تحميل رواية «الوشم السائر» PDF
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كنت داخل شقتي أعطي مجموعة من الطلبة درسًا. لما سمعت صراخ جاري أحمد المرتفع جدًا، كان يسب ويلعن. عندما فتحت باب شقتي، رأيته يدفع زوجته نيرة على السلم بعنف وهو يصرخ: "خائنة، عاهرة، أنتِ طالق، طالق وبالثلاثة". يومضت نيرة على السلم دون أن تفتح فمها، وتلقت الضربات والصفعات بصمت. جارتي نيرة امرأة شابة، هادئة جداً ومؤدبة، ونادر أن تخرج من شقتها. لم أر منها إلا كل خير، وكنت أقابلها أحيانًا على السلم، أرمي السلام فترد التحية بصوت خافت يكاد لا يُسمع. تجمع الناس وأحضروا تاكسي لنيرة، أخذها ورحل. سرت همسات أ...
رواية الوشم السائر الفصل الأول 1 - بقلم اسماعيل موسى
كنت داخل شقتي أعطي مجموعة من الطلبة درسًا.
لما سمعت صراخ جاري أحمد المرتفع جدًا، كان يسب ويلعن.
عندما فتحت باب شقتي، رأيته يدفع زوجته نيرة على السلم بعنف وهو يصرخ: "خائنة، عاهرة، أنتِ طالق، طالق وبالثلاثة".
يومضت نيرة على السلم دون أن تفتح فمها، وتلقت الضربات والصفعات بصمت.
جارتي نيرة امرأة شابة، هادئة جداً ومؤدبة، ونادر أن تخرج من شقتها.
لم أر منها إلا كل خير، وكنت أقابلها أحيانًا على السلم، أرمي السلام فترد التحية بصوت خافت يكاد لا يُسمع.
تجمع الناس وأحضروا تاكسي لنيرة، أخذها ورحل.
سرت همسات أن نيرة كانت على علاقة برجل وأن زوجها اكتشف خيانتها وطلقها.
أكملت الدرس لطلباتي، وكان أربعة منهن يسكنّ نفس العمارة.
سهرت حتى وقت متأخر، وعندما نمت، لم أفتح عيني إلا وقت العصر.
الحارة كلها كانت تتكلم عما حصل.
لما نزلت أشتري أكل، وجدت جاري أحمد مقتولاً داخل شقته.
شق سكين صدره ووصل قلبه. مات بعيون مفتوحة مرعوبة.
كانت المتهمة زوجته نيرة.
طلب كل ساكني العمارة في القسم وخضعنا لتحقيق رسمي، وكنت أنا واحدًا منهم.
نيرة نفت التهمة عن نفسها.
لكن الشهود أكدوا رؤيتهم نيرة عائدة إلى الشقة في وقت متأخر مساء تلك الليلة.
ولأنه لم توجد بصمات على السكين، فقد كان كل منا مشتبهًا به.
لكن ضابط المباحث سرعان ما أخلى سبيلنا.
وأنا خارج، قابلت نيرة. كان الحديد في يديها، وكانت تبص نظرات تائهة وشارده.
تصادف أننا جينا في وش بعض، وهي بتعبرني همست: "مقتلتوش يا عوني".
صرخ الحارس: "امشي يا متهمة".
ومضيت أنا في طريقي.
فأنا لست محاميًا ولا حتى قريبًا لها، وكنت نسيت الأمر.
الجميع كان يعرف أن نيرة انتقمت من أحمد، ورسخت الفكرة في عقولنا.
ومضى أكثر من أسبوع عندما وجدت عسكريًا يطرق باب شقتي.
ولأنني أعرف حظي التعيس، أدركت أن هناك مصيبة.
لكن الشرطي طمأنني، قال: "معاون المباحث عايز يتكلم معاك".
ولأنني لا أثق في الشرطة، ابتعت طعامًا في طريقي إلى القسم وأكلته داخله.
لما دخلت مكتب معاون المباحث، همس: "إيه اللي بينك وبين نيرة؟"
قلت في سري: "أهلاً، هي وصلت لكده؟"
"ياباشا، مفيش أي علاقة تربطني بنيرة واللهم".
معاون المباحث نفخ من سيجارته وهمس: "مش معقول".
قلت: "ليه ياباشا؟"
رواية الوشم السائر الفصل الثاني 2 - بقلم اسماعيل موسى
لازم تعرف يا عونى إن أي كلمة تنطقها ممكن تكون دليل إدانة أو نجاتك.
قلت يا باشا أنا مش محتاج أكذب، مفيش أي علاقة بتجمعني بمدام نيرة.
صمت معاون المباحث.
أنا مقلتش إن فيه علاقة بتجمعك بمدام نيرة يا عونى.
قلت بوضوح: تعرف مدام نيرة؟
وشعرت إن معاون المباحث بينتوي توريطي أو ببساطة بيشعر بالملل.
رفع معاون المباحث بصره تجاه النافذة كأنه بيشوف عبر الجدار وهمس: مدام نيرة طلبتك انت تحديدًا عشان تساعدها.
حط نفسك مكاني يا أخي، واحد بيدعي إنه ما يعرفش واحدة ولا ليه أي علاقة بيها، وبعد ما تحصل جريمة قتل تكون هي فيها المتهمة الرئيسية، تطلبه هو بالاسم عشان يساعدها؟
وقبل ما أفتح فمي قال المعاون: لازم تعرف إنك مش متهم هنا، نيرة في الغرفة اللي جنبي تقدر تقابلها، ولو عرفت أي حاجة يا ريت تبلغني.
في الرواق بلعت ريقي وشفت واحدة قاعدة متوترة، حسيت إني أعرفها، كان جنبها راجل على ما يبدو جوزها وكان بيحاول يهديها.
سألت العسكري مين دي؟
همس: دي أخت المجرمة.
فتح الشرطي الباب وقال: أنا هكون هنا لو احتجت حاجة.
نيرة المكبّلة بالحديد كانت قاعدة على كرسي خشب.
نحيلة ورقيقة مثل وردة ذابلة.
استاذ عونى؟
ازيك يا مدام نيرة؟
الحمد لله استاذ عونى.
قعدت على الكرسي مش عارف أقول إيه.
مقتلتوش يا عونى، والله ما قتلته، أنا رجعت الشقة أجيب أوراق الورث بتاعت بابا، أخدتها ومشيت، وأحمد مكنش موجود وقتها.
وكنت على وشك إني أسألها ليه أنا؟ ليه اخترتي شخص ما يعرفش عنك أي حاجة عشان يساعدك؟
لكن لساني رفض إنه يطاوعني.
قربت المقعد من نيرة.
ولمست بعيوني خجلها.
بعد ما فتحتي الشقة عملتي إيه؟
همست نيرة: مفتحتش الشقة، الشقة كانت مفتوحة.
وبعدها عملتي إيه؟
دخلت على أوضة المكتب أخدت الأوراق ومشيت.
يعني مدخلتيش أي غرفة تانية؟
لامحسيتيش إن فيه حاجة غريبة في الشقة؟ أوراق مبعثرة؟ مقلوب؟ فنجان مهشم؟
كل حاجة كانت طبيعية يا عونى.
وفكرت، إنها تقول عونى بدون ألقاب، رغم إنها أول مرة أتحدث فيها إليها.
إيه اللي عايزة توصليهولي؟
كنت أعرف إن حوارنا متسجل والكاميرات بتصورنا، وإن رفع الكلفة بتلك الطريقة قد يبدو أمر مريب.
لاحظتي أي حاجة تانية يا مدام نيرة؟
وأنا طالعة الشقة قابلت شخص معالمه مش واضحة، كان نازل السلم بسرعة لكن مشفتش وشه.
قلت: وده قولتي في محضر التحقيق؟
همست: أيوه قولته، لكن محدش صدقني، عونى أنا مش عايزة أموت، ارجوك ساعدني.
لكن أنا مش محامي يا مدام نيرة، هساعدك إزاي؟
همست نيرة: إنت هتساعدني، لازم تساعدني، لازم.
ونهضت فجأة وألقت بجسدها على ووضعت حافة زجاجة مكسورة على رقبتي.
لو تحركت هقتلك.
رواية الوشم السائر الفصل الثالث 3 - بقلم اسماعيل موسى
اقتحم الشرطي الغرفة مشهرًا سلاحه الميري.
سقطت قطعة الزجاج من يد نيرة بسهولة عندما دفعتها بعيدًا عني، وتكسرت على الأرض. طرف الزجاجة ترك علامة في رقبتي، وسقطت نقطة دم على الأرض.
منحتني نيرة ابتسامة صغيرة من شفاه مقدودة.
"يا مجرمة، يا قاتلة القتلة! إنتي جبتي الزجاج من فين؟"
وصل معاون الشرطة يركض.
"عوني، إنت كويس؟"
"قلت الحمد لله."
"فيه إصابة ولا حاجة؟"
"قلت: ما أكنش لازم أسيبكم مع بعضكم من غير حراسة."
همس معاون المباحث بقلق: "بقيت البنت المفعوصة دي كانت بتضحك علينا؟"
ثم صمت الضابط لحظة.
"لكن؟" وبص على نيرة، "هي عايزة تقتلك ليه؟ إيه اللي تعرفه نيرة والشرطة متعرفوش؟"
"قلت: اسألها يا باشا، أهي قدامك."
أتكت نيرة على الجدار وهمست: "هي الأزهار بتحيا آبدًا من غير غصون، ولا الألحان بتشجي من نغم حنون."
وبدا أنها مستمتعة بالأغنية.
"يا بت انتي! إنتي مش مجنونة، لعبتك دي تلعبيها على شخص تاني، ورحمة أمي ألف حبل المشنقة حوالين رقبتك بإيدي."
"عوني هينقذني،" همست نيرة بلامبالاة.
"يا عسكري خدها على الحجز، أنا مش ناقص قرف."
كنت أفكر في كلام نيرة، "عوني هينقذني."
وكنت منتظر معاون المباحث يقول لي روح، لكن الضابط طلبني تاني في مكتبه.
"أنا آسف يا عوني،" بدأ معاون المباحث كلامه، "مكنتش أعرف إنها بتخطط لحاجة."
"لكن؟" وهز معاون المباحث رأسه، "هي كانت عايزة تقتلك ليه يا عوني؟ إنت عملت معاها حاجة غلط؟"
"قلت: أبدا يا باشا."
"كنتش إنت اللي نيرة خانت جوزها معاك؟ أصلكم ساكنين جنب بعض، الباب في الباب، الليل طويل والبنت حلوة."
"قلت: يا باشا."
همس الضابط: "أنا بهزر يا عوني، متأخذش في بالك. إحنا قبل ما نجيبك هنا عملنا تقرير عنك وعرفنا إنك سليم. لكن اللي مش قادر أفهمه، ليه واحدة زي نيرة ملهاش علاقات خالص تطلب مساعدتك إنت بالذات؟"
في الخارج سمعنا جلبه وصخب، نيرة اعتدت على أختها وجوز أختها اللي كانوا جايين القسم يقفوا معاها في محنتها. وقضمت يد جوز أختها وتركت جرح كبير.
سمح لي معاون المباحث بالانصراف، كانت لديه هموم أخرى. وسمعته بيطلب من أسامة جوز أخت شروق يعالج إيده في أقرب مستشفى.
قعدت على القهوة شوية، مقدرتش أرجع شقتي على طول. كان أمر مبهم ومعقد. نيرة تطلب مساعدتي، بعد كده تحاول تقتلني. كانت كل حاجة مربكة. ليه أنا؟
حاولت أن أخلق مبررات لنيرة عقلانية لنيرة وفشلت. وأنا أدخن الشيشة على المقهى أدركت إنه هناك شيء واحد أنا متأكد منه، نيرة لو كانت عايزة تقتلني كانت قتلتني. السهولة اللي تركت بيها قطعة الزجاج لما ضربت إيدها مثيرة للحيرة.
وتذكرت أحمد جوز نيرة، شخص مثالي هاديء، لطالما اعتقدت إنه ونيرة يشكلان ثنائي مميز. ما الشيء اللي جعله يغضب للحد اللي يدفعه لطرد زوجته بتلك الطريقة؟ خيانة؟ طيب كانت بتخونه مع مين؟ وليه نيرة وهي خلاص متهمة بالقتل وممكن تتعدم معترفتش عليه؟ ليه مقلتش اسمه؟ مش يمكن الشخص ده هو اللي قتل أحمد؟
وليه معاون المباحث ممسكش الخيط ده ومشي وراه؟ معقول يكون مفكرش فيه؟ أم إنه نسيه عمدًا وقرر تركه؟
أنا لازم أعرف الشخص ده. انتابني فضول ابن كلب لأعرف هوية الشخص اللي اختارته نيرة لتخون معه أحمد.
وعندما أضع فكرة في رأسي لابد أن أنفذها مهما كلفني الأمر من تحديات. احتاج مني الموضوع أن أُجري أكثر من اتصال بالجيران والأصدقاء من تليفون نوكيا صغير استخدمه للاتصالات. وكانت الإجابات كلها متسقة، نيرة ملهاش أي علاقات ومحدش كان بيشوفها خارجة من شقتها غير مع جوزها أحمد، ومفيش شخص بيزورها في شقتها غير أختها شروق مع جوزها أسامة.
البوكس وقف قدام القهوة اللي أنا قاعد فيها. معاون المباحث كان فيه. القهوة كانت قريبة من قسم الشرطة.
الضابط شاور لي بإيده.
"عوني، إنت نسيت تليفونك في المكتب."
حطيت إيدي في جيبي ملقتش التليفون. أخدت التليفون وضابط الشرطة قال لي: "اركب معايا، هوصلك في طريقي."
ركبت معاه. واحنا في الطريق وصل تليفون لمعاون المباحث. الراجل استأذني نروح المشرحة لأن فيه حاجة مهمة هناك.
وصلنا المشرحة ومعاون المباحث كان بيتكلم مع الطبيب الشرعي. ولقيت فرصة وسط انشغالهم أبص على أحمد الراقد على الطاولة في منتصف الغرفة. هالني منظر الموت، وكان أحمد يتمدد ساكن قاتم.
بصيت على شه ورفعت. مكان السكين واضح جدا. الدكتور الشرعي لسه مبدأش التشريح. كان فيه وشم حديث على عنق أحمد وصدره، زهرة تنتهي برأس ثعبان. واستغربت شخص هادي زي أحمد المفروض ملوش علاقة بالأوشام.
"يلا بينا يا عوني،" خاطبني معاون المباحث وأيقظني من شرودي.
رواية الوشم السائر الفصل الرابع 4 - بقلم اسماعيل موسى
أوصلني ضابط المباحث قرب بيتي.
وأنا أنزل من السيارة، همس: "خلي بالك من تليفونك يا عوني".
وابتسمت.
قلت: "يا باشا الحمد لله، لسه مجوزتش".
ضحك معاون المباحث، ثم صرخ في الشرطي السائق: "اطلع يا ابني".
تنهدت بارتياح.
كنت على لحم بطني ومش عارف آكل إيه.
محتار بين إني آكل سندوتشات سريعة أو أجهز مكرونة بالصوص.
اشتريت نص كيلو مكرونة وأنا طالع الشقة، لقيت البنات قاعدين قدام باب الشقة.
"الدرس يا أستاذ عوني، اتأخرت علينا؟"
كنت نسيت الدرس.
اعتذرت لتلاميذي وفتحت الباب.
"خمس دقائق وأكون جاهز يا بنات، افتحوا الصفحة على الدرس وهرجع حالا".
الحياة ليست سهلة على الإطلاق.
الإنسان علشان يأكل لازم يطبخ بنفسه.
كمية هراء لا محدودة.
شوحت المكرونة وزودت ميه بعد ما ضربت حبتين طماطم في الخلاط وتخليت عن فكرة الصوص وسبتها وخرجت للطاولة.
كنت أشرح وأتابع الحلة كل عشر دقائق.
أخيرًا بعد ما يقرب من تلت ساعة، طفيت النار وواصلت الشرح حتى تعبنا.
أخيرًا أصبحت بمفردي ورحلت الطالبات نحو بيوتهن.
أكلت حتى امتلأت معدتي وتمددت على الأريكة مغمض العينين أفكر.
"نيره؟ إيه حكايتك معايا بقا؟ مرة تطلبى مساعدتى ومرة تحاولى تقتلينى؟"
وتذكرت جنونها وقضم يد زوج اختها شروق.
"كان ذلك إشارة؟ أسامة متورط مثلاً؟ لكن كيف؟ معها؟"
ثم فكرت أكثر.
"حتى لو كان معها، ما الفائدة؟ كيف ينقذها ذلك من حبل المشنقة؟"
"أسامة لم يقتل أحمد، لا سبب يدعوه لذلك. إن العكس إذا كان صحيح هو ما كان سيحدث، أحمد يقتل أسامة".
شعرت بصداع وخرجت للشرفة.
دختنت سيجارة وقلت: "يا عم نام، انت مال أهل_ك".
رقـدت على السرير ثم تذكرت الوشم الغريب على عنق أحمد وصدره.
فتحت النور وسجلت على ورقة الوشم.
"مفيش كاميرات في العمارة، محدش شاف أي حاجة".
"ده لما تفعلها نيره، فإن المجرم كان هاديء جدًا، هاديء لدرجة".
ثم ضيقت عيني.
"إنه يرسم وشم على رقبة أحمد؟ ده مجرم دماغ بقا؟"
"نيره بتخون أحمد!! أحمد يطردها، أحمد مقلش لأي شخص".
"نيرة كانت بتخونه مع مين؟ نيرة ترجع الشقة، أحمد يتقتل".
"نيرة بتقول مقتلتش أحمد".
"إزاي؟"
"ما سألت نيره إزاي؟"
ومضى الليل عليه طويل.
ولما أشرقت الشمس روحت على قسم الشرطة وترجيت معاون المباحث ربع ساعة لحد ما وافق أتكلم مع نيره وإن تكون مقيدة بالجدار.
لما نيره شافتني ابتسمت.
قلت: "انتي مبسوطة؟"
قالت: "إزاي هكون مبسوطة وأنا بينتظرني حكم بالإعدام؟"
قلت: "كويس، فرّتي عليا كلام كتير".
"نيره؟ انتي كنتي بتخوني أحمد؟"
بصقت نيره على الأرض وهمست: "أما مش كده، أنا عمري ما عمل كده!!"
"نيره؟ أحمد كان بيخونك؟"
صمتت نيره ولم تفتح فمها.
تحجرت نظرتها.
"كان بيخونك علشان كده انتي قتلتيـه؟"
"غبي!" صرخت نيره. "انت غبي زيهم، لو قتلته ليه هنكر والتهمة كده كده لبساني؟"
"كان فيه وشم على رقبة أحمد، الوشم ده عمله إمتى؟"
فتحت نيره بقها. "أحمد مكنش على جسمه أي وشم يا عوني، إنت بتشتغلني؟ بتشتغل مع الشرطة مثلاً؟"
"متأكدة يا نيره؟"
"أيوه متأكدة، الزفت كان جوزي مش عشـيقي، يعني أكيد لو كان فيه وشم كنت هشوفه".
كان الوقت مر وكنت أحتاج إجابة واضحة.
"نيره أحمد كان بيخونك؟"
ترددت نيره دقيقة وهمست: "حتى لو كان، ده هيفيدك بأيه؟ إلا لو كنت عايز تثبت التهمة علي؟"
"مش عايز أثبت حاجة، ردي من فضلك يا نيره؟"
تطلعت نيره إلى الجدار وهزت قيد الحديد.
"للسبب ده اخترتك يا عوني، لأنك مش بتسأل كتير".
قلت: "الحقيقة أنا مش عارف انتي اختـر تيني ليه؟ أنا مش محقق ومش محامي".
"اخترتك لأنك حليت القضية إلى قبلها يا عوني؟ فاكر ولا أفكرك؟"
"مكنتش متخيل ولا متوقع أن فيه شخص غيري يعرف بأمر القضية دي".
"قولت عرفتي إزاي يا نيره؟"
قالت: "يا راجل، ده حتى أسمي على اسمها؟"
ابتسمت وقلت وأنا بقوم: "لكن هي كانت مجرمة يا نيره".
رواية الوشم السائر الفصل الخامس 5 - بقلم اسماعيل موسى
ها يا عوني، عملت إيه؟ سألني معاون المباحث بنبرة حماس.
قلت: ولا حاجة يا باشا.
رفع معاون المباحث رجليه على المكتب وتنهد، أشعل سيجارة ورزع مشط الكبريت في الطاولة.
المدام حاولت تقتلك أمس، وإذا بك تفاجئني اليوم برغبتك في رؤيتها، وبعد ربع ساعة من التوسل، أضف إليها نص ساعة بتتكلموا مع بعض، جاي تقول لي "ولا حاجة"؟ إيه؟ كنتم بتراجعوا أسئلة امتحان الثانوية العامة مثلاً؟
حتى دا كان بيحصل زمان أيام علي ابن الجنيني وإنجي.
ثم نهض معاون المباحث، كان مرتدياً بنطال جينز أزرق وقميص أبيض طوى أكمامه حدود الكوع، عدل ياقة القميص ومسح شعره بيده وابتسم.
ممكن أعرف سيادتك شايفني إيه؟
ثم ضرب فتحي بيه الطاولة بيده بغضب جعل فنجان القهوة يتراقص.
عوني، لو ما قلتش كل اللي تعرفه هخليك ترقص.
قلت: لكن أنا معرفش أرقص يا باشا.
متشغلش بالك، همس فتحي بيه، كل هنا بيرقص، هعلمك الرقص على أصوله. وغمز بعينه.
أدركت أن فتحي بيه جاد وكان لدي دافع أن أخبره الحقيقة.
قلت: حاضر يا باشا، هقولك كل حاجة.
نيرة متعرفنيش لا من قريب ولا من بعيد، لكنها اختارتني لأنها تابعت قصة أنا كتبتها على صفحتي اسمها "خيانة مزدوجة" وبطلة القصة كان اسمها نيرة. أنا لسه برتب أفكاري، لكن أنا متأكد أن نيرة بريئة وأنا فيه طرف تالت هو اللي ارتكب الجريمة، وتقريباً لأن نيرة رافضة تتكلم، هو شخص قريب منها، واحد من العيلة أو شخص يهمها أمره. أنا حطيت مجموعة من الافتراضات وهمشي وراها.
ابتسم ضابط المباحث.
عوني، أنت جاي تعمل دعاية لصفحتك في القسم هنا؟ عايز تقنعني أقرأ قصة كتبتها علشان أوصل للحقيقة؟ أنت بتهزر يا عوني. ولو كنت أنت والبنت دي هتشتغلوني، أنا مضطر أشغل حنكش.
قلت: حنكش مين يا باشا؟
آه، أنت متعرفش حنكش؟ ضغط فتحي بيه الجرس وظهر مخبر جلف ضخم بشارب ثعلبي وعيون ماكرة.
أعرفك على حنكش يا عوني.
قلت: بلاش حنكش يا باشا، والله أنا قلت الحقيقة وتقدر تراجع الكاميرات.
مش هراجع حاجة يا عوني، ولو شفتك في القسم هنا مرة تانية هخلي حنكش يتعامل معاك.
كنت أعرف أن فتحي بيه يمكنه أن يصدق أي شيء سوى الحقيقة. ضباط المباحث لا يرحبون بالطرق المباشرة السهلة.
على كل، أنا مش هقابل معاون المباحث تاني. نيرة هتتنقل للسجن وهناك فيه زيارة أقدر أطلبها.
أخرجت ورقة من جيب بنطالي.
شروق. اسمها أخت نيرة وجوزها. قررت أبدأ من هناك.
وأنا نازل السلم خبطت في شاب صاعد السلم بيلهث. كان شبه نيرة جداً، عيونه خضراء زيها ونفس ملامحها. الشاب اعتذر لي، بينما كنت أفكر أنا أنه ربما أخ نيرة. وكنت على وشك أسأله: أنت مين؟ لكن مش معقول أسأل شخص أول مرة أشوفه: أنت مين؟ دا مش بيحصل غير في روايات أحمد مراد أو محمد صادق.
لزقت في الحيطة ووقفت مكاني. أنا ممثل جيد عندما أرغب. أنا أكون مهرج. ركزت في الورقة وعيني على الشاب الذي طرق باب فتحي بيه، ثم بعد دقائق دخل غرفة نيرة التي لم تنقل بعد إلى الحجز.
دسست الورقة في جيب بنطالي. عندما يعمل عقلي، أخشاني، فأنا كتلة حماقة متحركة.
خطفت ساندوتش طعمية من عربة فلافل متحركة غير عابئ بالحموضة. وغمزت بعيني لشابة جميلة كانت تعبر الشارع، ذكرتني بريتا سيزيف. كانت ملابسها متناسقة تكاد تكون خرجت من فتارين عرض للتو، وعلى كتفها حقيبة ظهر مقلدة ماركة "فيكتوريا سيكريت". أعجبني حذاؤها الأبيض كوتش ماركة أديداس، وكانت تمشي واثقة حتى أنها لم تبالي بحماقتي. أخذت قضمة من الساندوتش وهمست: سنلتقي مرة أخرى.
ثم قفزت داخل أتوبيس 319 ووقفت بين الناس متعلقاً بالعمود النحاسي حتى لا أسقط.
تابعت اليافطات والماره من زجاج الأتوبيس القذر. كيف تمضي الحياة بتلك الطريقة بينما شخص مثلي يعيش بمفرده؟ أحياناً عندما أقطع الطريق سيراً في منتصف الليل أبحث عن كلب يرافقني.
كانت شروق تسكن في حي هادئ، زقاق قديم، لكن البناية في حد ذاتها مقبولة.
طالعت البناية من الجهة الأخرى وسمعت صراخ الغفير الغاضب.
فيه إيه يا بيه؟ أنت جاي تعاكس هنا؟ إيه البلاوي اللي بتتحدف علينا دي يا رب.
قطعت الشارع بغضب. كنت أطول من الغفير الذي يرتدي جلباب بني وعمة زرقاء وشال تبني. كان له شارب لم يشذب منذ شهر وعيون سوداء ضيقة ولحية طفيفة تشبه زغب يدي. وكنت أجمل منه، ربما كان هذا الشيء المحفز في الأمر.
قلت: ما شأنك أنت؟ الشارع مكتوب باسمك؟
بصق الغفير من فمه: هو يوم مش فايت باين عليه. يا بيه عيب عليك، باين عليك محترم وابن ناس، هو ينفع تقف تعاكس بنات الناس وأنا قاعد هنا؟ هو أنا كرنبة مثلاً؟
وكنت أول مرة أسمع شخص يشبه نفسه بكرنبة، مما زاد من احترامي للغفير الهازئ.
قلت: دعنا نتفق أنه ليس هناك قانون يمنع التسكع في الشارع؟ ولا حتى الوقوف قرب الرصيف.
معاك حق يا بيه، لكن فيه أصول، وفيه غفير بياكل عيش هنا ومهمته يحافظ على الأمن والأمان.
مرة أخرى يبهرني الغفير، فهو يعرف واجبات شغلته.
قلت: أصلك أنت متعرفش أنا هنا بعمل إيه، وعمال تخلق اتهامات تفور الدماغ.
قعد يا أخي، هفهمك. قعدت مع الغفير على الدكة. أنا يا سيدي بدور على شقة وأولاد الحلال قالوا لي إن فيه شقة فاضية هنا.
صمت الغفير وهمس: لو كان كده، ماشي.
ومكنتش أعرف أن فيه شقة فاضية ولا يحزنون. اعملنا كوبيتين شاي بقا يا عم الحج خلينا نتكلم في التفاصيل.
رواية الوشم السائر الفصل السادس 6 - بقلم اسماعيل موسى
وأنا قاعد مع الغفير بنشرب الشاي سألته عن الشقة.
ولم يكن في جيبي سوى مائتي جنيه، ولا أنوي مطلقًا تأجير الشقة.
وقلت للغفير: "نشرب الشاي ونتفرج على الشقة، ماهو مكنش ينفع أمشي كده من غير سبب".
الشقة كانت في الدور الثاني، ثلاث غرف وصالة وحمام ومطبخ.
وأنا بتفرج، الباب كان مفتوح وشفت شروق خارج من شقتها.
للصدفة، شقتها كانت في وش الشقة الفاضية.
عملت نفسي مش واخد بالي وقلت للغفير: "أنا هفكر وأرد عليك؟ بس يا ريت متضايقش لما تشوف وشي تاني".
الغفير ضحك وقال: "مطرحك ومكانك في أي وقت يا عوني بيه".
طلعت مية جنيه من جيبي واديتها للغفير وسبته.
وأنا بدعي الحق شروق.
ومن حسن حظي أنها كانت ماشية على الرصيف ولسه مركبتش مواصلة.
مشيت ورا شروق لكن بعيد عنها شوية.
وجعلت أتأملها، كانت في نفس طول أختها، خجولة لكنها تمشي واثقة من نفسها.
والنوع دا محير بالنسبة ليا.
عندما تنظر فتاة تجاه الأرض وهى تمشي واثقة، عليك أن تحذرها أكثر من مجرم.
وكانت ملابسها عادية رغم أناقتها.
وجسدها مضبوط في الجيبة والبلوزة رغم نحافتها.
قليلة النظر في الجوار، مما يعني أنها حذرة.
يدها لا تلمس تحجيبتها ولا تحرك حقيبتها كل خمس ثواني.
تمشي بسرعة متوسطة، مش مستعجلة.
وسألت نفسي: إلى أين تراها ذاهبة؟
وقررت أن أتوقف عن مراقبتها على أول الشارع، فمن المستبعد أن يحدث شيء مثير للشك قرب بيتها.
ومكنتش أعرف أن فيه منتزه قريب من بيتها وأن فيه شخص منتظرها هناك قاعد على الأريكة وسط المنتزه.
ودا خلاني أب بدل رأيي وأقف أراقبها من بعيد.
ولعت سيجارة حتى لا أثير الشكوك، لأن الأمر قد يطول.
لكن إلى حصل فاجأني.
شروق طلعت حاجة من الشنطة اديتها للراجل.
الراجل أخدها ومشى على طول، انتهى اللقاء في دقيقة.
نيرة رجعت على البيت والراجل قطع الطريق في الاتجاه المقابل.
مشيت ورا الراجل اللي كان حاطط ايده في جيبه.
بعد شوية ولع سيجارة وواصل المشي.
مشينا أكتر من عشر دقايق.
وأول أتوبيس وقف طلعنا فيه سوا.
كان شاب ثلاثيني لا يثير الانتباه، فكل ملامحه تقول أنه عادي.
لكن نظرته عميقة، عمق بئر وهاديء جداً.
وانشغلت بالمارة والزحمة حتى وجدت يقف جواري.
قال: "معاك ولاعة يا أستاذ؟"
قلتله: "التدخين في الأتوبيس ممنوع".
"آه صح"، همس وهو بيبعد عني.
ولما وقفت أول ست قعدت مكانها.
وفضلت منتظرة ينزل، لكن المحطات فاتت ورا بعضها وهو قاعد.
وبدأ الأتوبيس يفضى من الركاب ويركب ناس جديدة.
وكنت مضطر أنزل عشان ميشكش فيا.
نزلت السلم.
وأول ما الأتوبيس وقف نزلت ولقيته نزل ورايا.
شكيت إنه متابعني أو لاحظ حاجة.
لكن أول ما وقفت وولعت سيجارة عداني من غير ما يقف ولا حتى يبص عليا وواصل مشيه.
تخليت عن فكرة مراقبته، الولد دا كان مثير للشك بالنسبة لي.
مش مجرد إنسان عادي ولا سهل.
استنيت أول أتوبيس وركبته أرجع شقتي.
وتأكدت إنه مش موجود في الأتوبيس.
نزلت قبل سكني بمحطة.
كنت محتاج أشتري شوية حاجات.
خدت وقت طويل اشتري حاجة على قد فلوسي.
ولما رجعت الشقة مهدود الحيل، لقيت الشقة كلها مقلوبة.
المقاعد والهدوم والكتب كله على الأرض.
فتحت الباب بسرعة وصرخت على لبنى صاحبة العمارة.
"يا ستي لبنى، يا ستي لبنى".
فتحت لبنى الباب.
"فيه إيه يا عوني مالك بتصرخ كده؟"
قلت: "فيه حد دخل الشقة في غيابي".
همست لبنى: "هو أنت حيلتك حاجة تتسرق؟ حشرة، بعوضة، جرذان مطعم؟"
قلت: "دي ما هو أهم من المال يا ستي لبنى".
قالت لبنى: "عوني والنبي نقطني بسكاتك ومن فلسفتك، أنا مشفتش حد دخل الشقة. عايز تبلغ الشرطة بلغ".
"وبعدين فين إيجار الشهر اللي فات؟"
قلت: "إحنا في إيه ولا في إيه يا ستي لبنى؟"
"عوني أنا مش هصبر أكتر من كده، فيه أكتر من مستأجر عايزين الشقة. وبعدين طالما أنت زعلان كده غير كلون الباب بدل ما كل واحد ينفخ فيه ينفتح".
كانت لبنى محقة، قفل الباب عندي بايظ وأي حد بيسند عليه بإيده بينفتح.
"عوني لو كنت عامل لعبة عشان الإيجار فأنا مش هصبر أكتر من كده".
منحت لبنى نظرة غاضبة.
"إنتي اتجننتي يا ستي لبنى؟ عوني؟ ليس الشخص الذي يقوم بتلك الحماقات القذرة".
"بكرة فلوسك تكون عندك".
رواية الوشم السائر الفصل السابع 7 - بقلم اسماعيل موسى
دخلت الشقة وأنا متغاظ.
كانت فكرة حمقاء أني طلبت مساعدة لبنى.
مسمعتش منها غير كلام يسم البدن، هيغير مزاجيتي أكتر من شهرين لقدام.
"مع كل يوم أقضيه هنا، تزداد رغبتي في قتل كل نساء مدينتي."
رتبت المقعد والطاولة.
أنا معنديش فلوس ولا دهب، ومش قادر أتخيل شخص ممكن يتعب نفسه في قلب الشقة كده على الفاضي.
وأنا بعدل الأريكة، شفت رسمة على الحيطة.
كانت مختفية ورا الخشب.
كان مرسوم وردة كبيرة منتهية برأس ثعبان.
"فركت راسي، أنا شفت دا فين؟"
جثة أحمد.
صدره ورقبته كان عليها نفس الوشم.
وشم يجمع وردة وثعبان قد يشير إلى العلاقة بين الجمال والخطر، أو بين الحب والخيانة.
الوردة قد ترمز إلى جانب جذاب أو بريء، بينما الثعبان يوحي بشيء خفي أو معقد.
يمكن أن يمثل صراعًا داخليًا بين الرغبات النقية والغرائز المظلمة، أو مزيجًا من الجمال القاتل الذي لا يخلو من التحذير.
وبينما أفكر فيما يعنيه الوشم، هاجمني خاطر قوي.
القاتل كان هنا في شقتي.
كان هنا وترك لي إشارة.
"مش معقول يكون وصل هنا عشان بيهزر معايا؟"
ولأول مرة أحس بالخطر الكبير.
القتلة اللي بيستخدموا الأوشام بيكونوا معقدين جدا، وحذرين جدا، وغامضين جدا.
قعدت شوية وأنا مضطرب.
مين ممكن يعمل كده؟
معقول الشاب اللي قليل شروق يكون بيبعتلي تحذير أنه خد باله مني؟
ولا شروق نفسها بتوصلني رسالة؟
أو يمكن جوزها اللي اعتقد أنه خاين؟
كلها أفكار من غير دليل منطقي، مجرد افتراضات، ده على ترجيح أن نيرة بريئة.
مقدرتش أقعد في الشقة ولا دقيقة.
فكرت أتصل بالضابط فتحي، لكن افتكرت أنه حذرني ما أشوفهوش ولو حتى صدفة.
بس كان لازم أعمل حاجة.
خبطت على لبنى صاحبة العمارة.
فتحتلي وهي لابسة عباية الطبخ.
"فيه إيه يا عوني؟ عايز إيه؟ تكونش جبت الإيجار؟"
"قلتلها: انتي ليكي كام إيجار؟"
"همست لبنى: خمسمية."
"قلت كويس، هاتي ميتين ويقبلك سبعمية."
تأملت لبنى ملامحي، تحذر أن كنت أمزح، لكن وشي كان صارم زي الجزرة.
"همست لبنى: حاضر."
دخلت جوه جابت ورقة بميتين، حطتها في إيدي على الباب.
"قلتلها: شكرا ومشيت."
الموضوع قلب جد ولازم ألاقي حل بسرعة.
خدت تاكسي تجاه شقة شروق وجوزها أسامة.
لازلت أعتقد أن البداية ستكون هناك.
أحمد جوز نيرة خانها مع أختها شروق واضطرت لقتله.
وأسامة عرف أن شروق في علاقة مع أحمد فقتله.
ثم صفعتني حقيقة موجعة.
القاتل يستطع رسم وشم دقيق، وده مستغرب في حالة أسامة أو نيرة.
ثم أنا أصلاً منطلق من فكرة أن نيرة بريئة.
وتسللت خلف جذع شجرة وراقبت الشقة.
شروق؟
من أول ما شفتها وأنا حاسس أنها عميقة جدا وغامضة، وتأكدت من كده بعد ما شفتها مع الشاب في المنتزه.
بس لو شروق هي المتهمة أو أجرت شخص للقتل، كان ممكن تقتل جوزها أسامة مش جوز أختها.
وأصبح عقلي مثل فرن العيش.
وأنا وسط شرودي سمعت صراخ في العمارة قدامي، وبدأت الناس تتجمع.
حاولت أني ما أظهرش قدام الغفير لحد ما سمعت واحد من الجيران بيقول:
"جوز شروق اللي في الدور التاني اتقتل."
رواية الوشم السائر الفصل الثامن 8 - بقلم اسماعيل موسى
جوز شروق اتقتل؟ صعقني الخبر، كلسعة صقيع لطفل مدارس يرتدي حذائه دون جورب في عز الشتاء وهو يمشي وسط النجيلة على فحيرة الحقل.
أشعلت لفافة تبغ واتكيت على السور وزرعت يدي في جيب بنطالي الجينز الأزرق. كنت بحاجة لشرود وسط الزحمة دون أن أتهم بالجنون.
كان صوت صراخ شروق يصلني وأنا واقف مكاني بالطبع. كأنها حزينة. أشعر أن مزاجيتي ضبابية. لطالما اعتقدت أن السر خلف أسامة، لكن الآن الأمور باتت تافهة. أسامة قتل، أحمد قتل، وشعرت بالضيق لأن القضية حلت أسرع مما تخيلت.
تأكدت أن أسامة قتل ولم تكن وفاته طبيعية قبل أن أتحرك.
قصدت السجن من فوري وطلبت مقابلة نيرة، لكن ضابط النبطشية تعنت معي. لطالما كرهت ضباط الشرطة أكثر من العصافير. لكني بكل حزم قابلت المأمور، والذي سمح لي بمقابلة قصيرة ومن خلف الأسوار. عشرة دقائق، هل تفهمني؟
"لسنا سوق هنا، الزيارة تحتاج تصريح مسبق."
قلت: "مفهوم يا باشا، ربنا يصبركم على غبائنا."
كانت نيرة أكثر شحوباً، تعاني من نقص واضح في التغذية. نظرتها تائهة رغم احتفاظها بجمالها الأخاذ.
قلت: "افتحي فمك، براءتك ظهرت."
سألت: "كيف؟"
قلت: "أسامة قتل!"
سألت: "أسامة جوز أختي؟"
قلت: "طبعاً جوز أختك، إحنا هنهزر؟"
سألت: "ودا هيبرّئني إزاي يا عوني بيه؟"
رميت على نيرة نظرة متفحصة. أكره الفتيات عندما يحاولن إظهار ذكائهن بطريقة مبتذلة.
قلت: "لنفرش أسرارنا على الورق يا مدام نيرة. لقد اكتفيت من الهراء ولن تجدي شخصاً أكثر حماقة مني، لكن!! مزاجيتي سريعة التغير."
"كانت أختك في علاقة محرمة مع زوجك أحمد. أعتقد أنك اكتشفتِ ذلك قبل أسبوعين من مقتل أحمد. ربما بالصدفة، وربما عن طريق الهاتف، وربما وهذا ما أرجحه، رسالة مجهولة حملت إليك النبأ الجثيم."
"ولأنك زوجة وفية مثل بقية الزوجات، ما علينا، حاولتِ أن تتجاهلي تلك الإشاعة المقيتة. قلتي في نفسك أن زوجك أحمد يحبك ولا يمكن أن يفكر في خيانتك. هكذا تفكر كل زوجة مخدوعة. ثم إن القصة نفسها مقرفة: زوجي وأختي؟"
"وربما تناسيتِ الموضوع يومين أو يومين ونصف. لأن تلك هي أقصى مدة سجلت في النتائج البحثية لقدرة امرأة على حفظ سر دون أن تفتح فمها."
"ثم راح عقلك اللعين يعمل بطريقة شيطانية. تتبعتِ تحركات زوجك، تنقلاته واتصالاته. وبعد أيام، أي أسبوع قبل مقتل أحمد، أمسكتِ بيدكِ دليل على خيانة زوجك."
"ودار داخلك صراع ليس شفقة على زوجك بالطبع، لكنه صراع أبدي. كيف استطاع ذلك الوغد خيانتك؟ فأنتِ، مثلما تقول كل امرأة عند الخيانة: ما فيكيش غلطة."
"وقبل يوم من مقتل أحمد، وبعدما توفرت لكِ الأدلة، فاجأتِ أحمد بجريمته، جريمة خيانتك. وربما، وهكذا أتصور، أنكِ قلتِ بالحرف الواحد وأنتِ تبكين: لو كنتِ عملتها مع شخص تاني كان ممكن أسامحك، لكن أختي يا أحمد؟ أختي؟ أنت حيوان قذر."
"ولم يتحمل أحمد الصدمة. كذبكِ وأنكر وترك الشقة."
"وفي يوم مقتله، عندما عاد إلى الشقة، أظهرتِ الأدلة التي في حوزتك. اشتعل أحمد غضبًا وطردكِ من الشقة وهو يصرخ أنكِ عاهرة وخائنة."
"ولم يكن أحد يعرف الحقيقة. وعندما عدتِ مرة أخرى للشقة، كان أحمد ميتًا."
"ثم قبضت عليكِ الشرطة. ولم يكن بوسعك، وأنتِ الأخت الكبرى التي وصتكِ أمكِ على أختك شروق، أن تفضحيها. فأغلقتِ فمكِ اللعين وتركتِ الشرطة تقتادكِ إلى السجن مثل حشرة. كنتِ تحتاجين شخصًا غيركِ أن يكشف الحقيقة حتى يرتاح ضميركِ. ولم تجدي أمامكِ سوى جاركِ اللعين غريب الأطوار، الذي كنتِ تشاهدينه من شقتكِ يقضي ليله ونهاره في قراءة الروايات البوليسية في شرفة شقته المستأجرة، غير القادر على دفع إيجارها منذ شهرين، وهو يدخن لفافات التبغ."
"حينها طلبتِ من الشرطة أن تستدعيني. وكان ضابط الشرطة يشك في وجود علاقة بيني وبينكِ لغرابة الموقف. فما كان منكِ إلا أن اختلقتِ تلك الحركة المسرحية المذهلة، والتي لا أنكر أنها أعجبتني. في قسم الشرطة سحبتِ قطعة الزجاج ووضعتها على عنقي وأقسمتِ أنكِ ستقتليني. ووافقتكِ أنا على الخطة، فمثلتُ الرعب، مما وفر لكِ ولينا غطاءً ملائمًا."
"تأكد ضابط الشرطة من عدم وجود علاقة تجمعنا ببعضنا. ووفرتِ لي الحرية لأعمل على القضية بعد أن تركني معاون المباحث. ورحل."
"وكان من الممكن أن يلتف حول المشنقة حول رقبتكِ الجميلة."
"من حسن حظكِ أن أسامة قتل."
صمتت نيرة ذهاء خمس دقائق، ثم همست: "وكيف سوف ينقذني مقتل أسامة؟"
قلت:
رواية الوشم السائر الفصل التاسع 9 - بقلم اسماعيل موسى
بالطبع مقتل أسامة يمكن أن ينقذ رقبتك الجميلة من حبل المشنقة.
هناك جريمة قتل حدثت وأنتِ داخل السجن، يعني أن هناك قاتل حر طليق يرتع في الشارع.
قاتل غيرك.
ثم نظرت في عيني نيرة.
كل ما علي فعله أن أعاين الجثة وأربط بين الجريمتين، إذا كانت طريقة القتل واحدة فقد أصبحتِ حرة يا سيدة نيرة.
همست نيرة: تعجبني طريقة تفكيرك يا سيد عوني، من أجل ذلك أنا اخترتك.
قلت: وأنا لا أتطلع أبداً لأولئك الذين أحبوني من أجل عقليتي المبهره، بل أكرههم وأنتظر اليوم الذي آخذ فيه حقي منهم.
فتحت نيرة فمها مستفهمة.
وصرخ الشرطي: الزيارة خلصت يا أستاذ!
طاوعت أمين الشرطة وتركت مكاني.
في طريقي، عرجت إلى قسم الشرطة لأقابل فتحي بيه.
طعنى معاون المباحث أكثر من ساعة قبل أن يسمح لي بتأمل وجهه اللعين.
ثم استقبلني بنظرة مستفزة تخبرني أن وقته القذر قليل جداً، وأنه على كل حال لا يريد تبديده في حكايات فارغة.
قلت: أسامة قُتل.
أسامة من؟ خاطبني فتحي بيه وهو يقلب الأوراق في دفاتره بلا اهتمام.
قلت: أسامة زوج شروق.
شروق من؟ هل تعتقد أنني أعمل في السجل المدني يا عوني؟
أفرغ معدتك مرة واحدة واتركني لعملي.
تنهدت بضيق، أسامة زوج شروق أخت نيرة، زوجة أحمد الذي قُتل وكانت محبوسة هنا على ذمة التحقيقات، وقمت سيادتك بطلبي من أجل التحقيق معي في تلك الجريمة.
رفع فتحي بيه عينيه بأندهاش كأنه أول مرة يسمع تلك القصة.
وما شأني أنا بشروق وأسامة؟ ها، أسامة يتبع قسم لا يقع تحت يدي.
قلت: يا باشا امنحني تركيزك دقيقة واحدة، قضية نيرة تبع قسمك وتحت عنايتك، وأسامة زوج أخت نيرة، القضيتين مرتبطتين ببعضهما، وإذا تمكنا من معاينة جثة أسامة وإذا تأكدنا أن طريقة القتل كانت واحدة، يعني أن نيرة بريئة وأنا قضيتي أخذت منحنى وطريق آخر.
وأنت بقا جاي هنا تعلمني شغل؟ صح؟ متوقع إني منتظر سيادتك على أحر من الجمر علشان تطلعني على آخر المستجدات؟
قلت لك مية مرة لا تتدخل في عملي يا عوني، لكن على ما يبدو أنك لا تراني شرطي؟ أو أن هيئتي ربما أوحت لك أنني كمسري قطار أقاليم؟
أنا أعرف كل شيء يا عوني، وعندما أريدك أعرف أين أجدك، والآن ارحل من هنا، بعد لحظات إذا رأيت شعر رأسك أقسم أن أضعك في الحجز.
وأنا خارج من القسم، أخذت قراري أن أحل القضية بنفسي دون مساعدة أي مخلوق.
سمحت لنفسي أن أستقل تاكسي نحو مسكن شروق.
وهناك وجدت صديقي الغفير الذي استقبلني بملامح غاضبة وحزينة.
قال الحارس: اعذرني أستاذ عوني، لكن الوقت ليس مناسب لمناقشة أمر الشقة.
هناك جريمة قتل حدثت داخل العمارة، والشرطة كل دقيقة داخلة، خارجة.
قلت بأسف: بجد؟
أيوه يا أستاذ عوني.
لا حول الله، جريمة قتل هنا في هذا الحي الهادئ وتحت حراستك؟
همس الحارس: ما هو دا اللي مجنني، أنا مسبتش مكاني ولا لحظة ومشفتش ولا شخص غريب داخل الشقة.
يا عم متزعلش نفسك، أكيد الموضوع فيه سر وإن شاء الله الشرطة هتحله!
لكن مين اللي مات يا عمنا؟
الأستاذ أسامة اللي ساكن في الشقة اللي قدام الشقة اللي أنت عايز تتأجرها.
مراته الست شروق كانت برة البيت ولما رجعت الشقة لقيته ميت، وهاتك يا صراخ.
قلت: على كده أكيد الشرطة أخدته من هنا؟
الشرطة أخدته على المشرحة، بيقولوا إن التشريح مفيد للقضية.
بعد ما تكلمت مع الحارس شوية، استأذنت ومشيت.
كنت عارف أنها مخاطرة، لكن روحت على المشرحة.
ثبت عامل المشرحة بالكلام الجميل وقابلت الدكتور فاروق الطبيب الشرعي، واضطريت أكذب.
قلت أنا من طرف فتحي بيه معاون مباحث قسم الدقي، وطلبت منه أبص على الجثة بطريقة ودية.
ولأن السلك الشرطي لا يعترف إلا بالعلاقات، سمح لي دكتور فاروق برؤية الجثة تحت مراقبته.
وكما توقعت، جرح سكين في منطقة القلب والرقبة.
والمفاجأة، وشم الوردة الذي ينتهي برأس ثعبان على صدر القتيل ورقته.
تنهدت بارتياح، كل شيء واضح، نيرة بريئة.
لأن يمكنني أن أسمح لنفسي بوجبة عشاء فاخرة من مطعم.
على بركة الله، اشتريت سندوتشات الكبدة والسجق، وطالبت النادل بالمخلل والفلفل الأخضر.
ثم جلست على الطاولة أتناول طعامي باستمتاع.
لكن تنتظرني في العمارة وتتوقع أن أسدد الإيجار والسلفة عند عودتي.
كان يمكنني أن أطلب نقود من نيرة.
لو اشتغلت محقق مؤكد أنني سأكسب عشرة أضعاف الدروس الخصوصية التي أمنحها للطلبة بالمجان.
أنهيت طعامي وأخذت آخر أتوبيس نحو الخصوص، ومن هناك أكملتها سير على الأقدام.
عبرت كوبري عزبة النخل نحو الجهة الأخرى، ثم أخذت تاكسي بعشرة جنيه، أنزلني أمام العمارة.
رواية الوشم السائر الفصل العاشر 10 - بقلم اسماعيل موسى
كان الشارع صاخبًا عندما نزلت من التوكتوك. اشتريت من الفرن خمسة أرغفة، ثم صعدت إلى شقتي. ارتميت على الكنبة.
ستظهر الحقيقة بين يوم أو يومين. هل ستعود نيرة إلى شقتها بعد براءتها؟ كيف سيكون الوضع حينها، وهل ستسرى همسات عن علاقة بيني وبينها؟ مشكلتي أنني أستبق الأمور، أستبقها بطريقة مزعجة ومؤرقة وتعيسة.
وكان شيء داخلي ينبض بقلق، شيء مبهم وغير مفهوم، حزن ساكن له رائحة البول، شيء من الشك المعاكس.
نمت وأنا أحمل داخلي ذلك الهاجس. استيقظت من النوم عدة مرات للذهاب للمرحاض. منذ شخصني الطبيب بتضخم حميد في المثانة وأنا أواظب على تلك العادة.
أقصد الحمام وسط الظلمة، لا أفتح النور حتى لا يطير النوم من عيوني.
في نومي تراودني أحلام مزعجة وغير مفهومة. أنني أهرب من شيء وأبذل كل جهدي في الركض، رغم ذلك لا أتحرك من مكاني. وعندما يقترب الشيء مني أستيقظ.
رغم مرور السنين لا زلت أتطلع لليلة أقضيها بلا أحلام، ليلة أنام فيها مثل البشر وليس مثل الهررة، أفتح عيني كل عشرة دقائق.
لكن الذي أيقظني ليست الأحلام ولا الكوابيس، بل طرق طرق متواصل بوتيرة ثابتة ورخمة.
لاحظت أن الساعة تشير للعاشرة مساء. لازلت أحتفظ بساعة جدارية أحتفظ بها كلما انتقلت من مكان لمكان.
حتى الآن لم أجد مكانًا يسعني!! مكان يسع حماقاتي، يسع تفاهاتي، يسع حزني، يسع روحي ويسع تناقضاتي، وسأموت دون أن أجده، لأن الفرحة الصافية محرمة على من هم مثلي.
"همست من خلف الباب: من؟"
"جاء الصوت الهادر: افتح يا خويا، يعني هيكون مين عايزك؟"
أطلقت سبة. آخر ما ينقصني لبنى صاحبة العمارة وحديث عن الإيجار والسلفيات. صرخت: "لحظة أغير هدومي."
ارتديت تيشرت أزرق وفتحت صندوقًا خشبيًا قديمًا احتفظ فيه بأشياء هامة. أخرجت منه ساعة روليكس قيمة كانت ملك والدي. إذا فتحت لبنى فمها عن الإيجار سأمنحها الساعة، وإذا استمرت في الثرثرة المغرضة سأهشّم رأسها بمنفضة السجائر.
عندما فتحت الباب لم تكن لبنى بمفردها. كان معها شخص أعرفه سطحيًا. شروق.
ارتفع حاجبي وتراجعت خطوة لا إرادية.
"فيه ضيفة عايزاك يا عوني."
قلت للبنى: "خليها عندك وأنا دقايق وهكون معاكم." فضلت أن أتحدث معها في شقة لبنى منعًا للكلام، ولأن شقتي تقلب تعدل، ولأنني لست من الصنف الذي يستقبل نساء في شقته.
غيرت ملابسي مرة أخرى. ارتديت بنطال تريننج لوتو أسود، تيشرت أبيض مطبوع عليه رسم لبرج إيفل، وكوتشي أديداس مقلد أبيض اللون ابتعته بمائتين وخمسين جنيه في أوكازيون التصفيات. وضعت لفافة التبغ في جيبي بنطالي والقداحة.
سرحت شعري ولم أقف أمام المرآة، فعلى كل حال مظهري لن يعجبني ولن يعجبني ولن يعجبني.
أغلقت الباب بقوة وطرقت باب شقة لبنى. فتحت لي ابنتها جين، فتاة في العاشرة من عمرها خمرية البشرة نحيلة ومرحة.
"همست جين بصوت خافت: هناك ضيوف ينتظرونك في الصالة."
"قلت: من؟"
"قالت: فتاة جميلة."
"قلت: طيب."
ألقيت السلام وجلست.
"أنا شروق أخت نيرة."
"قلت: أهلًا وسهلًا."
"زوجي قُتل اليوم."
"همست: الله يرحمه."
"أنت عوني؟"
"قلت: نعم أنا عوني."
"أنت إلى ماسك قضية نيرة؟"
"قلت: نيرة طلبت مساعدتي وأنا بذلت كل جهدي، لكن أنا مش محامي، وأكيد مش أنا اللي هخرجها من السجن."
"ليه؟"
"قلت: ليه إيه؟"
"همست شروق: ليه نيرة طلبت مساعدتك أنت بالذات؟"
"قلت بلا مبالاة: اسألي أختك."
"علاقتي بنيرة مش كويسة، مش ماشية على ما يرام. بقالنا كتير أوي مختلفين ومفيش بينا أي تفاهم."
وكانت تنتظر مني شرحًا توضيحيًا، ألغازًا وربما أسرارًا.
"قلت: أنا مش هقدر أفيدك بحاجة يا مدام شروق، أنا معرفش ليه أختك اختارتني."
وضعت شروق يدها على طرحتها بتوتر. طرحة لبنية تحتها بندانة سوري بنية. بأصابع مرتعشة دقت جبهتها.
"نيرة مش بتعمل أي حاجة والسلام، نيرة بتثق بك."
"قلت: للأسف أنا آخر إنسان في العالم ممكن أن ينال ثقة أي كائن بشري."
"أنت متعرفش نيرة زي."
وأدارت شروق وجهها تفكر.
"أنت أكيد فيك حاجة مميزة، أصل مش معقول تعمل كده من غير سبب."
"كنت أتساءل في نفسي: أي حماقة قد تدفع امرأة لترك شقتها وطلب الكلام مع شخص مجهول بالنسبة لها وقد قُتل زوجها للتو؟"
"أنت معتقده إني قتلت جوزك يا مدام شروق؟"
رفعت شروق وجه بلوري أبيض خالٍ من النمش والتعقسات. شفاه ضيقة ممتعة في القضم والعض.
"ليه بتقول كده؟"
"أخرجت سيجارة ولم أرد."
"ردفت شروق: أنا مش جايه علشان أتهمك، أنا مش شرطية."
"ليسأمني الله، تخيلت للحظة شروق في زي ضابطة ضيق ترفل في أرجاء الشقة وتلقي الأسئلة."
"استاذ عوني؟ أنا محتاجة مساعدتك، طالما نيرة وثقت بك أنا كمان هثق بك."
"قلت: أنا مش محامي والله."
"همست شروق: عارفه، لكن أنت بتساعد نيرة. ساعدني أنا كمان."
"قلت: نيرة في السجن."
"لكن أنت حرة. أساعدك إزاي؟"
"ساعدني أعرف المجرم وأنتقم منه، ساعدني نحط الحديد في إيده."
سحبت نفسًا من لفافة التبغ.
"أنتِ معتقده إن القاتل شخص واحد؟"
"أيوه، وده السبب اللي خلاني ألجأ لك. أسامة قتل بنفس طريقة أحمد جوز نيرة. الموضوع مش صدفة، أنا خايفة على حياتي وحياة نيرة."
أخيرًا هزت لبنى مؤخرتها وتلحلحت تعمل شاي.
"أنا شفتك بتراقبني استاذ عوني، أنت مشيت ورايا إلى المنتزه."
"قلت: فعلاً أنا مشيت وراكي، لكن مش شفت حاجة مهمة."
ثبتت شروق عينيها الخوخية على وجهي، ومر شبح ابتسامة مغدورة على وجهها وأدركت أنها ليست أنثى عادية. ثم طرف حاجبها بتوتر.
"الشاب اللي شفته معايا ده كان عشـيـقـي."