعلم لأنها تعلم أنه لن يمرر ما حدث مرور الكرام أبدًا، لتقول حوراء بتوتر حاولت مداراته:
هيكون حصل إيه يعني! مفيش حاجة حصلت.
غضبت من نفسها من الداخل لأنها تكره الكذب، ليقول ريان بنفس هدوئه المخيف:
متأكدة؟
أومأت له ليكمل:
متأكدة يا حوراء؟
أردفت حوراء بهدوء مصطنع:
أيوا طبعًا متأكدة، لي في حاجة؟
نظر لعينيها التي تنظر إلى كل شبر في الغرفة عداه واردف بهدوء:
تمام روحي.
نظر له ليكمل:
روحي اقعدي مع البنات.
أومأت له بتوتر وذهبت وهي تشعر أن قلبها يكاد يتوقف، ظل ناظرًا إلى أثرها ثم تبعها إلى خارج ووقف أعلى الدرج واردف بهدوء:
ليان تعالي.
نظرت له حوراء بقلق ونظرت له ليان بتساؤل وأومأت له وذهبت إليه ليدلف إلى الغرفة وتتبعه هي.
أردف بهدوء وهو يجلس:
ادخلي واقفلي الباب وراكِ.
نظرت له ليان باستغراب ولكن نفذت ما أمرها به لتسمعه وهو يردف:
في حاجة حصلت وأنا مش موجود.
نظرت له بأعين متسعة واردفت بتلعثم:
حا... حاجة إيه دي؟
هتف ريان وهو ينظر لها بأعين ذئب حادة:
أنتِ عارفة يا ليلو، ها قولي أنا سامعك بس اعرفي أنك لو كدبتي هعرف.
نظرت له ليان بتوتر وهي تعبث بأصابع يدها ولا تعلم ماذا تفعل الآن فلا مفر منه فقررت إخباره بكل شيء.
وكما يقال من أول ضربة أدلى بكل ما بجعبته، ولكن هي ستفعل بدون الضربة حتى!
جلست ليان بجانبه واردفت بتلعثم تقص عليه ما حدث، وريان يستمع لها بأعين قتمت ونفرت أوردته بغضب مشتعل.
أردفت ليان بعدما انتهت بتوتر:
بس خلاص زي ما قولتلك حوراء مسكتتش وبيجاد خلاها تعتذرلهم.
أردف ريان بهدوء مخيف:
تمام، روحي.
نهضت ليان وتوجهت ناحية الباب بتوتر لتسمع صوته وهو يردف:
كان بيسألني على حاجات أنا محتاجها وأنه يساعدني في أي حاجة أنا عايزها وإني لو عايزة أشتغل أقوله وهو هيتصرف.
التفتت له ليان وهي تقطب بين حاجبيها بتساؤل ليكمل هو بأعين تنظر لها نظرات مخيفة:
دا اللي هتقوليه لو حد سألك كان عايز إيه وبالأخص حوراء.
ابتلعت ريقها بتوتر وأومأت له وذهبت أما هو فظل جالس وهو يحرك أصابعه على قدمه بحركة تناغمية ثم نهض وخرج بهدوء.
جلست ليان مكانها مجددًا لتنظر لها حوراء قليلًا ولكنها لم تتحدث رغم أن فضولها يأكلها من الداخل فسمعت صوت ليلي وهي تردف بسؤال كانت تريد طرحه:
ريان كانت عايزة إيه؟
أجابتها ليان بهدوء بنفس ما قاله لها ريان ليصدقوها على الفور وترتاح حوراء قليلًا.
ثم وجدته يهبط الدرج بقوة ثم نظر لها وابتسم لها ابتسامة صغيرة وخرج من المنزل لتطمئن هي وتظن أنه صدقها.
اقترب من الجالسين وهو يطالع بيجاد بنظرات نارية ولم يتحدث وجلس بهدوء وهو يضع قدمًا فوق الأخرى.
كاد بيجاد أن يتحدث ولكنه توقف عندما رفع ريان كف يده مانعًا من الحديث لينظر له بيجاد وهشام بدهشة كبيرة ليقررا الصمت الآن.
في المساء، تجلس بهدوئها المعتاد وعلى وجهها علامات التوتر من نظراته الحادة لها.
لو في حاجة عايزة تقوليها اتفضلي أنا كلي آذان صاغية بس مش لوقت طويل.
ابتلعت ريقها بتوتر واردفت بهدوء:
حاجة زي إيه يعني؟
هتف ريان بجمود:
الأحسن أنتِ تقوليلي، أنا مش هتكلم لمدة خمس دقايق وبراحتك.
ثم اتكأ إلى الخلف مستندًا على ظهر السرير وعقد ساعديه بهدوء وهو ينظر لها بهدوء يلعب على أوتار توترها.
ظلت ناظرة له بتوتر وتفرك يديها بقوة حتى احمر بياض يدها، كان يتابع حركاتها بهدوء وأعين حادة متفحصة.
قد مرت أربع دقائق ولم تتحدث إلى الآن فقط تنظر له بهدوء.
أوشكت الخمس دقائق على النفاد لتنقذ نفسها وهي تردف سريعًا:
ريان، بصراحة هو بعد ما مشيت طنط سميرة جت.
ثم بدأت تسرد له ما حدث وهي تنظر له بتوتر تخشى رد فعله.
استمع لها بكل هدوء وهو يسمع كلام ليان يعاد مجددًا ولكن هذه المرة من زوجته حوراء يعلم أنها لم تكذب في أي كلمة قالتها ولكن كان يريد أن تخبره هي أول شيء.
انتهت من الحديث لتراه ينظر لها بجمود ولم يتحرك إنشًا واحدًا ولم يتغير تعبير ملامحه سوى عينيه التي قتمت فعلمت أنه غاضب وبشدة.
أردفت حوراء سريعًا:
بس خلاص اللي حصل حصل و....
نظر لها نظرة أخرستها، ثم نهض واتجه إلى الدرج الذي بجانب الفراش واعطاها ظهره وأخذ شيئًا من الدرج ليلتف لها وهو يضع يديه خلف ظهره وهو ينظر لها بهدوء ثم أنزل يديه من خلف ظهره وعدل من وضعية سترته وخرج من الغرفة وهو يضع كفيه داخل جيبي بنطاله، لتتبعه هي سريعًا خائفة من هدوئه هذا، وهذا ما يسمى...
هدوء قبل العاصفة.
كان الجميع يجلس في الأسفل حتى ذلك الأيهم كان يجلس معهم وبجانبه صديقه الهادئ غيث.
توجهت الأنظار إلى صوت الأقدام التي تهبط الدرج بهدوء ليروا ريان وتتبعه حوراء ويظهر على ملامحها الخوف.
فهم ذلك الجالس كل شيء من نظرات حوراء لريان وهدوء صديقه أيضًا فهو تدرب على قراءة الوجوه في عمله.
لم ينظر إلى أي منهم سوى تلك الجالسة بجانب شقيقتها وشقيقها.
تخطاهم جميعًا ببرود ووقف أمامها ثم انخفض أمامها وجلس نصف جلسة، وهو يسند قدم على الأرض ويثني قدمه الأخرى ويسند ذراعه عليها وهو ينظر لها.
نظر له الجميع بدهشة بينما حوراء كانت تقف وهي تنظر له باستغراب ولما يجلس أمام شقيقتها.
أردف ريان بهدوء:
أنا بعتبرك زي أختي كيان، بس السؤال دلوقتي، أنتِ بتعتبريني زي أخوكي إياد؟
نظرت له آية باستغراب من حديثه ولكن أومأت له بهدوء مردفة:
أكيد!....
تحدث ريان بنفس هدوئه الذي يحافظ عليه بأعجوبة:
طيب، دلوقتي مثلًا في حد زعل أختي كيان، أنتِ عارفة أنا بعمل فيه إيه؟
هزت رأسها علامة على الرفض لينهض هو فجأة ثم توجه إلى والده عامر ووقف أمامه واردف بهدوء:
أنت تعرف أنا بعمل إيه في اللي يزعل أختي يا والدي.
هتف عامر باستغراب:
أيوا يا ابني أنت بتمحيه.
تحدث ريان بملامح بدأت تحتد بشكل مخيف:
صح يا والدي أنا بمحيه من على وش الأرض، وببساطة لأنها أخت الذئب.
كان يتحدث وهو يدور بعينيه على الموجودين وتوقف نظره على سميرة والتي ارتعد جسدها من نظرته الحادة.
توجه لها بخطوات بطيئة تجعلها تكاد تموت من شدة الخوف والترقب.
وقف أمامها ويديه في جيبي بنطاله واردف بغضب حارق:
سميرة، سميرة، سميرة، أنتِ غلطتي لما زعلتي أختي.
هتفت سميرة بخوف-أنا مزعلتش أختك ولا ق*ت منها، كيان مشوفتهاش غير دلوقتي من الصبح! ولا أنت عايز أي مشاكل وخلاص يا ابن عامر؟
رمقها بغضب ونبرة حادة:
أختي آية، والأسوأ تجرأتي على زوجتي، أنا بقول كفاية كلام لإني مبحبوش، اللي عايز بيعمل على طول.
أنهى حديثه وبلمح البصر كان يسحب من خلف ملابسه ما وضعه سابقًا تحت أنظارها التي شخصت وملامحها التي ملأها الشحوب، انتفضت الأجساد وتحفز البعض منهم وهم ينظرون إلى ما أخرى، والذي لم يكن سوى.
سلاح.!!
رواية الطبيب العاشق الفصل الثالث عشر 13 - بقلم منة جبريل
شهق الجميع وتوسعت أعينهم ونهضوا من مقاعدهم سوى ذلك الذي يجلس ببرود ويطالعهم بعدم مبالاة.
هتف مصطفى بغضب:
_ أنت إزاي ترفع السلاح على مرات عمك؟
ولم ينظر له ريان بل كان ينظر إلى تلك التي شحب وجهها وأصبحت كالأموات وهي تراه يوجه السلاح نحوها.
أصبح صدرها يعلو ويهبط بسرعة رهيبة، تطالعه بأعين شاخصة وعقل شُل عن التفكير.
اردفت حوراء بتلعثم وصدمة من ما يحدث:
_ ريان أنت بتعمل إيه... أنت مستحيل تعمل كده.
لم ينظر لها أيضًا وموجة غضبه تسيطر عليه.
وضع اصبعه على الزناد مستعدًا لإطلاق النار والجميع حوله يحاولون إيقافه، عدا بيجاد التي من المفترض أنها والدته، وإياد الذي جذب شقيقتيه خلفه واقترب ببطء.
صنم الجميع، وازدادت نبضات قلبهم، تسارعت وتيرة انفاسهم، تزامنًا مع صرخة من الفتيات عندما سمعوا صوت إطلاق النار.
أمال بيجاد رأسه ليرى ما حدث بسبب التجمع الذي أمامه.
وجد إياد أمسك بيده رافعًا له لأعلى مخطئًا الهدف.
نجحت سميرة في جعله يبغضها لأبعد حد، بل وينسى أنها أمه.
نظر ريان بأعين قاتمة إلى إياد الذي منعه من إصابتها بشكل ما.
إياد يرمقه بحاجبين معقودين ونظرات حادة، قبل أن يسحب السلاح من يده قائلًا بصوت جهوري حاد:
_ وربي لو تكرر اللي عملته ده بدون وجه حق، أختي مش هتشوف ضلها، بينك وبين مرات عمك مشكلة تتكلم فيها بعقل وتحلها وبلاش شغل إنك تستقوى على مرأة، عيب عليك.
أخذ ريان سلاحه منه قائلًا ببرود:
_ متدخلش في اللي لا يعنيك يا إياد، نقاشي أنا اللي أحدد يكون إزاي ومع مين، وبالنسبة لزوجتي فخلاص، أنك تفكر تبعدها عني ده في أحلامك ومش هتنجح.
ثم نظر إلى التي شحب وجهها وقال بنبرة تحذيرية مخيفة:
_ ربما تكوني نفدتي المرة دي، بس لحد امتى يا سميرة، أنا متأكد إن نهايتك هتكون بائسة لأبعد حد.
_ ريان احترم نفسك.
صاح بها مصطفى بحدة وانتفض جسده بغضب، ليقول ريان بنبرة جامدة:
_ لما تعرف تسيطر على مراتك تعالى اتكلم معايا يا... عمي.
_ ريـــان......
هتف بها مصطفى وهو يرفع يده ليصفع ريان، وقبل أن تصل له يده أمسكها ريان بقبضة قوية وتجهمت ملامحه بشكل مرعب، خرج صوته وكأنه من بقعة داخل الجحيم انعكس في عينيه:
_ كان ممكن أقطع لك إيدك اللي فكرت إنك ممكن ترفعها عليا ومكنش هيفرق معايا أنت مين بس هعديهالك علشان عارف إن الحقيقة صعبة عليك... وهكملك كلامي...
_ الحقيقة إنك فاقد سيطرتك على مراتك وهي اللي ممشياك يا ابن الكيلاني.
أنا هقولك، هي أهملته وكانت بتعذبه لو بكى علشان جعان أو عايز حاجة، هي رمته لمرات عمه علشان تربيه بينما هي تستمتع بالفلوس اللي اتجوزتك علشانها.
أنا هقولك، هي اهملته وكانت بتعذبه لو بكى علشان جعان أو عايز حاجة، هي رمته لمرات عمه علشان تربيه بينما هي تستمتع بالفلوس اللي اتجوزتك علشانها، وكانت تعمل ده في العلن، تقدر تقولي أنت كنت بتعمل إيه؟
كنت يا دوب بتروح تقول لابنك معلش أمك واستحملها، أنت كنت مستوعب إنك بتقول لطفل استحمل عذاب أمك لأنها مهما كانت أمك حتى لو موتتك عادي هي أمك، لا استنى أنت مسكتش على ده بس..!!
اقترب ريان منه قائلًا بفحيح:
_ أنت سكت على صوتها لما كانت ترفعه على أبوك وتيجي أنت بعد ما تمشي تعتذر لأبوك علشان مش تشوفك وأنت بتعتذر له وتبهدلك، دي رجولتك؟؟... أنت عارف سبب بُعد ابنك عنك السنين دي كلها بسبب مين؟
بسبب مراتك اللي هرجع وأقول المفروض تكون أمه، عملت إيه هي لما عرفت إنه اشتغل وبقى ضابط في المخابرات المصرية؟
أول مهمة ليه استنى فيها دعوة حلوة توفقه، رغم كل اللي عملته واللي شافه منها بس استنى منها دعوة، فاكر هي دعتله بإيه؟ أنا هفكرك، قالتله روح إن شاء الله تكون أول وآخر مهمة ليك، أنت عملت إيه وقتها، قلتله جملتك الوضيعة كالعادة واللي هو حفظها من صغره، معلش دي مهما كان والدتك وروح ربنا معاك، ده اللي قدرت عليه يا راجل؟
أبوك وإخواتك الاتنين وابنك دول كلهم سكتوا على تصرفات مراتك البجحة واستحملوا عدم رجولتك خوفًا على زعلك وأنت سويت فيها لحد ما رجوليتك انعدمت خالص، عرفت حقيقتك دلوقتي يا مصطفى؟
فلما تيجي مراتك تجرح مراتى بكلامها، وبعد ما رجعت من غربة طالت سنين هي اتجرت ووجهت كلام لمراتي وفاكرة إنه كالعادة هيتسكت ليها خوفًا على زعلك، بس اللي نسيته أنها مراتي... مراتي أنا، سيدتها وسيدة البيت ده كله.
أنت إزاي طايق نفسك أو قادر تبص في المراية ومراتك هي اللي ممشياك على مزاجها؟ بس استنى هقولك على حاجة كمان، بمزاجي مراتك لسه واقفة على رجلها، لأ إياد ولا غيره كان هيقدر يغير مجرى الرصاصة اللي أنا عايزها بس علشان أريح ضميري خالص هديها فرصة أخيرة، فرصة تعرف فيها تتعامل إزاي مع أسيادها، وكمان علشان الموت هيريحها وأنا لسه مشواري معاها طويل، لسه في حاجات كتير لازم تندم عليها، ودلوقتي يا مصطفى، وبعد ما عرفت حقيقة نفسك طايق تعيش تاني؟ بس ولا يهمك أنا هسهلها عليك…
ثم مد يده بسلاحه مكملًا ببرود:
_ ريح نفسك بدل ما تعيش عمرك كله وأنت عديم الرجولة.
وجد ريان من يزيح كف يده بقوة أدى إلى سقوط السلاح من يده، نظر له ريان وجده والده عامر وهو يقول بغضب:
_ مهما حصل وهيحصل يا ريان، كبير العيلة له احترامه، وعمك تحترمه برضاك أو غصب عنك، هتفضل تبجح بالطريقة دي فأنت غير مرحب بيك بالمرة هنا، ارجع لقصرك وشغلك زي ما كنت، بس أنك تستغل شوقنا ومحبتنا ليك في التصرفات دي فلا، أنا لا يمكن أسمح إن ابني يكون كده.
أردف ريان ببرود وهو ينظر إلى مصطفى:
_ شايف؟ لحد دلوقتي خايفين عليك من حقيقتك وحقيقة مراتك.
كان يقف بلا حراك وعينه مثبتة على نقطة وهمية وكلام ريان ينزل عليه مثل الخناجر التي تنغرس في قلبه بكل برود لأنها وببساطة الحقيقة، نعم كان يفعل كل هذا ومن أجل من؟ من أجل تلك المرأة التي أحبها... أهمل ابنه ولم يسأل عنه طيلة السنوات التي غابها عنهم وهذا من أجلها... صمت على إهانة زوجته لوالده وهذا من أجلها... صمت على كلامها الجارح التي وجهته إلى تلك الفتاة البريئة الطيبة وهذا من أجلها أيضًا، كان كله لأجلها….
عاد ريان ببصره إلى والده وقال مبتسمًا بجانبية باردة:
_ اللي متعرفهوش إن ابنك اتغير يا عامر، هو مش الطفل اللي سابك علشان يحقق شغفه وحلمه، في حاجات كتير صقلته أنت متعرفش عنها حاجة، وجودي هنا أو رحيلي عنه أنا اللي أحدده، ولأجل الكيلاني أنا واقف هنا وسطكم.
ثم غمزه وربت على كتفه قائلًا:
_ ولأجلك ولأجل الجميع هنا حتى مصطفى، عدا سميرة، أنتوا مهما كان عيلتي وتصرفاتي أنا لا بفرق بين كبير وصغير الحقيقة لازم يعرفها الكل، بس ده مش دليل على كرهي أو شيء تاني، العكس، أنا لو مش فارق معايا عمي مكنتش هتعب نفسي في الكلام معاه أصلًا، المهم.... دلوقتي رسالتي وصلت واللي يا سميرة لو حاولتي تتجاهليها صدقيني كونك ست كبيرة ده مش هيمنعني عنك، أيوا أنا برفع إيدي على ست مفيش مشكلة عندي طالما كانت زيك.
نهض أيهم ببرود وكأن لا شيء يحدث حوله واقترب من ريان واردف بهدوء:
_ استغربت لما مقتلتهاش، أصل عارف إن القتل عندك حاجة سهلة.
نظر له ريان نظرة غامضة بينما أيهم خرج من المنزل بأكمله وهو يسير كالتائه وتبعه صديقه خوفًا عليه...
نظر إلى صديقه الذي يجلس بدون حراك ينظر إلى الأرض ويسند كفيه على قدميه وبجانبه يجلس هشام بهدوء أيضًا.
نظر ريان إلى هشام ثم أشار له بعينه على بيجاد ليفهم الآخر ما يريده وأماء له بهدوء ليخرج ريان من المنزل.
أردف هشام بهدوء وهو ينهض:
_ بيجاد، تعالى عايزك.
نهض بيجاد بدون حديث وسار مع هشام إلى خارج المنزل .....
أخذ إياد شقيقاته اللواتي كان يتابعن ما يحدث بصدمة وصمت شديدين.
ها قد مر منتصف الليل ولم يعود أي من الشباب...
كان الكيلاني وعامر وحسين وليلى وعبير يجلسون في صمت والحزن يخيم عليهم.
أما مصطفى فكان يجلس في غرفة فارغة يفكر في كل ما قاله له ريان وهو يعلم أن ما قاله وإن كان جارحًا فهو الحقيقة.
أردفت عبير بقلق:
_ هما ليه مرجعوش لحد دلوقتي؟
أردف حسين بهدوء:
_ دول رجالة وميتخافش عليهم فإهدوا أكيد جايين دلوقتي.
كادت عبير أن تتحدث ليقاطعها صوتها الهادئ والقلق وهي تردف:
_ ريان لسه مجاش؟
نظر لها الجميع لينهض عامر ويتجه لها ويردف بحنان:
_ متقلقيش يا بنتي، أكيد في سبب لتأخيرهم ده تعالي اقعدي.
هزت حوراء رأسها بالرفض وعادت إلى غرفتها وهي تحاول الاتصال بريانها... ولكن لا رد...
فزاد قلقها ووضعت الهاتف بجانبها وامتلأت عينيها بالدموع خوفًا وقلقًا عليه، كان اليوم صعبًا ومرًا على الجميع بفضل زوجها ولكن... هي متأكدة أنه لم يكن حلوًا عليه أيضًا.
فوق أعلى وأخطر منحدر كان يجلس أضلاع المثلث الثلاثة وهم ينزلون قدمهم في الهواء.
_ متأكد إنك تمام؟
هتف بيجاد بضجر:
_ ارحمني، سألتني السؤال ده في الدقيقة حوالي ٩٩ مرة.
أردف ريان ببرود:
_ طيب أكملها ١٠٠ .. أنت كويس؟
ضحك بيجاد وابتسم له ريان فأردف هشام:
_ مش حاسين إننا تقريبًا كده اتأخرنا، خصوصًا إن في واحد وسطنا مبقاش أعز.
اتسعت أعين ريان وكأنه تذكر للتو، لينهض وهو يسبهما يركض إلى سيارته بسرعة تبعه هشام وبيجاد وهما يضحكان على حاله، وبعد وقت كان الجميع على وضعهم قلقين على من بالخارج، ليجدوا الثلاث أصدقاء يدخلون عليهم.
نهض الجميع فور رؤيتهم لهم وتوجهت نحوهم ليلى وعبير وهما يسألان بقلق:
_ كنتوا فين وليه اتأخرتوا كده؟
أكملت عبير وهي تنظر خلفهم:
_ غيث فين؟
وأكملت ليلى:
_ وكمان أيهم، هما مش معاكم؟
أردف ريان بهدوء:
_ لأ مش معانا.
ثم نظر خلفهم واردف بهدوء:
_ حوراء نامت؟
أردف الكيلاني:
_ لأ، هي قلقانة عليك ومستنياك.
همهم ريان وتحرك بسرعة إلى الأعلى حيث زوجته.
جلس هشام وبيجاد مع باقي العائلة، جد بيجاد وهشام الجميع ينظرون لهما ليقول بيجاد بتعجب:
_ بسم الله، مالكم؟ ليه بتبصولنا كده.؟
أردف الكيلاني بجدية:
_ كنتوا فين الوقت ده كله؟
رفع هشام حاجبه الأيسر واردف بجمود:
_ ده شئ يخصنا إحنا!
أردف عامر بهدوء:
_ مش مهم، المهم إن لما تكونوا هتتأخروا متقفلوش الفون.
نهض هشام واردف ببرود:
_ تصبحوا على خير.
رحل وهو لا يحب أن يملي عليه أحد ما يفعل أو يتدخل في حياته بأي شكل كان، ليهرع بيجاد خلفه قائلًا بمرح:
_ أنت هتسبني لوحدي، استنى.
تنهد الكيلاني وهز رأسه بيأس منهم، مهما حاول جمع هذه العائلة تتبقى هناك جروح تجرح كل منهم وتضع فواصل بينهم، لتقول عبير بقلق:
_ طيب دول رجعوا، ابني وأيهم فين؟
قال عامر مطمئنًا لها:
_ هيرجعوا كمان يا عبير، متقلقيش، يلا روحوا ناموا الوقت اتأخر.
تنهدت عبير بقلة حيلة وذهبت مع ليلى، ليتحدث عامر بحزن:
_ أنا مش عارف أعمل إيه مع أخويا بعد اللي قالهوله ابنه.
هتف الكيلاني بهدوء:
_ اللي قالهوله ابنك كان الحقيقة يا عامر وفعلاً إحنا كنا ساكتين علشانه هو، بس محدش من الشباب مضطر إنه يستحمل تصرفات مراته وسكوته هو واكيد كان فيه يوم حد فيهم هيعترض على اللي بيحصل بس الخوف دلوقتي هيبقى من ريان ده بقى محدش فارق معاه وأي حد هيقرب من حاجة تخصه ده ممكن يمحيه من على وش الأرض.
نظر عامر إلى والده سريعًا وكأنه تذكر شيئًا ليردف:
_ هو أنت يا بابا متعرفش إيه اللي بين ريان وأيهم واللي خلاهم يبقوا مش طايقين بعض كده؟
هز الكيلاني رأسه بالنفي ونهض مردفًا وهو يتنهد:
_ لأ معرفش، وإحنا ملناش دعوة بيهم يحلوا مشاكلهم بنفسهم... يلا روح نام ومتفكرش كتير، ابنك ميتخافش عليه ابنك يتخاف منه.
ابتسم عامر قليلًا وهو يهز رأسه وذهب كل منهم ليرتاحوا من عناء يوم طويل.
كانت جالسة تضم ساقيها إليها وتدفن رأسها بينهم وهي تبكي بخوف وقلق. سمعت صوت أقدام تقترب من غرفتها لتجف دموعها فورًا واعتدلت في جلستها ومن وضع حجابها ووجهت نظرها إلى الباب لترى من هذا.
وجدت الباب يفتح بهدوء ليطل هو بقامته الطويلة والعريضة والتقت سوداويتها برماديتيه الغريبة.
لتنهض على الفور واتجهت نحوه بخطوات سريعة ليبتسم هو ويفتح ذراعيه لها لترتمي هي بين ذراعيه وهي تعانقه بشدة. أغلق ذراعيه حول خصرها وقربها منه أكثر زافرًا بثقل ما مر به من ساعات اليوم.
سمع همسها الخافت والذي بالكاد استطاع سماعه وهي تردف:
_ قلقت عليك أوي...
ابتسامة صغيرة شقت شفتيه ليردف بحنان وهو يقبل رأسها من أعلى حجابها:
_ متقلقيش يا روحي أنا جنبك وهفضل دايمًا جنبك.
ليشعر بها وهي تزداد من تعمقها بين ذراعيه ليزيد هو من التفاف ذراعيه حولها وكأنها أفعى، ولكن الفرق أنه لن يلتهمها.
بعد دقائق شعر بانتظام وتيرة أنفاسها ليعلم أنها غفت رغم وقوفها، كبح ضحكته وحملها برفق يضعها على الفراش واندثر بجوارها يضمها إلى حيث مكانها الأول، إلى ضلعه الأقرب إلى قلبه، نظر لها متنهدًا، هامسًا ويده تمسح على وجنتها برفق:
_ أنا أسوأ من إني أبعدك عن ظلامي، قدرك ارتبط بيا وللأبد.
أصبح الصباح وذهب القمر ليختبئ في مداره، ليفسح مجالًا للشمس كي تشرق من جديد.
وكالعادة كانت عائلة الكيلاني تتجمع في بهو المنزل بعد إنهاء فطورهم.
تحدث حسين بهدوء:
_ كنت فين يا أيهم أنت وغيث الليل كله؟
هتف غيث برزانة متوليًا الرد:
_ كنا بنغير جو يا عمي، متقلقش.
أردفت عبير بقلق:
_ وتغيير الجو ده يجرح إيدك كده... مال إيدك يا غيث وحصل إيه علشان تتجرح كده؟
نظر غيث إلى كف يده اليمنى التي يزينها شاش طبي متنهدًا وعقله يعيد ما حدث معه أمس مع صديقه.
ذهب غيث خلف صديقه خوفًا من أين يصيبه سوء لغضبه، صعد جواره سريعًا في السيارة وانطلق الآخر دون النظر له حتى وكأنه في سابق مع الزمن.
أردف غيث بهدوء:
_ هدي السرعة يا أيهم يا إما هتأذي نفسك أو غيرك.
لم يرد عليه أيهم وهو يزيد من سرعة السيارة بشكل مخيف، فضل غيث الصمت غير عابئًا باحتمال وقوع حادث شنيع قد يمزقهما داخل هذه السيارة، وبعد وقت طويل توقف أيهم فجأة ليرتد جسدهما إلى الأمام بقوة وصدر صوت مرعب من احتكاك إطارات السيارة بالأرض.
زفر غيث بقوة يحمد الله كونه وضع حزام الأمان وإلا كان جسده الآن يقبع أسفل عجلات السيارة الأمامية!
نظر إلى أيهم الذي ترجل من السيارة بوجه ذابل وملامح باهتة، كان مكانًا غريبًا يكاد يصنف من الأماكن المهجورة، فقط رمال كثيرة وبعض آثار بيوت قديمة مهدمة.
تحرك أيهم بخطوات واهنة تشعر وكأنها ترتجف في كل خطوة ويكاد يسقط على وجهه، إلى نقطة فارغة إلا من رمال وجزء مرتفع عن الأرض قليلًا حوله حجارة كثيرة وكأنه قبر ما!
وقف أمامه وكأن طاقته انتهت، سقط متراخيًا أمامه وتهدل كتفاه وكأن فوقهما ثقل جبل، احمر جفن عيناه وأضحت رؤيته للقبر أمامه ضبابية، انكمشت ملامحه بألم حارق، فرت دمعة حارة من بين جفنيه لتكون الإشارة الخضراء لغيرها، شقت دموعه وجنتيه وكأنها جمر يحرقه، انخفض رأسه وتحركت كتفته في بكاء شديد صامت، كان صامتًا قبل أن تنقطع أنفاسه وتثاقل الهواء على رئتيه ليصبح يشهق كالطفل الذي لا يملك رفاهة الحديث ليشكو ما يؤلمه!
ظل غيث واقفًا يظر له بحزن وعينه تشارك صديقه البكاء، مسح وجهه زافرًا بقوة يشعر أن الأجواء حوله أصبحت حارة، ضاق نفسه وانتفض قلبه حزنًا على صديقه. خبا الحزن والألم لسنوات طوال.
سنوات تفرقه عن يوم فقد فيه صديقه نفسه، حبيبته وابنه، وكذلك عائلته بعد أن رحل عن بلاد فقد فيها أنفاس زوجته رفيقة قلبه، غاب عن بلاده ثمان سنوات إلا أيام، من كل سنة كان يأتي دائمًا في اليوم الذي فقدها فيه، يقضي يومه معها باكيًا فراقها ثم يرحل مجددًا يعدها إن بقي في عمره بقية سيقابلها في ذات التاريخ العام القادم.
لم يفكر في رؤية أب أو أم أو إخوة، يأتي ليجاور ثرى يحتضن أعز ما امتلك يومًا.
كان الأمر هذه المرة مختلفًا، ما زال على تاريخ ذكرى موته أيام، ولكنه أتى بعد أن علم بوجود السبب في فقدانه لها، ليقوده غضبه ونقمه إلى لقاه بعد سنوات، متوعدًا بعدم الرحيل إلا بنزع روحه، ولكن القدر قدم له هدية قيمة وهو يراه متعلقًا بامرأة وأخيرًا، فرصة ليذيقه بعض ما لا يزال يتجرعه إلى الآن.
تداخلت مشاعره بداخله لتشكل ثورة مخيفة وهو ينتفض عن الأرض بعد أن أتى في زيارة في يوم ليس اليوم المعتاد، ولكنه كان بحاجتها، رؤيته للجميع مع أحبائهم تشعره بوحشة تمزق فؤاده بإبر سامة.
يتحرك نحو سيارته وهو يهتف بوعيد ونظرات مظلمة:
_ هقتله، هقتله بيها زي ما قتلني.
وقف غيث أمامه وهو يحاول تهدئته، صائحًا به يريد أن يصل صوته لغياهب عقله المظلم بانتقام طويل:
_ أيهم اهدى، الأمور مش بتتاخد بالشكل ده، لازم تفكر و....
لكمه أيهم بقوة في وجهه ليرتد غيث إلى الخلف ولكنه عاد سريعًا يحاول السيطرة عليه ولكن يصعب عليه بسبب حركته العنيفة فأداره له سريعًا ولكمه هو الآخر في وجهه ليلتف وجه أيهم الجهة الأخرى ليصبح صوت تنفسه مرتفع، نظر إلى غيث بأعين مظلمة مخيفة ولكنه لم يفعل شيئًا وتوجه إلى السيارة ولكن منعته يد غيث مجددًا ليدفعه بعيدًا عنه بقوة ليسقط غيث على أثرها أرضًا مصطدمًا بحاجز شق كف يده اليمنى.
امتعض وجه غيث ألمًا متحاملًا عليه يقترب من صديقه مرة أخرى:
_ أيهم، اللي أنت بتعمله غلط، وبعدين هو شرحلك اللي حصل، لي مُصر أنه السبب؟
صاح به أيهم بحدة وغضب:
_ لأنه السبب فعلاً، كفاية رغي من غير فايدة وتعالى علشان نشوف إيدك دي.
تنهد غيث ورافقهما الصمت حتى وقف أمام مشفى. دلفوا إليها وغيث يوقف تنظيف يده بصعوبة، رأتهما طبيبة هرعت إليهما تشير لغيث إلى غرفة ليدخل إليها سريعًا.
_ الجرح شكله عميق وهيحتاج تقطيب.
وقف أيهم بعيدًا ينظر إلى صديقه وباشرت الطبيبة في تنظيف جرحه وتأهيله للخياطة، ارتفع حاجبه بسخرية وهو يرى ممرضة تقف جوارها تتطلع إلى غيث بهيام والآخر في عالم آخر شاردًا.
ابتسم بخبث وأشار له بعينه ما إن نظر له غيث عليها، نظر غيث إلى ما يشير إليه ليجد تلك التي تتطلع إليه وكأنها تنظر إلى فارس أحلامها وقد جاء أخيرًا، امتعض وجهه مولياً الناحية الأخرى يرمق صديقه بغيظ والآخر ابتسم ببهوت ساخرًا.
_ في حاجة؟
نظرت الممرضة بسرعة إلى أيهم الذي ينظر لها بسخرية، لتتسع عيناها وهي تنظر إلى الطبيبة بتوتر ولم تتحدث.
_ بس كده كفاية.
_ كفاية إيه، أنا لسه مخيطتش الجرح!
تحدثت الطبيبة معترضة ليسحب غيث رباط طبي قائلًا:
_ مش لازم، شكرًا على كده.
نظرت الطبيبة إلى أيهم لعله يقنعه، ولكن الآخر قال بهدوء وهو يتحرك إلى الخارج:
_ آخرتنا، وهتضطر أنت للشرح لإني مبحبش كده.
أفاق غيث من شروده ونظر أمامه ليجد الجميع ينظر له سوى أيهم الذي كان مريحًا رأسه إلى الخلف يغمض عينيه.
هتف غيث بفزع:
_ أعوذ بالله... أنتوا ليه بتبصولي كده؟
أردفت عبير بقلق:
_ مالك يا حبيبي أول ما سألتك عن الجرح أنت بصيت على إيدك ومرديتش!
نعم، شرد حتى قبل أن يجيب على والدته القلقة، تنهد بقوة مرددًا:
_ مفيش، مجرد جرح بسيط.
فهمت عبير أنه لا يريد التحدث عن سببه، لتتنهد وهي تنظر إليه بصمت قلق.
نظر غيث إلى تلك التي تتطلع إلى يده وعلى وجهها علامات القلق ليبتسم بهدوء بداخله عليها، وإن حاولت إنكار مشاعرها، فعينها تعانقه في كل مرة تراه فيها.
غمزها بعينه لتتسع عيناها ونهضت بسرعة مغادرة، لتعلو قهقهة غيث لتصل إليها تزيد توترها وحنقها.
تأتِ رياح الذكريات مُقلبة، بين ثنايا الروح غوائرُ.
والسَّلام.
مِـنَّــــــة جِبريـل.
رواية الطبيب العاشق الفصل الرابع عشر 14 - بقلم منة جبريل
"ليس بيدي أن أقسو عليكِ بالكلمات، كل الحروف تُحبك." _ بلال راجح.
إياد، أنا مش مرتاحة هنا، خلينا نرجع.
فرح حوراء بعد يومين، ولأجلها إحنا لازم نستحمل، بس إنتي مصّرة؟
لا خلاص، هنفضل اليومين دول وربنا يعديهم على خير.
تحدثت آية بتنهيدة، ليمسح إياد على رأسها، ثم نظر إلى شقيقته الأخرى الصامتة منذ فترة، ليسألها بهدوء:
خير يا روبي؟
نظرت له أريب للحظات قبل أن تقول:
إياد، أنا بجد مش طايقة اللي اسمها سميرة دي، وكمان قليل الأدب أبو طويلة. ولو أي حد منهم اتجرأ عليا ولو بنظرة أو على إخواتي، متجيش تعاتبني في تصرفي.
ابتسم إياد بحنان واقترب منها قائلًا برفق ويده تمسح على خصلاتها القصيرة:
بالاحترام تحرجي وتخرسي أي حد، غضبك يشيلك الغلط ويخسرك الحق. وكمان لو حد اتجرأ عليكم بنظرة، أخوكي يحرق كبيرهم قبل صغيرهم، بس بشكل لائق.
نظرت له باعتراض طفيف قائلة:
يا إياد، إنت بتعرف تتحكم في غضبك وبتعرف تفكر بأي طريقة وشكل لازم تتكلم، بس الناس مش كلها واحدة وأنا ليا طباعي اللي بتخليني أولع في اللي قدامي. أنا مش مجبرة أفكر في رد فعلي بينما التاني فعل بكل بجاحة ومن غير حساب لأي حاجة.
قولتي اهو، بجح، فإنتِ باحترامك وتفكيرك هتترفعي إنك تنزلي لمستوى لا يليق بكِ. وكونك أنثى فأنتِ سلاحك في عقلك يا أميرتي، اعرفي إزاي تدخلي اللي قدامك في جحيم بكلمة وبشكل لائق.
غمزها في آخر حديثه مبتسمًا، لتبتسم أريب وارتمت عليه تعانقه قائلة:
حاضر، هغير فكرة إني أحرقهم بالمعنى الحرفي إلى المجاز.
قهقه إياد بمرح وداعب وجنتها، لتقول آية بتنهيدة مبتسمة:
إنتوا مش معقولين بجد.
تنتظر انتهائه من ارتداء ملابسه، تريد التحدث معه بما يعتمر صدرها، تنفست بقوة مستجمعة قوتها، نهضت بسرعة ما إن رأته لتجذب انتباهه، وغير وجهته من المرآة إليها، وقف أمامها مبتسمًا، مال نحوها مقبلًا وجنتها بدفء هامسًا:
فاتنتي، إيه اللي يشغل عقلها!
نظرت له بتردد قائلة:
ريان، أنا عايزة أتكلم معاك في حاجة.
كلي لكِ وآذان صاغية.
تنهدت بقوة ثم امسكت بكفه تتظر لها بتوتر، تخشى غضبه ولكن عليها أن تخبره بما تشعر به وتراه صحيحًا، بالأخير هو زوجها وبإمكانها التحدث معه بأي شيء وقتما تشاء.
إنتِ يعني... إنت غلطان في شيء.
نظرت له لتراه يطالعها بهدوء، شعرت أنه فهم مقصدها ولكنه يلتزم الصمت ليسمع ما بقي في داخلها، وفعلت حيث أكملت:
يعني... مهما كان هي ست كبيرة، وبعيدًا عن أنها ست وكدا، إنك ترفع سلاح على فرد من عيلتك حتى لو مش بتحبه تصرف غلط. كلامك مع عمك وإن كان حقيقة مينفعش، وإن اضطر الأمر فـ فيه أسلوب مختلف عن الطريقة اللي إنت قلتله بيها، أقل شيء احترامًا لمكانته وقرابته يكون الحديث بينك وبينه.
همهم ريان ومسح على وجنتها قائلًا بهدوء ونبرة مخيفة:
متشغليش عقلك في الموضوع ده.
ضاقت عيناها بعدم رضا على رد فعله، هو لا يأخذ حديثها على محمل الجد، لتبتعد عنه خطوة إلى الخلف قائلة باعتراض شديد:
لا يا ريان، إنت لازم تعترف إنك غلطت وكمان المفروض تعتذر لعمك لو مش على كلامك وهتقول دي الحقيقة، فعلشان قلة الذوق اللي اتكلمت بيها وإنه قدام الكل.
ريان، إنت لا مفرّق معاك حد، حتى صاحبك اللي أكيد ناله شيء من كلامك مع مامته ووالده. أنانيتك أذت صاحبك، حتى إنت مشوفتش نظرتُه إنت وبتتكلم مع والده بالشكل ده وقدام الكل. إنت عريته هو وأحرجته قدامي وقدام العيلة كلها حتى لو مش باين كدا. أيوا الحقيقة مهما كانت مُرة لازم نستوعبها، بس الاختلاف دايمًا واللي بيحدد مصيرك في إنك تتقبلها أو لا... الأسلوب.
وصل الغضب إلى أقصاه ليصرخ بها بغضب أجفلها:
الحقيقة مهما كانت مُرة بتفضل حقيقة ولازم نستوعبها... كلام جميل، أنا بقى عرفته الحقيقة وهو لازم يستوعبها. وأي كلمة زيادة في القرف ده هتندمي عليه.
أورقها بغضب حارق، حجمه ما إن رأى خوفها، ليتحرك بعنف خارج الغرفة بأكملها ولم يهتم كونه لم يرتب خصلاته بعد، والتي زادت ثورتها بسبب حركة يده المفرطة عليها.
رآه هشام وهو ينطلق خارج المنزل بقوة، ليسرع إلى بيجاد يجذبه من ثيابه ليلحقا بصدقه الذي يبدو في حالة... مريبة.
ماله أبيه؟
سألت كيان برعب وحزن، ليتحدث أيهم ببرود:
تعالي اقعدي، ومتقلقيش، اللي زيه مبيحصلوش حاجة.
نظرت له كيان وجلست جواره، قائلة بصوت مختنق:
هو حتى مش بص عليا أو كلمني.
نظر لها أيهم بطرف عينه وإلى دموعها التي تجمعت داخل مقلتيها الزرقاء، لتتسع عيناه بقوة وتصنم جسده منتفضًا تحت لمستها، انحدرت عيناه ببطء نحوها وهي تعانقه مجهشة في البكاء.
تردد في رفع ذراعه، ليزفر بقوة وبتردد شديد على يربت على خصلاتها وكأنه يخشى لمسها.
وعلى الدرج، رآهما ليبتسم بخفة مفكرًا في أمر ما، ما كان ليفكر فيه قبل رؤيته لحنان يتوارى بخجل خلف جدار الصرامة.
دخل هشام إلى فيلته والتي أتى لها ريان قبلهما، نظر إلى بيجاد ليراه يبتسم ببلاهة ليقول حانقًا:
إيه القرف اللي على خلقتك ده؟ لي بتبتسم كدا؟
صِبا كلمتني النهاردة، الـ...
اخرس، مش عايز أعرف الباقي، خلينا نشوف الغبي التاني بيعمل إيه في أوضة التدريب بتاعتي، هفضل أراعي ليكم لحد إمتى؟
سمع هشام وبيجاد صوت تحطم من الغرفة الخاصة بالتدريب والتي بها أجهزة جعلت أعين هشام تتسع شاقًا وهو يركض نحو صديقه لينقذ غرفته من الدمار.
كاد هشام أن يذهب نحوه وهو يراه يلكم كيس الملاكمة بقسوة وبعض الآلات تحطمت، ليوقفه ذراع بيجاد الذي همس بهدوء:
يطلع غضبه في الآلات أحسن ما يكون علينا، صدقني.
نظر له هشام قلقًا، ليس على آلاته حتمًا بل على صديقه الذي يبدو في حالة ثوران مفاجئة. فكر كثيرًا قبل أن يترك هشام متحركًا إلى الخارج وتبعه بيجاد تاركين صديقهما يفرغ غضبه في أشياء لن تشعر بألم إن حطمها.
وفي المساء، سأل إياد على شقيقته التي لم يرها منذ الصباح، لتقول كيان:
مش شوفتها من الصبح، وأبيه كمان خرج ومرجعش لحد دلوقتي بس مش كانت معاه.
انتفض جسد إياد قائلًا:
إزاي يعني مكانتش معاه؟ أختي فين؟
تحدث عامر بهدوء:
اهدَ يا ابني، هتلاقيها في أوضته.
نظر لهم إياد للحظات قبل أن ينطلق بسرعة إلى الأعلى ليرى شقيقته، لينهض غيث ولحق به.
بينما هي في غرفتها جالسة تبكي منذ رحيله، وعقلها يكون في صفه للحظات ثم يثور غضبًا بأنه مخطئ حتى في صراخه عليها، لم تحب أن يصرخ بها زوجها لأي سبب. سمعت صوت خطوات قوية تقطع الطريق مقتربة من غرفتها، لتجف دموعها لا إراديًا وظنت أنه عاد وأخيرًا. جففت وجنتيها المحمرة قبل أن ينتفض جسدها على أثر طرقات قبل أن يأتيها صوت مأمنها:
حوراء، إنتِ جوا؟
نهضت وما كادت ترد عليه حتى سمعت صوت آخر يسأل:
مدام حوراء، إنتِ موجودة؟
وقفت خلف الباب قائلة بصوت بدا طبيعيًا لغيث، ومان مفزعًا لإياد والأكثر أنها لم تفتح الباب رغم سماعها لصوته:
أيوا، في حاجة؟
نظر غيث إلى إياد الذي طلب منه بهدوء أن يتركهما، ليهز غيث رأسه مغادرًا وأتى ليطمئن فقط. اقترب إياد من الباب قائلًا بحنان:
افتحي الباب يا حوريه.
تنهدت حوراء بقوة وفتحت الباب ببطء، وما كادت تتحدث حتى وجدت جسدها يسحب بقوة داخل بين ذراعيه يحتضنها بقلق هامسًا:
الحمدلله إنك بخير، قلقت عليكِ، مخرجتش لي من الصبح، إنتِ تعبانة؟
أجابته بصوت هادئ، بالتأكيد لن تعلم أحد عن خلاف بينها وبين زوجها، وإن كان أحدهم ذاك هو أخيها:
أنا بخير بس كنت نايمة.
متأكدة؟
من صوته علمت أنه لا يصدقها، يعلم أنها كانت تبكي وعيناها ذابلة مرهقة، لتهز رأسها قائلة برجاء:
إياد، أنا بخير... لو سمحت.
زفر إياد بقوة وقبل جبينها قائلًا بحنان:
وأنا مش عايز غير إنك تكوني بخير، أنا جنبك دايمًا.
ابتسمت له، لتقول بهدوء:
خلينا ننزل.
نظر لها قليلًا قبل أن يمسك بكفها ونزلا معًا، ليسنعت صوت غيث وهو يردد:
تليفونه كمان مغلق، الثلاثة لما بيجتمعوا محدش بيعرف مكانهم.
ريان؟
سألت حوراء بقلق، لتنهض كيان تسألها بسرعة:
حوراء، تعرفي أبيه فين؟
رمقتها حوراء بقلق وقبل أن تتحدث سمعوا صوتًا يردد بجدية:
إنتِ لازم تاجي معايا دلوقتي.
نظروا إلى ذلك الجسد المندفع بسرعة إلى حوراء، سحبها إياد لتقف خلفه ينظر إلى هشام وهيئته المريبة، ليقول حسين بقلق:
هشام، في إيه وفين ريان وبيجاد؟
صاح هشام بأنفاس لاهثة، يبدو أنه كان مسرعًا للوصول إلى هنا:
مش وقته، حوراء إنتِ لازم تاجي معايا، ريان محتاجك.
كانت انتفض جسدها ما إن سمعت ما قال، ليتحدث إياد بحدة:
إنت عايزني أسيبها تخرج معاك، إنت اتجننت؟
إياد... هو قال ريان و...
إياد، صدقني معنديش وقت أقنعك فيه، بس هي أختي وزوجة صاحبي، وحاليًا معنديش وقت أشرح أكتر من كدا، يلا بسرعة هنتأخر.
أشار لها بالتحرك، لتهز رأسها بسرعة وما كادت تتبعه حتى شعرت بيد أخيها تقبض على يدها. نظرت له قائلة برجاء:
إياد أرجوك، أنا هبقى كويسة أوعدك.
زفر إياد بقوة وترك يدها لتتحرك بسرعة إلى الخارج برفقة هشام الذي فتح لها باب سيارته، ثم احتل مقعد القيادة مغادرًا بسرعة كبيرة.
وجدته بعد وقت يتوقف أمام الفيلا التي أتت برفقة أيهم إليها، ترجلت من السيارة وتبعت هشام إلى الداخل بسرعة والآخر كل فترة ينظر خلفه لها يتأكد من أنها لا زالت خلفه، عقلها أصبحت أفكاره سوداوية، تتوقع حدوث الأسوأ وعلى وحيب قلبها برعب.
اتسعت عيناها وهي تسمع صوت تحطم قوي وصراخ لم يتوقف منذ ساعات، ركض هشام بقوة إلى الغرفة وركضت خلفه، وقفت عند الباب تنظر بأعين شاخصة إلى بيجاد يتلقى لكمة قوية من ريان، ليتدخل هشام يدفع ريان بقوة إلى الخلف والآخر وكأن الغضب تحكم بعقله.
كادت تتحرك ليصرخ بها بيجاد بطريقة أفزعتها:
خليكِ عندك.
عايزة أقعد معاه لوحدي، لو سمحت.
ونظر لها هشام ومنع بيجاد من الاعتراض وهو يسحبه إلى الخارج معه، يرمقها بنظرة لم تفهمها حوراء بينما سمعت همس بيجاد:
خ بالك، متقربيش منه أوي.
أومأت له بصمت وانتظرت ابتعادهما تمامًا، ثم نظرت إلى ذلك الثائر المخيف، ضربت تحذير بيجاد عرض الحائط واقتربت منه بخطى مترددة هامسة:
ريان... مـ..ممكن تهدى وتسمعني، علشان خاطري كفاية.
صرخت برعب ما إن رأت يده مجروحة تنزف، ليتصلب جسده يستائل عن سبب صراخها الذي اقتحم ظلمات عقله، نظر لها بأعين مظلمة مرعبة، وخصلاته التي تدلت على جبينه تكاد تخفي عيناه ليبدو مظهره أكثر... وسامة!!
بالنسبة لها كان وحشًا تخشى ظهوره في ليلة من أسفل فراشها.
اعتدل ريان في وقفته لتظهر ضخامة جسده لترتد هي إلى الخلف خطوتين فهي الآن أشبه بأحمق يقف أمام تنين نافث للنار بسيف من خشب. هيأته المرعبة وجسده الضخم وتلك اللمعة التي بعيناه! لم تكن لمعة عاشقة حنونة كما اعتادت رؤيتها عند النظر لها، بل نظرة مليئة بالسواد والغضب بشكل لا تستوعبه.
اقترب منها خطوة هامسًا بصوت أسر القشعريرة بجسدها:
أنا أناني، مش بهتم بمشاعر بيجاد!
نظرت له بأعين واسعة، لم تتوقع أن تكون حالته هذه بسبب كلماتها، لينتفض جسدها برعب حين صرخ بها:
أنا أنــــــانـــي وعديم ذوق، أنا حقير ووغد مهتميتش بصاحبي.
كل هذا الغضب كان بسبب كلامها... كان كل تفكيره أنها تراه أناني ولا يهتم بمشاعر صديقه... صديقه الذي لا يتردد لحظة في التضحية بنفسه لأجله، هو لا يزعجه أنها لقبته بالأناني بل ما يزعجه أنها وصفته بشخص حقير لا يهتم بمشاعر أصدقائه.
اصطدم ظهرها بالحائط وأصبح صدرها يعلو ويهبط بقوة وهى تنظر له برعب لتنكمش على نفسها عندما أصبح أمامها مباشرة ووجهه أمام وجهها وهو يصرخ بغضب:
إنتِ تعرفي عني إيه علشان تقولي أناني، ولما أنا أبقى أناني إنتِ إيه، ها؟ كل يوم وساعة ولحظة بحاول أقرب منك، أخليكِ تحبيني وأسعدك بأي شكل... بحاول أحميكِ من نفسك قبل اللي حواليكِ، وفي الآخر أبقى أناني لإني بدافع عنك، عن مراتي وحبيبتي قدام واحدة نسيت نفسها وأذتها بكلام، إني أخليها متتعرضش ليكِ تاني أبقى أناني، لما عرفتها قيمتها وخليت جوزها يعرف انعدام رجولته علشان يراعي لأفعاله ويمنع القرف ده أبقى أناني، بيجاد... أنا مش بهتم بمشاعر صديقي!؟ إنتِ تعرفي عني أو عن اللي مريت بيه أنا مع بيجاد وهشام إيه علشان تقولي عني أناني؟
صرخ بغضب حتى نفرت أوردته، ضاربًا بقبضته الحائط بجانب رأسها، لينكمش جسدها وجلست أرضًا تضم قدميها إليها برعب، ودمعة! … دمعة غريبة هبطت من عيناها تبعها دموع كثيفة، مرت يدها على وجنتها تنظر إلى الماء الذي على أناملها بصدمة، كيف؟... هل أصبحت؟ …...
تصنم جسده وبدأ تنفسه يتسارع وهو يرى دموعها، هل أصبحت تشعر بالأمان معه حتى تبكي أمامه بعد ان أخبرته أنها أمام أخيها ومع ربها فقط تستطيع ذلك؟! هل شعوره بالفرحة الآن طبيعي، أن يفرح لبكاء من يحبها وزوجته هل هذا يدل عن عدم استقراره نفسيًا!
انحنى أمامها ومد يده يمسح دموعها بصمت وهي ترمقه بحزن وتخوف منه، كان يصرخ بها والآن يطالعها بنظرات لم تفهمها، ابتسامة جانبية شقت وجهه قائلًا بصوت هادئ بدا غريبًا بعد كل ذلك الصراخ والنبرة المخيفة:
حوراء، إنتِ بـ....
نهضت حوراء فورًا قبل أن يكمل حديثه لتمسح دموعها بقوة واتجهت ناحية الباب وما إن فتحته حتى جفت دموعها من عينيها وركضت إلى الخارج ليظل ريان ينظر إلى أثرها بحزن، فها هي قد شعرت معه بالأمان وكان هو من يتسبب في هبوط دموعها تلك... لم ينكر أنه وفي جزء عميق بداخله شعر بالسعادة، تغمره لأن عيناها ذرفت دليل راحتها معه!
ركضت إلى الخارج ليراها بيجاد وهشام اللذين كانا يقفان أمام باب الفيلا من الخارج، وقفت حوراء أمام هشام واردفت بصوت هادئ:
عايزة أمشي من هنا، بعد إذنك.
أومأ لها هشام وهو ينظر لها ليستمعوا إلى صوت صديقهم وهو يتقدم باتجاههم سريعًا:
حــوراء....
لم تنظر له حوراء بل اردفت سريعا موجهة حديثها إلى هشام:
هتروحني ولا أروح لوحدي.
رفعت حوراء نظرها إلى هشام لتراه ينظر خلفها لتعلم أنه ينظر إلى ريان لتتخطاه وتخرج من الفيلا بسرعة... لحق بها ريان وأردف وهو يقترب من هشام:
هاخد الفيلا الليلة دي، ارجع مشوفش وشكم.
ثم لحق بها سريعًا تحت نظرات هشام المستنكرة وحديث بيجاد الضاحك:
شوف اتغير إزاي!
دا اللي همك؟ مش أنه طردني من فيلتي!
يا إتش ما إنت كتير طردتنا من أوضتك، إيه الفرق يعني؟
تشنج وجه هشام وكاد يصاب بأزمة قلبية منهما، ليزفر بقوة متحركًا لسيارته مرددًا:
يا ولي الصابرين يا رب.
لحق به بيجاد سريعًا مرددًا:
يعني هتبات معايا الليلة دي.
لا، هنام في العربية.
لا أبدًا، لو عايز افضيلك دولابي مش هقولك لأ، معايا كام هشام أنا!
تشدق هشام ساخرًا وهو ينطلق بالسيارة بعيدًا:
فيك الخير.
بينما تسير بسرعة لتهرب منه أو لتبتعد عنه، تشعر بالرعب من بكائها أمامه، تحتاج الآن أن تختبئ داخل ذراعي أخيها و...
شهقت ما إن شعرت بأذرع تلتف حول خصرها تجذبها إلى الخلف، بل وترفعها بكل خفة وكأنها لا تزن شيئًا إلى الأعلى، حركت قدماها بالهواء وهي تشعر به يعود إلى الخلف صارخة:
ريان سيبني، هصوت وأقول إنك خاطفني، سيبني حالًا.
وكأنها تحادث أصم، وهي تبدو البلهاء تحرك قدميها في الهواء والآخر يسير بها لداخل الفيلا وكأنه يستعد لجريمة ما، بعد أن خطف ضحيته التي تبدو كسمكة تغرق خارج الماء!
تحرك نحو غرفة وأغلق الباب بقدمه ثم أنزلها لتندفع بسرعة بعيدًا عنه وتحركت نحو الباب لتخرج، ليمنعها وهو يعيدها لتقف أمامه لتصرخ به:
إنت إيه؟ بقولك سيبني، إيه المعاملة دي؟ إنت هتجبرني أقعد معاك ولا إيه؟
كبلها ريان وضمها إلى صدره بقوة، حاولت دفعه ولكن وكأنها تحاول زحزحة جدار من مكانه، تعبت وتهدلت أكتفاها، لترفع الراية البيضاء وأحاطت رقبته بذراعيها تخبئ وجهها به، بدأت دموعها بالهبوط وصوت شهقاتها يعلو تدريجيًا ... زاد من احتضانه لها متنهدًا بقوة ويده تمسح على رأسها برفق.
بعد وقت أفاضت به دموعها على صدره، أبعدها برفق عنه ورفع وجهها ماسحًا دموعها بأنامله، زفر بقوة ومال عليها طابعًا قبلات متفرقة حنونة على وجهها ثم همس أمام وجهها بحنان:
وإن كنت فرحان بشعورك بالأمان معايا، ألا إن دموعك جمر على روحي، أنا مستاهلش دموعك ولا إنك تحزني قلبك علشاني، أو علشان أي حد، ليحترق العالم ولا تبكي عيناكِ فاتنتي.
رمقته بأعين باكية حزينة، تشعر بالندم لما تفوهت به وكان كل غضبه بسببها، لتردد بصوت خافت:
أنا آسفة، مكنتش أقصد إنك أناني... أنا بس كنت...
قاطعها قائلًا بحنان:
أنا اللي مكنتش أقصد أخوفك مني، أنا…
صمت محاولًا بصق كلمة كوزن الحديد على لسانه ونفسه، أن يعتذر كان كمثل أن يركع أمام أحدهم ذليلًا، زفر بقوة وقال متخطيًا الأمر:
شخص غير متفاهم وقت غضبي، فالأفضل تتجنبيني في الوقت ده.
وحوراء التي لاحظت تراجعه في اعتذار شعرت به، ابتعدت عنه عاقدة ذراعيها، قائلة بتشنج:
مش قادر تقولها يا دكتور؟
نظر لها ريان بعدم فهم لللحظات قبل أن تعلو قهقهته وهو يجذبها إليه، يعانقها بحب قائلًا:
أنا أضعف منك يا قلب الدكتور.
لقد نسيت بكائها وحزنها وعلقت على عدم اعتذاره، لتقول بسخرية وهي ترتاح على صدره:
مغرور.
قهقه ريان بقوة، قلبه ينتفض بحب بداخله لها:
بيحبك.
ابتسمت بخجل ولم تتحدث، تخجل أن تعترف له كما يفعلها هو ببساطة، لتحمحم بقوة قائلة:
يلا نمشي، إياد هـ...
هنفضل هنا الليلة.
نظرت له بعدم فهم، هذا منزل صديقه، ليقول ريان بهدوء وهو يخرج هاتفه:
هكلم أخوكِ، هشام هيفضل مع بيجاد، أي سؤال تاني؟
ابتسمت بخفة ونفت برأسها، قبل أن تقع عينها على جروح قبضته، لتنمحي بسمتها قائلة:
ريان، إيدك مجروحة، في علبة إسعافات أولية هنا!
مش مهم، جرح بسيط.
بس...
أرسل رسالة إلى اخيها وتحدث وهو يلقي الهاتف على الفراش، وتحرك نحو المرحاض مرددًا:
هاخد حمام منعش كدا وأنتِ بعد إذنك حضريلنا أكل يا حرمي المصون.
أعمل إيه؟
وقف مكانه والتفت لها ويده معلقة في الهواء وهو من كان يباشر في خلع تيشيرته، عقد حاجبيه قائلًا:
لو مش عايزة خلاص، إنتِ مش مجبرة.
اتسعت عيناها وهزت رأسها سريعًا قائلة، هي لا تعترض على الطهو لزوجها ولكن...
لا مش كدا، هروح أشوف هحضر إيه.
تحركت بسرعة لخارج الغرفة وعقلها توقف عن العمل، هي حتى لم تدخل مطبخ في حياتها إلّا في الثامنة من عمرها وكان لأجل أن تخبر والدتها ما تشتهيه، ومن بعد والدتها كان أخاها يقوم بهذا الدور ولم يسبق له أن سمح لأريب بمساعدته حتى.
كبت ريان ضحكته وهو يحيط علمًا بعدم إجادتها للطهو ولكن، هل يحلو الزواج بغير مكر؟
بحثت عن المطبخ حتى وجدته، حسنًا، كانت هذه أسهل خطوة وهي إيجاده، والآن ماذا؟
تنهدت بقوة وتحركت باتجاه الثلاجة وتفتحها بهدوء لتجد بها أنواع الخضراوات لتزفر بضيق من نفسها وهي تغلق الثلاجة مجددًا بيأس، لتبدأ بالدوران حول نفسها وهي تنظر إلى كل جزء من المطبخ وكأنها تنتظر منه أن يخبرها كيف تطهو! توقفت عيناها على طبق فاكهة لتشعر بجوعها وهي من لم تتناول شيئًا من الصباح، لتتحرك نحوه وأخذت فاكهة منها تغسلها وباشرت في قضمها وهي تنظر حولها متنهدة كثيرًا.
لا فائدة، لذا لن أتعب نفسي وأحاول حتى!
كان قد انتهى من حمامه وارتدى قميص أبيض يتركه حرًا على جذعه، خرج من الغرفة غير مهتمًا بتجفيف خصلاته، اتجه إلى المطبخ ليبتسم وهو يراها تتناول فاكهة وتنظر حولها بيأس.
اقترب منها قائلًا بخبث:
معقولة جهزتي الأكل بالسرعة دي؟
نظرت له بسرعة وبأعين متسعة، توقف الطعام بحلقها لتسعل بقوة، اقترب يناولها كوب ماء ضاحكًا:
براحة.
ارتشفت القليل ثم نظرت له بخجل مرددة:
في الحقيقة أنا...
مش بتعرفي تطبخي؟
نظرت له بخجل وأومأت له بتردد، ليبتسم بمكر قائلًا:
عارف.
رفعت حاجبها بغيظ منه:
والله!؟ طيب اتصرف لإني مش أكلت من الصبح و...
نظر لها سريعًا ومال نحوها بشكل مفاجئ يشير إلى أذنه قائلًا:
إيه؟ قولي تاني مسمعتش.
رمشت بعيناها عدة مرات واقتربت من أذنه هامسة:
مأكلتش من الصبح، جعــــــانة.
ابتعد بسرعة عنها ما إن صرخت في أذنه فجأة ونظر لها بحدة قبل أن تلين وهو يستمع إلى سمفونية جميلة تخرج منها وهي تغمض عيناها، مقهقهة بقوة، تنهد مبتسمًا وخرج من المطبخ قائلًا وهو يسحبها خلفه إلى الغرفة:
إذا كان كدا، خليكِ هنا متخرجيش وأنا هطلب لنا أكل، على الله أشوف ضلك برا الأوضة.
عقدت حاجبيها وهي تتابعه يأخذ هاتفه ويخرج من الغرفة، ما شأن بقائها هنا بطلب الطعام؟ أما ريان فكان غير راضٍ أن يرى رجلاً يطلب زوجته، بل أي رجل في العالم، ولكنه مجبر على جعلها تجلس مع عائلته وأخيها... لا بأس ريان، سيأتي يوم ويموتون جميعًا وستحيا أنت بها ومعها بعيدًا عن كل ذكور العالم.
تجلس داخل حديقة المنزل تستمتع بالنظر للسماء ليلاً، قبل أن تجفل على صوت خلفها، لتنهض بسرعة تنظر إلى عينين كاللهب تنظر لها في الظلام، ابتسمت بتوتر قائلة بهدوء:
أيهم... أهلًا، أنا آسفة لو وجودي هنا زعجك و...
نظر لها أيهم بتعجب، ما الذي تتفوه به هذه الفتاة، تبدو مختلفة عن جميع أخوتها، أو أقرب إلى زوجة ذلك الوغد، ابتسم بسخرية مرددًا:
ولو زعجني، هتمشي؟
بهتت من وقاحته ولكنها أومأت برأسها وكادت تتحدث لتجفل على صوت رجولي خلفها، قريب منها:
في داهية يا حبيب أمك.
احتدمت عينا أيهم ورفع بصره يوجهه خلفها، راقبه بحقد ليس موجهًا له لشخصه سوى كونه صديقًا لمن يبغضه، لطالما كان هشام ثقيلاً في تواجده عليه، رجل وقح يعطي نفسه حقوقًا ويتبجح بها… وآية التي بالمنتصف، كانت تشعر بقرب هشام منها، لتتقدم خطوة لتبتعد من بينهما، كان موقفها حرجًا وهي بينهما كعصفور بين صقرين، لتسخر الطبيعة منها وهي تشعر باختلال توازنها لتطلق صرخة أجفلت هشام الذي اقترب ليمسكها ليشعر بدفعة قوية في صدره أردته إلى الخلف خطوات.
تمنت عيناه وظن أن فاعلها أيهم، ولكن رآه واقفًا أمامه وقبضتيه داخل جيبي بنطاله، ليعقد حاجبيه متسائلاً عمن دفعه بتلك الطريقة، نظر إليها ليراها تتوسط صدر أخيها والذي ظهر بشكل مفاجئ وغريب، وكأنه كان داخل الأرض وانبعث منها ليمنع سقوطها!
ساعدها في استعادة توازنها قائلًا بقلق:
إنتِ بخير؟ رجلك كويسة؟
كان قلقًا أن تصاب بأذى فيعيد لها ما تخلصت منه منذ قليل، لتردد آية بأنفاس متسارعة تشكر أخيها لمنعه حرجًا شديدًا كان سيقتلها إن سقطت أمامهما كالبلهاء:
أنا كويسة.
نظر إياد إلى هشام مرددًا بهدوء:
شكرًا، بس أنا هنا.
مش هقتل نفسي على لمسها، كان رد فعل مش أكتر.
عارف، وقولنا شكرًا على رد فعلك اللي يستحسن تتحكم فيه في محيط أخواتك.
تشدق إياد بنبرة رغم هدوئها إلا أن بها شيء من الحدة، رؤيته لشقيقته بين هذين، واقتراب الآخر من ظهرها وهي كالقط المبلل بينهما أشعل نيران غضبه، لينطلق بسرعة نحوهما ليجد شقيقته تبادر في الابتعاد ولكن خذلتها قدماها ليحمد الله على قربه منها ليدفع الآخر عنها وهو يراه وكأنه يتهيأ الفرصة ليقترب منها، وإلا لما كان قريبًا منها بذلك الشكل!
وأيهم الذي لم يعِ اقترابه الشديد منها، لم يفهم نظرات أو تفكير إياد، كان الأمر بالنسبة له أكثر تعقيدًا وأن إياد لديه عقدة من شيء ما ليحيط إخوته الفتيات بهذه الطريقة الشديدة!
وأيهم... كان ينتظر سقوطها ليضحك، ولكن إياد كان مخربًا له ولمتعته ليزفر بملل راحلاً عن محيطهم.
قلب هشام عيناه ونظر إلى آية مرددًا:
إنتِ كويسة؟
وإن كان سؤاله ليحرجها فقد نجح، أنها كادت أن تسقط أمامه يشعرها بخجل شديد، لتهز رأسها بخفة واحتقان وجهها بالدماء جذب انتباهه، راقبها وهي ترحل مع أخيها ليبتسم بخفة ثم تنهد وهو ينظر إلى السماء شاردًا.
القدر يسخر منا دائمًا، ويغلف سخريته في علبة مزينة، عليها " حياتك تتحول إلى الأحسن".
والسَّلام.
مِـنَّــــــة جِبريـل.
رواية الطبيب العاشق الفصل الخامس عشر 15 - بقلم منة جبريل
دلف إلى القصر وعيناه حمراء بشدة وملابسه غير مهندمة ويستند على صديقه الذي حرص على أن لا يؤذي نفسه.
أوصله إلى غرفته وعدل من وضعيته على الفراش ودثره جيدًا، ليذهب الآخر في سبات عميق وهو يردد كلمات غير مفهومة بملامح حزينة متألمة.
نظر له غيث مطولًا يهمس بحزن:
_ امتى؟ امتى تنسى وتعيش حياتك وتطلع نفسك من اللي أنت فيه وتبطل تعذب نفسك وروحك كل يوم كدا ياصاحبي.
ثم غادر واغلق الباب خلفه.
جلس أرضًا جوار أيهم مستندًا على الحائط بظهره ورأسه، ويثني قدم ويفرد الأخرى مغمضًا عينيه بتعب، ووضع يده أمام الباب حتى إذا خرج صديقه وهو غافٍ، يدعس على يده فيشعر به.
كانت حالته اليوم أسوأ من الأيام السابقة، لأنه ببساطة هذا نفس تاريخ تلك الليلة المشؤومة التي حولت حياة صديقه تمامًا.
أصبح من حنون إلى قاسٍ، من مبتسم إلى دائم التجهم، من هادئ إلى غاضب.
لقد تغير صديقه تمامًا في مثل هذا اليوم وكأن تم استبداله.
وهو لا يستطيع الذهاب إلى غرفته خوفًا من خروج صديقه ويقوم بإيذاء نفسه.
ولم يشعر بنفسه إلا والنوم يسرق وعيه.
في الصباح…
فتح عينيه بإرهاق روح قبل جسد.
نظر حوله ليجد بأنه في غرفته ليتذكر حالته بالأمس وما تاريخ اليوم ليخيم الحزن على عينيه.
تنهد بفراغ وهو يحاول الوصول إلى المرحاض لأخذ حمام بارد علّه يُطفئ نارًا متأججة داخل جوفه.
خرج بعد وقت طويل متشحًا بالسواد في كل قطعة من ملابسه.
وقف أمام المرآة وارتدى ساعة سوداء ومشط خصلاته ووضع عطرًا.
ليصدح في أذنه صوتها وخيالها وهي تقف أمامه تنثر على جسده الحبيب عطرها المفضل:
_ أيهم، أنا أشعر بالغرام بجد.
ثم صوت ضحكاتها وهي تضع قبلة حنونة على وجنته.
ارتجفت يده وتهدجت أنفاسه.
مسح على وجهه متحركًا بسرعة إلى الخارج.
وما إن فتح الباب حتى توقفت قدمه قبل أن تظعس على كف يعرف صاحبها.
نظر إلى صديقه النائم أرضًا.
وضع كفه على كتفه لينتفض غيث واقفًا ينظر بقلق مرددًا:
_ أيهم أنت كويس؟
رمقه أيهم بصمت قبل أن يقترب منه ببطء يعانقه، ليبتسم غيث وبادله العناق هامسًا:
_ كل شيء هيكون بخير.
_ رحل عني الخير برحيلها يا غيث، ما بقيَ هي ذكريات تعينني على العيش فقط.
_ صباح المحبة يا ولاد.
ابتعد أيهم ونظرا باتجاه الصوت ليجدا أنه عامر، ليومئ له أيهم بدون التحدث.
واردف غيث بهدوء:
_ صباح الخير يا خالي.
ابتسم عامر واردف بحنان:
_ يلا علشان تفطروا.
أماء له الاثنان وذهب عامر.
ليردف أيهم بهدوء والحزن يسكن نبرته:
_ مكنش ينفع تنام الليل كله هنا، كدا هتتعب وكذا مرة أقولك بلاش الحركة دي، افترض مأخدتش بالي ودوست على ايدك واتأذيت!
اردف غيث بابتسامة صادقة:
_ عيب عليك دا حتى أول مرة عملتها فيها أخدت بالك مع أنك مكنتش تعرف إن هعمل كدا أو إني هنام قدام الباب. وبعدين كله يهون علشان خاطرك يا صاحب.
ينظر له أيهم مطولًا وعانقه مجددًا، ليبتسم غيث وبادله العناق وسمع صوته الشبه بالهمس وهو يقول:
_ ربنا يديمك ليا يا غيث.
ابتعدوا عن بعضهما ليردف غيث بمرح حتى يخفف عنه:
_ متقلقش، أنا قاعد على قلبك ومش هسيبك.
تهتف أيهم وهو يربت على كتفه:
_ طيب روح ارتاح وخد حمام وتعالى.
أماء له غيث وذهب إلى غرفته.
ليظل أيهم ينظر إلى أثره وهو يحمد ربه كثيرًا، على نعمة هذا الصديق الصادق.
ثم هبط إلى الأسفل بشموخه المعتاد ووجهه القاسي والمتجهم وعيناه المضيئة، ولكن كانت تضيء هذه المرة بقسوة وغضب، يلوح عليهما الحزن.
***
فتحت عيناها ليكون أول ما يقابلها هو وجه رجل وسيم، لتبتسم قائلة ببلاهة:
_ أحسد نفسي ولا أعمل إيه، حلم كل فتاة اللي أنا حققته.
ضحكت بخفة ونهضت بحذر حتى لا توقظه، واتجهت إلى المرحاض على فورها وهي تقف أمام المرآة تنظر إلى نفسها قائلة:
_ قمر يا قمر، أنا أستحق اللي نايم برا دا بجدارة.
بعد دقائق فتح عيناه وهو يشعر بفراغ الفراش بجانبه، لينهض سريعًا وهو ينظر في أرجاء الغرفة.
ليستمع إلى صوت المياه في المرحاض ليتنهد براحة وانتظر خروجها من المرحاض.
شعر بتأخرها في المرحاض ليردف بقلق وهو يقف أمام الباب:
_ حوراء، أنتِ غرقتي؟
كان سؤالًا غريبًا، ولكن هي لخجلها وصدمتها تحدثت ببلاهة:
_ لا، لسه.
ضحك بخفة مرددًا:
_ هو إيه اللي لسه يا فاتنتي، أنتِ كويسة؟
_ آه، أيوا.. أنا كويسة بس…
ضيق حاجبيه واقترب من الباب بحذر قائلًا:
_ بس؟
_ ااا... امممم... أجبها لك إزاي!؟ ريان أنا من غير حجاب.
توقف عقل ريان لوهلة وهو يردد:
_ أنتِ... مش فاهم!
_ ريان، أنا مش معايا هدوم واللي كنت لبساها كلها بقيت مياه، اتصرف بئاا....
_ آه، طيب اخرجـ...
_ بقولك مش معايا.
أجفل على صوتها ليستوعب الأمر قبل أن تعلو ضحكاته ونزع قميصه عنه قائلًا:
_ خدي دا لحد ما أروح أجيب لك هدوم، يا غبية.
_ الله يسامحك.
_ بس يا هبلة أنتِ في الحمام، خدي.
أعطاه لها ثم تحدث بسرعة وهو يتحرك ليرتدي شيء من ملابس صديقه:
_ مش هتأخر عليكِ.
وقبل أن يرحل خرجت هي ليتصنم بأرضه وهو ينظر لها.
ابتسم بمكر قائلًا:
_ ما خلينا يوم كمان، إيه رأيك؟
_ ريــان!!
تنهد بقوة خارجًا هامسًا:
_ خلاص فهمت، مش هتأخر عليكِ.
ابتسمت حوراء بخفة وجلست في الغرفة تنتظر مجيئه على ملل شديد.
قبل أن تقفز تقرر تمشيط شعرها لتتوقف وهي تتذكر بأنها في منزل رجل، رجل غريب.
لتعود للجلوس مجددًا بتنهيدة.
وكما قال لم يتأخر عليها، عاد سريعًا والثياب معه لها.
ارتدت ما أحضره ووقفت تعدل من خصلاتها.
ليقترب ريان منها ووقف خلفها، مرر يده على خصلاتها السوداء الطويلة يرتبها بأنامله، هامسًا لها بحب:
_ فاتنتي، أتساءل عن عملٍ قمتُ به ليرزقني الله بكِ، بربك ماذا فعلت أنا لأستحق كل هذا الجمال والدلال؟
منذ أن رأيتك للمرة الأولى بغض النظر عن الطريقة إلا إنني شعرت وكأن حياتي ارتبطت بكِ، لا حياة لي بدونك، وكأنكِ أصبحتِ نبضات قلبي، أنا أحبكِ فاتنتي.
التفتت له تعانقه بخجل وحب لم تعترف به له، وكان هو مكتفيًا بأفعالها دون حديثها، مكتفيًا بها عن أي شيء.
***
هبط الدرج بهدوء وفجأة سمع صوت صرخة أتت من خلفه ليلتف خلفه لينظر ماذا حدث ليشعر بثقل جسد ما يرتمي نحوه ليلتقطه بين يديه سريعًا وهو في ذهول.
كادت أن تهبط الدرج وهي تنظر إلى ظهر ذلك الشخص الذي أمامها ولكن فجأة انزلقت قدمها عن الدرج لتصرخ بفزع واغمضت عينيها بقوة وهي تشعر بجسدها يهوي من أعلى الدرج.
نظر إلى الأسفل تحديدًا بين ذراعيه، ليجد تلك القصيرة وهي تغمض عيناها بقوة.
فتحت عيناها عندما شعرت بشيء قوي يحيطها لترى عيناه المضيئة وهي تنظر لها بجمود.
ابتعدت عنه سريعًا وهو يطالعها بسخرية:
_ مقصدش... عن إذنك.
وابتعدت من أمامه واكملت هبوط الدرج وهي تهمس بكلمات لم تصل له.
والآخر كان مشغولًا أكثر من أن يهتم بهذه القصيرة الوقحة والتي لم تشكره حتى على منه وجهها من الالتصاق بالأرض!
بعدما أخذ حمامًا منعشًا يريح وجع جسده بسبب نومه أمام باب صديقه، خرج من الغرفة ناويًا الهبوط ولكن توقف مكانه عندما تذكر شيء ما ليغير مسار طريقه ويذهب باتجاه إحدى الغرف ويظهر في عينيه الاشتياق الشديد.
وقف أمام باب الغرفة وطرقه بهدوء لسمع صوتها الرقيق وهي تسمح له بالدخول وبالطبع لم تكن تعلم أنه هو، ليتنهد بقوة وفتح الباب بهدوء ودلف إلى الداخل وأغلق الباب خلفه ليجدها تجلس على الفراش متسطحة واضعة رأسها على أقدام توأمها.
وما إن رأته حتى اعتدلت في وضعيتها ونظرات الاثنان تطالعه باستفهام خاصًة أخيها!
تحدث أيام مستنكرًا دخوله وغلقه الباب خلفه وكأنه في غرفته:
_ غيث!
أماء غيث مرددًا بحرج:
_ صباح الخير.
رفع أيان حاجبيه بمعنى أأتيت لغرفة شقيقتي وأغلقت الباب خلفك لتلقي عليها تحية الصباح؟
ليسأله وظهر في نبرته الاستنكار:
_ خير؟ بتعمل إيه هنا؟
نظر له غيث وأردف بهدوء بينما يمرر نظره بين ليان وأيان:
_ بصراحة كنت جاي أشوف ليان صحيت ولا لأ... علشان عايزها في موضوع.
نظر أيان بطرف عينه إلى أخته التي هزت رأسها له بخفة، ليتنهد ونهض مرددًا بينما يتحرك إلى الخارج وتعمد فتح الباب على مصرعيه حتى اصطدم بعنف في الحائط، يرسل رسالة واضحة إلى غيث:
_ هنامي على الفطور يا ليان.
نظر غيث في أثره بحاجب مرفوع قبل أن يعود ببصره لها، ليبتسم بخفة يراها تعقد ذراعيها أمام صدرها تطالعه بقوة مرددة:
_ خير، يا أبيه؟
انمحت بسمته وتحدث من بين أسنانه:
_ بلاش أبيه دي أنا مش أبيه لحد وافهمي أنا بحبك.
رفعت حاجبيها بسخرية مصطنعة، فقلبها من الداخل يرتجف يريد الركض إليه واحتضانه بقوة ولكنها تمالكت نفسها ونجحت في رسم السخرية على وجهها:
_ والله أنا بنفذ طلبك مش كدا يا أبيه.
تقدم منها غيث وامسك بكتفيها يجعلها تقف أمام قائلًا بحدة:
_ ليان بلاش تستفزيني أنتِ اللي مش عايزة تفهمي إني عملت كدا علشانك قبل علشاني، وإني ضحيت بنفسي علشان أنتِ متندميش بعدين، ورجعتلك لإني بحبك.
ابتعدت ذراعيه عنها بعنف وصرخت بوجهه بقسوة وأعين لمعت بالغضب والدموع:
_ وأنا مش بحبك افهم بئا، أنا خلاص مبقتش أحبك وكلامك كان صح وقتها، فعلًا كان مجرد إعجاب... مراهقة، وإني بعدين هنساه وإن دا إعجاب مش أكتر علشان مكنش في غيرك قدامي، كان معاك حق وأهو أنا نسيت وكملت حياتي عادي ومبقاش فارق معايا وأنت دلوقتي أبيه وبس مش حاجة تاني، أفهم أنت اللي أنا فهمته زمان.
زفرت بقوة تمسح على وجهها أسفل نظراته الحزينة، لتطالعه بأعين اختلطت بها شعيرات حمراء، تهتف بلهجة شديدة:
_ اطلع برا مش عايزة أسمع حرف واحد منك، مش عايزة أشوفك، افهم بئا خلاص، حتى لو كنت بحبك فـ دا كان، كان وخلص يا حبيب أمك، اطلع برا وسيبني في حالي.
حاولت دفعه بقوة من كتفيه وصدره ولكنّه كان كالحجر الثقيل لا يتحرك.
أمسك يديها ينظر إلى عيناها بقوة قائلًا بحنان:
_ أنا آسف يا ليان، آسف على وجع سببته ليكِ وعلى كلمة خرجت مني جرحتك، أنا آسف واللف وحقك عليا، والله اتعذبت في بعدي عنك وكنت بحاول بكل قوتي إني مرجعش، مجيش أقولك أنا بحبك وأنتِ بتعذبيني في بعدك عني، أنتِ حياتي وأنا مقدرش أعيش من غيرك أكتر من كدا، صدقيني مبقاش عندي طاقة أبعد عنك أكتر، كفاية.
_ وأنا مش عايزة تقرب مني، عايزة تبعد عني ومتقربليش تاني.
نظر لها غيث مطولًا قبل أن يقترب منها يقبل جبينها ليبتعد بسرعة ما إن دفعته بقوة، ليردد بهدوء ونبرة حاسمة:
_ وأنا مش هبعد، ويفضل تفهمي وتستوعبي دا بسرعة أفضل ليكِ، أنا هفضل جنبك وحواليكِ وعمري ما هسيبك وهثبت لك دا النهاردة.
مسحت دموعها بعنف تتابع رحيله، لتتحرك لغسل وجهها ووقفت أمام المرآة تزين وجهها بما يخفي أثر بكاءها وذبولها.
***
تحدث حسين قلقًا على ابنه الذي يبدو غريبًا وباهتًا اليوم أكثر من العادة:
_ أيهم، فيك حاجة؟ أنت تعبان؟
لم ينظر له أيهم وظل على حاله ولم يبدي أي رد فعل سوى ابتسامة ساخرة ارتسمت على جانب فمه.
هل يسأله إذا كان متعب؟ ألا يشعر بقلب ابنه المحترق منذ زمن؟ ألا يشعر بتلك السكاكين التي تغرز بكل برود داخل قلبه لتجعل منه أشلاء ملتهبة؟
هل حقًا يسأله الآن وقد أرهق التعب فؤاده وتملك منه منذ سنين؟ يا للسخرية! ويسمى نفسه أبًا؟
وأمه! ألا تشعر به أيضًا؟
لا أحد يشعر به لا أحد يشعر بمعاناته وألمه وعذابه وحزنه طيلة هذه السنوات.
لا بأس، لقد اعتاد على هذا ولم يعد يؤثر فيه شئ سوى غيابها.
غياب تلك التي دخلت حياته فجأة وادخلت معها البهجة والسرور مثلما اختفت فجأة أيضًا وأخذت معها البهجة والسرور لتترك له آلام وحريق يشتعل بداخله كل يوم عن سابقه أكثر ليظل يعاني طيلة حياته من ألم فقدانها واشتياقه لها.
فاق من شروده وآلامه على يد توضع على كتفه لينظر بجانبه ليرى شخص لم يتوقع أبدًا أن توضع كف يده على كتفه يومًا.
نظر له نظرة حارقة بداخلها نار مشتعلة إن خرجت ستحرق الأخضر واليابس وتبخر ماء الأرض جميعًا.
لمَ لا وهو من تسبب له في كل هذه المعاناة - كما يعتقد -.
ولم يكن سوى... ريان!!!
كان الجميع ينتظر رده على سؤال والده وهم ينظرون له بقلق من حالته تلك، ولم يشعروا بذلك الذي دلف إلى القصر بهيبته المعتادة وتلك الحورية تتمسك بذراعه كمن تتمسك بذراع والدها.
لم يلاحظهما سوى هشام وبيجاد وإياد وشقيقتيه ليتقدموا إلى الداخل وهما متعجبان هذا الصمت.
تتف ريان بصوت منخفض:
_ اقعدي جنب أخواتك.
أماءت له حوراء بدون أن تتحدث وجلست بجانب أشقائها.
نظر ريان إلى أيهم وهو يعلم ما سبب هذه العلامات على وجهه ليتقدم باتجاهه وأعين صديقيه تتابعه.
وقف بجانبه وهو يضع يديه في جيبي بنطاله وينظر له نظرة عميقة ليلاحظ الباقين وجوده.
كادوا أن يتحدثوا ولكن منعتهم كف ريان التي ارتفعت إلى الأعلى إشارة للصمت ليتابعوا هم ما يحدث في صمت.
وضع ريان كف يده اليمنى على كتف ذلك الشارد ليراه وهو ينظر إليه لتتحول نظرته إلى قسوة وغضب ليبادله هو نظرة هادئة غامضة.
نهض أيهم بغضب نافضًا عن كتفه يد الآخر، لينهض معه غيث وهشام وبيجاد وهم مستعدين للتدخل في أي وقت.
وضع ريان كف يده الأخرى على كتف أيهم قائلًا بهدوء غريب:
_ خلينا نتكلم.
أبعد أيهم يده عنه مجددًا متشدقًا بقسوة:
_ مفيش بينا كلام يا ابن عامر، وابعد عن خلقتي أحسن لك.
تحدث ريان بجدية:
_ بينا كلام منتهى من سنين يا أيهم، ولازم يخلص النهاردة.
تحدث أيهم بعنف وانتفض جسده غضبًا:
_ كله انتهى وقتها، وأنا انتهيت في نفس اليوم من سنين.
هتف عامر بتساؤل:
_ موضوع إيه دا اللي بتتكلموا فيه؟ في إيه يا ريان أنت وأيهم؟ وإيه المشكلة اللي بينكم علشان تبقوا كدا؟ احنا مرضناش ندخل السنين دي كلها مستنيين منكم انتوا تحلوا مشاكلكم بنفسكم بس الظاهر إن المشكلة دي مش هتعدي خالص غير لما احنا هنتدخل فيها.
اردف ريان بهدوء وهو ينظر إلى والده:
_ متقلقش يا والدي هانت... والنهاردة قررت أحل الخلاف اللي بيني وبين ابن عمي.
ثم نظر إلى أيهم وهمس له:
_ هلقاك في المكان المعروف، دلوقتي.
نظر إلى صديقيه وغيث نظرة فهموها ثلاثتهم ثم اتجه إلى حوراء وقبل رأسها هامسًا بحب:
_ هخرج شوية، خلي بالك من نفسك ولو عايزة حاجة اتصلي عليا.
نظرت له حوراء واردفت بقلق ظهر في عينيها:
_ هتتأخر؟
ابتسم لها واردف بحنان:
_ ممكن شوية، بس متقلقيش هحاول أرجعلك بسرعة ماشي؟
أماءت له بهدوء ليبتسم لها بحنان ثم تحرك لخارج المنزل وتبعه هشام وبيجاد.
اقترب غيث من أيهم وقبل أن يتحدث كان الآخر انطلق إلى الخارج كالآعصار وتبعه غيث متنهدًا وهو يتمنى بداخله انتهاء هذه الحرب.
ذهب عامر برفقة والده إلى المكتب لكي يتحدث معه.
هتف عامر بضيق:
_ إيه يا كيلاني شايفك قاعد مرتاح ولا على بالك.
قهقه الكيلاني بهدوء مردفًا وهو يجلس على مقعده المخصص:
_ إيه كيلاني دي كنت نسيت يا معفن إني خلفتك، عمومًا يا عامر دول شباب ومشاكلهم ملناش دعوة بيها إن شاء الله كله هيبقي تمام، طالما ريان قال انتهى يبقي انتهى. أنت ريح بالك ومتدخلش في مشاكلهم ومتقلقش عليهم دول رجالة وعارفين الصح من الغلط ومش محتاجين حد يدخل ما بينهم علشان يعرفوا يحلوا مشاكلهم.
تحدث عامر بقلق:
_ يا والدي مقصدش أتدخل وأنت عارف إني أنا أكتر واحد مدي الحرية لأولادي والدليل إني سايبهم يعيشوا بعيد عني علشان هما عايزين كدا، بس أنا قلقان المشكلة اللي ما بين ريان وأيهم تتأزم أكتر ومنقدرش نحلها في الآخر ودا ممكن يسبب مشاكل كبيرة بالذات إن الاتنين أعند من بعض وعصبيين ومحدش بيقدر عليهم وإن كانوا عايزين يعملوا حاجة بيعملوها ومحدش بيقدر يوقفهم.
تحدث الكيلاني بهدوء يظهره كالغير مبالٍ:
_ كله هيبقي تمام يا عامر، وإن شاء الله بالليل هتلاقيهم زي السمنة على العسل، أنت بس ارتاح وخليك بعيد عنهم.
تحدث عامر وهو ينظر له بشك:
_ أنت تعرف إيه المشكلة اللي بينهم يا بابا؟
هز الكيلاني كتفيه واردف:
_ وأنا هعرف منين يعني!
كاد أن يتحدث عامر لولا قاطعه دلوف حسين عليهما، ليقول الكيلاني ضاحكًا:
_ كويس أنك جيت يا حسين، تعالى فهم أخوك وعرفه أنه مفيش داعي يقلق على الشباب.
اردف حسين بمرح:
_ بصراحة أنا جاي أكون في صف عامر.
ضحك الكيلاني قائلًا:
_ لا بقولكم إيه، اقفلوا على الموضوع دا وملكمش دعوه انتوا. ولو حصلت حاجة أنا هحلها واقعدوا علشان عايزكم في شغل.
جلس عامر وحسين بقلة حيلة وبدأوا يناقشون بعض الأعمال والتي تخص الشركة التي يديرها أيان ابن حسين ويناقشون أيضًا بعض الأعمال الخاصة بالأرض الزراعية والتي يشرف عليها مصطفى وغيره من الأعمال الأخرى.
***
تزقف همس سيارات بقوة مسببين غبارًا كثيفًا، ترجل الخمسة من سيارتهم وتحرك ريان يقف أمام أيهم، في نفس المكان حيث قبرها، متحدثًا بجدية وكفيه داخل جيبي بنطاله:
_ خلينا ننهي الموضوع دا بدون عنف أحسن للكل.
زمجر أيهم بغضب:
_ يلا ابتدى.. سامعك، يلا مرر لنفسك واكذب أنك مش السبب في موتها.
رفع ريان رأسه كالطاووس مردفًا:
_ لا أنت ولا غيرك هيجبرني على الكذب، مبخافش غير من اللي خلقني يا أيهم وأنت عارف كدا كويس، أنت اللي مُصر تلومني وتتخذني شماعة تعلق عليها خسارتك، وأنا قولتلك كتير أنا معملتهاش.
***
تسارعت الرياح مقلبة أوراق دفتر دُفن تحت غبار الزمان، كاشفة حقائق ربما كانت خادعة أو واهمة للعقول!
والسلام.
رواية الطبيب العاشق الفصل السادس عشر 16 - بقلم منة جبريل
لمعت عيناه بالشر والقسوة. وفجأة وقف أمام ريان واردف بغضب وكره شديد:
_ أنا عمري ما هصدق كذبك ونفاقك، عمري ما هسامحك يا ريان وأنت السبب.
قابله رد ريان البارد:
_ أنت عارف إني مش السبب.
زمجر أيهم بعصبية:
_ أنت السبب، غرورك وسيطرتك اللي كانت عمياك هي السبب، إحساسك إن ملكش كبير وأنك صاحب كل حاجة كان السبب، أنت السبب يا ابن عمي، وربي يا ريان ما هرحمك وحق مراتي وابني هرجعه، هحرق قلبك وحياتك بنفس الطريقة.
احتدت أعين ريان وفهم ما يرمي إليه الآخر. ولكن أيهم ابتسم له بشر وصعد سيارته مغادرًا وقلبه مثقل وبشدة. لمَ اختار هذا اليوم تحديدًا للنقاش؟ لأنه يعلم أنه يكون مستنفذ الطاقة ولن يحطم وجهه!
زفر ريان بقوة وهو يرفع رأسه للأعلى. ربت هشام على كتفه فنظر له ريان ثم ذهب هو الآخر لسيارته وانطلق بها مغادرًا، ليبقى فقط هشام وبيجاد وغيث.
اردف بيجاد بصدمة:
_ هو احنا مش كنا جايين نتكلم، أنا ملحقتش.
ظل ثلاثتهم ينظرون للطريق الذي سلكه ريان وأيهم منذ بشرود. قبل أن يقول بيجاد وتحولت نبرته للجدية يأخذ الخطوة الأولى في هذا الموقف:
_ غيث، في اليوم اللي حصل فيه كل حاجة كيان كانت مخطوفة، وهو أخد مني ومن هشام وعد إننا منتكلمش ولا كأن دا حصل.
نظر له غيث واردف بصدمة:
_ مستحيل!
أكمل بيجاد بجدية:
_ دي الحقيقة، وأنا مش هقدر أقول أكتر من كدا، ريان لو عايز هيتكلم.
مسح غيث وجهه بقوة وغادر هو الآخر. لينظر هشام إلى بيجاد واردف بجمود:
_ أنت عارف أنت عملت إيه دلوقتي؟
هز بيجاد كتفاه وتحدث وهو يعود لسيارته:
_ المهم مكونش جيت هنا على الفاضي.
_ أنت أخلفت بوعدك لصاحبك!
_ لمصلحته أضحي بعمري يا هشام.
زفر هشام بقوة يتمنى أن ينتهي هذا الوضع وسريعًا.
***
توقفت سيارة غيث وخلفه بدقائق سيارة هشام. ترجلوا هم الثلاثة ونظروا حولهم وجدوا سيارة ريان فقط ولم يجدوا سيارة أيهم.
دلفوا إلى الداخل وجدوا ليان وآية وأريب فقط من يجلسن في بهو المنزل. هتف هشام بصوت أجش:
_ ريان هنا؟
أومأت له بالرفض واردفت ليان:
_ لا، هو مش خرج معاكم؟
هتف غيث من بين أسنانه:
_ آه خرج معانا بس مرجعش معانا.
تجاهلته ليان وهذا زاد من غيظ غيث. ثم استمعوا جميعًا إلى صوت رقيق قلق وهو يأتي من اتجاه الدرج:
_ فين ريان؟
وقفت أمام هشام وبيجاد وهي تنظر لهم بتساؤل. هتف بيجاد بتفكير:
_ طالما غادرته برا يبقى موجود في البيت التاني.
أومأت له حوراء وتخطتهم وكادت أن تذهب ولكن أوقفها صوت بيجاد:
_ ثواني، هوصلك.
هتفت حوراء سريعًا:
_ ملوش داعي، أنا عارفة الطريق.
_ مينفعش تروحي لوحدك، ممكن ميكونش هناك، تعالي.
تنهدت حوراء وتبعته بصمت. نظر هشام إلى غيث قائلًا:
_ يستحسن تلاقي أيهم.
مسح غيث على وجهه وخرج يبحث عن الغاضب الآخر. أعاد هشام بصره لهن ليعقد حاجبيه وهو يرى آية فقط تجلس أما البقية اختفوا! أين ذهبت ليان وأريب؟
نظر لها هشام وهو يلعن ذلك الإحساس الذي بداخله وجلس على مقعد قريب منها وانحنى للأمام وهو يسند ذراعيه على قدميه واردف بهدوء وهو ينظر لها:
_ تعرفي إنك غريبة!
نظرت له بعدم فهم. ليقول بهدوء:
_ اللي بتعمليه دا هيرجع عليكِ بالسلب، أنا شخص أسوأ من خارجي وأنك تجذبيني ليكِ دا غلط مش هتقدري تتخلصي منه.
_ أنت بتقول إيه؟
هتفت بها بحدة تطالعه بقلق وعدم فهم لكلماته، وكأنه بغير وعيه، بل شكت في ذلك حتمًا. نهض هشام وغادر بصمت وكأنه لم يتحدث بشيء، وبداخله نار مشتعلة وصوت في عقله يخبره أن يهرب قبل أن يعيد جرحًا لا زال أثره بداخله!
***
ظل يسير بهدوء وهو يرى صمتها مبالغ فيه ليقرر إزالة بعض من الحواجز التي بينهما. فتوقف فجأة لتصطدم بظهره وترتد إلى الخلف خطوتين.
نظر لها سريعًا خشية أن يكون أصابها مكروه مردفًا:
_ أنتِ كويسة؟ أنا مقصدتش.
شعرت بالخجل الشديد ونفت برأسها بصمت. ليبتسم بيجاد وأكمل سيره قائلًا وكأنه لم يحدث شيء:
_ بما إنك زوجة صديقي وابن عمي اللي بعتبره أخويا، إيه رأيك تتخذيني أخ ليكِ، زي إياد كدا، تقبلي بيا أخ؟
ابتسمت حوراء بشدة على مرحه وظهرت غمازتيها بشدة واردفت بمرح هي الأخرى:
_ امممم هفكر.
ضحك بيجاد بخفة وهما يكملان سيرهما قائلًا:
_ بما أنك وافقتي أعرفك على نفسي.
_ لحظة أنا موافقتش؟
_ أنا لا أُرفض عزيزتي.
رفعت حاجبها ضاحكة، تستمع له بابتسامة خفيفة وهو يتحدث بشغف عن نفسه وصديقيه. علمت كم هو متعلق بهما، بل وأعطاها وجهًا لعلاقتهم القوية، حتى توقف أمام منزل هشام ليقول مبتسمًا:
_ ومن هنا يا ستي أنا لا بطيق هشام ولا ريان ومصاحبهم مصلحة.
ضحكت حوراء قائلة:
_ واضح بصراحة.
ابتسم لها بخفة ثم تراجع خطواته للخلف وهو ينظر إلى ضوء المنزل:
_ الحمد لله هو موجود، إلى اللقاء.
لوح لها بيده مغادرًا لتبتسم حوراء بخفة ودلفت إلى الفيلا وبحثت عنه لتجده في غرفة التدريب التي كان بها عندما أتى بها هشام إليه. وقفت عند الباب تراقب ركضه على آلة تمرين. كان يبدو على ملامحه الغضب ولكن في الوقت ذاته ملامحه متعبة متألمة وحزينة وعيناه حمراء بشدة وقد قاتم لون رماديته وأنفاسه متسارعة. يغمض عينيه كمن يتمنى أن تظل مغلقة دائمًا وللأبد. كمن يهرب من شيء. كمن يرى شيئًا سيئًا للغاية ولا يرغب برؤيته. رق قلبها لأجله ولكنها كانت تعلم أنه الآن يحاول إفراغ شحنات سلبية بداخله!
ظلت تراقبه بصمت حتى جفلت على صوته، بأنفاس لاهثة ونبرة دافئة:
_ واقفة بعيد لي؟
نزل من على الآلة ملتقطًا منشفة بجانبه يمسح بها وجهه ورأسه من رذاذ العرق. نظر ناحيتها بملامح جامدة ولكن عيناه ترمقانها بحب. لتسأله بتعجب:
_ أنت إزاي...
_ قلبي بيحس بوجودك يا فتنتي.
اقترب منها يحتضنها بحب دافنًا وجهه في كتفها يتنفس بقوة، وكأنه يلقي بحمله عليها. رفعت ذراعيها تعانقه بحنان هامسة:
_ تقدر تقولي كل اللي جواك واللي بتفكر فيه يا ريان، خليني أشاركك كل حاجة.
أبعد رأسه عنها يطالعها بتفكير للحظات وبدا مترددًا. لتبتسم له تشجعه أن يتحدث. ليمسك بيدها وسحبها خلفه إلى الغرفة الأخرى. أجلسها على الفراش ثم جلس بجانبها ووضع رأسه على قدمها. أمسك بكفها يضعها على رأسه في حركة فهمتها لتبدأ بتحريك أناملها بين خصلاته برفق.
خرج صوته واهنًا وكأنه خلع الآن كل أقنعة القوة التي يتلحف بها دائمًا:
_ أنتِ الوحيدة بعد أمي اللي تشوفني بالحالة دي، بس للأسف أمي سابتني حتى قبل ما أشاركها أكبر هم في حياتي.
صمت ريان قليلًا. أخذ نفسًا عميقًا قبل أن يتحدث بملامح اتكمشت بضيق وحزن:
_ قبل سنين، كنت في بداية شغلي تقريبًا، مش البداية أوي بس مكانتش لسه بالمكانة دي، كنت أنا وهشام وبيجاد بننسى النوم علشان نعلى بالشركة، وأيهم كان معايا، كان بقرب هشام وبيجاد مني في الوقت دا، لما شركتي تفوقت على شركات كبيرة في السوق ظهرولي أعداء من العدم، بأشكال وحيل غريبة بيعملوها علشان يدمروني بس كنا إحنا الأربعة متيقظين ليهم دايمًا، لحد ما ظهرلنا واحد مريض نفسي اسمه شاذلي صاحب شركات شاذلي الرفاعي، كانت شركة كبيرة وقديمة عننا، في البداية بعتلي مرسول بإني أتنازل عن صفقة كانت مهمة ليا زي ما هي مهمة ليه، وهترفعني أنا لفوق أوي لو كسبتها، أنا تجاهلت الأمر وقولتله واجه بشرف واللي يخسر الصفقة يتقبل الوضع عادي.
_ بس وللحقيقة من جوايا كنت هعمل أي شيء علشان تكون ليا من غير خطط خبيثة، بيجاد كان معايا في القرار دا بس أيهم كان قلقان، إننا نقف قدام شركة كبيرة زي شركة الرفاعي يعتبر إننا بندمر كل شيء تعبنا عليه، وهشام كان واقف مع أيهم لإن من طبيعة هشام بيقلق علينا جدًا ولو شك في طريق نهايته فيها أذى لينا بيمنعنا، بس قدام إصراري وافقوا، وللحقيقة كبريائي منعني، متعودتش أتراجع عن حاجة لإني خايف، أنا أدخل في النار وآخد منها اللي عايزه ومش ههتم بالحروق اللي هخرج منها.
_ شاذلي مسكتش، حاول يسرق ويهدد ويغتال بس كنا ليه إحنا الأربعة بالمرصاد، لحد ما في يوم....
صمت ريان وارتجفت أنفاسه، أغمض عينيه بقوة مكملًا بصوت أجش:
_ لحد ما في يوم وصلني خبر اختطاف أختي، كيان كل حياتي بكل ما تحمل الكلمة من معنى، أحرق العالم قصاد دمعتها وشاذلي عرف دا فغير وجهته ليها، خطفها علشان يهددني ويلوي دراعي بيها وقدر، أنا أول ما عرفت اتجننت واخدت ورق الصفقة وكنت هروحله بيه وكل حاجة، بس بيجاد وقفني وأدالي ورق تاني قالي إننا نوهمه بإنه دا ورق الصفقة ومنها أوصل لكيان، بيجاد كونه ظابط في المخابرات كان هو اللي هيقدمنا في المواجهة لو كان فيها أي اشتباك، المفروض أعمال الشركة ميبقاش فيها الشغل دا بس حقد شاذلي وصلها للطريق دا.
_ شاذلي حسبها صح ولجأ لإنه يفرق ما بينا علشان يقدر يكسبنا، بس بيجاد وقبل ما يكون معايا راح لمهمة في شغله، وهشام من الأول كان مسافر، كنت أنا وأيهم، وأنا عقلي وقف وإن اختي دلوقتي في خطر خلاني أتجاهل وجود أيهم واتحركت لوحدي، روحت للمكان اللي بعتلي عنوانه ولقيت رجالاته فعلًا ومعاهم أختي، أديتهم الورق وأخدت كيان ومشيت وكان الموضوع أهدى وأسهل مما توقعت، كنت هتصل على شاذلي بس اكتشفت إن تليفوني في الشركة، كان معايا تليفون احتياطي في العربية وكلمته منه، قولتله تبقى غبي لو فكرت إنك تلوي دراعي بحاجة، مش الذئب اللي يخضع لحد، ريان الكيلاني يحرق الكل وياخد اللي عايزه من غير ما يضحي بحاجة واحدة.
فتح عينيه ومسح على وجهه بقوة، نهض عن قدمها ونظر لها للحظات قبل أن يكمل:
_ سمعت ضحكته، سمعته بيقولي غرورك هيجيبك لورا روح الطريق الخلفي للطريق الصحراوي في هدية هناك مستنياك.
حسيت إن قلبي اتقبض وزودت من سرعة العربية ونزلت كيان رغم انهيارها قدام القصر وأمرت سليمان والحرس يكونوا حواليها، وأكدت عليها إنها متقولش لحد اللي حصل ومشيت بسرعة على العنوان وأنا بفكر في إيه اللي مستنيني، بس ورغم سرعتي وللأسف وصلت متأخر، متأخر أوي، لما وصلت.
تغضنت ملامحه والذكرى تلوح أمام عيناه وكأنها البارحة، تحدث بصوت واهن:
_ لقيت بسمة مرات أيهم ورقبتها. انتحرت، وأيهم. أيهم كان جنبها غرقان في دمها وهو بيلمسها زي المجنون وإيده بتتحرك عليها وعلى بطنها الكبيرة وهي كانت حامل، بس الدم اللي كان تحتها زي اللي من رقبتها قالي إن الاتنين راحوا، أيهم مكانش بينطق باصص عليها وإيده بتتحرك على كل جزء فيها من غير ما ينطق، بقيت مش عارف أتحرك من مكاني.
_ أنا وبصعوبة قربت منه، حاولت أتكلم مقدرتش، أول ما لمسته وبصلي اتنفض، ووشه كله بقى مليان شر، فضل يضربني ويقولي أنت السبب، أنا هقتلك وهشيل قلبك من مكانه، فضل يقول كلام كتير قبل ما يغمى عليه.
لقيت تليفوني في العربية بيرن، وكان هشام بيقولي أنه رجع من السفر، بعتله العنوان بسرعة وأخيرًا لقيت حد يساعدني في استيعاب اللي حصل، هشام جه وفوقنا أيهم وبقينا مش عارفين نعمل إيه، أيهم قام من سكات ودفن مراته مكانها وابنها جوا منها ميت، دفن الاتنين في قبر واحد.
هشام قالي إن أيهم اتصل عليه وقاله إن مراته اتخطفت وأنه حاول يوصل لي بس معرفش، أنا اتصدمت وقولتله إن كيان كمان اتخطفت، بس إيه اللي حصل خلى أيهم من بعدها يتمنى موتي بأي شكل وكل مرة بيبصلي فيها بتكون نظراته مليانة غضب وكره معرفش، أيهم بعد ما دفنها مشي، افتكرته مشي على البيت. لما رجعت قالولي أنه سافر لألمانيا، ومن بعدها متقابلتش إلا قليل معاه وكان لقاءنا دائمًا ينتهي بطريقة عدائية، أيهم بقى سنينه بعدها في ألمانيا وإلى الآن كل ما أحاول أعرف فيه إيه يقولي أنت السبب ومش بيكمل.
ألقت حوراء نفسها بين ذراعيه تبكي بقوة على ذلك المسكين وما عاناه، لا تعلم ما تقول أو ما تفعل، لم تجد سوى البكاء ويد زوجها تربت على رأسها بحنان!
***
كان أيهم يجلس في سيارته وهو يقف بها في إحدى الشوارع الفارغة وكان يبكي بحرقة. يبكي بألم على فراقها له. يتمنى أن تعود له ولكن هذا مستحيل فيتمنى هو أن يذهب لها. نظر إلى المقعد الذي بجانبه والتقط صورة موضوعة عليه ولم تكن سوى صورتها. ظل ينظر لها باشتياق وحزن ودموعه لا تتوقف. شرد في صورتها وتذكر موقفًا لهما معًا.
كان يقف خلفها في شرفة منزلهم الذي اشتراه خصيصًا لها وهو يطل على البحر في منظر خلاب وكان يحيط خصرها بذراعيه ملصقًا إياها به وكانا يشاهدان الغروب معًا. تحدثت بسمة ببسمة وحب:
_ أيهم، أنا بحب الغروب أوي.
_ أكتر مني؟
سألها بمشاغبة وهو يقبل وجنتها من الخلف. لتضحك قائلة:
_ وأنا كنت هعرف الحب إزاي غير منك يا آيو، أنت اللي خليت لكل حاجة بعدك لون حلو ويتحب، إنما أنت فأنا بعشقك، أنت حياتي يا أيهم.
اردف أيهم وهو يشد على احتضانه لها:
_ وأنا بعشقك يا بسمتي ولو عندي كلمة أكبر منها توصف اللي جوايا ليكِ كنت قولتها، ربنا ميحرمنيش منك أبدًا.
ترقرق الدمع في عينيها. ليجفل وهو ينهض ويوقفها أمامه يسألها بقلق:
_ لي الدموع دي يا قلب آيو؟
احتضنته بسمة بقوة تخبره بمخاوفها، وكأن قلبها يشعر:
_ خايفة أوي يا أيهم، خايفة تبعد عني أو أنا أسيبك لسبب أقوى مننا، أنا هموت من غيرك يا أيهم، والله ما هقدر أعيش من غيرك.
_ أنا عمري ما هبعد عنك يا بسمة، ولو اجتمعت الأرض كلها على تفريقنا، وربنا رحيم بيا وبقلبي وعالم إني من غيرك هكون ميت يمشي على الأرض، ولو أنا مت هتفضل روحي حواليكِ وهطاردك زي الأشباح.
اشتدت ملامح الخوف على وجهها وهي تردف:
_ بعيد الشر عنك يا أيهم، أنت لازم تفضل معايا لآخر لحظة في حياتي.
غرق وجهه بدموع اللوعة والألم، احتضن الصورة إلى قلبه قائلًا بصوت مختنق ببكائه:
_ بموت كل يوم من بعدك، بقيت عايش ميت، بقيت جسد من غير روح يا بسمة، أنا من غيرك ولا حاجة.
انتحب في البكاء بصوت عالٍ يمزق نياط القلوب، يبكي فراقها ويبكي نفسه من دونها. لا يستطيع العيش بدونها. أصبحت حياته من بعدها سوداء. يكره كل شيء من بعدها. ماذا فعلت ليعاقبني الله بفراقك يا بسمتي؟ ادعو الله أن يأخذ روحي رحمة ورأفة بها فهي تتمزق بكل دقيقة تمر عليها وأنتِ غير موجودة بجوارها. يا الله. أريد اللقاء بمن أحيتني عندما دخلت حياتي ومن قتلتني بفراقها.
***
استيقظت حوراء وجدت نفسها بين أحضان حبيبها لتتحرك بخفة وهي تنظر له لتجده فتح عينيه ونظر لها مردفًا:
_ أنتِ كويسة؟
تحدثت حوراء بصوت رقيق وحرج:
_ أنا آسفة، مش عارفة إزاي نمت و.
_ ولا يهمك، خلينا نرجع.
_ ريان أنت لازم تشرح لأيهم الحقيقة مينفعش يقعد أكتر من كدا وهو بيتعذب وبيتهمك في عذابه دا، هو محتاجك دلوقتي جنبه علشان تكون سنده.
_ تمام هشرحله. أنا كنت هشرحله وأفهمه كل حاجة وقت ما خرجنا الصبح بس هو مكملش دقيقتين واقف معايا وسابني ومشي وبالذات إن النهاردة هو نفس تاريخ اليوم.
شهقت حوراء ووضعت كف يدها على فمها وتجمعت الدموع في عينيها مجددًا. اعتدل ريان في جلسته واردف وهو يحيط وجهها بكفيه:
_ مهما حصل متبكيش على حد أو لحد، دموعك أغلى من الأوغاد اللي عايشين حواليكِ، وبالمناسبة أنا أكبر وغد فيهم.
ابتسمت من بين دموعها، ليقبل وجنتيها بحنان. لتنظر له قائلة بتفكير:
_ صعبان عليا أوي. هو أنا لو شوفته أقدر أتكلم معاه؟
تغيرت نظرة ريان مردفًا بغيرة:
_ لا.
اردفت بسرعة تحاول إقناعه:
_ أنا بس هحاول إني أفهمه اللي حصل و.
نظر لها ريان بغيرة. فمهما كان يريد أن يجعل أيهم يرتاح من عذابه إلا أنه لا يستطيع جعلها تتحدث معه. فسمع صوتها وهي تكمل:
_ وكمان أفهم منه سبب اتهامه ليك يمكن يقولي. أنا بس هحاول أتكلم معاه واخليه يفضفض ويطلع اللي جواه، الكتمان صعب أوي يا ريان بيستهلك طاقتنا وبيستنزفها بدون رحمة لحد ما نبقى معندناش طاقة نواجه بيها أي حاجة ولو أي حاجة تافهة حصلت بعد ما طاقتنا تخلص مبنقدرش نستحمل وبنقع ومبنقدرش نقوم، خايفة تكون طاقته خلصت ويقع وميقدرش يقوم واحنا مهما حاولنا نديله طاقة وأمل جديد هنفشل وهو هيغرق أكتر وأكتر في دوامة الحزن واليأس ومحدش هيقدر يطلعه منها. خليني أحاول أكلمه يا ريان يمكن أقدر أساعده في حاجة، أيوا مش هينسى مهما اتكلم وقال واتقال له بس وجع وحرقة قلبه هيخفوا شوية.
استمع لها بدون أن ينطق بحرف واحد وهو يشعر بالحزن الذي في صوتها. وجدها تنظر له بأعين حزينة تترجاه لتنهار حصونه أمام عينيها ولكن لا يستطيع. يشعر بأن نارًا تأكله من مجرد التخيل. ولكن حتى لا تحزن اكتفى بهز رأسه ولم يتحدث. سيمنعها فيما بعد بطريقة ما!
***
تجمع الجميع في الأسفل ومعهم سميرة ومصطفى هذه المرة. كان غيث يجلس وهو يحرك قدمه بسرعة وتوتر فهو يشعر بالقلق على صديقه برغم أنه أخبره أنه يريد الجلوس بمفرده عندما قام بالاتصال به ولكنه تأخر كثيرًا وظل يتساءل.. أين هو؟ وماذا يفعل؟ هل هو بخير؟ ما حالته الآن؟
كان بيجاد شاردًا في كل الأحداث التي مر بها حتى توقف تفكيره عندها. تلك التي سرقت قلبه من أول لقاء. واستولت على تفكيره. لقد اشتاق لها كثيرًا. هل هي تتذكره وتشتاق له مثل ما يشتاق هو لها؟
كان هشام نظره معلقًا على تلك الملاك الهادئ وهو يتذكر حديثهم في الصباح، أو بالأصح حديثه هو، وكم ظهر في نبرة صوتها الرقة المصحوبة بالشراسة ويتذكر نظرة عينيها الحادة. حاول إبعاد عينه من عليها ولكن لا يستطيع وكأنه فقد السيطرة على حواسه لتتصرف هي كما تشاء.
كان غيث ينظر إلى تلك التي تبتسم بإشراق ليزداد عشقه لها وكأنه يراها للمرة الأولى يؤنب نفسه كثيرًا على ما فعله في الماضي فهو بسبب اعتقاده أن هذا الأفضل لها، جرح قلبها الرقيق وعذب قلبها بالفراق لترد هي الآن عليه وتذيقه عذاب البعد وهي قريبة، جاهلة أنه كان يتعذب كل هذه السنوات أضعاف عذابها. فكم مرة صعد سيارته مقررًا المجيء إليها ولكنه يعود في آخر لحظة. لقد كان يتعذب بشدة وهو يحاول التحكم في نفسه. ولكن هي لا تعلم هذا هي كل ما تعلمه أنه جرحها إذًا ليتركها حتى تخرج كل الآلام والحزن الذي بداخلها حتى يستطيع هو إبدالهم بالفرح والسعادة.
كان إياد يجلس في صمت وهو ينظر إلى يده وهو يفكر في أمر شقيقاته. لقد اطمأن على واحدة وتبقى اثنتين. يدعو الله أن يرزق أخوته فرحة كبيرة تعوض ما عاشوه من حرمان وحزن وألم.
أما الفتيات فكانوا يتحدثن معًا جاهلين ما يحدث حولهن وكان يشاركهن الحديث والمرح أيان وحسين وليلى.
الكيلاني وعامر ومصطفى ينظرون إلى الشباب بعدم رضا على حالهم هذا فكل منهم حمل الهم وهو صغير. مهلًا! هل يفرق الهم بين الصغير والكبير؟ بالطبع لا! ولكن هم يريدون رؤية الابتسامة على وجه هؤلاء الشباب.
كانت جالسة بهدوئها المعتاد ورقتها المعروفة وجمالها الأخاذ وهي تنظر إلى ضحكة شقيقتيها وعلى وجهها ابتسامة سعيدة لرؤية شقيقتيها تبتسمان ولكن ما جعلها تحزن وهي ترى الحزن في عين شقيقها لتتساءل.. ما السبب! وماذا حدث!
أما ذلك العاشق فعينيه لم تنزل من عليها يتابع كل رمشة من عينيها الجميلة ورموشها الكثيفة. كل بسمة من شفتيها، وجهها الملائكي الرائع. كم يعشقها ويعشق براءتها وحنانها ولطفها ورقتها وجمالها ويعشق ضحكتها التي تعيد لقلبه الحياة. ولكن أيضًا كان لأيهم جزءًا من تفكيره.
وعلى الجميع تطوف أعين سميرة الناقمة والحاقدة عليهم أجمعين.
هتف الكيلاني بضجر وهو ينهض:
_ إيه الكآبة اللي انتوا فيها دي، تصبحوا على خير، ويلا كل واحد يشيل الكآبة اللي على وشه دي ويتفضل ينام ومتقلقوش أيهم هيرجع وهو كويس، يلا يا عيلة غمضوا.
ضحك الجميع على ردة فعله ونهضوا جميعًا ينفذون ما قاله.
***
في منتصف الليل.
شعرت بالعطش الشديد لتنهض من جواره ببطء شديد حتى لا توقظه. نظرت بجانبها ولكنها وجدت زجاجة الماء فارغة لتقرر عدم إيقاظه فهي تراه مستغرقًا في النوم لتنهض هي ببطء وعدلت من وضع حجابها وأخذت زجاجة الماء وخرجت من الغرفة بهدوء وهي تحرص على عدم إصدار أي صوت لكي لا تزعجه ويستيقظ.
حمدت ربها عندما وجدت إضاءة بهو القصر مضيئة حتى لا تشعر بالخوف. هبطت الدرج بهدوء قاصدة المطبخ ولكنها توقفت بفزع وكادت تسقط زجاجة الماء من يدها وهي ترى أحد جالس في مكان مظلم بعيد عن الضوء لا يظهر من شكله، فقط عينان مضيئتان. خافت حوراء بشدة وتصنمت مكانها وهي تنظر له بفزع.
***
إنها أفعال، تقتل بداخلنا.
والسَّلام.
مِـنَّــــــة جِبريـل.
رواية الطبيب العاشق الفصل السابع عشر 17 - بقلم منة جبريل
سابتني وماتت هي وابني.. الاتنين ماتوا وسابوني لوحدي.
سابَتني افتكر كل كلامها معايا.. كل مواقفها.. مبقاش فاضل ليا غير صورة ليها أضمها لصَدري وأبكي عليها.
بقيت أشوف ملامحها في الصورة بس.. ونادرًا ما بترأف بيا وأشوفها في الحلم.
راحت وراح معاها كل حاجة حلوة جوه قلبي.. كل معاني الحب والسعادة.
راح كل جميل من حياتي يوم ما هي راحت.. سابتني من غير ما تفكر إزاي هعيش من غيرها.
مفكرتش مدى العذاب اللي هتعذبه بعدها.
صمت أيهم ودموعه لا تتوقف. كأن المشهد يعيد نفسه أمامه. أمسك صورتهم بعد ما التقطها منها مجددًا وقربها من قلبه وقبض عليها بقوة. ازداد صوت بكائه.
كانت حوراء تستمع له بصدمة وهي تريد البكاء والصراخ بكل قوتها. كيف تحمل كل هذا!! عندما كان يتحدث كانت ترى ملامحه كأنه يعيش الموقف مجددًا.
خرجت شهقة من أيهم. وعندما لم يستطع تمالك نفسه نهض بسرعة وذهب إلى غرفته. كانت تتابعه بعينيها وهي تشعر بقلبها ينفطر وهي تستمع إلى صوت بكائه!
نهضت بسرعة بعدما غادر وركضت بأقصى سرعتها إلى غرفتها وألقت بجسدها في حضن ريان. واجهشت في بكاء مرير. نهض ريان بفزع وهو يراها تبكي بهذه الطريقة. اعتدل في جلسته وحاوطها بذراعيه بقوة وهو يحاول تهدأتها ولا يفهم ما بها!! ولما هذا البكاء الشديد!! ظل يربت على ظهرها وهو يحاول تهدأتها ولكن دون فائدة.
استمع إلى صوتها المتقطع والمصحوب بالبكاء الشديد:
"هو.. هو اتوجع أوي ياريان، شافها وهي بتموت قدامه، قالي أنه شافها وهي بتموت وابنه كمان، مكانش قادر يحميها، خسرها وخسر ابنه في يوم واحد وقدام عينه، هو موجوع أوي وكل السنين دي بيتعذب بفراقها."
شهقة قطعت وصلة حديثها المصحوب ببكاء عنيف. وريان كان يستمع لها بعدم فهم حتى بدأ في الاستيعاب أين هو ومن هذه التي تبكي في حضنه. ولكن السؤال الذي يحيره.. ما الذي فكرها به في هذا الوقت؟! وأين رأته وتحدثت معه وماذا قال لها لتصبح بهذه الحالة؟
هدأت أخيرًا بعد وصلة بكاء شديد وطويل. ليبعدها عنه ونظر لها بحنان ويده تزيل دموعها. متحدثًا بصوت أجش به أثر النوم:
"اهدي، وفهميني إيه اللي حصل."
قصت له حوراء كل شيء وكان هو يستمع لها بدهشة. ألهذا السبب يتهمه أيهم في موتها؟ كل هذه السنين وصديقه يتعذب وهو لا يعلم.. وذلك الوغد استطاع أن يفرق بينهما بمكر شديد!
تنهد بقوة ونظر لها متحدثًا بهدوء يصطنعه بصعوبة وداخله يشتعل:
"اهدي ومتفكريش في حاجة وأنا هحل الموضوع دا، كفاية لحد هنا."
لبت طلبه وأراحت رأسها على كتفه. تغلق جفنيها بإرهاق حتى سرقها النوم سريعًا. وهو قد جافى النوم عيناه وعقله اشتد من شدة ما وقع عليه!
وانتهى اليوم بما يحمله من ذكريات وأصبح ماضٍ. واتى يوم جديد ليكون ذكرى لمن يبقى حيًا. وكعادة هذه العائلة المملة بعد كل فطور تتجمع. يتساءل عن سر تجمعهم هذا يوميًا حقًا. وما فائدته بالأساس؟ لمَ لا يذهبون لأعمالهم فقط وبكل بساطة؟
تحدثت ليلى بقلق وهي من لم ترَ ابنها منذ البارحة:
"أيهم فين؟ هي رجعت؟"
تحدث ريان بهدوء:
"رجع، وهو في أوضته."
نظر له غيث بتعجب. فهو لم يعلم بقدومه بل ومتى جاء. نهض بسرعة بترك إلى غرفة صديقه. اقتحمها ضاربًا عرض الآداب في الحائط وهو يصيح بغضب نتج عن قلق رافقه طيلة الليل:
"يا أحقر كائن عرفته البشرية."
في الأسفل، وبينما الجميع مشغول بشيء ما، تحدث الكيلاني دون مقدمات:
"بكرة وأخيرًا فرح حفيدي ريان."
اتسعت أعين حوراء وقد نست الأمر تمامًا. وبالله أي فرح بعد ما عرفته؟ لينهض بيجاد صائحًا:
"يعني النهاردة ليلة الحنة! وأخيرًا يا عيلة نكد في فرح."
ضحك الجميع عليه واردف أيان بمرح وقد أضاءت وجوه الجميع بسعادة. عدا سميرة بالطبع. فأخيرًا هناك سعادة قادمة:
"وفرح الذئب أكيد هيكون في عالم تاني."
نهض حسين وهو يكمل حديث ابنه بمرح مماثل:
"مستنيين إيه، يلا يا بيجو التجهيزات عليك."
ضرب الكيلاني كفًا بكف يردف بضحك:
"مجانين والله."
همس ريان في أذن حوراء:
"هنهي الموضوع النهاردة علشان بعد كدا مش هكون متفرغ."
نظرت له بعدم فهم رغم أنه غمزها بمكر. ليبتسم بيأس قائلًا وهو ينهض:
"ولا كأني قولت حاجة، متتعبيش نفسك في التفكير."
وذلك الذي اقتحم الغرفة كاثور. تلقى وسادة في وجهه ليضحك قائلًا:
"أنت لو مراتي مش هتضربني بالمخدة."
توقف عن الحديث وهو يرى معالم الحزن والألم متجلية على وجه صديقه وكأن غبار أمس ما زال عالقًا عليه. ولكن ما تعجبه هي تلك الابتسامة التي رُسمت على شفتيه. كانت أبْهَت ابتسامة يراها في حياته. نظر له أبهم بأعين حمراء كاللهب. قائلًا بصوت ضعيف:
"أنا شوفتها، شوفتها يا غيث، وأخيرًا بس.. كانت المرة دي مختلفة."
أغمض عيناه وعقله يعيد له ذكريات حلم حمل طيف محبوب راحل. وجد نفسه في غرفة فارغة وهناك ثقل على جسده. لينظر إلى الأسفل ليراها. بسمته وابتسامته تتوسط صدره متزينة بأجمل ثوب قد يراه في حياته. وابتسامتها المشرقة أغرته أنها الشمس لا سواها.
شعر بشوق شديد يتدفق من داخله. ينظر لها والأفكار في عقله متداخلة. ما بين الواقع وبتذكر أنها رحلت عنه. وبين حلم يحاول إقناعه أنها لا تزال هنا. حية. بين ذراعيه.
ابتسم بوسع مردفًا بنبرة تقطر اشتياقًا وألمًا:
"بسمتي، أنتِ.. وحشتي قلبي وعيوني. أنا في غربة من بعدك. لي مشيتي وسبتيني؟"
أتاه صوتها الحنون وكان أكثر عذوبة. ووجهها أكثر جمالًا ونضارة. تشير إلى قلبه:
"طالما أنا هنا مفيش أي شيء يبعدني عنك. وعلى فكرة أنت كمان وحشتني. آيو... ممكن طلب؟"
ارتجف قلبه بقوة. وعيناه بدأت في ذرف دموع كانت حقيقية في خياله. هز رأسه. سيفعل كل ما تريد وإن طلبت أن يأتِ معها سيأخذ بيدها ويركض بها دون تردد. ليصله صوتها مجددًا:
"أنا لو قولتلك متحبش غيري هتعملها؟ أنا بتمنالك السعادة دايمًا يا آيو بس مش هقدر استحمل أشوف وحدة غيري في قلبك. أنا معنديش اعتراض أنك تتجوز. أنا عايزك تتجوز علشان يبقالك عيلة تفرح بيها بس متديش مكاني اللي في قلبك لحد."
تحدث أيهم بقلب يرتجف وينوح بشدة. يترجى عيناه أن تثبت على ملامحها أكثر. وهو يشعر باقتراب اختفائها:
"أوعدك يا بسمة روحي. قلبي وجسمي حرام على أي أنثى بعدك. أنا مستحيل أتجوز بعدك يا بسمتي. زي ما أنتِ ليا لوحدي أنا ليكِ لوحدك. هستنى موتي على أحر من الجمر علشان اجتمع بيكِ. يا بسمة عمري اللي اتسرق."
ابتسامة واسعة شقت وجه تلك الجميلة والتي كان وجهها مثل البدر في تمامه. لتزداد جمالًا ولمعانًا. نظراتها له تحمل الكثير من الحب. وضعت وجهها على صدره تعانقه. ليعانقها بقوة مستمتعًا بدفئها حوله قبل رحيلها عنه وعودته إلى الاحتراق بذكرياتهما.
قلق غيث على صديقه وظل يهز به برفق وهو يردف بقلق:
"أيهم… أيهم فوق خد نفس واهدى.. خد نفس يا أيهم اتنفس بهدوء."
ظل غيث يحادثه ويطلب منه التنفس لتبدأ أنفاس أيهم بالرجوع تدريجيًا.. فتح أيهم عيناه ثم أغمضها مجددًا وهو يشعر بنغزات مؤلمة في قلبه. لا زال يشعر بدفئها حوله ومشاعره الجياشة في الحلم لا زالت إلى الآن ثائرة وازداد شوقه ولوعته لها. النوم الوسيلة الوحيدة حتى يراها فيها!!! ويستطيع لمسها!!! والتحدث معها!!! ورؤية وجهها وابتسامتها الجميلة!!! وسماع صوتها!!! آه من صوتها والذي اشتاق له!!! فصوتها مثل العصفور في زقزقته رقيق وهادئ يبعث الراحة في كل من استمع إليه....
فتح عينيه ليكشف عن ذهبيتيه المضيئة وهو يشعر بصديقه وهو يهزه برفق ويستمع إلى صوته القلق:
"أيهم أنت كويس؟؟ افتح عينك يا أيهم هضربك. أنا آسف لإني مكنتش معاك وقت ما أنت كنت محتاجني فيه. سامحني يا صاحبي."
اردف أيهم بصدق وهو يعانق صديقه:
"أنا عمري ما هلقى صاحب زيك يا غيث ربنا يديمك ليا."
بادله غيث العناق وما زال يؤنب نفسه على ترك صديقه رغم أنه فعل كل شيء حتى يصل إليه حتى أنه تعقب هاتفه ولكن كان صديقه مجهز لكل شيء وكسر شريحته وأغلق هاتفه بعدما أخبره أنه يريد الاختلاء بنفسه قليلًا. ورغم هذا يشعر بتأنيب ضميره وكأن هناك طريقة وهو تجاهلها!!
لم يتحدث أو يسأله عن الحلم حتى لا يعود لحالته الغريبة تلك. ظل يتحدث معه في أمور عدة حتى يلهيه ولو قليلًا وهو يشعر باقتراب فقدان صديقه لعقله من شدة حزنه!.
توجهت أنظارهما ناحية الباب، أو بالأحرى ناحية من اقتحم الغرفة عليهما. طالعه غيث متعجبًا وجوده هنا، وأيهم أشاح ببصره بعيدًا. ليس لديه طاقة لطرده أو للشجار معه الآن. لوح له بيده قائلًا:
"تعالى بعد ساعة أكون قادر أضربك."
تجاهله ريان وتقدم للداخل حتى وقف أمامهما. كفيه داخل جيبي بنطاله يرمق أيهم بغموض قبل أن يردد بلهجة شديدة لا تقبل اعتراضًا:
"المرة دي هتسمعني برضاك أو غصب عنك، وبعدها براحتك إذا كنت هتفضل تبصلي بالطريقة دي ولا هتغيرها وأنا مش هجبرك على أنك تصدق اللي هقوله وخلينا منطولش في الكلام أكتر من كده."
دار بعينيه في الغرفة حتى ثبت بصره على مقعد قربه من الفراش وجلس عليه قائلًا بسخرية:
"الكلام طويل وأنا صحتي على قدي."
اعتدل في جلسته واستند بذراعيه على قدميه وجمع قبضتيه معًا. ينظر إلى أيهم بهدوء شديد. قبل أن يتنهد يشجع نفسه على حديث طويل وهو لا يطيق إكثار الكلام. تحدث وحاول أن يوضح كل شيء بشكل سريع لأيهم الذي كانت صدمته مما يسمع تظهره وكأنه لا يفهم شيئًا. ليجبر ريان على الشرح المبسط مرغمًا.
زفر بقوة ما إن أنهى حديثه ونهض مرددًا:
"قلت اللي عندي واللي حصل. ولو أنت مُصر على لومي فالعيب فيك وأنا مش هقدر أساعدك."
نظر إلى غيث للحظات ثم تحرك ليهم بالخروج من الغرفة. يشعر بثقل على قلبه رغم أنه خف قليلًا ولكن. أن لا تأتِ النتيجة التي كان يتوقعها لهو أمـ..
قاطع تفكيره صوت باهت يردد بسخرية لاذعة:
"طول عمرك حقير وغرورك بيمنعك عن الاعتذار. وأنا طول عمري..."
_"غبي"_ قالها ريان بشكل سريع وهو يلتفت له مبتسمًا. ليهز أيهم كتفيه قائلًا وهو ينهض عن الفراش متحركًا نحوه. بثقل قلب وروح مرهقة. يفتح ذراعاه لشخص حمل المقت والغضب تجاهه بداخله لسنوات:
"مسامح وقلبي رقيق."
تشنج وجه ريان بسخرية ولكنه ابتسم يستقبل عناق أيهم القوي. ضمه إليه وكأنه يضم صغيرًا وأيهم يتشبث في عناقه وكأنه خائف. ترقرق الدمع في عيناه وتهدجت أنفاسه. ربت ريان على ظهره بقوة هامسًا:
"كفاية دموع يا أيهم. بسمة بتكره الحزن."
أخفى أيهم وجهه في كتف صديق قديم فرق بينهما مكيدة حقيرة. يتحدث باختناق ودموع تتحرر من عيناه:
"بسمة!! هو أنا ليا سعادة من بعدها يا ريان! الحياة وحشة وموحشة أوي من بعدها يا صاحبي."
مسح ريان على رأسه ولم يجد ما يقوله. لا توجد كلمات في العالم تواسي حبيبًا فقد محبوبه.
كان يقف بجوار الفراش يطالعهما بصدمة. هل انتهى الأمر فعلًا أم أنه يحلم؟ ابتسامة سعيدة واسعة شقت وجهه وهو يرى وأخيرًا خلاف هذان الصديقان ينتهي...
صرخ غيث بمرح وصوت مرتفع:
"يا قـــــــــوم أبشِـــــروا."
انتفض أيهم وريان بسبب صراخ غيث المفاجئ وهو يتخطاهم يركض إلى الخارج يصيح بسعادة كبيرة. ليفزع الجميع من صوته وهو يردد كلماته ليصرخ به بيجاد بمرح:
"ما بك يا مسيلمة الكذاب؟ هناك؟؟ هل مات أبو جهل؟!"
أجابه غيث بمرح مماثل ووجه مشرق:
"لا ولكن تصالح أبو جهل وأبو لهب."
نظروا له بعدم فهم لتتسع بسمته وهو يصيح في وجوههم:
"لقد تصافى الوحش مع الذئب."
اتسعت أعينهم وهم ينظرون إلى الدرج حيث يترجل أيهم وريان مجاوران لبعضهما بوجوه جامدة ونظرات باردة. كانا دائمًا الأقرب في الهيئة والهالة القوية.
ابتسمت باتساع وظهرت حفراها بشدة وتراقصت الفرحة في لؤلؤتيها السوداء اللامعة واردفت بسعادة وصوت منخفض:
"الحمد لله."
وقف أيهم بجانب هشام بينما ذهب ريان ووقف بجانب ملكة قلبه بكل صمت ولا مبالاة لمعالم وجوههم....
اردف الكيلاني بسعادة لعودة المياه لمجاريها:
"بما إن كل حاجة اتحلت والحمدلله واللهم لا حسد يا عيلة غم، اجهزوا علشان النهاردة حفلة الحنة وبيجاد هيتم بالتجهيزات. عايز الشباب يكونوا في خلفية الحديقة والبنات هنا."
ثم تحرك ناحية حوراء ممسكًا بيدها. لتجفل وهي تطالعه بعدم فهم بينما الكيلاني جءبها من جانب ريان مكملًا بخبث:
"وبما إني من أصل صعيدي فأنا همشي على تقاليد الآباء والأجداد وريان ممنوع من رؤية عروسته لحد الفرح."
تجهمت ملامحه ينظر له بسخرية غاضبة. ما الذي يتفوه به هذا العجوز. لن يبتعد عن زوجته. كاد أن يتحرك ليجذب حوراء يعيدها إلى جانبه ليقف بيجاد وهشان وأيهم شاركهما في الوقوف أمامه ينظرون بخبث إليه. وبيجاد يردد شامتًا:
"مينفعش يا عريس، بح خلاص، أنت دلوقتي هتيجي معانا وأنا بنفسي همنعك من شوفتها لحد بكرة."
أكمل أيهم مبتسمًا:
"لا، أنا اللي هشرف على الموضوع ده بنفسي وهحرص على إنك متلمحش طيفها يا ابن عمي العزيز."
زمجر بهم ريان بحدة وأعين غاضبة. لن يسمح لهم بهذا. تبًا لهم ولتقاليدهم الغبية. لن يبعده أحد عنها أبدًا:
"تبًا ليكم ولأجدادكم. ابعدوا من قدامي وإلا هتندموا."
ضحكوا جميعًا عليه واحمر وجهها خجلًا. بينما لبلة تقول بضحك:
"إيه يا ريان هتشوفها بكرة بالليل مش قصة."
_"بكرة بالليل ومش بعيدة يا لي لي؟ أنتِ واقفة في صفهم لي؟؟ يلا يا بنتي ااحركي هنمشي، بلا فرح بلا زفت."_ تحدث بنفاد صبر وهو لا يتخيل أن يبتعد عنها يومين كاملين. فهما ما زالا في بداية اليوم الأول. ليحترقوا جميعًا ولن يبتعد عنها.
تحدث حسين وهو ينظر إلى تلك التي تكاد تبكي خجلًا:
_"بس هي عايزة فرح، مش كدا ولا أنا غلطان؟"_
رمشت بأهدابها وفتحت فمها وهي تطالعهم بخجل فكل الأنظار تحولت إليها بالأخص تلك الأنظار التي كانت تنظر لها بقوة بمعنى لا توافقي وإلا سأقتلك!
ما هذا الموقف المحرج الذي وضعت فيه فمن جهة لا تستطيع أن تخبره عم زوجها أنه مخطئ ومن جهة أخرى لا تعلم ماذا تفعل بخصوص ريان. الأفضل أن تدعي الإغماء لتتخلص من هذا الموقف.
تحدث عامر مقاطعًا تفكيرها بخبث:
"وأنا بقول برضه أنك عايزة فرح مش كدا يا بنتي؟"
واكمل مصطفى هو الآخر ضاحكًا:
"وأنا بقول كدا برضه."
حسنًا لقد اشتد الأمر عليها ولا تستطيع الرفض لتومئ برأسها بنعم. لينظروا جميعًا إلى ريان بشماتة وضحك بينما هي نظرت له بترقب لتراه يطالعها بأعين حادة وكأنه يخبرها بأنه سيرها عندما تقع بين يديه. لتتوتر وتبعد ناظريها عنه بينما انفجر جميع الموجودين بالضحك. واقترب إياد منها يمسك بكفها ضاحكًا بسعادة لأجلها.
اردف هشام بابتسامة بسيطة:
"ونقول كفاية نشمت الناس فينا أكتر من كدا، ونمشي نجهز للحنة."
هتف بيجاد بضحك:
"أنت مش عارف أنا فرحان فيك قد إيه يا ذئب."
نظروا إلى بعضهم وانفجروا ضاحكين على ملامح ريان المحتدة. ليأخذوه بالقوة بعيدًا عن تلك التي تقف بخجل وصوت ضحكاتهم الرجولية تسبقهم وغضب ريان يلوح عليهم وكأنه على وشك حرقهم جميعًا. بينما اقتربت الفتيات بسرعة من حوراء واخواتها يعانقنها وكيان تتمسك بذراعها بسعادة شديدة لها ولأخيها الذي وجد امرأة يحبها وأخيرًا. وتحرك الكيلاني مع أبنائه الثلاثة لينتهوا من بعض الأشياء المهمة في تجهيزات الزفاف. هو حفل زفاف حفيد الكيلاني الأكبر ورجل الأعمال الشاب الأشهر والأهم أنه ريان عامر الكيلاني بنفسه.......
هل يعقل أن الحياة تبتسم؟؟
هل عفت وسامحت لتتركهم يسعدون!
إنه أمر مريب، أليس كذلك؟!
رواية الطبيب العاشق الفصل الثامن عشر 18 - بقلم منة جبريل
ويمنعنِي الحياءُ برغمِ أنّي أكاد أموتُ من شوقِي إليهِ.
- رايح اجهز على ما تخلص.
تحدث ورحل سريعًا، يستغل انشغالهم في تزيين انفسهم للحفل الذي بعد ساعات قليلة، ليردف أيان ينظر إلى أثره:
_ هو كدا هيقدر يشوفها؟
تحدث أيهم بهدوء:
- معلش خليه يشوفها، دا من الصبح مانعينه بالعافية.
ضحكوا جميعًا وهم يتذكرون اللكمات التي تلقاها كل واحد منهم بدون استثناء منه وهم يحاولون إيقافه عن الذهاب لها، ليكتشفوا جميعًا أن ريان أصبح عاشقًا.
دلف إلى غرفته بهدوء ليجد شقيقته وليان وكذلك شقيقتيها يجلسن على الفراش وكأنهم بانتظار شيء ما، رفع حاجبه يردد:
_ بتعملوا إي هنا؟
أن يجد أحد داخل غرفة نومه لهو أمر يبغضه، يقسم أنه لو كان في قصره وتجرأن على الدخول إلى جناحه لمزق رقابهن جميعًا، هذه غرفة خاصة لا يجوز لغيره وزوجته دخولها!
ونظراته الغير راضية لم تفهمها أيًا منهن وتحدثت ليان بحماس:
_ حوراء بتقيس فستان ومستنيين نشوفها.
رفع حاجبه يرمقها باستنكار للحظات قبل أن تلمع فكرة في رأيه ليردد بخبث:
_ طيب، اطلعوا.
نهضت آية وأريب ورحلا دون التفوه بكلمة، بينما قالت كيان باعتراض وليان تقف بجانبها:
_ لي يا أبيه؟
أجابها بهدوء وخبث:
_ علشان أنا كمان عايز أغير يا أختي العزيزة ولما تخلص حوراء تعالوا شوفوها.
أماءت له باقتناع على عكس ليان التي تحركت مرغمة للخارج بعد أن رمقها ريان بتحذير، لتتأفف خارجة مغلقة الباب خلفها قائلة بغيظ:
_ هو مش ممنوع يشوفها غير بكرا بالليل، إي اللي جابه دلوقتي!
_ وأنتِ فاكرة إن أبيه هيمشي عليه الكلام داه؟
هزت ليان رأسها باقتناع، نعم، ريان يفعل ما يريد دون أن يعبأ بأحد، المهم أن يحصل ويصل إلى مراده.
جلس على الفراش وعيناه معلقة على باب المرحاض ينتظر خروجها. لقد اشتاق لها للغاية فهو من الصباح لم يرَ ملامح وجهها البريئة الغير متناسبة مع جمال وجهها المثير وعيناها السوداوان اللتان تشع بالبراءة! لقد اشتاق لها حقًا وبشكل غريب.
خرج من شروده على صوت فتح الباب لتلمع عيناه بمكر يتحين رؤيتها كالذئب الذي يتحين فرصة الانقضاض على فريسته!
وهي داخل المرحاض تنظر إلى هيأتها بإعجاب وخجل، كان الثوب مكشوفًا أكثر من اللازم، لتشجع نفسها أن من بالخارج فتيات مثلها ولا بأس، زفرت على مهل وخرجت وهي تدور حول نفسها دون النظر إلى تلك الأعين التي تراقبها بمكر مخيف، تردد ببسمة واسعة وخصلاتها الطويلة تدور معها وحول وجهها:
_ إي رايكوا؟ جنان مش كدا؟
_ أجن ما رأته عيني.
تصنمت مكانها وكادت تسقط عندما وصل لها صوت رجولي خبيث، نظرت ناحيته لتتسع عيناها وتدفقت الدماء إلى وجهها بقوة، استدارت لتركض إلى المرحاض لتختبئ خلفه إلى الأبد ربما، ولكن ذراعه التي أحاطت بخصرها حالت بينها وبين مخطط إنقاذ نفسها من الانصهار حرجا.
تحدث بمكر مبتسمًا، يزيح خصلاتها إلى خلف أذنها:
_ استني هقولك رأيي.
ثم ابتعد عنها خطوتين إلى الوراء وعيناه تسير على كل جزء منها من أعلى رأسها حتى أخمص قدميها، حوريته تتألق في فستان أزرق أنيق، ذو تصميم ربما رأى سيدة ترتدي مثله قبلًا ولكن عليها... كان وكأنه للتو يكتشف هذا النوع من الملابس، فستان بأذرع متدلية على الأكتاف وذلك الشق الذي يظهر قدمها كلما تتحرك.
طال صمته وهو ينظر لها بإعجاب قبل أن ينظر لها بشكل سريع وبحدة وكأنه للتو استوعب الأمر، هل هذا ما تنوي ارتدائه في حفل المساء، وهي التي رغم خجلها منه ابتسمت تسأله بتردد:
_ إي رأيك؟ بفكر أحضر بيه الحفل.
تحولت معالم وجهه المعجبة إلى أخرى حادة مخيفة، اقترب منها ومال هامسًا في أذنها بنبرة دبت الرعب بها:
_ والله لو لمحت طيفك بيه برا الأوضة هيكون آخر ما لبستيه قبل كفنك.
ارتجف جسدها وارتدت إلى الخلف ترمقه بصدمة وخوف، ما الذي يتفوه به؟ والآخر يطالع عيناها وعلى وجهه بسمة مريبة، ليتحدث فجأة بشكل غريب قبل أن يضع قبلة دافئة على وجنتها:
_ بس عسل، إي الحلاوة دي.
نكز وجهها قائلة تلقائيًا:
_ إي الغزل الرخيص دا، وبعدين أنت قلت إي!، دا كلام يتقال لزوجتك؟
أحاط وجهها قائلًا ببسمة واسعة تشع في عينيه ونبرة محبة:
_ فَتاةٌ كَالهِلالِ فَإِن تَجَلَّت، أَرَتنا البَدرَ في حالٍ ذَميمِ.
ابتسمت بخجل ليضحك بخفة قائلًا:
_ مبقيش غزل رخيص أهو، ويلا روحي غيري هدومك دي، أنا مجهز كل حاجة.
_ بس هو عاجبني.
_ إي المشكلة، وعاجبني أنا كمان، بس بتلبسيه في الأوضة غير كدا لا، ولما نرجع القصر اتحركي فيه براحتك.
لمعت عيناها قائلة بسعادة:
_ يعني احتفظ بيه؟
_ أكيد يا فاتنتي.
ابتسمت باتساع ليقبل وجنتها ثم تركها يتحرك إلى المرحاض ليأخذ حمامًا منعشًا قبل الحفل، تنهدت حوراء وأسرعت في استبدال ثوبها بآخر، وقفت أمام خزانة ملابسهما، ملابسها بجانب ملابس رجل! شعور غريب تسلل لداخلها لتبتسم بخفة وهي تلاحظ أن ثيابه أغلبها بالأسود إلا قليل، رغم قوته يكون لينًا معها وفي وقت غضبه تجده حنونًا عليها، ماذا تريد أكثر من هذا؟ تذكرت عيناه الرمادية الممتزجة باللون الأخضر، مميزة وغريبة، والأكثر غرابة هو تغير درجاته مع انفعالاته، ستسأله عن السبب حتمًا يومًا ما!
خرجت من شرودها على همسه بجانب أذنها وجسده يشرف عليها من الخلف:
_ مالك بالهدوم وصاحبها هنا؟
التفتت له بسرعة وقد تعالى وجيب قلبها بفزع، لتعبس قائلة وهي تدفعه:
_ خضيتني يا ريان.
عقدت حاجباها وهي تحاول دفعه ولكن الآخر لا يتحرك، حاولت مرة أخرى بشكل أقوى ولكن وكأنها تحاول تحريك جبل، وهو يتابعها ببسمة متسلية مرددًا:
_ المفروض أبعد؟
نظرت له وهزت كتفيها قائلة ببلاهة:
_ المفروض والله!
قهقه بحب بجذب رأسها إليه وعانقها بقوة، لتصرخ قائلة وهي تحاول إبعاد ذراعه المعضلة عن رأسها:
_ يا ريان راعي فرق الحجم والصلابة، راسي يا حبيبي... راسي يا ماما.
وهو الذي كان يمازحها تعجب كونه لم يستعمل شيء من قوته عليها لتتذمر هكذا! وقبل أن يرد عليها سمع طرقًا على الباب يليه صوت إياد:
_ ريان، اطلع يلا.
وهي التي سمعت أخاها كادت أن تتحرك لتفتح له ولكنه أعادها إلى مكان وقوفها قائلًا:
_ خليكِ أنا هفتح.
أماءت له وهي وقفت أمام المرآة ترتدي حجابها حتى تذهب للفتيات، فتح الباب واتكأ بكتفه عليه وخصلاته المبتلة تهبط على جبينه بانسيابية، نظر إلى إياد ولكنه تفاجأ ببيجاد يقف خلفه يرمقه ببسمة بلهاء.
صعق ريان عيناه يطالعه بغيظ مرددًا:
_ عايز إي منك ليه؟
تحدث بيجاد بمكر:
_ لقيناك اتأخرت وقلقنا ليكون حصلك حاجة.
_ لا قدّر الله.
_ وأنت بتغير.
ابتسم له ريان بتكلف مرددًا من بين أسنانه:
_ لا متقلقش أنا هخلص وجاي.
تحدث إياد باستغراب وهو يراه أنهى ارتداء ملابسه بالفعل:
_ بس أنت لبست، فاضل إي تاني؟
أشار ريان إلى شعره ونظر له وكأنه يخبره ألا ترى هذا، ليضحك بيجاد وقال بنظرات خبيثة يتبادلها هو وصديقه:
_ خلاص سيبه يكمل تجهيز نفسه واحنا خلينا نشوف حالنا.
أماء له إياد بهدوء وتحرك مغادرًا معه ولم يفهم نظرات الخبث التي تدور حوله كونه يعتقد أن شقيقته برفقة الفتيات كما تركها، نظر لهم ريان بغيظ قبل أن يجد بيجاد يلتفت له يغمزه بعينه ليغلق باب الغرفة بقوة وصوت ضحكات بيجاد يصل له بوضوح.
وما كاد يستدير حتى مرّ من جواره جسد صغير يفر من الباب وكأنها فأر هارب، تابع رحيلها السريع بحاجبان مرفوعان بسخرية قبل أن يبتسم وهو يهز رأسه بيأس منها، تحرك ليكمل استعداده وحفل الحناء قد اقترب.
وبعد وقت كان برفقة الرجال، ابتعد عنهم وهاتف شقيقته يطلب منها إعطاء هاتفها لزوجته التي تتجاهل رنينه على هاتفها، سيحاسبها على هذا لاحقًا... إن تذكر!
_ نعم!
وصله صوتها الخجول ليتحدث بغيظ:
_ فكريني أكسر التليفون على راسك، المهم... في الأوضة تنتظرك المفاجأة يا ملكة الذئب.
أنهى المكالمة دون سابق إنذار، طالعت الهاتف باستنكار قبل أن تعيده إلى كيان وتحركت هي إلى غرفتهما متشوقة لرؤية ما أحضره لها زوجها.
دلفت إلى غرفتها لتتجهز للحفل وهي تتمتم بانزعاج:
_ اتأخرت أوي.
أكادت أن تخلع ثيابها لتفزع على صوت رجولي يصرخ بها بفزع أكبر، يشعر أن قلبه يكاد يتوقف وهو من ظن أنها لاحظته وهو ينتظرها على المقعد بجانب الباب، ولكن الأخرى التي دخلت على استعجال لم تفعل:
_ لا لا إياكِ، استني خلينا نتفاهم.
التفتت تنظر له بفزع ووجه شاحب قبل أن يحمر غضبًا وغيظًا، صرخت به بكامل قوتها وجسدها يرتجف من تواجده:
_ أنت متخلف؟ أنت بتعمل إي هنا؟
أبعد بين أصابع يده التي تغطي عيناه خشية أنها خلعت ثيابها، ليزفر براحة وهو يضع يده على قلبه عندما رآها بثيابها كاملة، ابتسم ما إن سألته يتحدث وكأن لا شيء حدث... أو ما زال يحدث كونه لا زال داخل غرفتها!
_ وحشتيني.
اتسعت عيناها وتفاقم غيظها، لتصرخ به حتى شعرت أن أحبالها الصوتية تكاد تتمزق:
_ أنت مجنون أنت؟ اطلع برا.
_ بقولك وحشتيني.
تحدث بعدم اهتمام بصراخها، وبنبرة هادئة استفزتها، لتضرب الأرض تحتها قائلة بصياح:
_ أنت مش بتفهم؟ غبي!! اطلع برا يا حيـ...
سعلت بقوة من شدة صراخها، يبدو أن حبالها الصوتية تمزقت بالفعل، والآخر يراقبها ببسمة باردة وكأنه يستمتع باشعالها، رمقته بضيق قبل أن تتحرك ناحية الباب لتغادر هي، ولكن ذراعه أمسكت بها وهو يردف بنبرة رجاء:
_ ليان، ارحمي قلبي، أنا بحبك!
أزاحته عنها بعنف قائلة بتحذير وسبابتها تكاد تخترق عينه:
_ وحش أما يلهفك، إياك تلمسني أو تقرب مني بأي شكل من الأشكال أنت فاهم؟ وافهم أنا لا بحبك ولا زفت، حل عني بقى.
_ أنا آسف.
صمتت تنظر له بصدمة، عيناه اللامعة ووجهه الحزين ونبرته الصادقة زادت نفورها، نعم لم ولن يفلح هذا معها وإن قضى ما بقي من عمره يعتذر، هو من أوصلهما إلى هنا لذا لا يأتي ليطالب بوصالها وهو من قطعه أولًا، الحقير عندما لم يجد له طاقة في بعده عنها عاد لها، وكأنها لعبة يقترب ويُلقيها وقتما يشاء.
أزاحت خصلاتها خلف أذنها تستجمع أنفاسها، لن تنفعل أكثر من هذا وتفقد صوتها الجميل لأجل رجل، ما هذا القرف! أشارت ناحية الباب قائلة بنبرة جامدة وأعين تطالعه بقوة:
_ خمس ثواني ومشوفش وشك جوا أوضتي وإلّا الأمر مش هينتهي بيني وبينك يا غيث، وصدقني مش بتهدد.
صرخت بها غيث هذه المرة، لقد تحمل كثيرًا وحاول وصالها كثيرًا وهي ترده في كل مرة:
_ افهمي بقى يا غبية، والله أنا بحبك، لي مش عايزة تفهمي إني عملت كدا لأجلنا احنا الاتنين، أنا كنت خايف عليكِ، خايف ليكون حبك مجرد مراهقة وإعجاب، افترضي وقتها قلتلك ماشي وأنا كمان بحبك وبعد سنة ولا اتنين تلاقي نفسك لا بتحبيني ولا زفت وإنما كان مجرد إعجاب وزال مع الوقت، أنا كنت هعمل إي وقتها؟ كان لازم أبعد علشان تتأكدي من مشاعرك وإذا كنتِ بتحبيني ولا لا.
أنتِ ليه مُصرة تطلعيني غلطان ومش حاسة باللي أنا حسيت بيه، لو أنتِ اتعذبتِ مرة فأنا ألف، كان صعب عليا أشوفك بتضحكي للكل إلّا أنا، تهدي الكل ابتسامة وأنا لا، أنا بموت في كل لحظة وأنتِ قريبة مني بس أبعد من النجوم عني، والله عارف وفاهم شعورك.
أنا إنسان غبي وحقير ومش بيفهم كمان، ألطفي بيا وحسبي أنتِ بمشاعري، ارحميني وحبيني زي ما بحبك، كفاية اللي ضاع مننا.
ومن بين دموعها التي شقت وجنتيها، ابتسمت ببهوت تهز رأسها قبل أن تقول:
_ اطلع برا.
نظر لها بألم وحزن قبل أن يخرج بسرعة مغلقًا الباب خلفه بقوة، انهارت قواها لتسقط أرضًا تبكي بشدة، وأيان أخاها الذي اصطدم به غيث، تفاجأ وهو يرى عيناه حمراء كالجمر المشتعل، تعجب كونه هادئًا لا يظهر عليه غضب يومًا، لتتبع عينه وركض إلى شقيقته، فتح الباب ليجدها أرضًا تبكي بقوة، أسرع نحوها يضمها إلى صدره يهدأها، تشبثت له تبكي بقوة وكأنها تشكو له ما بداخلها.
احتدمت عيناه ويتوعد بالويل لغيث إن كان آذاها.
رأى كل من ريان وأيهم وبيجاد وهشام حاله غيث وهو يكاد يخرج من القصر بأكمله ركض نحوه أيهم واوقفه ونظر إلى وجهه ليصدم بعينيه الحمراء ووجهه المتهجم. أهذا غيث الهادئ الذي لا يظهر على ملامحه الهادئة ملامح الغضب؟ ماذا حصل لكى يتحول صديقه إلى هذه الحالة؟ كانت هذه الأسئلة تدور في ذهن أيهم وهو يرى صديقه بهذه الهيئة.
توجه نحوهم البقية.
هتف ريان بهدوء:
_ تعالى يا غيث عايزك.
نظر له غيث بأعين حمراء وتبعه بدون أن ينطق بحرف واحد.
دلف ريان إلى المكتب وتبعه غيث وأغلق الباب خلفه.
_ وبعدين؟
جلس غيث بإهمال على المقعد الذي بجوار ريان وأرجع رأسه إلى الخلف وأغمض عينيه وردف بتعب:
_ مش عارف ياريان أنا تعبت كل ما بحاول أقنعها بترفض وبتقفل في وشي كل الطرق مش عارف اعمل معاها إي بس خلاص هي شكلها مرتاحة من غيري.
قاطعه ريان بغضب:
_ نعم ياروح أمك. أنت سامع اللي أنت بتقوله؟
تحدث غيث بتعب وإرهاق من محاولاته الفاشلة والتي تزداد كل مرة سوءًا:
_ أعمل إي تاني يا ريان؟ أنا بقالي ثلاث شهور بحاول أفهمها وبرضه اللي في دماغها في دماغها!
مش عارف أعمل إي تاني أنا جربت كل الحلول لحد ما خلصت وخلِصت أنا معاها، هي مش عارفة إن في كل محاولة بستنزف جزء من طاقتي لحد ما خلصت خالص.
نظر له ريان واردف بمكر:
_ ولو قولتلك عندي فكرة تحل كل دا!
نظر له غيث ليجد أعين تطالعه بخبث ماكر، ليبتسم بريبة منه وهو يتساءل ما الذي يفكر به حقًا!
اسودت السماء وأضاءها القمر وأظلم القصر وأضاءته أنوار الفرحة.
كان الشباب في الحديقة يقفون بجانب بعضهم في حفل عائلي فقط.
كان الذئب يقف بقوة وشموخ وهو يرتدي بذلة سوداء أسفلها قميص أبيض زاده هيبة وقوة، ووسامة، وبجواره صديقه وابن عمه ذو الأعين الزرقاء، بيجاد يتزين في بنطال أسود وتيشيرت أبيض أعلاه سترة تماشت مع لون عيناه والتي تناسقت على جسده العضلي بطبيعة عمله، والصديق الثالث، مكمل أضلاع المثلث، أسرعهم غضبًا وتهورًا ارتدى وعلى مضض تيشيرت أبيض بعد إلحاح من بيجاد ليكونوا ثلاثتهم يرتدون الأبيض في جزء من ملابسهم، ولكن أحكم رأيه في ارتداء بنطال وسترة جلدية سوداء، وعيناه الخضراء كانت في تنافر مع أعين بيجاد وريان الذي جمع بين اللون الرمادي والأخضر اللامع، ولكن نظرات القوة والهيمنة التي تطوف بها وحولهم تجعل كل من يراهم يشعر بقرابتهم القوية حتى يتهيأ له تقارب الشبه بين ملامحهم.
وأيهم يقف متأففًا بملل متشحًا بالسواد في ملابسه، وعيناه وكأنها تعكس نيران داخله في لون ذهبي غريب، ومخيف للبعض، وبجانبه كلًا من أيان وغيث وارتدوا ملابس تخلت عن الرسمية تمامًا.
وأخيرًا كان ذلك ذو الأعين البنية والبشرة البرونزية، يقف عاقدًا ذراعيه بجانب كبار عائلة الكيلاني. الكيلاني وبجانبه عامر ومصطفي وحسين. ينظرون بضجر إلى الحديقة المزينة ولكن جميعهم يقفون بأماكنهم كالأصنام.
وبيجاد الذي ضاق ذرعًا بهم، هتف بغيظ وهو يتجه لمشغل الموسيقى:
_ صدق الكيلاني، أنتوا عيلة غمة.
تحدث هشام ساخرًا:
_ مستنيين تهيصها لينا يا بيجو.
غمزه بيجاد متحدثًا:
_ تؤمر يا إتش.
بدأت أصوات الأغاني ترتفع بقوة وبدأ بيجاد في الرقص وهو يضحك بقوة وشاركه في الرقص سريعًا كلًا من غيث وأيان بينما وقف ريان وأيهم وهشام يطالعوهم بهدوء، تراجع إياد إلى الخلف خطوتان يمنعهم من محاولة إقناعه في مشاركتهم حتى!
نظر ريان وأيهم إلى هشام نظرة حارقة فنظر لهم هشام واردف بيأس وهو يرفع يديه باستسلام:
_ عارف، عارف، أنا السبب.
ردف أيهم بجمود:
_ طب كويس أنك عارف.
في داخل المنزل كانت تتجمع الفتيات حول حوراء يرقصن حولها بفرحة بينما هي تقف بينهم بخجل وكانت ترتدي فستان باللون الأحمر القاتم انساب على جسدها في زينة جميلة لامعة، ووجهها خالٍ من مساحيق التجميل تمامًا، وفوق رأسها كانت مفاجأة ريان الأخرى لها، حيث تاج أبيض لامع بشكل ملكي لا يعرف معنى البساطة، يخبرها بكل جدية وحب أنها ملكته، ملكة على الجميع وعلى قلبه.
وكانت كيان تلك ذات الأصول التركية، فاقت الجميع في بهية طلتها وسحر رونقها، وبجانبها ابنة عمها التي حملت أصول روسية وملامحها الأوروبية بجدارة كانت مميزة ومنفردة بها عن من حولها من فتيات امتزن بأعين وملامح عربية أصيلة، أعين حادة تزينت بكحل عربي أسود زاد لمعانها.
والسيدات حيث ليلى وعبير وسميرة يجلسن يتابعنهم ببسمة واسعة وبالطبع أنتم لا تنتظرون مني قول إلّا سميرة أليس كذلك؟
تتابع كل شيء حولها بسخط وكره، وكأنها مجبرة على التواجد هنا بينهن!
وفى الخارج كان الرجال يحاولون بأقصى جهدهم أن يجعلوا الثلاثي النكدي، ريان وهشام وأيهم، مشاركتهم البهجة والرقص.
_ يا هشام هيبتك مش هتنقص حاجة.
_ صاحب الليلة قدامك، تجنبني تمامًا.
رمقه بيجاد بقرف ثم نظر إلى ريان ببسمة واسعة وما كاد يفتح فمه للحديث رفع ريان يده متحدثًا بتهديد:
_ خلي الليلة تعدي على خير، مش عايزينها تقلب جنازة.
وبيجاد الذي لم يكن أمامه سوى أيهم، أمسك يده يحاول جذبه مرددًا:
_ أنت اللي مش هتكسف دعوتي.
جاءه رد أيهم وهو ينفض يده عنه:
_ إيدك لتوحشك يا حبيبي.
رمق بيجاد ثلاثتهم بتهكم وقرف، يمرر عيناه عليهم من أعلى إلى أسفل مرددًا:
_ البومة بريئة من أمثالكم.
وتركهم عائدًا إلى الرقص، يرقص بمهارة وكأنه قضى عمره في ذلك، وضحكاته تعلو كلما حاول أيان تقليده فيفشل، وبعد وقت طويل وصل صبر ريان إلى نهايته وشوقه إلى حورائه زاد أكثر، يتساءل عن هيأتها في ذلك الثوب.
لم يراها ولم يسمع صوتها حتى.
وكأن الكيلاني كان مطلعًا على تفكيره حيث تحدث إلى عامر:
_ هات البنات يشاركونا الليلة يا عامر.
تحركت رأس إياد لهم بسرعة والاعتراض على ملامحه، والذي لم يلحق بأن ينطق به حيث تحرك عامر سريعًا لهن، تنحنح إياد في وقفته بعدم راحة وهو ينظر إلى الرجال وهم يرقصون، ويتمازحون ويتقاذفون الكلمات بخبث ومكر، تبًا، لن يجعل شقيقاته يشاهدن هذا أبدًا.
تحرك حتى وقف بجانب ريان، حدثه بخفوت حتى هز ريان رأسه وأشار للرجال بأن يتوقفوا عن رقصهم وحديثهم الذي قد يتسبب في إحراج الفتيات، حرك بيجاد ذراعيه مرددًا:
_ في الكلام وهنسكت، الرقص والله ما أنا قاعد.
ضحك هشام بيأس من صديقه الذي قد يتوقف في شارع يجد به موسيقى للرقص، قبل أن يوجه أنظاره إلى أصوات الفتيات مبتسمًا إلى كيان بحنان التي ركضت نحوه ليستقبل عناقها ماسحًا على رأسها بحنان:
_ أجمل ما رأيت يا كياني.
ابتسمت تشكره بسعادة ثم تحركت إلى عناق أخيها الذي استقبلها في حنان بالغ ظهر في حركته لها وهو يضمها إليه مقبلًا رأسها بحب، همست له بصوت متحشرج من سعادتها لأجله:
_ بتمنى تكون دي ليلة بداية لليالٍ كتير أبدية فيها سعادة وراحة ليك.
همس لها بحب حنون:
_ وجودك بجانبي يجعل ليلي منيرًا يا كيان.
رمقته بأعين لامعة بدموعها وسعادتها وحبها الكبير الكبير إلى أخيها، قبل أن تنتفض قائلة:
_ الماسكرا، الحمدلله ضد الدموع.
ضحك بخفة عليها مقبلًا وجنتها، قبل أن تشهق وهي تشعر بجسدها يسحب فجأة من بين ذراعي أخيها، ولم يكن سوى بيجاد الذي أحاط خصرها وأمسك بيدها يراقصها ببسمة واسعة يغمزها بعينه مرددًا:
_ عذرًا على وقاحتي ولكن... جمالك ألغى الاستئذان في الحصول عليكِ.
ضيق عيناها قائلة:
_ مش لايقة عليك الفصحى.
هز كتفيه قائلًا:
_ مُهرة بين الحِمار، كدا شايفك.
اتسعت عيناها وأطلقت ضحكات قوية وهي تتمايل معه تشاركه الرقص بسعادة.
تسير حوراء وهي تتمسك بذراع عامر. تنظر إلى أخيها في بسمة حرجة خجولة، وإياد يرفع حاجبه كونه هو هنا ووالد زوجها يأخذ مكانه، بينما غافلة عن ذلك الذي هدأت ملامحه وعلى وجيب قلبه وهو ينظر لها كالأسير، فاق من شروده على وقوفها أمامه وأبيه يردد بمكر:
_ مالك يا ريان؟
تحدث وعيناه تجول على ملامحها بعشق:
_ ابنك عشق يا عامر.
ابتسم عامر براحة وهو يرى سعادة ابنه الأكبر، تراجع للخلف مع اقتراب ريان من حوراء يقبل جبينها ثم همس لها بحب:
_ كالسجن تمامًا... عيناكِ.
ابتعدت عنه قليلًا بخجل، لتبتسم إلى أخيها الذي عانقها يتمنى لها السعادة السرمدية.
وهشام في عالم موازي، يقف وعيناه معلقة بتلك الآية في الجمال هو يعلم ما هذا الشعور الذي بداخله لأنه شعر به من قبل ولكن هذه المرة أقوى بشكل مخيف، يشعر وكأن نبضات قلبه تصل لمسامع الجميع، ومع شروده بها لم يلاحظ نظرات صديقه الخبيثة نحوه.
بينما غيث فقد اشتعلت عيناه بالغيرة وهو يرى تلك الفتاة ترتدي هذا الثوب القصير ليتوجه نحوها وامسك بذراعها واردف بغضب تستطيع هي إخراجه بسهولة وهو من يُلقب بالهادئ في هذه العائلة:
_ إي القرف اللي أنتِ لابساه دا؟
أبعدت ليان يدها عنه بعنف واردفت بنبرة باردة وبسمة مستفزة تعلو شفتيها:
_ اسمحلي أسألك سؤال، أنت مال أهلك؟
رمقها بأعين مشتعلة بفتيل غضب يكاد يحرقها، لترفع رأسها متحركة للوقوف بجانب أخيها بينما هي كانت في الحقيقة تهرب من غضبه وشعرت بتلوي أمعائها رعبًا، سمعت همس أيان بجانبها:
_ مش شايفة أنه over يا ليلو؟
رمقته بجانب عينها ولم تتحدث، ليس هو أيضًا، هل بالغت حقًا؟ وإن! لن تغير وهي من بقيت أيامًا تبحث عن ثوب ينال إعجابها.
_ بقيت عيلة ما شاء الله مكتملة، ولازم الكل يشاركنا الفرحة ويرقص، ولا إي يا كيلاني؟
ضحك الكيلاني واردف بمرح:
_ أول مرة تقول حاجة صح وبعدين مينفعش صاحب الليلة ميرقصش.
هتفت ليان بتشجيع:
_ أكيد، يلا يا ريان.
هز ريان رأسه بالرفض لتنظر له حوراء ببراءة وهي ترفع عيناها له مرددة:
_ أنت بتعرف ترقص؟
نظر لها ريان وابتسم لها بحب لتتمسك هي بيده وتردف بفضول لرؤيته يرقص:
_ ارقص علشان خاطري يا ريان.
وهو من كان بيجاد يترجاه من أول الحفل، خضع لها من أول رجاء ليتحرك مجبرًا لأجلها حتى وقف في منتصف الرجال، وبسبب قوة ريان أجبر هشام وأيهم على مشاركته بكل سِلْم، ولم يهمس لهم بالقتل أثناء نومهم أبدًا!
كان ريان يقف متقدمًا عنهم بخطوة وهم خلفه بخطوة وكان على يمينه بيجاد وهشام وأيان وعلى يساره أيهم وغيث وإياد الذي انضم إليهم أيضًا بعد رجاء من شقيقاته. انبهرت حوراء بمهارة ريان في الرقص فحتى في هذه اللحظة لم تتركه الهيبة وهو يرفع رأسه بشموخ وكانت عيناه مثبتة عليها هي حورائه يطالعها بعشق كبير. وكان الكيلاني وأبنائه الثلاث ينظرون لهم بفرحة وبعد قليل انضمت كيان وليان في الرقص معهم.
بعد وقت ليس بقليل أبدًا توقفوا عن الرقص وتوجه ريان إلى حوراء ومد لها ذراعه لتنظر هي له قليلًا ثم وضعت كفها بكفه بخجل ليسحبها للمكان الذي كان يرقص فيه وأحاط خصرها وقربها منه ووضعت هي يديها حول رقبته بخجل كبير وبدأت بالتمايل معه على نغمة الموسيقى الهادئة وكان الجميع يطالعهم بفرحة وحب.
إياد ينظر لهم وهو سعيد برؤية تلك السعادة التي في أعين شقيقته ليزداد اطمئنانه عليها معه. وفجأة حملها ريان وبدأ يدور بها وتعالت أصوات صفير بيجاد وصراخ الفتيات بحماس وفرحة وضحكات الشباب.
وبعد وقت أخذ أيان شقيقته ليان وبدأ يراقصها بمرح وفعل بيجاد المثل مع كيان شعر غيث بالغيرة والغضب على ليان بملابسها هذه ولكنه تمالك نفسه حتى لا يفسد لحظة سعيدة تدخل فيها العائلة نادرًا.
تقف أريب بجانب شقيقتها وشقيقها وفجأة وجدت يد تسحبها لتنظر سريعًا لتجده عامر وهو ينظر لها بضحك لتبتسم هي برقة ورقصت معه بخفة وهي تضحك، غمز إياد شقيقته آية لتهز رأسها بالنفي وما كادت تعترض حتى شهقت وهي تجده يحملها ويدور بها في مكانه لتتعالى ضحكتها وتحاول كبتها في صدره.
ظلت عيناه معلقة عليها وهي بين أذرع أخيها شرد في ضحكتها ولمعان عينيها، يليق بها الابتسام كثيرًا، خرج من شروده وهو يعنف نفسه بشدة وقرر الانضمام لهم ففي النهاية ذاك هو صديقه من يحتفلون ليلة قبل زفافه، وجذب معه أيهم ليبدأوا في الرقص للمرة الثانية وهم يبتسمون باتساع، ورغم ضحكات أيهم كان قلبه يبكي منفطرًا، يتهيأ له طيفها حوله وهي تطالعه ببسمة وضحكاتها تعلو في مسمعه.
انتهت الليلة بيوم حافل جميل. دلفوا جميعًا إلى المنزل ويده بيدها، يهمس لها بكلمات غزل تخجلها، قبل أن يتحول وجهه الباسم إلى حدة وهو يجدها تؤخذ من قبل الفتيات وهن يتحدثن في صوت واحد:
_ هنكمل سهرتنا مع بعض.
ليخرج رده سريعًا بلهجة حادة:
_ لا طبعًا.
أوقفه الكيلاني قائلًا:
_ روحوا يا بنات، ريان في كلام نخلصه وبعدها استرجع مراتك من الأسر ده.
تنهد ريان ولم يتحدث، يظهر على وجهه الاعتراض، يكفي الساعات التي ابتعدتها في هذا اليوم عنه، ليتحدث بيجاد بسرعة:
_ كيان، تعالي.
نظرت له كيان بتعجب قبل أن تؤمئ برأسها، وقفت بجانب شقيقها بينما رحلت الفتيات، نظر ريان إلى بيجاد بترقب، إن كان شيئًا تافهًا ستكون فرصة ذهبية للتخلص منه.
نظر لهم بيجاد وجد الجميع ينظرون له بترقب ليبدأ في التحدث عن تلك الفكرة التي خطرت بباله.
هتفت كيان بمرح بعدما انتهى ويبدو أنها نالت إعجابها وبشدة:
_ Güzel.
ثم توقف لثوان قبل أن تقول بتفكير:
_ بس أنا أي دوري في الخطة دي؟
نظر لها بيجاد ثم نظر إلى ريان برهبة واردف بحذر:
_ يعني بعد إذن الباشا الكبير الرئيس، أنتِ هتتولي مهمة الـ.
وما كاد ينهي حديثه حتى زمجر ريان به بحدة:
_ نعم يا روح أمك؟
قفز بيجاد خلف الكيلاني مرددًا:
_ استنى بس خلينا نتفاهم.
_ أنت عارف أنت بتفكر في إي يا حيوان أنت؟
تحدث بغضب وهو يتحرك نحوه ليقف هشام أمامه ضاحكًا، مرددًا بيأس من موقفه وهو _وللسخرية_ يدافع عن بيجاد:
_ مش قصده يا ريان، أنت عارف بيجاد وتخلفه العقلي.
أتاه صوت بيجاد الساخر:
_ الله يكرمك.
هتف عامر بهدوء وظهر في نبرته الحنين:
_ أنا الفكرة عجبتني، وكمان ممكن تكون هدية لمامتك الله يرحمها.
نظر له ريان وبدأت ملامحه في الهدوء تدريجيًا عندما ذُكر اسم والدته رحمها الله.
تحدث عامر مكملًا حديثه:
_ وكمان أنا متأكد إن حوراء هتفرح بكده، وبعدين دي ليلتها هي كمان، يعني انتهز أي فرصة لإسعادها، وبكرا بعد ما الليلة تنتهي وتبقى علينا كعيلة ننفذها مراعاة لنيرانك.
أنهى حديثه بمرح بينما الجميع يهز رأسه باقتناع، ليتنهد ريان وأشاح وجهه للناحية الأخرى بامتعاض، إن وافقت هي فلن يستطيع الرفض، مستعد لفعل أي شيء لإبعادها وإن كان المقابل احتراقه، تحركت كيان سريعًا لتبدأ في تنفيذ دورها في الخطة حتى غد، وجلس هو يزفر بضيق وحنق أن انفراده بها تأجل بسبب حديث لا يعلم ما هو.
جلس بجانبه صديقيه وهما يخفيان ضحكتهما بصعوبة على صديقهم الذي تغير تمامًا بعد رؤيته لتلك الحوراء، بينما كان أيهم ينظر له وبعينه الحزن وهو يتذكر حبيبته وزوجته أيضًا وكم كان لا يطيق الابتعاد عنها مثل ريان، الآن هو يرى فيه نفسه، وعشقه لحوراء كعشقه لزوجته التي تركت فؤاده فارغًا من دفئها!
في اليوم المنشود.
بدأ عقله يفيق من نومة ليل دخل إليها بصعوبة، استشعر دفئًا وملمسًا ناعمًا بين ذراعيه، ابتسم بحب وهو يفتح عيناه يمني نفسه رؤية وجه ملائكي جميل، نظر إلى ما يتوسد صدره ببسمة تزين وجهه، قبل أن تعلو البلاهة ملامحه وهو ينظر إلى ما ظنه جسد من يحبها، ولم تكن سوى وسادة!
نفضها عنه ورفع جذعه العلوي ينظر لها بعدم فهم، ما الذي جاء بها إلى أحضانه بدلًا مـ... توقف تفكيره وهو يستعيد أحداث أمس، بينما ذهب لأخذها من عند الفتيات، صعد الدرجات سريعًا حتى وقف أمام باب غرفة تخرج منها أصواتهن، طرق عليه قائلًا:
_ حوراء.
فتحت عبير الباب تنظر له بمعنى ماذا، لينظر هو لها بمعنى ماذا أيضًا، فهو قد هتف باسم من يريدها وهذه من خرجت له بدلًا عنها، تحدثت عبير ببسمة متيبسة:
_ حوراء هتفضل معانا الليلة دي.
رفع حاجبه قبل أن يضحك بغير مرح مرددًا:
_ دا عند أمك الله يرحمها، خلينا محترمين وطلعوا مراتي.
ظهرت ليلى من خلف عبير قائلة:
_ ريان امشي من هنا، حوراء هتفضل مع البنات.
ضغط على أسنانه قائلًا:
_ لو فاكرين إني همشي من غير مراتي فـ...
وجد فجأة من يحيط بجسده وأكثر من ذراع تجذبه بعيدًا عن باب الغرفة وصوت بيجاد يعلو بشماتة:
_ ليلة مش هتقتلك يا ريان، وبعدين عيب عمايلك دي، مش بنت اللي تبهدلك كدا يا صاحبي.
_ ورب الكعبة أنا اللي هبهدلك وأمسح بوشك الأرض، ابعد عني يا متخلف منك له.
تحدث هشام بتحذير:
_ بلاش غلط أحسن ما نأجل الفرح لشهر وهتتمنع من شوفتها خالص.
بعدها يتذكر ضحكاته القوية مع شباب العائلة ثم لا شيء. لقد نام! واستطاعوا حقًا أن يمنعوه من أخذها، تبًا لهم جميعًا سيريهم الجحيم.
قفز من فوق فراشه وما كاد يتحرك إلى الباب حتى وجد انعكاسه في المرآة بهيئة يظهر عليها النوم، وهو من يهتم بهيأته سيفضل أن يُقتل على أن يراه أحد هكذا.
تتعالى ضحكاتهم وهم يتذكرون غضب ريان أمس، وفجأة قفزت كيان بينهم بسؤال:
_ احنا نسينا فستان حوراء!! محدش وصى عليه.
_ متقلقيش يا أختي العزيزة، كله تحت السيطرة.
نظروا نحو الدرج، لتحمحم كيان وتراجعت للخلف تجلس بجانب أبيها، بينما قفز بيجاد يقف خلف مقعد الكيلاني ينظر إلى صديقه بحذر مبتسمًا ببلاهة، ابتسم له ريان بغضب قبل أن يوجه بصره إلى حوراء التي أبعدت عيناها عنه بخجل، لتستمع لصوت أخيها يتحدث بجدية:
_ المفروض نبدأ من دلوقتي علشان نخلص بسرعة.
أومأوا له بهدوء وتأييد لحديثه، ليتحدث ريان وهو يقترب من حوراء موجهًا حديثه للفتيات:
_ تمام، وطبعًا مفيش خروج ليكم، كل حاجة هتكون عندكم واللي هتنقصها حاجة تقولي.
أماءت له الفتيات دون أن يتحدثن، بينما قبل جبين حوراء التي اتسعت عيناها بخجل شديد هامسًا لها:
_ صباح الجمال يا فاتنتي.
_ أنت رايح فين؟
نظر لها ريان وابتسم مرددًا بحنان:
_ هخلص شوية شغل ومش هتأخر.
أماءت له بهدوء ليعتدل في وقفته وتحرك إلى الخارج وتبعه بقية الشباب وتفرق كل منهم لوجهته.
ذهبت الفتيات إلى أعلى في غرفة كيان حتى انفجرن في الضحك واردفت كيان بضحك:
_ أنا أول مرة أشوف حد بيتحكم بمزاج أبيه للدرجة دي، أنتِ عملتيله إي؟
رمشت حوراء بصدمة قائلة بفزع وهي تنفي برأسها بسرعة وكأنها اتهمتها بشيء فظيع:
_ أنا... معملتش حاجة والله هو كدا من الأول.
_ ميـــن؟؟؟
صرخت بها كيان وليان معًا لتفزع حوراء من صوتهما ونظرت لهما بقلق بينما قالت كيان باستنكار:
_ مين دا اللي كدا من الأول، أنتِ متعرفيش أن ريان البسمة مكانتش بتبان على وشه.
نظرت لها حوراء بذهول لتكمل ليان:
_ أنتِ مشفتيهوش لما بيكون قالب الخلقة، أعوذ بالله منه، دا حتى جدو وعمو عامر مبيقدروش يقفوا في وشه وقت غضبه.
نظرت لها حوراء واردفت بتفكير:
_ العكس هو مهما كان عصبي بيكون حنين برضه.
ضحكت كيان وليان واردفت آية بهدوء:
_ إي يا بنات، هتخوفوها منه ولا إي؟
تحدثت أريب ببسمة تنظر إلى شقيقتها:
_ والأهم أنه حنين وكويس معاها هي ومش مهم هو إي مع غيرها، وبعدين أنا بتمنى واحد حلو كدا زي ريان، هيبة كدا وقوة ووسامة واستغفر الله العظيم إي اللي أنا بقوله ده.
ضحكت الفتيات عليها لتردف حوراء بحب ظهر في نبرتها:
_ أنا مستحيل أخاف منه هو فعلًا ساعات بيتعصب وبيبقى في حالة صعبة بس بيفضل في الأول وفي الآخر زوجي وحبـ...
صمتت فجأة وهي تستوعب ما كادت تتفوه به، لتتورد وجنتيها خجلًا وهي ترى نظرات الفتيات لها.
هتفت آية بحنان:
_ ربنا يسعدكوا دايمًا يارب.
ابتسمت لها حوراء واحتضنتها بقوة لتردف ليان بسرعة:
_ احكيلنا ياحوراء انتوا اتقابلتوا إزاي، أنا لحد دلوقتي مكدبش عليكي مصدومة من تغير ريان وأنه حب، أيوا هو مش من النوع الغبي اللي بيقول أنه بيكره الحب والكلام الفارغ ده، بس كان من شدته يهيأ للكل أنه مستحيل يخضع لمشاعره تجاه بنت مستقبلًا.
نظرت لها حوراء وتذكرت ذلك اليوم الذي حدثت فيه كل الأشياء السيئة بالنسبة لها، وقصت لهم كيف قابلته ولكنها لم تخبرهم بأمر والدها وقالت أنه تم اختطافها من رجل لا تعرفه وكانت الفتيات يستمعن لها بصدمة وذهول، حتى شقيقتيها وقد امتلأت أعين آية بالدموع على ما مرت به شقيقتها بمفردها وهي تعلم حقيقة أخفتها شقيقتها في حديثها.
هتفت ليان بسرعة وعفوية:
_ استني، يعني أي يعملك العملية علشان المستشفى بتاعته تنجح!
تحدثت حوراء بهدوء:
_ هو قالي كدا، وإن العملية تصنف من أدق العمليات وبنجاحها هترفع شأن المستشفى أكتر، وبكدا نكون احنا الاتنين انتفعنا.
_ إي دا؟؟ عملية أي دي اللي ترفع من شأن مستشفى هي المستشفى الأولى عالـ...
أوقفتها كيان بسرعة قائلة بسرعة وقد تعلى وجيب قلبها:
_ الحمدلله فعلًا إن العملية عدت على خير، وأهو أنتِ بقيتِ بخير وأبيه نجح في شغله أكتر، بداية علاقة ناجحة.
أنهت حديثها بمزاح لتضحك معها حوراء ولم تلاحظ نظرات ليان غير المستوعبة لما سمعته، كيف لمشفى مصنفة من المستشفيات الأولى عالميًا تفوقًا في أجهزتها الطبية وعلاجها وأمهر الأطباء بها، أن تنجح بسبب عملية كهذه!
خرجت من شرودها على صوت طرقات الباب ليجدن أنه طاقم من الفتيات كاملًا لتجهيز حوراء لليلتها المنتظرة والتي أتت وأخيرًا، ومعهن حقيبة بيضاء كبيرة مخصصة للملابس أظهرت أن بداخلها ثوب زفاف فاخر.
أتى الليل واقتربت الساعة التي سيخرجوا فيها، نظرت آية إلى شقيقتها بأعين لامعة بدموع السعادة لأجلها، كانت شديدة الجمال باهرة الطلة، تبدو وكأنها نجمة لامعة بعد أن صدمتها الفتاة أنه فستان صُمم خصيصًا لها في إيطاليا، مصحوب معه تاج ملكي لامع، ثم عانقتها أريب بقوة ضحكت على أثرها حوراء.
حتى سمعن صوت طرق الباب.
تحركت كيان لفتحه ولم تجد أحدًا ولكن كان إياد يقف بجانب الباب وقد رأته قبل غلق الباب، لتقول بهدوء:
_ اتفضل.
نحت جانبًا بينما وقف إياد عند الباب، نظر لشقيقتيه مبتسمًا لهما بحنان، استقبل عناقهما برفق ثم نظر إلى تلك التي هتفت باسمه بنبرة تحمل مشاعر جياشة.
نظر لها إياد وامتلأت عيناه بالدموع وجاهد كثيرًا حتى لا يبكي وهو يرى صغيرته بثوب زفاف أظهر جمالها الذي ورثته عن والدتها، اقترب منها وطبع قبلة دافئة حنونة على جبينها، ثم احتضنها بكل حب وحنان يمتلكه، هامسًا لها بنبرة أجشة دافئة:
_ تبارك الله يا حور عيني، أسعدكِ الله في حياتك حبيبتي.
اقتربت آية وأريب يشاركانهما العناق وآية تردد من بين دموعها:
_ أنا ببكي لي؟
_ لأنك هبلة.
تحدث أريب بضحك ليضربها إياد بخفة على رأسها قبل أن تحيط حوراء بذراعه تزامنًا مع صوت كيان تخبرهم أن أخاها بالأسفل ينتظر، على أحر من الجمر ينتظر رؤية حبيبته وزوجته وهي تُزف له.
الزواج ليس نهاية القصة، ولا بدايتها، ولكنه مرحلة يبدأ فيها المرء يراقب حياته تتغير تمامًا دون مقدرته على منع ما يحدث أن يحدث!
رواية الطبيب العاشق الفصل التاسع عشر 19 - بقلم منة جبريل
وقف عند أول درجة من السلم ونظر لها بحنان.
أمسكت هى بيدها الأخرى طرف فستان زفافها.
بينما ذلك الواقف بالأسفل تصنم جسده وتصلبت عيناه عليها.
ضربات قلبه وكأنها أصابها مرض لتزداد سرعتها.
يقف بهيبته أسفل الدرج وهو يتزين ببذلة سوداء أسفلها قميص أبيض زادته وسامة وجاذبية.
رأسه مرتفع كالطاووس وعيناه تلمع بالعشق لهذه الفاتنة.
عيناه تتابع كل خطوة تخطوها حتى هبطت آخر درجة وبدأت في التقدم نحوه.
ووجهها يهيأ له بأنه القمر.
وقفت أمامه بجانب أخيها الذي افاق على صوته وهو يردف:
_ ريان أنا دلوقتي بسلمك مش جزء من قلبي لا دي قلبي كله.
بسلمك أميرة من أميراتى، حور عيني أمانتي ليك وانا متأكد أنك هتحافظ عليها حتى من نفسك.
تحدث ريان بثقة وعيناه تطالعها بحب:
_ الأميرة بقت ملكة على عرش قلبي وأنا واثق من إني هقدر احافظ عليها حتى من نفسي.
ثم خطا خطوة إلى الخلف ورفع رأسه كالطاووس.
مكملًا بنبرة عالية واثقة:
_ ودلوقتي الذئب بيوعدها أنها هتبقي ملكة على الكل بعد ما بقيت ملكة الذئب.
ابتسم إياد بإطمئنان على شقيقته.
وفجأه سمع صوت يهتف:
_ استنـــوا ... أنتوا هتسلموا أختي كمان من غير ما أقول كلمتي، والله ما يحصل.
لم يكن سوى بيجاد الذي اقترب منهم بسرعة ووجهه يبتسم.
نظرت له حوراء لتراه ينظر لها ويردف بحنان:
_ أنا معرفكيش من زمان بس اعتبرتك زي أختي بالظبط.
ثم نظر إلى ريان وأكمل:
_ لو زعلتها في يوم يا ريان أنا...
أنا هزعل كمان.
ضحك الجميع عليه حتى حوراء ضحكت بخفه.
وابتسم ريان على صديقه ليكمل بيجاد بجدية:
_ صدقني هتلاقيني أنا أول من هيوقف في وشك لو حاولت حتى تزعلها بكلمه حتى قبل إياد.
أردف هشام بقوة وهو يقف خلف حوراء، يضع كفيه في جيبيْ بنطاله:
_ وأنا متأكد أنها متعرفنيش غير اسم وشكل، بس هكون سندها بوجود إياد أو فعدم وجوده هتلاقيني دايمًا وقت ما تحتاجني.
نظرت حوراء خلفها ونظرت له بابتسامة جميلة أظهرت غمازتيها لتردف بفرحة صادقة:
_ وبقي معايا بدل أخ واحد ثلاث إخوات.
_ قصدك أربعة.
نظرت حوراء نحو الصوت وكان ذلك الأيهم ينظر لها بهدوء.
لتبتسم له لتسمع صوتين آخرين يهتفان باعتراض وتصحيح:
_ خمسة.
_ لا سِتة.
كانا غيث وأيان وهما يقتربان منهم.
ليضحك الجميع عليهم واردفت هي بفرحة كبيرة خفق لأجلها قلبها:
_ الله، دا أنا بقيت غنية بئا، ربنا يديمكم لينا يا اخواتي السِتة.
هتف ريان بغيرة:
_ ونقول كفاية يا حبيبتي، ورانا فرح.
ضحك الجميع عليهم.
عانقها عامر بحنان أبوي ووصي ريان عليها وفعل كل من الكيلاني وأبنائه الآخرين المثل.
وليلي أيضًا التي عوضتها عن حنان الأم في مثل هذا اليوم.
وأخذها ريان أخيرًا وهو يشتعل غيرة من أحضان أبيه وجده وأعمامه لها.
تحت ضحكات الآخرين على غيرته المفرطه وفرحت أريب وآية لشقيقتهم التي كرمها الله بعائلة مثل هذه العائلة وزوج مثل ريان.
وأخذهم إياد وتوجهوا أيضًا لأكبر قاعة سيقام فيها حفل ريان الذئب.
كانت أربع سيارات من الحرس اثنان أمامهم واثنان خلفهم.
و خمس سيارات لعائلة الكيلاني.
سيارة هشام وكان معه بيجاد وكيان وليان.
وسيارة أيهم وكان معه غيث وأيان وعامر وعبير.
وسيارة أخرى كان يتولاها سائق وكان فيها مصطفي وحسين وليلي وسميرة.
وسيارة أخرى يتولى قيادتها إياد وكان معه الكيلانى وآية وأريب.
وبالطبع سيارة ريان الذي كان يقودها سائق وكان ريان يغلق الزجاج الذى بينه وبين السائق حتى لا يستطيع رؤية حوراء حتى لو بالخطأ وهو لا يعلم كيف سيتماسك من قتل كل من سوف ينظر لها فى هذه الليلة.
فى احدى قاعات الزفاف الضخمة التي يقام بها زفاف حفيد الكيلاني الأكبر.
زفاف لا يليق سوى بهذا الذئب.
حضر العديد من الشخصيات المهمة، رجال الأعمال وأيضًا الصحافة التي لا يمكن أن تترك فرصى كهذه أبدًا.
فـريان رجل أعمال معروف من قبل الصغير والكبير والرجال والنساء وكيف لا وهو أغنى وأكبر وأوسم رجل أعمال حول العالم.
بدأت الصحافة في التقاط الصور للكيلاني وباقي العائلة وشباب هذه العائلة الوسيمين.
ثم انطفأت الأضواء وضوء بسيط توجه ناحية مدخل آخر لهذه القاعة الضخمة.
وكل الأنظار والكاميرات تسلطت نحو هذا الضوء ينتظرون ظهور الذئب وزوجته.
هذا الخبر الذي سيأخذ أعوامً و أعوام يحتل الجرائد وقنوات الأخبار.
لم يطول الأمر حتى دلف ذلك الذئب ورأسه يرتفع كالطاووس وبجانبه تلك الفاتنة التي سرقت الأنظار بجمالها وهي تتمسك بذراع الذئب.
دلفوا تحت نظراتهم المندهشة والمعجبة والحاقدة والفرحة.
وبالطبع لم يهتم ريان بكل هذه النظرات غير تلك التي كانت تشتعل خجلًا وتوترًا من نظراتهم وهذه الكاميرات التي لا تتوقف عن التقاط صور لها.
جلسا في مكانهما المحدد وبدأ الجميع في التهنئة لهما.
بعد وقت نهض ريان ونظر لحوراء بعشق ومد لها ذراعه لتتمسك هي به بخجل.
وسار بها حتى وصل إلى مكان الرقص وأحاط خصرها وأحاطت هي رقبته بذراعيها تتمايل معه ببطء على نغمات موسيقى هادئة.
عيناه تمر على ملامحها وكأنه في رحلة استكشاف عجائب الدنيا.
لا يمل ولا يكل من مطالعتها والانبهار في كل مرة يراها بها.
هتف ريان بعشق تغلل بداخله:
_ تبدين فاتنة.
نظرت له بخجل لم يمنعها من التساؤل:
_ ريان، أنت لي بتتكلم بالفصحى.
رفع حاجبه مع ارتفاع زاوية فمه في بسمة جانبية:
_ الفصحى تزيد الرجل تميزًا.
رفعت حاجبيها تطالعه بسخرية ضاحكة، قبل أن تردد بهدوء:
_ أيًا كان، بس هي حلوة فعلًا.
_ ممكن لأنها مني.
هزت كتفيها قائلة بمشاغبة:
_ ممكن، مع إني لا اعتقد.
_ لا تعتقدي! أنا بقول ننهي الليلة لحد هنا ونشوف الموضوع دا بعدين.
ضحكت بمرح ثم ابتعدت عنه مع انتهاء رقصتهما.
ليصفق الجميع بحرارة قبل أن يجد ريان شباب عائلته يلتفون حوله في دائرة بداخلها ريان وحوراء التي ضحكت عندما غمزها بيجاد قائلًا:
_ نبدأ الليلة.
بدأ الرجال يتحركون بتناغم ثم يصفقون معًا مصدرين صوتًا عاليًا متناغمًا.
تحت نظرات ريان المتعجبة قبل أن تتحول لضاحكة بتهكم وهو ينظر إلى زوجته التي بدأت تتحرك بفستانها معهم بسعادة.
أظهرت ابتسامتها حفارتيها ودارت حول ريان وتصفق معهم ثم تبدأ في الدوران مجددًا.
ابتسم ريان وهو يرى سعادتها ليمسك بكفها وجعلها تدور حول نفسها.
وبدأ تصفيق الشباب في التزايد وضحكاتهم السعيدة تملأ القاعة.
وانضمت لهم كيان وليان وأريب.
وكان الكيلاني وأبنائه وزوجاتهم وآية يجلسون على طاولة وينظرون لهم بابتسامة واسعة.
أما الصحافة فبدأت تسجل هذا الحفل الذي سيذكر كثيرًا.
فهم تملكتهم الصدمة عندما وجدوا ريان يتفاعل معهم.
بدأ الرجال يضعون ذراعهم على كتف من يجاوره حتى انغلقت الدائرة وبدأوا يقفزون وأصواتهم تتعالى مع كلمات الموسيقى.
انتهى الزفاف بشكل مبهر، وعادوا إلى المنزل والذي كان مزينًا بشكل مبهر.
تحدث بيجاد بغرور مفتعل:
_ مفيش داعي لشكري.
ثم نظر إلى كيان قائلًا:
_ يارب تكوني أتتمتي المهمة بنجاح.
_ عيب عليك.
تحرك بيجاد بسرعة وتولى أمر إعداد الموسيقى.
لتضحك حوراء وقالت بحماس:
_ أنا مستعدة، بس لو وقعت استروا عليا.
ضحكوا عليها بينما ابتسم لها ريان ووقفا في المنتصف وبدأت الموسيقى بالارتفاع.
في رقصة تركية شهيرة.
رقصتها حوراء بمهارة مع ريان وكان الجميع ينظر لهم بفرحة كبيرة.
بينما اندهش ريان من براعة حوراء في تأديتها وبكل سهولة.
وفي منتصف الرقصة أتت لحظة ركوع ريان ويضرب الأرض بركبته مرتين وينهض.
فوقف ريان ونظر إلى حوراء مطولًا بينما كانت كل الأعين عليه فى هذه اللحظة وهم يتساءلون.
هل سيركع أم لا؟
بالطبع كان الجميع لا ينتظرون منه تنفيذ هذا الجزء من الرقصة.
وقالوا في أنفسهم من المستحيل أن يفعلها!
وكالعادة لا أحد يعلم ما يدور فى ذهن ذلك الذئب ولا أحد يعلم على ماذا ينتوي!
تمكنت الصدمة من الجميع دون استثناء وتوسعت أعينهم وكاد فاههم أن يقبل الأرض من شدة الصدمة وهم يرون الذئب ينفذ هذا الجزء من الرقصة.
بينما ريان كان يبتسم ورأسه يرتفع إلى الأعلى وعيناه مثبتة على تلك التي كانت تنظر له بابتسامة عاشقة وزينت وجنتيها بالغمازتين.
غمزها بعينه عندما لمس بركبته الأرض ثم نهض مجددًا وأكمل باقي الرقصة معها وهما لا يشعران بمن حولهما ولا بنظراتهم المصدومة.
يشعران وكأنهما على كوكب فارغ لا يوجد سواهم به.
فرك بيجاد عينيه بقوة واردف ببلاهة:
_ انتوا شوفتوا اللي أنا سمعته ... أقصد سمعتوا اللي أنا شوفته ... أقصد شوفتوا اللي أنا قولته ... أوف أنتوا فاهمين.
أجابه أيان بصدمة وبلاهة أيضًا:
_ ايوا، اللي حصل مكنش حلم صح؟
قهقه كل من الكيلاني وعامر وحسين ومصطفي على صدمة الشباب وعلم كل منهم أن هذا القاسي عشق حتى النخاع الآن.
فكل واحد منهم جرب العشق من قبله.
انتهوا من تأدية الرقصة وصفر بيجاد بقوة وصفق الشباب.
وقفت حوراء بجانب الفتيات والتفوا الشباب حول ريان لتبدأ رقصتهم مع ريان وهو في المنتصف وهم حوله يرقصون هذه الرقصة التركية الجميلة.
وكان عامر يقوم بتصوير هذه اللحظات الجميلة لتكون ذكرى جميلة لهم جميعًا.
وبالطبع التقطوا الكثير والكثير من الصور التذكارية والتي شهدت على ابتسامة الذئب.
اقتربت منه وسط الجميع، همست بأذنه بكل حب وسعادة، غافلة عن قلبه الذي ارتجف وعيناه التي اتسعت بغير تصديق.
تعترف له بطريقة خاصة.
علمت من كيان أن لغة والدته لها وقع خاص على قلبه.
لتستغل هذه النقطة تتعلم كلمة اعتراف بلغة يحبها:
Seni seviyorum.
وبدأ القلم بكتابة قصة عشقهما التي بدأت للتو بالنسبة لها.
أما بالنسبة له فهي بدأت بالفعل منذ أول يوم رأى فيه لؤلؤتيها السوداء التي أوقعته أسيرًا لها.
بعد أن صعدا لغرفتها.
بينما تقف أمام المرآة تلملم خصلاتها.
ابتسمت لانعكاسه وهو يقف خلفها.
مال نحوها هامسًا بحب:
_ متزعليش لما تفوقي.
عقدت حاجبيها تطالعه بعدم فهم.
بينما هو ضغط على عرق برقبتها ثم أمسك بها بسرعة ينظر إليها مبتسمًا.
وقد فقدت وعيها لينفذ هو مفاجأته الحمقاء.
_ جدي، خالي، عايزكم في موضوع، خصوصًا أنت يا خالي.
تحدث غيث فجأة وهو يقتحم جلسة الكيلاني مع أبنائه.
والاصرار يلمع في عيناه، سيفعلها اليوم والآن.
تحدث الكيلاني بهدوء:
_ خير يا غيث؟
نظر لهم غيث وجلس على طرف المقعد في تحفز مردفًا:
_ خالي حسين، أنا بطلب ايد بنتك ليان وتبقى مراتي وشريكة حياتي.
ذهل مصطفي من حديث غيث بينما ابتسم عامر وحسين والكيلاني فهُم يعلمون بحبه لليان بل عشقه لها.
وكان الاعتراض مفاجئًا لغيث حينما هب مصطفى واقفًا يردد بغضب وكأنها ابنته هو ومن تقدم لها:
_ ازاي دا؟؟ ليان لابني بيجاد.
أظلمت أعين غيث بينما نظر له الجميع في ذهول.
وحسين يفكر، هل قام أخيه بخطبة ابنته لابنه بدون علمه!
ليتحدث الكيلاني بحدة:
_ إي اللي بتقوله دا يا مصطفى، احنا كلنا عارفين إن غيث لليان وليان لغيث بس مستنيين أنه هو يتكلم ويطلبها.
أردف مصطفي بغضب:
_ لا، أنا بقول إن ليان لابني بيجاد.
لم يستطع التحكم في أعصابه أكثر لينهض بقوة وهو يهدر به:
_ أنت فاهم بتقول إي يا خالي؟ مين دي اللي لبيجاد! افهم إن ليان ليا وبس وياريت تفهم دا كويس، وبعدين الرأي مش رأيك هي هتكون لمين، الرأي رأي والدها.
أردف حسين بهدوء:
_ اهدى يا غيث واقعدوا انتوا الاتنين.
نظر له غيث ليزفر بقوة وجلس مجددًا.
بينما أردف مصطفى:
_ لا يا حسين، أنا مش هقعد لو ليان مش لبيجاد، ويبقى انسى إن معاك أخ اسمه مصطفى.
قبض غيث قبضته يحكم على غضبه.
بينما هدر عامر بغضب:
_ في إي يا مصطفى؟ إي الهبل اللي بتقوله دا؟
_ أنا قولت اللي عندي يا عامر، ليان لبيجاد، غيث قدامه كيات يتجوزها محدش هيقوله لا.
والكيلاني يستمع لحديثهم بينما يطالعهم بهدوء.
وغيث قتمت عيناه ويقبض على كفه بقوة، يمنع نفسه بصعوبه أن لا ينهض ويحطم رأس خاله.
هتف حسين بضحك من بين كل تلك الأجواء المحتدمة:
_ اهدوا وصلوا على النبي، مكنتش أعرف إن بنتي هيتخانق عليها رجالو وإن ممكن اخوات يبعدوا عن بعض برضه علشانها، والله طلعت بنتي مش ساهلة، تمرت تربيتي فيها.
ومرحه أجبر غيث على الابتسام.
بينما الكيلاني ابتسم يهز رأسه بيأس من ابنه الذي لا يأخذ أي شيء بجدية.
فهو يكاد يخسر أخيه ولكنه لا يبالي.
نظر مصطفي إلى حسين وأردف بغضب:
_ اي يا حسين أنت هتهزر في موضوع زي دا؟
هز حسين كتفيه واردف بمرح:
_ امال اسيبكم تهزروا لوحدكم واحد يقول لو هي مش لابنى يبقى انسى أننا اخوات، والثاني يقول هي ليا أنا وبس، امال الشجرة اللي قاعدة وسطكوا دي اللي هو أنا لازمت إي لما أنتوا تحددوا بنتي هتبقى لمين.
تحدث غيث بسرعة يبرر لخاله:
_ والله يا خالي ما اقصد أي إهانة ليك، بس أنا مستحيل أسيب ليان.
_ ومن ناحيتي أنا موافق، وليلى كمان أكيد مش هيكون عندها مشكلة بس القرار برضه عند ليان يعني هي لو مش عايزاك.
قاطعه غيث بغموض:
_ هتوافق يا خالي هتوافق، بس اللي كان قالقني هو رأيك أنت وأمي ليلي بس طالما أنت موافق خلاص.
هتوكل على الله أنا.
أماءوا له ونهض غيث وعلى وجهه ابتسامة غامضة وانتصار أيضًا وهو ينظر إلى مصطفى الذي أصبح وجهه أحمر مش شدة الغضب وسمعه بعدما خرج من باب المكتب وهو يصرخ:
_ ازاي موافق؟ أنت عادي بالنسبالك تخسرني يا حسين؟
هز حسين كتفيه واردف بلا مبالاة:
_ والله يا اخويا أنت اللي عايز تخسرني، وأنت عارف أنا مبخسرش أنا بتخسر، ومش هخرب حياة بنتي وابن اختي و ابني بيجاد علشان أفكار في راسك.
خرج مصطفى من المكتب غاضبًا، بينما ارتاح حسين في جلسته متنهدًا براحة مرددًا:
_ أنا جعان.
_ آية أميرتي، اصحي يلا.
كان هذا صوت إياد الحنون وهو يحاول إيقاظ آية التي تململت في نومها تطالعه ببسمة رسمت فورًا على وجهها وهي تنظر إلى أخيها الذي قال بحنان:
_ يلا نرجع للبيت.
أماءت له ونهضت لكي تتجهز.
وبعد وقت تحرك مع شقيقتيه إلى الأسفل يمسك يمسك حقائبهم، ليوقفهم الكيلاني الذي رآهم قبل رحيلهم:
_ إي دا؟ رايحين فين؟
أجابه إياد بهدوء واحترام:
_ هنرجع بيتنا يا عمي.
_ لي يا ابني، في حد دايقكم أو زعلكم؟
تحدث إياد بسرعة:
_ لا، بس لازم نمشي، ورايا شغلي وأختي معاها امتحاناتها.
جاء أيهم ونظر إلى الحقيبة التي بيد تلك القصيرة كما سماها ليردف بهدوء:
_ على فين؟
نظر له إياد ليتنهد بهدوء مجيبًا:
_ ماشيين.
_ لي يا ابني؟
ولم يكن سوى عامر، لتبتسم أريب بينما تنهد إياد بقوة.
هل يجب عليه أن يجيب على كل واحد بمفرده؟
_ مفيش حاجة هنقعد علشانها يا عمي، وكمان شغلي وامتحانات اختى.
دلف هشام وبيجاد في هذه اللحظة واستمع إلى حديثه ليردف بيجاد بمرح:
_ الله أكبر، حتى انتوا مسافرين، يلا... يلا بينا.
نظر الكيلاني إلى هشام وبيجاد واردف:
_ هو إي اللي يلا بينا أنت كمان، وأنت يا ابني خليك كام يوم معانا، ربنا يعلم اتعلقت فيكم قد إي واعتبرتكم زي أحفادي.
ابتسم له إياد باحترام مرددًا:
_ وربنا يعلم احنا حبناكم قد إي بس لازم نمشي يا عمي اعذرني.
تنهد الكيلاني بحزن على رحيلهم.
أماء لهم بهدوء وذهب باتجاه آية يسلم عليها وعلى أريب وإياد أيضًا.
ودعهم باقي العائلة الذين حضروا أيضًا.
لتردف ليان بدموع:
_ خليكوا معايا.
احتضنتها آية مرددة مبتسمة:
_ هنيجي على فرحك إن شاء الله.
ابتسمت لها ليان بينما كان غيث يتابع دموعها بحزن.
لتأتي كيان تبكي بشدة تعانق آية وأريب.
لتتحدث الأخرى ضاحكة:
_ يا بنتي محسساني إننا مهاجرين، مصيرك ترجعي عند أخوكِ.
تحدثت كيان وهي تمسح دموعها:
_ آه صح.
ضحكت آية عليها، بينما احتضن هشام كيان واردف بحنان:
_ برضه مش هتاجي معانا.
أماءت له كيان ليقبل هو رأسها واحتضنها بيجاد وقبل رأسها وأخرج شوكولاته واردف وهو يعطيها لها:
_ أحلى شوكولاته لأحلى كيان.
ابتسمت له كيان واحتضنته بقوة ليردف هشام وهو يخرج لها علبة من الحلويات بها العديد من الحلوى:
_ طيب وأنا ليا نصيب من الحضن دا؟
لتبتسم كيان بشدة واحتضنته بقوة ليبادله هو العناق مبتسمًا بحنان لرؤية وبتسامتها.
ما كان باستطاعتهم الرحيل وهي تبكي.
ثم أعطى بيجاد حلوى إلى ليان وكأنه يواسي طفلة لتتوقف عن البكاء.
تحدث مصطفي بحزن على رحيل ابنه:
_ لازم تسافر يا ابني؟
أردف بيجاد بهدوء:
_ أيوا، علشان الشغل.
احتضنته ليلي بحنان أم وهي تبكي على رحيله.
ليردف بمرح:
_ إي يا أمي، يرضيكِ أمشي وقلبي زعلان؟
هزت رأسها بالرفض وهي تزيل دموعها.
ليقبل بيجاد رأسها ويدها ثم ودعها هو وهشام.
وما كادوا يرحلون رفقة إياد وشقيقتيه حتى استمعوا لصوت مصطفى وهو يردد:
_ مش هتسلم على أمك يا ابني؟
نظر له بيجاد وهشام.
لتردف سميرة وهى تبث سمها بدون رحمة أو شفقة على قلب ذلك البيجاد وكأنه ليس منها:
_ أنا مش معايا ولاد.
أردف مصطفي بحدة:
_ إي اللي أنتِ بتقوليه دا؟ ادعي لولدك وهو مسافر بدل كلامك الأهبل دا.
أشاحت سميرة ببصرها وهي تردد بحقد غريب على من يكون ابنها:
_ إن شاء الله يروح ويرجع بكفنه.
انتفض هشام هاتفًا بحدة وقتمت عيناه:
_ بتقولي إي يا ولية أنتِ.
أوقفه بيجاد وهو ينظر إلى والده الذي لم يخرج منه رد فعل على حديثها.
ولكن فجأة دوى صوت صفعة قوية كانت من عامر على وجهها وهو يهدر بها غاضبًا:
_ اللي بتدعي عليه دا ابني، وقسمًا بالله لو ما احترمتي نفسك وعرفتي ازاي تتكلمي ليكون آخر يوم ليكِ في البيت دا.
شهقت آية وهي تقف خلف أخيها تطالع الوضع بصدمة وحزن.
بينما استمعوا إلى بيجاد وهو يردف ببرود:
_ أمي ليلى يا مصطفى، وأنا مش ابنك.
ثم التفت مغادرًا دون أن ينتظر أحدًا منهم.
تبعه هشام بسرعة يسبها بداخله ويتمنى لو يحطم رأسها.
نظر إلى صديقه الذي يجلس في السيارة من الأمام ويتحدث مع إياد الذي كان يجلس هو وشقيقتيه من الخلف وعلى وجهه ابتسامة واسعة وكأن شيئ لم يكن.
تنهد بغضب وهو يقرر عدم اخبار ريان لأنه من المأكد لن يهدأ إلا عندما يقتلها.
طوال الطريق يستمع إلى مرح صديقه بحزن كبير وهو يعلم أن بداخله بركان إذا انفجر سيحرق الجميع دون تفريق.
تعالى صوت الكيلاني بصرامة وغضب شديد:
_ أنتِ ازاي تقوليله كدا؟
هتف مصطفي بسرعة:
_ اهدى يا بابا هي مش قصدها.
طالعه الجميع بصدمة واشمئزاز ليأتيه الرد سريعًا وهي صفعة قوية من الكيلاني وهو يهتف بعصبية مفرطة:
_ أنت هتدافع عنها! أنت أصلًا معندكش ذرة رجولة مكدبش ريان لما قال أنك مش راجل.
هتف عامر بسرعة وهى يقف بجانب والده:
_ اهدى يا بابا تعالى اقعد، اهدى.
أبعده الكيلانى وغادر المنزل بغضب وتبعه حسين بقلق عليه.
بينما في المنزل ركضت ليان وكيان إلى الأعلى بحزن وبكاء على بيجاد وتبعهم أيان وغيث حتى يهدؤنهما.
بينما أيهم وقف أمام مصطفي يطالعه بنظرات مشمئزة واردف باستحقار:
_ أنا لو منك أقتل نفسي، أنت لو عندك دم هتعمل كدا، وأا علشان أسهلها عليك أهو اتفضل.
أنهى حديثه وهو يخرج مسدس من حزام بنطاله من الخلف ومد يده له لينظر له مصطفى وينظر إلى السلاح الذي في يده.
وفجأة سقط السلاح من يد أيهم عندما رماه عامر من يده وهو يردف بغضب:
_ إي يا أيهم أنت عايز عمك يقتل نفسه؟
لمعت أعين أيهم بالغضب واردف وهو يلتقط سلاحه ويضعه مكانه:
_ أنا متأكد أنه مش هيعملها يا عامر، فهم أخوك أنه مش راجل.
ثم ذهب باتجاه الدرج ليردف عامر بصوت مرتفع وغاضب سمعه أيهم:
_ أنتوا عيال مشفتوش تربية، ازاي تقولوا كدا على عمكم؟ أنا مش مصدق أنكم نفس العيال اللي كانوا معانا هما وصغيرين، إي لما تكبروا هتكبروا علينا؟
نظر له أيهم بنظرات لو كانت تقتل لكان وقع صريعًا لها.
واردف وهو يتجه نحوه بخطوات غاضبة:
_ انتوا خلتونا اخوات وأصحاب مش أولاد عم بس، وعلمتونا إن أي حد يقرب من واحد مننا، الباقي يقفوا في وشه ولو وصلت للقتل عادي، مش دا كان كلامك لينا يا عامر؟ مش قولتلنا حتى لو أنت زعلت حد فينا احنا متاح لينا قتلك؟ انتوا لما طلعتونا على كلمة القتل مستني مننا إي؟ نمسك سبحة مثلًا! ويبقي في راسنا علامة الصلاة! اعرف يا عامر إن سبب قسوتنا دي انتوا، فلما نقف فوش واحدة كانت بتشحت في الشوارع لما دعت على واحد مننا محدش ليه حق يمنعنا.
هتف مصطفي بغضب:
_ اخرس، أنت واحد متعلمتش الأدب، أنت ناسي نفسك يا ابن حسين؟ اللي بتقول عليها كانت بتشحت في الشوارع دي تبقي مراتي وغصب عنك وعن الكل، واللي عنده حاجة عندي ياجي ياخدها.
أكملت سميرة بقوة من زوجها الأحمق:
_ وأنا مسمحش تقول عليا كدا، أنت فاكر نفسك مين؟ أنت ناسي بنت البندر اللي اتجوزتها، كانت عديمة التربية والأخلاق بس أهي لقت نصيبها وغارت في ستين داهية.
ما الذى تفوهت به تلك الحمقاء؟
كيف تجرأت وذكرت اسم محبوبته وزوجته بهذه الطريقة؟
برزت عروق جسده بشكل مخيف، ولمعت عيناه بالشر وظهر فكه بشدة.
نزع سترته التي كان يرتديها ووضعها على إحدى المقاعد.
هو الآن ليس أيهم بل وحش كاسر، وحش مفترس تم إطلاقه للفتك بالموجودين بدون رحمة وتوجه نحو سميرة بخطوات بطيئة دبت الرعب فى قلب عامر ومصطفي وسميرة.
وقف مصطفي امامه واردف بغضب:
_ إي يا ابن حسين، هتضربها في وجودي؟
نظر له أيهم واردف بشر:
_ أكيد مش قبلك يا مصطفى.
وفور انتهاء حديثه تلقى مصطفي لكمة قوية اطاحت به أرضًا.
لتتسع أعين سميرة بخوف وركضت إلى الأعلى خوفًا منه.
ليبعد عامر أيهم ورفع يده ناويًا على صفعة ولكن هيهات فقد امسك بيده قبل أن تلمسه حتى، وانزلها برفق وركض خلف سميرة وكأنه الموت يلاحقها.
تبًا للاحترام والسن وتربيته، إن لم يريها الجحيم على ما تفوهت به بحق زوجته، فتبًا له هو قبل أي شيء.
ركض خلفه عامر ومصطفي قبل أن يقتلها.
كان هيأة أيهم مرعبة للجميع.
رأتهم عبير وليلى لتركضان خلفهم، ولكن توجهوا إلى غيث وأيان حتى يوقفوا أيهم قبل أن يرتكب جريمة.
كادت سميرة أن تغلق باب غرفتها ولكن منعتها قدم ذلك الوحش.
حاولت إغلاق الباب ولكن بدفعة واحدة منه أوقعتها أرضًا ودلف هو وأغلق الباب قبل أن يصل إليه مصطفي وعامر وأغلقه من الداخل.
ليستمع إلى صوت عامر ومصطفى من الخارج وهم يطرقون الباب بقوة.
استدار إلى سميرة يطالعها بنظرات مخيفة أسرت الرعب داخل قلبها.
صرخت به بغضب تحاول به إخفاء رجفة جسدها رعبًا منه:
_ هتعمل إي يا ابن حسين، هتضربني؟
وكان رده عليها ابتسامة مخيفة ارتسمت على جانب فمه وهو يتقدم نحوها بخطوات بطيئة.
شحب وجهها وأطلقت صرخة قوية ما إن قبض على خصلاتها وصوته المخيف يهمس لها:
_ وقت خسابك جه يا سميرة، وحظك أنه على إيدك.
أمر ذكر زوجته بطريقة سيئة كالنار التي أكلت ما بقي من تعقله.
لم يتجرأ أحد على ذكر اسمها بعد وفاتها.
لتأتِ هذه وتذكرها بهذه الطريقة.
سيريها الويل ورُبما... الموت!
وخلف الباب عامر ومصطفى يحاولان فتح الباب ولكن لا فائدة، لا قدرة لهم على كسره.
أتت عبير وليلى بسرعة لتشحب وجوههم على صرخات سميرة التي كانت كأن هناك من يقوم بتمزيقها.
أتى غيث وأيان، أبعد غيث عامر ومصطفى وركل الباب مرة، ثم للمرة الثانية بقوة أكبر ليسقط الباب لينظروا إلى أيهم بصدمة شلّت أطرافهم.
أبصروا أيهم يوجه فوه سلاحه أمام وجه تلك التي شحب وجهها وهي ترى الموت يلوح أمامها.
نظراته كانت أكثر إخافة من السلاح الذي يضعه نصب عينيها.
تحرك أيان بخفة وسرعة وقام بإمساك ذراع أيهم وقام برفعها إلى الأعلى تزامنًا مع انطلاق رصاصة أخطأت هدفها.
شهقت سميرة وزحفت إلى الوراء برعب.
كاد يقتلها حقًا.
نظراته لم تكن مجرد تهديد، كان سيقتلها.
ركض غيث وقام بتكبيل أيهم برفقة أيان وسحبوه عنوة إلى الخارج وهو يصرخ بها هادرًا بعنف وقسوة:
" وربي يا سميرة، لو اتجرأتِ وجبتي سيرة مراتي على لسانك لكون قاتلك ومش هيفرق معايا حاجة ".
وفور خروجهما به، تحركت عبير وليلى بسرعة إلى سميرة يساندونها بقلق ورعب مما حدث.
رواية الطبيب العاشق الفصل العشرون 20 - بقلم منة جبريل
فتحت عينيها لتكشف عن غرفة غريبة عليها، لأول مرة تراها، مما أرهبها لتنهض فزعة وهي تنظر حولها ولذلك الاهتزاز في الأرض وكأنها على موج!
قفزت من فوق الفراش تتذكر أين ومع من كانت آخر شيء، والنتيجة هي أنها كانت مع زوجها الذي اعتذر هامسًا في أذنها قبل.. لا تعلم، ماذا حدث بعدها؟
تحركت إلى الخارج تنادي عليه في وجل:
_ ريان!....
أي غرفة هذه التي عند بابها يوجد درج إلى الأعلى؟ ألا يكفي شعورها بالدوران والغثيان بسبب هذه الأرض المهتزة؟ صعدت الدرجات القليلة بحذر تنظر حولها، قبل أن تضيق عينيها ما إن اصطدمت أشعة الشمس بها، اتسعت عيناها بعد برهة وهي تكشف عن مكانها حيث أنها... في وسط بحر!
مهلًا، هل ذهبت إلى الاسكندرية؟
تحركت بحذر تنظر حولها، السماء التي انعكس لمعان شمسها على سطح البحر لتتلألأ مياهه مسببة لعينيها منظرًا مبهجًا... ومؤلمًا بعض الشيء لبصرها.
شهقت بخفة وهي تشعر بشيء يتسلل على خصرها وكأنها أفعى، ثم همس جوار أذنها:
_ إيه رأيك؟
اكتشفت أن تلك الأفعى لها صوت كصوت زوجها، حيث يده هي التي تسللت لها بخبث تحكم القبض عليها، نظرت له بجانب وجهها قائلة:
_ ريان، إحنا فين؟
ابتسم ريان ووضع ذقنه على كتفها ينظر إلى المياه الممتدة على طول بصرهما، يخبرها بكل بساطة أين هم الآن، وهي التي كانت تتوقع إجابته حيث الإسكندرية، وقع عليها جوابه كالصاعقة:
_ في أيسلندا.
رمشت عدة مرات تحاول استيعاب أين هما الآن، لا يعقل، لا يمكن أنها غفت كل هذا، هل أفقدها الوعي لأجل هذا؟ نظرت له بأعين متسعة أظهرت له فيما تفكر، ليضحك بخفة قائلاً:
_ أيوا اللي بتفكري فيه صح يا فاتنتي، أنا خاطفك.
هزت رأسها تضحك بعدم تصديق مرددة:
_ أنت مش معقول بجد، بس إخواتي...
تحدث فجأة بتذكر، ليردد بهدوء:
_ هيرجعوا بيتهم أو يفضلوا مع العيلة، براحتهم.
ثم ابتعد عنها يقف أمامها، أمسك كفها يلثمه بلطف ثم سألها بحب:
_ إيه رأيك في المفاجأة؟
ابتسمت تنظر حولها قائلة:
_ جميلة.
_ ولسه في حاجة كمان.
نظرت له بحذر، ليغمزها قائلاً:
_ هنقضي شهر هنا، أو أكتر.
رفعت حاجبيها قائلة:
_ هنا؟ في البحر؟
_ لا، في أيسلندا، ولو عايزة تقضي الشهر هنا مفيش مانع، وبعدها نكتشف أيسلندا مع بعض، إيه رأيك؟
_ موافقة جدًا، أنا بحب البحر.
ابتسم على سعادتها ولمعة عيناها التي كانت منفردة بلونها في هذا المكان الساطع، عيناها كلؤلؤتين سوداوين داخل حجرة بها كل الألوان عدا الأسود.
تحدث وهو يسير بها إلى الحافة:
_ تعالي، ننزل البحر شوية.
اتسعت عيناها وسحبت كفها من يده فجأة، نظر لها متعجبًا، بينما تراجعت حوراء إلى الخلف قائلة بتوتر:
_ لا، خلينا هنا أحسن، إحنا كدا حلوين.
_ كدا حلوين؟؟ لا، إياكِ تقوليلي...
نظر لها بدهشة وهو يرى خوفها الظاهر من النزول والغوص في المياه، وهي من قالت أنها تحبه منذ ثوانٍ ربما، تعالت قهقهته غير مصدقًا، أمسك بيدها مجددًا قائلاً من بين ضحكاته:
_ متخافيش، أنا معاكِ، تعالي يا آخرة صبري.
_ ريان متتريقش، أنا بحبه بس من بعيد لبعيد.
تحدثت متشمرة مغتاظة من ضحكه واستهانته لمشاعرها ورهبتها، بينما ريان أخفى ضحكته بصعوبة مرددًا بحنان:
_ لا عاش ولا كان اللي يتريق على ملكة الذئب، تعالي أنا معاكِ، لو حسيتي بضيق هنخرج على طول، تمام؟
نظرت له بتردد، ليبتسم لها بلطف هامسًا:
_ ثقي فيا.
زفرت بقوة وسارت معه إلى حافة هذا الشيء الضخم والكبير، هل هي سفينة؟ أم مركب؟ لا تعلم ولكن علوها أرهبها، ولا تعلم هل هو عالٍ بالفعل أم رهبتها هي من صورت لها هذا، تذكرت مشهد لأميرة من أميرات ديزني، تلك التي تحررت من سجنها في البرج بعد سنوات طوال، تحديدًا ذلك المشهد الذي تعلق فيه في الهواء تطالع الأرض الخضراء برهبة وهي تراها بعيدة جدًا بينما هي كانت أقرب لها من أي شيء.
مهلًا... هل تأخذ شجاعتها من فيلم كرتون الآن؟!
سحبت نفسًا عميقًا مرتجفًا، تنظر إلى ريان الذي ابتلعته المياه ولم يظهر منه سوى رأسه وبعض من صدره، يمد لها ذراعيه يدعوها إلى مشاركته لهذا الفهم الكبير الذي يبتلع كل شيء دون شبع، ارتجف جسدها وهي تتمسك بذراعيه، تضع قدميها ثم... خرجت شهقة قوية منها وهي تشعر بجسدها قد التهمته المياه كما فعلت بجسد زوجها، ما هذا الرعب؟
نظرت له بشحوب تتمسك به برعب يرجف أوصالها، همس لها ريان، يحكم قبضته عليها حتى تطمئن:
_ اهدي، أنا جنبك ومفيش أي حاجة من اللي بتفكري فيها صح، لا البحر هيبلعك، ولا أنتِ هتغرقي، الكل بينزل البحر وبيطلع كامل الأطراف عادي، وزي ما بيقولوا مجاتش على قرمط.
نظرت له بدهشة من حديثه، أو أسلوبه بمعنى أدق، قرمط! هل يمازحها؟ إن كان يفعل فنجح، نجح في سلب ضحكات منها رغمًا عن خوفها، هزت رأسها تقول بعدم تصديق لما يفعل:
_ أنت... أنت مش معقول بجد.
ثم أطلقت ضحكات عالية، تهز رأسها نافية، وقد هدأ روعها واستكان جسدها، وما إن شعرت بتراخي ذراعي ريان من حولها، تشبثت به كالقرد وقد شحب وجهها بفزع، وهنا كان دوره في إطلاق ضحكات رجولية قوية على خوفها، وعلم أنه أمام مهمة صعبة عليه إنجازها.
ها هو يجلس في نفس المكان الذي التقاها فيه أول مرة يرتشف من قهوته التي أصبح يدمنها منذ أن قابل قهوة عيناها، عيناه تجول في المكان تتمنى رؤيتها ولكن... هل سيراها بعد هذه المدة الطويلة؟ لمَ يضع أمل في رؤيتها وهو من توقف عن مكالمتها، بل لم يكلمها سوى مرتان في الهاتف بمكالمات انتهت بالإغلاق في وجهه من جهتها، من الممكن أن تكون قد سافرت مجددًا، ولكن لا... هنالك شعور بداخله يخبره أنها ما زالت هنا ولم تذهب إلى أي مكان، هل لديك الحدس السادس يا بيجاد؟ ربما... الأهم أنه يشعر أنها ما زالت هنا.
نظر إلى صاحب المكان يسأله:
_ كام بنت بيجيلك في اليوم؟
نظر له صاحب المكان بريبة، أي سؤال هذا؟ ولكنه اكتفى برفع كتفيه دلالة على جهله مرددًا:
_ وأنا هعرف منين حضرتك، أكيد مش هعدهم!
نظر له بيجاد بغيظ مرددًا:
_ لازم تطول في كلامك، قول معرفش واسكت، شعب مزعج.
_ وأنت مش من الشعب!
_ لا، أنا سائح.
نظره صاحب المكان للحظات بشك، هو مصري ومتأكد من هذا، يظهر هذا في لهجته، ولكن هيئته وملامحه وخاصة عيناه الزرقاء جعلته يشك، ليردف في الأخير بلا مبالاة:
_ أهلًا، مع إني أشك.
_ أنت مش شايف عيوني ولا إيه؟
رفع الرجل بصره يطالعه بسخرية قائلاً:
_ أنت شايف على جبيني كلمة غبي ولا إيه حضرتك؟ ابن اختي عيونه زرقا ومصري أصيل.
_ والله؟ عادي، أنا معايا ابن عمي عيونه رمادي وأخضر ومصري بس فيه عرق تركي، وصديقي عيونه خضرا ومصري أصيل برضه، عارف بيقولوا علينا إيه؟
نظر له الرجل بفضول، ليهمسه له بيجاد مبتسمًا:
_ مثلث الصداقة الملون.
انتفض الرجل يطالعه بصدمة وتقزز على ملامحه، ليضحك بيجاد قائلاً:
_ استغفر الله مش اللي فهمته، الملون يعني بسبب اختلاف ألوان عيوننا واختلاف شخصيتنا برضه، يعني اللي ميعرفناش يقول مستحيل يجتمع الثلاثة دول من غير مشكلة، بس الحقيقة أننا أقرب لبعض من أي حاجة تاني، صداقة صداقة يعني.
زفر الرجل وقال بألم في رأسه من هذا الثرثار، بينما بيجاد كان يتحدث معه ليقضي على ملله وليس حبًا به:
_ خلاص يا عم، أنت هتحكيلي قصة حياتك.
_ المفروض تتعامل بأسلوب أحسن مع زباينك.
_ لو لقمة العيش هتخليني مضطر أسمع حياة كل شخص ييجيلي مش عايزها، توكل على الله يا عم وفكك مني الواحد تعبان لوحده.
كاد بيجاد أن يرد عليه، ولكن توقف الكلام في حلقه وانتفض خافقه وهو يراها تتقدم باتجاهه، أو بالأحرى باتجاه طاولة مقابلة له، خطواتها الواثقة وطرقات حذائها الذي رغم ضجيج المكان يستطيع سماعه، خصلاتها النحاسية الحرة على كتفيها وتستقر أعلى رأسها نظارة سوداء، كل شيء بها، كل حركاتها وسكناتها التقطتها عيناه بمهارة لص بارع.
توقفت مكانها ما إن رأته، يطالعها بنظرات لم تفهمها ولكن شعرت أنها متوعدة بسبب شجارها معه وغلقها بوجهه مرتين، أخفت بسمتها وغيرت خطواتها إليه، تتحرك نحوه بكل هدوء وعيناها في تواصل بصري مع عيناه، جلست على المقعد المقابل له، وضعت قدمًا على أختها وحقيبتها على الطاولة أمامها، متحدثة بنبرة ظهر بها سخريتها:
_ Strange coincidence, correct?
ترك كوب قهوته، وعلى حين غفلة منها قبض على كفها قائلاً بنبرة أجشة هادئة:
_ لا مش صدفة، أنا مستنيك.
سحبت يدها من يده بسرعة ترفض تلك الكهرباء التي سرت على طول ذراعها بسببه، طالعته بحدة تواري به توترها، بينما أعين بيجاد كانت تتربص بحركاتها، أخفى بسمته يسمعها تحادثه بهدوء يعلم أنها تتصنعه، تتجاهل حديثه واعترافه الصريح الذي أربكها:
_ لكن... جبت رقمي من فين يا... بيجاد.
ارتسمت بسمة على شفتيه، يطالعها بخبث مرددًا:
_ أكيد إحنا في زمن ميخليش دا سؤال منطقي أبدًا.
حركت كتفيها، تأخذ عصيرها من الرجل الذي قدمه لها، ترتشفه على مهل وهي تطالعه بصمت، ليسألها بيجاد بغتة:
_ أنتِ سافرتي ورجعتي ولا...
_ لا، مسافرتش، في مشكلة مستنياها تتحل وبعدها هسافر.
استند بساعديه على الطاولة التي تفصل بينهما، يميل بجذعه العلوي إلى الأمام نحوها، مردفًا بهدوء:
_ قولي المشكلة، مين يعرف... ممكن أساعدك.
رفعت حاجبها قبل أن تجيبه ببسمة متكلفة:
_ No, thanks.
لم تكمل تمنعه من الإصرار على السؤال وقد رأت ذلك في عيناه:
_ كنت فين الأيام اللي فاتت؟ حكيتلي عن عيلة وزيارة... أنت مش ساكن مع عيلتك؟
ارتاح بظهره إلى الخلف يردد بسخرية وقلبه سعيد بتحاورهما:
_ ما هو أنتِ لو صبرتي كنت حكيتلك حياتي كلها.
هزت صبا كتفيها تقول ببساطة:
_ براحتك.
هز رأسه بيأس منها، رغم جرأتها تعانده وتترفع عن التحدث له بسهولة، ليقول مبتسمًا:
_ لا مش ساكن مع عيلتي يا صبايا، ومش بشوفهم إلا نادرًا، عريس ممتاز صح؟
نظرت له بصدمة وعدم فهم من حديثه، أو ذلك الاسم الذي ناداها به، ليقول بيجاد مكملًا بمكر:
_ يعني، البنات أغلبهم بيدوروا على شاب واكل أمه وأبوه، أنا اعتبريني كدا.
اتسعت عيناها ترمقه بصدمة تسببت في انفجار ضحكاتها وهي تضع كوب العصير أمام وجهها، ليبتسم بيجاد ورفرف قلبه بسعادة، غير عابئًا بما تفوه به وكأنه يهتم! نظرت له صبا قائلة بصعوبة من بين ضحكاتها:
_ أنت بجد...
قاطعها قائلاً:
_ وسيم.
_ لا، غريب.
_ ووسيم.
رمقته بسخرية، بينما ضحك بيجاد قائلاً بثقة:
_ متطوليش بصري يا صبايا، رأفة بقلبك.
تشنج وجهها بسخرية حانقة، نعم وسيم، تعترف بهذا بينها وبين نفسها، ولكن ليس عليها أن تظهر ذلك له أبدًا، وكان صادقًا في الحديث عن الرأفة بقلبها، الذي زادت خفقاته وهي تراه يضحك بقوة لتلمع وسامته كنجم في سماء مظلمة.
لاحظ شرودها به، لتهدأ ضحكته حتى بقي من أثرها بسمة بسيطة جميلة، غمزها بعينه عابثًا بأوتار قلبها، لتشيح بصرها عنه وقد تسللت الحمرة إلى سمراء وجهها الذي أسره منذ أول مرة، وعيناها... آه من عيناها وهو من أدمن القهوة بعد رؤيته لهما، جذبه لها بكل تفصيلة بها وهو الذي اعتاد جذب النساء بوسامته، ولكن هذه غيرهن جميعًا، لا يستطيع التوقف عن التفكير بها منذ أن رآها وكل ليلة يتذكرها.... وهي التي كانت تشعر بنظراته لها ولم تجرأ على رفع عينيها استغربت بشدة منذ متى وهي لا تستطيع رفع عينيها بأعين أحدهم، منذ متى وهي تتوتر من نظرات أحدهم؟ ولكن لا إجابة!!...
قاطع صمتهم صوت رنين هاتفها لتخرجه من جيبها لتنظر إلى الاسم لتبتسم بفرح واردفت في هدوء:
_ بعد إذنك.
أماء لها بهدوء وشعر بشيء يحترق بداخله عندما وجدها تبتسم وهي تنظر إلى الهاتف، ولم يستطع منع عقله من التساؤل عن هوية المتصل...
تابعها بعينيه وهي تبتعد قليلًا ووضعت الهاتف على أذنها وبدأت في الحديث، وهو رجل المخابرات، لم يكن بالأمر العسير عليه ليعلم كل كلمة تنطقها من حركة شفاهها.
أما هي اجابت بفرحة مردفة:
_ ماما وحشتيني.
وبعد صمت للحظات اختفت ابتسامتها تدريجيًا وهي تردد بجمود:
_ يعني إيه يا ماما؟؟
صمتت مجددًا تستمع لحديث والدتها الذي جعل ملامحها تكفهر وتنقبض غضبًا، لتردف من بين أسنانها بوعيد:
_ المرة دي هو جه لحد عندي برجله، ومحدش هيقدر يمنعني عن قتله المرة دي، ويا أنا أو هو في الدنيا دي.
لحظات حتى صرخت بحدة وصلت للجالس على بعد منها ولم يكن في حاجة لقراءة شفاهها وصوتها الغاضب يصل له واضحًا:
_ أنا سافرت علشان خاطرك مش خوفًا منه وأنتِ عارفة كدا كويس، ومش بعيد أنك أصرتي على سفري علشان تحميه مني يا ماما، الموضوع خلص على كدا، سلام.
نهت المكالمة دون أن تستمع لرد والدتها، تزفر بقوة تحاول استعادة رباطة جأشها وقد امتلأ صدرها غضبًا ووعيدًا، رسمت بسمة مجبرة على شفتيها وهي تعود للطاولة حيث بيجاد، تلتقط حقيبتها مردفة لهدوء ظاهري:
_ بعد إذنك أنا لازم أمشي دلوقتي.
أماء لها في صمت ونظرات لم تلحظها، وبعد مغادرها ظل جالسًا يفكر فيها، وفي حقيقة ذلك الحديث الذي دار بينها وبين والدتها... والسؤال رقم واحد في عقله... من هو الذي تتوعد له بالقتل؟
خرج من الڤيلا لرؤية هشام بعدما طلب منه مقابلته ولكنه توقف عندما وجد رجال كثيرين يلتفون حول الڤيلا ببنيتهم الضخمة ليضيق بين حاجبيه وتقدم من أحدهم وأردف:
_ خير؟ أنتوا مين؟ وبتعملوا إيه هنا؟
أجابه رجل بجدية وهدوء:
_ إحنا فريق حراسة، وجينا في شغل من طرف الذئب.
رفع إياد حاجبه مرددًا:
_ وإيه اللي يثبتلي أنكم من طرفه؟
_ تقدر تتصل عليه أو على هشام بيه ببساطة.
إجابة بسيطة ألقاها عليه الرجل، الذي ظهر عليه أنه المسؤول عن هذا الفريق للحراسة، نظر له إياد للحظات قبل أن يبتعد عنه لخطوات واضعًا الهاتف على أذنه، صبر قليلًا ثم قال:
_ ها هشام... أنت تعرف إيه عن فريق الحراسة اللي حوالين بيتي دا؟
همهم وهو يستمع إلى هشام، قبل أن ينظر إلى من تحدث معه منهم يسأله:
_ اسمك إيه؟
_ عدنان.
أجابه الرجل بجمود شديد، وما إن أخبر إياد هشام عن اسم الرجل اطمأن أنه بالفعل الرجل الذي تعاقدوا في صفقة مع هو وفريقه من شركة خاصة بالحراسة لتكون حول فيلته، بأمر من ريان حماية لهم وقد أصبحوا فردًا من عائلته، ليقول إياد بهدوء:
_ تمام يا هشام، مسافة الطريق وأكون عندك.
ثم أغلق الهاتف وغادر باطمئنان على شقيقتيه وأمينة وتوجه إلى شركة الذئب ليقابل هشام فيها...
تجلس بجانبه تتأمله وهو النائم الجاهل بما يدور حوله _كما تظن_ تشعر بسعادة كبيرة تغمرها، أخذت تحمد ربها على رزقه لها بشخص مثله فجعله الله سببًا لإسعادها وبعثه لها تعويضًا عن ما عاشته سابقًا، لقد صبرت كثيرًا وها هي الآن تحصد نتائج صبرها وابتسمت عندما تذكرت آية «إنَّ اللّٰه معَ الصَّابرِين».
رفعت كف يدها بتردد ولكن طمأنت نفسها أنه نائم ولا يشعر بها، فأسندت كف يدها على لحيته المحددة بطريقة جذابة ومررت أناملها عليها بخفة وهي تشعر بدغدغة في أصابعها بسبب لحيته لتبتسم باتساع وهي تجاهد ألا تضحك.
قبل أن تغير موضع يدها وتضعها على خصلاته في رفق وحذر من شعوره بها، أعجبت بنعومة شعره فأتى في ذهنها سؤال في قمة الغباء وهي تتساءل، إذا قامت بشد شعره هل سيتألم؟!!
ولكي تعلم، عليك أن تغامر.
وهكذا فعلت وهي تمسك بخصلاته وبغباء منقطع النظير سحبته في قوة جعلته ينتفض صارخًا بتفاجؤ وألم.
شهقت مبتعدة عنه ترمقه بنظرات طفل بريء يستضعف والدته بعينيه بعد أن كسر طبق ما، وهو الذي كان يشعر بكل تحركاتها، تركها تفعل ما يحلو لها، وليته لم يفعل، فبينما هو في راحته وهي تمسد على خصلاته فزع على ألم أصاب رأسه فجأة!
نظر لها بعينين تخرج شررًا، وأردف من بين أسنانه:
_ أنتِ اللي هببتيه دا؟
رمشت عدة مرات مرددة:
_ ولا حاجة.
رفع حاجبه وأردف مستنكرًا:
_ ولا حاجة؟ واللي عملتيه دا إيه؟ مساج؟
ضحكت بخفة وأجابته بصراحة شديدة:
_ في الحقيقة أنا كنت بجرب حاجة جات لوهلة في عقلي كدا.
وإن أرادت إثارة فضوله فقد نجحت، ما الشيء الذي يجعلها تجذب شعره كطفل يتشاجر مع طفل آخر في الطريق؟:
_ حاجة إيه دي؟
هزت كتفيها مجيبة:
_ كنت بجرب إذا شديته هيوجعك ولا لأ.
نظر لها وكأنها تحمل رأسًا أخرى بجانب رأسها، يسألها ببلاهة:
_ وجربتي؟
أومأت له بسرعة مبتسمة، ليصرخ له غيظًا:
_ هو إيه اللي أيوا؟؟ طبيعي لما تشدي شعري هيوجعني، أمال هيغنيلك!
زمت شفتيها قائلة بحنق من صراخه:
_ مكنتش أعرف أنه هيوجعك أوي كدا لدرجة أنه يصحيك.
وهنا... لمعت عيناه خبثًا، ليبتسم مرددًا:
_ أصلًا مكنتش نايم.
رمشت عدة مرات تردف ببلاهة:
_ أصلًا؟
أومأ لها مبتسمًا بمكر، لتتورد وجنتيها حرجًا، بالتأكيد سيظن أنها كانت تتحرش به أثناء نومه، ومعه حق، فإن كانت هي مكانه لكانت صرخت وضربت وفزعت أيضاً.
نظرت له مجددًا بتردد، قبل أن تنسحب ببطء من جانبه تحاول الهرب منه، لتسمعه يهتف خلفها بغيظ:
_ رايحة فين يا بابا، تعالي هنا، حق شعري لازم يرجع.
ثم سريعًا وجدته يسحب خصلات شعرها برفق، ولكن هي التي وجدته يمسك شعرها أغمضت عينيها تنتظر شعور جذب مؤلم، ولكن كل ما شعرت به هو ضربة خفيفة على جبينها وصوته الضاحك، يعلن عن بداية مشاجرات لطيفة بينه وبين زوجته تزيده شغفًا بها، وتزيدها تعلقًا به:
_ مساج ساعة كاملة لشعري، تعويضًا ليه عن أفكارك الغريبة.
نظر إلى الشركة من الخارج لينبهر بتصميمها الرائع والفخم، ليدلف بخطوات هادئة يتأمل الشركة بإعجاب من تصميم وفخامة في كل شيء داخل هذه الشركة والتي تتكون من أكثر من ثلاثين طابقًا، وببساطة لأنها الشركة الأم لشركات الذئب، نظر حوله ليجد الجميع يعملون وكأنهم رجال آليين صنعوا للعمل فقط، ولهدوء والتحدث في خفوت ولباقة يعم المكان، دلف لداخل المصعد الذي نقله إلى الطابق المراد، طابق الإدارة العليا، خرج منه متحركًا، وكاد أن يدخل إلى ذلك المكتب الذي لاح فوقه اسم صاحبه، ولكنه توقف على صوت هادئ يردف بجدية:
_ عفوًا! حضرتك معاك معاد؟
نظر له إياد ليجده شاب في مقتبل عمره، ليجيبه في هدوء:
_ قول لهشام إن إياد برا.
والشاب الذي رمقه للحظات بجهل لهويته، أومأ وتحرك يطرق باب المكتب ثم دخل إليه يستأذنه في إدخال إياد، وبعد لحظات خرج وهو يردد باحترام:
_ اتفضل، هو بانتظارك.
أومأ له إياد في صمت، ثم دخل إلى المكتب مغلقًا الباب خلفه، وضع بسمة خفيفة على شفتيه واقترب مصافحًا هشام الذي تحدث مبتسمًا:
_ كنت متوقع أنك هتتأخر على ما تعرف مكان المكتب، بس ما شاء الله عليك أنت وصلت من غير ما تسأل السكرتيرة اللي تحت حتى.
ابتسم إياد واردف بهدوء:
_ أنا عرفت دا كله لما شرحتلي، غير كدا مكنتش هعرف.
أومأ له هشام ليستند على المكتب بساعديه وهو يشبك أصابعه ببعضهم واردف بجدية:
_ أنت بتشتغل إيه يا إياد؟ ومعاك شهادة إيه؟
ورغم استغراب إياد من أسئلته ألا إنه أجابه ببساطة، ليحرك هشام رأسه بإعجاب واستحسان مرددًا مباشرة:
_ ممتاز، وأنا في الحقيقة طلبت إني أشوفك هنا علشان عايزك تشتغل معانا في الشركة.
على وجه إياد من التعابير، قبل أن يجيبه بجدية شديدة:
_ أنا معايا شغلي ومش محتاج مساعدة من حد.
أجابه هشام في جدية شديدة:
_ وأنا عارف دا، في الحقيقة إحنا اللي محتاجين ليك، خصوصًا ريان، لإن شركته الأم هي اللي محتاجة مسؤول عن قسم حسابات الشركة بعد خلو المنصب دا من كام يوم لظروف ما، وطبعًا لأننا محتاجين حد موثوق فيه كان أنت أول المرشحين لدا، وللحقيقة أنت استحقيت دا لأننا دورنا على شغلك وطريقة عملك قبل ما أنا أقعد معاك القعدة دي.
صمت قليلًا متنهدًا، ثم استرسل حديثه:
_ يعني أكيد إحنا مش هنغامر بالشركة بسبب أننا عايزين نعمل معروف معاك والكلام دا، في الشغل مفيش الحوارات دي علشان نكون صادقين مع بعض.
رمقه إياد بتفكير، الجدية على ملامح هشام جعلته يفكر بمنطقية، العمل الذي هو به أكثر من رائع، ولكن كان الأمر مختلف حين يقارن بالعمل في الشركة الأولى عالميًا في الهندسة والمعمار، ليهز رأسه موافقًا مرددًا:
_ موافق.
ابتسم هشام وقال وهو يقدم منه ملفات كانت على المكتب وكأنه كان يثق في موافقته وجهز كل شيء سابقًا:
_ ممتاز، مبارك ليك الشغل، ودي كل الملفات الخاصة بحسابات الشركة الأشهر اللي فاتت، تقدر تشتغل من بكرا.
مرت الأيام وبدأ إياد بالعمل في شركة الذئب وها هو الشهر ينتهي، ليشعر ريان بأنه ولد من جديد في هذا الشهر الذي مر عليه كيوم واحد فقط وها هم يبدأ في إجراءات العودة إلى القصر ووجوه عاش معها سنينًا طويلة بعد أن قطع معهم كل الاتصالات الممكنة طوال هذا الشهر.
اصطفت سيارات كثيرة أمام القصر، كانت سيارات الحرس وبينها سيارة بها هي وزوجها الذي تعجبت رهبة الحرس منه وكأنه وحش ما!
هبطت حوراء وكفها بكف زوجها ودخلا إلى القصر الذي تفاجأت بخلوه تمامًا.
نظرت إلى ريان الذي قرأ سؤالها في عينيها، ليجيبها بهدوء:
_ كيان عند عامر، والخدم مش بييجوا غير للتنظيف.
أومأت بتفهم ولم تعقب، ليتعالى رنين هاتف زوجها لأول مرة منذ شهر، ولم يكن سوى بيجاد الذي سارع في الاتصال ما إن وصلته رسالة بفتح الهاتف، وما إن أجاب عليه ريان حتى قال ساخرًا:
_ والله بدري يا ذئب، ما كنت خليتها سنة.
_ خليك في حالك يا...
صمت ريان عن سبة كادت تفلت منه وهو ينظر إلى زوجته التي تنظر له بهدوء، ليضحك بيجاد وعلم أنها جواره، ليقول:
_ هكون عندك أنا وهشام كمان عشر دقايق، جهز الأكل.
_ حد قالك إني فاتحها صدقة بروح أمك؟
_ صدقة مش صدقة، جهز الأكل لحد ما أوصل.
ضحك ريان بخفة وأغلق في وجهه ليستمع إلى صوتها المتسائل في رقة:
_ حصل إيه؟
_ بيجاد وهشام جايين.
أومأت له بهدوء وتحركت إلى غرفتها لتبدل ثيابها بأخرى، بينما بقي ريان ينتظر صديقيه اللذان ما إن أتيا حتى فتح بيجاد ذراعيه قائلاً بدرامية:
_ أهلًا أهلًا بعريسنا، والله اشتقنا والله.
دفعه ريان عنه مرددًا بسخرية:
_ اشتقنا إيه هو شهر رمضان! خد صاحبك وابعد عني يا هشام، صفاء الأيام اللي عدت مش عايز يخرب في أول دقيقتين.
قال هشام بهدوء:
_ أنا لا عايزك ولا عايزه، أنا جيت لإني عرفت إن فيه أكل.
تبادلوا الحديث والضحك معًا، ولكل واحد منهم تعبير خاص عن اشتياقه، ولكن ليس بينهم تعبير طبيعي البتة، حتى أتت حوراء وابتسمت لهم، وبارد بيجاد في التحدث بود:
_ أخبارك إيه يا مرات أخويا.
ابتسمت له واردفت برقة:
_ بخير الحمد لله.
هتف بيجاد بمرح:
_ ها بقى، عندكوا أكل؟
ضحكت حوراء بخفة بينما اردف ريان باستفزاز:
_ ولو عندنا، مش ليك.
صرخ بيجاد فجأة بدرامية:
_ مش ليا إيه، أنا ارتكبت جناية هنا، يعني جاي الطريق ورحبت بيك وفي الآخر مفيش أكل.
ضحكت حوراء ثم نظرت إلى ريان قائلة:
_ بما إن العمال مش موجودين فأنا هحاول أعمل غدا لينا.
نظر لها برفض وجاء ليعترض ولكنها اردفت بمرح:
_ متقلقش مش هوديكوا المستشفى مع أنها أول مرة ليا.
ابتسمت لها ولم يحب أن يحرجها، إن أرادت لتفعل، وذهبت هي إلى المطبخ لتشعر برهبة بسيطة وكأنها داخل لجنة امتحان، ولكن شجعت نفسها وبدأت بالبحث عن شيء سهل التحضير.
أما في الخارج جلس هشام واردف بهدوء:
_ والله انا ما عارف إيه الشغل اللي انت عايزنا فيه من أول ما رجعت كنت ارتحت الأول وبعدين تشوف الشغل.
تفتف ريان بإستغراب:
_ شغل إيه؟
أردف بيجاد بسرعة وضحكة بلهاء:
_ لالا متخدش في بالك يا ذئب.
فهم ريان ما فعله وأنه أخبر هشام بأنه يريدهم من أجل العمل لكي يأتي معه وأيضًا هشام الذي نظر له نظرة نارية لينهض بيجاد بسرعة وهو يهتف ببلاهة:
_ أنا عملت كدا علشان عارف إنه مش هيرضى ييجي معايا لو قولتله إننا جايين علشان نتغدى عندك فاختصرت وقولتله كدا.
زمجر هشام بغضب:
_ نهار أبوك مش معدي، جايين علشان نتغدى يا متخلف إزاي ومفيش خدامة وحدة أنت عبيط يالا.
نظر له بيجاد واردف ببلاهة:
_ إزاي مفيش خدم يا جدع!
نهض هشام وتوجه نحوه بغضب وهو يردف:
_ يعني مفيش يا متخلف.
خرجت حوراء على صوتهم واردفت برقة ومرح:
_ مفيش مشكلة أنا موجودة وهعملكم، وآه للعلم دي أول مرة ليا يعني فاستحملوا.
انظر لها ريان بهدوء وابتسامة خفيفة وذهب خلفها في المطبخ واردف بحب:
_ بتعملي إيه يا زوجتي الجميلة؟
نظرت له واردفت وهي تخرجه إلى خارج:
_ سيبني براحتي علشان دي أول مرة ليا وأنت اقعد معاهم برا يلا وأنا شوية وهخلص إن شاء الله.
ضحك بخفة وخرج تاركها لكي تحضر لهم الطعام وهو يشعر بالقلق عليها لأن هذه المرة الأولى التي تقف فيها في المطبخ وجلس مع بيجاد وهشام وعقله معها هيأما عنها وهي في الداخل جعلت من المطبخ مكان متسخ وفوضوي بشدة وكل هذا لكي تحضر معكرونة بشاميل وكفتة وسلطة خضروات.
وبعد نصف ساعة دلف إلى المطبخ ليصدم من هيئته لتقع عيناه عليها وهي تقف بين كل هذه الفوضى بتوتر، ليقترب منها ووقف خلفها شعرت به وهو يقف خلفها لتلتفت له مردفة بخجل:
_ أول محاولة باءت بالفشل.
ضحك مرددًا وهو يسحبها للخارج ويخرج هاتفه:
_ فداكِ، هنطلب غدا أحسن بيجاد ياكلنا إحنا.
ضحكت بخفوت وجلست بينهم تنتظر الطعام مثلهم، أو مثل بيجاد بالأحرى والذي ردد:
_ وأهي قعدة، وأهو مستنيين.
لكزه هشام بجانبه بينما ضحكت حوراء وهي تسمعه يصرخ بالآخر:
_ في إيه يا إتش؟ ما تلم دراعك يا حبيبي أنا أسد المخابرات متعاملش كدا.
سحبه هشام من ذراعه وأجلسه مجددًا بسخرية:
_ اقعد وارتاح طيب وبلاش نفخة صدر.
ما إن وصلهم الطعام، تناولوا معًا تحت ضحكات حوراء على تصرفات بيجاد مع هشام وتوعد ريان لهما وكأنهما أطفال أصدقاء في الروضة!.
وفي صباح اليوم التالي، انتهت من ارتداء ملابسها والتي تكونت من بنطال أسود وأعلاه ما يصل طوله لركبتيها مع حجابها، وزينت عينيها بالكحل العربي الأسود ليظهر حدتها التي مثل السيف.
امسكت حقيبتها السوداء الصغيرة ووضعت بها ملتزماتها وخرجت من الغرفة لترى شقيقها هو يجلس بجانب شقيقتها بعدما وضع الفطور أمامهما.
نظر لها إياد لينهض وقبل رأسها بحنان واردف بهدوء:
_ خلي بالك من نفسك، عدنان هيروح معاكِ النهاردة، اعذريني الشغل النهاردة فوق دماغي زي جبل أُحد.
أومأت له أريب وقبلته من وجنتها وفعلت المثل مع شقيقتها وخرجت لكي تتسوق قليلًا وتشتري لها بعض المستلزمات الجديدة وفور خروجها قام بإحاطتها رجال أقوياء البنية وسمعت صوت خشن وهو يردف:
_ اتفضلي يا هانم.
نظرت له لتجده رجل ضخم ذو أعين بنية قاتمة لتومئ له لتجدهم يقودونها إلى سيارة سوداء عالية، لتنظر له وهو يفتح لها باب السيارة لتصعدها بهدوء وصمت، ليغلق الباب خلفها لتنطلق السيارة وخلفها سيارة الحراسة والتي كان يقودها عدنان.
وبعد قليل وقفت السيارات أمام محل للملابس لتترجل من السيارة لتجدهم أيضًا يقومون بإحاطتها لتزفر بضيق وتقدمت إلى الداخل لتجدهم يبعدون كل الأشخاص من أمامها أو بالمعنى الأصح أخرجوهم من المحل بأكمله... لتبدأ بتنقية بعض الملابس لها لتنظر لهم وهي تجدهم يذهبون خلفها لأي مكان لتردف بحنق:
_ استنوني بره.
وقف الرجال بدون حركة ليتقدم من بينهم عدنان والذي اردف بصوت أجش:
_ اتفضلي يا هانم واحنا مستنينك.
التفت أريب إلى قسم خاص بملابس النساء وخرجت بعد القليل من الوقت وحاسبت على ما اشترته وخرجت لتسير بعيدًا عن السيارة ليمنعها عدنان عندما وقف أمامها لتردف بنفاذ صبر:
_ جعانة، هروح آكل في المطعم دا، في مشكلة؟
هز رأسه بلا وابتعد من أمامها وظل يسيرون خلفها ودلفت إلى مطعم وطلبت بعض الطعام وبعدما انتهت منه نهضت لتردف بهدوء:
_ رايحة التواليت وجاية ملوش لزوم أنكم تيجوا ورايا.
أومأ لها عدنان لتذهب هي إلى المرحاض وبعد دقائق خرجت لتنظر إلى الأسفل لترى أن رباط حذائها انفك لتنحني وقامت بربطه بسرعة ونهضت وتقدمت خطوتين إلى الأمام بدون أن تنظر أمامها لتجد نفسها تصطدم بشيء صلب ارتدت على أثره إلى الخلف وكادت أن تسقط لولا أنها استندت على الحائط، لتنظر أمامها بغضب لتجد أنها اصطدمت بشاب وأدت إلى سقوط هاتفه لتسمعه وهو يردف بغضب وهو يلتقط هاتفه من الأرض بدون النظر لها:
_ مش تبصي قدامك، أنتِ عامية.
احتدمت نظرتها واردفت بغضب:
_ ما تحترم نفسك وبعدين أنت اللي أعمى ووقح كمان.
نظر لها الشاب بعينيه الزيتونيه القاتمة ليجد فتاة قصيرة القامة ذات ملامح جميلة وأعين حادة كالسيف بلونها العسلي ليشرد في عينيها ليفيق وهى تبتعد من أمامه متمتمة بغيظ:
_ إيه القرف دا، ولا علشان ربنا اداهم شوية طول يمشوا يدوسوا على القصيرين.
ابتسامة جانبية شقت شفتيه وهو ينظر إلى أثرها وهو يهتف بصوت منخفض:
_ لا وصريحة وبتعترف أنها مش باينة من الأرض.. إيه اللي بقوله دا، أنا لازم أشوف اللي ورايا.
ارتدى نظارته السوداء يخفي خلفها عينيه الزيتونية الرائعة وخرج من المطعم ليصعد سيارته السوداء وتوجه إلى مكان ما...
أما هي فقد عادت لهم بمزاج سيء، وخرجوا من المطعم وصعدت السيارة ليتوجهوا إلى الفيلا مجددًا وهى بداخلها مغتاظة من ذلك الشاب والذي لم تركز في ملامحه وبالكاد رأيتها بسبب طول قامته وقصرها هي...
نظرت له وهو يتجهز للذهاب إلى الشركة بعبوس، وعبرت عن ذلك بقولها:
_ ريان، هو أنا هفضل لوحدي اليوم كله؟
ابتسم لها من المرآة يجيبها ويده مشغولة بترتيب ثيابه على جسده:
_ لا يا قلب ريان، كيان كلها ساعة وهتكون هنا، أنا بعت سليمان يجيبها، وكمان القصر مليان خدم، ولو احتاجتي تخرجي لحديقة القصر خلي حد منهم يقول للحرس إنك هتخرجي علشان يفضوا مكانهم، تمام؟
هزت رأسها ولم تهتم سوى بأن كيان آتية، وللحق سعدت بذلك فهي لن تتحدث مع الخدم!
قبل ريان جبينها هامسًا:
_ هتوحشيني.
ابتسمت له بخجل ليغمزها بعينه ورحل، لتنهض حوراء لتبدل ثيابها وتنزل في انتظار قدوم شقيقة زوجها الجميلة.
دلف إلى شركته بقوة ليقف الجميع احترامًا وخوفًا منه، ليدلف إلى المصعد بعدما استمع إلى الكثير من الهمسات المعجبة به وبوسامته وقوته ونفوذه أيضًا، وبالطبع لم يهتم بأي منهم فلا يوجد سواها هي من امتلكت قلبه ومن المستحيل النظر إلى غيرها ليقف المصعد معلنًا وصوله إلى آخر طابق ليخرج منه ودلف إلى المكتب وجلس على كرسيه الذي صنع خصيصًا له خلف مكتبه، ليستمع بعد وقت قليل إلى صوت طرقات هادئة ليردف بقوة:
_ اتفضل.
دلفات فتاة متوسطة الطول وهي ترتدي ملابس فضفاضة وحجاب على رأسها، كانت غريبة على أنها سكرتيرته التي يجب أن تكون أكثر تزينًا وجمالًا لأنها واجهة للشركة.
وقفت أمامه بإحترام وهي تردف بهدوء:
_ اسمي " هنا " السكرتيرة الجديدة.
نظر لها ريان واردف بجمود:
_ قولي اللي عندك على طول.
أردفت هنا بسرعة وهي تقرأ ما بيدها:
_ حضرتك معاك اجتماع بعد نص ساعة مع الوفد البريطاني، والأوراق دي محتاجة إمضاء حضرتك عليها.
أنهت حديثها وهي تضع أمامه بعض الملفات التي تحتوي على الأوراق.
أومأ لها واردف بجدية:
_ ماشي، وفين القهوة؟
_ هروح أجيبها لحضرتك.
أومأ لها لتخرج وهي تزفر براحة، فهي سمعت الكثير عن صرامته وقوته في العمل لتحمد ربها أنها خرجت بدون طرد من عنده وتوجهت لإحضار القهوة له قبل أن يطردها فهي بحاجة لهذا العمل وبشدة...
بعد وقت خرجت من عنده بعدما وضعت أمامه القهوة وتوجهت إلى مكانها بعدما أمرها أن هشام وبيجاد يمكنهم الدلوف في أي وقت ...
كان يركز في الأوراق التي بيده وهو يرتشف من القهوة ليجد من يطرق الباب ويدلف ولم يكن سوى هشام وهو يردف:
_ أخبارك إيه؟
_ الحمدلله.. أت هتحضر معايا الاجتماع؟
أومأ له هشام مؤكدًا، وبقيا يتحدثان عن بعض الأعمال ليجدا فجأة الباب يفتح بقوة ويدلف منه ذلك المجنون وهو يردف:
_ أنا جيت يا بشر.
مسح ريان وجهه بنفاذ صبر واردف من بين أسنانه:
_ ادخل يا حيوان.
أردف بيجاد بضحك وهو يجلس أمامه مقابل هشام:
_ دخلت يا ذئب.
كاد هشام أن يتحدث ولكن قاطعه افتتاح الباب بقوة مرة أخرى لينهض هشام وبيجاد بسرعة فمن غير بيجاد يستطيع الدلوف بهذه الطريقة وقتمت أعين ريان بغضب ليستمعوا إلى صوت ليس بالغريب عليهم وهو يردف:
_ لا، الشركة وحشة أوي أوي من غيري.
صدم بيجاد وهشام من هويته ثم وجدوا هنا وهي تدلف وتردف بسرعة:
_ والله يا بيه حاولت أمنعه بس...
قاطعها ريان وهو يشير لها بالرحيل لتذهب وهي تغلق الباب خلفها ليردف بيجاد بفرحة شديدة وهو يحتضنه بقوة:
_ مش مصدق أنت هنا بجد.
بادله الآخر الإحتضان وهو يردف بمرح:
_ لا وراك.
ضربه بيجاد على ظهره بخفة وهو يحتضنه بشدة ليحتضنه هشام أيضًا بهدوء، نهض ريان وهو يبتسم بخفة وصافحه مرددًا بهدوء:
_ حمدًا لله على سلامتك، جيت امتى؟
أردف بهدوء وفرحة لرؤيتهم:
_ جيت النهارده وكنت عايز أعملهالكم مفاجأة لحد ما عرفت إن مثلث الصداقة الملون بيتجمعوا دايمًا في شركة الذئب فقولت دي فرصة حلوة إني أعملهالكم مفاجأة مع بعض.
جلسوا جميعًا مجددًا واردف بيجاد:
_ لا فاجأتنا أنت بدخلتك دي، علشان مفيش غيري بيعملها... بس ليك وحشة يا أسورة.
نظر له واردف بغيظ:
_ بقى المقدم آسر الجارحي يتقاله أسورة.. فعلا معرفة هباب.
ضحك هشام وهو يؤكد على حديثه ليردف ريان بجدية:
_ عملت إيه في المهمة يا آسر؟
أردف آسر بغرور يمتلكه حقًا:
_ نجحت طبعًا، هو في مهمة بيدخلها آسر الجارحي الوحش ومتنجحش!
أردف بيجاد بإستفزاز:
_ نجحت واخدت 3 سنين امال لو منجحتش كانت هتاخد كام سنة!
أردف آسر بغيظ:
_ مهي مكنتش مهمة واحدة دول 7 مهمات يا مفتري واتمرمطت فيهم ومكنتش بنام الليل.
ضحك بيجاد بقوة بينما نظر لهم هشام وريان بعدم مبالاة واردف هشام ببرود:
_ معلش.
نظر له آسر وبيجاد فهمًا يغتاظان بشدة من هذه الكلمة ليردف آسر بغيظ:
_ ياه تصدق ارتحت.
أومأ له هشام بابتسامة صفراء ليردف ريان بجدية:
_ طيب يلا منك ليه من غير مطرود، مش فايق للعبكوا.
أردف بيجاد بخبث:
_ آه قول كدا عايز ترجع البيت بسرعة يا شقي، دا أنت حتى قعدت شهر كامل معاها.
ألقى ريان عليه القلم الذي كان في يده ليبتعد بيجاد إلى الخلف وهو يضحك ولم يصبه القلم ليردف آسر بعدم فهم:
_ مع مين؟؟
أردف بيجاد بضحك:
_ آه صحيح أنت متعرفش، خد الصدمة دي يا حلو، الذئب اتجوز.
نظر له آسر واردف بعدم تصديق:
_ قول حاجة معقولة مش مستحيلة.
أردف ريان بهدوء:
_ مش مستحيلة وفعلًا أنا اتجوزت.
أكمل هشام بهدوء:
_ وامبارح رجع من شهر العسل.
نهض آسر كمن لدغته عقرب وهو يردف بعدم تصديق:
_ بقولكوا إيه، متخلونيش أقول ألفاظ دلوقتي تجرح براءتي، أنت اتجوزت بجد؟
ضحك بيجاد على رد فعله ليجلسه هشام وهو يردف مبتسمًا:
_ اقعد، اقعد بس.
جلس آسر وعيناه متسعة بعدم تصديق وأخرج هشام هاتفه وأراه زواج الذئب الأسطوري والذي كان يأخذ التريند في كل شيء ولكن لم تظهر حوراء في أي مقطع بسبب أوامر الذئب عندما أمرهم بحذف كل المقاطع التي تظهر فيها زوجته...
نهض آسر وعانق ريان بقوة وهو يردف وما زال على صدمته:
_ مبارك يا صاحبي بجد أجمل خبر سمعته واغربهم طبعًا.
ابتسم له ريان ليكمل:
_ آه صحيح، أخبار أختك إيه؟
أردف ريان بهدوء:
_ كويسة.
ثم نظر إلى هشام وبيجاد وأكمل:
_ هي أكيد وصلت دلوقتي، يبقي تعالوا علشان متزعلهاش.
أومأ له هشام وبيجاد ويردف آسر بمرح:
_ وأنا هعملهالها مفاجأة مع إني أشك إنها تعرفني.
وظلوا يتحدثون معًا حتى شرد آسر فجأة وهو يتذكر تلك العيون الحادة وشراستها في الحديث وقصر قامتها الذي يظهرها وكأنها طفلة، ليعود من شروده على ضربة خفيفة في ذراعه من بيجاد وهو يردف بخبث:
_ اللي واخد بالك.
ضحك آسر واردف بضحك وشرود:
_ في بنت خبطت فيا النهاردة مش عارف أقول إيه عنها بصراحة بنت ولا طفلة، من طولها تقول عليها طفلة بس من لسانها تقول عليها أكبر مني.
أردف بيجاد بخبث:
_ الله أكبر الصنارة غرزت ولا إيه؟
هتف آسر بقوة:
_ لا طبعًا بس هو موقف مش أكتر، عمومًا يا ريان هبقى أجيلك أنا والبهوات دول.
أردف ريان بهدوء وهو ينهض:
_ ماشي أشوفكم بالليل.. يلا يا هشام معانا اجتماع.
وخرج هو وهشام ليذهبا إلى الاجتماع بينما ذهب بيجاد مع آسر وهما يتذكران أيامهما سويًا، فهو صديقه وأخيه أيضًا الذي تعرف عليه في أول سنة له في المخابرات ليصبح صديقه الذي يخرج معه في أي مهمة وكانوا قوة لا تقهر وهو يلقب بوحش المخابرات وبيجاد أسد المخابرات، حتى افترقا عن بعضهما بسبب هذه المهمة التي كُلف بها آسر وحده ليضطر إلى الرحيل والسفر وحده لثلاث سنوات.. وقص له آسر كل ما حدث معه أثناء المهمة وكيف نجح بها وبقيا يتذكران الكثير والكثير من المواقف التي تجمعهما أثناء مهماتهما....
جاء المساء ليدلف ريان إلى القصر ليجد أسرة قلبه تجلس مع شقيقته والتي نهضت فور رؤيتها له وركضت نحوه لتحتضنه باشتياق ليبادلها هو العناق باشتياق أكبر، أما حوراء فكانت تقف تطالعهما بحنان، ابتسم لها ريان بخفة وتوجه نحوها واحتضنها بقوة لتشعر بالخجل بسبب رؤية كيان لهما وسمعت همسه:
_ وحشتيني يا ملكة قلبي.
رفعت يدها بتردد وعانقته بلطف وهي تردف:
_ وأنت كمان.
ابتعد عنها وقبل جبينها ليستمع إلى صوت شقيقته الضاحك:
_ إحنا هنا.
ابتعدت عنه حوراء بسرعة خجلًا بينما نظر لها ريان مردفًا بغيظ:
_ فصيلة.
ضحكت كيان واردفت ببرود مصطنع:
_ عارفة.
ابتسم ريان واردف بحنان وهو ينظر إلى حوراء التي كانت تنظر بعيدًا عنهما:
_ إيه؟
نظرت له بفرحة وهي تردف:
_ بجد، امتى؟
_ دلوقتي يا أميرتي.
نظرت إلى الصوت بسرعة لتجده شقيقها وهو يسير بجانب شقيقتيه، أسرعت له حوراء تعانقهم واحد تلو الآخر، وكذلك كيان التي قالت بهدوء وخجل:
_ أخباركم إيه؟
أجابتها آية وهي تصافحها مبتسمة:
_ الحمد لله يا كوكو.
رحب بهم ريان ثم قال:
_ وكمان بيجاد وهشـ.
قاطع حديثه وهو يستمع إلى صوته وهو يدلف ويردف بمرح:
_ في حد بيجيب في سيرتي؟
ضحكت كيان مردفة:
_ هو انتوا بتطلعوا على السيرة!
ليضحك هشام وبيجاد وركضت نحوهما وهي تعانقهما باشتياق وبادلوها هما بحنان وأعطياها أيضًا الشوكولاتة التي لا يمكنهم نسيانها أبدًا، وألقوا السلام على إياد والباقي، لينظر الجميع باتجاه الباب وهم يجدون شخص يدلف وهو يخفي وجهه خلف مجموعة من الأزهار التي معها الكثير والكثير من أنواع الشوكولاتة.
ابتسم ريان وهشام وبيجاد وهم يعرفون هويته وكيفية دلوفه، فهو ما زال وسيظل آسر لقلوب الفتيات بأفعاله ووسامته... أما كيان والبقية كانوا ينظرون له بجهل لهويته حتى أبعد من أمامه تلك الأزهار والشوكولاتة المجمعة معًا، ولم يلبث ثوان حتى استمعوا إلى صوت شهقة قوية صدرت من كيان وهي تنظر له بعدم تصديق وتضع يدها على فمها وهي تردف بصوت سعيد عالٍ:
_ آسر! مش معقول.
ابتسم آسر واردف بحنان:
_ مفاجــأة.
ركضت نحوه كيان ووقفت أمامه وهي تنظر له بعدم تصديق وهي تردف:
_ أنت بجد هنا ولا أنا بحلم؟
قرصها بيجاد في ذراعها لتتأوه بألم تنظر له بغيظ ليردف ببرود:
_ كنت بعرفك أنك مش بتحلمي.
رمقته بحنق ثم نظرت إلى آسر مجددًا واردفت:
_ وحشتني أوي يا آسر، متغيرتش غير أنك طولت حبتين تلاته أربعة عشرة كدا.
ابتسم آسر واردف بحنان:
_ وانتي كمان وحشتيني يا كوكو، كنت فاكر أنك مش هتفتكريني بس طالعة زي أخوكي ذاكرة كمبيوتر.
رفعت يدها في وجهه وهي تردف:
_ الله أكبر.
قهقه آسر بخفة واردف وهو يعطيها الأزهار والشوكولاتة:
_ أحلى شوكولاتة لأحلى كيان.
التقطتها كيان منه وهي تنظر لها بسعادة وتمتمت له بالشكر وهي لا تصدق أنه أمامها بعد غياب طال لثلاث سنوات، هي لم تحتضنه رغم أنها تريد وبشدة ولكنها تخجل منه فهي تعتبره صديقها ولكن ليس بقرابة بيجاد وهشام منها..... أما آسر فأردف بهدوء وهو يرى الكثير من الوجوه التي لم يتعرف عليها:
_ أهلًا يا جماعة.
تحدث ريان بهدوء:
_ تعالى يا آسر.
ثم نظر إلى حوراء واردف بعشق وهو يشير إليها معرفًا:
_ ملكة الذئب.
نظر لها آسر ليرى فتاة شديدة الجمال، ولكنه أبعد عينيه بسرعة فعندما قال ملكة الذئب فهذا يعني أنها هي زوجته، ليكمل ريان تعريفه على إخوة حوراء وهو يشير لهم واحد تلو الآخر.
نظر لهم آسر وصافح إياد بحرارة والقي السلام على آية ولكن ما إن وقعت عيناه على تلك القصيرة حتى اردف بصدمة:
_ أنتِ!
تجمعنا الأقدار، وكأننا نسير على حدود متصلة، مهما ابتعدنا نتلاقى في نقطة ما.